كافة حقوق الطبع محفوظة
مكتبة المنار
الأردن - الزرقاء
[ ٣ / ٣ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
[ ٣ / ٤ ]
تمهيد
المرحلة الثانية: الجهاد السياسي وانتصار الرسالة
الخط العام الذي ينتظم هذه المرحلة هو الخط السياسي. لكن ضمن إطار القوة المكافئة.
فتعاظم قوة المسلمين، وتحولهم إلى شوكة مرهوبة الجانب أتاح لقائد الدعوة محمد - ﷺ - الفرصة لعرض أفكاره وهيأ النفوس للاستماع لها إذ أن الناس قلما يصغون إلى غير القوي. وكما نشهد اليوم الحرب الدعائية بين الدولتين القويتين في العالم إذ تتقاسمان مناطق النفوذ، وأن هذه الدول قلما تضطر لاستعمال قوتها العسكرية إلا تحت ضغط الظروف الطارئة. نجد تلك الصورة في ذلك الوقت.
صحيح أن غزوة الخندق لم تحقق نصرا قويا للمسلمين. لكنها أكدت في الوقت ذاته أن المسلمين قوة لا تقهر، وفشل أضخم هجوم عربي على المدينة. يعني أن الكفة بدأت بالرجحان لصالح المسلمين. وجعل هذا الأمر عند المشركين يأسا قاتلا من إمكانية الانتصار على محمد صلوات الله وسلامه عليه.
وكان رسول الله - ﷺ - حريصا كل الحرص على أن يعمق هذا المعنى في صفوف المشركين.
فراح يطاردهم في أعماق أرضهم، وهو ينفذ القول الذي أعلنه:
(الآن نغزوهم ولا يغزونا)
وسنعرض للسمات المحددة لهذه المرحلة بالتفصيل:
السمة الأولى: التحدي المعنوي للمشركين
ولعل عرض المقريزي لغزوة بني لحيان يوضح هذه السمة حيث كانت غزوة تحمل طابع حرب الأعصاب أكثر مما تحمل طابع الحرب النظامية .. فلقد كانت قوة المسلمين فيها لا تعدو مائتي رجل معهم عشرون فارسا. وكانت المهمة بث الرعب في صفوف العدو، والثأر لأصحاب الرجيع، خبيب وأصحابه الذين غدر بهم بنو لحيان وقتلوهم، وكان هذا الأمر قبل سنتين من هذا الموعد.
أما الهدف الأول فقد تحقق حين فر بنو لحيان وتمنعوا في رؤوس الجبال ولم يجرؤوا على المواجهة ولكن لهذا الهدف آمادا أبعد وأعمق.
[ ٣ / ٥ ]
يقول عليه الصلا والسلام: (لو أنا هبطنا عسفان لرأى أهل مكة أنا قد جئنا مكة (١» وتحرك بقوته لعسفان، ولم يكتف بهذا الأمر بل أقدم على خطوة أشد خطورة، فبعث أبا بكر ﵁ إلى كراع الغميم التي تبعد عن مكة أميالا عدة في عشرة فوارس. وكان الهدف واضحا من هذا التحدي كما تقول رواية الواقدي:
(إن هذا يبلغ قريشا فيذعرهم، ويخافون أن نكون نريدهم. وكان خبيب بن عدي يومئذ في أيديهم. فخافوا أن يكون جاء ليخلصه (٢).
وإن كان الهدف الثاني لم يتحقق، من حيث الأخذ بالثأر المادي من بني لحيان. لكن الخوف الذي لزم بني لحيان، جعلهم يشعرون بخطورة المسلمين في المنطقة.
ولم يكن إختيار أبي بكر بهذه الفوارس العشرة ليمضي إلى كراع الغميم، اختيارا عشوائيا.
بل كان مرتبطا بالهدف ارتباطا وثيقا. فأبو بكر المهاجر ابن مكة. يعرف القاصي والداني في الأرض الحجازية. وليس نكرة عند أهل كراع الغميم. بل هو الصاحب الأول لمحمد رسول الله.
ويكفي أن نذكر أن بين الخندف التي كان المسلمون فيها محاصرون. وبين بني لحيان التي تحول المؤمنون فيها إلى مهاجمين أقل من خمسة أشهر. وهذا يعني التنفيذ العملي للكلمة الخالدة: (الآن نغزوهم ولا يغزونا).
وهذه دروس عميقة للحركة الإسلامية. فالقيادة حين تعلن هدفا أو موقفا، أو تعد بعملية معينة. وتتلكأ في التنفيذ تفقد ثقة قواعدها بها، وتزلزل طبيعة العلاقة بين طرفي الجماعة المسلمة. فالتجسيد العملي للكلمة هو الذي يكسب احترام العدو والصديق.
صحيح أن هذه الغزوة لم تحمل في ثناياها أنباء انتصارات عسكرية حاسمة. لكنها أصابت كبد العدو، وبثت الذعر في قلبه، وغزته في عقر داره ومن جهة ثانية، رفعت معنويات الجيش المسلم، وأعادت إليه الثقة في نفسه بعد الحرب الطاحنة في غزوة الخندق.
وانتصار المسلمين في بني قريظة. رغم رفعه المعنويات الضخمة للمسلمين. لكنه لم ينه عقدة التفوق القرشي عندهم، وكانت هذه الغزوة كفيلة بمحو هذه العقدة.
ودرس آخر تحتاجه الحركة الإسلامية اليوم، هو أن رسول الله - ﷺ - رافق الحملة إلى عسفان، التي تبعد أميالا عن مكة. وهو الهدف الأول من العدو، وكان بإمكانه ﵊ أن يبعث في هذه الغزوة مئات بل ألوفا من أصحابه. لكنه مع ذلك آثر أن يرافق الحملة بنفسه، لرفع معنويات أصحابه كذلك، ودفع بأعز القادة عنده إلى كراع
_________________
(١) السيرة لابن هشام ج ٣: ٢٩٣.
(٢) إمتاع الأسماع ص ٢٥٧.
[ ٣ / ٦ ]
الغميم ليؤكد ضرورة الالتحام العملي بين قيادة الأمة ورعيتها.
وفكرة أن لا تذهب دماء المسلمين هدرا فكرة إسلامية أصيلة. فتحرك رسول الله - ﷺ - إلى بني لحيان للثأر لأصحاب الرجيع، وذلك بعد مرور سنتين على اغتيالهم والغدر بهم يعني درسا ثالثا للحركة الإسلامية، أن الثأر من الطغاة فيما يقتفرون من جرائم. هو الذي يردع هؤلاء الطغاة ويسقط الأمر في أيديهم.
إن طبيعة الحرب لا تقبل التضحيات فقط، ولا تقبل الخسارة من جانب واحد فقط. بل لا بد أن يشعر الجندي المسلم بقيمته عند قيادته، وكرامة دمه عند جماعته. فهناك من يثأر له، وهناك من يدافع عنه، أما أن يحس الجندي المسلم أنه مدفوع به للذبح والتضحية، وقيادته في حصن حصين من العدو، فلا يمكن أن يتابع الطريق مهما ارتفع المستوى الإيماني عنده.
وأخيرا فحاجة الحركة الإسلامية إلى الهجوم على العدو بعد المحنة هي خط أصيل في طبيعة المعركة مع العدو كي يستعيد الجيش ثقته بنفسه.
لقد رأينا رسول الله - ﷺ - يلاحق قريشا بعد أحد بثلاثة أيام في حمراء الأسد وها هو يصل إلى مشارف مكة بعد الخندق بأربعة أشعر. كي يبقى الجيش على تحفزه وترقبه واقتناعه بقدرته الحربية وكفاءته القتالية كذلك.
وحري بنا أن نفقه هذه الدروس، ونتعلم من خلالها أسباب أزمة الثقة التي تسود أحيانا الصف المسلم بين قيادته وقاعدته، وحين نهتدي بهداها نجد أن هذه الأزمة تذوب وتتلاشى بمثل هذا الالتحام وهذه التضحيات.
السمة الثانية: حديث الإفك
واخترت هذا العنوان، على طبيعته، لأصل بهذا المصطلح الخاص إلى النص العام الذي لا بد أن يشعر به أبناء الصف المسلم وخطورة أخذهم بالإشاعة دون تثبت وكيف أن الإشاعة كفيلة بتحطيم هذا الصف كله.
إنه وإن تجسد باتهام الصديقة بنت الصديق عائشة ﵂. لكنه صورة قد تتكرر في كل جيل وتضع النيل من القيادة هدفا رئيسيا لا بد من تحطيمه، وحين تعجز القوة المادية عن النيل من القيادة فليس أمام العدو إلا الحرب المعنوية على هذه القيادة وتحطيمها من خلال هذه الحرب ولذلك لن نتناول حادثة الإفك كحدث تاريخي بتفصيلاته ودروسه. ولكننا سنتناوله من خلال حرب الإشاعة التي يبثها العديو المنبث في الصف ضد القيادة.
[ ٣ / ٧ ]
وأهم ما في هذا الحدث هو أن مصدر الفرية - على ما يبدو - هم المنافقون تحت راية زعيمهم عبد الله بن أبي، وحين يتحصن الصف من الفرية. وتبقى في صافوف المنافقين فلا خطر منهم ولا هم لكن عندما تنتقل إلى داخل الصف المسلم فتسرى فيه سريان النار في الهشيم عندئذ يبدو خطرهم الكبير.
والنص القرآني حين تحدث عن هذه الحادثة. كان يخاطب الصف المسلم أكثر مما يخاطب صف المنافقين. ويحمل على المؤمنين الصادقين الذين تأثروا بهذه الفرية، واستجابوا للحديث في الظنة دون بينة والنقاط المحددة التي نعرض لها في هذا الحديث المؤتفك هي ما يلي:
أولا: البعد عن مظان التهمة واجب أساسي على الصف المسلم، وعليه أن يعلم - وخاصة القيادة - أنه هدف لأنظار العدو والصديق، فيتجنب ما استطاع البعد عن موطن الريبة.
ثانيا: عدم الأخذ بالإشاعة كما يقول القرآن الكريم:
﴿لولا جاؤوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأوالئك عند الله هم الكاذبون﴾ (١) وأي خبر غير موثق بالنسبة للفرد المسلم هو مرفوض عنده، وليعلم هذا الأخ أن رواية الإشاعة، وتناقل الخبر غير الموثق تحيله إلى أخ كاذب .. وهذا حكم القرآن في أمثال هؤلاء. هم الكاذبون عند الله، ولو لم يفتر الكذب. لو كان نقله صدقا محصنا عمن سمع منه فهو عند الله تعالى من الكاذبين.
ثالثا: ليبق الميزان الحساس في الحكم على الإشاعة هو الميزان الذاتي. فلا بد من ثقة الأخ بإخوانه ثقته بنفسه، وقد أقر القرآن الكريم هذا الميزان وأثنى عليه وذلك بمناسبة الحديث الذي جرى بين أبي أيوب الأنصاري وزوجة أم أيوب ﵄ إذ قالت لزوجها: (أما تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ قال: نعم وذلك الكذب. أكنت فاعلة ذلك يا أم أيوب قالت: لا والله ما كنت لأفعله. فقال: فعائشة والله خير منك) (٢) ونتمنى لكل أخ وهو يثير الإشاعة بحق أخيه أو قيادته أن يحسب على أقل تقدير أن أخاه أو مسؤوله ليس أقل حرصا على دينه منه، وليس أقل دينا وورعا منه. ولو نفذ هذا الميزان الذاتي. لانهارت الإشاعة وانهار الإفك من جذوره.
رابعا: أن لا يتدخل الهوى إطلاقا في قضية النقل للإشاعة والمساهمة فيها وصورتان متنافرتان لاتباع الهوى في الإفك، وللتبرؤ منه والصورتان هما لأختين مسلمتين شقيقتين الأولى: هي زينب بنت جحش ﵂، والثانية: لأختها حمنة
_________________
(١) النور الآية (١٣).
(٢) السيرة لابن هشام ج ٣: ص ٣٠٥.
[ ٣ / ٨ ]
بنت جحش فقد أورد المقريزي عن زينب هذا الحوار بينها وبين رسول الله - ﷺ -: قالت: (حاشى سمعي وبصري، ما علمت عليها إلا خيرا. والله ما أكلمها وإني لمهاجرتها وما كنت أقول إلا الحق) (١).
وأن تستطيع ضرة أن تكتم هواها فلا تمضي في الإشاعة يدل على المستوى العظيم الذي بلغته هذه المرأة المسلمة والأفق العالي الذي ارتقت عليه. وهذا ما دعا عائشة ﵂ أن تبرىء ساحة زينب من ولوغها في هذه الفرية.
تقول ﵂، (ما كان أحد يساميني عند رسول الله - ﷺ - إلا زينب بنت جحش) فقد وضعتها في موقعها الصحيح من طبيعة المنافسة مع عائشة ﵄، لكنها مع ذلك لم تجد حرجا من الثناء عليها في هذا الموقف فقالت:
(أما زينب فقد عصمها الله بدينها فلم تقل شيئا).
أما الموقف الثاني، فهو موقف أختها حمنة، التي انطلقت في الإشاعة تنقلها من بيت إلى بيت، ولا شيء يقف في وجهها، وذلك ثأرا لأختها زينب. تقول عائشة ﵂:
(أما أختها حمنة فأشاعت من ذلك ما أشاعت تضادني لأختها فهلكت).
ولا نتمالك من الإعجاب العظيم بعائشة ﵂، إذ استطاعت أن تفصل بين الموقفين للأختين الشقيقتين. ولم تحمل زينب شيئا من وزر أختها حمنة. خامسا: موقف المفترى عليه، هو أثقل الأدوار وأضخمها في حديث الإفك.
والمنهج الذي يجب أن يسود في هذا الصدد هو أن لا يقابل الافتراء بافتراء آخر ولا تقابل الإشاعة المؤتفكة بإشاعة أخرى. وأن يتمالك الأخ المفترى عليه فلا يطلق لسانه في أعراض الآخرين ولو اعتدي عليه حتى تتم براءته وتبرئته. هو موقف أصيل ندعو إليه هذا الأخ في هذا المجال. ونلحط موطن القدوة من العناصر الثلاثة الذين نيل من عرضهم في حديث الإفك.
أولهم: محمد رسول الله - ﷺ -، وهو سيد الأمة والبشرية. وهو الحاكم والقائد، وبيده السلطة، وبإشارة واحدة منه يمكنه أن ينهي حياة الوالغين في عرضه ; ومع ذلك لم يملك في هذا الأمر بعد أن استشار كبار أصحابه إلا أن يخطب في المسلمين قائلا على المنبر بعد أن حمد الله وأثى عليه أيها الناس ما بال رجال يؤذونني في أهل ويقولون عليهم
_________________
(١) إمتاع الأسماع المقريزي ج ١: ٢٠٨.
[ ٣ / ٩ ]
غير الحق والله ما علمت منهم إلا خيرا. ويقولون ذلك لرجل والله ما علمت عليه إلا خيرا، وما يدخل بيتا من بيوتي إلا وهو معي».
وعندما وقعت الأزمة بين الفريقين الأوس والخزرج لم يكن ليملك ﵊ إلا أن يكون حكما بينهما رغم أن أحد الفريقين يدافع عن الوالغين في عرض عائشة ﵂ والآخر يهاحمهم ومع ذلك، فقد أرضى الفريقين ولم يتحيز لأحدهما لأنه لا يملك البينة ليرد بها على الفريق المتهم، وحتى عندما تجاوز صنوان ﵁ في ثورته لنفسه وضرب حسان بن ثابت على اتهامه لم يسنده رسول الله - ﷺ - من الخلف ويشجعه على تجاوزه قبل صدور البينة مع أنه يبرىء أحب الناس إليه عائشة ﵂، وقد حضر حسان وصفوان عند رسول الله - ﷺ - ولنستمع إلى تلك المحاكمة الهادئة للجنديين المتجاوزين!
(قال صفوان بن المعطل: يا رسول الله آذاني وهجاني فاحتملني الغضب فضربته. فقال رسول الله - ﷺ - لحسان: أحسن يا حسان أتشوهت على قومي أن هداهم الله للإسلام ثم قال: أحسن يا حسان في الذي أصابك قال: هي لك يا رسول الله.
قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن إبراهيم: أن رسول الله - ﷺ - أعطاه عوضا عنها. . . وأعطاه سيرين أمة قبطية فولدت له عبد الرحمن بن حسان) (١). وهكذا كلفت ضربة صفوان لحسان أرضا وجارية وهبها رسول الله - ﷺ - لحسان بن ثابت بعد عفوه عن صفوان بن المعطل، وكان هذا العطاء لمن ينشد الشعر في اتهام زوجته ويمضي في الإشاعة دون توقف.
وثانيهم: هو أبو بكر ﵁ وزوجه أم رومان وقد نزل بهم من البلاء ما لم ينزل
بمسلم وأقصى ما قالته أم عائشة التي تعرض عرضها للثلم والإهانة:
أي بنية خفضي عليك الشأن. فوالله لقلما كانت امرأة حسناء عند رجل يحبها لها ضرائر إلا كثرن وكثر الناس عليها.
ولم يتمالك أبو بكر رضي الله تعالى عنه أن يقول:
(ما أعلم أهل بيت من العرب دخل عليهم ما دخل على آل أبي بكر. والله ما قيل لنا هذا في الجاهلية حيث لا نعبد الله، فيقال لنا في الإسلام!!).
وثالثهم: عائشة ﵂ التي لم تنته عن البكاء حتى ظنت أن البكاء سيصدع
كبدها.
_________________
(١) السيرة النبوية لابن هشام ج ٣. ٣١٨و٣١٩.
[ ٣ / ١٠ ]
وحين ووجهت بالأمر من رسول الله - ﷺ - يسألها عن الحديث فقالت:
(إني والله قد علمت أنكم سمعتم بهذا الحديث، فوقع في أنفسكم فصدقتم به فلئن قلت لكم إني بريئة لا تصدقوني، ولئن اعترفت لكم بأمر يعلم الله أني منه بريئة لتصدقنني. وإني والله ما أجد لي مثلا إلا أبا يوسف إذ يقول: فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون).
إنها مواقف لا يحمل التاريخ لها مثيلا من أطهر أهل الأرض يوصمون بشرفهم وعرضهم.
ومع ذلك فلم يخرج أحد منهم عن طورره، ولا أطلق لسانه في عرض أحد، وضبط كل واحد منهم أعصابه، وأما الذي خرج عن طوره فهو صفوان بن المعطل ﵁، وضرب حسان بالسيف وكاد الأمر أن يستفحل لولا أن عالجه رسول الله ﵊.
إنه أدب الإسلام العظيم مع الذين يرددون الإشاعة ويسيرون في الإفك قبل أن تعرف أنها إفك أوإشاعة.
سادسا: والموقف الأخير الذي نستخلصه من حديث الإفك هو عقوبة المفترين اللاغطين المثيرين للفتنة. فلا يكفي أن تثبت براءة المتهم، ولا يكفي أن تدفع القيادة عنها قالة السوء وانتهى الأمر.
بل لا بد في الصف المسلم من العقوبة الصارمة مع من يثير الإشاعة ويسعى في نشرها بعد التثبت منها. وما تعانيه الحركة الإسلامية اليوم هو إهمال ملاحقة مثير الإشاعة وناقل الإفك، وبذلك لا تنتهي الجماعة من فتنة إلا وتقع في أخرى. ويكفي أن نعلم أن حكم الإسلام كان في هؤلاء الثلاثة الذين ساروا في الإفك، مسطح بن أثاثة، وحسان بن ثابت، وحمنة بنت جحش، أن أقيم عليهم حد القذف ثمانين جلدة، وإن كانت بعض الروايات تشير إلى أن هذا الحد طبق فيما بعد ولم ينفذ عليهم لأنهم خاضوا في التهمة قبل نزول الحدود.
والحديث عن هذه السمة يأتي في هذه المرحلة لأن تاريخ الدعوة لم يشهد مثيلا لها من قبل وفي الصف المسلم بالذات وطبيعة المرحلة إذن هي أن الإشاعة تسري حين يضعف البناء الداخلي ويستجيب لها. لكن عندما تنشغل الأمة بالجهاد والمواجهة. فقلما تستطيع الإشاعة أن تفعل فعلها
في النفوس.
السمة الثالثة: الزواج وأثره في الدعوة
في هذه المرحلة تم زواج رسول الله - ﷺ - من خمس نساء هن:
زينب بنت جحش، أم حبيبة بنت أبي سفيان، جويرية بنت الحارث، صفية بنت حيي، ميمونة بنت الحارث، ﵅ جميعا.
[ ٣ / ١١ ]
وحين نقارن بين زواج هذه المرحلة وسابقتها، نلاحظ فرقا واضحا في الاتجاه يحدد ملامح المرحلة نفسها ونستطيع القول إن سمة الزواج في المرحلة السابقة ينصب على بناء وتمتين الصف الداخلي، بينما تظهر سمة الزواج في هذه المرحلة من خلال العمل على كسب الصف الخارجي وجعله معبرا لنشر الدعوة في الأرض العربية. ولنقف لحظات سريعة عند كل واحدة منهن:
أم حبيبة، رملة بنت أبي سفيان، وقد عقد عليها رسول الله - ﷺ - وهي في أرض الحبشة وأكرم غربتها في سبيل الله بعد ردة زوجها عبيد الله بن جحش، وكونها ابنة زعيم قريش ذات دلالة ضخمة على تقريب القلوب وتأليفها من هذا القائد الكبير. ولقد رأينا أثر هذا الزواج قريب فتح مكة حيث جاء أبو سفيان ونزل ضيفا على رسول الله - ﷺ - وفي بيت ابنته ولا يزال على شركه، وموقفه من الدعوة. ولا نشك أن موقف ابنته منه من خلال فراش رسول الله - ﷺ - ورغم أنه جرحه في أعماقه. لكن كان له أكبر الأثر الخفي في أن يعيد النظر في مواقفه وعدائه للدعوة. وأن يفقه من خلاله عظمة هذا الدين وعظمة رجاله ونسائه.
لقد طوت فراش رسول الله - ﷺ - عن أبي سفيان فقال لها:
(يا بنية أرغبت بي عن هذا الفراش، أم رغبت به عني؟ قالت: بل هو فراش رسول الله - ﷺ -. وأنت رجل نجس على شركك، فقال: والله لقد أصابك بعدي شر) (١).
وللتعرف على أثر هذا الزواج في نفس أبي سفيان نلاحظ أنه بعد إسلامه يعرض ابنته الثانية على رسول الله - ﷺ - للزواج منها، فيعتذر رسول الله أنه لا يحل له ذلك.
زينب بنت جحش، وهي زوجة مولاه زيد، ﵁ وقد هاب رسول الله - ﷺ - هذا الزواج هيبة عظيمة تحدث عنها القرآن بقوله جل وعلا: (.. وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه ..) (٢) لكن الأمر الرباني جاءه بذلك ليحطم العادة المستأصلة في المجتمع عادة التبني من خلال الواقع العملي بعد القرار النظري ولتعلم الدنيا ذلك كما يقول القرآن الكريم.
﴿لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا ..﴾ (٣)
وإن كان هذا الزواج يحتمل صفة البناء الداخلي فهو يحمل كذلك صفة البناء الخارجي إذ أن زينب ﵂ هي أول امرأة غير قرشية يتزوجها ﵊ فهي من بني أسد وإن كانت ابنة عمته.
_________________
(١) الرحيق المختوم ص ٤٤٥.
(٢) و(٣) الآية ٣٧ من سورة الأحزاب.
[ ٣ / ١٢ ]
جويرية بنت الحارث: وهي ابنة سيد بني المصطلق، وكان زواجها سببا في فداء أهلها وقبيلتها من الأسر، ثم سببا في إسلام قومها، ونستمع إلى أثر هذا الزواج عند ابن إسحاق ﵀: قال وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله - ﷺ - قد تزوج جويرية ابنة الحارث بن أبي ضرار فقال الناس: أصهار رسول الله - ﷺ -، وأرسلوا ما بأيديهم.
قالت: (أي عائشة: فلقد اعتق بتزويجه إياها مائة أهل بيت من بني المصطلق، فما أعلم امرأة كانت أعظم على قومها بركة منها) (١).
صفية بنت حيي: وهي ابنة حيي بن أخطب أكبر أعداء الإسلام وقد قتل في بني قريظة لكن الزواج من صفية فيما بعد كان له آفاق أبعد وأعمق. إذ أنه ربط أهل الكتاب برابطة المصاهرة وعندما كانت عائشة ﵂ تعير صفية بأنها من سلالة يهود كان رسول الله - ﷺ - يغضب ويقاطعها ويقول لصفية قولي لها أن أبي موسى وعمي هارون.
وهذا العمل الاجتماعي الضخم يعني كثيرا في مفهوم الدعوة. ويعني أن التعايش بين المسلمين وبين أهل الكتاب قائم. ولو أدى إلى نكاح نسائهم. فالمرأة حين تعيش الإسلام سوف يصفو قلبها بعد وتدخل في الإسلام كما يتآلف قلب طائفتها في هذا المجتمع.
وعلى غرار هذا المستوى كان زواج رسول الله من مارية القبطية والتي ربط زواجها بأمة كاملة إذ قال:
(استوصوا بالقبط خيرا فإن لي فيهم نسبا وصهرا).
وقد أثرت هذه الدعوة فيما بعد وحدت بأهل مصر أن يدخلوا في دين الله أفواجا حين رأوا حسن معاملة المسلمين لهم تنفيذا لوصية رسول الله ﵊. وكان من حكمة الله تعالى في هذا الأمر أن رسول الله - ﷺ - لم يرزق ولدا بعد خديخة إلا من مارية ﵂. وكان ولده إبراهيم قد استأثر بحب النبي - ﷺ -. أكبر استئثار ولم يتمالك ﵊ من القول بعد وفاته:
(إن العين لتدمع وإن القلب ليخشع، وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزنون).
وتدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضي الرب. وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون).
_________________
(١) السيرة لابن هشام ج ٣: ٣٠٧ و٣٠٨.
[ ٣ / ١٣ ]
ميمونة بنت الحارث الهلالية: وهي التي وهبت نفسها للنبي - ﷺ -. وقد حرص ﵊ أن يستثمر هذا الزواج في تقريب قلوب قريش بعد عمرة القضاء إذ قال لهم عندما جاؤوا لإيذانه بالخروج من مكة:
(وما عليكم لو تركتموني فأعرست بين أظهركم، وصنعت طعاما؟ فقالا: لا حاجة لنا في طعامك أخرج عنا: ننشدك الله والعهد الذي بيننا وبينك إلا خرجت من أرضنا) (١).
وهذه السمة ذات دلالة واضحة على الاتجاه العام في تأليف قلوب الخصوم وتقريبهم للإسلام وأن الجهاد السياسي قد يكون من وسائله الناجعة الزواج والمصاهرة من الخصوم.
وما أحوج شباب الإسلام إلى هذا الفقه السياسي والأفق الواسع في فهم طبيعة هذا الدين إن الشباب المسلم كثيرا ما يتحمس في قضية التميز والمفاصلة. حتى يتحجر على نفسه، وينغلق على ذاته، ويجعل سدا منيعا على أفراده، فلا يدخل في الصف الإسلامي أحد ولا يحرص على دخولهم في الأصل، وتسيطر عليه فكرة الحرب والكراهة لأعداء الله، وفكرة الإذلال والإهانة لهم، وينسى أنه داعية قبل كل شيء وأن هدفه الأخير كذلك أن يدخل الناس في دين الله أفواجا وبالتالي فلا بد أن يدرك الداعية أن هداية هؤلاء الخصوم ودخولهم في الإسلام هو الهدف الأول، وليس ذبحهم والقضاء عليهم، وأن تآلف كبار الخصوم وربح قلوبهم هو ربح لقلوب أتباعهم جميعا ونتمنى أن يفرق الأخ بين أساليب التأليف والتحبيب بالإسلام وبين أساليب المداهنة في دين الله والتنازل عن الإسلام في سبيل ذلك.
وشيء آخر ما أحوج دعاة الإسلام إليه. فالزواج نفسه قد مسخ عن مفهومه الأول واقترب في الواقع العملي وفي صفوف شباب الإسلام من الزواج الكهنوتي النصراني، حيث أن التعدد قد أصبح نشازا في الصف الإسلامي، وأصبح غريبا غربة اقتراف المنكر. وقادة الدعوة هم المثل المقتدى به في هذه الدعوة فلا بد أن يكونوا نماذج حية في تطبيق هذا الفهم النبوي في جعل الزواج والتعدد وسيلة من وسائل بناء الدعوة وتقريب القلوب والالتحام مع الخصوم والأصدقاء وما رأيناه من إقدام رسول الله - ﷺ - على الزواج من زينب وتحطيم عادة التبني من خلال الزواج بمطلقة متبناه وما تحمله من مواجهة المجتمع الجاهلي الذي يحرم هذا الزواج حتى يزيل الحرج عمليا عن المؤمنين في الإقدام على هذا الزواج هو دفع للدعاة الكبار أن يتأسوا برسول الله - ﷺ - وينقلوا قضية الزواج من مفهومها المحدود حيث البحث عن الجمال والبكر والسن الصغير للارتقاء بها إلى الأفق الواسع الذي يشيع المودة والرحمة
_________________
(١) إمتاع الأسماع للمقريزي ج ١: ٣٤٠.
[ ٣ / ١٤ ]
بين أبناء الأمة جميعا ورفع مستوى المرأة الثيب وزوجات الشهداء إلى المستوى الكريم اللائق بهن أنهن محط أنظار القيادة ولسن من المحرومات اللواتي انصرف النظر عنهن فقط لأنهن ثيبات.
إنها مسؤولية جسيمة يضطلع بها الدعاة وأخص بالذكر القيادات لوضع الزواج في وظيفته الاجتماعية العامة وجعل الكفاءة حقيقة من خلال الدين والخلق لا من خلال الجمال والحسب والبكارة ومن خلال مصلحة الإسلام العليا لا من خلال الرغبة الجنسية المحدودة.
والنظر إلى الزواج على أنه وسيلة هامة من وسائل الدعوة لا على أنه معيق من معيقاتها ولا بد أن تتدرب الأخوات المسلمات كذلك على هذه المعاني ويلجمن أهواءهن وأنانيتهن وغيرتهن وأمام مصلحة الإسلام وعقيدة الإسلام ومصلحة أخواتهن اللاتي لم يكن لهن من ذنب إلا أن فقدن أزواجهن في سبيل الله.
السمة الرابعة:
الصف الداخلي القوي من خلال صلح الحديبية
لئن كانت غزوة بني لحيان إرهاصا لابتداء المرحلة الجديدة. فلقد كانت عمرة الحديبية هي التنفيذ العملي البين لقوله ﵊ (الآن نغزوهم ولا يغزونا) ولكن هذا الغزو لم يكن غزوا عسكريا بحتا. بل كان غزوا سلميا يهدف العمرة إلى البيت الحرام لكن لا يغيب عن ذهن رسول الله - ﷺ - أبعاد هذه العمرة. وأنه قد يلقى مقاومة مسلحة. غير أن التحرك السياسي في الاتجاه الجيديد كان لا بد منه (وقد استنفر الأعراب ومن حوله من أهل البوادي ليخرجوا معه وهو يخشى من قريش الذي صنعوا - أن يعرضوا له بحرب أو يصدوه عن البيت-. فأبطأ عليه كثير من الأعراب. وخرج رسول الله - ﷺ - بمن معه من المهاجرين والأنصار ومن لحق به من العرب وساق معه الهدي، وأحرم بالعمرة ليأمن الناس على حربه وليعلم الناس أنه إنما خرج زائرا لهذا البيت ومعظما له .. وكان جابر بن عبد الله يقول كنا أصحاب الحديبية أربع عشرة مائة ..) (١).
ولن نستطيع دراسة صلح الحديبية من كل جوانبه. لكننا سنعالج هذا الجانب في هذه السمة ونرجىء الحديث عن الفتح المبين في السمة التالية.
_________________
(١) السيرة لابن إسحاق ج ٤: ٣٠٨ - ٣٠٩.
[ ٣ / ١٥ ]
أما مظاهر هذا الصف القوي الموحد فقد بدت على الصور التالية:
أولا: إن مجرد استجابة المهاجرين والأنصار للنفير هو دليل حي على مدى الطاعة والالتزام والانضباط في هذا الصف، فبعد أقل من سنة على غزوة الأحزاب كان هذا التحرك بهذا العدد الضئيل ألف وخمسمائة فلا ينسى المسلمون أن الأحزاب غزوهم بعشرة آلاف مقاتل.
فكيف يتحرك هذا الجمع الضئيل من المئات إلى مشارف مكة. ولا شك أن الدافع الإيماني القوي هو الذي حدا بالمسلمين إلى الإستجابة. إذ أن رسول الله - ﷺ - قص عليهم رؤياه أنه دخل البيت وحلق رأسه وأخذ مفتاح البيت، وعرف مع المعرفين (١)، وإنها لجرأة متناهية أن يغامر المسلمون بألف وخمسمائة رجل يتجهون بهم إلى مكة التي تعلن الحرب عليهم.
ثانيا: وكانت حرب الأعصاب الأولى التي تلقاها هذا الصف المسلم بعسفان حيث لقيه بشر بن سفيان قائلا له: يا رسول الله هذه قريش قد سمعت بمسيرك فخرجوا معهم العوذ المطافيل (٢) قد لبسوا جلود النمور وقد نزلوا بذي طوى يعاهدون الله لا تدخلها عليهم أبدا. وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدموها إلى كراع الغميم. فقال ﵊ يا ويح قريش لقد أكلتهم الحرب ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر العرب فإن هم أصابوني كان ذلك الذي أرادوا وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة.
فما تظن قريش فو الله لا أزال أجاهد على الذي بعثني الله به حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة (٣)، (٤).
وعندما يسمع جيش هذا الوصف لتحرك قريش بشيبها وشبابها ونسائها وأطفالها لمواجهة محمد - ﷺ - لا بد أن يصيبه الذعر ويتخلخل من الرعب وتنتشر به الفوضى وصراع الآراء لكن جيش النبوة الملتزم بقيادته قد تجاوز هذه المرحلة والضعفاء المخذولون المتخاذلون ولو كانوا موجودين في داخل الجيش هم أجبن من أن يرفعوا عقيرتهم بالمخالفة أو يظهروا هلعهم وجبنهم ويدعوا إلى الإستسلام أو الفرار. فأي قوة في الصف تعدل هذه القوة؟
لكن الجانب الآخر من القضية هو الجانب السياسي. فهذه أول مرة يعلن فيها رسول الله - ﷺ - رغبته في تجنب الحرب مع قريش ودعوتها إلى المهادنة، وذلك صمن خط
_________________
(١) أي وقف في عرفة.
(٢) يريد أنهم خرجوا ومعهم النساء والصبيان.
(٣) السالفة: صفحة العنق وكنى بانفرادها عن الموت.
(٤) السيرة لابن إسحاق ج٤: ص ٣٠٩.
[ ٣ / ١٦ ]
واضح متميز أن يقفوا على الحياد بينه وبين العرب، ولم يكتف ﵊ بذلك، إنما أوضح أبعاد هذا الموقف بأنه لصالح قريش سواء انتصر محمد ﵊ أم لم ينتصر. وفي هذا كبح لجماح التهور القرشي من الاستمرار في المعركة. وفتح لآفاق الدعوة أن تخطو الطريق الذي سدته قريش من كل جانب. إنه السلام القائم على مصلحة قريش ذاتها قبل أن يكون مصلحة المسلمين.
إلا أن هذا الكلام يعني من طرف آخر خفي أن وهنا قد حل بالمسلمين فراحوا يبحثون عن الحل السلمي للابتعاد عن المواجهة فكان لا بد من اسماعهم منطق القوة الذي يفهمون فيه.
وهو:
(فوالله لا أزال أجاهد على الذي بعثني الله به حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة) إنه المنطق المتوازن الذي لا يريد الحرب للحرب إنما لإظهار هذا الدين وإعلانه وهو جاهز لأن يتفهم وجهة نطر الخصم، غير أن هذا المنطق لا يعني خللا في القوة أو وهنا في الصف ونحن نرى الصف القوي هنا كذلك بعد إعلان النبي - ﷺ - عن استعداده لخوض المعركة دون أن يعترض جندي واحد على ذلك، في الوقت الذي خرج الجيش فيه للعمرة لا للقتال.
ثالثا: والتحام الصف الإسلامي مع قيادته يبدو جليا كذلك في أثناء عرض عضلات قريش من قادة وفودها وذلك على أربعة نمانج.
النموذج الأول: وهو بديل بن ورقاء الخزاعي. وهو أقرب ما يكون لمحمد - ﷺ - لما بين خزاعة ومحمد من ود. واعتبرت قريش أن هذا الرجل كفيل بأن يثني محمدا عن عزمه على دخول مكة.
فأخبرهم ﵊ أنه لا يريد حربا. وأنه إنما جاء زائرا لهذا البيت معظما له واسرع بديل ليقول لقريش: إن محمدا لم يأت لقتال وإنما جاء زائرا لهذا البيت. فقالت قريش لهم: وإن كان جاء لا يريد قتالا. فوالله لا يدخلها علينا عنوة أبدا ولا تحدث بذلك عنا العرب.
النموذج الثاني: مكرز بن حفص حيث حدد ﵊ طبيعته. قائلا: هذا رجل غادر وقال له مثل ما قال لبديل. وكان الأمر حتى الآن طبيعيا لا يثير حفيظة هذا الجيش القوي.
[ ٣ / ١٧ ]
النموذج الثالث: وقصدت به قريشا أن تعلم محمدا أن قريشا ليست وحدها في المعركة، بل معها القبائل المجاورة لمكة. فالحليس بن علقمة سيد الأحابيش (١). ولم تفت هذه القضية رسول الله - ﷺ -. فقال للمسلمين: إن هذا من قوم يتألهون (٢) فابعثوا في وجهه الهدي حتى يراه، فلما رأى الهدي. رجع إلى قريش ولم يصل إلى رسول الله - ﷺ - إعظاما لما رأى. فقال لهم ذلك. فقالوا له: اجلس فإنما أنت أعرابي لا علم لك.
وغضب الحليس عند ذلك وقال: يا معشر قريش والله ما على هذا حالفاكم، ولا على هذا عاقدناكم، لتخلن بين محمد وما جاء له أو لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد، فقالوا له: مه، كف عنا يا حليس حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به.
والدلالة في هذا النموذج صارخة على العبقرية العظيمة للنبوة حين صرف سيد الأحابيش وقد تبنى رأيه بالعمرة دون أن يلقاه، وكاد صف مكة الداخل أن يتفجر وتقع المواجهة بين الأحابيش وقريش لولا أن تداركت قريش الأمر وأصلحته مع الرجل، ومع ذلك فقد أصبح في صف مكة تيار قوي، أعلن عن رأيه بضرورة السماح لمحمد - ﷺ - بالاعتمار، وهدد بالسلاح ما لم يتم تنفيذ ذلك، وقد تم هذا الأمر حتى دون لقاء بين رسول الله - ﷺ - وسيد الأحابيش. بحسن اختيار الأسلوب المناسب الذي يفهم به هذا الرجل، وهو بعث الهدي في وجهه.
النموذج الرابع: وقصدت به قريشا حربا نفسية كذلك لمحمد وأصحابه لتعلمه أن ثقيفا مع قريش حليفة في هذه المواجهة. فبعثت بأذكى وأدهى ما عندها ليفت في أعضاد أصحاب محمد - ﷺ -، وكان تخطيط قريش أن مجرد رؤية عروة بن مسعود زعيم ثقيف يأتي ممثلا لقريش في هذه المفاوضات كفيل بأن يزلزل هذا الصف المتين. فكيف إذا استعمل خبثه ودهاءه. ولننظر إلى هذه الحرب السياسية من المنتصر فيها في نهاية المطاف.
(خرج حتى أتى رسول الله - ﷺ -، فجلس بين يديه ثم قال:
يا محمد: أجمعت أوشاب (٣) الناس ثم جئت بهم إلى بيضتك (٤) لتفضها (٥) بهم، إنها قريش قد خرجت معها العوذ المطافيل قد لبسوا جلود النمور، يعاهدون الله لا تدخلها عليهم عنوة أبدا وايم الله، لكأني بهؤلاء قد انكشفوا عنك غدا، قال: وأبو بكر الصديق خلف رسول
_________________
(١) الأحابيش: قبائل كانت حول مكة وتسكن في جبالها.
(٢) يتألهون: يتعبدون ويعظمون أمر الإله.
(٣) أوشاب الناس: أخلاطهم.
(٤) بيضة الرجل: أهله وقبيلته.
(٥) تفضها: تكسرها.
[ ٣ / ١٨ ]
الله - ﷺ - قاعد، فقال: امصص بظر اللات. أنحن ننكشف عنه؟ قال: من هذا يا محمد: قال: هذا ابن أبي قحافة، قال: أما والله لولا يد كانت لك عندي لكافأتك بها ولكن هذه بها، قال. ثم جعل يتناول لحية رسول الله - ﷺ - وهو يكلمه. والمغيرة بن شعبة واقف على رأس رسوله الله - ﷺ - في الحديد. قال فجعل يقرع يده إذا تناول لحية رسول الله - ﷺ - ويقول: أكفف يدك عن وجه رسول الله - ﷺ - قبل أن لا تصل إليك. فيقول عروة: ويحك ما أفظك وأغلظك. قال: فتبسم رسول الله - ﷺ - فقال له عروة: من هذا يا محمد؟ قال هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة قال: أي غدر، وهل غسلت سوءتك إلا بالأمس فقام من عند رسول الله - ﷺ - وقد رأى ما يصنع أصحابه لا يتوضأ إلا ابتدروا وضوءه وإلا يبصق بصاقا إلا ابتدروه ولا يسقط من شعره شيء إلا أخذوه. فرجع إلى قريش فقال يا معشر قريش إني قد جئت كسرى في ملكه، وقيصر في ملكه، والنجاشي في ملكه، وإني والله ما رأيت ملكا في قوم قط مثل محمد في أصحابه ولقد رأيت قوما لا يسلمونه لشيء فروا رأيكم) (١).
فلقد عاد عروة بن مسعود بعد هذه الجولة داعية لمحمد - ﷺ - على غير وعي منه بدل أن يحمس الناس على حربه لقد هزمت قريش وهزم عروة أمام صلابة الصف المسلم الذي أبدى من ضروب الطاعة والانضباط والالتزام ما أذهل عروة وهزمه في أعماقه لقد بالغ المسلمون في إظهار الطاعة أمام العدو الغادر ما لم يفعلوه من قبل، وجيش هذا طبيعته وهذه نفسيته. يجابه به قوى الأرض لا قريش وحدها أو قريش ومعها ثقيف والأحابيش، حتى الهادىء الوديع الحليم أبو بكر ينقلب أمام عدو الله ليثا يزأر، ويتهكم بأسلوب فج من عروة سيد ثقيف وعقله حين أراد أن يفتن الصف بتخويفه من قوة قريش ويضرب القيادة بالقاعدة فيثني عزيمة محمد عن الحرب لتفرق أصحابه عنه فكان لا بد أن يسمع ما يكره بأسلوب ما عهد عن أبي بكر قط ﵁. وكلام غير عفيف يجعل عروة في جحره لا يتعداه وكان الرد الثاني أعنف وأشد من المغيرة بن شعبة فلئن اعتدت قريش بعروة الثقفي معها فالبطل الثقفي المغيرة هو سيف محمد صلوات الله عليه ولا يفل الحديد إلا الحديد إن عظمة النبوة السياسية التي لا تدانيها عظمة هي في حسن استعمال اللين في محله والعنف في محله .. لقد ارتد كيد قريش في نحرها، وهزمت نفسيا أمام محمد صلوات الله عليه وصحبه وجنده وراحت تعالج أمرها بعد خطبة ابن مسعود فيها من باب المفاوضة لا من باب التهديد والمواجهة وصار الصف المسلم القادم إلى العمرة بألف وخمسمائة أقوى بألف مرة من صف قريش وثقيف والأحابيش الذي تزعزع وهدد بعضه بالسلاح.
إنه درس عظيم للحركة الإسلامية، درس للقيادة التي تتقن فن التعامل مع العدو فتحطم أعصابه، وتهز نفسه من الأعماق وتتعامل مع الخصوم كل حسب طبيعته ونفسيته.
_________________
(١) السيرة النبوية ج ٣: ٣٢٧ و٣٢٨.
[ ٣ / ١٩ ]
ودرس إلى القاعدة كي تفقه معنى الالتزام والانضباط خاصة أمام العدو وعلى أرضه فتكون كلها سهما واحدا ويدا واحدة وقلبا واحدا في مواجهة العدو.
رابعا: وكانت المحاولة الرابعة من قريش في إيجاد ثغرة في الصف المسلم، من خلال عملية فدائية كلف بها حوالي خمسين من قريش علهم ينالوا بعضا من أصحابه أسرا أو قتلا فيجزع المسلمون ويحاولون إيقاع الرعب فيه. فماذا كانت النتيجة؟!
أخذوا جميعا أسرى بيد المسلمين حيث ظفر بهم محمد بن مسلمة قائد حرس المسلمين. وبلغ قريشا حبس أصحابهم، فجاء جمع منهم ورموا بالنبل والحجارة. فرماهم المسلمون وأسروا منهم اثني عشر فارسا.
وكانت هذه العمليات المرتجلة من قريش صدمة عنيفة أخرى لهم. وكانت مع آراء الوفود كفيلة بأن توقع الوهن في صف العدو.
وترى كم يسر الجنود المسلمون حين يرون بين ظهرانيهم خمسين رجلا واثني عشر فارسا أسرى بيدهم.
خامسا: وكانت محاولا عرض العضلات الأخيرة والتهديد بالسلاح من قريش هي من خلال خيلهم التي كان على رأسها خالد بن الوليد.
ودنا خالد بن الوليد في خيله حتى نظر إلى المسلمين فصف خيله فيما بينهم وبين القبلة.
فقدم رسول الله - ﷺ - عباد بن بشر في خيله. فقام بإزائه وصف أصحابه، وحانت صلاة الظهر فأذن بلال وأقام، فصلى رسول الله - ﷺ - بأصحابه مستقبل القبلة وهم خلفه، يركع بهم ويسجد ثم قاموا فكانوا على ما كانوا عليه من التعبئة. فقال خالد بن الوليد. قد كانوا على غرة. لو كنا حملنا عليهم أصبنا منهم. ولكن تأتي الساعة صلاة هي أحب إليهم من أنفسهم وأبنائهم، فنزل جبريل ﵇ بين الظهر والعصر بهذه الآية ﴿وإذا كنت فيهم ..﴾ فحانت العصر فصلوا صلاة الخوف (١).
يقول خالد ﵁: فعلمت أن الرجل ممنوع.
لقد غزي قائد فرسان قريش في أعماقه، وأيس من النصر. فمن الذي أعلم محمدا بما بيته من غدر؟ لقد عرف خالد بن الوليد أنه أعجز من أن ينال شيئا من محمد. وأضيف هذا الرصيد من الوهن إلى الرصيد السابق فأسقط في يد قريش. وعرفت أن لا جدوى من المواجهة ففكرت في المصالحة.
_________________
(١) إمتاع الأسماع للمقريزي ج ١. ٣٨٠
[ ٣ / ٢٠ ]
وها هما الصورتان متقابلتان صورة الصف المسلم الملتحم القوي المصمم على الثبات، وصورة الصف المتناقض في الرأي والمهزوم نفسيا في أعماقه من هؤلاء المئات القلائل.
سادسا: وكانت الصورة المقابلة التي لا بد أن يقوم بها رسول الله - ﷺ - هو أن يبعث بسفير من عنده يسمع مباشرة من قريش وينقل لهم وجهة نظره حتى لا تلتبس الأمور فكان. (وبعث رسول الله - ﷺ - إلى قريش خراش بن أمية على جمل لرسول الله (س) ليبلغ أشرافهم أنه إنما جاء معتمرا. فعقر الجمل عكرمة بن أبي جهل وأرادوا قتله فمنعه من هناك من قومه فرجع فأراد النبي - ﷺ - أن يبعث عمر بن الخطاب ﵁ فخاف على نفسه، وأشار بعثمان ﵁. فبعثه ليخبرهم: إنا لم نأت لقتال أحد، وإنما جئنا زوارا لهذا البيت معظمين لحرمته، ومعنا الهدي ننحره وننصرف فأبوا على عثمان أن يدخل عليهم رسول الله - ﷺ -، ورحب به أبان بن سعيد بن العاص وأجاره، وحمله من بلده إلى مكة وهو يقول، أقبل وأدبر ولا تخف أحدا بنو سعيد أعزة الحرم، فبلغ عثمان من بمكة ما جاء فيه، فقالوا جميعا: لا يدخل علينا محمد عنوة أبدا .. وبلغ النبي - ﷺ - بعد إقامة عثمان بمكة ثلاثا أنه قتل، وقتل معه عشرة رجال مسلمون قد دخلوا مكة بإذن رسول الله - ﷺ - ليروا أهاليهم .. وأم رسول الله - ﷺ - منازل بني مازن بن النجار، وقد نزلت في ناحية من الحديبية جميعا، فجلس في رحالهم وقد بلغه قتل عثمان ﵁، ثم قال: إن الله أمرني بالبيعة فأقبل الناس يبايعونه حتى تداكو. فما بقي لهم متاع إلا وطئوه ثم لبسوا السلاح وهو معهم قليل. وقامت أم عمارة إلى عمود كانت تستظل به فأخذته بيدها، وشدت سكينا في وسطها وكان رسول الله - ﷺ - يبايع الناس وعمر بن الخطاب ﵁ آخذ بيده فبايعهم على ألا يفروا، وقيل بايعهم على الموت .. فبايعوه إلا الجد بن قيس اختبأ تحت بطن بعير .. وبعثت قريش إلى عبد الله بن أبي بن سلول: إن أحببت أن تدخل فتطوف بالبيت فافعل فقال له ابنه: يا أبت أذكرك الله أن تفضحنا في كل موطن، تطوف ولم يطف رسول الله - ﷺ - فأبى حينئذ وقال: لا أطوف حتى يطوف رسول الله فبلغ رسول الله كلامه فسر به) (١).
الحرب بين الفريقين قائمة، وخراش بن أمية الخزاعي يقابل بديل بن ورقاء الخزاعي فخزاعة مسلمهم ومشركهم عليه نصح لرسول الله - ﷺ - وهي مع قريش كذلك. ومن أجل هذا وجد من يمنعه من قومه عندما تعرض للقتل.
وكانت الشخصية الثانية المرشحة للسفارة هي عمر بن الخطاب ﵁، ولعل ما نزل بخراش من جهة وحقد قريش على عمر ﵁ من جهة ثانية وكون شوكة بني عدي في مكة ضعيفة كل هذه العوامل حدت بعمر ﵁ أن يبسط عذره بين يدي قائده
_________________
(١) إمتاع الأسماع للمقريزي ج١: ٢٨٩ و٢٩٠ و٢٩١ (مقتطفات).
[ ٣ / ٢١ ]
لأن سفارته لن تحقق الهدفا المطلوب منها ومن أجل ذلك قال:
يا رسول الله إني أخاف قريشا على نفسي. وليس بمكة من بني عدي بن كعب أحد يمنعني وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلظتي عليها ولكني أدلك على رجل أعز بها مني عثمان بن عفان. وقبل رأي ابن الخطاب دون تردد. فليس هو محل تهمة أو ظنة. لكن لكل أمر رجاله.
وعثمان للسفارة خير من عمر، مع العلم أن السفارة في الجاهلية كانت عند بني عدي، غير أن مكة اليوم يتقاسم النفوذ فيها بنو مخزوم وبنو أمية، ومن أجل ذلك وجد عثمان ﵁ من يحميه حتى يؤدي رسالة رسول الله - ﷺ -، وكان لعثمان كذلك مهمة سرية أخرى هي الاتصال بالمؤمنين في مكة ودعوتهم إلى الصبر والثبات حتى يأذن الله تعالى بالفتح من عنده. ولما فرغ من تأدية رسالته عرضوا عليه أن يطوف بالبيت. فأبى أن يطوف حتى يطوف رسول الله.
وكان هذا درسا بليغا في الالتزام حتى ولو كان طواف الكعبة الذي يحلم به المسلم منذ سنين خلت، لكنه لم ينفذ أمرا حتى يرجع إلى قيادته فيسألها. وامتنع عن الطواف قبل طواف النبي ﵊.
وحين يلتزم الجندي بأمر قائده عند الأعداء رغم الإحراجات الكثيرة من عشيرته. فهذا يعني أن الولاء لن يكون إلا لله ورسوله. لكن هذا الولاء لم يمنع من قبول حماية أبان بن العاص أحد قادة بني أمية، وما أحوجنا إلى أن نفرق بين القضيتين. لأن الأولى لا علاقة لها بطبيعة المهمة، وتتم المهمة بدونها أما الثانية فهي صلب مهمة عثمان ﵁. فلم يجد حرجا أو إثما بقبول إجارة أبان بن سعيد.
وننتقل إلى المعسكر الإسلامي وقد بلغه إشاعة مقتل عثمان ﵁. وكان لهذه الإشاعة وقع البارود المتفجر فيه. فمضى رسول الله - ﷺ - إلى أعز معقل من معاقل الأنصار إلى منازل بني مازن بن النجار، وأخبرهم بأمر البيعة.
(فأقبل الناس عليه حتى تداكوا فما بقى متاع إلا وطئوه، ثم لبسوا السلاح، وهو معهم قليل ..).
يقول ابن إسحاق: (فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة. فكان الناس يقولون: بايعهم رسول الله - ﷺ - على الموت .. وكان جابر بن عبد الله يقول: إن رسول الله - ﷺ - لم يبايعنا على الموت ولكن بايعنا على أن لا نفر).
وإنه لمن أغرب ما روى التاريخ من ولاء والتزام ونصرة. لقد خرج القوم للعمرة، وألحوا على رسول الله - ﷺ - أن يحملوا السلاح. فرفض ذلك وقال: لست أحمل السلاح إنما خرجت معتمرا. وساهم في هذا الرأي قادة المهاجرين والأنصار. ومع ذلك فها هو يدعوهم إلى المواجهة
[ ٣ / ٢٢ ]
والموت فيتزاحمون إلى البيعة حتى لا يبقى متاع إلا وطئوه.
لقد أصبح الصف الإسلامي من القوة والتلاحم بحيث نكاد نقول أن النفاق قد انتهى منه.
وحين نذكر أن المنافقين كانوا بضعة عشر في غزوة الأحزاب، فها نحن لا نجد وجودا لهم في الحديبية.
إن الصورة الواقعية في عالم الأسباب تقول أن لا يستجيب للبيعة على الموت والمواجهة إلا أفراد قلائل. لأن القوم لم يخرجوا للقتال، وقائدهم أكد لهم أن خروجه للعمرة، ولم يعدوا سلاحا لذلك، وما نعلمه عن عالم الأحزاب اليوم في مثل هذه الحالة أن يغتال القائد ويحاكم بتهمة توريط الجيش في الهلاك. أما أن يسارع الجيش كله للبيعة ويتزاحم عليها. فهذا يعني أن النفاق في هذه المرحلة قد ولى كأمس الدابر، وأن ينفرد رجل واحد من هذا الجيش فيختبىء بظل بطن ناقته ولا يبايع، وأن يكون عبد الله بن أبي من بين المبايعين. فهذا يعني أن الجيش الإسلامي قد تجاوز أزمته. وأجهز على عناصر الضعف فيه.
ونذكر مع هذا الالتزام العجيب النسوة الأربع اللاتي شاركن الحملة. فقد شاركن في البيعة كذلك، وكأني بأم عمارة ﵂، وقد التمع بعينيها بريق أحد بعد أن تسلحت بعمود البيت وشدت السكين على وسطها وجددت بيعتها كما بايعت يوم العقبة. لتكون مع الصف المسلم المقاتل وهؤلاء النسوة القليلات هن اللاتي شددن نظر عروة بن مسعود، وكان مما قاله لقريش: (رأيت نسيبات معه. إن كن ليسلمنه أبدا على حال) (١).
ولم يفكر جندي واحد من هذا الصف القوي أن يعتب على قائده ﵊ الذي يطلب منه الآن البيعة على الموت، وقد جاء به إلى العمرة ومنعه أن يهيء سلاحه.
ومن قوة هذا الالتزام كذلك أن نجد عبد الله بن أبي الذي جاءه وفد خاص من قريش يدعونه ليدخل مكة ويطوف بالحرم، وكان بإمكان ابن أبي أن يهتبل الفرصة. ويطوف بالكعبة في عز حراب قريش. لكن ظل ابنه عبد الله والموقف الرهيب الذي وقفه منه يوم المريسيع ووضع السيف على عنقه آنذاك عاد فارتسم أمامه. وابنه يذكره بالله فما كان من زعيم النفاق إلا أن رضخ لهذا الجو العام، وأحنى رأسه للعاصفة وقال: لا أطوف حتى يطوف رسول الله.
وهذا درس عظيم للجماعة المسلمة تتعلم منه أصول الانضباط والسمع والطاعة للقيادة.
وكانت البيعة هي محك الرجال فلم يتخلف منهم أحد بل سارع النساء إليها كذلك.
_________________
(١) إمتاع الأسماع ج ١: ٢٨٨ والنسيات: جمع تقليل وتصغير للنسوة.
[ ٣ / ٢٣ ]
والنقطة الأخيرة في هذا المجال وهي التي نتوجه بها لقيادة الحركة الإسلامية أن تستوعبها بعد درس القاعدة هي أهمية الجندي المسلم عند قيادته.
لقد قرر رسول الله - ﷺ - أن يشن حربا على قريش مع من بايعوه على الموت ثأرا لجندي واحد من جنوده هو عثمان بن عفان عندما أشيع أنه قتل.
والجندي الذي يرى هذا الاهتمام من قيادته به، وهذه الكرامة والخطوة له عندها، لا ضير أن يفتدي هذه القيادة بروحه ودمه ووجوده وأعز ما لديه في هذا الوجود. ولا ضير إذن أن تغير القيادة موقفا مصيريا ثأرا لجندي من جنودها بعد أن علمها هذا الدرس رسول الله ﵊.
سابعا: ونحن نعرض للصف الداخلي القوي لا بد أن نعرض للصلح نفسه كما تعرضه كتب السير.
(فلما اصطلحوا ولم يبق إلا الكتاب، وثب عمر ﵁. فقال: يا رسول الله: ألسنا بالمسلمين؟ قال رسول الله - ﷺ -: بلى. فقال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ فقال رسول الله: أنا غبد الله ورسوله، ولن أخالف أمره، ولن يضيعني. فذهب عمر إلى أبي بكر ﵁ فقال: يا أبا بكر ألسنا بالمسلمين؟ قال: بلى! فال: فلم نعطي الدنية في ديننا؟ فقال: الزم غرزه فإني أشهد أنه رسول الله. وأن الحق ما أمر به، ولن يخالف أمر الله ولن يضيعه الله. ولقي عمر من القضية أمرا كبيرا، وجعل يردد على رسول الله - ﷺ - الكلام وهو يقول: أنا رسول الله ولن يضيعني، ويردد ذلك فقال أبو عبيدة بن الجراح ﵁: ألا تسمع يا ابن الخطاب رسول الله يقول ما يقول! تعوذ بالله من الشيطان واتهم رأيك! فجعل يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم حينا وكان المسلمون يكرهون الصلح، لأنهم خرجوا ولا يشكون في الفتح لرؤيا رسول الله - ﷺ - أنه حلق رأسه وأنه دخل البيت فأخذ مفتاح الكعبة وعرف مع المعرفين، فلما رأوا الصلح داخلهم في ذلك أمر عظيم حتى كادوا يهلكون ..
(وبينا الناس قد اصطلحوا والكتاب لم يكتب. أقبل أبو جندل بن سهيل .. وقد أفلت يرسف في القيد متوشح السيف .. ففرح المسلمون به وتلقوه حين هبط من الجبل فسلموا عليه وآووه فرفع سهيل رأسه فإذا بابنه أبي جندل، فقام إليه فضرب وجهه بغصن شوك وأخذ بتلابيبه فصاح أبو جندل بأعلى صوته: يا معشر المسلمين أأرد إلى المشركين يفتنوني في ديني؟ فزاد المسلمين ذلك شرا إلى ما بهم وجعلوا يبكون لكلام أبي جندل. فقال حويطب بن عبد العزى لمكرز بن حفص: ما رأيت قوما قط أشد حبا لمن دخل معهم من أصحاب محمد لمحمد وبعضهم لبعض! أما إني أقول لك لا نأخذ من محمد نصفا بعد هذا اليوم حتى يدخلها عنوة! فقال مكرز: وأنا أرى
[ ٣ / ٢٤ ]
ذلك وقال سهيل بن عمرو: هذا أول من قاضيتك عليه رده! فقال رسول - ﷺ - إنا لم نقض الكتاب بعد فقال سهيل: والله لا أكاتبك على شيء حتى ترده إلي فرده عليه، وكلمه أن يتركه، لأبى سهيل وضرب وجهه بغصن من شوك فقال رسول الله - ﷺ -. هبه لي، أو أجره من العذاب. فقال: والله لا أفعل، فقال مكرز وحويطب: يا محمد نحن نجيره لك. فأدخلاه فسطاطا فأجاراه فكف عنه أبوه ثم رفع رسول الله - ﷺ - صوته فقال: يا أبا جندل اصبر واحتسب فإن الله جاعل لك ولمن معك فرجا ومخرجا. إنا عقدنا بيننا وبين القوم صلحا وأعطيناهم على ذلك عهدا وإنا لا نغدر وعاد عمر بن الخطاب ﵁ إلى رسول الله. فقال: يا رسول الله: ألست برسول الله: قال، بلى! قال: ألسنا على الحق؟ قال: بلى! قال: أليس عدونا على الباطل؟ قال: بلى! قال: فلم نعط الدنية في ديننا؟ فقال: إني رسول الله ولن أعصيه، ولن يضيعني. فانطلق إلى أبو بكر ﵁ فقال له مثل ذلك. فأجابه بنحو ما أجاب به رسول الله ثم قال: ودع عنك ما ترى يا عمر فوثب إلى أبي جندل يمشي إلى جنبه وسهيل يدفعه وعمر يقول: اصبر أبا جندل، فإنما هم المشركون، وإنما دم أحدهم دم كلب! وإنما هو رجل، ومعك السيف. (يحرضه على قتل أبيه) وجعل يقول: يا أبا جندل: إن الرجل يقتل أباه في الله! والله لو أدركنا آباءنا لقتلناهم في الله فرجل برجل، فقال له أبو جندل: ما لك لا تقتله أنت؟ قال عمر: نهاني رسول الله عن قتله وقتل غيره، قال أبو جندل: ما أنت أحق بطاعة رسول الله مني! وقال عمر ورجال معه: يا رسول الله: ألم تكن حدثتنا أنك تدخل المسجد الحرام وتأخذ مفتاح الكعبة، وتعرف مع المعرفين؟ وهدينا لم يصل إلى البيت ولا نحن! فقال: قلت لكم في سفركم هذا؟ قال عمر: لا فقال - ﷺ -: أما إنكم ستدخلونه، وآخذ مفتاح الكعبة وأحلق رأسي ورؤوسكم ببطن مكة وأعرف مع المعرفين، ثم أقبل على عمر فقال: أنسيتم يوم أحد إذ تصعدون ولا تلوون على أحد وأنا أدعوكم في أخراكم؟ أنسيتم يوم الأحزاب إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار؟ أنسيتم يوم كذا؟ أنسيتم يوم كذا؟ والمسلمون يقولون: صدق الله ورسوله. يا نبي الله ما فكرنا فيما فكرت فيه.
(فلما حضرت الدواة والصحيفة بعد طول الكلام والمراجعة دعا رسول الله - ﷺ - أوس بن خولي يكتب، فقال سهيل: لا يكتب إلا ابن عمك علي، أو عثمان بن عفان، فأمر عليا فكتب فقال: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم. فقال سهيل، لا أعرف الرحمن. اكتب ما نكتب: باسمك اللهم فضاق المسلمون بذلك وقالوا: هو الرحمن. والله لا نكتب إلا الرحمن. قال سهيل إذن لا أقاضيه على شيء، فقال رسول الله - ﷺ -: اكتب باسمك اللهم. هذا ما اصطلح عليه محمد رسول الله فقال سهيل: لو أعلم أنك رسول الله ما خالفتك، واتبعتك، أفترغب عن اسمك واسم أبيك محمد بن عبد الله؟ فضج المسلمون ضجة هي أشد من الأولى حتى ارتفعت الأصوات وقام رجال يقولون: لا نكتب إلا محمد رسول الله! وأخذ أسيد بن حضير وسعد بن عبادة رضي
[ ٣ / ٢٥ ]
الله عنهما بيد الكاتب فأمسكاها وقالا: لا تكتب إلا محمد رسول الله، وإلا فالسيف بيننا علام نعط الدنية في ديننا؟ فجعل رسول الله يخفضهم ويومىء إليهم بيده: اسكتوا وجعل حويطب يتعجب مما يصنعون، ويقول لمكرز: ما رأيت قوما أحوط لدينهم من هؤلاء فقال رسول الله - ﷺ -: أنا محمد بن عبد الله فاكتب ).
(فلما فرغ رسول الله - ﷺ - من الكتاب، وانطلق سهيل وأصحابه قال:
قوموا فانحروا واحلقوا وحلوا فلم يجبه أحد إلى ذلك. فرددها ثلاث مرات فلم يفعلوا فدخل على أم سلمة ﵂ وهو شديد الغضب. فاضطجع، فقالت: ما لك يا رسول الله؟ مرارا وهو لا يجيبها. ثم قال: عجبا يا أم سلمة! إني قلت للناس انحروا واحلقوا وحلوا مرارا فلم يجبني أحد من الناس إلى ذلك وهم يسمعون كلامي، وينظرون في وجهي. فقالت: يا رسول الله انطلق أنت إلى هديك فانحره فإنهم سيقتدون بك. فاضطبع بثوبه وخرج فأخذ الحربة ويمم هديه، وأهوى بالحربة إلى البدنة رافعا صوته بسم الله والله أكبر ونحر فتواثب المسلمون إلى الهدي، وازدحموا عليه ينحرونه، حتى كاد بعضهم يقع على بعض وأشرك - ﷺ - بين أصحابه في الهدي .. فلما فرغ رسول الله - ﷺ - من نحر البدن دخل قبة له من أدم حمراء فيها الحلاق فحلق رأسه ثم أخرج رأسه من قبته وهو يقول: رحم الله المحلقين. قيل يا رسول الله، والمقصرين! قال: رحم الله المحلقين! ثلاثا ثم قال: والمقصرين) (١).
هذا العرض المسهب يعطينا صورة بينة عن طبيعة هذا الصف العظيم بكل شعابه ومشاعره فنحن أمام وضع جديد كل الجدة، وقد انتقل من النقيض إلى النقيض. وبعد أن ارتفعت موجة المد الشعوري الحماسي إلى أقصاه بالبيعة على الموت، وبعد ذلك التزاحم والتلاحم، نجد الآن صورة معاكسة تتجه إلى المصالحة في شروط تبدو ظاهر الأمر مجحفة بحق المسلمين أيما إجحاف وأضخم هذه الشروط وأثقلها على أعصاب المسلمين هي أن يرجعوا هذا العام عن مكة خاصة وهم على أعتاب مكة وقلوبهم تتلظى شوقا للمسجد الحرام. وها نحن نرى عمر بن الخطاب يفقد أعصابه، ولم يجرؤ أحد على إبداء هذا الانفعال غير عمر بن الحطاب.
إن عمر ﵁ الذي لم تحمل أعصابه في أول لحظة من لحظات إسلامه التخفي في دار الأرقم. واستأذن رسول الله بنفس الصيغة التي يتحدث بها اليوم (ألسنا على الحق؟ أليسوا على الباطل؟ ففيم التخفي إذن)؟ وها هو يقول الآن. فلم نعط الدنية في ديننا. وراح عمر يتنقل بين رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وأبي عبيدة ﵃. والجواب يأتيه أن الوحي قد أمر بذلك.
_________________
(١) إمتاع الأسماع للمقريزي ج ١ مقتطفات من الصفحات ٢٩٢ حتى ٢٩٦.
[ ٣ / ٢٦ ]
والضغط الثاني على أعصاب المسلمين كان من خلال رؤيا رسول الله - ﷺ - أنه دخل الكعبة وأخذ مفتاحها وعرف مع المعرفين وهم يعلمون أن رؤيا الأنبياء حق.
والضغط الثالث على أعصاب المسلمين كان من خلال بروز أبي جندل على الساحة وهو يصرخ يا معشر المسلمين أأرد إلى المشركين يفتنونني في ديني. وأبوه يضربه بغصن الشوك. والمسلمون عليهم أن لا يحركوا ساكنا أمام هذا التحدي لمشاعرهم أمام نص المعاهدة.
والضغط الرابع على أعصاب المسلمين حين رفض سهل بن عمرو أن يكتب بسم الله الرحمن الرحيم ولم لا تثور الدماء في العروق؟ وتشتعل الحرب الضروس للحفاظ على الرحمن الرحيم؟ ولم كانت هذه الحروب في السنوات التي خلت؟ إلا لإعلان الرحمن الرحيم في الأرض؟
والضغط الخامس على أعصاب المسلمين كان حين كتب اسم رسول الله - ﷺ - على الصحيفة. ورفض سهيل بن عمرو اسم رسول الله، وأعلن عن إلغاء المعاهدة لو ذكر. والضغط السادس على أعصاب المسلمين كان من بنود المعاهدة المجحفة في ظاهر الأمر.
حيث أن عليهم أن يعودوا عن مكة هذا العام. وأنه جاء من أهل مكة مسلما رده رسول الله - ﷺ -، ومن جاء من المسلمين إلى مكة مشركا لم يرده المشركون.
هذه الضغوط جميعا جعلت المسلمين في حالة نفسية صعبة لا يعلم مداها إلا الله، خاصة وهم يتحولون من المد الشعوري العالي بالبيعة على الموت. ونصر الله المقترب بدخول مكة والذي لا يشكون فيه طالما أن رسول الله قد حدثهم عنه.
حتى أن وفدا منهم كما مر لم يتمالك أن ذكر رسول الله - ﷺ - برؤياه، وكان على رأس هذا الوفد عمر ﵁ الذي لم يفقد أعصابه كما فقدها اليوم، فأجابهم ﵊: قلت لكم في سفركم هذا؟ قال: عمر. لا فقال - ﷺ -، أما إنكم ستدخلونه. وآخذ مفتاح الكعبة. وأحلق رأسي ورؤوسكم ببطن مكة. وأعرف مع المعرفين.
والدرس الذي نود أن تدركه القاعدة من هذه الأمور جميعا هو أنه ليس بإمكان القيادة دائما أن تعطي المبررات لتصرفاتها وأوامرها. والمطلوب من جنود الدعوة أن تكون ثقتهم بقيادتهم أكبر من ثقتهم بآرائهم وقناعاتهم. وليس بإمكان القيادة أن تفشي أسرار تصرفاتها للمستويات العامة. وحق جنود الدعوة هو إبداء الرأي والمشورة وبذل النصيحة وعليهم من طرف آخر السمع والطاعة فيما يحبون ويكرهون وفي العسر واليسر وفي المنشط والمكره.
وما برز من صحابة النبي - ﷺ - يعطي صورة واضحة عن هذا التصرف فرغم أن عمر ﵁ فقد أعصابه. وأكثر من التساؤل لكنه لم يقم بأي تصرف أو مخالفة تحول دون تنفيذ أوامر
[ ٣ / ٢٧ ]
قائده ﵊، ولم يكن أصلا يبيح لنفسه أكثر من إبداء الرأي قبل أن يسمع قول النبي ﵊.
ولا شك أنه كان متوتر الأعصاب من هذه المعاهدة، وتمنى في قرارة نفسه لو فشل الصلح، وانفض القوم بدونه لكن ما كان له أن يتصرف أي تصرف يحقق هذا لغرض، وحين عرض على أبي جندل أن يقتل أباه وسأله أبو جندل: ما لك لا تقتله أنت؟ قال عمر: نهاني رسول الله - ﷺ - أن أقتل أحدا. فأجابه أبو جندل: ما أنت أحق بطاعة رسول الله مني.
وكلمته التي كررها مرارا هي التذكير بالبنود المجحفة كما ظهر له من خلال قوله: قلم نعط الدنية في ديننا.
وإذا وقفنا عند تصرف الصحابة أثناء كتابة الصحيفة عند الحديث عن البسملة. والرسالة نلاحظ أن رسول الله - ﷺ - ترك لهم إبداء الرأي قبل أن يعلن رأيه فأظهروا احتجاجهم وأعلنوا رفضهم. وأمسكوا بيد الكاتب لكن إشارة واحدة منه - ﷺ - كانت كفيلة بالصمت التام والقبول.
ولهذه القضية أثران اثنان:
الأول إشعار قريش قوة المسلمين واندفاعهم واستعدادهم للمواجهة والحراب فليست المعاهدة عن ضعف أو تخاذل من الصف.
الثاني: إشعار العدو كذلك مدى السمع والطاعة في هذا الصف المسلم الذي يتراجع عن رأيه أمام رأي رسول الله - ﷺ - أو قوله.
ولا بد من بروز هذين المعنين أمام العدو ليعرف حقيقة هؤلاء الجنود، وقوة شكيمتهم. فلا تسول له نفسه نقض العهد.
إن السمع والطاعة في المكره والمعسر هو أعظم أثرا منه في حالة المنشط واليسر، والذي يلتزم في المكره والعسر لا شك أنه ملتزم عندما يتجاوب الأمر مع حبه وقناعته واستعداده، وهو المعنى الحقيقي للسمع والطاعة.
والدرس الذي نود أن نتوجه به إلى القيادات الإسلامية والمسؤولين في الحركة هو أن يرحموا أعصاب جنودهم حين لا يسطيعون تفسير الأوامر لهم.
ففي صلح الحديبية. وقائدهم رسول الله - ﷺ - الموحى إليه من عند الله ﷿ ومع ذلك لم
[ ٣ / ٢٨ ]
تحتمل أعصابهم هذه الضغوط وانتهى الأمر بهم أن توقفوا عن تلبية نداء الرسول ﵊ لهم بالإحلال.
انفض القوم، ووقعت المعاهدة، وانتهى الأمر، الذي أصبح حقيقة واقعة، فلا دخول للحرم اليوم ولا حرب ولا مواجهة.
ولعلنا نقول أن الموقف الأخير، هو الموقف الوحيد الذي يصدر فيه أمر نبوي ولا ينفذ للتو.
ومن أجل ذلك كان هم النبي - ﷺ - عظيما على جنده الذين يهلكون إن خالفوا أمره ورفضوا تنفيذ توجيهاته.
ونؤكد أنه لا يوجد في الأرض قيادة معصومة أو قيادة يوحى إليها وبالتالي فعلى القيادة أن تعذر الصف حين يتلكأ في أمر هو عكس قناعته. أو يتباطأ في تنفيذ قرار يناقض هواه. فإذا كان مجتمع الصحابة الذي هو خير مجتمعات الأرض لم يتمكن من الطاعة التامة بنفس الاندفاع السابق وقائده رسول الله - ﷺ - فلا غرابة أن يظهر مثل هذا التصرف في أي صف مسلم قيادته منه تخطىء وتصيب.
كما نشير كذلك في موطن اسفادة قيادة الحركة الإسلامية من هذا الدرس إلى أهمية القدوة العملية من القيادة.
إن الأمر النظري حين لا تكون القيادة أسرع الناس لتنفيذه لن تستجيب القاعدة له ولقد أدركت أم سلمة ﵂ هذا المعنى حين ذكرت لرسول الله - ﷺ - ضرورة الإحلال والحلق منه. واستجاب ﵊ لاستشارة أم المؤمنين وخرج دون أن يتكلم بشيء فنحر بدنه، وتسارع المسلمون للنحر، وحلق رأسه وتسارع المسلمون للحلق.
فلم يعد لديهم عذر في احتمال تغير الرأي.
إن القيادة التي تريد طاعة جنودها لا بد أن تكون أسرع الناس في تنفيذ ما تأمر به أما إذا كان واقعها يخالف أوامرها فقد تستجيب القواعد مرة أو مرتين لكنها سترفض الأوامر في المرة الثالثة وتتخلى عن قيادتها وتدير لها ظهرها غير عابئة بالأمر. وتكون المسؤولية في مثل هذه الظروف على القيادة نفسها لا على الجنود.
لقد شهدت الحركة الإسلامية في إحدى فصائلها صورة شبيهة بهذه الصورة حين استنفرت جنودها لمواجهة الطاغية. وسارع الشباب من أقصى الأرض ملبين النداء. وإذا بهم يشهدون انصرافا عن المعركة في ظاهر الأمر إلى حلف سياسي مع خصوم تاريخيين لهذه الحركة. وانسحب هذا التراجع الظاهري على الصف الداخلي فزلزل الصف وبقيت الحركة تعاني منه شهورا طوالا
[ ٣ / ٢٩ ]
وسنين كذلك ولما تمح آثاره بعد.
والحقيقة أن الانضباط في كف اليد عن المعركة هو أصعب بكثير من التوجيه والدفع للمعركة فنفسية الجندي المسلم هي نفسية شجاعة ترغب في مصارعة العدو وحربه لتحقيق موعود الله. وحين تأتي الأوامر إليه بكف اليد يحس أن الأمر كبت وخنق له فيتذمر وكثيرا ما تفقد الحركة الإسلامية النصر في معاركها حين لا تملك السيطرة على جنودها، وتحدد هي موعد المعركة ويلتزم شبابها بوضع اليد على الزناد فترة طويلة دون إطلاق.
