[الجذور الأولى للنسب الفاضل]
نسب النبي ﷺ الجذور الأولى للنسب الفاضل لقد اختار الله تعالى محمدًا ﷺ ليكون النبي الخاتم الذي بشر به الأنبياء السابقون ﵈. فقد كان رسول الله ﷺ ذا نسب شريف في قومه، إذ إنه كان من أعرق قبيلة عربية وهي قريش ومن أشرف بيت في تلك القبيلة، وهو بيت بني هاشم، كما قال ﷺ: «إن الله اصطفى كنانة من بني آدم، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى بني هاشم من قريش، واصطفاني من بني هاشم، فأنا خيار من خيار» وكان لهذا الاصطفاء أهمية، إذ كانت الأنظار تحيط ببيت النبي ﷺ والمتمثل في هاشم الجد الأعلى للنبي ﷺ لذا حفظت سيرة ذلك البيت وأحداثه التاريخية منذ أن انتقلت الزعامة إلى هاشم حيث تولى سقاية الحاج ورفادتهم، فأصبح قبلة وفخر قريش.
بعد وفاة هاشم تتبع الناس بأبصارهم وولائهم انتقال الزعامة إلى أخيه المطلب، الذي كان رجلًا عظيمًا مطاعًا ذا فضل في قومه. وكان لأخيه هاشم زوجة بالمدينة من بني النجار، ولها من هاشم طفل وضعته بعد موته وسمته عبد المطلب، فلما شب الطفل ذهب إليه عمه المطلب فأخذه من يثرب إلى مكة حيث تربى بها. ثم إن المطلب مات بردمان بأرض اليمن، فولى الزعامة بعده ابن أخيه عبد المطلب، فأقام لقومه ما كان يقيمه آباؤه من السقاية والرفادة وولاية شئون الناس، فشرف في قومه شرفًا لم يبلغه أحد من آبائه، وكان أعظم ما حدث له أنه رأى في المنام آمرًا يأمره بحفر بئر زمزم، وتكررت له هذه الرؤيا ثلاث ليال، فعرف أن الأمر حق، ففعل كما أمر، إذ حفر بئر زمزم التي لا يزال ماؤها ينضح حتى اليوم.
ثم إن عبد المطلب ولد له عشرة من البنين، منهم عبد الله، وهو أحب أبنائه إليه، وكان لعبد الله هذا واقعة مهمة مع أبيه جذبت أنظار قريش إليه، ذلك أن عبد المطلب كان نذر أن يذبح أحد أبنائه قربانًا لله تعالى إن رزقه عشرًا من البنين، فلما بلغوا عشرا أقرع بينهم، فوقع السهم على عبد الله، فأعاد ذلك فخرج عليه مرة أخرى، فذهب به إلى الكعبة ليذبحه وفاءً نذره، فمنعته قريش من ذلك لما كان لها من حب لعبد الله، ثم إن عبد المطلب لجأ إلى عرافة لترى له مخرجًا من نذره، فأخبرته أن يقرع مرة أخرى فإذا خرج السهم على عبد الله جعل محله عشرة من الإبل، ثم يعيد ذلك كلما خرج السهم على عبد الله، ولم يخرج السهم على الإبل حتى بلغت المائة عندئذ خرج عليها، فنحرها عبد المطلب جميعًا فداء لابنه، ففرحت قريش بذلك.
وقد كانت هذه الواقعة تقديرًا من الله تعالى، إذ إن عبد الله هذا هو والد النبي محمد ﷺ وقد أشار ﷺ لذلك بقوله: «أنا ابن الذبيحين» يشير بذلك إلى قصة جده إبراهيم الخليل ﵇ حيث أمره الله تعالى بذبح ابنه في رؤيا رآها، وقصة جده عبد المطلب هذه مع أبيه عبد الله.
بهذه النبذة اليسيرة يتبين أن مكانة أسرة النبي ﷺ جعلت أحداثها تحظى بالاهتمام والمتابعة، مما جعل أهم تفاصيلها معلومة بدقة تامة، حتى زواج عبد الله من آمنة بنت وهب بن عبد مناف ابن زهرة بن كلاب، ووفاة عبد الله بعد هذا الزواج الذي خلف لعبد الله ابنه الوحيد من آمنة والذي ولد بعد وفاته بقليل وكان هذا المولود هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، رسول الله ﷺ.
