يشق الماء وكريات الدم البيضاء وبعض الأيونات والأملاح طريقها إلى تجويف الحويصلة عبر مسالك ضيقة بين الخلايا.
وهكذا تنتهي الرحلة المقدرة بأمر الله لمكونات اللبن. وليس بمقدور مخلوق من البشر مهما أوتى من علم وإمكانيات أن يحاكي خلية لبنية واحدة تصنع اللبن. ولكن الله القدير العليم جعل من هذه الخلية التي لا ترى إلا بالمجهر مجمعا صناعيا متكاملا يصنع اللبن على مدار الساعة عند الكائنات التي رزقها الله تعالى ذرية تحتاج إلى ذلك اللبن وجعل جزآ كبيرا منه رزقا للعباد وامتن عليهم بقوله: وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خالِصًا سائِغًا لِلشَّارِبِينَ (٦٦) [النحل: ٦٦] .
[ ١٤٩ ]
تفسير الآية:
المعنى اللغوي:
الفرث هو ما في الكرش «١» .
وقيل هو السرجين ما دام في الكرش «٢» .
أقوال المفسرين:
اختلف المفسرون في معنى الآية الكريمة بسبب اختلافهم في فهم مدلولات بعض الألفاظ فتصور البعض أن عبارة مِنْ بَيْنِ جاءت للتبعيض أي من بعض الفرث أو من بعض الدم، بينما رأى آخرون أنها مكانية أي من مكان بين الدم والفرث- ونجمل فيما يأتي حصيلة ما قاله المفسرون رحمهم الله تعالى.
[١] وردت رواية ضعيفة عن ابن عباس (﵄) مفادها: " أن الدابة تأكل العلف فإذا استقر في كرشها طحنته فكان أسفله فرثا وأوسطه لبنا وأعلاه دما. "
وقد أورد هذا الحديث كثير من المفسرين، منهم البيضاوي والقرطبي وأبو السعود والشوكاني وابن الجوزي في زاد المسير والآلوسي في روح المعاني وغيرهم. وقد علق بعض هؤلاء المفسرين على القول المنسوب لابن عباس (﵄) بعد أن لاحظوا أنه يخالف الواقع المشهود، فقال كل من أبو السعود والبيضاوي والألوسي أن اللبن والدم لا يتكونان في الكرش. ففي روح المعاني يقول الألوسي:
" وتعقب ذلك أي قول ابن عباس الرازي بقوله: ولقائل أن يقول اللبن والدم لا يتولدان في الكرش والدليل عليه الحس، فإن الحيوانات تذبح دائما ولا يرى في كرشها شيء من ذلك ولو كان تولد ما ذكر فيه لوجب أن يشاهد في بعض الأحوال والشيء الذي دلت المشاهدة على فساده لم يجز المصير إليه".
_________________
(١) في القاموس المحيط.
(٢) الفيروزأبادي/ وابن منظور في لسان العرب.
[ ١٥٠ ]
[٢] ذكر بعض المفسرين أن الفرث هو مصدر الدم واللبن أي يخرج الدم من الفرث ويخرج اللبن من الفرث كذلك. قال بهذا البيضاوي عندما أوّل الكلام المنسوب لابن عباس بقوله: إن صح فالمراد أن أوسطه يكون مادة اللبن وأعلاه مادة الدم؛ لانهما لا يتكونان في الكرش وقال به الشوكاني في (فتح القدير) .
[٣] وذكر كثير من المفسرين ما يتفق مع جاء به العلم الحديث من أن مكونات اللبن تستخلص من الفرث ثم تستخلص من الدم. وممن قال بذلك القرطبي وأبو السعود وصاحب معاني القرآن، وفي زاد المسير لابن الجوزي في قوله: " الفرث ما في الكرش والمعنى أن اللبن كان طعاما فخلص من ذلك الطعام دم وبقي فرث في الكرش وخلص من ذلك الدم لَبَنًا خالِصًا سائِغًا لِلشَّارِبِينَ.
وهكذا نلاحظ اختلاف المفسرين في هذه المسألة بسبب عدم توافر المعرفة العلمية في زمانهم، ومع ذلك فقد هدى الله تعالى بعض المفسرين إلى الفهم الصحيح لمعنى مِنْ بَيْنِ وأنها تعنى من بعض الفرث، ثم من بعض الدم، على الرغم من عدم معرفتهم للكيفية التي لم يطلع عليها البشر إلا بعد قرون من نزول هذه الآية الكريمة.
[٤] أن لفظ خالِصًا في الآية دليل آخر على أن مواد اللبن تخلص من بين الدم بعد أن خلصت من الفرث، وقد ألمح إلى هذا المعنى الطبري بقوله:
خلص من مخالطة الدم والفرث فلم يختلطا به.
إلا أن المفسرين﵏- لم يشيروا إلى هذا المعنى الظاهر وإنما اقتصروا على القول بأن خالِصًا تعنى أن اللبن لا يستصحب لون الدم ولا رائحة الفرث كما قاله البيضاوي والبغوي؛ أو حمرة الدم وقذارة الفرث كما قاله القرطبي والشوكاني؛ أو خالصا عن شائبة ما في الدم والفرث من الأوصاف كما قاله أبو السعود وصاحبا تفسير الجلالين.
[ ١٥١ ]
وجه الإعجاز:
ما كان أحد يعلم قبل اكتشاف أجهزة التشريح في القرنين الماضيين أسرار ما يجري في الجهاز الهضمي عند الحيوان والإنسان ووظائف ذلك الجهاز المعقد وعلاقته بالدورة الدموية ومراحل تكون اللبن في بطون الأنعام.
فلما تكاملت صناعة الأجهزة والتجارب العلمية عبر قرون عرف الإنسان أن مكونات اللبن تستخلص بعد هضم الطعام من بين الفرث وتجري مع مجرى الدم لتصل إلى الغدد اللبنية في ضروع الإناث التي تقوم باستخلاص مكونات اللبن من بين الدم دون أن يبقى أي آثار في اللبن من الفرث أو الدم وتضاف إليه في حويصلات اللبن مادة سكر اللبن التي تجعله سائغا للشاربين.
هذه الأسرار كانت محجوبة عن البشر فلم يكتشفوها إلا بعد رحلة طويلة من التجارب والبحوث العلمية التي استغرقت قرونا واستعملت فيها أجهزة صنعت لأول مرة على أيدي الباحثين لم يكن لها وجود عند البشر قبل ذلك.
ولكن القرآن الكريم كشفها أمام قارئيه بأجمل عبارة وأوجز لفظ قبل ألف وأربعمائة عام. فمن علم محمدا ﵌ من بين سائر البشر في ذلك الزمن أسرار الجهاز الهضمي والجهاز الدوري ودقائق ما يجري في غدد اللبن إلا الذي يعلم السر في الأرض والسماء ويعلم أسرار ما خلق من الكائنات، فيكون ذلك شاهدا على أن القرآن نزل بعلم الله وأن محمدا رسول الله. قال تعالى: لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا (١٦٦) [النساء: ١٦٦] .
[ ١٥٢ ]
[٩] الحاجز بين النهر والبحر (منطقة المصب):
شاهد الإنسان منذ القديم النهر يصب في البحر، ولاحظ أن ماء النهر يفقد بالتدريج- لونه المميز، وطعمه الخاص كلما تعمق في البحر، ففهم من هذه المشاهدة أن النهر يمتزج بالتدريج بماء البحر، ولولا ذلك لكان النهر بحرا عذبا يتسع كل يوم حتى يطغى على البحر.
