* خوارق العادات.
* من دلائل النبوة الخارقة للعادة في العهد المكي.
* من دلائل النبوة الخارقة للعادة في العهد المدني.
* خوارق ازدياد الطعام والماء.
* معجزات الرسول ﷺ في تكثير الماء القليل.
* معجزات شفاء المرض وخوارقها.
* شهادة الشجر برسالة النبي ﷺ.
* معجزات خارقة في شهادة الحيوان وانقياده.
* معجزات خارقة متفرقة.
[ ٢٢١ ]
تمهيد:
كما أيد الله سبحانه رسوله محمدا ﵌ بالقرآن الذي هو أعظم بيناته، فقد أيده بمعجزات خارقة للعادة أجراها على يده وشاهدها المعاصرون له من أصحابه وأعدائه، فكانت دليلا للجميع على صدقه ﵌ فيما بلّغ عن ربه، وعلى تأييد الله سبحانه له، كما أن هذه الحوادث الخارقة التي وقعت لا تزال دليلا بينا لكل عاقل في أيّ زمان ومكان على صحة نبوة محمد ﵌، لأنّها قد نقلت إلينا نقلا صحيحا أمينا، ووثقت توثيقا بالغا لا يوجد مثله في تاريخ الأمم قديمها وحديثها فكأن السامع لها يراها بين يديه آية بينة تدل على صدق محمد ﵌ لدقة توثيقها فيطمئن بها قلبه وعقله.
دقة توثيق أخبار المعجزات (خوارق العادات):
إن دلائل النبوة الخارقة للعادة قد سجلت في القرآن الكريم، وفي كتب السّنّة النبوية المطهرة، بأدق طرق التوثيق والنقل، فلننظر كيفية توثيقها في كليهما:
أولا: توثيق المعجزات في القرآن الكريم:
كانت معجزات النبي ﵌ (الخارقة للعادة) تحصل، فيراها العشرات والمئات وربما الالآف من أتباعه المؤمنين به ﷺ، ومن أعدائه المعاندين له، ثم ينزل القرآن العظيم ذاكرا لهذه الخوارق والحوادث مستخلصا العبر منها؛ لأنه كان ينزل منجما حسب الأحداث.
وبعد نزول القرآن بذكر هذه الخوارق والحوادث صدقها المؤمنون وازدادوا إيمانا وثباتا على دينهم، ولم يتطرق إليهم أدنى شك في وقوع هذه الخوارق التي شاهدوها.
[ ٢٢٣ ]
ولم يملك أعداؤه ﵌ سوى الصمت تجاه ما يسمعون من آيات القرآن التي تذكر تلك الخوارق والحوادث.
ولو افترضنا جدلا أنّها لم تقع لكان أعداء النبي ﵌ أول المشنّعين عليه بذلك، ولكانت فرصة سانحة ليثبتوا- حسب زعمهم- كذبه ﵌ (وحاشاه من ذلك)، لاسيما مع حرصهم الشديد على تكذيبه وتوافر الدواعي لديهم لذلك، واجتماع هممهم للطعن في نبوته، والقدح في صدق رسالته، والتشكيك في أخباره، ولتشكك المسلمون في دينهم وارتدوا عنه.
لكن شيئا من ذلك لم يقع، بل ازداد المؤمنون إيمانا وثباتا على دينهم وتصديقا لما سجل في كتاب ربهم، وصمت الكفار أمام ما شاهدوا من خوارق وقعت وسجلها القرآن فدخلوا في دين الله أفواجا، فعلمنا علما يقينيا وقوع تلك الخوارق والحوادث المؤيدة للنبوة والرسالة والشاهدة بصدق النبي ورسالته، وعلمنا أن أولئك العشرات أو المئات أو الآلاف الذين كانوا يشاهدون المعجزة هم الموقعون على محضر المعجزة، وهم الشهود المباشرون لها الشاهدون بصدق وقوعها.
محضر الخارقة المعجزة:
لقد كان ذكر القرآن الكريم لهذه الخوارق وتسجيله لها حين نزوله وسماع المئات والآلاف من المسلمين والكافرين لما ذكر فيه، بمثابة محضر أقره جميع الحاضرين من المؤمنين والكافرين المشاهدين لتلك الخوارق والحوادث، والسامعين لما سجل عنها في كتاب الله، فكان ثبات المؤمنين على إيمانهم بمثابة التوقيع منهم على صدق ما سجل في القرآن، كما كان سكوت الكافرين وعدم معارضتهم لما سجّل في القرآن، بل وتحول الكثير منهم إلى الإيمان بمثابة التوقيع أيضا على
[ ٢٢٤ ]
مطابقة القرآن لما شاهدوه في الواقع.
مثال في العهد المكي: حادثة انشقاق القمر:
في العهد المكي طلب كفار قريش من النبي ﵌ أن يريهم آية (علامة على صحة نبوته) فشق الله له القمر نصفين، وذكر القرآن الكريم ذلك وسجّله. قال تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر: ١] .
فلو أن ذلك لم يحصل لتشكك المسلمون في دينهم وخرجوا منه، ولقال الكفار: إن محمدا يكذب علينا فما انشق القمر ولا رأينا شيئا من ذلك، ولكن الذي حدث أن زاد المؤمنين إيمانا، وتحير الكافرون أمام هذه المعجزة التي لم يملكوا سوى أن يفسروها بأنها سحر مستمر!! «١» .
قال تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (٣) [القمر: ١- ٣] «٢» .
التوثيق التاريخي لانشقاق القمر:
سجل تاريخ الهند اسم ملك من ملوكهم هو: (جاكرواني فرماس) وأنه شاهد حادثة انشقاق القمر، فسجلت إحدى المخطوطات التاريخية الهندية مايلي:
" شاهد ملك ما جبار" مالابار" بالهند (جاكرواني فرماس) انشقاق القمر؛ الذي وقع لمحمد، وعلم عند استفساره عن انشقاق القمر بأن هناك نبوة عن مجيء رسول من جزيرة العرب، وحينها عين ابنه خليفة له، وانطلق لملاقاته. وقد اعتنق الإسلام على يد النبي، وعندما عاد إلى وطنه- بناء على توجيهات النبي- وتوفي في ميناء ظفار" «٣» وهذه المعلومات في مخطوطة هندية محفوظة في
_________________
(١) مستمر: أي قوي شديد يعلو كل سحر، كما قال الشوكاني، وقيل غير ذلك.
