* تمهيد.
* الموت.
* الحياة البرزخية.
* فناء شامل.
* البعث والنشور.
* الحشر إلى الموقف.
* طول الموقف والشفاعة لقيام الحساب.
* الحساب والجزاء.
* اقتصاص المظالم بين الخلق.
* الميزان.
* الحوض.
* سوق الكفار إلى النار.
* الصراط.
* الجنة.
* النار.
[ ٣١٣ ]
تمهيد:
لقد أيد الله رسوله ﵌ بكثير من البينات والمعجزات التي تثبت صدق رسالته ﵌ حتى يطمئن الناس أنه لا ينطق عن الهوى وإنما يبلغ وحيا يوحى، وها نحن قد رأينا آيات الله ﷾، وعرفناها وعلمناها كما وعدنا ربنا ﷾ بقوله: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها [النمل: ٩٣] .
قوله سبحانه: لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٦٧) [الأنعام: ٦٧] .
وكما أخبرنا الله سبحانه عن هذه الآيات ورأيناها، فقد أخبر سبحانه عن المكان الذي سينتقل إليه الناس، والذي اطلع الله ﷾ رسوله ﵊ عليه في رحلة الإسراء والمعراج حيث رأى من آيات ربه الكبرى، قال تعالى: لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى (١٨) [النجم: ١٨] حيث رأى الجنة وأهلها والنار وأهلها، وعندما كذبه قومه في رحلة الإسراء والمعراج، أقام الله الدليل له «١» فجاءنا الرسول ﵌ مبشرا بما أخبره الله به من رضاه ونعيم جنته، ومنذرا عن غضبه والعذاب في ناره، وهذه من أهم وظائف الرسل، كما قال تعالى: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥) [النساء: ١٦٥] هيا بنا لنستمع خبر الخالق عن أحداث اليوم الآخر، وانقسام الناس في ذلك اليوم إلى فريقين: فريق في الجنة، وفريق في السعير.
فكما رأينا تحقق البينات والمعجزات في الحياة الدنيا فسنرى تحقق ما وعد الله به من النعيم والعقاب، كما قال تعالى: وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ
_________________
(١) انظر قصة الإسراء والمعراج.
[ ٣١٥ ]
قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (٤٤) [الأعراف: ٤٤] .
ولنستمع خبر الرسول الذي رأى الجنة والنار، فنقل إلينا خبرهما، قال تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ.
[النساء: ١٧٠] .
[ ٣١٦ ]
الموت
قال تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ* [الأنبياء: ٣٥] .
وقال تعالى: إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [يونس:
٤٩] فالموت لا يرده عنك مال ولا بنون، ولا يرده علم ولا جاه، يقهر الملوك في قصورهم، ويأخذ الأطباء من مستشفياتهم، وينتزع الأغنياء والتجار من بين كنوزهم، ويأخذ أرواح الشباب والأطفال إذا جاءت آجالهم، ولكن المؤمن يستسلم لهذا القدر، ويعد نفسه لما بعده حتى يحيا الحياة الأبدية منعما في جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين.
إن الله ﷾ قد حدد للإنسان أجله، ورزقه، وعمله، وشقي أو سعيد، وقد كان هذا التحديد يوم أن نفخ فيه الروح وهو في بطن أمه، كما جاء في الحديث الشريف « ثمّ يبعث إليه الملك، فيؤذن بأربع كلمات، فيكتب رزقه وأجله وعمله وشقيّ أم سعيد، ثمّ ينفخ فيه الرّوح» «١» .
فالحياة الدنيا اختبار وابتلاء، وينتهي هذا الاختبار بخروج الروح من الجسد حيث ينتقل الإنسان من مرحلة الحياة الدنيا إلى الحياة البرزخية.
تعريف الموت:
الموت هو: مفارقة الروح للبدن، وانتقال من الحياة الدنيا إلى الحياة الآخرة.
_________________
(١) أخرجه البخاري ك/ بدء الخلق ب/ ذكر الملائكة واللفظ له، ومسلم/ ك/ القدر ب/ كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه وكتابه رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته، والترمذي ك/ القدر عن رسول الله ﷺ ب/ ما جاء أن الأعمال بالخواتيم، وأبو داود ك/ السنة ب/ في القدر، والبيهقي في السنن الكبرى ٧/ ٤٢١، وأحمد في مسنده ١/ ٣٨٢.
[ ٣١٧ ]
قال القرطبي: " قال العلماء: الموت ليس بعدم محض، ولا فناء صرف وإنما هو انقطاع تعانق الروح بالبدن، ومفارقته وحيلولة بينهما، وتبدل حال، وانتقال من دار إلى دار" «١» .
حال المؤمن وحال الكافر عند الموت:
لقد أخبرنا الله ﷾ عن حال المؤمن وقت موته بقوله تعالى:
إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) [فصلت: ٣٠] .
وأما حال الكافر فكما قال تعالى: وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (٩٣) [الأنعام: ٩٣] .
عن البراء ابن عازب قال خرجنا مع النّبيّ ﷺ في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولّما يلحد فجلس رسول الله ﵌ وجلسنا حوله وكأنّ على رؤسنا الطّير وفي يده عود ينكت «٢» في الأرض فرفع رأسه فقال استعيذوا بالله من عذاب القبر مرّتين أو ثلاثا ثمّ قال إنّ العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدّنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه ملائكة من السّماء بيض الوجوه كأنّ وجوههم الشّمس معهم كفن من أكفان الجنّة وحنوط «٣» من حنوط الجنّة حتّى يجلسوا منه مدّ البصر ثمّ يجيء ملك الموت ﵇ حتّى يجلس عند رأسه فيقول أيّتها النّفس الطّيّبة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان قال فتخرج
_________________
(١) كتاب التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة للقرطبي ص ٤، ط. ثانية دار الريان.
(٢) يضرب ضربا خفيفا.
(٣) عطر يطيب به الميت.
[ ٣١٨ ]
تسيل كما تسيل القطرة من في السّقاء «١» فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتّى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض قال فيصعدون بها فلا يمرّون يعني بها على ملإ من الملائكة إلا قالوا ما هذا الرّوح الطّيّب فيقولون فلان بن فلان بأحسن أسمائه الّتي كانوا يسمّونه بها في الدّنيا حتّى ينتهوا بها إلى السّماء الدّنيا فيستفتحون له فيفتح لهم فيشيّعه من كلّ سماء مقرّبوها إلى السّماء الّتي تليها حتّى ينتهى به إلى السّماء السّابعة فيقول الله ﷿ اكتبوا كتاب عبدي في علّيّين وأعيدوه إلى الأرض فإنّي منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى قال وإنّ العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدّنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه من السّماء ملائكة سود الوجوه معهم المسوح «٢» فيجلسون منه مدّ البصر ثمّ يجيء ملك الموت حتّى يجلس عند رأسه فيقول أيّتها النّفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله وغضب قال فتفرّق في جسده فينتزعها كما ينتزع السّفّود «٣» من الصّوف المبلول فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتّى يجعلوها في تلك المسوح ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض فيصعدون بها فلا يمرّون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا ما هذا الرّوح الخبيث فيقولون فلان بن فلان بأقبح أسمائه الّتي كان يسمّى بها في الدّنيا حتّى ينتهى به إلى السّماء الدّنيا فيستفتح له فلا يفتح له ثمّ قرأ رسول الله ﷺ لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ فيقول الله ﷿: اكتبوا كتابه في سجّين في الأرض
_________________
(١) وعاء يوضع فيه الشراب.
(٢) كساء من شعر يكون للتقشف وقهر البدن.
(٣) حديدة ذات شعب محقفة.
[ ٣١٩ ]
السّفلى فتطرح روحه طرحا ثمّ قرأ: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ «١» .
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ٢٨٧، ٢٩٥- ٢٩٦، وأبو داود ك/ السنة ب/ في المسألة في القبر وعذاب القبر، وأخرجه النسائي في الجنائز ب/ عذاب القبر، وأخرجه ابن ماجة في ما جاء في الجنائز ب/ ما جاء في الجلوس في المقابر وب/ ذكر القبر، والحاكم في المستدرك وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، وابن أبي شيبة في المصنف ٣/ ٥٤، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير برقم: ١٦٧٢، وصححه أبو نعيم وابن القيم وغيرهم كما ذكر ذلك الألباني في كتابه: الجنائز.
[ ٣٢٠ ]
الحياة البرزخية
إن الإنسان إذا توفي يكون بذلك قد انتقل إلى مرحلة أخرى من مراحل الحياة هي: مرحلة الحياة البرزخية وهي: الحياة التي يقضيها بعد الموت إلى قيام الساعة حين يبعث الله الناس لتوفية الحساب.
قال تعالى: حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠)
[المؤمنون: ٩٩- ١٠٠] .
فالقبر إما روضة من رياض الجنة، وإما حفرة من حفر النار، قال رسول الله ﷺ: «فيجلس الرّجل الصّالح في قبره غير فزع ولا مشعوف ويجلس الرّجل السّوء في قبره فزعا مشعوفا » «١» .
وقال رسول الله ﷺ: «فتعاد روحه في جسده فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له من ربّك فيقول ربّي الله فيقولان له ما دينك فيقول ديني الإسلام فيقولان له ما هذا الرّجل الّذي بعث فيكم فيقول هو رسول الله ﵌ فيقولان له وما علمك فيقول قرأت كتاب الله فامنت به وصدّقت فينادي مناد في السّماء أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنّة وألبسوه من الجنّة وافتحوا له بابا إلى الجنّة قال فيأتيه من روحها وطيبها ويفسح له في قبره مدّ بصره قال ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثّياب طيّب الرّيح فيقول أبشر بالّذي يسرّك هذا يومك الّذي كنت توعد فيقول له من أنت فوجهك الوجه يجيء بالخير
_________________
(١) ابن ماجه ك/ الزهد ب: ذكر القبر والبلى، وأورده الألباني في صحيح ابن ماجه برقم ٣٤٤٣ وصححه.
[ ٣٢١ ]
فيقول أنا عملك الصّالح فيقول: ربّ أقم السّاعة حتّى أرجع إلى أهلي ومالي
فتعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له من ربّك فيقول هاه هاه لا أدري فيقولان له ما دينك فيقول هاه هاه لا أدري فيقولان له ما هذا الرّجل الّذي بعث فيكم فيقول هاه هاه لا أدري، فينادي مناد من السّماء أن كذب فافرشوا له من النّار وافتحوا له بابا إلى النّار فيأتيه من حرّها وسمومها ويضيّق عليه قبره حتّى تختلف فيه أضلاعه ويأتيه رجل قبيح الوجه قبيح الثّياب منتن الرّيح فيقول أبشر بالّذي يسوؤك هذا يومك الّذي كنت توعد فيقول من أنت فوجهك الوجه يجيء بالشّرّ، فيقول أنا عملك الخبيث فيقول ربّ لا تقم السّاعة» «١» .
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ٢٨٧، ٢٩٥- ٢٩٦، وأبو داود ك/ السنة ب/ في المسألة في القبر وعذاب القبر، وأخرجه النسائي في الجنائز ب/ عذاب القبر، وأخرجه ابن ماجة في ما جاء في الجنائز ب/ ما جاء في الجلوس في المقابر وب/ ذكر القبر، والحاكم في المستدرك وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، وابن أبي شيبة في المصنف ٣/ ٥٤، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير برقم: ١٦٧٢، وصححه أبو نعيم وابن القيم وغيرهم كما ذكر ذلك الألباني في كتابه: الجنائز.
[ ٣٢٢ ]
فناء شامل
هذا الكون المألوف لدينا والمأهول بالحياة والأحياء ممن نشاهدهم وممن لا نشاهدهم سيبقى منتظما إلى أن يأتي اليوم الذي يختل فيه نظامه، ويفنى جميع ما فيه ولا يبقى إلا الله ﷾ مالك الكون الجبار القاهر سبحانه.
قال تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ (٢٦) وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ.
[الرحمن: ٢٦- ٢٧] .
فعند النفخ في الصور تنتهي الحياة في الأرض والسماء، قال تعالى:
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ [الزمر: ٦٨] .
وهذه النفخة شديدة مدمرة يسمعها المرء فلا يستطيع أن يوصي بشيء، ولا يقدر على العودة إلى أهله، قال تعالى: ما يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩) فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (٥٠) .
[يس: ٤٩- ٥٠] .
[ ٣٢٣ ]
البعث والنشور
بعد أن يفني الله ﷾ جميع المخلوقات ولا يبقى إلا وجهه الكريم، يبعث الله العباد للحساب والبعث هو المعاد الجسماني، وإحياء العباد في يوم المعاد والنشور، وقد حدثنا الحق ﵎ عن مشهد البعث، فقال سبحانه وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١) قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢) إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (٥٣) [يس: ٥١- ٥٣] .
ويركب الإنسان في اليوم الآخر من عجب الذنب عند ما ينزل الله مطرا، فينمو كالبقل، فقد قال الرسول ﵌: ( ثمّ ينزل الله من السّماء ماء فينبتون كما ينبت البقل ليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظاما واحدا وهو عجب الذّنب ومنه يركّب الخلق يوم القيامة) «١» . «٢» .
_________________
(١) أخرجه البخاري ك/ تفسير القرآن ب/ يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا، ومسلم ك/ الفتن وأشراط الساعة ب/ ما بين النفختين.
(٢) انظر بحث عجب الذنب.
[ ٣٢٤ ]
الحشر إلى الموقف
يجمع الله العباد جميعا يوم الحشر، قال تعالى: قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠) [الواقعة: ٤٩- ٥٠] .
وقال تعالى: وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا [الكهف: ٤٧] .
ويحشر الله العباد حفاة عراة غرلا أي غير مختونين فعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﵌ قال: (إنّكم محشورون حفاة عراة غرلا) «١» ثم قرأ: كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ (١٠٤) .
[الأنبياء: ١٠٤] .
وعن سهل بن سعد ﵁ قال: قال: رسول الله ﷺ: (يحشر النّاس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النّقيّ ليس فيها علم «٢» لأحد) «٣» .
_________________
(١) أخرجه البخاري ك/ أحاديث الأنبياء ب/ قول الله تعالى: وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا واللفظ له، ومسلم ك/ الجنة وصفة نعيمها وأهلها ب/ فناء الدنيا وبيان الحشر يوم القيامة.
(٢) علامة سكنى أو بناء أو أثر.
(٣) أخرجه البخاري ك/ الرقاق ب/ يقبض الله الأرض يوم القيامة، ومسلم ك/ صفة القيامة والجنة والنار ب/ في البعث والنشور وصفة الأرض يوم القيامة واللفظ له.
[ ٣٢٥ ]
طول الموقف والشفاعة لقيام الحساب
بعد أن يطول قيام الناس في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ويشتد كربهم وبلاؤهم في الموقف العظيم، يبحث العباد عن أصحاب المنازل العالية ليشفعوا لهم عند ربهم، لفصل الحساب، وتخليص الناس من كربات الموقف وأهواله.
قال رسول الله ﷺ: (إذا كان يوم القيامة ماج النّاس بعضهم إلى بعض فيأتون آدم فيقولون له اشفع لذرّيّتك فيقول لست لها ولكن عليكم بإبراهيم ﵇ فإنّه خليل الله فيأتون إبراهيم فيقول لست لها ولكن عليكم بموسى ﵇ فإنّه كليم الله فيؤتى موسى فيقول لست لها ولكن عليكم بعيسى ﵇ فإنّه روح الله وكلمته فيؤتى عيسى فيقول لست لها ولكن عليكم بمحمّد ﷺ فأوتى فأقول أنا لها فأنطلق فأستأذن على ربّي فيؤذن لي فأقوم بين يديه فأحمده بمحامد لا أقدر عليه الآن يلهمنيه الله ثمّ أخرّ له ساجدا فيقال لي يا محمّد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعطه واشفع تشفّع ) «١» .
_________________
(١) أخرجه البخاري ك/ التوحيد ب/ كلام الرب ﷿ يوم القيامة، ومسلم ك/ الإيمان ب/ أدنى أهل الجنة منزلة فيها واللفظ له عن أنس بن مالك ﵁.