ومع تقدم العلم وانطلاقه لاكتشاف أسرار الكون أخذ يبحث عن كيفية اللقاء بين البحر والنهر، ودرس عينات من الماء حيث يلتقي النهر بالبحر، ودرس درجات الملوحة والعذوبة بأجهزة دقيقة، وقاس درجات الحرارة، وحدد مقادير الكثافة، وجمع عينات من الكائنات الحية وقام بتصنيفها، وحدد أماكن وجودها، ودرس قابليتها للعيش في البيئات النهرية والبحرية.
وبعد مسح لعدد كبير من مناطق اللقاء بين الأنهار والبحار اتضحت للعلماء بعض الأسرار التي كانت محجوبة عن الأنظار، واكتشف الباحثون أن المياه تنقسم إلى ثلاثة أنواع:
(١) مياه الأنهار وهي شديدة العذوبة.
(٢) مياه البحار وهي شديدة الملوحة.
(٣) مياه في منطقة المصب وهي مزيج من الملوحة والعذوبة، كما أنها منطقة فاصلة بين النهر والبحر وتتحرك بينهما بحسب مد البحر وجزره، وفيضان النهر وجفافه، وتزداد الملوحة فيها كلما قربت من البحر، كما تزداد درجة العذوبة كلما قربت من النهر.
ويوجد برزخ مائي يحيط بمنطقة المصب ويحافظ على هذه المنطقة بخصائصها المميزة لها حتى ولو كان النهر يصب إلى البحر من مكان مرتفع في صورة شلال.
[ ١٥٣ ]
ولا يحدث لقاء مباشر بين ماء النهر وماء البحر في منطقة المصب بالرغم من حركة المد والجزر وحالات الفيضان والانحسار التي تعتبر من أقوى عوامل المزج؛ لأن البرزخ المحيط بمنطقة المصب يفصل بينهما على الدوام.
إلا أن ماء النهر يمتزج بماء البحر بصورة بطيئة من خلال المنطقة الفاصلة من مياه المصب، والبرزخ المائي الذي يحيط بها.
وتختلف الكتل المائية الثلاث (ماء النهر، ماء البحر، وماء المصب) في الملوحة والعذوبة، وقد شاهد الباحثون الذين قاموا بتصنيف الكائنات الحية الموجودة فيها ما يلي:
(أ) معظم الكائنات التي تعيش في البحر أو النهر أو المصب لا تستطيع أن تعيش في غير بيئتها وتموت إذا خرجت منها.
إلا أن بعض الأنواع القليلة مثل سمك السلمون، وثعابين البحر تستطيع أن تعيش في البيئات الثلاث، ولها قدرة على أن تتكيف مع كل بيئة «١» .
(ب) وبتصنيف البيئات الثلاث باعتبار الكائنات التي تعيش فيها تعتبر منطقة المصب منطقة حجر على معظم الكائنات الحية التي تعيش فيها؛ لأن هذه الكائنات لا تستطيع أن تعيش إلا في نفس الوسط المائي المتناسب في ملوحته وعذوبته مع درجة الضغط الاسموزي في تلك الكائنات، وتموت إذا خرجت من المنطقة المناسبة لها، وهي منطقة المصب.
_________________
(١) فعديدات الأشواك (فيفينس) ومعديّات الأرجل (لبتورينا، نيريتا) والسركانات توجد في المصبات ولكنها يمكن أن تعيش في المناطق البحرية عند مناسبة الظروف البيئية، أما (النيريس) وهي من عديدات الأشواك، ومعديّات الأرجل (نيريتينا، هيدروبيا) والقشريات (سيانثورا) فتعتبر حيوانات لمنطقة المصب ولا توجد في البحر، ومعظم كائنات البيئات الثلاث تموت إذا خرجت من بيئتها الخاصة بها.
[ ١٥٤ ]
ومنطقة المصب في نفس الوقت منطقة محجورة على معظم الكائنات الحية التي تعيش في البحر أو النهر؛ لأن هذه الكائنات تموت إذا دخلتها بسبب اختلاف الضغط الاسموزي أيضا.
صورة بالأقمار الصناعية لمنطقة المصب (الحاجز بين النهر والبحر)
وقد جعل الله هذا النظام المائي البديع لحفظ الكتل المائية الملتقية من أن يفسد بعضها خصائص البعض الآخر، ليبقى ذلك الاختلاف في الخصائص رحمة للناس بالحفاظ على عذوبة مياه الأنهار ومناسبا لحياة سائر الكائنات. التي تعيش في الماء وإذا كانت العين المجردة لا تستطيع أن ترى هذا الحاجز الذي يحفظ الله تعالى به منطقة المصب، فإن الأقمار الصناعية اليوم قد زودتنا بصورة باهرة، تبين لنا حدود هذه الكتل المائية الثلاث، التي تزداد وضوحا كلما ازداد الفارق في حرارة الماء وما يحمله من مواد.
[ ١٥٥ ]
وبالرغم من أن الماء العذب يمتزج مع ماء البحر فإن هناك حدودا على طرفي منطقة الامتزاج المحدودة، التي تفرض قيودا على ما يدخلها أو يخرج منها. وهذا الوصف ينطبق تماما على نظام المصب ولقد وصف القرآن الكريم منطقة اللقاء بين صورة بالأقمار الصناعية لمصبات عدة أنها
الكتل المائية الثلاث بأدق وصف وأدل لفظ وأوجز عبارة تضمنت تحديد العلاقة بين الكتل المائية الثلاث وكائناتها الحية التي تعيش فيها.
قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (٥٣) [الفرقان: ٥٣] .
[ ١٥٦ ]
المعاني اللغوية وأقوال المفسرين في الآية:
اللفظ مرج يأتي بمعنيين بارزين:
الأول: الخلط:
قال تعالى: بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (٥) [ق: ٥] .
وجاء في لسان العرب (أمر مريج: أي مختلط) «١»
وقال الأصفهاني في المفردات:
(أصل المرج: الخلط) «٢»
وقال الزبيدي: (ومرج الله البحرين العذب والمالح خلطهما حتى التقيا ) .
وقال الزجاج: مرج: خلط يعني البحر الملح والبحر العذب «٣» .
وقال ابن جرير الطبري: (والله الذي خلط البحرين فأمرج أحدهما في الآخر وأفاضه فيه) وأصل المرج: الخلط ومنه قول الله: فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ أي: مختلط.
وروي عن ابن عباس في قوله تعالى: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يعني خلع أحدهما على الآخر. وعن مجاهد: أفاض أحدهما على الآخر. وعن الضحاك بمثل قول ابن عباس «٤»
وذهب إلى هذا المعنى جمهور من المفسرين منهم:
القرطبي «٥»
وأبو حيان «٦»
والآلوسي «٧»
والخازن «٨»
والرازي «٩»
والشوكاني «١٠»
والشنقيطي «١١» .
_________________
(١) لسان العرب ٢/ ٣٦٤.
(٢) المفردات: ٤٦٥.
(٣) تاج العروس: ٢/ ٩٩.
(٤) جامع البيان للطبري ١٩/ ١٥.
(٥) الجامع لأحكام القرآن ١٣/ ٥٨.