(٢) وقد كشف العلم الحديث آثار انشقاق القمر فهي مستقرة باقية إلى يومنا هذا.
(٣) المخطوطة الهندية موجودة في مكتبة مكتب دائرة الهند بلندن التي تحمل رقم المرجع: عربي ٢٨٠٧، ١٥٢ إلى ١٧٣ وقد اقتبسها حميد الله في كتابه محمد رسول الله.
[ ٢٢٥ ]
مكتبة دائرة الهند تحتوي على عدة تفصيلات أخرى عن (جاكرواني فرماس) .
وقد جاء في كتب الحديث ذكر الملك الهندي؛ الذي وصل إلى النبي ﷺ ففي مستدرك الحاكم: " عن أبي سعيد الخدري﵁- قال: ثم أهدى ملك الهند إلى رسول الله ﷺ- جرة فيها زنجبيل، فأطعم أصحابه قطعة قطعة، وأطعمني منها قطعة. قال الحاكم ولم أحفظ في أكل رسول الله ﷺ- الزنجبيل سواه" «١» .
ومن المعلوم أن هذا الملك قد صار صحابيا؛ بملاقته الرسولﷺ- وإيمانه به وموته على ذلك.
وقد حفظت المراجع الإسلامية قصة هذا الصحابي الذي قدم من الهند.
فذكره الإمام ابن حجر العسقلاني في الإصابة، وفي لسان الميزان «٢» وقال إن اسمه (سربانك) وهذا هو الاسم الذي عرف به عند العرب.
مثال في العهد المدني: إرسال الرياح والجنود على الأحزاب:
اجتمع آلاف الكفار لغزو المدينة النبوية في معركة الأحزاب، فأرسل الله عليهم ريحا باردة أطفأت نيرانهم وكفأت قدورهم واقتلعت خيامهم وهدمت أبنيتهم وشردت خيولهم وإبلهم، وأرسل الله عليهم جنودا لا ترى لتزلزلهم حتى اضطروا للعودة من حيث جاءوا، وفكّ الحصار عن المدينة النبوية، وأنزل الله تعالى ذكر هذه الحادثة ممتنّا على المؤمنين. قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩) [الأحزاب: ٩] .
ولو كانت هذه المعجزة لم تقع لتشكك المسلمون في القرآن، وربما ارتدوا
_________________
(١) مستدرك الحاكم ك/ الأطعمة ج ٤ ص ١٥٠.
(٢) الإصابة ج ٣ ص ٢٧٩، لسان الميزان ج ٣ ص ١٠.
[ ٢٢٦ ]
عن دينهم، وقالوا: كيف نصدق ما لم يقع؟!، ولازداد الكفار عتوّا ونفورا ولقالوا: محمد يكذب علينا وعلى الناس!!، ولكن شيئا من ذلك لم يحصل، بل ازداد المؤمنون إيمانا وثباتا على دينهم، وصمت الكفار، ثم دخل معظمهم بعد ذلك في دين الله أفواجا، وبهذا يكون القرآن السجل الصادق- الذي لا يتطرق إليه شك- لما وقع من الخوارق والمعجزات التي أيد الله بها رسوله محمدا ﵌.
حفظ القرآن (السجل الصادق للمعجزات):
وعندما كان الوحي ينزل بالآيات القرآنية على رسول الله ﵌ كان يأمر بكتابتها فيتسابق المسلمون من أجل حفظها وكتابتها والتعبد بتلاوتها ونشرها بين الناس، وكان للنبي ﵌ كتاب يكتبون له الوحي حتى اكتمل نزول القرآن وكتبه المسلمون في المصحف، ومن المصحف نسخت مصاحف كثيرة ووزعت في الأقطار آنذاك، ثم في سائر أقطار العالم.
إن هؤلاء الصحابة الذين حفظ الله بهم القرآن ونقلوا هاتين الحادثتين: حادثة انشقاق القمر، وهزيمة الأحزاب بالرياح وغيرهما من خوارق العادات التي سجلها القرآن سواء ممن كان مسلما وقت وقوع الحادثة أو أسلم بعد ذلك، كانوا يقرءون القرآن صباح مساء، في صلاتهم ومجالسهم وحلق علمهم ويدونونه ويحفظونه ويتدارسونه فيما بينهم ويتخلقون بأخلاقه ويتحاكمون إلى شريعته، مقرين به ومصدقين له، وعلموه لأبنائهم وأهليهم ومن تبعهم، فمن المستحيل عقلا أن يجتمعوا جميعا على نقله وحفظه وهو لم يقع.
وقد حفظ الله القرآن في صدور هؤلاء الذين شاهدوا المعجزات وفي صحفهم، وفي صدور أبنائهم وما دونوه من صحف آبائهم، ونقله الآلاف وعشرات الآلاف بل والملايين وعشرات الملايين عبر العصور المتلاحقة مصدقين به.
[ ٢٢٧ ]
ولقد أجمعت أمة العرب على النص القرآني الذي تلقته عن النبي ﵌، وجمع في عهد الخليفة الأول، ونقلت تلك النسخة من بيته إلى بيوت الخلفاء الراشدين الثاني والثالث، وعممت نسخته في زمن عثمان ﵁ على سائر الأمصار والبلدان التي دخلت في دين الإسلام، فتلقت الأمم في مشارق الأرض ومغاربها هذا المصحف عن أمة العرب، وكتبته برسمه العثماني، وتعلمت نطقه العربي جيلا بعد جيل، على اختلاف لغات الشعوب الإسلامية التي شرحت القرآن بلغاتها المختلفة.
فترى المصحف الذي يقرؤه الصيني أو الروسي أو الأوروبي أو الأمريكي أو الفارسي أو التركي أو الأفريقي أو العربي هو نفس المصحف الذي تذيعه إذاعة لندن أو إذاعة إسرائيل أو أي إذاعة أو محطة تلفزيون في العالم.
