[ ٦٥ ]
البينة العلمية في القرآن والسنّة [١] وصف الحاجز بين البحرين.
[٢] الناصية.
[٣] والجبال أوتادا.
[٤] فأخرجنا منه خضرا.
[٥] وأنزلنا الحديد.
[٦] أو كظلمات في بحر لجّي.
[٧] فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت.
[٨] آية اللبن «من بين فرث ودم» .
[٩] الحاجز بين النهر والبحر «المصب» .
[١٠] معجزة وصف الجنين بعد الليلة الثانية والأربعين.
[ ٦٧ ]
البينة العلمية في القرآن
مقدّمة
لقد أرسل الله محمدا ﵌ إلى الناس كافة على اختلاف عصورهم وثقافاتهم ومداركهم، وأيده ببينات متنوعة تتناسب مع جميع من أرسل إليهم إلى يوم القيامة، فمعجزة الفصاحة في كتاب الله أخضعت فصحاء العرب، ومعجزة البشارات أقامت الدليل لأهل الكتاب على صدق رسول الله ﵌، ومعجزات الخوارق أرغمت الكافرين المعاندين وأوضحت لهم حجة النبي ﵌ الساطعة، ومعجزة الإخبار بالغيب تجلت ولا تزال تتجلى وتتحقق على مر القرون والعصور.
فهيا لنرى بعض الأبحاث من معجزة وعد بها القرآن وتجلت في عصرنا وشاهد حقائقها أهل الاختصاصات الكونية العلمية الدقيقة في عصرنا، كعلم الفلك وعلوم الأرض والأرصاد والنبات والحيوان وعلوم الطب المختلفة وعلوم البحار وغيرها من العلوم الكونية، ليكون ذلك دليلا لكل عاقل في عصرنا أن هذا القرآن من عند الله، وأن العلامة الإلهية الشاهدة بأنه من الله هي العلم الذي تحمله الآيات وتجليه الاكتشافات العلمية الدقيقة بعد رحلة طويلة من البحث والدراسة، وباستخدام أدق الآلالات التي لم تصنع إلا في عصر الثورة الصناعية الحاضرة، ولقد أشار القرآن إلى هذا النوع من الإعجاز ووعد بإظهاره في قوله تعالى: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣) [فصلت: ٥٣] .
إن البينة (المعجزة) القرآنية الموجودة بين أيدينا والباقية بعدنا إلى ما شاء الله
[ ٦٨ ]
تحمل الرسالة الإلهية إلى البشر، كما تحمل الدليل على صدق هذه الرسالة؛ فهي الشاهد والمشهود عليه كما قال تعالى: أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ [هود: ١٧] «١» .
والقرآن معجز بلفظه ومعناه، لأنه من عند الله، فألفاظه إلهية ومعانية وعلومه إلهية، وكل منها يدل على المصدر الذي جاء منه هذا القرآن.
وهو بذلك أكبر دليل وشهادة بين أيدينا. قال تعالى: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [الأنعام: ١٩] فهو رسالة ومعجزة لمن نزل عليهم ولمن يأتي بعدهم إلى يوم القيامة.
وقد جعل الله العلم الإلهي الذي تحمله آيات القرآن هو البينة الشاهدة على كون هذا القرآن من عند الله كما قال تعالى: لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا
(١٦٦) [النساء: ١٦٦] أي أنزله وفيه علمه «٢» .
ففي هذه الآية بيان لطبيعة المعجزة العلمية، التي نزلت ردا على إنكار الكافرين لنبوة محمد ﷺ التي تبقى بين يدي الناس، وتتجدد مع كل فتح بشري في آفاق العلوم والمعارف ذات الصلة بمعاني الوحي الإلهي.
قال الخازن عند تفسير هذه الآية: " لكن الله يشهد لك يا محمد بالنبوة،
_________________
(١) معنى الآية: أفمن كان على بينة من ربه كمن ليس كذلك، والبينة البرهان الذي يدل على الحق، والمعنى ويتلو البرهان الذي هو البينة شاهد يشهد بصحته من القرآن أو من الله ﷿ والشاهد هو الإعجاز الكائن في القرآن أو المعجزات النبوية. فتح القدير للشوكاني بتصرف وبنحوه قال الشنقيطي فيما نقله عنه تلميذه القادري في تفسير سورة هود، وفي الشاهد أقوال أخرى انظرها مجموعة في زاد المسير لابن الجوزي.
(٢) انظر سبب النزول: ابن الجوزي، الطبري، ابن كثير، تفسير الجلالين.
[ ٦٩ ]
بواسطة هذا القرآن الذي أنزله عليك" «١» .
وقال ابن كثير﵀-:
" فالله يشهد لك بأنك رسوله الذي أنزل عليه الكتاب، وهو القرآن العظيم.. ولهذا قال: أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ: أي فيه علمه الذي أراد أن يطلع العباد عليه، من البينات والهدى والفرقان، وما يحبه الله ويرضاه، وما يكرهه ويأباه، وما فيه من العلم بالغيوب، من الماضي والمستقبل" «٢» .
وقال أبو العباس ابن تيمية «٣»: فإن شهادته بما أنزل إليه هي شهادته بأن الله أنزله منه، وأنه أنزله بعلمه «٤»، فما فيه من الخبر، هو خبر عن علم الله، ليس خبرا عمن دونه، وهذا كقوله: فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٤) [هود: ١٤] .
وكل آية من كتاب الله تحمل علما إلهيا يعرفه البشر عند ارتقائهم بأسباب العلوم والمعارف في ذلك الميدان الذي تتحدث عنه الآية القرآنية.
والقرآن مليء بالآيات التي تتحدث عن مظاهر الكون، وحديثه عن الكون هو حديث من يعلم أسراره ودقائقه، مع أن البشرية كلها في وقت النبي ﷺ لم تكن تعلم معظم تلك الأسرار، وكان يغلب على تفكيرها الأسطورة والخرافة.
لذلك رأينا الجراح الفرنسي العالمي الشهير الدكتور: موريس بوكاي يتقدم إلى البشرية بأطروحة قال فيها: لقد قامت الأدلة على أن القرآن الذي نقرأه اليوم،
_________________
(١) الخازن في مجموعة من التفاسير.
(٢) تفسير ابن كثير.
(٣) الفتاوى: ١٤/ ١٩٦.
(٤) وإلى هذا المعنى ذهب كثير من المفسرين: ابن الجوزي، الزمخشري، أبو حيان، الآلوسي، الشوكاني، البيضاوي، والنسفي، والخازن، الجلالان (جلال الدين المحلي، وجلال الدين السيوطي) .
[ ٧٠ ]
هو نفس القرآن الذي قرأه النبي محمد ﷺ على الصحابة. وما دام أن القرآن قد أفاض في الحديث عن الكون وأسراره، فإننا نستطيع بهذه الحقيقة أن نعرف منها إذا كان القرآن من عند الله باختبار يعرفه كل عاقل في عصرنا.
فإذا كان القرآن من عند محمد ﷺ، وهو مملوء بالوصف لمظاهر الكون:
الأرض، السماء، الجبال، البحار، الأنهار، الشمس، القمر، النبات، الحيوان، الإنسان، الرياح، الأمطار.. وغير ذلك، فإن حديثه عن هذه المظاهر الكونية سيعكس لنا علم محمد ﷺ وثقافته عن المخلوقات وأسرارها، كما يعكس لنا علم مجتمعه وبيئته، وعلوم عصره في ذلك المجال، وهي علوم غلبت عليها السذاجة والخرافة والأسطورة، وسنجد القرآن عندئذ مملوآ بالخرافة والأسطورة والخبر الساذج عند حديثه عن الكون وأسراره، كما هو شأن كل الكتب التي دونت في تلك الأزمنة بما فيها الكتب المقدسة عند اليهود والنصارى (التوراة والإنجيل) التي طرأ عليها التحريف، هذا إذا كان القرآن من عند محمد ﷺ.
أما إذا كان القرآن من عند الله فسنراه في حديثه عن المخلوقات وأسرارها يسبق مقررات العلوم الحديثة، وسنرى الاكتشافات العلمية تلهث وراءه فتقرر ما فيه من حقائق وتؤكد ما فيه من مقررات في شتى المجالات.
ولقد قضى الدكتور موريس بوكاي لتحقيق هذا الاختبار عشر سنوات يتعلم فيها القرآن واللغة العربية، ويقارن بين القرآن وبين الكشوف العلمية الحديثة، ثم ألف كتابا سمّاه: " دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة".
وقد أثبت فيه سلامة القرآن من التحريف، ودخول التحريف على التوراة والإنجيل وأثبت تعارض التوراة والإنجيل مع العلوم الحديثة؛ كما أثبت سبق القرآن لهذه العلوم وبين أن هذا مما اشتمل عليه وعد الله القائل: سَنُرِيهِمْ آياتِنا
[ ٧١ ]
فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣) [فصلت: ٥٣] .
يقول د. بوكاي: " إن القرآن لا يخلو فقط من متناقضات الرواية وهي السمة البارزة في مختلف صياغات الأناجيل بل هو يظهر أيضا- لكل من يشرع في دراسته بموضوعية وعلى ضوء العلوم- طابعه الخاص وهو التوافق مع المعطيات العلمية الحديثة. بل أكثر من ذلك، وكما أثبتنا، يكتشف القارئ فيه مقولات ذات طابع علمي من المستحيل تصور أن إنسانا في عصر محمد ﷺ قد استطاع أن يؤلفها، وعلى هذا فالمعارف الحديثة تسمح بفهم بعض الآيات القرآنية التي كانت بلا تفسير صحيح حتى الآن «١» .
فها هو ذا الحق يتبين كما وعد الله، وها هي ذي المعاني التفصيلية التي تضمنتها الآيات القرآنية عن الحقائق الكونية ترى وتتجلى فتعلم، كما قال تعالى:
إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٨٧) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨) [ص: ٨٧- ٨٨] .
قال الفراء «٢» في تفسير الحين الذي ذكرته الآية أنه: " بعد الموت وقبله، أي لتظهر لكم حقيقة ما أقول [بعد حين] أي في المستأنف" «٣» . وذهب السدي «٤» الكبير إلى هذا المعنى «٥» .
_________________
(١) دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة/ موريس بوكاي ص ٢٨٥- ٢٨٦/ دار المعارف ١٩٧٧.
(٢) العلامة صاحب التصانيف أبو زكريا يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور الأسدي مولاهم الكوفي النحوي صاحب الكسائي، له كتاب" معاني القرآن" توفي عام ٢٠٧ هـ.
(٣) تفسير القرطبي.
(٤) إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة الحجازي ثم الكوفي إمام مفسر من التابعين توفي عام ١٢٧ هـ.
(٥) تفسير أبي حيان.
[ ٧٢ ]
وقال ابن جرير الطبري، بعد ذكر الأقوال المتعددة، في تفسير الحين الذي ذكرته الآية:
«وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، أن يقال: أن الله أعلم المشركين بهذا القرآن أنهم يعلمون نبأه بعد حين، من غير حد منه لذلك الحين بحد، ولا حد عند العرب للحين لا يجاوزه ولا يقصر عنه، فإذا كان ذلك كذلك، فلا قول فيه أصح من أن يطلق، كما أطلقه الله، من غير حصر ذلك على وقت دون وقت» «١» .
لقد أظهر الله لعباده الكثير من آياته عبر القرون، وفي عصر الاكتشافات العلمية الهائلة، أظهر الله لعباده نوعا جديدا من البينات المعجزة تعارف العلماء على تسميته بالإعجاز العلمي في القرآن. يعرف به أهل عصرنا أن القرآن نزل بعلم الله الذي يعلم السر في السموات والأرض.
ويسرنا أن نقدم للقارئ الكريم طرفا من هذه المعجزات والبينات العلمية:
[١] وصف الحاجز بين البحرين:
التحقيق العلمي:
لقد توصل علماء البحار بعد تقدم العلوم في هذا العصر إلى اكتشاف الحاجز بين البحرين، فوجدوا أن هناك برزخا يفصل بين كل بحرين، ويتحرك بينهما ويسميه علماء البحار (الجبهة) تشبيها له بالجبهة التي تفصل بين جيشين. وبوجود هذا البرزخ يحافظ كل بحر على خصائصه التي قدرها الله له، ويكون مناسبا لما فيه من كائنات حية تعيش في تلك البيئة.
ومع وجود هذا البرزخ فإن البحرين المتجاورين يختلطان اختلاطا بطيئا، يجعل القدر الذي يعبر من بحر إلى بحر آخر يكتسب خصائص البحر الذي
_________________
(١) تفسير الطبري.