(٦) البحر المحيط ٦/ ٥٠.
(٧) روح المعاني ١٩/ ٣٣- ٣٥.
(٨) تفسير الخازن في كتاب مجموعة التفاسير ٤/ ٤٥١.
(٩) التفسير الكبير ٢٤/ ١٠٠.
(١٠) فتح القدير ٤/ ٨٢- ٨٣.
(١١) أضواء البيان ٦/ ٣٣٨- ٣٤٠.
[ ١٥٧ ]
الثاني: مجيء وذهاب واضطراب (قلق):
قال ابن فارس في معجم مقاييس اللغة: (الميم والراء والجيم أصل صحيح يدل على مجيء وذهاب واضطراب) وقال: مرج الخاتم في الأصبع: قلق. وقياس الباب كله منه (ومرجت أمانات القوم وعهودهم) «١»
: اضطربت واختلطت «٢»
وجاء نفس المعنى في الصحاح للجوهري «٣»
ولسان العرب «٤»
وبذلك قال الزبيدي «٥» والأصفهاني «٦» .
(البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج):
البحر العذب «٧» هو النهر، ووصفه القرآن الكريم بوصفين: عذب «٨»، وفرات «٩» ومعناهما: أن ماء هذا البحر شديد العذوبة، ويدل عليه وصف (فرات)، وبهذا الوصف خرج ماء المصب الذي يمكن أن يقال إن فيه عذوبة، ولكن لا يمكن أن يوصف بأنه فرات.
وما كان من الماء ملحا أجاجا فهو ماء البحار، ووصفه القرآن الكريم بوصفين (ملح) «١٠» و(أجاج) «١١» وأجاج معناه شديد الملوحة، وبهذا خرج ماء المصب لأنه مزيج بين الملوحة والعذوبة فلا ينطبق عليه وصف: ملح أجاج.
_________________
(١) رواه أحمد ٢/ ١٦٢ في المسند عن عبد الله بن عمرو ﵁.
(٢) معجم مقاييس اللغة: ٥/ ٣١٦.
(٣) الصحاح: ١/ ٣٤١.
(٤) لسان العرب: ٢/ ٣٦٤- ٣٦٥.
(٥) تاج العروس: ٢/ ٩٩.
(٦) المفردات: ٤٦٥.
(٧) قال ابن جرير الطبري: " يعنى بالعذب الفرات: مياه الأنهار والأمطار" ١٩١، وقال أيضا: فلم أجد بحرا عذبا إلا الأنهار العذاب، نفس المصدر، وقال النسفي: " وسمي الماءين الواسعين الكثيرين بحرين" مجموعة التفاسير: ٤/ ٤٥١، وبمثله الزمخشري ٣/ ٩٦، والألوسي ٩/ ٣٣، والبقاعي ١٣/ ٤٠٦.
(٨) عذب فرات: شديد العذوبة: ذهب إلى هذا جمهور المفسرين وأهل اللغة.
(٩) عذب فرات: شديد العذوبة: ذهب إلى هذا جمهور المفسرين وأهل اللغة.
(١٠) ملح أجاج: شديد الملوحة: ذهب إلى هذا جمهور المفسرين وأهل اللغة.
(١١) ملح أجاج: شديد الملوحة: ذهب إلى هذا جمهور المفسرين وأهل اللغة.
[ ١٥٨ ]
وبهذه الأوصاف الأربعة تحددت حدود الكتل المائية الثلاث:
[١] هذا عَذْبٌ فُراتٌ: ماء النهر.
[٢] وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ: ماء البحر.
[٣] وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا: البرزخ هو الحاجز المائي المحيط بالمصب. فما هو الحجر المحجور؟.
الحجر والحجر: هو المنع «١» والتضييق.
يسمى العقل حجرا: لأنه يمنع من إتيان ما لا ينبغي «٢» . قال تعالى هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥) [الفجر: ٥] والسفيه يحجر عليه القاضي من التصرف في ماله فماله في حجر أو حجر والكسر أفصح «٣» .
وجاء في حديث الرسول ﷺ للأعرابي: " لقد تحجرت واسعا" رواه أبو داود والترمذي والنسائي وأحمد «٤» .
قال ابن منظور: (لقد تحجرت واسعا) أي ضيقت ما وسعه الله وخصصت به نفسك دون غيرك «٥» . ونستطيع أن نفهم الحجر هنا: بأن الكائنات الحية في منطقة اللقاء بين البحر والنهر تعيش في حجر ضيق ممنوعة أن تخرج من هذا الحجر.
_________________
(١) لسان العرب: ٤/ ١٦٧، المفردات للأصفهاني: ١٠٩.
(٢) معجم مقاييس اللغة ٢/ ١٣٨ قال: " الحاء والجيم والراء أصل واحد، وهو المنع والإحاطة على الشيء " ويقال حجر الحاكم على السفيه حجرا، وذلك منعه إياه من التصرف في ماله، والعقل يسمى حجرا لأنه يمنع من إتيان ما لا ينبغي، قال تعالى: هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥) .
(٣) سنن النسائي ٣/ ١٤، ح ١٢١٦- ١٢١٧، مسند أحمد ٢: ٢٣٩، ٢٨٣.
(٤) انظر: سنن أبي داود ١/ ٢٦٤، ح ٣٨٠، تحفة الأحوذي ١/ ٤٥٨، ح ١٤٧، سنن النسائي ٣/ ١٤، ح ١٢١٦- ١٢١٧، مسند أحمد ٢: ٢٣٩، ٢٨٣.
(٥) لسان العرب: ٤/ ١٦٦.
[ ١٥٩ ]
ووصفت هذه المنطقة أيضا بأنها محجورة أي ممنوعة، ونفهم من هذا اللفظ معنى مستقلا عن الأول أي أنها أيضا منطقة ممنوعة على كائنات أخرى من أن تدخل إليها فهي: حجر (حبس، محجر) على الكائنات التي فيها. محجورة على الكائنات الحية بخارجها.
ويكون المعنى عندئذ: وجعل بين البحر والنهر برزخا مائيّا هو: الحاجز المائي المحيط بماء المصب، وجعل الماء بين النهر والبحر حبسا على كائناته الحية ممنوعا عن الكائنات الحية خارجه الخاصة بالبحر والنهر.
ولم يتيسر للمفسرين الإحاطة بتفاصيل الأسرار التي ألمحت إليها الآية؛ لأنها كانت غائبة عن مشاهدتهم لذلك تعددت أقوالهم في تفسير معانيها الخفية:
فقال بعضهم في قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ [الفرقان: ٥٣] أي خلطهما فهما يلتقيان.
ويستند هذا القول إلى المعنى اللغوي للفظ: مَرَجَ.
وقررت طائفة أخرى من المفسرين أن معنى وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ أي (وهو الّذي أرسلهما في مجاريهما فلا يختلطان) .
قال ابن الجوزي: قال المفسرون: والمعنى أنه أرسلهما في مجاريهما فما يلتقيان، ولا يختلط الملح بالعذب، ولا العذب بالملح «١» .
وقال أبو السعود: وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ: أي خلاهما متجاورين متلاصقين بحيث لا يتمازجان، من: مرج دابته: أخلاها «٢» .
وبمثله قال البيضاوي «٣» والشنقيطي في أحد قوليه «٤» وطنطاوي جوهري
_________________
(١) زاد المسير: ٦/ ٩٠.