ولا يزال الملايين من أبناء المسلمين يتلقون القرآن مشافهة وقراءة وفق الرسم العثماني بسند متصل إلى النبي ﵌، عن أمين الوحي جبريل ﵇، عن رب العالمين ﷾.
وإذا أخذت نسخة من المصحف في أي زمان ومكان لوجدتها تحكي المعجزات كما هي لأن الله سبحانه قد تعهد بحفظ القرآن كما قال تعالى:
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٩) [الحجر: ٩] ولا يزال المسلمون يحفظونه في الصدور والسطور، والملايين منهم يحفظون القرآن عن ظهر قلب وعلى مستوى الحرف الواحد منه، بل وعلى مستوى ضبط حركة الحرف الواحد.
ولو فتحت أيّ مصحف على وجه الأرض سواء كان من المطبوع حديثا أو من المخطوط قديما، وفتحت سورة الأحزاب لوجدت الآية التاسعة منه تحكي قصة الرياح والجنود التي نصر الله بها محمدا ﷺ، وبهذا تعلم ويعلم كل منصف أن القرآن الذي بين أيدينا هو الذي أنزل على محمد صلى الله عليه
[ ٢٢٨ ]
وآله وسلم وسجّل معجزاته، فكأنك تراها الآن رأي العين.
ثانيا: توثيق هذه المعجزات في السنة النبوية:
وقد حفظت لنا كتب السنة النبوية الموثقة كثيرا من تفاصيل المعجزات التي سجلها القرآن، كما سجلت كثيرا من الخوارق والمعجزات التي لم تذكر في القرآن، وكان التوثيق في تلك الكتب بالغ الدقة، لا يقبل تشكيك مشكك، فكأنك ترى المعجزات المذكورة فيها رأي العين.
وذلك لأن النبي ﵌ كان محط أنظار أصحابه، الذين أمرهم الله بالاقتداء به في قوله تعالى: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب: ٢١]، كما أمرهم الله بطاعته واتباع أمره واجتناب نهيه. قال تعالى:
وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر: ٧] .
وقال تعالى: وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [النور: ٥٦]، ولا تتحقق الأسوة والطاعة إلا بتتبع أقواله وأفعاله وأحواله ﵌.
وكان ﵌ يحثهم على الأخذ عنه ومراقبة أفعاله ومتابعتها، كقوله ﷺ: " عليكم بسّنّتي" «١»، وقوله: " خذوا عني مناسككم" «٢»، وقوله: " صلوا كما رأيتموني أصلي" «٣» ونحو ذلك من
_________________
(١) أخرجه الترمذي ك/ العلم ب/ ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدعة، وأبو داود ك/ السنة ب/ في لزوم السنة، وابن ماجه ك/ المقدمة ب/ اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين، واللفظ له، وأحمد في مسند الشاميين من حديث العرباض بن سارية، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ٢/ ٣٤٢ وصحيح سنن ابن ماجه ١/ ١٣.
(٢) أخرجه مسلم ك/ الحج ب/ استحباب من جمرة العقبة يوم النحر راكبا واللفظ له، والنسائي ك/ مناسك الحج ب/ الركوب إلى الجمار واستظلال المحرم، وأبو داود ك/ المناسك ب/ في رمي الجمار.
(٣) أخرجه البخاري ك/ الأذان ب/ الأذان للمسافر إذا كانوا جماعة والإقامة، والدارمي ك/ الصلاة ب/ من أحق بالإمامة.
[ ٢٢٩ ]
النصوص التي تحث على ملاحظة أقواله وأفعاله ﷺ.
ولذلك كانت أعماله ﵌ وأقواله وحركاته وسكناته ومعجزاته الشاهدة بصدق رسالته محل مراقبة من أصحابه لأنها دين يتلقى، ويتوقف دخولهم الجنة، ونجاتهم من النار على اتباعه.
ولما كان الصحابة ﵃ هم الشهود المباشرون لتلك المعجزات النبوية والناقلون لها، وجب علينا أن نعلم مكانتهم من الضبط والعدالة والتوثيق.
الصحابة حملة الدين الثقات:
(أ) شهادة القرآن والسنة لهم:
لقد قيض الله لخاتم الأنبياء والمرسلين جيلا من الصحابة الصادقين المؤهلين لحفظ الدين، وأخبر سبحانه أنّه قد أعدّ هؤلاء الصحابة إعدادا إيمانيا رفيعا، ليكونوا أهلا لشرف الصحبة وحمل الرسالة. قال تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) [الحجرات: ٧] .
وشهد الله ﷿ لهؤلاء الصحابة الكرام من مهاجرين وأنصار بصدق الإيمان فقال سبحانه: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤) [الأنفال: ٧٤] .
وأخبر سبحانه أنه قد رضي عنهم فقال: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠) [التوبة: ١٠٠] .
وقال تعالى مبينا فضل المهاجرين والأنصار ومثنيا عليهم: لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانًا وَيَنْصُرُونَ
[ ٢٣٠ ]
اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ «١» وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) .
[الحشر: ٨- ٩] .
وقال تعالى عن أهل بيعة الرضوان «٢»: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨) [الفتح: ١٨] أي فعلم ما في قلوبهم من صدق النية والوفاء بالبيعة. وقال النبي ﵌ لأصحابه حينذاك: " أنتم خير أهل الأرض" «٣» .
واستخلفهم الله تعالى في الأرض لتمكين دينه ونشره بين الناس، كما قال تعالى مخاطبا نبيه وأصحابه: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٥٥) [النور: ٥٥] .
كما قال تعالى: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ [الحج: ٤١] .
_________________
(١) تَبَوَّؤُا الدَّارَ: الدار هي المدينة، دار الهجرة فقد آمن الأنصار وهم في ديارهم قبل قدوم إخوانهم المهاجرين إليهم، انظر تفسير الطبري والبغوي.
(٢) بيعة الرضوان، كانت في شهر ذى القعدة سنة ست من الهجرة، بمكان يسمى الحديبية حيث بايع الصحابة رسول الله ﵌ على مناجزة قريش الحرب وعلى أن لا يفروا ولا يولوهم الدبر، فرضي الله عنهم، فسميت هذه البيعة بيعة الرضوان.
