قال الله ﷾: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. (١)
عن أنس بن مالك -﵁- قال: كان أبو ذر يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال: فرج عني سقف بيتي، وأنا بمكة، فنزل جبريل، ففرج صدري، ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانًا، فأفرغه في صدري، ثم أطبقه، ثم أخذ بيدي، فعرج بي إلى السماء، فلما جئت إلى السماء الدنيا قال جبريل لخازن السماء افتح، قال: من هذا؟ قال: هذا جبريل، قال: هل معك أحد؟ قال: نعم، معي محمَّد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فقال: أرسل إليه؟ قال: نعم، فلما فتح، علونا السماء الدنيا إذا رجل قاعد على يمينه أسودة، وعلى يساره أسودة، إذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله، بكى، فقال: مرحبًا بالنبي الصالح، والابن الصالح قلت لجبريل: من هذا؟ قال: هذا آدم وهذه الأسودة عن يمينه وشماله نسم بنيه، فأهل اليمين منهم أهل الجنة، والأسودة التي عن شماله أهل النار، فإذا نظر عن يمينه ضحك وإذا نظر قبل شماله بكى حتى عرج بي إلى السماء الثانية، فقال لخازنها: افتح، فقال له خازنها مثل ما قال الأول، قال أنس: فذكر أنه وجد في السماوات آدم وإدريس وموسى وعيسى وإبراهيم، ولم يثبت كيف منازلهم غير أنه ذكر أنه وجد آدم في السماء الدنيا وإبراهيم في السماء السادسة.
قال ابن شهاب: فأخبرني ابن حزم (٢) أن ابن عباس وأبا حبَّة الأنصاري كانا يقولان: قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام، قال ابن حزم وأنس بن مالك: قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه
_________________
(١) سورة الإسراء رقم ١.
(٢) هو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، قال الحافظ: وروايته عن أبي حبة منقطعة لأن أبا حبة استشهد بأحد قبل مولد أبي بكر بدهر.
[ ٤٥١ ]
وسلم: ففرض الله على أمتي خمسين صلاة، قال: فرجعت بذلك حتى مررت على موسى، فقال: ما فرض الله لك على أمتك؟ قلت: فرض خمسين صلاة، قال: فارجع إلى ربك، فإن أمتك لا تطيق، فراجعني، فوضع شطرها، فرجعت إلى موسى، فقلت: وضع شطرها، فقال: راجع ربك، فإن أمتك لا تطيق، فراجعت، فوضع شطرها، فرجعت إليه، فقال: ارجع إلى ربك، فإن أمتك لا تطيق ذلك، فراجعته، فقال: هي خمس وهي خمسون لا يبدل القول لدي، فرجعت إلى موسى، فقال: راجع ربك، فقلت: استحييت من ربي، ثم انطلق بي حتى انتهى بي إلى السدرة المنتهى، وغشيها ألوان لا أدري ما هي، ثم أدخلت الجنة، فإذا فيها حبائل اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك. (١)
وعن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة أن نبي الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم حدثهم عن ليلة أسري به، قال: بينما أنا في الحطيم وربما قال في الحجر مضطجعا إذ أتاني آتٍ، فقد قال: وسمعته يقول: فشق ما بين هذه إلى هذه، فقلت للجارود -وهو إلى جنبي-: ما يعني به؟ قال: من ثغرة نحره إلى شعرته، وسمعته يقول: من قصه إلى شعرته، فاستخرج قلبي، ثم أتيت بطست من ذهب مملوء إيمانا، فغسل قلبي، ثم حُشِيَ، ثم أعيد، ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض، فقال له الجارود: هو البراق يا أبا حمزة؟ قال أنس: نعم يضع خطوه عند أقصى طرفه، فحملت عليه، فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا، فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال جبريل: قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به فنعم المجيء جاء، ففتح، فلما خلصت، فإذا فيها آدم، فقال: هذا أبوك آدم، فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد السلام، ثم قال: مرحبًا بالابن الصالح، والنبي الصالح، ثم صعد بي حتى أتى السماء الثانية فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد، قيل:
_________________
(١) هنا حدث متفق على صحته، أخرجه مسلمٌ عن حرملة بن يحيى، عن ابن وهب، عن يونس، وقال (فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ يريد: قباب اللؤلؤ) والجنابذ: جمع الجنبذة، وهي القبة، ولم يعرف الخطابي الحبائل والأسودة: جمع سواد وهو شخص الإنسان. البخاري ١/ ٣٩٢ في الصلاة: باب كيف فرضت الصلاة في الإسراء، ومسلمٌ (١٦٣) في الإيمان: باب الإسراء.
[ ٤٥٢ ]
وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به، فنعم المجيء جاء، ففتح، فلما خلصت إذا يحيى وعيسى، وهما ابنا خالة، قال: هذا يحيى وعيسى، فسلم عليهما، فسلمت، فردا، ثم قالا: مرحبا بالأخ الصالح، والنبي الصالح، ثم صعد بي إلى السماء، فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم قيل: مرحبا به، فنعم المجيء جاء، ففتح، فلما خلصت إذا يوسف، قال: هذا يوسف، فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد، ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح، والنبي الصالح، ثم صعد بي حتى أتى السماء الرابعة، فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد، قيل: أوقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا به، فنعم المجيء جاء، ففتح، فلما خلصت، فإذا إدريس، قال: هذا إدريس، فسلم، عليه، فسلمت عليه، فرد، ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي حتى أتى السماء الخامسة، فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: من معك؟ قال: محمَّد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا به، فنعم المجيء جاء، ففتح، فلما، خلصت، فإذا هارون قال هذا هارون: فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد، ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح، والنبي الصالح، ثم صعد بي حتى أتي السماء السادسة، فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد، قيل: قد أرسل إليه؟ قال: نعم، قال: مرحبا به، فنعم المجيء جاء فلما خلصت فإذا موسى، قال: هذا موسى، فسلم عليه، فسلمت عليه، ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح، والنبي الصالح، فلما تجاوزت، بكى، قيل له: ما يبكيك؛ قال: أبكي لأن غلامًا بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممّن يدخلها من أمتي، ثم صعد بي إلى السماء السابعة، فاستفتح جبريل، قيل من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: نعم، قال: مرحبا به، فنعم المجيء جاء، فلما خلصت، فإذا إبراهيم، قال: هذا أبوك إبراهيم، فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد السلام ثم قال: مرحبا بالابن الصالح، والنبي الصالح، ثم رفعت إلى سدرة المنتهى، فإذا نبقها مثل قلال هجر، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة، قال: هذا سدرة المنتهى، وإذا أربعة أنهار: نهران باطنان، ونهران ظاهران، فقلت: ما هذان يا جبريل؟ قال: أما
[ ٤٥٣ ]
الباطنان، فنهران في الجنة وأما الظاهران، فالنيل والفرات، ثم رفع لي بيت المعمور، ثم أتيت بإناء من خمر وإناء من لبن، وإناء من عسل، فأخذت اللبن، فقال: هي الفطرة أنت عليها وأمتك، ثم فرضت علي الصلاة خمسين صلاة كل يوم، فرجعت، فمررت على موسى، فقال: بم أمرت؟ قال: أمرت بخمسين صلاة كل يوم، قال إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كل يوم وإني والله لقد جربت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك، فسله التخفيف لأمتك، فرجعت، فوضع عني عشرًا، فرجعت إلى موسى، فقال مثله، فرجعت فوضع عني عشرا، فرجعت إلى موسى، فقال مثله، فرجعت، فوضع عني عشرا، فرجعت إلى موسى، فقال مثله، فرجعت، فأمرت بعشر صلوات كل يوم، فقال مثله، فرجعت، فأمرت بخمس صلوات كل يوم، فرجعت إلى موسى، فقال: بم أمرت؟ قلت أمرت بخمس صلوات كل يوم، قال: إن أمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم، وإني قد جربت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك، فسله التخفيف لأمتك قال: سألت ربي حتى استحييت، ولكني أرضى وأسلم، قال: فلما جاوزت نادى مناد: أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي. (١)
روى مسلم بسنده عن أنس بن مالك -﵁- أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال: (أتيت بالبراق -وهو دابة أبيض طويل، فوق الحمار ودون البغل- يضع حافره عند منتهى طرفه قال: فركبته حتى أتيت بيت المقدس، قال: فربطته بالحلقة التي يربط بها الأنبياء، قال: ثم دخلت المسجد، فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت، فجاءني جبريل بإناء من الخمر وإناء من لبن، فاخترت اللبن، فقال جبريل: اخترت الفطرة قال: ثم عرج بنا إلى السماء، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد، قيل: وقد بعث إليه؟ ففتح لنا، فإذا أنا بآدم، فرحب بي ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء الثانية، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل،
_________________
(١) هذا حدث متفق على صحته أخرجه مسلم والبخاري.