(٢) تفسير أبو السعود: ٦/ ٢٢٥.
(٣) مجموعة التفاسير: ٤/ ٤٥١.
(٤) ج ٢٤ ص ١٨.
[ ١٦٠ ]
في تفسير الجواهر. والذين قرروا هذا المعنى نظروا إلى قوله تعالى: وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا.
وتقرير اختلاط الماءين يبدو متعارضا مع وجود البرزخ والحجر المحجور.
ولذلك رجح بعض المفسرين معنى الخلط، ورجح الآخرون معنى المنع.
وكذلك الحال في تفسير البرزخ، فقد قرر بعض المفسرين أن معنى بَرْزَخًا: حاجزا من الأرض «١»، وبمثله قال أبو حيان «٢» والرازي «٣» والآلوسي «٤» والشنقيطي «٥» .
ولقد رد ابن جرير الطبري هذا القول، فقال: (لأن الله تعالى ذكره أخبر في أول الآية أنه مرج البحرين، والمرج هو الخلط في كلام العرب على ما بينت قبل فلو كان البرزخ الذي بين العذب الفرات من البحرين، والملح الأجاج أرضا أو يبسا لم يكن هناك مرج للبحرين، وقد أخبر جل ثناؤه أنه مرجهما. وبين البرزخ فقال: وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا: (حاجزا لا يراه أحد) «٦» .
وقال ابن الجوزي عن هذا البرزخ: (مانع من قدرة الله لا يراه أحد) «٧» .
وقال الزمخشري «٨»: (حائلا من قدرته) كقوله تعالى: بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها [الرعد: ٢] وبمثلهم، قال: القرطبي «٩» والبقاعي «١٠» وأكثر المفسرين.
فتأمل كيف عجز علم البشر عن إدراك تفاصيل ما قرره القرآن الكريم.
فمن المفسرين من ذكر أن البرزخ أرضا أو يبسا (حاجز من الأرض) «١١» .
_________________
(١) ابن كثير: ٣/ ٣٢٢.
(٢) البحر المحيط: ٦/ ٥٠٦.
(٣) التفسير الكبير: ٢٤/ ١٠٠.
(٤) روح المعاني: ١٩/ ٣٣.
(٥) أضواء البيان: ٦/ ٣٣٩.
(٦) جامع البيان: ١٩/ ٢٥.
(٧) زاد المسير: ٦/ ٩٠.
(٨) الكشاف: ٣/ ٩٦.
(٩) جامع الأحكام: ١٣/ ٥٨.
(١٠) نظم الدرر: ١٣/ ٤٠٦.
(١١) جامع البيان: ١٩/ ٢٤- ٢٥، روح المعاني: ١٩/ ٣٤، التفسير الكبير: ٢٤/ ١٠١، زاد المسير: ٦/ ٩٦، ابن كثير: ٤/ ٤٢٤، ٣/ ٣١٥.
[ ١٦١ ]
ومنهم من أعلن عجزه عن تحديده وتفصيله فقال: (هو حاجز لا يراه أحد)، وهذا يبين لنا أن العلم الذي أوتيه محمد ﷺ فيه ما هو فوق إدراك العقل البشري في عصر الرسول ﷺ، وبعد عصره بقرون.
وكذلك الأمر في الحجر المحجور. فقد ذهب بعض المفسرين إلى حملها على المجاز، وذلك بسبب نقص العلم البشري طوال القرون الماضية.
قال الزمخشري: (فإن قلت، حجرا محجورا ما معناه) قلت: هي الكلمة التي يقولها المتعوذ وقد فسرناها، وهي هنا واقعة على سبيل المجاز كأن كل واحد من البحرين يتعوذ من صاحبه ويقول: وَحِجْرًا مَحْجُورًا «١» وبمثل ما قال الزمخشري قال غيره من المفسرين كأبي حيان «٢» والرازي «٣» والآلوسي «٤»، والشنقيطي «٥» مع أنه من المفسرين المتأخرين.
عند قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ [الفرقان:
٥٣] لم يكتف النص القرآني بقوله تعالى هذا عذب لأنه قد يختلط على القارئ تحديد المنطقة المقصودة فيدخل فيها منطقة المصب لأن فيها شيء من العذوبة فجاء القرآن بقيد وصف فيه البحر العذب المقصود بشدة العذوبة بلفظ أخرج منطقة المصب، وحصر المعنى في النهر الصافي بقوله تعالى: هذا عَذْبٌ فُراتٌ.
وكما أخرج النص القرآني منقطة المصب بزيادة فُراتٌ على الماء العذب، أخرج منطقة المصب مرة ثانية من جهة البحر الملح الشديد الملوحة بإضافة وصف
_________________
(١) الكشاف: ٣/ ١٠١.
(٢) البحر المحيط: ٦/ ٥٠٧.
(٣) التفسير الكبير: ٢٤/ ١٠٠.
(٤) روح المعاني: ١٩/ ٣٣.
(٥) أضواء البيان ٦/ ٤٣٩.
[ ١٦٢ ]
للبحر الملح بقوله: أُجاجٌ حتى لا يدعي شخص أن المصب فيه ملوحة وأنه داخل في المقصود فأخرج النص القرآني بزيادة أُجاجٌ ليدل المعنى على البحر الصافي فتحدد بذلك مناطق ثلاث: بحر صاف شديد الملوحة، وبحر عذب شديد العذوبة، ومنطقة المصب وهي مزيج بين العذوبة والملوحة.
فانظر كيف حارت العقول الكبيرة عدة قرون- بعد نزول القرآن الكريم- في فهم الدقائق والأسرار، وكيف جاء العلم مبينا لتلك الأسرار، وصدق الله القائل:
وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها [النمل: ٩٣] .
وانظر كيف استقر المعنى بعد أن كان قلقا عند المفسرين.
قال تعالى: لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٦٧) [الأنعام: ٦٧] .
وقال تعالى: وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨) [ص: ٨٨] .
فمن أخبر النبي الأمي في الأمة الأمية في البيئة الصحراوية، حيث لا وجود لنهر ولا لمصبه عن هذه الأسرار الدقيقة المتعلقة بالكتل المائية المختلفة التركيب:
عذب فرات، ملح أجاج، وبينهما برزخا وحجرا محجورا؟!.
والحجر: هو المكان المحجور عن كائنات حية تعيش في هذه البيئات المائية الثلاث.
وكم استغرق الإنسان من الزمن؟، وكم استخدم من الآلات الدقيقة والأجهزة الحديثة حتى تمكن من الوصول إلى هذه الحقائق التي جرت على لسان النّبيّ الأمي قبل ألف وأربعمائة عام بأوجز تعبير وأوضح بيان؟.