[ ٣٢٦ ]
الحساب والجزاء
بعد أن يشفع النبي ﷺ لقيام الحساب ويأذن الله تعالى بذلك.
وقد أخبر الله ﷾ عن مشهد الحساب والجزاء وأنه سيوقف الناس للسؤال عما كانوا يعملون في الحياة الدنيا.
فقال ﷾: وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ (٢٤) [الصافات: ٢٤] .
وقال تعالى: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣) .
[الحجر: ٩٢- ٩٣] .
وأنه يقضي بينهم بالحق ولا يظلم أحدا.
قال تعالى: وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٦٩) [الزمر: ٦٩] .
وقال تعالى: فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٥) [آل عمران: ٢٥] .
ومن إعذار الله لخلقه وعدله فيهم أن يعطيهم كتب أعمالهم التي سجلتها الملائكة عليهم في الدنيا فيقرأونها ويقال لهم: اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤) [الإسراء: ١٤] .
فتمتلئ صدور المجرمين حسرة وندما عند معاينة أعمالهم في كتبهم يوم الحساب. قال تعالى: وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩) [الكهف: ٤٩] .
[ ٣٢٧ ]
اقتصاص المظالم بين الخلق
يقتص الحكم العدل في يوم القيامة للمظلوم من ظالمه، حتى لا يبقى لأحد عند أحد مظلمة، حتى الحيوان يقتص لبعضه من بعض.
ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (لتؤدّنّ الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتّى يقاد للشّاة الجلحاء من الشّاة القرناء) «١» .
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «من ضرب بسوط ظلما، اقتص منه يوم القيامة» «٢» .
وقال رسول الله ﷺ: (أتدرون من المفلس قالوا المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع فقال إنّ المفلس من أمّتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا وأكل ما لهذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثمّ طرح في النّار) «٣» .
_________________
(١) صحيح مسلم ك/ البر والصلة والآداب ب/ تحريم الظلم.
(٢) صحيح الجامع الصغير ٢/ ١٠٩٠ برقم ٦٣٧٤ ط ١ المكتب الإسلامي.
(٣) مسلم ك/ البر والصلة والآداب ب/ تحريم الظلم.
[ ٣٢٨ ]
الميزان
في ختام ذلك اليوم ينصب الميزان لوزن أعمال العباد، فقد روى الحاكم عن سلمان عن النبي ﵌ قال: «يوضع الميزان يوم القيامة، فلو وزن فيه السماوات والأرض لو سعت فتقول الملائكة: يا رب لمن يزن هذا؟
فيقول الله تعالى: لمن شئت من خلقي. فتقول الملائكة: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك » «١» .
وهو ميزان دقيق، لا يزيد، ولا ينقص، تظهر فيه مقادير الأعمال يكون الجزاء بحسبها قال تعالى: وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ
(٤٧) [الأنبياء: ٤٧] .
فمن ثقلت موازينه يكون في عيشة طيبة راضية، ومن خفت موازينه فهو في جهنم. قال تعالى فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ (٩) وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ (١٠) نارٌ حامِيَةٌ (١١)
[القارعة: ٦- ١١] .
_________________
(١) سلسلة الأحاديث الصحيحة، ٢/ ٦٥٦ برقم ٩٤١.
[ ٣٢٩ ]
الحوض
يكرم الله عبده ورسوله محمدا ﵌ في الموقف العظيم بإعطائه حوضا ترد عليه أمة المصطفى ﷺ، من شرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبدا.
فعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﵌:
(حوضي مسيرة شهر ماؤه أبيض من اللّبن وريحه أطيب من المسك وكيزانه كنجوم السّماء من شرب منها فلا يظمأ أبدا) «١» .
_________________
(١) أخرجه البخاري ك/ الرقاق ب/ في الحوض واللفظ له، ومسلم ك/ الفضائل ب/ إثبات حوض نبينا وصفاته.
[ ٣٣٠ ]
سوق الكفار إلى النار
ومن أرض المحشر يسوق الله تعالى الكفار بعد الحساب إلى نار جهنم، قال تعالى: وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَرًا [الزمر: ٧١] .
وقال تعالى: يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) [الطور: ١٣] .
كما بينت نصوص أخرى أنهم يحشرون إلى النار على وجوههم، لا كما كانوا يمشون في الدنيا على أرجلهم. قال تعالى: الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٣٤) [الفرقان: ٣٤] .
وروى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁ أن رجلا قال: يا رسول الله كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ قال: «أليس الّذي أمشاه على رجليه في الدّنيا قادرا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة» قال قتادة: بلى وعزّة ربّنا) «١» .
_________________
(١) رواه البخاري ك/ الرقاق، ب/ الحشر ومسلم ك/ صفة القيامة والجنة والنار ب/ يحشر الكافر على وجهه واللفظ لمسلم.
[ ٣٣١ ]
الصراط
وبعد أن يذهب الله بالكفرة الملحدين والمشركين الضالين إلى دار البوار وبئس القرار يبقى في عرصات القيامة أتباع الرسل الموحدون وفيهم أهل الذنوب والمعاصي وأهل النفاق ويكون في الظلمة دون الجسر ففي الحديث عن أبي الزبير أنه سأل جابرا عن الورود قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «نحن يوم القيامة على كوم فوق النّاس فيدعى بالأمم وبأوثانها وما كانت تعبد الأوّل فالأوّل ثمّ يأتينا ربّنا ﷿ بعد ذلك فيقول ما تنتظرون فيقولون ننتظر ربّنا ﷿ فيقول أنا ربّكم فيقولون حتّى ننظر إليه قال فيتجلّى لهم ﷿ وهو يضحك ويعطي كلّ إنسان منهم منافق ومؤمن نورا وتغشاه ظلمة ثمّ يتّبعونه معهم المنافقون على جسر جهنّم فيه كلاليب وحسك يأخذون من شاء ثمّ يطفأ نور المنافقين وينجو المؤمنون فتنجو أوّل زمرة وجوههم كالقمر ليلة البدر سبعون ألفا لا يحاسبون ثمّ الّذين يلونهم كأضوأ نجم في السّماء ثمّ ذلك حتّى تحلّ الشّفاعة فيشفعون حتّى يخرج من قال لا إله إلا الله ممّن في قلبه ميزان شعيرة فيجعل بفناء الجنّة ويجعل أهل الجنّة يهريقون عليهم من الماء حتّى ينبتون نبات الشّيء في السّيل ويذهب حرقهم ثمّ يسأل الله ﷿ حتّى يجعل له الدّنيا وعشرة أمثالها» «١» .
وذكر مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ وفيه، ثم يضرب الجسر على جهنم وتحل الشفاعة ويقولون: اللهم سلم سلم- قيل:
يا رسول الله وما الجسر؟، قال: (دحض مزلّة فيه خطاطيف وكلاليب وحسك
_________________
(١) أخرجه مسلم ك/ الإيمان ب/ أدنى أهل الجنة منزلة، وأحمد في باقي مسند المكثرين من حديث جابر بن عبد الله واللفظ له.
[ ٣٣٢ ]
تكون بنجد فيها شويكة يقال لها السّعدان فيمرّ المؤمنون كطرف العين وكالبرق وكالرّيح وكالطّير وكأجاويد الخيل والرّكاب فناج مسلّم ومخدوش مرسل ومكدوس في نار جهنّم ) «١» .
وفي مسلم أيضا (ويضرب الصّراط بين ظهري جهنّم فأكون أنا وأمّتي أوّل من يجيز ولا يتكلّم يومئذ إلا الرّسل ودعوى الرّسل يومئذ اللهمّ سلّم سلّم) «٢» .
_________________
(١) مسلم ك/ الإيمان ب/ معرفة طريق الرؤية.
(٢) مسلم ك/ الإيمان ب/ معرفة طريق الرؤية.
[ ٣٣٣ ]
الجنة
[١] خلق الجنة:
الجنة مخلوقة، وقد دل على ذلك قوله تعالى: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى (١٤) عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى (١٥) [النجم: ١٣- ١٥] .
وقد رأى النبي ﷺ الجنة ففي الصحيحين من حديث أنس بن مالك في قصة الإسراء وفي آخره قال: (ثمّ انطلق بي جبريل حتّى نأتي سدرة المنتهى «١» فغشيها ألوان لا أدري ما هي قال ثمّ أدخلت الجنّة فإذا فيها جنابذ «٢» اللّؤلؤ وإذا ترابها المسك) «٣» فالجنة مخلوقة موجودة في السماء عند سدرة المنتهى.
زار النبي ﷺ الجنة، ورآها، ودخلها، ووصف جنابذها وتربتها، وقد بين الرسول ﵌ في موقف آخر أنه رأى كل شيء وعد الناس به في الدار الآخرة، ورأى قطفا من الجنة، فقصرت يده عن تناوله، فدل ذلك على حقيقة وجود الجنة، قال ﷺ: ( لقد رأيت في مقامي هذا كلّ شيء وعدته حتّى لقد رأيت أريد أن آخذ قطفا من الجنّة حين رأيتموني جعلت أتقدّم ولقد رأيت جهنّم يحطم بعضها بعضا حين رأيتموني تأخّرت ورأيت فيها عمرو بن
_________________
(١) سدرة المنتهى: قيل هي شجرة نبق في السماء السابعة عن يمين العرش ثمرها كقلال هجر وورقها كأذان الفيلة. انظر تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي ك/ صفة الجنة ب/ ما جاء في صفة ثمار أهل الجنة.
(٢) الجنابذ: جمع جنبذ بضم الجيم والباء، وهو البناء المرتفع المستدير من كل شيء كالجلنار بضم الجيم وفتح اللام المشددة وهو: زهر الرمان وغيره انظر القاموس المحيط ١/ ٥٢٣.
(٣) أخرجه البخاري ك/ الصلاة ب/ كيف فرضت الصلوات في الإسراء، ومسلم ك/ الإيمان ب/ الإسراء بالرسول إلى السموات وفرض الصلوات، واللفظ له.
[ ٣٣٤ ]
لحيّ وهو الّذي سيّب السّوائب «١») «٢» .
فتأمل يا عبد الله سعة الجنة وعظمها، فقد بين الله تعالى ورسوله ﵌ ذلك، فقال تعالى: وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) [آل عمران: ١٣٣] .
الشوكاني: ذهب الجمهور إلى أنها تقرن السموات والأرض بعضها إلى بعض كما تبسط الثياب ويوصل بعضها ببعض فذلك عرض الجنة «٣» .
وقال ﵌ في آخر من يخرج من النار ويدخل الجنة ( إنّ لك مثل الدّنيا عشر مرار) «٤» .
فإذا كان أقلهم منزلة في الجنة من له مثل الدنيا وعشرة أمثالها، فكيف يكون ملك أعلاهم منزلة؟! فتصور سعة الجنة وعظمها!!.
[٢] الجنة دار النعيم:
الجنة هي دار النعيم التي أعدها الله لعباده المؤمنين، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا (١٠٨) [الكهف: ١٠٧- ١٠٨] .
وقال تعالى: جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا
[مريم: ٦١] .
وقال تعالى في الحديث القدسي: (أعددت لعبادي الصّالحين ما لا عين
_________________
(١) السائبة: ما أطلق من الدواب للآلهة والأصنام فلا يحمل عليها.
(٢) أخرجه البخاري ك/ العمل في الصلاة ب/ إذا انفلتت الدابة في الصلاة.
(٣) فتح القدير ١/ ٤٩٥ ط. مؤسسة الريان.
(٤) أخرجه البخاري ك/ التوحيد ب/ كلام الرب ﷿ يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم.
[ ٣٣٥ ]
رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فاقرؤا إن شئتم: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السجدة: ١٧] «١») .
فدخول الجنة والنجاة من النار هو الفلاح العظيم والفوز الكبير، والنجاة العظمى. قال تعالى: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ.
[آل عمران: ١٨٥] .
وقال تعالى أيضا: وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢) [التوبة: ٧٢] .
قال عز من قائل: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [النساء: ١٣] .
فنعيم الجنة يفوق الوصف، ويقصر دونه الخيال ليس لنعيمها نظير فيما يعلمه أهل الدنيا. قال تعالى: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٧) [السجدة: ١٧] .
﵌ قال الله تعالى: (أعددت لعبادي الصّالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر) «٢» .
[٣] إنها جنان:
قال تعالى: وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ (٤٦) [الرحمن: ٤٦] .
_________________
(١) رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة في ك/ بدء الخلق، ب/ ما جاء في صفة الجنة فتح الباري ٦/ ٣١٨ ورقم الحديث ٣٢٤٤ وهو عن أبي هريرة.
(٢) البخاري ك/ بدء الخلق ب/ ما جاء في صفة الجنة.
[ ٣٣٦ ]
وقال تعالى: وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ (٦٢) [الرحمن: ٦٢] .
وعن أنس بن مالك أنّ أمّ الرّبيّع بنت البراء وهي أمّ حارثة بن سراقة أتت النّبيّ ﵌ فقالت: يا نبيّ الله، ألا تحدّثني عن حارثة وكان قتل يوم بدر أصابه سهم غرب «١» فإن كان في الجنّة صبرت وإن كان غير ذلك اجتهدت «٢» عليه في البكاء قال: «يا أمّ حارثة إنّها جنان في الجنّة وإنّ ابنك أصاب الفردوس الأعلى» «٣» .
وفي الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (جنّتان من فضّة آنيتهما وما فيهما وجنّتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربّهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنّة عدن) «٤» .
[٤] التهيئة لدخول الجنة:
بعد أن يجتاز المؤمنون الصراط يوقفون على قنطرة بين الجنة والنار، ثم يهذبون وينقون، وذلك بأن يقتص بعضهم من بعض إذا كانت بينهم مظالم في الدنيا.
حتى إذا دخلوا الجنة كانوا أطهارا أبرارا، ليس لأحد عند الآخر مظلمة، ولا يطلب بعضهم بعضا بشيء.
روى البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله
_________________
(١) أصابه بالخطأ والغرب هو: السهم الذي لا يدرى راميه.
(٢) قال ابن حجر في الفتح عند شرح هذا الحديث: كان ذلك قبل تحريم النوح. فلا دلالة فيه (أي على جواز النوح) فإن تحريمه كان عقب غزوة أحد وهذه القصة كانت عقب غزوة بدر.
(٣) أخرجه البخاري ك/ الجهاد والسير ب/ من أتاه سهم غرب فقتله.
(٤) أخرجه البخاري ك/ التفسير ب/ قوله (ومن دونهما جنتان) ومسلم ك/ الإيمان ب/ إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة، واللفظ له.
[ ٣٣٧ ]
ﷺ: (يخلص المؤمنون من النّار فيحبسون على قنطرة بين الجنّة والنّار فيقصّ لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدّنيا حتّى إذا هذّبوا ونقّوا أذن لهم في دخول الجنّة فو الّذي نفس محمّد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنّة منه بمنزله كان في الدّنيا) «١»، وقال تعالى: وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ (٤٧) [الحجر: ٤٧] .
[٥] دخول الجنة:
(أ) سوق وفد الرحمن إلى الجنة:
قال تعالى: وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا [الزمر: ٧٣] .
وقال تعالى: يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْدًا (٨٥) [مريم: ٨٥] .
قال ابن عباس وفدا: ركبانا «٢» .
ونقل الطبري في تفسيره عن الإمام علي ﵁ أنه قال: (أما والله ما يحشر الوفد على أرجلهم- ولكنهم يأتون بنوق لم ير الخلائق مثلها، عليها رحال «٣» الذهب وأزمتها الزبرجد ويركبون عليها حتى يضربوا أبواب الجنة) «٤» .
(ب) ريح الجنة:
ويسير وفد الرحمن إلى الجنة زمرا، فيجدون رائحة الجنة العبقة الزكية التي تفوح من مسيرة سبعين عاما، فعن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ، قال:
( وإنّ ريحها ليوجد من مسيرة سبعين عاما) «٥» .
_________________
(١) صحيح البخاري ك/ الرقاق ب/ القصاص يوم القيامة.
(٢) تفسير ابن كثير.
(٣) الرحال جمع رحل، وهو مسكن الرجل وما يستصحبه من أثاث، وهو أيضا رحل البعير وهو أصغر من القتب. انظر مختار الصحاح ٢٣٧.