[ ٤٥٤ ]
قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بابني الخالة عيسى بن مريم، ويحيى بن زكريا، فرحبا [بي]، ودعوا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء الثالثة، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بيوسف إذا هو قد أعطي شطر الحسن، قال: فرحب بي، ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة، فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه؟ ففتح لنا، فإذا أنا بإدريس، فرحب بي ودعا لي بخير، قال الله -﷿-: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾. (١) ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة، فاستفتح جبريل، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بهارون، فرحب ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء السادسة، فاستفتح جبريل، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بموسى -﵇-، فرحب، ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء السابعة، فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بإبراهيم -﵇-، مسندًا ظهره إلى البيت المعمور، فإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه، ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى، فإذا أوراقها كآذان الفيلة، وإذا ثمرها كالقلال، قال: فلما غشيها من أمر الله -﷿- ما غشي تغيرت، فما أحد من خلق الله تعالى يستطيع أن ينعتها من حسنها، فأوحى [الله] إلى ما أوحى، ففرض علي خمسين صلاة في كل يوم وليلة، فنزلت إلى موسى، فقال: ما فرض ربك على أمتك؟ قلت: خمسين صلاة، قال: ارجع إلى ربك، فاسأله التخفيف، فإن أمتك لا تطيق ذلك، فإني قد بلوت ببني إسرائيل وخبرتهم، قال: فرجعت إلى ربي، فقلت: يا رب، خفف عن أمتي، فحط عني خمسًا، فرجعت إلى موسى، فقلت: حط عني خمسًا، فقال: إن أمتك لا يطيقون ذلك، فارجع إلى ربك،
_________________
(١) سورة مريم آية رقم ٥٧
[ ٤٥٥ ]
فاسأله التخفيف، قال: فلم أزل أرجع بين ربي ﵎ وبين موسى -﵇-، حتى قال: يا محمَّد، إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة، بكل صلاة عشر، فذلك خمسون صلاة، ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت عشرًا، ومن هم بسيئة ولم يعملها لم تكتب شيئًا، فإن عملها كتبت سيئة واحدة، قال: فنزلت فانتهيت إلى موسى فأخبرته، فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (قد رجعت إلى ربي حتى استحييت منه).
عن عبد الله بن مسعود -﵁- أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال: (أتيت بالبراق، فركبت خلف جبريل -﵇-، فسار بنا، إذا ارتفع ارتفعت رجلاه، وإذا هبط ارتفعت يداه.
قال: فسار بنا في أرض غمة منتنة، حتى أفضينا إلى أرض فيحاء طيبة، فقلت: يا جبريل! إنا كنا نسير في أرض غمة منتنة، ثم أفضينا إلى أرض فيحاء طيبة؟ قال: تلك أرض النار، وهذه أرض الجنة.
قال: فأتيت على رجل قائم يصلي، فقال: من هذا معك يا جبريل؟ قال: هذا أخوك محمَّد. فرحب بي ودعا لي بالبركة، وقال: سل لأمتك اليسر. فقلت: من هذا يا جبريل؟ فقال: هذا أخوك عيسى ابن مريم ﵊.
قال: فسرنا، فسمعت صوتا وتذمرًا، فأتينا على رجل فقال: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا أخوك محمَّد. فرحب بي ودعا لي بالبركة، وقال: سل لأمتك اليسر. فقلت: من هذا يا جبريل؟ فقال: هذا أخوك موسى. قلت: على من كان تذمره وصوته؟ قال: على ربه. قلت: على ربه؟! قال: نعم، قد عرف ذلك من حدته.
قال: ثم سرنا، فرأينا مصابيح وضوءًا. قال: قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذه شجرة أبيك إبراهيم ﵊، أتدنو منها؟ قلت: نعم. فدنونا، فرحب بي ودعا لي بالبركة.
[ ٤٥٦ ]
ثم مضينا حتى أتينا بيت المقدس، فربطت الدابة بالحلقة التي يربط بها الأنبياء، ثم دخلت المسجد، فنشرت لي الأنبياء: من سمى الله -﷿- منهم ومن لم يسم، فصليت بهم، إلا هؤلاء النفر الثلاثة: إبراهيم، وموسى، وعيسى عليهم الصلاة والسلام). (١)
عن عبد الله بن حوالة -﵁- قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم رأيت ليلة أسري بي عمودًا أبيض كأنه لؤلؤ تحمله الملائكة قلت ما تحملون قالوا نحمل عمود الإِسلام أمرنا أن نضعه بالشام. (٢)
عن الزهري، قال: قال سعيد بن المسيب: إن أبا قتادة بن ربعي أخبره، أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال: (قال الله -﷿-: افترضت على أمتك خمس صلوات، وعهدت عندي عهدًا إنّه من حافظ عليهن لوقتهن أدخلته الجنة، ومن لم يحافظ عليهن، فلا عهد له عندي). (٣).
عن ابن عباس -﵁- قال: (ليلة أسري بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم دخل الجنة فسمع في جانبها خشفًا. فقال: يا جبريل من هذا؟ فقال: هذا بلال المؤذن. فأتى النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم الناس فقال: قد أفلح بلال رأيت له كذا وكذا. قال: ولقيه موسى فرحب به فقال: مرحبا بالنبي الأمي قال: وهو رجل آدم طوال سبط شعره مع أذنيه أو فوقهما. فقال: يا جبريل من هذا؟ فقال: هذا موسى -﵇-، ثم مضى، فلقيه رجل فرحب به. فقال: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا عيسى -﵇-، ثم مضى، فلقيه شيخ جليل مهيب، فرحب به وسلم عليه. وكلهم يسلم عليه. فقال: يا جبريل من هذا؟ قال: هذا أبوك إبراهيم -﵇-. قال: فنظر في النار فإذا قوم يأكلون الجيف. قال: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس. قال: ورأى رجلًا أزرق جعدًا شعثًا إذا رأيته قال: من هذا يا جبريل؟ قال:
_________________
(١) أخرجه الحاكم (٤/ ٦٠٦) ورواه البزار، والطبرانيُّ في الكبير، ورجاله رجال الصحيح.
(٢) أخرجه الربعي في فضائل الشام وقال الألباني إسنادُهُ صحيحٌ.
(٣) حسن - صحيح أبي داود ٤٥٥، الصحيحة ٤٠٣٣.