نحن بحاجة أن نعيش هذه السيرة المطهرة جنودا وقيادات ونعرف من خلالها الذي يجب علينا فنؤديه والذي يحق لنا فنطالب به.
وإذا كان تاريخ الدعوة لم يشهد اندفاعا أعظم من الاندفاع نحو بيعة الرضوان. فهو كذلك لم يشهد تلكؤا وتأزما كما شهد يوم صلح الحديبية.
ولم يترك الله تعالى هذا الصف المسلم في قلقه بعد أن أدى امتحانه العسير العسير. واستجاب لأوامر نبيه. بل جاء القرآن بعد ذلك ليهدىء النفوس الثائرة ويشرح أبعاد المعاهدة. ويؤكد للصف المسلم أنها كانت الفتح المبين في تاريخ الدعوة بل كانت بداية عهد جديد فتحت أمامه آفاق وآفاق، وكان نقلة هائلة للدعوة غيرت مجرى التاريخ وبقي الصف القوي الملتزم هو العدة الحقيقية للاستفادة من هذه الظروف.
وندع الحديث عن هذا الصف المسلم القوي للشهيد سيد قطب ﵀ في الظلال ومن خلال حديثه عن سورة الفتح.
(هذا الدرس كله حديث عن المؤمنين، وحديث مع المؤمنين مع تللك المجموعة الفريدة السعيدة التي بايعت رسول الله - ﷺ - تحت الشجرة. والله حاضر البيعة وشاهدها وموثقها ويده فوق أيديهم فيها. تلك المجموعة التي سمعت الله تعالى يقول عنها لرسوله - ﷺ -: ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة، فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا﴾، وسمعت رسول الله - ﷺ - يقول لها: (أنتم اليوم خير أهل الأرض (١» حديث عنها من الله ﷾ إلى رسوله - ﷺ -، وحديث معها من الله ﷾ يبشرها بما أعد لها من مغانم كثيرة وفتوح، وما أحاطها من رعاية وعناية في هذه المرحلة. وفيما سيتلوها، وفيما قدر لها من نصر موصول بسنته التي لا ينالها التبديل أبدا.
﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب المغازي.
[ ٣ / ٣٠ ]
عليهم وأثابهم فتحا قريبا ومغانم كثيرة يأخذونها وكان الله عزيزا حكميا﴾.
وإني لأحاول اليوم من وراء ألف وأربعمائة عام أن استثرف تلك اللحظة القدسية التي شهد فيها الوجود كله ذلك التبليغ العلوي الكريم من الله العلي العظيم، إلى رسوله الأمين عن جماعة المؤمنين. أحاول أن أستشرف صفحة الوجود في تلك اللحظة وضميره المكنون وهو يتجاوب جميعه بالقول الإلهي الكريم عن أولئك الرجال القائمين إذ ذاك في بقعة معينة من هذا الوجود وأحاول أن أستشعر شيئا من حال أولئك السعداء الذين يسمعون بذاتهم أنهم هم بأشخاصهم وأعيانهم يقول الله عنهم لقد رضي عنهم ويحدد المكان الذي كانوا فيه والهيئة التي كانوا عليها حين استحقوا هذا الرضا إذ يبايعونك تحت الشجر، يسمعون هذا من نبيهم الصادق المصدوق على لسان ربه العظيم الجليل.
يالله! كيف تلقوا - أولئك السعداء - تلك اللحظة القدسية وذلك التبليغ الإلهي التبليغ الذي يشير إلى كل أحد في ذات نفسه ويقول له: أنت، أنت بذاتك. يبلغك الله لقد رضي عنك وأنت تبايع تحت الشجرة إذ علم ما في نفسك فأنزل السكينة عليك.
إن الواحد منا ليقرأ ويسمع: ﴿الله ولي الذين آمنوا﴾ فيسعد يقول في نفسه: ألست أطمع أن أكون داخلا في هذا العموم؟ ويقرأ ويسمع: ﴿إن الله مع الصابرين﴾ فيطمئن، ويقول في نفسه ألست أرجو أن أكون من هؤلاء الصابرين؟ وأولئك الرجال يسمعون ويبلغون واحدا واحدا أن الله يقصده بعينه وبذاته. لقد رضي عنه إذ علم ما في نفسه ورضي عما في نفسه. يالله! إنه أمر مهول ).
***
[ ٣ / ٣١ ]
السمة الخامسة:
الاعتراف الرسمي من الوثنية بدولة الإسلام
شهدنا في السمة الماضية الصف القوي. وها نحن نشهد الآن عظمة القيادة النبوية من خلال صلح الحديبية.
( فلما جاء سهيل بن عمرو، قال رسول الله - ﷺ -: سهل أمرهم! فقال سهيل يا محمد إن هذا الذي كان - من حبس أصحابك وما كان من قتال من قاتلك - لم يكن من رأي ذوي رأينا بل كنا له كارهين حين بلغنا ولم نعلم به، وكان من سفهائتا. فابعث إلينا بأصحابنا الذين أسرت أول مرة، والذين أسرت آخر مرة. قال: إني غير مرسلهم حتى ترسلوا أصحابي. قال: أنصفتنا. فبعث سهيل ومن معه إلى قريش فبعثوا بمن كان عندهم، وهم عثمان وعشرة من المهاجرين وأرسل رسول الله - ﷺ - أصحابهم الذين أسروا وكان - ﷺ - يبايع الناس تحت شجرة خضراء، وقد نادى عمر ﵁، إن روح القدس قد نزل على الرسول وأمر بالبيعة، فاخرجوا على اسم الله فبايعوا. فلما رأى سهيل بن عمرو ومن معه ورأت عيون قريش سرعة الناس إلى البيعة وتشميرهم إلى الحرب اشتد رعبهم وخوفهم وأسرعوا إلى القضية ولما جاء عثمان ﵁ بايع تحت الشجرة وقد كان قبل ذلك حين بايع الناس قال رسول الله - ﷺ - إن عثمان ذهب في حاجة الله وحاجة رسوله. فأنا أبايع له. فضرب بيمينه شماله ..
(ورجع سهيل وحويطب ومكرز فأخبروا قريشا بما رأوا من سرعة المسلمين إلى التنعيم فأشار أهل الرأي بالصلح على أن يرجع رسول الله - ﷺ - ويعود من قابل (١) فيقيم ثلاثا فلما أجمعوا على ذلك أعادوا سهيلا وصاحبيه ليقرر هذا. فلما رآه النبي - ﷺ - قال: أراد القوم الصلح وكلم رسول الله فأطالا الكلام وتراجعا، وارتفعت الأصوات. وكان - ﷺ - يومئذ جالسا متربعا وعباد بن بشر وسلمة بن أسلم مقنعان بالحديد قائمان على رأسه فلما رفع سهيل صوته. قالا: اخفض من صوتك عند رسول الله! وسهيل بارك على ركبتيه رافع صوته والمسلمون حول رسول الله - ﷺ - جلوس ..).
( فلما حضرت الدواة والصحيفة - بعد طول الكلام والمراجعة - دعا رسول الله - ﷺ - أوس بن خولي يكتب، فقال سهيل لا يكتب إلا ابن عمك علي أو عثمان بن عفان فأمر عليا فكتب فقال: اكتب ).
_________________
(١) قابل: العام القادم.
[ ٣ / ٣٢ ]
(باسمك اللهم، هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله وسهيل بن عمرو اصطلحا على وضع الحرب عشر سنين يأمن فيها الناس ويكف بعضهم عن بعض على أنه لا إسلال (١) ولا إغلال (٢)، وان بيننا عيبة (٣) مكفوفة، وأنه من أحب أن يدخل في عهد محمد وعقده فعل. وأنه من أحب أن يدخل في عهد قريش وعقدها فعل. وأنه من أتى محمدا منهم بغير إذن وليه رده محمد إليه، وأنه من أتى قريشا من أصحاب محمد لم يردوه. وأن محمدا يرجع عنا عامه هذا بأصحابه، ويدخل علينا من قابل في أصحابه فيقيم بها ثلاثا لا يدخل علينا بسلاح إلا سلاح المسافر، السيوف في للقرب).
شهد أبو بكر بن أبي قحافة، وعمر بن الخطاب، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وعثمان بن عفان، وأبو عبيدة بن الجراح، ومحمد بن مسلمة، وحويطب بن عبد العزى، ومكرز بن حفص وكتب علي صدر الكتاب.
قال سهيل: يكون عندي، وقال رسول الله - ﷺ - بل عندي ثم كتب له نسخة وأخذ رسول الله - ﷺ - الكتاب الأول، وأخذ سهيل نسخته. ووثب من هناك من خزاعة فقالوا: نحن ندخل في عهد محمد وعقده ونحن على من وراءنا من قومنا. ووثب بنو بكر فقالوا: ندخل مع قريش في عهدها وعقدها، ونحن على من وراءنا من قومنا ..
(ثم أذن رسول الله - ﷺ - بالرحيل، فلما ارتحلوا مطروا ما شاؤوا وهم صائفون (٤) فنزل ونزلوا معه فشربوا من ماء السماء. وقام - ﷺ - فخطبهم فجاء ثلاثة نفر فجلس اثنان وذهب واحد معرضا فقال رسول الله - ﷺ -: ألا أخبركم خبر الثلاثة قالوا: بلى يا رسول الله قال: أما واحد فاستحيا فاسنحيا الله منه، وأما الآخر فتاب فتاب الله عليه، وأما الثالث فأعرض فأعرض الله عنه.
عمر بن الخطاب ﵁ يسير مع رسول الله - ﷺ - فسأله فلم يجبه. ثم سأله فلم يجبه، ثم سأله فلم يجبه، فقال: ثكلتك أمك يا عمر! بدرت رسول الله ثلاثا، كل ذلك لا يجيبك! وحرك بعيره حتى تقدم الناس، وخشي أن يكون نزل فيه قرآن فأخذه ما قرب وما بعد لمراجعته بالحديبية، وكراهته القضية. وبينما هو يسير مهموما متقدما على الناس، إذا منادي رسول الله - ﷺ - ينادي: يا عمر بن الخطاب! فوقع في نفسه ما الله به أعلم ثم أقبل حتى انتهى إلى رسول الله - ﷺ - فسلم. فرد ﵇ وهو مسرور ثم قال: أنزلت علي سورة هي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس. فإذا هو يقرأ: ﴿إنا فتحنا لك فتحا مبينا ..﴾ فأنزل الله في ذلك سورة الفتح فركض الناس وهم يقولون: أنزل على رسول الله! حتى توافوا عنده وهو يقرؤها ويقال: لما نزل بها جبريل قال:
_________________
(١) الاسلال: السرقة الخفية والرشوة ويقال هو الغارة الظاهرة بسل السيوف.
(٢) الأغلال: الخيانة.
(٣) العيبة المكفوفة: كناية عن الصلح المعقود على الوفاء.
(٤) صائفون: أقاموا بالمكان صيفا أو مروا به.
[ ٣ / ٣٣ ]
(نهنئك يا رسول الله! فلما هنأه جبريل هنأه المسلمون ) (١).
لقد كان اتجاه رسول الله - ﷺ - إلى المصالحة منذ اللحظة التي بركت فيها ناقته فقال الناس: خلأت (٢) القصواء، خلأت القصواء، فقال النبي - ﷺ -: ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل. ثم قال: والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها).
والظاهر من الوحي نزل على رسول الله - ﷺ - بالصلح مع العدو. لأن رسول الله - ﷺ - لم يستشر كما تشير النصوص أحدا في هذا الأمر، واكتفى بإعلان هذا لاتجاه بعد بروك الناقة وفي ذلك إشارة دقيقة: حبسها حابس الفيل عن مكة. وهذا يعني أن احتمال الرجوع عن مكة وارد.
ومع وصول سهيل بن عمرو الذي تفاءل به ﵊ قائلا: سهل أمرهم.
وانتهاء المفاوضات الأولى بتبادل الأسرى بين الفريقين. لكن وصول هذا الوفد والبيعة على أشدها كان المهماز الأخير في اتجاه قريش إلى الصلح، وكان هدفها الأول: ألا تتحطم سمعتها العسكرية، وتمرغ كرامتها بالتراب نتيجة دخول الرسول - ﷺ - مكة عنوة، أما بقية البنود فقابلة للأخذ والرد.
وبين رغبتين جامحتين: رغبة لقريش أن لا يدخل عليهم مكة هذا العام أبدا. ورغبة المسلمين أن يدخلوا مكة ويطوفوا بالبيت الحرام، ورجوعهم هو هزيمة عسكرية لهم.
بين هاتين الرغبتين الجامحتين كان النبي - ﷺ - يوازن بآفاق أبعد وآماد أرحب. وهل من هزيمة أوعظم من قبول قريش المصالحة وبعثه وفد بذلك. قريش قبل عام واحد تحاصر المسلمين مع من جيشت من العرب. وتأتيهم من فوقهم ومن أسفل منهم وهي اليوم تبعث وفدا للمصالحة مع المسلمين على مشارف مكة.
إنه نصر ساحق ولا شك والنصر الآخر هو أن تقف مكة على الحياد وتقف الحرب في جزيرة العرب وتفتح أبواب الجزيرة أمام المد الإسلامي. إنه نصر ساحق ولا شك.
وأن يعود المسلمون في العام القادم ويدخلوا مكة باعتراف رسمي وحماية رسمية دون أن يتعرض لهم أحد بسوء. إنه نصر ماحق ولا شك.
_________________
(١) مقتطفات من إمتاع الأسماع للمقريزي ج ١ من الصفحات ٢٩١و٢٩٢ و٢٩٧ و٢٩٨ و٣٠١ و٣٠٢.
(٢) خلأت: بركت.
[ ٣ / ٣٤ ]
وأن تفتح قريش صفحة جديدة مع المسلمين وتعترف بكيانهم ودولتهم، ويسود الأمن والود بين الفريقين. ويفتح باب الحوار الجديد مع قادة مكة من موقع القوة. إنه نصر ساحق ولا شك.
هذا من جهة، ومن جهة ثانية: ماذا يعني إصرار المسلمين على دخول مكة عنوة.
إن أول معانيه، أن يكون الحقد والثأر هو الذي يطبع نفوس أهل مكة جميعا. وهذا يسد إلى فترة غير قليلة باب الدخول في الإسلام أو التفكير به.
وما كان رسول الله - ﷺ - يغيب عن قلبه أبدا رغبته في إسلام أهل مكة. وهذه خسارة فادحة. وأن تقع معركة غير متكافئة يسقط فيها مئات الشهداء من المسلمين لدخول مكة. وهم قرة عينه وخيرة جنده، فهذه خسارة فادحة ثانية.
وأمام هذه التوازنات جميعا وبتسديد الوحي. كان رسول الله - ﷺ - ماض في خطته، لا يراوده فيها أدنى شك نلحظ ذلك من خلال إجابته الواضحة الصارمة لعمر بن الخطاب: (أنا عبد الله ورسوله، ولن أخالف أمره، ولن يضيعني). والملاحظ أن رسول الله - ﷺ - لم يفصح عما في نفسه إلا مضطرا وذلك أمام إلحاح المسلمين على دخول مكة. فأعاد لهم شريط الأحداث، لينتقلوا منه ومعه إلى النصر الجديد القادم.
(أنسيتم يوم أحد إذ تصعدون ولا تلوون على أحد وأنا أدعوكم في أخراكم؟ أنسيتم يوم الأحزاب، إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر، أنسيتم يوم كذا، أنسيتم يوم كذا؟ والمسلمون يقولون: صدق الله ورسوله، يا نبي الله ما فكرنا فيما فكرت فيه، ولأنت أعلم بالله وبأمره منا).
وعودة إلى نصوص المعاهدة، نلحظ من خلالها أول اعتراف رسمي من قريش بدولة الإسلام. إنه اعتراف بالدولة وليس اعترافا بالرسالة ومن أجل هذا ناقشوا كثيرا بـ (الرحمن الرحيم) وبـ (رسول الله) ولكنا الخطوة الأولى على الطريق وإيقاف الحرب عشر سنين تهيء لرسول الله - ﷺ - وللمسلمين مجالا رحبا للانطلاق بالإسلام إلى العرب كل العرب دون مقاومة أومواجهة من أحد. فقد كانت العرب تنتظر مصير الحرب بين الفريقين. واقفة على الحياد ولا يجرؤ أي تجمع عربي على الانضمام لأحد الفريقين خوفا من غلبة الفريق الآخر، وإن كانت بعض القبائل العربية ظاهرت قريشا على رسول الله - ﷺ - لكن تلك المظاهرة كانت منطلقة من الثقة المطلقة بقوة قريش. أما بعد الأحزاب، وبعد فشل الهعجوم الضخم، إنتهت التحالفات العربية في المنطقة ضد الإسلام، وأيس الناس من إمكانية القضاء على الإسلام ورسول الإسلام.
[ ٣ / ٣٥ ]
٣ - وأهم بند من بنود المعاهدة إنتهاء عنصر الخوف في الأرض العربية فمن أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدعا دخل فيه لقد فتحت آفاق الدعوة على مصراعيها دون وجل أو خوف من أحد، وهذا ما كان يريده رسول الله - ﷺ - منذ بداية الحملة.
(إنا لم نأت إلى قتال أحد، إنما جئنا لنطوف بهذا البيت فمن صدنا عنه قاتلناه وقريش قوم قد أضرت بهم الحرب ونهكتهم، فإن شاؤوا ماددتهم مدة يأمنون فيها، ويخلون فيما بيننا وبين الناس -والناس أكثر منهم - فإن ظهر أمري على الناس كانوا بين أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس، أو يقاتلوا وقد جموا والله لأجهدن على أمري هذا إلى ان تنفرد سالفتي، أو ينفذ الله أمره) (١).
٤ - والبندان الأخيران اللذان أثارا حفيظة المسلمين يجد الناظر لهما لأول وهلة أنهما مجحفان بحق المسلمين. لكن النظرة الأبعد. تؤكد أنها لمصلحة المسلمين. وأول هذين البندين:
«وأنه من أتى محمدا منهم بغير إذن وليه رده محمد إليه».
ولا شك أن هذا البند فيه -في ظاهر الأمر- تخل عن المستضعفين المؤمنين في مكة غير أن ما ذكره القرآن حولهم يؤكد أن تأجيل المعركة مع قريش وتأخيرها هو لصالح هؤلاء المستضعفين في مكة.
﴿ولولا رجال مؤمون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما ﴾ (٢).
لأن الحرب لو اندلعت لتعرض المستضعفون في مكة للإبادة بينما قامت هذه المعاهدة بتحقيق نصر معنوي لهم أهم ما فيه العهد مع دولتهم بالموادعة.
ومع أن الإجحاف الجزئي من خلال هذا النص قد أثر قليلا على أعصاب المسلمين لكنه ما لبث أن تعدل بعد أقل من شهرين. وذلك بعد خروج أبي بصير ومن معه من المسلمين إلى ذي المروة بالساحل.
وثاني هذين البندين: (وأنه من أتى قريشا من أصحاب محمد لم يردوه)
ورسول الله - ﷺ - مطمئن إلى المؤمنين عنده وكما قال لصحبه:
(ومن جاءهم منا فلا رده الله).
_________________
(١) إمتاع الأسماع ج ١ ص ٢٨٦.
(٢) الآية ٢٥:الفتح.
[ ٣ / ٣٦ ]
إذ ماذا يجدى وجود عملاء لقريش في الصف المسلم أو منافقين يكيدون للإسلام؟
٥ - ورجع رسول الله - ﷺ - عن مكة في ظاهره فشل لحملة الحديبية وفي حقيقته اعتراف رسمي بحق المسلمين بدخول مكة في العام القادم.
وكم الفرق بين نصر جزئي لن يصل له المسلمون دون مئات الشهداء والقتل من الفريقين.
وبين دخول رسمي لمكة من المسلمين بإقرار المشركين.
وليس بعد قول الله تعالى قول. فلقد سمى الحديبية - جل شأنه - فتحا مبينا. فقال عز من قائل:
﴿إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما وينصرك الله نصرا عزيزا﴾ (١).
واقتضت هذه الآيات، تهنئة أهل السماء على لسان جبريل ﵇، وتهنئة أهل الأرض وعلى رأسهم عمر بن الخطاب ﵁. وقد استدعاه رسول الله - ﷺ - من بين المسلمين جميعا. ليتلو عليه آيات الله، ويسكب الطمأنينة والسكينة والأمن في قلبه.
﴿هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله جنود السموات والأرض وكان الله عليا حكيما) (٢).
يقول أبو بكر ﵁:
(ما كان فتح أعظم في الإسلام من فتح الحديبية. ولكن الناس يومئذ قصر رأيهم عما كان بين محمد وربه. والعباد يعجلون، والله لا يعجل كعجلة العباد حتى تبلغ الأمور ما أراد.
لقد نظرت إلى سهيل بن عمرو في حجة الودع قائما عند المنحر يقرب إلى رسول الله - ﷺ - بدنه. ورسول الله ينحرها بيده! ودعا الحلاق فحلق رأسه فأنظر إلى سهيل يلقط من شعره - ﷺ - وأراه يصعه على عينيه! وأذكر إباءه أن يقر يوم الحديبية بأن يكتب بسم الله الرحمن الرحيم! وإباءه أن يكتب أن محمدا رسول الله! فحمدت الله الذي هداه للإسلام. فصلوات الله وبركاته على نبي الرحمة الذي هدانا به. وأنقذنا به من الهلكة) (٣).
والحركة الإسلامية اليوم بحاجة إلى أن تراجع رصيدها على ضوء هذه السمة وأن لا تشغلها
_________________
(١) سورة الفتح الآيات ١ - ٣.
(٢) الآية ٤ من سورة الفتح.
(٣) إمتاع الأسماع ص ٢٩٦.
[ ٣ / ٣٧ ]
النزوات والانفعالات الجزئية عن الخطة العامة التي تجعل الهدف العام يضحى من أجله بالمنفعة القريبة العاجلة.
إن الانتقال بالدعوة إلى المجال السياسي بحيث تثبت وجودها فيه. بجانب الجهد العسكري الذي تبذله هو الذي يمكن لهذه الدعوة في الأرض. وإن الدعوة حين تسد في وجهها السبل، وتوضع في عجلاتها العصي، وينزل الاضطهاد بها من كل صوب، لا تجد أمامها محيصا من اللجوء إلى القوة حتى تضرب جذورها في الأرض. لكن هذه القوة هي الوسيلة الناجعة للعودة إلى الحوار الفكري والمجال السياسي مع الخصوم. وتستطيع أن تحقق بترانق ذينك الجانبين معظم أهدافها. أما التخل عن واحد منهما فهو خلل كبير تصاب به الدعوة.
لقد رأينا الحركات الإسلامية حين تعتمد على الحرية الديمقراطية دون سند لها من قوة. ولو وصلت إلى بعض المواقع، لكنها سرعان ما تخسرها لأن الباطل لا يرضى لها الغلبة وهو قادر على إزاحتها. وتجارب الحركة الإسلامية من خلال منح وزارة أو إعطاء قطاع من القطاعات حرية محدودة سرعان ما ينهار ذلك العطاء، وتجتث تلك الثمرات. كما أن اعتماد القوة وحدها ونسيان هدف الدعوة الرئيسي واعتماد التحرك السياسي. سرعان ما يفصم بينها وبين الناس ويوسع الهوة التي لا تردم بعد ذلك.
أما أن يكون الجانب الجهادي بجوار التحرك السياسي. وكلاهما يخدمان دعوة الإسلام هو الطريق الطبيعي لتحقيق نصر الله.
يقول الزهري ﵀ عن فتح الحديبية:
(فما فتح في الإسلام فتح كان أعظم منه، إنما كان القتال حيث التقى الناس فلما كانت الهدنة، ووضعت الحرب، وآمن الناس بعضهم بعضا والتقوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة، فلم يكلم أحد بالإسلام يعقل شيئا إلا دخل فيه، ولقد دخل في تينك السنتين مثل من كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر) (١).
قال ابن هشام: والدليل على قول الزهري أن رسول الله - ﷺ - خرج إلى الحديبية في ألف وأربعمائة في قول جابر بن عبد الله ثم خرج عام فتح مكة بعد ذلك بسنتين بعشرة آلاف.
ومن الآلاف العشرة يوم الأحزاب، إلى الألاف العشرة يوم فتح مكة يظهر حقيقة هذا الفتح المبين.
ولا شك أن رسول الله - ﷺ - استثمر هذا الفتح أعظم استثمار.
_________________
(١) السيرة لابن هشام ٤ ص ٣٣٦ و٣٣٧.
[ ٣ / ٣٨ ]
والمؤمنون المجاهدون بحاجة إلى أن يستثمروا المواقع التي يربحونها أعظم استثمار.
وها نحن نشهد في السمات التالية آثار هذا الاعتراف ونتائج هذا الفتح بحيث قلب الموازين كلها لصالح الإسلام والمسلمين.
﴿لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخل المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا) (١).
_________________
(١) سورة الفتح الآية ٣٧.
[ ٣ / ٣٩ ]
السمة السادسة: حرب المستضعفين
لقد بقي القلق يساور المسلمين على المستضعفين في مكة. ومنظر أبي جندل بن سهيل ﵁ فتت أكبادهم. غير أن قدوم أبي بصير ﵁ قلب الموازين كلها لصالحهم وصالح دولة الإسلام الجديدة. ولنشهد مفهوم العهود الدولية. ومفهوم حرب العصابات من خلال هذه السمة:
(فلما قدم رسول الله - ﷺ - المدينة أتاه أبو بصير عتبة بن أسيد، وكان ممن حبس بمكة. فلما قدم على رسول الله كتب فيه أزهر بن عبد عوف، والأخنس بن شريق [إلى رسول الله كتابا مع خنيس بن جابر من بني عامر وخرج معه مولى له يقال له كوثر وفي كتابهما ذكر الصلح، وأن يرد عليهم أبا بصير، فقدما بعد أبي بصير بثلاثة أيام فقرأ أبي بن كعب الكتاب على رسول الله - ﷺ - فإذا فيه: قد عرفت ما شارطناك عليه وأشهدنا بيننا وبينك من رد من قدم عليك من أصحابنا، فابعث إلينا بصاحبنا. فأمر رسول الله - ﷺ - أبا بصير أن يرجع معهم ودفعه إليهما، فقال: يا رسول الله: أتردني إلى المشركين يفتنوني في ديني! فقال: يا أبا بصير، إنا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت. ولا يصلح لنا في ديننا الغدر، وإن الله جاعل لك ولمن معك من المسلمين فرجا ومخرجا. فقال: يا رسول الله أتردني إلى المشركين! قال: إنطلق يا أبا بصير فإن الله سيجعل لك مخرجا] (١) فانطلق معهما حتى إذا كان بذي الحليفة جلس إلى جدار وجلس معه صاحباه، فقال أبو بصير: أصارم سيفك هذا يا أخا بني عامر؟ فقال: نعم قال: أريته أنظر إليه؟ قال: انظر إن شئت، قال: فاستله أبو بصير، ثم علا به حق قتله، وخرج المولى سريعا حتى أتى رسول الله - ﷺ - وهو جالس في المسجد فلما رآه رسول الله - ﷺ - طالعا، قال: إن هذا الرجل قد رأى فزعا، فلما انتهى إلى رسول الله - ﷺ - قال: ويحك ما لك؟ قال: قتل صاحبكم صاحبي فوالله ما برح حتى طبع أبو بصير متوشحا بالسيف حتى وقف على رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله، وفت ذمتك، وأدى الله عذك أسلمتني بيد القوم وقد امتنعت بديني أن أفتن فيه أو يعبث بي. قال رسولالله - ﷺ - ويل أمه محش (٢) حرب لو كان معه رجال) (٣) [وقدم سلب العامري ورحله وسيفه ليخمسه رسول الله - ﷺ -. فقال: إني إذا خمسته رأوا أني لم أوف لهم بالذي عاهدتهم عليه. ولكن شأنك بسلب صاحبك. ثم قال لكوثر: ترجع به إلى أصحابك؟ فقال: يا محمد ما لي به قوة ولا يدان: فقال - ﷺ -
_________________
(١) بين المعترضين من إمتاع الأسماع للمقريزي ج ١:٣٠٣.
(٢) محش حرب: مسعر حرب وموقدها.
(٣) السيرة لابن هشام ج ٣: ٣٣٧ و٣٣٨.
[ ٣ / ٤٠ ]
لأبي بصير: إذهب حيث شئت] (١).
فخرج حتى أتى العيص فنزل منه ناحية على ساحل البحر على طريق عير قريش إلى الشام وعندما خرج لم يكن معه إلا كف تمر فأكله ثلاثة أيام، وأصاب حيتانا قد ألقاها البحر بالساحل فأكلها. وبلغ المسلمين ال>ين حبسوا بمكة خبره فتسللوا إليه. وكان عمر بن الخطاب ﵁ هو الذي كتب إليهم يقول رسول الله - ﷺ - لأبي بصير: ويل أمه محش حرب لو كان معه رجال وأخبرهم أنه بالساحل فاجتمع عند أبي بصير قريب من سبعين مسلما فكانوا بالعيص. وضيقوا على قريش، فلا يظفروق بأحد منهم إلا قتلوه، ولا تمر عير إلا اقتطعوها ومر بهم ركب يريدون الشام معهم ثمانون بعيرا فأخذوا ذلك وأصاب كل رجل منهم قيمة ثلاثين دينارا، وكانوا قد أمروا عليهم أبا بصير. فكان يصلي بهم، ويقرئهم ويجمعهم، وهم له سامعون مطيعون. فغاظ قريشا صنيع أبي بصير وشق عليهم وكتبوا إلى رسول الله - ﷺ - يسألونه بأرحامهم إلا أدخل أبا بصير إليه ومن معه: فلا حاجة لنا بهم. فكتب - ﷺ - إلى أبي بصير أن يقدم بأصحابه معه فجاءه الكتاب وهو يموت. فجعل يقرأه ومات وهو في يده فدفنوه. وأقبل أصحابه إلى المدينة وهم سبعون ..).
(وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط قد أسلمت بمكة، فكانت تخرج إلى بادية أهلها فتقيم أياما بناحية التنعيم ثم ترجع حتى أجمعت على المسير مهاجرة. فخرجت كأنها تريد البادية على عادتها فوجدت رجلا من خزاعة فأعلمته بإسلامها، فأركبها بعيره حتى أقدمها المدينة بعد ثمان ليال. فدخلت على أم سلمة ﵂ وأعلمتها أنها جاءت مهاجرة وتخوفت أن يردها رسول الله - ﷺ -. فلما دخل على أم سلمة أعلمته فرحب بأم كلثوم وسهل فذكرت له هجرتها وأنها تخاف أن يردها فأنزل الله فيها آية الممتحنة .. فكان رسول الله - ﷺ - يرد من جاءه من الرجال ولا يرد من جاءه من النساء. وقدم أخواها من غد قدومها الوليد وعمارة ابنا عقبة بن أبي معيط فقالا: يا محمد ف لنا بشرطنا وما عاهدتنا عليه. فقال: قد نقض ذلك. فانصرنا إلى مكة فأخبروا قريشا فلم يبعثوا أحدا ورضوا بأن تحبس النساء) (٢).
إننا نشهد مبادىء حرب العصابات من خلال حادثة ابي بصير ﵁.
فلا بد لمن يفكر بهذه الحرب أن يكون ذا إرادة قوية وعزيمة فولاذية وتفكير أبي بصير بالهروب من سجن قريش، وتنفيذ ذلك والهجرة إلى المدينة يعني أنه يملك التصميم على المقاومة إنها النفسية الحية التي ترفض الذل وتأبى الهوان، وهذه هي نقطة الانطلاق الأولى في أية مقاومة مسلحة للطغاة في الأرض.
_________________
(١) إمتاع الأسماع ج ١. ٣٠٤.
(٢) إمتاع الأسماع ج ١: ٣٠٥ و٣٠٦.
[ ٣ / ٤١ ]
٢ - وكان من الممكن أن ينتهي أبو بصير ﵁ لو اكتفى بنزوحه إلى المدينة وعودته إلى مكة مع صاحبيه اللذين جاءا لاستلامه غير أن هذه الإرادة برزت في الالحاح على قيادته أن لا يعود إلى الذل، وكان جواب النبي - ﷺ -:
إنه لا يحل في ديننا الغدر، فاصبر واحتسب فإن الله جاعل لك فرجا ومخرجا.
وها هو يتلقى مبادىء ثلاثة من قيادة الدعوة:
المبدأ الأول: الوفاء بالعهود والمواثيق ولو مع المشركين المجرمين المعتدين.
المبدأ الثاني: إن مصلحة الجماعة فوق مصلحة الفرد، ولهذا الأمر كان هذا الشرط المجحف.
المبدأ الثالث: الثقة بالله وبموعوده أنه لا بد من فرج ومخرج بعون الله.
ولكنه لم يكن يدري أنه هو صاحب الفرج والمخرج، إذ أعده الله تعالى لذلك.
٣ - ولعل إيحاءات إخوته في المدينة كانت أن لا يدع سبيلا للمقاومة إلا ويسلكها، ومن أجل ذلك بيت في نفسه أمرا وهو القضاء على هذين الصاحبين اللذين جاءا لإعادته إلى ربقة الذل والعبودية، وإعادته إلى قريش يفتنونه في دينه، ونفذ ما عزم عليه في حيلة بارعة توصل بها إلى سيف العامري وقتله به، ولحق بمولاه إلى المدينة.
٤ - وكانت الخطوة الثالثة من التصميم عندما جاء إلى رسول الله - ﷺ - قائلا له: وفت ذمتك يا رسول الله، وأدى الله عنك، وقد أسلمتني بيد العدو، وقد امتنعت بديني من أن أفتن، ويعبث بي أو أكذب بالحق.
وكانت هذه القوة الفية من أبي بصير منطلقا للتوجيه إلى الحرب الواسعة من خلال تخطيط محكم ومدد بالرجال بدلا أن تكون مبادرة فردية أو نزوة طارئة.
وحتى تبرؤ الذمة تماما قال ﵊ لكوثر المولى الذي نجا: ترجع به إلى أصحابك فقال: يا محمد ما لي به قوة ولا يدان فقال - ﷺ - لأبي بصير: اذهب حيث شئت.
لا بد من اختيار المكان، واختيار الرجال، والتخطيط لحرب طويلة الأمد، لكن المدينة ليست هي الأرض المناسبة لهذه الحرب. فالمدينة ملتزمة بمواثيق دولية مع مكة. ولا بد من اختيار أرض مناسبة لهذه الحرب والرجال ليسوا من المدينة. الرجال هم من رعايا مكة نفسها والمكان لا بد أن يقض مضجع مكة. فكان ذا المروة بالساحل.
ومن تمام الوفاء بالعهود والمواثيق الدولية من رسول الله - ﷺ - أنه رفض تخميس سلب العاري لأن هذا يعني الإعتراف بشرعية انتمائه للمدينة وهذا الانتماء غير شرعي. فلا بد من
[ ٣ / ٤٢ ]
البحث عن أرض أخرى، ورجال آخرين، ومضى أبو بصير بهذا الخط العام الذي رسمه له رسول الله ﵊.
٥ - ومضى ﵁ بكف تمر أكله خلال ثلاثة أيام، والثائر الحقيقي لا بد أن يوطن نفسه على الجوع والعري والفاقة. وأن يتجلد على القسوة والشدة والمحنة. ثم لجأ بعد انتهاء كف التمر إلى حيتان البحر. ورجل الثورة بحاجة إلى أن ينمي الامكانات الذاية للثورة لا أن يكون اعتماده على المعونات الخارجية، لأن هذه المعونات من المحتمل أن تنضب في كل لحظة، أو تنقطع وبالتالي يهلك بذلك.
٦ - لقد كان أبو بصير بحق قائد ثورة، ومبادىء الثورة تبيح المواجهة المباشرة وغير المباشرة.
وما احتال به على العامري لقتله وأخذ سيفه. خط إسلامي أصيل حين يجمع العدو على القضاء على الحركة الإسلامية وذلك بأن تلجأ إلى التعمية والتغرير بالخصم لقتله وأخذ سلاحه.
والثورة الإسلامية حين تنطلق. تستطيع أن تتبع الأساليب المناسبة الناجعة مع أزلام الطغاة وزبانيتهم. لأنهم يعلمون الجريمة التي يساهمون بها.
٧ - والثورة الإسلامية التي شهدنا أبا بصر على رأسها، تعذر الدول المرتبطة بمواثيق ومعاهدات. ولا تحرجها حين تتحرك على أرضها وتتقيد تقيدا تاما بمبادىء هذه الدولة وقوانينها.
لقد رأينا أبا بصير وارتباطه بالإسلام ارتباط عقيدة، وارتباطه برسول الله - ﷺ - ارتباط عقيدة وإيمان، ومع ذلك لم يحرج رسول الله - ﷺ - بالتحرك على أرضه أو طلب المدد منه وقد تعلم هذا الدرس حين رفض رسول الله - ﷺ - حتى أن يخمس له سلبه.
وما أحوج الثورة الإسلامية إلى أن تدرك هذه المعاني وخاصة عندما لا يكون ارتباطها ارتباط عقيدة مع الدولة التي تتحرك في أرضها.
كما أن على شباب الحركة الإسلامية أن يدركوا الظروف الصعبة التي تمر بها قيادتهم، وتضطر إلى التخلي عن معونتهم ومددهم لمصلحة الدولة ذاتها. فلقد وقع ﵊ ميثاقا من صلب نصوصه عدم حماية الثوار المسلمين ومددهم وإعادتهم وتسليمهم للدولة العدو لو جاؤوا إليه.
٨ - وكان الرصيد الحقيقي للثورة هم رجال مكة المسلمون المستضعفون الذين انضموا إلى أبي بصير واحدا تلو الآخر حتى بلغ عددهم سبعين رجلا من المجاهدين والدرس الذي تستفيده
[ ٣ / ٤٣ ]
الثورة الإسلامية من هذا الحديث هو أن الرصيد الحقيقي للثورة هو من أبناء البلد الثائر. هذا هو الرصيد الحقيقي. ومن أجل ذلك لم ينضم لجيش الثورة رجل واحد من المسلمين في المدينة. لأنه جندي نظامي في دولة رسمية. أما المستضعفون المسلمون في مكة فقد انضموا إلى أبي بصير عن بكرة أبيهم وكانوا هم أصحاب القضية وأبناؤها الأصليين والثورة التي تقوم وتعتمد في رصيدها على الرديف من الدول الأخرى لن يكتب لها النجاح.
٩ - واختيار المكان المناسب للثورة ذو أهمية قصوى في نجاحها فعصب قريش هو التجارة وتجارتها إلى الشام هي المحور الأول. ولم يرتفع الاختناق عنها إلا بعد صلح الحديبية. فإذا بها تقاجأ من جديد بعودة الإرهاب إلى الطريق، والقافلة إثر القافلة يباد رجالها وتمضي أموالها. فالموقع الاستراتيجي المناسب الذي يمكن الثورة من قطع شريان الحياة عن أعدائها هو اللذي يجعل هذا العدو يلين ويرصخ أما إذا لم يشعر العدو أنه مهدد بحياته ووجوده وأمنه فسوف يسحق هذه الثورة ويبيدها عن آخر رجل فيها.
وكل ثورة لا تجد منطلقا تنطلق منه إلى حدود العدو ستنتهي في النهاية إلى لاجئين سياسيين يعيشون على موائد الآخرين. وكل ما من شأنه أن يقصم ظهر العدو ويفل مقاومته هو من حق الثائرين سيان كان أهدافا مدنية أو عسكرية وهدف الثورة هو رفع الظلم والاضطهاد عن المستضعفين. ولن يتراجع الطغاة عن طغيانهم ما لم يصابوا بأرواحهم وحياتهم وأموالهم وأمنهم، عندئذ يسقط في يدهم ويشعرون أنه قد أحيط بهم فيستسلمون.
١٠ - وليس هدف الثورة الإرهاب والفتك للإرهاب والفتك، إن هدفها هو رفع الظلم والاضطهاد عن المسحوقين الملاحقين بعقائدهم وفكرهم ومقدساتهم وحين يتحقق الهدف تنتهي الثورة ومن أجل ذلك عندما اسفحل أمر الثوار المسلمين في الساحل. وعرفت مكة أنها على وشك الاختناق، وأن جبهة جديدة فتحت عليها تقض مضجعها وأمنها راحت إلى رسول الله - ﷺ - تتفاوض معه وترجوه وتسترحمه أن ينهي هذه الثورة ويضم هؤلاء المسلمين إلى جيشه النظامي. فيسري عليهم ما يسري على جيشه بالتزام الهدنة والصلح.
(وكتبوا إلى رسول الله - ﷺ - يسألونه بأرحامهم إلا أادخل إليه أبا بصير ومن معه. وتحقق هدف الثوة وانضم الثوار إلى دولة الإسلام، وهم سبعون من المجاهدين الذين تزيلوا من صفوف العدو وتميزوا).
ولا بد أن نلاحظ حدود الثورة وطاقتها وإمكاناتها. فلم يكن هدف ثورة أبي بصير. هو
[ ٣ / ٤٤ ]
إسقاط نظام مكة والسيطرة عليه بمقدار ما كان هدفه هو ضم قوات المستضعفين إلى قيادتهم في المدينة. وحققت الثورة أهدافها، وقائدها على فراش الموت. وكتاب رسول الله - ﷺ - بيده أن يقدم بأصحابه معه. فمات قرير العين بتحقيق موعود الله تعالى له بالنصر والشهادة.
لكننا نرى تصرفا آخر قامت به أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط أعدى أعداء الله. لا يقل بطولة عن أبي بصير إذا روعيت النسبة بين طاقات الرجال والنساء.
فأم كلثوم ﵂ وقد خالطت بشاشة الإسلام قلبها وهي في بؤرة العداوة للمسلمين، خططت وغافلت أهلها حتى استطاعت أن تجد رجلا من خزاعة فسافرت معه مهاجرة إلى المدينة.
ويبدو فقهها ﵂ في جانبين:
الجانب الأول: في التخطيط للهجرة حتى تخلص من جحيم أهلها ونار عداوتهم للإسلام.
الجانب الثاني: بحسن اختيارها لمن تنتقل معه فهي تعلم من بنود المعاهدة أن خزاعة هم حلفاء محمد - ﷺ - بعد الحديبية ومن أجل ذلك انتظرت حتى لقيت الرجل الحليف لمحمد وانطلقت معه.
ويبدو فقهها ﵂ كذلك حين نزلت عند أم سلمة ﵂، فهي تعلم من بنود المعاهدة أن على رسول الله - ﷺ - أن يعيد من يأتيه مسلما من المدينة. فاختبأت عندها، وكانت الأقدار العجيبة، أن تنزل عند المهاجرة الأولى أم سلمة ﵂، والتي قامت بالمغامرة نفسها قبل ست سنين أو سبع وفي الطريق نفسه، وحيدة فارة بدينها من مكة إلى زوجها في المدينة. والتقت المهاجرتان في بيت واحد. وفي بيت رسول الله - ﷺ -، وأعلم ﵊ بالأمر فرحب بأم كلثوم. وجاء أمر الله تعالى أن لا تعود إلى مكة.
ونلاحظ من هذه المغامرة الجريئة أمورا تحتاجها الحركة الإسلامية حين تكون في مرحلة الثورة فالأصل أن لا تسافر المرأة إلا مع محرم. وها نحن نجد أم كلثوم ﵂ تسافر مسيرة ثمان ليال بدون محرم لأن محارمها أعداء الله. ولأن وجودها في محضنها الطبيعي بعيدا عن محارمها وتحت ظل دولة الإسلام هو الأصل.
وليس الأخ المسلم فقط هو الذي يؤمن على عرض المرأة المسلمة. بل كذلك الحليف المشرك
[ ٣ / ٤٥ ]
ولو رافقها في سفر طويل. لأن هذه الضرورة تقدر بقدرها والحركة الإسلامية وقيادتها لها الولاية على كل امرأة مسلمة تقع في براثن العدو ولو كان هذا العدو أباها أو أخاها أو زوجها لقد قرر الإسلام هذا المبدأ في هذا الظرف، واعتبر رابطة الإسلام فوق رابطة الزوجية وذلك في قوله تعالى:
﴿يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلوف لهن وآتوهم ما أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن ولا تمسكوا بعصم الكوافر واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا ذلكم حكم الله. يحكم بينكم والله عليم حكيم، وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون﴾ (١).
وكان رسول الله - ﷺ - على استعداد أن ينقض الاتفاق كله بأمر الله ﷿ لحماية المرأة المسلمة المهاجرة.
وما أروع هذا المعنى أن تفقهه المرأة المسلمة.
فقيادة الإسلام على إستعداد أن تشن حربا كاملة وتخسر أضخم الامتيازات لحماية إمرأة مسلمة مهاجرة مجاهدة.
ومما كتبه عروة بن الزبير ﵁ للزهري حول هذه الآية. ما يزيد المعنى وضوحا وجلاء قال: إن رسول الله - ﷺ - كان صالح قريشا يوم الحديبية على أن يرد إليهم من جاء بغير إذن وليه. فلما هاجر النساء إلى رسول الله - ﷺ - وإلى الإسلام أبى الله أن يرددن إلى المشركين إذا هن امتحن بمحنة الإسلام. فعرفوا أنما جئن رغبة في الإسلام وأمر برد صدقاتهن إليهم إن احتبسن عنهم. إن هم ردوا على المسلمين صداق من حبسوا عنهم من نسائهم. ذلكم حكم الله يجكم بينكم والله عليم حكيم. فأمسك رسول الله النساء ورد الرجال وسأل الذي أمره الله به أن يسأل من صدقات نساء من حبسوا منهن. وأن يردوا عليهم مثل الذي يردونه عليهم إن هم فعلوا. ولولا الذي حكم الله به من هذا الحكم لرد رسول الله النساء كما رد الرجال، ولولا الهدنة والعهد الذي كان بينه وبين قريش يوم الحديبية لأمسك النساء ولم يردد لهن صداقا. وكذلك كان يصنع بمن جاءه من المسلمات قبل العهد.
لقد انتهت رابطة الزوجية بين المسلم والكافرة وبين المسلمة والكافر، وأصبحت العلاقة
_________________
(١) سورة الممتحنة الآيتان ١١،١٠.
[ ٣ / ٤٦ ]
علاقة عقيدة فحسب لكن هذا لا يلغي الحقوق المالية بين الطرفين، ويمكن استيفاؤها بين الدولتين.
وهكذا نلحظ طبيعة الظروف التي تضطر الحركة الإسلامية أحيانا أن تتخلى عن بعض البنود وطبيعة الظروف التي تضطر المرأة المسلمة أحيانا أن تتخلى عن بعض الأحكام الجزئية تلافيا لخطر أكبر مثل قضية السفر مع محرم ومثل قضية الهرب من الزوج الكافر والأولياء الكافرين إلى أرض الإسلام والمسلمين.
***
[ ٣ / ٤٧ ]
السمة السابعة:
الإعلان العالمي للإسلام: مراسلة الملوك والأمراء
في أواخر السنة السادسة حين رجع رسول الله - ﷺ - من الحديبية كتب إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام.
ولما أراد أن يكتب إلى هؤلاء الملوك قيل له: إنهم لا يقبلون إلا وعليه خاتم، فاتخذ النبي - ﷺ - خاتما من فضة، نقشه: محمد رسول الله، وكان هذا النقش ثلاثة أسطر: محمد سطر، رسول سطر، والله سطر، هكذا، محمد رسول الله.
واختار من أصحابه رسلا لهم معرفة وخبرة، وأرسلهم إلى الملوك وقد جزم العلامة المنصور فوري أن النبي - ﷺ - أرسل هؤلاء الرسل غرة المحرم سنة سبع من الهجرة قبل الخروج إلى خيبر بأيام. وفيما يلي نصوص هذه الكتب وبعض ما تمخضت عنه.
١ - الكتاب إلى النجاشي ملك الحبشة:
وهذا النجاشي اسمه أصحمة بن الأبجر، كتب إليه النبي - ﷺ - مع عمرو بن أمية الضمري في آخر سنة ست أو في المحرم سنة سبع من الهجرة وقد ذكر الطبري نص الكتاب ولكن النظر الدقيق في ذلك النص، يفيد أنه ليس بنص الكتاب الذي كتبه - ﷺ - بعد الحديبية، بل لعله نص كتاب بعثه مع جعفر حين خرج هو وأصحابه مهاجرين إلى الحبشة في العهد المكي، فقد ورد في آخر الكتاب ذكر هؤلاء المهاجرين بهذا اللفظ (وقد بعثت إليكم ابن عمي جعفرا ومعه نفر من المسلمين، فإذا جاءك فأقرهم ودع التجبر).
وروى البيهقي عن ابن إسحاق نص كتاب كتبه النبي - ﷺ - إلى النجاشي وهو هذا: هذا كتاب من محمد النبي إلى النجاشي الأصحم عظيم الحبشة، سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، وأن محمدا عبده ورسوله، وأدعوك بدعاية الإسلام، فإني أنا رسوله أسلم تسلم، يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا، ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون، فإن أبيت فإن عليك إثم النصارى من قومك.
ولما بلغ عمرو بن أمية الضمري كتاب النيي - ﷺ - إلى النجاشي أخذه النجاشي، ووضعه على عينه، ونزل عن سريره على الأرض، وأسلم على يد جعفر بن أبي طالب، وكتب إلى النبي - ﷺ - بذلك، وهاك نصه:
[ ٣ / ٤٨ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
إلى محمد رسول الله من النجاشي أصحمة سلام عليك يا نبي الله ورحمة الله وركاته الله الذي لا إله إلا هو أما بعد:
فقد بلغني كتابك يا رسول الله فيما ذكرت من أمر عيسى، فورب السماء والأرض إن عيسى لا يزيد على ما ذكرت تفروقا، إنه كما قلت، وقد عرفنا ما بعثت به إلينا وقد قرينا ابن عمك، وأصحابك فأشهد أنك رسول الله صادقا مصدقا وقد بايعتك، وبايعت ابن عمك، وأسلمت على يديه لله رب العالمين.
وكان النبي - ﷺ - قد طلب من النجاشي أن يرسل جعفرا ومن معه من مهاجري الحبشة، فأرسلهم في سفينتين مع عمرو بن أمية الضمري، فقدم بهم على النبي - ﷺ - وهو بخيبر، توفي النجاشي هذا في رجب سنة تسع من الهجرة بعد تبوك ونعاه النبي - ﷺ - يوم وفاته وصلى عليه صلاة الغائب، ولما مات وتخلف على عرشه ملك آخركب إليه النبي - ﷺ - كتابا آخر ولا ندري هل أسلم أم لا؟
٢ - الكتاب إلى المقوقس ملك مصر:
وكتب النبي إلى جريح بن متى الملقب بالمقوقس ملك مصر والاسكندرية: (بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله إلى المقوقس عظيم القبط، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم أهل القبط ﴿يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا، ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون﴾.
واختار لحمل هذا الكتاب حاطب بن أبي بلتعة، فلما دخل حاطب على المقوقس قال له: إنه كان قبلك رجل يزعم أنه الرب الأعلى، فأخذه الله نكال الآخرة والأولى فانتقم به ثم انتقم منه، فاعتبر بغيرك، ولا يعتبر غيرك بك.
فقال المقوقس: إن لنا دينا لن ندعه لما هو خير منه.
فقال حاطب: ندعوك إلى دين الإسلام الكافي به الله فقط ما سواه، إن هذا النبي دعا الناس فكان أشدهم عليه قريش، وأعداهم له اليهود، وأقربهم منه النصارى، ولعمري ما بشارة موسى بعبسى إلا كبشارة عيسى بمحمد، وما دعاؤنا إياك إلى القرآن إلا كدعائك أهل التوراة إلى الانجيل، فكل نبي أدرك قوما فهم أمته فالحق عليهم أن يطيعوه، وأنت ممن أدركه هذا النبي
[ ٣ / ٤٩ ]
ولسنا ننهاك عن دين المسيح، ولكنا نأمرك به.
فقال المقوقس: إني قد نظرت في أمر هذا النبي، فوجدته لا يأمر بمزهود فيه ولا ينهى عن مرغوب فيه، ولم أجده بالساحر الضال، ولا الكاهن الكاذب ووجدته معه آية النبوة بإخراج الخبء والإخبار بالنجوى وسأنظر.
وأخذ كتاب النبي - ﷺ -، فجعله في حق من عاج، وختم عليه ودفع به إلى جارية له، ثم دعا كاتبا له يكتب بالعربية، فكتب إلى رسول الله - ﷺ -:
(بسم الله الرحمن الرحيم) لمحمد بن عبد الله من المقوقس عظيم القبط، سلام عليك، أما بعد، فقد قرأت كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه، وما تدعو إليه وقد علمت أن نبيا بقي، وكنت أظن أنه يخرج بالشام، وقد أكرمت رسولك، وبعثت إليك بجاريتين، لهما مكان في القبط عظيم، وبكسوة، وأهديت إليك بغلة لتركبها، والسلام عليك.
ولم يزد على هذا ولم يسلم، والجاريتان مارية، وسيرين، والبغلة دلدل بقيت إلى زمن معاوية، واتخذ النبي - ﷺ - مارية سرية له، وهي التي ولدت له إبراهيم، وأما سيرين فأعطاها لحسان بن ثابت الأنصاري.
٣ - الكتاب إلى كسرى ملك فارس:
وكتب النبي - ﷺ - إلى كسرى ملك فارس:
بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس، سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله وأدعوك بدعاية الله فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة، لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين فأسلم تسلم، فإن أبيت فإن إثم المجوس عليك.
واختار لحمل هذا الكتاب عبد الله بن حذافة السهمي، فدفعه السهمي إلى عظيم البحرين، ولا ندري هل بعث عظيم البحرين رجلا من رجالاته، أم بعث عبد الله السهمي، وأيا ما كان فلما قرىء الكتاب على كسرى مزقه، وقال في غطرسة: عبد حقير من رعيتي يكتب اسمه قبلي. ولما بلغ ذلك رسول الله قال: مزق الله ملكه، وقد كان كما قال. فقد كتب كسرى إلى باذان عامله على اليمن: إبعث إلى هذا الرجل الذي بالحجاز رجلين من عندك جلدين، فليأتياني به فاختار باذان رجلين ممن عنده وبعثهما بكتاب إلى رسول الله - ﷺ - يأمره أن ينصرف معه إلى كسرى. فلما قدما المدينة، وقابلا النبي - ﷺ - قال أحدهما: إن شاهنشاه (ملك الملوك) كسرى قد كتب إلى الملك باذان يأمره أن يبعث إليك من يأتيه بك وبعثي إليك لتنطلق معي وقال قولا تهديديا فأمرهما النبي - ﷺ - أن يلاقياه غدا.
[ ٣ / ٥٠ ]
وفي ذلك الوقت كانت قد قامت ثورة كبيرة ضد كسرى من داخل بيته بعد أن لاقت جتوده هزيمة منكرة أمام جنود قيصر، فقد قام شيرويه بن كسرى على أبيه فقتله وأخذ الملك لنفسه، وكان ذلك في ليلة الثلاثاء لعشر مضين من جمادى الأولى سنة سبع وعلم رسول الله - ﷺ - الخبر من الوحي. فلما غدا عليه أخبرهما بذلك. فقالا: هل تدري ما تقول؟ إنا قد نقمنا عليك ما هو أيسر أفنكتب هذا عنك. ونخبره الملك. قال: نعم اخبراه ذلك عني، وقولا له: إن ديني وسلطاني سيبلغ ما بلغ كسرى وينتهي إلى منتهى الخف والحافر، وقولا له: إن أسلمت أعطيتك ما تحت يدك، وملكتك على قومك من الأبناء فخرجا من عنده حتى قدما على باذان فأخبراه الخبر.
وبعد قليل جاء كتاب بقتل شيرويه لأبيه وقال له شيرويه في كتابه: انطر الرجل الذي كان كتب فيه أبي إليك فلا تهجه حتى يأتيك أمري.
وكان ذلك سببا في إسلام باذان ومن معه من أهل فارس باليمن.
٤ - الكتاب إلى قيصر ملك الروم:
وروى البخاري ضمن حديث طويل نص الكتاب الذي كتبه النبي - ﷺ - إلى ملك الروم هرقل وهو هذا:
(بسم الله الرحمن الرحيم: من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى، أسلم تسلم، أسلم يؤتك الله أجرك مرتين. فإن توليت فإنما عليك اثم الأريسيين (يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله، فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون).
واختار لحمل الكتاب دحية بن خليفة الكلبي، وأمره أن يدفعه إلى عظيم بصرى ليدفعه إلى قيصر، وقد روى البخاري عن ابن عباس أن أبا سفيان بن حرب أخبره أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش، وكانوا تجارا بالشام، في المدة التي كان رسول الله - ﷺ - ماد فيها أبا سفيان وكفار قريش. فأتوه وهم بإيلياء. فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم ثم دعاهم ودعا ترجمانه فقال: أيكم أقرب نسبا لهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ قال أبو سفان فقلت أنا أقربهم نسبا، فقال، أدنوه مني، وقربوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره، ثم قال لترجمانه: إني سائل هذا عن هذا الرجل، فإن كذبني فكذبوه فوالله لولا الحياء من أن يأثروا على كذبا لكذبت عنه.
ثم قال: أول ما سألني عنه أنه قال: كيف نسبه فيكم؟ فقلت: هو فينا دو نسب. قال: فهل قال هذا القول منكم أحد قط قبله؟ قلت: لا. قال: فهل كان من آبائه من ملك؟ قلت: لا. قال: فأشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ قلت: بل صعفاؤهم. قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قلت: بل يزيدون. قال: فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه. قلت
[ ٣ / ٥١ ]
:لا قال: فهل تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال: قلت: لا. قال: فهل يغدر؟ قلت: لا ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها-قال: ولم تمكني كلمة أدخل فيها شيئا غير هذه الكلمة - قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم. قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قلت: الحرب بيننا وبينه سجال، ينال منا وننال منه. قال: ماذا يأمركم؟ قلت: يقول اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا، واتركوا ما يقول آباؤكم ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة. فقال للترجان: قل له:
سألتك عن نسبه فذكرت أنه فيكم ذو نسب، وكذلك الرسل تبعث في نسب من قومها. وسألتك هل قال أحد منكم قبله. فذكرت أن لا. قلت: لو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت رجد يأتسي بقول قيل قبله. وسألتك هل كان من آبائه من ملك. فذكرت أن لا فقلت: لو كان من آبائه من ملك قلت: رجل يطلب ملك أبيه. وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب فذكرت أن لا فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله وسألتك أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه وهم أتباع الرسل، وسألتك أيزيدون أم ينقصون فذكرت أنهم يزيدون وكذلك أمر الإيمان حتى يتم. وسألتك أيرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فذكرت أن لا وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب، وسألتك هل يغدر؟ فذكرت أن لا وكذلك الرسل لا تغدر وسألتك بماذا يأمر؟ فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف، فإن كان ما تقول حقا فسيملك موضع قدمي هاتين. وقد كنت أعلم أنه خارج، ولم أكن أظنه أنه منكم، فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه، ثم دعا بكتاب رسول الله - ﷺ - فقرأه فلما فرغ من قراءة الكتاب ارتفعت الأصوات عنده، وكثر اللغط، وأمر بنا فأخرجنا، قال: فقلت لأصحابه حين أخرجنا لقد أمر أمر ابن أبي كبشة، إنه ليخافه ملوك بني الأصفر. فما زلت موقنا بأمر رسول الله - ﷺ - أنه سيظهر حتى أدخل الله علي الإسلام.
٥ - الكتاب إلى المنذر بن ساوى:
وكتب النبي - ﷺ - إلى المنذر بن ساوى حاكم البحرين كتابا يدعوه فيه إلى الإسلام وبعث إليه العلاء بن الحضرمي بذلك الكتاب، فكتب المنذر إلى رسول الله (): أما بعد يا رسول الله فإني قرأت كتابك على أهل البحرين، فمنهم من أحب الإسلام وأعجبه، ودخل فيه، ومنهم من كرهه، وبأرضي مجوس ويهود، فأحدث إلي في ذلك أمرك. فكتب إليه رسول الله - ﷺ -: (بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى المنذر بن ساوى سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أما بعد فإني أذكرك الله ﷿ فإنه من ينصح لنفسه وإنه من يطيع رسلي ويتبع أمرهم فقد أطاعني، ومن نصح لهم فقد
[ ٣ / ٥٢ ]
نصح لي، وإن رسلي قد أثنوا عليك خيرا، وإني قد شفعتك في قومك، فاترك للمسلمين ما أسلموا عليه، وعفوت عن أهل الذنوب، فاقبل منهم، وإنك مهما تصلح فلم نعزلك عن عملك، ومن أقام على يهودية أو مجوسية فعليه الجزية).
٦ - الكتاب إلى هوذة بن علي صاحب اليمامة:
وكتب النبي - ﷺ - إلى هوذة بن علي صاحب اليمامة:
(بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى هوذة بن علي، سلام على من اتبع الهدى، واعلم أن ديني سيظهر إلى منتهى الخف والحافر، فأسلم تسلم، واجعل لك ما تحت يديك).
واختار لحمل هذا الكتاب سليط بن عمرو العامري، فلما قدم سليط على هوذة بهذا الكتاب مختوما أنزله وحياه وقرأ عليه الكتاب فرد عليه ردا دون رد وكتب إلى النبى - ﷺ -: ما أحسن ما تدعو إليه وأجمله، والعرب تهاب مكاني، فاجعل لي بعض الأمر أتبعك، وأجاز سليطا بجائزة وكساه أثوابا من نسج هجر، فقدم بذلك كله على النبي - ﷺ - فأخبره، وقرأ النبي - ﷺ - كتابه فقال: لو سألني قطعة من الأرض ما فعلت، باد، وباد ما في يديه، فلما انصرف رسول الله - ﷺ - من الفتح جاءه جبريل ﵇ بأن هوذة مات، فقال النبي - ﷺ -: أما إن اليمامة سيخرج بها كذاب يتنبىء يقتل بعدي، فقال قائل: يا رسول الله من يقتله؟ فقال: أنت وأصحابك، فكان ذلك:
٧ - الكتاب إلى الحارث بن أبي شمر الغساني صاحب دمشق:
كتب إليه النبي - ﷺ -: (بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى الحارث بن أبي شمر، سلام على من اتبع الهدى، وآمن به وصدق وإني أدعوك إلى أن تؤمن بالله وحده لا شريك له، يبقى لك ملكك).
واختار لحمل هذا الكتاب شجاع بن وهب من بني أسد بن خزيمة، ولما أبلغه الكتاب قال:
من ينزع ملكي مني؟ أنا سائر إليه، ولم يسلم.
٨ - الكتاب إلى ملك عمان:
وكتب النبي - ﷺ - كتابا إلى ملك عمان جيفر وأخيه عبدا بني الجلندي، ونصه: (بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن عبد الله إلى جيفر وعبدا بني الجلندي سلام على من اتبع الهدى، أما بعد. فإني أدعوكما بدعاية الإسلام أسلما تسلما، فإني رسول الله - ﷺ - إلى الناس كافة لأنذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين، فإنكما إن أقررتما بالإسلام وليتكما وإن أبيتما أن تقرا بالإسلام فإن ملككما زائل، وخيل تحل بساحتكم وتظهر نبوتي على ملككما).
[ ٣ / ٥٣ ]
واختار لحمل هذا الكتاب عمرو بن العاص (١) ﵁. قال عمرو: فخرجت حتى انتهيت إلى عمان، فلما قدمتها عمدت إلى عبد، وكان أحلم الرجلين وأسهلهما خلقا - فقلت: إني رسول رسول الله - ﷺ - إليك وإلى أخيك، فقال: أخي المقدم علي بالسن والملك، وأنا أوصلك إليه حتى يقرأ كتابك ثم قال: وما تدعو إليه؟ قلت: أدعو إلى الله وحده لا شريك له وتخلع ما عبد من دونه، وتشهد أن محمدا عبده ورسوله. قال: يا عمرو إنك ابن سيد قومك فكيف صنع أبوك؟ فإن لنا فيه قدوة قلت: مات ولم يؤمن بمحمد - ﷺ -، ووددت أنه كان أسلم وصدق به، وقد كنت أنا على مثل رأيه حتى هداني الله للإسلام، قال: فمتى تبعته؟ قلت: قريبا. فسألني أين كان إسلامك؟ قلت: عند النجاشي، وأخبرته أن النجاشي قد أسلم، قال: وكيف صنع قومه بملكه؟ فقلت: أقروه واتبعوه. قال: والأساقفة والرهبان تبعوه؟ قلت: نعم. قال: انظر يا عمرو ما تقول، إنه ليس من خصلة في رجل أفضح له من الكذب. قلت: ما كذبت وما نستحله في ديننا، ثم قال، ما أرى هرقل علم بإسلام النجاشي، قلت: بل. قال: فبأي شيء علمت ذلك؟ قلت: كان النجاشي يخرج له خرجا، فلما أسلم وصدق بمحمد - ﷺ - قال: لا والله لو سألني درهما واحدا ما أعطيته فبلغ هرقل قوله فقال له النياق أخوه: أتدع عبدك لا يخرج لك خرجا ويدين بدين غيرك دينا محدثا؟ قال هرقل: رجل رغب في دين، فاختاره لنفسه، ما أصنع به؟ والله لولا الضن بملكي لصنعت كما صنع قال: أنظر ما تقول يا عمرو؟ قلت: والله صدقتك. قال عبد: فأخبرني ما الذي يأمر به وينهى عنه؟ قلت: يأمر بطاعة الله ﷿ وينهى عن معصيته ويأمر بالبر وصلة الرحم. وينهى عن الظلم والعدوان، وعن الزنا، وعن الخمر وعن عبادة الحجر والوثن والصليب. قال: ما أحسن هذا الذي يدعو إليه. لو كان أخى يتابعني عليه لركبنا حتى نؤمن بمحمد - ﷺ - ونصدق به، ولكن أخي أضن بملكه من أن يدعه ذنبا. قلت: إن أسلم ملكه رسول الله على قومه. فأخذ الصدقة من غنيهم فيردها على فقيرهم، قال: إن هذا لخلق حسن وما الصدقة؟ فأخبرته بما فرض رسول الله - ﷺ - في الصدقات في الأموال حتى انتهيت إلى الإبل. قال: يا عمرو وتؤخذ من سوائم مواشينا التي ترعى الشجر وترد المياه؟ فقلت: نعم. فقال: والله ما أرى قومي في بعد دارهم وكثرة عددهم يطيعون لهذا، قال: فمكثت ببابه أياما وهو يصل إلى أخيه فيخبره كل خبري، ثم إنه دعاني يوما فدخلت عليه. فأخذ أعوانه بضبعي فقال دعوه، فأرسلت فذهبت لأجلس، فأبوا أن يدعوني أجلس. فنظرت إليه فقال: تكلم بحاجتك، فدفعت إليه الكتاب مختوما، ففض خاتمه وقرأ حتى انتهى إلى آخره، ثم دفعه إلى أخيه فقرأه مثل قرآنه، إلا أني رأيت أخاه أرق منه، قال: ألا تخبرني عن قريش كيف صنعت؟ فقلت: تبعوه، إما راغب في الدين وإما مقهور بالسيف. قال: ومن معه؟ قلت: الناس قد رغبوا في الإسلام واختاروه على غيره وعرفوا بعقولهم من هدى الله إياهم أنهم كانوا في ضلال، فما أعلم أحدا بقي غيرك في هذه
_________________
(١) لا شك أن هذا الكتاب كان متأخرا، لأن عمرو ﵁ أسلم قبيل الفتح.
[ ٣ / ٥٤ ]
الخرجة، وأنت إن لم تسلم اليوم وتبعته تواطئك الخيل وتبيد خضراءك. فأسلم تسلم ويستعملك على قومك، ولا تدخل عليك الخيل والرجال قال: دعني يومي هذا، وارجع إلي غدا.
فرجعت إلى أخيه فقال: يا عمرو إني لأرجو أن يسلم إن لم يضن بملكه حتى إذا كان الغد أتيت إليه فأبى أن يأذن لي، فانصرفت إلى أخيه، فأخبرته أني لم أصل إليه فأوصلني إليه، فقال: إني فكرت فيما دعوتني إليه فإذا أنا أضعف العرب إن ملكت رجلا ما في يدي وهو لا تبلغ خيله ها هنا، وإن بلغت خيله لقيت قتالا ليس كقتال من لاقى، قلت: أنا خارج غدا، فلما أيقن بمخرجي خلا به أخوه فقال: ما نحن فيما ظهر عليه، وكل من أرسل إليه قد أجابه، فأصبح فأرسل إلي فأجاب إلى الإسلام هو وأخوه جميعا، وصدقا النبي - ﷺ - وخليا بينه وبين الصدقة وبين الحكم فيما بينهم وكان لي عونا على من خالفني.
وسياق هذه القصة تدل على أن إرسال الكتاب إليهما تأخر كثيرا عن كتب بقية الملوك والأغلب أنه كان بعد الفتح.
وبهذه الكتب كان النبي - ﷺ - قد أبلغ دعوته إلى أكثر ملوك الأرض فمنهم من آمن به، ومنهم من كفر ولكن شغل فكرة هؤلاء الكافرين وعرف لديهم باسمه ودينه ..
إن الرسائل المذكورة تفصح عن نفسها ولا تحتاج إلى تعليق .. فهذه الحركة العالية نقلت الإسلام من المحيط المحلي إلى المحيط العالمي. وهزت عروش ملوك، وأدخلت ملوكا في الإسلام، ووجهت بعض الملوك إلى الحرب، وما كان هذا الأمر ليتم قبل صلح الحديبية. حيث أصبحت الدولة الإسلامية هي الدولة الأقوى في جزيرة العرب بلا منازع. وإنهاء الحرب الطاحنة كان إيذانا بالتفرغ إلى الدعوة وتبليغها للناس كافة، والإشارة التي لا بد منها في هذا الصدد هي أن رأيا قد يرد بخطورة هذه الرسائل على الدولة الإسلامية الفتية، التي توجه الأنظار نحوها، وخصوصا إلى كسرى وقيصر. وقد جرى ذلك في تخوم الشام ولدى كسرى الفرس الذي مزق الرسالة واستدعى محمدا. حيا أو ميتا. وهل بإمكان المدينة أن تواجه دول الأرض؟
ولا بد من إيضاح هذه النقطة بأن تبليغ الدعوة في الوقت المناسب وحي رباني والله تعالى هو الذي يتكفل بحماية دينه. فحين كانت المدينة عاجزة عن مواجهة دولة الفرس الكبرى هيأ الله تعالى لحماية نبيه ودعوته انقلابا عاليا على كسرى. أدى هذا الانقلاب لمقتل الحاكم الطاغية وتراجع ابنه عن موقف أبيه من محمد - ﷺ - كما يقول نص الكتاب (انظر الرجل الذي كتب فيه أبي إليك فلا تهجه حتى يأتيك أمري). وكان من طرف آخر فتحا جديدا بإسلام باذان عامل الفرس على اليمن ودخول أهل اليمن في الإسلام.
وقد اشترك في هذا الخطر على الدولة الإسلامية الحارث بن أبي شمر الغساني الذي هدد
[ ٣ / ٥٥ ]
بغزو المدينة، ومن أجل ذلك كانت الاستعدادات العسكرية مرافقة للتحرك السياسي فكانت سرية مؤتة والصدام مع الروم فلا بد من تحمل تبعات الرسالة وكان تحرك سرية مؤتة ثأرا للرسول الذي قتل على يدي شرحبيل بن عمرو الغساني.
بينما اشترك في موقف المراوغة والمهادنة قيصر الروم ومقوقس مصر، والذي حال بينهما وبين الإسلام هو خوفهما على ملكهما وجزعهما من الرعية أن تثور عليهم، ولعل ما نقله أبو سفيان ﵁ عن لقاء قيصر يعطي صورة واضحة وصادقة عن تصديق قيصر لرسول الله وكيف نخرت الرهبان بعد ذلك وهددوه لو أسلم بحربه.
ودخل الإسلام نجاشي الحبشة وحاكم البحرين وملك عمان.
وراوغ صاحب اليمامة وأراد أن يشترك في الغنيمة والرسالة فأهلكه الله تعالى بعد ذلك.
ولعل من أهم آثار الكتب غزو أبي سفيان من داخله وقد ساقه قدر الله إلى بلاط قيصر ليسمع رأيه بمحمد صلوات الله وسلامه عليه وقرع أذنه قول قيصر: (فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه).
والأشد من هذا على أبي سفيان قول قيصر (فإن كان ما تقوله حقا فسيملك موضع قدمي هاتين) وأبو سفيان يدري أنه قال الحق كل الحق رغم أنفه. وكان يحسب أن تهوينه من شأن محمد وأتباعه سوف يدفع قيصر للاستهانة بخصمه. لكنه يفاجأ بأن هذا التهوين زاد قناعة قيصر بنبوة محمد. وكان الغزو الداخلي لأبي سفيان حيث اعترف بذلك قائلا: (لقد أمر أمر ابن أبي كبشة أن تخافه ملوك بني الأصفر. فما زلت موقنا بأمر رسول الله - ﷺ - أنه سيظهر حتى أدخل الله علي الإسلام). إن التحرك السياسي الذي تقوم به الحركة الإسلامية يجب أن يهدف أول ما يهدف إلى تبليغ دعوة الله إلى حكام الأرض وملوكهم. ولو كلفت هذه الدعوة الحركة الإسلامية عنتا وحرجا إن من الخيانة لدعوة الله وشريعته أن تبارك الحركة الإسلامية أنظمة الكفر أو توحي إليهم أن أنظمتهم هي الإسلام بعينه، وأن شريعة الله تبارك طغيانهم وظلمهم وحكمهم بغير ما أنزل الله. وهذه الرسائل التي بين أيدينا تعلمنا طريقة الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة لا بالسباب والتحدي. ولا بد أن نوضح الخط الفاصل بين قضيتين:
القضية الأولى: أسلوب التعامل مع الحاكمين، وحسن اختيار الكلمة المناسبة، والضرب على الأوتار النفسية لهم، والاستفادة من الواقع العملي.
القضية الثانية: خلط الحق بالباطل. ومداهنتهم على كفرهم، ومباركة طغيانهم وطمس
[ ٣ / ٥٦ ]
معالم الإسلام. والتزلف لهؤلاء الحكام بجعل الإسلام وشريعة الله أداة لتقرير ظلمهم، وعدم القدرة على التفريق بين هاتين النقطتين. يمزق الصف المسلم، ويفجره.
فلقد رأينا هذه الرسائل تخاطب الملوك بألقابهم. ولكنها لا تقدمهم أبدا على رسول الله وهذه القضية البسيطة هي التي فجرت غيظ كسرى (عبد حقير من رعيتي يكتب اسمه قبلي) فلم يكن حرجا أن نجد في نص الكتاب: عظيم فارس وعظيم القبط، والنجاشي، وعظيم الروم ونلاحظ كذلك في قضية الدعوة أن فكرة الوحدانية والرساله لا بد من أن تكون واضحة جلية لا لبس فيها ولا غموض حتى إذا أدى الأمر إلى التحديد حتى لا تطمس معانيها فلا بد من ذلك. حيث يكون الأمر جليا في رفض عبادة الأوثان لمن يعبد الأوثان. ورفض عبادة الصليب لمن يعبد الصليب.
غير أن هذا الإيضاح الجلي للشهادتين. كان يرافقه كثيرا الحديث عن المبادىء الإسلامية الخلقية من الصدق والعفاف والصلة وغير هذه الأمور التي يلتقي عليها الناس. ونلاحظ كذلك أن رسول الله - ﷺ - كان يضرب على الأوتار النفسية التي يخشاها الحاكمون، فكانت رسله تطمئن هؤلاء الحاكمين على ملكهم، وأنه سيحفظ لهم إذا دخلوا في الإسلام، حتى أولئك الذين عادوا الإسلام وحاربوه، لم يكن الغيظ أو الحقد لغير هذه السياسة بل كان إكرامهم هو الأساس بعد دخولهم بالإسلام أو حتى بعد انقطاعهم عن حربه.
لقد كانت هذه الرسائل منعطفا كبيرا وخطيرا في تاريخ الإسلام. وسمة عظيمة من سماته. حيث ربطت المسلمين بالعالم كله، بين تأييد أو بيعة أو مواجهة وكانت ثمرة عظيمة من ثمار الفتح المبين الذي حدثنا الله تعالى عنه والانتقال من الحرب الضروس على الأرض المحلية إلى تجاوب ملوك الأرض مع الإسلام هو نقلة واسعة بعيدة المدى هائلة الآفاق. وجاءت في وقتها المناسب بعد أن أعلنت قريش هدنتها لعشر سنين لتتيح لدولة الإسلام أن تأخذ أبعادها وجذورها في الأرض كالكلمة الطيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء.
***
[ ٣ / ٥٧ ]
السمة الثامنة: تجمع القوى والثقة بالنصر
وتتضح هذه السمة من خلال التوجيه النبوي لجمع هذه القوى:
وقدم أهل السفينتين من عند النجاشي بعد أن فتحت خيبر فيهم جعفر بن أبي طالب وأبو موسى عبد الله بن قيس الأشعري، في جماعة من الأشعريين يزيدون على سبعين وذكر ابن سعد عن الواقدي بسنده، إنهم لما سمعوا خبر هجرة رسول - ﷺ - إلى المدينة، ورجع معهم ثلاثة وثلاثون رجلا وثماني نسوة، فمات منهم رجلان بمكة، وحبس بمكة سبعة نفر، وشهد بدرا منهم أربعة وعشرون رجلا. فلما كان شهر ربيع الأول سنة سبع من الهجرة كتب رسول الله - ﷺ - إلى النجاشي يدعوه إلى الإسلام مع عمرو بن أمية الضميري، فأسلم، وكتب إليه أيضا أن يزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان - وكانت فيمن هاجر إلى الحبشة - فزوجه إياها. وكتب إليه أيضا أن يبعث بمن بقي عنده من أصحابه ويحملهم. فحملهم في سفينتين مع عمرو بن أمية فأرسوا بساحل بولا وهو الجار، ثم ساروا حتى قدموا المدينة، فوجدوا رسول الله بخيبر فأتوه فقال - ﷺ -: ما أدري بأيهما أنا أسر بفتح خيبر أم بقدوم جعفر ثم ضمه وقبل ما بين عينيه، وهم المسلمون أن يدخلوا جعفرا ومن قدم معه في سهماتهم ففعلوا، وقدم الدوسيون فيهم أبو هريرة والطفيل بن عمرو الدوسي وأصحابهم، ونفر من الأشعريين، فكلم رسول الله - ﷺ - أصحابه فيهم أن يشركوهم في الغنيمة فقالوا: نعم يا رسول الله) (١).