[ ٧٣ ]
ينتقل إليه عن طريق البرزخ الذي يقوم بعملية التقليب للمياه العابرة من بحر إلى بحر؛ ليبقى كل بحر محافظا على خصائصه.
تدرج العلم البشري لمعرفة حقائق اختلاف مياه البحار وما بينها من حواجز:
* اكتشف علماء البحار أن هناك اختلافا بين عينات مائية أخذت من البحار المختلفة في عام (١٢٨٤ هـ- ١٨٧٣ م) على يد البعثة العلمية البحرية الإنجليزية في رحلة (تشالنجر)، فعرف الإنسان أن المياه في البحار تختلف في تركيبها عن بعضها البعض من حيث درجة الملوحة، ودرجة الحرارة، ومقادير الكثافة، وأنواع الأحياء المائية، ولقد كان اكتشاف هذه المعلومة بعد رحلة علمية استمرت ثلاثة أعوام، جابت جميع بحار العالم. وقد جمعت الرحلة معلومات من ٣٦٢ محطة مخصصة لدراسة خصائص المحيطات. وملأت تقارير الرحلة ٥٠٠ ر ٢٩ صفحة في خمسين مجلدا استغرق إكمالها ٢٣ عاما. وإضافة إلى كون الرحلة أحد أعظم منجزات الاستكشاف العلمي فإنها أظهرت كذلك ضالة ما كان يعرفه الإنسان عن البحر «١» .
* بعد عام (١٩٣٣ م) قامت رحلة علمية أخرى أمريكية في خليج المكسيك، ونشرت مئات المحطات البحرية، لدراسة خصائص البحار، فوجدت أن عددا كبيرا من هذه المحطات تعطي معلومات موحدة عن خصائص الماء في تلك المنطقة، من حيث الملوحة والكثافة والحرارة والأحياء المائية وقابلية ذوبان الأكسجين في الماء، بينما أعطت بقية المحطات معلومات موحدة أخرى عن مناطق أخرى، مما جعل علماء البحار يستنبطون وجود بحرين متمايزين في الصفات لا مجرد عينات محدودة كما علم من رحلة (تشالنجر) .
_________________
(١) Introduction to Oceangraphy David A.Ross.٢ nd ed.١٩٧٧، USA، pp.٣٧- ٣٩.
[ ٧٤ ]
* وأقام الإنسان مئات المحطات البحرية لدراسة خصائص البحار المختلفة، فقرر العلماء أن الاختلاف في هذه الخصائص يميز مياه البحار المختلفة بعضها عن بعض، لكن لماذا لا تمتزج البحار وتتجانس رغم تأثير قوتي المد والجزر التي تحرك مياه البحار مرتين كل يوم، وتجعل البحار في حالة ذهاب وإياب، واختلاط واضطراب، إلى جانب العوامل الآخرى التي تجعل مياه البحر متحركة مضطربة على الدوام مثل الموجات السطحية والداخلية والتيارات المائية والبحرية؟.
ولأول مرة يظهر الجواب على صفحات الكتب العلمية في عام (١٣٦١ هـ ١٩٤٢ م) . فقد أسفرت الدراسات الواسعة لخصائص البحار عن اكتشاف حواجز مائية تفصل بين البحار الملتقية، وتحافظ على الخصائص المميزة لكل بحر من حيث الكثافة والملوحة، والأحياء المائية، والحرارة، وقابلية ذوبان الأوكسجين في الماء.
وبعد عام (١٩٦٢ م) عرف دور الحواجز البحرية في تهذيب خصائص الكتل العابرة من بحر إلى بحر لمنع طغيان أحد البحرين على الآخر فيحدث الاختلاط بين البحار الملحة، مع محافظة كل بحر على خصائصه وحدوده المحدودة بوجود تلك الحواجز.
ويبين الشكل التالي حدود مياه البحر الأبيض المتوسط الساخنة والملحة، عند دخولها في المحيط الأطلسي ذي المياه الباردة والأقل ملوحة منها.
[ ٧٥ ]
FIG. ٦. ٧١ Mediterronean Sea Water as it enters the Atontic over the
Gibratar still Shaded portion repnesents Mediterronean water: temperd- tures are in C.) After PH. H. Kuenen. ٣٦٩١. Realns. ofwaterNew York:
Wilev. P. ٧٦ (.
الحاجز بين مياه البحر الأبيض المتوسط ومياه المحيط الأطلسي، ويظهر تميز مياه الحاجز «البرزخ» عن مياه البحرين من حيث درجة الملوحة والمبينة بالخطوط والأرقام والألوان.
* وأخيرا تمكن الإنسان من تصوير هذه الحواجز المتحركة المتعرجة بين البحار الملحة عن طريق تقنية خاصة بالتصوير الحراري بواسطة الأقمار الصناعية، والتي تبين أن مياه البحار وإن بدت جسما واحدا، إلا أن هناك فروقا كبيرة بين الكتل المائية للبحار المختلفة، تظهر بألوان مختلفة تبعا لاختلافها في درجة الحرارة.
[ ٧٦ ]
وفي دراسة ميدانية «١» للمقارنة بين مياه خليج عمان والخليج العربي بالأرقام والحسابات والتحليل الكيميائي، تبين اختلاف كل منهما عن الآخر من الناحية الكيميائية والنباتات السائدة في كل منهما ووجود البرزخ الحاجز بينهما.
خريطة أفقية للخليج العربي وقطاع رأسي يميز منطقة الحاجز بين الخليج العربي وخليج عمان، وذلك باختلاف درجة الملوحة في المناطق الثلاثة.
_________________
(١) للباحث محمد إبراهيم السمرة، الأستاذ بكلية العلوم- قسم علوم البحار- في جامعة قطر. قامت بالدراسة سفينة البحوث (مختبر البحار) التابعة لجامعة قطر في الخليج العربي وخليج عمان في الفترة (١٤٠٤- ١٤٠٦ هـ) (١٩٨٤- ١٩٨٦ م) .
[ ٧٧ ]
وقد تطلب الوصول إلى حقيقة وجود الحواجز بين الكتل البحرية، وعملها في حفظ خصائص كل بحر قرابة مائة عام من البحث والدراسة، اشترك فيها المئات من الباحثين، واستخدم فيها الكثير من الأجهزة ووسائل البحث العلمي الدقيقة.
بينما جلى القرآن الكريم هذه الحقيقة قبل أربعة عشر قرنا، قال تعالى:
مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ (١٩) بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ (٢٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢١) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ (٢٢) [الرحمن: ١٩- ٢٢] .
وقال تعالى: وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزًا [النمل: ٦١] .
المعاني اللغوية وأقوال المفسرين:
مَرَجَ:
قال ابن فارس: مَرَجَ: الميم والراء والجيم أصل صحيح يدل على مجيء وذهاب واضطراب، ومرج الخاتم في الإصبع: قلق، وقياس الباب كله منه ومرجت أمانات القوم وعهودهم: اضطربت واختلطت، والمرج: أصله أرض ذات نبات تمرج فيها الدواب «١» .
الْبَحْرَيْنِ:
قال ابن فارس: الباء والحاء والراء، قال الخليل: سمي البحر بحرا لاستبحاره وهو انبساطه وسعته ويقال للماء إذا غلظ بعد عذوبته استبحر، وماء بحري أي مالح «٢» .
وقال الأصفهاني «٣»: وقال بعضهم: البحر يقال في الأصل للماء المالح
_________________
(١) معجم المقاييس في اللغة: لابن فارس مادة مرج.
(٢) معجم المقاييس في اللغة، لسان العرب، المفردات للراغب الأصفهاني.
(٣) العلامة المحقق أبو القاسم الحسين بن محمد بن المفضل الأصبهاني الملقب بالراغب صاحب تصانيف مفيدة توفي عام ٥٠٢ هـ.
[ ٧٨ ]
دون العذب «١» .
وقال ابن منظور «٢»: وقد غلب على المالح حتى قلّ في العذب «٣» .
فإذا أطلق البحر دل على البحر المالح، وإذا قيّد دل على ما قيّد به.
والقرآن يستعمل لفظ الأنهار للدلالة على المياه العذبة الكثيرة الجارية.
ويستعمل لفظ البحر ليدل على البحر المالح. قال تعالى: وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ [إبراهيم: ٣٢] .
وكذلك يستعمل لفظ البحر في الحديث للدلالة على الماء الملح، فقد سأل رجل رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، إنّا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضّأنا به عطشنا أفنتوضّأ من ماء البحر؟
فقال رسول الله ﷺ: «هو الطّهور ماؤه الحلّ ميتته» «٤» .
البرزخ: هو الحاجز: وقد ذهب أكثر المفسرين «٥» إلى أنه لا يرى.
البغي: قال ابن منظور: وأصل البغي مجاوزة الحد «٦»، وبمثله قال
_________________
(١) المفردات.
(٢) محمد بن مكرم بن علي بن أحمد الأنصاري، لغوي، عمر وكبر وحدث، له" لسان العرب" وهو من أوسع المعاجم في اللغة العربية توفى عام ٧١١ هـ.
(٣) لسان العرب.
(٤) أخرجه أحمد في المسند ٢/ ٢٣٧ ورواه الترمذي في الطهارة ب/ ماء البحر أنه طهور، وابن الجارود في المنتقى ١/ ٢٣، وابن خزيمة في صحيحه ١/ ٥٩، وابن حبان في صحيحه ٤/ ٤٩، والحاكم في المستدرك ١/ ٢٣٧، وأبو داود في السنن ك/ الطهارة ب/ ماء البحر وابن ماجة ك/ الطهارة وسننها ب/ الوضوء بماء البحر، ومالك في الموطأ ١/ ٢٢، وقال في تلخيص الحبير ١/ ٩- ١٠ وصححه البخاري فيما حكاه عنه الترمذي، وقال (الحافظ ابن حجر): إن ابن عبد البر حكم بصحته لتلقي العلماء له بالقبول، ونقل (الحافظ أيضا) عن ابن منده ترجيحه صحته، قال: وصححه أيضا ابن المنذر وأبو محمد البغوي. وكذلك ذكره الألباني في صحيح سنن الترمذي.
(٥) منهم: ابن الجوزي، الزمخشري، وأبو حيان، والقاسمي، والخازن، والنسفي.
(٦) لسان العرب.
[ ٧٩ ]
الجوهري «١» والأصفهاني «٢» .
المرجان: قال ابن الجوزي «٣»: وحكى القاضي أبو يعلي أن المرجان ضرب من اللؤلؤ كالقضبان وروي عن الزجّاج «٤» قوله: المرجان أبيض شديد البياض «٥» .
وقال ابن مسعود: المرجان الخرز الأحمر.
ونقل أبو حيان «٦» عن بعضهم أن المرجان هو الحجر الأحمر «٧» .
وقال القرطبي: وقيل المرجان عظام اللؤلؤ وكباره، قاله علي وابن عباس ﵄ واللؤلؤ صغاره، وعنهما أيضا بالعكس أن اللؤلؤ كبار اللؤلؤ والمرجان صغاره وقاله الضحاك وقتادة «٨» .
وقال الألوسي «٩»: وأظن أنه إن اعتبر في اللؤلؤ معنى التلألؤ واللمعان، وفي المرجان معنى المرج والاختلاط فالأوفق لذلك ما قيل ثانيا فيهما «١٠» . أي
_________________
(١) الصحاح. والجوهري هو إمام اللغة أبو نصر إسماعيل بن حماد التركي صنف كتاب" الصحاح" وهو معجم في اللغة، توفي بنيسابور عام ٣٩٣ هـ.
(٢) المفردات.
(٣) عبد الرحمن بن علي بن محمد القرشي التيمي البكري، محدث مؤرخ حافظ مفسر واعظ فقيه وله مؤلفات متعددة توفي ببغداد عام ٥٩٧ هـ.
(٤) إبراهيم بن السري بن سهل، أبو إسحاق الزجاج، نحوي لغوي مفسر، من كتبه" معاني القرآن" توفي عام ٣١١ هـ.
(٥) زاد المسير.
(٦) محمد بن يوسف بن علي بن ابن حيان الغرناطي الجياني، نحوي مفسر له تاليف منها البحر المحيط في التفسير توفي بالقاهرة عام ٧٤٥ هـ.
(٧) البحر المحيط.
(٨) الجامع لأحكام القرآن.
(٩) محمود بن عبد الله محمود الحسيني الألوسي مفسر محدث لغوي أشهر تاليفه" روح المعاني" في تفسير القرآن توفي ببغداد عام ١٢٧٠ هـ.
(١٠) روح المعاني.
[ ٨٠ ]
أن اللؤلؤ ما عظم منه والمرجان اللؤلؤ الصغار.