(٣) رواه البخاري ك/ التفسير في تفسير سورة الفتح، ومسلم في الإمارة ب/ استحباب مبايعة الإمام الجيش.
[ ٢٣١ ]
وأثنى الله سبحانه عليهم فقال: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [عمران: ١١٠] والخطاب في الآيات يدخل فيه الصحابة ﵃ دخولا أوليّا. لأنهم أول من خوطب بهذه الآيات الكريمات من الأمة المحمدية، ولتحقق التمكين لهم في الأرض كما وعدهم الله.
وجعل الله سبحانه الصحابة والأمة من بعدهم شهودا على الأمم، وذلك لفضلهم وخيريتهم كما قال تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة: ١٤٣] .
ومعنى الوسطية هنا كونهم عدولا وأخيارا، كما قال النبي ﵌ «يجاء بنوح يوم القيامة فيقال له: هل بلّغت؟ فيقول: نعم يا ربّ، فتسأل أمّته هل بلّغكم فيقولون: ما جاءنا من نذير، فيقول: من شهودك؟
فيقول: محمّد وأمّته، فيجاء بكم فتشهدون. ثمّ قرأ رسول الله ﵌ وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا قال عدلا: لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة: ١٤٣] «١» والصحابة أول الأمة دخولا في هذه الآية.
وقال النبي ﷺ: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» «٢» .
وقال ﵌: «لا تسبّوا أصحابي فلو أنّ أحدكم أنفق
_________________
(١) أخرجه البخاري ك/ الاعتصام بالسنة ب/ قوله تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا، والترمذي ك/ تفسير القرآن ب/ ومن سورة البقرة.
(٢) أخرجه البخاري ك/ الشهادات ب/ لا يشهد على شهادة جور إذا شهد، ومسلم ك/ فضائل الصحابة ب/ فضل الصحابة ثم الذين يلونهم.
[ ٢٣٢ ]
مثل أحد ذهبا ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه» «١» .
وعن عبد الله بن عمر ﵄ عن الصحابة: " كانوا خير هذه الأمة: أبرها قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه ﵌، ونقل دينه، فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم فهم أصحاب محمد ﵌ وكانوا على الهدى المستقيم" «٢» .
وقال عبد الله ابن مسعود ﵁: " إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد ﷺ فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون على دينه، فما رأى المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، وما رأوا سيئا فهو عند الله سيئ" «٣» .
(ب) شهادة الأمة بعدالة الصحابة ﵃:
قال الإمام محمد بن إدريس الشافعي رحمة الله عليه:
" وقد أثنى الله﵎- على أصحاب رسول الله ﵌ في القرآن والتوراة والإنجيل «٤»، وسبق لهم على لسان رسول الله ﵌ من الفضل ما ليس لأحد بعدهم، فرحمهم الله وهنّأهم بما آتاهم
_________________
(١) أخرجه البخاري ك/ فضائل الصحابة ب/ قول النبي ﵌ لو كنت متخذا خليلا، ومسلم ك/ فضائل الصحابة ب/ تحريم سب الصحابة ﵃.
(٢) حلية الأولياء (١/ ٣٠٥- ٣٠٦) بواسطة اعتقاد أهل السنة في الصحابة الكرام ١/ ٩٨ ط ٢٠٠، مكتبة الرشد، ١٤١٥ هـ- ١٩٩٥ م.
(٣) أخرجه أحمد في المسند وإسناده حسن كما في تحقيق المسند ٦/ ٨٤.
(٤) يعني بذلك قوله تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانًا سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩) [الفتح: ٢٩] .
[ ٢٣٣ ]
من ذلك ببلوغ أعلى منازل الصديقين والشهداء والصالحين، أدّوا إلينا سنن رسول الله ﵌ عامّا وخاصا وعزما وإرشادا، وعرفوا من سننه ما عرفنا وجهلنا، وهم فوقنا في كل علم واجتهاد وورع وعقل وأمر «١» .
وقال ابن أبي حاتم رحمه الله تعالى:
فأما أصحاب رسول الله ﵌ فهم الذين شهدوا الوحي والتنزيل وعرفوا التفسير والتأويل، وهم الذين اختارهم الله﷿- لصحبة نبيه ﷺ ونصرته وإقامة دينه وإظهار حقه، فرضيهم له صحابة، وجعلهم لنا أعلاما وقدوة، فحفظوا عنه ﵌ ما بلغهم عن الله﷿- وما سنّ وشرع وحكم وقضى وندب وأمر ونهى وحظر، ووعوه وأتقنوه، ففقهوا في الدين، وعلموا أمر الله ونهيه ومراده، بمعاينة رسول الله ﵌ ومشاهدتهم منه تفسير الكتاب وتأويله، وتلقفهم منه واستنباطهم عنه، فشرفهم الله﷿- بما منّ عليهم وأكرمهم به من وضعه إياهم موضع القدوة فنفى عنهم الشكّ والكذب والغلط والرّيبة والغمز، وسمّاهم عدول الأمة، فقال﷿- في محكم كتابه: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ [البقرة: ١٤٣] .
ففسر النبي ﵌ عن الله- عز ذكره- قوله: وَسَطًا قال: " عدلا" «٢» فكانوا عدول الأمة وأئمة الهدى وحجج الدين ونقلة الكتاب والسّنّة، وندب الله﷿- إلى التمسك بهديهم والجري على منهاجهم، والسلوك لسبيلهم، والاقتداء بهم، فقال: وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ
_________________
(١) مناقب الشافعي للبيهقي ١/ ٤٤٢- ٤٤٣، أعلام الموقعين ١/ ٨٠ بواسطة اعتقاد أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام/ لناصر الشيخ ١/ ١٠٤.
(٢) أخرجه البخاري ك/ الاعتصام بالسنة ب/ قوله تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا، والترمذي ك/ تفسير القرآن ب/ ومن سورة البقرة.
