لقد كان رسول الله ﵌ مستجاب الدعوة فيما يدعو فيه ربه من قضاء الحوائج وتفريج الكرب وشفاء المرض وتحقيق المطالب وحلول البركة، حتى تواتر هذا الأمر عنه، فكان ذلك شاهدا من حاله بتصديق الله له بإجابة دعائه: وحوادث إجابة دعائه ﵌ كثيرة:
* منها: أنه لما قدم المدينة كانت من أوبأ أرض الله كما قالت عائشة ﵂ فدعا الله أن ينقل حمى المدينة إلى الجحفة «٣» وأن يجعل المدينة صحيحة فكان ذلك «٤» .
ودعا الله لأم أبي هريرة أن تسلم، فلما رجع أبو هريرة إلى البيت أعلنت إسلامها «٥» .
ودعا لعبد الله بن عباس بالفقه في الدين «٦»، فأصبح أحد علماء الأمة،
_________________
(١) يعني تحرك السحاب فيها فأظلمت.
(٢) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه ١/ ٥٣.
(٣) الجحفة: قرية بين مكة والمدينة.
(٤) أخرجه البخاري ك/ الدعوات ب/ الدعاء يرفع الوباء والوجع وفي الحج باب كراهية النبي أن تعرى المدينة، ومسلم ك/ الحج ب/ الترغيب في سكنى المدينة والصبر على لأوائها.
(٥) أخرجه مسلم ك/ فضائل الصحابة ب/ من فضائل أبي هريرة، وأحمد باقي مسند المكثرين.
(٦) أخرجه البخاري ك/ الوضوء ب/ وضع الماء عند الخلاء، وأحمد في مسند بني هاشم بداية مسند عبد الله بن العباس.
[ ٣٠٥ ]
حتى لقب بحبر الأمة وترجمان القرآن.
* ودعا لأنس بن مالك بالمال والولد والبركة في ذلك، فكان من أكثر الأنصار مالا وولدا «١» .
* ودعا للسائب بن يزيد بالبركة، فبلغ أربعا وتسعين سنة وهو جلد معتدل يتمتع بسمعه وبصره «٢» .
* ودعا لقبيلة دوس بالهداية «٣»، فهداهم الله بعد أن أبوا الإسلام «٤» .
* ودعا لأم خالد بنت خالد بن سعيد بطول العمر وهي صبية، فبقيت حتى ذكر من بقائها «٥» .
* ودعا لأبي زيد بن أخطب ومسح على وجهه، فعاش مائة وعشرين سنة وليس في رأسه إلا شعرات بيض «٦» .
_________________
(١) أخرجه البخاري ك/ الصوم ب/ من زار قوما فلم يفطر عندهم، وأحمد في باقي مسند المكثرين مسند أنس بن مالك، قال أنس: - فإني لمن أكثر الأنصار مالا، وحدثتني ابنتي أمينة أنه دفن لصلبي مقدم حجاج البصرة بضع وعشرون ومائة، انظر صحيح البخاري ك/ الصوم ب/ من زار قوما فلم يفطر عندهم.
(٢) أخرجه البخاري ك/ الوضوء ب/ استعمال فضل وضوء الناس، ومسلم ك/ الفضائل ب/ إثبات خاتم النبوة وصفته ومحله من جسده.
(٣) أخرجه البخاري ك/ الجهاد والسير ب/ الدعاء للمشركين بالهدى ليتألفهم، ومسلم ك/ فضائل الصحابة ب/ من فضائل غفار وأسلم وجهينة وأشجع ومزينة وتميم.
(٤) قال الحافظ ابن حجر: وقع مصداق ذلك (يعني الدعوة لهم بالهداية)، فذكر ابن الكلبي أن حبيب بن عمرو بن حثمة الدوسي كان حاكما على دوس، وكان يقول: إني لأعلم أن للخلق خالقا لكني لا أدري من هو؟ فلما سمع بالنبي ﷺ خرج إليه ومعه خمسة وسبعون رجلا من قومه فأسلم وأسلموا، فتح الباري ٨/ ١٠٢ بتصرف.
(٥) أخرجه البخاري ك/ الجهاد والسير ب/ من تكلم بالفارسية والرطانة، وأبو داود ك/ اللباس ب/ فيما يدعى لمن لبس ثوبا جديدا، وأحمد في باقي مسند الأنصار حديث أم خالد بن خالد بن سعيد بن العاص.
(٦) أخرجه الترمذي ك/ المناقب ب/ في آيات إثبات نبوة النبي وما قد خصه الله ﷿، وذكره الألباني في صحيح سنن الترمذي ٣/ ١٩٣.
[ ٣٠٦ ]
* ودعا لعروة البارقي بالبركة في صفقة يمينه، فكان كثير الربح «١» وكذلك عبد الله بن جعفر «٢» .
* واشتكى إليه جرير بن عبد الله أنه لا يثبت على فرسه، فدعا الله له فلم يسقط عن فرس بعد ذلك «٣» .
* واشتكى إليه علي بن أبي طالب ضعف الخبرة في القضاء، فدعا له بالبصيرة في القضاء، قال علي: فما شككت في قضاء بعد هذا «٤» .
