خطبة في التّعريف بمولده الشّريف، وقدره العليّ المنيف
الحمد لله بارئ أمشاج النّسم «١»، وفاتق رتاج الكمم «٢»، ومولج الأنوار في الظّلم، ومخرج الموجودات من العدم، خلق من صلصال «٣» كالفخّار آدم، ونجّى نوحا في السفينة من الغرق الّذي عمّ، وقال للنّار: كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلى إِبْراهِيمَ [سورة الأنبياء ٢١/ ٦٩] وهي تضطرم، وسلّم موسى من سطوة فرعون ونجّاه من اليمّ، وأنطق عيسى في المهد ببراءة مريم، وختم الأنبياء بمحمّد صلّى الله عليه وعليهم أجمعين وسلّم، وجعله سيّد ولد آدم، وأمّته خير الأمم.
أحمده على ما رزق وأنعم، وأفوّض أمري إليه تعالى فيما قضى وأبرم.
وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، شهادة من آمن به وأسلم. وأشهد أنّ محمّدا عبده المصطفى المكرّم، ورسوله
_________________
(١) المشيج: كلّ شيئين مختلطين. النّسم: الخلق والنّاس.
(٢) الرّتاج: الباب العظيم، (ج): رتج. الكمّ: برعوم الثّمرة. وأيضا: وعاء الطّلع، (ج): أكمام. والكمّ: بضمّ الكاف: مدخل اليد ومخرجها من الثّوب، (ج): أكمام، وكممة.
(٣) الصّلصال: طين يابس له صلصلة، أي: صوت.
[ ٥٣ ]
المجتبى المعظّم؛ أرسله/ إلى كافّة العرب والعجم، واختصّه بأحسن الأخلاق والشّيم.
اللهمّ صلّ على محمّد وعلى آله أهل الفضل والكرم، وأصحابه الموفّين بالعهود والذّمم.
أمّا بعد: فحقيق بيوم كان فيه وجود المصطفى ﷺ أن يتّخذ عيدا، وخليق بوقت أسفرت فيه غرّته أن يعقد طالعا سعيدا، فاتّقوا الله عباد الله، واحذروا عواقب الذّنوب، وتقرّبوا إلى الله تعالى بتعظيم شأن هذا النّبيّ المحبوب، واعرفوا حرمته عند علّام الغيوب، ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [سورة الحج ٢٢/ ٣٢] .
واعلموا أنّه ما أكرم أيّام مولده الشّريفة عند من عرف قدرها! وما أعظم بركتها عند من لاحظ سرّها!.
ففي شهر ربيع الأوّل انبثقت عن جوهرة الكون بيضة الشّرف.
وفي يوم الاثنين منه ظهرت الدّرّة المصونة من باطن الصّدف.
وفي ثاني عشره أبرز سابق السّعد من كمون «١» العدم، وب (مكّة) المشرّفة أنجز صادق الوعد بمضمون الكرم. حملت به أمّه في شهر رجب الأصمّ، ومات أبوه وحمله ما استتمّ، ثمّ أدّت ما حملته من الأمانة آمنة، وكانت ممّا تشكوه الحوامل آمنة.
فحينئذ أسفر «٢» صبح السّعادة وبدا، وبشّرت طلائعه بطلوع
_________________
(١) الكمون: الاختفاء والكتمان. يقال: كمن في المكان، أي: توارى واختفى. وكمنت النّاقة لقاحها، أي: كتمته.
(٢) أسفر: انجلى وانكشف.
[ ٥٤ ]
شمس الهدى، وطوّق جيد الوجود بعقود الإفضال، ودارت أفلاك السّعود بقطب دائرة الكمال، فوضعته ﷺ واضعا يديه على الأرض، رافعا رأسه إلى السّماء، مقطوع السّرّة، مختونا، منزّها عن قذر النّفاس، مكرّما.
فأضاءت له قصور (بصرى) من أرض الشّام. وخمدت نار الفرس الّتي يعبدونها، ولم تخمد منذ ألف عام. وانشقّ لهيبته حين ولد إيوان كسرى. وتواصلت من الرّهبان والكهّان هواتف البشرى، وأشرقت مطالع الأنوار بميمون وفادته، وتعبّقت أرجاء الأقطار بطيب ولادته، وخرّت الأصنام على وجوهها إذعانا لسيادته.
فأرضعته ثويبة- مولاة عمّه- أيّاما، ثمّ تولّته حليمة السّعديّة رضاعا وفطاما، فشملتها/ البركات بحضانته، ولم تزل تتعرّف منه الخيرات في مدّته، فدرّ ثديها عليه بعد أن كان عاطلا، وجادت شارفها «١» باللّبن بعد أن كانت لا تروي ناهلا «٢»، وأسرعت أتانها «٣» في السّير وقد كانت ثاقلا، وأخصبت بلادها وكانت قبل ذلك ماحلا.
ثمّ فصلته بعد أن تمّ له الحولان، وكان يشبّ شبابا «٤» لا يشبّه الغلمان، وظهرت لها في صغره مخائل «٥» نبوّته، وأخذه الملكان من بين الصّبيان، فشقّا من تحت صدره إلى سرّته، فاستخرجا منه علقة سوداء، وقالا: هذا حظّ الشّيطان، وغسلاه بماء الكوثر، ثمّ ختماه بالحكمة والإيمان.
_________________
(١) الشّارف: الناقة المسنّة.
(٢) شاربا واحدا. نهل الشّارب: شرب حتّى روي، فهو ناهل.
(٣) الأتان: الحمارة.
(٤) ينمو نموا سريعا. شبّ يشبّ شبابا وشبيبة: الفتاء والحداثة.
(٥) المخائل: الدّلائل. يقال: أخال فلان للخير، أي: ظهرت دلائله فيه.
[ ٥٥ ]
قلت: المشهور في الأحاديث الصّحيحة أنّهما غسّلاه بماء زمزم. فلذلك جزم البلقينيّ وغيره من المتأخّرين أنّ ماء زمزم أفضل من الكوثر.
ثمّ ماتت لسنّ تمييزه أمّه، وكفله جدّه، ثمّ عمّه، ولم يزل ﷺ ينشأ وعين العناية ترعاه وتحفظه ممّا يحذره ويخشاه، ومنحه الله تعالى منذ نشأ كلّ خلق جميل، وأحلّه من القلوب بالمحلّ الجليل، وعرف من بين أقرانه بالعفّة والصّيانة، وتميّز عند أهل زمانه بالصّدق والأمانة.
ولمّا أخذت مطالع بعثته في أفق سموّها، وآن لشمس نبوّته أن تطلع من علوّها؛ حبّبت إليه الخلوة للأنس بربّه. فكان يخلو في (حراء) ويتنعّم بقربه، وكانت تظهر له الأضواء والأنوار، وتسلّم عليه بالرّسالة الأحجار والأشجار.
ثمّ كان وحيه مناما، وتعليمه إلهاما، فكان لا يرى رؤيا إلّا جاءت مثل فلق الصّبح، ولا ينوي أمرا إلّا ظفر بالفوز والنّجح.
فلمّا بلغ الأربعين؛ جاءه جبريل الأمين من ربّه ذي الجلالة، بمنشور «١» النّبوّة والرّسالة، فأقرأه: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ [سورة العلق ٩٦/ ١- ٥] .
فمكث ﷺ ب (مكّة) ثلاث عشرة سنة، يدعوهم إلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة، فامن به من سبقت له السّعادة في دار البقاء، وكذّب به من كتب عليه في الأزل الشّقاء.
_________________
(١) المنشور: بيان بأمر من الأمور يذاع بين النّاس ليعلموه. (أنصاريّ) .
[ ٥٦ ]
ولعشر سنين من مبعثه الكريم؛ خصّه الله بالإسراء العظيم، فسار وجبريل مصاحب له إلى أعلى السّماوات العلى، وجاوز سدرة المنتهى، وشرف بالمناجاة في المقام/ الأسنى، ونال من القرب ما ترجم عنه: فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى [سورة النّجم ٥٣/ ٩] .
ثمّ هاجر إلى دار هجرته، ومأوى أنصاره وأسرته، فسلّ سيف الحقّ من غمده، وجاهد في سبيل الله غاية جهده، حتّى فتح الله له أقفال البلاد، ومكّنه من نواصي العباد «١»، وأظهر دينه على الدّين كلّه.
ثمّ توفّاه عند حضور أجله، إلى ما أعدّ الله له في جنّات النّعيم، من الكرامة والفوز العظيم.
فسبحان من حباه بأنواع الإكرام، وأرسله رحمة لجميع الأنام، وجعله سيّد ولد آدم ومعوّلهم، وخاتم النّبيّين وأوّلهم، ونسخ بشرعه الشّرائع، وملأ بذكره المسامع، وشرّف برسالته المنائر «٢» والمنابر، وقرن ذكره بذكره في لسان كلّ ذاكر، وذلّل كلّ صعب لطلّابه، وأمدّه بملائكته الكرام تجاهد في ركابه.
نسأل الله تعالى الّذي أكرمنا بظهوره، وأخرجنا من ظلمات الكفر بنوره: أن يجعلنا وإيّاكم ممّن شملته برحمته العناية، ولا حظته في جميع أحواله عين الرّعاية. وأن يشرّفنا في هذه الدّنيا بطاعته، واتّباع سنّته، واغتنام زيارته، ويحشرنا يوم القيامة في شفاعته وزمرته.
_________________
(١) النّواصي: النّاصية؛ مقدّم الرّأس.
(٢) المنائر: الماذن. وتجمع المنارة على القياس منارات، وعلى غير قياس: منائر.
[ ٥٧ ]
اللهمّ إنّا نتوجّه إليك، ونتشفّع إليك بحقّه عليك، فهو أوجه الشّفعاء لديك، وأكرم الخلق عليك: أن لا تدع لنا ذنبا إلّا غفرته، ولا همّا إلّا فرّجته، ولا ضرّا إلّا كشفته، ولا عدوّا إلّا كفيته، ولا شرّا إلّا صرفته، ولا خيرا إلّا يسّرته، ولا واليا إلّا أصلحته، ولا مجاهدا في سبيلك إلّا نصرته، ولا طالبا للخير إلّا أعنته، ولا حاجة هي لك رضى إلّا قضيتها. يا أرحم الرّاحمين.
[ ٥٨ ]
الباب الأوّل في سرد مضمون هذا الكتاب
ليتذكّر به أولوا الألباب من ذكر مولده ﷺ إلى وفاته، وما بينهما من معجزاته وغزواته، بحيث لو اقتصر عليه مقتصر لأغناه عمّا فصّلناه في سائر الكتاب وفرطناه.
قال علماء السّير: ولد نبيّنا محمّد ﷺ في ربيع الأوّل، / يوم الاثنين- بلا خلاف-، لثنتي عشرة ليلة خلت منه على الأشهر «١»، وأرضعته حليمة السّعديّة، وفصلته لحولين كاملين، وقدمت به (مكّة)، ثمّ رجعت به إلى بلد (بني سعد) لحرصها عليه، وشقّ صدره ﷺ في العام الخامس وهو عندهم.
ثمّ قدمت به بعده لمّا تخوّفت عليه، وكانت مدّة إقامته عندهم نحو خمسة أعوام.
وفي السّنة السّادسة من مولده ﷺ: خرجت به أمّه معها إلى (المدينة)، فأقامت به شهرا، ثمّ رجعت به فماتت ب (الأبواء) «٢»
_________________
(١) ذكر محمود باشا الفلكي في «التّقويم العربي قبل الإسلام»، ص ٣٦- ٣٩: أنّ ولادة الرّسول ﷺ كانت في صبيحة يوم اثنين التّاسع من شهر ربيع الأوّل، الموافق لعشرين من (نيسان) عام الفيل سنة إحدى وسبعين وخمس مئة ميلاديّة. (أنصاريّ) .
(٢) الأبواء: قرية من أعمال الفرع من المدينة، بينها وبين الجحفة ممّا يلي المدينة ثلاثة وعشرون ميلا. (معجم معالم الحجاز ج ١/ ٣٦) .
[ ٥٩ ]
- بموحّدة- بين (مكّة والمدينة) .
وفي السّنة السّابعة: وفد جدّه عبد المطّلب على سيف بن ذي يزن الحميريّ، فأخبره سيف والكهّان بنبوّة محمّد ﷺ.
وفي السّنة الثّامنة: توفّي جدّه عبد المطّلب، وكفله عمّه أبو طالب.
وفي الثّالثة عشرة: خرج به عمّه أبو طالب إلى (الشّام)، فلمّا بلغوا (بصرى)، رآه بحيرا الرّاهب- بفتح الموحّدة وكسر المهملة ممدودا- فتحقّق فيه صفات النّبوّة، فأمر عمّه بردّه، فرجع به.
وفي الرّابعة عشرة: كانت حرب الفجار- بكسر الفاء- بين قريش وهوازن، وكانت الدّائرة لهوازن على قريش، فشهدها النّبيّ ﷺ مع قومه يوما، فانقلبت الدّائرة لقريش على هوازن.
ثمّ عقدت قريش حلف الفضول لنصرة المظلوم، فشهده مع قومه.
وفي الخامسة والعشرين: خرج ﷺ مع ميسرة- غلام خديجة ﵂- في تجارة لها، فرآه نسطور- بفتح النّون- الرّاهب، فقال: (أشهد أنّ هذا نبيّ، وأنّه آخر الأنبياء) . فلمّا رجعا أخبرها ميسرة بذلك، وبما شاهد منه ﷺ، فخطبته إلى نفسها، فنكحها.
وفي الخامسة والثّلاثين: بنت قريش الكعبة، ووضع ﷺ الحجر الأسود في مكانه.
وفي الثّامنة والثّلاثين: حبّب الله إليه الخلوة، فكان يخلو بغار (حراء)، ثمّ كان يرى الأنوار، ويسمع الهواتف، ثمّ كان تسلّم عليه الأحجار/ والأشجار.
