وقد حصل ذلك في حوادث متعددة، فمن ذلك أنه دعا على الكفار حين رأى منهم إدبارا عن الحق، فقال: اللهم سبع كسبع يوسف، فأخذتهم سنة حصت كل شيء حتى أكلوا الجلود والميتة والجيف، وينظر أحدهم إلى السماء فيرى الدخان من الجوع «٢» .
_________________
(١) للاستزادة انظر دلائل النبوة لسعيد باشنفر ١/ ٣٥٥- ٤٨٠، ٢/ ٤٩٧- ٥٣٦.
(٢) أخرجه البخاري ك/ الجمعة ب/ دعاء النبي أجعلها عليهم سنين كسنين يوسف، ومسلم ك/ صفة القيامة والجنة والنار ب/ الدخان، ورؤيتهم الدخان إما من بخار حرارة الأرض، أو لتخيلهم ذلك من شدة الجوع كما ذكره الحافظ ابن حجر في شرح الحديث.
[ ٣٠٩ ]
* ودعا على سبعة من قريش كانوا يهزؤن به وبالإسلام، فقال عبد الله بن مسعود إنه رآهم صرعى في قليب بدر «١» .
* ودعا على عامر بن الطفيل «٢» عندما هدد بغزو المدينة، فأصابته غدة «٣» ومات على ظهر فرسه «٤» .
* ودعا على رجل تكبر وأبى أن يأكل بيمينه زاعما أنه لا يستطيع، فقال:
لا استطعت!! فما رفعها إلى فيه «٥» .
وكان ابن أبي لهب يسب النبي ﷺ فدعا عليه النبي ﷺ قائلا: اللهم سلط عليه كلبك، فخرج إلى الشام تاجرا فنزل منزلا فقال: إني أخاف دعوة محمد، فطمأنه رفاقه وناموا حوله وجعلوه وسطهم، فجاء الأسد ودخل إليه قاصدا إياه فافترسه «٦» .
إلى غير ذلك من دعواته ﷺ على من دعا عليهم «٧»، وإجابة دعواته على من كفر به شهادة من الله على صدق رسالته، وعلى أن الكفر به جريمة يستحق صاحبها العقوبة.
_________________
(١) أخرجه البخاري ك/ الوضوء ب/ إذا ألقي على ظهر المصلي قذر أو جيفة لم تفسد عليه، ومسلم ك/ الجهاد والسير ب/ ما لقي النبي من أذى المشركين. والسبعة الذين دعا عليهم الرسول ﵌ هم: عمرو بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأمية ابن خلف، وعقبة بن أبي معيط، وعمارة بن الوليد.
(٢) المستدرك ٤/ ٩٢.
(٣) الغدة: العقدة في الجسم يطيف بها الشحم.
(٤) أخرجه البخاري ك/ المغازي ب/ غزوة الرجيع ورعل وذكوان
(٥) أخرجه مسلم ك/ الأشربة ب/ آداب الطعام والشراب وأحكامها، وأحمد في أول مسند المدنيين أجمعين من حديث سلمة بن الأكوع، والدارمي ك/ الأطعمة ب/ الأكل باليمين.
(٦) الحاكم في المستدرك ٢/ ٥٨٨، وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وحسنه الحافظ في الفتح ٤/ ٣٩.
(٧) للاستزادة انظر دلائل النبوة لسعيد باشنفر ١/ ٣٥٥- ٤٨٠، ٢/ ٤٩٧- ٥٣٦.
[ ٣١٠ ]
ولقد شهد المؤمنون والكافرون إجابة الله لدعاء الرسول ﵌ في خرق السنن المعتادة له، وفي إكرام من دعا لهم، وفي الانتقام ممن دعا عليهم، وكان ذلك سببا في قوة إيمان المؤمنين وفي إقناع المتشككين والكافرين برسالته، وحفظ جيل الصحابة تلك الوقائع بأسماء أصحابها وأماكنها وظروفها وأبلغوها إلى التابعين، وحملها التابعون عنهم إلى من بعدهم بتوثيق دقيق كما سبق بيانه.
ويستحيل أن يتحقق ذلك التأييد من الله لمن يدعي الكذب عليه ويفتري دعوى الرسالة وليس بمرسل.
خاتمة:
وهكذا تشهد الخوارق للعادات والسنن الكونية التي جاء ذكرها في كتاب الله بأن محمدا هو رسول الله المصدق من الله بخرق السنن تأييدا له، كانشقاق القمر وحادثة الإسراء، ونصره له أثناء الهجرة، وفي غزوة بدر بإنزال المطر وإلقاء النعاس على أتباعه، وإنزال الملائكة للقتال معهم، وإرسال الريح على أعدائه والجنود التي لا ترى كما في غزوة الأحزاب، وغيرها من الحوادث.
ولقد استفاضت الأخبار في زمن الصحابة بوقائع تأييد الله لرسوله بخرق العادات والسنن الكونية بما يعد شهادة من الله له وتصديقا لرسالته، وقد حفظ المسلمون هذه الوقائع في كتب الحديث بأدق مقاييس الحفظ والتوثيق التي لا تعرف البشرية لها مثيلا، مما جاء مفصلا لما ذكره القرآن من المعجزات أو التي انفردت بها السّنّة من الحوادث الكثيرة التي وقعت للرسول وأصحابه كحوادث تكثير الطعام القليل حتى يكفي حاجة المجموعات أو المئات أو الآلاف من أصحاب رسول الله في إقامتهم أو أثناء رحلاتهم وغزواتهم أو تعرض بعضهم لقلة الطعام.
[ ٣١١ ]
وكحوادث نبع الماء من إناء صغير من بين أصابعه حين يضع يده فيه حتى يسقي منه جيش بأكمله، أو مباركة الماء في أوعيته أو منابعه.
وكحوادث حفظ الله له من المتامرين عليه لقتله أو تسميمه، وشفاء الله لمن يدعو له من المرضى أو المصابين.
وكحوادث استجابة الشجر لأمره، وحنين الجذع حزنا على فراقه. وشهادة الحيوان بنبوته، وتخاطب الحيوانات معه، وتسبيح الطعام بين يديه، وإضاءة العصا لبعض أصحابه، واستجابة الله لدعائه دون أن يخيبه، وتغيير الكثير من السنن له إجابة لدعوته ولمن دعا لهم أو دعا عليهم.
وهذه الدلائل وأمثالها هي التي كانت سببا لزيادة الإيمان واليقين عند المسلمين كما كانت سببا في تحول الكفار من العداء الشديد والكراهية المستحكمة لرسول الله ﵌ إلى الإيمان به والحبّ له أكثر من حب الآباء والأبناء، وحملتهم على تقديم الأرواح والمهج للذبّ عنه ونشر دينه الذي بعث به.
[ ٣١٢ ]