والحاصل أن المرجان نوع من الزينة يكون بألوان مختلفة بيضاء وحمراء، ويكون كبيرا وصغيرا، وهو حجر يكون كالقضبان، وقد يكون صغيرا كاللؤلؤ أو الخرز، وهو في الآية غير اللؤلؤ، وحرف العطف بينها يقتضي المغايرة.
هذا والمرجان لا يوجد إلا في البحار الملحة.
والآيات ترينا دقائق الأسرار التي كشف عنها اليوم علم البحار؛ فهي تصف اللقاء بين البحار الملحة ودليل ذلك ما يلي:
أولا: لقد أطلقت الآية لفظ البحرين بدون قيد، فدل ذلك على أن البحرين ملحان.
ثانيا: بينت الآيات في سورة الرحمن أن البحرين يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان، وقد تبين أن المرجان لا يكون إلا في البحار الملحة، فدل ذلك على أن الآية تتحدث عن بحرين ملحين، قال تعالى: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ، أي يخرج من كل منهما.
فمن الذي كان يعلم أن البحار الملحة تتمايز فيما بينها رغم اتحادها في الأوصاف الظاهرة التي تدركها الأبصار والحواس؛ فكلها (ملحة، زرقاء، ذات أمواج، وفيها الأسماك وغيرها) وكيف تتمايز وهي تلتقي مع بعضها؟، والمعروف أن المياه إذا اختلطت في إناء واحد تجانست، فكيف وعوامل المزج في البحار كثيرة من مد وجزر وأمواج وتيارات وأعاصير؟.
والآية تذكر اللقاء بين بحرين ملحين يختلف كل منهما عن الآخر، إذ لو كان البحران لا يختلف أحدهما عن الآخر لكانا بحرا واحدا، ولكن التفريق بينهما في اللفظ القرآني دال على اختلاف بينهما مع كونهما ملحين.
[ ٨١ ]
ومَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ أي أن البحرين مختلطان، وهما في حالة ذهاب وإياب واختلاط واضطراب في منطقة الالتقاء، كما تدل اللغة على ذلك بلفظ مرج، وهذا ما كشفه العلم من وصف لحال البرزخ الذي يكون متعرجا ومتنقلا في الفصول المختلفة بسبب المد والجزر والرياح.
ومن يسمع هذه الآية فقط، يتصور أن امتزاجا واختلاطا كبيرا يحدث بين هذه البحار يفقدها خصائصها المميزة لها، ولكن العليم الخبير يقرر في الآية بعدها: بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ (٢٠) أي ومع حالة الاختلاط والاضطراب هذه التي توجد في البحار، فإن حاجزا يحجز بينهما يمنع كلّا منهما أن يطغى ويتجاوز حده.
وهذا ما شاهده الإنسان بعد ما تقدم في علومه وأجهزته، فقد وجد ماء ثالثا حاجزا بين البحرين يختلف في خصائصه عن خصائص كل منهما.
ومع وجود البرزخ فإن ماء البحرين المتجاورين يختلط ببطء شديد، ولكن دون أن يبغي أحد البحرين على الآخر بخصائصه؛ لأن البرزخ منطقة تقلب فيها المياه العابرة من بحر إلى آخر لتكتسب المياه المنتقلة بالتدريج صفات البحر الذي ستدخل إليه، وتفقد صفات البحر الذي جاءت منه وبهذا لا يبغي بحر على بحر آخر بخصائصه، مع أنهما يختلطان أثناء اللقاء، وصدق الله القائل: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ (١٩) بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ (٢٠) [الرحمن: ١٩- ٢٠] .
ولقد ذهب أكثر المفسرين إلى أن الحاجز الذي يفصل بين البحرين المذكورين هو حاجز من قدرة الله لا يرى «١» .
وقد أشكل على بعض المفسرين الجمع بين اختلاط مياه البحار مع وجود البرزخ؛ إذ أن وجود البرزخ (الحاجز) يقتضي منع الاختلاط، وذكر الاختلاط
_________________
(١) منهم: ابن الجوزي، الزمخشري، وأبو حيان، والقاسمي، والخازن، والنسفي.
[ ٨٢ ]
(مرج) يقتضي عدم وجود البرزخ، وقد زال الإشكال اليوم باكتشاف أسرار البحر على حقائقها.
أوجه الإعجاز في الآيات السابقة:
مما سبق يتبين:
[١] أنّ القرآن الكريم الذي أنزل قبل أكثر من ١٤٠٠ سنة قد تضمن معلومات دقيقة عن ظواهر بحرية لم تكتشف إلا حديثا بواسطة الأجهزة المتطورة، ومن هذه المعلومات وجود حواجز مائية بين البحار، قال تعالى: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ (١٩) بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ (٢٠) [الرحمن: ١٩- ٢٠] .
[٢] يشهد التطور التاريخي في سير علوم البحار بعدم وجود معلومات دقيقة عن البحار وبخاصة قبل رحلة تشالنجر عام (١٨٧٣ م) فضلا عن وقت نزول القرآن قبل ألف وأربعمائة سنة الذي نزل على نبيّ أمي عاش في بيئة صحراوية ولم يركب البحر.
[٣] كما أن علوم البحار لم تتقدم إلا في القرنين الأخيرين وخاصة في النصف الأخير من القرن العشرين. وقبل ذلك كان البحر مجهولا مخيفا تكثر عنه الأساطير والخرافات، وكل ما يهتم به راكبوه هو السلامة والاهتداء إلى الطريق الصحيح أثناء رحلاتهم الطويلة، وما عرف الإنسان أن البحار الملحة بحار مختلفة إلا في الثلاثينات من هذا القرن، بعد أن أقام الدارسون آلاف المحطات البحرية لتحليل عينات من مياه البحار، وقاسوا في كل منها الفروق في درجات الحرارة، ونسبة الملوحة، ومقدار الكثافة، ومقدار ذوبان الأوكسجين في مياه البحار في كل المحطات فأدركوا بعدئذ أن البحار الملحة متنوعة.
[ ٨٣ ]
[٤] وما عرف الإنسان البرزخ الذي يفصل بين البحار الملحة، إلا بعد أن أقام محطات الدراسة البحرية المشار إليها، وبعد أن قضى وقتا طويلا في تتبع وجود هذه البرازخ المتعرجة المتحركة، التي تتغير في موقعها الجغرافي بتغير فصول العام.
[٥] وما عرف الإنسان أن مائي البحرين منفصلان عن بعضهما بالحاجز المائي، ومختلطان في نفس الوقت إلا بعد أن عكف يدرس بأجهزته وسفنه حركة المياه في مناطق الالتقاء بين البحار، وقام بتحليل تلك الكتل المائية في تلك المناطق.
[٦] وما قرر الإنسان هذه القاعدة على كل البحار التي تلتقي إلا بعد استقصاء ومسح علمي واسع لهذه الظاهرة التي تحدث بين كل بحرين في كل بحار الأرض.
* فهل كان يملك رسول الله ﷺ تلك المحطات البحرية، وأجهزة تحليل كتل المياه، والقدرة على تتبع حركة الكتل المائية المتنوعة؟.
* وهل قام بعملية مسح شاملة، وهو الذي لم يركب البحر قط، وعاش في زمن كانت الأساطير هي الغالبة على تفكير الإنسان وخاصة في ميدان البحار؟.
* وهل تيسر لرسول الله ﷺ في زمنه من أبحاث وآلات ودراسات ما تيسر لعلماء البحار في عصرنا الذين اكتشفوا تلك الأسرار بالبحث والدراسة؟.
* إن هذا العلم الذي نزل به القرآن يتضمن وصفا لأدق الأسرار في زمن يستحيل على البشر فيه معرفتها ليدلّ على مصدره الإلهي، كما قال تعالى:
قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٦) .
[الفرقان: ٦] .
[ ٨٤ ]
* كما يدل على أن الذي أنزل عليه الكتاب رسول يوحى إليه وصدق الله القائل:
سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣) [فصلت: ٥٣] .
[٢] الناصية:
وصف القرآن الناصية بأنها كاذبة خاطئة كما قال تعالى: ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ (١٦) [العلق: ١٦] .
والناصية لا تنطق فكيف يسند إليها الكذب؟ ولا تجترح الخطايا فكيف تسند إليها الخطيئة؟.
لقد أزال البروفيسور محمد يوسف سكر «١» عني هذه الحيرة «٢» عند ما كان يحدثني عن وظائف المخ فقال: إن وظيفة الجزء من المخ الذي يقع في ناصية الإنسان هي توجيه سلوك الإنسان فقلت له: وجدتها!
قال: ماذا وجدت؟.
قلت: وجدت تفسير قوله تعالى: ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ (١٦) .
فقال: دعني أراجع كتبي ومراجعي.
وبعد مراجعته لتلك الكتب والمراجع، أكد الأمر وقال: إن الإنسان إذا أراد أن يكذب فإن القرار يتخذ في الفص الجبهي للمخ الذي هو جبهة الإنسان وناصيته، وإذا أراد الخطيئة فإن القرار كذلك يتخذ في الناصية.
ثم عرضت الموضوع على عدد من العلماء المتخصصين، منهم البرفسور كيث
_________________
(١) البرفسور محمد يوسف سكر: عميد الدراسات العليا بكلية الطب في جامعة الملك عبد العزيز بجدة في حينها وله كتاب باللغة الإنجليزية في وظائف الأعضاء يعد مرجعا في الكليات الأجنبية.
(٢) صاحبتني هذه الحيرة خمسة عشر عاما.
[ ٨٥ ]
إل مور «١» الذي أكد أن الناصية هي المسئولة عن المقايسات العليا وتوجيه سلوك الإنسان، وما الجوارح إلا جنود تنفذ هذه القرارات التي تتخذ في الناصية؛ لذلك فالقانون في بعض الولايات الأمريكية «٢» يجعل عقوبة كبار المجرمين الذي يرهقون أجهزة الشرطة هي استئصال الجزء الأمامي من المخ (الناصية)؛ (لأنه مركز القيادة والتوجيه) ليصبح المجرم بعد ذلك كطفل وديع يستقبل الأوامر من أي شخص.
وبدراسة التركيب التشريحي لمنطقة أعلى الجبهة وجد أنها تتكون من أحد عظام الجمجمة المسمى العظم الجبهي «٣»، ويقوم هذا العظم بحماية أحد فصوص المخ والمسمى الفص الأمامي أو الفص الجبهي «٤»، وهو يحتوي على عدة مراكز عصبية تختلف فيما بينها من حيث الموقع والوظيفة.
وتمثل القشرة الأمامية الجبهية الجزء الأكبر من الفص الجبهي للمخ، وترتبط وظيفة القشرة الأمامية الجبهية بتكوين شخصية الفرد، وتعتبر مركزا علويّا من مراكز التركيز والتفكير والذاكرة، وتؤدي دورا منتظما لعمق إحساس الفرد بالمشاعر، ولها تأثير في تحديد المبادأة والتمييز.
وتقع القشرة مباشرة خلف الجبهة؛ أي أنها تختفي في عمق الناصية، وبذلك تكون القشرة الأمامية الجبهية هي الموجه لبعض تصرفات الإنسان التي تنم عن شخصيته، مثل الصدق والكذب والصواب والخطأ الخ، وهي التي تميز بين هذه الصفات وبعضها البعض وهي التي تحث الإنسان على المبادأة سواء بالخير أو بالشر «٥» .
_________________
(١) كيث إل مور من كبار الأطباء في العالم، تدرس بعض كتبه في كليات الطب بعدة لغات وله مرجع كبير في تشريح المخ. وقد اشترك في تقديم عدة بحوث في الإعجاز الطبي في مؤتمرات الإعجاز العلمي العالمية.
(٢) كما أخبرني أحد علماء جراحة المخ الأمريكيين. Frontal Bone. (٣) .Frontal Lobe (٤)
(٣) كتاب" الناصية" إصدار هيئة الإعجاز العلمي بتصرف.
[ ٨٦ ]
المناطق الوظيفية لنصف الكرة الأيسر للحاء المخي وتقع منطقة الناصية عند مقدمة اللحاء المخي
وعندما قدم البرفسور كيث إل مور البحث المشترك بيني وبينه حول الإعجاز العلمي في الناصية، في مؤتمر دولي عقد في القاهرة «١»، لم يكتف بالحديث عن وظيفة الفص الجبهي في المخ (الناصية) عند الإنسان، بل تطرق إلى بيان وظيفة الناصية في مخاخ الحيوانات المختلفة، وقدم صورا للفصوص الجبهية في عدد من الحيوانات قائلا: إن دراسة التشريح المقارن لمخاخ الإنسان والحيوان تدل على تشابه في وظيفة الناصية، فالناصية هي مركز القيادة والتوجيه عند الإنسان
_________________
(١) مؤتمر الإعجاز الطبي في القرآن والسنة في القاهرة عام (١٩٨٥ م) .