[ ٤٥٧ ]
هذا عاقر الناقة. قال: فلما أن دخل النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم المسجد الأقصى قام يصلي، ثم التفت فإذا النبيون أجمعون يصلون معه، فلما انصرف جيء بقدحين أحدهما عن اليمين والآخر عن الشمال في أحدهما لبن وفي الآخر عسل فأخذ اللبن فشربه. فقال الذي معه القدح: أصبت الفطرة. (١)
عن أبي هريرة -﵁- قال: قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (حين أسري بي لقيت موسى -﵇- فنعته النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- فإذا رجل -حسبته قال- مضطرب. رجل الرأس. كأنه من رجال شنوءة. قال ولقيت عيسى (فنعته النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم) فإذا ربعة أحمر كأنما خرج من ديماس) (يعني حمامًا) قال، ورأيت إبراهيم صلوات الله عليه. وأنا أشبه ولده به. قال، فأتيت بإناءين أحدهما لبن وفي الآخر خمر. فقيل لي: خذ أيهما شئت. فأخذت اللبن فشربته. فقال: هديت الفطرة. أو أصبت الفطرة. أما إنك لو أخذت الخمر غوت أمتك. (٢)
عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (لقيت إبراهيم ليلة أسري بي، فقال: يا محمَّد: أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر). (٣)
عن جابر بن عبد الله -﵁- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (مررت ليلة أسري بي بالملأ الأعلى، وجبريل كالحلس البالي من خشية الله تعالى). (٤)
_________________
(١) رواه أحمد في مسنده (١/ ٢٥٧) وقال الألباني حديث صحيح وقال ابن كثير في تفسير إسناده صحيح ولم يخرجوه.
(٢) أخرجه البخاريُّ ومسلمٌ.
(٣) حسن التعليق الترغيب ٢/ ٢٤٥ و٢٥٦، الكلم الطب ١٥/ ٦، الصحيحة ١٠٦.
(٤) الأحاديث الصحيحة ٢٢٨٩، السنة ٨٢١.
[ ٤٥٨ ]
عن أبي حذيفة -﵁- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (أتيت بالبراق، وهو دابة أبيض طويل، يضع حافره عند منتهى طرفه فلم نزايل ظهره أنا وجبريل حتى أتيت بيت المقدس، ففتحت لي أبواب السماء، ورأيت الجنة والنار. (١)
عن أنس بن مالك -﵁- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (أتيت ليلة أسري بي على قوم تقرض شفاهم. بمقاريض من نار، كلما قرضت وفت، فقلت يا جبريل من هؤلاء؟ قال: خطباء أمتك الذين يقولون ما لا يفعلون، ويقرؤون كتاب الله ولا يعملون به. (٢)
عن أنس -﵁- قال: أتي النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ليلة أسري به بالبراق مسرجًا، ملجمًا فاستصعب عليه، فقال له جبريل: أبمحمد تفعل هذا؟ فما ركبك أحد أكرم على الله منه، قال: فارفض البراق عرقًا. (٣)
لما كانت الليلة التي أسري بي فيها وجدت رائحة طيبة، فقلت: ما هذه الرائحة الطيبة يا جبريل؟ قال: هذه رائحة ماشطة بنت فرعون وأولادها، قلت: ما شأنها؟ قال: بينا هي تمشط بنت فرعون، إذ سقط المشط من يدها، فقالت: بسم الله، قالت بنت فرعون: أبى؟ فقالت: لا، ولكن ربي ورب أبيك؛ الله، قالت: وإن لك ربًا غير أبي؟ قالت: نعم فأعلمته بذلك، فدعا بها فقال: يا فلانه ألك رب غيري؟ قالت: نعم، ربي وربك الله الذي في السماء، فأمر ببقرة من نحاس فأحميت، ثم أخذ أولادها يلقون فيها واحدًا واحدًا، فقالت: إن لي إليك حاجة، قال: وما هي؟ قالت: أحب أن تجمع عظامي وعظام ولدي في ثوب واحد فتدفنا جميعًا، قال: ذلك لك بما لك علينا من الحق، فلم يزل أولادها يلقون في البقرة حتى انتهى إلى ابن لها رضيع، فكأنها تقاعست من أجله، فقال لها: يا أمه
_________________
(١) حسن (حتم، ع، حب، ك، والضياء) عن حذيفة. الصحيحة ٨٧٤.
(٢) حسن (هب) عن أنس. الاقتضاء ١١١.
(٣) أخرجه أحمد ٣/ ١٦٤ والترمذيُّ (٣١٣٠). قال الألباني صحيح، الإسناد.
[ ٤٥٩ ]
اقتحمي، فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، ثم ألقيت مع ولدها، فكان هذا من الأربعة الذين تكلموا وهم صبيان. (١)
عن محمَّد بن إسحاق، حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ذكر سدرة المنتهى فقال: (يسير في ظل الفنن الراكب مائة سنة) أو قال: (يستظل في ظل الفنن منها مائة راكب) شك يحيى (فيها فراش الذهب كأنما ثمرها القلال). (٢)
عن أنس بن مالك -﵁- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله: صحبه وسلم: (لما عرج بي ربي -﷿- مررت بقوم لهم أظفار من نحاس، يخمشون وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم). (٣)
عن ابن عباس -﵁-، أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال: (ما مررت ليلة أسري بي بملاء من الملائكة، إلا كلهم يقول لي: عليك، يا محمَّد! بالحجامة). (٤)
عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (ما مررت ليلة أسري بي بملاء، إلا قالوا: يا محمَّد! مر أمتك بالحجامة). (٥)
روى أحمد بسنده عن ابن عباس -﵁- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (رأيت ليلة أسرى بي موسى رجلًا آدم طوالًا جعدًا، كأنه من
_________________
(١) الحديث رواه ابن عباس رواه أحمد والبزار والطبرانيُّ في الكبير والأوسط وأخرجه الحاكم ووافقه الذهبي وصححه أحمد شاكر ..
(٢) هذا حديثٌ حسنٌ، ويونس هو ابن بكير، والحديث أخرجه الترمذي (ج٧ ص٣٤٩) وقال: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريب. لكن ليس عند الترمذيُّ تصريح سماع ابن إسحاق.
(٣) صحيح (حم، د) عن أنس الصحيحة ٥٣٣.
(٤) صحيح - الصحيحة ٣٢٦٣، الشكاة ٤٥٤٤.
(٥) صحيح - الصحيحة، المشكاة أيضًا.
[ ٤٦٠ ]
رجال شنوءة، ورأيت عيسى رجلًا مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض، سبط الرأس، ورأيت مالكًا خازن النار والدجال). (١)
عن أنس بن مالك -﵁-، أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال: (أتيت على موسى ليلة أسري بي عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلي في قبره. (٢)
أخبرنا أبو مصعب، قال: حدثنا مالك، عن يحيى بن سعيد، أنه قال: أسري برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فرأى عفريتًا من الجن، يطلبه بشعلة من نار، كلما التفت النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم رآه، فقال جبريل: ألا معلمك كلمات تقولهن، إذا قلتهن طفئت شعلته، وخر لفيه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: بلى قال جبريل: قل: أعوذ بوجه الله الكريم، وبكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، من شر ما ينزل من السماء وشر ما يعرج فيها، ومن شر ما ذرئ في الأرض وشر ما يخرج منها، ومن شر فتن الليل والنهار، ومن طوارق الليل، إلا طارق يطرق بخير، يا رحمان. (٣)
روى مسلم بسنده عن عبد الله بن مسعود قال: لما أسري برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم انتهى به إلى سدرة المنتهى، وهي في السماء السادسة، إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض، فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها، فيقبض منها، قال ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ قال: فراش من ذهب، قال: فأعطي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ثلاثًا: أعطي الصلوات الخمس، وأعطى خواتم سورة البقرة،
_________________
(١) (صحيح) (حم، ق) عن ابن عباس.
(٢) أخرجه مسلمٌ والنسائيُّ.
(٣) هذا الحديث مرسل له حكم الرفع وله شواهد كثيرة انظر تخريج الألباني سلسلة الأحاديث الصحيحة المجلد السادس حديث رقم ٢٧٣٨.