نسب النبي ﷺ: لقد اشتهرت العرب بالاهتمام بالأنساب ومعرفتها متصلة متسلسلة بدقة تامة، لذا حفظ التاريخ كثيرًا من التراث النسبي في مؤلفات كثيرة تذكر أنساب القبائل وفروعها، ومما حفظته المصادر، نسب النبي ﷺ، إذ اتفقت جميع المصادر على سلسلة نسببه ﷺ بلا خلاف يذكر رواية وكتابة، فنسبه ﷺ هو: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هشام بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر - وهو الملقب بقريش، وإليه تنسب القبيلة - ابن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد ابن عدنان.
[ ١٣ ]
[الطفولة والصبا]
الطفولة والصبا لقد سجلت المراجع التاريخية المروية بأسانيد متصلة إلى جميع المصادر الثابتة منذ عهد النبي ﷺ وأصحابه ﵃ - تفاصيل نشأة النبي ﷺ، وما مر بها من أحداث خلال فترة الطفولة والصبا، فذكرت تلك المصادر أنه ﷺ بعد ولادته تولت إرضاعه حليمة السعدية، حيث كانت عادة العرب أن تدفع بأطفالها إلى نساء البوادي ليقمن بإرضاع الأطفال في البادية حتى ينشأوا على الفصاحة، والفطرة السليمة، والقوة البدنية.
وقد روت المصادر الإرهاصات التي حدثت لحليمة وزوجها منذ أن حل بهم الطفل الجديد - محمد ﷺ - إذ تحول حالهما من العسر إلى اليسر، فقد أصبحت شاتهم العجفاء دارة للبن، وحتى حليمة ذاتها أصبح ثديها مدرارا للبن لأنها رضيع النبي ﷺ، وغير ذلك مما روته حليمة فيما ذكرته المصادر.
وقد بقى الصبي مع حليمة حتى بلغ الخامسة من عمره، وما أعادته إلا أنها خافت عليه من واقعة حدثت له، وهي حادثه شق الصدر. ذلك أن «ملكين جاءاه ﷺ وهو بين صبية يلعبون فأخذاه وشقا صدره وأخرجا قلبه وغسلاه في طست ثم أعاداه موضعه فالتأم الجرح كأن شيئًا لم يكن»، فلما حكى الصبية وفيهم ﷺ هذه الحادثة لحليمة وزوجها خافا عليه خوفًا شديدًا فقررا إعادته إلى ذويه بمكة، ولكن ما بلغ الصبي السادسة من عمره حتى توفيت أمه آمنة، فتولى تربيته جده عبد المطلب فلما بلغ الصبي ثماني سنين وشهرين وعشرة أيام توفى جده عبد المطلب فانتقلت رعايته إلى عمه أبي طالب، فبقى بكنفه حتى بلغ أربعين سنة. وكان ﷺ في أول شبابه عمل في رعي أغنام قريش على دراهم يعطونها إياه على ما هي عليه سنة الأنبياء من قبله.
[ ١٤ ]
[الزواج والرجولة]
الزواج والرجولة كان ﷺ مميزًا في شبابه كما هو مميز في طفولته وصباه، فقد برزت فيه أسمى الصفات الخلقية حتى إن قريش لقبته بالأمين، وكانت تضع عنده أماناتها، فلما كانت هذه حاله في قومه فقد جذبت هذه الخصال إليه سيدة قريش وصاحبة التجارة والمال فيهم خديجة بنت خويلد، فأوكلت إليه الاتجار في مالها فكان نعم التاجر الأمين فجرى على يديه لتجارتها نمو كبير، فلما رأت همته وصدقه وأمانته وخصاله الحسنة عرضت عليه الزواج من نفسها وهي بنت الأربعين وهو ابن الخامسة والعشرين فأجابها وتم الزواج، وبقى معها زوجًا وفيًا حتى بلغ الأربعين من العمر.
وكان أعظم ما مر به مع قريش قبل النبوة، أن قريشًا أرادت أن تعيد بناء الكعبة بعد أن تهدم جزء منها ففعلت حتى إذا بلغت موضع الحجر الأسود، وهو حجر معظم فيها اختلفت قريش فيمن يكون له شرف وضع ذلك الحجر في موضعه واشتد خلافهم حتى أوشكوا أن يفتتنوا، إلا أنهم رضوا برأي من أشار عليهم بتحكيم أول مارّ بهم، فكان أول من مرّ بهم هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، فلما رأوه هللوا جميعًا فرحًا: رضينا بالأمين حكمًا. فعرضوا عيه الأمر، فطلب منهم ثوبًا وضع عليه الحجر الأسود وطلب من كل فريق أن يرشح واحدًا منهم، فرشحت كل قبيلة واحدًا منها، وطلب منهم أن يأتوا فيرفعوه جميعًا، حتى إذا بلغوا به موضعه من الكعبة أخذه هو -ﷺ - فوضعه في مكانه، فازداد بهذا الحدث ذكره عند قريش وغيرهم.