وقبل مبعثه ﷺ بستّة أشهر كان وحيه مناما، وكان لا يرى رؤيا
[ ٦٠ ]
إلّا جاءت مثل فلق الصّبح- أي: الصّبح المفلوق «١» -.
ولمّا بلغ ﷺ أربعين سنة: جاءه جبريل ﵇ بالوحي من ربّه ﷿ بسورة: اقرأ، ثمّ [القلم، ثمّ] المدّثّر، ثمّ المزّمّل، فكان في أوّل أمره يدعو النّاس إلى الله ﷿ سرّا حتّى أنزل الله عليه: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ [سورة الحجر ١٥/ ٩٤]- أي: شقّ جموعهم بالتّوحيد- فأظهر الدّعوة.
وفي السّنة الخامسة من مبعثه ﷺ: هاجر جماعة من الصّحابة، منهم: عثمان والزّبير وعبد الرّحمن وجعفر ﵃ ومن معهم إلى (الحبشة)، فأقاموا بها عشر سنين.
وفي السّنة السّادسة من مبعثه ﷺ: أسلم حمزة وعمر ﵄، فعزّ بإسلامهما الإسلام.
وفي السّنة السّابعة لمستهلّ المحرّم منها: تعاهدت قريش على قطيعة بني هاشم، إلّا أن يسلموا إليهم النّبيّ ﷺ ويبرؤوا منه، وكتبوا بذلك بينهم صحيفة، وعلّقوها في الكعبة.
فاعتزل بنو هاشم بن عبد مناف، وتبعهم إخوانهم بنو المطّلب بن عبد مناف مع أبي طالب إلى شعب أبي طالب، فأقاموا به نحو ثلاث سنين، إلى أن سعى المطعم بن عديّ بن نوفل بن عبد مناف، وزمعة بن الأسود بن [المطّلب بن] أسد في نقض الصّحيفة، فخرج بنو هاشم وبنو المطّلب من الشّعب في أواخر السّنة التّاسعة.
وفي السّنة العاشرة: مات أبو طالب، ثمّ ماتت بعده خديجة ﵂ بثلاثة أيّام، فحزن ﷺ لموتهما حزنا شديدا، ونالت
_________________
(١) رؤيا واضحة. فلق الله الصّبح: أبداه وأوضحه.
[ ٦١ ]
قريش منه ﷺ ما لم تكن تناله في حياة عمّه أبي طالب.
فخرج النّبيّ ﷺ إلى (الطّائف)، وأقام بها شهرا يدعو ثقيفا إلى الله تعالى، فردّوا عليه قوله، وأغروا «١» به عند انصرافه سفهاءهم، فرجع إلى (مكّة) فلم يدخلها إلّا بجوار المطعم بن عديّ.
وفي السّنة الحادية عشرة/: اجتهد ﷺ في عرض نفسه على القبائل في الموسم، فامن به ستّة من رؤساء الأنصار، ورجعوا إلى (المدينة)، ففشا فيها الإسلام.
وفي السّنة الثّانية عشرة- في رجب منها أو رمضان-: أسرى به مولاه من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثمّ إلى سدرة المنتهى. وفي تلك اللّيلة فرض الله عليه وعلى أمّته الخمس صلوات.
وفي آخر تلك السّنة في الموسم: وافاه اثنا عشر رجلا من الأنصار ب (العقبة) ليلا، فبايعوه بيعة النّساء المذكورة في قوله تعالى: عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ الآية [سورة الممتحنة ٦٠/ ١٢]، وبعث معهم مصعب بن عمير يقرئهم القرآن، فأسلم على يديه السّعدان: سعد بن معاذ سيّد الأوس، وسعد بن عبادة سيّد الخزرج، فأسلم لإسلامهما كثير من قومهما.
وفي السّنة الثّالثة عشرة- في آخرها في الموسم-: وافاه سبعون رجلا من مسلمي الأنصار فبايعوه عند (العقبة) أيضا، على أن يمنعوه إن هاجر إليهم ممّا يمنعون منه أنفسهم ونساءهم وأبناءهم، وأخرجوا له اثني عشر نقيبا؛ تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس، ثمّ رجعوا إلى (المدينة) .
فأمر النّبيّ ﷺ حينئذ أصحابه بالهجرة إلى (المدينة)، فهاجروا
_________________
(١) أغرى به: أولع، وحرّض عليه، والمقصود: حرّضوا عليه سفهاءهم.
[ ٦٢ ]
إليها، وأقام ﷺ ينتظر الإذن من ربّه تعالى في الهجرة، وحبس معه عليّا وأبا بكر ﵄.
فاجتمعت قريش في دار النّدوة للمشاورة في أمر النّبيّ ﷺ، فأجمعوا على قتله، فنزل جبريل ﵊ بالوحي من عند الله تعالى، فأخبره بذلك، وأمره بالهجرة إلى (المدينة)، فهاجر إليها. وذلك في أواخر صفر من السّنة المذكورة- الرّابعة عشرة- لتمام ثلاث عشرة من مبعثه ﷺ.
ودخل ﷺ من عوالي (المدينة)، يوم الاثنين، الثّاني عشر من ربيع الأوّل، فلبث في (قباء) عند بني عمرو بن عوف أربع عشرة/ ليلة، وبنى فيها مسجد (قباء)، ثمّ انتقل فنزل في بني النّجار، أخوال جدّه عبد المطّلب؛ في منزل أبي أيّوب الأنصاريّ شهرا، إلى أن بنى مسجده الشّريف ومساكنه.
وفي تلك السّنة، وهي الأولى من سنيّ الهجرة: شرع الأذان.
وفي أوّل السّنة الثّانية أو آخر الأولى؛ نزل قوله تعالى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ. تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الآيات [سورة الصّف ٦١/ ١٠- ١١]؛ فأمر بالجهاد.
وفي السّنة الثّانية في رجب، نزل قوله تعالى: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [سورة البقرة ٢/ ١٤٤]؛ فحوّلت القبلة إلى الكعبة، بعد أن صلّى إلى بيت المقدس نحو ستّة عشر شهرا.
وفي شعبان منها-[أي: السّنة الثّانية]-: نزل قوله تعالى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ الآيات [سورة البقرة ٢/ ١٨٣]؛ ففرض صوم رمضان، وفرض فيه ﷺ صدقة الفطر.
[ ٦٣ ]
وفيها أيضا-[أي: السّنة الثّانية]- في يوم الجمعة السّابع عشر من رمضان: كانت وقعة (بدر) الكبرى، وهي يوم الفرقان، يوم التقى الجمعان، ونزلت سورة الأنفال في قسمة غنائمها.
وفيها-[أي: السّنة الثّانية]- بعد (بدر): أمر النّبيّ ﷺ بقتل كعب ابن الأشرف الطّائيّ وأمّه من بني النّضير، وهو في حصن من (يثرب)، فقتله خمسة من الأوس، عليهم محمّد بن مسلمة- بفتح الميم واللّام-.
ثمّ أمر [ﷺ] بقتل أبي رافع بن أبي الحقيق، وهو في حصن ب (خيبر)، فقتله سبعة من الخزرج، عليهم عبد الله بن عتيك- بتقديم الفوقيّة على التّحتيّة، كعظيم-.
وفيها-[أي: السّنة الثّانية]-: نقضت يهود (المدينة) - بنو قينقاع رهط عبد الله بن سلام الحبر الإسرائيليّ- العهد، فحاصرهم النّبيّ ﷺ حتّى نزلوا على حكمه، فاستوهبهم منه عبد الله بن أبيّ ابن سلول «١»، وكانوا حلفاءه، فوهبهم له.
وفي السّنة الثّالثة، في شوّال، في اليوم الخامس عشر منه: كانت وقعة (أحد)، فأكرم الله تعالى فيها من أكرم بالشّهادة؛ ومنهم: حمزة ﵁، ونزل قوله تعالى: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ/ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ إلى آخر السّورة [سورة آل عمران ٣/ ١٢١] .
وفيها-[أي: السّنة الثّالثة]- بعد (أحد): بعث النّبيّ ﷺ عاصم بن ثابت في عشرة عينا «٢»، فلمّا كانوا في بعض الطّريق
_________________
(١) عبد الله بن أبيّ ابن سلول؛ كتابة (ابن سلول) بالألف، ويعرب بإعراب عبد الله؛ فإنّه وصف ثان له، لأنّه عبد الله بن أبيّ. وهو عبد الله ابن سلول أيضا، فأبيّ أبوه، وسلول أمّه، فنسب إلى أبويه. (أنصاريّ) .
(٢) في ابن هشام: ستّة نفر. والأصحّ ما أثبته المؤلّف﵀- وهم ستّة من المهاجرين وأربعة من الأنصار، (أخرجه البخاريّ، برقم (٢٨٨٠)،
[ ٦٤ ]
ب (الرّجيع) وهو ماء لهذيل بين (عسفان ومرّ الظّهران) «١» ظفر بهم بنو لحيان بعد أن أعطوهم العهد بالأمان، فقتلوا منهم ستّة، وهرب اثنان، وأسروا اثنين، وهما: خبيب بن عديّ، وزيد بن الدّثنّة، فباعوهما ب (مكّة) لقريش، فاشتروهما وقتلوهما.
وفيها أيضا-[أي: السنة الثّالثة]- بعد (أحد) «٢»: بعث النّبيّ ﷺ مع عامر بن مالك العامريّ ملاعب الأسنّة «٣» سبعين رجلا، وهم القرّاء بجواره، فقتلهم قبائل سليم: عصيّة ورعل وذكوان، وأخفروا «٤» جوار عامر بن مالك، فقنت النّبيّ ﷺ يدعو
_________________
(١) عن أبي هريرة ﵁)، وقد أورد المؤلّف بعث الرّجيع ضمن أحداث السّنة الثّالثة للهجرة. والّذي ترجّح أنّها من أحداث السّنة الرّابعة. والله أعلم.
(٢) مرّ الظّهران: وهو في معاجم الجغرافية العربيّة (وادي فاطمة)؛ يقع في الشّمال الشّرقي لمكّة، بعيدا عنها ب ٢٨ كيلومتر منها، وهو أكبر الوديان سعة، وأكثرها خصبا وما آ، وأوفرها قرى وسكّانا ومساكن، يصب فيه تسعون واديا من أودية مكّة الكبار والصّغار، فهو مجمع الأودية، وطوله نحو ثمانين كيلو مترا. ويبتدئ وادي فاطمة من المناعمة شرقا بجنوب، وينتهي بجدّة غرب مكة، وتهبط مياهه من جبل (برد) وهو أعلى فرع له من جهة الجنوب، ويهبط بعض مياهه كذلك من وادي نخلة (اليمانيّة) من البوباة (البهيتة) . وكذلك يصب فيه وادي نخلة (الشامية) من الناحية الغربيّة، ويصبّ فيه وادي (حورة) أيضا، وكذلك وادي (علاف) من ناحية الشّمال، ووادي (العشر) ووادي (سرف) الذي به قبر السّيّدة ميمونة أمّ المؤمنين ﵂، كلاهما يفيضان على وادي فاطمة. ولعل لإقامة الأشراف الهاشميين من بني فاطمة ﵂ أثرا في تغليب اسم (وادي فاطمة) على اسم (مرّ الظهران) .
(٣) أيضا أورد المؤلّف وقعة بئر معونة ضمن أحداث السّنة الثّالثة للهجرة. والّذي ترجّح أنّها من أحداث السّنة الرّابعة. والله أعلم.
(٤) وسمّي عامر بن مالك ملاعب الأسنّة يوم السّوبان، والأسنّة: جمع سنان، وهو الرّمح، فكان عامر ملاعب الرّماح.
(٥) أخفروا: نقضوا العهد وغدروا.
[ ٦٥ ]
عليهم وعلى بني لحيان.
وكانوا أطلقوا عمرو بن أميّة الضّمريّ، فلمّا رجع وجد اثنين من بني عامر فقتلهما ومعهما جوار من النّبيّ ﷺ لم يعلم به، فوداهما «١» النّبيّ ﷺ.
وفيها أو في الرّابعة «٢»: قصد النّبيّ ﷺ بني النّضير ليستعينهم في دية الرّجلين اللّذين قتلهما عمرو بن أميّة الضّمريّ، فاستند إلى جدار حصن لهم، فهمّوا بطرح حجر عليه، فنزل جبريل ﵇ فأخبره بذلك، فقام موهما لهم أنّه غير ذاهب، ثمّ صبّحهم ﷺ بالجيش فجلاهم «٣» إلى (الشّام) .
وفيهم نزلت سورة الحشر: هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ [سورة الحشر ٥٩/ ٢] إلى آخرها، فجلوا إلى (الشّام)، إلّا حييّ بن أخطب فلحق ب (خيبر) .
وفي السّنة الرّابعة: خرج النّبيّ ﷺ بأصحابه في شهر رمضان «٤» في موعد [مع] أبي سفيان له يوم (أحد) إلى (بدر)، فلم يأته أبو سفيان وقومه، فرجع النّبيّ ﷺ.
وفيها-[أي: السّنة الرّابعة]-: كانت غزوة ذات الرّقاع، فخرج ﷺ إلى (نجد) يريد غطفان، فالتقى بهم ولم يكن قتال، فنزلت:
وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ الآيات [سورة النّساء ٤/ ١٠٢] .
_________________
(١) وداهما: دفع ديتهما.
(٢) والصّواب: الرّابعة، لأنّ غزوة بني النضير كانت بعد أحد بستّة أشهر. والله أعلم.
(٣) جلاهم: أخرجهم من ديارهم.
(٤) أجمع أهل السّير على أنّ خروج النّبيّ ﷺ كان في شعبان. ويسمّى ب (غزوة بدر الآخرة) . والله أعلم.
[ ٦٦ ]
فصلّوا صلاة الخوف.