[ ٨٧ ]
وكذلك عند كل الحيوانات ذوات المخ، فلفت قوله ذلك انتباهي إلى قوله تعالى:
إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦) [هود: ٥٦] .
وتذكرت أيضا بعض أحاديث النبي ﷺ في الناصية كقوله: «اللهمّ إنّي عبدك وابن عبدك وابن أمتك ناصيتي بيدك » «١» .
وكقوله: «أعوذ بك من شرّ كلّ شيء أنت آخذ بناصيته» «٢» .
وكقوله: «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة» «٣» .
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند (١/ ٣٩١)، و(١/ ٤٥٢)، وابن حبان في صحيحه ٣/ ٢٥٣، والحاكم في المستدرك ١/ ٦٩٠ وقال: صحيح على شرط مسلم إن سلم من إرسال عبد الرحمن بن عبد الله (هو ابن ابن مسعود) عن أبيه فإنه مختلف في سماعه من أبيه، وابن أبي شيبة في المصنف ٦/ ٤٠ والبزار في مسنده ٥/ ٣٦٣ وأبو يعلى في مسنده ٩/ ١٩٩ والطبراني في المعجم الكبير ١٠/ ١٦٩، وقال في مجمع الزوائد ١٠/ ١٣٦، رواه أحمد وأبو يعلى والبزار إلا أنه قال: وذهاب غمي مكان همي، والطبراني، ورجال أحمد وأبي يعلى رجال الصحيح غير أبي سلمه الجهني وقد وثقه ابن حبان، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة برقم: ١٩٨ ورجح سماع عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود من أبيه وقال: ثبت سماعه منه بشهادة جماعة من الأئمة.
(٢) صحيح مسلم ك/ الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار ب/ ما يقول عند النوم وأخذ المضجع، وأخرجه الترمذي ك/ الدعوات ب/ ما جاء في الدعاء إذا أوى إلى فراشه، وأبو داود في الأدب ب/ ما يقال عند النوم، وأخرجه أحمد في مسنده ٢/ ٣٨١.
(٣) أخرجه البخاري ك/ الجهاد والسير ب/ قول النبي ﷺ أحلت لكم الغنائم، ومسلم في الإمارة، ب/ الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، والنسائي ك/ الخيل ب/ الخيل، وابن ماجة ك/ الجهاد ب/ ارتباط الخيل في سبيل الله، والترمذي ك/ فضائل الجهاد ب/ ما جاء في فضل من ارتبط فرسا في سبيل الله، وابن حبان في صحيحه ١٠/ ٥٢٤، وأحمد في مسنده.
[ ٨٨ ]
فإذا جمعنا معاني هذه النصوص نستنتج أن الناصية هي مركز القيادة والتوجيه لسلوك الإنسان، وكذا سلوك الحيوان.
الناصية مركز القيادة والتوجيه عند الإنسان، وكذلك عند كل الحيوانات ذوات المخ
المعاني اللغوية للآية وأقوال المفسرين:
قال تعالى: كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ (١٦) [العلق: ١٥- ١٦] .
السفع: هو القبض والجذب، وقيل هو مأخوذ من سفع النار، والشمس إذا غيرت وجهه إلى السواد «١» .
_________________
(١) روح المعاني للألوسي، فتح القدير.
[ ٨٩ ]
الناصية: هي مقدم الرأس «١» .
أقوال المفسرين: ذهب جمهور المفسرين إلى تأويل الآية بأن وصف الناصية بالكذب والخطيئة ليس وصفا لها بل هو وصف لصاحبها «٢»، وأمّرها الباقون كما هي بدون تأويل مثل الحافظ ابن كثير.
ويتضح من أقوال المفسرين ﵏ عدم علمهم بأن الناصية هي مركز اتخاذ القرار بالكذب أو الخطيئة، فحملهم ذلك على تأويلها بعيدا عن ظاهر النص، فالنص يصفها بالكذب والخطيئة، وهم أوّلوا وصفها بذلك، فجعلوه وصفا لصاحبها، فأولوا الصفة والموصوف في قوله تعالى: ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ.
كانت مضافا ومضاف إليه، والفرق واضح في اللغة بين الصفة والموصوف والمضاف والمضاف إليه.
وأمرّ آخرون من المفسرين الآية كما هي، دون أن يقحموا أنفسهم فيما لا تطيقه معارفهم وعلومهم في ذلك الزمان.
أوجه الإعجاز العلمي:
* يقول البرفسور كيث إل مور مستدلا على هذه المعجزة العلمية: إن المعلومات التي نعرفها عن وظيفة المخ لم تذكر طوال التاريخ، ولا نجد في كتب الطب عنها شيئا؛ فلو جئنا بكتب الطب كلها في عهد النبي ﷺ وبعده بقرون لن نجد ذكرا لوظيفة الفص الجبهي الأمامي (الناصية) ولن نجد له بيانا، ولم يأت الحديث عنه إلا في هذا الكتاب (القرآن الكريم)، مما يدل على أن هذا من علم الله جل وعلا الذي أحاط بكل شئ علما، ويشهد بأن محمدا رسول الله «٣» .
_________________
(١) لسان العرب، روح المعاني للألوسي.
(٢) فتح القدير للشوكاني، الطبري، روح المعاني، الخازن.
(٣) من بحث ألقاه في المؤتمر العالمي عن الإعجاز الطبي في القرآن والسّنّة، الذي عقد بالقاهرة عام ١٩٨٥ م.
[ ٩٠ ]
* ولقد كانت بداية معرفة الناس بوظيفة الفص الأمامي الجبهي في عام ١٨٤٢ م، حين أصيب أحد عمال السكك الحديد في أمريكا بقضيب اخترق جبهته، فأثر ذلك في سلوكه ولم يضر بقية وظائف الجسم، فبدأت معرفة الأطباء بوظيفة الفص الجبهي للمخ، وعلاقته بسلوك الإنسان.
* وكان الأطباء يعتقدون قبل ذلك أن هذا الجزء من المخ الإنساني منطقة صامته لا وظيفة لها. فمن أعلم محمدا ﷺ بأن هذا الجزء من المخ (الناصية) هو مركز القيادة للإنسان والدواب وأنه مصدر الكذب والخطيئة؟!.
* لقد اضطر أكابر المفسرين إلى تأويل النص الظاهر بين أيديهم لعدم إحاطتهم علما بهذا السر، حتى يصونوا القرآن من تكذيب البشر الجاهلين بهذه الحقيقة طوال العصور الماضية، بينما نرى الأمر في غاية الوضوح في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ في أن الناصية هي مركز القيادة والتوجيه في الإنسان والدواب.
فمن أخبر محمدا ﷺ من بين كل أمم الأرض بهذا السر وبهذا الحقيقة؟!.
إنه العلم الإلهي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وهو شهادة من الله بأن القرآن من عنده؛ لأنه نزل بعلمه سبحانه.
[٣] والجبال أوتاد:
قال تعالى: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهادًا (٦) وَالْجِبالَ أَوْتادًا (٧) .
[النبأ: ٦- ٧] .
تشير الآية إلى أن الجبال أوتاد للأرض، والوتد يكون منه جزء ظاهر على سطح الأرض، ومعظمه غائر فيها، ووظيفته التثبيت لغيره.
بينما نرى علماء الجغرافيا والجيولوجيا يعرّفون الجبل بأنه: كتلة من الأرض
[ ٩١ ]
تبرز فوق ما يحيط بها، وهو أعلى من التل «١» .
ويقول د. زغلول النجار: إن جميع التعريفات الحالية للجبال تنحصر في الشكل الخارجي لهذه التضاريس، دون أدنى إشارة لامتداداتها تحت السطح، والتي ثبت أخيرا أنها تزيد على الارتفاع الظاهر بعدة مرات «٢» .
ثم يقول: ولم تكتشف هذه الحقيقة إلا في النصف الأخير من القرن التاسع عشر عندما تقدم السير جورج ايري بنظرية مفادها أن القشرة الأرضية لا تمثل أساسا مناسبا للجبال التي تعلوها، وافترض أن القشرة الأرضية وما عليها من جبال لا تمثل إلا جزآ طافيا على بحر من الصخور الكثيفة المرنة، وبالتالي فلا بد أن يكون للجبال جذور ممتدة داخل تلك المنطقة العالية الكثافة لضمان ثباتها واستقرارها «٣» .
وقد أصبحت نظرية ايري حقيقة ملموسة مع تقدم المعرفة بتركيب الأرض الداخلي عن طريق القياسات الزلزالية، فقد أصبح معلوما- على وجه القطع- أن للجبال جذورا مغروسة في الأعماق ويمكن أن تصل إلى ما يعادل ١٥ مرة من ارتفاعاتها فوق سطح الأرض، وأن للجبال دورا كبيرا في إيقاف الحركة الأفقية الفجائية لصفائح طبقة الأرض الصخرية. هذا وقد بدأ فهم هذا الدور في إطار تكتونية الصفائح منذ أواخر الستينيات.
_________________
(١) .Websters Seventgh New Collegiate Dictionary. (١)
(٢) الفكرة الجيولوجية عن الجبال في القرآن/ الدكتور زغلول النجار ص ٣ (بالإنجليزية)، ١٩٩٢ إصدارات هيئة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة/ رابطة العالم الإسلامي/ مكة.
(٣) المرجع السابق.
[ ٩٢ ]
شكل توضيحي آخر يبين كيف تشبه الجبال الأوتاد في شكلها بسبب جذورها العميقة.
ويعرف الدكتور زغلول الجبال في ضوء المعلومات الحديثة فيقول: إن الجبال ما هي إلا قمم لكتل عظيمة من الصخور تطفو في طبقة أكثر كثافة كما تطفو
[ ٩٣ ]
جبال الجليد في الماء «١» .
ولقد وصف القرآن الجبال شكلا ووظيفة، فقال تعالى: وَالْجِبالَ أَوْتادًا (٧) [النبأ: ٧] .
وقال تعالى: وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ [لقمان: ١٠] .
وقال تعالى: وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنا فِيها فِجاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣١) [الأنبياء: ٣١] والجبال أوتاد بالنسبة لسطح الأرض، فكما يختفي معظم الوتد في الأرض للتثبيت، كذلك يختفي معظم الجبل في الأرض لتثبيت قشرة الأرض.
وكما تثبت السفن بمراسيها التي تغوص في ماء سائل، فكذلك تثبت قشرة الأرض بمراسيها الجبلية التي تمتد جذورها في طبقة لزجة نصف سائلة تطفو عليها القشرة الأرضية «٢» .
ولقد تنبه المفسرون﵏- إلى هذه المعاني فأوردوها في تفسيرهم لقوله تعالى: وَالْجِبالَ أَوْتادًا واليك أمثلة من ذلك:
[١] قال ابن الجوزي: وَالْجِبالَ أَوْتادًا للأرض لئلا تميد «٣» .
[٢] وقال الزمخشري «٤»: وَالْجِبالَ أَوْتادًا أي أرسيناها بالجبال كما يرسى
_________________
(١) المرجع السابق، ويقول: وإن جبلا ذا متوسط جاذبية نوعية مقداره ٧، ٢ (وهي جاذبية الجرانيت) يمكن أن يغطس في طبقة من الصخور البلاستيكية متوسط جاذبيتها النوعية حوالي ٠ ر ٣، حتى يطفو مرسلا جذرا يبلغ حوالي تسعة أعشار امتداده الكلي، وتاركا عشر حجمه الكلي فقط فوق سطح الأرض. وفي بعض الحالات تكون نسبة جذر الجبل إلى ارتفاعه الظاهر ١٥ إلى ١ تبعا لتركيبة صخوره.
(٢) تسمى المنطقة اللزجة" منطقة الوشاح".
(٣) زاد المسير.
(٤) محمد بن عمر بن محمد الخوارزمي الزمخشري، له باع في اللغة والبيان والتفسير، أخذ بمذهب الاعتزال ودافع عنه، له «الكشاف» في التفسير وغيره من المؤلفات، توفي عام ٥٣٨ هـ، وكلامه المذكور في كتابه الكشاف.
[ ٩٤ ]
البيت بالأوتاد.
[٣] وقال القرطبي: وَالْجِبالَ أَوْتادًا أي لتسكن ولا تتكفأ بأهلها «١» .
[٤] وقال أبو حيان: وَالْجِبالَ أَوْتادًا أي ثبّتنا الأرض بالجبال كما يثبت البيت بالأوتاد «٢» .
[٥] وقال الشوكاني «٣»: وَالْجِبالَ أَوْتادًا الأوتاد جمع وتد أي جعلنا الجبال أوتادا للأرض لتسكن ولا تتحرك كما يرسى البيت بالأوتاد «٤» .