نأمل في الفرق الدقيق الذي يميز التقاء بحرين ملحين عن حالة اللقاء بحر ملح وآخر عذب فسترى أنه في حالة البحرين الملحين لا وجود لمنطقة الحجر المحجور لأن الاختلاف في الضغط التناضحي (الاسموزي) بين البحرين متقارب
[ ١٦٣ ]
مما يسمح بانتقال الكائنات الحية بين البحرين أما في حالة اللقاء بين البحر الملح والبحر العذب (النهر) فإنه لابد من وجود منطقة المصب التي يكون الماء فيها مزيجا بين العذوبة والملوحة، مما ينشأ عنه فوارق كبيرة في درجات الضغط التناضحي الأسموزي الذي يجعل من منطقة المصب منطقة حجر (حبس) على ما فيها من الكائنات الحية فلا يسمح بخروجها لا إلى البحر ولا إلى النهر كما يجعل منطقة المصب أيضا منطقة محجورة على كائنات البحر والنهر فلا يسمح بدخول أي منها إلى منطقة المصب وتأمل كيف عبر القرآن الكريم عن هذه الحقائق بأوضح وأوجز وأجمل بيان فقال في وصف اللقاء بين البحرين الملحين:
مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ (١٩) بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ (٢٠) وقال في وصف اللقاء بين البحر الملح والبحر العذب: وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (٥٣) [الفرقان: ٥٣] .
فمن أين جاء هذا العلم لمحمد ﵊ إن لم يكن من عند الذي أحاط بكل شيء علما؟!!.
[ ١٦٤ ]
المعجزة العلمية في السنة
تمهيد:
تظهر المعجزة العلمية لمحمد ﷺ بإخبار القرآن الكريم بحقيقة أثبتها العلم التجريبي، وثبت عدم إمكانية إدراكها بالوسائل البشرية في زمن الرسول ﷺ، وكذلك إخبار السنة النبوية لأنها وحي من الله تعالى لنبيه ﷺ وهي ما صدر عن النّبيّ ﷺ من قول غير القرآن أو فعل أو تقرير قال تعالى: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (٤) [النجم: ٣- ٤] .
وهذا الإعجاز الذي تحمله أحاديث النبي ﷺ شاهد على صدق الرسول محمد ﷺ فيما أخبر به عن ربه سبحانه. كما يشهد بدقة ضبط الحديث عن النبي ﷺ.
ولذلك قال ﷺ: «ما من الأنبياء نبي إلا أعطى من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا، أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة» «١» .
وهي كذلك ستبقى معجزة متجددة إلى قيام الساعة؛ كما قال تعالى:
وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨) [ص: ٨٨] .
فأنباء الأرض في القرآن والسّنّة تتجلى في عصر الاكتشافات، وخبر القرآن والسّنّة وما فيهما من أوصاف هو نبأ إلهي عما في الأرض والسماء.
وكما زخر القرآن الكريم بأنباء الكون وأسرار الخلق كذلك والسّنّة التي جاءت
_________________
(١) أخرجه البخاري ك/ فضائل القرآن، ب/ كيف نزل الوحي وأول ما نزل، ومسلم ك/ الإيمان، ب/ وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد إلى جميع الناس.
[ ١٦٥ ]
شارحة ومبينة ومفصلة: قال تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤) [النحل: ٤٤] فهي شاهدة على صدق نبينا محمد ﷺ وصدق ما جاء به.
وكما تجلت أنوار الوحي الإلهي في القرآن بكشف الأسرار المحجوبة في آفاق الأرض والسماء وفي النفس البشرية، كذلك تتحقق هذه المعجزة في حديث الرسول الله ﷺ أو جزء من حديث بدقة علمية معجزة وعبارات مشرقة، فهيا لندبر معجزة من هذه المعجزات:
[ ١٦٦ ]
معجزة وصف الجنين بعد الليلة الثانية والأربعين
يحاط الجنين وهو في بطن أمه بظلمات جدر ثلاثة هي: جدار بطن الأم، وجدار الرحم، وجدار المشيمة، ويختفي الجنين عن أعين الناس، داخل تلك الجدر والظلمات، ولقد حاول الإنسان أن يعرف أسرار خلق الجنين فتخبط في أوهام كثيرة.
توهم الناس أن الجنين يخلق من دم الحيض، وساد هذا الوهم- الذي تخيله ارسطو- على أفكار البشر طوال ألفي عام، يقول البروفيسور كيث إل. مور «١»:
" ويعد كثير من علماء الأجنة أرسطوطاليس" مؤسس علم الأجنة على الرغم من حقيقة كونه روج فكرة: أن الجنين يتطور من كتلة عديمة الشكل تنتج عن اتحاد المني بدم الحيض".
ويقول البروفيسور: ج. س. جورنجر- في بحث ألقي في عدد من المؤتمرات الدولية- عن الوهم الذي تخيله أرسطوطاليس: " ولم يرتفع هذا الوهم إلا بعد" إعلان كل من (هام) و(فان لوفينهوك) اكتشاف الحوين المنوي البشري عام ١٧٠١ م» «٢» .
وتوهم الباحثون أن الإنسان يخلق خلقا تاما منذ بداية تكوينه؛ لأن جميع ما يشاهده الناس- لجميع الكائنات الحية- من صور للنمو لا يكون إلا بزيادة حجم الكائن الصغير. وقد عبر علماء أوروبا عن هذه الفكرة في بداية عصر
_________________
(١) كيث ال. مور هو من أشهر علماء عصرنا في مجال علم الأجنة، وكتابه مترجم إلى سبع لغات غير الإنجليزية، منها: الروسية، والصينية، واليابانية، والألمانية.
(٢) نظرة تاريخية في علم الأجنة للبروفسور ج. س. جورنجر جامعة جورج تاون واشنطن العاصمة كتاب: علم الأجنة.
[ ١٦٧ ]
النهضة بشكل نشر قرابة عام ١٦٧٢ م. والذي علق عليه البروفسور ج. س.
جورنجر بقوله: " ونشرت في الوقت ذاته (أي عام ١٦٧٢ م) تقريبا مجموعة أخرى من الرسومات تظهر تخلق الجنين البشري الشكل (١- ٦) وتعبر كلها عن رسم واحد، ولكن بقياس مختلف (ولم يشر إلى ذلك ناشرو ومحكمو الجمعية الملكية للفلسفة عندئذ) فقد كانوا يعتقدون إلى هذا الوقت أن التخلق الإنساني ليس إلا زيادة في الحجم لصورة واحدة تتسع أبعادها بمرور وقت الحمل، لسيطرة فكرة الخلق التام للإنسان من أول مرحلة على أذهان العلماء" «١» .
وحتى بعد اكتشاف المجهر (الميكروسكوب)، بقي وهم الخلق التام للإنسان من بداية تكوينه مسيطرا على أفكار علماء النهضة الأوروبية. يقول جورنجر وغيره «٢»: " والرسم الذي قدمه هارت سوكر للحوين المنوي عام ١٦٩٤ م. بعد اكتشاف الميكروسكوب (المجهر) بفترة يدل على أن المجهر يومئذ لم يكن كافيا
_________________
(١) بروفيسور جورنجر وغيره كتاب: علم الأجنة في ضوء القرآن والسنة ص ١٤.
(٢) زنداني- مصطفى.
[ ١٦٨ ]
لبيان تفاصيل تكوين الحوين المنوي، فأكملت الصورة من خيال العلماء، وعبروا مرة ثانية عن الفكرة السائدة عندهم وهي (أن الإنسان يكون مخلوقا خلقا تاما في الحوين المنوي في صورة قزم) «١» .
وأضافوا إلى هذا الوهم وهما آخر هو: أن الإنسان يخلق من ماء الرجل فقط (المنوي) ولا دور للمرأة في الجنين إلا كدور الأرض الزراعية في إنبات البذور.