[ ٤٦١ ]
وغفر لمن لا يشرك بالله من أمته شيئًا المقحمات. (١)
لقيت ليلة أسرى بي إبراهيم وموسى وعيسى، فتذاكروا أمر الساعة، فردوا أمرهم إلى إبراهيم، فقال: لا علم لي بها، فردرا الأمر إلى موسى، فقال: لا علم لي بها، فردوا الأمر إلى عيسى، فقال أما وجبتها فلا يعلم بها أحد إلا الله، وفيما عهد إلي ربي: أن الدجال خارج ومعي قضيبان، فإذا رآني ذاب كما يذوب الرصاص، فيهلكه الله إذا رآني، حتى إن الحجر والشجر: ليقول يا مسلم إن تحتي كافرًا فتعال فاقتله، فيهلكهم الله ثم يرجع الناس إلى بلادهم وأوطانهم، فعند ذلك يخرج يأجوج ومأجوج ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ فيطؤون بلادهم، لا يأتون على شيء إلا أهلكوه، ولا يمرون على ماء إلا شربوه ثم يرجع الناس إليَّ، فيشكونهم، فأدعو الله عليهم، فيهلكهم ويميتهم حتى تجوي الأرض من نتن ريحهم، فينزل الله المطر، فيجترف أجسادهم، حتى يقذفهم في البحر، ثم تنسف الجبال، وتمد الأرض مد الأديم، ففيما عهد إلي ربي: أن ذلك إذا كان كذلك فإن الساعة كالحامل المتم، لا يدري أهلها من تفجؤهم بولادتها ليلًا أو نهارًا. (٢)
رؤية النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم جبريل (﵇) في صورته
روى بسنده عن عبد الله -﵁-: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ قال: رأى رفرفًا أخضر سد أفق السماء.
روى أحمد بسنده عن ابن مسعود أنه قال في هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾، قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (رأيت جبريل عند سدرة المنتهى،
_________________
(١) هذا الحديث صحيح. أخرجه مسلمٌ (١٧٣) في الإيمان. المقحمات: أراد الذنوب العظام التي تقحم أصحابها في النار، أي: تلقهم فيها، والقحم: الأمور الشاقة، وقوله ﷾: ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ [ص: ٥٩] أي: داخل معكم النار.
(٢) (حم، ٥، ك- عن ابن مسعود). قال أحمد شاكر إسنادُهُ صحيحٌ.
[ ٤٦٢ ]
عليه ستمائة جناح ينثر من ريشه التهاويل والدر والياقوت). (١)
روح أحمد بسنده عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (رأيت جبريل على السدرة المنتهى، وله ستمائة جناح (قال: سألت عاصمًا عن الأجنحة، فأبى أن يخبرني، قال: فأخبرني بعض أصحابه الجناح ما بين المشرق والمغرب. (٢)
روى أحمد بسنده عن ابن مسعود أنه قال: إن محمدًا لم ير جبريل في صورته إلا مرتين، أما مرة فإنه سأله أن يريه نفسه في صورته، فأراه صورته فسد الأفق، وأما الأخرى فإنه صعد معه حين صعد به، وقوله: ﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾. قال: فلما أحس جبريل ربه عاد في صورته وسجد، فقوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾. قال: خلق جبريل ﵇. (٣)
روى ابن جرير بسنده عن عبد الله بن مسعود -﵁- قال: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ قال جبريل في وبر رجليه كالدر مثل القطر على البقل. (٤)
روى أبي نعيم بسنده عن شريح بن عبيد قال: لما صعد النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم إلى السماء فأوحى الله إلى عبده ما أوحى، فخر جبريل ساجدًا حتى قضى الله إلى عبده ما قضى، ثم رفع رأسه فرأيته في خلقته التي خلق عليها منظوم أجنحته بالزبرجد واللؤلؤ والياقوت، فخيل لي أن ما بين عينيه قد سد الأفق، وكنت لا أراه قبل
_________________
(١) ج ١/ ٤١٢.
(٢) ج ١/ ٤٠٧.
(٣) رواه أحمد ج ١/ ٤٠٧.
(٤) ابن جرير (٢٧/ ٥١) وصححه الألباني.
[ ٤٦٣ ]
ذلك إلا على صور مختلفة، وأكثر ما كنت أراه على صورة دحية الكلبي، وكنت أحيانًا لا أراه قبل ذلك، إلا كما يرى الرجل صاحبه من وراء الغربال. (١)
أخبرنا روح ابن عبادة، نا حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة، عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال: (رأيت رأيت جبريل قد هبط فملأ ما بين الخافقين عليه ثياب سندس معلق فيه اللؤلؤ والياقوت). (٢)
عن عبد الرحمن يقول: (أخبرني جابر بن عبد الله أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يقول: ثم فتر عني الوحي، فبينما أنا أمشي سمعت صوتًا من السماء، فرفعت بصري إلى السماء، فإذا الملك جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء والأرض). (٣)
هل رأى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ربه ليلة أسرى به
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع عن يزيد بن إبراهيم، عن قتادة، عن عبد الله بن شقيق، عن أبي ذر، قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم هل رأيت ربك؟ قال: (نور أنى أراه). (٤)
روى البخاري ومسلمٌ بسنديهما عن عبد الله بن شقيق، قال: قلت لأبي ذر: لو رأيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم لسألته. فقال: عن أي شيء كنت تسأله؟ قال: كنت أسأله هل رأيت ربك؟ قال أبو ذر: قد سألت فقال: (رأيت نورًا). (٥)
_________________
(١) دلائل أبي نعيم: ج١/ ٢٨٨.
(٢) الحلة من رفوف هي الثياب السندس وهو الديباج الرقيق الحسن الصنعة مزين بالدر واللؤلؤ والياقوت ولون الثوب أخضر.
(٣) رواه البخاري. كان هذا بجياد في سنوات الفترة.
(٤) أخرجه البخاريُّ ومسلمٌ.
(٥) أخرجه البخاريُّ ومسلمٌ.
[ ٤٦٤ ]
حديث عائشة. عن مسروق قال: قلت لعائشة -﵂- يا أمتاه هل رأى محمَّد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ربه؛ فقالت لقد قف شعري مما قلت، أين أنت من ثلاث من حدثكهن فقد كذب: من حدثك أن محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم رأى ربه فقد كذب، ثم قرأت ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾، وما كان لبشرٍ أن يكلمه الله إلا وحيًا أو من وراء حجاب- ومن حدثك أنه يعلم ما في غدٍ فقد كذب، ثم قرأت ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ ومن حدثك أنه كتم فقد كذب، ثم قرأت ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ الآية ولكنه رأى جبريل -﵇- في صورته مرتين. (١)
حديث عائشة -﵂- قالت من زعم أن محمدًا رأى ربه فقد أعظم، ولكن قد رأى جبريل في صورته، وخلقه ساد ما بين الأفق. (٢)
حدثنا يحيى بن آدم حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله في قوله: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم جبريل في حلة من رفرف، قد ملأ ما بين السماء والأرض. (٣)
قالت: أنا والله أول من سأل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم عن هذا، قال: (إنما ذلك جبريل، ما رأيته في الصورة التي خلق فيها غير هاتين المرتين، رأيته منهبطًا من السماء سادًا عظم خلقه ما بين السماء والأرض). (٤)
أعطاه الله الكوثر
روى الترمذيُّ بسنده عن أنس -﵁- في قوله: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ أن النبي
_________________
(١) أخرجه البخاري في: ٦٥ - كتاب التفسير: ٥٣ - سورة والنجم: ١ - باب حدثنا يحيى حدثنا وكيع.
(٢) أخرجه البخاريُّ في: ٥٩ - كتاب بدء الخلق: ٧ - باب إذا قال أحدكم أمين والملائكة في السماء.
(٣) أخرجه الطيالسي ٣/ ٢٣ برقم ١٩٧٥ والترمذيُّ ٤/ ١٩٠ وقال حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
(٤) متفق عليه. هذه النزلة الأولى كانت في جياد أولى المبعث.
[ ٤٦٥ ]
صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال: (هو نهر في الجنة حافتاه قباب عن لؤلؤ، فقلت: يا جبريل، ما هذا؟ قال: هو الكوثر الذي أعطاكه الله (﵎)، (ورفعت لي سدرة (المنتهى)، منتهاها في السماء السابعة). (١)
روى البخاري بسنده عن أنس -﵁-، لما عرج بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم إلى السماء قال: (أتيت على نهر حافتاه قباب اللؤلؤ مجوفًا، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر). (٢)
روى البخاري بسنده عن أبي عبيدة عن عائشة -﵂-، قال: سألتها عن قوله تعالى ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾، قالت: نهر أعطيه نبيكم - ﷺ - شاطئاه عليه در مجوف، آنيته كعدد النجوم.