ولمّا قفل ﷺ منها- أي: رجع- نام تحت/ شجرة وقت القيلولة، وتفرّق عنه النّاس، وعلّق سيفه بالشّجرة، فهمّ غورث بن الحارث بقتله به، فعصمه الله منه، ونزل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ [سورة المائدة ٥/ ١١]، في ذلك أو في قصّة بني النّضير «١» .
وفي السّنة الرّابعة «٢»: بلغه أنّ بني المصطلق من خزاعة أجمعوا لحربه، فخرج ﷺ إليهم حتّى لقيهم ب: (المريسيع) «٣» - مصغّرا بمهملات- وهو ماء لهم من ناحية (قديد) «٤» - مصغّرا بقاف ومهملة مكرّرة- وهو مكان بين (مكّة والمدينة)، فهزمهم، وسبى أموالهم وذراريّهم، واصطفى منهم أمّ المؤمنين جويريّة بنت الحارث المصطلقيّة ﵂.
ولمّا قفل ﷺ منها ازدحم المهاجرون والأنصار على ماء.
وكان من أمر عبد الله بن أبيّ ابن سلول ما كان من قوله: لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ [سورة المنافقون ٦٣/ ٨]،
_________________
(١) قال القشيري: وقد تنزل الآية في قصّة، ثمّ ينزل ذكرها مرّة أخرى لادّكار ما سبق.
(٢) قلت: ترجّح أنّها في السّنة الخامسة. والله أعلم.
(٣) المريسيع: قرية من قرى وادي القرى وهو من ناحية قديد إلى الشّام، (الزّهر المعطار، ص ٥٣٢) .
(٤) قديد: في الجنوب الشّرقي عن رابغ، تبعد عنها بمرحلة وربع (سبعة وعشرون ميلا) . ويسكنها بنو زبيد، وبها عيون ونخيل وبساتين، وبقربها إلى جهة البحر كان صنم (مناة) منصوبا.
[ ٦٧ ]
فنجم نفاقه- أي: ظهر- ونزلت فيه سورة (المنافقون) .
ولمّا دنا ﷺ من (المدينة) تخلّفت عائشة ﵂ عن الجيش ليلا في قضاء حاجة لها، فرحلوا هودجها ولم يشعروا بها، فقال فيها أهل الإفك ما قالوا، ونزلت عشر الآيات من سورة النّور:
إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ [سورة النّور ٢٤/ ١١] .
وفيها-[أي: السّنة الخامسة]-: كانت وقعة الخندق- وهي الأحزاب أيضا- في شوّال سنة [خمس] «١» بعد غزوة (بدر) الصّغرى، وكان المشركون فيها أحد عشر ألفا، واشتدّ الحصار على أهل (المدينة)، وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ [سورة الأحزاب ٣٣/ ١٠] كما حكى الله عنهم، وكانت مدّة الحصار نحو شهر، ثمّ كشف الله عنهم بما ذكره في قوله: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْها [سورة الأحزاب ٣٣/ ٩]، ونزلت سورة الأحزاب.
ووقع في أيّام (الخندق) ما وقع من معجزاته ﷺ الباهرة، كحديث الكدية «٢» - بضمّ الكاف- الّتي اعترضت، فهدّها النّبيّ ﷺ بالمعول.
وحديث جابر حيث دعا النّبيّ ﷺ خامس خمسة/ إلى عناق «٣» وصاع من شعير، فأشبع من ذلك جيش الخندق كلّه؛ وهم ألف فأكثر.
وحديث أبي طلحة حيث بعث أنسا بأقراص تحت إبطه فأشبع منها ﷺ ثمانين رجلا جياعا.
_________________
(١) في المخطوط: أربع.
(٢) الكدية: قطعة صلبة غليظة، لا تعمل فيها الفأس. (النّهاية، ج ٤/ ١٥٦) .
(٣) العناق: الأنثى من أولاد الماعز ما لم يتمّ لها سنة. (النّهاية، ج ٣/ ٣١١) .
[ ٦٨ ]
وكانت بنو قريظة معاهدين له ﷺ فنقضت العهد في مدّة الحصار، وأعانوا المشركين.
فلمّا هزم الله الأحزاب وانقضى الحصار، جاء جبريل ﵊ إلى النّبيّ ﷺ وقت القيلولة «١»، فأمره بالخروج إليهم، فخرج ﷺ فحاصرهم.
فأرسلوا إلى أبي لبابة ﵁ يستشيرونه، فكان من أمره ﵁ ما كان، فلمّا اشتدّ بهم الحصار نزلوا على حكم سعد بن معاذ ﵁، وكانوا حلفاءه، وكان قد أصيب بسهم يوم (الخندق)، فحكم فيهم بقتل رجالهم وسبي نسائهم وذراريّهم وقسمة أموالهم، فقال ﷺ: «لقد وافقت حكم الله تعالى» «٢» ثم مات ﵁، فاهتزّ العرش لموته ﵁ فرحا بقدوم روحه.
وفي السّنة الخامسة: زوّجه الله تعالى زينب بنت جحش أمّ المؤمنين ﵂، كما نطق به القرآن: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ الآيات [سورة الأحزاب ٣٣/ ٣٧] .
وفيها: -[أي: السّنة السّادسة]- خرج ﷺ معتمرا في ذي القعدة، فصدّته قريش عن البيت، فوقعت بيعة الرّضوان. ثمّ صلح الحديبية عشر سنين، وفيه:
أنّه لا يأتيه أحد مسلما إلّا ردّه إليهم.
_________________
(١) القيلولة: الاستراحة نصف النّهار، وإن لم يكن معها نوم. (النّهاية، ج ٤/ ١٣٣) .
(٢) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٨٩٥)، عن أبي سعيد الخدري ﵁. بنحوه.
[ ٦٩ ]
وأنّ بني بكر في صلحهم، وخزاعة في صلحه ﷺ.
وألّا يدخل (مكّة) إلّا من عام قابل.
فنحر هديه وحلق ورجع ﷺ، ونزلت سورة الفتح: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ الآيات [سورة الفتح ٤٨/ ١٨] .
وفيها-[أي: السّنة السّادسة]-: انفلت أبو بصير- بموحّدة ومهملة، كعظيم- إلى (المدينة) مسلما، فردّه النّبيّ ﷺ فقتل واحدا من الرّجلين اللّذين رجعا به، وانفلت، فلحق بسيف البحر «١»، فانفلت إليه أبو جندل- بجيم ونون- ابن سهيل بن عمرو ورجال من المسلمين/ المستضعفين ب (مكّة)، فاجتمعت منهم عصابة، فقطعوا سبيل قريش إلى (الشّام)، حتّى سألت قريش من النّبيّ ﷺ أن يضمّهم إليه، ومن جاءه فهو آمن، فضمّهم إليه.
وفيها-[أي: السّنة السّابعة]- أسلم جماعة من رؤساء قريش منهم: عمرو بن العاص وخالد بن الوليد ﵄، بعد أن أسلم عمرو ب (الحبشة) على يد النّجاشيّ «٢» .
وفيها-[أي: السّنة السّابعة]- أرسل النّبيّ ﷺ رسله بكتبه إلى ملوك الأقاليم.
_________________
(١) سيف البحر: ساحله.
(٢) أورد ابن هشام هذا الخبر إثر غزوة بني قريظة، لأنّ ذهاب عمرو بن العاص إلى النّجاشيّ كان بعد غزوة الخندق، وقد ذكر هنا قبل فتح مكّة؛ لأنّ خالد بن الوليد كان في خيل المشركين يوم الحديبية، وقد ذكر البيهقي في «الدّلائل»، وابن سعد في «الطّبقات»، والهيثميّ في «مجمع الزّوائد»، وغيرهم أنّ إسلام هؤلاء الصّحابة كان في أوائل سنة ثمان. والله أعلم.
[ ٧٠ ]
ومنهم: عبد الله بن حذافة السّهميّ، بعثه بكتابه إلى كسرى فمزّقه، فدعا عليهم أن يمزّقوا كلّ ممزّق «١» .
ومنهم: دحية بن خليفة الكلبيّ ﵁، بعثه بكتابه إلى قيصر [ملك الرّوم]، فوجد عنده أبا سفيان، فاستدعاه قيصر، فسأله عن صفات النّبيّ ﷺ وشرائع دينه، فأخبره أبو سفيان بها، فاعترف قيصر بنبوّته ﷺ، ولم يوفّق للإسلام، لعدم مساعدة جنوده له مع شقاوته، فوقع الإسلام من يومئذ في قلب أبي سفيان.
وفي السّنة السّادسة «٢» في المحرّم منها: افتتح النّبيّ ﷺ (خيبر) بعد أن حاصرهم سبع عشرة ليلة، ثمّ قسم أموالهم نصفين، نصفا لنوائبه «٣» ونصفا بين المسلمين «٤» .
وقدم عليه جعفر فيمن بقي من مهاجرة (الحبشة) ﵃، فأسهم لهم.
وأهدت إليه اليهوديّة «٥» الشّاة المصليّة- أي: المشويّة- المسمومة، فأخبره الذّراع بذلك.
واصطفى ﷺ من سبايا (خيبر) أمّ المؤمنين صفيّة بنت حييّ
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٦٤)، عن ابن عبّاس ﵄.
(٢) قلت: ترجّح أنّها في السّنة السّابعة. والله أعلم.
(٣) نوائبه: جمع نائبة؛ وهي ما ينوب الإنسان، أي: ما ينزل به من المهمّات والحوادث.
(٤) أخرج البخاريّ، برقم (٢٣٦٦)، عن عبد الله ﵁ قال: أعطى رسول الله ﷺ خيبر اليهود، أن يعملوها ويزرعوها، ولهم شطر ما يخرج منها.
(٥) وهي: زينب بنت الحارث، امرأة سلّام بن مشكم، وابنة أخي مرحب. (أنصاريّ) .
[ ٧١ ]
الإسرائيليّة الهارونيّة ﵂.
وفي ذي القعدة منها-[أي: السّنة السّابعة]-: اعتمر ﷺ عمرة القضاء، وأقام ب (مكّة) ثلاثا، ثمّ رجع فدخل ﷺ بميمونة بنت الحارث الهلاليّة، أمّ المؤمنين ﵂ خالة ابن عبّاس، وذلك ليلة منصرفه من (مكّة) ب (سرف) «١» - ككتف، بموحّدة وسين مهملة- وهو بين (التّنعيم «٢» ومرّ الظّهران)، وبذلك المكان كان موتها وقبرها ﵂.
وفي السّنة السّابعة: اتّخذ له المنبر ﷺ، / وكان من قبل يخطب إلى جذع نخلة، فحنّ إليه الجذع، حتّى مسح عليه وضمّه إليه.
وفيها-[أي: السّنة السّابعة]- في رجب: قدم عليه وفد عبد القيس يسألونه عن الإسلام، ورئيسهم الأشجّ «٣» - بمعجمة وجيم- فأثنى عليه النّبيّ ﷺ وعليهم خيرا.
وفي السّنة الثّامنة في جمادى الأولى منها: كانت غزوة مؤتة- بفوقيّة مضمومة الميم مهموزة [الواو]- وهي قرية من قرى (البلقاء) من أرض (الشّام)، فأكرم الله فيها جعفرا وزيدا وابن رواحة وجماعة ﵃ بالشّهادة، ثمّ أخذ الرّاية خالد بن الوليد ﵁، ففتح الله على يديه، وانحاز بالمسلمين، وكانوا ثلاثة آلاف، وكان هرقل ملك الرّوم في مئتي ألف.
_________________
(١) سرف: موضع على ستّة أميال من مكّة شمالا.
(٢) التّنعيم: واد يقع شمال مكّة بقمّة جبال بشم شرقا وجبل الشهيد جنوبا. وهو ميقات لمن أراد العمرة من المكيين. وفيه مسجد عائشة ﵂. يقع على مقربة ستّة أميال شمالا من المسجد الحرام على طريق المدينة، (معالم مكّة ص ٥٠- ٥١) .
(٣) واسمه: المنذر بن الحارث العبديّ.
[ ٧٢ ]
وفيها-[أي: السّنة الثامنة]- في رمضان: كان فتح (مكّة) .
وسبب انتقاض الصّلح: أنّ قريشا أعانت حلفاءهم (بني بكر) على (خزاعة) حلفاء النّبيّ ﷺ، فقدم أبو سفيان (المدينة) يطلب من النّبيّ ﷺ صلحا، فلم يجبه إليه، فرجع، وقدم عمرو بن سالم الخزاعي الكعبيّ يستنصر النّبيّ ﷺ على قريش، فأجابه إلى ذلك، وتجهّز النّبيّ ﷺ إلى (مكّة) في عشرة آلاف، فلمّا بلغ (الجحفة) «١» - بجيم مضمومة ثمّ حاء مهملة ساكنة- على ثلاث مراحل من (المدينة) لقيه عمّه العبّاس ﵁ مهاجرا بأهله، فردّه معه، وكان قد أسلم بعد (بدر)، واستأذن النّبيّ ﷺ في أن يقيم ب (مكّة) على سقاية الحاجّ، فأذن له. ولقيه أيضا ابن عمّه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطّلب قد أقبل مسلما، معتذرا ممّا كان جرى منه، فردّه معه. وأخذ الله العيون على قريش بدعوته ﷺ «٢»، فلم يشعر أحد بخروجه ﷺ إليهم.
فلمّا بلغ (مرّ الظّهران) أدركت العبّاس الرّقّة على قومه، فركب بغلة النّبيّ ﷺ بإذنه ليخبرهم أن يأخذوا أمانا منه ﷺ، فلقي أبا سفيان بن حرب في نفر من قريش/ خرجوا يتطلّعون، وذلك في اللّيل، فردّهم إلى (مكّة)، وأتى بأبي سفيان إلى النّبيّ ﷺ فأسلم، ثمّ أصبح ﷺ فدخل (مكّة) ضحى من أعلاها، وذلك لعشر بقين من رمضان، وأقام بها ثمانية عشر يوما يقصر الصّلاة.