* ودعا له أيضا بالشفاء من مرض ألمّ به، قال علي: فما اشتكيت ذلك الوجع بعد «٥» .
واستأذنه شاب في الزنا فصرفه عن ذلك بأسلوب حكيم «٦» ثم دعا له بتحصين فرجه فكان ذلك الفتى لا يلتفت إلى شيء «٧» .
_________________
(١) أخرجه أبو داود ك/ البيوع ب/ في المضارب يخالف، وأحمد في المسند ٤/ ٣٧٦ وإسناده صحيح على شرط البخاري كما في تحقيق المسند ٣٢/ ١٠٠- ١٠٢ وانظر الكلام على اسناده هنالك.
(٢) مسند أحمد ١/ ٢٠٤، وابن سعد ٤/ ٣٦- ٣٧ والنسائي في الكبرى ٨٦٠٤، وأبو داود مختصرا، وإسناد أحمد على شرط مسلم، انظر تحقيق المسند ٣/ ٢٧٩.
(٣) أخرجه البخاري ك/ المغازي ب/ غزوة ذى الحليفة، ومسلم ك/ فضائل الصحابة ب/ من فضائل جرير بن عبد الله.
(٤) أخرجه الحاكم في المستدرك ٣/ ١٤٥ وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وأحمد في المسند، وهو حديث صحيح كما في تحقيق المسند ٢/ ٦٨، ٣٥٦.
(٥) مسند أحمد ١/ ٨٣، وصححه ابن حجر كما في تحقيق المسند ٢/ ٦٩.
(٦) حيث قال له: - أدنه، فدنا منه قريبا، فقال: أتحبه لأمك قال: لا والله جعلني فداك، قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم، ثم سأله هل يحبه لابنته أو أخته أو عمته أو خالته فأجاب بالنفي، فأعلمه أن الناس كذلك لا يحبونه لبناتهم ولا لأخواتهم ولا لعماتهم ولا لخالاتهم ثم وضع يده عليه وقال: اللهم اغفر ذنبه وحصن فرجه، فكان الفتى لا يلتفت إلى شيء.
(٧) مسند أحمد ٥/ ٢٥٦- ٢٥٧ والطبراني في الكبير وإسناده صحيح كما في تحقيق المسند ٣٦/ ٥٤٥.
[ ٣٠٧ ]
* ودعا لطفل صغير بالهداية عندما خير بين أبيه المسلم وأمه الكافرة فاختار أباه المسلم «١» .
* ودعا الله ﷿ أن يعز الإسلام إما بعمر بن الخطاب أو بعمرو بن هشام فاستجاب الله له وهدى عمر بن الخطاب في اليوم الثاني «٢» .
* ودعا لقبيلة ثقيف بالهداية «٣»، فأقبلوا مهتدين بعد أن حاربوا المسلمين «٤» .
* ودعا لأصحابه يوم بدر بالرزق ففتح الله عليهم بعد ذلك «٥» .
* ودعا لجعيل الأشجعي بالبركة في فرسه وكانت عجفاء ضعيفة، فأصبحت تسابق الناس وباع مما أنتجته بمال كثير «٦» .
* ودعا لأم المؤمنين أم سلمة بأن يذهب الله غيرتها «٧»، فاستجاب الله سبحانه له «٨» .
* ودعا الله أن يعين أصحابه الذين توجهوا لقتل كعب بن الاشرف الذي آذى المسلمين فنجحوا في مهمتهم، رغم تحصنه وصعوبة النيل منه «٩» .
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه ك/ الأحكام ب/ تخيير الصبي بين أبوية، وأحمد في باقي مسند الأنصار من حديث أبي سلمة الأنصاري، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه ٢/ ٤١.
(٢) أخرجه الترمذي ك/ المناقب ب/ في مناقب عمر بن الخطاب، وابن ماجه ك/ المقدمة ب/ فضل عمر، وأحمد في مسند المكثرين من الصحابة والحاكم في المستدرك ٣/ ٥٧٤، وصححه الألباني في سنن الترمذي ٣/ ٢٠٤.
(٣) مصنف ابن أبي شيبة ٦/ ٤٢٣.
(٤) البخاري ك/ المغازي ب/ قوله تعالى: وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ [التوبة: ٢٥] .
(٥) المستدرك ٢/ ١٤٤ وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وأحمد وأبو داود والبيهقي.
(٦) النسائي في السنن الكبرى ٥/ ٢٥٣، وصحح إسناده الحافظ ابن حجر في الإصابة ١/ ٤٩٠.
(٧) النسائي في السنن الكبرى ٣/ ٢٨٦.
(٨) ففي مسند أبي يعلى ١٢/ ٣٣٨: فكانت في النساء كأنها ليست منهن لا تجد ما يجدن من الغيرة.
(٩) أخرجه البخاري ك/ المغازي ب/ قتل كعب بن الأشرف، ومسلم ك/ الجهاد والسير ب/ قتل كعب بن الأشرف طاغوت اليهود.
[ ٣٠٨ ]
إلى غير ذلك من أنواع الدعوات لمن دعا لهم «١» .
قصر كعب ابن الأشرف