وحتى بعد اكتشاف البيضة عند المرأة بقيت فكرة الخلق التام مسيطرة على عقولهم؛ بالرغم من أن علماء النهضة الأوروبية غيروا رأيهم عن دور الرجل في الإنجاب، فزعموا أن الإنسان يخلق خلقا تاما في البييضة في صورة قزم أيضا، ثم ينمو بزيادة الحجم فقط، دون أي تغيير في الصورة التي بدأت من بداية خلق البييضة، وقرروا أن لا دور للرجل في تكوين الجنين إلا كدور المنبه الذي يستحث النمو.
يقول البروفيسور جورنجر" وبينما كان فريق من العلماء يرى أن الإنسان يخلق خلقا تاما في بييضة المرأة؛ كان فريق آخر يقرر أن الإنسان يخلق خلقا تاما
_________________
(١) المصدر السابق ص ٢٠، ٢١.
[ ١٦٩ ]
مي الحوين المنوي.
ولم ينته الجدل بين الفريقين إلا حوالي عام (١٧٧٥ م)؛ عند ما أثبت سبالانزاني أهمية كل من الحوين المنوي والبييضة مي عملية التخلق البشري.
بينما نجد مي القرآن الكريم والسّنّة النبوية أن هذه القضايا قد حسمت، بأن عملية التخلق مشتركة بين الذكر والأنثى. ومما جاء مي ذلك قوله تعالى:
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى [الحجرات: ١٣] «١» .
ثم يقول البروفيسور جورنجر عن علماء النهضة الأوروبية في ذلك الوقت:
" إنهم لم يعرموا بعد: أن خلق الإنسان مي رحم أمه يمر بأطوار مختلفة الخلق، والصورة؛ وهي الحقيقة التي قررت مي القرآن الكريم، والسّنّة قبل ذلك بقرون.
مالقرآن الكريم يقرر: أن خلق الإنسان ينتقل طورا بعد طور مي بطن أمه مي مثل قوله تعالى: يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ.
[الزمر: ٦] «٢» .
هذان الشكلان اللذين عبر بهما علماء أوروبا عن سيطرة فكرة الخلق التام عليهم في القرن السابع عشر والثامن عشر
_________________
(١) المصدر السابق ص ٢١.
(٢) نفس المصدر ص ٢١.
[ ١٧٠ ]
بطلان فكرة الخلق التام:
يقول البروفيسور كيث إل. مور: " في عام ١٧٥٩ دحض وولف كلا الصيغتين لنظرية الخلق التام منذ بداية التكوين؛ بعد مشاهدته أجزاء من الجنين تتطور في كريات (ربما الكيس الجرثومي) "، ثم قال: " إن الجدل بشأن الخلق التام منذ بداية التكوين انتهى أخيرا في عام ١٧٧٥ م. عند ما أظهر سبالزاني أن كلا من البييضة والحوين المنوي كانا ضروريين لتطوير فرد جديد. " «١» .
الخطأ في تقدير أعمار الأجنة:
وبتحرر عقول العلماء في أوروبا من فكرة الخلق التام للإنسان منذ بداية خلقه، ومعرفتهم أن خلق الإنسان يمر بأطوار ومراحل مختلفة في أشكالها وصورها؛ تساءل العلماء متى يأخذ الجنين صورته الإنسانية؟ فوجدوا أنفسهم أمام معضلة كبيرة هي: معضلة تحديد عمر الجنين، فقد كان من العسير على العلماء- قبل اكتشاف بييضة المرأة، وزمن خروجها من المبيض عند المرأة- أن يحددوا عمر الجنين في بطن أمه، أو عمر الجنين الذي يسقط من بطن أمه؛ بسبب عجزهم عن تحديد زمن بداية الحمل، وكان لابد أن يقعوا في خطأ حسابي يزيد ب ٢١ يوما، أو ينقص كذلك ب ٢١ يوما؛ لأن علامة الحمل عند المرأة تعرف- عندهم يومذاك- بانقطاع حيضها، فإن بدؤا حساب الحمل من أول الطهر- وقد أمكن أن يقع في نظرهم يومذاك في آخره- فسيكون الخطأ في تقدير عمر الجنين بزيادة تساوي فترة الطهر أي: ٢١ يوما، وإن اعتبروا أن الحمل وقع في آخر الطهر- مع امكان وقوعه في نظرهم يومذاك في أول الطهر- فسيقع النقص في تقدير عمر الجنين بما يساوي ٢١ يوما أيضا.
_________________
(١) كيث إل. مور في كتابه: الجنين البشري مع الإضافات الإسلامية.
[ ١٧١ ]
الجهل بالتطورات التي تظهر على الجنين في كل مرحلة زمنية:
وكما كان تقدير عمر الجنين متعذرا إلا مع خطأ كبير، فإن تحديد ما يظهر من التطورات في خلق الجنين أثناء جميع مراحل نموه كان كذلك متعذرا، لقلة العينات المتاحة من الأجنة البشرية، ولأن أحدا لا يقبل أن يتبرع بابنه حتى يقوم الأطباء بدراسته؛ ولما يصاحب ذلك من مشقة كبيرة للمرأة إذا أسقط جنينها؛ فالام السقط قريبة من آلام الولادة. ومما يزيد الأمر صعوبة هو أن تطورات أجهزة وأعضاء الأجنة تنمو باطراد؛ يصعب معه تحديد الفترة الزمنية التي يظهر فيها الجهاز، أو العضو بصورته الآدمية في الجنين.
كيف تمكن العلماء من تقدير عمر الجنين وتحديد زمن تكون أعضاء الجنين:
بعد اكتشاف بييضة المرأة في القرن التاسع عشر الميلادي؛ تمكن الباحثون من تحديد يوم خروجها من المبيض في المرأة، ومكنهم ذلك من تحديد موعد بداية الحمل بخطأ لا يتجاوز- يوم واحد.
وبعد أن تمكن علماء الطب أخيرا من غرس (كاميرا) في رحم المرأة أثناء حملها أمكنهم متابعة الحمل بدقة بالغة، وأمكنهم تحديد زمن ظهور أعضاء جسم الجنين، وزمن تشكلها، وأمكنهم تصوير مراحل تكوين تلك الأعضاء.
المعجزة النبوية في وصف تخلق الجنين بعد الليلة الثانية والأربعين:
رأينا كيف كان علماء النهضة العلمية الحديثة في أوروبا يتخبطون في أوهام متعددة؛ طوال ثلاثة قرون؛ أثناء دراستهم لتخلق الجنين البشري من أهمها:
* توهمهم أن الإنسان يخلق من دم الحيض، ولم يتخلصوا من هذا الوهم إلا في القرن السابع عشر الميلادي.
[ ١٧٢ ]
* وتوهموا أن الإنسان يخلق خلقا تاما من بداية تكوينه؛ ولم يعرفوا بطلان ذلك إلا في القرن الثامن عشر الميلادي.
* وتوهموا في عام ١٦٩٤- بعد اكتشاف المجهر- أن الإنسان يخلق خلقا تاما في المنوي؛ ولم يرجعوا عن هذا إلا بعد اكتشاف بييضة المرأة عام ١٨٢٧ م أي:
بعد مئة وخمسين سنة من اكتشاف المنوي.
* وبعد اكتشاف البييضة توهموا أن الإنسان يخلق خلقا تاما فيها؛ ولم يتبدد وهمهم هذا إلا في الربع الأخير من القرن الثامن عشر عام ١٧٧٥ م.