(٤) تفسير الطبري عند الآية الكريمة.
(٥) أخرجه الترمذي ك/ الديات ب/ ما جاء فيمن يقتل نفسا معاهده، وابن ماجه ك/ الديات ب/ من قتل معاهدا، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ٢/ ٥٧- ٥٨ برقم ١١٣٢، وقد وردت أحاديث أخرى أن رائحة الجنة تشم من مسافات مختلفة.
[ ٣٣٨ ]
(ج) أبواب الجنة:
ويصل وفد الرحمن إلى أبواب الجنة، فينتهي ما سلف في الأيام الخالية من تعب ومكابدة وصبر ومصابرة وحساب وعرض، فيروا أبواب الجنة الثمانية.
قال تعالى جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ (٥٠) [ص: ٥٠] .
قال تعالى: وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (٢٣) سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤) [الرعد: ٢٣- ٢٤] .
وقال ﵌: (في الجنّة ثمانية أبواب فيها باب يسمّى الرّيّان لا يدخله إلا الصّائمون) «١» .
وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (ما منكم من أحد يتوضّأ فيبلغ أو فيسبغ «٢» الوضوء ثمّ يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمّدا عبد الله ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنّة الثّمانية يدخل من أيّها شاء) «٣» .
وأبواب الجنة الثمانية لها مصاريع عظيمة، وقد وصف الرسول ﷺ ما بين مصراعيها بقوله: (والّذي نفس محمّد بيده إنّ ما بين المصراعين من مصاريع الجنّة لكما بين مكّة وهجر «٤» أو كما بين مكّة وبصرى «٥»» «٦» .
_________________
(١) البخاري ك/ بدء الخلق ب/ صفة أبواب الجنة.
(٢) فيسبغ الوضوء: أي يتم ويكمل ويحسن الوضوء.
(٣) مسلم ك/ الطهارة ب/ الذكر المستحب عقب الوضوء.
(٤) هجر: مدينة عظيمة هي قاعدة بلاد البحرين، شرح النووي عند هذا الحديث.
(٥) بصرى: هي مدينة حوران بينها وبين مكة شهر، شرح النووي لصحيح مسلم.
(٦) أخرجه البخاري ك/ تفسير القرآن ب/ ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا، ومسلم ك/ الإيمان ب/ أدنى أهل الجنة منزلة واللفظ له.
[ ٣٣٩ ]
وقال ﷺ: ( وليأتينّ عليه يوم وإنّه لكظيظ «١»» «٢» .
والباب الأيمن من أبواب الجنة خاص بالذين يدخلون الجنة بغير حساب من أمة محمد ﷺ، كما قال ﷺ: ( فأقول أمّتي يا ربّ أمّتي يا ربّ أمّتي يا ربّ فيقال يا محمّد أدخل من أمّتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنّة وهم شركاء النّاس فيما سوى ذلك من الأبواب ) «٣» .
[٦] أول من يدخل الجنة:
ويصل وفد الرحمن إلى أبواب الجنة، ويحين دخولهم إليها، فيستفتح سيد الخلائق ﷺ، ويقرع باب الجنة، كما قال ﵌: (آتي باب الجنّة يوم القيامة فأستفتح فيقول الخازن من أنت فأقول محمّد فيقول بك أمرت لا أفتح لأحد قبلك) «٤» .
فتفتح أبواب الجنة لوفد الرحمن، قال تعالى: حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ [الزمر: ٧٣] .
يكون سيدنا محمد ﵌ أول الداخلين إلى الجنة وأمته أول الأمم دخولا، قال ﵌: (نحن الآخرون «٥» الأوّلون يوم القيامة ونحن أوّل من يدخل الجنّة ) «٦» .
_________________
(١) لكظيظ: أي ممتلئ.
(٢) أخرجه أحمد في أول مسند البصريين من حديث بهز بن حكيم برقم ١٩١٧٦، وقال عنه محققو المسند إسناده حسن ٣٣/ ٢٢٨ برقم ٢٠٠٢٥.
(٣) أخرجه البخاري ك/ تفسير القرآن ب/ ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا.
(٤) مسلم ك/ الإيمان ب/ في قول النبي «أنا أول الناس يشفع في الجنة» .
(٥) نحن الآخرون أي في ترتيب الأمم في الدنيا.
(٦) أخرجه مسلم ك/ الجمعة ب/ هداية هذه الأمة ليوم الجمعة.
[ ٣٤٠ ]
ويتقدم أمة محمد ﷺ السبعون الألف الذين يدخلون الجنة بغير حساب، قال ﵌: (عرضت عليّ الأمم فأخذ النّبيّ يمرّ معه الأمّة والنّبيّ يمرّ معه النّفر والنّبيّ يمرّ معه العشرة والنّبيّ يمرّ معه الخمسة والنّبيّ يمرّ وحده فنظرت فإذا سواد كثير قلت يا جبريل هؤلاء أمّتي قال لا ولكن انظر إلى الأفق فنظرت فإذا سواد كثير قال هؤلاء أمّتك وهؤلاء سبعون ألفا قدّامهم لا حساب عليهم ولا عذاب قلت ولم؟، قال كانوا لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيّرون وعلى ربّهم يتوكّلون فقام إليه عكّاشة بن محصن فقال ادع الله أن يجعلني منهم قال اللهمّ اجعله منهم ثمّ قام إليه رجل آخر قال ادع الله أن يجعلني منهم، قال: سبقك بها عكّاشة) «١» .
وبعد ذكر السبعين الألف ذكرت رواية أخرى أن معهم ثلاث حثيات من حثيات ربي
قال ﷺ: ( وثلاث حثيات «٢» من حثيات ربّي ﷿) «٣» أي يدخلون الجنة بغير حساب.
وقد وصف الرسول ﷺ صورة أول زمرة تدخل الجنة بقوله ﷺ: (أوّل زمرة «٤» تلج «٥» الجنّة صورتهم على صورة القمر ليلة البدر لا يبصقون فيها ولا يمتخطون ولا يتغوّطون، آنيتهم فيها الذّهب، أمشاطهم من
_________________
(١) البخاري ك/ الرقاق ب/ يدخل الجنة سبعون ألفا بغير حساب.
(٢) الحثو: الأخذ بملء الكفين.
(٣) أخرجه أحمد ٥/ ٢٦٨ والترمذي ك/ صفة القيامة وابن ماجه ك/ الزهد ب/ صفة أمة محمد ﷺ، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه رقم ٣٤٥٩.
(٤) الزمرة: الجماعة.
(٥) تلج: الولوج الدخول.
[ ٣٤١ ]
الذّهب والفضّة ومجامرهم «١» الألوّة «٢» ورشحهم «٣» المسك ولكلّ واحد منهم زوجتان يرى مخّ سوقهما من وراء اللّحم من الحسن لا اختلاف بينهم ولا تباغض قلوبهم قلب واحد يسبّحون الله بكرة وعشيّا) «٤» .
[٧] استقبال الملائكة:
تستقبل الملائكة وفد الرحمن بعد أن فتحت الأبواب بالتسليم والتبشير لهم بالحياة الطيبة، والخلود في الجنة، قال تعالى: حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ (٧٣) [الزمر: ٧٣] .
وتتلقاهم الملائكة وتبشرهم وتهنئهم بأنهم قد وجدوا ما كان يعدهم ربهم به في الدنيا من الثواب والنعيم.
قال تعالى: وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ.
[الأنبياء: ١٠٣] .
[٨] ما يضيفون به عند دخولهم:
ويكرم الله ﷾ وفده بهدية هي زيادة كبد النون، ثم ينحر لهم ثور الجنة، ويشربون من عين سلسبيل.
قال ﷺ عندما سأله حبر من أحبار اليهود عن تحفة «٥» أهل الجنة إذا
_________________
(١) مجامرهم: مباخرهم.
(٢) الألوة: عود يتبخر به.
(٣) الرشح: العرق.
(٤) رواه البخاري في صحيحه كتاب بدء الخلق ب/ ما جاء في صفة الجنة ومسلم ك/ الجنة وصفة نعيمها وأهلها ب/ أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر واللفظ للبخاري.
(٥) ما يهدى إلى الرجل ويخص به ويلاطف.
[ ٣٤٢ ]
دخلوها فقال: (زيادة كبد النّون «١» قال فما غذاؤهم على إثرها؟ «٢» قال ينحر لهم ثورا الجنّة الّذي كان يأكل من أطرافها قال فما شرابهم عليه؟ قال من عين فيها تسمّى سلسبيلا) «٣» .
[٩] اهتداؤهم إلى منازلهم:
ويهتدي وفد الرحمن إلى بيوتهم ومساكنهم بعد إتحاف الله لهم بزيادة كبد الحوت فلا يخطئون في الوصول إليها، بل هم أهدى إليها من مساكنهم التي كانت في الدنيا.
قال تعالى: وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ (٦) [محمد: ٦] .
قال مجاهد: يهتدي أهلها إلى بيوتهم ومساكنهم، لا يخطئون، كأنهم ساكنوها منذ خلقوا، لا يستدلون عليها أحدا «٤» .
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن نبي الله ﷺ قال: ( فو الّذي نفس محمّد بيده لأحدهم بمسكنه في الجنّة أدلّ بمنزله كان في الدّنيا «٥») «٦» .
أوصاف الجنة:
ويشاهد أهل الجنة ما أعد الخالق سبحانه لهم مما لم تر أعينهم قبل ذلك،
_________________
(١) النون: الحوت.
(٢) إثرها: خلفها.
(٣) أخرجه مسلم ك/ الحيض ب/ صفة مني الرجل والمرأة.
(٤) تفسير ابن كثير.
(٥) أخرجه البخاري ك/ المظالم ب/ قصاص المظالم.
(٦) لقد تمكن الإنسان اليوم أن يضع برنامجا للطائرات لتطير بركابها آليا من قارة إلى قارة لتنزل في مدرج المطار المحدد لها، كما أن طائرات التجسس بدون طيار تطير من قواعدها وتعمل في الأهداف المحددة وتعود إلى أماكنها المرسومة لها فكيف يعجب الناس من قدرة الخالق العظيم الذي يلهم كل شخص للاهتداء إلى منزله في الجنة.
[ ٣٤٣ ]
ولم تسمع آذانهم، ولم يخطر على قلوبهم، فنعيم الجنة يفوق الوصف، ويقصر دونه الخيال ليس لنعيمها نظير فيما يعلمه أهل الدنيا، قال تعالى فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٧) [السجدة: ١٧] .
وقال ﵌: قال الله تعالى: (أعددت لعبادي الصّالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فاقرؤا إن شئتم فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السجدة: ١٧] «١» .
فهيا بنا لنتأمل مع أهل الجنة في:
[١] درجات الجنة:
فالجنة درجات، بعضها فوق بعض، وأهلها متفاوتون فيها بحسب منازلهم فيها، قال تعالى: وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى (٧٥) [طه: ٧٥] .
وينظرون إلى المائة درجة التي وصفها الرسول ﷺ بقوله: ( في الجنّة مائة درجة ما بين كلّ درجتين كما بين الأرض والسّماء والفردوس أعلاها درجة ومنها تفجّر أنهار الجنّة الأربعة ومن فوقها يكون العرش فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس) «٢» .
وقال: (إنّ أهل الجنّة يتراؤن أهل الغرف من فوقهم كما يتراؤن الكوكب الدّرّيّ الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم قالوا يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم قال بلى والّذي نفسي بيده
_________________
(١) البخاري ك/ بدء الخلق ب/ ما جاء في صفة الجنة.
(٢) البخاري ك/ الجهاد ب/ درجات المجاهدين في سبيل الله والترمذي ك/ صفة الجنة ب/ ما جاء في صفة درجات الجنة واللفظ له.
[ ٣٤٤ ]
رجال آمنوا بالله وصدّقوا المرسلين) «١» .
ويمكن لكل أحد أن يرتقي في هذه الدرجات بعمله الصالح وبدعاء واستغفار ولده الصالح له بعد موته، فعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: (إنّ الله ﷿ ليرفع الدّرجة للعبد الصّالح في الجنّة فيقول يا ربّ أنّي لي هذه فيقول باستغفار ولدك لك) وفي رواية: (بدعاء ولدك لك) «٢» .
[٢] أعلى منزلة في الجنة:
هي الوسيلة التي كان يسألها المؤمنون لرسول الله ﷺ فقد قال ﵌: (إذا سمعتم المؤذّن فقولوا مثل ما يقول ثمّ صلّوا عليّ فإنّه من صلّى عليّ صلاة صلّى الله عليه بها عشرا ثمّ سلوا الله لي الوسيلة فإنّها منزلة في الجنّة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو فمن سأل لي الوسيلة حلّت له الشّفاعة) «٣» .
وقد سأل الصحابة الرسول ﷺ قائلين: وما الوسيلة؟ (قال أعلى درجة في الجنّة ) «٤» .
_________________
(١) البخاري ك/ بدء الخلق ب/ صفة الجنة والنار، مسلم ك/ الجنة ب/ ترائي أهل الجنة أهل الغرف.
(٢) أخرجه أحمد في المسند في باقي مسند المكثرين من حديث أبي هريرة برقم ١٠٢٠٢ وذكره الهيثمي ١٠/ ١٥٣ ورواه البزار ورجاله رجال عاصم بن بهدله وهو حسن الحديث وابن ماجه ك/ الأدب ب/ بر الوالدين وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه ٢/ ٢٩٤ وقال رواه أحمد والطبراني في الأوسط ورجالهما رجال الصحيح غير عاصم بن بهدله وقد وثقه والبيهقي ٧/ ٧٩ في السنن الكبرى، ومالك في الموطأ ك/ النداء للصلاة ب/ العمل في الدعاء.
(٣) أخرجه مسلم في الصلاة ب/ استحباب القول مثل قول المؤذن وأبو داود برقم ٢٥٢٣ في الصلاة.
(٤) أخرجه الترمذي ك/ المناقب ب/ في فضل النبي ﵌ وأحمد في باقي مسند المكثرين من حديث أبي هريرة، وصححه الألباني في صحيح الترمذي برقم ٢٨٥٧.
[ ٣٤٥ ]
[٣] لبنات الجنة:
وينظرون إلى بناء الجنة الذي قال عنه المصطفى ﷺ أنه: (لبنة من فضة ولبنة من ذهب ) «١» .
ويشاهدون ملاطها «٢» الذي قال عنه ﷺ: (وملاطها المسك الأذفر) «٣» .
[٤] تربة الجنة وطينتها وحصباؤها:
وإذا نظر أهل الجنة إلى أرض الجنة التي يمشون عليها فإذا هي كما وصفها رسول الله ﷺ، قال: (أدخلت الجنّة فإذا فيها جنابذ اللّؤلؤ وإذا ترابها المسك) «٤» .
وبين الرسول أن تربتها كالدقيق الخالص البياض، فقال: (درمكة «٥» بيضاء مسك خالص) «٦» .
وقال ﷺ: (وملاطها المسك الأذفر «٧» وحصباؤها اللّؤلؤ والياقوت) «٨» .
_________________
(١) أخرجه الترمذي ك/ صفة الجنة ب/ ما جاء في صفة الجنة ونعيمها، وأحمد في باقي مسند المكثرين من حديث أبي هريرة، والدارمي ك/ الرقاق ب/ في بناء الجنة، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ٢/ ٣١٠- ٣١١ برقم ٢٠٥٠.
(٢) ملاطها: ما يوضع بين الأحجار في البناء.
(٣) الترمذي ك/ صفة الجنة ب/ ما جاء في صفة الجنة ونعيمها، وأحمد في باقي مسند المكثرين عن أبي هريرة، والدارمي ك/ الرقاق ب/ في بناء الجنة وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ٢/ ٣١٠ برقم ٢٠٥٠.
(٤) أخرجه البخاري ك/ أحاديث الأنبياء ب/ ذكر إدريس وهو جد أبي نوح ويقال جد نوح.
(٥) الدرمكة: هي الدقيق الخالص البياض.
(٦) مسلم ك/ الفتن وأشراط الساعة ب/ ذكر ابن صياد برقم ٥٢١٣.