_________________
(١) الجحفة: وهو واد يبتدىء من شرق رابغ من ناحية الجبال، ويصبّ جنوب رابغ في البحر، ببعد ثلاث ساعات. وهو ميقات حجّاج (مصر والشّام)؛ إن لم يمرّوا على (المدينة)، وكانت الجحفة قرية تاريخيّة، وهي الآن خربة، وبها آثار القرية المعمورة، وأطلال قصر أثريّ مبنيّ بالحجارة السوداء؛ اسمه (قصر العلياء) .
(٢) ودعاؤه ﷺ: «اللهمّ خذ العيون والأخبار عن قريش» .
[ ٧٣ ]
ثمّ بلغه أنّ (هوازن) اجتمعت لحربه في أربعة آلاف، عليهم مالك بن عوف النّصريّ «١»، فخرج ﷺ إليهم لعشرين [من] شوّال، في عشرة آلاف جيش الفتح، وألفين ممّن أسلم يوم الفتح، فكانوا اثني عشر ألفا، فأعجبتهم كثرتهم، فقالوا: لن نغلب اليوم من قلّة، فلم تغن عنهم كثرتهم شيئا، ووجدوا المشركين قد كمنوا لهم في شعاب (حنين) وهو واد بين (مكّة والطّائف)، فلمّا توسّط المسلمون فيه شدّوا عليهم ورشقوهم بالنّبل، وكانوا رماة، فانهزم المسلمون، وثبت النّبيّ ﷺ في جماعة، فنزل عن بغلته وأخذ كفّا من الحصى فرمى به في وجوه المشركين فانهزموا، ونصر الله المسلمين، فغنموا ذراريّهم وأموالهم، وكانوا قد جعلوهم معهم ليقاتلوا دونهم، فانهزم منهم طائفة عليهم: دريد بن الصّمّة، وساقوا المال والذّراريّ، فأدركهم أبو عامر الأشعري في سريّة ب (أوطاس) فهزموهم بعد أن قتل أبو عامر ﵁ ولحق أكثرهم ب (الطّائف)، فتوجّه النّبيّ ﷺ إلى (الطّائف) وقاتلهم قتالا شديدا، وحاصرهم بضعا وعشرين ليلة، فلم يظفر بهم، فدعا لهم بالهداية ورجع، فأتوه بعد رجوعه إلى (المدينة) مسلمين على يدي مالك بن عوف.
ولمّا قفل ﷺ من (الطّائف) قسم غنائم (حنين) ب (الجعرانة) «٢» - على مرحلتين من (مكّة) -.
ثمّ أحرم منها بعمرة، وذلك في ذي القعدة، فدخل (مكّة) فقضى نسكه.
_________________
(١) في الأصل: عوف بن مالك النّصري، وهو كذلك أينما ورد في الأصل.
(٢) الجعرانة: قرية صغيرة في صدر وادي (سرف)، فيها مسجد يعتمر منه أهل مكّة المكرّمة، تقع شمال شرقي مكّة المكرّمة، على قرابة ٢٤ كيلا. وتقع على ١١ كيلا شمالا عدلا من طريق اليمانية، (معالم مكّة ص ٦٤- ٦٥) .
[ ٧٤ ]
ثمّ رجع إلى (المدينة) فدخلها في آخر ذي القعدة، فولد له ﷺ في ذي الحجّة إبراهيم، وعاش ثلاثة أشهر ثمّ مات، وانكسفت الشّمس يوم موته، وذلك وقت الضّحى في أوّل ربيع من سنة/ [تسع] «١»، فقال النّاس: انكسفت الشّمس لموت إبراهيم، فجمع [ﷺ] النّاس وصلّى بهم صلاة الكسوف، ثمّ خطب بهم فقال: «إنّ الشّمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته» «٢» .
وفي السّنة التّاسعة: دخل النّاس في دين الله أفواجا، كما أخبر الله تعالى بذلك، وجعله علما على وفاته ﷺ.
ووفدت عليه الوفود؛ فمنهم: وفد (بني حنيفة)، في جمع كثير، عليهم: مسيلمة الكذّاب، وأبى أن يسلم إلّا أن يجعل له النّبيّ ﷺ الأمر من بعده، ورجع خائبا.
ومنهم: وفد (نجران)، وكانوا نصارى، فحاجّوه في عيسى ﵊ أنّه ابن الله لكونه خلقه من غير أب، فنزلت:
إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ [سورة آل عمران ٣/ ٥٩]- أي: من غير أمّ ولا أب-.
ونزلت آية المباهلة- أي: الملاعنة-: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ الآية [سورة آل عمران ٣/ ٦١]، فقال لهم رئيساهم- السّيّد «٣» والعاقب «٤» -: لاتفعلوا،
_________________
(١) والراجح أنّها سنة عشر. انظر تعليقنا ص ٣٦٤.
(٢) أخرجه البخاريّ، برقم (١٠٠١) . عن أبي بكرة ﵁.
(٣) السّيّد: رئيسهم ومفتيهم، واسمه: الأيهم.
(٤) العاقب: أمير القوم. واسمه: عبد المسيح.
[ ٧٥ ]
ثمّ صالحوه على الجزية، وقالوا: ابعث معنا رجلا أمينا من أصحابك، فقال: «لأبعثنّ معكم [رجلا] أمينا حقّ أمين»، فبعث معهم أبا عبيدة بن الجرّاح ﵁، وقال: «هذا أمين هذه الأمّة» «١» .
ومنهم: وفود (اليمن)، فأسلموا، فقال: «أتاكم أهل (اليمن)، هم أرقّ أفئدة، وألين قلوبا، الإيمان يمان، والحكمة يمانية» «٢» وبعث معهم معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعريّ ﵄.
وقدم عليه: كعب بن زهير ﵁، وكان النّبيّ ﷺ قد أهدر دمه لشعر عرّض فيه بالنّبيّ ﷺ، فأسلم واعتذر إليه ممّا كان منه، وأنشده في المسجد قصيدته المشهورة: (بانت سعاد) فقبل عذره وكساه بردته ﷺ.
وفيها-[أي: السّنة التّاسعة]-: كانت غزوة (تبوك) إلى (الشام) لقتال الرّوم، فخرج ﷺ في سبعين ألفا من المسلمين، وخلّف على (المدينة) عليّا ﵁، فقال: أتخلّفني في الصّبيان والنّساء؟ فقال ﷺ: «ألا ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنّه لا نبيّ بعدي» «٣» /.
فلمّا بلغ (تبوك) وهي أدنى بلاد الرّوم، أقام بها بضع عشرة ليلة، ولم يلق عدوّا، وصالح جملة من أهل تلك النّاحية على الجزية.
ثمّ رجع إلى (المدينة) وجاءه المنافقون يعتذرون إليه لتخلّفهم
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٤١١٩) . عن حذيفة بن اليمان ﵁.
(٢) أخرجه البخاريّ، برقم (٤١٢٧) . عن أبي هريرة ﵁. وتتمّته: «والفخر والخيلاء في أصحاب الإبل، والسّكينة والوقار في أهل الغنم» .
(٣) أخرجه مسلم، برقم (٢٤٠٤/ ٣١) . عن سعد بن أبي وقّاص ﵁.
[ ٧٦ ]
عنه، وقد سمّاه الله: جيش العسرة، وحلفوا له بالكذب، فقبل عذرهم ووكل سرائرهم إلى الله تعالى، ففضحهم الله تعالى بما أنزله في سورة براءة، كقوله: وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ. فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ. فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ [سورة التّوبة ٩/ ٧٥- ٧٧] وغير ذلك، فسمّيت الفاضحة.
وأمّا الثّلاثة الّذين خلّفوا وصدقوه، واعترفوا بأنّهم لا عذر لهم فخلّف أمرهم إلى قضاء الله تعالى فيهم، وهم: كعب بن مالك، وهلال بن أميّة، ومرارة- بالضّم- ابن الرّبيع، فتاب الله عليهم، فسمّيت سورة التّوبة.
وفيها-[أي: السّنة التّاسعة]- في رجب: نعى لهم النّبيّ ﷺ النّجاشيّ «١»، وصلّى عليه في المصلّى جماعة.
وفي خاتمة هذه السّنة: [أي: السّنة التّاسعة]- أمر النّبيّ ﷺ أبا بكر ﵁ أن يحجّ بالنّاس، فسار بهم، ثمّ بعث بعده عليّا ﵁ ليبرأ من المشركين بصدر سورة براءة يوم الحجّ الأكبر، فنبذ إلى كلّ مشرك عهده.
وفي السّنة العاشرة: حجّ ﷺ حجّة الوداع، وحجّ بأزواجه كلّهنّ، وبخلق كثير، فحضرها من الصّحابة أربعون ألفا ﵃، فودّع [ﷺ] النّاس وحذّرهم وأنذرهم، وقال: «إنّ الله حرّم عليكم دماءكم وأموالكم وأعراضكم، كحرمة يومكم هذا، في
_________________
(١) واسمه: أصحمة.
[ ٧٧ ]
شهركم هذا، في بلدكم هذا» ثمّ قال: «ألا هل بلّغت» قالوا:
نعم. قال: «اللهمّ اشهد» «١» .
ثمّ قفل النّبيّ ﷺ إلى (المدينة) فدخلها في أواخر ذي الحجّة، فلبث بها المحرّم وصفر.
ثمّ أمر النّاس في أوّل ربيع بالجهاد إلى (الشّام)، وأمّر عليهم أسامة بن زيد بن حارثة ﵃، فأخذوا في جهازهم؟
فمرض النّبيّ ﷺ وثقل مرضه، فأقاموا ينتظرون أمره، فتوفّي ﷺ لتمام عشر سنين من هجرته، في السّنة الحادية عشرة، ضحى يوم الاثنين، ثاني عشر من ربيع الأوّل، في الوقت واليوم والشّهر الّذي دخل فيه (المدينة) «٢»، ودفن يوم الثّلاثاء بعد العصر/ صلّى الله وسلّم عليه، وزاده فضلا وشرفا لديه.
فهذا جملة ما اشتمل عليه كتابنا هذا ملخّصا من سيرته ﷺ، من مولده إلى وفاته، وسيأتي ذلك مفصّلا في موضعه إن شاء الله تعالى، مع ذكر ما سبق ذكره ممّا اشتمل عليه الكتاب أيضا، كالخطبة البليغة السّابقة، وخطبة الجهاد اللّاحقة، والأحاديث الواردة في فضل الجهاد، وشرف (مكّة والمدينة) بلدي مولده ووفاته ﷺ، وشرف نسبه، وماثر آبائه وحسبه، ومن بشّر به قبل ظهوره، إلى ما اشتمل عليه من قواعد الدّين الكلّيّة، كنسخ دينه ﷺ لكلّ دين، وتفضيله على جميع النّبيّين والمرسلين، وجملة من معجزاته الباهرة، وفضائل الصّحابة ﵃، ثمّ ذكر ما اشتمل عليه الكتاب أيضا من عباداته ﷺ لربّه، وشكره له بلسانه
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (١٦٥٤) . عن أبي بكرة ﵁.
(٢) انظر تعليقنا على ذلك، ص ٣٩٠.
[ ٧٨ ]
وقلبه، ﷺ، وشرّف وكرّم ومجّد وعظّم.
ولي من قصيدة مسمّطة «١» هذه الأبيات، [من الوافر]:
ألا يا أيّها الحادي إذا ما أتيت قباب طيبة والخياما «٢»
فخيّم واقر ساكنها السّلاما وقبّل من منازله العتابا «٣»
هناك فهنّ نفسك بالوصول وقل يا نفس مأمولي وسولي
رسول الله يا لك من رسول قفي وردي مناهله العذابا «٤»
ومرّغ حول ذاك القبر خدّا وقدّ مرائر الأشواق قدّا «٥»
ونح ممّا اقترفت أسى ووجدا لما اجترحت جوار حك اكتسابا «٦»
_________________
(١) المسمّطّ من الشّعر: أبيات مشطورة تجمعها قافية واحدة. وأشهر أنواعه: المربّع؛ وهو أن يبتدئ الشّاعر قصيدته ببيت مصرّع، ثمّ يأتي بثلاثة أقسام على رويّ واحد، ثمّ يعيد قسما واحدا من مثل ما ابتد. به مقفّى.
(٢) الحادي: الّذي يسوق الإبل بالحداء. طيبة: اسم لمدينة الرّسول ﷺ، يقال لها: طيبة وطابة؛ من الطّيب. وهي الرّائحة الحسنة لحسن رائحة تربتها فيما قيل. والطّاب والطّيب لغتان. وقيل: من الشّيء الطّيّب، وهو الطّاهر الخالص بخلوصها من الشّرك وتطهيرها منه. وقيل: لطيبها لساكنيها ولأمنهم ودعتهم فيها. وقيل: من طيب العيش بها، من طاب الشّيء؛ إذا وافق [معجم البلدان ٤/ ٥٣ (أنصاريّ)] .
(٣) العتبة: خشبة الباب الّتي يوطأ عليها، وكلّ مرقاة.
(٤) المناهل: مفردها: منهل، وهو الموضع الّذي فيه المشرب. والورد: الإشراف على الماء وغيره. وأيضا: الماء الّذي يؤتى إليه.
(٥) مرّغ: قلّب ونزّه خدّك كي يكون لوجهك بريق وضياء. المرّة: مؤنث المرّ، ضد الحلوة. (ج) مرائر، على غير قياس.
(٦) اجترحت: اكتسبت.