[ ٢٣٤ ]
لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيرًا (١١٥) [النساء: ١١٥] ووجدنا النبي ﵌ قد حضّ على التبليغ في أخبار كثيرة، ووجدناه يخاطب أصحابه فيها منها: أن دعا لهم فقال: «نضّر الله امرأ سمع مقالتي فحفظها فوعاها وحفظها وبلّغها فربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه» «١» وقال ﵌ في خطبته: «فليبلّغ الشّاهد منكم الغائب» . «٢» وقال ﵌: «بلّغوا عنّي ولو آية » . «٣» .
ثم تفرقت الصحابة ﵃ في النواحي والأمصار والثغور وفي فتوح البلدان والمغازي والإمارة والقضاء والأحكام، فبثّ كل واحد منهم في ناحيته وبالبلد الذي هو به ما وعاه وحفظه عن رسول الله ﷺ، وحكموا بحكم الله﷿- وأمضوا الأمور على ما سنّ رسول الله ﵌، وأفتوا فيما سئلوا عنه مما حضرهم من جواب رسول الله ﵌ عن نظائرها من المسائل، وجرّدوا أنفسهم- مع تقدمة حسن النية والقربة إلى الله تقّدس اسمه- لتعليم الناس الفرائض والأحكام والسنن والحلال والحرام حتى قبضهم الله﷿- رضوان الله ومغفرته ورحمته عليهم أجمعين" «٤» .
_________________
(١) أخرجه الترمذي ك/ العلم ب/ ما جاء في الحث على تبليغ السماع واللفظ له، وأبو داود ك/ العلم ب/ فضل نشر العلم، وابن ماجة في المقدمة ب/ من بلغ علما وأحمد في باقي مسند المكثرين، والدارمي في المقدمة ب/ الاقتداء بالعلماء، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ٢/ ٣٣٧- ٣٣٨.
(٢) أخرجه البخاري ك/ الحج ب/ الخطبة أيام منى، ومسلم ك/ القسامة والمحاربين والقصاص والديات ب/ تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال.
(٣) أخرجه البخاري ك/ أحاديث الأنبياء ب/ ما ذكر عن بني إسرائيل، والترمذي ك/ العلم ب/ ما جاء في الحديث عن بني إسرائيل، وأحمد في مسند المكثرين من الصحابة مسند عبد الله بن عمرو ابن العاص.
(٤) مقدمة كتاب الجرح والتعديل ١/ ٧- ٨ بتصرف يسير.
[ ٢٣٥ ]
(ج) شهادة الأمم:
ولقد شهدت البشرية شعوبا وقبائل وأمما- ممن احتك بهم الصحابة والتابعون- في شمال الأرض وجنوبها وشرقها وغربها بصدق ما أخبر به القرآن عن أولئك الصحابة الذين خبروهم «١» في حال السلم والحرب.
وبالرغم من أن الصحابة قد جاءوهم فاتحين مقاتلين، إلا أنهم سرعان ما أحبوهم وتعلقت قلوبهم بهم، بعد أن رأوهم في الصورة المثلى للمؤمن الصادق، ونقلت هذه الشعوب إلى أهلها وأبنائها وذراريها من بعدها حب أولئك الأصحاب، فأنشأت علاقة الفتح في قلوب الأمم والشعوب والقبائل التي فتحت المحبة والمودة والتبجيل والثناء والتأسي الحسن بأولئك الأصحاب والتابعين الفاتحين.
وهذا بعكس ما شهد ويشهد به تاريخ البشرية من العلاقة السيئة المملوءة بالحقد والكراهية والبغضاء التي تنشأ بين الشعوب المغزوّة والجيوش الغازية.
والسر في ذلك هو أن هؤلاء الفاتحين ما جاءوا يريدون دنيا الناس، ولكن جاءوا ليخرجوا هذه الشعوب- بإذن الله- من الظلمات إلى النور، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام متمثلين قول الله تعالى: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَسادًا وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣) [القصص: ٨٣] .
وقوله سبحانه: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران: ١١٠] .
وهذا الجيل الصادق من الصحابة ومن بعدهم ممن تبعهم بإحسان هم الذين رووا لنا ما شاهدوا من البينات والخوارق والمعجزات التي كانت سببا في زيادة إيمانهم وتيقنهم من صدق الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
_________________
(١) أي: عرفوهم معرفة حقيقية عن معايشة.
[ ٢٣٦ ]
(د) دقة توثيق الصحابة ﵃:
لقد كانت أعين هؤلاء الصحب الكرام كعدسات الكميرات، وآذانهم كأجهزة التسجيل الدقيقة التي تلتقط كل شيء لأنهم يعلمون أنّ دخولهم الجنة متوقف على تأسيهم بأفعاله وأحواله ﷺ، وطاعتهم لأقواله، فكانت أعينهم شديدة المراقبة لحركات الرسول وسكناته، وكانت آذانهم مرهفة السمع لأقواله، وكانت قلوبهم متلهفة ومتعطشة لسماع الحق والنور والهدى ومعرفته وقبوله فنقلوا لنا فيما نقلوا بينات رسالته، وأحوال عبادته، وحديثه وهديه وسنته، ودقائق أحواله الشخصية وتصرفاته ﵊، مع أصحابه وأهله وأعدائه، وتفاصيل عادته في يقظته ونومه وطعامه وشرابه وسائر شؤونه، وتصرفه في أحرج اللحظات التي مرت به وكذا في أوج انتصاراته، وحين المكاره، وتفاصيل محاولات الكفار والمنافقين لخداعه ومساوماتهم له، فكانت سيرته العطرة ﷺ نورا مشاهدا لمن حوله.
ثم نقل لنا هؤلاء الأصحاب ما رأوه وشاهدوه وسمعوه من معجزات نبيهم ﵌ وأقواله وأفعاله، يحدوهم الشوق للأجر في تبليغ العلم والدين كقوله ﵌: «نضّر الله امرأ سمع منا شيئا فبلّغه كما سمعه» «١»، وتحثهم طاعتهم لرسولهم ﵌ إلى المسارعة في نشر العلم، فهو القائل: «بلّغوا عنّي ولو آية» «٢»، ويدفعهم القرآن
_________________
(١) رواه أبو داود والترمذي ك/ العلم ب/ ما جاء في الحث على تبليغ السماع، وابن حبان في المقدمة ب/ من بلغ علما، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ١/ ٤٠، وهذا الحديث من الأحاديث المتواترة. ذكر الحافظ أبو القاسم بن منده أنه رواه عن النبي ﵌ أربعة وعشرون صحابي. ثم سرد أسماءهم. وقد جمع طرقه الشيخ عبد المحسن العباد في جزء مفرد مطبوع.