لقد مرت الهجرة إلى الحبشة بمراحل ثلاث:
الهجرة الأولى: وكانت في السنة الخامسة. وعدد المهاجرين قليل. وعادوا في السنة السابعة عندما تناهى إلى أسماعهم خبر إسلام أهل مكة، وكان خبرا غير صحيح.
الهجرة الثانية: وبلغ عدد المسلمين فيها ثمانين ما بين رجل وامرأة. وهو تجمع في عدده قريب من تجمع المسلمين في مكة، وكما ذكر ابن سعد إنه قرابة ثلث هذا التجمع قد غادر الحبشة عقب الهجرة، وحضر منهم بضعة وعشرون غزوة بدر.
العودة الأخيرة: وكانت بدعوة رسمية من رسول الله - ﷺ - عن طريق النجاشي. ولا شك أن جعفرا ﵁ لا يغيب عن ذهن رسول الله - ﷺ - ومدى الحاجة الماسة إليه في المعارك الضارية مع قريش. ومع ذلك لم يستدعه النبي وصحبه مع حرصه ﵊ أن يكون أقرباؤه هم وقود المعارك، والذادة عن حمى الإسلام.
_________________
(١) إمتاع الأسماع ج ١: ٣٢٥ و٣٢٦.
[ ٣ / ٥٨ ]
ولقد كان لمصرع حمزة ﵁ في أحد أعظم الأثر على رسول الله - ﷺ - وقال عنه: لن أصاب بمثلك أبدا، وقال: ما وقفت موقفا قط أغيظ لي من هذا. وبقي من أقاربه الأدنين علي ﵁، وعندما برز لعمرو بن عبدود في الخندق يروى أنه قال ﵊: رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين، ويؤكد حرص الرسول - ﷺ - على أن يكون أهله معه في المعركة. ما رأيناه في مؤتة إذ أنه في أقل من أشهر كان جعفر على رأس المجاهدين في مؤتة وأحد الأمراء الثلاثة.
وحاجة رسول الله - ﷺ - إلى المجاهدين من صحبه وأهله المهاجرين كانت حاجة ماسة ومع ذلك لم يستدعهم وتفسير ذلك والله أعلم - يعود إلى حرص النبي - ﷺ - على إبقاء مراكز احتياطية للدعوة يمكن الانتقال إليها لو فقدت المدينة، وكان احتمال تعرض المدينة لهجوم مباغت كاسح قائما في كل لحظة. ومن أجل هذا بقي الأشعريون في اليمن، والدوسيون في دوس ومهاجروا الحبشة في الحبشة، والغفاريون في غفار بقي هؤلاء جميعا قوى احتياطية لمتابعة المعركة فيما لو فقد موقع من هذه المواقع.
ولا شك أن الحبشة هي موقع غير استراتيجي للمواجهة وبين الأبعدين الغرباء لكنها بصفتها مركزا آمنا وملجأ للدعوة هي من خير المواقع لذلك. خاصة وأن النجاشي ملكها قد أسلم سرا وبايع رسول الله - ﷺ -.
أما بعد صلح الحديبية، فقد اختلف الأمر، وزال الخطر عن المدينة، وأمن الناس، وأتاحت الهدنة للمحيط العربي والعالمي أن يفقه الإسلام في هذه المرحلة استدعى رسول الله - ﷺ - رصيده الاحتياطي. إذ لم يعد بحاجة إليه في اليمن أو الحبشة. بل صار بحاجة ماسة إليه ليشارك في الجبهات الجديدة المفتوحة خارج جزيرة العرب، ومع غير العرب من الروم والفرس.
وهذا درس مهم يحسن أن تقف أمامه الحركة الإسلامية طويلا، وهي تخوض حروبها مع الطغاة أن لا تكون قوتها جميعا في موقع واحد .. فإذا ضرب هذا الموقع انتهت - لا سمح الله - بل لا بد لها أن تبحث عن أكثر من مكان آمن، وأكثر من قاعدة احتياطية. فإذا تغيرت الظروف الصعبة وكشفت المحنة وصارت المواقع كلها آمنة ومراكز للدعوة تستطيع عندئذ أن تنهي بعض المراكز. أو تستقطب القوى حول المركز الرئيسي الذي يرفد كل المراكز الثانوية والتمكن في الأرض هو الذي يتيح المجال لمثل هذه الخطوة.
يقول الشهيد سيد ﵀:
ومن ثم كان بحث الرسول - ﷺ - عن قاعدة أخرى غير مكة، قاعدة تحمي هذه العقيدة، وتكفل لها الحرية، ويتاح لها أن تخلص من هذا التجميد الذي انتهت إليه في
[ ٣ / ٥٩ ]
مكة، حيث تظفر بحرية الدعوة وبحماية المعتنقين لها من الاضطهاد والفتنة وهذا في تقديري كان هو السبب الأهم والأول للهجرة.
ولقد سبق الاتجاه إلى يثرب، لتكون قاعدة الدولة الجديدة عدة اتجاهات سبقها الاتجاه إلى الحبشة، حيث هاجر إليها كثير من المؤمنين الأوائل، والقول بأنهم هاجروا إليها لمجرد النجاة بأنفسهم لا يستند الى قرائن قوية. فلو كان الأمر كذلك لهاجر إذن أقل الناس جاها وقوة ومنعة من المسلمين غير أن الأمر كان على الضد من هذا، فالموالي المستضعفون الذين كان ينصب عليهم معظم الاضطهاد والتعذيب والفتنة لم يهاجروا إنما هاجر رجال ذوو عصبيات لهم من عصبيتهم في بيئة قبلية، ما يعصمهم من الأذى، ويحميهم من الفتنة، وكان عدد القرشيين يؤلف غالبية المهاجرين منهم جعفر بن أبي طالب وأبوه وفتيان بني هاشم معه هم الذين كانوا يحمون النبي - ﷺ - -ومنهم الزبير بن العوام- وعبد الرحمن بن عوف، وأبو سلمة المخزومي وعثمان بن عفان الأموي .. وغيرهم، وهاجرت نساء كذلك من أشرف بيوتات مكة ما كان الأذى لينالهن أبدا، وربما كان من وراء هذه الهجرة أسباب أخرى كإثارة هزة في أوساط البيوت الكبيرة من قريش وأبناؤها الكرام المكرمون يهاجرون بعقيدتهم، مرارا من الجاهلية تاركين وراءهم كل وشائج القربى، في بيئة قبلية
تهزها هذه الهجرة على هذا النحو هزا عنيفا وبخاصة حين يكون من بين المهاجرين مثل أم حبيبة بنت أبي سفيان زعيم الجاهلية وأكبر المتصدين لحرب العقيدة الجديدة وصاحبها. ولكن مثل هذه الأسباب لا ينفي احتمال أن تكون الهجرة إلى الحبشة أحد الاتجاهات المتكررة في البحث عن قاعدة حرة، أو آمنة على الأقل للدعوة الجديدة، وبخاصة حين نضيف إلى هذا الاستنتاج ما ورد عن إسلام نجاشي الحبشة. ذلك الإسلام الذي لم يمنعه من إشهاره نهائيا إلا ثورة البطارقة عليه كما ورد في روايات صحيحة) (١).
ويؤيد ما ذهب إليه سيد ﵀ إنه مجرد ظهور القاعدة الأمنة والعاصمة الجديدة غادر حوالي ثلث المهاجرين إلى المدينة وبقيت الأكثرية منهم هناك حفاظا على هذه القاعدة بأمر رسول الله - ﷺ -. إلى أن زال الخطر، وأمن الناس، وقويت شوكة المسلمين بحيث أصبحت مستعصية على الإبادة كما يقول ﵊: الآن نغزوهم ولا يغزونا أمكن عندها استدعاء الجالية الإسلامية في الحبشة لتمارس دورها الفعال في الجهاد في العارك القادمة.
وحري بنا أن نقتفي أثر هذا الهدي النبوي، ونتعلم ونحن نواجه هذا المجتمع. أن نرعى هذا الجانب، ولا نضع البيض في سلة واحدة كما يقول المثل فينتهي الوجود الحركي والعياذ بالله.
_________________
(١) في ظلال القرآن ج ١ ص ٢٤و٢٥ ط الخامسة.
[ ٣ / ٦٠ ]
السمة التاسعة:
إنهاء الوجود اليهودي في جزيرة العرب: غزوة خيبر
كان مما وعد الله تعالى به المؤمنين في سورة الفتح، قوله ﷿:
﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم وأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا ومغانم كثيرة يأخذونها وكان الله عزيزا حكيما﴾ (١).
وسنأخذ تلخيص المباركفوري عن الغزوة فهو من أشمل ما كتب عنها وأوفاه:
(كانت خيبر مدينة كبيرة ذات حصون ومزارع على بعد ستين أو ثمانين ميلا من المدينة في جهة الشمال، وهي الآن قرية في مناخها بعض الوخامة.
سبب الغزوة: ولما اطمأن رسول الله - ﷺ - من أقوى أجنحة الأحزاب الثلاثة وأمن منه أمنا باتا بعد الهدنة أراد أن يحاسب الجناحين الباقين - اليهود وقبائل نجد - حتى يتم الأمن والسلام، ويسوذ الهدوء في المنطقة، ويفرغ المسلمون من الصراع الدامي المتواصل إلى تبليغ رسالة الله والدعوة إليه.
ولما كانت خيبر هي وكرة الدس والتآمر، ومركز الاستفزازات العسكرية ومعدن التحرشات وإثارة الحروب، كانت هي الجديرة بالتفات المسلمين أولا.
أما كون خيبر بهذه الصفة، فلا ننسى أن أهل خيبر هم الذين حزبوا الأحزاب ضد المسلمين وأثاروا بني قريظة على الغدر والخيانة، ثم أخذوا في الاتصالات بالمنافنين - الطابور الخامس في المجتمع الإسلامي - وبغطفان وأعراب البادية - الجناح الثالث من الأحزاب - وكانوا هم أنفسهم يهيؤون للقتال فألقوا المسلمين بإجراءاتهم هذه في محن متواصلة حتى وضعوا خطة لاغتيال النبي - ﷺ - وإزاء ذلك اضطر المسلمون إلى بعوث متوالية وإلى الفتك برأس هؤلاء المتآمرين، مثل سلام بن أبي الحقيق، وأسير بن رزام، ولكن الواجب على المسلمين إزاء هؤلاء اليهود كان أكبر من ذلك وإنما أبطأوا بالقيام بهذا الواجب لأن قوة أكبر وأقوى وألد وأعند منهم - وهي قريش - كانت مجابهة للمسلمين، فلما انتهت هذه المجابهة صفا الجو لمحاسبة هؤلاء المجرمين، واقترب لهم يوم الحساب.
الخروج إلى خيبر: قال ابن إسحاق: أقام رسول الله - ﷺ - بالمدينة حين رجع من الحديبية ذا الحجة وبعض المحرم: ثم خرج في بقية المحرم إلى خيبر .. فلما أراد رسول الله الخروج إلى خيبر. أعلن أنه لا يخرج معه إلا راغب في الجهاد، فلم يخرج إلا أصحاب
_________________
(١) سورة الفتح الآيتان ١٩و٢٠.
[ ٣ / ٦١ ]
الشجرة وهم ألف وأربعمائة وقد قام المنافقون يعملون لليهود فقد أرسل رأس المنافقين عبد الله بن أبي إلى يهود خيبر، إن محمدا قصد قصدكم وتوجه إليكم فخذوا حذركم. ولا تخافوا منه، فإن عددكم وعدتكم كثيرة، وقوم محمد شرذمة قليلون، عزل لا سلاح معهم إلا قليل، فلما علم ذلك أهل خيبر، أرسلوا كنانة بن أبي الحقيق، وهوذة بن قيس إلى غطفان يستمدونهم لأنهم كانوا حلفاء يهود خيبر، ومظاهرين لهم على المسلمين وشرطوا لهم نصف ثمار خيبر إن هم غلبوا على المسلمين.
الجيش الإسلامي إلى أسوار خيبر: بات المسملون الليلة الأخيرة التي بدأ في صباحها القتال قريبا من خيبر، وإلا تشعر بهم اليهود، وكان النبي. - ﷺ - إذا أتى قوما بليل لم يقربهم حتى يصبح، فلما أصبح صلى الفجر بغلس، وركب المسلمون فخرج أهل خيبر بمساحيهم ومكاتلهم ولا يشعرون بل خرجوا لأرضهم فلما رأوا الجيش قالوا: محمد، والله محمد والخميس ثم رجعوا هاربين إلى مدينتهم، فقال النبي - ﷺ -، الله أكبر خربت خيبر -الله أكبر خربت خيبر. إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين (١) ..
التهيؤ للقتال وحصون خيبر: ولما كانت ليلة الدخول قال: لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، فلما أصبح غدوا على رسول الله - ﷺ -: كلهم يرجو أن يعطاها فقال: أين علي بن أبي طالب. فقالوا: يا رسول الله هو يشتكي عينيه قال: فأرسلوا إليه، فبصق رسول الله في عينيه ودعا له فبرىء، كأن لم يكن به وجع فأعطاه الراية فقال: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا، قال: انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم (٢).
وكانت خيبر منقسمة إلى شطرين:
شطر فيها خمسة حصون:
١ - حصن ناعم،
٢ - حصن الصعب بن معاذ،
٣ - حصن قلعة الزبير،
٤ - حصن أبي،
٥ - حصن النزار.
والحصون الثلاثة الأولى تقع في منطقة يقال لها النطاة، وأما الحصنان الآخران فيقعان في منطقة تسمى الشق.
أما الشطر الثاني ويعرف بالكتيبة ففيه ثلاثة حصون فقط
١ - حصن القموص (وكان حصن بني أبي الحقيق من بني النضير)
٢ - حصن الوطيح
٣ - حصن السلالم.
وفي خيبر حصون وقلاع غير هذه الثمانية، إلا أنها كانت صغيرة لا تبلغ إلى درجة هذه القلاع في مناعتها وقوتها والقتال المرير إنما دار في الشطر الأول منها، أما الشطر الثاني فحصونها الثلاثة مع كثرة المحاربين فيها سلمت دونما قتال.
_________________
(١) صحيح البخاري ٢/ ٦٠٣، ٦٠٤ باب غزوة خيبر.
(٢) صحيح البخاري، الباب نفسه ص٥٠٥ و٥٠٦.
[ ٣ / ٦٢ ]
بدء المعركة وفتح حصن ناعم: وأول حصن هاجمه المسلمون من هذه الحصون الثمانية هو حصن ناعم، وكان خط الدفاع الأول لليهود لمكانه الاسراتيجي وكان هذا الحصن هو حصن مرحب البطل اليهودي الذي كان يعد بالألف.
خرج علي بن أبي طالب ﵁ بالمسلمين إلى هذا الحصن، ودعا اليهود إلى الإسلام فرفضوا هذه الدعوة وبرزوا إلى المسلمين ومعهم ملكهم مرحب فلما خرج إلى ميدان القتال دعا إلى المبارزة، قال سلمة بن الأكوع، فلما آتينا خيبر خرج ملكهم يخطر بسيفه يقول:
قد علمت خيبر أني مرحب شاكي السلاح بطل مجرب
إذا الحروب أقبلت تلهب
فبرز له عمي عامر فقال:
قد علمت خيبر أني عامر شاكي السلاح بطل مغامر
فاختلفا ضربتين، فوقع سيف مرحب في ترس عمي عامر وذهب عامر يسفل له وكان سيفه قصيرا فتناول به ساق اليهودي ليضربه فيرجع ذباب سيفه فأصاب عين ركبته فمات منه، وقال فيه النبي - ﷺ -: إنه لأجرين وجمع بين إصبعيه .. (١)
ويبدو أن مرحب دعا بعد ذلك إلى المبراز مرة أخرى وجعل يرتجز بقوله:
قد علمت خيبر أني مرحب- فبرز له علي بن أبي طالب قال سلمة بن الأكوع: فقال علي:
أنا الذي سمتني أمي حيدرة كليث غابات كريه المنظرة
أوفيهم بالصاع كيل السندرة
فضرب رأس مرحب فقتله، ثم كان الفتح على يديه (٢).
ولما دنا علي ﵁ من حصونهم اطلع يهودي من رأس الحصن وقال: من أنت، قال: أنا علي بن أبي طالب، فقال اليهودي: علوتم وما أنزل على موسى.
ثم خرج ياسر أخو مرحب وهو يقول: من يبارز؟ فبرز إليه الزبير، فقالت صفية أمه: يا رسول الله، يقتل ابني؟ قال: بل ابنك يقتله، فقتله الزبير.
_________________
(١) صحيح مسلم باب غزوة خيبر ١٢٢/ ٢.
(٢) صحيح البخاري الباب نفسه ٣/ ٦٠٣.
[ ٣ / ٦٣ ]
ودار القتال المرير حول حصن ناعم، قتل فيه عدد من سراة اليهود انهارت لأجله مقاومة اليهود وعجزوا عن صد هجوم المسلمين، ويؤخذ من المصادر أن هذا القتال دام أياما لاقى المسلمون فيه مقاومة شديدة، إلا أن اليهود يئسوا من مقاومة المسلمين فتسللوا من هذا الحصن إلى حصن الصعب، واقتحم المسلمون حصن ناعم.
فتح حصن الصعب بن معاذ:
وكان حصن الصعب الحصن الثاني من حيث القوة والمناعة بعد حصن ناعم قام المسلمون بالهجوم عليه تحت قيادة الحباب بن المنذر الأنصاري. ففرضوا عليه الحصار ثلاثة أيام، وفي اليوم الثالث دعا رسول الله - ﷺ - لفتح هذا الحصن دعوة خاصة، وروى ابن إسحاق: أن بني سهم من أسلم أتوا رسول الله - ﷺ - فقالوا: لقد جهدنا وما بأيدينا من شيء فقال: اللهم إنك قد عرفت حالهم، وأن ليست بهم قوة وأن ليس بيدي شيء أعطيهم إياه. فافتح عليهم أعظم حصونها عنهم غناء، وأكثرها طعاما وودكا. فغدا الناس ففتح الله ﷿ حصن الصعب بن معاذ، وما بخيبر حصن كان أكثر طعاما وودكا منه) (١).
ولما ندب النبي - ﷺ - المسلمين بعد دعائه لمهاجمة هذا الحصن كان بنو أسلم هم المقاديم في المهاجة، ودار البراز والقتال أمام الحصن، ثم فتح الحصن في ذلك اليوم قبل أن تغرب الشمس، ووجد فيه المسلمون بعض المنجنيقات والدبابات.
ولأجل هذه المجاعة الشديدة التي ورد ذكرها في رواية ابن إسحاق كان رجال من الجيش قد ذبحوا الحمير، ونصبوا القدور على النيران فلما علم رسول الله - ﷺ - بذلك نهى عن لحوم الحمر الأنسية.
فتح قلعة الزبير: وبعد فتح حصن ناعم والصعب، تحول اليهود من كل حصون النطاة إلى قلعة الزبير وهو حصن منيع في رأس تلة، لا تقدر عليه الخيل والرجال لصعوبته وامتناعه. ففرض عليه رسول الله - ﷺ - الحصار، وأقام محاصرا ثلاثة أيام، فجاء رجل من اليهود، وقال: يا أبا القاسم إنك لو أقمت شهرا ما بالوا إن لهم شرابا وعيونا تحت الأرض تخرجون بالليل ويشربون منها، ثم يرجعون إلى قلعتهم فيمتنعون منك، فإن قطعت مشربهم عليهم أصحروا لك (٢) فقطع ماءهم عليهم فخرجوا فقاتلوا أشد القتال، قتل فيه نفر من المسلمين، وأصيب نحو العشرة من اليهود، وافتتحه رسول الله - ﷺ -.
_________________
(١) ابن هشام ٣ ص ٣٤٦.
(٢) أصحروا: خرجوا إلى الصحراء.
[ ٣ / ٦٤ ]
فتح قلعة أبي: وبعد فتح قلعة الزبير انتقل اليهود إلى قلعة أبي وتحصنوا فيها، وفرض المسلمون عليهم الحصار وقام بطلان من اليهود واحد بعد الآخر يطلب المبارزة، وقد قتلهما أبطال المسلمين، وكان الذي قتل المبارز الثاني هو البطل المشهور أبو دجانة سماك بن خرشة الأنصاري صاحب العصابة الحمراء. وقد أسرع أبو دجانه بعد قتله إلى اقتحام القلعة واقتحم معه الجيش الإسلامي وجرى قتال مرير ساعة دخول الحصن. ثم تسلل اليهود من القلعة وتحولوا إلى حصن النزار آخر حصن من الشطر الأول.
فتح حصن النزار: كان هذا الحصن أمنع حصون هذا الشطر، وكان اليهود على ثقة بأن المسلمين لا يسطيعون اقتحام هذه القلعة وإن بذلوا قصارى جهدهم في هذا السبيل ولذلك أقاموا في هذه القلعة مع الذراري والنساء بينما كانوا قد أخلوا منها القلاع السابقة، وفرض المسلمون على هذا الحصن أشد الحصار، وصاروا يضغطون عليهم بعنف ولكون الحصن يقع على جبل مرتفع منيع لم يكونوا يجدون سبيلا للاقتحام فيه، أما اليهود فلم يجترئوا للخروج من الحصن، للاشتباك مع قوات المسلمين لكنهم قاوموا المسلمين مقاومة عنيدة برشق النبال، وبإلقاء الحجارة وعندما استعصى حصن النزار على قوات المسلمين أمر النبي - ﷺ - بنصب آلات المنجنيق ويبدو أن المسلمين قذفوا بها القذائف فأوقعوا الخلل في جدران الحصن واقتحموه ودار قتال مرير في داخل الحصن انهزم أمامه اليهود هزيمة منكرة، وذلك لأنهم لم يتمكنوا من التسلل من هذا الحصن كما تسللوا من الحصون الأخرى. بل فروا من هذا الحصن تاركين للمسلمين نساءهم وذراريهم. وبعد فتح هذا الحصن المنيع، تم فتح الشطر الأول من خيبر، وهي ناحية النطاة والشق وكانت في هذه الناحية حصون صغيرة أخرى إلا أن اليهود بمجرد فتح هذا الحصن المنيع أخلوا هذا الحصن وهربوا إلى الشطر الثاني من بلدة خيبر.
فتح الشطر الثاني من خيبر: ولما فتح ناحية النطاة والشق تحول رسول الله - ﷺ - إلى أهل الكتيبة والوطيح والسلالم حصن أبي الحقيق من بني النضير، وجاءهم كل فل كان انهزم من النطاة والشق وتحصن هؤلاء أشد التحصن.
واختلف أهل المغازي هل جرى هناك قتال في أي حصن من حصونها الثلاثة أم لا؟ فسياق ابن إسحاق صريح في جريان القتال لفتح حصن القموص. بل يؤخذ من سياقه أن هذا الحصن تم فتحه بالقتال فقط من غير أن يجرى هناك مفاوضات للاستسلام أما الواقدي فيصرح تمام التصريح أن قلاع هذا الشطر الثلاثة إنما أخذت بعد المفاوضة ويمكن أن تكون المفاوضة قد جرت لاستلام حصن القموص بعد إدارة القتال. وأما الحصنان الآخران فقد سلما إلى المسلمين دونما قتال، ومهما كان فلما أتى رسول الله - ﷺ - إلى هذه الناحية -الكتيبة-فرض على أهلها أشد الحصار، ودام الحصار أربعة عشر يوما واليهود لا يخرجون من حصونهم
[ ٣ / ٦٥ ]
حتى هم رسول الله - ﷺ - أن ينصب عليهم المنجنيق فلما أيقنوا بالهلكة سألوا رسول الله - ﷺ - الصلح.
المفاوضة: وأرسل ابن أبي الحقيق إلى رسول الله - ﷺ -: انزل أكلمك؟ قال: نعم فنزل، وصالح على حقن دماء من في حصونهم من المقاتلة وترك الذرية لهم ويخرجون من خيبر وأرضها بذراريهم ويخلون بين رسول الله - ﷺ - وبين ما كان لهم من مال وأرض وعلى الصفراء والبيضاء - أي الذهب والفضة- والكراع والحلقة إلا ثوبا على ظهر إنسان، فقال رسول الله - ﷺ -: وبرئت منكم ذمة الله وذمة رسوله إن كتمتموني شيئا فصالحوه على ذلك وبعد هذه المصالحة تم تسليم الحصون إلى المسلمين وبذلك تم فتح خيبر.
قتل ابن أبي الحقيق لنقض العهد: وعلى رغم هذه المعاهدة غيب ابنا أبي الحقيق مالا كثيرا غيبا مسكا فيه مال وحلي لحيي بن أخطب، كان احتمله معه إلى خيبر حين أجليت النضير.
قال ابن إسحاق: وأتى رسول الله - ﷺ - بكنانة بن الربيع. وكان عنده كنز بني النضير فسأله عنه. فجحد أن يكون يعرف مكانه. فأتى رجل من اليهود فقال: إني رأيته يطيف بهذه الخربة كل غداة. فقال رسول الله - ﷺ - لكنانة: أرأيت إن وجدناه عندك أأقتلك؟ قال: نعم فأمر بالخربة فحفرت، فأخرج منها بعض كنزهم، ثم سأله عما بقي منه فأبى أن يؤديه، فدفعه الى الزبير، وقال: عذبه حتى تستأصل ما عنده، فكان الزبير يقدح بزند في صدره حتى أشرف على نفسه، ثم دفعه رسول الله - ﷺ - إلى محمد بن سلمة فضرب عنقه بمحمود بن سلمة (١).
قسمة الغنائم: وأراد رسول الله - ﷺ - أن يجلي اليهود عن خيبر فقالوا: يا محمد دعنا نكون في هذه الأرض نصلحها، ونقوم عليها، فنحن أعلم بها منكم، ولم يكن لرسول الله - ﷺ - ولا لأصحابه غلمان يقومون عليها، وكانوا لا يفرغون يقومون عليها فأعطاهم خيبر على أن لهم الشطر من كل زرع، ومن كل ثمر ما بدا لرسول الله - ﷺ - أن يقرهم، وكان عبد الله بن رواحة يخرصها (٢) عليهم، وقسم أرض خيبر على ستة وثلاثين سهما وجمع كل سهم مائة سهم فكان ثلاثة آلاف وستمائة سهم فكان لرسول الله - ﷺ - والمسلمين النصف من ذلك وهو ألف وثمانمائة سهم لرسول الله - ﷺ - سهم كسهم أحد المسلمين وعزل النصف الآخر وهو ألف وثمانمائة سهم، سهم لنوائبه وما يتنزل به من أمور المسلمين، وإنما قسمت على ألف وثمانمائة سهم لأنها كانت طعمة من الله لأهل الحديبية من شهد منهم ومن غاب، وكانوا ألفا وأربعمائة وكان معهم مائتا فرس. لكل فرس سهمان فقسمت على ألف وثمانمائة سهم فصار
_________________
(١) السيرة لابن هشام ج ٣ ص ٣٥١.
(٢) يخرصها: يقدرها.
[ ٣ / ٦٦ ]
للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهم واحد.
قتلى الفريقين في معارك خيبر: وجملة من استشهد من المسلمين في معارك خيبر ستة عشر رجلا، أربعة من قريش وواحد من أشجع، وواحد من أسلم، وواحد من أهل خيبر، والباقون من الأنصار أما قتلى اليهود فعددهم ثلاثة وتسعون قتيلا.
فدك: ولما بلغ رسول الله - ﷺ - إلى خيبر، بعث محيصة بن مسعود إلى يهود فدك ليدعوهم إلى الإسلام فأبطأوا عليه فلما فتح الله خيبر قذف الرعب في قلوبهم. فبعثوا إلى رسول الله - ﷺ - يصالحونه على النصف من فدك بمثل ما صالح عليه أهل خيبر فقبل ذلك منهم. فكانت فدك لرسول الله - ﷺ - خالصة لأنه لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب.
وادي القرى: ولما فرغ رسول الله - ﷺ - من خيبر انصرف إلى وادي القرى وكان بها جماعة من يهود وانضاف إليهم جماعة من العرب. فلما نزلوا استقبلتهم يهود بالرمي وهم على تعبئة. فقتل مدعم عبد لرسول الله - ﷺ -. فقال الناس هنيئا له الجنة. فقال النبي - ﷺ - كلا والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من الغنائم لتشتعل عليه نارا ..
ثم عبأ رسول الله - ﷺ - أصحابه للقتال، وصفهم، ودفع لواءه إلى سعد بن عبادة، وراية إلى الحباب بن المنذر، وراية إلى سهل بن حنيف، وراية إلى عباد بن بشر، ثم دعاهم إلى الإسلام فأبوا وبرز رجل منهم فبرز إليه الزبير بن العوام فقتله، ثم برز آخر فقتله، ثم برز آخر فبرز له علي بن أبي طالب ﵁ فقتله، حتى قتل منهم أحد عشر رجلا، كلما قتل منهم رجل دعا من بقي إلى الإسلام. وكانت الصلاة تحضر هذا اليوم فيصلي بأصحابه، ثم يعود فيدعوهم إلى الإسلام وإلى الله ورسوله، فقاتلهم حتى أمسوا، وغدا عليهم فلم ترتفع الشمس قيد رمح حتى أعطوا ما بأيديهم، وفتحها عنوة، وغنمه الله أموالهم وأصابوا أثاثا ومتاعا كثيرا. وأقام رسول الله - ﷺ - بوادي القرى أربعة أيام. وقسم على أصحابه ما أصاب بها وترك الأرض والنخل بأيدي اليهود، وعاملهم عليها (١) كما عامل أهل خيبر.
تيماء:
ولما بلغ يهود تيماء خبر استسلام أهل خيبر ثم فدك ووادي القرى لم يبد أي مقاومة ضد المسلمين بل بعثوا من تلقاء أنفسهم يعرضون الصلح فقبل ذلك منهم رسول الله - ﷺ -
_________________
(١) زاد المعاد ٢/ ١٤٦، ١٤٧.
[ ٣ / ٦٧ ]
وأقاموا بأموالهم (١). وكتب لهم بذلك كتابا وهاك نصه: هذا كتاب محمد رسول الله لبني عاديا إن لهم الذمة، وعليهم الجزية، ولا عداء ولا جلاء الليل مد، والنهار رشد، وكتب خالد بن سعيد.
العود إلى المدينة:
ثم أخذ رسول الله في العودة إلى المدينة وفي مرجعه ذلك سار ليلة، ثم نام في آخر الليل ببعض الطريق وقال لبلال: اكلأ لنا الليل فغلبت بلالا عيناه، وهو مستند إلى راحلته، فلم يستيقظ أحد - ﷺ - حتى ضربتهم الشمس، وأول من استيقظ بعد ذلك رسول الله - ﷺ -، ثم خرج من ذلك الوادي، وتقدم صلى الفجر بالناس، وقيل: إن هذه القصة في غير هذا السفر (٢).
وبعد النظر في تفصيل معارك خيبر يبدو أن رجوع النبي - ﷺ - كان في أواخر صفر أو في ربيع الأول سنة ٧ هـ) (٣).
أمر الأسود الراعي في حديث خيبر:
قال ابن إسحاق:
وكان من حديث الأسود الراعي فيما بلغني: أنه أتى رسول الله - ﷺ - وهو محاصر لبعض حصون خيبر، ومعه غنم له، كان فيها أجيرا لرجل من يهود فقال: يا رسول الله: اعرض علي الإسلام، فعرضه عليه، فأسلم- وكان رسول الله - ﷺ - لا يحقر أحدا أن يدعوه إلى الإسلام ويعرضه عليه، فلما أسلم قال: يا رسول الله، إني كنت أجيرا لصاحب هذه الغنم، وهي أمانة عندي، فكيف أصنع بها؟ قال: اضرب في وجوهها فإنها ستريع إلى ربها - أو كما قال- فقام الأسود فأخذ حفتة من الحصى، فرمى بها في وجوهها، وقال: ارجعي إلى صاحبك فوالله لا أصحبك أبدا، فخرجت مجتمعة كأن سائقا يسوقها، حتى دخلت الحصن ثم تقدم إلى ذلك الحصن ليقاتل مع المسلمين، فأصابه حجر فقتله، وما صلى لله صلاة قط فأتى به رسول الله - ﷺ -، فوضع خلفه، وسجي بشملة كانت عليه، فالتفت إليه رسول الله - ﷺ -، ومعه نفر من أصحابه، ثم أعرض عنه، فقالوا: يا رسول الله، لم أعرضت عنه؟ قال: إن معه الآن زوجتيه من الحور العين. قال ابن إسحاق:
وأخبرني عبد الله بن أبي نجيح أنه ذكر له: أن الشهيد إذا ما أصيب تدلت له زوجتاه من الحور العين عليه تتفضان التراب عن وجهه، وتقولان: ترب الله وجه من تربك، وقتل من
_________________
(١) نفس المصدر ٢/ ١٤٧.
(٢) ابن هشام ٢/ ٣٤٠ زاد المعاد ٢/ ١٤٧.
(٣) الرحيق المختوم بتصرف من ص ٤١٢ - ٤٢٥.
[ ٣ / ٦٨ ]
قتلك.
أمر الحجاج بن علاط السلمي:
قال ابن إسحاق:
ولما فتحت خيبر كلم رسول الله - ﷺ - الحجاج بن علاط السلمي ثم البهتري، فقال: يا رسول الله، إن لي بمكة مالا عند صاحبتي أم شيبة بنت أبي طلحة- وكانت عنده له منها معرض بن الحجاج - مال متفرق في تجار أهل مكة، فأذن لي يا رسول الله، فأذن له قال. إنه لا بد لي يا رسول الله من أن أقول قال: قل الحجاج: فخرجت حتى إذا قدمت مكة وجدت بثنية البيضاء (١) رجالا من قريش يتسمعون الأخبار، ويسألون عن أمر رسول الله - ﷺ -، وقد بلغهم أنه قد سار إلى خيبر، وقد عرفوا أبا قرية الحجاز، ريفا ومنعة ورجالا فهم يتحسسون الأخبار ويسألون الركبان فلما رأوني قالوا: الحجاج بن علاط، قال: ولم يكونوا علموا بإسلامي، عنده والله الخبر - أخبرنا يا أبا محمد، فإنه قد بلغنا أن القاطع قد سار إلى خيبر، وهي بلد يهود، وريف الحجاز، قلت: قد بلغني ذلك وعندي من الخبر ما يسركم، قال: فالتبطوا (٢) بجنب ناقني يقولون: إيه يا حجاج، قال: قلت: هزم هزيمة لم تسمعوا بمثلها قط، وقتل أصحابه قتلا وأسر محمد أسرا. وقالوا: لا نقتله حتى نبعث به إلى أهل مكة فيقتلوه بين أظهرهم ممن كان أصاب من رجالهم، قال: فقاموا وصاحوا بمكة وقالوا: قد جاءكم الخبر، وهذا محمد إنما تنظرون أن يقدم به عليكم فيقتل بين أظهركم. قال: قلت: أعينوني على جمع مالي بمكة وعلى غرمائي فإني أريد أن أقدم خيبر، فأصيب من فل (٣) محمد وأصحابه قبل أن يسبقني التجار إلى هناك.
قال: فقاموا فجمعوا مالي كله كأحث (٤) جمع سمعت به قال: وجئت صاحبتي فقلت: مالي. وقد كان لي عندها مال موضوع لعلي ألحق بخيبر فأصيب من فرص البيع قبل أن يسبقني التجار؟ قال: فلما سمع العباس بن عبد المطلب، وجاءه عني، أقبل حتى وقف إلى جنبي وأنا في خيمة من خيام التجار فقال: يا حجاج ما هذا الخبر الذي جئت به؟ قال، فقلت: وهل عندك حفظ لما وضعت عندك؟ قال: نعم. قلت: فاستأخر عني حتى ألقاك على خلاء. فإني في جمع مالي كما ترى، فانصرف عني حتى أفرغ. حتى إذا فرغت من جمع كل شيء كان لي بمكة، وأجمعت الخروج لقيت العباس، فقلت: احفظ علي حديثي يا أبا الفضل فإني
_________________
(١) ثنية البيضاء: هي ثنية التنعيم في مكة.
(٢) التبطوا بجنبي ناقتي: مشوا إلى جنبها ملازمين لها.
(٣) فل محمد: القوم المنهزمون معه.
(٤) كأحث: كأسرع.
[ ٣ / ٦٩ ]
أخشى الطلب ثلاثا ثم قل ما شئت قال: افعل قلت: فإني والله تركت ابن أخيك عروسا على بنت ملكهم - يعني صفية بنت حيي - ولقد افتتح خيبر، وانتثل (١) ما فيها وصارت له ولأصحابه، فقال: ما تقول يا حجاج؟ قلت: إي والله فاكتم عني ولقد أسلمت وما جئت إلا لآخذ مالي، فرقا من أن أغلب عليه، فإذا مضت ثلاث فاظهر أمرك فهو والله على ما تحب، قال: حتى إذا كان اليوم الثاني لبس العباس حلة له وتخلق (٢) وأخذ عصاه ثم خرج حتى أتى الكعبة فطاف بها فلما رأوه قالوا: يا أبا الفضل هذا والله التجلد لحر المصيبة، قال: كلا والله الذي حلفتم به، لقد افتتح محمد خيبر وترك عروسا على بنت ملكهم، وأحرز أموالهم وما فيها، فأصبحت له ولأصحابه، قالوا: من جاءك بهذا الخبر؟ قال: الذي جاءكم بما جاءكم به ولقد دخل عليكم مسلما فأخذ ماله فانطلق ليلحق بمحمد وأصحابه فيكون معه، قالوا: يا لعباد الله انفلت عدو الله، أما والله لو علمنا لكان لنا وله شأن، قال، ولم ينشبوا أن جاءهم الخبر بذلك (٣).
خرص ابن رواحة ثم جبار على أهل خيبر:
قال ابن إسحاق: فكان رسول الله - ﷺ - كما حدثني عبد الله بن أبي بكر يبعث إلى أهل خيبر عبد الله بن رواحة خارصا بين المسلمين ويهود فيخرص عليهم فإذا قالوا: تعديت علينا قال: إن شئتم فلكم، وإن شئتم فلنا، فتقول يهود بهذا قامت السموات والأرض. وإنما خرص عليهم عبد الله بن رواحة عاما واحدا، ثم أصيب بمؤته يرحمه الله فكان جبار بن صخر أخو بني سلمة هو الذي يخرص عليهم بعد عبد الله بن رواحة فأقات يهود على ذلك لا يرى بهم المسلمون بأسا في معاملتهم حتى عدوا في عهد رسول الله - ﷺ - على عبد الله بن سهل أخي بن حارثة فاتهمهم رسول الله - ﷺ - والمسلمون عليه.
إجلاء اليهود عن خيبر أيام عمر: قال ابن إسحاق: وسألت ابن شهاب الزهري كيف كان إعطاء رسول الله - ﷺ - يهود خيبر نخلهم، حين أعطاهم النخل على خرجها، أبت ذلك لهم حتى قبض، أم أعطاهم إياها لضرورة من غير ذلك، فأخبرني ابن شهاب: أن رسول الله - ﷺ - افتتح خيبر عنوة بعد القتال وكانت خيبر مما أفاء الله ﷿ على رسول الله - ﷺ -، وقسمها بين المسلمين، ونزل من نزل من أهلها على الجلاء بعد القتال، فدعاهم رسول الله - ﷺ -، فقال إن شئتم دفعت إليكم هذه الأموال على أن تعملوها وتكون ثمارها بيننا وبينكم؛ وأقركم ما أقركم الله، فقبلوا فكانوا على ذلك يعملونها، وكان رسول الله - ﷺ - يبعث عبد الله بن رواحة فيقسم ثمرها، ويعدل عليهم في الخرص، فلما توفى الله نبيه - ﷺ -، أقرها أبو بكر
_________________
(١) انتشل: استخرج.
(٢) تخلق: تطيب بالخلوق وهو نوع من الطيب.
(٣) السيرة لابن هشام ج ٣ ص ٣٠٩ - ٣٦١.
[ ٣ / ٧٠ ]
رضي الله تعالى عنه، بعد رسول الله - ﷺ - بأيديهم على المعاملة التي عاملهم عليها رسول الله حتى توفي، ثم أقرها عمر ﵁ صدرا من إمارته ثم بلغ عمر أن رسول الله - ﷺ - قال في وجعه الذي قبضه الله فيه: لا يجتمعن بجزيرة العرب دينان، ففحص عمر عن ذلك حتى بلغه الثبت، فأرسل إلى يهود، فقال: إن الله ﷿ قد أذن في جلائكم، قد بلغني أن رسول الله - ﷺ - قال: لا يجتمعن بجزيرة العرب دينان، فمن كان عنده عهد من رسول الله - ﷺ - من اليهود فليأتني به، أنفذه له، ومن لم يكن عنده عهد من رسول الله - ﷺ - من اليهود فليتجهز للجلاء فأجلى عمر من لم يكن عنده عهد من رسول الله - ﷺ - منهم (١).
من شهد خيبر من النساء: وشهد خيبر عشرون امرأة منهن أم المؤمنين أم سلمة، وصفية بنت عبد المطلب، وأم أيمن وسلمى أمراة أبي رافع مولاة النبي - ﷺ - وامرأة عاصم بن عدي وأم عمارة وأم منيع وكعيبة بنت سعد، وأم مطاع الأسلمية، وأم سليم بنت ملحان، وأم الضحاك بنت مسعود، وهند بنت عمرو بن حرام، وأم عامر الأشهلية، وأم عطية الأنصارية، وأم سليط. وأمية بنت قيس الغفارية (٢).
لم يمض على موعود الله لجند الحديبية أكثر من شهرين بالفتح القريب والمغانم الكثيرة حتى كانت حصون خيبر بما تحوي من خيرات بين يدي المسلمين، وشاء قدر الله أن لا يشارك مع أهل الحديبية أحد معهم في خيبر، اللهم إلا بعض النساء، والوفود القادمة من اليمن والحبشة.
ولقد بلغ من جهد المسلمين وجوعهم وفاقتهم في هذه المعركة أن ذبحوا الحمر الأهلية، ونصبوا القدور على النيران، وجاء منادي رسول الله - ﷺ -: إن رسول الله ينهاكم عن أكل لحوم الحمر الأهلية.
(قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن عمرو بن ضمرة عن عبد الله بن أبي سليط عن أبيه قال: أتانا نهي رسول الله - ﷺ - عن أكل لحوم الحمر الأنسية. والقدور تفور بها فكفأناها على وجوهها) (٣).
وإنها لتجربة قاسية ولا شك، وفريدة كذلك أن المسلمين قد عض الجوع بنابهم وليس لديهم ما يأكلون حتى التمر لا يجدونه، وهم مكلفون بخوض حرب طاحنة مع اليهود وليسوا مسترخين نائمين في المعسكر، وذبحوا الحمر وطهوها، وسال لعابهم عليهم، والقدور تفور باللحم الطازج ثم يأتي الأمر النبوي بالنهي عن أكل لحموم الحمر، فما يترددون لحظة واحدة، أو
_________________
(١) السيرة النبوية لابن هشام ج ٣ ص ٣٧١.
(٢) إمتاع الأسماع ج ١ ص ٣٢٦، ٣٢٧.
(٣) السيرة النبوية لابن هشام ص ٣٤٥.
[ ٣ / ٧١ ]
يشكلون استعصاء مسلحا، أو يشكلون فرارا من الجيش والمعركة أو يتموا هذه الوجبة وينتهوا بعد ذلك، أو ينهشوا بنهشة واحدة تقيم أودهم لم يفعلوا ذلك كله، إنما كفؤوا القدور باللحم، واسجابوا لأمر الله ورسوله. وهو درس حي ولا شك في الالتزام والانضباط بالأوامر بالعسر واليسر والمنشط والمكره. وأن يكون الجندي المسلم خارجا من سلطان بطنه، وهو على أشد ما يكون من الجوع، وهو مكلف بخوض معركة، هو مستوى رفيع جدا، حين نرقى إليه نرقى معه إلى مستوى نصر الله.
وكان بالإمكان أن ينهى رسول الله - ﷺ - عن أكل لحوم الحمر الأهلية قبل ذبحها، أو بعد ذبحها، وقبل العناء بطهيها وجمع الحطب ونفخ النار تحتها، لكن حتى تكون التجربة في أعمق أبعادها شاءت إرادة الله تعالى أن يكون النهي والقدور تغلي بلحوم الحمر، حتى يكشف الالتزام في أصعب أحواله، والذي يلتزم في هذا الظرف قادر على الالتزام بما هو أدنى منه.
وشيء آخر لا يقل صعوبة ومرارة عنه. هذا الشيء هو حفظ الفرج عن الحرام. فلقد مضى المسلمون لخيبر، والمتعة حلال لهم، ولم يشهد المسلمون بعدا عن نسائهم كما شهدوه في خيبر. لقد استمرت المعركة شهرين قاسيين. فكان لا بد من تلبية داعي الجنس الحلال من خلال الاستمتاع المؤقت بالنساء. وكان النهي عن نكاح المتعة كذلك في هذه المناسبة. ولم يكن النهي وهم بجوار نسائهم في المدينة، ولم يكن النهي مجرد وصولهم إلى خيبر لقد كان النهي في أصعب مظانه، في قلب المعركة، وبعد الغياب الطويل عن الزوجات. وحيث الإمكانات المتاحة للمتعة. ولم يكن النهي منصبا فقط عن نكاح المتعة في علاج حفظ الفرج والانضباط فيه. بل كان من أمور عدة يحدثنا عنها رويفع بن ثابت الأنصاري ﵁ وقد قام خطيبا في المسلمين بعد أن افتتح قرية من قرى المغرب فقال:
(يا أيها الناس إني لا أقول فيكم إلا ما سمعت من رسول الله - ﷺ - يقوله فينا يوم خيبر قام فينا رسول الله - ﷺ - فقال: لا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماءه زرع غيره - يعني إتيان الحبالى من السبايا - ولا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يصيب امرأة من السبي حتى يستبرئها. ولا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيع مغنما حتى يقسم، ولا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يركب دابة من فيء المسلمين حتى إذا أعجفها ردها فيه، ولا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يلبس ثوبا من فيء المسلمين حتى إذا أخلقه رده فيه) (١).
إنها أمور تمس ثلاث شهوات هي من أعمق ما تحمله النفس البشرية من شهوات.
_________________
(١) السيرة النبوية لابن هشام ص ٣٤٥ ج ٣ ص ٣٤٦.
[ ٣ / ٧٢ ]
شهوة الجوع التي يتشدق الماديون فيها، حتى ليبيحوا من أجلها الأعراض والسرقة.
وشهوة الجنس التي يعتبرها الماديون جزءا من تركيب الإنسان وحاجة عضوية فيه وشهوة التملك التي يستعبد الناس ويسبذلون من أجلها. ويأتي الأمر النبوي، وهذه الشهوات على أشد ما تكون يقظة وحاجة وشدة بالامتناع عنها، فستجيب الصف المسلم كله، دون أن تسجل مخالفة إلا مخالفة واحدة سنعرض لها فيما بعد.
ولئن حملت الحديبية إنسانا واحدا تباطأ عن البيعة على الموت. فلقد شهدت خيبر من أهل الحديبية مخالفة لا تكاد تذكر في هذه الأمور. وذلك من خلال ربط هذه الأمور فقط بالإيمان بالله واليوم الآخر.
وأمام هذا الصبر على الجوع، والصبر على الجنس في سبيل الله، والصبر على الغنائم حتى توزع وبعد هذه التجربة القاسية الفريدة. كان عطاء الله تعالى وفيض رحمته أكبر من كل التوقعات وشهدنا دعاء رسول الله - ﷺ - للأسلميين الذين جاؤوا يشكون لرسول الله - ﷺ - جوعهم وفاقتهم وكان الدعاء الخالد:
اللهم إنك قد عرفت حالهم، وأن ليست بهم قوة، وأن ليس بيدي شيء أعطيهم إياه، فافتح عليهم أعظم حصونها عنهم غناء، وأكثرها طعاما وودكا، فغدا الناس، ففتح الله ﷿ حصن الصعب بن معاذ وما بخيبر حصن كان أكثر طعاما وودكا منه.
ويحدثنا المقريزي عن بعض هذه الغنائم فيقول: (واقتحم المسلمون الحصن يقتلون ويأسرون فوجدوا فيه من الشعير والتمر والسمن والعسل والزيت والودك كثيرا. فنادى منادي رسول الله - ﷺ - كلوا واعلفوا ولا تحتملوا (يعني لا تخرجوا به إلى بلادكم) فأخذوا من ذلك الحصن طعامهم وعلف دوابهم ولم يمنع أحد من شيء ولم يخمس ووجدوا بزا في عشرن عكيما (١) محزومة من متاع اليمن، ووجدوا خوابي سكر، فأمر بالسكر (٢) فكسر في خوابيه (٣)، ووجدوا آنية عن نحاس وفخار كانت يهود تأكل فيها وتشرب فقال ﵇: اغسلوها واطبخوا وكلوا فيها واشربوا وأخرجوا منها غنما وبقرا وحمرا، وآلة الحرب، ومنجنيفا ودبابات، وعدة، وخمسمائة قطيفة ) (٤).
وهذا هو الصف الذي كتب الله تعالى له النصر في خيبر بالتزامه وانضباطه في القليل والكبير، ونحن بحاجة لهذا الصف الذي يلتزم بالأوامر من منطلق الإيمان قبل التزامه من منظلق
_________________
(١) العكم: ثوب يبسط ويوضع فيه المتاع.
(٢) السكر (ما يسكر به من الخمر).
(٣) الخابية: الوعاء الكبير.
(٤) إمتاع الأسماع ج ١ ص ٣١٨، ٣١٩.
[ ٣ / ٧٣ ]
الخوف والسلطة.
٢ - أما الحديث عن المخالفات فهو عجيب حقا. نستمع إلى النماذج التي حدثت في هذه الغزوة: (وشرب الخمر رجل من المسلمين يقال له: عبد الله الحمار. فخفقه رسول الله بنعليه، وأمر من حضروه فخفقوه بنعالهم، ولعنه عمر بن الخطاب ﵁، فقال - ﷺ -: فإنه يحب الله ورسوله، ثم راح عبد الله كأنه أحدهم فجلس معهم) (١).
(ونادى منادي رسول الله - ﷺ -: أدوا الخياط (٢) والمخيط (٣) فإن الغلول عار وشنار ونار يوم القيامة. فعصب فروة رأسه بعصابة ليستظل بها من الشمس فقال رسول الله - ﷺ - عصابة من نار عصبت بها رأسك فطرحها .. وتوفي رجل من أشجع فلم يصل عليه وقال: إن صاحبكم غل (٤) في سبيل الله، فوجد في متاعه خرز لا يساوي درهمين (٥».
نذكر هذه الهنات ونذكر معها مثلا آخر مما وقع بين يدي المسلمين وكانوا قادرين على الغلول فيه:
(قال ابن وهب: قلت لمالك: وما الكتيبة؟ قال: من أرض خيبر وهي أربعون ألف عذق فوجد خمسمائة قوس عربية، ومائة درع، وأربعمائة سيف، وألف رمح) (٦).
وفي مكان آخر: وصالح كنانة بن أبي الحقيق رسول الله - ﷺ - على أهل الكتيبة فأمن الرجال والذرية، ودفعوا إليه الأموال والذهب والفضة والحلقة والثياب إلا ثوبا على إنسان بعد ما حصرهم أربعة عشر يوما (٧).
في هذه الغنائم الكثيرة المثقلة من المال والمتاع والسلاح والطعام، وجد من أخذ خرزا لا يساوي درهمين، ومن عصب رأسه بعصابة. وكان الجزاء الصارم أن قيل لصاحب العصابة عصابة من نار تعصب بها رأسك (٨). ولم يصل على الثاني لهذا الغلول.
_________________
(١) المصدر نفسه ج ١ ص ٣١٩.
(٢) الخياط: الخيط.
(٣) المخيط: الإبرة يخاط بها.
(٤) غل من الغنم: خان وسرق.
(٥) المصدر ج ١ ص ٣٢٣.
(٦) إمتاع الاسماع ج ١ ص ٣١٩، ٣٢٠.
(٧) المصدر نفسه ٣١٩.
(٨) يحسن أن نذكر أن صاحب العصابة هو المسؤول عن حفظ الغنائم وتوزيعها، ولشدة عمله وصعوبته استظل بالعصابة من حر الشمس.
[ ٣ / ٧٤ ]
أمر لا يعرفه تاريخ الأمم والحروب في الدنيا إلا لدى الصف المسلم.
ومخالفة ثالثة أن يوجد بين الألف والأربعمائة إنسان، رجل لم يملك نفسه أمام خوابي الخمر وهي تكسر؛ فشرب الخمر في لحظة ضعف، وكانت العقوبة الصارمة أن خفقه رسول الله - ﷺ - بنعليه، وخفقه المسلمون بنعالهم، فتلقى العقوبة بصدر رحب، ولم يمض ليبيت ليلا اغتيال رسول الله - ﷺ - وصحبه لهذه الإهانة بل أنهى العقوبة وراح يمزح ويضحك مع المسلمين، بل رفض رسول الله - ﷺ - لعنه، وقال عنه، وهو يتلقى عقوبة المعصية: إنه يحب الله ورسوله.
فليست مهمة العقوبة أن تسلخ الجندي من الصف، وتحوله إلى حاقد موتور. بل مهمتها تطهيره من الذنب ليغدو أهلا للجندية في هذا الصف المسلم، واللعن يرفض، لأنه عقوبة فوق العقوبة. بل الثناء عليه ليبقى بقلبه الحي المؤمن لاصقا بالصف ملتحما فيه.
وما أحرج صفنا وجنودنا إلى هذه المستويات حيث يتقبل الأخ المسلم العقوبة بصدر رحب. وحيث يفقه إخوانه فلسفة العقوبة لا لطرده وتحطيم نفسيته، بل لتطهيره وضمه جنديا في الصف بريئا من الذنب.
هذا هو الصف المسلم الذي انتصر بخيبر على اليهود. ويكفي هذا الوصف. لنتعرف على الصف العربي الذي لا يزال يحارب اليهود ثلث قرن ويتلقى الهزائم المكررة:
نذكر ذلك الصف في خيبر. حيث يخفق شارب الخمر بالنعال. والصف العربي الذي قال عنه مدير مخابرات العدو، سوف أهزم العرب بما يحرمه عليهم دين محمد، بالخمر والنساء.
وفعلا هزم الصف بالمعصية، إذ كان الطيارون ليلة الخامس من حزيران في عربدة مع الخمر والنساء وعلى رأسهم العقداء والألوية والفريق الأول قائد سلاح الطيران وذلك حتى الفجر.
وبهذه المقارنات ندرك من ذلك الجيش، ومن هذا الجيش، وفيه الغنى عن أي تعليق.
٣ - وبقيت مخالفة أرجأتها للمقارنة مع صورة مقابلة. نلحظ من تلك المقارنة كيف يكون الحكم على الأشخاص لأن صف الحركة الإسلامية يستهجن وجود نوعيات انتهازية فيه:
(قال ابن إسحاق: فحدثني ثور بن زيد بن سالم عن أبي هريرة قال: فلما انصرفنا مع رسول الله - ﷺ - عن خيبر إلى وادي القرى ونزلنا بها أصيلا مع مغرب الشمس، ومع رسول الله الله - ﷺ - غلام له، أهداه له رفاعة بن زيد، فوالله إنه ليضع رحل رسول الله - ﷺ - إذ أتاه سهم غرب (١) فأصابه فقتله. فقلنا هنيئا له الجنة، فقال رسول الله - ﷺ -: كلا والذي نفس محمد بيده إن
_________________
(١) سهم غرب: سهم طائش.
[ ٣ / ٧٥ ]
شملته (١) الآن لتحترق عليه في النار، كان غلها من فيء للمسلمين يوم خيبر. فسمعها رجل من أصحاب رسول الله - ﷺ - فأتاه فقال: يا رسول الله: أصبت شراكين لنعلين لي، قال فقال: يقد لك مثلهما في النار) (٢).
نضع هذا الغلام الذي رآه الناس من أهل الجنة وهو يعيش في الصف المسلم منذ فترة غير قليلة، ثم أصبح من خواص رسول الله - ﷺ - وخدمه مع الغلام الآخر، الأسود الراعي الذي قص لنا ابن إسحاق خبره حين قال: يا رسول الله: اعرض علي الإسلام فعرضه عليه، فأسلم وكان رسول الله لا يحقر أحدا أن يدعوه إلى الإسلام، ويعرضه عليه، فلما أسلم قال يا رسول الله إني كنت أجيرا لصاحب هذه الغنم وهي أمانة عندي، فكيف أصنع بها؟ قال: اضرب في وجوهها فإنها سترجع إلى ربها. فقام الأسود، فأخذ حفنة من الحصى، فرمى بها في وجوهها، وقال: ارجعي إلى صاحبك، فوالله لا أصحبك أبدا، فخرجت مجتمعة كأن سائقا يسوقها حتى دخلت الحصن، ثم تقدم إلى ذلك الحصن ليقاتل مع المسلمين فأصابه حجر فقتله، وما صلى لله صلاة قط، فأتي به رسول الله - ﷺ - فوضع خلفه، وسجي بشملة كانت عليه، فالتفت إليه رسول الله - ﷺ - ومعه نفر من أصحابه ثم أعرض عنه فقالوا: يا رسول الله: لم أعرضت عنه، فقال: إن معه الآن زوجتيه من الحور العين) (٣).
صورتان متقابلتان عجيبتان لغلامين في الصف المسلم، ونهايتان أغرب وأعجعب.
غلام رسول الله - ﷺ - ويقتل بين يديه، ويهنأ بالجنة على ظاهر الأمر وغلام يهودي لم يصل لله صلاة قط، ويقتل على باب الحصن الذي خرج منه. والشملة التي غلها غلام رسول الله - ﷺ - وهي خيانة كانت كفيلة أن تشتعل عليه في النار، ويحرم من الجنة، ولم يشفع له خدمته لرسول الله، وماضيه السابق في الصف المسلم، وأمانة الغلام اليهودي تحولت كرامة له بحفنة من حصباء في وجه الغنم يقول لها: فوالله لا أصحبك أبدا، ويدخل في الاسلام طاهرا من يهوديته ومن ذنوبه بهذه الأمانة العظيمة. وما هي إلا ساعة حتى يغدو الغلام اليهودي قتيلا. فتتدلى له زوجتاه من الحور العين تحفانه إلى الجنة.
يا شباب دعوة الإسلام:
ليكن هذا الدرس حيا في نفوسكم، فالخطيئة الصغيرة تؤدي إلى النار ولو كانت شملة من غنيمة لا يؤبه لها. ولا يشفع معها قدم في الدعوة أو ماض في الجهاد أو موقع في التنظيم.
والاستقامة على المنهح ولو كانت من أعدى أعدائكم لحظة واحدة كفيلة بالشهادة في سبيل
_________________
(١) الشملة: كساء غليظ يلتحق به.
(٢) يقد: يقطع.
(٣) السيرة لابن هشام ج ١: ٣٤٥.
[ ٣ / ٧٦ ]
الله لا يحول دونها حرب عنيفة للإسلام، أو تحتاج إلى رصيد من الطاعة والعبادة. بل النية الصادقة والتصميم على الاسقامة تكفي في ميزان الله لدخول الجنة.
ودعوا عنكم المظاهر فالله تعالى لا ينظر إلى صوركم وأعمالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم.
وآن لقيادة الحركة الإسلامية أن لا تغالي في الحكم على الأشخاص وخاصة أبناءها من خلال القدم التنظيمي فترفع هذا الجندي إلى المستوى الأعلى عندها بغض النظر عن سلوكه وتربيته.
وآن لشباب الحركة الإسلامية أن لا يغالوا في المكابرة بمن يأتيهم صادقا إلى الصف فيحرموه من كل ثقة لأنه لم يمر عليه قدم تنظيمي في الجماعة.
فقد يكون ذلك الأخ النقيب من أهل النار، وقد يكون هذا الجندي الجديد الذي لا تزال آثار حربه للإسلام بادية عليه من أهل الجنة.
ولتأخذ التربية الحقة دورها في الصف المسلم وليكفكف الشباب المسلم من غلوائه. في قضية الثقة بالمنتبين الجدد إلى الصف وليبق في ذهنهم ..
غلام رسول الله - ﷺ - وخيانته التي أودت به إلى النار.
والغلام اليهودي الذي لم يسجد لله سجدة وأمانته التي افتتح بها إسلامه فقادته إلى الجنة وليكفكف الشباب المسلم من غلوائه كذلك فيستبيح كل صور الغنيمة من العدو إذا ارتبطت بلوثة مع الإسلام وشباب الإسلام.
٤ - وحين نتناول هذه السمة بمظاهرها العامة سمة إنهاء الوجود اليهودي من جزيرة العرب وقد عرضنا للصف المسلم وأمانته بينما استحق الصف اليهودي أن تحق عليه لعنة الله وغضبه بعد أن خان الأمانة لا يغيب عن البال غدر كنانة بن أبي الحقيق والذي خان رسول الله وأخفى ما لديه من ثروة مع أنه هدد بالقتل إن أخفى شيئا من ذلك ثم قتل عقوبة له على غدره. لا ننسى أن الصف الداخلي لليهود قد تمزق ومضى بعض أفراده ليدل المسلمين على ثغرات الحصون وثرواتها. وما كان ذلك ليقع لولا أن هؤلاء اليهود قد كفروا بقياداتهم فراحوا يتطوعون بإعطاء الأسرار للجيش المسلم دون مقابل بل ساهم بعضهم بكشف خيانة كنانة بن أبي الحقيق حين رآه يتردد على خربة له وقد أخفى فيها ثروة يهود. ونلحظ معه كذلك المحاولات الإجرامية للاعتداء على المسلمين ونقض العهود حين يتاح لهم ذلك حيث قتلوا عبد الله بن سهل حين أمنوا إخفاء الجريمة وحاولوا اغتيال رسول الله - ﷺ - بوضع السم في الشاة التي أهدوها لرسول الله ومات على إثرها بشر من البراء بن معرور ﵁ واستحقوا هذه الهزيمة.
وحين يكون الصف المسلم يمثل هذه الواصفات فستقع عليه العقوبة ويحال بينه وبين
[ ٣ / ٧٧ ]
النصر.
٥ - لكن هذه الأمور على مستوى الصف لا تعفي الصف من تقديم التضحيات المناسبة واللازمة فلقد عانى المسلمون من الجهد في هذه المعركة ما لم يعانوه في معركة سابقة فالخندق أطول معاركهم استمرت عشرين يوما أو تزيد، وهم في بيوتهم وبلدهم وحصونهم، بينما نراهم هنا، ولا يملكون من الطعام حتى التمر، وهم في أشد الحاجة يصبرون قرابة شهرين على الحرب. فلم تتم نهاية اليهود بهذه السهولة، ولقد دافع اليهود دفاع المستميت عن وجودهم وحصونهم، وقاتلوا وصبروا، لكن المؤمنين كانوا أصبر الفريقين، وأشجع الفريقين وما بذله أبطال المسلمين من بسالة وبذل في النفس والنفيس، فاق تصورات العدو، وكان البذل مشتركا من الفريقين المهاجرين والأنصار.
فعلي بن أبي طالب والزبير بن العوام وعمر بن الخطاب في المبارزات الفردية وكذلك الحباب بن المنذر ومحمد بن سلمة وأبو دجانة سماك بن خرشة حطم كل البطولات الفردية عند اليهود الذين كانوا يحسبون كل بطل من أبطالهم بألف رجل.
والقتال العام الذي كان يستمر أياما. فيضطر اليهود للانسحاب والتراجع، وقد شارك فيه الجيش كله بلا إستثناء يعني أن الحركة لم يبخل المسلمون عنها بشيء من أرواحهم ودمائهم وهي أطول معركة عجم فيها عودهم، واختبر فيها صبرهم فكانوا على مستوى المعركة.
٦ - وتبدو ضراوة المعركة وضخامتها حين نتصور المعركة مع المتحصنين في القلاع والحصون من اليهود. وكما وصف القرآن اليهود ﴿لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى) (١).
وكل هذه الحصون والقلاع لم تفل من عزيمة المسلمين، ولم توهن من مقاومتهم. وهذه طبيعة اليهود اليوم كذلك فمن وراء دباباتهم ومتاريسهم وتحصيناتهم يقاتلون المسلمين اليوم لكن مسلمي اليوم سرعان ما انكشفوا أمام تلك التحصينات وكم أبيد من الألوية العربية في الحروب أمام حصون اليهود.
وحين نقارن بين حرب الخامس من حزيران وبين فتح خيبر. فليست مقارنة عرضية. بل هي مقارنة حقيقية. فلقد أعلن موشي دايان وزير الدفاع الإسرائيلي بعد أن احتل القدس واكتسح بجيشه الأرض العربية في سورية والأردن ومصر. قال وقد مس ثرى القدس: هذه بخيبر.
لقد لقي اليهود قبل خمسة عشر قرنا تلك الهزيمة النكراء التي أنهت الوجود اليهودي في جزيرة العرب ولم تنهه لعقد أو عقدين من الزمان أو لقرن أو لقرنين من الزمان. إنما أنهته لخمسة
_________________
(١) سورة الحشر: من الآية ١٤.
[ ٣ / ٧٨ ]
عشر قرنا من الزمان لم يقم بعدها لليهود قائمة، ولم يرتفع لهم علم ولم تخفق لهم راية. إلى أن كان منتصف هذا القرن وقامت دولة إسرائيل فوق ربا فلسطين، ولم يغب عن ذهن اليهود مرارة خيبر وقد تجرعوا الذل والهوان فيها، وبقي الجيل بعد الجيل يرويها، ويؤرث سلفهم الحقد لخلفهم ويذكره بالثأر من رسول الله - ﷺ -. حتى كانت معركة الخامس من حزيران. حيث سلمت الجولان غنيمة باردة لليهود من الخائن العربي الأكبر. رغم الحصون الضخمة التي فيها، والتي كانت كفيلة أن تقاوم اليهود بعدة جنود قلائل أشهرا طوالا، سلمت بدون قتال، على الجهة السورية، وانهارت تحصينات الجولان التي كان يقال عنها - خط ماجينو- لا بالشجاعة اليهودية ولكن بالخيانة العربية.
لقد كان النصر الإسلامي في خيبر من القوة والضخامة بحيث أنهى الوجود العسكري لليهود. خلال هذه القرون الطوال. وفي غفلة من الزمن، وفي غياب لجند الإسلام عن الأرض وفي غياب لخلافة الإسلام وحكم الإسلام برز الوجود اليهودي من جديد.
٧ - وحين نعالح ذلك الواقع ندرس من خلاله الصيغة التي انتهى يهود إليها أن يكونوا خولا عند المسلمين وأجراء فيخدموا الأرض ولهم نصف الثمر وللمسلمين النصف، ولقد كانت القيادة النبوية من العظمة ما جعلها فوق أحقاد اليهود، وجعل التعامل معمهم بصفتهم بشرا ومدنيين غير مقاتلين بحيث لا يستغل جهدهم، ولو كانوا أعداء الله ورسوله، ولا تستنزف طاقاتهم عبيدا كالعبيد، بل أمكن إيجاد جو من التعايش معهم. بحيث يشتغلون بأرض المسلمين ولهم نصف الثمر. والحركة الإسلامية اليوم بحاجة إلى فقه هذا المعنى. فمن أجل الجهاد رفض رسول الله - ﷺ - أن ينكب الجيش المقاتل الثائر على الزراعة، فيفقد جاهزيته ويفقد عسكريته، ويفقد جنديته، كما علمهم القرآن الكريم.
﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ (١).
وليست التهلكة إلا الإنشغال بالزرع والضرع عن المعركة فلا بد أن توجه كل الطاقات للمعركة أما الأرض فلن تلهي عنها ولن تشغل عنها، واليوم والحركة الإسلامية تعد نفسها لمواجهة شاملة لا بد لها أن تجند كل طاقاتها للمعركة. فالإسلام لم يقبل هذا الموقف بعد النصر المؤزر المبين. فكيف تقبله الحركة الإسلامية وهي تخوض معركة وجودها أو لا وجودها في الساحة.
ومع ذلك. فقد استفاد رسول الله - ﷺ - من الخبرة الزراعية المختصة، ولو كانت من اليهود لتلبي هذا القطاع وتؤمن حاجته ومضى العام الأول والثاني ورسول الله - ﷺ - والمسلمون ماضون في حربهم، وتنقل لهم ثروات أرضهم فهل يستطيع المسلمون اليوم أن يعيدوا اليهود إلى الأرض
_________________
(١) البقرة: من الآية ١٩٥.
[ ٣ / ٧٩ ]
وتكون لهم القيادة والسيادة من جديد؟
٨ - وإذا كان أمر التعامل مع اليهود وهم أذلة فإن هذا لا يعني في المفهوم الإسلامي بخسهم حقهم ولوكانوا مستضعفين أو مضطرين للعمل مع النبي - ﷺ - وصحبه وتذكر كتب السيرة عن ذلك الخرص الوحيد الذي قام به عبد الله بن رواحة ﵁ لعام واحد وهو يوزع الثمر مناصفة بين اليهود والمسلمين قالوا له: ما نراك عدلت. فيجيب ﵁: يا إخوة القردة والخنازير، والله ما أحد على ظهر الأرض أبغض إلي منكم وما يدفعني بغضي لكم أن أنقصكم تمرة واحدة. ووالله ما أحد على ظهر الأرض أحب الي من محمد - ﷺ -، وما يدفعني حبي له أن أزيده تمرة واحدة. إن شئتم هذه أو شئتم هذه، ويشير ﵁ إلى الحصتين أمامه. أو كما روى ابن إسحاق: (قالوا له: تعديت علينا، قال: إن شئتم فلكم، أو شئتم فلنا، فتقول يهود: بهذا قامت السماوات والأرض) (١).
وإذن فمفهرم دولة الإسلام وحكم الإسلام الذي نرقبه ونسعى له، ونقاتل من أجله هو في تحقيق هذا العدل بين العدو والصديق والقريب والخصم وهو أكبر ميزان على تحقيق شريعة الله في الأرض أن يأمن العدو قبل الصديق، والخصم قبل الأخ، ولا يطمع شريف في ظلم، ولا ييأس ضعيف من عدل وأن يطمئن المسالم الآمن على ماله وعرضه وعقيدته وأرضه واليهود الذين عاشوا في ظل هذا الإسلام العظيم، نعموا بهذا الأمن، وطردتهم دول الأرض وآوتهم دولة الخلافة الإسلامية فكان جزاؤها أن هدموا هذه الخلافة إنهم يعلمون أن عدل محمد - ﷺ - لن يستطيعوه هم على أنفسهم، ومن أجل ذلك قالوا: بهذا العدل قامت السموات والأرض، وأن يتعامل عبد الله بن رواحة وهو المبغض الألد لهم بنفس الصيغة التي يتعامل فيها مع حبيبه ﵊.
إنه ما لم تقتنع قاعدة الحركة الإسلامية بأن قيادتها على الجادة، وأنها تحقق العدل في صفوفها وتؤثر الحق على العاطفة في تعاملها، فلن تخطو خطوة واحدة خارج صفها في تحقيق الهدف الذي ترنو إليه وعندما يطمئن الصف المسلم إلى أن قيادته رائدها العدل دائما وأنه لن يضيع حق لفرد من أفراده فيه. فحينئذ تستطيع أن تكون داعية لهذا المعنى في صفوف الخصوم، ولا بد أن يتربى الصف كذلك على قبول هذا العدل والرصوخ له، ولو كان على حسابه ومن مصلحته.
فالقضية ذات طرفين متوازنين الطرف الأول: طرف القيادة الصارمة العادلة التي لا تأخذها في الله لومة لائم، وتكون قوامة بالقسط شاهدة لله ولو على نفسها أو الوالدين والأقربين. وطرف القاعدة التي لا تعتبر الإسلام مغنما ومكسبا، وحقا متسلطا على رقاب العباد بل تعطي من ذاتها ونفسها ما يعين القيادة على تطبيق هذه العدالة وأن تخضع للحق ولا تستجيب للنزوة الطارئة
_________________
(١) السيرة النبوية لابن هشام ج ٤: ٣٥٤.
[ ٣ / ٨٠ ]
أو الهوى الجموح.
٩ - والمعنى الآخر الذي نلحظه من خلال خيبر هو إخراج اليهود من جزيرة العرب إذ لم يكن نقضا للعهد كما يحلو للمغرضين أن يسموه، بل كان جزءا من الاتفاق الأول حين عرض اليهود على رسول الله - ﷺ - أن يعملوا مع المسلمين في الأرض فكان جوابه ﵊ (فأعطاهم خيبر على أن لهم الشطر من كل زرع ومن كل ثمر ما بدا لرسول الله أن يقرهم) وعند ابن إسحاق: (وأقركم ما أقركم الله).
وعندما أصبحت المصلحة بإجلائهم عن خيبر، وتأكد لأمير المؤمنين ﵁ هذا المعنى ووصية النبي - ﷺ - ألا يجتمع بجزيرة العرب دينان، أمر بإجلائهم إلا من كان معه عهد من رسول الله - ﷺ - خاص به بالبقاء.
وتبقى دوما مصلحة المسلمين العليا وأمنهم، أهم من مصلحتهم العادية في زرعهم وضرعهم، ويضحى بكل شيء حفاظا على هذه المصلحة علما بأن المسلمين قد اكتسبوا الخبرة المطلوبة في الأرض. وصاروا قادرين على الانتاج ولديهم السعة للعمل في الزراعة بعد التمكين الكبير لهم فاستغني عن هذه الطاقات كما تستغني كل دولة وحركة عن خدمات وخبرات من هم خارج صفها عندما تمتلك هذه الخبرات أو تستغني عنها وتعتمد الاكتفاء الذاتي في تسيير دولتها.
١٠ - ويبرز المعنى الأخير في خيبر من خلال السبر العام لنفسيه قريش حين جاءها الحجاج بن علاط السلمي، ولم تعط فرحتها لأحد بهزيمة محمد وأسره، لكنها فوجئت بالصاعقة على رأسها حين عرفت أن الحجاج عبث بها حتى أخذ حقه وماله ورحل عنهم.
والذي يعنينا من هذا الدرس جانبان:
الجانب الأول: في التيقظ من المهادنين، والتعرف على حقيقة نفسياتهم وإمكانية نكثهم للعهد إن أتيح لهم ذلك وعلى الحركة الإسلامية أن تقدم الاختبارات المتتالية للتعرف على نفسية الحلفاء والمسالمين.
الجانب الثاني: حق الجندي المعترف على شركه أن يصل إلى حقه عن طريق التضليل بالصف المشترك وإلا لحرم هذا الحق لإسلامه وطالما أن الأخ لم يعلن التزامه في الصف الإسلامي فالمجتمع الجاهلي يحمل وزر تصرفه لا المجتمع الإسلامي فالحجاج في ظاهر الأمر مشرك وأعطي المال على ضوء شركه واستعمل المخادعة للوصول إلى حقه لكنه لم يقدم على هذا الأمر إلا بعد استئذان قيادته.
وحري بشباب الحركة الإسلامية خاصة السريين منهم الذين يحسبون في الأصل جواز مثل هذه التصرفات ألا تتم إلا من خلال الإذن من القيادة الشرعية التي تحدد حدود هذه التصرفات
[ ٣ / ٨١ ]
والاجتهاد الفردي مرفوض ولو كان صوابا محضا واستئذان القيادة الشرعية ولو كان خطأ محضا من حيث السلوك فهو صواب محض من حيث التنظيم.
١١ - ومن المعاني الواضحة في خيبر والتي لم تغب في كل لحظاتها الدعوة إلى الله تعالى فما من مواجهة بين اليهود والمسلمين إلا والتوجيهات النبوية تؤكد على ضرورة الدعوة إلى الله قبل المواجهة.
(فأعطاه الراية فقال: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا، قال: انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير من أن يكون لك حمر النعم) (١).
فإذن ليست الدعوة إلى الله في حالة السلم فقط، ومقابل المعركة، إن المسلم وهو في قلب المعركة داع إلى الله تعالى قبل أن يكون مقاتلا. والبطل العظيم علي ﵁ يحمل الراية بشهادة رسول رب العالمين. يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، ويفتح الله تعالى على يديه، ومع ذلك فالدعوة إلى الله تعالى هي الأصل، والهداية خير من القتل.
وهداية امرىء واحد خير من حمر النعم، فليدرك هذا الأمر شباب الحركة الإسلامية أن قضية الدعوة إلى الله يجب أن ترافق المسلم في كل لحظة من لحظات حياته قبل المعركة وخلالها وبعدها وأن يصبح تقييم القيادة والحركة من خلال المعركة ونسيان الأصل الذي قامت عليه الجماعة هو انحراف في الفهم الإسلامي ولا شك. ولئن كانت هذه المرحلة بعد صلح الحديبية هي مرحلة الانطلاق السياسية والدعوية وكانت معركة خيبر ظاهرة خاصة في قلب هذه الأحداث لكنها بقيت تحمل طابع الدعوة إلى الله مع اليهود الذين حاربوا هذه الدعوة منذ مهدها وحاربوا سيد الدعاة محمد - ﷺ - منذ ولادته.