(٧) الأذفر: الطيب الريح.
(٨) الترمذي ك/ صفة الجنة عن رسول الله ب/ ما جاء في صفة الجنة ونعيمها، وأحمد في باقي مسند المكثرين عن أبي هريرة، والدارمي ك/ الرقاق ب/ في بناء الجنة، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ٢/ ٣١٠ برقم ٢٠٥٠.
[ ٣٤٦ ]
[٥] مساكن الجنة:
ويطلع أهل الجنة على ما بني لهم في الجنة من مساكن طيبة حسنة كما قال تعالى: وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ [التوبة: ٧٢]، تحيط بها الحدائق الغدقة والبساتين النضرة التي فيها من كل الثمرات، وأشجارها دائمة الثمر والظل يحيط بالمساكن التي تجري من تحتها الأنهار، والتي لا يسمع فيها لغو ولا تأثيم، وليس فيها نصب ولا صخب، فيشاهد أهل الجنة ما وصف الله ورسوله لهم من:
(أ) غرف الجنة:
قال تعالى: لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعادَ (٢٠) [الزمر: ٢٠] .
وقال تعالى: فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ [سبأ: ٣٧] .
وعن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إنّ في الجنّة لغرفا يرى ظهورها من بطونها وبطونها من ظهورها فقام إليه أعرابيّ فقال لمن هي يا رسول الله؟
قال هي لمن أطاب الكلام وأطعم الطّعام وأدام الصّيام وصلّى لله بالللّيل والنّاس نيام) «١» .
وقال رسول الله ﵌: (إنّ أهل الجنّة يتراؤن أهل الغرف من فوقهم كما يتراؤن الكوكب الدّرّيّ الغابر في الأفق ) «٢» .
_________________
(١) أخرجه الترمذي عن علي بن أبي طالب ك/ البر والصلة عن رسول الله ب/ ما جاء في قول المعروف وهو في صحيح الجامع الصغير ١/ ٤٢٦ برقم ٢١٢٣ وقال الألباني حديث حسن.
(٢) أخرجه البخاري ك/ بدء الخلق ب/ صفة الجنة ومسلم ك/ الجنة ب/ ترائي أهل الجنة عن أبي سعيد ﵁.
[ ٣٤٧ ]
(ب) بيوت الجنة:
وتتحقق رؤيتهم لما بني لهم من البيوت بما قدموا في الدنيا من الأعمال الصالحة كبناء المساجد، وصلاة النوافل بعد أداء الفرائض، فقد قال تعالى:
رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ [التحريم: ١١] .
وقال الرسول ﷺ: (من بنى مسجدا لله بنى الله له في الجنّة مثله) «١» .
وقال أيضا ﵌: (ما من عبد مسلم يصلّي لله كلّ يوم ثنتي عشرة ركعة تطوّعا غير فريضة إلا بنى الله له بيتا في الجنّة) «٢» .
(ج) قصور الجنة:
وتظهر قصور الجنة الذهبية التي يذهب رونقها وجمالها كل جمال ورونق لقصور الدنيا التي كان يتباهى بها أهلها.
تلك القصور التي جعلها ﷾ لمن أطاعه، قال تعالى: تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا (١٠) [الفرقان: ١٠] .
القصور التي يراها المؤمنون رأي العين بعد أن كانوا يؤمنون بها بالغيب، قال عبد الله بن بريدة قال سمعت أبا بريدة يقول أصبح رسول الله ﷺ فدعا بلالا فقال: (يا بلال بم سبقتني إلى الجنّة ما دخلت الجنّة قطّ إلا سمعت خشخشتك أمامي إنّي دخلت البارحة الجنّة فسمعت خشخشتك فأتيت على قصر من ذهب مرتفع مشرف ) «٣» .
_________________
(١) أخرجه مسلم ك/ المساجد ب/ فضل بناء المساجد والحث عليها.
(٢) أخرجه مسلم ك/ صلاة المسافرين وقصرها ب/ فضل السنن الراتبة قبل الفرائض وبعدهن وأحمد وأبو داود والنسائي.
(٣) أخرجه البخاري ك/ التعبير ب/ القصر في المنام، وأحمد في باقي مسند الأنصار من حديث أبي بريدة الأسلمي ﵁، واللفظ لأحمد.
[ ٣٤٨ ]
[د] خيام الجنة:
النفس البشرية تشتهي التنويع والتغيير، فتشتهي ألا تبقى على مسكن واحد، بل تريد أن تدخل البيوت والقصور والخيام، والله سبحانه أشبع رغبات المؤمن في الجنة، فجعل له أصناف الماكل والمشارب، وكذلك أصناف البيوت والمساكن، ومن ذلك: الخيام التي وصفها الرسول ﷺ بقوله: (إنّ للمؤمن في الجنّة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوّفة طولها ستّون ميلا للمؤمن فيها أهلون يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضا) «١» .
ووصف الرسول ﷺ عرضها، فقال: ( عرضها ستّون ميلا ) «٢» .
ولزيادة متعة المؤمن في الجنة جعل الله خيام اللؤلؤ على حافتي النهر، قال ﵌: (دخلت الجنّة فإذا أنا بنهر حافتاه خيام اللّؤلؤ فضربت بيدي إلى ما يجري فيه الماء فإذا مسك أذفر قلت ما هذا يا جبريل قال هذا الكوثر الّذي أعطاكه الله) «٣» .
(هـ) أنهار الجنة:
ولنتجول مع أهل الجنة بين أنهارها، وتمتع النفس بذلك النعيم الدائم المقيم الذي بشر الله به عباده المتقين، فقال سبحانه: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٥)
[البقرة: ٢٥] .
_________________
(١) مسلم ك/ الجنة ب/ في صفة خيام الجنة.
(٢) أخرجه البخاري ك/ تفسير القرآن ب/ (حور مقصورات في الخيام) .
(٣) أخرجه أحمد في باقي مسند المكثرين من حديث أنس.
[ ٣٤٩ ]
وقال تعالى: أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ نِعْمَ الثَّوابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (٣١) [الكهف: ٣١]، وهذا نهر الكوثر الذي أعطاه الله لرسوله ﷺ، فقال سبحانه: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (١) .
[الكوثر: ١] .
وقد رآه الرسول ﵌، وحدثنا عنه، فقال ﵌: (بينما أنا أسير في الجنّة إذا أنا بنهر حافتاه قباب الدّرّ المجوّف قلت ما هذا يا جبريل قال هذا الكوثر الّذي أعطاك ربّك فإذا طينه مسك أذفر) «١» .
وهذه أنهار الجنة الأربعة من الماء واللبن والخمر والعسل المصفى، قال: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ (١٥) [محمد: ١٥] .
وهذه الأنهار تنشق من بحر العسل والخمر والماء واللبن.
ففي سنن الترمذي بإسناد صحيح أن رسول الله ﷺ قال: (إنّ في الجنّة بحر الماء وبحر العسل وبحر اللّبن وبحر الخمر ثمّ تشقّق الأنهار بعد) «٢» .
(و) عيون الجنة:
وانظر أخي المؤمن إلى عيون الجنة الكثيرة النضاخة المختلفة الطعوم والمشارب
_________________
(١) أخرجه البخاري ك/ الرقائق ب/ في الحوض.
(٢) أخرجه الترمذي ك/ صفة الجنة ب/ ما جاء في صفة أنهار الجنة، وأحمد في أول مسند البصريين من حديث معاوية بن حيدة وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ٢/ ٣١٩ برقم ٢٠٧٨.
[ ٣٥٠ ]
كعين الكافور والتسنيم والسلسبيل التي يشرب منها المقربون.
قال تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) [الذاريات: ١٥] .
وقال تعالى: إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُورًا (٥) عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيرًا (٦) [الإنسان: ٥- ٦] .
وقال تعالى: وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْسًا كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا (١٧) عَيْنًا فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (١٨) [الإنسان: ١٧- ١٨] .
وقال تعالى: وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (٢٨)
[المطففين: ٢٧: ٢٨] .
(ز) أشجار الجنة وثمارها:
وقد زين الله الجنة بأنواع الأشجار والثمار اليانعة والروضات المتفتحة التي تدخل السرور والحبور، قال تعالى: فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ [الروم: ١٥] وقد أخبرنا الحق أن في الجنة أشجار العنب والنخل والرمان، كما فيها أشجار السدر «١» والطلح «٢» قال تعالى: إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازًا (٣١) حَدائِقَ وَأَعْنابًا (٣٢)
[النبأ: ٣١: ٣٢] .
وقال تعالى: وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) [الواقعة: ٢٧- ٢٩] .
وقد بين الرسول ﷺ أن الله يجعل مكان كل شوكة في شجرة الطلح ثمرة،
_________________
(١) السدر هو شجر النبق الشائك لكنه في الجنة منزوع شوكه.
(٢) والطلح شجر من أشجار الحجاز من نوع العضاه فيه شوك لكنه في الجنة منضود معد للتناول بلا كدّ ولا مشقه، انظر الجنة والنار للأشقر ص ١٧٦.
[ ٣٥١ ]
فيها سبعون لونا من ألوان الطعام «١» .
وفي الجنة من أنواع الثمار والنعيم كل ما تشتهيه النفوس وتلذ العيون، قال تعالى: مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرابٍ (٥١) [ص: ٥١] .
وقال تعالى: وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) [الواقعة: ٢٠] .
وقال تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ (٤١) [المرسلات: ٤١] .
وأشجار الجنة دائمة العطاء، قال تعالى: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النَّارُ (٣٥)
[الرعد: ٣٥] .
قال تعالى: وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ (٣٣)
[الواقعة: ٣٢: ٣٣] .
قال ﷺ: (ما في الجنّة شجرة إلا وساقها من ذهب) «٢» .
وقال ﷺ: (إنّ في الجنّة لشجرة يسير الرّاكب في ظلّها مائة عام لا يقطعها) «٣» .
وفي مسند احمد عن أبي سعيد الخدري عندما سأل رجل رسول الله ﷺ،
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك ٢/ ٥١٨ ط دار الكتب العلمية وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه ولفظه تفتق عن اثنين وسبعين لونا ما منها لون يشبه الآخر) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح ١٠/ ٤١٤.
(٢) أخرجه الترمذي وابن حبان عن أبي هريرة، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ك/ صفة الجنة ب/ ما جاء في صفة شجر الجنة.
(٣) أخرجه البخاري ك/ بدء الخلق ب/ ما جاء في صفة الجنة واللفظ له، ومسلم ك/ الجنة وصفة نعيمها ب/ إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام.
[ ٣٥٢ ]
ما طوبى، قال: (شجرة في الجنّة مسيرة مائة عام ثياب أهل الجنّة تخرج من أكمامها) «١» .
والمؤمن يكثر من غرس أشجار جنته بكثرة التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير، فقد قال رسول الله ﷺ: (لقيت إبراهيم ليلة أسري بي فقال يا محمّد أقرئ أمّتك منّي السّلام وأخبرهم أنّ الجنّة طيّبة التّربة عذبة الماء وأنّها قيعان وأنّ غراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر) «٢» .
وعن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إنّ الرجل إذا نزع ثمرة من الجنّة عادت مكانها أخرى) «٣» .
ومن لطائف ما يجده أهل الجنة عند ما تأتيهم ثمارها أنهم يجدونها تتشابه في المظهر، ولكنها تختلف في المخبر، قال تعالى: كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ [البقرة: ٢٥] .
وثمار أشجار الجنة قريبة دانية مذلّله ينالها أهل الجنة بيسر وسهوله، قال تعالى: وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ [الرحمن: ٥٤] .
وقال تعالى: وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا [الإنسان: ١٤] .
_________________
(١) أحمد في باقي مسند المكثرين من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ وفي صحيح ابن حبان وهو في سلسلة الأحاديث الصحيحة ٤/ ٦٣٩ برقم ١٩٨٥.
(٢) صحيح الجامع الصغير ٢/ ٩١٦ برقم ٥١٥٢ وأخرجه الترمذي بإسناد حسن عن ابن مسعود ﵁ في ك/ الدعوات عن رسول الله ب/ ما جاء في فضل التسبيح والتكبير والتهليل.
(٣) أخرجه الطبراني في الكبير ١٤٤٩ والبزار ٣٥٣٠ وذكره الهيثمي في المجمع ١٠/ ٤١٤ وقال: رواه الطبراني والبزار، ورجال الطبراني واحد إسنادي البزار ثقات وهو في فيض القدير للمناوي عن ثوبان ٢/ ٤٢٢.
[ ٣٥٣ ]
وفي صحيح مسلم من حديث أبي الزبير عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال:
(فعرضت عليّ الجنّة حتّى لو تناولت منها قطفا أخذته أو قال تناولت منها قطفا فقصرت يدي عنه) «١» .
ومن أشجار الجنة: أشجار الريحان الفائحة التي قال عنها الله ﵎: فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ (٨٩) [الواقعة:
٨٨- ٨٩] وأخبرنا الرسول ﷺ أن سيد ريحان الجنّة الحناء.
ففي معجم الطبراني الكبير بإسناد صحيح على شرط الشيخين عن عبد الله ابن عمرو عن النبي ﷺ قال: (سيّد ريحان الجنّة الحنّاء) «٢» .
(ح) سوق الجنة:
يخلق الله ﷾ سوقا يغشاه أهل الجنة إتماما للإنعام في دار النعيم، فهذا الإمام مسلم يخرج لنا حديث السوق عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: (إنّ في الجنّة لسوقا يأتونها كلّ جمعة فتهبّ ريح الشّمال فتحثو في وجوههم وثيابهم فيزدادون حسنا وجمالا فيرجعون إلى أهليهم وقد ازدادوا حسنا وجمالا فيقول لهم أهلوهم والله لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا فيقولون وأنتم والله لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا) «٣» .
_________________
(١) قطعة من حديث أخرجه مسلم ك/ الكسوف ب/ ما عرض على النبي ﵌ في صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار.
(٢) الطبراني في المعجم الكبير قال الهيثمي رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح ما خلا عبد الله بن احمد بن حنبل وهو ثقة مأمون ٥/ ١٥٧ وهو في مصنف ابن أبي شيبة ٧/ ٣٢ ط مكتبة الرشد الرياض، وهو في سلسلة الأحاديث الصحيحة ٣/ ٤٠٧ برقم ١٤٢٠.
(٣) مسلم ك/ الجنة ب/ في سوق الجنة وما ينالون فيها من النعيم والجمال.
[ ٣٥٤ ]
سير المؤمن إلى ملكه:
بعد أن طفنا مع أهل الجنة في أوصاف الجنة، آن الأوان أن نسير مع ملك من ملوكها لنرى ما أعده الله له من النعيم الذي قال الله تعالى عنه: وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (٢٠) [الإنسان: ٢٠] .
ويرتقي أهل الجنة في الجنة إلى منازلهم بحسب أعمالهم، ويقال لصاحب القرآن كما قال النبي ﵌: (اقرأ وارتق ورتّل كما كنت ترتّل في الدّنيا فإنّ منزلك عند آخر آية تقرؤها) «١» .
استقبال الخدم له:
ويصل أهل الجنة كل واحد إلى مملكته الخاصة به والتي لا يشاركه فيها أحد فتستقبله الولدان.
سعة مملكة المؤمن ونعيمها:
(أ) سعتها:
فيدخل المؤمن مملكته الواسعة وقد وصف الرسول ﵌ سعة مملكة آخر أهل الجنة دخولا، فقال ﵌: (إنّي لأعلم آخر أهل النّار خروجا منها وآخر أهل الجنّة دخولا الجنّة رجل يخرج من النّار حبوا فيقول الله ﵎ له اذهب فادخل الجنّة فيأتيها فيخيّل إليه أنّها ملأى فيرجع فيقول يا ربّ وجدتها ملأى فيقول الله ﵎ له اذهب فادخل الجنّة قال فيأتيها فيخيّل إليه أنّها ملأى فيرجع فيقول يا ربّ وجدتها
_________________
(١) رواه أبو داود ك/ الصلاة ب/ استحباب الترتيب في القراءة، والترمذي ك/ فضائل القرآن ب/ ما جاء فيمن قرأ حرفا من القرآن ما له من الأجر وأحمد ٢/ ١٩٢ وابن ماجه ٣٧٨٠ وحسنه الأرناؤوط في رياض الصالحين ص ٤٢١.