(٢) أخرجه البخاري ك/ أحاديث الأنبياء ب/ ما ذكر عن بني إسرائيل، والترمذي ك/ العلم ب/ ما جاء في الحديث عن بني إسرائيل، وأحمد في مسند المكثرين من الصحابة مسند عبد الله بن عمرو ابن العاص.
[ ٢٣٧ ]
إلى الحذر من كتمان العلم كقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠)
[البقرة: ١٥٩- ١٦٠] .
وكقوله ﵊: «من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار» «١» .
وقد نقلوا ما نقلوه بدقة بالغة وأمانة عالية، لأنهم يعلمون حرمة الكذب في دين الإسلام عامة، وحرمته بشكل أشد على الرسول ﷺ. كيف وقد رووا عنه قوله ﵌: «من كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» «٢»، حتى كان بعضهم يتحرج من الرواية عنه ﵌ خشية أن يخطئ فينقل ما لم يسمع «٣»، مما يدلنا على مدى التوثيق البالغ لسّنّة النبي ﵌:
دقة توثيق التابعين:
وجاء الجيل الذي بعدهم وهم التابعون ناقلين لبينات رسول الله ﵌ ومعجزاته وأقواله وأفعاله، يدفعهم شوقهم للأجر الكبير في
_________________
(١) رواه أبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجه وابن حبان في صحيحه والبيهقي ورواه الحاكم بنحوه وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ١/ ٥٢.
(٢) أخرجه البخاري ك/ العلم ب/ إثم من كذب على النبي ﵌، ومسلم في المقدمة ب/ تغليظ الكذب على رسول الله ﵌، قال المنذري: هذا الحديث قد روي عن غير واحد من الصحابة في الصحاح والسنن والمسانيد وغيرها حتى بلغ مبلغ التواتر. صحيح الترغيب والترهيب ١/ ٤٢.
(٣) ومنهم الزبير بن العوام ﵁، انظر صحيح البخاري ك/ العلم ب/ إثم من كذب على النبي ﷺ مع شرحه من فتح الباري.
[ ٢٣٨ ]
طلب العلم كقوله ﵌: «من يرد الله به خيرا يفقّهه في الدّين» «١» .
وقوله: «من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهّل الله له طريقا إلى الجنّة، وإنّ الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم» «٢» .
فكان هؤلاء التابعون أرضا صالحة طيبة تتشرب نصوص السّنّة النبوية وأخبارها، تحفزهم دوافع التلقي نفسها التي كانت تحفز الصحابة على التلقي وأخذ الدين، ويحثهم على الضبط والإتقان ما كان يحث الصحابة الكرام على ذلك، وكانوا يعوضون ما فاتهم من مشاهدة الرسول ﵌ وسماعه بكثرة اسئلتهم لشيوخهم من الصحابة ودقة حفظهم، فكانوا كأدق آلات التسجيل حفظا، يخشون أي زيادة أو نقص في الدين، واستعانوا بالتدوين لحفظ ما سمعوا من أقوال وأفعال ومعجزات الرسول ﷺ، وهكذا من جاء بعدهم من تابعيهم ومن بعدهم إلى أن اكتمل تدوين علم الحديث النبوي، ودونت معه المعجزات وبينات الرسالة في الكتب المصنفة التي تناقلتها الآلاف المؤلفة من المسلمين جيلا بعد جيل عن طريق الحفظ والكتابة معا، بحيث يستحيل معه التشكيك فيها وفي نسبتها إلى مؤلفيها. وقد اشترط المحدثون للحديث الصحيح شروطا بالغة الدقة كما سيأتي بيانه ومنها أن يكون جميع رواة الحديث عدولا سالمين مما يقدح في دينهم، ضابطين لما نقلوه من العلم حفظا وكتابة مما يبعث على الثقة في نقلهم.
_________________
(١) أخرجه البخاري ك/ العلم ب/ من يرد الله به خيرا. يفقهه في الدين، ومسلم ك/ الزكاة ب/ النهي عن المسألة.
(٢) أخرجه ابن ماجه في المقدمة ب/ فضل العلماء والحث على طلب العلم، وانظره في صحيح الجامع ٢/ ١٠٧٩، وقد أخرج منه مسلم الجزء الأول إلى قوله: الجنة، ك/ الذكر والدعاء ب/ فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر والتوبة والاستغفار.
[ ٢٣٩ ]
هذا مع ما بذله حملة الحديث ﵏ من جهود عظيمة لجمع الحديث النبوي وتصنيفه وتأليفه، وحفظه عن ظهر قلب، فقد كانوا يسافرون المسافات الطويلة ويتحملون مشاق السفر والاغتراب لجمع الحديث النبوي، والبحث عن الأسانيد العالية «١» ولقاء أكابر العلماء ويبذلون في ذلك أموالهم وأوقاتهم وجهودهم رخيصة في سبيل جمعه، ويسافر أحدهم الليالي والأيام لطلب الحديث الواحد «٢» ويقيمون المجالس العلمية لسماع الحديث النبوي وإملائه واختبار حفاظه، وإقامة المدارس لمدارسته وتعليمه للأبناء، مع ما يبذلون من جهود في تدوينه وترتيبه وتبويبه والفحص عن العلل التي قد تكون في إسناده أو متنه، والتحري في ألفاظه وجمع رواياته، والبحث في أحوال رواته وسيرتهم للتوثق من صحة ما ينقلونه من الحديث، حتى وجد في الأمة من يحفظ عشرات الآلاف من الأحاديث بأسانيدها عن ظهر قلب، وكل ذلك يعملونه بنفوس راضية مطمئنة مستبشرة بما تناله من الأجر من الله سبحانه على ذلك، لأنه يشكّل بالنسبة لهم دينهم الذي تقوم عليه سعادتهم في الدنيا والآخرة، ممتثلين أمر ربهم ﷿ القائل سبحانه: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر: ٧] .
