مصادر السيرة النبوية تعد ميزة التوثيق صفة أساسية في كل التراث الإسلامي، وهذه خصيصة خص بها الله تعالى الرسالة الخاتمة وذلك من تمام حكمته، ذلك أن الدين الخاتم يجب أن يكون محظوظًا مصونًا حتى تتعاقب عليه جميع أجيال البشرية إلى قيام الساعة، لذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] ومن تمام حفظ الذكر - وهو شريعة الإسلام كتابًا وسنة - حفظ سيرة من جاء به، لذا قدر الله تعالى أن تحفظ سيرة رسوله ﷺ في مصادر موثوقة متعددة، وأهم هذه المصادر ثلاثة وهي:
[ ٩ ]
[القرآن الكريم]
١ - القرآن الكريم: فقد جاء في القرآن الكريم كثير من سيرته ﷺ، فقد ذكر الله تعالى حال النبي ﷺ منذ صغره في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى - وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى - وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: ٦ - ٨] وذكر حاله بعد بدء نزول الوحي عليه حين خاف وذهب إلى زوجه خديجة يقول لها: «زملوني دثروني»، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ - قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا - نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا - أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا - إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ١ - ٥] كما أنزل عليه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ - قُمْ فَأَنْذِرْ - وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ١ - ٣] وذكر قصة زواجه من زينب بنت جحش بعد طلاقها من زوجها زيد بن حارثة ﵁ فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا - وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا - مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٣٦ - ٣٨] وقد اشتملت هذه السورة - سورة الأحزاب -على كثير من تفاصيل سيرة النبي ﷺ مع أزواجه وأصحابه كما تضمنت تفاصيل كثيرة عن غزوة الأحزاب.
ومما تضمنه القرآن من السيرة: الآيات النازلة عقب سؤال الصحابة أو غيرهم عن أمر من الأمور، كما حدث حين سألت اليهود رسول الله ﷺ عن الروح فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] ومن أخص ما تضمنه القرآن من السيرة حادثة الإفك المفترى على زوجه ﷺ عائشة ﵂ ففّصل تلك الحادثة في أكثر من عشر آيات من سورة النور في الآيات (من ١١ إلى ٢٦)
[ ١٠ ]
[السنة النبوية]
٢ -السنة النبوية: وقد سبق أن بيّنّا أن السنة النبوية قد حوت جل تفاصيل السيرة مما رواه النبي ﷺ عن نفسه أو ما رواه عنه أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين. وقد ذكرنا ما يتعلق بثبوت هذا المصدر، والمنهج العلمي الدقيق الذي وضعه العلماء لدراسة السنة ومصادرها.
[ ١١ ]
[الكتب المؤلفة في السيرة]
٣ -الكتب المؤلفة في السيرة: وقد تتبعنا تسلسل التدوين لهذه الكتب، وذكرنا بأنه بدأ منذ عهد الصحابة رضوان الله عليهم، وفي عهد معاوية بن أبي سفيان تحديدًا بدأ التأليف الفعلي واستمر حتى عصر التابعين ومن بعدهم ويمكن مراجعة الفقرة المتعلقة بمميزات السيرة النبوية للوقوف على تفاصيل ذلك.
[ ١٢ ]