أول الجبال خلقا: البركانية:
عند ما خلق الله القارات بدأت في شكل قشرة صلبة رقيقة تطفو على مادة الصهير الصخري، فأخذت تميد وتضطرب، فخلق الله الجبال البركانية التي كانت تخرج من تحت تلك القشرة، فترمي بالصخور خارج سطح الأرض، ثم تعود منجذبة إلى الأرض وتتراكم بعضها فوق بعض مكونة الجبال، وتضغط بأثقالها المتراكمة على الطبقة اللزجة فتغرس فيها جذرا من مادة الجبل، الذي يكون سببا لثبات القشرة الأرضية واتزانها.
وفي قوله تعالى: وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ [لقمان: ١٠] إشارة إلى الطريقة التي تكونت بها الجبال البركانية بإلقاء مادتها من باطن الأرض إلى الأعلى ثم عودتها لتستقر على سطح الأرض.
ويجلي حديث الرسول ﷺ هذه الكيفية، فقد روى أنس بن مالك «٥»
_________________
(١) الجامع لاحكام القرآن.
(٢) البحر المحيط.
(٣) محمد بن علي الشوكاني اليماني أحد العلماء المشهورين. له مؤلفات منها التفسير والدراري المضيئة والسيل الجرار وغيرها توفي عام ١٢٥٠ هـ- بصنعاء.
(٤) الشوكاني، فتح القدير.
(٥) أنس بن مالك بن النضر الخزرجي الأنصاري أبو ثمامة أو أبو حمزة صاحب رسول الله ﷺ وخادمه روى عنه كثيرا من الأحاديث رحل إلى دمشق ومنها إلى البصرة وبها توفي سنة ٩٣ هـ.
[ ٩٥ ]
عن النبي ﷺ أنه قال: «لّما خلق الله الأرض جعلت تميد، فخلق الجبال فعاد بها عليها » الحديث «١» .
فتأمل في قول النبي ﷺ المبين لكيفية خلق الجبال: " فعاد بها عليها"، أي أن خلقها كان بخروجها من الأرض وعودتها عليها.
_________________
(١) أخرجه الترمذي في آخر كتاب التفسير من سننه واللفظ له، وقال حديث غريب لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه (تحقيق أحمد شاكر وآخرين) وأخرجه أحمد في مسنده ٣/ ١٢٤، وأبو يعلى في مسنده ٧/ ٦٨٢، وعبد بن حميد في مسنده ١/ ٣٦٥، والبيهقي في شعب الإيمان ٣/ ٢٤٤، والأصبهاني في العظمة ٤/ ١٣٥٣، وفيه سليمان بن أبي سليمان الهاشمي، قال الذهبي في الكاشف: مجهول، وقال ابن معين: لا أعرفاه، وقال ابن حجر: مقبول من الثالثة، وحسن إسناده المقدسي في المختارة (٦/ ١٥٣- ١٥٤) .
[ ٩٦ ]
أوجه الإعجاز:
إن من ينظر إلى الجبال على سطح الأرض لا يرى لها شكلا يشبه الوتد أو المرساة، وإنما يراها كتلا بارزة ترتفع فوق سطح الأرض، كما عرفها الجغرافيون والجيولوجيون. ولا يمكن لأحد أن يعرف شكلها الوتدي، أو الذي يشبه المرساة إلا إذا عرف جزءها الغائر في الصهير البركاني في منطقة الوشاح، وكان من المستحيل لأحد من البشر أن يتصور شيئا من ذلك حتى ظهرت نظرية (سيرجورج ايري) عام ١٨٥٥ م.
فمن أخبر محمدا ﷺ بهذه الحقيقة الغائبة في باطن القشرة الأرضية وما تحتها على أعماق بعيدة تصل إلى عشرات الكيلومترات، قبل معرفة الناس لها بثلاثة عشر قرنا؟!.
ومن أخبر محمدا ﷺ بوظيفة الجبال، وأنها تقوم بعمل الأوتاد والمراسي، وهي الحقيقة التي لم يعرفها الإنسان إلا بعد عام ١٩٦٠ م؟.
وهل شهد الرسول ﷺ خلق الأرض وهي تميد؟ وتكوين الجبال البركانية عن طريق الإلقاء من باطن الأرض وإعادتها عليها لتستقر الأرض؟!.
ألا يكفي ذلك دليلا على أن هذا العلم وحي أنزله الله على رسوله النبي الأمي في الأمة الأمية، في العصر الذي كانت تغلب عليه الخرافة والأسطورة؟.
إنها البينة العلمية الشاهدة بأن مصدر هذا القرآن هو خالق الأرض والجبال، وعالم أسرار السموات والأرض القائل: قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٦) [الفرقان: ٦] .
[ ٩٨ ]
[٤] فأخرجنا منه خضرا نّخرج منه حبّا مّتراكبا:
قدر الله ﷾ أن تعتمد النباتات وكذا الإنسان والحيوانات في غذائها على ما ينتجه النبات في مصانعه الخضراء.
وهذه المصانع الخضراء يخرجها النبات بأمر ربه عند بداية نموه وتسمى في كتب العلوم النباتية" البلاستيدات الخضراء" والتي تحتوي على الكلوروفيل الذي عبّر عنه القرآن بالخضر «١»، حيث يقوم بالاستفادة من الطاقة الضوئية ويحولها إلى طاقة كيمائية ينتج عنها تكوين الحبوب والثمار المختلفة وسائر أجزاء النبات التي نراها في الحدائق والبساتين.
ويدلنا القرآن على هذه الحقائق في قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٩٩) [الأنعام: ٩٩] .
التفسير والمعنى اللغوي:
وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً: أي المطر.
فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ: أي فأخرجنا بالمطر كل صنف من النبات.
فَأَخْرَجْنا مِنْهُ: أي من الماء وقيل من النبات.
خَضِرًا: أي شيئا غضّا أخضر «٢» .
نُخْرِجُ مِنْهُ: أي من الخضر «٣» .
_________________
(١) لفظة الخضر تدل على ما كانت خضرته خلقية.
(٢) انظر البحر المحيط، البيضاوي، البغوي، الجلالين، القاسمي، وانظر المعجم الوسيط ومختار الصحاح وفيه: قال الأخفش خضرا: يريد به الأخضر. أي المادة ذات اللون الأخضر.
(٣) البيضاوي، الجلالين، الخازن، الكشاف، البحر المحيط، الطبري، القاسمي.
[ ٩٩ ]
حَبًّا مُتَراكِبًا: أي بعضه على بعض.
وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها «١»: الطلع: غلاف يشبه الكوز ينفتح عن حبّ منضود فيه مادة إخصاب النخلة.
قِنْوانٌ: جمع قنو وهو العذق الذي هو عنقود النخل.
وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ: أي وأخرجنا جنات من أعناب.
الزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ: متشبها ورقها مختلفا ثمرها «٢»، وقيل متشابه في المنظر، مختلف في المطعم «٣» .
انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ: أي انظروا بأعينكم نظر اعتبار لا نظر الإبصار المجرد عن التفكير، ونبه على حالين: بالابتداء وهو وقت ابتداء الإثمار، والانتهاء وهو وقت نضجه، أي كيف يخرجه ضئيلا لا يكاد ينتفع به وكيف يعود نضيجا مشتملا على منافع «٤»، والثمر في اللغة: جنى الشجر.
وَيَنْعِهِ: نضجه، يقال: ينع وأينع إذا نضج.
وقال ابن العربي: قال مالك: الإيناع الطيب بغير فساد ولا نقش، قال مالك:
والنقش أن ينقش أهل البصرة الثمر حتى يرطب. يريد: يثقب فيه بحيث يسرع دخول الهواء إليه فيرطب معجلا، فليس ذلك الينع المراد في القرآن وإنما هو ما يكون من ذاته بغير محاولة «٥» .
إذا فهذه المصانع الخضراء تخرج من النبات عند بدء نموه، والنبات يخرجه الماء من بذوره وأصوله. فالله ﷾ أنزل من السماء ماء، فأخرج به
_________________
(١) قوله سبحانه (ومن النخل): خبر مقدم، (من طلعها): بدل من النخل، (قنوان): مبتدأ مؤخر، (دانية): صفة لقنوان.
(٢) قتادة، الجلالان.
(٣) ابن جرير، البغوي.
(٤) البحر المحيط لأبي حيان.
(٥) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي.
[ ١٠٠ ]
نبات كل شئ، وأخرج من النبات هذه المصانع الخضراء التي منها تخرج المواد الغذائية التي تتكون منها الحبوب والثمار بل وسائر أجزاء النبات.
لكن هذه الحقيقة جهلتها البشرية، ولم تعرفها إلا بعد بحث استغرق ثلاثمائة عام، بداية من عام ١٦٠٠ م، حيث أجرى علماء فسيولوجيا النبات" علم وظائف الأعضاء" أبحاثا وتجارب كثيرة لمعرفة عملية البناء الضوئي.
ففي عام ١٨٠٤ م نشر" دي سواسير" أن هناك نوعين من التبادل الغازي، أحدهما يحدث في الضوء والآخر في الظلام، وأن الأجزاء الخضراء هي التي تمتص ثاني أكسيد الكربون وتطلق الأوكسجين في الضوء" «١» . واستمرت الاكتشافات المتواصلة في هذا المجال.
وفي عام ١٩٤٢ م قال" ماير": إن المصدر النهائي للطاقة المستخدمة في كل من النبات والحيوان هي الشمس وإن الطاقة الضوئية عند ما تمتص في النباتات تتحول إلى طاقة كيماوية عن طريق التمثيل الضوئي" «٢» .
وقال جلاس ١٩٦١ م إن المركبات الأكثر أهمية في تحويل الطاقة الضوئية إلى طاقة كيميائية في النبات هي الصبغات التي توجد داخل البلاستيدات الخضراء" أو حاملات الصبغات" «٣» .
ويبدأ النبات عملية التمثيل الضوئي من خلال هذه المكونات والعضيات.
انظر الشكل «١» .
وينشأ من ذلك كله خلق المواد الكربوهيدراتية والتي تدخل في عمليات حيوية معقدة ينتج عنها بناء خامات الجدار الخلوي والأحماض النووية والبروتينات والدهون والهرمونات النباتية والصبغات الخ، وهذه المواد هي
_________________
(١) من كتاب فسيولوجيا النبات ل روبرت م. ديلفين فرانسيس هـ. ويذام الطبعة العربية ص ٤٠٧.
(٢) نفس المرجع السابق.
(٣) نفس المرجع السابق ص ٣٧٠.
[ ١٠١ ]
أساس تكوين جميع أجزاء النباتات والتي يتغذى عليها الإنسان والحيوانات أنظر الشكل (٢- ٣) .
يقوم النبات بالاستفادة من الطاقة الضوئية فيحولها إلى طاقة كيميائية فيما يسمى بالفسفرة الضوئية داخل الخضر في البلاستيدة الخضراء وينتج عنه طاقة كيميائية في صورة NADPH،ATP والتي يستخدمها النبات فيما يسمى بدورة كالفن وبنسون، وينتج عنها الكاربوهيدرات (السكريات) والتي لا تتحطم أو تتكسر تكسيرا كاملا ولكنها تستخدم كأصول لبناء المواد الخلوية الآخرى، بجانب دخولها في عملية تنفس النبات وهذا يؤدي بطريقة مباشرة إلى بناء خامات الجدار الخلوي والأحماض النووية والبروتينات والدهون والهرمونات النباتية والصبغات إلخ.
ويمكن تلخيص العملية بالمعادلة التالية:
المادة الخضراء «الخضر» ثاني أكسيد كربون ماء- سكرجلوكوز أوكسجين ضوء الشمس
[ ١٠٢ ]
أوجه الإعجاز:
إن العلماء الباحثين في مجال فسيولوجيا النبات اكتشفوا أن المادة الخضراء" الخضر" هي التي تقوم بامتصاص الطاقة الضوئية، وتحويلها إلى طاقة كيماوية ينتج عنها تكوين الثمار المختلفة.
وكان هذا الاكتشاف بعد دراسات متواصلة، وتجارب متنوعة استغرقت قرونا ثلاثة امتدت إلى القرن العشرين.
إن هذه العملية في تكوين الحبوب والثمار والأشجار كانت سرّا مجهولا يختفي في أعماق الثيلاكويد داخل البلاستيدة الخضراء التي لا ترى بالعين المجردة، عرفها علماء النبات بعد سلسلة طويلة من البحوث والدراسات المتواصلة
[ ١٠٣ ]
التي تجند لها العلماء طوال بضعة قرون.
وبعد أن توافرت لهم وسائل البحث العلمي الدقيقة قرروا في نهاية المطاف:
أن في النبات مادة خضراء، وأن هذه المادة الخضراء تخرج المواد الكربوهيدراتية التي هي أساس لتكوين جميع المواد المكونة للثمار والأشجار والزروع.
