قال ابن إسحاق: ولما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله - ﷺ - من الأذى ما لم تكن تنال منه في حياة عمه أبي طالب، فخرج رسول الله - ﷺ - إلى الطائف، يلتمس النصرة من ثقيف، والمنعة بهم من قومه، ورجاء أن يقبلوا منه ما جاءهم به من الله -﷿-، فخرج إليهم وحده.
قال ابن إسحاق: فحدثني يزيد بن زياد، عن محمَّد بن كعب القرظي، قال: لما انتهى رسول الله - ﷺ - إلى الطائف، عمد إلى نفر من ثقيف، هم يومئذ سادة ثقيف وأشرافهم وهم أخوة ثلاثة: عبد ياليل بن عمرو بن عمير، ومسعود بن عمرو بن
[ ٣٨٠ ]
عمير، وحبيب بن عمرو بن عمير بن عوف بن عقدة بن غيرة بن عوف بن ثقيف، وعند أحدهم امرأة من قريش من بني جمح، فجلس إليهم رسول الله - ﷺ -، فدعاهم إلى الله، وكلمهم بما جاءهم له من نصرته على الإِسلام، والقيام معه على من خالفه من قومه؛ فقال له أحدهم: هو يمرط (١) ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك؛ وقال الآخر: أما وجد الله أحدًا يرسله غيرك! وقال الثالث: والله لا أكلمك أبدًا. لئن كنت رسولًا من الله كما تقول؛ لأنت أعظم خطرًا من أن أردّ عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله، ما ينبغي في أن أكلمك. فقام رسول الله - ﷺ - من عندهم وقد يئس من خير ثقيف، وقد قال لهم -فيما ذكر لي-: إذا فعلتم ما فعلتم فاكتموا عني، وكره رسول الله - ﷺ - أن يبلغ قومه عنه، فيذئرهم (٢) ذلك عليه. قال ابن هشام: قال عبيد بن الأبرص:
ولقد أتاني عن تميم أنهم ذئروا لقتلى عامر وتعصبوا
فلم يفعلوا، وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم، يسبونه ويصيحون به، حتى اجتمع عليه الناس، وألجئوه إلى حائط (٣) لعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة، وهما فيه، ورجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه، فعمد إلى ظلّ حبلة (٤) من عنب، فجلس فيه. وابنا ربيعة ينظران إليه، ويريان ما لقي من سفهاء أهل الطائف، وقد لقي رسول الله - ﷺ - فيما ذكر لي- المرأة التي من بني جمح، فقال لها: "ماذا لقينا من أحمائك؟ ".
فلما اطمأن رسول الله - ﷺ - قال- فيما ذكر لي-: "اللَّهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربى، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني (٥)؟ أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن ينزل بي غضبك، أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك".
_________________
(١) يمرطه: ينزعه ويرمي به.
(٢) يذئرهم: يثيرهم.
(٣) الحائط: الحديقة.
(٤) حبلة: شجرة العنب.
(٥) تجهّم فلانًا: استقبله بوجه كريه.
[ ٣٨١ ]
قال: فلما رآه ابنا ربيعة، عتبة وشيبة، وما لقي، تحركت له رحمهما، فدعوا غلامًا لهما نصرانيًا، يقال له عداس، فقالا له: خذ قطفًا من هذا العنب، فضعه في هذا الطبق، ثم اذهب به إلى ذلك الرجل، فقل له يأكل منه. ففعل عدّاس، ثم أقبل به حتى وضعه بين يدي رسول الله - ﷺ -، ثم قال له: كل، فلما وضع رسول الله - ﷺ - فيه يده، قال: باسم الله، ثم أكل، فنظر عدّاس في وجهه، ثم قال: والله إنّ هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد، فقال له رسول الله - ﷺ -: "ومن أهل أي البلاد أنت يا عدّاس، وما دينك؟ " قال: نصراني، وأنا رجل من أهل نينوى، فقال رسول الله - ﷺ -: "من قرية الرجل الصالح يونس بن متى"؛ فقال له عدّاس: وما يدريك ما يونس بن متى؟ فقال رسول الله - ﷺ -: "ذاك أخي، كان نبيًا وأنا نبي"، فأكب عدّاس على رسول الله - ﷺ - يقبل رأسه ويديه وقدميه.
قال: يقول ابنا ربيعة أحدهما لصاحبه: أما غلامك فقد أفسده عليك. فلما جاءهما عدّاس قالا له: ويلك يا عدّاس! ما لك تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه؟ قال: يا سيدي، ما في الأرض شيء خير من هذا، لقد أخبرني بأمر ما يعلمه إلَّا نبي، قالا له: ويحك يا عدّاس، لا يصرفنّك عن دينك، فإن دينك خير من دينه.