[ ٧٩ ]
وقل يا خير من ركب البراقا «١» وأكرم من علا السّبع الطّباقا
أتيتك كي تحلّ لي الوثاقا ذنوبا قد دهت قلبي المصابا
فأنت الشّافع المقبول حقّا وكم لك معجزات ليس ترقى
قد اتّضحت لنا غربا وشرقا وأعيت كلّ ذي فهم حسابا
أتتنا في ولادك كلّ بشرى غداة تساقط الأصنام قسرا «٢»
/ وزلزل هيبة إيوان كسرى وأضحى عرش دولته خرابا
وفي بضع السّنين شرحت صدرا وظلّلت الغمامة منك حرّا
وجاءت معجزات منك تترى رأى الرّهبان منهنّ العجابا
إلى أن أشرقت شمس اليقين تمام الأربعين من السّنين
وأزهر كوكب الحقّ المبين ونجم الشّرك والبهتان غابا «٣»
أتاك الحقّ من ربّ العباد فقمت مشمّرا ساق الجهاد
تبيّن للورى طرق الرّشاد وتتلو الوحي فيهم والكتابا
بحقّك سل إلهك أن يكونا لنا عونا على الأعدا معينا
ومن كلّ الأذى حصنا حصينا ويكفينا برحمته العذابا
_________________
(١) البراق: دابّة ركبها رسول الله ﷺ ليلة المعراج.
(٢) قسرا: قهرا.
(٣) البهتان: كذب يبهت سامعه لفظاعته. (أنصاريّ) .
[ ٨٠ ]
الباب الثّاني في شرف مكّة والمدينة بلدي مولده ونشاته ووفاته، وهجرته ﷺ وشرف قومه ونسبه، وماثر آبائه وحسبه
أمّا شرف (مكّة والمدينة) اللّتين هما مهبط الوحي والتّنزيل:
فأعلم- طهّر الله قلبي وقلبك، ووفر في هذا النّبيّ الكريم حبّي وحبّك- أنّ الله ﷾ قد أكرم هذا النّبيّ الكريم بأصناف الكرامة، ووفر من كلّ خير أقسامه، واختار له من كلّ شيء خياره، وأعلى على جميع الأوّلين والآخرين مناره، فجعله خير الأنبياء، وأمّته خير الأمم، ولغته خير اللّغات، وكتابه خير الكتب، وقبيلته خير القبائل، وبلاده أفضل بلاد الله وأكرمها عليه وعلى عباده.
[فضل مكة المكرمة]
أمّا (مكّة) البلد الحرام، فقال الله تعالى في فضلها: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا وَهُدىً لِلْعالَمِينَ. فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِنًا الآية [سورة آل عمران ٣/ ٩٦- ٩٧] .
ومن الآيات البيّنات فيه: (الحجر الأسود)، و(الحطيم) «١»، وانفجار ماء زمزم بعقب جبريل ﵇، وأنّ شربه شفاء للأسقام، وغذاء للأجسام، بحيث يغني عن الماء والطّعام.
ومن فضلها: ما ثبت في الحديث الصّحيح؛ أنّ الصّلاة
_________________
(١) الحطيم: وهو حجر الكعبة؛ سمّي الحطيم بذلك لأنّ البيت ربّع وترك محطوما. ومكانه بين القوس الدّائري وجدار الكعبة من جهة الميزاب.
[ ٨١ ]
/ الواحدة فيها- بل في سائر الحرم- بمئة ألف صلاة في غيرها سوى (المدينة) «١» .
فائدة في فضل الصّلاة في مكّة على الصّلاة في غيرها
حسب العلماء ذلك فبلغت صلوات اليوم واللّيلة ب (مكّة) في مدّة ثلاثة أيّام، وهي خمس عشرة صلاة، بألف ألف صلاة، وخمسين ألف ألف صلاة في غيرها، وذلك كصلوات نحو ألف سنة، فمن أقام ب (مكّة) ثلاثة أيّام وهي أقلّ ما يقيمه الحاجّ، يعبد الله، فكأنّه عبد الله في غيرها ألف سنة، وكأنّه عمّر عمر نوح ﵇ في طاعة الله تعالى.
وهذه إحدى المنافع الّتي في قوله تعالى: لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ [سورة الحج ٢٢/ ٢٨] بصيغة الجمع، فما ظنّك بالوقوف والطّواف وغير ذلك، ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [سورة الحديد ٥٧/ ٢١] .
وقال ﷺ عند انصرافه من (مكّة) بعد فتحها: «والله إنّك لخير أرض الله، وأحبّ أرض الله إلى [الله]، ولولا أنّي أخرجت منك ما خرجت»، رواه التّرمذيّ، وقال: حديث [حسن غريب] صحيح «٢» .
وكانت العرب في الجاهليّة تحترم (الحرم) بحيث يمشي القاتل
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في «سننه»، برقم (١٤٠٦) . عن جابر بن عبد الله ﵄، أنّ رسول الله ﷺ قال: «صلاة في مسجدي أفضل ألف صلاة فيما سواه، إلّا المسجد الحرام. وصلاة في مسجد الحرام أفضل من مئة ألف صلاة فيما سواه» .
(٢) أخرجه التّرمذيّ، برقم (٣٩٢٥) . عن عبد الله بن عديّ ﵁.
[ ٨٢ ]
فيه مع وليّ المقتول، ويقف السّبع عن الظّبي ونحوه من الصّيد إذا دخل (الحرم)، وذلك بدعاء إبراهيم ﵊، إذ قال: رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ [سورة البقرة ٢/ ١٢٦] .
ومن فضلها: أنّها مولد المصطفى ﷺ، ومسقط رأسه، ومنشأه، وأقام بها ثلاثا وخمسين سنة قبل هجرته.
ومن فضلها: تحريمها المشار إليه بقوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ [سورة العنكبوت ٢٩/ ٦٧] وقوله تعالى: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ [سورة القصص ٢٨/ ٥٧] . وقوله ﷺ: «إنّ هذا البلد حرّمه الله يوم خلق السّماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه ولا ينفّر صيده» الحديث، متّفق عليه «١» .
[فضل المدينة المنوّرة]
وأمّا (المدينة) الشّريفة: فهي دار الهجرة، وذات الرّوضة والحجرة.
وثبت أنّه ﷺ قال: «إنّ الإيمان ليأرز- أي: ينضمّ، بتقديم الرّاء على الزّاي- إلى (المدينة)، كما تأرز الحيّة إلى جحرها»، متّفق عليه «٢» /.
وأنّه ﷺ قال: «(المدينة) حرم من كذا إلى كذا- ولمسلم: «من عير إلى ثور» - لا يقطع شجرها، ولا يحدث فيها حدث، من أحدث
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (١٥١٠) . عن ابن عبّاس ﵄. لا يعضد شوكه: لا يقطع. لا ينفّر صيده: يزعج من مكانه أو يصاد.
(٢) أخرجه البخاريّ، برقم (١٧٧٧) . ومسلم، برقم (١٤٧/ ٢٣٣) . عن أبي هريرة ﵁. ليأرز: ينضمّ أهله ويجتمعون.
[ ٨٣ ]
فيها حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والنّاس أجمعين» متّفق عليه «١» .
وثور: جبل صغير خلف (أحد) من جهة الشّمال. «٢» .
ولأحمد: «ما بين عير إلى أحد» «٣» وعير مقابل لأحد.
وأنّه ﷺ قال: «(المدينة) تنفي النّاس كما تنفي الكير خبث الحديد»، متّفق عليه «٤» .
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (١٧٦٨) . عن أنس ﵁. ورواية مسلم، برقم (١٣٧٠/ ٤٦٧)، عن إبراهيم التّيميّ، عن أبيه.
(٢) إنّ تعريف المؤلّف- رحمه الله تعالى- جبل ثور على هذا النّحو يتّفق مع الحقيقة الواقعيّة، وهو ما يتّفق مع قول الرّسول ﷺ في تحديد حرم المدينة في الحديث الّذي أخرجه مسلم: «المدينة حرم ما بين عير وثور» . ولقد وهم أبو عبيد البكري في كتابه «معجم ما استعجم»، وابن الأثير في كتابه «النّهاية في غريب الحديث»، وياقوت الحموي في كتابه «معجم البلدان» بنكران وجود جبل بهذا الاسم في المدينة، وتأكيد وجوده في مكّة، وهو الجبل الّذي يحتوي على غار ثور الّذي أوى إليه الرّسول ﷺ في طريق هجرته إلى المدينة. والحقيقة الّتي لا لبس فيها؛ أنّ في حدود حرم مكّة جبلا بهذا الاسم، وفي حدود حرم المدينة جبل بالتّسمية ذاتها، ولذلك لا لزوم لكلّ التّأويلات الّتي أخذ بها بعضهم في شرح هذا الحديث. وقد أولى المرحوم محمّد فؤاد عبد الباقي هذا الموضوع كلّ العناية في البحث لدفع هذا الخطأ، وجاء بشتّى الأدلّة والأقوال الّتي تزيل الارتياب وتثبت الحقيقة معتمدا على ما أورده القدامى في هذا الموضوع، وما أخذ به المحدّثون في دراساتهم الطبوغرافيّة لحرمي مكّة والمدينة، ممّا يصحّ الرّجوع إليه. (أنصاريّ) .
(٣) أخرجه أحمد في «مسنده»، برقم (٦١٦) . عن عليّ بن أبي طالب ﵁. وليس عنده: «إلى أحد» .
(٤) أخرجه البخاريّ، برقم (١٧٧٢) . ومسلم برقم (١٣٨٢/ ٤٨٨) . عن أبي هريرة ﵁.
[ ٨٤ ]
وأنّه ﷺ قال: «لا يكيد أهل (المدينة) أحد إلّا انماع- أي:
انذاب- كما ينماع الملح في الماء»، متّفق عليه «١» .
وأنّه ﷺ قال: «على أنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها الطّاعون ولا الدّجّال»، متّفق عليه «٢» .
وأنّه ﷺ قال: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه، إلّا المسجد الحرام»، متّفق عليه «٣» .
وأنّه ﷺ قال: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنّة، ومنبري على حوضي»، متّفق عليه «٤» .
[المفاضلة بين مكّة والمدينة]
ولا خلاف بين العلماء في أنّ هذين البلدين أفضل بلاد الله على الإطلاق، وإنّما اختلفوا في أيّهما أفضل. والجمهور على تفضيل (مكّة) على (المدينة)، إلّا موضع قبره الشّريف، فأجمعوا أنّه أفضل تربة في الأرض، لما ورد أنّ كلّا يدفن في تربته الّتي خلق منها «٥»، وهو ﷺ أفضل الخلق، فتربته أفضل تربة في الأرض.
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (١٧٧٨) . ومسلم برقم (١٣٨٧/ ٤٩٤) . عن سعد بن أبي وقّاص ﵁.
(٢) أخرجه البخاريّ، برقم (١٧٨١) . ومسلم برقم (١٣٧٩/ ٤٨٥) . عن أبي هريرة ﵁. أنقاب: (جمع تلّة للنقب)؛ وهو الطّريق بين الجبلين.
(٣) أخرجه البخاريّ، برقم (١١٣٣) . ومسلم برقم (١٣٩٤/ ٥٠٥) . عن أبي هريرة ﵁.
(٤) أخرجه البخاريّ، برقم (١١٣٨) . ومسلم برقم (١٣٩١/ ٥٠٢) . عن أبي هريرة ﵁.
(٥) والّذي ورد أنّ النّبيّ ﷺ قال: «ما قبض نبي إلّا دفن حيث يقبض» . أخرجه ابن ماجه برقم (١٦٢٨) . عن ابن عبّاس ﵄.
[ ٨٥ ]
وأفضل موضع في (مكّة): (الكعبة)، ثمّ (المسجد)، ثمّ (دار خديجة) ﵂، لأنّه أقام فيها نحو ثمانية وعشرين عاما.
وما أحسن قول القاضي عياض- رحمه الله تعالى- في وصف تلك الرّياض- أعني (مكّة والمدينة) -: (وجدير بمواطن عمّرت بالوحي والتّنزيل، وتردّد في عرصاتها «١» جبريل، وعرجت منها الملائكة والرّوح، وضجّت فيها بالتّقديس والتّسبيح، [وانتشر عنها من دين الله وسنّة رسوله ما انتشر]، مدارس وآيات، ومشاهد الفضل والخيرات، ومعاهد البراهين والمعجزات، ومناسك الدّين، ومواقف سيّد المرسلين، حيث انفجرت النّبوّة/ والرّسالة، وفاض عبابها «٢»، وأوّل أرض مسّ جلد المصطفى ترابها؛ أن تعظّم عرصاتها، وتتنسّم «٣» نفحاتها، وتقبّل ربوعها وجدرانها) «٤» .
وقال القاضي عياض- رحمه الله تعالى- في معنى ذلك شعرا، [من الكامل] «٥»:
يا دار خير المرسلين ومن به هدي الأنام وخصّ بالآيات
_________________
(١) العرصات: (جمع عرصة)؛ وهي كلّ موضع واسع لا بناء فيه. (أنصاريّ) .
(٢) العباب: كثرة الماء والسّيل.
(٣) تنسّم: طلب النّسيم واستنشقه. (أنصاريّ) .
(٤) الشّفا، ج ٢/ ١٣٢- ١٣٣.
(٥) وروي أنّ القاضي عياضا- رحمه الله تعالى- لم يحج ولم يزره ﷺ، فقال هذه الأبيات متحسّرا.
[ ٨٦ ]
عندي لأجلك لوعة وصبابة وتشوّق متوقّد الجمرات «١»
وعليّ عهد إن ملأت محاجري من تلكم الجدران والعرصات «٢»
لأعفّرنّ مصون شيبي بالثّرى من كثرة التّقبيل والرّشفات «٣»
لكن سأهدي من حفيل تحيّتي لقطين تلك الدّار والحجرات «٤»
أذكى من المسك المعنبر نفحة تغشاه بالآصال والبكرات «٥»
وأمّا شرف قومه ونسبه، وماثر آبائه وحسبه ﷺ فهي دوحة شرف، أصلها ثابت وفرعها في السّماء، وعمود نبوّة يصدع بنوره حجاب الظّلماء.