وهذا ما قرره القرآن الكريم قبل ألف وأربعمائة عام، على لسان نبي أمي، عاش في بيئة صحراوية، وفي أمة أمية وفي عصر لم تتوافر فيه آلات البحث العلمي.
ولقد كان بالإمكان أن تغافل الآية الكريمة ذكر المادة الخضراء ولن يعترض أحد على ذلك الإغفال إلا من يعلم الدور الأساس لتلك المادة، غير أن ذكرها يدل على علم القائل بأنها صاحبة الدور الرئيس في تكوين وإنتاج الحبوب والثمار وسائر الأشجار والزروع. ومن عظمة القرآن الكريم أن يذكر الحقيقة وأن يأخذ بأيدي الناس للوقوف على أول الطريق لمن أراد معرفة السر فيقول: انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ، فهو يوجه النظر إلى بداية تكون الثمرة وعلاقتها بالإيناع الذي يتوقف عنده إنتاج تلك الثمار بسبب اصفرار أوراق بعض النباتات وموت خلاياها.
فمن أخبر محمدا ﷺ بهذه الحقيقة؟، وهو النبي الأمي الذي عاش في تلك البيئة الأمية، وفي زمان لم توجد فيه أبسط الأجهزة فضلا عن امتلاك ما تتطلبه معرفة هذه الحقائق من الأجهزة المتطورة ومراكز ومعامل الأبحاث في مجال فسيولوجيا النبات.
إن اشتمال القرآن على هذه المعلومات النباتية الدقيقة يشهد أنه من عند الله القائل: لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا (١٦٦) [النساء: ١٦٦] .
[ ١٠٤ ]
قال تعالى:
وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٩٩)
[ ١٠٥ ]
[٥] وأنزلنا الحديد:
قال تعالى: وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ [الحديد: ٢٥] .
تتحدث هذه الآية عن وجود الحديد في الأرض وأنه وجد فيها بعملية إنزال من السماء، وهذا يسوقنا إلى دراسة كيفية تكوين الحديد في الكون.
وقد درس العلماء المتخصصون هذا الأمر فوجدوا أن ٩٨ من الكون يتكون من الهيدروجين والهليوم، وهما أخف العناصر «١»، وأن ال ٢ الباقية تشكل العناصر الأثقل وعددها مائة وخمسة عناصر، مما حمل الدارسين على استنباط حقيقة تكون المواد الأثقل وزنا ذريّا من المواد الأخف، وأن ذلك يتم عن طريق الاندماج النووي «٢» الذي تصحبه طاقة هائلة، ووجد الباحثون أن هناك نجوما تصل درجة حرارتها من ٣٠٠ ألف مليون درجة إلى ٤٠٠ ألف مليون درجة مئوية «٣» تسمح بأن يتكون الحديد بداخلها. فإذا وصلت كمية الحديد إلى ٥٠ من كتلة النجم وأصبح قلب النجم كله حديدا تتوقف العملية بالكامل وعندئذ ينفجر النجم، وإذا انفجر تناثرت أشلاؤه في صفحة الكون ودخلت بقدر الله في مجال جاذبية أجرام سماوية أخرى تحتاج إلى هذا الحديد، ونرى ذلك يحدث الآن كما نرى نيازك حديدية تصل إلى الأرض مثل ما حدث في جنوب السودان حين نزل في مدينة جوبا نيزك كتلته (٩٠ طنا) . وأغلب النيزك يحترق باحتكاكه بالغلاف الغازي، ووصول (٩٠ طنا) من الحديد الصافي يعني أن كتلة هذا النيزك كانت أكبر من ذلك بأضعاف كثيرة.
_________________
(١) (يكون غاز الهيدروجين وحده وهو أخف العناصر أكثر من ٧٤ من مادة الكون، يليه في الكثرة غاز الهليوم، ثاني أخف العناصر، الذي يكون أكثر من ٢٤ من مادة الكون) .
(٢) إن التفاعل الأساسي الذي يولد كميات الطاقة الهائلة التي تشعها الشمس ومعظم النجوم الآخرى سببه الاندماج النووي لعنصر الهيدروجين وتحوله إلى هليوم، الذي تندمج ذراته بدورها مكونة عناصر أثقل وصولا إلى عنصر الحديد.
(٣) بينما لا تزيد درجة حرارة الشمس عن ٦٠٠ ألف درجة عن سطحها و٢٠ مليون في باطنها.
[ ١٠٦ ]
ونحن نرى النيازك الحديدية تصل إلى الأرض وتصل إلى القمر وإلى المجموعات الآخرى، مما دفع العلماء إلى تصور أن الأرض حينما انفصلت عن الشمس لم تكن سوى كومة من الرماد.
ويقول المختصون إن الأرض تشكلت قبل أربعة بلايين ونصف بليون عام، وكانت النيازك والمذنبات تقصفها بشدة وعنف بحيث كانت الحرارة المنبعثة من هذا التصادم والقصف الفائق السرعة كافيه لإذابة الكوكب بأكمله، ثم بدأت تبرد بعد ذلك واستمرت تبرد إلى اليوم، وأخذت المواد الأكثر كثافة مثل الحديد والقادمة من تلك النيازك طريقها إلى قلب ومركز الأرض، بينما صعدت السيليكات الأخف وزنا وكذلك مركبات الأوكسجين الآخرى والماء القادم من المذنبات إلى قرب السطح. ويكون الحديد أكثر من ٣٥ من كتلة الأرض حيث تتكون الأرض من قلب صلب من الحديد ثم يليه قلب منصهر أغلبه من الحديد، ثم أربعة أوشحة متمايزة يشكل الحديد فيها نسبة عالية ثم الغلاف الصخري للأرض وفيه نسبة جيدة من الحديد، ويوضح الشكل الآتي تركز المعادن في طبقات الأرض المختلفة.
[ ١٠٧ ]
ونلاحظ أن القلب الداخلي يتكون في معظمه من الحديد في حالته الصلبة بينما يتكون القلب الخارجي الذي يحيط به من الحديد و١٠ من الكبريت، وبهذا يكون الحديد عنصرا مهما من مكونات طبقات الأرض السبع.
وقال البرفسور آرمسترونج «١» أحد مشاهير علم الفلك في أمريكا والذي يعمل في وكالة الفضاء الأمريكية ناسا حين سألناه كيف تكون الحديد: (سأحدثكم كيف تكونت كل العناصر على الأرض. لقد اكتشفناها، بل لقد أقمت عددا من التجارب لإثبات ما أقول لكم. إن العناصر المختلفة تجتمع فيها الجسيمات المختلفة من إلكترونات وبروتونات وغيرها، لكي تتحد هذه الجسميات في ذرة كل عنصر تحتاج إلى طاقة. وعند حسابنا للطاقة اللازمة لتكوين ذرة الحديد وجدنا أن الطاقة اللازمة يجب أن تكون كطاقة المجموعة الشمسية أربع مرات، ولذلك يعتقد العلماء أن الحديد عنصر
_________________
(١) انظر كتاب إنه الحق، الشيخ عبد المجيد الزنداني، ص ٦٧- مطابع المحرابي.
[ ١٠٨ ]
غريب وفد إلى الأرض ولم يتكون فيها.
وعند سؤاله متى اكتشف العلماء التجريبيون حقيقة إنزال الحديد إلى الأرض؟ قال: (بأنها لم تعرف عن العلماء التجريبيين إلا في الربع الأخير من القرن العشرين وأنه لم يشر أحد من العلماء المتخصصين والباحثين إلى شيء من ذلك، ولم تشر كتب العلم التجريبي إلى هذه الحقيقة قبل هذا التاريخ) .
إن علماء الفيزياء قد تمكنوا من أن يوجدوا عناصر أثقل من عناصر أخف «١» واستطاعوا أن يحسبوا الطاقة اللازمة لتكوين كل عنصر من هذه العناصر وقد وجدوا أن الطاقة اللازمة لتكوين ذرة واحدة من الحديد تحتاج إلى أربعة أضعاف
_________________
(١) وأن وراء كل اكتشاف من هذه الاكتشافات جائزة نوبل.
[ ١٠٩ ]
الطاقة الموجودة في المجموعة الشمسية مما جعلهم يجزمون بأن الحديد لا يمكن أن يكون قد خلق في الأرض أو في المجموعة الشمسية بل لابد أن يكون قد خلق في نجم خارج المجموعة الشمسية ونزل إلى الأرض في صورة حديد.
أقوال المفسرين:
وهيا لنرى ما قاله علماء التفسير في هذه الآية:
لقد انقسم المفسرون إلى فريقين:
فمنهم من فسر اللفظ على ظاهره فقالوا: وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ بمعنى أن الله أنزل الحديد كما أنزل آدم من السماء إلى الأرض، وهو قول ابن عباس وعكرمة وإليه ذهب الطبري والقرطبي والواحدي.
ومنهم من اضطر إلى تأويل اللفظ عن ظاهره لاستبعاد إمكانية تصور نزول الحديد إلى الأرض من السماء ولما يشاهدونه في أزمنتهم وبيئاتهم من استخراج الحديد من باطن الأرض فقالوا: وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ بمعنى أنشأناه وخلقناه وهو قول الحسن وإليه ذهب ابن كثير والثعالبي والشوكاني.
ونرى من أقوالهم أنهم أوّلوا لفظ أنزلنا إلى خلقنا وجعلنا، وفرق بين الإنزال والخلق والجعل لكنها المعارف البشرية المحدودة في تلك الأزمنة التي كانت تحمل المفسرين على صرف اللفظ عن ظاهره.
وجه الإعجاز:
لم يتمكن الإنسان من معرفة حقيقة أن الحديد نزل من السماء إلى الأرض إلا بعد أن امتلك من الوسائل العلمية ما تمكن به من معرفة ما جرى ويجري في أعماق النجوم البعيدة لتكوين مادة الحديد، وبعد أن تمكن من تحويل بعض العناصر الخفيفة إلى عناصر ثقيلة وحساب ما يحتاج إليه ذلك من طاقة، وعجزه عن تكوين مادة الحديد من مواد أخف منه؛ إذ يتطلب ذلك طاقة تساوى أربعة
[ ١١٠ ]
أضعاف طاقة المجموعة الشمسية. كما أن استخراج البشر للحديد من مناجمه في باطن الأرض جعلهم لا يتوقعون أن يكون الحديد قد نزل من السماء إلى الأرض وحملهم على الاعتقاد بأنه خلق مع سائر العناصر الأرضية. لذلك خلت العلوم التجريبية من أي إشارة إلى هذه الحقيقة قبل الربع الأخير من القرن العشرين. وكذلك اضطر كثير من المفسرين إلى تأويل اللفظ القرآني وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ إلى معنى لا يحتمله اللفظ بما فيهم مفسرون معاصرون عاشوا في القرن العشرين. فمن أخبر محمدا ﷺ بهذه الحقيقة التي لم تعرفها البشرية إلا في الربع الأخير من القرن العشرين، والتي خفيت عن كل البشر حتى هذا التاريخ، من؟!، إلا الذي أنزل الحديد وأنزل القرآن على عبده ليكون للعالمين نذيرا، القائل: لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥) [الحديد: ٢٥] «١» .
[٦] أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ:
لقد كانت البحار عالما مجهولا إلى القرن الثامن عشر الميلادي، كما كانت الخرافات والأساطير المتعلقة بالبحار تسود الحضارات القديمة، وكان الرومان يعتقدون بأن قمم الأمواج جياد بيضاء تجر عربة الإله (نبتون) «٢» بزعمهم، وكانوا يقومون بالطقوس والاحتفالات لإرضاء هذه الآلهة، وكانوا يعتقدون
_________________
(١) أشكل على بعض العلماء قوله تعالى: وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ فلم يتصوروا إمكانية نزول الأنعام من السماء وقد دلت الكثير من البحوث المتعلقة بالحياة على عجز علماء الحياة أن يخلقوا مادة حية من مكونات الأرض فقرروا أن الحياة قد جاءت من خارج الأرض وقد قرر القرآن أن آدم نزل من الجنة إلى الأرض فما الذي يمنع أن يكون الله قد أنزل هذه الحيوانات من مكان في السماء إلى الأرض بطريقة يعلمها الله.
(٢) أسرار المحيطات، دار الكتاب العربي، ١٩٩٦ م.