روى البخاري بسنده عن شريك بن عبد الله أنه قال: سمعت ابن مالك يقول: فذكر الحديث وفيه قال: ثم عرج به إلى السماء الدنيا وذكر الحديث إلى أن قال: ثم مضى به في السماء فإذا هو بنهر آخر عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد فضرب يده فإذا هو مسك، قال: (ما هذا يا جبريل؟) قال: هذا الكوثر الذي خبأ لك ربُكَ، ثم عرج إلى السماء الثانية. (٣)
روى أبو داود بسنده عن أنس بن مالك قال: لما عرج بنبي الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في الجنة، أو كما قال، عرض له نهر حافتاه الياقوت المجيب، أو قال: المجوف، فضرب الملك الذي معه يده، فاستخرج مسكًا، فقال محمَّد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم للملك الذي معه: (ما هذا؟) قال: هذا الكوثر الذي أعطاك الله -﷿-. (٤)
روى الترمذيُّ بسنده عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله
_________________
(١) صحيح أخرجه الترمذيُّ في جامعه رقم ٣٣٥٩.
(٢) رواه البخاري ج ٦/ ٢١٩ كتاب التفسير سورة ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾.
(٣) ج ٩/ ١٨٣ كتاب التوحيد باب قوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾.
(٤) أبو داود ٥/ ١١١ كتاب السنة باب في الحوض ح ٤٧٤٨.
[ ٤٦٦ ]
وصحبه وسلم: (الكوثر نهر في الجنة، حافتاه من ذهب، ومجراه على الدر والياقوت، تربته أطيب من المسك، وماؤه أحلى من العسل، وأبيض من الثلج. (١)
روى أحمد بسنده عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال: (بينما أنا أسير في الجنة، وإذا أنا بنهر حافتاه قباب الدر، قال: قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك -﷿-، قال: فضربت بيدي فإذا طينه مسك أذفر). (٢)
قريش تسأل الرسول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم عن مسراه
روى الإمام أحمد بسنده عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (لما كان ليلة أسري بي: أصبحت بمكة، فظعت بأمري؛ وعرفت أن الناس مكذبي، فقعدت معتزلًا حزينًا، قال: فمر عدو الله، أبو جهل، فجاء حتى جلس إليه فقال له كالمستهزئ: هل كان من شيء؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (نعم) قال: ما هو؟ قال: (إنه أسري بي الليلة) قال: إلى أين؟ قال: (إلى بيت المقدس) قال: ثم أصبحت بين ظهرانينا؟ قال: (نعم) قال: فلم ير أنه يكذبه مخافة أن يجحده الحديث إذا دعا قومه إليه قال: أرأيت إن دعوت قومك تحدثهم ما حدثتني. فقال رسول الله صلى الله عليه: على آله وصحبه وسلم: (نعم) فقال: هيا معشر بني كعب بن لؤي قال: فانتفضت إليه المجالس وجاءوا حتى جلسوا إليهما قال: حدث قومك بما حدثتني فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (إني أسري بي الليلة) قالوا: إلى أين؟ قلت: (إلى بيت المقدس) قالوا: ثم أصبحت بين ظهرانينا؟ قال: (نعم) قال: فمن بين مصفق، ومن بين واضع يده على رأسه متعجبًا للكذب زعم قالوا: وهل
_________________
(١) رواه الترمذيُّ ٥/ ٤٥٠ كتاب تفسير القرآن باب ومن سورة الكوثر ح ٣٣٦١.
(٢) مسند الإمام أحمد ج ٣/ ٢٨٩.
[ ٤٦٧ ]
تستطع أن تنعت لنا المسجد وفي القوم من قد سافر إلى ذلك البلد ورأى المسجد؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (فذهبت أنعت فما زلت أنعت حتى التبس علي بعض النعت، قال فجيء بالمسجد وأنا أنظر حتى وضع دون دار عقال أو عقيل، فنعته وأنا أنظر إليه، قال وكان مع هذا نعت لم أحفظه: فقال القوم: أما النعت فوالله لقد أصاب. (١)
عن ابن عباس -﵁- قال: أسري بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم إلى بيت المقدس ثم جاء من ليلته فحدثهم بمسيره، وبعلامة بيت المقدس، وبعيرهم قال: قال: أناس نحن لا نصدق محمدًا فارتدوا كفارًا، فضرب الله أعناقهم مع أبي جهل، قال: وقال أبو جهل: يخوفنا محمَّد بشجرة الزقوم؟ هاتوا تمرًا وزبدًا تزقموا. قال: ورأي الدجال في صورته رؤيا عين ليس رؤيا منام وعيسى بن مريم وإبراهيم .. قال: فسئل النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم عن الدجال فقال: (رأيته فيلمانيًا أقمر هجانًا إحدى عينيه قائمة كأنها كوكب دري، كأن شعره أغصان شجرة. ورأيت عيسى شابًا أبيض جعد الرأس، حديد البصر، مبطن الخلق. ورأيت موسى أسحم، آدم، كثير الشعر شديد الخلق. ورأيت إبراهيم فلا انظر إلي إرب من آرابه إلا نظرت إليه كأنه صاحبكم). قال: (وقال لي جبريل: سلم على أبيك، فسلمت عليه). (٢)
عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (لقد رأيتني في الحجر. وقريش تسألني عن مسرائي، فسألوني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها، فكربت كربًا، ما كربت مثله قط. فرفعه الله لي، أنظر إليه. فما سألوني عن شيء إلا أتيتهم به، وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء، وإذا موسى -﵇- قائم يصلي، فإذا رجل ضرب، (جعد)، كأنه من رجال شنوءة. وإذا عيسى قائم يصلي، أقرب الناس به شبهًا: عروة بن مسعود الثقفي. وإذا إبراهيم قائم يصلي، أشبه
_________________
(١) هذا حديث صحيح على شرط الشيخين.
(٢) أخرجه أحمد ١/ ٣٧٤.
[ ٤٦٨ ]
الناس به: صاحبكم يعني نفسه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فحانت الصلاة، وأممتهم. فلما فرغت من الصلاة، قال لي قائل: يا محمَّد: هذا مالك، صاحب النار، فسلم عليه. فالتفت إلي فبدأني بالسلام. (١)
روى الحاكم بسنده عن عائشة -﵂-، قالت: لما أسري بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، إلى المسجد الأقصى أصبح يتحدث الناس بذلك، فارتد ناس ممّن كانوا آمنوا به وصدقوه، وسعوا بذلك إلى أبي بكر -﵁-، فقالوا: هل لك إلى صاحبك يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس. قال: أو قال ذلك؟ قالوا: نعم. قال: لئن كان قال ذلك لقد صدق، قالوا: أو تصدقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح؟ قال: نعم إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء في غدوة أو روحه. فلذلك سمي أبو بكر الصديق.
عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال: (لما كذبتني قريش قمت في الحجر فجلى الله لي بيت المقدس فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه). (٢)
عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾. قال: هي رؤيا عين أريها النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ليلة أسري به إلى بيت المقدس ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾. قال: هي شجرة الزقوم.
إمامة جبريل (﵇) لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم عند فرض الصلوات الخمس
حدثنا أحمد بن يوسف، قال ثنا عبد الرزاق، قالا ثنا سفيان عن عبد الرحمن بن
_________________
(١) أخرجه مسلمٌ في صحيحه.
(٢) المستدرك ج ٣/ ٦٢.