وقد قال الله تعالى: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ [سورة التّوبة ٩/ ١٢٨] . ومعنى: مِنْ أَنْفُسِكُمْ- بضم الفاء- أي:
منكم، ومِنْ أَنْفُسِكُمْ- بفتحها- أي: من خياركم.
_________________
(١) اللّوعة: حرقة في القلب، وألم يجده الإنسان من حبّ أو همّ أو حزن. الصّبابة: رقّة الشّوق وحرارته.
(٢) المحجر: ما أحاط بالعين.
(٣) التّعفير: التّمريغ بالعين. الرّشفات: جمع رشفة- وهي مصّ الريق. وفسّر هنا بالتّقبيل.
(٤) الحفيل: بمعنى كثير.
(٥) في «الشفا»: المفتّق.
[ ٨٧ ]
قال العلماء: لم تكن قبيلة من العرب إلّا ولها وصلة بالنّبيّ ﷺ، إمّا ولادة أو قرابة.
وقال ﷺ: «بعثت من خير قرون بني آدم، قرنا فقرنا، حتّى كنت من القرن الّذي كنت فيه»، رواه البخاريّ «١» .
وقال ﷺ: «إنّ الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم»، رواه التّرمذيّ، وقال: حديث [حسن] صحيح «٢» .
[النسب الأكبر لنبينا ﷺ]
قال البخاريّ: (وهو ﷺ أبو القاسم محمّد بن عبد الله بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف- أي: بفتح الميم- بن قصيّ- أي: بضمّ القاف مصغّرا- ابن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤيّ- أي: مصغّرا- ابن غالب بن فهر- أي: بكسر الفاء- ابن مالك بن النّضر- أي: بضاد معجمة- ابن كنانة بن خزيمة- أي: مصغّرا بالمعجمتين- ابن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معدّ بن عدنان) «٣» /.
قلت: وهذا النّسب متّفق عليه بين العلماء، وفيما بعده- من عدنان إلى إسماعيل بن إبراهيم، ثمّ من إبراهيم إلى نوح، ثمّ من نوح إلى آدم ﵈- اختلاف وزيادة ونقصان.
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٣٦٤) . عن أبي هريرة ﵁.
(٢) أخرجه التّرمذيّ، برقم (٣٦٠٥) . عن واثلة بن الأسقع ﵁.
(٣) ذكره البخاريّ في «الصّحيح»، كتاب فضائل الصّحابة، باب: مبعث النّبيّ ﷺ، (٥٧) .
[ ٨٨ ]
وروى ابن سعد في «طبقاته»: أنّه ﷺ كان إذا انتسب لم يجاوز في نسبه معدّ بن عدنان بن أدد ثمّ يمسك ويقول: «كذب النّسّابون» ويقول: قال الله تعالى وَقُرُونًا بَيْنَ ذلِكَ كَثِيرًا [سورة الفرقان ٢٥/ ٣٨] «١» .
قال العلماء: وبطون قريش هم ولد النّضر بن كنانة، وهم قومه الّذين شرّفهم الله به في قوله تعالى: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ [سورة الزّخرف ٤٣/ ٤٤]- أي: ثناء وشرف- وهم عشيرته الأقربون في قوله:
وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [سورة الشّعراء ٢٦/ ٢١٤] لما في «صحيحي البخاريّ ومسلم» أنّه ﷺ لمّا نزلت هذه صعد على الصّفا فجعل ينادي: «يا بني فهر، يا بني عديّ، يا بني عبد مناف- لبطون قريش-: اشتروا أنفسكم من الله، لا أغني عنكم من الله شيئا» الحديث «٢» .
واتّفق أهل الجاهليّة والإسلام على أنّ قريشا أفضل العرب، وأنّ بني عبد مناف أفضل قريش، وأنّ بني هاشم أفضل بني عبد مناف، وأنّه ﷺ أفضل بني هاشم، وفي ذلك يقول عمّه أبو طالب، [من الطّويل] «٣»:
إذا اجتمعت يوما قريش لمفخر فعبد مناف سرّها وصميمها «٤»
_________________
(١) ابن سعد، ج ١/ ٥٦.
(٢) أخرجه البخاريّ، برقم (٢٦٠٢) . ومسلم برقم (٢٠٦) . عن أبي هريرة ﵁ بنحوه.
(٣) ابن هشام، ج ١/ ٢٦٩.
(٤) سرّها: وسطها. صميمها: خالصها.
[ ٨٩ ]
وإن حصّلت أشراف عبد منافها ففي هاشم أشرافها وقديمها
وإن فخرت يوما فإنّ محمّدا هو المصطفى من سرّها وكريمها
[صفة عبد الله بن عبد المطّلب والد رسول الله ص]
قال علماء السّير: وكان عبد الله بن عبد المطّلب والد النّبيّ ﷺ أنهد فتى في بني هاشم- أي: أرفعهم وأصبحهم- وجها، وأحسنهم خلقا وخلقا، وكان نور النّبيّ ﷺ يلوح في وجهه، وهو أوّل من فدي بمئة من الإبل كما سيأتي.
[صفة عبد المطّلب جد رسول الله ص]
وأمّا عبد المطّلب فاسمه: شيبة الحمد «١»، وإنّما سمّي عبد المطّلب لأنّ عمّه المطّلب بن عبد مناف أخذه من أمّه سلمى الأنصاريّة النّجاريّة، فقدم به (مكّة) يردفه خلفه، وكان/ أسمر اللّون، فظنّ النّاس أنّه عبد اشتراه المطّلب، فقالوا: قدم المطّلب بعبد، فلزمه ذلك الاسم، وكان شريفا في قومه، مبجّلا عندهم، معظّما، يوضع له بساط في ظلّ (الكعبة)، لا يجلس عليه غيره، وكانوا يسمّونه: الفيّاض؛ لسماحته وكرمه، وله منقبتان عظيمتان، وهما: حفر بئر زمزم، وإهلاك أصحاب الفيل.
[حفر بئر زمزم، ونذر عبد المطّلب بذبح ولده عبد الله]
أمّا بئر زمزم: فإنّها كانت قد دفنتها السّيول، واندرس أثرها، فرأى عبد المطّلب في نومه من نبّهه عليها، فلمّا أراد حفرها حسدته بطون قريش، وهمّوا أن يمنعوه، فكفاه الله شرّهم، فنذر لئن رزقه الله عشرة من الولد يمنعونه؛ أن يتقرّب إلى الله تعالى بذبح أحدهم، فلمّا تمّ العدد عشرة أعلمهم بنذره، فقالوا له: اقض فينا أمرك
_________________
(١) سمّي بذلك لأنه كان في رأسه شيبة. [تاريخ الطّبري ٢/ ٢٤٦. (أنصاريّ)] .
[ ٩٠ ]
وأوف بنذرك، فأسهم بينهم، فخرج السّهم على عبد الله، فلمّا أراد أن يذبحه منعته قريش، لئلّا يكون فيهم سنّة، فأفتاه كاهن أن يسهم عليه وعلى عشر من الإبل- وكانت العشر عندهم دية الرّجل- ففعل، فخرج السّهم على عبد الله، فقال له الكاهن: زد عشرا، فإنّ ربّك لم يرض، فزاد عشرا، فخرج السّهم على عبد الله، فقال: زد عشرا، فزاد عشرا، فلم يزل يخرج السّهم على عبد الله، حتّى بلغ العدد مئة، فخرج السّهم على الإبل، فقال له: أعد القرعة، فأعادها، فخرج السّهم على الإبل، ثمّ أعادها فخرج على الإبل، فقال له: قد رضي ربّك، فانحرها فداء عن ابنك، ففعل، فاستمرّت الدّية في قريش مئة من الإبل، ثمّ جاء الشّرع فقرّرها دية لكلّ مسلم من المسلمين.
[أصحاب الفيل وما جرى لهم]
وأمّا أصحاب الفيل: فإنّ الحبشة لمّا ملكت (اليمن) وعليهم أبرهة الأشرم، وكانوا بنوا كنيسة ب (صنعاء) كالكعبة، وصرفوا حجّاج (الكعبة) إليها، فدخلها ليلا رجال من قريش ولطّخوها بالعذرة «١» وهربوا، فلمّا علم بذلك أبرهة عزم على هدم (الكعبة)، فتجهّز في جيش عظيم، فلمّا شارف (مكّة) أغار على سرحها «٢»، فاستاق أموال قريش، ونزل ب (عرفة)، فخرج إليه عبد المطّلب، فلمّا رآه أبرهة نزل له/ عن سرير ملكه إجلالا له، وسأله عن حاجته، فذكر أنّ له نحو مئة من الإبل فردّها عليه، فقيل لعبد المطّلب: هلّا كلمته في الانصراف عن (الكعبة)؟ فقال: أنا ربّ إبلي، والكعبة لها ربّ يحميها.
_________________
(١) العذرة: الغائط.
(٢) السّرح: الماشية من الغنم والإبل.
[ ٩١ ]
وامتاز بقريش إلى رؤوس الجبال، وجعل يدعو الله ويقول، [من مجزوء الكامل] «١»:
لا همّ إنّ [المرء] يمن ع رحله فامنع حلالك «٢»
لا يغلبنّ صليبهم ومحالهم غدوا محالك «٣»
محالك، أي: مكرك، ومنه: وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ [سورة الرّعد ١٣/ ١٣]-
ثمّ سار أبرهة إلى (مكّة)، فلمّا كانوا ب (محسّر) «٤» - بمهملات، وهو واد بين (عرفة ومزدلفة) - نكص الفيل على عقبيه، فردّوه فأبى، فأدخلوا الحديد في أنفه حتّى خرموه، فلم يساعدهم على التّوجّه إلى (مكّة) .
فبينما هم كذلك إذ أرسل الله عليهم طيرا، يحمل كلّ طير منها ثلاثة أحجار صغار؛ حجرين بين رجليه، وحجرا في منقاره، إذا وقعت الحجارة على رأس أحدهم خرجت من دبره، فأهلكهم الله جميعا.
_________________
(١) ابن هشام، ج ١/ ٥٠.
(٢) لا همّ: أصلها اللهمّ. حلالك: جمع حلة: وهي جماعة البيوت، والمراد هنا: القوم الحلول. والحلال أيضا: متاع البيت، وجائز أن يكون هذا المعنى الثاني مرادا هنا. (ابن هشام، ج ١/ ٥١) .
(٣) غدوا: غدا. وهي اليوم الّذي يأتي بعد يومك، فحذفت لامه، ولم يستعمل تامّا إلّا في الشّعر. (ابن هشام، ج ١/ ٥١) .
(٤) محسّر: واد صغير يأتي من الجهة الشرقية لثبير الأعظم من طرف ثقبة، ويذهب إلى وادي عرنة، فإذا مرّ بين منى ومزدلفة كان الحد بينهما. (معالم مكّة ص ٢٤٨) .
[ ٩٢ ]
وفي ذلك أنزل الله على نبيّه ﷺ مذكّرا له بنعمته عليه وعلى قومه، لأنّه كان يومئذ حملا «١»، وولد بعد الفيل بخمسين ليلة:
أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ. أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ- أي: إبطال- وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبابِيلَ- أي: عصبا عصبا- تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ- أي: من قعر جهنّم، وهو أيضا سجّين- فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ- أي: كزرع أكلته البهائم-[سورة الفيل] .
ومن يومئذ احترمت النّاس قريشا، وقالوا: هم جيران الله، يدافع عنهم.
[خبر هاشم:]
وأمّا هاشم: فاسمه عمرو، وإنّما سمّي هاشما لكثرة إطعامه الثّريد في المجاعة، وفيه يقول الشّاعر، [من الكامل] «٢»:
عمرو الّذي هشم الثّريد لقومه ورجال مكّة مسنتون عجاف «٣»
وبلغ في الكرم مبلغا عظيما حتّى إنّه كان يطعم الوحش والطّير، فينحر لها في رؤوس الجبال، وكان إذا وقع القحط جمع أهل (مكّة) وأمر الموسرين منهم/ بالإنفاق على فقرائهم، حتّى يأتي الله بالغيث.
ثمّ إنّه وفد (الشّام) على قيصر فأخذ منه كتابا بالأمان لقريش، وأرسل أخاه المطّلب إلى (اليمن)، فأخذ من ملوكهم كتابا أيضا، ثمّ أمر تجّار قريش برحلتي الشّتاء والصّيف، فكانوا يرحلون في
_________________
(١) أي عندما كان حملا في بطن أمّه.
(٢) من قول عبد الله بن الزبعرى.
(٣) المسنتون: الّذين أصابتهم السّنة، وهي الجوع والقحط. العجاف: الضّعف والهزال. (ابن هشام، ج ١/ ١٣٦) .
[ ٩٣ ]
الصّيف إلى (الشّام) لشدّة بردها، وفي الشّتاء إلى (اليمن)، فاتّسعت من يومئذ معيشتهم بالتّجارة، وأنقذهم الله من الخوف والجوع ببركة هاشم.
وفي ذلك أيضا أنزل الله تعالى على نبيه ﷺ: لِإِيلافِ قُرَيْشٍ- أي: لإنعام الله على قريش بإيلافهم- إِيلافِهِمْ- أي:
اعتيادهم- رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ. فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ- أي: الكعبة- الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ [سورة قريش] .
[خبر عبد مناف:]
وأمّا عبد مناف: فكان يسمّى قمر البطحاء لصباحته، وهو الّذي قام مقام أبيه قصيّ بالسّيادة وسقاية الحاج، وقام أخوه عبد الدّار بسدانة البيت والرّفادة- أي: إطعام الحجيج في (دار النّدوة) الّتي بناها قصيّ- وأخوه عبد العزّى بالات الحرب من السّلاح والكراع «١»، بوصيّة إليهم من أبيهم قصي.