[ ١١١ ]
بوجود أسماك مصاصة لها تأثيرات سحرية على إيقاف السفن، وكان لليونانيين مثل هذه الاعتقادات كما كان بحارتهم يعزون سبب الدوامات البحرية إلى وجود وحش يسمونه كاربيدس يمتص الماء ثم يقذفه «١»، ولم يكن بمقدور الإنسان معرفة أعماق الشواطئ الضحلة والمياه الراكدة، ناهيك عن معرفة البحار العميقة والحركات الداخلية في هذه المياه، كما لم يكن بإمكان الإنسان الغوص في هذه الشواطئ إلا في حدود عشرين مترا ولثواني معدودة ليعاود التنفس من الهواء الجوي، وحتى بعد ابتكار أجهزة التنفس للغواصين لم يتمكن الإنسان من الغوص أكثر من ثلاثين مترا نظرا لازدياد ضغط الماء على جسم الغواص مع زيادة العمق والذي يعادل عند عمق ثلاثين مترا أربعة أضعاف الضغط الجوي على سطح الأرض «٢» وعندئذ يذوب غاز النتروجين في دم الغواص ويؤثر على عمل مخه فيفقده السيطرة على حركاته «٣» ويصاب الغواصون نتيجة لذلك بأمراض تعرف في الطب بأمراض الغواصين، أما إذا نزل الغواص إلى أعماق بعيدة فإن ضغط الماء يكفي لهرس جسمه.
التسلسل الزمني لاكتشاف أعماق البحار:
* في عام ١٣٠٠ م استخدم صيادو اللؤلؤ أول نظارات واقية مصنوعة من صدف السلاحف «٤» .
_________________
(١) .Wiklipedia،the Free Ency Clopedig. (١)
(٢) يزداد ضغط الماء على الغواص بمقدار ضغط جوي واحد كلما نزل على عمق عشرة أمتار.
(٣) عند نزول الغواص إلى هذه الأعماق فإن غاز النتروجين يذوب في الدماء تحت الضغط العالي فإذا ما ارتفع الغواص فجاءة نتيجة لفقدان السيطرة على حركته فإن الضغط يخف ويخرج غاز النتروجين فائرا كما تخرج الغازات الذائبة في قارورة المياه الغازية عند رجها.
(٤) في عام ١٥٢٠ م استطاع ماجلان أن يعبر المحيط الهادي بمساعدة ملك البرتغال وفي عام ١٥٢٢ م تمكنت هذه السفن من أن تبحر حول العالم.
[ ١١٢ ]
* في عام ١٨٦٠ م تم اكتشاف أحياء في قاع البحر المتوسط باستخدام حبل حديدي (كيبل) .
* في عام ١٨٦٥ م تم ابتكار مجموعة غطس مستقلة بواسطة كل من (روكايرول ودينايروز) .
* في عام ١٨٩٣ م تمكن بوتان من التقاط صور تحت الماء «١» .
* في عام ١٩٢٠ م تم استخدام طريقة السبر بالصدى (صدى الموجات الصوتية) لمعرفة الأعماق.
* في عام ١٩٣٠ م تمكن كل من بارتون وبيبس من أن يغوصا بأول كرة أعماق حتى عمق ٣٠٢٨ قدما وابتكار (أقنعة الوجه والزعانف وأنبوب التنفس) .
* في عام ١٩٣٨ م تم ابتكار قارورة للتنفس (سكوبا) وابتكار صمام التنفس من قبل الكابتن كوستو ودوماس.
_________________
(١) في عام ١٨٧٢ م تم إبحار السفينة «تشالنجر» في رحلة بحث علمية لدراسة البحار، مما ساعد على توفير معلومات علمية عن البحار.
[ ١١٣ ]
* في عام ١٩٥٨ م تم إجراء تجارب الاختبارات على غواصة الأعماق (الستينيات) وابتكار (ابرس) غلاصم «١» للتنفس تحت الماء وتجربتها لأول مرة.
* وتمكن الإنسان من الغوص إلى أعمق بقعة في المحيط الهادي «٢»، كما تمكن من البقاء في أعماق البحر لعدة أيام «٣»، واكتشف الإنسان وجود فوهات في أعماق البحر «٤»، وصنع الإنسان الغواصة الصفراء «٥»
_________________
(١) تشبه الخياشيم.
(٢) في عام ١٩٦٠ م وفي الثالث والعشرين من يناير نزلت الغواصة (تريستا) وهي عبارة عن كرة من الصلب جدارها يبلغ سمكه ٩ سنتمترات وبإمكانها الهبوط والصعود فقط وعلى متنها كلا من: دونالد والش وجاكوى بيكارد وبعد أربع ساعات من الهبوط لمسافة ١١ كلم تم الوصول لأعمق منطقة في المحيط الهادي (خانق مريانا) واكتشف الإنسان لأول مرة بواسطة هذه الغواصة وجود براكين تحت الماء وعيون ماء حارة وكثير من الأحياء المائية.
(٣) في عام ١٩٦٢ م، تمكن غواصون من البقاء لمدة أسبوع في أول غرفة تشبع" كونشلف "la وهي بيوت مائية للغواصين.
(٤) في عام ١٩٧٧ م تم اكتشاف وجود حياة في فوهات أعماق البحار وعثرت مركبة (نوتايل) على فوهات في أعماق البحر قرب المكسيك يتدفق منها الماء وهو في درجة ٣٥٠ م وحين يرتفع ماؤها فوق الصخور يتفاعل مع المعادن ليتحول إلى اللون الأسود ويصبح شبيها بالمدخنة، كما تم صناعة غواصة الأبحاث الأمريكية (ألفين) القادرة على الغوص إلى عمق ٣٦٥٠ متر.
(٥) في عام ١٩٩٥ م صمم البريطاني روبرت ليدز غواصة صفراء تشبه الصحن الطائر معدة للاستخدام التجاري ويمكن بها مراقبة الأسماك على عمق يصل إلى خمسين مترا.
[ ١١٤ ]
والغواصات النووية «١» .
معلومات حديثة في علم البحار:
لم تبدأ الدراسات المتصلة بعلوم البحار وأعماقها على وجه التحديد إلا في بداية القرن الثامن عشر عند ما توفرت الأجهزة المناسبة والتقنيات وصولا إلى ابتكار الغواصات المتطورة. وبعد عام ١٩٥٨ م أي بعد ثلاثة قرون من البحوث والدراسات العلمية وعلى أيدي أجيال متعاقبة من علماء البحار توصل الإنسان إلى حقائق مدهشة منها:
[١] ينقسم البحر إلى قسمين كبيرين:
(أ) البحر السطحي الذي تتخلله طاقة الشمس وأشعتها.
(ب) البحر العميق الذي تتلاشى فيه طاقة الشمس وأشعتها.
_________________
(١) صناعة الغواصات النووية (١): لم يكن باستطاعة الغواصات الصغيرة التي تعمل بالبطاريات من البقاء مغمورة في الماء أكثر من بضعة أيام فقام الإنسان بصناعة الغواصات التي تعمل بالطاقة النووية والتي يمكنها البقاء لأكثر من سنتين وهي كبيرة الحجم وتحمل طاقما كبيرا، وتعتبر الغواصة الروسية (تايفون) من أكبر الغواصات حيث تزن أكثر من ٢٥ ألف طن وطولها ١٧٢ مترا، والغواصة الروسية كورست التي غرقت في أغسطس ٢٠٠٠ م وهي تزن ١٨ ألف طن وعلى متنها ١١٨ فردا في بحر بارتنس.
[ ١١٥ ]
[٢] يختلف البحر العميق عن البحر السطحي في الحرارة والكثافة والضغط ودرجة الإضاءة الشمسية، والكائنات التي تعيش في كل منهما ويفصل بينهما موج داخلي.
[٣] الأمواج البحرية الداخلية:
تغطي الأمواج الداخلية البحر العميق وتمثل حدّا فاصلا بين البحر العميق والبحر السطحي، كما يغطي الموج السطحي سطح البحر ويمثل حدّا فاصلا بين الماء والهواء ولم تكتشف الأمواج الداخلية إلا في عام ١٩٠٤ م «١» . ويتراوح طول الأمواج الداخلية ما بين عشرات إلى مئات
_________________
(١) يعود أول تفسير علمي لظاهرة الأمواج الداخلية للدكتور (ف. و. إيكمان V.WEkman في عام (١٣٢٢ هـ- ١٩٠٤)، الذي فسر ظاهرة المياه الراكدة في الخلجان النروجية حين تفقد السفن التي تبحر قدرتها على التقدم فتقف ساكنة في هذه المياه الراكدة، كما لاحظ عالم المحيطات النرويجي (فريتوف نانسن (Nansen تعرض سفينته (فرام (Fram لهذه الظاهرة شمال جزيرة (تايمير) خلال عملية استكشاف القطب الشمالي ما بين (١٣١١ هـ- ١٨٩٣ م) و(١٣١٤ هـ- ١٨٩٦ م) عند محاولة اجتياز منطقة القطب. لذلك فقد قام نانسن بتشجيع إيكمان على البحث عن تفسير ظاهرة المياه الراكدة فكان رأي إيكمان على أنها تنجم عن الأمواج الداخلية التي تتولد في السطح الفاصل بين المياه السطحية والمياه العميقة للمحيط، وبعد زمن غير طويل وصف (أوتو باترسون (Ottopetterson تأثير الأمواج الداخلية الطويلة التي تحدث في أعماق البحار على هجرة الأسماك من نوع (هيرنج (Herring بالقرب من سواحل جوتلاند (Jutland) بالقرب من الساحل الغربي للسويد في فصل الصيف. ويكون مرور الأمواج الداخلية محسوسا من سفن التنقيب عن النفط عند ما يتغير ثقل المعوم المربوط بين سفينة الحفر وفتحه البئر الكائنة في قاع البحر بصورة مفاجئة وتم التعرف على هذه الأمواج الداخلية بأثيرها على حركة الغواصات.
[ ١١٦ ]
الكيلومترات كما يتراوح ارتفاع معدل هذه الأمواج ما بين ١٠ إلى ١٠٠ متر تقريبا.
[٤] اشتداد الظلام في البحر العميق مع ازدياد عمق البحر حتى يسيطر الظلام الدامس الذي يبدأ من عمق (٢٠٠ متر) تقريبا ويبدأ عند هذا العمق المنحدر الحراري الذي يفصل بين المياه السطحية الدافئة ومياه الأعماق الباردة، كما توجد فيه الأمواج الداخلية التي تغطي المياه الباردة في أعماق البحر، وينعدم الضوء تماما على عمق ١٠٠٠ متر تقريبا.
أما فيما يتعلق بانتشار الظلمات في أعماق البحار فقد أدرك صيادو الأسماك أن الضوء يمتص حتى في المياه الصافية وأن قاع البحر المنحدر ذا الرمال البيضاء يتغير لونه بصورة تدريجية حتى يختفي تماما مع تزايد العمق وأن نفاذ الضوء يتناسب عكسيا مع ازدياد العمق. وأبسط جهاز علمي لقياس عمق نفاذ الضوء في مياه المحيط هو (قرص سيتشى. «١» (TheSecchiDisk -
ولكن على الرغم من كونه وسيلة سهلة لقياس اختراق الضوء للماء بدرجة تقريبية، وعلى الرغم من استعماله على نطاق واسع فإن قياس الظلمات في ماء البحر بصورة دقيقة لم يتحقق إلا بعد استخدام الوسائل التصويرية في نهاية القرن الماضي «٢» ثم بتطوير وسائل قياس شدة الضوء التي استخدمت الخلايا الكهرو ضوئية خلال الثلاثينيات، وبعد اختراع الإنسان أجهزة مكنته من الغوص إلى هذه الأعماق البعيدة.
_________________
(١) أول من وصفه في الكتب العلمية كلا من سيلادي وسيشني CiladiandSecchi في عام ١٢٨١ هـ/ ١٨٦٥ م، وهو عبارة عن قرص أبيض ذي قطر معين يتم إنزاله في الماء ليسجل العمق الذي تتعذر رؤيته كنقطة قياسية ولا يزال هذا القرص قيد الاستعمال حيث يكفي لتحديد قياس تقريبي لشفافية الماء.
(٢) Fol، H.and Sarasin، E.١٨٨٤، Sur lapenetration de la Lumiere du jour dans les eaus du lac de Geneve:com- ptes Rendus de sseances do des Sciences، PP ٦٢٤- ٧٢٥ .
[ ١١٧ ]
وفي الهامش «١» معلومات عن شدة الضوء عند أعماق مختلفة من المحيط.
أما البحار العميقة فالضياء منعدم فيها، والظلمات متراكمة، وتعتمد الكائنات الحية والأسماك التي تعيش فيها على الطاقة الكيميائية لتوليد الضوء الذي تستشعر به طريقها، وهناك أنواع منها عمياء تستخدم وسائل أخرى غير الرؤية لتلمس ما حولها.