١٢ - ولا ننسى في النهاية دور المرأة المسلمة وقد شاركت في خيبر في أكبر تجمع نسوي بلغ عدده عشرين امرأة، ورضخ رسول الله - ﷺ - لهن من الفيء وتبقى هذه الذكرى حتى لا ننسى دور المرأة المسلمة في الصف الإسلامي بجوار الرجل. فإذا كان لها دور في المعركة فمن باب أولى أن يكون لها الدور في الدعوة إلى الله. والمرأة نهبة لدعاة الشر في الأرض يريدون لها أن تهدم فتهدم الأسرة معها. وبالتالي يهدم المجتمع كله. ولعل القلادة التي أهداها النبي - ﷺ - للفتاة الغفارية تعدل كثيرا من غلوائنا ونحن نتعامل مع النساء وذلك كما روى ابن إسحاق عن امرأة من بني غفار قالت: أتيت رسول الله - ﷺ - في نسوة من بني غفار، فقلنا: يا رسول الله، قد أردنا أن نخرج معك إلى وجهك هذا وهو يسير إلى خيبر، فنداوي الجرحى ونعين المسلمين بما استطعنا، فقال:
_________________
(١) صحيح البخاري ٢/ ٥٠٥.
[ ٣ / ٨٢ ]
على بركة الله. قالت: فخرجنا معه، وكنت جارية حدثة، فأردفني رسول الله - ﷺ - على حقيبة رحله، قالت: فوالله لنزل رسول الله - ﷺ - إلى الصبح وأناخ ونزلت عن حقيبة رحله وإذا بها دم مني، وكانت أول حيضة حضتها قالت فتقبضت إلى الناقة واستحييت، فلما رأى رسول الله - ﷺ - ما بي ورأى الدم قال: ما لك لعلك نفست، قالت قلت: نعم قال: فأصلحي من نفسك، ثم خذي إناء من ماء فاطرحي فيه ملحا، ثم اغسلي به ما أصاب الحقيبة من دم ثم عودي لمركبك، فلما فتح رسول الله - ﷺ - خيبر رضخ لنا من الفيء هذه القلادة التي ترين في عنفي فأعطانيها، وعلقها بيده في عنقي، فوالله لا تفارقني أبدا) (٢).
_________________
(١) السيرة لابن هشام ج٣: ٣٤٢.
[ ٣ / ٨٣ ]
السمة العاشرة:
قيادات العدو تنضم إلى الإسلام
إسلام عمرو بن العاص: قال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن أبي حبيب عن راشد مولى حبيب بن أبي أوس الثقفي، عن حبيب بن أبي أوس الثقفي قال: حدثني عمرو بن العاص من فيه قال:
لما انصرفنا مع الأحزاب عن الخندق. جمعت رجالا من قريش كانوا يرون رأيي، ويسمعون مني، فقلت لهم: تعلمون والله أني أرى أمر محمد يعلو الأمور علوا منكرا، وإني قد رأيت أمرا فما ترون فيه؟ قالوا: وماذا رأيت؟ قال: رأيت أن نلحق بالنجاشي فنكون عنده، فإن ظهر محمد على قومنا كنا عند النجاشي فإنا أن نكون تحت يديه أحب إلينا من أن نكون تحت يدي محمد. وإن ظهر قومنا فنحن من قد عرفوا، فلن يأتينا منهم إلا خير، قالوا: إن هذا الرأي قلت: فاجعوا له ما نهديه له. وكان أحب ما يهدى إليه من أرضنا الأدم، فجمعنا له أدما كثيرا ثم خرجنا حتى قدمنا عليه.
فوالله إنا لعنده إذ جاءه عمرو بن أمية الضمري وكان رسول الله قد بعثه إليه في شأن جعفر وأصحابه قال: فدخل عليه ثم خرج من عنده. قلت لأصحابي هذا عمرو بن أمية الضمري لو قد دخلت على النجاشي وسألته إياه فأعطانيه، فضربت عنقه، فإذا فعلت ذلك، رأت قريش أني قد أجزأت عنها حين قتلت رسول محمد. قال: فدخلت عليه فسجدت له كما كنت أصنع، فقال: مرحا بصديقي، أهديت إلي من بلادك شيئا؟ قلت: نعم. أيها الملك قد أهديت إليك أدما كثيرا، قال: ثم قربته إليه، فأعجبه واشتهاه، ثم قلت له: أيها الملك، إني قد رأيت رجلا خرج من عندك، وهو رسول رجل عدو لنا، فأعطنيه لأقتله، فإنه تد أصاب من أشرافنا وخيارنا، قال: فغضب، ثم مد يده فضرب بها أنفه ضربة ظننت أنه قد كسره فلو انشقت لي الأرض لدخلت فيها فرقا منه، ثم قلت له: أيها الملك، والله لو ظننت أنك تكره هذا ما سألتكه، قال: أتسألني أن أعطيك رسول رجل يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى لتقتله! قلت: أيها الملك، أكذاك هو؟ قال: ويحك يا عمرو، أطعني واتبعه، فإنه والله لعلى الحق، وليظهرن على من خالفه كما ظهر موسى على فرعون وجنوده، قلت: أفتبايعني له على الإسلام؟ قال: نعم. فبسط يده فبايعته على الإسلام، ثم خرجت إلى أصحابي وقد حال رأيي عما كان عليه، وكتمت أصحابي إسلامي (١)
_________________
(١) السيرة النبوية لابن هشام ج ٣ ص ٢٨٩.
[ ٣ / ٨٤ ]
إسلام خالد بن الوليد (قال الواقدي: حدثني يحيى بن المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال: سمعت أبي يحدث عن خالد بن الوليد قال: لما أراد الله بي ما أراد من الخير قذف في قلبي الإسلام وحضرني رشدي فقلت قد شهدت هذه المواطن كلها على محمد - ﷺ - فليس في موطن أشهده إلا انصرف، وأنا أرى في نفسي أني موضع في غير شيء، وأن محمدا سيظهر، فلما خرج رسول الله - ﷺ - إلى الحديبية خرجت في خيل من المشركين، فلقيت رسول الله - ﷺ - في أصحابه بعسفان. فقمت بإزائه، وتعرضت له، فصلى بأصحابه الظهر أمامنا فهممنا أن نغير عليهم ثم لم يعزم لنا. وكانت فيه خيرة، فاطلع على ما في أنفسنا من الهم به فصلى بأصحابه صلاة العصر صلاة الخوف، فوقع ذلك منا موقعا، وقلت: الرجل ممنوع فاعتزلنا، وعدل عن سير خيلنا وأخذ ذات اليمين فلما صالح قريشا بالحديبية ودافعته قريش بالرواح، قلت في نفسي: أي شيء بقي؟ أين أذهب إلى النجاشي! فقد اتبع محمدا وأصحابه عنده آمنون، فأخرج إلى هرقل فأخرج من ديني إلى نصرانية أو يهودية. فأقيم في عجم، فأقيم في داري بمن بقي، فأنا في ذلك إذ دخل رسول الله - ﷺ - مكة في عمرة القضاء فتغيبت ولم أشهد دخوله وكان أخي الوليد بن الوليد قد دخل مع النبي في عمرة القضاء فطلبني فلم يجدني فكتب إلي كتابا فإذا فيه:
بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد، فإني لم أر أعجب من ذهاب رأيك عن الإسلام وعقلك عقلك! ومثل الإسلام جهله أحد؟ وقد سألني رسول الله - ﷺ - عنك، وقال: أين خالد. فقلت يأتي الله به فقال مثله يجهل الإسلام؟ ولو جعل نكايته وجده مع المسلمين كان خيرا له، ولقدمناه على غيره فاستدرك يا أخي ما قد فاتك من مواطن صالحة.
قال: فلما جاءني كتابه نشطت للخروج وزادني رغبة في الإسلام وسرني سؤال رسول الله - ﷺ - عني، وأرى في النوم كأني في بلاد ضيقة مجدبة. فخرجت في بلاد خضراء واسعة فقلت: إن هذه لرؤيا، فلما أن قدمت المدينة قلت: لأذكرنها لأبي بكر، فقال: مخرجك الذي هداك الله للإسلام والضيق الذي كنت فيه من الشرك. فلما أجمعت الخروج إلى رسول الله - ﷺ - قلت: من أصاحب إلى رسول الله؟ فلقيت صفوان بن أمية فقلت: يا أبا وهب أما ترى ما نحن فيه إنما نحن كأضراس، وقد ظهر محمد على العرب والعجم فلو قدمنا على محمد واتبعناه، فإن شرف محمد لنا شرف؟ فأبى أشد الإباء فقال: لو لم يبق غيري ما اتبعته أبدأ. فافترقنا، وقلت: هذا رجل قتل أخوه وأبوه ببدر فلقيت عكرمة بن أبي جهل، فقلت له مثل ما قلت لصفوان بن أمية فقال لي مثل ما قال صفوان، قلت فاكتم عني. قال: لا أذكره. فخرجت إلى منزلي فأمرت براحلتي، فخرجت بها إلى أن لقيت عثمان بن طلحة. فقلت: إن هذا لي صديق. فلو ذكرت له ما أرجو، ثم ذكرت من قتل من آبائه فكرهت أن أذكره ثم قلت: وما علي وأنا راحل من ساعتي فذكرت له ما صار الأمر إليه فقلت
[ ٣ / ٨٥ ]
: إنما نحن بمنزلة ثعلب في حجر لو صب فيه ذنوب من ماء لخرج وقلت له نحوا مما قلت لصاحبي، فأسرع الإجابة، وقلت له: إني غدوت اليوم. وأنا أريد أن أغدو وهذه راحلتي بفج مناخة، قال: فاتعدت أنا وهو بيأجج إن سبقني أقام وإن سبقته أقمت عليه، فأدلجنا سحرا، فلم يطلع الفجر حتى التقينا بيأجج، فغدونا حتى انتهينا إلى الهدة فنجد عمرو بن العاص بها قال: مرحبا بالقوم فقلنا وبك. قال: إلى أين مسيركم؟ فقلنا: وما أخرجك؟ فقال: وما أخرجكم؟ قلنا: الدخول في الإسلام، واتباع محمد - ﷺ - قال: وذاك الذي أقدمني فاصطحبنا جميعا حتى دخلنا المدينة فأنخنا بظهر الحرة ركابنا فأخبر بنا رسول الله - ﷺ - فسر بنا فلبست من صالح ثيابي ثم عمدت إلى رسول الله - ﷺ - فلقيني أخي: فقال: أسرع فإن رسول الله - ﷺ - قد أخبر بك فسر بقدومك وهو ينتظركم، فأسرعنا المشي فاطلعت عليه فما زال يبتسم حتى وقفت عليه فسلمت عليه بالنبوة، فرد علي السلام بوجه طلق، فقلت: إني أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله فقال: تعال. ثم قال: الحمد لله الذي هداك قد كنت أرى لك عقلا رجوت أن لا يسلمك إلا إلى خير. قلت: يا رسول الله: إني قد رأيت ما كنت أشهد عليك من المواطن معاندا للحق، فادعو الله أن يغفرها لي، فقال رسول الله - ﷺ -: الإسلام يجب ما كان قبله. قلت: يا رسول الله على ذلك قال: اللهم اغفر لخالد بن الوليد كل ما أوضع فيه من صد عن سبيل الله قال خالد: وتقدم عثمان وعمرو فبايعا رسول الله - ﷺ -، قال: وكان قدومنا في صفر سنة ثمان قال: والله ما كان رسول الله - ﷺ - يعدل بي أحدا من أصحابه فيما حزبه (١».
كانت غزوة خيبر قد انتهت وحطمت ما بقي في نفسية مكة من مقاومة. فقد سقط حليف ضخم لها في المنطقة، كانت تأمل أن ينهي على محمد إن فاتها هي ذلك. وحتى غطفان، فقد قام محمد - ﷺ - بغزوات لها في عقر دارها، خلال هذه المرحلة، وكان عمرو بن العاص بعيد النظرة، حين حكم بعد الخندق بانتهاء قريش كقوة عسكرية بعد أن جيشت الجيوش وقادت عشرة آلاف مقاتل لتستأصل شأفة محمد في المدينة، ورجعت تجرجر أذيال الخيبة. فقد انتهى عمرو بن العاص ﵁ كقائد حربي في مكة منذ الخندق، كما حدثنا عن ذلك، وصمم أن يغادر مكة إلى الحبشة لاجئا سياسيا يعيش عند صديقه النجاشي، تاركا الأمور في أعنتها حيث لا جدوى من المقاومة.
وكان الغزو النفسي لخالد ﵁ إبان صلح الحديبية حين صلى رسول صلاة الحوف في الوقت الذي هم فيه خالد بغزوه وأقسم أن الرجل ممنوع. وتلقى عمرو بن العاص هزيمته الأخيرة بين يدي النجاشي حيث تمنى لو أن الأرض ابتلعته فرقا من النجاشي. ورواية الواقدي تقول إن النجاشي لم يضرب أنفه إنما ضرب أنف عمرو وتناثر الدم
_________________
(١) البداية والنهاية لابن كثير ج ٤ ص ٢٤٠ ط ٣ مكتبة المعارف ١٩٨٠.
[ ٣ / ٨٦ ]
منه. وكانت تلك الهزة الوجدانية التي لامست عمرو فهزته من مفرق رأسه إلى أخمص قدميه. ولم تنته إلا ببيعة عمرو للنجاشي على الإسلام في ذات اللحظة التي كان يود أن يضرب عنق عمرو بن أمية الضمري لو سلمه النجاشي إليه فلقد كانت الهزة من العمق والضخامة بحيث كسرت أثقال الجاهلية وأغلالها وفتحت عينيه على الإسلام. وكانت الضربة العنيفة هي التي أعادته إلى رشده، وقرر أن يرحل من ظلمات الجاهلية إلى نور الإسلام.
بينما كانت الهزة الضخمة التي زلزلت كيان خالد بن الوليد ﵁ تلك الرسالة الصغيرة المعدودة الكلمات. وقد غيرت كل مخططات حياته. فلقد غادر خالد مكة والغيظ والحقد يأكل قلبه أن يدخل محمد مكة. بعد سبع سنوات من المقاومة دون أن يقف في وجهه أحد بل بإقرار قريش واعترافها ولا شيء على القائد العسكري أشد مرارة من الهزيمة. وأن يرى بأم عينيه خصمه مظفرا منتصرا، ومن أجل ذلك غادر مكة عند دخول رسول الله - ﷺ - لها، بل فكر أكثر من ذلك بأن يفعل ما فعله عمرو وصحبه. أن يمضي إلى النجاشي أو كسرى أو قيصر. غير أنه وجد الذل واحدا وليس له من الصداقة عند النجاشي ما لصاحبه عمرو وسيكون نكرة في أي مكان يمضي إليه حتى ولولم يكن نكرة مجهولة. فأي معنى أن يضع إمكاناته وعبقريته لينصر فرسا على روم أو روما على فرس. ومن أجل هذا ضاقت الدنيا في عينيه، وهو يعرف في أعماقه أن موقعه الحقيقي في مكة.
وجاءت هذه الرسالة. لتعيد تركيبه من جديد. فلقد قدم مكة وخف الضغط على أعصابه أن محمدا - ﷺ - قد غادر مكة. ولم يكن غصة في حلقة أن يراه وهو يطوف حرول الكعبة ويستلم الركن. ويرى من حوله أتباعه من كل مكان يسرحون ويمرحون في بلده. وكانت رسالة أخيه عند والدته. وفض الرسالة، ولم يأبه في بادىء الأمر إلى دعوة أخيه له للإسلام فهو لا يقيم هذا الوزن لرأي أخيه وطالما ساهم في حبسه ومنعه عن المسير إلى المدينة لكن الذي شده، وشد نظره أن يكون محمد رسول الله قد مال عنه: وكاد يلتهم الكلمة التهاما ليرى طبيعة السؤال ويرى دوافعه رأي محمد فيه، وعلى الغالب أنه لم يخطر على باله دافعا للسؤال عنه من محمد - ﷺ - إلا الرغبة في إذلاله وإشعاره بالهزيمة والاستخفاف بهؤلاء المعاندين، لكن المفاجأة الضخمة التي هزت أعماقه هي هذه الكلمات العادية في الصحيفة الهائلة في التأثير والمعنى. (فقلت: يأت الله به. قال: مثله جهل الإسلام؟ ولو كان جعل نكايته وجده مع المسلمين لكان خيرا له ولقدمناه على غيره).
فإذن ليس هو أمام قائد متعجرف أذل كبرياءه أو حتى غاضب ثأر لحروب ضخمة سابقة أو حتى عاتب لائم على مواقف معاندة مكابرة، ليس أمام هذا كله. إنه أمام إنسان لا مثيل له في البشر. إنه أمام رسول الله - ﷺ -، وأعاد القراءة الثانية وما يكاد يصدق عقله، ولو كان جعل نكايته وجده مع المسلمين لكان خيرا له ولقد مناه على غيره، إذن فقد وجد ضالته، ورأى موقعه، تحت
[ ٣ / ٨٧ ]
راية محمد - ﷺ - وفي الموقع المناسب والمركز الملائم. إذن ففيم يقف؟ وماذا ينتظر؟
لقد حققت هذه الكلمات القلائل تلك النقلة الهائلة لخالد بن الوليد ﵁ من الجاهلية إلى الإسلام. وكانت في ضخامة تأثيرها أشد بكثير من لطمة النجاشي. فلقد بقي عمرو ابن العاص ﵁ شهورا طوالا قبل أن يعزم عزمته الأخيرة على المسير إلى المدينة أما خالد بن الوليد، فقد كان التحول الضخم عنده ليهيء متاعه دون توان ويمضي إلى محمد - ﷺ -، وإن كان له من شبه في الأثر ففى تلك الضربة العمرية لختنه سعيد بن زيد ولأخته وفي تلاوته لصدر سورة طه تلك الكلمات مست أعماق عمر ومضى إلى دار الأرقم مؤمنا منيبا بعد أن غدا قاتلا. وهذه الكلمات اليوم حولت خالد بن الوليد من حاقد ناقم إلى مؤمن ملتزم.
ولم تستطع معارك عشرين عاما وحوار عشرين عاما أن يفعل فعله في خالد بن الوليد ﵁ كما فعلت تلك الكلمات في أعماق خالد، وهو يرى الأرض قد ضاقت عليه ويبحث عن الموقع الذي يضع قدميه فيه. فجاءته الرسالة لتقول له: تعال: هذا هو موقعك. وحلت أكبر عقدة نفسية عنده.
ومضى ليستلقي قليلا فيرى الرؤيا التي تتناسب وهذا الوضع النفسي الجديد الذي خرج من صحراء قاحلة مجدبة إلى أرض خضراء ممرعة.
والدعاة إلى الله اليوم بحاجة إلى وقفة طويلة مع هاتين القضيتين. قضية إسلام خالد، وإسلام عمرو فأعماق الحادثتين أكبر من الحدث الآني وهو دعوة ملحة لهؤلاء الدعاة أن يتعاملوا مع نفوس الناس. وأخص بالذكر الخصوم وقيادات الخصوم، ليحولوا تلك النفوس إلى الإسلام.
وليكن أعظم أهدافهم هو جعل طاقات وعبقريات هؤلاء الخصوم تنصب في معين الإسلام وتذود عنه. تماما كما قال ﵊ (ولو كان جعل جده ونكايته مع المسلمين ..) وليكن لدى الدعاة من سعة الصدر أن يقولوا لخصومهم ما قاله ﵊ لأكبر أعداء الإسلام ذات يوم لخالد بن الوليد (ولقدمناه على غيره).
أن تنتصر الحركة الإسلامية في معركة حربية. فتجندل بعض القيادات قتل ويلوذ بعض القواد بالفرار ثم يتأجج الحقد والرغبة في الثأر في معركة جديدة شيء عظيم لكن الأعظم منه بلا شك أن تنتصر الحركة الإسلامية في معركة النفوس الكبرى وفي حلبة الصراع العظمى بين الجاهلية والإسلام فتفتح هذه القيادات صدورها للإسلام وتنضوي تحت لوائه هو النصر الأكبر ولا شك. ومن أجل ذلك كان الفتح المبين في الحديبية. حيث أزيح السيف من الطريق، وفتحت معركة العقيدة وسرعان ما انتصرت العقيدة في النفوس، ومن أجل ذلك كان نصر الله والفتح ليس في هزيمة الجيش المكي الهزيمة المنكرة وعدد القتل والجرحى فيه. إنما كان في دخول الناس في
[ ٣ / ٨٨ ]
دين الله أفواجا ﴿إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا﴾.
النصر الحقيقي هو أن تدخل قادة العدو في الإسلام لا أن تهزمهم في معركة من معارك الإسلام. ويبقى هذا الهدف هو الأعلى.
نفس تحييها خير من إمارة لا تحصيها، لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم.
لكن فن الدعوة لا بد أن يلامس تلك النفوس لمسا حادا، وينفذ إلى أعماقها نفوذا حكيما بحيث يكون هو المصير للمدعو ولا مصير غيره هو الحل ولا حل غيره.
أما إذا شعر العدو أو الخصم أن الإسلام هو الذي يذل، ويحطم مصالحه. فسيبقى في إطار العداء لله على الدوام.
ومن إسلام خالد إلى خطواته في الدعوة بعد لحظات إلى رفاق دربه صفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل وعثمان بن طلحة.
وحين شرح الله صدر خالد للإسلام صار على التو داعية إلى الله وتذكر أحب الناس إليه هؤلاء الثلاثة وراح يعرض عليهم الإسلام فطووا عنه كشحا، فلم تنلهم هزة خالد، ولم يشرح الله صدورهم بعد غير أن إقدامه على دعوتهم ليعطي دلالة واصحة على صخامة هذه الهزة فلقد كان بإمكانه أن يكتم خبره ويمضي وحده إذا كان هذا الإيمان ذاتيا من جهة، وباردا من جهة ثانية، لكن حرارته وصدقه، هما اللذان دفعاه إلى عرض هذا الدين على رفاق الدرب معه بل أصبح يدرك ببصيرة المؤمن، أن عناد هؤلاء الرفاق مرتبط بنزعات جاهلية عميقة ولما يمر عليه في الإسلام ساعات بعد. إذ أن مقتل آبائهم وإخوانهم هو الذي يعمي بصرهم عن الحقيقة ولن يدرك الحقيقة موتور ثائر إنما يدركها مخلص. بعيد عن الهوى والغرض.
ولعلنا قبل أن ننتقل مع القادة الثلاثة إلى المدينة نستمع لعمرو ﵁ ينقل لنا طرفا من الحديث من خلال رواية البيهقي عن الواقدي:
( فغضب من ذلك ورفع يده فضرب بها أنفي ضربة ظننت أنه كسره، فأبتدر منخراي فجعلت أتلقى الدم بثيابي، فأصابني من الذل ما لو انشقت بي الأرض دخلت فيها فرقا منه ثم قلت: أيها الملك لو ظننت أنك تكره ما قلت ما سألتك. قال فاستحيا، وقال يا عمرو تسألني أن أعطيك رسول من يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى، والذي كان يأتي عيسى لتقتله؟ قال عمرو: فغير الله قلبي عما كنت عليه، وقلت في نفسي، عرف هذا الحق العرب والعجم
[ ٣ / ٨٩ ]
وتخالف أنت .. ثم دعا بطست، فغسل عني الدم وكساني ثيابا وكانت ثيابي قد إمتلأت بالدم فألقيتها ثم خرجت على أصحابي فلما رأوا كسوة النجاشي سروا بذلك. وقالوا هل أدركت من صاحبك ما أردت؟ فقلت لهم: كرهت أن أكلمه في أول مرة. وقلت أعود إليه. فقالوا: الرأي ما رأيت. قال ففارقتهم وكأني أعمد إلى حاجة فعمدت إلى موضع السفن. فأجد سفينة قد شحنت تدفع قال: فركبت معهم ودفعوها حتى انتهوا إلى الشعبة، وخرجت من السفينة ومعي نفقة: فابتعت بعيرا وخرجت أريد المدينة حتى مررت على مر الظهران ثم مضيت حتى إذا كنت بالهوة فإذا رجلان قد سبقاني بغير كثير يريدان منزلا وأحدهما داخل في الخيمة والآخر يمسك الراحلتين، فنظرت فإذا خالد بن الوليد: قال: قلت: أين تريد؟ قال: محمدا. دخل الناس في الإسلام فلم يبق أحد به طعم، والله لو أقمت لأخذ برقابنا كما يؤخذ برقبة الضبع في مغارتها، قلت: أنا والله قد أردت محمدا وأردت الإسلام فخرج عثمان بن طلحة فرحب بي فنزلنا جميعا في المنزل ثم اتفقنا حتى أتينا المدينة فلما أنسى قول رجل لقيناه ببئر أبي عتبة يصيح: يا رباح يا رباح يا رباح فتفاءلنا بقوله وسرنا، ثم نظر إلينا فأسمعه يقول: أعطت مكة المقادة بعد هذين وظننت أنه يعنيني ويعني خالد بن الوليد، وولى إلى المسجد سريعا فظننت أنه بشر رسول الله - ﷺ - بقدومنا فكان كما ظننت، وأنخنا بالحرة فلبسنا من صالح ثيابنا ثم نودي بالعصر فانطلقنا على أظلعنا عليه، وإن لوجهه تهللا والمسلمون حوله قد سروا بإسلامنا فتقدم خالد بن الوليد فبايع، ثم تقدم عثمان بن طلحة فبايع، ثم تقدمت فوالله ما هو إلا أن جلست بين يديه فما استطعت أن أرفبع طرفي حياء منه فبايعته على أن يغفر لي ما تقدم من ذنبي ولم يحضرني ما تأخر فقال إن الإسلام يجب ما كان قبله والهجرة تجب ما كان قبلها قال: فوالله ما عدل بي رسول الله - ﷺ - وبخالد بن الوليد أحدا من أصحابه في أمر حزبه منذ أن أسلمنا. ولقد كنا عند أبي بكر بتلك المنزلة، ولقد كنت عند عمر بتلك المنزلة وكان عمر على خالد كالعاتب.
ولقد عرضنا هذه الرواية الثانية التي تعطي إيضاحات أكثر على إسلام عمرو ﵁. وتلقي أضواء على طبيعة شخصيته. فعمرو داهية العراب وقد بايع النجاشي على الإسلام لم يكن من سمته ولا من طبعه أن يطرح ما في نفسه على صحبه كما فعل خالد ﵁. بل كتم الأمر عنهم وأوهمهم بكسوة النجاشي أنه لا يزال على عهده واستحيا طلب رسول محمد - ﷺ - لهذه الهدية، واتنسل عن صحبه يبحث عن سفينة تقوده إلى يثرب.
وتبرز طبيعة شخصيته ثانيا حين التقى مع خالد ولم يظهر مقدمه للإسلام حتى اطمأن إلى خالد أنه ماض إلى المدينة ليسلم. فشخصيته التي تقوم على أساس الحذر والحيطة المناسبتين لطبيعة الداهية تقتضي منه هذه المواقف.
والملاحظ أن عرض عمرو ﵁ لإسلامه وإسلام خالد بين يدي الرسول - ﷺ - لا
[ ٣ / ٩٠ ]
يختلف في المضمون لكن نرى في بعض الجزئيات إشارات لمعنى ضخم في طبيعة الدعاة فخالد ﵁ يرى ابتسام رسول الله - ﷺ - له منذ لقياه. وأنه ينظر به وعمرو ﵁ يرى تهلل وجه رسول الله - ﷺ - منذ أن رآهما.
وخالد يقول: إن رسول الله - ﷺ - لم يعدل به أحد إذا حز به أمر، وعمرو ﵁ يقول: إن رسول الله - ﷺ - لم يعدل بهما أحد إذا حز به أمر وهذه الإشارات تدل على عظمة هذا النبي سيد ولد آدم. فكل صحابي كان يشعر أنه أحب الناس إلى رسول الله - ﷺ - وأنه موطن ثقته. وحده من دون الناس، وهكذا كان عمرو وخالد يشعران أنهما قد احتلا الموقع المناسب وأن كفاءتهما العسكرية والسياسة لم تذهب هدرا أو عبثا. بل كان لهما محل القيادة والريادة بين المسلمين رغم حداثة دخولهما في الإسلام.
ويبقى المعنى الأعمق والأشمل بإسلام هذه القيادات وأثر هذا الإسلام على المعسكر المكي الذي بدأ ينهار إثر هذه الضربة القاضية حتى أبو سفيان القائد العام شهد بأم عينه عند هرقل ما قاله قيصر في حق النبي - ﷺ - وكانت بداية الغزو النفسي له. لقد أهدت مكة إلى المعسكر الإسلامي ثلاثة أبطال من أبطالها وكل بطل ركن في عشيرته فخالد سيد بني مخزوم وعمرو سيد بني سهم، وعثمان سيد بني عبد الدار وصدق فيهم قول رسول اللهق - ﷺ - لقد رمتكم مكة بأفلاذ أكبادها، فهم قرة عين مكة، وقادتها الكبار ينضمون إلى معسكر النبوة.
ولإسلام عثمان بن طلحة أثر فوق هذه الآثار جميعا هو أن مفتاح الكعبة معه، فبنو عبد الدار عندهم حجابة الكعبة، وعثمان بن طلحة قد انتهت إليه هذه المأثرة. وهذا الأمر يهد قريشا هدا فهي تفاخر العرب بالبيت الحرام وأنها حاميته والذائدة عنه فإذا كان حامل مفتاح الكعبة قد غدا جنديا في جيش محمد - ﷺ - فلقد انتهت ادعاءاتها في الحامية وصار عثمان بن طلحة المسلم صاحب الحجابة هو المسؤول أمام العرب عن حجابة الكعبة ورعاية البيت الحرام كما أن بني هاشم قد انتهت عندهم السقاية والرفادة وليس موقف العباس بتأييده المطلق الواضح لمحمد - ﷺ - بخاف عن أحد، وقد رأينا نموذجا من هذا التأييد المطلق في خيبر، حيث لبس حلته وتخلق بطيب، ومضى يطوف حول الكبة ابتهاجا بنصر ابن أخيه محمد ﵊.
وتبدو صورة هذه المعاني في وقتنا الحاضر حين ينضم الى الحركة الإسلامية من كان يمثل موقعا مهما في المجتمع الجاهلي، كأن يكون سفيرا أو وزيرا أو ضابطا قائدا فكم يكون لمثل هذا الانضمام من أثر على قوة الحركة الإسلامية، وضربة نجلاء في صميم المجتمع الآخر. وحق لهذا العرض أن يكون سمة واضحة في هذه المرحلة من تاريخ الدعوة.
[ ٣ / ٩١ ]
السمة الحادية عشرة: الصدام الأول مع الروم - مؤته
قال ابن إسحاق: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير قال:
بعث رسول الله - ﷺ - بعثة إلى مؤته في جمادى الأولى سنة ثمان واستعمل عليهم زيد بن حارثة وقال: إن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة على الناس، فتجهز الناس ثم تهيؤوا للخروج. وهم ثلاثة آلاف. فلما حضر خروجهم ودع الناس أمراء رسول الله - ﷺ - وسلموا عليهم. فلما ودع عبد الله بن رواحة من ودع من أمراء رسول الله - ﷺ - بكى. فقالوا: ما يبكيك يا ابن رواحة؟ فقال: أما والله ما بي حب الدنيا ولا صبابة بكم. ولكني سمعت رسول الله يقرأ آية من كتاب الله ﷿ يذكر فيها النار ﴿وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا﴾. فلست أدري كيف لي بالصدر بعد الورود فقال المسلمون: صحبكم الله وردكم إلينا صالحين. فقال عبد الله بن رواحة:
لكنني أسأل الرحمن مغفرة وضربة ذات قرع تقذف الزبدا
أو طعنة بيدي حران مجهزة بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا
حتى يقال إذا مروا على جدثي أرشده الله من غاز وقد رشدا
ثم إن القوم تهيؤوا للخروج فأتى عبد الله بن رواحة رسول الله - ﷺ - فودعه ثم قال: فثبت الله ما آتاك من حسن تثبيت موسى ونصرا كالذي نصروا
إني تفرست فيك الخبر نافلة الله يعلم أني ثابت البصر
أنت الرسول فمن يحرم نوافله والوجه منه فقد أزرى به القدر (١)
وشيعهم رسول الله - ﷺ - إلى ثنية الوداع، ثم وقف وهم حوله وقال: أوصيكم بتقوى الله وبمن معكم من المسلمين خيرا اغزوا في سبيل الله فقاتلوا من كفر الله لا تغدروا ولا تغلوا ولا تقتلوا وليدا وإذا لقيت عدوك من المشركين، فادعهم إلى إحدى ثلاث. فأيتهن ما أجابوك إليها فاقبل منهم واكفف عنهم. ادعهم إلى الدخول في الإسلام فإن فعلوا فاقبل منهم واكفف عنهم ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين فإن فعلوا فأخبرهم أن لهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين، وإن دخلوا في الإسلام واختاروا دارهم. فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله ولا يكون لهم في الفيء ولا في الغنيمة شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية فإن فعلوا فاقبل منهم واكفف عنهم، فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم.
_________________
(١) السيرة لابن إسحاق ج ٣ ص ٣٧٣، ٣٧٤.
[ ٣ / ٩٢ ]
وإن أنت حاصرت أهل حصن أو مدينة فأرادوك أن تستنزلهم على حكم الله فلا تستنزلهم على حكم الله ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا؟ وإن حاصرت أهل حصن أو مدينة فأرادوك على أن تجعل لهم ذمة الله وذمة رسوله. ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أبيك وذمة أصحابك، فإنكم إن تخفروا ذمتكم وذمة آبائكم خير لكم من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله. وستجدون رجالا في الصوامع معتزلين الناس فلا تتعرضوا لهم؛ وستجدون آخرين في رؤوسهم مفاحص (١) فاقلعوها بالسيوف. لا تقتلن إمرأة ولا صغيرا ولا كبيرا فانيا، ولا تغرقن نخلا ولا تقلعن شجرا ولا تهدموا بيتا (٢).
قال ابن إسحاق: ثم خرج القوم وخرج رسول الله - ﷺ - حتى إذا ودعهم وانصرف عنهم قال:
خلف السلام على امرىء ودعته في النخل خير مشجع وخليل
ثم مضوا حتى نزلوا معان فبلع الناس أن هرقل قد نزل مآب من أرض البلقاء في مائة ألف من الروم. وانضم إليهم من لخم وجذام والقين وبهراء وبلى مائة ألف منهم، عليهم رجل من بلى ثم أحد إراشة يقال له مالك بن زافلة فلما بلغ ذلك المسلمين أقاموا على معان ليلتين يفكرون في أمرهم وقالوا: نكتب إلى رسول الله - ﷺ - فنخبره بعدد عدونا، فإما أن يمدنا بالرجال، وإما أن يأمرنا بأمره. فنمضي له. فشجع الناس عبد الله بن رواحة وقال: يا قوم، والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به. فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين إما ظهور وإما شهادة. قال: فقال الناس: قد صدق والله ابن رواحة، فمضى الناس فقال عبد الله بن رواحة في حبسهم ذلك شعرا. ثم مضى الناس. حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء لقيتهم جموع هرقل من الروم والعرب بقرية من قرى البلقاء يقال لها مشارف ثم دنا العدو، وانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها مؤتة، فالتقى الناس عندها، فتعبأ لهم المسلمون، فجعلوا على ميمنتهم رجلا من بني عذرة يقال له: قطبة بن قتادة. وعلى مسيرتهم رجلا من الأنصار يقال له عباية بن مالك. ثم التقى الناس واقتتلوا. فقاتل زيد بن حارثة براية رسول الله - ﷺ - حتى شاط (٣) في رماح القوم. ثم أخذها جعفر فقاتل بها حتى إذا ألحمه (٤) القتال اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها، ثم قاتل القوم حتى قتل، فكان جعفر أول
_________________
(١) المفحص: حيث تجثم القطا وتفرخ، والمقصود عشعشة الشيطان بالفي.
(٢) إمتاع الأسماع ج ١ ص ٣٤٥، ٣٤٦.
(٣) شاط الرجل: إذا سال دمعه فهلك.
(٤) ألحمه القتال: نشب فيه فلم يجد مخلصا.
[ ٣ / ٩٣ ]
رجلا من المسلمين عقر (١) في الإسلام.
وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عباد قال: حدثني أبي الذي أرضعني، وكان أحد بني مرة بن عوف. وكان في تلك الغزوة غزوة مؤته قال: والله لكأني أنظر إلى جعفر حين اقتحم عن فرس له شقراء. ثم عقرها ثم قاتل حتى قتل وهو يقول:
يا حبذا الجنة واقترابها طيبة وبارد شرابها
والروم روم قد دنا عذابها كافرة بعيدة أنسابها
عليَّ إذ لاقيتها ضرابها
قال ابن هشام: وحدثني من أثق به من أهل العلم: إن جعفر بن أبي طالب أخذ اللواء بيمينه فقطعت، فأخذه بشماله فقطعت، فاحتضنه بعضديه حتى قتل ﵁ وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، فأثابه الله جناحين في الجنة يطير بهما حيث يشاء. ويقال: إن رجلا من الروم ضربه يومئذ ضربة فقطعه نصفين.
قال ابن إسحاق: (وبالسند السابق):
فلما قتل أخذ الراية عبد الله بن رواحة، ثم تقدم بها، وهو على فرس فجعل يستنزل نفسه ويتردد بعض التردد، ثم قال:
أقسمت يا نفس لتنزلنه لتنزلن أو لتكرهنه
أن أجلب الناس (٢) وشدوا الرنة (٣) ما لي أراك تكرهين الجنة
قد طال ما قد كنت مطمئنة هل أنت إلا نطفة من شنة (٤)
وقال أيضا:
يا نفس إلا تقتلي تموتي هذا حمام الموت قد لقيت
وما تمنيت فقد أعطيت إن تفعلي فعلهما هديت
يريد صاحبيه زيدا وجعفرا، ثم نزل، فلما نزل أتاه ابن عم له بعرق (٥) من لحم فقال: شد بهذا صلبك، فإنك قد لقيت في أيامك هذه ما لقيت، فأخذه من يده ثم انتهس (٦) منه نهسة، ثم سمع الحطمة (٧) في ناحية الناس، فقال: وأنت في الدنيا! ثم ألقاه من يده ثم أخد سيفه فتقدم.
_________________
(١) عقرها: ضرب قوائمها وهي قائمة بالسيف.
(٢) أجلب الناس: صاحوا واجتمعوا.
(٣) الرنة: صوت ترجيع شبيه بالبكاء.
(٤) الشنة: السقاء البالي.
(٥) العرق: العظم الذي عليه بعض اللحم.
(٦) انتهس: أخذ منه بفمه يسيرا.
(٧) الحطمة: صوت ازدحام الناس وحطم بعضهم بعضا.
[ ٣ / ٩٤ ]
فقاتل حتى قتل.
ثم أخذ الراية ثابت بن أقرم أخو بني العجلان فقال: يا معشر المسلمين اصطلحوا على رجل منكم. قالوا: أنت، قال: ما أنا بفاعل، فاصطلح الناس على خالد بن الوليد. فلما أخذ الراية دافع القوم وحاشى بهم (١)، ثم انحاز وانحيز عنه حتى انصرف الناس.
وقد أورد ابن كثير روايات البخاري والنسائي والبيهقي حول نهاية الغزوة وبعض جزئياتها نسوقها لتستكمل صورة هذه المعركة.
وروى البخاري عن أنس بن مالك أن رسول الله - ﷺ - نعى زيدا وجعفرا وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبر فقال: أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب ثم أخذها ابن رواحة فأصيب، وعيناه تذرفان، حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم.
وروى البخاري عن عبد الله بن عمر قال: أمر رسول الله - ﷺ - في غزوة مؤته زيد بن حارثة فقال رسول الله - ﷺ - إن قتل زيد فجعفر، وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة قال عبد الله: كنت فيهم في تلك الغزوة فالتمسنا جعفر بن أبي طالب فوجدناه في القتلى ووجدنا في جسده بضعا وتسعين من ضربة ورمية.
وروى البخاري عن قيس بن أبي حازم قال: سمعت خالد بن الوليد يقول:
لقد دق في يدي يوم مؤته تسعة أسياف وصبرت في يدي صفحة يمانية.
قال الواقدي حدثني عبد الجبار بن عمارة بن غزية بن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم قال: لما التقى الناس بمؤتة جلس رسول الله - ﷺ - على المنبر، وكشف له ما بينه وبين الشام فهو ينظر إلى معتركهم فقال أخذ الراية زيد بن حارثة فجاء الشيطان فحبب إليه الحياة وكره إليه الموت وحبب إليه الدنيا فقال: الآن حين استحكم الإيمان في قلوب المؤمنين تحبب إلي الدنيا، فمضى قدما حتى استشهد، فصلى عليه رسول الله وقال: استغفروا له فقد دخل الجنة وهو شهيد، ولما قتل زيد أخذ الراية جعفر بن أبي طالب فجاءه الشيطان فحبب إليه الحياة وكره إليه الموت ومناه الدنيا، فقال الآن حين استحكم الإيمان في قلوب المؤمنين يمنيني الدنيا، ثم مضى قدما حتى استشهد فصل عليه رسول الله - ﷺ - وقال: استغفروا لأخيكم فإنه شهيد دخل الجنة وهو يطير في الجنة بجناحين من ياقوت حيث يشاء ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة فاستشهد ثم دخل الجنة معترضا فشق ذلك على الأنصار فقيل يا رسول الله: ما اعتراضه؟ قال: لما أصابته الجراح نكل فعاتب نفسه فتشجع واستشهد ودخل الجنة فسري عن قومه.
_________________
(١) حاشى بهم: انحاز بهم.
[ ٣ / ٩٥ ]
وقال الواقدي حدثني عبد الله بن الحارث بن الفضيل عن أبيه قال:
لما أخذ الراية خالد بن الوليد قال رسول الله - ﷺ -: الآن حمي الوطيس.
قال الواقدي وحدثني العطاف بن خالد قال: لما قتل ابن رواحة مساء بات خالد بن الوليد فلما أصبح غدا وقد جعل مقدمته ساقته وساقته مقدمته، وميمنته ميسرته. وميسرته ميمنته فأنكروا ما كانوا يعرفون من راياتهم وهيئتهم وقالوا: قد جاءهم مدد، فرعبوا وانكشفوا منهزمين (١).
لقد كان قدر هذا الجيل أن يواجه أمم الأرض بهذا الدين وها نحن الآن أمام منعطف جديد في تاريخ دولة الإسلام هو الصدام المباشر مع الروم، ويحسن أن لا يغيب عن البال أن السبب لهذه المعركة هو أن رسول الله - ﷺ - بعث الحارث بن عمير الأزدي بكتابة إلى عظيم بصرى، فعرض له شرحبيل بن عمرو الغساني، وكان عاملا على البلقاء من أرض الشام من قبل قيصر، فأوثقه رباطا ثم قدمه فضرب عنقه (٢).
فالمعركة إذن نتجت عن الدعوة. ومقتل فرد مسلم يعني عند رسول الله - ﷺ - حربا ضروسا مع المعتدين، ولعل هذا المعنى لا يغيب عن أذهان بعض الدعاة الذين يرون أن بالإمكان تجنب المعركة مع العدو إذا سالمناه وعرضنا عليه فكرنا فحسب.
إن الصدام مع أعداء الله أمر لا مفر منه. لكن تحديد وقت الصدام وإمكانيته يعود إلى قيادة الجماعة المسلمة. الفقه النبوي يعني أن مقتل جندي مسلم - وهو رسول إلى العدو - إشعال معركة ضارية وقد فعلها رسول الله - ﷺ - مرتين:
الأولى: يوم الحديبية حين بلغه أن عثمان ﵁ قد قتل، وأخذ البيعة من جيشه على الموت وهذه المرة الثانية. فلا بد إذن من توطين الحركة الإسلامية نفسها على المواجهة وهو تأكيد من جهة ثانية على الدرس السابق، على أهمية الفرد المسلم عند قيادته وأن الجيش كله مستعد أن يخوض معركة للثأر له.
لكن الملاحظ أن هذا الأمر مرتبط بإمكانيات الجماعة المسلمة على ذلك ففي حالات الضعف كان كل ما يملكه رسول الله - ﷺ - أن يقول صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة، أو يدفعهم إلى الذهاب إلى النجاشي الذي لا يظلم عنده أحد، حتى والمسلمون دولة، قد تكون الدولة المسلمة عاجزة عن الثأر لشهدائها فمأساة بئر معونة والتي ذهب ضحيتها سبعون من خيار المسلمين لم يتمكن رسول الله - ﷺ - من الثأر لهم إلا بعد لأي.
لكن المعنى الأساسي يبقى ثابتا في التحام الصف المسلم، وقيمة الجندي فيه - إنه
_________________
(١) البداية والنهاية لابن كثير ج ٤ ص ٢٤٥، ٢٤٦.
(٢) الرحيق المختوم ٤٣٥.
[ ٣ / ٩٦ ]
حين تكون الظروف مواتية. فلا يجوز أن يذهب دم الشهيد هدرا، ولا بد أن يثأر له.
ونقف أمام هذا العدد الضخم الذي تحرك للقاء الروم، فلم يتحرك جيش خارج المدينة أكثر من ألف وخمسمائة مقاتل، وأكبر جيش حشده المسلمون داخل المدينة هو جيش الخندق وكان قوامه ثلاثة آلاف مجاهد، وها هو الجيش الإسلامي يتحرك اليوم مغادرا المدينة إلى الشام بثلاثة آلاف مجاهد، وهنا نشير إلى الفتح المبين في الحديبية. حيث تضاعف عدد الجيش الإسلامي بعد الحديبية بسنة ونصف على التقريب. وبدأت تظهر أسماء جديدة لم تكن تعرف من قبل فقائد ميمنة المسلمين في الحديبية قطبة بن قتادة وهو من بلى وهذا معنى مهم إذ القبائل التي تواجه المسلمين فيهم تجمع كبير من هذه القبيلة.
ونضيف في الحديث عن هذا الحشد إلى شعور الرسول - ﷺ - بخطورة المواجهة مع دولة عظمى، فلن يصلح لهذه المواجهة عدة مئات.
ويؤكد هذا المعنى كذلك تعيين الأمراء الثلاثة فلم يسبق لرسول الله - ﷺ - خلال المراحل السابقة أن عين أكثر من أمير على الجيش لكنه كان يعلم ﵊ بما أوحى الله تعالى إليه أن الأمراء يلقون مصرعهم في هذه المعركة.
ولقد أدرك اليهود هذا المعنى حيث قال أحدهم: (إن الأنبياء في بنى إسرائيل كانوا إذا سموا الرجل على القوم فقالوا إن أصيب فلان ففلان. فلوا سموا مائة أصيبوا جميعا ثم جعل يقول لزيد: اعهد فإنك لا ترجع أبدا إن كان محمد نبيا قال زيد: أشهد أنه نبي صادق) (١) وقد يقول قائل كان بإمكان رسول الله - ﷺ - تجنب هذه المواجهة مع العرب الغساسنة في الشام لكن الصورة المقابلة كذلك إن قتل هذا الرسول ولم يثأر له. فقد يدفع عرب الشام مع الروم إلى غزو المدينة. وكثيرا ما يكون الهجوم وسيلة ضخمة من وسائل الدفاع عن النفس.
وإذا كانت قوة الجيش تقاس بمعنوياته. فلن نجد أقوى من هذا الجيش والأصل أن يكون المسلمون اليوم في هذا الاتجاه عندهم بعض الخوف والتردد فهم يقدمون على حرب في البلقاء على تخوم الروم، واحتمال المواجهة واردة معهم. ولم يسبق لهم رصيد من التجربة في الحرب مع الروم أو الفرس والدولتان الكبريان آنذاك تتقاسمان الأرض ومع ذلك فقد كان أحد القادة الثلاث يبكي وقد حضره المسير، ولم يكن سبب بكائه جزعا من الموت إنما كان خوفا لما بعد الموت، خوفا من النار التي يرد عليها الناس جميعا: ﴿وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا﴾ وتصور الناس أن الدعاء بالسلامة هو الذي يثلج الصدر فقالوا له ولإخوانه: صحبكم الله ودفع عنكم وردكم إلينا صالحين. فكان جواب القائد الشاعر ابن رواحة
_________________
(١) البداية والنهاية لابن كثير ج ٤ ص ٢٤١ عن البيهقي.
[ ٣ / ٩٧ ]
طلب الشهادة في أرض الشام والمغفرة.
هذه نفسية الجيش وقيادته قبل التحرك.
وكانت أزمته الثانية عندما بلغه التجمع الهائل وهو في معان وهو وجود حوالي مائتي ألف من العرب والروم قد تهيؤوا للقائهم ومضوا يناقشون الأمر وقالوا: نكتب إلى رسول الله - ﷺ - فنخبره بعدد عدونا فإما أن يمدنا بالرجال، وإما أن يأمرنا بأمره ولم يكن من بين الحلول المطروحة أن يعودوا إلى المدينة. وكل ما يخشونه أن تكون المواجهة مغامرة غير جائزة أن يواجهوا هذا العدد الضخم بقوتهم الضئيلة. وما أعتقد أن جيشا في الأرض لا تنهار معنوياته أمام هذه المواجهة وبينهم هذا الفارق في العدد والعدة ولكن هذا الدين الذي ضرب جذوره في أعماق هذه العصبة المؤمنة، جعل منهم نموذجا آخر لا يبارى في التاريخ وجعل لدى الجيش تلك الأرضة التي تقبل قول الأمير الشاعر ابن رواحة ﵁.
(والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون الشهادة. وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة إنما نقاتلهم بهذا الدين الذي أكرمنا الله به فانطلقوا، فإنما هي إحدى الحسنيين إما ظهور وإما شهادة).
وأمكن لهذه الكلمة أن تفعل في الجيش كله فعل السحر، وانطلق الجيش للمواجهة قائلين قد والله صدق ابن رواحة.
إن فكرة الشهادة والأمل برضوان الله تعالى ودخول الجنة قد أثبت التاريخ عمليا أنها أقوى دافع في هذا الوجود للمواجهة والموات. لأن المسلم على يقين أن ما عند الله خير وأبقى للمسلم من كل شيء فلا يتوانى لحظة واحدة عن الإقبال على الموت تغمره السعادة ويحدوه الرضا بقضاء الله وقدره. وكلا الأمرين لا يدري أيهما أحب إليه النصر أو الشهادة. وهذه الروح المعنوية التي رافقت الجيش المسلم في كل معاركه هي التي رجحت كفته دائما على عدوه. ودانت له الأرض بسبب ذلك.
وكانت الأزمة الثالثة العنيفة لحظة المواجهة؛ أو المفروض أن تكون الأزمة لكن الروح المعنوية العالية، على ما تذكر الروايات، لم تفارق الجيش وهو بعدده الضئيل أمام ذلك الجيش العرمرم وكانت القيادات من الكفاءة بحيث تتسابق أمام جنودها على الموت. وكأنما هي تتجهز له تجهز العروس لعروسه.
(قال ابن إسحاق: ثم التقى الناس فاقتتلوا، فقاتل زيد بن حارثة براية رسول الله - ﷺ - حتى شاط في رماح القوم.)
[ ٣ / ٩٨ ]
ومقتل قائد واحد خلال لحظات قليلة كفيل أن يعيد النظر في المواجهة حيث كان الأمر الثاني جعفر بن أبي طالب. لكن شوق الجنة هو الذي حدا بجعفر ﵁ أن يقتحم عن فرسه الشقراء ويتراقص فرحا بالجنة وهو يواجه العدو:
يا حبذا الجنة واقترابها طيبة وبارد شرابها
والروم روم قد دنا عذابها كافرة بعيدة أنسابها
عليَّ إذ لاقيتها ضربها
واستشهد القائد الثاني فجرى بعض الفتور في هذه الروح المعنوية عند ابن رواحة، وكان الفرق واضحا بين طلبه الشهادة وهو في المدينة وبين معاينتها وهو في مؤتة. لقد كانت الرؤى الشعرية الوجدانية عنده أقوى من الواقع العملي. فراح يبرز خلجات نفسه في هذا الحديث الرائع
أقسمت يا نفس لتنزلنه لتنزلن أو لتكرهنه
قد طال ما قد كنت مطمئنة مالي أراك تكرهين الجنة
ولم يكتف بهذا الحديث النفسي، فراح ينقل حديثا آخر:
يا نفس إلا تقتلي تموتي هذا حمام الموت قد لقيت
إن تفعلي فعلهما هديت أو تعرضي عنهم فقد شقيت
ولكن مهما تزعزع القائد إذا كان له من إيمانه ما يعصمه. فلابد من الثبات بعد ذلك وهذا ما جرى لدى ابن رواحة فقد طغى التدفق الإيماني عليه، وانخرط في القتال حتى قضى شهيدا في سبيل الله.
وكانت الأزمة الأخيرة، وهذه الروح المعنوية العالية كفيلة أن تحطم أي روح مهما سمت، وبعد مقتل الأمراء الثلاثة وانتهاء القيادة من المعركة. لم يعد إلا ذبح هذا الجيش كله. فمن هؤلاء من مضى لائذا بالفرار إلى المدينة لكن أكثرية الجيش عادت فتمالكت. وأخذ الراية ثابت بن أقرم ﵁، وهو يحس بثقل الأمانة.
(وصاح: يا للأنصار. فأتاه الناس من كل وجه وهم قليل، وهو يقول: إلي أيها الناس فلما نظر إلى خالد بن الوليد قال: خذ اللواء يا أبا سليمان! فقال: لا آخذه أنت أحق به، أنت رجل لك سن، وقد شهدت بدرا قال ثابت: خذه أيها الرجل. فوالله ما أخذته إلا لك فأخذه خالد ..) (١)
وهكذا استطاع هذا الجيش المسلم أن يواجه ذلك البحر المتلاطم من البشر بتلك الروح
_________________
(١) امتاع الأسماع ج ١: ٣٤٨.
[ ٣ / ٩٩ ]
المعنوية العالية التي لم يرو لها التاريخ مثيلا إلا في المحضن الإسلامي.
والذي نؤكده بحمد الله ﷿ أن هذه الروح المعنوية العالية بقيت خلال خمسة عشر قرنا في الأجيال الإسلامية يرثها الجيل بعد الجيل. وما تنبت فئة مؤمنة بالإسلام إلا ووجدت في صفوفها هذه الروح، حتى جيلنا المعاصر. فلم يعرف تاريخ الحركات السياسية اليوم بطولة نادرة واستبسال منقطع وضحايا في سبيل الهدف كما عرف تاريخ الحركة الإسلامية المعاصرة. وثرى فلسطين وأفغاسسان وحماة هي أصدق شاهد على ما نقول.
وإذا كان جيش العقيدة بهذه الروح المعنوية العالية فهو جيش المبادىء التي بقيت معلما للبشرية خلال تاريخها الطويل حتى صحت البشرية اليوم ووضعت مبادىء في أصول الحرب، لم ترتفع بعد إلى المستوى الإسلامي فوصية النبي - ﷺ - للجيش المعد لمقابلة أمم الأرض. توضح أن الهدف الأعظم فيه هي نشر هذه العقيدة وإبلاغ هذا الدين على يد هذه العصبة المؤمنة التي هيأها الله تعالى لذلك. (فادعهم إلى الإسلام فإن فعلوا فاقبل منهم واكفف عنهم) ليس الأمر طمعا في مال أو أرض أو جاه إنما دعوة الناس إلى الدخول في دين الله.
وحين يحال بين الناس وبين دين الله فلا أقل من ألا يحال بينهم وبين شريعة الله والخضوع لهذه الشريعة من خلال الجزية كاف لإنهاء الحرب والكف عن الدماء.
وما لم يكن هذا ولا ذاك، فمن يحارب شرعة الله تعالى يحارب، ولا يجوز لجيش المبادىء أن يخالف المبادىء التي انطلق لتحقيقها والدعوة إليها ومن أجل ذلك نهى رسول الله - ﷺ - هذا الجيش عن الإخلال بهذه المبادىء قائلا: (لا تغدروا ولا تغلوا، ولا تقتلوا وليدا وستجدون رجالا في الصوامع معتزلين الناس فلا تتعرضوا لهم، ولا تقتلن امرأة ولا صغيرا ضرعا ولا كبيرا فانيا) (١).
فهؤلاء الذين نشدوا السلامة وهجروا الحرب كالوليد والمرأة والشيخ الفاني والمتبتل للعبادة. ليس هم الإسلام القضاء عليهم بل هو يحارب من أجلهم، ويقاتل الذين يشرعون سيافهم ورماحهم في وجه هذه العقيدة وهذه الشريعة، ويحولون بين الناس وبين دين الله وشرعته. ولا يقتل من المدنيين إلا دعاة البغي والانحلال (وستجدون آخرن في رؤوسهم مفاحص فاقلعوها بالسيوف).
وهؤلاء الذين انطلقوا في الأرض وابتعثهم الله ليخرجوا من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ليسوا أوصياء على البشرية حين تستجيب لهم البشرية، ولا يعني براءتهم من الخطأ، وأنهم الناطقون باسم الله، بل هم بشر ممن خلق ومن أجل هذا يدعوهم رسول الله - ﷺ - إلى أن ينزلوا الناس على ذممهم لا على ذمة الله ورسوله، وبذلك يكون الخطأ عليهم لا على هذا الدين الذي
_________________
(١) إمتاع الأسماع ج ١: ٣٤٩.
[ ٣ / ١٠٠ ]
مضوا يدعون إليه - ﷺ - ويدعوهم إلى أن ينزلوا الناس على حكمهم لا على حكم الله ورسوله (فإنك لا تدري أتصبب فيهم حكم الله أم لا).
وبذلك يلتصق الخطأ بالإنسان لا بعقيدته، بالقائد لا بدينه.
وهكذا نرى أن هذا الجيش المسلم هو كتيبة دعاة حضرت إلى أرض الشام لتتابع رسالة المسلم الشهيد الذي قضى نحبه وهو يبلغ رسالة رسول رب العالمين.
ولا نستطيع ونحن نتحدث عن مؤته إلا الوقوف عند أبطالها الكبار.
فلقد كان زيد ﵁ مولى رسول الله - ﷺ - ومن أخص خاصته. فلقد كان حب رسول الله - ﷺ - له حبا مشهورا عند الصحابة جميعا فيطلقون على ابنه أسامة الحب ابن الحب. وهو أول مولى على الأرض أشرق قلبه بنور الإسلام، والمهمات الصعبة كانت عليه، فهو المكلف بعد بدر بإحضار أهل رسول الله - ﷺ - من قلب مكة، وحين يحدق الخطر في أشد أهواله، فليكن رجل المهمات الصعبة على رأسه، وحين يقدم رسول الله - ﷺ - لهذه المخاطر أحب الناس إليه، لا يضن الناس بمهجهم وأرواحهم بين يدي رسول الله ﵊.
وكان الرجل الثاني طرازا رفيعا من الرجال.
إنه جعفر بن أبي طالب، الذي شهدناه داعية إلى الله ﷿ في الحبشة، ورئيس الجالية الإسلامية فيها، وأكرمه الله تعالى أن تسلم الملوك على يديه فهو الذي أوضح الإسلام للنجاشي، فاعتنقه، ولم نشهده إطلاقا مقاتلا في معركة، إنه سفير فوق العادة لفترة خمسة عشر عاما خلت في أرض الغربة لسانا ووطنا ودينا، إذا به اليوم قائد معركة.
وليس في الإسلام ذلك الخط الفاصل بين السياسي والجندي والقائد. فكل مسلم هو جندي في المعركة مهما علت مرتبته واختلفت وظيفته، ولا ننسى أنه لم يمر على انضمام جعفر للصف الإسلامي في المدينة السنة، أو تزيد قليلا عن ذلك فقد وصل خيبر بعد الفتح، وكانت خيبر في ربيع الأول لسنة سبع وكانت مؤتة لجمادى الأولى سنة ثمان.
عام واحد فقط. متع رسول الله - ﷺ - نفسه برؤية حبيبه جعفر، ويكفي أن نعرف مبلغ حب رسول الله - ﷺ - لجعفر، بعد غربة خمسة عشر عاما عنه. إن رؤيته له كانت تعادل هزيمة اليهود، فقال ﵊: (والله ما أدري بأيهما أنا أسر بفتح خيبر أم بقدوم جعفر) وعلى شدة هذا الحب، وعلى طول تلك الغربة، عندما لاحت بوارق الصدام مع الروم فكان الرجل الثاني لذلك جعفر بن أبي طالب، وكان الدرس العملي، الأضخم أن يكون المولى زيد بن حارثة أميرا على جعفر بن أبي طالب القرشي الهاشمي.
وقد شهدنا جعفر ﵁ يمضي من أرض الغربة إلى أرض الغربة فيسلخ قرابة
[ ٣ / ١٠١ ]
نصف عمره فيها، وحين يحين القتال، وهو لم يخض معركة من قبل قط، يبدي من ضروب البسالة والقوة والمقاومة ما تتصاغر أمامه الصناديد الأبطال، يأخذ الراية بيمينة فتقطع، ثم يأخذها بشمال فتقطع، ثم يأخذها بعضديه، ثم يسقط شهيدا وقد أفضى إلى ربه وقد انشق نصفين، فلم يجد إخوته المؤمنون حرجا أن ينظروا إلى عدد طعناته ورمياته فكانت تسعين ما بين ضربة سيف وطعنة رمح.
وكان لا بد لأنصار الله ورسوله من أن يشاركوا في هذا الشرف العظيم على مستوى القيادة فكان الأمير الثالث هو شاعر الإسلام العظيم عبد الله بن رواحة.
وأن تكون قيادة الجيش بين مولى وسفير وشاعر، ليؤكد أن طاقات الإسلام كلها في خدمة المعركة. وأن وقودها في حالة الخطر هو كل شباب الإسلام.
وحافظ ثابت بن أقرم الأنصاري بعد عبد الله بن رواحة الأنصاري على الراية حتى دفعها في صدر خالد بن الوليد.
وإذا كانت الغرابة عندنا أن ينضم جعفر ﵁ وهو من أوائل من أسلم إلى جيش مؤتة بعد سنة من عودته. لكن الأغرب أن يكون خالد بن الوليد في هذا الجيش ولما يمض ثلاثة أشهر على انضمامه للصف الإشلامي بعد حرب عشرين عاما ضد رسول الله - ﷺ -. فلقد أسلم في صفر ثمان للهجرة. وتحرك للحديبية في جمادي الأولى سنة ثمان للهجرة كذلك، أي أنه أمضى في مدرسة النبوة فقط شهر ربيع الأول وربيع الثاني وبقايا صفر وجمادى. هذه هي كل حياته في الصف الإسلامي، ولو كان في الحركة الإسلامية اليوم لما حق له أن يوجه أسرة بله يقود معركة.
لقد مضى خالد ﵁ بعزيمة الرجال يريد أن يطوي تلك الصفحة السوداء من حياته ليكتب صفحة جديدة من نور تغسل تلك الصورة القاتمة عن ماضيه في الصد عن سبيل الله، ومن أجل ذلك فما أن لاحت بوارق التعبئة لمؤته حتى كان من أوائل المنضمين لهذا الجيش. ونفسه تتوق إلى تلك اللحظة التي يشهر فيها سيفه في سبييل الله.
ولكنه قدر الله تعالى الذي ادخر هؤلاء الرجال لهذه الأزمات
لم يكن يدري ابن الوليد أنه سيكون في موقع الاختبار ومنذ اللحظات الأولى، في موضع لقيادة العليا في الجيش، والغريب أن الذي اختاره لذلك هو أنصاري بدري ورضي المسلمون بذلك. وكانت مفاجأة مذهلة لخالد، هكذا وبكل هذه البساطة يغدو قائدا لجيش محمد ﵊، ويسلمه القيادة واللواء الأنصاري البدري ثابت بن أقرم، بل لم يدع المسلمون له لحظة اعتذار، فهو بطل المرحلة، والجيش الآن على أتون المذبحة الرهيبة بين يدي الروم لقد دفع إليه اللواء. والمسلمون معدون للفناء بسيوف الروم.
[ ٣ / ١٠٢ ]
وظهرت معادن الرجال. وبطولات الرجال، وعبقريات الرجال.
ويا لعظمة هذا الدين.
خالد الذي هم قبل عام ونصف أن ينقض على محمد - ﷺ - في صلاة العصر في الحديبية لينهي هذا الصابىء وجنده- على حد زعمه- يطلب منه الآن وبعد أقل من ثلاثة أشهر من إسلامه أن ينقذ جيش محمد صلوات الله وسلامه عليه من المذبحة المحتمة مذبحة الروم.
وخالد الذي انقض فعلا على محمد - ﷺ - قبل خمس سنوات من الخلف وحطم النصر المؤزر الذي حققه المسلمون يطلب منه اليوم أن يعيد الكرة، فينقذ الجيش المنهزم المعروض للذبح من الفناء. مع فارق واحد هو إن جيشه الذي استعاد النصر فيه في أحد كان أربعة أضعاف جيش محمد - ﷺ - بينما يطلب منه الآن أن يستعيد النصر بجيش قوامه ثلاثة آلاف مقاتل على جيش قوامه مئتي ألف أي يطلب منه أن يستعيد النصر على جيش يبلغ سبعون ضعفا من جيشه على التقريب ومع ذلك، فقد تحقق النصر، وفتح الله تعالى على يديه.
إن روايات السيرة تذكر إنه نجا بالجيش وفر فيه، لكن أصح الروايات، والتي سقنا ثلاث روايات منها في البخاري فقط، تؤكد أن فتح الله تعالى قد تم على يديه، وأن الروم قد هزموا هزيمة منكرة، بعد أن استعمل حيلته الحربية البارعة في فت عضد الروم بتغير مواقع جيشه.
ويجمع ابن كثير ﵀ بين روايات السيرة التي تؤكد خروج أطفال المدينة لملاقاة الجيش بالحجارة لأنهم فروا من المعركة وبين روايات البخاري عن رسول الله - ﷺ - بانتصار المسلمين في أن فصيلة من هذا الجيش وفيها عبد الله بن عمر ﵁ قد فرت بعد أن أطبق الموت عليها ونجت بأنفسها إلى المدينة، أما أكثرية الجيش فقد بقيت في أرض المعركة تذود عن حمى الإسلام، واستحق خالد رضي الله تعالى عنه في هذه المعركة أرفع وسام في الجيش الإسلامي، وأعلى رتبة ولم ينل هذا الوسام أحد بعده ولا أحد قبله، أعلنه رسول الله - ﷺ - على المنبر. فقال:
(وأخذ الراية سيف من سيوف الله سله الله تعالى على المشركين، جعل الله النصر على يديه) إنها لقفزة هائلة في الميدان العسكري من جندي عادي مغمور إلى قائد فذ يقلده رسول الله - ﷺ - هذا الوسام، ومضى معه حتى لقي به العرب والفرس والروم، فقال له قائد جيش الروم في اليرموك: هل أنزل الله سيفا من السماء فأعطاكه. فلا تسله على قوم إلا هزمتهم؟ ولم ينزل الله تعالى سيفا من السماء. بل أنيت هذا السيف من صلب الوليد بن المغيرة الذي هجاه الله تعالى في كتابه، ونقله بعد عشرين عاما من قلعة الشرك إلى قلعة الإيمان. فإذا معادن الرجال تبرز صارمة صارخة كما يقول ﵊: الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا) (١).
_________________
(١) رواه البخاري في باب المناقب، ومسلم كذلك.
[ ٣ / ١٠٣ ]
وتبدو أهية هذه السمة في هذه المرحلة في أنها كانت توطئة للفتح الأعظم في مكة، وكانت كذلك تهيئة للقبائل العربية أن تنضم للإسلام. ولا شك أن ارتفاع معنويات المسلمين قد بلغ الذروة بعد غزوة مؤتة. حيث حدثهم رسول الله - ﷺ - عن الفتح الذي تم على يد خالد ﵁ على المنبر، وقبل وصول الجيش الإسلامي من مؤتة. وعاشت المدينة أفراح النصر وآلام
الضحايا في لحظة واحدة. وكان أطفال المدينة من اليقظة والوعي ما يضاهئون به يقظة ووعي أبطال الأرض، فمع الحيصة الأولى كانوا يقذفون الفصيل المنهزم بالحجارة ويقولون: أنتم الفرار في سبيل الله، ولم يخفف من وطأة هذا الهجوم إلا قول الرسول - ﷺ - لهم: بل أنتم الكرارون إن شاء الله، ومع ذلك فقد عاشوا جوا من الهم والقلق. رغم عذر رسول الله - ﷺ -. بينما خرج الأطفال أنفسهم يشتدون مع رسول الله - ﷺ - يستقبلون الجيش المنتصر وعلى رأسه سيف الله المسلول خالد بن الوليد.
والحركة الإسلامية اليوم بحاجة إلى أن تتدبر هذه المعاني العظيمة في هذه المعركة. وتبحث عن أفذاذ الرجال الذين يعدل الواحد منهم الألف بل المائة ألف. والذين غمروا أو حالت الظروف دون بروزهم وظهورهم، وقد يكون بين خصومها الأقوياء من يدخره الله تعالى ليكتب نصره على يديه فما ندري؟ إذ ما الذي يمنع من أن تتكرر تجربة أفلاذ كبد مكة مرة ثانية. ولعل في رجالها وشبابها المنتثرين في أراضي الغربة في أوربة وأمريكا من هو مؤهل لمثل هذه المواقع، وما أحوج الدعوة إلى أمثال جعفر الطيار، وسيف الله ابن الوليد.
لقد قال الله تعالى للمؤمنين الغاضبين الحانقين يوم صلح الحديبية:
﴿ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات أن تطؤوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ..﴾ (١). وتحقق موعود الله بالثورة الإسلامية التي قادها أبو بصير ﵁، وأنقذ الرجال المؤمنين والنساء المؤمنات، وشاء قدر الله تعالى أن تتأجل المعركة كذلك رغم هم وغم المسلمين ثم كان الوعد الآخر.
﴿.. ليدخل الله في رحمته من يشاء﴾ (٢).
وأدخل الله في رحمته بعد الحديبية هذه النماذج خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة ﴿لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما﴾ (٣).
إنها الأقدار .. ولعل أقدار الحركة الإسلامية في هذا الجيل حين يبطىء النصر. وتدلهم المحنة، ويفدح الخطب. أن تكون إرهاصات لأن يدخل الله في رحمته من يشاء. فيكون منعطفا في تاريخ الأمة والحركة، وينقذ الله تعالى الرجال المؤمنين والنساء المؤمنات. من براثن الكفر وأيدي
_________________
(١) و(٢) و(٣) الآية ٢٥ من سورة الفتح.
[ ٣ / ١٠٤ ]
الطغاة فيشاركون في معركة الحق الأبلج .. ويكونون الوقود الأساسي لمعارك الإسلام وهم عشرات الألوف.
وفي أعقاب مؤتة وعلى خطاها كانت غزوة ذات السلاسل، وكان بطلها فلذة كبد مكة الثاني عمرو بن العاص (وقد ذكرها الحافظ البيهقي ها هنا قبل غزوة الفتح فساق من طريق موسى بن عقبة وعروة بن الزبير قالا: بعث رسول الله - ﷺ - عمرو بن العاص إلى ذات السلاسل من مشارف الشام في بلى وعبد الله ومن يليهم من قضاعة. قال عروة بن الزبير وبنو بلى أخوال العاص بن وائل، فلما صار إلى هناك خاف من كثرة عدوه فبعث إلى رسول الله - ﷺ - يستمده فندب رسول الله - ﷺ - المهاجرين الأولين فانتدب أبو بكر وعمر في جماعة من سراة المهاجرين ﵃ أجمعين، وأمر عليهم رسول الله - ﷺ - أبا عبيدة بن الجراح. قال موسى بن عقبة، فلما قدموا على عمرو قال: أنا أميركم وأنا أرسلت إلى رسول الله - ﷺ - استمده بكم. فقال المهاجرون، بل أنت أمير أصحابك وأبو عبيدة أمير المهاجرين. فقال عمرو: إنما أنتم مدد أمددته. فلما رأى ذلك أبو عبيدة، وكان رجلا حسن الخلق لين الشكيمة - قال: تعلم يا عمرو أن آخر ما عهد إلي رسول الله - ﷺ - أن قال: إذا قدمت إلى صاحبك فتطاوعا. إنك إن عصيتني لأطيعنك فسلم أبو عبيدة الإمارة لعمرو بن العاص.
قال الواقدي: حدثني ربيعة بن عثمان عن يزيد بن رومان أن أبا عبيدة لما آب إلى عمرو بن العاص فصاروا خمسمائة فساروا الليل والنهار حتى وطىء بلاد بلى ودوخها. وكلما انتهى إلى موضع بلغه أنه قد كان بهذا الموضع جمع فلما سمعوا بك تفرقوا حتى انتهى إلى أقصى بلاد بلى وعذرة وبلقين. ولقي في آخر ذلك جمعا ليس بالكثير فاقتتلوا ساعة، وتراموا بالنبل ساعة، وحمل المسلمون عليهم فهزموا، وأعجزوا هربا في البلاد وتفرقوا ودوخ عمرو ما هناك وأقام أياما لا يسمع لهم بجمع ولا مكان صاروا فيه. وكان يبعث أصحاب الخيل فيأتون بالشاة والنعم فكانوا ينحرون ويذبحون. ولم يكن في ذلك أكثر من ذلك. ولم تكن غنائم تقسم.
وقال أبو داود عن .. عمرو بن العاص قال: احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح فذكروا ذلك لرسول الله - ﷺ - فقال: يا عمرو وصليت بأصحابك وأنت جنب؟ قال: فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال وقلت إني سمعت الله يقول: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما﴾ (١) فضحك نبي الله ولم يقل شيئا.
وقال الحافظ البيهقي عن أبي عثمان النهدي سمعت عمرو بن العاص يقول: بعثني رسول
_________________
(١) النساء (٢٩).
[ ٣ / ١٠٥ ]
الله - ﷺ - على جيش ذات السلاسل وفي القوم أبو بكر وعمر، فحدثت نفسي أنه لم يبعثني على أبي بكر وعمر إلا لمنزلة لي عنده، قال فأتيته حتى قعدت بين يديه قلت: يا رسول الله! من أحب الناس إليك، قال: عائشة. قلت: إني لست أسألك عن أهلك قال: فأبوها، قلت: ثم من قال: عمر، قلت: ثم من؟ حتى عدد رهطا. قال. قلت في نفسي لا أعود أسأل عن هذا.
وقد خرجاه في الصحيحين، وفي رواية: فسكت مخافة أن يجعلني آخرهم (١).
فقد كانت ذات السلاسل على غرار مؤتة وللهدف نفسه. ونجد هنا رسول الله - ﷺ - يختار عمرو مباشرة ليعجم عوده في الخط الإسلامي، وبطبيعة عمرو الحذرة الداهية طلب المد حيطة لما بلغه من كثرة العدو، وكان مددا من خيار أهل الأرض فمعظمهم من المهاجرين الأولين وأمر عليهم أبو عبيدة وفيهم أبو بكر وعمر.
إنها ليست معركة، أو ساحة تدريب، إنها مدرسة تربوية فذة يشهد فيها عمرو بن العاص ابن الثلاثة أشهر في حضن الإسلام. كيف يمد بخيرة أهل الأرض أبي بكر وعمر، ويشمخ أنفه أن يكون أميرا على الذين أمضوا قرابة عشرين عاما في حضن الدعوة، ولا يرضى أن يكون تبعا لأبي عبيدة وعظمة أبي عبيدة وسماحته ووصية رسول الله - ﷺ - له أن لا يختلفا دفعته للقول: لئن عصيتني لأطيعنك، وسلم إمرة الجيش لعمرو بن العاص الذي كان قبل فترة وجيزة يخطط لضرب عنق رسول محمد - ﷺ - في الحبشة.
ومن حيث الحرب فلقد أبدى إمكانات فائقة ونفذ الهدف المرسوم كله ووطىء أرض قضاعة إذ كان مهيأ لذلك فأمه أو أخواله من بلى من قضاعة.
إن أحداث المعركة وتحقيق أهدافها العسكرية لا يعنينا كثيرا بمقدار ما يعنينا بناء هذا الصف المسلم.
هذا الصف الذي دخله من جديد أفواج ضخمة بالألوف وفيهم من الشخصيات النابهة أمثال خالد وعمرو. إنه مجتمع يبنى بسرعة فائقة. ويعد لحرب طاحنة فيما بعد فلا بد أن ينصهر هذا المجتمع الجديد، وتتمكن القاعدة الصلبة الأولى أن تضم هذه العناصر الجديدة، وتتكيف معها وتكيفها مع الإسلام، لا بد أن يقوم الرعيل الأول بالتجارب الرائدة الفذة، بالإيثار المطلوب، بالتضحية المناسبة بالبعد عن مراكز الشهرة ليتيح للطاقات الجديدة أن تأخذ مداها وحجمها وتبرز مكنون مواهبها.
واستطاعت هذه القاعدة الصلبة التي لم تكن تتجاوز ثلاثة ألاف أن تفتح صدرها لثلاثة
_________________
(١) البداية والنهاية لابن كثير ج ٤ ص٢٧٥،٢٧٦.
[ ٣ / ١٠٦ ]
أضعافها خلال هذين العامين، وسرعة هائلة امتصت هذه الطاقات دون أن يقع الصراع، أو يقع التصادم، أو تبرز الأنانيات، والصراع على السلطة فيكون أبو بكر وعمر وأبو عبيدة ﵃ جنودا تحت إمرة عمرو بن العاص.
نكتب هذا الكلام وتقف الذاكرة عند واقع الحركة الإسلامية المعاصرة لتنهج هذا النهج وإني لأتصور بعض قادة الكفر وقد هداه الله تعالى للإسلام. كيف تكون نظرة الشباب المسلم الحادة له، وتبالغ في الصفاء والنقاء والحديث عنه لدرجة تتهم فيها قيادة الحركة بممالأة الأعداء والانطلاق في تيار الاحتواء. وأتصور كذلك هذه العواطف الصادقة، وقد شهدت مثل حادثة الصلاة التي صلاها عمرو ﵁. حتى ليصلي بعد التيمم، ويظهر أن الأمر لم يكن واضحا للقاعدة الإيمانية بجواز التيمم على الجنابة، ومن أجل هذا كان الأمر مستغربا، ووصل إلى رسول الله - ﷺ - ويسأله: أصليت بالناس وأنت جنب؟
ومن ظاهر جواب عمرو ﵁ أنه اجتهد دون الاستناد على حكم ثابت بجواز التيمم عن الجنابة ولذلك ذكر لرسول الله - ﷺ - اعتماده على قول اله ﷿ ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما﴾ وضحك رسول الله - ﷺ - ولم يقل شيئا.
لقد أقر عمرا على اجتهاده وليس ضحكه إلا دعابة له وموافقة على سلوكه.
أقول لو جرت مثل هذه الحادثة في الصف المسلم اليوم، وأقدم قائد حديث العهد بالإسلام على هذا الأمر فصلى بالناس وهو جنب لاتهمت قيادة الجماعة بالكفر البواح ولخرج أكثر الصف على هذه القيادة.
فالحركة الإسلامية اليوم تعاني أزمة ثقة ضخمة بقياداتها والأصل أنها تضعها موضع الشبهة والظنة والتهمة، في صلاتها مع خصومها.
وما أحوج شباب الحركة الإسلامية الذين هم وقود معاركها، أن يفتحوا صدرهم لمثل هذه الحادثة من السيرة، ويروا أكبر أعداء الإسلام، قد صار بعد ثلاثة أشهر من إسلامه أميرا على المهاجرين الأولين وفيهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة وأمثالهم، ثم يصلي بالناس على جنابته بعد التيمم ويقتدي به الهاجرون الأولون.
إن هذه التجربة الرائدة في تاريخ الأمم ما كانت لتنجح في إضافة ثلاثة أضعافها ونيف خلال سنتين وتأخذ هذه الأعداد موقفها الحقيقي في الصف وتقدم كل طاقاتها في سبيل الله، لو لم تكن القاعدة الصلبة الأولى على المستوى المطلوب من الانضباط والالتزام والطاعة والصبر والإيثار والتفاني في سبيل الله وغياب الذات.
[ ٣ / ١٠٧ ]
ونحن لا ننفي إطلاقا بل نقول إن الدور الأضخم والأكبر الذي ساعد هذه القاعدة على تمثل هذه العناصر الجديدة هو شخص القائد الأعظم محمد - ﷺ - الموحى إليه من الله تعالى، ومن أجل ذلك لا يقف الجندي المسلم ليفكر لحظة في مناقشة الأمر طالما أنه من رسول الله - ﷺ - لكنه يفكر في كيفية التنفيذ وسرعته في التو واللحظة.
فأبو عبيدة ﵁ لم يقف ليوازن كثيرا نتائج تنازله عن الإمرة لعمرو، واحتمالات أخطائه الكثيرة وهو الجديد على الإسلام، بل كانت وصية رسول الله - ﷺ - منارا هاديا له: (لا تختلفا، تطاوعا). فاستجاب على التو وقال. لئن عصيتني لأطيعنك.
وتبدو أهمية التربية لهؤلاء القادة الكبار الذين انضموا للصف الإسلامي من جديد من خلال العرض الأخير الذي عرضه لنا عمرو ﵁، إذ حدثنا صراحة أن إمرته على أبي بكر وعمر وأمثالهم جعلت لديه غرورا بأنه أفضل من هؤلاء جميعا. أو على الأقل أحب إلى رسول الله - ﷺ - منهم، ولكي يؤكد هذا المعنى. يأتي ليسأل نبي الله ﵊ عن أحب الناس إليه. وكان يتوقع الجواب أن يكون هو ذلك الإنسان فإذا به يفاجأ بأن أحب الناس إلى رسول الله - ﷺ - بعد عائشة زوجه هو جنديه الذي كان تحت إمرته أبو بكر وجنديه الذي كان تحت إمرته عمر، وجنديه الذي كان تحت إمرته أبو عبيدة، وعدد رهطا من الصحب، واستحيا عمرو من ذكر هؤلاء الرهط حتى توقف عن الاستفسار خشية أن يكون آخرهم، وكان لا بد أن يتلقى عمرو في مدرسة النبوة هذا الدرس الشديد حتى يفرق بين المهمة المحددة والموقع الأصيل، يفرق بين التكليف والإكرام وبين الثقة بالمجاهدين الأولين الذين أمضوا حياتهم وأفنوا عمرهم في سبيل الله.
واكتفى بهذه الإجابات لتجعله ضمن المدى الذي حدد له، ورضي الله عنهم أجمعين.
فلم يغضب ولم تتحرك الجاهلية في كيانه، بل أصبح لاحقا بهذا الرعيل، فيقدم لنا ذاته بخطأ تصوره وعظمة إكباره للشيخين أبي بكر وعمر، وإخوانهما من المهاجرين الأولين.
وليستفد الشباب المسلم من هذا الدرس كذلك، وليضعوا ذاتهم خلفهم وليتقبلوا تقويم قيادتهم لهم في المهمات والملمات دون أن يضعوا أنفسهم فوق ما يستحقون ودون أن يحملوا على قيادتهم حين لا تستجيب لأهوائهم كما يشتهون.
ونعرض أخيرا هذه الجوانب الجزئية كلها لتنضم في إطار هذه السمة التي لاحظنا خطوطها العريضة في مواجهة الروم، وفي بناء الصف الداخلي المتلاحم المذهل، وأن هذه التوطئة قد كانت إيذانا بالتوجه نحو مكة لتحقيق الفتح الأكبر، وكان جنود المرحلة الأولى كأنما كلف كل واحد منهم بالعديد من إخوانه يثقفه فقها ويربيه سلوكا. وينصحه قدوة ويبنيه مسلما مخلصا
[ ٣ / ١٠٨ ]
خالصا من براثن الجاهلية لتتسع القاعدة الصلبة المتجهة إلى مكة إلى عشرة آلاف مقاتل.
والحركة التي تعجز عن استيعاب عناصرها الجديدة، سوف تنفصم وتتشرذم إلى جماعات عدة.
وحركتنا الإسلامية التي تعاني من هذا الداء العضال، يحسن أن تفقه هذا الدرس وتخطط للاستيعاب الحقيقي للطاقات الجديدة الفتية. قبل أن تأكلها هذه الطاقات وتقضي عليها. بدل أن تكون البنيان المرصوص الجديد.
***
[ ٣ / ١٠٩ ]
السمة الثانية عشرة: نصر الله والفتح: فتح مكة
قال ابن إسحاق: ثم أقام رسول الله - ﷺ - بعد بعثه إلى مؤته جمادى الآخرة ورجبا ثم إن بني بكر بن عبد مناة بن كنانة عدت على خزاعة وهم على ماء لهم بأسفل مكة يقال له الوتير:
فلما تظاهرت بنو بكر وقريش على خزاعة وأصابوا منهم ما أصابوا ونقضوا ما كان بينهم وبين رسول الله - ﷺ - من العهد والميثاق بما استحلوا من خزاعة وكانت في عقده وعهده خرج عمرو بن سالم الخزاعي ثم أحد بني كعب حتى قدم على رسول الله - ﷺ - المدينة، وكان ذلك مما هاج فتح مكة، فوقف عليه وهو جالس في المسجد بين ظهراني الناس. فقال:
يا رب إني ناشد محمدا حلف أبينا وأبيه الأتلدا
فانصر رسول الله نصرا أعتدا وادعو عباد الله يأتوا مددا
إن قريشا أخلفوك الموعدا ونقضوا ميثاقك المؤكدا
هم بيتونا بالوتير هجدا وقتلونا ركعا وسجدا
فقال رسول الله - ﷺ -: نصرت يا عمرو بن سالم ثم عرض لرسول الله - ﷺ - عنان من السماء فقال: إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب
ثم خرج أبو سفيان حتى قدم على رسول الله - ﷺ - المدينة، فدخل على ابنته أم حبيبة بنت أبي سفيان فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله - ﷺ - طوته عنه: فقال: يا بنية ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش، أم رغبت به عني. قالت: بل هو فراش رسول الله - ﷺ - وأنت رجل مشرك نجس، ولم أحب أن تجلس على فراش رسول الله - ﷺ -، قال: يا بنية لقد أصابك بعدي شر.
ثم خرج حتى أتى رسول الله - ﷺ -، فكلمه فلم يرد عليه شيئا، ثم ذهب إلى أبي بكر فكلمه أن يكلم له رسول الله، فقال: ما أنا بفاعل، ثم أتى عمر بن الخطاب فكلمه فقال: أأنا أشفع لكم إلى رسول الله - ﷺ -؟ والله لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم به ثم خرج فدخل على علي بن أبي طالب رضوان الله عليه، وعنده فاطمة بنت رسول الله - ﷺ - ورضي الله عنها وعندها حسن بن علي غلام يدب بين يديها، فقال: يا علي إنك أمس القوم بي رحما، وإني قد جئت في جاجة فلا أرجعن كما جئت خائبا. فاشفع لي إلى رسول الله - ﷺ -. فقال: ويحك يا أبا سفيان والله لقد عزم رسول الله - ﷺ - على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه، فالتفت إلى فاطمة فقال: يا ابنة محمد هل لك أن تأمري بنيك هذا فيجير بين الناس، فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر؟ قالت: والله ما بلغ بني ذاك أن يجير بين الناس إذ ما يجير أحد على رسول
[ ٣ / ١١٠ ]
الله - ﷺ -. قال: يا أبا الحسن إني أرى الأمور قد اشتدت علي فانصحني قال: والله ما أعلم لك شيئا يغنيك، ولكنك سيد بني كنانة فقم فأجر بين الناس ثم الحق بأرضك، قال: أو ترى ذلك مغنيا عني شيئا. قال: لا والله ما أظنه. ولكني لا أجد لك غير ذلك. فقام أبو سفيان في المسجد فقال: أيها الناس إني قد أجرت بين الناس، ثم ركب بعيره وانطلق فلما قدم على قريش، قالوا: ما وراءك؟ قال: جئت محمدا فكلمته، فوالله ما رد علي شيئا، ثم جئت ابن أبي قحافة فلم أجد فيه خيرا، ثم جئت ابن الخطاب فوجدته أدنى العدو، ثم جئت عليا فؤجدته ألين القوم، وقد أشار علي بشيء صنعته، فوالله ما أدري أيغني ذلك شيئا أم لا؟ قالوا: وبم أمرك؟ قال: أمرني أن أجير بين الناس، ففعلت، قالوا: فهل أجاز ذلك محمد؟ قال: لا قالوا: ويلك إن زاد الرجل على أن لعب بك فما يغني عنك ما قلت. قال لا والله ما وجدت غير ذلك.
تجهيز الرسول لفتح مكة: وأمر رسول الله - ﷺ - بالجهاز وأمر أهله أن يحهزوه فدخل أبو بكر على ابنته عائشة ﵂، وهي تحرك بعض جهاز رسول الله - ﷺ -، فقال: أي بنية: أأمركم رسول الله - ﷺ - أن تجهزوه؟ قالت: نعم، فقال: فأين ترينه يريد؟ قالت: لا والله ما أدري، ثم إن رسول الله - ﷺ - أعلم الناس أنه سائر إلى مكة، وأمرهم بالجد والتهيؤ. وقال: اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها، فتجهز الناس.
كتاب حاطب إلى قريش: قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة ابن الزبير وغيره من علمائنا قالوا: لما أجمع رسول الله - ﷺ - المسير إلى مكة كتب حاطب بن أبي بلتعة كتابا إلى قريش يخبرهم بالذي أجمع عليه رسول الله - ﷺ - من الأمر في السير إليهم، ثم أعطاه امرأة وجعل لها جعلا على أن تبلغه قريشا، فجعلته في رأسها، ثم فتلت عليه قرونها، ثم خرجت به وأتى رسول الله - ﷺ - الخبر من السماء بما صنع حاطب. فبعث علي بن أبي طالب والزبير بن العوام ﵄ فقال: أدركا امرأة قد كتب معها حاطب بن أبي بلتعة بكتاب إلى قريش يحذرهم ما قد أجمعنا له في أمرهم. فخرجا حتى أدركاها (بالخليقة، خليقة بني أبي أحمد) فاستنزلاها فالتمسا في رحلها فلم يجدا شيئا فقال لها علي بن أبي طالب: إني أحلف بالله ما كذب رسول الله - ﷺ - ولا كذبنا، ولتخرجن لنا هذا الكتاب أو لنكشفنك، فلما رأت الجد منه، قالت: أعرض، فأعرض، فحلت قرون رأسها فاستخرجت الكتاب منها، فدفعته إليه فأتى به رسول الله - ﷺ -، فدعا حاطبا فقال: يا حاطب ما حملك على هذا؟ فقال: يا رسول الله أما والله إنني لمؤمن بالله ورسوله ما غيرت وما بدلت، ولكني كنت امرءا ليس لي في القوم أصل ولا عشيرة، وكان لي بين أظهرهم ولد وأهل، فصانعتهم عليه. فقال عمر بن الخطاب يا رسول الله دعني فلأضرب عنقه، فإن الرجل قد نافق، فقال رسول الله - ﷺ -، وما يدريك يا عمر، لعل الله اطلع على أهل بدر يوم بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، فأنزل الله تعالى في حاطب: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا
[ ٣ / ١١١ ]
تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة ..﴾ إلى قوله ﴿قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده ..﴾ (١) إلى آخر القصة.
خروج الرسول في رمضان: قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن عبد الله بن عباس قال: ثم مضى رسول الله - ﷺ - لسفره واستخلف على المدينة أبا رهم كلثوم بن الحصين بن عتبة بن خلف الغفاري وخرج لعشر مضين من رمضان فصام رسول الله - ﷺ - وصام الناس معه، حتى إذا كان بالكديد بين عسفان وأمج أفطر، ثم مضى حتى نزل مر الظهران في عشرة آلاف من المسلمين فسبعت سليم، وبعضهم يقول: ألفت، وألفت مزينة، وفي كل القبائل عدد وإسلام، وأوعب مع رسول الله - ﷺ - المهاجرون والأنصار فلم يتخلف عنه منهم أحد فلما نزل رسول الله - ﷺ - مر الظهران، وقد عميت الأخبار عن قريش، فلم يأتهم خبر عن رسول الله - ﷺ - ولا يدرون ما هو فاعل، وخرج في تلك الليالي أبو سفيان بن حرب، وحكيم بن حزام، وبديل بن ورقاء يتحسسون الأخبار، وينظرون هل يجدون خبرا أو يسمعون به، وقد كان العباس بن عبد المطلب لقي رسول الله - ﷺ - ببعض الطريق.
هجرة العباس: قال ابن هشام: لقيه بالجحفة مهاجرا بعياله، وقد كان قبل ذلك مقيما بمكة على سقايته، ورسول الله - ﷺ - عنه راض، فيما ذكر ابن شهاب الزهري.
إسلام أبي سفيان بن الحارث وعبد الله بن أمية: وقد كان أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة قد لقيا رسول الله أيضا بنيق العقاب فيما بين مكة والمدينة فالتمسا الدخول عليه، فكلمته أم سلمة فيهما، فقالت: يا رسول الله ابن عمك وابن عمتك وصهرك، قال: لا حاجة لي بهما، أما ابن عمي فقد هتك عرضي، وأما ابن عمتي وصهري فهو الذي قال لي بمكة ما قال، قال: فلما خرج الخبر إليهما بذلك، ومع أبي سفيان بنيا له. فقال: والله ليأذنن لي أو لآخذن بيدي بني هذا، ثم لنذهبن في الأرض حتى نموت عطشا وجوعا فلما بلغ ذلك رسول الله - ﷺ - رق لهما ثم أذن لهما فأسلما.
قصة إسلام أبي سفيان على يد العباس: فلما نزل رسول الله - ﷺ - مر الظهران، قال العباس بن عبد المطلب: فقلت: واصباح قريش والله لئن دخل رسول الله - ﷺ - مكة عنوة قبل أن يأتوه فيستأمنوه؛ إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر قال: فجلست على بغلة رسول الله - ﷺ - البيضاء، فخرجت عليها، قال: حتى جئت الأراك، فقلت: لعلي أجد بعض الحطابة أو صاحب لبن أو ذا
_________________
(١) الآيات من أوائل سورة الممتحنة.
[ ٣ / ١١٢ ]
حاجة يأتي مكة، فيخبرهم بمكان رسول الله - ﷺ - ليخرجوا إليه فيستأمنوه قبل أن يدخلها عليهم عنوة. قال: فوالله إني لأسير عليها، وألتمس ما خرجت له، إذ سمعت كلام أبي سفيان وبديل بن ورقاء، وهما يتراجعان، وأبو سفيان يقول: ما رأيت كالليلة نيرانا قط ولا عسكرا، قال يقول بديل: هذه والله خزاعة حمشتها الحرب، قال، يقول أبو سفيان: خزاعة أذل وأقل، من أن تكون نيرابها وعسكرها، قال: فعرفت صوته، فقلت: أبا حنظلة، فعرف صوتي فقال: أبو الفضل؟ قال: قلت: نعم، قال: ما لك؟ فداك أبي وأمي، قال: قلت: ويحك يا أبا سفيان هذا رسول الله - ﷺ - في الناس، واصباح قريش والله، قال: فما الحيلة؟ فداك أبي وأمي، قال: قلت: والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك. فاركب في عجز هذه البغلة حتى آتي بك رسول الله - ﷺ - فأستأمنه لك. قال: فركب خلفي ورجع صاحباه، قال: فجئت به كلما مررت بنار من نيران المسلمين قالوا: من هذا؟ فإذا رأوا بغلة رسول الله - ﷺ - وأنا عليها قالوا: عم رسول الله - ﷺ - على بغلته حتى مررت بنار عمر ابن الخطاب ﵁ فقال: من هذا؟ وقام إلي. فلما رأى أبا سفيان على عجز الدابة قال: أبو سفيان عدو الله! الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد، ثم خرج يشتد نحو رسول الله - ﷺ - وركضت البغلة فسبقته بما تسبق الدابة البطيئة الرجل البطيء. قال: فاقتحمت عن البغلة، فدخلت على رسول الله - ﷺ -، ودخل عليه عمر، فقال: يا رسول الله هذا أبو سفيان قد أمكن الله منه بغير عقد ولا عهد فدعني فلأضرب عنقه، قال: قلت: يا رسول الله إني قد أجرته ثم جلست إلى رسول الله - ﷺ -، فأخذت برأسه فقلت: والله لا يناجيه الليلة دوني رجل، فلما أكثر عمر في شأنه قال. قلت: مهلا يا عمر فوالله أن لو كان من بني عدي بن كعب ما قلت هذا، ولكنك قد عرفت أنه من رجال بني عبد ضمناف فقال: مهلا يا عباس فوالله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم، وما بي إلا أني قد عرفت إسلامك كان أحب إلى رسول الله - ﷺ - من إسلام الخطاب لو أسلم. فقال: اذهب به يا عباس إلى رحلك، فإذا أصبحت فأتني به. قال: فذهبت إلى رحلي فبات عندي فلما أصبح غدوت به إلى رسول الله - ﷺ - فلما رآه رسول الله - ﷺ - قال: ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله؟ قال: بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، والله لقد ظننت أن لو كان مع الله إله آخر غيره لقد أغنى عني شيئا بعد. قال: ويحك يا أبا سفيان! ألم يأني لك أن تعلم أني رسول الله؟ قال: بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك أما هذه والله فإن في النفس منها شيئا فقال له العباس، ويحك! أسلم واشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قبل أن تضرب عنقك، قال: فشهد ثهادة الحق، فأسلم قال العباس. قلت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر فاجعل له شيئا، قال: نعم: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن أغلق بابه فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن فلما ذهب لينصرف قال رسول الله - ﷺ -: يا عباس احبسه بمضيق الوادي عند خطم (١) الجبل. حتى تمر به جنود الله فيراها
_________________
(١) خطم الجبل: أنفه حيث يضيق.
[ ٣ / ١١٣ ]
قال: فخرجت حتى حبسته بمضيق الوادي حيث أمرني رسول الله أن أحبسه. قال: ومرت القبائل على راياتها كلها مرت قبيلة قال: يا عباس من هذه؟ فأقول سليم: فيقول: ما لي ولسليم، ثم تمر القبيلة فيقول: يا عباس من هؤلاء؟ فأقول: مزينة فيقول: ما لي ولمزينة، حتى نفذت القبائل ما تمر به قبيلة ولا يسألني عنهم، فإذا أخبرته بهم قال: ما لي ولبني فلان، حتى مر رسول الله في كتيبته الخضراء فيها المهاجرون والأنصار ﵃ لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد، فقال: سبحان الله يا عباس من هؤلاء؟ قلت: هذا رسول الله في المهاجرين والأنصار. قال: ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيما قال: قلت: يا أبا سفيان إنها النبوة. قال: فنعم إذن.
ليس ببعيد أن تكون الأنباء قد وردت متضاربة لأهل مكة حول نتائج سرية مؤته. لأن نقض قادة قريش للعهد لا بد أن يكون وراءه خلفية معينة حول ضعف محمد وأصحابه. فبعد خيبر ارتفعت الثقة بقوة المسلمين، أما إذا وصلت الأنباء إلى مكة عن فرار جيش محمد من الروم، فهذا يطمع في فتح هذه الجبهة، خاصة وأن الذين ساهموا في نقض العهد هم الذين أبرموه سهيل بن عمرو ومركز بن حفص، وحويطب بن عبد العزى، مع آخرين، وقد تكون القضية اندفاعا وحمية عمياء، إذ يذكر المقريزي (أن أنس بن زنيم الدبلي هجا رسول الله - ﷺ - فسمعه غلام من خزاعة فضربه فشجه، فثار الشر بين بني بكر (حلف قريش) وبين خزاعة (حلف رسول الله - ﷺ -) (١).
وتبدو محاولة مكشوفة تلك التي لجأت إليها قريش في إرسال أبي سفيان لتلافي الأمر وزيادة المدة وتأكيد العهد. لأنه لن يغيب عن ذهن قريش أن خزاعة ستستنجد برسول الله حليفها الأكبر. ولقد أدرك أبو سفيان منذ اللحظات الأولى فشل مهمته حين تأكد من أن بديل بن ورقاء الخزاعي قد وفد إلى المدينة والتفى برسول الله - ﷺ - بعد أن فرك بعر راحلة بديل بيده وقال: أحلف بالله لقد جاء بذيل محمدا، وذلك حين رأى النوى في بعر البعير.
وكان ذهاب بديل وهو أحد قادة مكة رفدا لعمرو بن سالم الذي جاء المسجد وعرض قضية الغدر بأسلوب مشرق مثير. وذكر بضرورة الانتصار للمضطهدين من خزاعة. وقبل أن نتحدث عن رحلة أبي سفيان لمكة، لا بد من التركيز على بعض النقاط المهمة حين نتحدث عن فتح مكة بصفته سمة بارزة في العهد المدني لا حدثا تاريخيا مر.
فالأصل في العهود بين المسلمين والمشركين أن يكون الوفاء بها من الطرفين. ورأينا عظمة تمسك النبي - ﷺ - بعهده وعقده، حتى ولو برفض قبول المؤمنين المستضعفين في المدينة، وقد شكل
_________________
(١) إمتاع الأسماع ج ١ ص ٣٥٧.
[ ٣ / ١١٤ ]
هذا الأمر لرسول الله - ﷺ - إحراجا كبيرا أمام هؤلاء المؤمنين الذين اختاروا الإسلام على الكفر. ومع ذلك أعاد أبا بصير التزاما بالعهد وقال: إنه لا يحل في ديننا الغدر.
هذه الصورة الإسلامية المشرقة.
بينما تقابلها تلك الصورة الغادرة من التواطؤ مع المعتدين، والاشتراك معهم في غزو حلفاء محمد - ﷺ - من خزاعة.
هذه هي القضية الأولى.
والقضية الثانية: هناك فرق واضح بين الاسقامة وبين الغفلة فالمسلمون لا بد أن يكونوا على يقظة تامة من تحركات من هادنوهم، وأن يكون التعامل معهم بصدق لكن بحذر. ولعل هذا الأمر يوضح فيما بعد من تحرك أبي سفيان.
والقضية الثالثة: حول طبيعة الحلف في الإسلام فانضمام خزاعة ودخولها في عقد محمد - ﷺ - وعهده يعني كل مستلزمات هذا الحلف، علما بأن خزاعة لم تكن كلها مسلمة. بل كانت قيادتها لا تزال خاضعة للمشركين. ولم تعلن هذه القيادة إنضمامها إلى المسلمين في المدينة. صحيح قد تفشى فيهم الإسلام، ولكن فيها المسلم والكافر، وعندما عاهد رسول الله - ﷺ - خزاعة عاهدها على أنها مشركة. وهذا يعني أن من حق الدولة الإسلامية حين ترى مصلحتها في حلف محدد، لا يقتضي بالضرورة أن يكون الحليف مسلما. كما أنه لا تتناقض بين هذا التحالف وبين موادة الذين يحادون الله ورسوله.
إن الشباب المسلم بحاجة إلى التفريق بين قضيتين كبيرتين:
الأولى: موادة أعداء الله ورسوله الذين يحاربون المؤمنين ويضطهدونهم من خلال قناعات فردية للشباب المسلم دون إذن أو علم قيادتهم.
الثانية: التحالف مع كافرين إختاروا أن يكونوا مع المؤمنين ضد عدو مشترك لهما معا.
وهذه هي الصورة الثانية التي تمت بين خزاعة والمسلمين. فليس الكفر مانعا من هذا التحالف ورسول الله - ﷺ - قد شرع لنا هذا الأمر.
وتبقى القضية الخلانية، حول مشروعية هذا التحالف هل هو مرتبط بكون المسلمين دولة قوية يحق لهم ذلك فقط، لأنهم وهم ليسوا دولة قد يبتلعهم حليفهم أو يفرض عليهم شروطه؟ أم إن الأمر عام مرتبط بحاجة المسلمين لهذا الأمر إذ ما رأوا مصلحة في ذلك. وإن كان لا دليل على التخصيص واضح فيدخل الأمر - والله أعلم - ضمن إطار تقدير المصلحة.
القضية الرابعة: هي الجدية في تنفيذ بنود التحالف. فعندما وقع اعتداء على خزاعة وثبت
[ ٣ / ١١٥ ]
لرسول الله - ﷺ - تواطؤ قريش مع بني بكر، لم يتمالك أن أعلنها في المسجد صريحة مدوية نصرت يا عمرو بن سالم، أو قوله: إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب أو قوله: لا نصرت إن لم أنصر بني كمب مما أنصر منه نفسي.
فهذه الجدية في تنفيذ بنود الحلف تجعل الثقة لدى الآخرين بأن ينضووا تحت لواء المسلمين لضمان نصرهم وعونهم. لكننا لو تصورنا أن رسول الله - ﷺ - لم يعر اهتاما لهذا الأمر، فهذا قد يدفع خزاعة إلى البحث عن حليف قوي ينصرها، أو التخلي على الأقل عن حلف رسول الله صلوات الله وسلامه عليه.
القضية الخامسة: هي أثر هذا التحالف في صف المتحالفين، فهذا الأمر يكسر الحدود المصطنعة بين هؤلاء الحلفاء والإسلام، أولا، وبينهم وبين المسلمين ثانيا. فهي فرصة مواتية لكي يعرض الإسلام على حقيقته دون غبش في صفوف هؤلاء الخصوم، وفرصة مواتية ثانية ليتعرف الحلفاء على طبيعة المسلمين وأخلاقهم وأفكارهم عن كثب. فتكون القدوة والدعوة من خلالها مهيأة أمام الآخرين.
وكل هذه القضايا هي في رصيد الحركة الإسلامية ذات بال تحتاج إلى استيعاب وتوضيحها لقواعدها حتى يزول اللبس في الأمور لدى شباب الحركة الذين يسيطر عليهم دائما نقاء الصف وتميزه وطهره.
وننتقل إلى مهمة أبي سفيان في المدينة.
فقد قدر رسول الله - ﷺ - هذا الأمر سلفا بثاقب نظره، وعميق فكره فقال: (كأني بأبي سفيان قد جاءكم ليشد العقد، ويزيد في المدة).
ووصل أبو سفيان المدينة، وكان يفاجأ بالفشل أينما مضى، وكيفما اتجه وذلك لأن الصف الداخلي القوي كان قلعة منيعة في وجهه، عجز من أن يتسلل إليه ولو من ثقب إبرة، ويكفي أن نعلم أن في هذا الصف المسلم القوي ابنة أبي سفيان وألصق الناس به. وقد تلقى منها منذ اللحظات الأولى أقسى درس في حياته. لا ينساه ما عاش. وذلك حين طوت فراش رسول الله - ﷺ - عنه لأنه نجس على شركه.
ولو استطاع أن يتسلل من هذه الثغرة لكانت أخطر ثغرة على الإطلاق. فهو بيت النبي - ﷺ -، ولاشك أذ العدو يحاول دائما أن ينفذ من مثل هذه الثغرات إلى الصف المسلم.
ولم يكن لدى رسول الله حرج من أن تستقبل أم حبيبة بنت أبي سفيان أبا سفيان أباها في بيت رسول الله فهو مطمئن إلى أهل بيته، واثق بزوجه.
[ ٣ / ١١٦ ]
وما أروع الثقة حين تسود في الصف المسلم، فلم يتطرق الشك إلى رسول الله - ﷺ - ولا إلى أصحابه الأدنين والأبعدين، ولا إلى بيوت أزواجه الأخرى فيغمزن من قناة ضرتهن أم حبيبة. وحتى طوي فراش النبي - ﷺ - عن أبي سفيان لم يكن بإيحاء نبوي بمقدار ما كان فطرة إسلامية خالصة.
وهنا نذكر الشباب المسلم بالفرق بين الموادة، وبين المعاملة الدبلوماسية اللازمة.
فلم ينهش المسلمون عرض أم حبيبة ﵂ وهي تستقبل أباها وترحب به. ولم تتهم في دينها أو ممالأتها للكفار، وأبو سفيان يمثل في هذه المرحلة مسؤولية غدر قريش ونقضها للعهد. وهي ﵂ لم تجد حرجا في مثل هذا الاسقبال وهذه الضيافة فهي مطمئنة إلى ثقة النبي - ﷺ -، والمسلمين بها، لكنها من الطرف الآخر، وصلت بالتميز والمفاصلة مع أبيها أكثر من المطلوب منها حين منعت أباها عن الجلوس على فراش رسول الله - ﷺ - ولا شك أن عصبة تصل الثقة في صفوفها أن تخلي بين قائد العدو وابنته في جلسة خاصة. دون أن يتطرق الشك بهذه المرأة لهي عصبة مؤهلة أن تحكم الأرض ويدين لها الخافقان.
ثم كانت المواجهة الثانية بين النبي - ﷺ - وأبي سفيان:
يقول أبو سفيان: (يا محمد إني كنت غائبا في صلح الحديبية، فاشدد العهد وزدنا في المدة.
فقال رسول الله - ﷺ -: ولذلك قدمت يا أبا سفيان؟ قال: نعم! قال: هل كان قبلكم حدث؟ قال: معاذ الله! قال: فنحن على مدتنا وصلحنا يوم الحديبية) (١).
لقد كان أبو سفيان القائد العام لجيش المشركين يريد أن يضع كل عبقريته في عقد جديد يلغي ما كان من إخلاله قبله. وتذرع بغيابه عن صلح الحديبية. ولكن أنى له أن تسري أحابيله بين يدي رسول رب العالمين فقال له ﵊: ولذلك قدمت يا أبا سفيان؟ قال: نعم! وكان بإمكان النبي - ﷺ - أن ينفعل ويغضب، ويكشف غدر قريش. لكن العلاقات السياسية لا تحل عن طريق الانفعالات، ثم استجره أكثر لعله يعترف بغدر قريش. فسأله: هل كان قبلكم حدث؟ قال: معاذ الله.
وأبو سفيان مضطر لنفي الأمر رغم معرفته به ورغم توقعه أن يكون محمد - ﷺ - قد عرف به، لأن الاعتراف فيه قد يودي بضرب عنقه، أو علمه على الأقل بهذا الغدر، ومع هذا النفي فكان الجواب الحاسم: فنحن على مدتنا وعهدنا وصلحا يوم الحديبية.
يقول الشاعر:
ليس الغبي بسيد في قومه لكن سيد قومه المتغابي
وأن تكون هذه الصورة فعلا حقيقية، وهي نجاح أبي سفيان في مهمته، أو إيهام النبي - ﷺ -
_________________
(١) إمتاع الأساع ج ١ ص ٣٥٨.
[ ٣ / ١١٧ ]
بالوفاء التام. فهو عبقرية من أبي سفيان ولا شك لكن هذه العبقرية تبدو سذاجة أمام عبقرية النبي - ﷺ - في إيهام أبي سفيان بأنه اقتنع بجوابه. وأن العهد لا يزال على ما هو عليه. فلقد سد المنافذ كلها على أبي سفيان. إذ ما معنى تجديد العقد وزيادة المدة، طالما أن قريشا على عهدها ومدتها.
ولتمام نجاح هذه المهمة، فلقد كانت الأسرار في الصف المسلم من المناعة، ومن الكتمان بحيث لا يمكن أن تبرز ولو من صفحات الوجه أن المسلمين على علم بغدر قريش. وهكذا برزت البراعة السياسية بأعلى صورها حين سدت على العدو كل منافذه وسبله.
لقد كان بإمكان أبي سفيان أن ينجح بشيء من مهمته. لو أن لحظة انفعال أو غضب سيطرت على أحد الجنود الذين التقى بهم أبو سفيان وكان يمكن أن ينجح في شيء من مهمته لو أن سرا قد أفشي من أسرار المسلمين من خلال لقاءات أبي سفيان في المدينة.
وحين يرتفع الصف المسلم إلى هذا المستوى. فلن يكون العدو قادرا على تحقيق النزر اليسير من مهمته. بله الأمر الكبير. فليس الداهية هو الذي يخدع الآخرين فقط، بل الأدهى منه هو الذي يوحي له بجواز خدعته عليه.
لقد كان بإمكان النبي - ﷺ - أن يعتقل أبا سفيان أو يهدد به، أو يهدده ولكن لم يكن تخطيط النبي - ﷺ - أن يحل الأمر بالطرق السلمية أو بحلول محدودة لقد رأى أن الأوان قد آن لفتح مكة. بعد أن أصبح حرا من العقود والعهود التي نقضها العدو. ومن أجل ذلك حرص على إخفاء أية صورة من صور التحدي والإثارة أمام أبي سفيان ثم كانت خطوات أبي سفيان المتلاحقة في اللقاء مع أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، بين من يراه أمس الناس رحما به، ومن يراه أعدى العدو ولئن اختلفت لهجة الاستقبال من عظيم إلى آخر لكنها كانت جميعا ذات مضمون واحد هي أنه لا يجير أحد على رسول الله - ﷺ - ولا يقبل أحد أن يكون وسيطا في قضية رفضها رسول الله ﵊. ولم يتورع أبو سفيان في الوساطة أن يطلب من فاطمة بنت محمد، والحسن بن فاطمة بنت محمد ﵃ أن يكونا وسطاء في زيادة المدة وتجديد العهد. وفاطمة أحب خلق الله تعالى إلى أبيها وكان الجواب واحدا لا يتغير. فلن يشفع أحد عند رسول الله - ﷺ - في هذا الأمر. بعد أن صدر الجواب الحاسم. فنحن على مدتنا وصلحنا يوم الحديبية لا نغير ولا نبدل.
وهو درس كذلك لقواعد الحركة الإسلامية وقياداتها في أن لا تحرج أمير الجماعة في أمر أعلنه والتزم به خاصة حين يكون هذا الأمر مع خصوم الجماعة أو أعدائها أو حلفائها على السواء أو أن يبرز خلاف في الرأي أمام هذا الحليف أو ذاك العدو مهما كانت الأسباب الموجبة لذلك فالأصل أن يصدر الجميع عن رأي واحد خلف قيادتهم وبدون تردد.
[ ٣ / ١١٨ ]
وأبو سفيان يدرك أن رسول الله - ﷺ - لن يرد شفاعة وجاه أقرب المقربين إليه مثلل أصحابه الأربعة، وابنته وابن ابنته، وإدراك هذا المعنى عند أبي سفيان جعله يقول لفاطمة ﵂: يا ابنة محمد هل لك أن تأمري بنيك هذا فيجير بين الناس فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر (١)؟ لأنه يتصور أن هذه الإجارة ستوقف حربا ضروسا بين مكة والمدينة لأنه يعلم أن الأخبار لا بد واردة إلى النبي - ﷺ -. ولن يقبل محمد أن يكون مهيض الجناح، فيسكت على ذبح حلفائه.
وننظر هنا إلى الخطوط العامة التي سادت مكة بعد عودة أبي سفيان فنراها تنصب على الاتجاه الذي سلكه رسول الله - ﷺ - في أمر الناس بالتجهز والتهيؤ في بادىء الأمر، حتى أن أبا بكر الوزير الأول ما يدري لأي مكان الاتجاه ويسأل ابنته عائشة عن الأمر: فأين ترينه يريد؟ قالت: لا والله ما أدري ثم يوضح الهدف بعد ذلك بإعلام الناس بالتهيؤ إلى مكة. مع المحافظة على سرية التحرك: (اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها).
ولم يند عن هذه السرية في المدينة إلا حاطب بن أبي بلتعة ﵁. وكانت زلة ضخمة دفعه لها حرصه على ولده وأهله. ومثل هذا المستوى مرفوض من حاطب البدري، وهو من الثقة لدى رسول الله - ﷺ - أن كان بمهمة ضخمة بعد الحديبية، بأن كان ممثل الرسول - ﷺ - إلى المقوقس وقام بدور إيجابي ضخم في شرح رسالة الإسلام، ومع ذلك كانت هذه السقطة منه. ورأى عمر ﵁ فيها أنها نفاق يستحق صاحبها القتل. غير أن الماضي العظيم لحاطب شفع له عند رسول الله - ﷺ - حيث أجاب: (لعل الله اطلع على أهل بدر يوم بدر فقال: إعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم). ولا شك أن خطيئة القدوة ضخمة في صفوف العامة. ومثل حاطب ﵁ في موطن القدوة. غير أن رسول الله - ﷺ - لا يستغني عن أحد من أصحابه. ويكفي ما جاء من المحاكمة العلنية أمام الناس، والقرآن الكريم الذي جاء بإدانته على هذا التصرف.
وتأتي خطورة القضية في أنها تمت دون علم القيادة، ودوافعها مصلحة الأهل والولد.
وهذا الدرس يعني بالنسبة للشباب المسلم أنه لا معصوم إلا من عصمه الله تعالى، وقد تقع الزلة والخطيئة ممن هم في موقع الولاية والمسؤولية والذين هم أصحاب الأسرار العامة والخاصة ومثل هذه الخطيئة تستحق القتل فهي بمثابة الخيانة العظمى، ولعل هذه الخاصية -حضور بدر-
_________________
(١) لم يكن أبو سفيان يدري أنه يتكلم في ظهر الغيب وأن الحسن بن علي صار سيد العرب والمسلمين إلى آخر الدهر، وذلك بعد ثلث قرن من فتح مكة على التقريب حين أجار بين الناس، وأوقف نزيف الدماء بين المسلمين بعد ستة أشهر من خلافته، وحقق نبوءة جده ﵊ حين قال فيه: (إن ابني هذا سيد، ولعل الله يصلح به بين فئتين من المسلمين.) وكانت سيادته تكمن في حقنه للدماء بعد عشرات الألوف من القتلى في صفوف المسلمين، ولا نبعد أبدا أن يكون حديث النبي - ﷺ - عن ابنه الحسن في تلك الفترة، وعقب كلمة أبي سفيان لأن النبي - ﷺ - توفي ولما يناهز الحسن من العمر خمس سنين.
[ ٣ / ١١٩ ]
هي التي شفعت لحاطب ﵁، وما أعتقد أن أي عمل في الإسلام اليوم يعدل حضور بدر إذ أن ذلك وحي من الله تعالى غير أن المعنى العام الذي يفقهه الدعاة، هو أن بلاء الرجل وجهاده قد يشفعان له في تخفيف العقوبة لا بإلغائها. وهو ضلال عن سواء السبيل كما ذكره القرآن الكريم.
وتأتي الصورة الأخيرة في الاستنفار العام للعرب جميعا من المدن والحضر الذين دخلوا في دين الله وكانت صيغة الاستنفار: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحضر رمضان بالمدينة .. وبعث رسلا في كل ناحية حتى قدموا فقدمت أسلم وغفار ومزينة وجهينة وأشجع المدينة وأتت بنو سليم بقديد، وعسكر ببئر أبي عنبة، وعقد الألوية والرايات).
ومع كل هذا التوسع فقد حافظ المسلمون جميعا على سرية التحرك، وكان الدرس القاسي الذي نزل قرآنا يتلى بحق حاطب ﵁ قد تعمم على الجيش كله. ولم يجرؤ أحد بعد وفي قلبه إيمان بالله ورسوله أن يخون هذه الخيانة، ونجحت سرية التحرك دون أن تصل الأخبار إلى مكة.
وما كان لمثل هذا التحرك الضخم أن ينجح لولا قوة هذا الصف وسلامته.
ولم تكن الخطيئة الكبيرة من حاطب لتغير من هذه النظرة. رغم أن المهاجرين والأنصار لا يبلغون نصف الجيش (فقد كان المهاجرون سبعمائة ومعهم ثلاثمائة فرس، وكانت الأنصار أربعة آلاف ومعهم خمسمائة فرس، وكانت مزينة ألفا فيها مائة فرس ومائة درع، وكانت أسلم أربعمائة فيها ثلاثون فرسا، وكانت جهينة ثمانمائة معها خمسون فرسا، وكانت بنو كعب بن عمرو خمسمائة).
وبمقارنة هذا العدد الهائل والاستجابة للنفير العام مع التباطؤ والتلكؤ يوم الحديدبية، نلاحظ الفرق بين تحرك الناس قبل التمكن وتحركهم بعده. ولقد قرع القرآن الكريم في سورة الفتح أولئك الأعراب الذين تباطؤوا وتخاذلوا عن هذا النفير حتى حرموا من حضور خيبر بعدها، هم هم أنفسهم اليوم ينضمون بالآلاف إلى الجيش الإسلامي، وهذا المعنى يرتبط بالفتح المبين يوم الحديبية. فثبات النفر القليل أيام المحنة والأيام السود هو الدرس الحي الذي يقود جحافل الناس بعد المحنة. وثبات النفر القليل هو الذي هيأ الجو لمثل هذه المعاهدة، وهذا لجو هو الذي فتح القلوب للإسلام، والجو المفتوح البعيد عن الخوف، الخالي من المخاطر، هو الذي هيأ المجال للتحرك الجاد من القاعدة الصلبة إلى نفوس الناس المتعطشة لهذا الدين، وما كان لمثل هذا التجمع أن يعطي فعاليته لولا ثبات الرواد الأوائل على الطريق، وقدرتهم على ضم هذه الأعداد الهائلة إلى المعركة.
[ ٣ / ١٢٠ ]
ونلتقي مع أبي سفيان بن الحارث وعبد الله بن أبي أمة والعباس بن عبد المطلب من أهل بيت النبي - ﷺ - يتحركون للإسلام أما مهمة العباس فقد انتهت فكان لابد له أن يدرك الهجرة وأما أبو سفيان بن الحارث وعبد الله بن أبي أمية هم أعدى العدو بالحسام وبالبيان. ولقد رفض رسول الله - ﷺ - بادىء ذي بدء قبولها بقوله: (أما ابن عمي فقد هتك عرضي، وأما ابن عمتي فهو الذي قال لي بمكة ما قال). وقول عبد الله بن أبي أمية بقي جرحا غائرا يحفر في قلب النبي - ﷺ - بعد مرور ما ينوف عن خمسة عشر عاما. فهو الذي قال: (والله لا أؤمن بك حتى تصعد إلى السماء، وتدخل فيها ثم ترجع ومعك كتاب ومعك أربعة من الملائكة يشهدون أن هذا من عند الله ولو فعلت هذا ما أظن أني أصدقك،) وضاقت الأرض بما رحبت بهذين الطريدين فقال أبو سفيان: والله ليأذنن لي أو لآخذن بيدي بني هذا ثم لنذهبن في الأرض حتى نموت عطشا .. ويلجأ أبو سفيان بن الحارث لابن عمه علي بن أبي طالب، ويشكو عبد الله بن أبي أمية لأم المؤمنين أم سلمة (فقالت: يا رسول الله لا يكن ابن عمك وابن عمتك أشقى الناس بك، وقال علي لأبي سفيان بن الحارث: أئت رسول الله - ﷺ - من قبل وجهه فقل له ما قال إخوة يوسف ليوسف ﴿قالوا تالله لقد آترك الله علينا وإن كنا لخاطئين﴾ فإنه لا يرضى أن يكون أحد أحسن قولا منه. ففعل ذلك أبو سفيان فقال له رسول الله - ﷺ -) لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين) ومسحت حرب عشرين عاما من الهجاء والإقذع بكلمة واحدة أمام أعظم نفس بشرية لأن مفتاحه أنه لا يرضى أن يكون أحد أحسن منه قولا (١) فلقد أدرك علي ﵁ مفتاح شخصية النبي - ﷺ - وهذا المفتاح هو أنه قمة الكمال البشري. فلا يرضى ﵊ لنفسه موقفا أدنى من غيره وهو المؤهل للقدوة العليا للبشرية في الأرض.
ومن الموقع نفسه نشهده مع أبي سفيان بن حرب ولقد جاء به العباس بن عبد المطلب ليأخذ له أمانا من النبي - ﷺ - عله ينقذ مكة من المواجهة ومما يثلج الصدر أن تكون رواية العباس بن عبد المطلب ﵁ بين أيدينا، وهو يعرض لنا حرصه على نجاة مكة.
(فقلت: واصباح قريش. والله لئن دخل رسول الله - ﷺ - مكة عنوة قبل أن يأتوه فيستأمنوه إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر).
ونجد أن هذا الاتجاه لا يخرج عن رغبة النبي - ﷺ -، فهو حريص على أن تستسلم مكة دون قتال، وهو حريص على حقن الدماء في مكة لتسلم له قلوب أهلها. وتكون مستعدة بالمعاملة الحسنة الكريمة الطيبة أن تنضم إلى الإسلام.
فنحن لسنا أمام قائد عسكري فقط، وهو سيد القادة في الأرض تهيئة وتخطيطا، وإعدادا
_________________
(١) الرحيق المختوم ص ٤٤٨، ٤٤٩.
[ ٣ / ١٢١ ]
ومواجهة لكننا كذلك أمام رسول رب العالمين، لا يريد أن يشقى أحد على يديه. فهو الرحمة المهداة. ولكم كان حريصا على هداية قومه حتى ليعاتبه ربه ﷿ بذلك ﴿فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا﴾ (١) ٠ ولم تغير حرب عشرين عاما من نفسه الطاهرة الشريفة بأن يكون الانتقام رائده. بل بقي النور الذي يغمر الظلام مهما اشتد. ويمثل هذه النفسية العليا في الأرض رؤيا أبي بكر وتفسير النبي ﵊ لها: (فرأى أبو بكر الصديق ﵁، في الليلة التي أصبح فيها بالجحفة، أن النبي - ﷺ - لما دنوا من مكة خرجت عليهم كلبة تهر، فلما دنوا منها استلقت على ظهرها. فإذا أطباؤها (٢) تشخب لبنا، فذكرها أبو بكر فقال رسول الله - ﷺ -: ذهب كلبهم (٣)، وأقبل درهم. هم سائلوكم بأرحامكم! وأنتم لاقون بعضهم فإن لقيتم أبا سفيان فلا تقتلوه) (٤).
لقد أطلقنا على هذه المرحلة، مرحلة الجهاد السياسي، ولكنه من أعلى مواقع القوة العسكرية.
فليس هذا الاتجاه عن عجز أو وهن. بل لأن القوة الضاربة هي التي تلجم اندفاعات العدو وتكبح جماحه وتتيح الفرصة لصوت الحق أن يظهر فحرص النبي - ﷺ - على سلامة مكة من حرب ضروس هو الذي دفعه لأن يدعو (اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها) وحرص العباس على سلامة قريش هو من مشكاة النبوة يريدها أن يسقط في يدها فتستسلم دون حرب وتستأمن لنفسها، فلا تجد حرجا أو غضاضة بعدها في الإسلام، أما لو وقعت المقتلة العظيمة في كل بيت من قريش وفي بطحاء مكة، فستدخل هذه القلوب في الإسلام ذليلة.
ويتضح حرص النبي - ﷺ - على هذا المعنى كذلك من موقفه من سيد الخزرج سعد بن عبادة فقد (كانت راية الأنصار مع سعد بن عبادة، فلما مر بأبي سفيان قال له: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة، اليوم أذل الله قريشا، غلما حاذى رسول الله - ﷺ - أبا سفيان قال: يا رسول الله ألم تسمع ما قال سعد؟ قال: وما قال؟ فقال: كذا وكذا. فقال عثمان وعبد الرحمن بن عوف: يا رسول الله ما نأمن أن يكون له في قريش صولة: فقال رسول الله - ﷺ -: بل اليوم يوم المرحمة، اليوم تعظم فيه الكعبة، اليوم يوم أعز الله قريشا، ثم أرسل إلى سعد فنزع منه اللواء، ودفعه إلى ابنه قيس، ورأى أن اللواء لم يخرج عن سعد، وقيل بل دفعه إلى الزبير) (٥).
_________________
(١) الكهف: الآية ٦.
(٢) أطباؤها: جمع طبي، وهي حلمات الضرع التي فيها اللبن.
(٣) كلبهم: سعار يأخذ الكلاب فتنبح وتعض.
(٤) إمتاع الأسماع ج ١ ص ٣٦٧، ٣٦٨.
(٥) الرحيق المختوم ص ٤٥٢. وقد وردت عند ابن إسحاق وابن عساكر وموسى بن عقبة بروايات متقاربة.
[ ٣ / ١٢٢ ]
فعز قريش وتعظيم الكعبة والحرص على حقن الدماء هو الخط العام الذي يتحرك رسول الله - ﷺ - من خلاله لكنه مع ذلك لا يريد أن يؤذي أكبر أنصاره سعد ﵁ وهو الذي كان والخزرج كتائب الفداء الأولى في الإسلام فأخذ الراية وأعطاها لابنه قيس؛ وقيس في حلمه ورجاحة عقله ودهائده ما يجعل رسول الله - ﷺ - يطمئن إلى جانبه ألا يندفع في ثورته ونقمته على قريش بمقدار ما يندفع ضمن الخط النبوي المرسوم.
وكان ذلك اللقاء التاريخي بين قائد جيش العدو-أبي سفيان- الذي وصل شبيه الأسير بين يدي محمد - ﷺ -. وتحققت نبوءة عتبة بن ربيعة ند أبي سفيان الذي قال له ذات يوم في بطحاء مكة: (لكأني بك يا أبا سفيان تساق إلى محمد كما يساق الجدي ليفعل بك ما يشاء).
وها هو بين يدي رسول الله - ﷺ -. ولا يحتمل الأمر أكثر من إشارة، أو حركة في العين ليطاح رأسه عن جسده. لكن سيد الدعاة - ﷺ - لا ينسى أن إسلام أبي سفيان يعني تحولا تاما في مكة وفي بني أمية بالذات. وهم أعدى الأعداء. ورمى ﵊ عداء عشرين عاما خلف ظهره ليقول لأبي سفيان: (أما آن لك أن تشهد أن لا إله إلا الله؟ فيجيبه: بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك. والله لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره لقد أغنى عني شيئا بعد) إنه وهو الذي لا يزال على جاهليته يصعقه نبل محمد - ﷺ - ويهزمه في أعمق أعماقه. فيفديه بأبيه وأمه وما يتمالك عن القول: ما أحلمك وأكرمك وأوصلك. ثم يأتي السؤال الثاني ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله قال: بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك أما هذه والله فإن في النفس منها حتى الآن شيئا.
وإنها لقمة الانتصار في موازين الرجال وفي معارك النفوس أن يبهت القائد العام للعدو بخلق خصمه الأول فلا يتمالك عن الثناء على حلمه وكرمه وصلته للرحم بل يفديه بأبيه وأمه. وأدرك العباس ﵁ أن عدم إسلام أبي سفيان لن يضمن تجديد معركة وحرب وفي هذه الحالة فقتل أبي سفيان قبل أن يجيش الجيوش من جديد هو الذي تقتضيه طبيعة الخطة النبوية، ومن أجل ذلك قال العباس لأبي سفيان: ويحك أسلم واشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قبل أن تضرب عنقك. قال: فشهد شهادة الحق فأسلم. ومع أن هذا الإسلام واضح أنه خوف من السيف. لكن ليس من طبيعة زعيم كأبي سفيان أن يرضى غدرة من خلال إسلامه أو يرضى تلطيخ تاريخه أنه جبن أمام رسول الله محمد. فتمضي سبة عليه بين العرب والعباس الخبير بنفس أبي سفيان طلب من رسول الله - ﷺ - شيئا من الفخر لابن حرب فقال ﵊: من دخل الكعبة فهو آمن ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن.
فالميزة التي أخذها من هذا الفخر، إظهار لزعامته في قريش، وهذا حق مكتيب له لكن دون أن يبني عليها تعديل ذرة واحد من الخطة، وحين لا تتعارض الجزئية مع الكليات العامة فلا
[ ٣ / ١٢٣ ]
ضير في ذلك.
ولتحقيق الهدف الأساسي من تفويت الفرصة على قريش في أن لا تعد العدة ولا تواجه الحرب كان لا بد من استعراض القوات الإسلامية المسلحة أمام أبي سفيان وذلك عند خطم الجبل حتى ييأس نهائيا من المقاومة فيقنع قريشا بضرورة الاستسلام وها هي نفسيته تلوح وهو يشهد قبائل العرب التي كانت قبل عامين كلها معه ضد محمد. فيقول وهو يرى الكتيبة الخضراء بعد أن هدته القبائل (ما رأيت مثل هذه الكتيبة قط ولاخبرنيه مخبر ما لأحد به طاقة ولا يدان، لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما). إنها خطتان تمشيان جنبا إلى جنب.
الخطة الأولى: تلامس نفس هذا القائد في أعماقه وتدعوه إلى الإسلام لتفت في عضد قريش فماذا بعد إسلام قائدها الأكبر أو استسلامه.
الخطة الثانية: أن يحطم نفسية المقاومة عنده بحيث يشهد بأم عينه جيش النبوة الذي تهتز الأرض اعتزازا به. وهو يعلم أنه فشل في حربه ولما يتجاوز جيش محمد ثلاثمائة رجل فكيف به أمام عشرة آلاف مقاتل؟
ولا يسعنا قبل أن نغادر أبا سفيان أن نعرض له وهو يرى سيف عمر بن الخطاب ينتظر أمر رسول الله - ﷺ - ليهوي عليه فيقطع رأسه عن جسده. ويرى إلحاح عمر وإلحاح العباس فيه حتى ليكادان يختصمان عليه وفيه. فيحميه رسول الله - ﷺ - ويراجع رصيده قبل عامين وهو في بلاط قيصر الذي يقسم أن محمدا سيطأ ما بين رجليه. وأنه يتمنى أن يكون عنده فيقبل الأرض بين قدميه ونستطيع القول، أن إنهاء أبي سفيان من المعركة هو القضاء على ثلثي العدو فيها. وكم يكون ربح الحركة الإسلامية في القمة حين ينهى جيش العدو بالإجهاز على قائده. وليس إجهاز الإفناء، بل هو إدخاله في الإسلام. وأن تجتنب معركة بتحييد قائدها لصالح الإسلام مع أن الطريق الوحيد لذلك هو القوة الرادعة القادرة على أن تقنع هذا القائد فتعطيه عوضا عن الذل، حلما وكرما وصلة تجعله يفدي أمير المسلمين بأمه وأبيه. إنه الشرط الطويل لكنه هو الطريق.
نصر الله والفتح
رجوع أبي سفيان إلى أهل مكة:
قال: قلت النجاء إلى قومك، حتى إذا جاءهم صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش، هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، فقامت إليه هند بنت عتبة
[ ٣ / ١٢٤ ]
فأخذت بشاربه. فقالت: اقتلوا الحميت الدميم الأحمس (١) قبح من طليعة قوم! قال: ويلكم لا تغرنكم هذه من أنفسكم فإنه قد جاءكم ما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، قالوا: قاتلك الله وما تغني عنا دارك، قال: ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد.
وصول النبي إلى ذي طوى: قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي بكر: أن رسول الله - ﷺ - لما انتهى إلى ذي طوى. وقف على راحلته معتجرا بشقة برد حبرة (٢) حمراء وإن رسول الله - ﷺ - ليضع رأسه تواضعا لله حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح، حتى إن عثنونه ليكاد يمس واسطة الرحل.
دخول جيوش المسلمين مكة: وحدثني عبد الله بن أبي نجيح أن رسول الله - ﷺ - حين فرق جيشه من ذي طوى، أمر الزبير بن العوام أن يدخل في بعض الناس من كدى، وكان الزبير على المجنبة اليسرى، وأمر سعد بن عبادة أن يدخل في بعض الناس من كداء (٣).
طريق المسلمين في دخول مكة: قال ابن إسحاق: وقد حدثني عبد الله بن أبي نجيح في حديثه: أن رسول الله - ﷺ - أمر خالد بن الوليد، فدخل من الليط، أسفل مكة في بعض الناس.
وكان خالد على المجنبة اليمنى، وفيها أسلم وسليم وغفار ومزينة وجهينة وقبائل من قبائل العرب وأقبل أبو عبيدة بن الجراح بالصف من المسلمين ينصب لمكة بين يدي رسول الله - ﷺ - ودخل رسول الله من أذاخر حتى نزل بأعلى مكة، وضربت له هناك قبته.
تعرض صفوان في نفر معه للمسلمين: قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي نجيح وعبد الله بن أبي بكر أن صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو كانوا قد جمعوا ناسا بالخندمة ليقاتلوا، وقد كان حماس بن قيس بن خالد، أخو بني بكر يعد سلاحا قبل دخول رسول الله - ﷺ - ويصلح منه، فقالت له امرأته: لماذا تعد ما أرى؟ قال: لمحمد وأصحابه قالت: والله ما أراه يقوم لمحمد وأصحابه شيء: قال والله إني لأرجو أن أخدمك بعضهم، ثم قال:
إن يُقبلوا اليوم فما لي عِلَّه هذا سلاح كامل وأله (٤)
وذو عزارين سريع السِّله (٥)
ثم شهد الخندمة مع صفوان، وسهيل وعكرمة، فلما لقيهم المسلمون من أصحاب خالد
_________________
(١) الحميت الدميم الأحمس: الشديد اللحم والمعنى على تشبيه الرجل بالزق لعبالته وسمنه.
(٢) الحبرة: ضرب من ثياب اليمن.
(٣) جبل بأعلى مكة (كداء).
(٤) أله: الحربة لها سنان طويل.
(٥) ذو عزارين: ذو حدين.
[ ٣ / ١٢٥ ]
ابن الوليد ناوشوهم شيئا من قتال، فقتل كرز بن جابر، أحد بني محارب وخنيس بن خالد حليف بني منقذ وأصيب من جهينة سلمة بن الميلاء، وأصيب من المشركين ناس قريب من اثنى عشر رجلا، أو ثلاثة عشر رجلا، ثم انهزموا فخرج حماس منهزما حتى دخل بيته، ثم قال لامرأته: أغلقي علي بابي قالت: فأين ما كنت تقول؟ فقال:
إنك لو شهدت يوم الخندمة إذ فر صفوان وفر عكرمة
وأبو يزيد قائم كالموتمة واستقبلتهم بالسيوف المسلمة
يقطعن كل ساعد وجمجمة ضربا فلا يسمع إلا غمغمة
لهم نهيت خلفنا وهمهمة لم تنطقي باللوم أدنى كلمة
وكان شعار أصحاب رسول الله - ﷺ - يوم فتح مكة وحنين والطائف شعار المهاجرين يا بني عبد الرحمن، وشعار الخزرج: يا بني عبد الله وشعار الأوس: يا بني عبيد الله.
عهد رسول الله إلى أمرائه وأمره بقتل نفر ممن سماهم: وإن كان رسول الله - ﷺ - قد عهد إلى أمرائه من المسلمين، حين أمرهم أن يدخلوا مكة، أن لا يقاتلوا إلا من قاتلهم، إلا أنه قد عهد إلى نفر سماهم أمر بقتلهم وإن وجدوا تحت أستار الكعبة منهم عبد الله بن سعد وإنما أمر رسول الله - ﷺ - بقتله لأنه قد كان أسلم وكان يكتب لرسول الله - ﷺ - الوحي. فارتد مشركا راجعا إلى قريش. ففر إلى عثمان بن عفان وكان أخاه للرضاعة فغيبه حتى أتى به رسول الله - ﷺ - بعد أن اطمأن الناس وأهل مكة فاستأمن له فزعموا أن رسول الله - ﷺ - صمت طويلا ثم قال نعم. فلما انصرف عنه عثمان قال رسول الله - ﷺ - لمن حوله من أصحابه لقد صمت ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه. فقال رجل من الأنصار: فهلا أومأت إلي يا رسول الله؟ قال: إن النبي لا يقتل بالإشارة. وعبد الله بن خطل رجل من تيم إنما أمر بقتله أنه كان مسلما. فبعثه رسول الله - ﷺ - مضدقا وبعث معه رجل من الأنصار وكان معه مولى له يخدمه. وكان مسلما فنزل منزلا، وأمر المولى أن يذبح له تيسا فيصنع له طعاما. فنام واستيقظ ولم يصنع له شيئا، فعدا عليه فقتله، ثم ارتد مشركا وكانت له قينتان: وكانتا تغنيان بهجاء رسول الله - ﷺ - فأمر رسول الله بقتلهما معه. والحويرث بن نقيذ. وكان ممن يؤذيه بمكة. (قال ابن هشام: وكان العباس بن عبد المطلب قد حمل فاطمة وأم كلثوم ابنتي رسول الله - ﷺ - من مكة يريد بهما المدينة؛ فنخس بهما الحويرث فرمى بهما إلى الأرض) ومقيس بن حبابة. وإنما أمر رسول الله - ﷺ - بقتله، لقتل الأنصاري الذي كان قتل أخاه خطأ ورجوعه إلى قريش مشركا وسارة مولاة بني عبد المطلب، وعكرمة بن أبي جهل وكانت سارة ممن يؤذيه بمكة. فأما عكرمه فهرب إلى اليمن، وأسلمت امرأته أم حكيم بنت الحارث بن هشام. فاستأمنت له من رسول الله - ﷺ - فأمنه. فخرجت في طلبه إلى اليمن حتى أتت به إلى رسول الله - ﷺ - فأسلم، وأما عبد الله بن خطل فقتله سعيد بن حريث وأبو برزة الأسلمي،
[ ٣ / ١٢٦ ]
اشتركا في دمه، وأما مقيس بن حبابة فقتله نميلة بن عبد الله رجل من قومه وأما قينتا ابن خطل فقتلت إحداهما، وهربت الأخرى، حتى استؤمن لها وأما سارة فاستؤمن لها فأمنها .. وأما الحويرث بن نقيذ فقتله علي بن أبي طالب.
حديث الرجلين اللذين أمنتهما أم هانىء: قال ابن إسحاق: وحدثني سعيد بن أبي هند عن أبي مرة مولى عقيل بن أبي طالب، أن أم هانىء ابنة أبي طالب قالت: لما نزل رسول الله - ﷺ - بأعلى مكة، فر إلي رجلان من أحمائي، من بني مخزوم. وكانت عند هبيرة بن أبي وهب المخزومي، قالت: فدخل علي علي بن أبي طالب أخي فقال: والله لأقتلنهما، فأغلقت عليهما باب بيتي، ثم جئت رسول الله - ﷺ - وهو بأعلى مكة، فوجدته يغتسل من جفنة إن فيها لأثر العجين، وفاطمة ابنته تستره بثوبه، فلما اغتسل أخذ ثوبه فتوشح به، ثم صلى ثماني ركعات من الضحى، ثم انصرف إلي فقال: مرحبا وأهلا يا أم هانىء، ما جاء بك؟ فأخبرته خبر الرجلين وخبر علي؛ فقال: قد أجرنا من أجرت وأمنا من أمنت، فلا يقتلهما.
طواف الرسول بالبيت وكلمته فيه: قال ابن إسحاق: وحدثني محمد جعفر بن الزبيرى، عن عبد الله بن عبد الله بن أبي ثور، عن صفية بنت شيبة، أن رسول الله - ﷺ - لما نزل مكة، واطمأن الناس خرج حتى جاء البيت، فطاف به سبعا على راحلته، يستلم الركن بمحجن في يده، فلما قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة فأخذ منه مفتاح الكعبة ففتحت له، فدخلها، فوجد فيها حمامة من عيدان فكسرها بيده، ثم طرحها، ثم وقف على باب الكعبة وقد استكف (١) له الناس في المسجد.
قال ابن إسحاق: فحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله - ﷺ - قام على باب الكعبة فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا كل مأثرة أو دم أو مال يدعى فهو تحت قدمي هاتين إلا سدانة البيت وسقاية الحاج ألا وقتيل الخطأ شبه العمد بالسوط والعصا ففيه الدية مغلظة، مائة من الإبل، أربعون منها في بطونها أولادها. يا معشر قريش. إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء الناس من آدم، وآدم من تراب ثم تلا هذه الآية: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير﴾. ثم قال: يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيرا أخ كريم وابن أخ كريم قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء.
إقرار الرسول - ﷺ - ابن طلحة على السدانة: ثم جلس رسول الله - ﷺ - في المسجد فقام إليه علي بن أبي طالب فقال: يا رسول الله اجمع لنا الحجابة مع السقاية صلى الله عليك فقال رسول
_________________
(١) استكف له الناس: تجمعوا له وتحلقوا حوله.
[ ٣ / ١٢٧ ]
الله - ﷺ -: أين عثمان بن طلحة فدعي له، فقال: هال مفتاحك يا عثمان اليوم يوم بر ووفاء.
أمر الرسول بطمس ما في البيت من صور: قال ابن هشام: وحدثني بعض أهل العلم، أن رسول الله - ﷺ - دخل البيت يوم الفتح، فرأى فيه صور الملائكة وغيرهم، فرأى إبراهيم ﵇ مصورا في يده الأزلام يستقسم بها، فقال: قاتلهم الله جعلوا شيخنا يستقسم بالأزلام، ما شأن إبراهيم والأزلام ﴿ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين﴾ ثم أمر بتلك الصور كلها فطمست.
سبب إسلام عتاب والحارث بن هشام: قال ابن هشام: وحدثني أن رسول الله - ﷺ - دخل الكعبة عام الفتح ومعه بلال، فأمره أن يؤذن وأبو سفيان بن حرب عتاب بن أسيد والحارث بن هشام جلوس بفناء الكعبة، فقال عتاب بن أسيد: لقد أكرم الله أسيدا ألا يكون سمع هذا فسمع منه ما يغيظه. فقال الحارث بن هشام: أما والله لو أعلم أنه محق لاتبعته، فقال أبو سفيان: لا أقول شيئا لو تكلمته لأخبرت عني هذه الحصى، فخرج عليهم النبي - ﷺ - فقال: قد علمت الذي قلتم ثم ذكر ذلك لهم: فقال الحارث وعتاب: نشهد أنك رسول الله والله ما اطلع على هذا أحد كان معنا فنقول أخبرك.
سقوط أصنام الكعبة بإشارة من الرسول: قال ابن هشام: وحدثني من أثق به من أهل الرواية في إسناد له عن ابن شهاب الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: دخل رسول الله - ﷺ - مكة يوم الفتح على راحلته، فطاف عليها وحول البيت أصنام مشدودة بالرصاص، فجعل النبي - ﷺ - يشير بقضيب في يده إلى الأصنام ويقول: ﴿جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا﴾. فما أشار إلى صنم منها في وجهه إلا وقع لقفاه، ولا أشار إلى قفاه إلا وقع لوجهه. حتى ما بقي منها صنم إلا وقع. فقال تميم بن أسد الخزاعي في ذلك:
وفي الأصنام معتبر وعلم لمن يرجو الثواب أو العقابا
كيف أسلم فضالة: قال ابن هشام: وحدثني: أن فضالة بن عمير بن الملوح الليثي أراد قتل الرسول - ﷺ - وهو يطوف بالبيت عام الفتح، فلما دنا منه، قال رسول الله - ﷺ -: أفضالة؟ قال: نعم فضالة يا رسول الله: قال: ماذا كنت تحدث به نفسك؟ قال لا شيء كنت أذكر الله، قال: فضحك النبي - ﷺ - ثم قال: استغفر الله، ثم وضع يده على صدره فسكن قلبه. فكان فضالة يقول: والله ما رفع يده عن صدري حتى ما من خلق الله شيء أحب إلي منه. قال فضالة: فرجعت إلى أهلي، فمررت بامرأة كنت أتحدث إليها، فقالت: هلم إلى الحديث فقلت: لا. وانبعث فضالة يقول:
قالت هلم إلى الحديث فقلت لا يأبى عليك الله والإسلام
[ ٣ / ١٢٨ ]
لو ما رأيت محمدا وقبيله بالفتح يوم تكسر الأصنام
لرأيت دين الله أضحى بيننا والشرك يغشى وجهه الإظلام
أمان الرسول لصفوان بن أمية: قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن جعفر، عن عروة بن الزبير، قال: خرج صفوان بن أمية يريد جدة ليركب منها إلى اليمن، فقال عمير بن وهب: يا نبي الله إن صفوان بن أمية سيد قومه، وقد خرج هاربا منك، ليقذف نفسه في البحر فأمنه صلى الله عليك، قال: هو آمن؛ قال: يا رسول الله فاعطني آية يعرف بها أمانك، فأعطاه رسول الله - ﷺ - عمامته التي دخل فيها مكة، فخرج بها حتى أدركه، وهو يريد أن يركب البحر. فقال: يا صفوان، فداك أبي وأمي. الله الله في نفسك أن تهلكها. فهذا أمان من رسول الله - ﷺ - قد جئتك به، قال: ويحك! أغرب عني فلا تكلمني. قال: أي صفوان، فداك أبي وأمي أفضل الناس وأبر الناس، وأحلم الناس، وخير الناس، ابن عمك، عزه عزك وشرفه وملكه ملكك قال: إني أخافه على نفسي، قال: هو أحلم من ذاك وأكرم، فرجع معه حتى وقف به على رسول - ﷺ - فقال صفوان: إن هذا يزعم أنك أمنتني، قال: صدق، قال: فاجعلني في الخيار شهرين؛ قال: أنت بالخيار فيه أربعة أشهر.
إسلام عكرمة وصفوان: قال ابن إسحاق: وحدثني الزهري: أن أم حكيم بنت الحارث بن هشام، وفاختة بنت الوليد، وكانت فاختة عند صفوان بن أمية، وأم حكيم عند عكرمة بن أبي جهل، أسلمتا، فأما أم حكيم فاستأمنت رسول الله - ﷺ - لعكرمة فأمنه. فلحقت به في اليمن فجاءت به. فلما أسلم عكرمة وصفوان أقرهما رسول الله - ﷺ - عندهما على النكاح الأول.
إسلام ابن الزبعري: قال ابن إسحاق: وحدثني سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت، قال: رمى حسان ابن الزبعري وهو بنجران بيت واحد ما زاده عليه:
لا تعدمن رجلا أحلك بغضه نجران في عيش أخد ليئم
فلما بلغ ذلك ابن الزبعرى خرج إلى رسول الله - ﷺ - فأسلم، فقال حين أسلم:
يا رسول المليك إن لساني رائق ما فتقت إذ أنا بور
إذ أباري الشيطان في سنن الغي ومن مال ميله مثبور
آمن اللحم والعظام لربي ثم قلبي الشهيد أنت النذير
إنني عنك زاجر ثم حيا من لؤي وكلهم مغرور (١).
إسلام سهيل بن عمرو: وكان سهيل بن عمرو أغلق عليه بابه، وبعث إلى ابنه عبد الله بن سهيل أن يأخذ له أمانا فأمنه رسول الله - ﷺ - وقال: من لقي سهيل بن عمرو فلا يشد النظر إليه
_________________
(١) مقتطفات من السيرة لابن إسحاق من ص ٤٠٥ - ٤١٩ ج ٤ ط. دار الكنوز الأدبية.
[ ٣ / ١٢٩ ]
فلعمري إن سهيلا له عقل وشرف وما مثل سهيل جهل الإسلام، ولقد رأى ما كان يوضع (١) فيه أنه لم يكن له بنافع. فخرج عبد اله إلى أبيه فأخبره فقال: سهيل: كان والله برا صغيرا وكبيرا فخرج وشهد حنين وأسلم بالجعرانة (٢).
نتحدث عن هذا النصر والفتح من خلال النقاط التالية التي تحدد معلم هذه السمة: أو تتمة معالمها.
أولا: إنهيار المقاومة المسلحة.
ثانيا: رسول الله - ﷺ - في مكة والبيت الحرام.
ثالثا: المحكوم عليهم بالإعدام.
رابعا: إسلام القيادة جميعا.
النصر يبتدىء دئما عندما تتحقق الهزيمة النفسية في صفوف العدو، وكان أبو سفيان هو بطل الاستسلام الرسمي فهو التائد العام لمكة وكان كل اهتمامه ينصب على حماية مكة من التدمير، ولن تتم حمايتها إلا إذا أعلنت الانسحاب والتخلي عن المقاومة. ولا نشك أبدا أن إسلام أبي سفيان ﵁ كان دافعا قويا لفتح الطريق أمام محمد - ﷺ - لدخول مكة.
غير أن التطورات كانت على غير ما يهوى أبو سفيان. لقد حملت هند بنت عتبة زوجه لواء المعارضة ضده، ودعت إلى قتله لأنه استسلم، وراحت تهيح المشاعر والنفوس للمقاومة واسطاعت أن تقود تيارا قويا مع القادة الشباب الذين عز عليهم أن تمرغ كرامتهم بالتراب لو لجؤوا إلى بيوتهم مذعورين خائفين، وضبط القائد العام لمكة أعصابه على هول الصفعة من زوجه هند، واكتفى للمحافظة على الهدف أن يقول: لا تغرنكم هذه عن أنفسكم فإنه قد جاءكم ما لا قبل لكم به.
وكان الجيش الإسلامي كما وزعه رسول الله - ﷺ - مكلفا بدخول مكة من عدة محاور. وكان خالد بن الوليد على المجنبة اليمنى وكلف بدخول مكة من أسفلها وتحت إمرته أسلم وسليم وغفار ومزينة وجهينة. وكان سلاح الفرسان مع هذه الكتيبة. وخالد هو قائد سلاح الفرسان دائما إذ أن أسلم وحدها، حين انضمت للجيش الإسلامي قدمت بألف فرس وفارس.
وتحركت القيادات الشابة تقود الكثير من هؤلاء الشباب للمقاومة وشاء قدر الله أن يلتقي رفاق السلاح في مكان واحد، فخالد قبل أقل من عام هو قائد سلاح الفرسان لقريش وقبل أقل من عام كان يخطط مع صفوان وعكرمة وسهيل لمواجهة محمد - ﷺ - وهذه أول موقعة يقف فيها خالد
_________________
(١) يوضع. يجتهد ويشتد. كناية عما كان يعبد.
(٢) إمتاع الأسماع ج ١ ص٣٩١.
[ ٣ / ١٣٠ ]
تجاه أعز أصدقائه من قبل، وأقرب أقربائه الأدنين تجاه عكرمة وصفوان اللذين دعاهما إلى الإسلام من بين كل الناس حين مضى إلى المدينة ليسلم.
ولكنها العقيدة هي التي فرقت بينه وبينهما اليوم، وهم يعرفون من خالد بن الوليد، وكانت مفاجأة صاعقة لهم أن يواجهوا به، وإن كان المهم وغيظهم منه أكثر من كل من سواه، فهو الذي تخلى عنهم، وانضم إلى صف محمد وهم الموتورون منه. وحاول خالد ﵁ أن يحول بين المواجهة غير أنه عجز عن ذلك، فلقد كان الغرور والعجرفة هو الذي يسطر على هؤلاء المقاتلين، وقد رأينا مدى ثقتهم بقوتهم أن كان حماس بن قيس يعد امرأته أن يخدمها أحدهم. فسيكون المسلمون أسرى بين أيديهم وكما يقول:
إن يقبلوا اليوم فما لي عله هذا سلاح كامل وإله
وذو غرارين سريع السلة
ولن تستطيع قوة الشرك أن تصمد أمام قوة الإيمان حين يكون جند الإيمان هم القلة فكيف إذا كانوا هم الكثرة عددا وعدة، ومن أجل هذا ما تمالك المشركون ساعات حتى تبارى القادة بالفرار صفوان وعكرمة وسهيل، ومع فرار القيادة لاذ الجنود بالفرار والمسلمون في ظهورهم كالنار المشتعلة كما وصفهم حماس نفسه:
لم نهيت خلفنا وهمهمة لم تنطقي باللوم أدنى كلمة
ونلاحظ أن الخسائر كانت قليلة، فقد قتل من المشركين حوالي ثلاثة عشر رجلا بينما استشهد من المسلمين ثلاثة بينهم اثنان ضلا الطريق فوقعا بين يدي العدو. وقلة القتلى بين الفريقين ناتجة عن سرعة فرار المشركين من جهة بعد فرار قياداتهم. وعدم رغبة المسلمين في متابعة القتال حسب أوامر الرسول - ﷺ - من جهة ثانية.