[ ٣٥٥ ]
ملأى فيقول الله له اذهب فادخل الجنّة فإنّ لك مثل الدّنيا وعشرة أمثالها أو إنّ لك عشرة أمثال الدّنيا قال فيقول أتسخر بي أو أتضحك بي وأنت الملك قال لقد رأيت رسول الله ﵌ ضحك حتّى بدت نواجذه قال فكان يقال ذاك أدنى أهل الجنّة منزلة) «١» .
وذكر مسلم في رواية لأعلى أهل الجنة منزلة عندما سأل موسى ﵇ ربه عن أعلى أهل الجنة منزلة، فقال ﷾: أولئك الّذين أردت غرست كرامتهم بيدي وختمت عليها فلم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر قال ومصداقه في كتاب الله ﷿: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٧) [السجدة: ١٧] «٢» .
ب- نعيمها:
[١] صفات أهل الجنة وحليهم ولباسهم:
تتغير هيئة أهل الجنة، ويصبح طول أحدهم ستين ذراعا، قال ﷺ: (خلق الله آدم وطوله ستّون ذراعا فكلّ من يدخل الجنّة على صورة آدم) «٣» .
وتكون صورة أول زمرة تدخل الجنة كالقمر ليلة البدر، قال ﷺ: (أوّل زمرة تلج الجنّة صورتهم على صورة القمر ليلة البدر) «٤» .
وتكون سنهم ثلاثا وثلاثين سنة، لا تزيد أبدا، قال ﷺ: (يدخل أهل
_________________
(١) أخرجه البخاري ك/ الرقاق ب/ صفة الجنة والنار، ومسلم ك/ الإيمان ب/ آخر أهل النار خروجا واللفظ له.
(٢) أخرجه مسلم ك/ الإيمان ب/ أدنى أهل الجنة منزلة فيها.
(٣) أخرجه البخاري ك/ أحاديث الأنبياء ب/ خلق آدم.
(٤) أخرجه البخاري ك/ بدء الخلق ب/ ما جاء في صفة الجنة.
[ ٣٥٦ ]
الجنّة الجنّة جردا «١» مردا «٢» بيضا جعادا «٣» مكحّلين أبناء ثلاث وثلاثين على خلق آدم ستّون ذراعا) «٤» .
ويتزين المؤمنون في الجنة بأنواع الحلي من الذهب والفضة واللؤلؤ، قال تعالى: وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (١٢) [الإنسان: ١٢] .
قال تعالى: يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ (٢٣) [الحج: ٢٣] ومن حليهم أساور الذهب والفضة واللؤلؤ.
قال الله تعالى: وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَرابًا طَهُورًا.
[الإنسان: ٢١] .
ومن ألوان الثياب التي يلبسها المؤمنون في الجنة: الخضر من السندس والإستبرق، قال تعالى: وَيَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ نِعْمَ الثَّوابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا [الكهف: ٣١] .
وقال تعالى: عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ «٥» خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ «٦» وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَرابًا طَهُورًا (٢١) [الإنسان: ٢١] وثياب أهل الجنة لا تبلى، قال ﷺ: (من يدخل الجنّة ينعم لا يبأس، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه) «٧» .
_________________
(١) الأجرد: الذي ليس على بدنه شعر.
(٢) الأمرد: الذي لا شعر في ذقنه، ويراد به الحسن.
(٣) أن شعر رأسهم قصير مجتمع.
(٤) مسند أحمد، في مسند المكثرين من حديث أبي هريرة وقال محققو المسند حديث حسن بشواهده ٥/ ٢٢٠- ٢٢١.
(٥) السندس: هو رفيع الحرير كالقمصان ونحوها مما يلي أبدانهم.
(٦) الإستبرق: ما فيه بريق ولمعان وهو مما يلي الظاهر، كما هو المعهود في اللباس، انظر: تفسير ابن كثير.
(٧) أخرجه مسلم ك/ صفة الجنة ب/ دوام نعيم أهل الجنة.
[ ٣٥٧ ]
ولباس أهل الجنة أرقى من أي ثياب صنعها الإنسان، فقد أتى الرسول ﷺ بثوب من حرير فجعلوا يعجبون من حسنه ولينه، فقال ﷺ: ( لمناديل سعد ابن معاذ في الجنّة أفضل من هذا) «١» .
ومن حلي أهل الجنة التيجان، فقد ذكر الرسول ﵌ الخصال التي يعطاها الشهيد، فقال: (ويوضع على رأسه تاج الوقار الياقوتة منها خير من الدّنيا وما فيها ) «٢» .
ووصف الرسول ﷺ إضاءة أدنى لؤلؤة في التاج، فقال ﷺ: (إنّ عليهم التّيجان إنّ أدنى لؤلؤة منها لتضيء ما بين المشرق والمغرب) «٣» .
وأخبر الرسول ﵌: أن لأهل الجنة أمشاطا من الذهب وأنهم يتبخرون بعود الطيب، فقال: (وأمشاطهم الذّهب ووقود مجامرهم «٤» الألوّة «٥» ) «٦» .
[٢] نساء أهل الجنة:
الزوجات في الجنة من النعيم الذي تتم به نعمة أهل الجنة، وكذلك الحال بالنسبة للمرأة المؤمنة في الجنة تتم نعمتها وسعادتها بالزوج، وإذا أدخل المؤمن الجنة ودخلت معه زوجته الصالحة، فإنها تكون زوجته فيها أيضا، قال تعالى:
_________________
(١) البخاري ك/ اللباس ب/ مس الحرير من غير لبس.
(٢) أخرجه الترمذي ك/ فضائل الجهاد ب/ ثواب الشهيد، وأحمد في مسند الشاميين من حديث المقداد بن معدي كرب، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي.
(٣) أخرجه الترمذي ك/ صفة الجنة ب/ ما لأدنى أهل الجنة من الكرامة، وابن حبان ١٦/ ٤١٠ وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه أحمد وأبو يعلى وإسنادهما حسن ١٠/ ٤١٩.
(٤) مجامرهم: مباخرهم.
(٥) الألوة: عود يتبخر به.
(٦) البخاري ك/ بدء الخلق ب/ ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة.
[ ٣٥٨ ]
جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (٢٣) [الرعد: ٢٣] .
ويعيش المؤمن مع أزواجه في الجنة حياة سرور ونعيم، قال تعالى: هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ (٥٦) [يس: ٥٦] .
وقال تعالى: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ (٧٠) [الزخرف: ٧٠] .
ويزوج الله المؤمن في الجنة بزوجات من الحور العين «١» .
قال تعالى: كَذلِكَ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤) [الدخان: ٥٤] .
وصف القرآن الكريم زوجات المؤمنين في الجنة، فوصف جمالهن، فقال وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣) [الواقعة: ٢٢: ٢٣] .
الْمَكْنُونِ الذي لم يغير صفاء لونه ضوء الشمس، ولا عبث الأيدي، وشبههن في موضع آخر بالياقوت والمرجان، فقال تعالى: فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ (٥٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٧) كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ (٥٨) [الرحمن: ٥٦- ٥٨] .
ووصف أعمارهن المتساوية، فقال تعالى: وَكَواعِبَ أَتْرابًا (٣٣) .
[النبأ: ٣٣] .
والكواعب جمع كاعبة، وهي المرأة الجميلة التي برز ثديها. والأتراب المتقاربات في السن.
ووصفهن بأنهن قاصرات الطرف على أزواجهن قال تعالى: حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ (٧٢) [الرحمن: ٧٢] .
_________________
(١) والحوراء: هي التي يكون بياض عينها شديد البياض وسواده شديد السواد والعيناء هي واسعة العين.
[ ٣٥٩ ]
وقال تعالى وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨) [الصافات: ٤٨] ونساء الجنة لسن كنساء الدنيا، فإنهن مطهرات، قال تعالى: وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ [البقرة: ٢٥] .
ووصف رسول الله ﷺ جمال نساء أهل الجنة بقوله: (ولكل واحد منهما زوجتان، يرى مخ سوقهما من وراء اللحم من الحسن) «١» .
وقال ﵌: (ولو أن امرأة من أهل الجنة اطلعت إلى أهل الدنيا، لأضاءت ما بينهما، ولملأته ريحا، ولنصيفها «٢» على رأسها خير من الدنيا وما فيها) «٣» .
وتغني الحور العين لزوجها في الجنة بصوت جميل عذب:
قال ﵌: (إن أزواج أهل الجنة ليغنين أزواجهن بأحسن أصوات ما سمعها أحد قط ) «٤» .
ووصف الله سبحانه الزوجات في الجنة بأنهن أبكار:
قال تعالى: إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً (٣٥) فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكارًا (٣٦) .
[الواقعة: ٣٥- ٣٦] .
وقال تعالى: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ (٧٤) [الرحمن: ٧٤] .
وعن ابن عباس ﵄ قال: قيل يا رسول الله أنفضي إلى نسائنا في الجنة كما
_________________
(١) البخاري ك/ الخلق ب/ ما جاء في صفة الجنة ومسلم ك/ الجنة ب/ أول زمرة تدخل الجنة.
(٢) النصيف: الخمار.
(٣) البخاري ك/ الجهاد ب/ الحور العين وصفاتهن.
(٤) أخرجه الطبراني في الأوسط ٥/ ١٥٠ وهو في صحيح الجامع الصغير ١/ ٣٢٥ رقم ١٥٦١ وقال الهيثمي في مجمع الزوائد رواه الطبراني في الصغير والأوسط ورجاله رجال الصحيح ١٠/ ٤١٩.
[ ٣٦٠ ]
نفضي إليهن في الدنيا قال: (والذي نفس محمد بيده إن الرجل ليفضي في الغداة الواحدة إلى مائة عذراء) «١» .
[٣] خدم أهل الجنة:
أكرم الله أهل الجنة بولدان ينشئهم «٢» ليخدموهم وهم في غاية الجمال.
قال تعالى: وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا
[الإنسان: ١٩] .
وقال تعالى: يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) [الواقعة: ١٧- ١٨] .
قال أبو عبيده والفراء: مخالدون لا يهرمون ولا يتغيرون «٣» .
[٤] طعام أهل الجنة وشرابهم:
في الجنة ما تشتهيه الأنفس من الماكل والمشارب، قال تعالى: وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١) [الواقعة: ٢٠- ٢١] .
وقال تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ (٤١) وَفَواكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٤٢) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) [المرسلات: ٤١- ٤٣] .
_________________
(١) أخرجه أبو نعيم في صفة الجنة ٣٧٤ والبيهقي في البعث ٤٠٤ وأبو يعلى في مسنده ٢٤٣٦ وذكره الهيثمي في المجمع ١٠/ ٤١٦.
(٢) قال ابن القيم في حادي الأرواح: (إذا تأملت لفظه الولدان ولفظة يطوف عليهم واعتبرتها في قوله تعالى: وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ وضممت ذلك إلى ما في حديث أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﵌: «من مات من أهل الجنة من صغير وكبير يردون بني ثلاثين سنة في الجنة لا يزيدون عليها أبدا، وكذلك أهل النار» أخرجه الترمذي في صفة الجنة، علمت أن الولدان غلمان أنشأهم الرب تعالى في الجنة خدما لأهلها. وهذا من تمام كرامة الله لأهل الجنة أن يجعل أبناءهم مخدومين معهم.
(٣) حادي الأرواح لابن القيم ص ٢٨٠.
[ ٣٦١ ]
قد ذكرنا سابقا ثمار الجنة وما فيها من الأنهار والعيون.
وأول طعام أهل الجنة هو زيادة كبد الحوت، كما قال رسول الله ﷺ لما سئل عن أول شيء يأكله أهل الجنة، فقال: (زيادة كبد الحوت) «١» .
[٥] آنية أهل الجنة:
آنية طعام أهل الجنة التي يأكلون ويشربون فيها من الذهب والفضة، قال تعالى: يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوابٍ [الزخرف: ٧١] .
أي وأكواب من ذهب، وقال تعالى أيضا: وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا (١٥) قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيرًا (١٦) .
[الإنسان: ١٦- ١٥] .
أي اجتمع فيها صفاء القوارير وبياض الفضة.
وقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي موسى الأشعري، قال:
قال رسول الله ﵌: (جنّتان من فضّة آنيتهما وما فيهما وجنّتان من ذهب آنيتهما وما فيهما ) «٢» .
ومن الآنية التي يشربون بها: الأكواب «٣» والأباريق «٤» والكؤوس «٥» .
_________________
(١) البخاري ك/ الرقاق ب/ صفة الجنة والنار واللفظ له، ومسلم ك/ الحيض ب/ بيان صفة مني الرجل والمرأة.
(٢) البخاري ك/ تفسير القرآن ب/ قوله (ومن دونهما جنتان) ومسلم ك/ الإيمان ب/ إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم سبحانه.
(٣) الكوب: مالا أذن معه ولا عروة ولا خرطوم.
(٤) والأباريق: ذوات الآذان والعرى.
(٥) والكأس: القدح الذي فيه الشراب.
[ ٣٦٢ ]
قال تعالى: يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ
[الواقعة: ١٧- ١٨] .
[٦] قوة أهل الجنة في الأكل والشرب والشهوة:
عن زيد بن أرقم قال أتى النّبيّ ﵌ رجل من اليهود فقال: يا أبا القاسم، ألست تزعم أنّ أهل الجنّة يأكلون فيها ويشربون وقال لأصحابه إن أقرّ لي بهذه خصمته قال فقال رسول الله ﷺ:
(بلى والّذي نفسي بيده إنّ أحدهم ليعطى قوّة مائة رجل في المطعم والمشرب والشّهوة والجماع قال فقال له اليهوديّ فإنّ الّذي يأكل ويشرب تكون له الحاجة قال فقال رسول الله ﷺ حاجة أحدهم عرق يفيض من جلودهم مثل ريح المسك فإذا البطن قد ضمر) «١» .
وقال ﵌: (إن أهل الجنة يأكلون فيها، ويشربون، ولا يتفلون فيها، ولا يبولون، ولا يتغوطون، ولا يمتخطون) قالوا: فما بال الطعام؟ قال: (جشاء ورشح كرشح المسك، يلهمون التسبيح والتحميد، كما تلهمون النّفس) «٢» .
[٧] فرش الجنة:
أعدت قصور الجنة وأماكن الجلوس في حدائقها وبساتينها بألوان فاخرة رائعة من الفرش للجلوس والاتكاء ونحو ذلك، فالسرر كثيرة راقية، والفرش عظيمة القدر بطائنها من الإستبرق، فما بالك بظاهرها. وهناك ترى النمارق
_________________
(١) أخرجه ابن حبان ١٦/ ٤٤٣ والهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/ ٤١٦، وقال: وبنحوه رواه البزار ورجال أحمد والبزار رجال ثمامة بن عقبة وهو ثقة، وأحمد في تتمة مسند الكوفيين من حديث زيد بن أرقم وقال محققو المسند صحيح وإسناد رجاله ثقات.
(٢) أخرجه مسلم ك/ الجنة ونعيمها ب/ صفة الجنة وأهلها.
[ ٣٦٣ ]
مصفوفة على نحو يسر الخاطر، ويبهج النفس، والزرابي مبثوثة على شكل منسق تكامل، قال تعالى: فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤) وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (١٦) [الغاشية: ١٣- ١٦] .
وقال تعالى: مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ (٥٤) .
[الرحمن: ٥٤] .
وقال تعالى: مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٢٠) .
[الطور: ٢٠] .
وقال تعالى أيضا: ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤) عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥) مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ (١٦) [الواقعة: ١٣- ١٦] .
وقال تعالى: وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ (٤٧)
[الحجر: ٤٦] .
المؤمن في الجنة وذريته:
من فضل الله وكرمه على المؤمنين وذريتهم المؤمنة أن يرفع الذرية إلى درجة الآباء دون أن ينقص من درجة الآباء شيئا؛ لتتم النعمة، وتقر العين.
قال تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ (٢١) [الطور: ٢١] .