وتبدأ هذه الظلمات على عمق ٢٠٠ متر تقريبا وتختفي جميع أشعة الضوء على عمق ١٠٠٠ متر تقريبا حيث ينعدم الضوء تماما، كما أن أغلب تركيب الأسماك في الأعماق يتكون من الماء لمواجهة الضغوط الهائلة.
ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ:
إن الظلام الدامس الذي يشتد من خمسمائة متر إلى ألف متر يتكون في أعماق البحار نتيجة لظلمات بعضها فوق بعض، وتنشأ لسببين رئيسين:
_________________
(١) من المعروف الآن أن كمية الضوء التي تنفذ إلى أعماق البحار تتناقص تناقصا رأسيا وفقا لما يراه (جيرلوف Jerlov فينخفض مستوى الإضاءة في مياه المحيط المكشوفة إلى نسبة ١٠ عند عمق ٣٥ م، من السطح وتنخفض إلى ١ عند عمق ٨٥ مترا وإلى ١ عند عمق ١٣٥ م، وإلى ٠١ عند عمق ١٩٠ م وإن أفاد بعض الذين قاموا بالدراسة والمراقبة من الغواصات لمدد طويلة أنهم تمكنوا من رؤية الضوء في أعماق تزيد على ذلك ويرى كلا من (كلارك) و(دنتون) أن الإنسان يستطيع أن يرى الضوء المنتشر على عمق ٨٥٠ م، ومن الواضح أن الأسماك التي تعيش في أعماق البحار ترى أفضل من ذلك إلى حد ما، ولم تبدأ الدراسات المتصلة بعلوم البحار وأعماقها على وجه التحديد إلا في بداية القرن الثامن عشر عند ما توفرت الأجهزة المناسبة والتقنيات وصولا إلى ابتكار الغواصات المتطورة. وبعد عام ١٩٥٨ م أي بعد ثلاثة قرون من البحوث والدراسات العلمية وعلى أيدي أجيال متعاقبة من علماء البحار توصل الإنسان إلى حقائق مدهشة منها:
(٢) ينقسم البحر إلى قسمين كبيرين: (أ) البحر السطحي الذي تتخلله طاقة الشمس وأشعتها. (ب) البحر العميق الذي تتلاشى فيه طاقة الشمس وأشعتها.
(٣) صناعة الغواصات النووية (١): لم يكن باستطاعة الغواصات الصغيرة التي تعمل بالبطاريات من البقاء مغمورة في الماء أكثر من بضعة أيام فقام الإنسان بصناعة الغواصات التي تعمل بالطاقة النووية والتي يمكنها البقاء لأكثر من سنتين وهي كبيرة الحجم وتحمل طاقما كبيرا، وتعتبر الغواصة الروسية (تايفون) من أكبر الغواصات حيث تزن أكثر من ٢٥ ألف طن وطولها ١٧٢ مترا، والغواصة الروسية كورست التي غرقت في أغسطس ٢٠٠٠ م وهي تزن ١٨ ألف طن وعلى متنها ١١٨ فردا في بحر بارتنس.
[ ١١٨ ]
[٢] يختلف البحر العميق عن البحر السطحي في الحرارة والكثافة والضغط ودرجة الإضاءة الشمسية، والكائنات التي تعيش في كل منهما ويفصل بينهما موج داخلي.
[٣] الأمواج البحرية الداخلية:
تغطي الأمواج الداخلية البحر العميق وتمثل حدّا فاصلا بين البحر العميق والبحر السطحي، كما يغطي الموج السطحي سطح البحر ويمثل حدّا فاصلا بين الماء والهواء ولم تكتشف الأمواج الداخلية إلا في عام ١٩٠٤ م «١» . ويتراوح طول الأمواج الداخلية ما بين عشرات إلى مئات
_________________
(١) يعود أول تفسير علمي لظاهرة الأمواج الداخلية للدكتور (ف. و. إيكمان V.WEkman في عام (١٣٢٢ هـ- ١٩٠٤)، الذي فسر ظاهرة المياه الراكدة في الخلجان النروجية حين تفقد السفن التي تبحر قدرتها على التقدم فتقف ساكنة في هذه المياه الراكدة، كما لاحظ عالم المحيطات النرويجي (فريتوف نانسن (Nansen تعرض سفينته (فرام (Fram لهذه الظاهرة شمال جزيرة (تايمير) خلال عملية استكشاف القطب الشمالي ما بين (١٣١١ هـ- ١٨٩٣ م) و(١٣١٤ هـ- ١٨٩٦ م) عند محاولة اجتياز منطقة القطب. لذلك فقد قام نانسن بتشجيع إيكمان على البحث عن تفسير ظاهرة المياه الراكدة فكان رأي إيكمان على أنها تنجم عن الأمواج الداخلية التي تتولد في السطح الفاصل بين المياه السطحية والمياه العميقة للمحيط، وبعد زمن غير طويل وصف (أوتو باترسون (Ottopetterson تأثير الأمواج الداخلية الطويلة التي تحدث في أعماق البحار على هجرة الأسماك من نوع (هيرنج (Herring بالقرب من سواحل جوتلاند (Jutland) بالقرب من الساحل الغربي للسويد في فصل الصيف. ويكون مرور الأمواج الداخلية محسوسا من سفن التنقيب عن النفط عند ما يتغير ثقل المعوم المربوط بين سفينة الحفر وفتحه البئر الكائنة في قاع البحر بصورة مفاجئة وتم التعرف على هذه الأمواج الداخلية بأثيرها على حركة الغواصات.
[ ١١٦ ]
الكيلومترات كما يتراوح ارتفاع معدل هذه الأمواج ما بين ١٠ إلى ١٠٠ متر تقريبا.
[٤] اشتداد الظلام في البحر العميق مع ازدياد عمق البحر حتى يسيطر الظلام الدامس الذي يبدأ من عمق (٢٠٠ متر) تقريبا ويبدأ عند هذا العمق المنحدر الحراري الذي يفصل بين المياه السطحية الدافئة ومياه الأعماق الباردة، كما توجد فيه الأمواج الداخلية التي تغطي المياه الباردة في أعماق البحر، وينعدم الضوء تماما على عمق ١٠٠٠ متر تقريبا.
أما فيما يتعلق بانتشار الظلمات في أعماق البحار فقد أدرك صيادو الأسماك أن الضوء يمتص حتى في المياه الصافية وأن قاع البحر المنحدر ذا الرمال البيضاء يتغير لونه بصورة تدريجية حتى يختفي تماما مع تزايد العمق وأن نفاذ الضوء يتناسب عكسيا مع ازدياد العمق. وأبسط جهاز علمي لقياس عمق نفاذ الضوء في مياه المحيط هو (قرص سيتشى. «١» (TheSecchiDisk -
ولكن على الرغم من كونه وسيلة سهلة لقياس اختراق الضوء للماء بدرجة تقريبية، وعلى الرغم من استعماله على نطاق واسع فإن قياس الظلمات في ماء البحر بصورة دقيقة لم يتحقق إلا بعد استخدام الوسائل التصويرية في نهاية القرن الماضي «٢» ثم بتطوير وسائل قياس شدة الضوء التي استخدمت الخلايا الكهرو ضوئية خلال الثلاثينيات، وبعد اختراع الإنسان أجهزة مكنته من الغوص إلى هذه الأعماق البعيدة.
_________________
(١) أول من وصفه في الكتب العلمية كلا من سيلادي وسيشني CiladiandSecchi في عام ١٢٨١ هـ/ ١٨٦٥ م، وهو عبارة عن قرص أبيض ذي قطر معين يتم إنزاله في الماء ليسجل العمق الذي تتعذر رؤيته كنقطة قياسية ولا يزال هذا القرص قيد الاستعمال حيث يكفي لتحديد قياس تقريبي لشفافية الماء.
(٢) ٤٢٦ PP،secneicS sed od secnaess ed sudneR setp -moc:eveneG ed cal ud suae sel snad ruoj ud ereimuL al ed noitartenepal ruS،٤٨٨١.E،nisaraS dna.H،loF .
[ ١١٧ ]
وفي الهامش «١» معلومات عن شدة الضوء عند أعماق مختلفة من المحيط.
أما البحار العميقة فالضياء منعدم فيها، والظلمات متراكمة، وتعتمد الكائنات الحية والأسماك التي تعيش فيها على الطاقة الكيميائية لتوليد الضوء الذي تستشعر به طريقها، وهناك أنواع منها عمياء تستخدم وسائل أخرى غير الرؤية لتلمس ما حولها.
وتبدأ هذه الظلمات على عمق ٢٠٠ متر تقريبا وتختفي جميع أشعة الضوء على عمق ١٠٠٠ متر تقريبا حيث ينعدم الضوء تماما، كما أن أغلب تركيب الأسماك في الأعماق يتكون من الماء لمواجهة الضغوط الهائلة.
ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ:
إن الظلام الدامس الذي يشتد من خمسمائة متر إلى ألف متر يتكون في أعماق البحار نتيجة لظلمات بعضها فوق بعض، وتنشأ لسببين رئيسين:
_________________
(١) من المعروف الآن أن كمية الضوء التي تنفذ إلى أعماق البحار تتناقص تناقصا رأسيا وفقا لما يراه (جيرلوف Jerlov فينخفض مستوى الإضاءة في مياه المحيط المكشوفة إلى نسبة ١٠ عند عمق ٣٥ م، من السطح وتنخفض إلى ١ عند عمق ٨٥ مترا وإلى ١ عند عمق ١٣٥ م، وإلى ٠١ عند عمق ١٩٠ م وإن أفاد بعض الذين قاموا بالدراسة والمراقبة من الغواصات لمدد طويلة أنهم تمكنوا من رؤية الضوء في أعماق تزيد على ذلك ويرى كلا من (كلارك) و(دنتون) أن الإنسان يستطيع أن يرى الضوء المنتشر على عمق ٨٥٠ م، ومن الواضح أن الأسماك التي تعيش في أعماق البحار ترى أفضل من ذلك إلى حد ما، وهي قادرة على اكتشاف الضوء المنتشر حتى عمق ١٠٠٠ متر مع أن شدة الضوء عند هذا العمق تبلغ ١٣ -١٠ X L) من شدته عند السطح) .
[ ١١٨ ]
[١] ظلمات الأعماق:
يتكون شعاع الشمس من سبعة ألوان (الأحمر، البرتقالي، الأصفر، الأخضر، النيلي، البنفسجي، الأزرق) ولكل لون طول موجي خاص به «١» وتتوقف قدرة اختراق الشعاع الضوئي للماء على طول موجته؛ فكلما قصر طول الموجة زادت قدرة اختراق الشعاع للماء، لذلك فإن شعاع اللون الأحمر يمتص على عمق ٢٠ مترا تقريبا ويختفي وجوده بعد ذلك، وينشأ عن ذلك ظلمة اللون الأحمر، فلو جرح غواص على عمق ٢٥ مترا تقريبا وأراد أن يرى الدم النازف فسيراه بلون أسود، بسبب انعدام شعاع اللون الأحمر، ويمتص الشعاع البرتقالي على عمق ثلاثين مترا تقريبا فتنشأ ظلمة أخرى تحت ظلمة اللون الأحمر هي ظلمة اللون البرتقالي، وعلى عمق ٥٠ مترا تقريبا يمتص اللون
_________________
(١) الأطوال الموجية: اللون/ التردد/ الطول الموجي بنفسجي ١٠ -٧ ٣. ٩٠ -٤. ٥٥ /١٠١٤ ٧. ٦٩ -٦. ٥٩ /Violet /أرزق ٤. ٥٥ -٤. ٩٢ /٦. ٥٩ -٦. ١٠ /Blue /أخضر ٤. ٩٢ -٥. ٧٧ /٦. ١٠ -٥. ٢٠ /Green /أصفر ٥. ٧٧ -٥. ٩٧ /٥. ٢٠ -٥. ٠٣ /Yellow برتقالي ٥. ٩٧ -٦. ٢٢ /٥. ٣ -٤. ٨٢ /Orange /أحمر ٦. ٢٢ -٧. ٨٠ /٤. ٨٢ -٣. ٨٤ Red /
[ ١١٩ ]
الأصفر، وعلى عمق ١٠٠ متر تقريبا يمتص اللون الأخضر، وعلى عمق ١٢٥ مترا تقريبا يمتص اللون البنفسجي والنيلي، وآخر الألوان امتصاصا هو اللون الأزرق على بعد ٢٠٠ متر تقريبا من سطح البحر.
وهكذا تتكون ظلمات الألوان لشعاع الشمس بعضها فوق بعض؛ بسبب عمق الماء الذي تمتص فيه الألوان بأعماق مختلفة.
[٢] ظلمات الحوائل:
وتشترك ظلمات الحوائل مع ظلمات الأعماق في تكوين الظلمات الدامسة في البحار العميقة، وتتمثل ظلمات الحوائل فيما يأتي: