قال ابن إسحاق: وجلس الرسول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فيما بلغنا يومًا مع الوليد بن المغيرة في المسجد، فجاء النضر بن الحارث حتى جلس معهم، وفى المجلس غير واحد من رجال قريش.
فتكلم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فعرض له النضر، فكلمه
_________________
(١) سورة المدثر آية رقم ٣١.
(٢) ابن هشام ١/ ٣٨٠.
(٣) دلائل البيهقي ج ٦/ ٢٤٠.
[ ٣٩٦ ]
رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم حتى أفحمه، ثم تلا عليه وعليهم:
﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (٩٩) لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾. (١)
ثم قام رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وأقبل عبد الله بن الزَّبَعرَي السهمي حتى جلس.
فقال الوليد بن المغيرة له: والله، ما قام النضر بن الحارث لابن عبد المطلب آنفًا وما قعد، وقد زعم محمَّد أنا وما نعبد من آلهتنا هذه حصب جهنم!
فقال عبد الله بن الزبعري: أما والله لو وجدته لخصمته، فسلوا محمدًا: أكل من يعبد من دون الله حصب جهنم مع من عبده؟ فنحن نعبد الملائكة، واليهود تعبد عزيرًا، والنصارى تعبد عيسى.
فعجب الوليد ومن كان معه في المجلس من قول ابن الزبعري، ورأوا أنه قد احتج وخاصم.
فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾. (٢) أي عيسى ابن مريم، وعزيرًا، ومن عبد من الأحبار والرهبان الذين مضوا على طاعة الله تعالى. فاتخذهم من يعبدهم من أهل الضلالة أربابًا من دون الله.
ونزل فيما يذكرون أنهم يعبدون الملائكة، وأنها بنات الله: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ
_________________
(١) سورة الأنبياء آية رقم ٩٨ - ١٠٠.
(٢) سورة الأنبياء آية رقم ١٠١ أو ١٠٢.
[ ٣٩٧ ]
إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾.
ونزل فيما ذكر من أمر عيسى بن مريم أنه يعبد من دون الله وعجب الوليد ومن حضره من حجته وخصومته: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ أي: يصدون عن أمرك بذلك من قولهم، ثم ذكر عيسى بن مريم فقال: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩) وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠) وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾ أي: ما وضعت على يديه من الآيات من إحياء الموتى وإبراء الأسقام، فكفى به دليلًا على علم الساعة، يقول: فلا تمترن بها ﴿وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾.