روى الطبري بسنده عن أم سلمة قالت:
لما ضاقت علينا مكة، وأُذوي [أصحاب] النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ورأوا ما يصيبهم من الأذى، والفتنة في دينهم، وأنَّ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم لا يستطيع دفع ذلك عنهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في مَنَعَةٍ من قومه وعمه أبي طالب، لا يصل إليه شيء يكرهه، مما يصل إلى أصحابه، فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم:
لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإنّ بها ملكًا، لا يُنال عنده أحد بظُلم، فالحقوا ببلاده، حتى يجعل الله لكم فرجًا أو مخرجًا، مما أنتم فيه، فخرجنا إليها أَرسالًا فاجتمعنا بها، فنزلنا في خير دارٍ وأَمَنَةٍ (١).
روى ابن سعد بسنده عن محمد الظفري عن رجل من قومه وعن الحارث بن الفضيل قالا: فخرجوا متسللين سيرًا، وكانوا أحد عشر رجلًا وأربع نسوة، حتى انتهوا إلى الشعيبة منهم الراكب والماشي. ووفق الله تعالى للمسلمين ساعة جاؤوا سفينتين للتجار حملوهم فيهما إلى أرض الحبشة بنصف دينار، وكان مخرجهم في رجب من السنة الخامسة من حين نبِّئ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وخرجت قريش في آثارهم حتى جاؤوا البحر حيث ركبوا فلم يدركوا منهم أحدًا، قالوا: وقدمنا أرض الحبشة فجاورنا بها خير جارٍ أمنَّا على ديننا وعبدنا الله لا نؤذى ولا نسمع شيئًا نكرهه (٢).
_________________
(١) أخرجه الطبري في "تاريخه": (٢/ ٣٣١).
(٢) ابن سعد ج ١/ ٢٠٤.
[ ٣٢١ ]
روى الطبري بسنده عن عروة قال: فذكر الحديث وفيه اشتداد الأذى على المسلمين ثم قال: فلما فعل ذلك بالمسلمين، أمرهم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أن يخرجوا إلى أرض الحبشة- وكان بالحبشة ملك صالح يقال له النجاشي، لا يظلم أحد بأرضه، وكان يثنى عليه من ذلك صلاح وكانت أرض الحبشة متجرًا لقريش يتجرون فيها، يجدون فيها رفاغًا من الرزق، وأمنًا ومتجرًا حسنًا- فأمرهم بها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فذهب إليها عامَّتهم لما قهروا بمكة، وخاف عليهم الفتن، ومكث هو فلم يبرح، فمكث بذلك سنواتٍ، يشتدُّون على من أسلم منهم. ثم إنه فشا الإسلام فيها، ودخل فيه رجالٌ من أشرافهم (١).