التزاور في الجنة:
أهل الجنة يزور بعضهم بعضا، ويجتمعون في مجالس طيبة، يتحدثون عما كان منهم في الدنيا وما أنعم الله عليهم من دخول الجنة.
[ ٣٦٤ ]
قال تعالى: وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٢٥) قالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ (٢٦) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ (٢٧) إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (٢٨) [الطور: ٢٥- ٢٨] .
وقال تعالى: وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ (٤٧)
[الحجر: ٤٧] .
أماني أهل الجنة:
لبعض أهل الجنة أمان لما كانوا يحبونه في الدنيا، مع أنهم فيما تشتهيه أنفسهم في الجنة، وقد حدثنا رسولنا ﷺ عن بعض هذه الأماني وكيفية تحققها، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ كان يحدث وعنده رجل من أهل البادية: (أنّ رجلا من أهل الجنّة استأذن ربّه في الزّرع فقال له أولست فيما شئت «١» قال بلى ولكنّي أحبّ أن أزرع فأسرع وبذر فتبادر الطّرف «٢» نباته واستواؤه واستحصاده وتكويره أمثال الجبال فيقول الله تعالى دونك يا ابن آدم فإنّه لا يشبعك شيء فقال الأعرابيّ يا رسول الله لا تجد هذا إلا قرشيّا أو أنصاريّا فإنّهم أصحاب زرع فأمّا نحن فلسنا بأصحاب زرع فضحك رسول الله) «٣» .
ويخبرنا الرسول ﵌: عن مؤمن أخر يشتهي الولد في الجنة فقال ﷺ: (المؤمن إذا اشتهى الولد في الجنّة كان حمله ووضعه وسنّه في ساعة كما يشتهي) «٤» .
_________________
(١) أي فيما شئت من أنواع النعيم وألوان الطعام والشراب.
(٢) فبادر الطرف: أي سابق النظر.
(٣) أخرجه البخاري ك/ الحرث والمزارعة ب/ كراء الأرض بالذهب والفضة.
(٤) أخرجه أحمد في باقي مسند المكثرين من حديث أبي سعيد الخدري وقال محققو المسند إسناده حسن ١٧/ ١١٦- ١١٧، والترمذي ك/ صفة الجنة ب/ ما جاء ما لأدنى أهل الجنة.
[ ٣٦٥ ]
ورضوان من الله أكبر:
أفضل ما يعطاه أهل الجنة رضوان الله والنظر إلى وجهه الكريم:
قال: جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨) [البينة: ٨] .
وقال تعالى: وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢) [التوبة: ٧٢] .
وعن صهيب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إذا دخل أهل الجنّة الجنّة قال:
يقول الله ﵎ تريدون شيئا أزيدكم، فيقولون ألم تبيّض وجوهنا ألم تدخلنا الجنّة وتنجّنا من النّار، قال: فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئا أحبّ إليهم من النّظر إلى ربّهم ﷿ ) «١» .
قال تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (٢٢) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ (٢٣) .
[القيامة: ٢٢- ٢٣] .
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إنّ الله ﵎ يقول لأهل الجنّة يا أهل الجنّة فيقولون لبّيك ربّنا وسعديك فيقول هل رضيتم فيقولون وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك فيقول أنا أعطيكم أفضل من ذلك قالوا يا ربّ وأيّ شيء أفضل من ذلك فيقول أحلّ عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا) «٢» .
_________________
(١) أخرجه مسلم ك/ الإيمان ب/ إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم ﷾.
(٢) البخاري ك/ التوحيد ب/ كلام الرب مع أهل الجنة، ومسلم ك/ الجنة وصفة نعيمها وأهلها ب/ إحلال الرضوان على أهل الجنة.
[ ٣٦٦ ]
آمان ونعيم لا ينقطع:
أهل الجنة في أمان تام من كل منغصات النعم، فهم في مقام أمين آمنون من كل خوف، قال تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ (٥١) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢) .
[الدخان: ٥١- ٥٢] .
وقال سبحانه: يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ (٥٥) [الدخان: ٥٥]، فقد أمنوا في الجنة من الموت ومن العذاب، قال: لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى وَوَقاهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (٥٦) [الدخان: ٥٦] .
قال ﵌: (ثمّ يقوم مؤذّن بينهم فيقول يا أهل الجنّة لا موت ويا أهل النّار لا موت كلّ خالد فيما هو فيه) «١» .
وهم آمنون من الخروج من الجنة، أو انقطاع نعيمها، قال تعالى: وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨) [هود: ١٠٨] .
قال تعالى: إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ (٥٤) [ص: ٥٤] .
وأمنهم سبحانه من كل خوف وحزن «٢» قال ﷾: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ [الأعراف: ٤٩] .
كما أنهم في صحة وشباب آمنون من كل مرض وهرم، قال ﵌: (ينادي مناد إنّ لكم أن تصحّوا فلا تسقموا أبدا، وإنّ لكم أن
_________________
(١) أخرجه البخاري ك/ الرقاق ب/ يدخل سبعون ألف بغير حساب، ومسلم ك/ الجنة وصفة نعيمها، ب/ النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء، واللفظ له.
(٢) الحزن ينشأ من الخوف والخوف إما من شيء قادم أو من شيء قد مضى فأصل الخوف يستلزم الحزن ونفي الخوف من كل ما مضى ومن كل ما سيأتي ينتج عنه ذهاب الحزن.
[ ٣٦٧ ]
تحيوا فلا تموتوا أبدا، وإنّ لكم أن تشبّوا فلا تهرموا أبدا، وإنّ لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا) «١» .
وأعظم ما يخافه المؤمن سخط الله سبحانه، وقد أمن الله أهل الجنة منه بقوله تعالى في الحديث القدسي: (أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا) «٢» .
آخر دعوى أهل الجنة:
قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٩) دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٠) [يونس: ٩- ١٠] .
ثمن الجنة:
الإيمان والعمل الصالح ثمن للجنة، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) [الكهف: ١٠٧] .
كما وعد الله الجنة لمن يبذل نفسه وماله في سبيل الله بوعد مؤكد أخبر به في التوراة والإنجيل والقرآن.
قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١)
[التوبة: ١١١] .
_________________
(١) أخرجه مسلم ك/ الجنة ب/ دوام نعيم أهلها.
(٢) أخرجه البخاري ك/ الرقاق ب/ صفة الجنة ومسلم ك/ الجنة ب/ إحلال الرضوان.
[ ٣٦٨ ]
وهناك أعمال كثيرة مبيّنة في الكتاب والسنّة مردّها للإيمان والعمل الصالح فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة) «١» .
وطاعة الله ورسوله في كل أمر من الأمور ثمن الجنة، قال تعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠) .
[النساء: ٦٩- ٧٠] .
الوصول إلى هذا النعيم هو غاية تنافس المؤمنين، قال تعالى: عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ (٢٦) [المطففين: ٢٢- ٢٦] .
_________________
(١) أخرجه الترمذي ك/ صفة القيامة والرقاق والورع ب/ ما جاء في صفة أواني الحوض وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ٢/ ٢٩٧ برقم ١٩٩٣.
[ ٣٦٩ ]
النّار
هي الدار التي أعدها الله للكافرين به، المتمردين على شرعه، المكذبين لرسله، وهي عذابه الذي يعذب فيه أعداءه، وسجنه الذي يسجن فيه المجرمين، وهي الخزي الأكبر والخسران العظيم، الذي لا خزي فوقه ولا خسران أعظم منه قال تعالى: رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (١٩٢) .
[آل عمران: ١٩٢] .
وقال تعالى: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدًا فِيها ذلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (٦٣) [التوبة: ٦٣] .
وقال تعالى: فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ (١٥) [الزمر: ١٥]، وهي مع ذلك خالدة، وأهلها فيها خالدون ولذلك فإن الحق أطال في ذم مقام أهل النار قال تعالى: إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقامًا (٦٦) [الفرقان: ٦٦] .
قال عز من قائل: هذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمِهادُ (٥٦) [ص: ٥٥- ٥٦] .
خلق النار:
عن أبي هريرة عن النبي ﵌ قال: (أوقد على النّار ألف سنة حتّى احمرّت ثمّ أوقد عليها ألف سنة حتّى ابيضّت ثمّ أوقد عليها ألف سنة حتّى اسودّت فهي سوداء مظلمة) «١» .
_________________
(١) أخرجه الترمذي صفة جهنم رقم ٢٥١٦ ج ٤/ ص ٧١٠ وهو حديث حسن بمجموع طرقه وشواهده كما أخرجه ابن رجب في التخويف من النار ص ٦٦، والمنذري في الترغيب والترهيب ٤/ ١١٧ وهو في فيض القدير ٣/ ٨٠.
[ ٣٧٠ ]
وقال تعالى: إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصادًا (٢١) لِلطَّاغِينَ مَآبًا (٢٢) [النبأ: ٢١- ٢٢] أي مرصدة معدة للعصاة المخالفين للرسل «١» .
وفي صحيح مسلم من حديث أنس ﵁ أن رسول الله ﵌ قال: ( والذي نفسي بيده لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلا وبكيتم كثيرا) قالوا: وما رأيت يا رسول الله؟، قال: (رأيت الجنة والنار) «٢» .
اتباع كل أناس لإمامهم:
في ختام يوم الحساب يحشر الله أهل النار إلى النار، ويطلب من كل أمة في آخر ذلك اليوم أن تتبع الإله الذي كانت تعبده، ثم إن هذه الآلهة الباطلة تتساقط في النار، ويتساقط عبادها وراءها في السعير كما قال تعالى في فرعون:
يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨) [هود: ٩٨] .
وروى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﵌ قال: (إذا كان يوم القيامة أذّن مؤذّن ليتّبع كلّ أمّة ما كانت تعبد فلا يبقى أحد كان يعبد غير الله سبحانه من الأصنام والأنصاب إلا يتساقطون في النّار حتّى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من برّ وفاجر وغبّر «٣» أهل الكتاب فيدعى اليهود فيقال لهم ما كنتم تعبدون قالوا كنّا نعبد عزير ابن الله فيقال كذبتم ما اتّخذ الله من صاحبة ولا ولد فماذا تبغون قالوا عطشنا يا ربّنا فاسقنا فيشار إليهم ألا تردون فيحشرون إلى النّار كأنّها سراب يحطم بعضها بعضا فيتساقطون في النّار ثمّ يدعى النّصارى فيقال لهم ما كنتم تعبدون قالوا كنّا نعبد المسيح ابن الله فيقال لهم كذبتم ما اتّخذ الله من
_________________
(١) تفسير ابن كثير.
(٢) أخرجه مسلم ك/ الصلاة ب/ تحريم سبق الإمام بركوع أو سجود ونحوهما.
(٣) غبرهم: بقاياهم.
[ ٣٧١ ]
صاحبة ولا ولد فيقال لهم ماذا تبغون فيقولون عطشنا يا ربّنا فاسقنا قال فيشار إليهم ألا تردون فيحشرون إلى جهنّم كأنّها سراب يحطم بعضها بعضا فيتساقطون في النّار) «١» .
تغيّظ النار عند رؤيتها للكفار:
الذي يقرأ النصوص من الكتاب والسّنّة التي تصف النار، يجدها مخلوقا يبصر ويتكلم ويشتكي، ففي الكتاب العزيز أن النار ترى أهلها وهم قادمون عليها من بعيد فعند ذلك تطلق الأصوات المرعبة الدالة على مدى حنقها وغيظها على هؤلاء المجرمين، قال تعالى: إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (١٢) [الفرقان: ١٢] .
وقد خرج الإمام أحمد والترمذي من حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (تخرج عنق من النّار يوم القيامة لها عينان تبصران وأذنان تسمعان ولسان ينطق يقول إنّي وكّلت بثلاثة بكلّ جبّار عنيد وبكلّ من دعا مع الله إلها آخر وبالمصوّرين) «٢» .
أبواب النار:
أخبر الحق ﵎ أن للنار سبعة أبواب، قال تعالى: وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤) .
[الحجر: ٤٣- ٤٤] .
_________________
(١) أخرجه البخاري ك/ تفسير القرآن ب/ قوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ [النساء: ٤٠]، ومسلم ك/ الإيمان ب/ معرفة طريق الرؤية واللفظ له.
(٢) أخرجه الترمذي ك/ صفة جهنم ب/ ماء جاء في صفة النار، واللفظ له، وأحمد في باقي مسند المكثرين، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ٢/ ٣٢٠ برقم ٢٠٨٣ ط مكتب التربية العربي لدول الخليج.
[ ٣٧٢ ]
قال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية: " أي قد كتب لكل باب منها جزء من أتباع إبليس يدخلونه لا محيد لهم عنه أجارنا الله منها وكل يدخل من باب بحسب عمله ويستقر في درك بحسب عمله" «١» .
دركات النار:
النار متفاوتة في شدة حرها وما أعده الله من العذاب لأهلها فليست دركة واحدة وقد قال الحق تبارك: إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) [النساء: ١٤٥] .
ففي الصحيحين، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﵌ قال: (إن العبد ليتكلم بالكلمة، ما يتبين ما فيها يهوي بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب) «٢» .
فانظر يا أخي الكريم إلى هذا العذاب الشديد النار مع سعتها وعظم خلقها إلا أنها بالنسبة لأهلها ضيقة عليهم قال تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ (١٩) [البلد: ١٩] .
سعة النار وبعد قعرها:
النار شاسعة، واسعة، بعيد قعرها، مترامية أطرافها، قال تعالى: يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠) [ق: ٣٠] .
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﵌ إذ سمع وجبة «٣» فقال النبي ﷺ: (تدرون ما
_________________
(١) تفسير ابن كثير ٤/ ١٦٢.
(٢) البخاري ك/ الرقاق ب/ حفظ اللسان وقول النبي من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، ومسلم/ ك الزهد والرقائق ب/ التكلم بالكلمة يهوي بها في النار، واللفظ له.
(٣) أي سقطة.
[ ٣٧٣ ]
هذا؟ قلنا الله ورسوله أعلم قال: هذا حجر رمي به في النار منذ سبعين خريفا فهو يهوي في النار الآن حين «١» انتهى إلى قعرها) «٢» .
خزنة النار:
يقوم على النار ملائكة، خلقهم عظيم، وبأسهم شديد، لا يعصون الله الذي خلقهم، ويفعلون ما يؤمرون، قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (٦) [التحريم: ٦] .
وقود النار:
الأحجار والفجرة الكفار وقود النار. قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ [التحريم: ٦] .
وقال تعالى أيضا: فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ
[البقرة: ٢٤] .
قال ابن رجب: (إن فيها خمسة أنواع من العذاب ليس في غيرها: سرعة الإيقاد، ونتن الرائحة، وكثرة الدخان، وشدة الالتصاق بالأبدان، وقوة حرها إذا حميت) «٣» .
شدة حرها وعظيم دخانها وشرارها:
قال الله تعالى: وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ
_________________
(١) قال النووي هكذا هو في النسخ فيه محذوف دل عليه الكلام، أي هذا حجر وقع أو هوى حين ونحو ذلك.
(٢) رواه مسلم ك/ الجنة باب في شدة حر النار ٤/ ٢١٨٤ ورقمه ٢٨٤٤.
(٣) التخويف من النار لابن رجب ص ١٠٧.
[ ٣٧٤ ]
(٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ (٤٤) [الواقعة: ٤١- ٤٤] .
وقد أشارت هذه الآية إلى ما يتبرد الناس به في الدنيا من الكرب والحر وهي ثلاثة أشياء:
الماء والهواء والظل، " وبينت الآية أن هذه لا تغني عن أهل النار شيئا بل هي مزيد من العذاب فهواء جهنم السموم وهو الريح الحارة الشديدة وماؤها الحميم الذي قد اشتد حره وظلها اليحموم وهو قطع دخانها" «١» .
وقد أخبرنا رسول الله ﵌ عن نار جهنم فقال: (ناركم جزء من سبعين جزآ من نار جهنّم قيل يا رسول الله إن كانت لكافية قال فضّلت عليهنّ بتسعة وستّين جزآ كلّهنّ مثل حرّها) «٢» .