[ ٤٦٩ ]
الحارث، قال ثني حكيم بن حكيم، عن نافع بن جبير عن ابن عباس -﵄- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (أمّني جبريل -﵇- عند البيت، فصلى بي الظهر حين زالت الشمس فكانت بقدر الشراك، ثم صلى بي العصر حين صار ظل كل شيء مثله، ثم صلى بي المغرب حين أفطر الصائم، ثم صلى بي العشاء حين غاب الشفق، ثم صلى بي الفجر حين حرم الطعام والشراب على الصائم، ثم صلى بي الغد الظهر حين كان ظل كل شيء مثله، ثم صلى بي العصر حين كان ظل كل شيء مثليه، ثم صلى بي المغرب حين أفطر الصائم لوقت واحد، ثم صلى بي العشاء إلى ثلث الليل الأول، ثم صلى بي الفجر فأسفر بها، ثم التفت إلي فقال: يا محمد، هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت فيما بين هذين الوقتين). (١)
_________________
(١) رواهما أيضًا أحمد وأبو داود والترمذيُّ وحسنه، وابن حبان وابن خزيمة وصححاه، والشافعيُّ والحاكم وقال صحيح الإسناد، والبيهقيُّ وعبد الرزاق.
[ ٤٧٠ ]
صعود النبي (ﷺ) في المعراج إلى السماء
قال ابن إسحاق: وحدثني من لا أتهم، عن أبي سعيد الخدري، -﵁-، أنه قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "لما فرغت مما كان في بيت المقدس، أُتِيَ بالمعراج، ولم أر شيئًا قط أحسن منه، وهو الذي يمد إليه ميتكم عينيه إذا حُضِرَ، فأصعدني صاحبي فيه، حتى انتهى بي إلى باب من أبواب السماء".
أخبرنا محمد بن عمر بأسانيده فذكر الحديث وفيه: أتاه جبريل وميكائيل فقالا: انطلق إلى ما سألت الله، فانطقا به إلى ما بين المقام وزمزم، فأتي بالمعراج فإذا هو أحسن شيء منظرًا، فعرجا به إلى السماوات سماءً سماءً، فلقي فيها الأنبياء. (١)
روى بسنده عن أبي سعيد الخدري فذكر الحديث وفيه قال النبي - ﷺ -: "ثم دخلت أنا وجبريل -﵇- بيت المقدس فصلى كل واحد منا ركعتين، ثم أتيت بالمعراج الذي تعرج عليه أرواح بني آدم فلم ير الخلائق أحسن من المعراج، ما رأيتم الميت حين يشق بصره طامحًا إلى السماء فإنما يشق بصره طامحًا إلى السماء عجبًا بالمعراج"، قال: "فصعدت أنا وجبريل ". (٢)
فائدة عظيمة
قال الحافظ ابن كثير: "والحق أنه ﵊ أسري به يقظة لا منامًا من مكة إلى بيت المقدس راكبًا البراق. فلما انتهى إلى باب المسجد ربط الدابة عند الباب ودخله، فصلى في قبلته، تحية المسجد ركعتين، ثم أتي بالمعراج، وهو كالسلم ذو درجٍ، يرقى فيها، فصعد فيه إلى السماء الدنيا ثم إلى بقية السماوات السبع فتلقاه من كل سماء مقربوها وسلم على الأنبياء الذين في السماوات بحسب منازلهم ودرجاتهم، حتى مر بموسى الكليم في السادسة، وإبراهيم الخليل في السابعة (٣)، ثم جاوز منزلتيهما، ﷺ وعليهما وعلى سائر الأنبياء، حتى انتهى إلى مستوى يسمع فيه
_________________
(١) ابن سعد: ج ١/ ٢١٣.
(٢) دلائل البيهقي: ج ٢/ ٣٩١.
(٣) قلت وآدم في السماء الأولى ويحيى وعيسى في الثانية ويوسف في الثالثة وإدريس في الرابعة وهارون في الخامسة.
[ ٤٧١ ]
صريف الأقلام، أي: أقلام القدر بما هو كائن. ورأى سدرة المنتهى وغشيها من أمر الله تعالى عظمة عظيمة من فراش من ذهب وألوان متعددةٍ، وغشيتها الملائكة.
ورأى هناك جبريل على صورته وله ستمائة جناح.
ورأى رفرفًا أخضر قد سد الأفق.
ورأى البيت المعمور، وإبراهيم الخليل باني الكعبة الأرضية مسند ظهره إليه؛ لأن الكعبة السماوية يدخله كل يوم سبعون ألفًا من الملائكة، يتعبدون فيه ثم لا يعودون إليه إلى يوم القيامة.
ورأى الجنة والنار، وفرض الله عليه هنالك الصلوات خمسين، ثم خففها إلى خمس، رحمة منه ولطفًا بعباده، وفي هذا اعتناء عظيم بشرف الصلاة وعظمتها.
ثم هبط إلى بيت المقدس، وهبط معه الأنبياء، فصلى بهم فيه لما حانت الصلاة. ويحتمل أنها الصبح من يومئذ، ومن الناس من يزعم أنه أمهم في السماء، والذي تظاهرت به الروايات أنه ببيت المقدس، ولكن في بعضها أنه كان أول دخوله إليه. والظاهر أنه بعد رجوعه إليه؛ لأنه لما مر بهم في منازلهم جعل يسأل عنهم جبريل واحدًا واحدًا، وهو يخبره بهم، وهذا هو اللائق؛ لأنه كان أولًا مطلوبًا إلى الجناب العلويِّ؛ ليفرض عليه وعلى أمته ما يشاء الله تعالى، ثم لما فرغ من الذي أريد به، اجتمع هو وإخوانه من النبيين، ثم أظهر شرفه وفضله عليهم بتقديمه في الإمامة، وذلك عن إشارة جبريل -﵇- له في ذلك.
ثم خرج من بيت المقدس فركب البراق، وعاد إلى مكة بغلس. والله ﷾ أعلم.
وأما عرض الآنية عليه من اللبن والعسل، أو اللبن والخمر، أو اللبن والماء، أو الجميع؛ فقد ورد أنه في بيت المقدس، وجاء أنه في السماء، ومحتمل أنه ها هنا وها هنا؛ لأنه كالضيافة للقادم، والله أعلم". (١)
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٥/ ٣٩ - ٤٠).
[ ٤٧٢ ]
قال ابن إسحاق بسنده عن عبد الله بن عباس، عن نفر من الأنصار، أن رسول الله - ﷺ - قال لهم. "ما كنتم تقولون في هذا النجم الذي يرمي به؟ " قالوا: يا نبي الله، كنا نقول حين رأيناها يُرمى بها: مات ملكٌ، مُلِّكَ مَلِكٌ، وُلِد مولودٌ، مات مولودٌ، فقال رسول الله - ﷺ -: "ليس ذلك كذلك، ولكن الله، ﵎، كان إذا قضى في خلقه أمرًا سمعه حملة العرش، فسبحوا فسبح من تحتهم، فسبح لتسبيحهم من تحت ذلك، فلا يزال التسبيح، يهبط حتى ينتهي إلي السماء الدنيا فيسبحوا، ثم يقول بعضهم لبعض: مم سبَّحتم؟ فيقولون: سبح من فرقنا فسبحنا لتسبيحهم، فيقولون: ألا تسألون من فوقكم مم سبَّحوا، فيقولون مثل ذلك، حتى ينتهوا إلى حملة العرش، فيقال لهم: مم سبَّحتُم؟ فيقولون: قضى الله في خلقه كذا وكذا، للأمر الذي كان، فيهبط به الخبر من سماء إلى سماء، حتى ينتهي إلى السَّماءِ الدنيا، فيتحدثوا به، فتسرقه الشياطين بالسمع على توهم واختلاف، ثم يأتُوا به الكهان من أهل الأرض فيحدثوهم به، فيخطئون ويصيبون، فيتحدث به الكهان فيصيبون بعضًا ويخطئون بعضًا، ثم إن الله -﷿- حجب الشياطين بهذه النجوم التي يقذفون بها، فانقطعت الكهانة اليوم، فلا كهانةَ".