منهج نقد الرواية:
ولما ظهر بعد جيل الصحابة بعض من لا يوثق بروايته، قيض الله أئمة الحديث والجرح والتعديل الذين شيدوا علم الرجال والتاريخ والجرح والتعديل، الذي ضم آلاف الرواة مبينا حال كل راو من حيث أنه معروف أو مجهول، ومن حيث مدى
_________________
(١) الإسناد العالي هو الأقرب صلة بالنبي ﷺ.
(٢) فقد رحل جابر بن عبد الله ﵁ شهرا لطلب حديث واحد، كما ذكره البخاري في صحيحه ك/ العلم ب/ الخروج في طلب العلم. ورحل أحد التابعين من المدينة إلى دمشق للقاء أبي ذر لسماع حديث نبوي واحد، كما أخرجه ابن ماجة في المقدمة ب/ فضل العلماء والحث على طلب العلم.
[ ٢٤٠ ]
حفظه وضبطه وإتقانه وشيوخه وتلاميذه وسنة ولادته وسنة موته، وهل بقي حفظه كما هو أم تغير في آخر عمره لكبر سنّه، أو لحادث أصابه، وما أشبه ذلك من مقاييس الجرح والتعديل، بل وصل الأمر إلى جمع روايات الثقات العدول ومقارنتها لمعرفة إن كان أحدهم قد وهم في لفظة أو جملة، إلى أن استقر الأمر عند علماء الحديث والسّنّة فوضعوا شروطا للحديث الصحيح المقبول عن رسول الله ﷺ، وهي كون الحديث المروي:
[١] منقولا بنقل العدول الضابطين «١» .
[٢] متصل الإسناد بأن يكون كل راو قد سمع الحديث من شيخه، فلا يكون منقطعا.
[٣] سالما من الشذوذ «٢» .
[٤] ومن العلة القادحة «٣» .
فاستبعد علماء الحديث ﵏ في تعريفهم الحديث الصحيح من كان مجروحا من الرواة بأي سبب من أسباب الجرح، والتي لخصت في عشرة أسباب:
[١] الكذب.
[٢] الجهالة سواء كانت جهالة عين أو جهالة حال «٤» .
_________________
(١) العدل: السالم من الفسق وخوارم المروءة. والضبط نوعان، ضبط الصدر: وهو كون الراوي متقنا ذاكرا لما يحفظه تماما، وضبط الكتاب: وهو كون الراوي يصون كتابه لديه من حين سمع فيه وصححه إلى أن يؤدي منه.
(٢) الشذوذ: مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه.
(٣) الحديث المعلّ: ما فيه علة خفية قادحة في إسناده أو في متنه والعلة: سبب غامض خفي قادح في صحة الحديث مع أن الظاهر السلامة منه، ولا يعرف ذلك إلا أئمة هذا العلم، انظر نزهة النظر ص ٨٣ وتدريب الراوي.
(٤) جهالة العين: أن لا يعرف من هو هذا الراوي، بألا يعرف إلا من رواية شخص واحد عنه ولم يوثقه معتبر وجهالة الحال: أن تجهل عدالة الراوي وإن كان شخصه معروفا.
[ ٢٤١ ]
[٣] التهمة بالكذب.
[٤] فحش الغلط.
[٥] الفسق.
[٦] سوء الحفظ.
[٧] البدعة.
[٨] الغفلة.
[٩] الوهم.
[١٠] مخالفة الثقات «١» .
ومما يبين صحة منهج المحدثين ﵏ ومنهجيتهم العلمية الدقيقة: عدم قبولهم الخبر المكذوب الذي زعم واضعه أنه قصد بوضعه نصرة الدين الإسلامي أو الحث على بعض فضائل الأعمال، بل اعتبروا ذلك ضلالا من فاعله وابتداعا في الدين «٢» .
وبهذا يظهر لنا تميز منهج النقد والتوثيق في الحديث النبوي، الذي يشترط الشروط الدقيقة في الرواية، حتى يطمئن المحدث بأن كل من في سند الرواية عدل أمين في روايته، ضابط دقيق في نقله، كأن عينه آلة تصوير، وأذنه آلة تسجيل، وذاكرته وكتابه شريط صاف سجلت عليه الكلمات، وبهذه الطريقة الأمينة الدقيقة نقلت إلينا السّنّة النبوية، وأخبار المعجزات، ووجدنا المعجزة تروى من عدة طرق لرواتها عن الذين حضروها وشاهدوها، فتتكامل تلك الروايات ويصدّق بعضها بعضا، وتلتقي مع ما ذكره القرآن أو أشار إليه.
وليس هناك شخص في التاريخ توفرت لأمته تلك الدوافع والحوافز وقواعد الضبط والتحري لنقل أقواله وأفعاله غير محمد ﵌؛ لأنه خاتم الأنبياء والمرسلين الذي جعله الله حجة على العالمين وتكفل بحفظ بيناته ومعجزاته في سجلات صادقة موثوقة لتقوم بها الحجة على من يأتي بعده إلى قيام الساعة.
_________________
(١) نخبة الفكر للحافظ ابن حجر مع شرحها نزهة النظر ص ١١٦- ١١٧ تحقيق: علي الحلبي.
(٢) تدريب الراوي ١/ ٢٨٣ ونزهة النظر ص ١٢١- ١٢٢.
[ ٢٤٢ ]
فهيّا بنا نستعرض ما تيسر من تلك البينات الخارقة للعادة التي ذكرها الله سبحانه في كتابه الكريم، والتي رواها لنا حملة السنة الثقات، وسنحاول عرضها حسب تسلسلها التاريخي ما أمكن.
أ- من دلائل النبوة الخارقة للعادة في العهد المكي:
حادثة الفيل:
كانت هذه الحادثة المعجزة مقدمة لبعثة محمد ﷺ، فقد أراد نصارى الحبشة الذين كانوا باليمن هدم الكعبة انتصارا لكنيستهم التي كانت باليمن عند ما لطخها بعض العرب، فانطلقوا إلى مكة ومعهم فيل لهدم الكعبة، فردهم الله تعالى على أعقابهم خاسرين وأهلكهم، وكان ذلك عام مولد النبي ﷺ.