عظم خلق أهل النار:
يدخل أهل الجحيم النار على صورة ضخمة، هائلة، لا يقدر قدرها إلا الذي خلقهم، ففي الحديث الذي يرفعه أبو هريرة إلى رسول الله ﷺ قال: (ما بين منكبي الكافر في النّار مسيرة ثلاثة أيّام للرّاكب المسرع) «٣» .
وعن أبي هريرة ﵁ قال قال: رسول الله ﷺ: (ضرس الكافر أو ناب الكافر مثل أحد «٤» وغلظ جلده مسيرة ثلاث) «٥»، وفي رواية أحمد:
_________________
(١) التخويف من النار لابن رجب ص ٨٥.
(٢) أخرجه البخاري ك/ بدء الخلق ب/ صفة النار، واللفظ له، ومسلم ك/ الجنة وصفة نعيمها وأهلها ب/ في شدة حر نار جهنم وبعد قعرها.
(٣) أخرجه البخاري ك/ الرقاق ب/ صفة الجنة والنار، ومسلم ك/ الجنة ب/ يدخلها الجبارون واللفظ له.
(٤) أحد: هو الجبل الذي وقعت عنده معركة أحد.
(٥) صحيح مسلم ك/ الجنة ب/ النار يدخلها الجبارون.
[ ٣٧٥ ]
(وفخذه مثل ورقان «١»، ومقعده من النار مثل ما بيني وبين الربذة «٢») «٣» .
شدة ما يكابده أهل النار من عذاب:
النار عذابها شديد وفيها من الأهوال وألوان العذاب ما ينسي نعيم الدنيا ففي صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: (يؤتى بأنعم أهل الدّنيا من أهل النّار يوم القيامة فيصبغ في النّار صبغة ثمّ يقال يا ابن آدم هل رأيت خيرا قطّ هل مرّ بك نعيم قطّ فيقول لا والله يا ربّ ) «٤» .
إنها لحظات قليلة تنسي أكثر الكفار نعيم كل أوقات السعادة والهناء. وفي الصحيحين عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (يقول الله تعالى لأهون أهل النّار عذابا يوم القيامة لو أنّ لك ما في الأرض من شيء أكنت تفتدي به؟ فيقول: نعم، فيقول: أردت منك أهون من هذا وأنت في صلب آدم أن لا تشرك بي شيئا فأبيت إلا أن تشرك بي) «٥» .
إن شدة النار وهولها تفقد الإنسان صوابه وتجعله يجود بكل أحبابه لينجو من النار وأنى له النجاة: يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) [المعارج: ١١]، وهذا العذاب الهائل المتواصل يجعل حياة هؤلاء المجرمين في تنغيص دائم وألم مستمر.
_________________
(١) ورقان: بفتح الواو وكسر الراء، جبل أسود بين المرج والرويثة على يمين الذاهب من المدينة إلى مكة، انظر الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد/ للبناء ٢٤/ ١٧١ طبعة/ إحياء التراث العربي.
(٢) الربذة: بفتح الراء، هي قرية معروفة قرب المدينة، المسافة بينها وبين المدينة مسيرة ثلاث ليال، انظر تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي ٧/ ٢٩٨ برقم ٢٧٠٣ ط/ دار الفكر.
(٣) أخرجه أحمد في مسند أبي هريرة، وقال محققو المسند إسناده حسن ١٤/ ٨٧ برقم ٨٣٤٥.
(٤) رواه مسلم ك/ صفة القيامة والجنة والنار ب/ صبغ أنعم أهل الدنيا في النار.
(٥) رواه البخاري في كتاب الرقائق باب صفة الجنة والنار.
[ ٣٧٦ ]
صور من عذاب أهل النار:
[١] تفاوت عذاب أهل النار:
لما كانت النار دركات بعضها أشد عذابا وهولا من بعض كان أهلها متفاوتون في العذاب ففي الحديث الذي يرويه مسلم وأحمد عن سمرة ﵁ عن النبي ﷺ قال في أهل النار: (إن منهم من تأخذه النار إلى كعبيه «١» ومنهم من تأخذه إلى ركبتيه ومنهم من تأخذه إلى حجزته «٢» ومنهم من تأخذه إلى ترقوته «٣») «٤» .
وفي صحيح البخاري ﵀ عن النعمان بن بشير ﵁ قال:
سمعت النبي ﵌ يقول: (إن أهون أهل النار عذابا يوم القيامة لرجل توضع في أخمص «٥» قدميه جمرة يغلي منها دماغه) «٦» .
[٢] زفير أهل النار وشهيقهم:
أهل النار حينما يعذبون فيها، ويذوقون أصناف وألوان العذاب، يكون تنفسهم فيها شهيقا وزفيرا، زيادة في تعذيبهم وهوانهم، قال الله تعالى:
فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) [هود: ١٠٦] .
قال العلامة الشنقيطي ﵀: " للعلماء أقوال في معنى الزفير والشهيق وأقربها أنهما يمثلان معا صوت الحمار في نهيقه، فأوله زفير، وآخره الذي يردده
_________________
(١) الكعب: العظم الفاصل بين القدم والساق.
(٢) الحجزة: موضع عقد الإزار وسط الجسم.
(٣) الترقوة: العظم بين ثغرة النحر والعاتق.
(٤) أخرجه مسلم ك/ الجنة وصفة نعيمها ب/ شدة حر النار.
(٥) أخمص: ما لا يصل إلى الأرض من باطن القدم عند المشي.
(٦) البخاري ك/ الرقاق ب/ صفة الجنة والنار.
[ ٣٧٧ ]
في صدره شهيق" «١» .
[٣] تبديل الجلود التي أنضجتها النار:
إن نار الجبار تحرق جلود أهل النار، والجلد موضع الإحساس بألم الاحتراق، ولذلك فإن الله يبدل لهم جلودا أخرى غير تلك التي احترقت لتحترق من جديد، وهكذا دواليك، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نارًا كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُودًا غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزًا حَكِيمًا
(٥٦) .
[النساء: ٥٦] .
وكشف العلم الحديث أن الإحساس بحرّ النار، إنما يكون في الجلود الحية، حيث خلق الله نهايات عصبية في الجلد حساسة، فإذا نضج الجلد ماتت هذه النهايات العصبية، فينعدم الإحساس بحر النار.
وعندئذ لا يمثل الاستمرار في النار أي نوع من الألم للكافر، لأن مراكز الإحساس بالألم قد حطمت، لكن العليم الخبير بأسرار خلق الإنسان، يعلم هذا السر،
_________________
(١) أضواء البيان عند تفسير الآية الكريمة.
[ ٣٧٨ ]
فأشار إليه في كتابه قبل ١٤٠٠ عام، وبين سبحانه الطريقة التي سيستمر بها العذاب للكافرين في النار، فقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نارًا كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُودًا غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦) [النساء: ٥٦] .
فالخالق يخبر عن علمه بأسرار خلق الجلد، وأنه موطن الإحساس بعذاب النار وأنه إذا نضج ماتت النهايات العصبية الحساسة لألم النار، وانتفى العذاب، فتوعد الله الكافرين بأمر لم يعرف للبشر إلا بعد ١٤٠٠ عام وهو إعادة خلق الجلد مرة ثانية بأعصاب جديدة حساسة لألم النار، فيستمر بذلك العذاب لأهل النار، وإذا علم صدق الوصف اليوم، فإنه دليل على صدق الخبر.
[٤] الصهر وتقطيع الأمعاء:
من ألوان العذاب: صب الحميم فوق رؤوس أهل النار.
والحميم: هو الماء الذي تناهى في حره، فلشدة حره تذوب وتنصهر أمعاؤهم، وما حوته بطونهم.
قال تعالى: فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠) [الحج: ١٩- ٢٠] .
وقال تعالى: وَسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ [محمد: ١٥] .
ويتكرر معنا الإعجاز العلمي، في وصف العذاب بالماء الحميم، الذي يشربه أهل النار ودقة الوصف له، وبيان الطريقة التي يتحقق بها العذاب من شرب هذا الحميم، فقد كشف الطب اليوم أن الأمعاء مبطنة بغشاء مخاطي لا يتأثر بالحرارة- حتى رأينا من الناس من يبتلع الماء أو الطعام الحار بسرعة ليتخلص من
[ ٣٧٩ ]
آلامه إذا نزل إلى الأمعاء- والطريقة الوحيدة للإحساس بألم الحميم هو أن تقطع هذه الأمعاء وينزل منها الماء الحميم إلى الأحشاء الغنية بالنهايات العصبية الحساسة للحرارة والتي تشعر بالآلام الشديدة للماء الحار إذا وصل إليها وكأنه طعن الخناجر.
فرأينا الوصف القرآني للإحساس بالعذاب يتقرر بتقطيع الأمعاء، ولو أخبرت الآية بأن الأمعاء تبدل إذا نضجت كالجلود لقال الكافرون تبديل الأمعاء يتضمن وجود أغشية مخاطية في باطن الأمعاء يحول دون الإحساس بحر الحميم، لكن الآية كشفت أن عذاب الحميم يكون بتقطيع الأمعاء لا بتبديلها، وكذلك لو أخبرت الآية بأن الجلود تقطع إذا تعرضت للنار فإن الآلام ستتلاشى بوصولها إلى اللحم.
لكن الوصف لكيفية العذاب في الجلود وفي الأمعاء جاء من قبل الذي يعلم السر في تركيب الجلد والأمعاء، فليبقى العذاب في الجلد أخبر المولى بأنه يبدله، وليبقى العذاب في الأمعاء أخبر المولى بأنه يقطعها ليصل الحميم إلى النهايات العصبية الحساسة في الاحشاء، ويتأكد لنا بذلك مرة ثانية صدق الوصف ودقته كما يتأكد صدق الخبر الذي قيل قبل ١٤٠٠ عام، يوم لم يكن أحد يعلم شيئا عن تشريح الجلد أو الأمعاء «١» .
_________________
(١) فلو قالت الآية: كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ فقط لقال الكافرون: أمنا من العذاب لأن الجلود التي نضجت لا تتألم ولأن اللحم الذي تحت الجلود ليس فيه نهايات عصبية حساسة لآلام الحرارة وبهذا يبقى الإنسان في النار بغير ألم. ولو قال القرآن: «فسقوا ماء حميما فبدلناهم أمعاء غير أمعائهم» لقال الكافرون لقد نجونا بهذا من الألم لأن الأمعاء تحتوي على غشاء مخاطي يحول دون الإحساس بالام الحرارة، وتبديل الأمعاء بأمعاء جديدة يتضمن وجود غشاء مخاطي جديد غير حساس للحرارة فلا يتألم الكافر بأي شيء من العذاب لا بعذاب الجلد ولا بعذاب الأمعاء لكنه الوحي من الذي يعلم السر في خلقه وهو الشهيد على كل شيء سبحانه جاءنا بالأوصاف المناسبة لتحقيق استمرار العذاب للكافرين.
[ ٣٨٠ ]
[٥] اللفح:
أكرم ما في الإنسان وجهه، ولذلك نهانا الرسول ﷺ عن الضرب في الوجه، ومن إهانة الله لأهل النار أنهم يسحبون في النار ويكبون على وجوههم، قال تعالى: يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) [القمر: ٤٨] .
وقال تعالى: وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٠) [النمل: ٩٠]، وتلفح النار وجوههم فتشويها، قال تعالى:
وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ (١٠٣) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيها كالِحُونَ (١٠٤) [المؤمنون: ١٠٣- ١٠٤]، وأخرج الإمام أحمد في مسنده عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: وَهُمْ فِيها كالِحُونَ تشويه النار فتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه وتسترخي شفته السفلى حتى تضرب سرته) «١» .
وانظر إلى هذا المنظر الذي تقشعر لهوله الأبدان يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (٦٦) [الأحزاب: ٦٦] .
أرأيت كيف يقلب اللحم على النار والسمك في المقلى؟!، كذلك تقلب وجوههم في النار نعوذ بالله من عذاب أهل النار.
[٦] السحب في النار:
ومن أنواع العذاب الأليم سحب الكفار على وجوههم، ويزيد من آلامهم
_________________
(١) أخرجه أحمد في باقي مسند المكثرين من حديث أبي سعيد الخدري، والترمذي ك/ تفسير القرآن ب/ ومن سورة المؤمنون، وقال محققو المسند إسناده ضعيف لضعف أبي السمح- وهو دراج بن سمعان في روايته- عن أبي الهيثم وبقية رجاله ثقات ١٨/ ٣٥٠، وقد وثق أبا السمح يحيى بن معين وابن حبان وابن شاهين وقال عثمان الدارمي صدوق.
[ ٣٨١ ]
حال سحبهم في النار أنهم مقيدون بالقيود والأغلال والسلاسل، قال تعالى:
فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) .
[غافر: ٧٠- ٧١] .
قال قتادة: يسحبون مرة في النار وفي الحميم مرة «١» .
وقال: يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) .
[القمر: ٤٨] .
[٧] تسويد الوجوه:
يسود الله في الدار الآخرة وجوه أهل النار قال تعالى: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) [آل عمران: ١٠٦]، وهو سواد شديد كأنما حلت ظلمة الليل في وجوههم قال تعالى: وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٧) [يونس: ٢٢] .
قال تعالى: وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُها قَتَرَةٌ (٤١) أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢) [عبس: ٤٢] .
[٨] إحاطة النار بالكفار:
لما كانت الخطايا والذنوب تحيط بالكافر إحاطة السوار بالمعصم، فإن الجزاء من جنس العمل، ولذا فإن النار تحيط بالكفار من كل جهة، كما قال تعالى:
وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ [التوبة: ٤٩] .
_________________
(١) التخويف من النار، لابن رجب ص ١٤٧.
[ ٣٨٢ ]
إن النار تحيط بالكافرين من كل اتجاه، فلا أمل في مهرب ومخرج وعند ما يريد بعضهم الخروج ويأخذون ببعض الأسباب لذلك تعيدهم الملائكة إلى النار وتوبخهم. قال تعالى: كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ [السجدة: ٢٠] .
فالذين أحاطت بهم ذنوبهم ومعاصيهم فلم تبق لهم حسنة فمأواهم النار خالدين فيها، كما قال الله تعالى في الرد على اليهود الذين قالوا: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قال الله تعالى: بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٨١) [البقرة: ٨١] .
(٩) اطّلاع النار على الأفئدة:
إن النار تدخل في أجساد أهلها حتى تصل إلى أعمق شيء فيهم وهي الأفئدة.
قال تعالى: نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧) [الهمزة:
٦- ٧]، قال ثابت البناني عندما قرأ هذا الآية قال: تحرقهم النار إلى الأفئدة وهم أحياء «١» .
وقال تعالى: سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ (٢٧) لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩) [المدثر: ٢٦- ٢٩] .
قال بعض السلف في قوله: لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ: (تأكل العظم واللحم والمخ ولا تذره على ذلك) «٢» .
_________________
(١) التخويف من النار لابن رجب ص ١٤٧.
(٢) التخويف من النار لابن رجب ١٤٦.
[ ٣٨٣ ]
(١٠) اندلاق الأمعاء في النار:
في الصحيحين عن أسامة بن زيد ﵁ عن النبي ﷺ قال: (يؤتى بالرّجل يوم القيامة فيلقى في النّار فتندلق أقتاب بطنه فيدور بها كما يدور الحمار بالرّحى فيجتمع إليه أهل النّار فيقولون يا فلان ما لك ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر فيقول بلى قد كنت آمر بالمعروف ولا آتيه وأنهى عن المنكر وآتيه) «١» .
(١١) قيود أهل النار وأغلالهم وسلاسلهم ومطارقهم:
أعد الله لأهل النار في سلاسلا وأغلالا وقيودا ومطارقا قال تعالى:
إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالًا وَسَعِيرًا (٤) [الإنسان: ٤] .
والأغلال توضع في الأعناق: وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ [سبأ: ٣٣] والسلاسل نوع آخر من ألوان العذاب التي يسلكون فيها كما تسلك حبات الخرز في الخيط وقد روي عن ابن عباس قال: (تدخل في استه ثم تخرج من فيه ثم ينظمون فيها كما ينظم الجراد في العود حين يشوى) ووصف رسول الله ﵌ طول هذه السلسلة فقال: (لو أنّ رصاصة مثل هذه وأشار إلى مثل جمجمة أرسلت من السّماء إلى الأرض وهي مسيرة خمس مائة سنة لبلغت الأرض قبل اللّيل ولو أنّها أرسلت من رأس السّلسلة لسارت أربعين خريفا اللّيل والنّهار قبل أن تبلغ أصلها أو قعرها) «٢» قال تعالى: خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي
_________________
(١) أخرجه البخاري ك/ بدء الخلق ب/ صفة النار وأنها مخلوقة، ومسلم ك/ الزهد والرقائق ب/ عقوبة من يأمر بالمعروف ولا يفعله وينهى عن المنكر واللفظ له.
(٢) أخرجه أحمد في مسنده وقال محققو المسند إسناده حسن ١١/ ٤٤٣ رقم ٦٨٥٦ والترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي.
[ ٣٨٤ ]
سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا فَاسْلُكُوهُ (٣٢) [الحاقة: ٣٠- ٣٢] .
وقال تعالى: إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا وَجَحِيمًا (١٢) [المزمل: ١٢] .
والأنكال القيود سميت أنكالا لأن الله يعذبهم وينكل بهم بها، وأعد الله لأهل النار مقامع من حديد وهي المطارق التي تهوي على المجرمين، وهم يحاولون الخروج من النار فيعادون مرة أخرى إلى سواء الجحيم، قال تعالى: وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١) كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (٢٢) [الحج: ٢١- ٢٢] .
طعام أهل النار وشرابهم ولباسهم:
طعام أهل النار الضريع «١» والزقوم وشرابهم الحميم والغسلين والغساق قال:
ْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧) .
[الغاشية: ٦- ٧] .
وقال تعالى: لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥) هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (٥٦)
[الواقعة: ٥٢- ٥٦] .
شجرة الزقوم شجرة خبيثة جذورها تضرب في قعر النار، وفروعها تمتد في أرجائها وثمر هذه الشجرة قبيح المنظر ولذلك شبهه في آية أخرى برؤوس الشياطين وقد استقر في النفوس قبح رؤوسهم وإن كانوا لا يرونهم ومع خبث هذه الشجرة إلا أن أهل النار يلقى عليهم الجوع بحيث لا يجدون مفرّا من الأكل منها حتى تمتلئ بطونهم فإذا امتلأت أخذت تغلي في أجوافهم كغلي الزيت فإذا
_________________
(١) الضريع: قال ابن كثير عن مجاهد: (نبات يقال له: الشبرق يسميه أهل الحجاز الضريع إذا يبس وهو سم)، وقال قتادة: (من شر الطعام وأبشعه وأخبثه) انظر تفسير ابن كثير ٦/ ٤١٠.
[ ٣٨٥ ]
بلغت بهم الحال مبلغا اندفعوا إلى الحميم وهو الماء الشديد الحر الذي تناهى في حره فشربوا منه كشرب الإبل التي تشرب وتشرب ولا تروى لمرض أصابها وعند ذلك يقطّع الحميم أمعاءهم. قال تعالى: وَسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ.
[محمد: ١٥] .
وقال تعالى: وَلا طَعامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخاطِؤُنَ (٣٧) .
[الحاقة: ٣٦- ٣٧] .
قال ابن عباس ﵄ الغسلين: الدم، والماء يسيل من لحومهم، وقال علي بن أبي طلحة: الغسلين: صديد أهل النار.
قال تعالى: لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا وَلا شَرابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥) .
[النبأ: ٢٤- ٢٥] .
قال الربيع بن أنس: (فأما الحميم: فهو الحار الذي قد انتهى حره وحموه، والغساق: هو ما اجتمع من صديد أهل النار وعرقهم ودموعهم وجروحهم فهو بارد لا يستطاع من برده ولا يواجه من نتنه) «١» .
وأما لباس أهل النار فقال الله تعالى: فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ [الحج: ١٩] .
وقال تعالى: سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (٥٠) .
[إبراهيم: ٥٠] .
وكان يقول ابن عباس ﵄: القطران: النحاس المذاب، وعن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ: (النّياحة من أمر الجاهليّة وإنّ النّائحة إذا
_________________
(١) انظر تفسير ابن كثير ٦/ ٣٤١.
[ ٣٨٦ ]
ماتت ولم تتب قطع الله لها ثيابا من قطران «١» ودرعا «٢» من لهب النّار) «٣» وفي رواية مسلم قال ﵌: (النّائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال «٤» من قطران ودرع من جرب) «٥» .
أصناف المعذبين:
[١] المرتدون:
قال تعالى: وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢١٧) [البقرة: ٢١٧] .
[٢] المنافقون:
قال تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفَّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ (٦٨) [التوبة: ٦٨] .
وقال تعالى: إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا
[النساء: ١٣٥] .
[٣] الكفرة والمشركون:
قال تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٣٩) [البقرة: ٣٩] .
_________________
(١) القطران: مادة سوداء لزجة.
(٢) الدرع: القميص.
(٣) أخرجه ابن ماجه ك/ الجنائز ب/ النهي عن النياحة وقال محققه محمد فؤاد عبد الباقي في الزوائد إسناده صحيح ورجاله ثقات ٢/ ٥٠٤ ط المكتبة العلمية.
(٤) السربال: الثوب الطويل.
(٥) مسلم ك/ الجنائز ب/ التشديد في النياحة رقم ١٥٥٠.
[ ٣٨٧ ]
[٤] مضيعو الصلاة:
قال تعالى: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) [مريم: ٥٩] .
وقال تعالى: ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) .
[المدثر: ٤٢- ٤٣] .
قال تعالى: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ (٥) .
[الماعون: ٤- ٥] .
[٥] مانعو الزكاة:
قال تعالى: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (٣٥) [التوبة: ٣٤- ٣٥] .
[٦] الممتنعون عن الحج:
عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﵌: (من لم يمنعه عن الحجّ حاجة ظاهرة أو سلطان جائر أو مرض حابس فمات ولم يحجّ فليمت إن شاء يهوديّا وإن شاء نصرانيّا) «١» .
[٧] الكاذب على رسول الله ﷺ:
عن المغيرة بن شعبة، قال: قال رسول الله ﵌: (إنّ كذبا عليّ ليس ككذب على أحد، فمن كذب عليّ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النّار) «٢» .
_________________
(١) أخرجه الدارمي ك/ المناسك ب/ من مات ولم يحج إسناده جيد، ورواته ثقات.
(٢) البخاري ك/ الجنائز ب/ ما يكره على ومسلم ك/ مقدمة ب/ تغليظ الكذب على رسول الله واللفظ له.
[ ٣٨٨ ]
[٨] قاتل النفس التي حرم الله:
قال تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذابًا عَظِيمًا (٩٣) [النساء: ٩٣] .
[٩] قاتل نفسه:
عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجّأ «١» بها في بطنه في نار جهنّم خالدا مخلّدا فيها أبدا ومن شرب سمّا فقتل نفسه فهو يتحسّاه «٢» في نار جهنّم خالدا مخلّدا فيها أبدا ومن تردّى «٣» من جبل فقتل نفسه فهو يتردّى في نار جهنّم خالدا مخلّدا فيها أبدا) «٤» .
[١٠] آكل الربا:
قال تعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٧٥) [البقرة: ٢٧٥] .
[١١] مرتكب الكبائر:
عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (اجتنبوا السّبع الموبقات «٥»
_________________
(١) يتوجأ: يضرب أو يطعن.
(٢) يتحساه: يشربه ويتجرعه.
(٣) التردي: السقوط من علو.
(٤) البخاري ك/ الطب ب/ شرب السم والدماء. ومسلم ك/ الإيمان ب/ غلظ تحريم قتل الإنسان.
(٥) الموبقات: الذنوب المهلكة في نار جهنم.
[ ٣٨٩ ]
قالوا: يا رسول الله وما هنّ؟ قال: الشّرك بالله والسّحر وقتل النّفس الّتي حرّم الله إلا بالحقّ وأكل الرّبا وأكل مال اليتيم والتّولّي يوم الزّحف وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات) «١» .
[١٢] كما أن الله تعالى ورسوله ﵌ قد توعد بالنار كثيرا من أصناف العصاه الذين يخالفون أوامر الله تعالى والذين يتبعون رؤساء الضلال في ضلالهم والذين يتكبرون والذين يراؤن بالعمل الصالح والذين يأكلون أموال الناس بالباطل.
وكذلك الذين يعذبون الحيوان والكاسيات العاريات والذين يضربون الناس ظلما والذين يحكمون بالجور والظلم والذين يشربون في آنية الذهب والفضة والذين لا يتنزهون من البول والذين يمشون بالغيبة والنميمة.
سئل ابن تيمية رحمه الله تعالى: " ما عمل أهل النار؟ وما عمل أهل الجنة؟.
فأجاب﵀- عمل أهل النار: الإشراك بالله تعالى، والتكذيب بالرسل، والكفر، والحسد، والكذب والخيانة، والظلم، والفواحش، والغدر، وقطيعة الرحم، والجبن عن الجهاد، والبخل واختلاف السر والعلانية، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله والجزع عند المصائب، والفخر والبطر عند النعم، وترك فرائض الله، واعتداء حدوده، وانتهاك حرماته، وخوف المخلوق دون الخالق، والعمل رياء وسمعة، ومخالفة الكتاب والسّنّة: أي اعتقادا وعملا، وطاعة المخلوق في معصية الخالق والتعصب للباطل والاستهزاء بايات الله، وجحد الحق، والكتمان لما يجب إظهاره من علم وشهادة، والسحر، وعقوق الوالدين، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل مال اليتيم، والربا والفرار من الزحف
_________________
(١) أخرجه البخاري ك/ الوصايا ب/ قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْمًا.
[ ٣٩٠ ]
وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات" «١» .
حسرة أهل النار:
عندما يرى الكفار النار يندمون أشد الندم قال تعالى: وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٥٤) [يونس: ٥٤] .
عندما يطلع الكافر على صحيفة أعماله فيرى كفره وشركه الذي يؤهله للخلود في النار فإنه يدعو بالثبور والهلاك قال تعالى: وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُورًا (١١) وَيَصْلى سَعِيرًا (١٢) [الانشقاق: ١٠- ١٢] .
ويتكرر دعاؤهم بالويل والثبور والهلاك عندما يلقون في النار ويصلون حرها. قال تعالى: وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا (١٣) لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (١٤) [الفرقان: ١٣- ١٤] .
وهناك يعلو صراخهم ويشتد عويلهم قال تعالى: وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧) [فاطر: ٣٧] .
يعترفون في ذلك الوقت بظلالهم وكفرهم وقلة عقولهم قال تعالى:
وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ (١٠) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحابِ السَّعِيرِ (١١) [الملك: ١٠- ١١] .
قال تعالى: قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (١١) [غافر: ١١] .
_________________
(١) يقظة أولى الاعتبار ص ٢٢٢ بواسطة كتاب الجنة والنار للأشقر ص ٥٧.
[ ٣٩١ ]
ولكن طلبهم يرفض بشدة ويجابون بالتبكيت والتحقير. قال تعالى:
قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنَّا قَوْمًا ضالِّينَ (١٠٦) رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ (١٠٧) [المؤمنون: ١٠٦- ١٠٧] .
وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ فَتَكْفُرُونَ (١٠) [غافر: ١٠] .
ويتوجه أهل النار بعد ذلك بالنداء إلى خزنة النار يطلبون منهم أن يشفعوا لهم كي يخفف الله عنهم شيئا مما يعانونه. قال تعالى: وَقالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذابِ (٤٩) قالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فَادْعُوا وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ (٥٠) .
[غافر: ٤٩- ٥٠] .
وعند ذلك يسألون الشفاعة كي يهلكهم ربهم: وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ (٧٧) [الزخرف: ٧٧] .
إنه الرفض لكل ما يطلبون لا خروج من النار ولا تخفيف من عذابها ولا إهلاك بل هو العذاب الأبدي السرمدي الدائم ويقال لهم يوم ذاك، قال تعالى:
اصْلَوْها فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٦)
[الطور: ١٦] .
واستمع إلى عويلهم وهم في العذاب يقولون نادمين كما قال تعالى: يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (٦٦) وَقالُوا رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧) رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (٦٨) [الأحزاب: ٦٦- ٦٨] .
[ ٣٩٢ ]
شدة بكاء أهل النار:
بكاء أهل النار كثير ودموعهم تجري فيها السفن، ويشتد نحيبهم وتفيض دموعهم ويطول بكاؤهم، قال تعالى: فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢) [التوبة: ٨٢] .
وقال رسول الله ﵌: (إن أهل النار ليبكون حتى لو أجريت السفن في دموعهم لجرت وإنهم ليبكون الدم) «١» .
وذلك لأن الكافر يجعل الله جسمه ضخما حتى أنه ليسير الراكب بين كتفيه مسيرة ثلاثة أيام.
تخاصم أهل النار بعضهم البعض:
وذكر تخاصم أهل النار، فقال تعالى: وَإِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (٤٧) قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيها إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ (٤٨) [غافر: ٤٧- ٤٨] .
وقال تعالى: فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥) قالُوا وَهُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ (٩٨) [الشعراء: ٩٤- ٩٨] .
تبرؤ الشيطان من أتباعه في النار:
يتبرأ زعيم الغواية والضلال من أتباعه في النار، ويقف بين أتباعه خطيبا متبرآ منهم كما قال جل ثناؤه: وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك ٤/ ٦٠٥، وقال: حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي وهو في الصحيحة برقم ١٦٧٩، وقال الألباني﵀-: وحقه أن يزيد قوله على شرط الشيخين فإن رجاله كلهم من رجالهما.
[ ٣٩٣ ]
الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٢) [إبراهيم: ٢٢] .
محاولة أهل النار الخروج منها:
وعندما يعذب أهل النار ويذوقون ألوان العذاب فيها يحاولون الخروج منها هربا من ذلك العذاب، كما قال تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ (٣٧) [المائدة: ٣٧] .
وقال تعالى: وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النَّارُ كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠) .
[السجدة: ٢٠] .
الخلود في النار:
إن أهل النار سيخالدون فيها جزاء وفاقا لما كذبوا بايات ربهم وكذبوا رسله وتعدوا حدوده وارتكبوا المعاصي والذنوب رغم تحذير الله لهم وتحذير رسله، وماتوا وهم عازمين على نيه أنهم لو خلدوا في الحياة أبدا لكفروا بالله أبدا، فاستحقوا أن يخلدهم الله في النار أبدا.
وأهل النار الخالدون فيها لا يرحلون ولا يبيدون ولا يخفف عنهم من عذابها.
قال تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦) [فاطر: ٣٦] .
وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ
[ ٣٩٤ ]
وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١) خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢) .
[البقرة: ١٦١- ١٦٢] .
وقال رسول الله ﵌: (يجاء بالموت يوم القيامة كأنّه كبش أملح «١» فيوقف بين الجنّة والنّار، فيقال: يا أهل الجنّة هل تعرفون هذا؟، فيشرئبّون «٢» وينظرون ويقولون: نعم، هذا الموت، قال: ويقال:
يا أهل النّار هل تعرفون هذا؟، قال: فيشرئبّون وينظرون ويقولون: نعم، هذا الموت، قال: فيؤمر به فيذبح قال: ثمّ يقال: يا أهل الجنّة خلود فلا موت، ويا أهل النّار خلود فلا موت، قال: ثمّ قرأ رسول الله ﷺ «٣»:
وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٩) .
[مريم: ٣٩] .
وكتبه عبد المجيد الزّندانيّ غفر الله له ولوالديه ولسائر المسلمين
_________________
(١) كبش أملح: هو الذي بياضه غالب لسواده، انظر: لسان العرب ١٣/ ١٧١.
(٢) فيشرئبون: أي يرفعون رؤوسهم إلى المنادي، انظر: شرح النووي لصحيح مسلم ١٧/ ١٨٣.
(٣) مسلم ك/ الجنة وصفة نعيمها ب/ النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء عن ابن عمر ﵄.
[ ٣٩٥ ]