قال ابن إسحاق: وكان حكيم بن حزام بن خويلد قدم من الشام برقيق فيهم زيد بن حارثة وصيف، فدخلت عليه عمته خديجة بنت خويلد، وهي يومئذ عند رسول الله - ﷺ - فقال لها: اختاري يا عمة أيّ هؤلاء الغلمان شئت فهو لك، فاختارت زيدًا، فأخذته، فرآه رسول الله - ﷺ - عندها، فاستوهبه منها، فوهبته له، فأعتقه رسول الله - ﷺ - وتبناه، وذلك قبل أن يوحى إليه، وكان أبوه حارثة قد جزع عليه جزعًا شديدًا، وبكى عليه حين فقده (٢) ثم قدم عليه وهو عند رسول الله - ﷺ - فقال له رسول الله - ﷺ -: "إن شئت فأقم عندي وإن شئت فانطلق مع أبيك" فقال: بل أقيم عندك؛ فلم يزل عند رسول الله - ﷺ - حتى بعثه الله فصدقه وأسلم وصلى معه، فلما أنزل الله -﷿-: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ (٣) قال: أنا زيد بن حارثة.
_________________
(١) انظر أحمد ج ٣ ص ٣٩٠. كان هذا في موسم الحج في شهر رجب عام ٤ ق. هـ.
(٢) روى بعضه الحاكم في المستدرك (ج ٤/ ٦٣).
(٣) سورة الأحزاب: ٥.
[ ٤٠٥ ]
روى البخاري بسنده عن عبد الله بن عمر -﵄-، أن زيد بن حارثة مولى رسول الله - ﷺ - ما كنا ندعوه إلَّا زيد بن محمد حتى نزل القرآن: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ﴾ (١).
روى الحاكم بسنده عن أسامة بن زيد قال: كان حارثة بن شراحيل تزوج امرأة في طيء من نبهان فأولدها جبلة وأسماء وزيدًا، فتوفيت وأخلفت أولادها في حجر جدهم لأبيهم، وأراد حارثة حملهم، فأتى جدهم فقال: ما عندنا فهو خير لهم، فتراضوا إلى أن حمل جبلة وأسماء، وخلف زيدًا، وجاءت خيل من تهامة من بني فزارة فأغارت على طيء فسبت زيدًا، فصيروه إلى سوق عكاظ، فرآه النبي - ﷺ -، من قبل أن يبعث، فقال لخديجة -﵂-: "يا خديجة رأيت في السوق غلامًا من صفته كيت وكيت يصف عقلًا وأدبًا وجمالًا، لو أنّ لي مالًا لاشتريته"، فأمرت ورقة بن نوفل، فاشتراه من مالها، فقال: "يا خديجة هبي لي هذا الغلام بطيب من نفسك" فقالت: يا محمد أرى غلامًا وضيئًا وأخاف أن تبيعه أو تهبه فقال النبي - ﷺ -: "يا موفقة ما أردت إلا لأتبناه"، فقالت: نعم يا محمد، فربَّاه وتبنَّاه، فكان يقال له: زيد بن محمد، فجاء رجل من الحي فنظر إلى زيد فعرفه أنت زيد بن حارثة، من صفة أبيك وعمومتك وأخوالك كيت وكيت قد اتعبوا الأبدان وأنفقوا الأموال في سبيلك
فقدم حارثة بن شراحيل إلى مكة في إخوته وأهل بيته، فأتى النبي ﵌، في فناء الكعبة في نفر من أصحابه فيهم زيد بن حارثة، فلما نظروا إلى زيد عرفوه وعرفهم، ولم يقم إليهم إجلالًا لرسول الله ﵌ فقالوا له: يا زيد، فلم يجبهم، فقال له النبي ﵌: "من هؤلاء يا زيد؟ ". قال: يا رسول الله هذا أبي، وهذا عمي، وهذا أخي وهؤلاء عشيرتي، فقال له النبي ﵌: "قم فسلم عليهم يا زيد" فقام فسلم عليهم، وسلَّموا عليه ثم قالوا له: امضِ معنا يا زيد، فقال: ما أريد برسول الله ﵌ بدلًا، ولا غيره أحدًا. فقالوا: يا محمد، إنا معطوك بهذا الغلام ديات فسمِّ ما شئت، فإنَّا حاملوه إليك، فقال: "أسألكم أن تشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني خاتم أنبيائه ورسله وأرسله
_________________
(١) البخاري ج ٦/ ١٤٥.
[ ٤٠٦ ]
معكم" فثابوا وتلكَّؤوا وتلجلجوا (١) فقالوا تقبل منا ما عرضنا عليك من الدنانير، فقال لهم: "ها هنا خصلة غير هذه، قد جعلت الأمر إليه، فإن شاء فليقم، وإن شاء فليدخل"، قالوا: ما بقي شيء، قالوا: يا زيد قد أذن لك الآن محمد، فانطلق معنا، قال: هيهات هيهات، ما أريد برسول الله ﵌، بدلًا ولأوثر عليه والدًا ولا ولدًا، فأداروه وألاصوه (٢)، واستعطفوه، وأخبروه من ورائه من وجدهم، فأبى وحلف أن لا يلحقهم. قال حارثة: أمَّا أنا فأواسيك بنفسي، أنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وأبى الباقون.
وروى الحاكم بسنده عن جبلة بن حارثة أخي زيد بن حارثة قال: أتيت النبي ﵌، فقلت: يا رسول الله ابعث معي أخي زيدًا، فقال: "هو ذا، هو إن أراد لم أمنعه". فقال زيد: لا والله لا أختار عليك أحدًا. قال جبلة: إن رأي أخي أفضل من رأيي (٣).