* وكان علماء الأجنة إذا حسبوا عمر الجنين- قبل اكتشاف بييضة المرأة- يقعون في خطأ يتراوح ما بين زائد أو ناقص ٢١ يوما، ولم يتمكنوا من تحديد عمر الجنين في مراحله المختلفة إلا في القرن العشرين.
* وكان علماء الأجنة يعجزون عن تتبع التطورات التي تحدث على جسم الجنين البشري، وزمن حدوثها؛ إلى بعد الأربعينات من القرن العشرين، وبخاصة بعد أن تمكنوا من النظر إلى الجنين بوضوح، بل وتمكنوا من النظر إلى داخل أجزاء الجنين؛ وذلك بما تيسر لهم من آلات للتصوير والتكبير ووسائل الكشف عن المواد المختلفة.
لكن الله الذي يعلم ما في الأرحام، ويعلم السر في السموات والأرض؛ أخبر رسوله النبي الأمي، في الأمة الأمية؛ قبل ألف وأربعمائة عام، بالليلة المحددة التي يبدأ بعدها الجنين البشري في أخذ صورته الآدمية، والتي يأخذ بعدها في تشكيل وتكوين أعضائه الآدمية المعروفة لنا؛ وحجم الجنين لا يزيد في تلك الليلة عن (١١ مم) .
واليوم وبعد أن تمكن العلم في القرن العشرين من مشاهدة ما يحدث للجنين
[ ١٧٣ ]
من تطورات، وحساب الزمن لكل تطور يظهر على جسم الجنين، يمكننا أن نعتبر الخبر النبوي الذي جاءنا قبل ألف وأربعمائة عام؛ بمثابة اختبار لصدق نبوة ورسالة محمدﷺ- القائل: " إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا، فصورها، وخلق سمعها، وبصرها، وجلدها، ولحمها، وعظامها. ثم قال: يا رب، أذكر أم أنثى؛ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك" «١» .
ففي هذا الحديث يقرر الرسول ﷺ عشر حقائق من حقائق علم الأجنة هي:
[١] خلق الإنسان من النطفة المنوية- من ماء الرجل وبييضة المرأة- كما سبق بيانه- وقد أشار إلى ذلك الحديث النبوي: " إذا مر بالنطفة" أي أن الإنسان يخلق من النطفة لا من دم الحيض- كما كان شائعا بين الأطباء إلى القرن السابع عشر.
[٢] حدد الحديث ليلة معينة من عمر الجنين؛ يدخل بعدها الملك" إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا".
ويقوم الملك بعد هذه الليلة بما يلي:
[٣] " صورها" أي أن الصورة الآدمية للجنين تبدأ بالظهور بعد الليلة الثانية والأربعين.
[٤] " وخلق سمعها" وكذلك يبدأ ظهور الأذن وجهاز السمع.
[٥] " وبصرها" أي وخلق بصرها؛ فيبدأ ظهور العين وجهاز البصر.
_________________
(١) صحيح مسلم- كتاب القدر ج ٤ ص ٢٠٣٧ ح ٣/ ٢٦٤٥، وله طريق آخر عنده عن حذيفة بن أسيد، وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير ٣/ ١٧٨ ح ٣٠٤٤، والطحاوي في مشكل الآثار ٣/ ٢٧٨، وأبو داود في كتاب القدر ورقة ٤٤/ ٤٥، وجعفر الفرياني انظر: فتح الباري ١١/ ٤٨٣.
[ ١٧٤ ]
[٦] " وجلدها" ويخلق الملك الجلد بعد الليلة الثانية والأربعين.
[٧] " ولحمها" ويخلق الملك اللحم (العضلات) بعد نفس الليلة.
[٨] " وعظامها" ويخلق الملك العظام (الهيكل العظمي) بعد نفس الليلة.
[٩] " ثم قال: يا رب، أذكر أم أنثى" أي أن الملك يبدأ بتشكيل الأعضاء التناسلية الخارجية (الفرج) في الذكر والأنثى، والتي بها يتم التمييز بين الذكر والأنثى وذلك بعد الليلة الثانية والأربعين أيضا.
[١٠] يمر الجنين بأطوار قبل الليلة الثانية والأربعين؛ وهو ليس في صورة آدمية، ولا توجد فيه الأعضاء والأجهزة التي ذكر الحديث خلقها بعد الليلة الثانية والأربعين.
وهيا بنا إلى عدد من قادة علم الأجنة في عصرنا نسألهم عن شهادتهم حول ما قاله النبي ﷺ قبل ألف وأربعمائة عام.
شهادة العلم الحديث بصدق ما أخبر به الرسول ﷺ:
يقول البروفيسور جولي سمسن وآخران «١» وهو أحد كبار علماء الوراثة والأجنة بأمريكا في بحث ألقي في عدد من المؤتمرات العلمية «٢»: " وعند نهاية الأسبوع السادس وقبل اليوم الثاني والأربعين لا تكون صورة الوجه واضحة أو شبيهة بصورة وجه الإنسان الشكل [٦- ٢] .
وتكون العين والأذن والأعضاء التناسلية الخارجية في صورة أولية؛ من مراحل تطورها قبل اليوم الأربعين، وهي: لا تعمل، ولا تشبه أعضاء الإنسان «٣» ثم
_________________
(١) الدكتور/ مصطفى عبد الباسط والزنداني.
(٢) منها مؤتمرات الرياض، والقاهرة، وإسلام آباد المتعلقة بالإعجاز العلمي.
(٣) كتاب علم الأجنة في ضوء القرآن والسنة ص ١٤٤.
[ ١٧٥ ]
الشكل ٦- ٢: رسم الجنين في الأسبوعين ٧،: ٦. لا يمكن أن نميز المظهر البشري فيه بوضوح
CIBA.Clinical Sumposia، vol، ٢٨، No.٣
[ ١٧٦ ]
يقول «١»: " وتقدير عمر الجنين قبل اكتشاف البييضة وارتباط دورة الحيض بها أمر في غاية الصعوبة"
وهذا هو البروفيسور (ت. ف. ن. برساد) من جامعة (مانتوبا ويننج) بكندا وأحد المشاهير والمؤلفين في علمي: أمراض النساء، والأجنة بكندا؛ يحدثنا عن الجنين بعد اليوم الثاني والأربعين، فيقول: " يتكون في بداية الأسبوع السابع من النمو أي: عند حوالي اليوم الثاني والأربعين: الهيكل العظمي الغضروفي؛ الذي يعطي الجنين شكله الآدمي الخاص، فيستقيم جذعه، ويتكون له رأس مستدير الشكل (٧- ٣) .
الشكل (٧- ٣)
الجنين في بداية الأسبوع السابع (٤٠ الي ٤٢) تكون الذراعان مقوستين وتحيطان ببروز القلب وتظهر إشعاعات أصابع القدمين. ويبلغ طوله من الإكليل إلى الكفل ٢٠ ملم.
(١) الذراع (٢) الأذن (٣) المرفق (٤) العين (٥) مقدمة المخ (٦) بروز القلب (٧) مؤخرة المخ (٨) بروز الكبد (٩) منتصف المخل (١٠) تفتق وسط المعي (١١) الفم (١٢) صفحة اليد المثلمة (١٣) الحبل السري بإذن من:
Permission from:England، color Atles of Life Before Birgh، Chicago، Yera Book Medical Publishers ins.) ١٩٨٣)
وتتحرك العينان إلى الأمام في محلهما في الوجه؛ فيتجلى الشكل الآدمي للجنين الشكل (٧- ٤) ويتم ذلك أيضا بالنسبة للأنف الذي يأخذ المظهر الآدمي.