والدرس الذي نفقهه من خلال هذه المواقف أن نحسب كل الحسابات في مواجهة العدو.
فلا يكفي الاعتماد على الاستسلام العام له إذ أن بعض فصائل هذا العدو قد تثور على من وقع وثيقة الاستسلام. فلا بد أن يعد لمثل هذا الأمر في التخطيط الذي تقوم به القيادة. والإرهاب بالقوة في أحيان كثيرة ليس هدفه القتل والذبح بمقدار ما يهدف إلى إحباط مقاومة العدو. والحركة الإسلامية تستفيد كثيرا من هذا الدرس حين تفت في أعضاد خصومها بما تملكه حقيقة من قوة رادعة لهؤلاء الخصوم. ولقد رأينا مثل هذا الموقف في عمرة القضاء حين قال المشركون: سيأتيكم محمد وجيشه قد أوهنتهم حمى يثرب، فاضطبع رسول الله - ﷺ - بردائه وقال لجيشه والمشركون ينظرون إليهم من دار الندوة: رحم الله امرءا أراهم من نفسه قوة ومضى ﵊ يهرول والمسلمون وراءه. لا بد أن تملك الحركة الإسلامية القوة الرادعة، أو تخطط لذلك، وهذا
[ ٣ / ١٣١ ]
هو الضمان الوحيد الذي يمنع الخصوم من حربها، وامتلاك هذه القوة الرادعة لا يعني أن تتحول إلى عصابة قاتلة بل تستطيع بهذه القوة أن تحطم النفوس المعاندة وتردع العدوان الكامن. وفي معظم الأحيان نجد أن هزيمة العدو مرتبطة بهزيمة قيادته. فمع فرار صفوان وعكرمة وسهيل انتهت الحرب.
وعلى الحركة الإسلامية أن تقدم إضافة إلى القوة الرادعة القوة المكافئة. فخالد هو الذي واجه سهيلا وصفوان وعكرمة. وهو الأدرى بهم وبإمكاناتهم. وهذا يعني كذلك أن الحركة الإسلابة لا بد أن تعد الوسائل المكافئة كذلك لمواجهة خصمها، وتجربة الحركة الإسلامية حين خاضت حربا ضروسا ضد أعدائها قبل أن تمتلك السلاح والرجال المكافئين للخصم فكانت كارثة مروعة راح ضحيتها عشرات الألوف من القتلى والجرحى والمفقودين. ولا بد أن تأتي الفرصة التي تحدد فيها مسؤولية هؤلاء المسؤولين عن هذه المرحلة. إن فرطوا في هذه الأمانة.
ونمضي مع رسول الله - ﷺ - إلى مكة:
أولا: فلقد كان وهو القائد المنتصر الذي دانت له رقاب العرب بعد أن أهدر دمه. وقال عنه ربه ﴿إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه، وأيده بجنود لم تروها، وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم﴾ (١).
من ذلك الموقع الذي يقول فيه أبو بكر ﵁، لو نظر أحدهم إلى خلل قدمه لرآنا.
إلى هذا الموقف ويحيط به عشرة آلاف مقاتل على قلب رجل واحد. يفتح بهم الأرض، ويمضي إلى
الذين حاربوه عشرين عاما أو تزيد وها هو اليوم يدخل في قلب هذا النصر (يضع رأسه تواضعا لله حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح، حتى إن عثنونه ليكاد يمس واسطة الرحل). فهو الآن عبد الله ورسوله الذي أنعم الله تعالى عليه بالقتح، وليس هو كما تقول الجاهلية بطل النصر، وصانعه ومفجره، بل كان الهتاف الإسلامي الخالد:
لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده لا شيء قبله ولا شيء بعده.
فالنصر هو نصر العقيدة، نصر كلمة التوحيد، وليس انتصار الذات، أو انتصار الثأر أو انتصار الهوى وبالتالي فالتذلل لله تعالى في هذه الساعات هو التي يتنزل فيها نصر الله. وهذا الدرس لكل قادة الأرض الذين حفل بهم التاريخ أن يتعلموا من معلمهم الأول كيف يكون القائد المنتصر بين يدي ربه الذي أعطاه هذا النصر.
_________________
(١) سورة التوبة: ٤٠.
[ ٣ / ١٣٢ ]
وكم يغيب هذا المعنى عن القادة المسلمين بله الفرد العادي من المسلمين فتأخذه نشوة النصر فلا يكاد يطا له أحد وهو قد انتصر بمظاهرة أو كلمة ألقاها أو كلمن عابرة اثنى عليه بها عابر سبيل.
ثانيا: ودخل رسول الله - ﷺ - مكة بعد أن أعلنت استسلامها الأخير وكان أول ما يقصده الذي يدخل مكة هو البيت. ولا بد أن نقارن بين طوافين. لقد كان الطواف الأول في عمرة القضاء والمسلمون معه والأصنام الثلاثمائة والستون تملأ فجاج الكعبة وأركان البيت. ولكنه كان عاجزا عن المساس بها. وليس له الحق في ذلك. إذ أن دخول الكعبة في عمرة القضاء دخول سلمي بحماية قريش وموافقتها. فطاف والأصنام قائمة أما اليوم فقد اختلف الأمر، لقد دخل مكة فاتحا، واستسلمت بعد قتال، غزيت بعد نقض للعهد. فالسلطة العليا له. ولا عهد لأحد عليه. فكان أول ما أقدم عليه - ﷺ - هو تحطيم الأصنام. (فما أشار إلى صنم منها في وجهه إلا وقع لقفاه، ولا أشار إلى قفاه إلا وقع لوجهه حتى ما بقي منها صنم إلا وقع).
وليت شباب الحركة الإسلامية يدركون هذه المقارنة، ويدركون أن الإسلام لا يطبق طفرة واحدة، فمع أن المسلمين دولة قوية في عمرة القضاء لكن لا سلطة ولا سلطان لهم على مكة. والذين صالحوهم وهادنوهم منحوهم حق العمرة في مكة فقط ولأيام محدودة دون مس بأمن مكة أو شعائرها أو عقائدها، لكن لا يطوفون بإعلان شعائر غيرهم كذلك فالمسلمون يعلنون كلمة التوحيد في مكة وهذا نقض كامل لمبادىء قريش. غير أنهم عاجزون عن القضاء على شعائر المشركين ومقدساتهم من الأصنام. ولقد قبل رسول الله - ﷺ - هذا الواقع من خلال معاهدة أقبل على توقيع بنودها، وهو درس هام وهام جدا للحركة الإسلامية يوضح خطوط تحركها، ويوضح المرحلية في الوصول إلى أهدافها، فما كان جائزا من خلال معاهدة بين قريش ورسول الله - ﷺ - وهو عدم التعرض لأصنام قريش. لم يعد جائزا. بعد مرحلة القوة الجديدة التي فتحت أبواب مكة أمام رسول الله - ﷺ - دون قيد أو شرط.
فقد تقدم الحركة الإسلامية على ميثاق هدنة أو صلح أو تحالف لا يتم من خلاله التميز الكامل لشعائر الإسلام، أو التنفيذ الكامل لمبادىء الإسلام. لكن الذي لا عذر فيه أن يقدم المسلمون شعائر جاهلية. أن تشترك الشعائر كل حسب مقدساته. فلا غرابة في ذلك، إذ لم يثبت أن المسلمين وهم يعطوفون حول الكعبة منعوا طواف بقية الناس، ومنعوا إعلان شعائر الشرك التي تقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إلا شريكا هو لك وما ملك. أو منعوا السجود للأصنام وتقديسها أثناء الطواف لكن كان لهم كامل الحق أن يطوفوا بشعائرهم دون أن يتقيدوا بشعائر المشركين.
وهذا التدرج الذي يصل المسلمون إليه خطوة بعد خطوة لا بد أن يفقهه الدعاة إلى الله
[ ٣ / ١٣٣ ]
تعالى. ولا يسارعوا إلى النيل من قياداتهم حين تسير في هذه الخطوات في التدرج حسب القوة التي تمتلكها. إن معاملة القاعدة للقيادة دائما على أن عليها أن تطبق أحكام الإسلام النهائية كما هي بعد براءة. فهو ظلم لهذه القيادة من جهة، وجهل بحقيقة هذا الدين ومرحلتيه وحركتيه في الوصول إلى أهدافه. وحين نبين الحد الواضح بين الاحتواء الذي يمثل نطقا بفكر غيرنا الذي لا نؤمن به أو يحارب عقيدتنا وبين التعامل التي يحفظ لكل طرف حقه في شعائره وعقيدته. والدليل على هذه المرحلية كما نرى هو اختلاف الموقف بين طواف عمرة القضاء وطواف الفتح. فقد رافق طواف الفتح هدم للأصنام في الكعبة، وإعلان كلمة التوحيد على بابها. والمشركون لا يملكون حتى رفع بصرهم إلى رسول الله - ﷺ - خوفا ورهبة وإجلالا كذلك هذا الافتراق بين الطوافين هو الذي يعلمنا كيف ننطلق بهذا الإسلام في منهجه الحركي، ومن خلال سماته، المتتابعة التي تحقق نصرا عقب نصر من خلال خطة واضحة المعالم، محددة المراحل في ذهن رسول الله - ﷺ - الذي خطط لفتح مكة دون أن يضطر لقيد واحد أو شرط واحد على الفتح. بينما قام رسول الله - ﷺ - بذاته الشريفة في إعلان مبادىء الهدنة المشتركة بين قريش ومحمد بن عبد الله.
ومما كسر كذلك صنم قريش الأكبر الذي كان مفخر عزها، وهو الذي نادى أبو سفيان باسه يوم أحد فقال: أعل هبل .. ولم يترك الزبير ﵁ هذا الأمر. فذكر أبا سفيان بذلك قائلا له: (يا أبا سفيان قد كسر هبل أما إنك كنت يوم أحد في غرور حين تزعم أنه قد أنعم! فقال: دع هذا عنك يا ابن العوام فقد أرى لو كان مع إله محمد غيره لكان غير ما كان). ومع انتهاء الطواف. وإلغاء كل مظاهر الوثنية الظاهرة. كان الناس ينظرون إلى القائد العظيم بثيابه الحربية الدرع والمغفر وعلى راحلته وهو بينهم حيث قام ﵊ بعد الطواف بالشرب من ماء زمزم والوضوء منه استعدادا لخطوات لاحقة.
ثالثا: ثم كان دخول الكعبة المشرفة، حيث دعا عثمان بن طلحة ﵁ وأخذ منه مفتاح الكعبة ودخلها فكسر شعائر الوثنية داخلها وهي الحمامة من العيدان، وصورة إبراهيم ﵊ وهو يستقسم بالأزلام. وصلى بالكعبة ثم خرج إلى الناس. وكانت فرصة مواتية، أن طلب العباس بن عبد المطلب ضم الحجابة إلى السقاية وتكونان لبني هاشم.
وكان هذا أمام الناس جميعا، ومن يستطيع أن يناقش رسول الله - ﷺ - في أمر، حتى عثمان بن طلحة، فلقد غدا جنديا مسلما ينفذ أمر رسوله والناس جميعا كأن على رؤوسهم الطير، وهم ينتظرون ما تتحرك به شفتي النبي - ﷺ - في هذا الأمر وبيده أن يلغي الحجابة ويضعها في يده، أو يعطيها لبني هاشم رهط النبي من بعده. لكن المسلمين والمشركين فوجئوا برسول الله - ﷺ - يقول: (ادعوا إلي عثمان بن طلحة - وكان - ﷺ - قال له يوما بمكة: وهو يدعوه إلى الإسلام، ومع عثمان المفتاح. فقال: لعلك سترى هذا المفتاح يوما بيدي أضعه حيث شئت. فقال له عثمان: لقد
[ ٣ / ١٣٤ ]
هلكت إذن قريش وذلت، فقال - ﷺ - بل عمرت وعزت يومئذ - فأقبل عثمان فقال له ﵊، خذوها يا بني أبي طلحة تالدة خالدة، ولا ينزعها منكم إلا ظالم! يا عثمان إن الله استأمنكم على بيته، فكلوا بالمعروف. فلما ولى عثمان ناداه ﵊ فرجع إليه فقال له: ءألم يكن الذي قلت لك؟ فذكر عثمان قوله له بمكة. فقال: بلى أشهد أنك رسول الله، فقال: قم على الباب، وكل بالمعروف. ودفع ﵇ السقاية إلى العباس ﵁) (١).
ونقف أمام هذا الدرس العظيم العجيب الذي يفسره قول رسول الله - ﷺ -: (ألا إن كل ربا في الجاهلية أو دم أو مال أو مأثرة فهو تحت قدمي هاتين إلا سدانة البيت وسقاية الحاج).
ولا بد من التذكير أن هذا التوزيع لهذه المآثر بالأصل هو توزيع جاهلي بحت على يدي قصي بن كلاب مؤسس دولة قريش. (وكان ابنه عبد مناف قد شرف وساد في حياته، وكان عبد الدار بكره فقال له قصي لألحقك بالقوم وإن شرفوا عليك، فأوصى له بما كان يليه من مصالح قريش فأعطاه دار الندوة والحجابة واللواء والسقاية والرفادة، وكان قصي لا يخالف ولا يرد عليه شيء صنعه. وكان أمره في حياته وبعد موته كالدين المتبع. فلما هلك أقام بنوه أمره لا نزاع بينهم ولكن لما هلك عبد مناف نافس أبناؤه بني عمهم عبد الدار في هذه المناصب، وافترقت قريش فرقتين وكاد يكون بينهما قتال، إلا أنهم تداعوا إلى الصلح واقتسموا هذه المناصب، فصارت السقاية والرفادة إلى بني عبد مناف، وبقيت دار الندوة واللواء والحجابة بيد بني عبد الدار ..) (٢).
ومع أن هذا التقسيم كما رأينا أعراف جاهلية ودين متبع عندهم. لم يكن لدى رسول الله - ﷺ - وهو من بني هاشم أن يعيد المفتاح إلى عثمان بن طلحة ابن عمه البعيد. تقيدا بأعراف مكة التي تخالف الإسلام. بينما أعلن ﵊ أن بقية المآثر تحت قدميه.
ونحن نعلم أن هذا الأمر من رسول الله - ﷺ - هو من عند الله لأن الله تعالى أقر نبيه على ذلك. وشاءت إرادة الله تعالى أن تبقى حراسة بيته بيد بني عبد من عبيده وهو عثمان بن طلحة. وحتى خمسة عشر قرنا من الزمان. لم يتغير الأمر طالما ان رسول الله - ﷺ - هو الذي شرعه. وأما السقاية فقد تحولت على يد زبيدة زوج الرشيد (العباسية) ابنة العباس بن عبد المطلب إلى سقاية رسمية من خلال مشروع المياه الذي مددته من الطائف إلى مكة لسقاية الحجيج حين لم يعد زمزم كافيا لذلك.
ونفقه من هذا الدرس كذلك أن بإمكان الحركة الإسلامية وهي في ذروة قوتها أن تحافظ
_________________
(١) إمتاع الأسماع ج ١ ص ٣٨٧، ٣٨٨.
(٢) الرحيق المختوم ص ٣٧.
[ ٣ / ١٣٥ ]
على بعض المآثر التي لا تتعارض مع المفهوم الإسلامي. حفاظا على مشاعر الأمة أن تصدم فيها حين تدخل في صميم حياتها أما ما دون ذلك فمن حق دولة الإسلام أن تلغيه حين يتعارض مع الإسلام، أو مصلحة المسلمين والجماعة الإسلامية.
لقد حافظ رسول الله - ﷺ - في بداية الأمر على اللواء. حتى أحد حيث كان بيد مصعب بن عمير ﵁ العبدري. لكنه بعد ذلك تخلى عنه، ولم يدخل اللواء في إطار هذا الخلوذ. لأن الله تعالى يعلم أن ألوية المسلمين سوف تملأ فجاج الأرض، وسوف تنتثر تحت كل نجم، فلا يمكن أن يحصر في إنسان بل في أمة بل في جيل من الأجيال. أما حين يرد سكان الأرض إلى البيت الحرام. فلا يصعب أن تكون سدانته في يدي بني أبي طلحة، ولا تزال في عهدتهم إلى اليوم، حتى إن سادن الكعبة قد أعلن عن وفاته قبل عشرة أعوام فقط. وقد استلم ابنه بعده وسيبقى إلى يوم الدين كما قال ﵊. خذوها تالدة خالدة، لا ينزعها منكم إلا ظالم.
ونقول في نهاية المطاف مع هذه الفقرة: إن المسلمين وهم في ذروة نصرهم، حيث لا يملك أحد أن يحول بينهم وبين ما يريدون ومع هذا كله فيستطيعون المحافظة على أعراف وتقاليد الدولة التي كانت قبل الحكم الإسلامي ما لم يتعارض ذلك مع الإسلام.
رابعا: ثم كانت الخطبة التي أعلن فيها ﵊ في بداية الأمر عفوه عن قريش (يا معشر قريش ما تظنون أني فاعل بكم، قالوا خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم وقد قدرت. فقال فإني أقول لكم، كما قال أخي يوسف: ﴿لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين﴾ اذهبوا فأنتم الطلقاء).
ثم أعلن مبادىء الحكم الإسلامي صريحة مدوية، والتي سيبدأ بتنفيذها على التو، بعد أن صار ﵊ قادرا على تنفيذ هذا الحكم: وها نحن نرى هذه المبادىء.
أ - إعلان إسلامية الدولة: الحمد لله الذي صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده.
ب - إسقاط الثارات والأمجاد السابقة: إن كل ربا في الجاهلية أو دم أو مال أو مأثرة فهو تحت قدمي هاتين إلا سدانة البيت وسقاية الحاج.
ج - إسقاط الرابطة الجاهلية: إن الله لد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتكثرها بالآباء، كلكم لآدم وآدم من تراب، وأكرمكم عند الله أتقاكم.
د - حرمة الكعبة: ألا إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض؛ فهي حرام بحرام الله لم تحل لأحد كان قبلي، ولا تحل لأحد كائن بعدي، ولم تحل لي إلا ساعة من النهار، ألا لا ينفر
[ ٣ / ١٣٦ ]
صيدها ولا يعضد (١) عضاهها (٢) ولا تحل لقطتها إلا لمنشد (٣) ولا يختلي خلالها (٤). فقال العباس: يا رسول الله إلا الإذخر فإنه لا بد منه للقبور وظهور البيوت. فسكت ساعة ثم قال: إلا الإذخر فإنه حلال.
هـ - في مجال المرأة: ولا وصية لوارث، وأن الولد للفراش وللعاهر الحجر، ولا يحل لامرأة أن تعطي من مالها إلا بإذن زوجها.
و- إعلان الرابطة الجديدة: والمسلم أخو المسلم، والمسلمون إخوة والمسلمون يد واحدة على من سواهم يتكافؤون دماءهم، يرد عليهم أقصاهم، ويعقد عليهم أدناهم، ومشدهم على مضعفهم ومسيرهم على قاعدهم.
ز - بعض الحقوق للطوائف الأخرى: ولا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده ولا يتوارث أهل ملتين مختلفتين.
ح - بعض الأحكام الاقتصادية: ولا جلب ولا جنب (٥)، ولا تؤخذ صدقات المسلمين إلا في بيوتهم وبأفنيتهم
ط - في النكاح: ولا تُنكح المرأة على عمتها وخالتها.
ي - في القضاء: والبينة على من ادعى، واليمين على من أنكر.
ك - في المحارم: ولا تسافر المرأة مسيرة ثلاث إلا مع ذي محرم.
ل - في العبادات: ولا صلاة بعد العصر وبعد الصبح، وأنهاكم عن صيام يومين يوم الأضحى ويوم الفطر.
م - في الألبسة: وعن لبستين: لا يحتب أحدكم في ثوب واحد يفضي بعورته إلى السماء، ولا يشتمل الصماء ولا إخا لكم إلا قد عرفتموها (٦).
ومع نهاية الخطبة ألغي الوجود الجاهلي، وصار الحكم للإسلام. وتم تنفيذ حكمين شرعيين خلال وجود رسول الله - ﷺ - في مكة.
أولهما: دية القتيل من بكر (وقد قتلتم هذا القتيل والله لأدنيه فمن قتل بعد مقامي هذا
_________________
(١) ويعضد، يقطع.
(٢) العضاة: شجر عظام له شوك.
(٣) اللقطة: الملقى في الأرض والمنشد: المعرف بالضالة.
(٤) الخلا: الحشيش، واختلى قطع.
(٥) لا جلب ولا جنب: يجلب أموال الزكاة أو تجنيها له.
(٦) أورد المقريزي هذه الخطبة في إمتاع الأسماع ج ١ ص ٣٨٧ وهي وإن لم تثبت كاملة في هذا اليوم لكنها ثابتة بنسبتها إلى النبي - ﷺ - بأحاديث صحيحة.
[ ٣ / ١٣٧ ]
فأهله بالخيار إن شاؤوا فدم قتيلهم وإن شاؤوا فعقله).
ثم أمر خزاعة يخرجون ديته فأخرجوها مائة من الإبل فكان أول قتيل وداه رسول الله - ﷺ - في الإسلام.
ثانيهما: المرأة المخزومية التي سرقت. وكانت امتحانا مباشرا لدولة الإسلام في الأرض، وبنو مخزوم من أشراف الناس وبدأت الوساطات من كل جانب وكان أسامة بن زيد ﵁ أحب الناس إلى رسول الله - ﷺ -. فجاء يشفع في حدها، فكان الجواب قاسيا جدا عليه: يا أسامة أتشفع في حد من حدود الله!!
ثم أعلن ﵊، أسباب محق الأمم وهلاكها: إنما أهلك من كان قبلكم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد.
ثم أعلن كذلك - ﷺ -، أنه لا أحد في هذه الأرض فوق حدود الله بعد بلوغها للحاكم: والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها).
والحركة الإسلامية تهلك يوم لا تعدل في أحكامها بين قيادتها وقواعدها، وطالما أنها ترهب أن تقول كلمة الحق في صفها، فلن تعلن كلمة الحق في الناس، وميزان الحكم على النصر والهزيمة من خلال هذه الكلية الضخمة. وإنه لامتحان عسير أن تساوى القيادة في أحكامها على أبنائها مع الآخرين، وحين تنفذ ذلك فتكون لها القوامة على الآخرين.
أما الذين أهدر رسول الله - ﷺ - دمهم، وكانوا ستة نفر فكان أغلبهم من المرتدين أو الذين آذوا رسول الله - ﷺ - في هجاء مقذع أو اعتداء أثيم .. وقد قتل نصفهم ونجا نصفهم. وتقبل رسول الله - ﷺ - على كره منه - وساطة عثمان في عبد الله بن سعد في الوقت الذي أتاح فيه للمسلمين أن ينفذوا حكم رسول الله - ﷺ - فيه، وشاءت إرادة الله أن لا ينتبه المسلمون لذلك فينجو عبد الله، ثم يسلم فيحسن إسلامه. وعثمان الذي تستحي منه الملائكة، كان رسول الله - ﷺ - يستحي منه ويقول: ألا أستحي ممن تستحي منه الملائكة. جعلت رسول الله يوافق بعد لأي وإلحاح لثلاث مرات على إجارته.
وهو موقف كريم من نبي كريم، مع صحابي كريم من صحابته. نرى من خلاله إلى أي مدى ترتفع قيمة الجندي عند قائده ولو في تغيير خطة أعلنها على الملأ. وكرامة عثمان عند رسول الله - ﷺ -، كانت يوم تمت بيعة الحديبية على الموت ثأرا له بعد إشاعة مقتله. وها هو اليوم في مكة يشفع لمرتد لا يمكن أن ينجو لولا الموافقة النبوية على ذلك.
والإشارة العظيمة إلى أن النبي لا يقتل بالإشارة ذات دلالة على شرف النبوة التي لا تتعامل
[ ٣ / ١٣٨ ]
بالغدر من الناس مهما كانت التكاليف الباهظة في حقها.
إن كرامة العهد غالية جدا على المسلم.
وكرامة الرجل المسلم غالية جدا على الحركة الإسلامية.
وكرامة حدود الله غالية جدا على الجيش المسلم.
ولابد من المرازنات بين هذه الأمور بحيث لا يطغى جانب على جانب.
ونلاحظ أن رسول الله - ﷺ -، رفض قبول شفاعة زيد ووساطته من أجل المرأة المخزومية التي سرقت. بينما قبل وساطة عثمان في حد المرتد. ولكن في هذا الأمر شبهة لجوئه إلى مكة. بينما حدثت السرقة في ظل الدولة الإسلامية دون أية شبهة، ودائما تدرأ الحدود بالشبهات.
والحركة الإسلامية التي تحمل عبء إقامة دولة الله في الأرض، لا بد لها أن تتحمل مسؤولية التطبيق العملي لذلك، مهما كان الثمن غاليا. والمجرمون الذين يحملون كبر الإجرام من كبار العتاة في الأرض لا بد من عقوبتهم دون مراعاة لعواطفهم طالما أنهم قادة لهذا الشر أو مراوغون مرتدون ثبت غدرهم وكفرهم. هذا بالنسبة لخارج الصف المسلم. وكذلك الأمر داخل هذا الصف فليست الغرابة أن يقع فيه الخطأ. بل نقول أكثر من ذلك إن الغريب ألا يقع الخطأ في هذا الصف. لأن طبيعة النفس البشرية مجبولة على الخطأ.
(لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر الله لهم) (١).
إنما الأشد غربة أن يقع الخطأ في كبيرة أو حد من الحدود. ويتهاون به، وينفذ على الصغير دون الكبير، وعلى الضعيف دون الشريف. فهذه قاصمة الظهر للجماعة وللحركة الإسلامية كاملة فالحركة الإسلامية العاجزة عن تحقيق العدل في صفوفها هي من باب أولى عاجزة عن تحقيقه في صفوف غيرها .. ومن هنا تأتي أضخم أزمة ثقة بين القيادة والقاعدة في صف الحركة حين يصبح المثل المحتذى. والقدوة محل نقد وشك من شباب الدعوة، وجنودها الأوفياء.
القيادات جميعا تعتنق الإسلام
ولم يحدث في تاريخ الأرض كلها أن يدخل قادة جيش العدو في دين عدوهم إلا في تاريخ الإسلام.
الثلاثة الكبار: وهم قادة جيش العدر صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن
_________________
(١) رواه الإمام أحمد عن ابن عباس ومسلم عن أبي هريرة.
[ ٣ / ١٣٩ ]
عمرو. وإسلام كل واحد منهم ملحمة فخار في تاريخ هذه الدعوة.
أما عكرمة: فهو الذي قال لابن عمه خالد عندما دعاه للإسلام: لو لم يبق غيري ما اتبعته أبدا.
ولاذ بالفرار إلى اليمن لينهي حياته هناك. غير أن المفاجأة أذهلته وهو يرى زوجه قد قدمت إليه وحسب أنها فارة إليه. ولكنها الآن تدعوه إلى أمان محمد بن عبد الله - ﷺ - وعكرمة يعرف عهد محمد ووفاءه وكراهيته للغدر.
وعلى الصيغة نفسها كانت دعوة صفوان بن أمية للإسلام إذ لحق به صديقه السابق عمير بن وهب أما سهيل فاختبأ في بيته ينتظر أمانا من رسول الله - ﷺ - فأعطاه إياه.
وطبيعي أن يفر هؤلاء الثلاثة أو يختبئوا. فقد رفضوا الأمان الأول، وحاربوا الجيش الإسلامي، وأعلنوا العداء الصريح الواضح أن لا لقاء مع محمد إلا من خلال السيف.
لكن حرص النبي - ﷺ - على طوي صفحة الحرب حتى مع هؤلاء القادة المحاربين. كان واضحا بحيث أعطى أمانه لهم دون تردد. وحمل هذا الأمان زوجة وولد وصديق.
(وطلبت أم حكيم أمانا لعكرمة وقد هرب إلى اليمن. فأمنه. فخرجت إليه حتى قدم، فلما دنا من مكة قال رسول الله - ﷺ -: يأتيكم عكرمة بن أبي جهل مؤمنا مهاجرا، فلا تسبوا أباه. فإن سب الميت يؤذي الحي ولا يبلغ إليه! فلما رآه وثب إليه فرحا، فوقف ومعه امرأته متقبة، فقال: يا محمد إن هذه أخبرتني أنك أمنتني. فقال: صدقت. فأنت آمن: فأسلم) (١).
وحين تذكر الخالدات في التاريخ تبرز أم حكيم في ذروتهن. فهي التي استطاعت أن يغلب حكمها جهلها والمرأة تنطلق من الحب والكره أكثر بكثير من الرجل. ولم تكتف بذلك بل اعتبرت رسالتها الحقيقة هي أن تقنع زوجها بالإسلام، وكم تثق بنفسها حين تقطع الأرض إلى اليمن باحثة عن زوجها تدعوه إلى أمان رسول الله - ﷺ -، وطامحة إلى إسلامه. وهي في أعتى بيئة عداء للإسلام. فأبوها الحارث بن هشام، الذي لم يدخل الإسلام بعد، وعمها أبو جهل، وزوجها عكرمة. فالبيئة تنضح بالكره لمحمد والحقد عليه. ومع ذلك استطاعت أن تتجاوز هذا كله. وتمضي الداعية العظيمة في فجاج الأرض لتعود بزوجها إلى رسول الله - ﷺ -.
ومدرسة النبوة الحية في عظمة حلمها وصلتها وبرها تجل عن الوصف. حتى إن النبي - ﷺ - يوصي المسلمين بالامتناع عن سب أبي جهل أمام عكرمة. وتوارث سب أبي جهل في الصف
_________________
(١) إمتاع الأسماع ج ١ ص ٣٩٢.
[ ٣ / ١٤٠ ]
الإسلامي هو مدرسة بحد ذاتها. فلم يشتف المسلمون من كافر شفاءهم من أبي جهل. ورغم هذا الحقد المتوارث في النفوس والكره المستأصل فيها، فقد صدرت أوامر النبي - ﷺ - بإغلاق هذه المدرسة. إكراما لعكرمة المؤمن المهاجر. وإذا كان المسلمون قادرين على كبت مشاعر الحقد والكره على أبي جهل فرعرن هذه الأمة. لكنهم عاجزون تماما عن إبداء مشاعر الحب إلى الذي بقي حتى آخر لحظة يحارب الإسلام ويحارب الله تعالى ورسوله. لكن النبي - ﷺ - الذي يحمل في قلبه تاريخا كاملا من أذى أبي جهل وحربه له ولعقيدته، كان أكبر من بشر الأرض جميعا في سوه، واستطاع أن يظهر كل معاني الحب والود لعكرمة. فيثب إليه فرحا منذ رؤيته. أولا يحس عكرمة ﵁ أنه يذوب حياء من رسول الله - ﷺ -، وأنه أعجز من أن يصمد لحظة واحدة أمام هذا الاسقبال العظيم بعد الحرب الكؤود. وأنه لن يقدر على هذا إلا أولوا العزم من الرسل أو بالأحرى سيد هؤلاء الرسل جميعا. ومع ذلك تمالك وتجلد وتأكد قبل أن يعلن إسلامه من أمان رسول الله - ﷺ - له. وأعلن إسلامه بعد أن نال أمانه.
إنها مدرسة في التربية وليس درسا فقط، تجري أمام هذا الجيش المسلم. تتجلى في هذه المعالم الثلاثة كظم الكره والحقد عن أكبر كفار في التاريخ ومجرميهم أبي جهل إكراما للعدو الألد ابنه الذي يأتي للإسلام. القيام والوثوب لاستقبال هذا العدو الألد. ومظاهر الفرح تملأ كيان النبي - ﷺ -، ولما يعلن عكرمة إسلامه بعد.
إعطاء الأمان لعكرمة قبل أن يعلن إسلامه وهو الذي ملأ الدنيا حربا ضد الإسلام والمسلمين. وهكذا دخل عكرمة في هذا الدين دون أن تخدش كرامته أو تمس. فقد كان بإمكانه أن يغادر مكة، أو يبقى على كفره بهذا الأمان إلى فترة محددة. ولكنه حرص على أن يدخل في هذا الدين دون أن يكون هذا الأمر تحت وطأة السيف وطريق الإرهاب. واستطاع النبي - ﷺ - أن يستل حقده كله، وأن يضبط عواطف جيشه كله. فلا ينال من عدو الله أبي جهل إكراما لهذا المستأمن أولا، ثم المسلم بعد ذلك.
والذي يؤكد هذا المعنى هو صفوان بن أمية الذي طلب أمانا لشهرين فأعطاه رسول الله - ﷺ - الأمان لأربعة أشهر. وتأخر في إسلامه حتى حضر حنين مشركا.
والذي لا شك فيه أن معاملة هؤلاء القادة كانت معاملة خاصة استثنائية. فلا أمان لكافر محارب في الأصل، وإعطاؤه الأمان هو فسح الصدر لهذه النفوس أن تهدأ وترعوي.
وصفوان ﵁، بلغ من حقده أنه رفض في بداية الأمر أن يكلم صديق عمره، عمير بن وهب الجمحي والذي لم يكن حقده عليه أقل من حقده على محمد - ﷺ - حين عاهده في الحجر بعد بدر على قتل محمد - ﷺ -، وراح يحدث القوم: سيأتيك عمير بخبر تتحدث به الركبان.
[ ٣ / ١٤١ ]
وجاء الخبر بإسلامه، فأقسم أن لا يكمله. وها هو الآن يلحق به إلى البحر ويدعوه ويلاطفه ويلح عليه ويذكره بابن عمه محمد - ﷺ - أبر الناس وأوصل الناس وأحلم الناس حتى تلين قناته، وتهدأ نفسه. وعاد يطلب الآمان. وقبل منه أن يدخل مدرسة المسلمين وهو على شركه. إنه يعيش وسط البيئة المسلمة. وهو على شركه وهو على حقده. وجرت حادثة كان من الممكن أن توتر الجو حين جاءه رسول محمد - ﷺ -.
حيث بعث رسول الله - ﷺ - يستقرض من صفوان خمسين ألف درهم، وأدراعا من عنده للحرب فقال: أغصبا يا محمد، قال: لا. ولكن عارية مؤداة. وأداها رسول الله - ﷺ - له من غنائم حنين، ولئن كفت المعاملة الطيبة لعكرمة مباشرة في دخوله في الإسلام. لكن صفوان تأخر بعد حنين حتى أسلم يقول ﵁:
والله ما كان على ظهر الأرض أحد أبغض إلي من محمد، فما زال يعطيني من غنائم حنين حتى لم يعد أحد على ظهر الأرض أحب إلي من محمد.
ولئن كان الوثوب لاستقبال عكرمة والأمان والنهي عن سب أبي جهل استطاعت أن تسل حقد عكرمة فيسلم. وكانت غنائم حنين كفيلة بأن تستل حقد صفوان بعد شهرين. فكان لجواب رسول الله عليه - ﷺ - لسهيل بن عمرو. أعظم الأثر في استلال حقده. وكانت مدرسة سهيل بن عمرو من مدرسة خالد بن الوليد ﵁. حيث أسلما من خلال الكلمة الطيبة.
كانت كلمة رسول الله - ﷺ - لخالد: ما مثل خالد يجهل الإسلام، وعقله عقله، ولو جاء إلينا لقدمناه على غيره.
وكانت كلمة رسول الله - ﷺ - لعبد الله بن سهيل عن أبيه:
من لقي سهيل بن عمرو فلا يشد النظر إليه، فلعمري إن سهيلا له عقل وشرف، وما مثل سهيل جهل الإسلام، ولقد رأى ما كان يوضع فيه أنه لم يكن بنافع.
فقال سهيل، كان والله برا صغيرا وكبيرا.
فخرج وشهد حنينا وأسلم بالجعرانة.
إن هذا الصبر القليل على هؤلاء القادة الثلاثة. جعلهم يدخلون الإسلام كما قال ابن الزبعري. بعد أن أسلم اللحم والعظام لربهم، ولا يدخلونه خيفة أو نفاقا.
إن السخصيات العظيمة لا تتقن النفاق، فقد كان بالإمكان أن يموتوا طريدين مشردين، حاقدين على الإسلام. لكن عظمة المعاملة النبوية. نقلتهم وهم قادة إلى الصف المسلم ليتبوؤوا موقع القيادة فيه. ويكونوا سادة على قومهم يقاتلون بهم أعداء الله. ويسقطون شهداء في المعارك.
[ ٣ / ١٤٢ ]
لقد مثل هذه الصورة واحد فقط من قادة مكة هو هبيرة بن أبي وهب زوج أم هانىء ولم يتراجع عن حقده، ومات في اليمن طريدا على كفره. فماذا يذكر التاريخ عن هبيرة. وأم هانىء ﵂، استطاعت أن تنقذ اثنين من أحمائها ليدخلوا في حظيرة الإسلام. ولم تتمكن أن تفعل مع زوجها ذلك.
شيوخ مكة: وكان إسلامهم وهم يبثون حقدهم على رؤية بلال ﵁ يؤذن فوق الكعبة تقول جويرية بنت أبي جهل وهي تسمع وأشهد أن محمدا رسول الله - (قد لعمري رفع لك ذكرك أما الصلاة فسنصلي. والله لا نحب من قتل الأحبة أبدا. ولقد كان جاء أبي الذي جاء محمدا من النبوة فردها وكره خلاف قومه).
عتاب بن أسيد: الحمد لله الذي أكرم أبي فلم يسمع هذا اليوم.
الحارث بن هشام: واثكلاه! ليتني مت قبل هذا اليوم: قبل أن أسمع بلالا ينهق فوق الكعبة.
الحكم بن أبي العاص: هذا والله الحدث العظيم، أن يصبح عبد بني جمح على بينة أبي طلحة (١).
سهيل بن عمرو: إن كان هذا سخطا لله فسيغيره، وإن كان رضى فسيقره.
أبو سفيان بن حرب: أما أنا فلا أقول شيئا، لو قلت شيئا لأخبرته هذه الحصباء. فأتى جبريل ﵇ رسول الله - ﷺ - فأخبره خبرهم) (٢).
(فخرج عليهم رسول الله - ﷺ - فقال: قد علمت الذي قلتم ثم ذكر ذلك لهم: فقال الحارث وعتاب: نشهد إنك رسول الله ما اطلع على هذا أحد كان معنا فنقول اخبرك.) (٣).
وهكذا انضم الحارث شيخ بني مخزوم إلى الإسلام، وهو أخو أبي جهل، وانضم الشاب الفتى عتاب بن أسيد إلى الإسلام كذلك.
لسان مكة: وكان الناطق الرسمي باسم مكة ابن الزبعري الذي أمضى حياته ووطن شعره ووظفه في حرب محمد - ﷺ -. وفر إلى اليمن. فأرسل إليه حسان بن ثابت بالبيت المشهور:
لا تعدمن رجلا أحلك بغضه نجران في عبش أحد لئيم
وحرك هذا البيت مشاعر ابن الزبعري، فتقدم إلى مكة، حيث كان رسول الله - ﷺ - يهيىء
_________________
(١) بنية أبي طلحة: الكعبة ودعيت لأبي طلحة نسبة لأبي طلحة بن عبد الدار سادنها.
(٢) إمتاع الأسماع ج ١ ص ٣٩٠، ٣٩١.
(٣) البداية والنهاية لابن كثير ج ٤ ص ٣٠٢.
[ ٣ / ١٤٣ ]
الجو لقدومه ويقول في صحبه: هذا ابن الزبعري ومعه وجه فيه نور الإسلام ولا يغيب عن البال الشاعر الفحل الآخر، كعب بن زهير الذي فر هاربا إلى الطائف فجاءته رسالة أخيه المسلم بجير. بن زهير يقول فيها:
من مبلغ كعبا فهل لك في التي تلوم عليها باطلا وهو أحزم
إلى الله لا العزى ولا اللات وحده فتنجو إذا كان النجاء وتسلم
لدي يوم لا ينجو وليس بمفلت من الناس إلا طاهر القلب مسلم
فدين زهير وهو لا شيء دينه ودين أبي سلمى علي محرم
فلما بلغ كعب الكتاب ضاقت به الأرض وأشفق على نفسه، وأرجف به من كان في حاضره من عدوه وقالوا: هو مقتول. فلما لم يجد من شيء بد قال قصيدته التي يمدح بها رسول الله - ﷺ - وذكر فيها خوفه وإرجاف الوشاة به. ثم خرج حتى قدم المدينة فنزل على رجل كانت بينه وبينه معرفة من جهينة، كما ذكر لي، فغدا إلى رسول الله - ﷺ - في صلاة الصبح فصلى مع رسول الله ثم أشار له إلى رسول الله - ﷺ - - فقال هذا رسول الله فقم إليه فاستأمنه فذكر لي أنه قام إلى رسول الله - ﷺ - فجلس إليه ووضع يده في يده وكان رسول الله - ﷺ - لا يعرفه فقال:
يا رسول الله إن كعب بن زهير قد جاء ليستأمن منك تائبا مسلما فهل أنت قابل منه إن جئتك به؟ فقال رسول الله - ﷺ -: نعم. فقال: إذن أنا يا رسول الله كعب بن زهير.
قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمرو بن قتادة أنه وثب عليه رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله دعني وعدو الله أضرب عنقه؟ فقال رسول الله - ﷺ -: دعه عنك فإنه جاء تائبا نازعا (١).
وكان مما قاله:
نبئت أن رسول الله أوعدني والعفو عند رسول الله مأمول
مهلا هداك الذي أعطاك نافلة القرآن فيها مواعيظ وتفصيل
إن الرسول لنور يستضاء به مهندمن سيوف الله مساول
في عصبة من قريش قال قائلهم ببطن مكة لما أسلموا زولوا
نسوة قريش: وأسلمت هند بنت عتبة، وأم حكيم بنت الحارث امرأة عكرمة بن أبي جهل، والبغوم بنت المعذل امرأة صفوان بن أمية، وفاطمة بنت الوليد بن المغيرة، وهند بنت منبه ابن الحجاج أم عبد الله بن عبرو بن العاص في عشرة نسوة من قريش، فأتين رسول الله - ﷺ - بالأبطح، وعنده زوجتاه وفاطمة ابنته، في نساء من نساء بني عبد المطلب، فبايعته ولم تمس يده يد
_________________
(١) البداية والنهاية ج ٤ ص ٣٦٩.
[ ٣ / ١٤٤ ]
امرأة. (ورؤيت فيهن هند بنت عتبة وهي متنكرة لأجل صنيعها بحمزة فقال رسول الله - ﷺ -: أبايعكن على أن لا تشركن بالله شيئا، فبايع عمر النساء على أن لا يشركن بالله شيئا فقال رسول الله - ﷺ -: ولا تسرقن. فقالت هند: إن أبا سفيان رجل شحيح. فإن أنا أصبت من ماله هنأت؟ فقال أبو سفيان: وما أصبت فهو لك حلال. فضحك رسول الله - ﷺ - وعرفها فقال: وإنك لهند؟ قالت: نعم، فاعف عما سلف يا نبي الله، عفا الله عنك فقال: ولا يزنين. فقالت: أو تزني الحرة؟ فقال: ولا يقتلن أولادهن. فقالت: ربيناهم صغارا وقتلتهم ببدر كبارا فأنتم وهم أعلم. فضحك عمر حتى استلقى، فتبسم رسول الله - ﷺ - فقال: ولا يأتين ببهتان فقالت: والله إن إتيان البهتان لقبيح، وما تأمرنا إلا الرشد ومكارم الأخلاق، فقال: ولا يعصينك في معروف فقالت: والله ما جلسنا مجلسك هذا وفي أنفسنا أن نعصيك.
ولما رجعت جعلت تكسر صنمها وتقول: كنا منك في غرور) (١).
ها هي مكة بشيوخها وشبابها ونسائها وقادتها وشعرائها تدخل في الإسلام؛ أو في أمان رسول الله - ﷺ -. وحقق النبي ﵊ هدفه الأكبر بالنسبة لقريش: اليوم يوم المرحمة، اليوم أعز الله قريشا.
وكان عزها في دخولها أفواجا في دين الله، واستطاع الرسول - ﷺ -. أن يتجنب مجزرة فيها فناء قريش كلها من جهة. وأن تدخل قريش كلها في الإسلام. وهذه هي عظمة الجهاد السياسي المسلح. الجهاد الذي ينطلق من القوة الضخمة التي تجعل العدو قد أحيط به، فيستسلم على ضوء ذلك.
وهذا هو الفقه الأكبر للنفوس الذي شهدناه من خلال الفتح الأكبر. والحركة الإسلامية التي تحمل لواء الدعوة في سبيل الله، لا بد أن تنتقل إلى الخط المسلح الذي يمنع عنها الإبادة من العدو ولكن هذا الأمر لا يتم إلا من خلال خطة متكاملة محددة المراحل، في طبيعة الصراع مع الباطل والطاغوت، وقمة انتصارها حين تصبح قوة مرهوبة الجانب، عندئذ يدخل خصومها معها في حوار، وينتقلون للاعتراف بها كأمر واقع. وكلما استطاعت أن تتقدم في مضمار القوة أكبر. كلما استطاعت أن تسمع صوتها أكثر للجميع، واستطاعت أن تجد الآذان الصاغية لها ولدعوتها. ولا يجوز أن تفتنها القوة عن هدفها. بحيث تنسى مهمتها الأولى في أن تكسب الناس جميعا لهذا الدين الخصوم والأصدقاء على السواء.
ومن الفقه الأكبر كذلك التعرف على نفسيات القيادات والشخصيات الضخمة للعدو.
بحيث تتجنب أسلوب الإرغام والإذلال لها. لأن هذا الأسلوب سيقود هذه الشخصيات إلى الحقد الأسود على الداعية والدعوة، ويوجهها إلى الثأر والانتقام من جهة، أو إلى الممالأة والنفاق
_________________
(١) الرحيق المختوم عن مدارك التنزيل للنسفي ص ٤٦٠.
[ ٣ / ١٤٥ ]
ثم الكيد والتآمر في الخفاء من جهة أخرى.
وعلى الحركة الإسلامية كذلك أن تعير قضية المرأة اهتمامها الكبير. فهند بنت عتبة، أشهر الحاقدات في التاريخ، هي التي قادت نسوة قريش إلى الإسلام. وبلغ حقدها أن هاجمت زوجها ودعت إلى قتله حين دعا إلى الاستسلام، ومع ذلك أمكن تفتيت هذا الحقد إذ تقول لرسول الله - ﷺ - بعد انتهاء البيعة:
والله يا محمد ما كان على ظهر الأرض أحد أحب إلي من أن يذل من أهل بيتك وخبائك.
والله ما عاد على ظهر الأرض أحد أحب إلي من أن يعز من أهل بيتك وخبائك.
فيقول ﵊: وأيضا والذي نفس محمد بيده (١).
فلو استطاعت الحركة الإسلامية أن تقنع رائدات الانحراف من النساء بطبيعة هذا الدين لأمكن أن يحولن المسار كله نحو الإسلام، والاهتمام بالقيم الكبرى التي تقبع في أعماق القيادات وتختفي وراء بعض المظاهر الخادعة. يمكن أن يساهم مساهمة فعالة في تحقيق الهدف العظيم:
﴿إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا﴾.
_________________
(١) البداية والنهاية ج ٤ ص ٣١٩ عن البيهقي بسنده.
[ ٣ / ١٤٦ ]
السمة الثالثة عشرة:
إنهاء الجيوب الوثنية المتبقية
أ - هدم الأصنام العربية
وأقام رسول الله - ﷺ - بمكة تسعة عشر يوما يحدد معالم الإسلام ويرشد الناس إلى الهدى والتقى، وخلال هذه الأيام أمر أبا أسيد الخزاعي فجدد أنصاب الحرم. وبث سراياه للدعوة إلى الإسلام، ولكسر الأوثان التي كانت حول مكة، فكسرت كلها ونادى مناديه بمكة: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدع في بيته صنما إلا كسره.
السرايا والبعوث.: ولما اطمأن رسول الله - ﷺ - بعد الفتح بعث خالد بن الوليد إلى العزى لخمس ليال بقين من شهر رمضان (سنة ٨ هـ) ليهدمها. وكانت بنخلة، وكانت لقريش وجميع بني كنانة. وهي أعظم أصنامهم. وكان سدنتها بني شيبان. فخرج إليها خالد في ثلاثين فارسا حتى انتهى إليها فهدمها، ولما رجع سأله رسول الله - ﷺ -: هل رأيت شيئا؟ قال: لا. قال: فإنك لم تهدمها، فارجع إليها فاهدمها. فرجع خالد متغيظا قد جرد سيفه، فخرجت إليه امرأة عريانه سوداء ناشرة الرأس، فجعل السادن يصيح بها. فضربها خالد فجزلها اثنتين ثم رجع إلى رسول الله - ﷺ - فأخبره، فقال: نعم، تلك العزى. وقد أيست أن تعبد في بلادكم أبدا.
٢ - ثم بعث عمرو بن العاص في نفس الشهر إلى سواع ليهدمه، وهو صنم لهذيل برهاط على ثلاث أميال من مكة، فلما انتهى إليه عمرو قال له السادن: ما تريد؟ قال: أمرني رسول الله - ﷺ - أن أهدمه؛ قال: لا تقدر على ذلك، قال: لم؟ قال: تمن. قال: حتى الآن أنت على الباطل؟ ويحك. فهل يسمع أو يبصر؟ ثم دنا فكسره، وأمر أصحابه فهدموا بيت خزانته فلم يجدوا فيه شيئا ثم قال للسادن: كيف رأيت؟ قال: أسلمت لله.
٣ - وفي نفس الشهر بعث سعد بن زيد الأشهلي في عشرين فارسا إلى مناة وكانت بالمشلل عند قديد للأوس والخزرج وغسان وغيرهم. فلما انتهى سعد إليها قال له سادنها: ما تريد؟ قال: هدم مناة. قال: أنت وذاك، فأقبل إليها سعد، وخرجت امرأة عريانة سوداء ثائرة الرأس، تدعو بالويل، وتضرب صدرها. فقال لها السادن: مناة دونك بعض عصاتك. فضربها سعد فقتلها، وأقبل إلى الصنم فهدمه وكسره. ولم يجدوا في خزانته شيئا) (١).
_________________
(١) الرحيق المختوم للمباركفوري ص ٤٦١.
[ ٣ / ١٤٧ ]
٤ - ولما رجع خالد بن الوليد من هدم العزى (بعثه رسول الله - ﷺ - إلى بني جذيمة داعيا ولم يبعثه مقاتلا ومعه قبائل من العرب. فوطئوا بني جذيمة. فلما رآه القوم أخذوا السلاح، فقال خالد: ضعوا السلاح، فإن الناس قد اسلموا. فلما وضعوا السلاح أمر بهم خالد عند ذلك: فكتفوا، ثم عرضهم على السيف. فقتل من قتل منهم. فلما انتهى الخبر إلى رسول الله - ﷺ - رفع يديه إلى السماء، ثم قال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد .. ثم دعا رسول الله - ﷺ - علي بن أبي طالب رضوان الله عليه فقال: يا علي أخرج إلى هؤلاء القوم، فانظر في أمرهم، واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك. فخرج علي حتى جاءهم ومعه مال قد بعث به رسول الله - ﷺ -. فودى لهم الدماء وما أصيب لهم من الأموال؛ حتى إنه ليدي ميلغة (١) الكلب، حتى إذا لم يبق شيء من دم أو مال إلا وداه، بقيت معه بقية من المال، فقال لهم علي رضوان الله عليه حين فرغ منهم: هل بقي لكم بقية من دم أو مال لم يود لكم؟ قالوا: لا. قال: فإني أعطيكم هذه البقية من هذا المال احتياطا لرسول الله - ﷺ - مما يعلم ولا تعلمون. ففعل ثم رجع إلى رسول الله - ﷺ - فأخبره الخبر: فقال أصبت وأحسنت ثم قام رسول الله - ﷺ - فاستقبل القبلة قائما شاهرا يديه حتى إنه ليرى ما تحت منكبيه، يقول: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد ثلاث مرات. وقد قال بعض من يعذر خالدا إنه قال: ما قاتلت حتى أمرني بذلك عبد الله بن حذافة السهمي وقال: إن رسول الله - ﷺ - أمرك أن تقاتلهم لامتناعهم عن الإسلام.
قال ابن إسحاق: وقد كان جحدم قال لهم حين وضعوا السلاح ورأى ما يصنع خالد ببني جذيمة: يا بني جذيمة ضاع الضرب، قد كنت حذرتكم ما وقعتم فيه. قد كان بين خالد وبين عبد الرحمن بن عوف فيما بلغني كلام في ذلك. فقال له عبد الرحمن بن عوف: عملت بأمر الجاهلية في الإسلام. فقال: إنما ثأرت بأبيك، فقال له عبد الرحمن بن عوف: كذبت، قد قتلت قاتل أبي. ولكنك ثأرت بعمك الفاكه بن المغيرة، حتى كان بينهما شر. فبلغ ذلك رسول الله - ﷺ - فقال: مهلا يا خالد دع أصحابي، فوالله لو كان لك أحد ذهبا ثم انفقته في سبيل الله ما أدركت غدوة رجل من أصحابي أو روحته) (٢).
٥ - هدم اللات: فلما فرغوا من أمرهم، وتوجهوا إلى بلادهم راجعين، بعث رسول الله - ﷺ - معهم أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة، في هدم الطاغية، فخرجا مع القوم، حتى إذا قدموا الطائف أراد المغيرة بن شعبة أن يقدم أبا سفيان، فأبى ذلك أبو سفيان عليه وقال: أدخل أنت على قومك وأقام أبو سفيان بماله بذي الهدم فلما دخل المغيرة بن شعبة
_________________
(١) مبلغة الكلب: شيء يحفر من خشب ويجعل ليلغ فيه الكلب.
(٢) السيرة لابن إسحاق ج ٤ ص ٥٤١.
[ ٣ / ١٤٨ ]
علاها يضربها بالمعول، وقام قومه دونه -بنو معتب- خشية أن يرمي أو يصاب كما أصيب عروة، وخرج نساء ثقيف حسرا يبكين عليها ويقلن:
لتبكين دفاع أسلمها الرضاع لم يحسنوا المصاع (١)
ويقول أبو سفيان والمغيرة يضربها بالفأس: واها لك (٢).
كانت الخطوة الأولى بعد هدم الأصنام بالكعبة هو أن تلاحق الأصنام في الأرض العربية كلها وكان هبل الصنم الأعظم بمكة قد تحطم على يدي الرسول - ﷺ -.
﴿أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى﴾ (٣).
ولقد ارتبطت قدسية البيت الحرام ارتباطا وثيقا بقدسية الأصنام. ولم يكن العربي بعد الله تعالى يحلف بصنم إلا باللات والعزى.
وإن كان تأخر اللات بالهدم عن العزى ومناة كان مرتبطا بكسر شوكة ثقيف. غير أن العزى كانت أول المقدسات العربية تحطيما بعد أصنام الكعبة. وتلتها مناة بعد ذلك.
وكانت الخطة النبوية أن يقوم قائدا الفرسان في مكة بهذه المهمة، خالد وعمرو أما خالد فكانت مهمته إلى العزى، بينما كانت مهمة عمرو بن العاص إلى سواع.
وخالد وعمرو للملمات والمهمات الخاطفة الفدائية. ومن أجل ذلك لم يكن معهما إلا بضعة وعشرين فارسا من فرسان المسلمين، ونجحت المهمتان نجاحا عظيما رغم المظاهرة العنيفة من العزى ومناة التي تظهرمن تلك المرأة العارية السوداء الناشرة شعرها، وكان لتحطيم الصنم، ومقتل المرأة وتهدم بيت السدانة أثر ضخم في اضمحلال قدسية هذه الأصنام. وكانت الآثار
_________________
(١) المصاع: المضاربة بالسيوف.
(٢) السيرة لابن هشام ج ٤ ص ٤٣١.
(٣) سورة النجم: ١٩ - ٢٢.
[ ٣ / ١٤٩ ]
الإعلامية لهذه الأحداث. أن اجتثت جذور الوثنية وزلزلت أركانها من القواعد.
لكننا نلحظ أن مناة كانت من نصيب سعد بن زيد الأشهلي ﵁ ولم تكن من نصيب خالد وعمرو وسبب ذلك أن مناة هي المقدسة عند الأوس والخزرج. فلا بد أن يهدمها واحد من الأوس والخزرج كما كانت العزى من مقدسات قريش فكان هدمها على يد خالد، ولا يبعد أن تكون سواع مقدسة عند قوم عمرو أو أقاربه، ومن أجل هذا كلف بهذه المهمة، أو لعلها من المقدسات عند قريش كذلك.
وهو تخطيط نبوي واضح، أن يحطم الصنم ممن كانوا يولونه القداسة والعبادة أكثر من غيرهم، وهكذا نلحظ أن الذي هدم اللات فيما بعد - صنم ثقيف - هو المغيرة بن شعبة الثقفي. وترافق هذا الهدم مع التوجيهات النبوية العامة في مكة وحولها.
(من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدع في بيته صنما إلا كسره).
وليس هذا أمرا سهلا في الحقيقة فهذه الخطوة من حيث الضخامة والخطورة تقارب فتح مكة وتحطيم تلك الآلهة المدعاة. ثم تحطيم تلك الأصنام التي تملأ البيوت العربية. تعني هذه الأمور ثورة كاملة على الجاهلية وإزالة معالمها ومحو مقدساتها من النفوس قبل البيوت وقبل أماكن العبادة وقد استطاع الإسلام حقا في هذه الخطوات أن يهزم الجالهية في أقل عدد من الخسائر في الأموال والأرواح، والتي كان بالإمكان أن ترافقها المذابح الجماعية في الأرض العربية.
ولا بد هنا من المقارنة بين خطين كبيرين في العمل الإسلامي في هذه المرحلة.
هذان الخطان هما: تحطيم الأصنام، وتحطيم الأشخاص.
فبمقدار ما حرص رسول الله - ﷺ - على الحفاظ على الأشخاص، مهما كانت مستويات محاربتهم للإسلام، ومستويات عقائدهم الوثنية. حرص رسول الله - ﷺ - على تحطيم كل أثر من آثار الوثنية. حتى ولو كان الصنم الصغير التافة في البيت.
ولم نجد في هذه القضية إطلاقا مراعاة للنفوس التي قد تثور أو تحقد أو تغضب أو ترتد حين تحطم مقدساتها وتكسر.
وما أحوج الدعاة إلى التفريق بين الخطين حتى في مرحلة القمة، مرحلة الفتح الأكبر
[ ٣ / ١٥٠ ]
والنصر المبين إننا في لحظة الانفعلات العاطفية والخط الدعوي الإعلامي كثيرا ما نستعمل هذه المقولة والأشخاص الطغاة الذين يحكمون بغير شريعة الله أصنام يجب أن تحطم.
والطغاة حين يصرون على الكفر لا بد أن يسقطوا أو يحطموا. هذا لا شك فيه، ولكن عظمة الإسلام هو في الاغتيال النفسي لهؤلاء الطغاة وإعادة تركيبهم من جديد على ضوء الإسلام فتكون معادلة البناء سهلة في هذا المجال ونحن حين نغزو قلوب عظماء الرجال. ونحتلها بهذا الإسلام العظيم، نكون قد قطعنا شوطا كبيرا في مجال الدعوة من خلال البنيان القبلي والعشائري الذي يجعل للقبيلة الدور الضخم في شرائح الجهاد الإسلامي.
فخالد بن الوليد الذي حطم العزى كان في مرحلة من المراحل من طواغيت مكة. وكان صنما يجب أن يحطم على حد مقولتنا الإعلامية العاطفية لكن عظمة الإسلام أن جعلت منه الأداة التي حطمت العزى في الأرض العربية وقل هذا القول بالنسبة لعمرو بن العاص ﵁ الذي كان أحد طواغيت مكة الكبار. وتم على يديه هدم سواع. وكان من الممكن أن يكون هدف تحطيمه معركة طاحنة. وقل مثل ذلك بالنسبة لأبي سفيان ﵁ الذي كان أكبر الطواغيت في مكة. فلقد كان هدفا بحد ذاته. ولطالما بعث رسول الله - ﷺ - من يغتاله، وشاءت إرادة الله تعالى أن لا ينجح مشروع اغتياله. وبالتالي يدخل ضمن مخطط الهدى النبوي، فيكون الأداة بعد أشهر فقط في هدم اللات مع المغيرة بن شعبة.
إنها نقلة ضخمة في عالم العظام أن تسير بهم برفق وبعبقرية من الجاهلية إلى الإسلام وتحولهم من هدف للتحطيم إلى أداة تحطم بها معالم الكفر. وبالتالي تفقه الحركة الإسلامية الفرق بين الخطين المذكورين. وبمقدار ما تراعى أعماق النفس الإنسانية. وتستلم مفتاحها وتوجد الهزة الشعورية التي تنقلها إلى حظيرة الإسلام. بمقدار ما ترمي وراء ظهرك هذه المشاعر جميعا عند بناء العقيدة وتهديم معالم الكفر، وعدم إعطاء أي وزن لغضب النفوس من جراء تحطيم معالم الجاهلية وكان أقصى حد من التساهل في هذا المجال هو أن يعفي رسول الله - ﷺ - القوم من هدم أصنامهم بيدهم، دون أن يكون تأجيل الهدم موضع مساومة، وأنت قادر على ذلك.
لكن هذا لا يمنع أبدا من القول: إن هذا المبدأ لم يكن هو المبدأ السائد في كل المراحل ونستطيع أن نلاحظ الموقف من الأصنام إنه قد مر بمراحل متعددة:
أولى هذه المراحل: يوم نهى الإسلام عن سب هذه الأصنام. وكان هذا في مرحلة البناء الأولى في مرحلة تأسيس الدعوة.
[ ٣ / ١٥١ ]
﴿ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم﴾ (١).
وهذه المرحلة لا ترتبط بزمن وهي بالنسبة للحركة الإسلامية تمتد طالما أن الحركة الإسلامية غير قادرة على مواجهة الكفر بشيء يوم تسب الله تعالى ولا تستطيع أن تحول دون ذلك.
والثانية في مرحلة تأسيس الدولة: ويختلف الأمر هنا من داخل الدولة إلى خارجها. فداخل حدود الدولة الأصل أن تزول معالم الوثنية منها. أما إذا اشترك في سلطانها أكثر من جهة فيمكن أن تبقى هذه الأصنام دون أن يشارك المسلمون في تقديسها. فمناة مثلا لم يهدم قبل فتح مكة. وكانت تشترك في تقديسه الأوس والخزرج وغسان، وإذا كان الأوس والخزرج قد انتهى تقديسها عندهم بعد الإسلام. لكن اشتراك غسان في تقديسها، وغسان ذات شوكة ضخة، ومرتبطة مع الروم بتحالفات مصيرية. أجلت عملية الهدم الى فتح مكة.
والثالثة في مرحلة تمكين الدولة. ويختلف الأمر في مرحلة التمكين بين حق المشاركة وحق السيادة فحق المشاركة الذي قام من خلال معاهدة الحديبية والذي حدد تنفيذه بعد عام كامل وذلك حيث تختلط معالم الوحدانية بمعالم الشرك. وحيث يقدر المسلمون أن يمارسوا شعائر الإسلام دون أن يشاركوا في شعائر الشرك. كما هو الأمر في عمرة القضاء. وطاف المسلمون حول البيت الحرام. دون أن يحق لهم التدخل في آلهة المشركين.
ونلاحظ المرحلية حتى في مجال المشاركة إذ تبدأ كما قلت بعد عام من المعاهدة وأما عند حق السيادة فالأصل إلغاء الوجود الوثني كله. مهما كانت النفوس ضعيفة وذلك الموقف الذي نشهده الآن بعد فتح مكة.
ويحضرني من خلال الواقع العملي، قضية الإذاعة التي عانت منها بعض فصائل الحركة الإسلامية المسلحة إذ كانت المصلحة تقتضي فتح صوت إسلامي في هذه الإذاعة يرافقها أصوات غير إسلامية تمثل التيار القومي. وكانت المرحلة الأولى لهذه الإذاعة أن استلمت ركنا محددا بزمن محدد تبث منه فكرها الإسلامي دون أن يكون لها علاقة بما تبثه الإذاعة القائمة أما عندما وجدت الحركة الإسلامية نفسها مضطرة للاشتراك مع حلفائها بهذا الصوت الإذاعي، تحت راية واحدة فكان لابد لها أن تحافظ على تميزها في بثها المنتشر في الإذاعة كاملة من حيث يظهر التميز في نشيدها الذي يمثل فكرها، ولا بد من خطوة ثانية تقتضي، الإشراف على البث كله طالما أنه يبرز تحت
_________________
(١) الأنعام ١٠٨.
[ ٣ / ١٥٢ ]
راية واحدة حتى لا يخاف الإسلام في الحدود الممكنة. والدعاة بحاجة إلى فقه هذا التدرج مرحلة عقب مرحلة محكومة بالقوة التي تملكها الحركة الإسلامية والقدرة على الانتقال إلى الموقع الأفضل مع القوة الأفضل. ونرجىء المرحلة الأخيرة لما بعد سورة براءة.
وفي الحديث عن سرية خالد ﵁ إلى بني جذيمة تبرز معان جديدة متعددة. فمن هذه المعاني أن خالدا ﵁ قد نجح أعظم نجاح بصفته قائدا حربيا في مؤتة وفتح مكة، وهدم العزى. نجده فشل فشلا ذريعا بصفته داعية إلى الله تعالى. وطغى الجانب الحربي على الجانب الدعوي عنده، وكانت تجربة قاسية له ولا شك ولما يمر على إسلامه سنة كاملة وبالتحديد خلال الأشهر الثمانية الأولى من إسلامه.
لقد كانت بوادر هذا الإندفاع ظاهرة في فتح مكة حيث قاتل المشركين. ورسول الله - ﷺ - قد نهى عن القتال، وحوسب على ذلك فقال: (جاءني فلان فأمرني أن أقتل من قدرت عليه. فأرسل إليه ألم آمرك؟ قال: أردت أمرا وأراد الله أمرا فكان أمر الله فوق أمرك وما استطعت إلا الذي كان) (١). وفي رواية أنه أقسم ما قاتل حتى قوتل.
وقبل رسول الله - ﷺ - عذره.
لكن الخطيئة في بني جذيمة كانت ضخعة. وذات أثر سيء جدا في الصف العربي الذي ينظر إلى المسلمين على أنهم القدوة العليا في الأرض، وعلى اختلاف الروايات. فلا نجد رسول الله - ﷺ - هنا يغفر لخالد، بل يرفع يديه إلى السماء متجها إلى القبلة ويقول: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد. (قالها ثلاثا).
وصورة الأمر حين ينتشر يعني أن لا عهد للمسلمين مع خصومهم، وأنه ليس أمام هؤلاء الخصوم إلا المقاومة أو الإسلام. ورسول الله - ﷺ - بعث خالدا داعيا ولم يعثه مقاتلا ودون الخوض في التعليلات التي سبقت واختلاف الروايات فيها. فمما لا شك فيه أن مقتل الكثير من بني جذيمة يخالف التوجيه النبوي مخالفة تامة، واحتال أن تكون هذه النفوس السبعون أو أكثر قد قتلت ظلما بعد الإسلام هو احتمال قوي كما تذكر بعض الروايات الصحيحة والذي يزيد في المسؤولية أن هناك من احتج احتجاجا شديدا على قتلهم. وأهم من احتج على ذلك عبد الله بن عمر، وسالم مولى أبي حذيفة، وعبد الرحمن بن عوف، حتى كاد يكون بينهم شر. وإن كانت بعض الروايات تشير إلى أن عبد الله بن حذافة السهمي ﵁ هو الذي أمر خالدا بذلك. وكان ألم رسول الله - ﷺ - ألما عظيما من هذه النتيجة. وحاول أن يستدرك الأمر بعلي ﵁ الذي لحق ببني
_________________
(١) البداية والنهاية ج ٤ ص٢٩٧.
[ ٣ / ١٥٣ ]
جذيمة فأوقف القتل، ودفع دية جميع القتلى بلا استثناء، وعوض عن جميع الخسائر الماديه حتى ميلغة الكلب.
ومن هذه المعاني، الدرس القاسي الذي لقنه رسول الله - ﷺ - لخالد، حين أعلن براءته مما عمله على مستوى الملأ، هذا بالنسبة له. لكن حرص ﵊ على الحفاط على ما تبقى من الدماء درس آخر علني في تسفيه سلوك خالد وتخطئته على الملأ من بني جذيمة.
ومن طرف ثالث. وضع خالد ﵁ ضمن حدوده حين يتجاوز على أمثال عبد الرحمن بن عوف ﵁ وهو من السابقين الأولين من المهاجرين.
إن هذه النفسية العظيمة التى كانت تجد الأمجاد أمامها مجدا بعد مجد. لا بد لها حين تخطىء من أن تكفكف عن خطئها. وتطامن من كبريائها، فتبقى هذه التجاوزات محاطة بسياج الإسلام يردها عندما تريد الجموح لقد كانت كلمة رسول الله - ﷺ - لخالد، أقسى من أي درس تلقاه في حياته. درس في التربية، يتلقاه القائد العظيم، ليتعلم أصول الدعوة وطريقها. وذلك حين قال له ﵊: دع عنك أصحابي. فلو أنفقت ملء أحد ذهبا ما بلغت مد أحدهم ولا نصيفه. وفي رواية: ما أدركت غدوة رجل من أصحابي أو روحته.
كان لا بد لهذه المعاني أن تطرق ذهن القائد العظيم وهو يتلقى دروس التربية في مدرسة النبوة. فذكر الغدوة والروحة لا بد من الإشارة إليه، وكل علاقة خالد بالجهاد لم تبلغ بعد ثلاث معارك خلال ثمانية أشهر فكيف يغيب عن ذهنه جهاد عشرين عاما أو تزيد في صحيفة عبد الرحمن ﵁ هذا من جهة، ومن جهة ثانية. فلذكر جبل أحد معنى ذو مذاق خاص، لا يدرك مذاقة المر مثل خالد بن الوليد ﵁. فهو بطل أحد، وهو الذي حارب رسول الله - ﷺ - في تلك المعركة في الوقت الذي كان عبد الرحمن بن عوف واحد من خمسة يذودون عن رسول الله - ﷺ - وناله أكثر من عشرين جراحة. فكيف يستويان؟
وفي الوقت الذي كان خالد ﵁ يحمل على كتفيه وسام مؤتة وهو من أعلى الأوسمة العسكرية على الإطلاق. لكن هذا لا يعفيه من المسؤولية، ولا يبيح له قتل كثير من المسلمين دون تثبت. فكان هذا الدرس من أعظم الدروس التربوية التي تلقاها خالد في حياته ﵁. فقه منه أن الحرب ليست للحرب. كما هي الحال في تاريخه العسكري لعشرين عاما خلت، وفقه منه أنه داعية قبل أن يكون قائد حرب ممتاز، وفهم منه أن استلامه الموقع الأول في القيادة لا يعني أن هذا يعطيه حق التعالي على الآخرين، أو أنه غدا خيرا منهم. بل لا يحق له أن يقارن نفسه مع الجيل الأول من المجاهدين ومع الرعيل الأول منهم.
ومن المعاني التي تبرز من خلال هذه السرية حركية الرسول - ﷺ - العجيبة التي جعلته يتدارك
[ ٣ / ١٥٤ ]
الأمر قبل فوات الأوان. وحين تقارن هذه الحركية مع الحركية القائمة للجماعة الإسلامية يكاد يصيبنا الذهول والألم للبون الكبير بين الحركتين. مع توفر وسائل المواصلات اليوم. وفي العمق النفسي الذي سلكه رسول الله - ﷺ - واختياره عليا بالذات بصفته الممثل الشخصي له فهو أخوه وابن عمه كي يطمئن الناس إلى الموقف الصحيح الذي عالج الخطأ. بهذه الحكمة حتى ليدي مبلغة الكلب، ويوزع الباقي على بني جذيمة لتثلح صدور الناس.
من جديد، وتمسح هذه اليد الحانية تلك المجزرة الضخمة. ولا أدل على التعبير عنها مما رآه رسول الله - ﷺ - في نومه إذ قال:
(رأيت كأني لقمت لقمة من حيس (١) فالتذذت طعمها، فاعترض في حلقي منها شيء حين ابتلعتها فأدخل علي يده فنزعه. فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله هذه سرية من سراياك تبعثها. فأتيك منها بعض ما تحب، ويكون في بعضها اعتراض فتبعث عليا فيسهله) (٢). ولعل الشيء الأخطر الذي أنقذه علي ﵁ هو سمعة المسلمين، وذلك حين يتناقل الناس النبأ أن المسلمين يغدرون، وإنهم سيذبحون كل من يعاديهم حتى لو دخل في الإسلام. فانتشار هذه القالة دون أن ينتشر معها ذلك التصحيح المباشر الذي يلف الخطأ ويزيل آثاره سوف يقف سدا ذريعا بين الناس وبين الإسلام.
وهذا الدرس يعني أن كرامة الحركة فوق كرامة الأشخاص، وسمعة الدعوة فوق سمعة الأشخاص وأن يشرح خطأ خالد علنا. على ما فيه من قساوة على خالد. هو أمر من مصلحة هذه الدعوة التي لا يجوز لها أن تفرط في ذرة من سمعتها على الإطلاق.
ومن أجل إرضاء النفوس يبذل المال كله، ولو تجاوز حدود الصلاحيات المتاحة ضمن الهدف العام الذي تتحرك القيادة من أجله وهو تطبيب النفوس، وإعادة الثقة فيها من جديد.
ومن المعاني السابقة المذكورة إلى المعنى الأخير الخطير. هذا المعنى، هو قيمة الداعية المجاهد. وقبل أن نمضي بعيدا في هذا المعنى نقف مع هذه اللمحات والخطرات في واقع الحركة الإسلامية من خلال بعض الأمثلة التي توضح الفرق بين هذا الواقع وبين الأفق الوضيء الذي تدعونا السيرة النبوية إليه.
١ - ذات مرة وقع أخ من صفوف الحركة الإسلامية أسيرا بيد حليف هذه الحركة. ولخطأ أو إهمال أو غدر تم تسليم هذا الأخ إلى يد العدو. فأدت هذه القضية في صف هذه الحركة إلى توتر لم
_________________
(١) حيس: أن يخلط السمن والتمر والإقط فيؤكل.
(٢) السيرة لابن هشام ج ٤ ص ٤٢٩.
[ ٣ / ١٥٥ ]
يحصر الأمر ضمن الخطيئة. بل زعزع ثقة الجنود بكل القيادة. وأشار بعض المغرضين فيها بأصابع الإتهام إلى خط الجماعة كله، ووصمها البعض بالغباء والتواطؤ. ولا شك أن الحاقدين تكنوا من إثارة هذا الجو وتعبئة النفوس في هذا المسار. لأن هذا التسليم عرض العديد من الشباب للخطر.
٢ - ألقى أخ مسؤول ذات مرة كلمة حماسية في الإذاعة المخصصة للحركة الإسلامية، فثار الشباب المتحمس ضده في اليوم الثاني. واتهمه بأنه يريد أن يذبح أسرى هذه الحركة الموجودين في صفوف العدو، وراح الحماس يلعب دوره حتى اتهمه بمسؤوليته عن قتل ستة آلاف شهيد نتيجة تلك الكلمة المذاعة، علما بأن الشهداء سقطوا قبل هذه الكلمة. وأضحت المطالبة بإقصائه ومحاكمته وقتله.
٣ - حدث في الإذاعة التي تشترك بها الحركة الإسلامية أن أخطأ بعض الإخوة وأدخل مقطوعة موسيقية ضمن برنامج إسلامي، فقامت القواعد ولم تقعد. متهة القيادة بالإنحراف عن الإسلام، وبأن هذه القيادة غدت أداة في يد العدو. تهادن في دين الله، وتستحل الحرام، وتعلن القواعد فقدان ثقتها النهائية بالقيادة لأن بعض أفرادها مسؤول عن مراقبة البرامج مع عدد من الإخوة وقبل هذا الحرام.
ذكرت هذه النماذج الثلاثة، ولا أقول إن القواعد جميعها تسلك هذا السبيل. إنما يوجد بعض الشباب الذين يثيرون هذه الاتهامات وتجد أذنا صاغية لهذا البهتان، وتضخيم الخطأ، وتحويله إلى انحراف كامل بالحركة.
وهذه النماذج الثلاثة أضعها بين يدي حادثة بني جذيمة، وكيف أعمل خالد ﵁ السيف بالأسرى بعد أن أمنهم أو بعد إعلان إسلامهم رغم المعارضة العنيفة لهذا التصرف من كبار المهاجرين. ورأينا خطورة هذه القضية التي اقتضت إعلان البراءة مما فعله خالد ﵁ أمام الصحابة جميعا، ثم كف يده عن القتل بأمر رسول الله - ﷺ - ودية من تمت إبادتهم.
خطأ أودى بأرواح سبعين أو أكثر من بني جذيمة وقضوا خطأ بعد إسلامهم. وماذا جرى بخالد بعد هذا الدرس النبوي القاسي؟؟
لقد بقي خالد ﵁ في مركزه وبعد أقل من عشرين يوما،. خاض غزوة حنين، وهو بموقفه نفسه قائد خيالة المسلمين. كما يقول المقريزي: وبقيت سليم كما هي في مقدمة الخيل وعليهم خالد بن الوليد (١).
_________________
(١) إمتاع الأسماع ج ١ ص ٤٠٥.
[ ٣ / ١٥٦ ]
فالخطأ الذي أخطأه ابن الوليد ﵁، لم يحرقه، ولم يقض عليه، ولم يعزله، ولم ينل من كفاءته وطاقته. إنما أعلن خطؤه، وسمع التأنيب الضروري، وتلقى الدرس التربوي المناسب وتابع مهمته في موقعه نفسه في القيادة دون أن يشهر به، أو يستغنى عنه، بل نهى المسلمين بعد الخطأ ذاك من الاسترسال في النقد. وطلب منهم الكف عن الحديث في هذا الأمر وقال: (لا تسبوا خالدا فإنه سيف من سيوف الله. سله الله على المشركين) (١).
ونخلص من هذا الدرس الأخر إلى أن خطأ الأخ سواء كان في القيادة أو في القاعدة. لا بد أن يعالج المعالجة المناسة، ويحاسب على خطئه لكن هذا لا يقتضي إسقاطه أو عزله، أو التخلي عنه والتخلي عن طاقاته وإمكاناته ومواهبه. والجماعة الحكيمة هي التي تحافظ لا على قيادتها فحسب بل على أصغر جندي من جنودها، والفرق كبير جدا جدا بين محاسبة المخطىء في الحدود اللازمة وبين الإجهاز عليه، وما يوم بني جذيمة بسر.
ب - غزوة حنين
الرسول - ﷺ - يغادر مكة إلى حنين: وفي يوم السبت السادس من شهر شوال سنة ٨ هـ، غادر رسول الله مكة، وكان في إثني عشر ألفا من المسلمين عشرة آلاف ممن كانوا خرجوا معه لفتح مكة، وألفان من أهل مكة، وأكثرهم حديثوا عهد بالإسلام، واستعار من صفوان بن أمية مائة درع بأداتها، واستعمل على مكة عتاب بن أسيد. ولما كان عشية جاء فارس فقال: إني طلعت جبل كذا وكذا، فإذا أنا بهوازن عن بكرة أبيهم بظعنهم ونعمهم وشائهم، فتبسم رسول الله - ﷺ - وقال: تلك غنيمة المسلمين غدا إن شاء الله. وتطوع للحراسة تلك الليلة أنس بن أبي مرثد الغنوي.
وفي طريقهم إلى حنين رأوا سدرة عظيمة خضراء يقال لها ذات أنواط. كما لهم ذات أنواط فقال: الله أكبر، قلتم -والذي نفسي بيده- كما قال قوم موسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة. قال: إنكم قوم تجهلون. إنها السنن، لتركبن سنن من كان قبلكم. وقد كان بعضهم قال: نظرا إلى كثرة الجيش: لن نغلب اليوم. وكان قد شق ذلك على رسول الله - ﷺ -.
الجيش الإسلامي يباغت الرماة والمهاجرين: إنتمى الجيش الإسلامي إلى حنين ليلة الثلاثاء لعشر خلون من شوال، وكان مالك بن عوف قد سبقهم فأدخل جيشه بالليل في ذلك الوادي، وفرق كمناءه في الطرق والمداخل. والشعاب والأخباء والمضايق. وأصدر إليهم أمره بأن يرشقوا المسلمين أول ما طلعوا، ويشدوا شدة رجل واحد.
_________________
(١) إمتاع الأسماع ج ١ ص ٤٠٠.
[ ٣ / ١٥٧ ]
وبالسحر عبأ رسول الله - ﷺ - جيشه، وعقد الألوية والرايات، وفرقها على الناس؛ وفي عملية الصبح استقبل المسلمون وادي حنين. وشرعوا ينحدرون فيه، وهم لا يدرون بوجود كمناء العدو في مضايق هذا الوادي. فبينا هم ينحطون إذا تمطر عليهم النبال، وإذا كتائب العدو قد شدت عليهم شدة رجل واحد. فانشمر المسلمون راجعين، لا يلوي أحد على أحد، وكانت هزيمة منكرة .. وانحاز رسول الله - ﷺ - جهة اليمين وهو يقول: هلموا إلي أيها الناس، أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله، ولم يبق معه في موقفه إلا عدد قليل من المهاجرين وأهل بيته وحينئذ ظهرت شجاعة النبي - ﷺ - التي لا نظير لها فقد طفق يركز بغلته قبل الكفار وهو يقول: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب.
بيد أن أبا سفيان بن الحارث كان آخذا بلجام بغلته والعباس بركابه يكفانها أن لا تسرع ثم نزل رسول الله - ﷺ - فاستنصر ربه قائلا: اللهم أنزل نصرك.
رجوع المسلمين واحتدام المعركة: وأمر رسول الله - ﷺ - عمه العباس وكان جهير الصوت أن ينادي الصحابة قال العباس: فقلت بأعلى صوتي: أين أصحاب السمرة؟ قال: فوالله لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها. فقالوا: يا لبيك يا لبيك. ويذهب الرجل ليثني بعيره فلا يقدر عليه فيأخذ عليه درعه. فيقذفها في عنقه. ويأخذ سيفه وترسه، ويقتحم عن بعيره، ويخلي سبيله، فيؤم الصوت حتى إذا اجتمع إليه مائة استقبلوا الناس واقتتلوا.
وصرفت الدعوة إلى الأنصار، يا معشر الأنصار، يا معشر الأنصار، ثم قصرت الدعوة في بني الحارث بن الخزرج، وتلاحقت كتائب المسلمين واحدة تلو الأخرى كما كانوا تركوا الموقعة. وتجالد الفريقان مجالدة شديدة، ونظر رسول الله - ﷺ - إلى ساحة القتال، وقد استحر واحتدم، فقال: الآن حمي الوطيس. ثم أخذ رسول الله - ﷺ - قبضة من تراب الأرض، فرمى بها في وجوه القوم: وقال: شاهت الوجوه. فما خلق الله إنسانا إلا ملأ عينيه ترابا من تلك القبضة فلم يزل حدهم كليلا، وأمرهم مدبرا.
انكسار حدة العدو، وهزيمته الساحقة: وما هي إلا ساعات قلائل - بعد رمي القبضة -حتى انهزم العدو هزيمة منكرة وقتل من ثقيف وحدهم نحو السبعين، وحاز المسلمون ما كان على العدو من مال وسلاح وظعن. وهذا هو التطور الذي أشار إليه ﷾ في قوله: ﴿ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفررا وذلك جزاء الكافرين﴾.
حركة المطاردة: ولما انهزم العدو صارت طائفة منهم إلى الطائف، وطائفة إلى نخلة،
[ ٣ / ١٥٨ ]
وطائفة إلى أوطاس، فأرسل النبي - ﷺ - إلى أوطاس طائفة من المطاردين يقودهم أبو عامر الأشعري، فناوش الفريقان القتال قليلا، ثم انهزم جيش المشركين، وفي هذه المناوئة قتل القائد أبو عامر الأشعري. وطاردت طائفة أخرى من فرسان المسلمين فلول المشركين الذين سلكوا نخلة. فأدركت دريد بن الصمة فقتله ربيعة بن رفيع. وأما معظم فلول المشركين الذين لجؤوا إلى الطائف فتوجه إليهم رسول الله - ﷺ - بنفسه بعد أن جمع الغنائم.
الغنائم: وكانت الغنائم: السبي ثلاثة آلاف رأس، والإبل أربعة وعشرون ألفا والغنم أكثر من أربعين ألف شاة، وأربعة آلاف أوقية فضة، أمر رسول الله - ﷺ - بجمعها ثم حبسها بالجعرانة، وجعل عليها مسعود بن عمرو الغفاري، ولم يقسمها حتى فرغ من غزوة الطائف. وكانت في السبي الشيماء بنت الحارث السعدية، أخت رسول الله - ﷺ - من الرضاعة فلما جيء بها إلى رسول الله - ﷺ - عرفت نفسها فعرفها بعلامة فأكرمها، وبسط لها رداءه وأجلسها عليه، ثم من عليها، وردها إلى قومها.
غزوة الطائف: وهذه الغزوة في الحقيقة امتداد لغزوة حنين، وذلك أن معظم فلول هوازن وثقيف دخلوا الطائف مع القائد العام - مالك بن عوف النصري - وتحصنوا بها، فسار إليهم رسول الله - ﷺ - بعد فراغه من حنين وجمع الغنائم بالجعرانة في نفس الشهر. شوال سنة ٨ هـ وقدم خالد بن الوليد على مقدمته طليعة من ألف رجل، ثم سلك رسول الله - ﷺ - إلى الطائف فمر في طريقه على النخلة اليمانية، ثم قرن المنازل، ثم على لية، وكان هناك حصن لمالك بن عوف فأمر بهدمه ثم واصل سيره حتى انتهى إلى الطائف. فنزل قريبا من حصنه، وعسكر هناك، وفرض الحصار على أهل الحصن ودام الحصار مدة غير قليلة ففي رواية أنس عند مسلم أن مدة حصارهم كانت أربعين يوما، وعند أهل السير خلاف في ذلك فقيل عشرين يوما، وقيل بضعة عشر، وقيل ثمانية عشر، وقيل خمسة عشر. ووقعت في هذه المدة مراماة ومقاذفات. فالمسلمون أول ما فرضوا الحصار رماهم أهل الحصن رميا شديدا كأنه رجل جراد حتى أصيب ناس من المسلمين بجراحة، وقتل منهم اثنا عشر رجلا واضطروا إلى الارتفاع عن معسكرهم إلى مسجد الطائف اليوم، فعسكروا هناك.
ونصب النبى - ﷺ - المنجنيق على أهل الطائف، وقذف به القذائف، حتى وقعت شرخة في جدار الحصن. فدخل نفر من المسلمين تحت دبابة، ودخلوا بها إلى الجدار ليخرقوه. فأرسل عليهم العدو سكك الحديد المحماة فخرجوا من تحتها، فرموهم بالنبل، وقتلوا منهم رجالا.
وأمر رسول الله - ﷺ - كجزء من سياسة الحرب لإلجاء العدو إلى الاستسلام - أمر بقطع الأعناب وتحريقها، فقطعها المسلمون قطعا ذريعا، فسألته ثقيف أن يدعها لله والرحم. فتركها لله والرحم. ونادى مناديه - ﷺ -: أيما عبد نزل من الحصن، وخرج إلينا فهو حر، فخرج إليهم ثلاثة
[ ٣ / ١٥٩ ]
وعشرون رجلا فيهم أبو بكر - تسور حصن الطائف وتدلى منه ببكرة مستديرة يستقي عليها. فكناه رسول الله - ﷺ - أبا بكة، فأعتقهم رسول الله - ﷺ - ودفع كل رجل منهم إلى رجل من المسلمين يمونه. فشق ذلك على أهل الحصن مشقة شديدة، ولما طال الحصار واستعصى الحصن، وأصيب المسلمون بما أصيبوا من رشق النبال، وبسلك الحديد المحماة - وكان أهل الحصن قد أعدو فيه ما يكفيهم لحصار سنة - استشار رسول الله - ﷺ - نوفل بن معاوية الدولي فقال: هم ثعلب في حجر-إن أقمت عليه أخذته، وإن تركته لم يغيرك، وحينئذ عزم رسول الله - ﷺ - على رفع الحصار والرحيل، فأمر عمر بن الخطاب فأذن في الناس: إنا قافلون غدا إن شاء الله، فثقل عليهم وقالوا: نذهب ولا نفتحه؟ فقال رسول الله - ﷺ - أغدوا على القتال، فغدوا فأصابهم جراح فقال: إنا قافلون غدا إن شاء الله، فسروا بذلك وأذعنوا، فجعلوا يرحلون .. ورسول الله - ﷺ - يضحك، ولما ارتحلوا واستقلوا قال: قالوا: آيبون تائبون، لربنا حامدون.
وقيل يا رسول الله ادع على ثقيف، فقال: اللهم اهد ثقيفا وئت بهم.
وفد ثقيف: كانت وفادتهم في رمضان سنة ٩ بعد مرجع رسول الله - ﷺ - من تبوك، وأسلمت ثقيف.
وفد هوازن: وبعد توزيع الغنائم أقبل وفد هوازن مسلما وهم أربعة عشر رجلا.
لم يكن يكفي سقوط معقل الوثنية - مكة لانتهاء المقاومة المسلحة، فالقبائل المجاورة من هوازن وثقيف لا تزال مركز قوة ضخم، وتشكل خطرا على الوجود الإسلامي كله. ومن أجل هذا كانت خطة النبي - ﷺ - تتجه إلى إنهاء كل الجيوب الوثنية المتبقية، وهي ذات قوة ضارية فعالة.
وحيث أن التربية جزء أساسي من حياة الفرد المسلم والجماعة المسلمة، وحيث أن هذا التجمع الجديد الذي وصل تعداده إلى اثني عشر ألف مقاتل، لم تتح له فرصة التميص المناسبة، ولم تصهره المحنة بعد، إذ تم دخول مكة دون قتال يذكر. فهذا يعني أن هذا الجيش الذي يزيد في أكثر من نصفه من حديثي عن عهد بالاسلام. فكانت المحنة سبرا لهذه النفوس.
لقد أثر هذا الحشد الضخم على أعصاب المسلمين، ورأوا هذه الأعداد الهائلة، فيقول قائلهم: لن نغلب اليوم أو يقول ﵊: لن يغلب اثنا عشر ألف عن قلة. فالأمر في النتيجة واحد. هو أن التجمع الذي لا تصهره التربية، يصعب عليه أن ينتصر، وهذا ما نزل بالمسلمين يوم حنين.
﴿لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين﴾ (١).
_________________
(١) سورة التوبة: ٢٥.
[ ٣ / ١٦٠ ]
وفي لحظة من لحظات الضعف البشري بالاعتماد على الأسباب المادية والثقة بها، يأتي التأديب الرباني لينال الجماعة المسلمة كلها وهذا التأديب يتناسب مع طبيعة الخطأ الذي تخطئه هذه المجموعة.
ومن خلال المحنة والإبتلاء. يتم انصهار هذا التجمع ليتحول إلى جماعة.
وكان الابتلاء الرباي في هذه المعركة ذي محورين.
المحور الأول في الضراء، حيث كانت هزيمة حنين الأولى، وعدم نجاح حصار الطائف.
المحور الثاني في السراء، وذلك من خلال غنائم حنين.
فلقد أعد المسلمون من الأسباب المادية ما يفوق الإعداد في أية معركة. وكان قوام الجيش إثني عشر ألفا. وكانت الأسلحة متوفرة كذلك، ومن أحدث أنواع الأسلحة. كان رسول الله - ﷺ - قد غنمها من اليهود في خيبر. فقد كان عند المسلمين المنجنيق والدبابة ولأول مرة في تاريخ حروبهم كانوا يمتلكون ذلك. واستعار رسول الله - ﷺ - مائة درع من صفوان بن أمية.
هذا من حيث الإعداد المادي، الذي لم يسبق له مثيل في تاريخ الجيوش الإسلامية لكن هذا التجمع الإسلامي لا يزال في صفوفه الكثير ممن دخل في الإسلام وهو في قمة النصر. ورأى أن المسير في الاتجاه الإسلامي يعني نصرا مستمرا وغنائم ضخمة. فكان لا بد من هزة حنين.
وبعث رسول الله - ﷺ - استطلاعه الجيد قبل المعركة. وشاءت إرادة الله تعالى أن لا يرى ذلك الاستطلاع كمائن العدو المنبثة في جميع شعاب الجبل. وكانت المعركة.
وحين يقرأ المسلم أحداث هذه المعركة يذهله الخبر. فالهجوم المباغت من هوازن أفقد الجيش المسلم كله توازنه، حتى القاعدة الصلبة. فقدت توازنها، ولاذت بالفرار من هول المفاجأة. ولم يسبق لهذه القاعدة الصلبة أن اهتزت هذا الاهتزاز في تاريخها كله إلا يوم أحد.
ومع هول المفاجأة، فر الجيش الإسلامي كله، ولم يثبت مع رسول الله - ﷺ - إلا بضعة عشر رجلا وكانوا فريقين:
الفريق الأول: أقرباؤه الأدنين. العباس بن عبد المطلب، والفضل بن العباس وربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب.
[ ٣ / ١٦١ ]
وهذه نماذج جديدة على الساحة ورغم دخولها الجديد في الإسلام، لكنها لم تتراجع خطوة واحدة بجوار رسول الله - ﷺ -.
الفريق الثاني: وهم الخميرة الأولى للدعوة. أبو بكر، عمر، عثمان، علي، أبو دجانة.
كما برز فريق ثالث من الشباب هما: أيمن بن عبيد الخزرجي، وأسامة بن زيد ﵄.
وبرز فريق رابع من النساء هن: أم سليم بنت ملحان، هي يومئذ حامل بولدها عبد الله بن أبي طلحة، وأم عمارة بنت كعب، وأم سليط وأم الحارث.
ولا يبعد أن يكون هناك قتال ضار في مكان آخر. غير أن هذه المجموعة الفدائية بقيت حول رسول الله - ﷺ -.
وحين يكون الصف المسلم فيه من يفكر بقتل رسول الله - ﷺ -، يعني أن التربية لم تشمله كله بعد. ويحدثنا أحد المغامرين شيبة بن عثمان بن أبي طلحة، عن هذه اللحظات من الأزمة فيقول: (لما رأيت النبي - ﷺ - غزا مكة فظفر بها وخرج إلى هوازن. قلت: أخرج لعلي أدرك ثأري. وذكرت قتل أبي يوم أحد وعمي. فلما انهزم أصحابه جئته عن يمينه، فإذا العباس قائم عليه درع بيضاء كالفضة، فقلت، عمه! لن يخذله! ثم جئته عن يساره، فإذا بأبي سفيان بن الحارث فقلت: ابن عمه لن يخذله. فجئته من خلفه، فلم يبق إلا أن أسوره (١) بالسيف إذ رفع لي فيما بيني وبينه شواظ من النار كأنه برق، وخفت أن يمحشني (٢)، فوضعت يدي على بصري ومشيت القهقرى فالتفت إلي وقال: يا شيب! أدن مني! فوضع يده على صدري وقال: اللهم اذهب عنه الشيطان. فرفعت رأسي إليه وهو أحب إلي من سمعي وبصري وقلبي ثم قال:
يا شيب قاتل الكفار! فتقدمت بين يديه أحب والله أقيه بنفسي كل شيء. فلما انهزت هوازن ودخلت عليه، فقال: الحمد لله الذي أراد بك خيرا مما أردت ثم حدثني بما هممت به (٣).
وهذه الظاهرة التي حالت دون شيبة وقتله للنبي - ﷺ - كانت ظاهرة عامة. فلم تر هوازن أن الجيش الإسلامي قد فر ولم يبق منه إلا بضعة عشر. لقد جاء المدد الإلهي مباشرة. ونزلت الملائكة
_________________
(١) تسور الحائط: علاه يريد أنه لم يبق شيء إلا أن ارتفع إليه فأعلوه فآخذه بالسيف.
(٢) محشته النار: أحرقت جلده حتى يبدو العظم.
(٣) إمتاع الأسماع: ج ١ ص ٤١١.
[ ٣ / ١٦٢ ]
بعمائمها الحمر تسد الأفق بين الأرض والسماء.
﴿ثم أنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها﴾.
وكانت المرحلة الثانية من المعركة هي النداء الخالد للعصبة المؤمنة: يا أصحاب سورة البقرة. كان النداء إلى السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار. فبدأت الأفراد تفد إلى ساحة المعركة. حتى بلغت المائة، ويقال إن المائة الصابرة يومئذ ثلاثة وثلاثون من المهاجرين وسبعة وستون من الأنصار.
ثم خصص رسول الله - ﷺ - في المرحلة الثالثة: يا معشر الأنصار، يا أصحاب السمرة (فنادى العباس بذلك وكان رجلا صيتا فأقبلوا كأنهم الإبل إذا حنت إلى أولادها يقولون: يا لبيك يا لبيك: فأشرف رسول الله - ﷺ - كالمتطاول في ركابيه، فنظر إلى قتالهم وقال: الآن حمي الوطيس، ثم أخذ بيده من الحصا، فرماهم بها وهو يقول: شاهت الوجوه ثم لا ينصرون. ثم قال: انهزموا ورب الكعبة. فما زال أمرهم مدبرا وانهزموا) (١).
وكانت هذه المراحل المتلاحفة بسرعة. تحدد مراحل المعركة. وتثبت الإيمان في قلوب ضعاف الإيمان. فلو استثنينا تلك القاعدة الصلبة التي تبلغ الألفين من المسلمين، لرأينا أن العمود الفقري من الجيش وهو من حديثي العهد بالإسلام كان لا بد أن يرى هذه المعجزة الإلهية بأم عينه، ويرى نصر الله تعالى لنبيه، ويرى ثبات هذا النبي وحده وبضعة عشر نفرا وهو يقول:
أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب
ولقد كان هذا التحدي مثلجا لصدور العصبة الصغيرة حرولهم، فحوالي ثلثهم من بني عبد المطلب الذين ثبتوا معه، وكانوا بالأمس يحاربونه ويهجونه ويقاومونه.
ولا بد أن يطرق هذا المعنى، أذهان الشباب المسلم ويتسع بأفقه بعيدا. ويعترف بقوة رابطة النسب إلى جوار رابطة العقيدة. حين يرى أبا سفيان بن الحارث وأخاه ربيعة والعباس وابنه. وعلي بن أبي طالب. وهذا يعني الاستفادة من روابط النسب وغيرها إلى جوار رابطة العقيدة وتحت ظلها ورايتها، وأكدت هذه المعركة كذلك، أن الصف المسلم سيبقى في محن متتابعة حتى يتم انصهاره وتلاحمه، وأن النصر بيد الله تعالى يؤتيه من يشاء وأن الإعجاب النفسي بالقوة والطاقة قمين بالمحنة القاسية لتعديل هذه النظرة وتغييرها حتى يتطامن ذلك الإعجاب ويخضع صاحبه لله رب العالمين.
وكانت المحنة الثانية العنيفة التي واجهها الجيش المسلم هي حصار الطائف الذي استمر
_________________
(١) إمتاع الأسماع ج ١ ص٤٠٧.
[ ٣ / ١٦٣ ]
أربعين يوما على ما تقوله روايات الإمام مسلم عن أنس ﵁. واستمرار هذا الحصار لثقيف التي لا تقل عزة ومنعة عن قريش. كان درسا جديدا لهذا الجيش كذلك، لأن نصر حنين يغري، فلم يكن بد لهم أن يتحملوا مسؤولية الحصار الطويل ويجربوا الالتزام والانضباط، هذا من جهة، ومن جهة ثانية لا بد أن يشعروا أن النصر ليس دائما حليف المسلمين، فلئن لم يتأخر نصر حنين ساعات. فنصر الطائف لم يتم إلا بعد شهور، ولأول مرة في تاريخ الجيش الإسلامي كذلك يتم انسحابه دون تحقيق هدفه، وعظم ذلك على القاعدة الصلبة المؤمنة. حين تلقوا أوامر الانسحاب. فأمرهم رسول الله - ﷺ - بالقتال في اليوم الثاني. فخرجوا مشمرين نشيطين. غير أن سكك الحديد المحماة، والسهام ومطر النبل عليهم، أدت إلى أن أثخنتهم الجراح. وحين جاء الأمر في اليوم الثاني فسروا له وبشوا به. وضحك القائد العظيم ﵊.
ولا بد أن تكون التجربة من القيادة حية حين ترى تلكؤا في تنفيذ أوامرها وتعالج هذه النفوس الصعبة من خلال التجربة الحية، حين تزداد قناعة الجنود بقيادتهم.
إن عملية بناء الجماعة ورص الصف هي من أشق العمليات. وقد تواجه القيادة أحيانا بخلل حتى في الصفوة المختارة، والقاعدة الصلبة، سواء في الجزع والهلع من المواقف أو بالصورة المعاكسة في التبرم من التريث والصبر. والأمر الذي لا يلامس شغاف القلب لا يمكن أن يثمر ثمرته. ولو أدى الحرص على الإقناع فيه الخسائر في الأموال والأرواح بقدر.
لكن كيف انتهت هذه الجيوب الوثنية الضخمة: هوزان وثقيف.
إذ أن هوازن قد أمعنت في الهرب وطوردت من المسلمين، لكنها لم تدخل حظيرة الإسلام، وثقيف تمنعت وتأبت، وانصرف المسلمون عنها وفكوا الحصار دون شروط.
بقي دور الجهاد السياسي، واستغلال كل الظروف لتفتيت الحقد النفسي. كي تفيء هذه النفوس إلى الإسلام.
يقول ابن إسحاق: ثم أن وفد هوازن بالجعرانة أتوا رسول الله - ﷺ - وقد أسلموا فقال: يا رسول الله، إنا أصل وعشيرة، وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك، فامنن علينا من الله عليك. قال: وقام رجل من هوازن، لم أحد بني سعد بن بكر يقال له زهير يكنى أبا صرد فقال: يا رسول الله إنما في الحظائر عماتك وخالاتك وحواضنك اللاتي كن يكفلنك، ولو أنا ملحنا (١) للحارث بن أبي شمر، أو للنعمان بن المنذر ثم نزل منا بمثل الذي نزلت به رجونا عطفه وعائدته علينا، وأنت خير المكفولين.
_________________
(١) ملحنا: أرضعنا.
[ ٣ / ١٦٤ ]
فقال رسول الله - ﷺ -: أبناؤكم ونساؤكم أحب إليكم أم أموالكم؟ فقالوا: يا رسول الله، خيرتنا بين أموالنا وأحسابنا، بل ترد إلينا نساءنا وأبناءنا فهو أحب إلينا فقال: لهم: أما ماكان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم؛ وإذا ما أنا صليت الظهر بالناس فقوموا وقولوا: إنا نتشفع برسول الله إلى المسلمين وبالمسلمين إلى رسول الله في أبنائنا ونسائنا فسأعطيكم عند ذلك، وأسأل لكم، فلما صلى رسول الله - ﷺ - الظهر قاموا فتكلموا بالذي أمرهم به، فقال رسول الله - ﷺ -: وأما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، فقال: المهاجرون: وما كان لنا فهو لرسول الله - ﷺ -، وقالت الأنصار: وما كان لنا فهو لرسول الله - ﷺ - فقال الأقرع بن حابس: أما أنا وبنو تميم فلا، وقال عيينة بن حصن: أما أنا وبنو فزارة فلا وقال عباس بن مرداس: أما أنا وبنو سليم فلا. فقاك بنو سليم، ما كان لنا فهو لرسول الله - ﷺ -. قال يقول عباس بن مرداس: لبني سليم: وهنتموني.
فقال رسول الله - ﷺ -: أما من تمسك منكم بحقه من هذا السبي. فله بكل إنسان ست فرائض من أول سبي أصيبه. فردوا إلى الناس أبنائهم ونساءهم (١).
وفي رواية (فقال الناس. قد طبنا لرسول الله - ﷺ - فقال: إنا لا نعرف من رضي منكم ممن لم يرض. فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم. فردوا عليهم نساءهم وأبناءهم لم يتخلف منهم أحد غير عيينة بن حصن. فإنه أبى أن يرد عجوزا صارت في يديه منهم، ثم ردها بعد ذلك وكسا رسول الله - ﷺ - السبي قبطية قبطية) (٢).
وقال رسول الله - ﷺ - لوفد هوازن وسألهم عن مالك بن عوف ما فعل؟ فقالوا: هو بالطائف مع ثقيف. فقال رسول الله - ﷺ -: أخبروا مالكا أنه إن أتاني مسلما رددت عليه أهله وماله وأعطيته مائة من الإبل. فأتي مالك بذلك فخرج إليه من الطائف وقد كان مالك خاف ثقيفا على نفسه أن يعلموا أن رسول الله - ﷺ - قال له ما قال فيحبسوه. فأمر براحلته فهيئت له. وأمر بفرس له، فأتي به إلى الطائف، فخرج ليلا فجلس على فرسه فركضه حتى أتى راحلته حيث أمر بها أن تحبس. فركبها فلحق برسول الله - ﷺ - فأدركه بالجعرانة فرد عليه أهله وماله وأعطاه مائة من الإبل، وأسلم فحسن إسلامه. فقال مالك بن عوف حين أسلم:
ما إن رأيت ولا سمعت بمثله في الناس كلهم بمثل محمد
أوفى وأعطى للجزيل إذا اجتدى ومتى تشأ يخبرك عما في غد
وإذا الكتيبة عردت أنيابها بالسمهري وضرب كل مهند
فكأنه ليث على أشباله وسط الهباءة خادر في مرصد
فاستعمله رسول الله - ﷺ - على من أسلم من قومه: وتلك القبائل: ثمالة وسلمة وفهم،
_________________
(١) السيرة لابن هشام ج ٤: ٤٩٠.
(٢) الرحيق المخنوم للمباركفوري ص ٤٧٥.
[ ٣ / ١٦٥ ]
فكان يقاتل بهم ثقيفا، لا يخرج لهم سرح إلا أغار عليه، حتى ضيق عليهم فقال أبو محجن:
هابت الأعداء جانبنا ثم تغزونا بني سلمة
وأتانا مالك بهم ناقضا للعهد والحرمة
وأتونا في منازلنا ولقد كنا أولي نقمة (١).
لقد انهزت هوازن في المعركة وحقق رسول الله - ﷺ - نصرا ساحقا عليهم حتى ساق نعمهم ونساءهم وأبناءهم سبايا في المعركة. وفر قائدهم إلى ثقيف. لكن ماذا استفاد الإسلام من هذه المعركة. إذا كان الحقد والكراهية والكفر هو الذي يسود في صفوف هوازن؟ إن النصر العسكري يهم القائد العسكري فقط، ويهم أصحاب المناصب والمراكز والمتصارعين على السلطة. أما الحركة الإسلامية، فالنصر بالنسبة لها هو في دخول كتائب جديدة في الإسلام. وفتح مغاليق هذه النفوس لتجد الرحمة والملاذ والأمن في ظل الإسلام. ومن أجل هذا، فما يركز عليه الداعية المسلم، في السيرة المطهرة هو ما وراء المعارك، وما وراء النصر العسكري. لأن هذا التفكير يعني أن فصائل جديدة تنضم إلى الإسلام كل يوم، لا ترتدعنه وتثور عليه وهذا هو وفد هوازن، أربعة عشر رجلا من قادتهم جاؤوا إلى رسول الله - ﷺ - مسلمين. وكان بالإمكان أن ينضم إلى الصف الإسلامي هذا الوفد فقط. لأن الأوان قد فات وتم توزيع السبايا على المسلمين، وهو حق مكتسب لهم. فكيف يفعل رسول الله - ﷺ - معهم. إنه القائد الفذ الذي لم تشهد البشرية مثيلا له ولن تشهد. إنه يفكر في أن ينتزع هذه السبايا من إثني عشر ألف مقاتل. ومثل هذا الأمر من خلال النص الشرعي. قد يدفع الجيش كله إلى الثورة عليه. ولو صمت الجيش لصمت على مضض وكتم على ألم وتوتر. فكيف استطاع ﵊ أن يستعيد هذه السبايا من الجيش. والجيش هانىء راض يتسابق على التخلي عنهن؟
إنها عظمة النبوة ولا شك، وهي بالتالي درس لكل قيادة في الأرض أن تحقق أهدافها من خلال استخراج كل ما في النفس الإنسانية من خير ونبل، ولو كان قابعا في أعمق أعماق هؤلاء الناس وأن يتمكن الرسول - ﷺ - من استعادة السبايا من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، من أصحاب الكتيبة الخضراء من الذين أعادوا بثباتهم النصر من جديد للجيش المسلم، من الذين استحقوا بجدارة هذه السبايا. أن يسترد هذه السبايا من المسلمين الجدد الذين مر على إسلامهم سنة ونيف، ولا يزالون يتحركون من خلال الرغبة الجامحة في الغنيمة. هذا هو عظمة المعاملة النبوية في فقه هذه النفوس، ولم يهدد ﵊ بسلطة، ولم يلوح بعصا إنما كانت الخطوة الأولى من خلال الأريحية. والثقة وحصر ثقته بأهله بني عبد المطلب. وبذلك خط منطلقا لتيار كبير في الجيش أن يحذو حذوه. وكان لهذا الخط حدود، ما أمكن له أن يستوعب
_________________
(١) السيرة لابن هشام ج ٤: ٤٨٨ و٤٩١.
[ ٣ / ١٦٦ ]
الجيش كله فلجأ ﵊ إلى الخط الثاني. خط الترغيب بالعوض عن هذه السبايا. وتمكن ﵊ بهذا الخط أن يستوعب بقية الجيش حتى العجوز الشمطاء التي كانت من نصيب عيينة بن حصن وألح في الاحتفاظ بها. وترك لزعيم وفد هوازن أن يهز عيينة بن حصن بقوله له: خذها عنك، فوالله ما فوها ببارد ولا ثديها بناهد؛ ولا بطنها بوالد، ولا زوجها بواجد، ولا درها بماكد (١). فردها بست فرائض، وعلى النهج نفسه أمكن جلب قائد هوازن الذي استعصى في ثقيف فأرسل إليه يدعوه إلى الإسلام وسيعطيه أهله وماله ومائة من الإبل، وكان هذا العرض السخي كفيلا بأن يستجيب مالك للإسلام. وليست استجابة سلبية فقط بحيث يركن إلى ماله وإبله وأهله: بل استجابة فاعلة إيحابية ارتضى أن يغزو ثقيفا. الذين كان بحمايتهم وكانوا معه في المعركة ضد محمد رسول الله - ﷺ -.
وهكذا دخلت هوازن في الإسلام، وبالتركيز على قرابة الرحم والنسب كما قال أبو صرد: إنما في الحظائر عماتك وخالاتك فامنن عليهم، ومن خلال رابطة النسب نفسها استطاع ﵊ أن يستثير النخوة العربية، والعزة القبلية، فيوظفها في خدمة الإسلام.
ألا ما أحوج الحركة الإسلامية اليوم إلى هذه المعاني، أن تخطط لتدخل الأمة كلها في حظيرة الإسلام، وحين تقارن بين طريقين نجد البون شاسعا جدا بينهما:
الطريق الأول: الذي ينطلق فقط من خلال حرفية النظام، وحرفية القرار، فيستعبده النظام والقرار ولو أدى إلى كسر النفوس، وذبح القلوب، وتغير الثقة وتخلخل الصف.
الطريق الثاني الذي ينطلق إلى جوار القرار، من دوافع النفس، وخلجات القلب، وطبيعة الفطرة البشرية، ونوازع النسب فتسخر هذه جميعا لخدمة الهدف الأبعد من القرار. وهو حفظ مال الأمة أو حفظ شبابها أو حفظ صفها.
ولقد رأينا الحركة الإسلامية في إحدى فصائلها. تتخذ قرارا ماليا ذات يوم تحجب به شيئا من الراتب عن الإخوة الذين شاركوا معها في جهادها وضحوا بأرواحهم ودمائهم لتدفعهم إلى العمل وكسب المعيشة .. فكان الدرس قاسيا للفريقين القيادة والقاعدة.
فقساوة الدرس للقيادة أنها كسرت نفوس إخوانها بهذا القرار. فانصرفوا عنها والألم يذبح قلوبهم وماذا تربح القيادة إذا خسرت ثقة قواعدها بها وهم عدتها في الحرب والجهاد والمواجهة وقساوة الدرس للقاعدة أنها اهتزت عند أول أزمة، فنقص شيء بسيط من المال. دفعهم إلى العنف والاحتجاج واتهام القيادة فكيف لو كان الأمر بالتخلي عن ثمار المعركة كلها، وأعز ما فيها من ثمار.
_________________
(١) السيرة لابن هشام ج ٤: ٤٩٠.
[ ٣ / ١٦٧ ]
وعلى النهج نفسه كانت معالجة قادة مكة بعد نصر حنين وتوزيع الغنائم عليهم. ونكتفي بعرضها فهي في غنى عن أي تعليق:
(وانتهى إلى الجعرانة ليلة الخميس لخمس خلون من ذي القعدة والسبي والغنائم بها محبوسة وقد اتخذ السبي حظائر يستظلون بها من الشمس، وكانوا ستة آلاف، والإبل أربعة وعشرين ألف بعير والغنم أربعين ألفا وقيل أكثر، فأمر بسر بن سفيان الخزاعي يقدم مكة فيشتري للسبي ثيابا يكسوهم، وكساهم كلهم، واستأنى رسول الله بالسبي، فلما رجع إلى الجعرانة بدأ بالأموال فقسمها. فأعطى المؤلفة قلوبهم أول الناس، وكان مما غنم أربعة آلاف أوقية فضة، فجاء أبو سفيان بن حرب والفضة بين يديه، فقال: يا رسول الله أصبحت أكثر قريش مالا: فتبسم ﵊، فقال أبو سفيان: أعطني من هذا يا رسول الله: قال يا بلال زن لأبي سفيان أربعين أوقية وأعطوه مائة من الإبل، قال: ابني يزيد: قال: زنوا ليزيد أربعين أوقية وأعطوه مائة من الإبل. قال: ابني معاوية يا رسول الله: قال: زن له يا بلال أربعين أوقية وأعطوه مائة من الإبل. قال أبو سفيان: إنك لكريم فداك أبي وأمي: والله لقد حاربتك فنعم المحارب كنت، ثم سالمتك فنعم المسالم أنت، جزاك الله خيرا. وسأل حكيم بن حزام يومئذ مائة من الإبل فأعطاه ثم سأل مائة فأعطاه، ثم سأل مائة فأعطاه، ثم قال: يا حكيم بن حزام إن هذا المال خضرة حلوة. فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من السفلى وابدأ بمن تعول. فأخذ حكيم المائة الأولى ثم ترك ما عداها.
وأعطى النضير بن الحارث -أخا النضر بن الحارث- مائة من الإبل، وأعطى أسيد بن جارية حليف بني زهرة مائة من الإبل وأعطى العلاء بن جار خمسين بعيرا، وأعطى الحارث بن هشام مائة من الإبل وصفوان بن أمية مائة بعير. وفي صحيح مسلم عن الزهري أن رسول الله - ﷺ - أعطى صفوان بن أمية ثلاثمائة من الإبل، ويقال إنه طاف مع النبي - ﷺ - وهو يتصفح الغنائم إذ مر بشعب مما أفاء الله عليه فيه غنم وإبل ورعاؤها مملوءا. فأعجب صفوان، وجعل ينظر إليه فقال: أعجبك يا أبا وهب هذا الشعب. قال: نعم. قال هو لك وما فيه: فقال: أشهد ما طابت نفس أحد قط إلا نبي وأشهد أنك رسول الله.
وأعطى قيس بن عدي مائة من الإبل، وأعطى عيينة بن حصن الفزاري مائة من الإبل، وأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى العباس بن مرداس السلمي دون المائة فعاتب النبي - ﷺ - في شعر قاله فقال رسول الله - ﷺ -: اقطعوا عني لسانه. فأعطوه مائة (١».
_________________
(١) إمتاع الأسماع ج ١ ص ٤٢٢ - ٤٢٥.
[ ٣ / ١٦٨ ]
لكن التعامل مع القاعدة الصلبة يختلف كثيرا عن التعامل مع صفوة الصف المسلم، الذي ينطلق من الثقة العميقة بقائده. غير أن هذه القاعدة لا بد من تذكيرها دائما بهذا الأصل، وإلا فقد تقلق حين تغيب عنها هذه المعاني، وقد تطفوا على السطح أحيانا بعض المعاني المادية وكأن تقويم المرء المسلم من خلالها، فلا بد من اليقظة المستمرة والتربية المستمرة للمحافظة على الأفق العالي لهذه الجماعة:
(قال سعد بن أبي وقاص ﵁: يا رسول الله أعطيت عيينة بن حصن والأقرع بن حابس مائة مائة. وتركت جعيل بن سراقة الضمري. فقال: أما والذي نفسي بيده لجعيل بن سراقة خير من طلاع الأرض كلها مثل عيينة والأقرع. ولكني أتألفهما ليسلما، ووكلت جعيل بن سراقة إلى إسلامه) (١) وكانت هذه عند جعيل ﵁ تعدل مال الأرض كله.
كان هذا على المستوى الفردي. وكان هذا على المستوى الجماعي.
(ولما أعطى رسول الله ما أعطى من تلك العطايا في قريش وفي قبائل العرب، ولم يكن في الأنصار منها شيء، وجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم حتى كثرت منهم القالة حتى قال قائلهم: لقد لقي رسول الله - ﷺ - قومه، فدخل عليه سعد بن عبادة فقال: يا رسول الله إن هذا للحي من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت، قسمت في قومك، وأعطيت عطايا عظاما في قبائل العرب، ولم يك في هذا الحي من الأنصار منها شيء. قال: فأين أنت من ذاك يا سعد قال: يا رسول الله ما أنا إلا من قومي. قال: فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة. قال: فخرج سعد فجمع الأنصار في تلك الحظيرة. قال: فجاء رجال المهاجرين فدخلوا فتركهم، وجاء آخرون فردهم فلما اجتمعوا له أتاه سعد فقال: قد اجتمع لك هذا الحي من الأنصار. فأتاهم رسول الله - ﷺ - فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: يا معشر الأنصار ما قالة بلغتني عنكم، موجدة (٢) وجدتموها علي في أنفسكم؟ ألم آتكم ضلالا فهداكم الله، وعالة فأغناكم الله، وأعداء فألف بين قلوبكم: قالوا: بلى، الله ورسوله أمن وأفضل. ثم قال: ألا تجيبوني يا معشر الأنصار؟ قالوا: بماذا نجيبك يا رسول الله؟ لله ورسوله المن والفضل: قال - ﷺ -: أما والله لو شئتم لقلتم فلصدقتم ولصدقتم: أتيتنا مكذبا فصدقناك، ومخذولا فنصرناك، وطريدا فآويناك، وعائلا فآسيناك. أوجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة (٣) من الدنيا تألفت بها قوما ليسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم: ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاء
_________________
(١) إمتاع الأسماع ج ١ ص ٤٢٥.
(٢) الموجدة: العتاب.
(٣) اللعاعة: بقلة خضراء ناعمة شبه بها زهرة الدنيا ونعيمها.
[ ٣ / ١٦٩ ]
والبعير، وترجعوا برسول الله إلى رحالكم. فوالذي نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار، ولو سلك الناس شعبا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم وقالوا: رضينا برسول الله قسما وحظا، ثم انصرف رسول الله وتفرقوا (١).
لقد كلف إنهاء جيوب الوثنية في الأرض العربية أن وضع المال كله أداة لتطييب النفوس وترقيقها وتحبيبها للإسلام. وهذه هي وظيفة المال أن يكون أداة لطاعة الله.
والعدالة في التوزيع هي أصل في المال. وتربية النفوس على أن لا تستعبد لهذا المال أصل آخر، ومن أجل هذا أجل رسول الله - ﷺ - توزيع هذا الفيء، بعد أن أصدر أوامره بمنع أخذ أي شيء منه حتى الخياط والمخيط. وضبط النفوس ظاهرا على الأقل - والنفسية العربية التي ترى المال بين يديها من الدراهم والدنانير والإبل والشياه. ثم تتمالك دون أن تلتهمه. شيء يختلف مع طبيعة هذه النفسية. وكان هذا هو الدرس الأول.
(ثم ثار بعض الأعراب، وهم يلحون على رسول الله - ﷺ - بقسمة الغنائم حتى خطفوا رداءه فقال: ردوا علي ردائي أيها الناس، فوالله أن لو كان لكم بعدد شجر تهامة نعما لقسمته عليكم ثم ما ألفيتموني بخيلا ولا جبانا ولا كذابا، ثم قام إلى جنب بعير، فأخذ وبرة من سنامه فجعلها بين أصبعيه، ثم رفعها ثم قال: أيها الناس والله مالي من فيئكم ولا هذه الوبرة إلا الخمس والخمس مردود عليكم) (٢) وكان هذا هو الدرس الثاني.
(وجاء رجل من الأنصار بكبة من خيوط شعر فقال: يا رسول الله أخذت هذه الكبة أعمل بها برذعة بعير لي دبر؟ فقال: أما نصيبي منها فهو لك. قال: أما إذا بلغت هذا فلا حاجة لي بها، ثم طرحها من يده.) (٣) وكان هذا هو الدرس الثالث.
ثم كان التوزيع الآنف الذكر على المؤلفة قلوبهم على أوسع مظانه، وكان هذا هو الدرس الرابع.
(وجاء رجل من بني تميم يقال له ذو الخويصرة، فوقف عليه وهو يعطي الناس، فقال: يا محمد قد رأيت ما صنعت هذا اليوم. فقال رسول الله: أجل فكيف رأيت؟ قال: لم أرك عدلت، قال: فغضب النبي. ثم قال: ويحك: إذا لم يكن العدل عندي فعند من يكون؟ فقال عمر بن الخطاب يا رسول الله. ألا أقتله؟ قال: لا. دعه فإنه سيكون له شيعة يتعمقون في الدين حتى يخرجوا منه كما يخرج السهم من الرمية (٤) وكان هذا هو الدرس الخامس.
_________________
(١) السيرة لابن هشام ج ٤ ص ٤٩٨ - ٤٩٩
(٢) السيرة لابن هشام ج ٤ ص ٤٩٢.
(٣) المصدر نفسه ج ٤ ص ٤٩٢.
(٤) المصدر نفسه ص ٤٩٦.
[ ٣ / ١٧٠ ]
ثم كان أعظم الدروس على الإطلاق هو هذا اللقاء مع الأنصار.
ولا معنى لأن يكسب رسول الله - ﷺ - زعماء تلك القبائل وزعماء قريش مقابل فقدان الثقة من صفه الأول من المهاجرين والأنصار. وعندما توضح الالتباس وعرف هذا الصف موقعه من رسول الله - ﷺ -. أن يكون المحيا محياهم والممات مماتهم، وأن يذهب الناس بالشياه والبعير ويذهب الأنصار برسول الله ﵊. فهو قرة عيونهم وهم قرة عينه، ومن أجل هذا مسحت هذه الموجدة وذابت والسعادة تغمرهم بهذه الغنيمة.
وفي هذا الأمر دروس غنية للصف المسلم اليوم قاعدة وقيادة يحسن أن نستوعبها فنستفيد منها.
أولا: التفريق بين المال العام والمال الخاص. وحرمة التصرف في المال العام قبل توزيعه، مهما كان حجمه. ولو كان كبة الشعر والخيط والمخيط والتساهل في التصرف فيه يقود إلى النار:
(فإن الغلول يكون على أهله عارا ونارا وشنارا يوم القيامة) (١).
ثانيا: تقدير التوزيع وعدالته عائد لقيادة الجماعة وأميرها. فهو آمر الصرف فيها، وهو يقدر كمية التوزيع وأهميته. ومصلحة الدعوة تحكمه، ونصوص الشريعة تحكمه.
ثالثا: والأصل أن يكون المال في الدعاية إلى الإسلام ولو على حساب الدعاة. وفي كسب القلوب النافرة ورد النفوس الجامحة.
رابعا: والصف المسلم القوي قد يحرم من هذا التوزيع كله. وذلك في ذات الله والأصل أن يكون الإيثار خلقه. فلا يقيم المرء من خلال ما يأخذ من راتب. بل تقييم من خلال التقوى والعمل الصالح.
خامسا: أن تبقى القيادة على صلة بقواعدها فتلاحق الشبهات التي تثور في نفوسها، وتوضح خط السير العام لجنودها، وتقضي على قالة السوء في صفوفها. وإلا خسرت هذه القاعدة.
سادسا: وأن يضع الجندي نفسه موضع قائده، ويصدر أحكامه على قيادته هو أمر خطير وذلك من خلال التمسك بحرفية النص الذي يقوده إلى الخروج من الإسلام من حيث يريد الإسلام، والذي يقوده إلى الصف غير المسلم من حيث حرصه عليه.
سابعا: وطبيعة هؤلاء الشباب من حيث صلاحهم وتقواهم لا يرقى إليها الشك،
_________________
(١) السيرة لابن هشام ج ٤: ٤٩٢.
[ ٣ / ١٧١ ]
(تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، وصيامكم إلى صيامهم). لكنهم يضعون أنفسهم موضع القاضي، وموضع المفتي، وموضع إصدار الأحكام. وهذه الظاهرة المرضية. لا بد من التفريق بينها وبين ظاهرة النصيحة والاستفسار والسؤال.
فسعد ﵁ والأنصار ﵃ عتبوا على رسول الله - ﷺ - حين رأوا أنهم محرومون من هذا المال، لكن بقي الأمر خلال السؤال والاستفسار لا من باب الإقرار بينما وجدنا ذا الخويصرة تدفعه جرأته أن يتهم رسول الله - ﷺ - في عدله.
ثامنا: ولا بد من التفريق بين موقف الجندي من رسول الله - ﷺ -، وموقف الجندي من أمير جماعته. فالشك في عدل رسول الله - ﷺ - كفر بواح. أما الشك في عدالة القائد فلا يدخل في هذا الإطار. إنما يدخل في إطار الخطأ التنظيمي الذي يفسد صف الجماعة ويفتت تماسكها.
تاسعا: ويبقى الجندي المجاهد أعظم في ميزان الله وميزان قيادته من كل قوى الأرض الأخرى وزعاماتها وقياداتها. طالما أنها تنطلق من مصلحتها لا من دينها. ويبقى جعيل بن سراقة خير من طلاع الأرض مثل عيينة والأقرع، وكلاهما قد دخل في الإسلام حديثا. ونالا من الإكرام ما لا يوصف.
عاشرا: وبقيت ثقيف دون أن تنهار معاقلها بالقوة والمواجهة، لتنهار بعد ذلك من خلال حرب العصابات التي شنها عليها مالك بن عوف رئيس هوازن، ومن خلال الحرب النفسية التي زلزلت كيانها فأقنعتها ألا جدوى من المقاومة.
***
[ ٣ / ١٧٢ ]
السمة الرابعة عشرة:
الجزيرة العربية تدخل في الإسلام
حين نتحدث عن السمات نلحظ أنها حلقات من سلسلة. كل حلقة تقود إلى التي تليها.
وتحدد لنا طبيعة التدرج في السير خطوة عقب خطوة. فلا يمكن أن يقبل الناس على الدخول في دين الله أفواجا، والإسلام ضعيف محارب مضطهد. ممنوع من إعلان صوته وشرح فكرته وعقيدته.
وتأتي هذه السمة في موقعها من المنظومة الإسلامية فحين استسلمت قريش العدو الأكبر للإسلام وصار الرسول - ﷺ - سيد الجزيرة العربية. وتحطمت قوى المعارضة المسلحة. كان من الطبيعي أن تفد القبائل العربية الضخمة لتحاور أو تناقش أو تسلم. أو تفرض شروطها حسب تصورها عن طبيعة قوتها. ونشهد في هذه السمة الحدود الدقيقة، فيما يحوز التساهل فيه، ومراعاة طبيعة النفوس فيه، وما لا يدخل ضمن إطار المساومة. فنعلم حدود التميز والمفاصلة، وحدود التساهل والمعاملة. وذلك من خلال عرض لمراكز القوى العربية. بعد قريش.
ثقيف، تميم، عامر، بنو حنيفة، طيء، كندة، ملوك حمير؛ بنو الحارث بن كعب، بنو عبد النبي.
أولا: وفد ثقيف:
لقد كانت العرب ترى في ثقيف وقريش. أهم مواقع القوى فيها. وذكر القرآن الكريم هذا المعنى عن القريتين، وهو ينقل مقولتهم ﴿وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم﴾ (١).
وشاءت إرادة الله تعالى أن ينتهي عظيم قريش الوليد بن المغيرة كافرا مشركا بينما كان عظيم ثقيف شهيدا وفي قومه بالذات، وهو عروة بن مسعود الثقفي ﵁.
وكان من حديثهم أن رسول الله - ﷺ - لما انصرف عنهم اتبع أثره عروة بن مسعود الثقفي حتى أدركه قبل أن يصل المدينة. فأسلم وسأله أن يرجع إلى قومه بالإسلام فقال له رسول الله - ﷺ -، كما يتحدث قومه: إنهم قاتلوك، فقال عروة: يا رسول الله أنا أحب إليهم من أبكارهم، وكان فيهم محببا مطاعا. فخرج يدعو قومه إلى الإسلام رجاء ألا يخالفوه لمنزلته فيهم. فلما أشرف لهم على علية له؛ وقد دعاهم إلى الإسلام وأظهر لهم دينه رموه بالنبل من كل وجه. فأصابه سهم فقتله - فقيل لعروة: ما ترى في دمك؟ قال: كرامة أكرمني الله تعالى بها
_________________
(١) سورة الزخرف: ٣١.
[ ٣ / ١٧٣ ]
وشهادة ساقها الله إلي فليس في إلا ما في الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله - ﷺ - قبل أن يرتحل عنكم، فادفنوني معهم. فزعموا أن رسول الله - ﷺ - قال فيه: إن مثله في قومه لكمثل صاحب يسن في قومه.
وعظيما القريتين. مرا بموقف متشابه. فالوليد بن المغيرة عرف في قرارة قلبه أن ما يقوله محمد ما هو بكلام الإنس وما هو بكلام الجن. لكنه خاف على موقعه. فقال إن هذا إلا سحر يؤثر. فكانت عاقبته النار. بينما تخلى عروة عن موقعه، وأعلن إسلامه على قومه وهو يعلم أنه أحب إليهم من أبكارهم وبشره رسول الله - ﷺ - بالشهادة (إنهم قاتلوك) فما توانى ولا تراجع، ورموه بالسهام حتى سقط شهيدا في سبيل الله فكان أول داعية في قومه إلى الله ورسوله كما كان صاحب يسن في قومه.
وها هو عمرو بن أمية يأتي إلى زعيم ثقيف الثاني عبد يا ليل بن عمرو فيقول له: إنه قد كان من أمر هذا الرجل ما قد رأيت، قد أسلمت العرب كلها، وليست لك بحربهم طاقة. فانظروا في أمركم فعند ذلك ائتمرت ثقيف بينها وقال بعضهم لبعض أفلا ترون أنه لا يأمن لكم سرب ولا يخرج منكم أحد إلا اقتطع. فأتمروا بينهم وأجمعوا أن يرسلوا إلى رسول الله - ﷺ - رجلا فكلموا عبد يا ليل بن عمرو .. وأجمعوا أن يبعثوا معه رجلين من الأحلاف، وثلاثة من بني مالك فيكونوا ستة (١). وعبد يا ليل. هو الذي قال قبل ترابة اثني عشر عاما لرسول الله - ﷺ -: أنا أمرط ثياب الكعبة إن كان الله قد أرسلك هو نفسه اليوم يمضي إلى المدينة وافدا لرسول الله - ﷺ - يعلن إسلام قومه، وفي الوقت الذي كان المسلمون يدعون على ثقيف ويطلبون من رسول الله - ﷺ - ذلك كان يقول: (اللهم اهد ثقيفا وائت بهم). ولم يغير رسول الله نهجه مع ثقيف سواء وهم يطاردونه بالحجارة، أو يحاصرهم في حصونهم فلقد كانت هدايتهم عزيزة عليه جدا (عسى الله أن يخرج من أصلابهم من يقول لا إله إلا الله).
ولتمكن هذا المعني في نفس النبي - ﷺ - ومعرفة المسلمين به كان أبو بكر والمغيرة بن شعبة يتسابقان لنقل هذه البشرى لرسول الله صلوات الله عليه.
وجاء الوفد ومعه عزة الجاهلية. وتركه النبي - ﷺ - في الجو الإسلامي والبيئة الإسلامية يتعرف على مبادىء الدعوة ومفاهيم الإسلام. وكانت نفسية الوفد منطلقة من صورة معاهدة صلح أكثر من صورة استسلام لله ﷿؛ ومن أجل ذلك قدموا شروطا خمسة. أن (يأذن لهم بالزنا وشرب الخمور، وأكل الربا، ويترك لهم طاغيتهم اللات ثلاث سنين على الأقل ويعفيهم
_________________
(١) السيرة لابن هشام ج ٢ ص ٥٤٠.
[ ٣ / ١٧٤ ]
من الصلاة (١) ورفضت الشروط كلها. بلا استثناء لأن الأمر ليس أمر ملك دنيوي، بل هو أمر الله تعالى وشريعته. ولا يمكن أن يكون القوم مسلمين، ويحلوا حراما، أو يبيحوا ترك فريضة. والإسلام هو الاستسلام الكامل لله تعالى في كل شيء يحل حلاله ويحرم حرامه وحين رأت ثقيف أن لا مناص من ذلك - طلبت طلبا واحدا تمت تلبيته وهو أن يعفيهم ﵊ من هدم آلهتهم بأيديهم. فقبل ذلك منهم ﵊، وبعث المغيرة بن شعبة الثقفي فهدمها بعد ذلك ورجع الوفد إلى قومه فكتمهم الحقيقة وخوفهم بالحرب والقتال، وأظهر الحزن والكآبة وأن رسول الله - ﷺ - سألهم الإسلام وترك الزنا والربا والخمر وغيرهم وإلا يقاتلهم. فأخذت ثقيفا نخوة الجاهلية، فمكثوا يومين أو ثلاثة يريدون القتال، ثم ألقى الله في قلوبهم الرعب، وقالوا للوفد: ارجعوا إليه فأعطوه ما سأل وأبدى الوفد حينئذ حقيقة الأمر، وأظهروا ما صالحوا عليه وأسلمت ثقيف (٢).
وبذلك انهارت أمنع الحصون العربية ودخلت في الإسلام؛ وتوضح الأمر أن لا مساومة على دين الله ولو كانت المساومة تأجيل هدم اللات شهرا واحدا فقط وهذا في موقع القوة بينما قبل الرسول - ﷺ - محو (رسول الله) و(الرحمن الرحيم) يوم الحديبية.
وتجلى الفرق بين الدخول في الإسلام ودولة الإسلام؛ وبين التفاوص من موقع المساواة في القوة بل يتضح الفرق أكثر يوم رأينا رسول الله - ﷺ - قبل ثلاثة عشر عاما يطلب فقط حمايته من ثقيف ليدعو إلى الله ﷿ دون أن يتدخل في دينها ومقدساتها وأي شأن من شؤونها وبين الوضع اليوم والمسلمون قد تمكنوا من الأرض؛ وتزلزلت ثقيف رعبا من حروبهم.
والحركة الإسلامية المبصرة، تعرف الفرق بين المرحلتين، وتنطلق حسب الظروف التي تملكها لتمكن لنفسها ولدين الله. وتتعلم كذلك ما يمكن قبوله من الشروط وهي في موقع القوة؛ وما لا يمكن قبوله وهي في الموقع نفسه حين وجدنا رسول الله - ﷺ - يرفض شرطا يحل حراما أو يحرم حلالا بينما لا يجد حرجا من إعفائهم من كسر أصنامهم بأيديهم.
ثانيا - وفد تميم:
أما وفد تميم. ففد جاء يباهي بشعره وبيانه فأجابه بالأسلوب نفسه فرد على الشعر بالشعر حيث أفحم شاعر تميم من حسان ورد على الخطبة بالخطبة حيث أفحم تميم من ثابت بن قيس وانتهى الأمر عندهم أن (قال الأقرع بن حابس: وأبي إن هذا الرجل لمؤتى له لخطيبه أخطب من خطيبنا، ولشاعره أشعر من شاعرنا؛ ولأصواتهم أحلى من أصواتنا. فلما فرغ
_________________
(١) و(٢) الرحيق المختوم ص ٥٠٤.
[ ٣ / ١٧٥ ]
القوم أسلموا، وجوزهم رسول الله - ﷺ - فأحسن جوائزهم) (١).
وهذا الأسلوب من الدعوة والطراز الجديد فيها يدعونا إلى أن نعطي الإعلام الإسلامي حقه وأن نتأكد أن معركة الإسلام ليست معركة عسكرية فحسب. بل هي معركة سياسية، ومعركة إعلامية يمكن حين نبرز فيها أن نحول الخصوم إلى أصدقاء، أو محايدين، وننشر فكرنا وعقيدتنا ومبادئنا من هذا المنبر، ونقطع كثيرا من الأشواط التي لا نتصور أن تقطع إلا من خلال القوة مع الإشارة كذلك أن القوة التي ينطلق منها الإعلام، هي التي تفتح القلوب له لكن القلوب تبقى مسدودة أمام منطق الضعفاء.
ثالثا - وفد عامر:
وجاء وفد عامر ليعرض عضلاته ويفرض شروطه:
(فقدم عامر بن الطفيل عدو الله على رسول الله - ﷺ - وهو يريد الغدر به وقد قال له قومه: يا عامر إن الناس قد أسلموا فأسلم. قال: والله لقد كنت آليت أن لا أنتهي حتى تتبع العرب عقيبي، أفأنا أتبع عقيب هذا الفتى من قريش: ثم قال لأربد (٢): إذا قدمنا على الرجل فإني سأشغل عنك وجهه فإذا فعلت ذلك فاعله بالسيف. فلما قدموا على رسول الله - ﷺ - قال عامر بن الطفيل: يا محمد: خالني (٣). قال: لا والله حتى تؤمن بالله وحده. قال يا محمد خالني، وجعل يكلمه وينتظر من أربد ما كان أمره به، فجعل أربد لا يحير شيئا. قال: فلما رأى عامر ما يصنع أربد. قال: يا محمد خالني، قال: لا حتى تؤمن بالله وحده لا شريك له. فلما أبى عليه رسول الله - ﷺ - قال: أما والله لأملأنها عليك خيلا ورجالا. فلما ولى قال رسول الله - ﷺ -: اللهم اكفني عامر بن الطفيل وخرجوا راجعين إلى بلادهم (٤).
وفي صحيح البخاري: أن عامرا أتى النبي - ﷺ - فقال: أخيرك بين خصال ثلاث: يكون لك أهل السهل ولي أهل المدر، أو أكون خليفتك من بعدك، أو أغزوك بغطفان بألف أشقر وألف شقراء (٥).
حتى إذا كانوا ببعض الطريق، بعث الله على عامر بن الطفيل الطاعون في عنقه. فقتله الله في بيت امرأة من بني سلول. فجعل يقول: أغدة كغدة البكر (٦)، في بيت امرأة من بني سلول.
لا يغيب عن البال أن غزوة الأحزاب كان نصف جيشها من غطفان التي بلغت قرابة خمسة
_________________
(١) السيرة لابن هشام ج ٤ ص ٥٦٧.
(٢) أربد: أحد زعماء بني عامر.
(٣) خالني اتخذني خليلا وصاحبا.
(٤) السيرة لابن هشام: ج ٤ ص ٥٦٨.
(٥) البخاري.
(٦) غدة البكر: داء يصيب البعير فيموت عنه وهو شبيه بالذبحة التي تصيب الإنسان.
[ ٣ / ١٧٦ ]
آلاف مقاتل وهم الذين عرض عليهم رسول الله - ﷺ - ثلث ثمار المدينة مقابل انسحابهم من حربه في الخندق، ومن أجل ذلك كان عامر ينطلق ويتكلم من منطق القوة. وجاء يطالب بالوراثة بعد النبي - ﷺ - أو اقتسام السلطة بين الإسلام والجاهلية، فرفض ﵊ ذلك كله ولم يقبل منه إلا الإسلام، وكان لتهديده بقوته دعوة رسول الله - ﷺ -: اللهم اكفني عامر بن الطفيل فقضي عليه قبل أن يصل إلى قومه.
والفهم الحركي لهذا الوفد يعطينا صورة جديدة من الصور المرفوضة في المساومات، وهي قضية الوراثة أو المشاركة بين الكفر والإسلام في الحكم، وقد رفضت هذه الصورة منذ المرحلة المكية حين كان رسول الله - ﷺ - يدعو القبائل إلى الإسلام.
فالجانب السياسي له حدود محددة. وهذه الحدود لا يمكن أن يكون الإسلام فيها موضع مساومة أو موضع مفاوضة، لا يجتمع الإسلام والجاهلية في حكم واحد. أو موقع واحد.
رابعا: وفد بني حنيفة:
ولم تكن بنو حنيفة أقل سطوة وقوة من تميم وغطفان. فلقد كانت تحكم ريف اليمامة. وجاء وفدهم ومعه مسيلمة بن حبيب الذي جاء يراوغ ويداور لعله يصل إلى شيء فكان جواب رسول الله - ﷺ - له وفي يده عسيب من سعف النخل: لو سألتني هذا العسيب ما أعطيتكه ..
(ثم انصرفوا عن رسول الله - ﷺ - وجاؤوه بما أعطاه. فلما انتهوا إلى اليمامة ارتد عدو الله وتنبأ وتكذب له وقال إني أشركت في الأمر معه) (١).
وكان ثمامة بن أثال أصدق دينا وأثبت أصلا وأندى مروءة من مسيلمة الذي أسره رسول الله - ﷺ - (ويأتيه رسول الله فيقول له: أسلم يا ثمامة، فيقول: إيها يا محمد إن تقتل تقتل ذا دم وإن ترد الفداء فسل ما شئت. فمكث ما شاء الله أن يمكث ثم قال النبي - ﷺ -: أطلقوا ثمامة. فلما أطلقوه خرج حتى أتى البقيع. فتطهر فأحسن طهوره ثم أقبل فبايع النبي - ﷺ - على الإسلام .. ثم خرج معتمرا فلما قدم مكة، قالوا: أصبوت يا ثمام؟ فقال: لا. ولكني اتبعت خير دين، دين محمد ولا والله لا تصل إليكم حبة من اليمامة حتى يأذن فيها رسول الله - ﷺ -. فمنعهم أن يحملوا إلى مكة شيئا فكتبوا إلى رسول الله: إنك تأمر بصلة الرحم وإنك قد قطعت أرحامنا، وقد قتلت الآباء بالسيف، والأبناء بالجوع. فكتب رسول الله - ﷺ - إليه أن يخلي بينهم وبين الحمل) (٢) وبقيت اليمامة بزعامة مسلمة تتهيأ للوثوب.
ولعل هذه القيادات القبلية. لم تكن تدرك حقيقة الإسلام، إنما كانت تتصور الأمر هزيمة
_________________
(١) السيرة لابن هشام ج ٤ ص ٥٧٦.
(٢) السيرة لابن هشام ج ٤ ص ٦٣٩.
[ ٣ / ١٧٧ ]
أمام سلطان حاكم. ولم يفكر الرسول - ﷺ - باللين مع هذه القيادات بصورة من الصور حين تريد أن تجعل لرأيها وزنا مع الله ورسوله.
خامسا: وفد طيء:
وقدم على رسول الله - ﷺ - وفد طيء، فيهم زيد الخيل وهو سيدهم، فلما انتهوا إليه كلموه، وعرض عليهم رسول الله - ﷺ - الإسلام، فأسلموا وحسن إسلامهم، وقال رسول الله - ﷺ - كما حدثني من لا أتهم من رجال طيء: ما ذكر لي رجل من العرب بفضل ثم جاءني إلا رأيته دون ما يقال فيه، إلا زيد الخيل. فإنه لم يبلغ كل ما كان فيه، ثم سماه رسول الله - ﷺ - زيد الخير.
وأما عدي بن حاتم فكان يقول: ما من رجل من العرب كان أشد كراهية لرسول الله - ﷺ - حين سمع به مني، أما أنا فكنت امرءا شريفا وكنت نصرانيا، وكنت أسير في قومي بالمرباع (١). فكنت في نفسي على دين، وكنت ملكا في قومي، لما كان يصنع بي. فلما سمعت برسول الله - ﷺ - كرهته فقلت لغلام كان لي عربي، وكان راعيا لإبلي: لا أبا لك اعدد لي من إبلي جمالا ذللا سمانا.
فاحتبسها قريبا مني، فإذا سمعت بجيش لمحمد قد وطىء هذه البلاد فآذني. ففعل، ثم إنه أتاني ذات غداة فقال: يا عدي: ما كنت صانعا إذا غشيتك خيل محمد فاصنعه الآن، فإني قد رأيت رايات فسألت عنها. فقالوا: هذه جيوش محمد. فقلت: فقرب إلي أجمالي، فقربها.
فاحتملت بأهلي وولدي، ثم قلت: ألحق بأهل ديني من النصارى بالشام. فسلكت الجوشية (٢). وتخالفني خيلي لرسول الله - ﷺ - فتصيب ابنة حاتم فيمن أصابت. فقدم بها على رسول الله - ﷺ - في سبايا من طيء. وقد بلغ رسول الله - ﷺ - هربي إلى الشام المسجد. كانت السبايا يحسسن فيها، فمر بها رسول الله - ﷺ - فقامت إليه وكانت امرأة جزلة فقالت: يا رسول الله هلك الوالد، وغاب الرافد، فامنن علي من الله عليك. قال: ومن وافدك؟ قالت: عدي بن حاتم. قال: الفار من الله ورسوله؟ قالت: ثم مضى رسول الله - ﷺ - وتركني، حتى إذا كان من الغد مر بي. فقلت له مثل ذلك، وقال لي مثل ما قال بالأمس. قالت: حتى إذا كان بعد الغد مر بي وقد يئست منه. فأشار إلي رجل من خلفه أن قومي فكلميه؛ قال: فقمت إليه فقلت: يا رسول الله هلك الوالد، وغاب الوافد، فامنن علي من الله عليك فقال - ﷺ -: قد فعلت. فلا تعجلي بخروج حتى تجدي من قومك من يكون لك ثقة حتى يبلغك إلى بلادك ثم اذنيني فسألت عن الرجل الذي أشار إلي أن أكلمه فقيل: علي بن أبي طالب. وأقمت حتى قدم ركب من بلى أو قضاعة، قال:
_________________
(١) المرباع: آخذ الربع من الغنائم.
(٢) الجوشية: جبل قرب نجد.
[ ٣ / ١٧٨ ]
وإنما أريد أن آتي أخي بالشام. قالت: فجئت رسول الله فقلت: يا رسول الله قد قدم رهط من قومي لي فيهم ثقة وبلاغ. قالت: فكساني رسول الله وأعطاني نفقة. فخرجت معهم حتى قدمت الشام قال عدي: فوالله إني لقاعد في أهلي، إذا نظرت إلى ظعينة يصوب إلي تؤمنا، قال: فقلت: ابنة حاتم قال: فإذا هي هي فلما وقفت علي انسحلت. تقول: القاطع الظالم، احتملت بأهلك وولدك، وتركت بقية والدك عورتك. قلت: أي أخية. لا تقولي إلا خيرا .. فوالله مالي من عذر لقد صنعت ما ذكرت ثم نزلت فأقامت عندي، فقلت لها: وكانت امرأة حازمة: - ما ترين في أمر هذا الرجل؟ قالت: أرى والله أن تلحق به سريعا، فإن يكن الرجل نبيا فللسابق إليه فضله. وإن يكن ملكا فلن تذل في عز اليمن وأنت أنت. قال: قلت والله إن هذا الرأي.
قال: فخرجت حتى أقدم على رسول الله - ﷺ - فدخلت عليه، وهو في مسجده فسلمت عليه فقال: من الرجل؟ فقلت: عدي بن حاتم، فقام رسول الله - ﷺ -. فانطلق بي إلى بيته، فوالله إنه لعامد بي إليه، إذ لقيته امرأة ضعيفة كبيرة، فاستوقفته، فوقف لها طويلا تكلمه في حاجتها؛ قال: قلت في نفسي، والله ما هذا بملك، قال: ثم مضى بي رسول الله - ﷺ - حتى إذا دخل بي بيته، تناول وسادة من أدم محشوة ليفا فقذفها إلي، فقال: اجلس على هذه، قال، قلت بل أنت فاجلس عليها فقال: بل أنت فجلست عليها، وجلس رسول الله - ﷺ - بالأرض. قال: قلت في نفسي: والله ما هذا بأمر ملك، ثم قال: إيه يا عدي بن حاتم ألم تكن ركوسيا (١)؟ قال: قلت: بلى، قال: أولم تكن تسير في قومك بالمرباع؟ قال: قلت: بلى. قال: فإن ذلك لم يكن يحل لك في دينك، قال: قلت: أجل والله. وقال: وعرفت أنه نبي مرسل يعلم ما يجهل ثم قال: لعلك يا عدي إنما يمنعك من الدخول في هذا الدين ما ترى من حاجتهم، فوالله ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه، ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه ما ترى من كثرة عدوهم فوالله ليوشكن أن تسمع بالمرأة تخرج من القادسية على بعيرها حتى تزور هذا البيت، لا تخاف ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه أنك ترى أن الملك والسلطان في غيرهم، وايم الله ليوشكن أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فتحت عليهم: قال: فأسلمت.
وكان عدي يقول: قد مضت اثنتان وبقيت الثالثة، والله لتكونن، قد رأيت القصور البيض من أرض بابل قد فتحت، وقد رأيت المرآة تخرج من القادسية على بعيرها لا تخاف حتى تحج هذا البيت وايم الله لتكونن الثالثة ليفيضن المال حتى لا يوجد من يأخذه (٢).
طيء تمتد في بادية الشام والعراق والحجاز وحاتم الطائي من أشهر العرب في الجاهلية
_________________
(١) ركوسيا: وهو قوم لهم دين بين دين النصارى والصابئين.
(٢) السيرة لابن هشام ج ٤ ص ٥٧٧ - ٥٨٠.
[ ٣ / ١٧٩ ]
بالكرم وبه يضرب المثل. إذ يقول الشاعر:
إقدام عمر في سماحة حاتم في حلم أحنف في ذكاء إياس.
ومكارم الأخلاق لها وزن في هذه القبيلة فقد أطلق رسول الله - ﷺ - سراح سفانة بنت حاتم لأن أباها كان يحب مكارم الأخلاق، وزيد الخيل فبما سمعه رسول الله - ﷺ - عنه من ثناء كان أقل مما فيه، وأطلق عليه زيد الخير، وحصافة سفانة. وذكاء عدي وعمق فكره في التفريق بين الملك والنبوة، حيث أدرك الفرق من خلال وقوفه للمرأة العجوز، ومجلسه التواضع في بيته، وعلمه بمظالم عدي أقنعته بنبوة محمد ﵊.
وأدرك الرسول - ﷺ - أبعاد عدي بن حاتم الذي لجأ إلى ملوك غسان، وأنه ينتمي إلى النصرانية التي تقودها مملكة الروم. فكان لابد من غزو هذه الأبعاد، والإحاطة بهذه الأعماق حيث أبرزها على السطح وهي الخوف من الفقر والضعف وقلة العدد. وحيث أن عديا قد تجاوز مرحلة التشكيك في النبوة. كان هذا الحديث عن أفق المستقبل الوضيء ضروريا له ليقوده إلى الحق فتلين قناته، ويذلل جماحه.
ولا شك أن النماذج البشرية تختلف فلا بد من الحديث مع كل نموذج بما يناسبه. والحديث المشهور الذي رواه الترمذي عن عدي في لقائه مع رسول الله - ﷺ - وهو على نصرانيته. وفي عنقه صليب ذهبي كبير. ورسول الله - ﷺ - يتلو: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم﴾ قال: يا رسول الله ما عبدناهم. قال: ألم يحلوا لهم الحرام، ويحرموا لهم الحلال قال: بلى قال: فتلك عبادتهم إياهم.
ويدرك عدي بن حاتم أعماق هذا المعنى، فهو على الركوسية وهو يأخذ ربع الغنائم من قومه وهذا لا يحل له. ومع ذلك يفعله. وهو بهذه النقلة الجديدة ينتقل من دين البشر إلى دين الله ﷿ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ومن أجل ذلك كان إيمانه عميقا متغلغلا في كل ذرة من ذرات كيانه. وبقي على نهج الإسلام دون تعلثم أو تردد حتى لقي وجه ربه، وشهد كتائب الإيمان تفتح الأرض، ومدائن كسرى تهوي بين قدمي المسلمين، وشرفه الله تعالى بأن كان أحد القادة الذين حاصروا القصر الأبيض. وشهد بأم عينه الظعينة تمضي من القادسية إلى البيت الحرام لا تخشى إلا الله.
إن عظمة النبي - ﷺ - كانت في كشف المخبوء من الخلل في دينه، من حيث الفكر، وكاث في تقديم القدوة بين يديه في الصورة البديلة، في مواصفات النبوة التي تعيش آلام الناس وحياتهم.
ومن هنا تدرك الجماعة المسلمة دورها الكبير في التعامل مع خصومها، بحيث تسبر أغوار
[ ٣ / ١٨٠ ]
نفوسهم وحقيقة فكرهم، وزيف عقائدهم، وهي لا تنجح حين تداهنهم في هذا الباطل، وتتدسس إليهم في هذا الباطل، إنها حين تفعل ذلك يدرك خصوم الدعوة أن هذه الجماعة فكر بشري قاصر مثل فكرهم. وإن إصرار دعاة الباطل على باطلهم، لا يقتضي من الدعاة تقريظه، أو السكوت عليه فلا بد في الحوار الفكري من الوضوح التام الذي لا يقبل التلجلج والتردد.
ومن المأساة حقا على سبيل المثال، أن نجد بعض دعاة الإسلام بحجة الدعوة إلى الله بالحسنى يزينون للنصارى باطلهم، ويقولون لهم، كلنا مؤمنون بالله. والنصراني الذي يعيش هذا التناقض في نفسه. سوف يستخف بهذا الداعية الذي يربت على كتفه ويبارك باطله، ويعلم أن لا مبرر لهذا الداعية أن تكون له السيادة في الأرض طالما أنه مثله في الباطل.
ومن جهة ثانية: تبقى عملية القدوة العملية في التعامل والخلق والسلوك؛ ويبقى شرف الخصومة والحفاظ على العهد والصدق في الرضا والغضب. هو مدار الدعوة الحقيقي، ومحوره فإذا تزلزل المحور، تمزقت الصورة وتبعثرت في تقييم الخصوم لهذه الدعوة.