روى البيهقي عن ابن عباس قال: لم تكن سماء الدنيا تحرس في الفترة بين عيسى ومحمَّد - ﷺ - وكانوا يقعدون منها مقاعد للسمع، فلما بعث الله، -﷿- محمدًا - ﷺ - حرست السماء حرسًا شديدًا، ورجمت الشياطين، فأنكروا ذلك، فقالوا: لا ندري أشرٌّ أريد بمن في الأرض أم أراد ربهم رَشَدًا. فقال إبليس: لقد حدث في الأرض حدث فاجتمعت إليه الجن، فقال: تفرقوا في الأرض فأخبروني ما هذا الخبر الذي حدث في السماء وكان أول بعثٍ بعث ركبٌ في أهل نصيبين وهم أشراف الجن وسادتهم فبعثهم إلى تهامة فاندفعوا حتى بلغوا الوادي، وادي نخلة، فوجدوا نبي الله - ﷺ - يصلي صلاة الغداة ببطن نخلة فاستمعوا فلما سمعوه يتلو القرآن، قالوا: أنصتوا ولم يكن نبي الله - ﷺ - علم أنهم استمعوا إليه وهو يقرأ القرآن
[ ٤٧٣ ]
فلما قضي، يقول فلما فرغ من الصلاة، ولُّوا إلى قومهم منذرين يقول: مؤمنين (١)
روى الترمذيُّ بسنده عن ابن عباس قال: كان الجن يصعدون إلى السماء يسمعون الوحي، فإذا سمعوا الكلمة زادوا فيها تسعًا، فأما الكلمة فتكون حقًا، وأما ما زاد فيكون باطلًا، فلما بعث رسول الله - ﷺ - منعوا مقاعدهم، فذكروا ذلك لإبليس ولم تكن النجوم يرمى بها قبل ذلك، فقال لهم إبليس: ما هذا إلا من أمر قد حدث في أرض، فبعث جنوده، فوجدوا رسول الله - ﷺ - قائمًا يصلي بين جبلين أراه قال: بمكة، فأتوه، فأخبروه، فقال: هذا الذي حدث في الأرض (٢).
جنود إبليس يبعثون في الأرض
روى أبي نعيم بسنده عن أبي هريرة لما بعث رسول الله - ﷺ - أصبح كل صنم منكسًا فأتت الشياطين إبليس فقالت له: ما على الأرض من صنم إلا وقد أصبح منكسًا، قال: هذا نبي قد بعث فالتمسوه في قرى الأرياف، فالتمسوه، فقالوا: لم نجده، قال: أنا صاحبه، فخرج يلتمسه فنودي عليك بحبة القلب -يعني مكة- فالتمسه بها فوجده عند قرن الثعالب، فخرج إلى الشياطين فقال: قد وجدته معه جبريل، ﵇، فما عندكم؟ قالوا: نزين الشهرات في أعين أصحابه، ونحببها إليهم قال: فلا شيء إذن (٣).
وروى أبي نعيم بسنده عن عبد الله ابن عمرو قال: لما كان اليوم الذي تنبأ فيه رسول الله - ﷺ - منعت الشياطين السماء، ورميت بالشهب، فجاؤوا إلى إبليس فذكروا ذلك، فقال أمر قد حدث، هذا نبي قد خرج عليكم بالأرض المقدسة مخرج بني إسرائيل، قال: فذهبوا إلى الشام ثم رجعوا إليه فقالوا: ليس بها أحد، فقال إبليس: أنا صاحبه فخرج في طلبه بمكة، فإذا رسول الله - ﷺ - بحراء منحدرًا، معه جبريل، -﵇-، فرجع إلى أصحابه فقال: قد بعث أحمد ومعه جبريل فما عندكم؟ قالوا: الدنيا نحببها إلى الناس، قال: فذلك إذن (٤).
_________________
(١) دلائل النبوة للبيهقي: ج ٢/ ٢٤١.
(٢) الترمذيُّ: ج ٥/ ٤٢٧ كتاب تفسير القرآن باب سورة الجن ح٣٣٢٤.
(٣) دلائل أبي نعيم: ج ١/ ٢٩٤.
(٤) دلائل أبي نعيم: ج ١/ ٢٩٥.
[ ٤٧٤ ]
وروى أبي نعيم بسنده عن أنس بن مالك، -﵁-، قال: إن إبليس ما بين قدميه إلى كعبيه مسيرة كذا وكذا، وإن عرشه لعلى البحر، ولو ظهر للناس لعبد، قال: فلما بعث الله -﷿- محمدًا - ﷺ - وهو يجمع بكيده، فانقض عليه جبريل، -﵇-، فدفعه بمنكبه فألقاه بوادي الأردن (١).
وروى أبي نعيم بسنده عن سفيان الهذلي قال: خرجنا في عير لنا إلى الشام، فلما كنا بين الزرقاء ومعان قد عرسنا من الليل، فإذا بفارس يقول وهو بين السماء والأرض: أيها النيام هبوا، فليس هذا حين رقاد، قد خرج أحمد، وقد طردت الجن كل مطرد، ففزعنا ونحن رفقة حزاوِرَةٌ، كلهم قد سمع بهذا، فرجعنا إلى أهلنا، فإذا هم يذكرون اختلافًا بمكة بين قريش ونبي خرج فيهم من بني عبد المطلب اسمه أحمد (٢).
عن تميم الداري قال: كنت بالشام حين بعث رسول الله - ﷺ - فخرجت إلى بعض حاجتي، فأدركني الليل، فقلت: أنا في جوار عظيم هذا الوادي، فلما أخذت مضجعي إذا مناد ينادي لا أراه: عذ بالله، فإن الجن لا تجير أحدًا على الله تعالى. فقلت: أيم تقول؟ فقال: قد خرج رسول الأميِّين، رسول الله، وصلينا خلفه بالحَجُونِ، وأسلمنا واتبعناه، وذهب كيد الجن، ورميت بالشهب، فانطلق إلى محمد فأسلم (٣).
_________________
(١) دلائل أبي نعيم: ج ١/ ٢٩٧.
(٢) دلائل أبي نعيم: ج ١/ ١٣٣.
(٣) عيون الأثر: ج ١/ ٦٨.
[ ٤٧٥ ]
أول وفود الجن والرسول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم عامدًا إلى عكاظ
عن ابن عباس قال: ما قرأ رسول الله - ﷺ -؛ على الجن ولا رآهم، انطلق رسول الله - ﷺ -، في طائفة من أصحابه، عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم، فقالوا: ما لكم؟ قالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب، فقالوا: ما حال بيننا وبين خبر السماء إلا من حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فانظروا ما هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء، قال: فانطلقوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها يبتغون ما هذا الذي حال بينهم وبين خبر السماء، فانصرف أولئك النفر الذين توجهوا نحو تهامة إلى رسول الله - ﷺ - وهو بنخلة عامدًا إلى سوق عكاظ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له فقالوا: هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء، قال: فهنالك رجعوا إلى قومهم فقالوا: يا قومنا إنا سمعنا قرأنا عجبا يهدي إلى الرشد فأمنا به ولن نشرك بربنا أحدًا. فأنزل الله ﵎ على نبيه - ﷺ -: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ (١) وإنما أوحي إليه قول الجن (٢).
عن ابن عباس قال: قول الجن لقومهم: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ (٣) قال: لما رأوه يصلي وأصحابه يصلون كصلاته ويسجدون بسجوده قال: تعجبوا من طواعية أصحابه له قالوا لقومهم: لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدًا.
_________________
(١) سورة الجن - آية ١.
(٢) البخاري ج ٦/ ١٩٩.
(٣) سورة الجن - آية ١٩.
[ ٤٧٦ ]
سورة الجن
﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (٢) وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (٣) وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا (٤) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (٥) وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦) وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا (٧) وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩) وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (١٠) وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا (١١) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا (١٢) وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا (١٣) وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (١٤) وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥) وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (١٧) وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨) وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (١٩)﴾
[ ٤٧٧ ]
ليلة الجن واستماعهم للقرآن وإيذان الشجرة لهم
أخرج البخاري في صحيحه بسنده عن معن بن عبد الرحمن قال: سمعت أبي قال: سألت مسروقًا، من آذن النبي - ﷺ - بالجن ليلة استمعوا القرآن، فقال: حدثني أبوك -يعني عبد الله بن مسعود- أنه آذنت بهم شجرة.