[خبر قصيّ:]
وأمّا قصيّ: فكان يسمّى مجمّعا، لأنّه أوّل من جمع قريشا من البوادي إلى سكنى (مكّة)، وأخرج خزاعة منها، وفيه يقول الشّاعر، [من الطّويل] «٢»:
أبوكم قصيّ كان يدعى مجمّعا به جمع الله القبائل من فهر
وذلك أنّ سيّد خزاعة شرب ليلة مع جماعة فنفد شرابه، فقال:
من يشتري منّي سدانة البيت بزقّ خمر «٣»، فاشتراها قصي وأشهد
_________________
(١) الكراع: اسم يجمع الخيل والسّلاح.
(٢) هو من قول حذاقة بن جمح. (ابن هشام، ج ١/ ١٢٦) .
(٣) الزّقّ: وعاء من جلد يجزّ شعره ولا ينتف، للشراب وغيره.
[ ٩٤ ]
عليه «١»، وفي ذلك يقول الشّاعر، [من البسيط]:
باعت خزاعة بيت الله إذ سكرت بزقّ خمر فبئست صفقة البادي
باعت سدانتها للبيت وانتقلت عن المقام وظلّ البيت والنّادي
[صفة آبائه ص]
وآباؤه ﷺ كلّهم سادات، ما منهم أحد إلّا وهو سيّد قومه في عصره، من أبيه عبد الله إلى آدم ﵇، كما قيل، [من الكامل] «٢»:
فأولئك السّادات لم تر مثلهم عين على متتابع الأحقاب
زهر الوجوه كريمة أحسابهم يعطون سائلهم بغير حساب
/ لم يعرفوا ردّ العفاة وطالما ردّوا أعاديهم على الأعقاب
حلموا إلى أن لا تكاد تراهم يوما على ذي هفوة بغضاب
وتكرّموا حتّى أبوا أن يجعلوا بين العفاة وبينهم من باب
كانت تعيش الطّير في أكنافهم والوحش حين يشحّ كلّ سحاب
وكفاهم أنّ النّبيّ محمّدا منهم فمدحهم بكلّ كتاب
_________________
(١) الرّوض الأنف، ج ٢/ ٣٢.
(٢) سبل الهدى والرّشاد، ج/ ٢٨١.
[ ٩٥ ]
الباب الثّالث في ذكر من بشّر به قبل ظهوره، وما أسفر قبل بزوغ شمس نبوّته من صبح نوره ﷺ
قال علماء السّير: وقد بشّر به ﷺ جميع النّبيين عليهم الصّلاة والسّلام عموما.
قال الله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ [سورة آل عمران ٣/ ٨١] .
روى علماء التّفسير في معناها، عن عليّ بن أبي طالب ﵁، أنّه قال: (الرّسول هو محمّد ﷺ، ما بعث الله نبيّا من لدن آدم إلّا أخذ له عليه الميثاق لئن بعث محمّد وهو حيّ ليؤمننّ به ولينصرنّه) «١»؛ إعلاما لهم بعلوّ قدره، مع علمه سبحانه أنّه أخرهم بعثا.
وذكر جماعة من علماء التّفسير في قوله تعالى: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [سورة البقرة ٢/ ٣٧]: أنّ آدم توسّل بمحمّد- عليهما الصّلاة والسّلام- إلى ربّه في غفران ذنبه، فغفر له «٢» .
_________________
(١) تفسير الطّبريّ، ج ٦/ ٥٥٥.
(٢) انظر تفسير الآية في «تفسير القرطبي» .
[ ٩٦ ]
[عيسى ﵊ يبشّر به ﷺ]
وبشّر به عيسى ﵊ خصوصا، قال الله تعالى: وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [سورة الصّف ٦١/ ٦] «١» .
[كعب بن لؤيّ يبشر به]
وممّن بشّر به من غير النّبيّين جدّه كعب بن لؤيّ.
قال علماء السّير: كان كعب بن لؤيّ متمسّكا بدين إبراهيم ﵊، مصدّقا ببعثة محمّد ﷺ، وهو الّذي سمّى يوم الجمعة جمعة، وكانت تسمّيه العرب: العروبة- بعين وراء مهملتين- لأنّه كان يجمّع النّاس في يومها بعد الزّوال، يخطبهم، ويعظهم، ويبشّرهم ببعثة محمّد ﷺ فيهم، ويقول: يا أيّها النّاس، الدّار والله أمامكم، والظّنّ خلاف ظنّكم، فزيّنوا حرمكم وعظّموه/، وتمسّكوا به ولا تفارقوه، فسيأتي له نبأ عظيم، وسيخرج منه نبيّ كريم، ثمّ ينشد، [من الطّويل] «٢»:
نهار وليل واختلاف حوادث سواء علينا حلوها ومريرها
على غفلة يأتي النّبيّ محمّد فيخبر أخبارا صدوقا خبيرها
[تبّع يبشّر به ﷺ]
وممّن بشّر به ﷺ تبّع أسعد الكامل الملك الحميريّ.
_________________
(١) أخرج ابن سعد، ج ١/ ٣٦٣، بسنده عن عائشة ﵂، قالت: إنّ رسول الله ﷺ مكتوب في الإنجيل: (لافظّ ولا غليظ، ولا صخّاب في الأسواق، ولا يجزي بالسّيّئة مثلها، ولكن يعفو ويصفح) .
(٢) دلائل النّبوّة، ج ١/ ١٠٦.
[ ٩٧ ]
قال اهل السّير: كان تبّع أسعد الكامل أراد أهل (المدينة النّبويّة) بسوء، مكيدة كاده بها بعض أعدائه ليهلكه، فأخبره الأحبار أنّها دار هجرة محمّد ﷺ المبعوث في آخر الزّمان، فانصرف عنهم، ثمّ قرأ التّوراة وتعرّف فيها صفة محمّد ﷺ، فصدّق بمبعثه، وكان يقول، [من المتقارب] «١»:
شهدت على أحمد أنّه رسول من الله باري النّسم
فلو مدّ عمري إلى عمره لكنت وزيرا له وابن عمّ
[عبد المطّلب يبشّر به ﷺ]
وممّن بشّر به ﷺ جدّه عبد المطّلب.
قال علماء السّير: إنّ عبد المطّلب كان قد اطّلع على عجائب من أمر محمّد ﷺ، فرآى في المنام أنّ سلسلة من فضّة خرجت من ظهره، لها طرف في السّماء وطرف في الأرض، وطرف بالمشرق وطرف بالمغرب، فبينما هو متعجّب من الأمر المغرب «٢»، إذ بها قد عادت كأنّها شجرة عظيمة مورقة، وعلى كلّ ورقة منها نور مشرق، وقد تعلّق بها أهل المغرب والمشرق، فأوّلت له بمولود يخرج من صلبه يحمده أهل السّماوات في كلّ صنيع، وينقاد له أهل الأرض انقياد مطيع.
وذكروا أنّ عبد المطّلب رآه مرّة حبر من الأحبار، فقال له: إنّ في أحد منخريك لملكا، وفي الآخر نبوّة «٣» .
[حجب الشّياطين عن استراق السّمع عند قرب مبعثه ﷺ]
ومن المبشّرات به ﷺ ما اتّفق عليه علماء التّفسير: أنّ الشّياطين منعت قبيل مولده من استراق السّمع.
_________________
(١) البداية والنّهاية، ج ٢/ ١٣٠.
(٢) الخبر المغرب: الّذي جاء غريبا حادثا طريفا.
(٣) دلائل النّبوّة، ج ٢/ ٧٨٠.
[ ٩٨ ]
[ارتجاج إيوان كسرى ليلة ولادته ﷺ]
وما ظهر ليلة مولده من ارتجاس «١» إيوان كسرى، وسقوط أربع عشرة شرفة من شرفاته، وخمود نار فارس الّتي يعبدونها، وما خمدت منذ ألف عام.
ورؤيا الموبذان- بفتح الموحّدة وبذال معجمة- وهو عالم الفرس «٢» /: رأى إبلا صعابا «٣» تقود خيلا عرابا «٤»، قد قطعت (دجلة) وانتشرت في بلادها، فخاف [كسرى] أن يكون ذلك لفساد دولته وخرابها.
فأرسل عبد المسيح إلى خاله سطيح الكاهن ب (الشّام) فوجده قد أشفى على الموت، فلمّا أحسّ به سطيح، قال: عبد المسيح، على جمل مشيح- أي: ضامر، بشين معجمة- أرسلك ملك بني ساسان، ليسأل عن ارتجاس الإيوان، وخمود النّيران، ورؤيا الموبذان؟ يا عبد المسيح: إذا كثرت التّلاوة، وظهر صاحب الهراوة، وفاض وادي سماوة، فليست (الشّام) لسطيح شاما، ولا مقام (العراق) لكسرى وقومه مقاما، يملك منهم ملوك وملكات، على عدد السّاقط من الشّرفات، وكلّ ما هو آت آت.
ثمّ قضى سطيح مكانه، بعد ما أبان من أمر ظهور رسول الله ﷺ ما أبانه «٥» .
_________________
(١) في الأصل: ارتجاج، وهو تصحيف. ارتجس: اضطرب وتحرّك حركة سمع لها صوت. [النّهاية، ج ٢/ ٢٠١ (أنصاريّ)] .
(٢) الموبذان: هو للمجوس كقاضي القضاة للمسلمين.
(٣) صعابا: شديدة.
(٤) عرابا: خيل عربية.
(٥) دلائل النّبوّة، ج ١/ ١٢٦.
[ ٩٩ ]
[عيصا يبشّر به ﷺ]
وممّن بشّر به ما ذكره علماء السّير: أنّه كان حول (مكّة) راهب يقال له: عيصا- بمهملتين بينهما تحتيّة- وكان قد أحرز علما كثيرا، وأنّه كان يدخل (مكّة) كلّ موسم، فيقوم مبشّرا بظهور رسول الله ﷺ فيقول: (يا معشر قريش، إنّه سيظهر فيكم نبيّ تدين له العجم والعرب، وهذا وقت ظهوره قد اقترب) .
فلمّا كان في اللّيلة الّتي ولد فيها رسول الله ﷺ كان عبد المطّلب طائفا ب (الكعبة)، فرأى إسافا ونائلة «١» - وهما صنمان عظيمان- قد سقطا، فأذهله ذلك الشّأن، وجعل يمسح عينيه، ويقول: أنائم أنا أم يقظان؟ فلمّا أخبر بالمولود علم أنّ ذلك من أجله، لما كان قد رأى من الدّلائل من قبله، فخرج من الغد، فوقف تحت صومعة عيصا وناداه، فلمّا رآه أكرمه وفدّاه «٢»، وقال له: (كن أباه، كن أباه، قد طلع نجمه البارحة، وظهر سناه، وقد كنت أحبّ أن يكون منكم، وقد كان، وعلامة ذلك أنّه يشتكي من بطنه ثلاثة أيّام، ثمّ يعافى من كلّ الأسقام، فاحفظه من اليهود فإنّهم أعداؤه، وقد تحقّقت عندهم صفاته) «٣» .
[سيف بن ذي يزن يبشّر به ﷺ]
وممّن بشّر به ﷺ بعد مولده: سيف بن ذي يزن، الملك الحميريّ، وذلك أنّ عبد المطّلب وفد عليه في السّنة الثّامنة من مولد/ النّبيّ ﷺ إلى (صنعاء) يهنّئه بظفره ب (الحبشة) لمّا أزالهم الله من (اليمن)، فأكرمه وأجلسه على سرير ملكه، وأعطاه عطايا
_________________
(١) إساف ونائلة: صنمان كانا لقريش، وضعهما عمرو بن لحيّ على الصّفا والمروة، وكان يذبح عليهما تجاه الكعبة.
(٢) أي قال له: جعلت فداك.
(٣) مختصر تاريخ دمشق، ج ٢/ ٥٠- ٥١.
[ ١٠٠ ]
جزيلة، وأخبره أنّه يجد في الكتب القديمة أنّ هذا أوان وجود النّبيّ الأمّيّ العربيّ القرشيّ الهاشميّ، وأنّ صفته كذا وكذا، فأخبره عبد المطّلب أنّ عنده غلاما بتلك الصّفة، فأوصاه به، وحذّره من كيد اليهود والنّصارى. فمات عبد المطّلب في تلك السّنة.
[الرّاهب بحيرا يبشّر به ﷺ]
وممّن بشّر به ﷺ: بحيرا الرّاهب- بفتح الموحّدة وكسر المهملة ممدودا- وذلك أنّ عمّه أبا طالب خرج به إلى (الشّام) في السّنة الثّانية عشرة من ولادته ﷺ، فلمّا بلغوا (بصرى) من أرض (الشّام) رآه الرّاهب المذكور معهم، فعرفه بصفاته المذكورة عنده في الإنجيل، فأمر أبا طالب أن يردّه، وناشده الله في ذلك خوفا عليه من كيد اليهود والنّصارى، فرجع به، وزوّده الرّاهب شيئا من الكعك والزّبيب.
[ثني بحيرا نفرا من النّصارى عن قتل الرّسول ﷺ]
وروى التّرمذيّ في «جامعه» أنّ نفرا من النّصارى أتوا بحيرا الرّاهب بعد رجوع أبي طالب بالنّبيّ ﷺ وقالوا: إنّا خرجنا في طلب النّبيّ الأمّيّ، وإنّا وجدنا في كتبنا أنّه يمرّ بطريقك هذه في هذا الشّهر، وإنّا نريد قتله، فذكّرهم الله وقال: (أرأيتم أمرا يريد الله أن يقضيه أيقدر أحد أن يردّه؟ قالوا: لا، وانصرفوا عنه) «١» .
[الرّاهب نسطور يبشّر به ﷺ]
ثمّ بشّر به ﷺ: نسطور الرّاهب- بمهملات مع فتح النّون- وذلك أنّه ﷺ خرج في سنة خمس وعشرين من مولده مع ميسرة غلام خديجة ﵂، في تجارة لها، فلمّا نزل الرّكب بقرب صومعة «٢» الرّاهب المذكور، نزل إليهم منها، وكان لا ينزل لأحد، وطاف فيهم حتّى رأى النّبيّ ﷺ، فعرف فيه علامات
_________________
(١) أخرجه التّرمذيّ، برقم (٣٦٢٠) . عن أبي موسى ﵁.