وأنزل الله سبحانه سورة في كتابه تذكر هذه الحادثة العجيبة التي أهلك الله فيها أصحاب الفيل بصورة غير متوقعة عند كل من يسمعها، حيث حبس الله الفيل عن دخول مكة «١» وأرسل على المعتدين طيرا تحمل حجارة من سجيل فأهلكهم.
قال تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥) [الفيل: ١- ٥] «٢» .
_________________
(١) ورد في الصحيحين أن النبي ﵌ قال: - إن الله حبس الفيل عن دخول مكة الحديث، وفي صحيح البخاري أن النبي ﵌ بركت ناقته القصواء يوم الحديبية، فقال الناس خلأت القصواء- أي وقفت حين طلب مشيها ورجعت القهقرى- فقال النبي ﷺ: ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل، أخرجه البخاري ك/ الشروط ب/ الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة ومسلم ك/ الحج ب/ تحريم مكة وصيدها وضلاها وشجرها ولغطها.
(٢) أبابيل: جماعات بعضها في إثر بعض، سجيل: طين متحجر، العصف: ورق الزرع بعد الحصاد كالتبن وقشر الحنطة، سمي بذلك لأن الريح تعصف به فتفرقه.
[ ٢٤٣ ]
فكانت هذه الحادثة توطئة لنبوة محمد ﷺ.
قال ابن تيمية﵀-:
وكان جيران البيت مشركين يعبدون الأوثان، ودين النصارى خير من دينهم، فعلم بذلك أن هذه الآية لم تكن لأجل جيران البيت حينئذ، بل كانت لأجل البيت، أو لأجل النبي ﵌ الذي ولد في ذلك العام عند البيت، أو لمجموعهما، وأيّ ذلك كان، فهو من دلائل نبوته، وذلك أنه ليس من أهل الملل من يحج إلى هذا البيت ويصلي إليه إلا أمة محمد ﵌، التي فرض الله عليها ذلك برسالة محمد ﷺ، ولذا أهلك الله النصارى أهل الكنائس الذين أرادوا هدم البيت، فتعين بذلك أن أمة محمد ﷺ خير من النصارى، وذلك يستلزم أن نبيهم ﷺ صادق فيما أتى به من ربه «١» .
انشقاق القمر:
سأل كفار مكة النبي ﵌ أن يريهم علامة تدل على صدق نبوته. قال أنس ﵁: سأل أهل مكة رسول الله ﵌ أن يريهم آية (أي علامة على صدق نبوته) فأراهم القمر شقّتين، حتّى رأوا حراء «٢» بينهما «٣» .
وقال عبد الله بن مسعود ﵁: انشقّ القمر ونحن مع النّبيّ ﵌ فصار فرقتين فقال لنا: اشهدوا اشهدوا «٤» . وفي رواية عنه: أنهم
_________________
(١) الجواب الصحيح ٦/ ٥٥- ٥٦ بتصرف.
(٢) حراء: جبل مرتفع من جبال مكة.
(٣) رواه البخاري ك/ المناقب ب/ انشقاق القمر ومسلم ك/ صفة القيامة ب/ انشقاق القمر وأحمد في المسند ٣/ ٢٠٧ وأبو يعلى في مسنده ٥/ ٤٢٤ والطبري في تفسيره ٢٧/ ٨٥.
(٤) رواه البخاري ك/ التفسير ب/ (وانشق القمر) ونحوه عند مسلم ك/ صفة القيامة ب/ انشقاق القمر والترمذي ك/ التفسير ب/ ومن سورة القمر، والبزار في مسنده ٥/ ٢٠٢ وابن حبان في صحيحه ١٤/ ٤٢٠ وأحمد في المسند ١/ ٣٧٧ والطبراني في المعجم الكبير ١٠/ ٧٧ وغيرهم.
[ ٢٤٤ ]
كانوا وقت انشقاقه مع النبي ﵌ بمنى «١» .
وعن عبد الله بن عباس ﵄: إن القمر انشق في زمان النبي ﷺ «٢»، وقال عبد الله بن عمر ﵄: انفلق القمر على عهد رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﵌: اشهدوا «٣» .
ونزل القرآن العظيم ذاكرا هذه الحادثة العظيمة قال تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) [القمر: ١] . ومع ذلك كذب الكفار هذه الآية العظيمة وزعموا أنهّا سحر «٤» .
قال ابن حجر﵀-: وقد ورد انشقاق القمر من حديث علي وحذيفة وجبير بن مطعم وابن عمر وغيرهم.
_________________
(١) رواه البخاري ك/ المناقب ب/ انشقاق القمر ومسلم ك/ صفة القيامة ب/ انشقاق القمر.
(٢) البخاري ك/ المناقب ب/ انشقاق القمر، مسلم ك/ صفة القيامة ب/ انشقاق القمر.
(٣) الترمذي ك/ الفتن ب/ ما جاء في انشقاق القمر، وذكر ذلك مسلم في صحيحه ك/ صفة القيامة ب/ انشقاق القمر والطيالسي في مسنده ١/ ٢٥٧.
(٤) وذكر الحافظ ابن حجر أن أبا نعيم أخرج في الدلائل: أن كفار قريش زعموا أن ذلك سحر فسألوا المسافرين عن ذلك فأخبروهم بوقوعه فتح الباري شرح: ك/ مناقب الأنصار ب/ انشقاق القمر.
[ ٢٤٥ ]
وقال ابن عبد البر: قد روى هذا الحديث جماعة كبيرة من الصحابة، وروى ذلك عنهم أمثالهم من التابعين، ثم نقله عنهم الجمّ الغفير إلى أن انتهى إلينا، ويؤيد ذلك بالآية الكريمة، فلم يبق لاستبعاد من استبعد وقوعه عذر.
وقال الخطابي: انشقاق القمر آية عظيمة لا يكاد يعدلها شئ من آيات
[ ٢٤٦ ]
الأنبياء، وذلك أنه ظهر في ملكوت السماء خارجا من جملة طباع ما في هذا العالم المركب من الطبائع، فليس مما يطمع في الوصول إليه بحيلة، فلذلك صار البرهان به أظهر «١» . «٢» .