استماع الجن للقرآن في نخلة
حدثنا أبو علي الحافظ أبا عبدان الأهوازي ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا أبو أحمد الزبيري ثنا سفيان عن عاصم عن زر عن عبد الله قال هبطوا على النبي ﵌ وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة فلما سمعوه قالوا انصتوا قالوا صه وكانوا سبعة أحدهم زوبعة فأنزل الله -﷿- ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا﴾ الآية إلى ضلال مبين (١).
﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٢)﴾
أخبرني أحمد بن محمد العنبري ثنا عثمان بن سعيد ثنا عبد الله بن صالح ثنا معاوية بن صالح عن أبي الزاهرية عن جبير بن نفير عن أبي ثعلبة الخشني -﵁- قال قال رسول الله ﵌ الجن ثلاث أصناف صنف لهم أجنحة يطيرون في الهواء وصنف حيات وكلاب وصنف يحلون ويظعنون (٢).
_________________
(١) صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك ج ٢/ ٤٥٦ وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
[ ٤٧٨ ]
ليلة الجن في المرة الأولى
أخرج الإمام مسلم (١) في صحيح وأبو عوانة (٢) الإسفرائيني وأبو داود (٣) الطيالسي في مسنديهما عن عامر، قال: سألت علقمة: هل كان ابن مسعود شهد مع رسول الله - ﷺ - ليلة الجن. قال، فقال علقمة: أنا سألت ابن مسعود فقلت هل شهد أحد منكم مع رسول الله - ﷺ - ليله الجن؟ قال: لا ولكنا فقدناه ونحن بمكة ذات ليلة فالتمسناه في الأودية والشعب فقلنا: أستطير أو اغتيل قال: فبتنا بشر ليله بات بها قوم فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء قال. قلنا: يا رسول الله. فقدناك فطلبناك فلم نجدك. فبتنا بشر ليلة بات بها قوم فقال: أتاني داعي الجن فذهبت معه فقرأت عليهم القرآن". قال: فانطلق بنا فأرانا آثار نيرانهم. وسألوه الزاد فقال: لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما وكل بعرة علف لدوابكم. فقال رسول الله - ﷺ -: "فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم".
روى البخاري بسنده عن أبي هريرة -﵁- "أنه كان يحمل مع النبي - ﷺ - إداوة لوضوئه وحاجته. فبينما هو يتبعه بها فقال: من هذا؟ فقال: أنا أبو هريرة. فقال: أبغني أحجارًا استنقض بها، ولا تأتني بعظم ولا بروثة. فأتيته بأحجار أحملها في طرف ثوبي حتى وضعت إلى جنبه ثم انصرفت، حتى إذا فرغ مشيت معه فقلت: ما بال العظم والروثة؟ قال: هما من طعام الجن، وإنه أتاني وفد جن نصيبين -ونعم الجن- فسألوني الزاد، فدعوت الله لهم أن لا يمروا بعظم ولا بروثة إلا وجدوا عليها طعمًا" (٤)
_________________
(١) صحيح مسلم ج١ ص٤٣٣٢ - كتاب الصلاة حديث رقم ١٥٠.
(٢) مسند أبي عوانة ج١ ص ٢١٨، ٢١٩ باب لا تستنجوا بالعظام ولا البعر.
(٣) مسند الطيالسي ص ٢٧ حديث رقم ٢٨١.
(٤) رواه البخاري في الفتح برقم ٣٨٦٠.
[ ٤٧٩ ]
روى الترمذيُّ بسنده عن جابر بن عبد الله -﵁- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: "لقد قرأتها -يعني سورة الرحمن- على الجن ليلة الجن، فكانوا أحسن مردودًا منكم، كنت كلما أتيت على قوله ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ قالوا: ولا بشيءٍ من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد" (١).
ليلة الجن في المرة الثانية
أخرج الترمذيُّ في جامعه قال: حدثنا محمَّد بن بشار أخبرنا محمَّد بن أبي عدي عن جعفر بن ميمون عن أبي تميمة الهجيمي عن أبي عثمان عن ابن مسعود قال: صلى رسول الله - ﷺ - العشاء ثم انصرف فأخذ بيد عبد الله بن مسعود حتى خرج به إلى بطحاء مكة، فأجلسه ثم خط عليه خطًا، ثم قال: لا تبرحن خطك فإنه سينتهي إليك رجال فلا تكلمهم فإنهم لن يكلموك ثم مضى رسول الله - ﷺ - حيث أراد، فبينا أنا جالس في خطي إذ أتاني رجال كأنهم الزط أشعارهم وأجسامهم لا أرى عروة ولا أرى قشرة وينتهون إليّ ولا يجاوزون الخط، ثم يصدرون إلى رسول الله - ﷺ - حتى إذا كان في آخر الليل، لكن رسول الله - ﷺ - قد جاءني وأنا جالس فقال: لقد آذاني هؤلاء منذ الليلة، ثم دخل عليّ في خطي فتوسد فخذي ورقد، وكان رسول الله - ﷺ - إذا رقد نفخ، فبينا أنا قاعد ورسول الله - ﷺ - متوسد فخذي إذا أنا برجال عليهم ثياب بيض الله أعلم ما بهم من الجمال، فانتهوا إليّ، فجلس طائفة منهم عند رأس رسول الله ﷺ، وطائفة منهم عند رجليه، ثم قالوا بينهم: ما رأينا عبدًا قط أوتي مثل ما أوتي هذا النبي - ﷺ -، إن عينيه تنامان وقلبه يقظان، اضربوا له مثلًا: مثل سيد بنى قصرًا ثم جعل مائدة فدعا الناس إلى طعامه وشرابه، فمن أجابه أكل من طعامه وشرب من شرابه، ومن لم يجبه عاقبه أو قال: عذبه ثم ارتفعوا واستيقظ رسول الله - ﷺ - عند ذلك. فقال: سمعت ما قال هؤلاء، وهل تدري من هم؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: هم الملائكة، فتدري ما المثل الذي ضربوه؟ قلت:
_________________
(١) الصحيحة: ٢١٥٠ قال الألباني حديثٌ حسنٌ.
[ ٤٨٠ ]
الله ورسوله أعلم، قال: المثل الذي ضربوه، الرحمن بنى الجنة ودعا إليها عباده فمن أجابه دخل الجنة ومن لم يجبه عاقبه أو عذبه وقال عقبة: هنا حديثٌ حسنٌ غريب صحيح من هذا الوجه. (١)
_________________
(١) انظر تفصيل ذلك في تفسير ابن كثير ٤/ ١٦٦. قلت هذه المرة الثانية التي تقابل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم مع الجن ومعه ابن مسعود. مجيء الجن إلى رسول الله (ﷺ: كانت البداية: عندما سمعوا القرآن يتلى في صلاة الفجر في نخله وهو عامد إلى سوق عكاظ وذلك في شهر شوال من العام العاشر للبعثة الموافق لعام ٣ ق. هـ ٦٣٠ م/ ٦٣١ م/ ذكر ذلك ابن سعد ١/ ٢١٢ في الطبقات. أما عن المرة الأولى: عندما قابلوه بجهة حراء ولم يكن معه أحد من الصحابة رضوان الله عليهم وذلك في شهر ربيع الأول من العام الحادي عشر للبعثة الموافق لعام ٢ ق. هـ ٦٣١ م/ ٦٣٢ م/ ذكر ذلك الواقدي ونقله السيوطي في الدر المنثور ٧/ ٤٥٣. والمرة الثانية: عندما قابلوه في الحجون وكان معه عبد الله بن مسعود -﵁- ويحتمل أن ذلك كان في العام الثاني عشر للبعثة الموافق ١ق. هـ لعام ٦٣٢ م/ ٦٣٣ م.
[ ٤٨١ ]