[ ١٥ ]
[الوحي والنبوة]
الوحي والنبوة مما يجدر ذكره قبل التعرض للوحي والنبوة، واقعة مهمة حدثت في حياة محمد ﷺ ذلك أنه لما بلغ العاشرة - أو يزيد قليلًا - خرج به عمه أبو طالب في رحلته التجارية إلى الشام، حتى بلغوا بصرى، وهي بلدة في الطريق إلى الشام، التقوا فيها براهب يدعى بحيرا، واسمه جرجيس، نزل عنده الركب، فأكرمهم وأحسن ضيافتهم، ثم إنه رأى معهم الصبي محمد بن عبد الله، فعرفه بوصفه المذكور في كتبهم، فقال وهو آخذ بيد الصبي: هذا سيد العالمين، هذا يبعثه الله رحمة للعالمين، ثم سأل عن أبيه، فقال أبو طالب أنا أبوه، فقال بحيرا: لا ينبغي أن يكون أبوه حيًّا.
فأخبره أبو طالب بقصته فقال له بحيرا: هذا هو النبي الذي بشر به عيسى، وإنا نجد صفته في كتبنا، ثم قال: احذره من يهود. وقد شب ﷺ بمكة حتى بلغ الأربعين متميزًا بخصاله التي بهرت من حوله، فقد كان قوي الفطنة، طيب المعشر، جميل السيرة، سليم السريرة، كامل الخلق والخلق، تام المروءة، عالي الهمة طويل الصمت في التأمل والتفكير، محبًا للخلوة معتزلًا للهو والعبث، هاجرًا للأوثان، مطمئن القلب، سامي النفس، حتى إذا كان قريب عهد من النبوة حببّ إليه الخلاء. فكان يخلو بنفسه الليالي ذوات العدد يخلد فيهن إلى غار حراء يتحنث فيه، متأملًا متدبرًا.
ثم توالت آثار النبوة تلوح عليه، وكان أعظم ذلك الرؤيا الصادقة، فكان لا يرى شيئًا في منامه إلا كان مثل فلق الصباح في تحققه حتى مضى على ذلك ستة أشهر، ثم نزل عليه الوحي بالقرآن الكريم وهو متحنث في غار حراء، وذلك شهر رمضان في السابع والعشرين منه - على الأرجح - وقد ذكر النبي ﷺ فيما روته عنه عائشة زوجه ﵂ قالت: «أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي، الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى شيئًا إلا جاء مثل فلق الصبح. ثم حبّب إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء يتحنث فيه - أي يتعبد فيه- الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة -زوجه - فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ. قال ﷺ: فقلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ فقلت: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ - خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ - اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ - الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ - عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١ - ٥] فرجع بها رسول الله يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد، فقال زمّلوني زملونّي، فزمّلوه حتى ذهب عنه الرّوع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسي، فقالت خديجة: كلا والله، ما يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم وتحمل الكّل وتكسب المعدوم، وتقرى الضيف وتعين على نوائب الدهر.
فانطلقت به خديجة إلى ورقة بن نوفل بن عبد العزّى -، ابن عم خديجة - وكان امرءا تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عمى -فقالت له خديجة: يا ابن عم، اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما رأى. فقال له ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على موسى - ﵇ - يا ليتني جذعًا، ليتني أكون حيًا إذ يخرجك قومك. فقال رسول الله ﷺ: أو مخرجي هم؟ قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا. ثم لم ينشب ورقة أن توفي، وفتر الوحي» .
بعد هذه الواقعة استمر نزول الوحي بالقرآن الكريم على رسول الله ﷺ بمكة ثلاثة عشر سنة، ثم بالمدينة النبوية بعد الهجرة عشر سنين، حتى اكتمل نزول القرآن، فكان هو الكتاب المتضمن لمعجزة النبي ﷺ في لغته ومضمونه ومعانيه، بما حواه من أخبار وآيات في الآفاق والأنفس، وحقائق علمية معجزة بجانب كونه الكتاب المتضمن لشرائع الإسلام وأحكام به.
وقد قضى النبي ﷺ سنين بعثته الأولى وهي ثلاث عشر سنة بمكة التي اضطهده فيها أهلها وأخرجوه منها مهاجرًا إلى المدينة المنورة التي أنشأ فيها دولة الإسلام وتكاملت بها تشريعات الإسلام وتوسعت دائرته إلى خارج الجزيرة العربية حتى توفاه الله تعالى في السنة العاشرة للهجرة.
[ ١٦ ]