وحين نربح أولئك الخصوم، من خلال القدوة العملية، والوضوح الفكري. نستطيع أن نتكلم معهم من منطق القوة والاعتزاز بهذا الدين والثقة بأن المستقبل لهذا الدين. وحين نربط هذه القضايا معا بالقضية المادية المكافئة. نستطيع أن نتحرك بهذه المحاور جميعا نحو الهدف الأول، هدف: إسقاط الخصم في خضم هذه العقيدة. وفي لب هذا الدين. لا بإسقاطه وتصفيته، وتكوين تجمع يثأر له من بعده.
وحرص رسول الله - ﷺ - على أن يتلوا آية براءة بين يدي حاتم ويوضح له من خلال هذه الآية أنه ليس على دين كما كان يحسب عدي وتصور وبذلك تنقطع المبررات التي تدفع الخصم للتمسك بمبادئه.
ونقول في هذا الصدد إن هذا الخط من الوضح الفكري والقدوة العملية ليس مرتبطا بمرحلة معينة فقد رأينا. والمسلمون في أشد حالات الضعف في الحبشة. ونراه اليوم والمسلمون أسياد الجزيرة العربية. لكن الذي يحكم هذا الخط، هو أن لا يتحول هذا الموقف إلى السباب والشتيمة. والغضب للنفس، فإن القيد الأكبر لهذا الحوار والجدل؛ هو أن يكون بالتي هي أحسن. أي بالصورة التي لا يوجد أحسن منها على الإطلاق وجدال التي هي أحسن هو الذي يثمر خصما منفعلا مع عقيدة الإسلام. أو معترفا بعظمة التعامل فيه.
سادسا: وفود الجنوب:
وكانت هذه الوفود ترد إلى رسول الله - ﷺ - معلنة ولاءها ودخولها في الإسلام، وذلك من خلال الدعوة إلى الله تعالى. ودون توجيه جيوش إليها. وذلك بعد أن رأت سقوط مقاومة قريش
[ ٣ / ١٨١ ]
وثقيف وغطفان وتميم وطيء قلب جزيرة العرب، ودخولها في الإسلام ونعرض لهذه الوفود بحيث نرى نماذج الدعوة إلى الله من خلالها.
أ - فهذا ضمام بن ثعلبة الذي يمثل صدق الأعراب وصفاءهم وقوة شكيمتهم ( فأقبل حتى وقف على رسول الله - ﷺ - في أصحابه. فقال: أيكم ابن عبد المطلب؟ فقال رسول الله - ﷺ -: أنا ابن عبد المطلب. قال: أمحمد؟ قال: نعم: قال: يا ابن عبد المطلب الله سائلك ومغلظ عليك بالمسألة فلا تجدن في نفسك. قال: لا أجد في نفسي، فسل عما بدا لك. قال: انشدك الله إلهك وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك - ﷺ - آلله بعثك إلينا رسولا؟ قال: اللهم نعم، قال: فأنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك وإله من هوكائن بعدك، آلله أمرك أن تأمرنا أن نعبده وحده لا نشرك به شيئا. وأن نخلع هذه الأنداد التي كان آباؤنا يعبدون معه؟ قال: اللهم نعم، قال: فأنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك، آلله أمرك أن نصلي هذه الصلوات الخمس؟ قال: اللهم نعم قال: ثم جعل يذكر فرائض الإسلام فريضة فريضة الزكاة والصيام والحج وشرائع الإسلام كلها، ينشده عند كل فريضة منها كما ينشده في التي قبلها. حتى إذا فرغ قال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله. وسأؤدي هذه الفرائض واجتنب ما نهيتني عنه، ثم انصرف إلى بعيره راجعا قال. فقال رسول الله - ﷺ -: إن صدق ذو العقيصتين دخل الجنة. قال فأتى بعيره فأطلق عقاله، ثم خرج حتى قدم على قومه، فاجتمعوا إليه، فكان أول ما تكلم به أن قال: بئست اللات والعزى. قالوا: مه يا ضمام! إتق البرص، إتق الجذم، اتق الجنون! قال: ويلكم! إنهما والله لا يضران ولا ينفعان، إن الله قد بعث رسولا، وأنزل عليكم كتابا استنقذكم به مما كنتم فيه، وإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ررسوله. وقد جئتكم من عنده بما أمركم به، وما نهاكم عنه. قال: فوالله ما أمسى من ذلك اليوم في حاضره رجل ولا امرأة إلا مسلما. قال: يقول عبد الله بن عباس: فما سمعنا بوافد قوم كان أفضل من ضمام بن ثعلبة (١».
إنه ليدور في خلدي ذلك الإنسان الذي عاش في صحرائه. ضمام بن ثعلبة. منسجما مع نفسه في إبله وأهله. وله السيادة في قومه. جاء إليه من حدثه عن محمد رسول الله. فسر في قلبه سرورا عظيما. وعزم على أن يمضي بنفسه ليلقى هذا الرسول من عند رب العالين، وسوف يناشده الله أن يصدقه، ومضى بهذا التصميم إليه، ونفسه تتوق طيلة الطريق إلى ذلك اللقاء الذي يتعرف به على هذا المرسل من عند الله رب السماء والأرض. ووصل، واعتذر سلفا عن الأغلاظ في المسألة. وصمم على أن يناشده ربه عن كل شيء. حتى إذا تأكد من صحة كلام هذا المبعوث من عند الله تعالى، أخذ الأوامر المرسلة، والنواهي المجتنبة، ومضى إلى قومه وقد انتهى
_________________
(١) السيرة لابن هشام ٥٧٣ - ٥٧٥.
[ ٣ / ١٨٢ ]
إلى اليقين النهائي في نفسه، وأمام هذا الإيمان العجيب، دخل قومه كلهم في الإسلام، ولم يكلف دخول هذه القبيلة كلها أكثر من كلمات: (اللهم نعم) من رسول الله - ﷺ - بينما كلف دخول قريش في الإسلام حرب عشرين عاما أو تزيد.
وهكذا تضم الحركة الإسلامية إلى رصيدها هذه الصورة الجديدة من الدعوة التي لا تعدو أكثر من إجابة واحدة على أسئلة محددة. وتدخل إلى قلوب هذه النماذج. بهذا الوضوح والصراحة.
قد نجد الشباب الإسلامي يقرأ المجلدات من الفكر الإسلامي ولكنه يعجز عن الوصول إلى عامة الناس وسوادهم، فهو لا يعرف اللغة التي يفهمون بها. قد يتحدث معهم عن الفلسفة الإسلامية ونظام الحكم، ونظام القضاء والايديرلوجية لكن دون جدوى فهو في واد، وجماهير الأمة في واد آخر، وقد لا يكلف التفاهم مع هذه الجماهير أكثر من وليمة أو كلمة ثناء أو أريحية في خدمة. أو تبسيط دون أي تعقيد، وهذا ما رأيناه في هذا الموقف الذي لم يكلف نبي الله تعالى أكثر من قوله (اللهم نعم) ثم أععطى الدرس لأصحابه: إن صدق ذو العقيصتين دخل الجنة.
ب - وعلى نهج ضمام كان مقدم الجارود في وفد عبد القيس. (فلما عرض عليه رسول الله - ﷺ - الإسلام ودعاه إليه ورغبه فيه فقال: يا محمد إني كنت على دين، وإني تارك ديني لدينك. أفتضمن لي ديني، فقال: رسول الله - ﷺ -: نعم أنا ضامن أن قد هداك الله إلى ما هو خير منه، قال: فأسلم وأسلم أصحابه، ثم سأل رسول الله - ﷺ - الحملان فقال: والله ما عندي ما أحملكم عليه قال: يا رسول الله فإن بيننا وبين بلادنا ضوال من الناس. أفنتبلغ عليها إلى بلادنا؟ قال: لا إياك وإياها فإنما تلك حرق النار. فخرج من عنده الجارود راجعا إلى قومه، وكان حسن الإسلام صلبا على دينه، حتى هلك وقد أدرك الردة. فلما رجع من قومه من كان أسلم منهم إلى دينهم الأول قام الجارود فتكلم شهادة الحق، ودعا إلى الإسلام فقال: أيها الناس إني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله وأكفر من لم يشهد (١».
فقد اكتفى الجارود حين ترك دينه بضمانة رسول الله - ﷺ - له دينه السابق، ومثل القاعدة الصلبة في البحرين. حيث سبقه حاكمها المنذر بن ساوى العبدي إلى الإسلام وعلى رأس هؤلاء العلاء بن الحضرمي موفد رسول الله - ﷺ - إليهم وكان الجارود والعلاء هما اللذان وقفا مع المؤمنين في وجه المرتدين الذين قادهم الغرور بن المفذر بن النعمان بن المنذر. وتبقى القاعدة الصلبة هي الحصن الحصين للدعوة وقت الأزمات.
_________________
(١) السيرة لابن هشام ج ٤ - ٥٧٥.
[ ٣ / ١٨٣ ]
ج - ومن قبائل الجنوب مراد وزبيد ومذحج يقدم فروة بن مسيك المرادي على رسول الله - ﷺ - مفارقا لملوك كندة، ومباعدا لهم إلى رسول الله صلوات الله عليه (فلما انتهى إلى رسول الله قال له: يا فروة هل ساءك ما أصاب يومك يوم الردم. فقال: يا رسول الله من ذا يصيب قومه مثل ما أصاب قومي يوم الردم لا يسوءه ذلك فقال رسول الله - ﷺ - أما إن ذلك لم يزد قومك في الإسلام إلا خيرا واستعمله النبي - ﷺ - على مراد وزبيد ومذحج كلها، وبعث معه خالد بن سعيد بن العاص على الصدقة، فكان معه في بلاده حتى توفي رسول الله - ﷺ -).
فالمعارك بين مراد وهمدان هي التي دفعت فروة بن مسيك لمفارقة قومه إلى المدينة، ومن أجل هذا قال له ﵊: (أما إن ذلك لم يزد قومك في الإسلام إلا خيرا) إذ دفعه ليكون من السابقين للإسلام.
ونلحظ أن رسول الله - ﷺ - كان يحرص على إبقاء قادة القبائل في مواقعهم من زعامة قبيلتهم بينما يبعث معهم أحد صحابته ليفقه القوم بالإسلام، وبذلك تبقى النفوس على عهدها دون أن تحس بإهانة أو تحطيم، ويبقى كيان القبيلة وزعامتها ضمن إطار الإسلام. وهذا خط نبوي واضح يحسن أن تعيه الحركة الإسلامية في الاستفادة من الزعامات بحيث لا تشعر أن الإسلام خطر عليها إن هي انضوت تحت لوائه لكن دون أن يتخذ الإسلام مطية لظلمها وتعسفها.
د - وقد أدى دخول مراد في الإسلام إلى أن تنافسها همدان. فيتحرك وفدها إلى المدينة فيلتقوا مع رسول الله - ﷺ - مرجعه من تبوك بكل ثقلها شعراء وأمراء (فقام مالك بن نمط بين يديه فقال: يا رسول الله نصية (١) من همدان من كل حاضر وباد، أتوك على قلص (٢) نواج (٣) متصلة بحبائل الإسلام، لا تأخذهم في الله لومة لائم، من مخلاف خارف ويام وشاكر أهل السواد (٤) والقود (٥)، أجابوا دعوة الرسول وفارقوا الإلهات (٦) الأنصاب (٧) عهدهم لا ينقض ما أقامت لعلع، وما جرى اليعفور (٨) بصلع (٩). فكتب لهم رسول الله - ﷺ - هذا كتاب من رسول الله محمد، مخلاف خارف وأهل جناب الهضب وحقاف (١٠) الرمل مع وافدها ذي المشعار مالك بن نمط ومن أسلم من قومه على أن لهم فراعها ووهاطها ما أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة يأكلون علافها (١١) ويرعون عافيها (١٢) لهم بذلك عهد الله وذمام رسوله، وشاهدهم المهاجرون والأنصار فقال في ذلك مالك
_________________
(١) النصية: خيار القوم.
(٢) قلص: الإبل الفتية.
(٣) نواج: مسرعة.
(٤) السود: الابل.
(٥) القود: الخيل.
(٦) الإلهات، جمع آلهة.
(٧) الأنصاب: حجارة يذبحون لها.
(٨) اليعفور: ولد الظبية.
(٩) صلع: اسم موضع.
(١٠) الحقاف: جمع حقف وهو الرمل المستدير.
(١١) علافها: ثمر الطلح.
(١٢) عافيها نباتها الكثير.
[ ٣ / ١٨٤ ]
بن نمط.
فما حملت من ناقة فوق رأسها أشد على أعدائه من محمد
وأعطى إذا ما طالب العرف جاءه وأمضى بحد المشرفي المهند
هـ - وقدم على رسول الله - ﷺ - كتاب ملوك حمير مقدمه من تبوك ورسوله إليه بإسلامهم، الحارث بن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال، والنعمان قيل (١) ذي رعين ومعافر وهمدان! وبعث إليه زرعة ذو يزن مالك بن مرة الرهاوي بإسلامهم، ومفارقتهم الشرك وأهله.
و- ثم بعث رسول الله - ﷺ - خالد بن الوليد في شهر ربيع الآخر أو جمادى الأولى سنة عشر، إلى بني الحارث بن كعب بنجران، وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام قبل أن يقاتلهم ثلاثا فإن استجابوا فاقبل منهم، وإن لم يفعلوا فقاتلهم، فخرج خالد حتى قدم عليهم فبعث الركبان يضربون في كل وجه ويدعون إلى الإسلام، ويقولون أيها الناس أسلموا تسلموا فأسلم الناس ودخلوا فيما دعوا إليه، فأقام فيهم خالد يعلمهم الإسلام، وكتاب الله وسنة نبيه - ﷺ -، وبذلك كان أمره - ﷺ - إن هم أسلموا ولم يقاتلوا.
فأقبل خالد إلى رسول الله - ﷺ - وأقبل معه وفد بني الحارث بن كعب. فلما وقفوا على رسول الله - ﷺ - سلموا عليه وقالوا: نشهد أنك رسول الله، وأنه لا إله إلا الله. ثم قال رسول الله - ﷺ -، أنتم الذين إذا زجروا استقدموا فسكتوا، فلم يراجعه منهم أحد ثم أعادها الثانية، فلم يراجعه منهم أحد، ثم أعادها الثالثة فلم يراجعه منهم أحد، ثم أعادها الرابعة فقال يزيد بن عبد المدان: نعم يا رسول الله نحن الذين إذا زجروا استقدموا، قالها أربع مرار فقال رسول الله - ﷺ -: لو أن خالدا لم يكتب إلي أنكم أسلمتم ولم تقاتلوا لألفيت رؤوسكم تحت أقدامكم، فقال يزيد بن عبد المدان: أما والله ما حمدناك ولا حمدنا خالدا، قال: فمن حمدتم؟ قالوا: حمدنا الله ﷿ الذي هدانا بك يا رسول الله، قال صدقتم، ثم قال رسول الله - ﷺ - بم كنتم تغلبون من قاتلكم في الجاهلية؟ قالوا: لم نكن نغلب أحدا، قال: بلى قد كنتم تغلبون من قاتلكم، قالوا: كنا نغلب من قاتلنا يا رسول الله أنا كنا نجتمع رلا نتفرق، ولا نبدأ أحدا بظلم. قال: صدقتم، وأمر رسول الله - ﷺ - على بني الحارث بن كعب قيس بن الحصين فرجع وفد بني الحارث إلى قومهم في بقية من شوال أو في صدر ذي القعدة فلم يمكثوا بعد أن رجعوا إلى قومهم إلا أربعة أشهر، حتى توفي رسول الله - ﷺ -، ورحم وبارك ورضي وأنعم.
لقد تحرك جنوب الجزيرة العربية كلها، نجران وهمدان ومراد وزبيد ومذحج، بقلوب مفتوحة للإسلام، ونفوس متعطشة إليه، بينما دخل وسط الجزيرة العربية هربا من السيف. فكان
_________________
(١) السيرة لابن هشام ج ٤ ص ٥٩٢ - ٥٩٤.
[ ٣ / ١٨٥ ]
محضن الردة فيما بعد. وبقي الشمال العربي مستعصيا فلم تتحرك وفوده إلى المدينة، أما ملوك العرب في الجنوب حمير وكندة فقد جاؤوا مستسلمين لله ﷿ منيبين إليه كما وصفهم رسول الله - ﷺ - أرق قلوبا وأرق أفئدة.
غير أن بني الحارث بن كعب كانت طريقة دعوتهم مختلفة فقد بعث رسول الله - ﷺ - خالدا إليهم، لأنهم مشهورون بقوة شكيمتهم وشدة بأسهم، وخالد بن الوليد قد طغت شهرته في الأرض العربية من حيث كفاءته القيادية فلا بد أن يشعر القوم بالقوة المرهوبة الجانب، ومن طرف آخر فالفشل الدعوي الذي لقيه خالد ﵁ في بني جذيمة. كان لا بد أن يغسله في موقف دعوي آخر فكانت الفرصة المتاحة الجديدة في بني الحارث بن كعب. كان لا بد له أن يضبط أعصابه ويتحلى بالصبر الطويل على الخلق البشري، والتعنت البشري وهذا أشق عليه ألف مرة من الصبر في المعارك وتحمل ضراوتها، وأن يتعود هذا السيف الذي سله الله على المشركين، أن يغمد أمام سيل الدعوة المنطلق فترة من الفترات هو أمر ضروري فعظمة الالتزام أن يكون هذا السيف تحت إمرة الله ورسوله وأن تجرب مشاق الدعوة ووعورتها وأثرها الضخم في النفس الإنسانية.
ونجح ابن الوليد أيما نجاح في هذه الدورة التدريبية على الدعوة، وهيأ الله تعالى له في مدخر أجر أن يكون إسلام بني الحارث بن كعب على يديه، وبذلك أصبح الجنوب العربي إسلاميا خالصا لله وحده.
[ ٣ / ١٨٦ ]
السمة الخامسة عشرة:
التحدي الأكبر للروم في غزوة تبوك
في شمال الجزيرة العربية كما ذكرنا من قبل كان إقبال الوفود العربية قليلا جدا، إلا ما ذكر من وفد بلى، ووفد فرع من قضاعة غير أن الحدث المهم في شمال جزيرة العرب هو إسلا م فروة بن عمرو الجذامي الذي كان قائدا من قواد الروم، وواليا لهم على من يليهم من العرب وكان منزله معان وما حولها من أرض الشام. فلما بلغ الروم ذلك من إسلامه طلبوه حتى أخذوه فحبسوه عندهم فقال في محبسه ذاك:
ولقد علمت أبا كبيشة أنني وسط الأعزة لا يحص (١) لساني
فلئن هلكت لتفقدن أخاكم ولئن بقيت لتعرفن مكاني
ولقد جمعت أجل ما جمع الفتى من جودة وشجاعة وبيان
فلما أجمعت الروم لصلبه على ماء لهم يقال له عفراء بفلسطين قال:
ألا هل أتى سلمى بأن حليلها على ماء عفرا فوق إحدى الرواحل
ولما قدموه ليقتلوه قال:
بلغ سراة المسلمين بأنني سلم لربي أعظمي ومقامي
وكما كان السبب المباشر في مؤتة مقتل الحارث بن عمير الأزدي رسول الله - ﷺ - وكان السبب المباشر في تبوك هو مقتل فروة بن عمرو الجذامي الذي استغاث بالمسلمين وبر سول الله - ﷺ - وتبع هذا الأمر حشود ضخمة على الحدود الشمالية، وكانت الأنباء تترامى إلى المدينة بإعداد الرومان للقيام بغزوة حاسمة ضد المسلمين حتى كان الخوف يتسورهم في كل حين لا يسمعون صوتا غير معتاد ولا ويظنونه زحف الرومان. ويظهر ذلك جليا مما وقع لعمر بن الخطاب فقد كان النبي - ﷺ - آلى من نسائه شهرا فهجرهن (٢) ففي صحيح البخاري (وكنا تحدثنا أن آل غسان تنعل النعال لغزونا فنزل صاحبي يوم نوبته، فرجع عشاء فضرب بابي ضربا شديدا وقال: أنائم هو؟ ففزعت فخرجت إليه، وقال حدث أمر عظيم، فقلت: ما هو؟ أجاءت غسان؟ قال لا بل أعظم منه وأطول، طلق رسول الله - ﷺ - نساءه) (٣).
_________________
(١) لا يحص: لا يقطع.
(٢) الرحيق المختوم للمباركفوري ٤٨٣.
(٣) صحيح البخاري ١/ ٣٣٤.
[ ٣ / ١٨٧ ]
وإن قيمة الجندي المسلم عظيمة في الإسلام؛ وحين يكون المسلمون قادرين على حمايته فلا بد من ذلك أو الثأر له ولو اقتضى الأمر إشعال حرب كاملة من أجله، وما بيعة الرضون بسر، وما غزوة تبوك بسر، وما غزوة مؤتة بسر، وما سرية أسامة إلى تخوم الشام بسر إذ قامت هذه جميعا ثأرا من الغادرين الذين يقتلون الرسل ويستخفون بالأعراف الدبلوماسية حين يكون عدوهم مهيض الجناح حسب ما يتصورون. فالرسل لا تقتل في الأصل وما يقدم على ذلك الغادرون إلا تحديا لخصومهم في ذلك.
وسنعرض لغزوة تبوك في خطوط عريضة تتناسب مع طبيعة هذه السمة.
الخط الأول: التظاهرة الكبرى في تحرك ثلاثين ألفا من المسلمين: فقد أمر رسول الله - ﷺ - أصحابه بالتهيؤ لغزو الروم وذلك في زمان عسرة من الناس وشدة من الحر، وجدب من البلاد، وحين طابت الثمار، والناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم، ويكرهون الشخوص على الحال من الزمان الذي هم عليه، وكان رسول الله - ﷺ - قلما يخرج في غزوة إلا كنى عنها، وأخبر أنه يريد غير الوجه الذي يصمد له، إلا ما كان من غزوة تبوك فإنه بينها للناس، لبعد الشقة وشدة الزمان، وكثرة العدو، الذي يصمد له ليتأهب الناس لذلك أهبته، فأمر الناس بالجهاز وأخبرهم أنه يريد الروم (١).
(ثم إن رسول الله - ﷺ - جد في سفره وأمر الناس بالجهاز، وحض أهل الغنى على النفقة والحملان في سبيل الله، فحمل رجال من أهل الغنى واحتسبوا، وأنفق في ذلك عثمان بن عفان نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها) (٢).
(ثم إن رجالا من المسلمين أتوا رسول الله - ﷺ - وهم البكاؤون وهم سبعة نفر من الأنصار فاستحملوا رسول الله - ﷺ -، وكانوا أهل حاجة. فقال: لا أجد ما أحملكم عليه، فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون) (٣).
(وجاء المعذرون من الأعراب فاعتذروا إليه فلم يعذرهم الله تعالى) (٤».
وكان الاتجاه الإسلامي أن لا يتخلف أحد عن المعركة، فقد كان ﵊ بعد انطلاقه من المدينة كلما ذكر له تخلف أحد من أصحابه أو الخلص منهم كان يقول: إن يكن به خير فسيلحق بنا.
وجرى ذلك مع أبي ذر الغفاري وأبا خيثمة.
ويحدث كلثوم بن الحصين يقول: (فقلت: استنغفر لي يا رسول الله، فقال: سر فجعل رسول الله يسألني عمن تخلف من غفار فأخبرته، فقال: ما منع أحد أولئك حين تخلف أن يحمل
_________________
(١) السيرة لابن هشام ج ٤ ص ٥١٦.
(٢) و(٣) و(٤) المصدر نفسه ج ٤ ص ٥١٨.
[ ٣ / ١٨٨ ]
على بعير من إبله امرءا نشيطا في سبيل الله، إن أعز أهلي علي أن يتخلف عن المهاجرون والأنصار وغفار وأسلم) (١).
فلما رحل رسول الله - ﷺ - من ثنية الوداع عقد الألوية والرايات فدفع لواء الأعظم إلى أبي بكر ﵁، ورايته العظمى إلى الزبير، وراية الأوس إلى أسيد بن الحضير، ولواء الخزرج إلى أبي دجاذة، وأمر كل بطن من الأنصار، والقبائل من العرب أن يتخذوا لواء أو راية وساروا معه ثلاثون ألفا، وعشرة ألاف فرس، واثنا عشر ألف بعير) (٢).
ولا شك أن هذه التظاهرة الضخمة سوف تكون حديث الركبان في جزيرة العرب، فقد ارتفع العدد ثلاثة أضعاف عما كان في فتح مكة. ولئن كانت العملية الفدائية الأولى إلى تخوم الروم ثلاثة آلاف في مؤتة فقد بلغت هذه الحملة عشرة أضعاف تلك، إنه لتطور ضخم ابتدأ في العام الأول للهجرة بثلاثين راكبا. وانتهت في العام التاسع للهجرة بثلاثين ألفا. وهذا يعني أن الجيش الإسلامي ارتفع خلال تسع سنوات ألف ضعف عما ابتدأ به.
الخط الثاني مسير الغزوة وعملياتها.
كما ذكرت فلم يكن في الحملة الضخمة مواجهة تذكر لأن عرب الشام سمعوا بضخامة الحملة فتفرقوا في البلاد، كما أن هرقل لم يكن بنيته مواجهة محمد رسول الله لما يعرفه عنه.
(وشاور رسول الله - ﷺ - في التقدم فقال عمر بن الخطاب ﵁: إن كنت أمرت بالمسير فسر، فقال: لو أمرت به ما استشرتكم فيه! قالوا: يا رسول الله إن للروم جموعا كثيرة، وليس بها أحد من أهل الإسلام، وقد دنوت منهم حيث ترى، وقد أفزعهم دنوك فلو رجعت هذه السنة حتى ترى، أو يحدث الله لك في ذلك أمرا) (٣).
كما كلف رسول الله البطل المغوار خالد بن الوليد باختطاف أكيدر بن عبد الملك بدومة الجندل في أربعمائة فارس، وكان أكيدر نصرانيا (فقال خالد يا رسول الله كيف لي به وهو وسط بلاد كلب، وإنما أنا في أناس يسير فقال: ستجده يصيد البقر فتأخذه وقال: فلا تقتله وائت به، فإن أبى فاقتلوه فخرج خالد حتى إذا كان من حصنه بمنظر العين، وفي ليلة مقمرة وهو على سطح له من الحر، ومعه امرأته وقينة تغنيه وقد شرب فأقبلت البقر (٤) تحك بقرونها باب الحصن، فأشرفت امرأته فرأت البقر فقالت: ما رأيت كالليلة من اللحم، هل رأيت مثل
_________________
(١) السيرة لابن هشام ج ٤ ص ٥٢٩.
(٢) إمتاع الأسماع للمقريزي ج ١ ص ٤٥٠.
(٣) المصدر نفسه ج ١: ٤٥٠.
(٤) البر: بقر الوحش التي تصطاد.
[ ٣ / ١٨٩ ]
هذا قط؟ قال: لا قالت: من يترك هذا؟ قال: لا أحد.
قال أكيدر والله ما رأيت جاءتنا ليلا بقر غير تلك الليلة، ولقد كنت أضمر لها الخيل شهرا أو أكثر ثم أركب بالرجال وبالآلة فنزل فأمر بفرسه فأسرج وأمر بخيل فأسرجت، وركب معه نفر من أهل بيته، فخرجوا قباء حصنهم بمطاردهم وخيل خالد تنتظرهم لا يصهل منها فرس ولا يحرك فساعة فصل أخذته الخيل. واستلب خالد بن الوليد أخاه حسانا قباء ديباج نخوصا (١) بذهب فبعث به إلى رسول الله - ﷺ - مع عمرو بن أمية فجعل المسلمون يلمسونه بأيديهم ويتعجبون منه فقال ﵇: لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا. ثم خرج خالد إلى المدينة ومعه أكيدر وأخوه فصالحه رسول الله - ﷺ - على الجزية وخلى سبيله وسبيل أخيه (٢» وخاف أهل أيلة وتيماء فقدم يحنة بن رؤبة ومعه أهل جرباء وأذرح، فصالحهم ﵇ وقطع عليهم الجزية) (٣).
وهذه هي العمليات الحربية والسياسية التي قام بها جيش النبي - ﷺ - حيث تسارع الناس هناك لمصالحته، وذلك من خلال اختطاف أكيدر في عملية حربية ناجحة وأدت التظاهرة العسكرية والسياسية دورها في إرهاب الشمال العربي وكفه عن التفكير بالهجوم على المدينة مستندا إلى قوة الرومان العسكرية.
الخط الثالث: بروز المنافقين وتخطيطهم من جديد.
بعد أن صفي المنافقون تقريبا عند صلح الحديبية وبقي وجودهم لا يتعدى بضعة أفراد عاد المجتمع الإسلامي فأخذ أبعاده بعد الحديبية ثم بعد الفتح، فتضاعف الجيش الإسلامي عشرين ضعفا، وكثير ممن دخل هذا المجتمع كان دافعه الرغبة والرهبة، وكان عبد الله بن أبي لا يزال على قيد الحياة، فاستعاد بناء معسكره من جديد، ونظم صفوفه من خلال القاعدة الجديدة العريضة التي انضمت له وبرزت مخططات المنافقين بتوزيع المهام بين المدينة قبل النفير ومع الجيش وبعد العودة إليها.
أما دورهم قبل النفير فكان ينصب على تخذيل الناس عن رسول الله - ﷺ - ودعوتهم إلى الركون للدنيا ﴿ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة
_________________
(١) مخوصا بذهب: أن يجعل للثوب صفائح من ذهب على قدر عرض خوص النخل وفي صورته.
(٢) إمتاع الأسماع ج ١: ٤٦٣ - ٤٦٥.
(٣) المصدر نفسه ج ١: ٤٦٧.
[ ٣ / ١٩٠ ]
بالكافرين (١)، ﴿وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون﴾ (٢)، ﴿ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين﴾ (٣).
وأما دورهم في الجش فكان في مخالفة الأوامر، وبث الفتنة في الجيش والفرقة فيه. وعلى رأس هذه المخططات جميعا محاولة اغتيال رسول الله - ﷺ - ﴿يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفوا بعد اسلامهم وهموا بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله فإن يتوبوا يك خيرا لهم، وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير﴾ (٤) وأحبط الله تعالى مخططاتهم بإطلاع نبيه عليها حين هموا بما لم ينالوا ومع وضوح الجريمة الغادرة فلم تقم ضدهم عمليات قتل أو تصفية جسدية، حفاظا على السمعة العامة للجماعة المسلمة أن يقول الناس إن محمدا يقتل أصحابه، ومنعا لتكتل قد يظهر على الساحة فيجر بعض الموتورين وهم كثر ممن دخل في دين الله خوفا على مصلحته، وأما في المدينة فقد كانوا يخططون لافتتاح مركز خاص لهم يأوي إليه كل المنافقين وهو مسجد الضرار الذي وعد رسول الله - ﷺ - بافتتاحه والصلاة فيه بعد العودة من تبوك، وأطلع الله تعالى نبيه على الهدف من ذلك، فبعث من يحرق مسجد الضرار بمن فيه: ﴿والذين اتخذا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون﴾ (٥).
وكانت آيات سورة براءة التي نزلت في المنافقين قرابة مائة آية أعنف حرب إعلامية عليهم، كشفت جميع مخططاتهم وعرتهم تعرية كاملة في المجتمع الإسلامي حتى كان الصحابة يطلقون عليها أسماء عديدة منها المخزية والفاضحة والمبعثرة واستطاعت هذه الحملة الناجحة أن تهزم معسكر النفاق، وتعيد الكثيرين منه إلى الصف الإسلامي الخالص، فيحسن إسلامهم وكان أكبر فاجعة نزلت بهم هي موت عبد الله بن أبي زعيمهم، وكي لا يفتح رسول الله - ﷺ - معركة مع أتباعه فيما بعد فصلى عليه واستغفر له وأعطاه كساءه وعاتب الله تعالى نبيه في ذلك بقوله: ﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون﴾ (٦).
وهذا الخط السياسي الذي اختاره النبي - ﷺ - في عملية البناء الداخلي تحتاج الحركة الإسلامية اليوم إلى دراسة أبعاده وجوانبه وأساليبه بحيث تستطيع أمام أي خلل في صفها أن تعالجه بتفتيت ذلك التجمع المضاد. وفضح أهدافه وضرب مركز القوة فيه حتى لا ينساق سواد الصف معه، وأية معالجة غير هذه المعالجة تصل بالصف الإسلامي كله إلى التفجر والتشرذم
_________________
(١) سورة التوبة: ٤٩.
(٢) التوبة: ٨١.
(٣) التوبة: ٤٦.
(٤) سورة التوبة: ٧٤.
(٥) التوبة ١٠٧.
(٦) التوبة: ٨٤.
[ ٣ / ١٩١ ]
والصلة المستمرة بالقواعد، والتوعية التربوية والسياسية التي تشير إلى دور المغامرين والمقامرين بمصير الجماعة، دون أن تتحول القضية إلى حرب شخصية أو صراعات فردية هي صمام الأمان لسلامة خط الجماعة، وحسن سيرها إلى الهدف الذي تسعى إليه وجهاز الأمن القوي للجماعة الذي يكشف كل المحاولات الخبيثة لتهديم الصف المسلم هو ضرورة ماسة في كل حركة إسلامية ويبقى المحور الإسلامي في هذا المجال هو عزل قادة النفاق أو المشاقين للجماعة المستغلين لها، دون أن يبقى معهم مفرر واحد.
الخط الرابع: المخلفين (١) الثلاثة وموقف المجتمع الإسلامي منهم.
ورغم أن الصحابة الثلاثة ﵃ هم واحد من عشرة آلاف بالقياس إلى الجيش المسلم لكن أثر موقفهم في المجتمع الإسلامي لم يكن أقل من خط منهجي للحركة تقتفي أثاره.
فقد تخلفوا عن المعركة دون عذر، وصدقوا الله ورسوله وقال لهم ﵊: (أما هذا فقد صدق، فقم حتى يحكم الله فيك).
وكان التوجيه الرباني بالنسبة لهؤلاء الثلاثة هو مقاطعتهم من المسلمين (ونهى رسول الله - ﷺ - عن كلامنا أيها الثلاثة) وكانت محنة من الطرف الآخر لهذا الصف، ومدى استجابته للموقف الحازم من المخالفين من جنوده، وثبتت قوة الصف والتحامه في المفاصلة مع هؤلاء الثلاثة في أروع ما يحمل تاريخ الدعوات من صور لدرجة أنهم يسلمون فلا يرد ﵈، ولكن أعظم ما في هذه المفاصلة ولا شك هو الأمر الأخير لزوجاتهم بمقاطعتهم، وقد نجحت حتى هذه الخطوة وتحقق العزل الكامل لهم في صورة لم يشهد التاريخ مثيلا لها: وما أظنه يشهد (فأقمنا على ذلك أربعون ليلة من الخمسين إذا رسول الله يأتيني فقال إن رسول الله يأمرك أن تعتزل امرأتك قال قلت أطلقها أم ماذا؟ قال لا بل اعتزلها ولا تقربها).
وتبلغ أهمية هذا الموضوع وخطره على الصف الإسلامي أن بلغ أعداء الإسلام في الشام حتى بعثوا يتصلون بكعب بن مالك أحد الثلاثة والشاعر الإسلامي المشهور يعرضون عليه الإنضمام إليهم إذا نبطي يسأل عني من نبط الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول من يدل على كعب بن مالك قال فجعل الناس يشيرون إلي حتى إذا جاءني فدفع إلي كتابا من ملك غسان وكتب كتابا في سرقة من حرير فإذا فيه أما بعد فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة فالحق بنا نواسك قال: قلت: حين قرأتها؛ وهذا من البلاء أيضا قد بلغ بي ما وقعت فيه أن طمع بي رجل من الشرك فعمدت بها إلى تنور فسجرته فيها) وإذا كان كعب رضي الله تعالى عنه قد فضح هذه الصلة، وعمد إلى الكتاب فأحرقه فكم إذن يا ترى من
_________________
(١) ما بين قوسين مقتطفات من قصة كعب وتخلفه. انظر السيرة لابن هشام وغيرها.
[ ٣ / ١٩٢ ]
الصلات والرسائل والمخططات كانت تصل لابن أبي فيكتمها ويجيب عليها، ويتآمر من خلالها على الجماعة المسلمة.
وحتى تعرف الحركة الإسلامية سلامة صفها فلا بد من أن تعرف مقدرتها على تنفيذ مثل هذه الأوامر في قطاع خاص من قطاعاتها وحين لا تنجح في هذا الحيز الضيق فهي على المستوى الأوسع أعجز وهي بالتالي تحتاج الى معاناة مستمرة في محاولة البناء المستمر في الانضباط والإلتزام.
ونشر في النهاية إلى أن هذا المجتمع قد عاش مأساة إخوته الثلاثة في أشد ما يكون يقظة والتزاما وألما حتى أن التوبة حين نزلت من السماء ما تمالك صارخ أن يصرخ مع الفجر بأعلى صوته من قمة الجبل أن أبشر يا كعب بن مالك حتى إن إحدى أمهات المؤمنين أرادت أن تبشره من السماء فقال ﵊، إذن لا يدعكم الناس تنامون) وظهر الصف الإسلامي فعلا أنه كالجسد الواحد إذا إشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر) وكان أروع ما في الأمر تمام الانضباط مع تمام العاطفة والحب والاشتراك في الأمل والألم.
***
[ ٣ / ١٩٣ ]
السمة السادسة عشرة:
سورة براءة وإنهاء الوجود الوثني
عاد رسول الله - ﷺ - من تبوك؛ واتجهت العرب إلى المدينة تعلن ولاءها وكان موسم الحج الجديد (ثم أقام رسول الله - ﷺ - بقية شهر رمضان وشوالا وذا القعدة ثم بعث أبا بكر أميرا على الحج من سنة تسع ليقيم للمسلمين حجهم، والناس من أهل الشرك على منازلهم من حجهم، فخرج أبو بكر ﵁ ومن معه من المسلمين).
قال ابن إسحاق: (وحدثتني حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف عن أبي جعفر محمد بن علي ﵁ أنه قال: لما نزلت سورة براءة على رسول الله - ﷺ - وقد كان بعث أبا بكر ليقيم للناس الحج قيل له يا رسول الله، لو بعثت بها إلى أبي بكر فقال: لا يؤدي عني إلا رجل من أهل بيتي، ثم دعا علي بن أبي طالب رضوان الله عليه، فقال أخرج بهذه القصة من صدر براءة وأذن في الناس يوم النحر إذا اجتمعوا بمنى أنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ومن كان له عند رسول الله - ﷺ - عهد فهو له إلى مدته، فخرج علي ﵁ على ناقة رسول الله - ﷺ - العضباء حتى أدرك أبا بكر بالطريق، فلما رآه أبو بكر بالطريق تقال: أأمير أم مأمور؟ قال بل مأمور، ثم مضيا فأقام أبو بكر للناس الحج والعرب إذ ذاك في تلك السنة على منازلهم في الحج التي كانوا عليها في الجاهلية، حتى إذا كان يوم النحر قام علي بن أبي طالب فأذن بالناس بالذي أمره به رسول الله - ﷺ - ففال: أيها الناس إنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عند رسول الله - ﷺ - عهد فهو له إلى مدته، وأجل الناس أربعة أشهر من يوم أذن فيهم ليرجع كل قوم اإلى مأمنهم أو بلادهم ثم لا عهد لمشرك ولا ذمة إلا أحد كان له عند رسول الله - ﷺ - عهد إلى مدة فهو له إلى مدته، فلم يحج بعد ذلك العام مشرك ولم يطف بالبيت عريان).
لقد كان حج العام التاسع من حيث الشعائر فيه كامل الحرية للمسلمين والمشركين دون وجود سلطة محددة تمنع هذا أو ذاك، ولكن ظهر المجتمع الإسلامي الضخم الذي يقوده أبو بكر ﵁ والمسلمون معه يحجون بحجه، ولا يبعد أن يكون كثير من المسلمين مع قبائلهم وفي مواقعها.
وكان هذا التجمع مناسبة طيبة لإعلان الأوامر الربانية في إنهاء الوجود الوثني في جزيرة العرب والذي استمر عدة قرون وفي الكعبة المشرفة.
[ ٣ / ١٩٤ ]
ولقد تم خلال الحج الماضي إزالة الأصنام من مكة فقط وكانت تظاهرة عمرة الجعرانة قبيل الحج فقط. غير أن إعلان الأحكام الإسلامية في منى يوم النحر كان من الأهمية بمكان ويعني أن شريعة الله سوف تطبق كل أحكامها وعلى الناس جميعا خلال مدة زمنية أقصاها أربعة أشهر إلى السنة فخلال سنة وحتى يحل الحج القادم فيمكن التساهل وغض النظر عن بعض مظاهر الشرك في البيت الحرام، أما الذين كان لهم وجود قانوني ثابت من خلال عهود ومواثيق مع رسول الله - ﷺ - ﴿فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم﴾ لكن استمرار الشرك بصورة دائمة فهذا مرفوض في شريعة الله في مكة وجزيرة العرب فالعهود المفتوحة بدون قيد، والتجمعات المشركة القائمة بدون عهد حدد الإنذار النهائي لها أربعة أشهر لإعلان الإنضمام إلى المسلمين أو المواجهة معهم.
﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفرر رحيم وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون﴾ (١).
وكان هذا الإعلان الرسمي بمثابة حل لأحزاب الشرك والوثنية في أرض العرب، إلا التي أقامت وجودها بإذن خاص من رسول الله - ﷺ -.
وأهم ما يحسن أن تعيه الحركة الإسلامية من هذا الإعلان أن تفقه قصة التدرج في الحكم والأحكام والخطوات المرحلية المؤدية إلى الهدف، وشرف التعامل والعهود والمواثيق مع الآخرين.
وإننا لنذكر الشباب الدعاة أنه ما بين تطبيق أحكام الإسلام في الشعائر وما بين فتح مكة سنتان تماما. وكان بإمكان النبي - ﷺ - بعد أن انتهى من هوازن وحنين وما حولها مظفرا منتصرا. أن يقيم في مكة إلى الحج، ويمنع خلال شهر أداء كل هذه الشعائر إذ أنه دخل مكة ﵊ في ذي القعدة ولكن العبادات لا تتم بالحظر فقط، وبالأمر فقط لقد غادر رسول الله - ﷺ - مكة قبيل الحج وجعل أميرا على المسلمين في مكة عتاب بن أسيد الشاب الذي لم يمض على إسلامه شهران أو أكثر، وبقي عتاب بن أسيد ﵁ مع
_________________
(١) براءة ١ - ٢.
[ ٣ / ١٩٥ ]
من أسلم حديثا من أهل مكة فحج بالمسلمين، وبقي معاذ بن جبل ﵁ في مكة يفقه الناس في الدين ويعلمهم القرآن.
مضى عام كامل ومعاذ تحت إمرة عتاب يفقه الناس في الدين، وإن كان قد استدعي ﵁ لأداء المهمة نفسها في اليمن، وكانت سنة كافية لأسلمه الحج كله إذا صح التعبير ولكن رسول الله - ﷺ - مدد الأمر عاما آخر حتى تأخذ التربية مداها، ويأخذ التفقيه مداه وأن يتعامل مع قلوب الناس لا مع أجسادهم لا بد من سلخ آثار الوثنية من القلوب والنفوس التي علقت بها هذه الآثار واستمرت التربية سنتين كاملتين حتى كانت حجة الوداع.
لقد ارتبط الحكم الإسلامي في جانبيه الشعائر والشرائع بهذا المدى الزمني العظيم والسلطة الوحيدة المسيطرة هي سلطة المسلمين، وهي القوة الوحيدة في الساحة ومع ذلك اقتضى الأمر هذا المدى الزمني الطويل ليمنع فيه حج المشرك وطواف العُريان.
إننا نجد الشباب الإسلامي المتحمس وهو يتصور دولة الإسلام القادمة من خلال بلاغات حربية وانقلاب عسكري ومنذ اليوم الأول الذي تعلن فيه إسلامية الدولة. وفي بلاغات متلاحقة. وأيام قلائل. تلغى كل مظاهر الكفر والشرك في الإذاعة والتلفاز، ومظاهر الفساد ومواخير الزنا في المسارح والملاهي والسينمات، ويصدر قرار بالحجاب الإسلامي.
إن هذا التصور العجيب الذي يملأ قلوب الكثير من الشباب هو تصور غير إسلامي، بل ويبالغ الشباب بكل أسف في ذلك لدرجة إتهام القيادة المسلحة بالمداهنة في دين الله لو تلكأت عن هذا التنفيذ وبالإنحراف، وبموالاة الكفار.
لقد سمعت ذلك الشاب المتحمس وهو يناقشني على صوت موسيقي ظهر خطأ في برنامج إسلامي، من إذاعة لدولة حليفة يقول لي: هذا هو الانحراف، وكما انحرف الفلسطينيون في فتح، وانتقلوا من الإسلام في البداية إلى العلمانية ها أنتم تنحرفون كذلك، بل وبلغ الحماس عند بعض الشباب أن نفض يديه من الجماعة المسلمة حين وجد هذا الصوت في هذا البرنامج.
لهؤلاء الشباب الذين تقرأ عتابهم وهم رصيد هذه الحركة، لهؤلاء نقول رويدا رويدا. فها هو رسول الله - ﷺ - يستلم السلطة في مكة ويبقى الحرم يعج بالمشركين والعراة سنتين كاملتين حيث تم التمهيد المناسب والتفقيه اللازم، والتهيئة النفسية الكاملة وتم بعد هذا كله إلغاء هذه المظاهر الماجنة في ظل الكعبة.
إنه نداء حار إلى الشباب كي يفقه هذا الدرس في أعظم صور المفاصلة بين الإسلام والشرك ومع هذا وضع له مدى أربعة أشهر لإلغاء التجمع ومدى سنة كاملة لتنفيذ الحكم الإسلامي الكامل في البيت الحرام وغيره وإعلان الحرب على الوجود المشرك، كان في بلاغات لا
[ ٣ / ١٩٦ ]
تغدر بالناس ولا تفرض عليهم الأمر فرضا بل تتيح لهم الفرصة للتعرف والتفقه بحيث يتمكن كل فرد في الأمة أن يتعرف على الإسلام من خلال الدعاة المنبثين في كل مكان وكانت عظمة الإنذار السادس أن الأمان مفتوح لكل مشرك جاء ليتعرف على الإسلام وله كامل حريته أن يسلم أو يعود إلى تجمعه المشرك إن لم يقتنع بالإسلام، دون خطر على وجوده وحياته بل على المسلمين أن يبلغوه مأمنه إنها دورة تدريبية كاملة لمدة سنة تتيح لكل مشرك في أرض العرب أن يتعرف على الإسلام ويفقه أحكامه خلال هذا العام وله كامل الحرية بعدها في اختيار الإسلام أو الشرك لأن ضمان عودته إلى حزبه قائم فأبلغه مأمنه وبعدها تكون الحرب المعلنة أو الدخول في الدين وليت الشباب يدركون عظمة هذا الدرس، وإنهم يتعاملون مع بشر يحرصون على دخولهم في حظيرة الإسلام ولا يتعاملون مع صنم يكسر ويحطم، وانتهى الأمر ولا ينسوا أبدا أن المظاهر الماجنة في ظل الكعبة بقيت سنتين ورسول الله - ﷺ - حاكم أرض العرب طالما أن هذا الأمر يخص مقدسات الناس فلا بد من التدرج في إزالته حتى يألفه الناس ولا يفرون أو ينفرون.
[ ٣ / ١٩٧ ]
السمة السابعة عشرة:
الحج الأكبر ومائة وثلاثون ألفا من المسلمين
قال ابن إسحاق: فلما دخل على رسول الله - ﷺ - ذو القعدة تجهز للناس، وأمر الناس بالجهاز له، وعن عائشة ﵂ قالت: خرج رسول الله - ﷺ - لخمس ليال بقين من ذي القعدة.
ثم مضى رسول الله - ﷺ - على حجه فأرى الناس مناسكهم، وأعلمهم سنن حجهم وخطب الناس خطبته التي بين فيها ما بين فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس إسمعوا قولي فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا: أيها الناس إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا وكحرمة شهركم هذا. وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، وقد بلغت فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها وإن كل ربا موضوع ولكن لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون قضى الله أنه لا ربا، وإن ربا العباس بن عبد المطلب موضوع كله، وإن كل دم كان في الجاهلية موضوع وإن أول دمائكم أضع دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وكان مسترضعا في بني ليث فقتلته هذيل فهو أول ما أبدأ به من دماء الجاهلية أما بعد أيها الناس. فإن الشيطان قد يئس من أن يعبد في أرضكم هذه أبدا، ولكنه إن يطع فيما سوى ذلك فقد رضي به مما تحقرون من أعمالكم فاحذروه على دينكم.
أيها الناس. إن النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا، يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله، ويحرموا ما أحل الله وإن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السموات والأرض وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا. منها أربعة متوالية، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان أما بعد أيها الناس: فإن لكم على نسائكم حقا، ولهن عليكم حقا، لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحد تكرهونه، وعليهن أن لا يأتين بفاحشة مبينة. فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تجروهن في المضاجع وتضربوهن ضربا غير مبرح فإن انتهين فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف، واستوصوا بالنساء خيرا فإنهن عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئا، وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمات الله فاعتلوا أيها الناس قولي فإني قد بلغت.
وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا، أمرا بينا، كتاب الله وسنة نبيه.
أيها الناس: اسمعوا قولي واعقلوه، تعلمن أن كل مسلم أخ للمسلم، وأن المسلمين إخوة فلا يحل لامرىء إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه نلا تظلمن أنفسكم، اللهم هل بلغت؟
[ ٣ / ١٩٨ ]
فذكر لي أن الناس قالوا: اللهم نعم: فقال رسول الله - ﷺ -: اللهم اشهد.
قال ابن إسحاق وحدثني عبد الله بن نجيح أن رسول الله - ﷺ - حين وقف بعرفة قال: هذا الموقف للجبل الذي هو عليه وكل عرفة موقف. وقال حين وقف على قزح صبيحة المزدلفة هذا الموقف وكل المزدلفة موقف ثم لما نحر بالمنحر بمنى قال: هذا المنحر، وكل منى منحر، فقضى رسول الله - ﷺ - الحج وقد أراهم مناسكهم وأعلمهم ما فرض الله عليهم من حجهم من الموقف ورمي الجمار وطواف البيت وما أحل لهم من حجهم وما حرم عليهم فكانت حجة البلاغ، وحجة الوداع وذلك أن رسول الله لم يحح بعدها.
ارتبط مع حجة الوداع نزول قول الله ﷿: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمني ورضيت لكم الإسلام دينا فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم﴾.
وفي صدد الحديث عن المنهج الحركي نقف على عتبة النهاية لهذه الخطوات التي ابتدأت بقول الله ﷿: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم﴾.
ابتدأ الإسلام بشخص رسول الله - ﷺ - في مكة في جبل غار حراء وهو شاخص ببصره بين الأرض والسماء وجبريل يقول له أنت رسول الله وأنا جبريل وها هي تنتهي بجوار غار حراء، وعند الصخرات من جبل عرفه، وحوله مائة وثلاثون ألفا من المسلمين يمثلون جزيرة العرب قاطبة، ومن هذا الموقع وفي هذا الموقف يعلن ﵊، إتمام المهمة، وتبليغ الرسالة وإكمال الدين على لسان نبيه محمد - ﷺ -.
﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾، لقد ابتدأت القاعدة الصلبة قبل ثلاث وعشرين عاما بشخص رسول الله - ﷺ - وانتهت بهذه المجموعات الضخمة التي تمثل الأرض العربية آنذاك.
وأمام هذا الحشد الضخم من الأمة، كان الخط الأول خذوا عني مناسككم وبذلك تتجه الأمة لترى رسول الله - ﷺ - وهو على راحلته يؤدي المناسك فيقتدي الناس جميعا به، ويرونه وهو على الراحلة بحيث يتم بهذه العملية إلغاء كل المناسك الوثنية التي كانت موجودة في أرض الحرم والحج هو أعظم تجمع بشري في ذلك الوقت فلا بد من إيضاح المعالم الكبرى للدعوة، والتي يتم عليها التقاء البشر جميعا لما لها من أهمية خالصة وحيث تقف الناس جميعا بعرفه. أعلن المبادىء الكبرى على الناس جميعا وهي:
[ ٣ / ١٩٩ ]
أولا: حرمة الأموال والدماء والأعراض.
وهذا يمثل الخط الفاصل بين الإسلام ونظم الأرض فالشيوعية اليوم تجعل الأموال والأعراض والدماء في حكم المشاع كما أن الرأسمالية تبيح الأعراض وتنتهك الأموال وتسفك الدماء والميزان الحقيقي للوجود الإسلامي في الأرض هو الحفاظ على حرمة الدماء والأموال والأعراض.
ثانيا: حرمة الربا وهو الهرم الذي يرتفع الظلم فيه حتى يسحق الفقراء في الأرض.
ثالثا: العدل وهو سمة الإسلام الأولى في هذا الوجود وبه قامت السموات والأرض ومن أجل ذلك فأول ربا يوضع هو ربا العباس بن عبد المطلب عم محمد - ﷺ -.
رابعا: حقن الدماء، وذلك حيث يتحول الحكم الإسلامي إلى القصاص، والانتقال من مفهوم الثأر إلى مفهوم القصاص. هو انتقال من العشيرة إلى الدولة، ومستوى العدل نفسه في الربا هو هو نفسه في الدماء (وإن أول دم أضعه هو دم ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب) والأمة التي تصان أرواحها ودماؤها هي أمة متقدمة جدا في مضمار الحضارة والمدنية وأن يكون الأمن مستتبا هو الذي يحقق السعادة للأمة.
خامسا: إلغاء الوثنية فلن تعود الوثنية للأرض العربية أو تعود الأصنام والأوثان إليها بعد أن جاء الحق وزهق الباطل لكن الشيطان سيتدخل في صرف الناس عن الاستقامة على دين الله.
سادسا: حرمة التلاعب بدين الله فقد انتهى دور الشيطان في أرض الإسلام أن يعيد إليها الوثنية من جديد لكنه قد يدخل في دين الله ما ليس فيه حين يشرع الناس ما لم يأذن به الله إنها الحاكمية لله تعالى وليست للبشر فالنسيء نموذخ من هذه النماذج وهو تأخير الأشهر الحرم والتلاعب فيها يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله ويحرموا ما أحل الله.
وهذه هي القضية التي يقوم عليها الصراع بين الإسلام والجاهلية إن الحكم إلا لله قضى ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم.
سابعا: حق الرجل على المرأة ومن خلاله يتبلور النظام الاجتماعي في الإسلام فالمرأة تبع للرجل، والقوامة للرجل على المرأة والمفهوم الإسلامي للأسرة هو أن تكون المرأة وقفا على الرجل ولا تأتي بالفاحشة البينة، وعند الفاحشة فللرجل قسر المرأة وقصرها عليه ولو في الضرب غير المبرح والهجر في المضجع والموعظة الحسنة.
ثامنا: حق المرأة على الرجل وهي حين حبست نفسها عليه فعليه رزقها وكسوتها بالمعروف
[ ٣ / ٢٠٠ ]
وعليه أن يحسن المعاملة فهن أمانة الله عند الرجال، وبكلمات الله استحلت فروجهن فاستوصوا بالنساء خيرا.
تاسعا: ودستور الأمة ينطلق من المصدرين الأساسيين ومناط التشريع عليهما كتاب الله تعالى وسنة رسوله ولا ضلال لمن تمسك بهما.
عاشرا: والرابطة العليا في الأمة هي رابطة العقيدة ورابطة الإسلام، فالأخوة من خلالها، تعلمن أن كل مسلم أخ للمسلم، وأن المسلمين إخوة فلا يحل لامرىء من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفسه.
وحيث تم تبليغ هذه المبادىء العشر وقد أعلنت في اجتماع يضم مائة وثلاثين ألفا لا بد لهؤلاء أن يحملوا الأمانة إلى الأرض كلها، وإلى الأجيال فيما بعد. ومن أجل هذا كان الخطاب على الملأ اللهم هل بلغت فتجيب جماهير الأمة اللهم نعم فيرفع يديه لرب السماء قائلا: اللهم أشهد.
[ ٣ / ٢٠١ ]
السمة الثامنة عشرة:
إلى الرفيق الأعلى بعد إتمام النعمة
ولا غرابة أن تكون وفاة رسول الله - ﷺ - من سمات هذه المرحلة لأن الوفاة التي ارتبطت بقيام دولة الخلافة يعني أن هذا المنهج الحركي لم يكن خاصا بالنبوة بمقدار ما كان خاصا بالأمة. ولعل معيشة تلك اللحظات يعطي الحدود العامة لهذه السمة.
روى ابن إسحاق عن عائشة قالت:
رجع إلي رسول الله - ﷺ - في ذلك اليوم حين دخل من المسجد، فاضطجع في حجري فدخل علي رجل من آل أبي بكر وفي يده سواك أخضر فنظر رسول الله - ﷺ - إليه في يده نظرا عرفت أنه يريده، فقلت: يا رسول الله أتحب أن أعطيك هذا السواك؟ قال: نعم قأخذته فمضغته له حتى لينته؛ ثم أعطيته إياه، قالت: فاستن به كأشد ما رأيته يستن بسواك قط، ثم وضعه، ووجدت رسول الله - ﷺ - يثقل في حجري، فذهبت أنظر في وجهه فإذا بصره قد شخص وهو يقول: بل الرفيق الأعلى في الجنة، فقلت: خيرت فاخترت والذي بعثك بالحق، وقبض رسول الله - ﷺ -.
وفي رواية لها كذلك، مات رسول الله - ﷺ - بين سحري ونحري وفي دولتي لم أظلم فيه أحدا فمن سفهي وحداثة سني أن رسول الله - ﷺ - قبض وهو في حجري، ثم وضعت رأسه على وسادة، وقمت ألتدم مع النساء وأضرب وجهي.
وروى ابن إسحاق عن أبي هريرة قوله، لما توفي رسول الله - ﷺ - قام عمر بن الخطاب فقال: إن رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول الله - ﷺ - قد توفي، وإن رسول الله - ﷺ - ما مات، لكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران، فقد غاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع إليهم بعد أن قيل قد مات، والله ليرجعن رسول الله - ﷺ - كما رجع موسى فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم زعموا أن رسول الله - ﷺ - قد مات. وأقبل أبو بكر حتى نزل على باب المسجد حين بلغه الخبر، وعمر يكلم الناس، فلم يلتفت إلى شيء حتى دخل على رسول الله - ﷺ - في بيت عائشة، ورسول الله مسجى في ناحية البيت عليه برد حبرة فأقبل حتى كشف عن وجه رسول الله - ﷺ - ثم أقبل عليه فقبله ثم قال بأبي أنت وأمي، أما الموتة التي كتب الله عليك فقد ذقتها، ثم لن تصيبك بعدها موتة أبدا ثم رد البرد على وجه رسول الله - ﷺ - ثم خرج وعمر يكلم الناس: فقال: على رسلك يا عمر، أنصت، فأبى إلا أن يتكلم فلما رآه أبو بكر لا ينصت أقبل على الناس، فلما سمع الناس كلامه أقبلوا عليه وتركوا عمر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إنه من كان يعبد محمدا فإن
[ ٣ / ٢٠٢ ]
محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ثم تلا هذه الآية: ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين﴾.
قال: فوالله لكأن الناس لم يعلموا ـن هذه الآية نزلت حتى تلاها أبو بكر وأخذها الناس عن أبي بكر، فإنما هي في أفواههم فقال عمر: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت حتى وقعت إلى الأرض ما تقلني رجلاي، وعرفت أن رسول الله - ﷺ - قد مات.
أمر سقيفة بني ساعدة
قال ابن إسحاق: وكان من حديث السقيفة حين اجتمعت بها الأنصار أن عبد الله بن أبي بكر حدثني عن ابن شهاب الزهري عن عبد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن عبد الله بن عباس عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: ( إنه كان من خبرنا حين توفى الله نبيه - ﷺ - أن الأنصار خالفونا، فاجتمعوا بأشرافهم في سقيفة بني ساعدة، وتخلف عنا علي بن أبي طالب والزبير بن العوام ومن معهما واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار فانطلقنا نؤمهم حتى لقينا منهم رجلان صالحان، فذكرا لنا ما تمالأ عليه القوم. وقال: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ قلنا نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار قالا: فلا عليكم ألا تقربوهم يا معشر المهاجرين إقضوا أمركم، قال قلت: والله لنأتينهم فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة، فإذا بين ظهرانيهم رجل مزمل فقك: من هذا؟ فقالوا سعد بن عبادة، فقلت: ما له؟ قالوا وجع فلما جلسنا تشهد خطيبهم، فأثنى على الله بما هو له أهل ثم قال: أما بعد فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام وأنتم يا معشر المهاجرين رهط منا. وقد دفت (١) دافة من قومكم قال وإذا هم يريدون أن يحتازونا من أصلنا، ويغصبونا الأمر. فلما سكت أردت أن أتكلم، وقد زورت في نفسي مقالة قد أعجبتني، أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر، وكنت أداري منه بعض الحد (٢) فقال أبو بكر: على رسلك يا عمر فكرهت أن أغضبه، فتكلم، وهو كان أعلم مني وأوقر، فوالله ما ترك من كلمة أعجبتني من تزويري إلا قالها في بديهته أو مثلها وأفضل حتى سكت، قال: أما ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، ولن تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش هم أوسط العرب نسبا ودارا وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم، وأخذ بيدي ويد أبي عبيدة بن الجراح، وهو جالس بيننا ولم أكره شيئا مما قاله غيرها، كان والله أن أقدم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك إلى إثم، أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر.
قال قائل من الأنصار أنا جُديلها المحكك، وعُذيقها المرجب منا أمير ومنكم أمير يا معشر
[ ٣ / ٢٠٣ ]
قريش قال، فكثر اللفط وارتفعت الأصوات حتى تخوفت الاختلاف؛ فقلت: ابسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده فبايعته ثم بايعه المهاجرون ثم بايعه الأنصار.
وعن أنس بن مالك قال: لما بويع أبو بكر بالسقيفة وكان الغد، جلس أبو بكر على المنبر فقام عمر فتكلم قبل أبي بكر فحمد الله، وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: أيها الناس إني كنت قلت لكم مقالة بالأمس ما كانت مما وجدتها في كتاب الله ولا كانت عهدا عهد إلي رسول الله - ﷺ - ولكني قد كنت أرى أن رسول الله سيدبر أمرنا وإن الله قد أبقى فيكم كتابه الذي به هدى الله ورسول - ﷺ - فإن اعتصتم به، هداكم الله لما كان هداكم له وإن الله قد جمع أمركم على خيركم صاحب رسول الله - ﷺ -؛ ثاني اثنين إذ هما في الغار فقوموا فبايعوه، فبايع الناس أبا بكر بيعة العامة بعد بيعة السقيفة.
وفاة رسول الله - ﷺ -، أضخم محنة شهدتها الجماعة المسلمة الأولى في حياتها والمحنة الأولى التي عانتها في أحد كان أضخم ما فيها ما بلغهم من مقتل النبي - ﷺ -، وفيها نزل قول الله ﷿ ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسبجزي الله الشاكرين﴾ (١).
ولم يكن يدور في خلد المؤمنين أن تكون موجة الردة الضخمة هي التمثيل العملي للانقلاب على العقب ولكن ضخامة هذه المحنة، تبدو في حس المسلم حين يطمئن إلى أن قائده رسول رب العالمين، وحين يطمئن إلى أن قائده سيد ولد آدم فأي شيء يقلق باله، ومن أي شيء يخاف بعد ذلك، فهو على هداه ولكن أن يفتح المسلمون أعينهم على الدنيا ذات صباح فلا يجدوا رسول الله - ﷺ - بين أيديهم إنه حقا لأمر جلل، ومن أجل هذا فما أطاقه عمر بن الخطاب ولم يكن على استعداد في حسه أن يقبل أن محمدا قد مات ومن أجل هذا هدد بقطع عنق كل من تسول نفسه أن نتحدث عن موت رسول الله - ﷺ - وليس موسى - ﷺ - أكرم منه، فلا غرابة أن يمضي لمناجاة ربه كما مضى موسى ﵊.
غير أن الصديق الأكبر ﵁ جاء إلى رسول الله - ﷺ - ورأى أنه قد مات حقا بعد أن كشف البرد عن وجهه وقلبه وجاء يواجه الناس بالحقيقة السافرة دون أدنى تلجلج أو تردد وحاول إسكات عمر فلم يفلح، ثم خطب وقال كلمته التاريخية الخالدة.
(من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت). بهاتين الكلمتين لخص الإسلام كله، لأن الإسلام هو عبادة الله لا عبادة من دونه، ﴿وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال: سبحانك ما يكون
_________________
(١) آل عمران ١٤٤.
[ ٣ / ٢٠٤ ]
لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب، ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن أعبدوا الله ربي وربكم) (١).
ولئن بقيت النصرانية بعد عشرين قرنا تعاني من هذه الوثنية، وتعاني من هذا الشرك فلقد استطاع الصديق الأكبر والخليفة الأول أن يحل المشكلة منذ لحظاتها الأولى بهذا البيان الحاسم فعبادة البشر تنتهي بموتهم، أما عبادة الله تعالى فلا تنتهي حتى يرث الله تعالى الأرض ومن عليها. وهكذا ظهر أثر التربية العظيمة، والإيمان الثابت في أعظم المحن التي يتزلزل لها الأبطال وأعاظم الرجال حين تم الفصل بين المبدأ والقائد ويبقى المبدأ هو الثابت وعليه يتلاقى الناس أو حين لم يتمكن الفاروق الأكبر ﵁ أن يصمد أمام هول الصدمة التي هي وفاة النبي - ﷺ - تمكن الصديق ﵁ أن يجنب المسلمين فتنة ما بعدها فتنة، وبقي الإسلام على مدى خمسة عشر قرنا من الزمان دين الوحدانية أو لا يوجد في هذا الوجود بهذا التوحيد غيره، وأن يصدر هذا الصبر من أبي بكر بالذات الذي كان خدن النبي - ﷺ - حتى قبل البعثة، ولم تجمح العاطفة به هذا الجموح الذي يجعله يستسلم لها بل شعر بأن مسؤولية الأمة في عنقه فما يجدي البكاء في لحظات العاصفة وهو يحس بأعماقه في هذه المسؤولية حين جعله رسول الله - ﷺ - خليفته من بعده في الصلاة على المسلمين.
والدرس المهم للحركة الإسلامية من هذا الحدث هو أنه لا توجد قيادة في الأرض يحق لها أن تفتن المسلمين، لأن كل امرىء يؤخذ من كلامه ويرد إلا المصطفى - ﷺ - الذي يوحى إليه من رب العالمين فأي قائد يحق له أن يستأثر بالأمة بحجة أن الأمة تنهار بانهياره.
نحن لا ننكر أبدا دور القيادة في الأمة، ونعلم أن كثيرا من الأمم تنهار بانهيار رجالاتها وأبطالها لكننا نحن الأمة المسلمة بالذات، حين نكون على مستوى هذا الدين، ومستوى هذه العقيدة لا يحوز أن يهز كياننا سقوط أية قيادة باستشهاد أو اعتزال أو عزل لأن العاصم لنا من الفتنة هو هذا الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
هذا من جهة ومن جهة ثانية يحسن أن نعذر شباب الدعوة حين يتزلزلون من فقدان قائدهم الذي علقوا آمالهم به فإذا كان رسول الله - ﷺ - حين مات تزلزل عمر ﵁ فمن هو أكبر من عمر في جيلنا حتى لا يصيبه هذا الزلزال.
صحيح أنه لا مقارنة بين فقدان أي قائد في هذا الوجود وبين فقدان رسول الله - ﷺ - لأن كل قواد الأرض قد يخطئون ويزلون، وتخونهم الحكمة، أما رسول الله - ﷺ - فهو صلة الأرض بالسماء،
_________________
(١) المائدة ١١٧. السيرة لابن هشام ج: ٦٥١و٦٥٦ - ٦٥٨
[ ٣ / ٢٠٥ ]
وكما قالت ام أيمن ﵂ أبكي انقطاع الوحي من السماء فرسول الله - ﷺ - حين يغيب عن هذه الدنيا بجسده الشريف، ويغيب معه وحي الله تعالى لخلقه يحق لمن يتحدث عن مصيبته أن يقول:
وما فقد الماضون مثل محمد ولا مثله حتى القيامة يفقد
ونحن نتحدث عن المنهج الحركي للسيرة النبوية لا بد أن نلحظ أثر هذا المنهج والرسول - ﷺ - مسجى في برده الشريف، وقد انتشر الخبر ووصل إلى داخل بيت النبوة أن الأنصار اجتمعت لتختار أميرا بعد رسول الله - ﷺ - وحين ندع العواطف ومنطقها يتحكم فينا يقتضي الأمر منا لو كنا مع أبي بكر وعمر وأبي عبيدة ﵃، أن ندع الدنيا يتصارع عليها المتصارعون ونبقى نحن ويبقى الرعيل الأول بجوار الجسد الطاهر حتى يجهزوه ويكفنوه ويدفنوه وإنه لمن العقوق أن يمضي هؤلاء الخلص بعيدا عنه لكن عندما يكون منطق العقيدة التي تحكم العواطف وتتحكم بها هو الذي يسود تختلف الصورة فوفاة رسول الله - ﷺ - تقتضي أن يتفق المسلمون على أمير بعده قبل أن ينتقض الأمر، واحتمالات انتقاضه واردة لأبعد الحدود فهذا مسيلمة الحنفي في اليمامة قد ارتد وذاك الأسود العنسي في اليمن قد ارتد وكلاهما ادعى النبوة ومن أجل هذا لم يجد الصديق والفاروق والأمين حرجا من أن يمضوا إلى سقيفة بني ساعدة ليعالجوا الأمر هناك قبل أن ينفرد الأنصار بالرأي وتعقد البيعة عندئذ تتفاقم المشكلة أكثر وأكثر ويكون نقض البيعة أدهى وأمر من عقدها ابتداء بلا شك والتقى المهاجرون بالأنصار وكانت الأنصار ترى أنها أحق بالأمر بعد رسول الله - ﷺ - فالبلد بلدهم، والنبي - ﷺ - أوى إليهم، واختارهم على غيرهم من أهل الأرض، والمهاجرون تبع لهم بذلك.
هذا هو منطق الأنصار وحجتهم بينما كان منطق المهاجرين يقوم على أساس أن النبي - ﷺ - من قريش والعرب لا تدين إلا لقريش إذ هم سدنة البيت الحرام وحماته، ومحمد - ﷺ - منهم.
وأمام توازن المنطقين وإدلاء كل منها بحجته كان الحل الثاني منا أمير ومنكم أمير وكان هذا المنطق مرفوضا عند المهاجرين أكثر من المنطق الأول لأنه لا يجتمع سيفان في غمد ومن أجل هذا كان جواب أبي بكر ﵁ لهم يا معشر الأنصار لقد كنتم أول من نصر وآزر فلا تكونوا أول من بدل وغير.
وكانت هذه الكلمة ذات مفعول أشد من وقع السيف أعادت لهم صحوتهم، فهم أنصار الله ورسوله فلم لا يكونوا أنصار خليفته من بعده.
وكانت وصية رسول الله - ﷺ - فيهم قبيل وفاته، أوصيكم بالأنصار فإنهم كرشي وعيبتي وقد قضوا الذي عليهم وبقي الذي لهم فاقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم فلحظوا أن هذه
[ ٣ / ٢٠٦ ]
الوصية بهم تعني أنهم سيبقون أنصارا في كل وقت كما تقول الرواية الأخرى إن الناس يكثرون، وتقل الأنصار حتى يكونوا كالملح في الطعام.
وكانت الخطوة الحاسمة الثالثة أن دعا أبو بكر رضي الله تعالى عنه للبيعة لأحد الرجلين ثم رست البيعة عنده وبايعه المهاجرون والأنصار البيعة الخاصة في السقيفة، ثم كانت البيعة العامة في المسجد.
إن اختيار القيادة بين الأقران من أعقد الأمور وفي أكثر النظم ديمقراطية نجد الاختبار يأخذ سنة وسنتين حتى ينجلي الأمر وسقوط القيادة المفاجىء كثيرا ما يوقع الصراع بعد ذلك وتتحكم مراكز القوى فيها وقلما يصل الأكفاء بعد سقوط القيادة أما إذا كانت القيادة تاريخية وكانت عبقرية فالصراع يكون أشد بل يصل في مثل هذه الظروف أضعف المرشحين لأن الأقوياء لا يتنازلون فكيف إذا كانت القيادة هي خير أهل الأرض وسيد ولد آدم وخير الثقلين الجن والإنس كيف يكون الأمر بعد ذلك؟
إن سرعة اختيار الخليفة التي لم تتجاوز ساعات قلائل بعد وفاة النبي - ﷺ - ليدل دلالة واضحة على قوة هذا الصف وسلامته وانصهار لحمته، وكلما كان الصف ضعيفا ممزقا كلما كان اختيار القيادة صعبا عسيرا ولقد شهدنا بعض فصائل الحركة الإسلامية المسلحة عقب محنة ضخمة زلزلتها أن القيادة المنتخبة انحنت مرات أمام العاصفة، أمام العواطف المتوترة، وسقطت هذه القيادة أربع مرات خلال سنتين متتاليتين.
وحين نضع الصورتين قبالة بعضهما بعضا نشعر بعظمة التحام الصف، والتئامه وتشابكه بحيث يستحيل فك اشتباكه.
***
[ ٣ / ٢٠٧ ]
الخاتمة
وأخيرا ونحن نودع المنهج الحركي للسيرة النبوية نود أن نؤكد الخطوة التالية:
١ - سمات هذا المنهج في عهديه ومراحله المتعددة منتزعة من واقع المرحلة وارتباط الحلقات بعضها ببعض بحيث تمثل في النهاية كلا متكاملا يمثل حقيقة المرحلة.
٢ - قد تتكرر بعض السمات بين مرحلة وأخرى وتكرارها يعني ديمومة هذه السمة، وأنها تتجاوز المرحلية لتكون أصلية في خط السير كله أو جله.
٣ - والهدف من عرض هذا المنهج الحركي هو أن تملك الحركة الإسلامية المعاصرة دليل عمل تسير على ضوئه وتبني خطتها على خطاه.
٤ - ولكن هذا لا يعني ضرورة التوافق والتطابق بين مرحلية الحركة الإسلامية اليوم ومرحليتها في السيرة النبوية بل تعني في معظم الأحيان التشابه والتقارب وذلك لاختلاف الظروف والأشخاص والأشياء بين عالمنا اليوم وعالم الدعوة الأولى.
٥ - وأهم ما أتمناه من خلال هذا المنهج هو أن يتمكن الدعاة في الحركة الإسلامية من التفريق بين الأسس الدائمة الثابتة وبين الخطوات المرحلية المتدرجة وأن لا يضعوا أحكام مرحلة اكتمال الدين وانتصار الإسلام، محل أحكام مرحلة العهد السري بفرعيه ولو أن الدعاة حين يفاجؤون بواقع معين يختارون الشبه المناسب من المرحلة المناسبة لكان في ظني المنهج قد حقق هدفه الذي كتب من أجله.
٦ - وأؤكد للأخ القارىء الذي عشت معه في هذا السفر الطويل أن السمات والأحكام التي وصلت إليها هي أحكام ظنية قد يغلب أحيانا عليها المسحة الشخصية والاندفاعة العاطفية، وبالتالي فقد أخطىء في التشخيص أو الاستنتاج أو الحكم فما كان من توفيق فمن الله وما كان من خطأ فمن نفسي.
٧ - وإني لأدعو الأخوة القائمين على الحركة الإسلامية أن يعيشوا هذه التجربة ويمدوني بصالح آرائهم وخلاصة تجاربهم لأتجاوز الخطأ إن كان ثمة خطأ لا شيء أجدى من الحوار في هذا المضمار
[ ٣ / ٢٠٨ ]
لنتلمس الخطى الصحيحة للوصول إلى الهدف البعيد في هذا المسار الطويل.
٨ - ولئن عشت ربع قرن في العمل الإسلامي لكنه يبقى محدودا في إطار حركة محددة وتبقى التجارب الأخرى الغنية تمدنا بزادها العظيم في هذا المجال.
٩ - ولئن كنت أكثرت من عرض تجربة الحركة الإسلامية المسلحة في قطر من الأقطار فليس هذا يشهد الله ذا صلة بانتمائي لهذا القطر أو ذاك فنحن بحمد الله أبناء الإسلام العظيم أنى حل وأنى ارتحل لكنه من منطلق الممارسة العملية من جهة ومن جهة ثانية فالمنهج الحركي للسيرة النبوية في مرحلة الدولة لا يمكن مقارنته إلا مع الحركة الإسلامية التي انطلقت في تكوين الدولة في تنظيمها على الأقل ومن خلال تجربتها الحافلة بالصواب والخطأ ومن خلال تعاملها مع خصومها وأعدائها وحلفائها على صعيد الواقع العملي.
١٠ - وكم كنت أتمنى أن تكون التجربة الأفغانية حية بين يدي لأعرض نماذجها من خلال المنهج الحركي فهي صنو الحركة الإسلامية المسلحة التي أمتح منها. وقد تكون أكثر غناء ووفرة وتجربة.
والله أسأل في نهاية المطاف أن يتقبل عملي هذا، ويجعله خالصا لوجهه، وأن يرزقني به شفاعة نبيه ولعل دعوة صالحة تنالني من أخ كريم يغفر الله تعالى بها الزلل، ويقيل العثرات.
ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولاى فانصرنا على القوم الكافرين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
[ ٣ / ٢٠٩ ]