_________________
(١) المرجع السابق، ص ١٥٦.
[ ١٧٧ ]
الشكل ٦- ٢: رسم الجنين في الأسبوعين ٧، ٦. لا يمكن أن نميز المظهر البشري فيه بوضوح
CIBA.Clinical Sumposia، vol.٢٨، No.٣
[ ١٧٨ ]
أما الأذرع التي ظهرت على شكل براعم في نهاية الأسبوع الرابع، فتصبح أكثر طولا بعد اليوم الثاني والأربعين، وتظهر أصابع واضحة لم تكن موجودة قبل ذلك، أما مؤخرة العمود الفقري البارزة، فتتراجع، وتعتدل تاركة أثرا لا يكاد يلاحظ؛ وللمقارنة بين الجنين الإنساني قبل اليوم الثاني والأربعين وبعده انظر شكل (٧- ٢) وشكل (٧- ٤) .
أما البدايات الأولية للأعضاء التناسلية الخارجية فتكون متشابهة في بادئ الأمر بين الذكور والإناث، وتبدأ التطور قبل اليوم الثاني والأربعين؛ في الأسبوع الرابع إلا أن الحديبة التناسلية والانتفاخ الشفري العجزي، والطيات البولية التناسلية؛ المنشئة للخواص الجنسية المميزة (لفرج الذكر والأنثى)، لا تظهر إلا في الأسبوع التاسع (أي بعد الليلة الثانية والأربعين)، كما أنه لا يمكن التفريق بين الأعضاء التناسلية الخارجية المذكرة، والمؤنثة؛ إلا بعد الأسبوع الثاني عشر.
ثم يقول بروفيسور برساد: " وقد ذكر الرسولﷺ- كل هذه التطورات التي وصفت فيما تقدم، ومواعيدها في الحديث الذي رواه مسلم عن حذيفة".
وذكر نص الحديث، ثم قال بروفيسور" برساد": فهذا الحديث الشريف يوضح أهمية اليوم الثاني والأربعين في حياة الجنين داخل الرحم، كما يبين التطورات الدقيقة التي تظهر بعد هذا اليوم.
[ ١٧٩ ]
وقد أظهرت الدراسات الجنينية الحديثة أن الجنين يكتسب شكله الآدمي خلال هذه الفترة، ويظهر على الجنين كل ما ورد ذكره في الحديث الشريف منذ أربعة عشر قرنا" «١» .
هاتان الصورتان منقولتان من كتاب:
«من الحمل إلى الولادة (From Conception (to Birth) «
لمؤلفه الكساندر تسياراس (Alexander Tsiaras) .
صورة رقم ٢
_________________
(١) علم الأجنة في ضوء القرآن والسّنّة ص ١٦٣- ١٧٠ الطبعة العربية.
[ ١٨٠ ]
وقد أخذت هاتان الصورتان بكاميرا خاصة يمكنها رؤية الجسم البشري أو أي جزء منه ومسحه أو تكبيره أو تدويره، والتحكم بشفافيته بحيث يمكننا رؤية ما في داخل الكائن الحي وإضاءته من كل زاوية والصورة رقم (١) للجنين في اليوم الثاني والأربعين حين دخول الملك؛ والثانية بعد دخول الملك بيومين والصورتان تبينان صدق ما أخبر به الرسول من عمل الملك في هذا الزمن المحدد كما جاء في حديث حذيفة الذي رواه مسلم.
وهكذا جاء التقدم العلمي مصدقا لما أخبر به الرسولﷺ- بعد مرور أربعة عشر قرنا من الزمان، فدلنا ذلك على أن العلم الذي حمله لنا الحديث الشريف، لا يمكن أن
يكون من مصدر بشري، وأنه لابد أن يكون من عند الله المحيط علما بكل شيء.
لأن البشرية لم تقف على هذه الحقائق إلا في القرون الثلاثة الأخيرة: الثامن عشر، والتاسع عشر والقرن العشرين كما مر بنا.
ولأن الرسولﷺ- بعث قبل ألف وأربعمائة عام، في عصر كانت الجهالة هي السائدة، والخرافة هي الغالبة، والأساطير هي الرائجة.
ولأن الرسول ﷺ عاش في أمة أمية، غرقت أفكارها في عبادة الأصنام، وتاهت عقولها مع مزاعم العرافين والمنجمين، وكان لها من الأساطير والخرافات والضلالات الحظ الكبير.
ولم يكن للعرب يومذاك اشتغال بالعلم، وإذا وجد فيهم من يقرأ ويكتب ويركب الخيل فهو الرجل الكامل عندهم.
أما أدوات الكتابة إن وجدت عند أحدهم؛ فهي بعض قطع من الجلد، أو
[ ١٨١ ]
العظام، أو الأحجار الرقيقة، أو عسب «١» النخل التي كانوا يكتبون عليها.
ولم ينقل عنهم في أقوالهم، أو شعرهم الجاهلي «٢» الذي كان محل عنايتهم قبل الإسلام وبعده- ما يدل على عنايتهم بالعلم؛ أو اشتغالهم به؛ فكيف بعلم الأجنة الغائب عن أبصارهم، داخل جدر ثلاثة، لها ظلمات ثلاث؟!، وهو علم لم تنكشف حقائقه للبشرية إلا بعد النهضة العلمية الحديثة، وطوال قرون ثلاثة من البحث والدراسة! وبعد أن توفرت الآلات الحديثة التي ما كان لها وجود قبل قرون النهضة الحديثة!!.
وبهذا التطابق بين ما أخبر به النبي ﷺ من دقائق علم الأجنة، وبين ما كشفه العلم الحديث من حقائق؛ يتضح برهان من براهين صدق الرسول ﷺ.
إنه برهان العلم الإلهي، الذي تلقاه النبي الأمي، فانفرد بالإخبار به من بين جميع البشر فجاء تقدم العلم في عصرنا مصدقا لكل ما قاله الرسول ﷺ، ولم يخطئ في واحدة مما أخبر به النبي ﷺ.
وهل كان أحد يستطيع أن يكذبه- في عصره أو بعد عصره بقرون- لو أنه حدد ليلة أخرى غير الليلة الثانية والأربعين، أو أعضاء غير الأعضاء التي أخبر عن تكونها؟!.
وهل كان النبيﷺ- يحتاج إلى ذكر هذه الحقائق ليصدقه قومه يومذاك وهم لا يعلمون من الأمر شيئا؟!.
لكنه الوحي من الخالق العليم سبحانه الذي نزل إلى الرسول بالعلم الإلهي،
_________________
(١) عسيب النخل هو جريدة النخل المستقيمة يكشط خوصها وما لم ينبت عليه الخوص وجمع عسيب عسب.
(٢) الشعر الذي قاله العرب قبل الإسلام.
[ ١٨٢ ]
وهو المعجزة المدخرة لأجيال عصر الاكتشافات العلمية.
وهو الشهادة الإلهية بصدق الرسول ﷺ: لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ [النساء: ١٦] .
[ ١٨٣ ]