(٢) الصّومعة: بيت للنّصارى، كالصّومع؛ لدقّة في رأسها. (أنصاريّ) .
[ ١٠١ ]
النّبوّة، فأكرمه، وأضافهم لأجله، وعرّفهم أنّه نبيّ هذه الأمّة، وأنّه خاتم النّبيّين، وقال له: احذر على نفسك من كيد اليهود والنّصارى، وأوصى ميسرة به، فقيل له: كيف عرفت أنّه فينا؟
قال: إنّكم لمّا أقبلتم لم يبق شجر ولا حجر إلّا وسجد إلى جهتكم/، وكان ميسرة يقول: (كان إذا اشتدّ الحرّ ظلّلته غمامة، تسير معه أينما سار) . فلمّا رجعا من (الشّام) أخبر ميسرة خديجة بما رآه من كرامته ﷺ، وصدقه، وأمانته ﷺ، وما أخبر به الرّاهب، وما رآه من تظليل الغمامة له، وغير ذلك، فرغبت خديجة في نكاحه، فخطبته إلى نفسها، وكان كلّ من أشراف قومها حريصا على ذلك، فتزوّج بها ﷺ «١» .
[قسّ بن ساعدة الإياديّ يبشّر به ﷺ]
ثمّ بشّر به ﷺ: قسّ بن ساعدة.
وقد روى النّبيّ ﷺ قصّته؛ أنّه كان يقوم بسوق عكاظ خطيبا، فقام مرّة والنّبيّ ﷺ وأبو بكر حاضران، فقال: (يا أيّها النّاس، إنّ لله دينا هو خير من دينكم الّذي أنتم عليه، وإنّ لله نبيّا قد حان [حينه، وأظلّكم] «٢» أوانه، [فطوبى لمن آمن به فهداه، وويل لمن خالفه وعصاه] «٢»، فبادروا إليه.
فعمّا قليل، وقد ظهر النّور، وبطل الزّور، وبعث الله محمّدا بالحبور، صاحب النّجيب الأحمر «٣»، والتّاج والمغفر «٤»، والوجه الأزهر، [والحجاب الأنور، والطّرف الأحور]، وصاحب
_________________
(١) ابن هشام، ج ١/ ١٨٨.
(٢) التكملة عن «عيون الأثر»، ج ١/ ٨٨. (أنصاريّ) .
(٣) النّجيب: مفرد النّجائب؛ وهي خيار الإبل.
(٤) المغفر: الخوذة الّتي توضع على الرّأس لتقي من الضّربات.
[ ١٠٢ ]
شهادة أن لا إله إلّا الله، فذلكم محمّد المبعوث إلى الأسود والأحمر «١»؛ [أهل المدر والوبر]) «١» .
[زيد بن عمرو بن نفيل يبشّر به ﷺ]
ثمّ بشّر به ﷺ قبيل مبعثه: زيد بن عمرو بن نفيل، وكان خرج يلتمس دين إبراهيم- كما رواه البخاريّ في «صحيحه» - فأخبره آخر الأحبار إنّه لم يبق أحد عليه، وأنّه قد أظلّ زمان خروج النّبيّ الأمّيّ ب (مكّة) . فرجع واجتمع به النّبيّ ﷺ مرارا، وكان يقول:
(اللهمّ إنّي أعبدك وحدك، وأدين لك بدين إبراهيم، ولا أعرف كيف أعبدك؟!) .
وله أشعار في التّوحيد. ومات شهيدا رحمه الله تعالى «٢» .
وكان النّبيّ ﷺ يترحّم عليه، ويقول: «إنّه يبعث أمّة وحده» «٣» .
[سلمان الفارسيّ يبشّر به ﷺ]
وممّن بشّر به ﷺ قبل مبعثه: سلمان الفارسيّ ﵁، وكان يتنقّل من حبر إلى حبر، حتّى قال له آخرهم عند موته: إنّه لم يبق أحد على دين الحقّ، ولكن قد آن خروج النّبيّ الأمّيّ ب (مكّة)، وعرّفه بصفاته. فخرج مع ركب إليها، فأخذه قطّاع الطّريق، فباعوه إلى يهود (المدينة)، فلم يزل بها إلى أن هاجر إليها النّبيّ ﷺ، فعرف الصّفات الّتي فيه فامن/ ﵁ به، وصدّقه، إلى أن سعى النّبيّ ﷺ في مكاتبته بما سيأتي في معجزاته ﷺ «٤» .
[ورقة بن نوفل يبشّر به ﷺ]
وممّن عرفه بصفاته: ورقة بن نوفل بن أسد، ابن عمّ خديجة
_________________
(١) عيون الأثر، ج ١/ ٦٩.
(٢) دلائل النّبوّة، ج ٢/ ١٢٢.
(٣) أخرجه البيهقي في «دلائل النّبوّة»، ج ٢/ ١٢٥- ١٢٦. عن زيد بن حارثة ﵄.
(٤) ابن هشام، ج ١/ ٢١٩. المستدرك، ج ٣/ ٦٠١- ٦٠٣.
[ ١٠٣ ]
﵂، على ما في أوّل «صحيح البخاريّ»، وكان قد تنصّر وقرأ الإنجيل، فلمّا نزل جبريل على محمّد ﷺ بالوحي، ذهبت به خديجة إلى ورقة، فتحقّق أنّه النّبيّ الأمّيّ الّذي بشّر به عيسى ﵇، فامن به وصدّقه، وأخبره أنّ قومه سيخرجونه من (مكّة)، وتمنّى أن يكون حاضرا يومئذ لينصره نصرا مؤزّرا.
ومن شعره في ذلك، [من الوافر] «١»:
لججت وكنت في الذّكرى لجوجا لهمّ طالما بعث النّشيجا «٢»
ووصف من خديجة بعد وصف فقد طال انتظاري يا خديجا
بأنّ محمّدا سيسود فينا ويخصم من يكون له حجيجا
فيلقى من يحاربه خسارا ويلقى من يسالمه فلوجا «٣»
فيا ليتي إذا ما كان ذاكم [شهدت] فكنت أوّلهم ولوجا
ولوجا في الّذي كرهت قريش ولو عجّت بمكّتها عجيجا «٤»
ثمّ إنّه لم يلبث أن مات- رحمه الله تعالى-.
_________________
(١) ابن هشام، ج ١/ ١٩١- ١٩٢.
(٢) النّشيج: بكاء مع صوت.
(٣) الفلوج: الغلبة على الخصم.
(٤) عجّت عجيجا: ارتفعت أصواتها.
[ ١٠٤ ]
الباب الرّابع في ذكر مولده الشّريف، ورضاعته ونشأته إلى حين أوان بعثته ﷺ
[مولده ﷺ وتاريخه ومكان ولادته]
قال علماء السّير: ولد النّبيّ ﷺ في ربيع الأوّل، يوم الاثنين بلا خلاف. ثمّ قال الأكثرون: ليلة الثّاني عشر منه. وقال بعضهم:
العاشر. وقال آخرون: الثّامن.
وذلك ب (مكّة) المشرّفة، في شعب أبي طالب «١»، وهو المكان الّذي يجتمع فيه أهل (مكّة) ليلة المولد الشّريف، للذّكر والدّعاء والتّبرّك بمسقط رأسه ﷺ «٢» .
وأفتى جماعة من المتأخّرين بأنّ عمل المولد على هذا القصد حسن محمود.
[صفة مولده ﷺ]
قال علماء السّير: ووضعته أمّه وهو مستقبل القبلة، واضعا يديه على الأرض، رافعا رأسه إلى السّماء، مختونا، مسرورا- أي:
_________________
(١) الشّعب: ما انفرج بين جبلين فهو شعب.
(٢) قلت: قال محمّد أبو شهبة﵀-: قد صارت هذه الدّار إلى محمّد بن يوسف الثّقفي، أخي الحجّاج. وذلك أنّ عقيل بن أبي طالب باع دور من هاجر من بني هاشم، ومنها هذه الدّار، وقد أدخلها محمّد ابن يوسف في داره الّتي يقال لها: البيضاء، ولم تزل كذلك حتّى حجّت الخيزران أمّ الرّشيد، فأفردت ذلك البيت وجعلته مسجدا، وقيل: إنّ الّتي بنته هي زبيدة زوجة الرّشيد حين حجّت. (السّيرة النّبويّة، ج ١/ ١٧٤- ١٧٥) .
[ ١٠٥ ]
مقطوع السّرّة-، ليس عليه شيء من قذر الولادة.
روى/ ابن إسحاق، عن الشّفّاء- بالتّشديد-: أمّ عبد الرّحمن بن عوف ﵄، وهي الّتي تولّت ولادته، أنّها قالت: لمّا سقط النّبيّ ﷺ على يديّ، سمعت قائلا يقول:
يرحمك الله، وأضاء لي ما بين المشرق والمغرب، حتّى نظرت إلى قصور (الشّام) .
[الآيات الّتي وقعت ليلة مولده ﷺ]
وليلة ولاده ﷺ خمدت نار فارس الّتي يعبدونها، وكان وقودها مستمرّا من عهد موسى ﵊، وارتجس إيوان كسرى، وسقطت منه أربع عشرة شرفة، وغاضت بحيرة ساوة «١»، وتنكّست جميع الأصنام في جميع الآفاق، وسقط عرش إبليس، ورميت الشّياطين بالشّهب، فمنعت من استراق السّمع.
فائدة التّحقيق: في رمي الشّياطين بالشّهب
التحقيق أنّ الشّياطين كانت ترمى بالشّهب لقوله تعالى: إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ [سورة الحجر ١٥/ ١٨]؛ لكنّه رمي لا يكثر فيه إصابتهم بالرّجوم «٢»، ولا يمنعهم عن مقاعدهم للسّمع. فلمّا ولد ﷺ كان الرّمي بالرّجوم أشدّ رجما، فلمّا بعث النّبيّ ﷺ استمرّ منعهم عن مقاعدهم، كما صرّح بذلك فيما حكاه الله تعالى عنهم:
_________________
(١) غاضت: غار ماؤها وذهب. وهي بحيرة كبيرة بين همدان وقم من إيران. وقد جفّت، ومكانها في إيران معروف.
(٢) الرّجوم: وهي الشّهب الّتي تنقضّ في اللّيل، منفصلة من نار الكواكب ونورها، لا أنّهم يرجمون بالكواكب أنفسها، لأنّها ثابتة لا تزول، وما ذاك إلّا كقبس يؤخذ من نار، والنّار ثابتة في مكانها [النّهاية، ج ٢/ ٢٠٥ (أنصاريّ)] .
[ ١٠٦ ]
وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا [سورة الجن ٧٢/ ٩] . وذلك لئلّا يلتبس الوحي بالكهانة «١» .
وفي «الصّحيحين» أيضا، أنّهم قالوا: قد حيل بيننا وبين خبر السّماء «٢» . والله أعلم.
[رضاعته ﷺ]
وأوّل من أرضعته ﷺ ثويبة- بمثلّثة، مصغّرة- مولاة عمّه أبي لهب، وأرضعت معه عمّه حمزة وأبا سلمة عبد الله بن عبد الأسد المخزوميّ بلبن ابنها مسروح- بمهملات-.
وفي «صحيح البخاريّ» أنّه ﷺ قال: «أرضعتني أنا وأبا سلمة ثويبة» قال عروة بن الزّبير: وثويبة مولاة لأبي لهب، كان أبو لهب أعتقها، فأرضعت النّبيّ ﷺ، فلمّا مات أبو لهب أريه العبّاس في أسوء حالة، فقال له: ماذا لقيت؟ قال: لم ألق بعدكم خيرا، غير أنّي خفّف عنّي العذاب بعتاقي/ ثويبة «٣» .
قلت: فتخفيف العذاب عنه إنّما هو كرامة للنّبيّ ﷺ كما خفّف عن أبي طالب، لا لأجل مجرّد العتق لقوله تعالى:
وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ [سورة هود ١١/ ١٦] .
[رضاعته ﷺ من حليمة السّعديّة]
قال علماء السّير: ثمّ احتملته حليمة السّعديّة بنت أبي ذؤيب- مصغّر ذئب- من بني سعد بن بكر بن هوازن، ثمّ قيس بن عيلان- بمهملة- ابن إلياس بن مضر بن نزار بن معدّ بن عدنان؛ حين قدمت مع قومها يلتمسون الرّضعاء، لما يرجونه من المعروف من أهليهم.
_________________
(١) الكهانة: هي تعاطي الإخبار عن الكائنات في مستقبل الزّمان، وادّعاء معرفة الأسرار. [النّهاية، ج ٤/ ٢١٤ (أنصاريّ)] .
(٢) أخرجه البخاريّ، برقم (٤٦٣٧) . عن ابن عبّاس ﵄.
(٣) أخرجه البخاريّ، برقم (٤٨١٣) . عن أمّ حبيبة ﵂.
[ ١٠٧ ]
وكان أهل (مكّة) يسترضعون أولادهم فيهم لفصاحتهم، ولصحّة هواء البادية، فأقام ﷺ فيهم نحو خمس سنين، وظهر لهم من يمنه وبركته في تلك المدّة أنواع من المعجزات وخوارق العادات.
روى ابن إسحاق عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ﵄ قال: قالت حليمة: خرجت في نسوة من بني سعد نلتمس الرّضعاء، على أتان لي قمراء «١»، في سنة شهباء «٢»، ومعي زوجي الحارث بن عبد العزّى من بني سعد بن بكر، ومعنا شارف لنا- أي: ناقة مسنّة- ما تبضّ «٣» بقطرة، وما ننام ليلنا أجمع من بكاء صبيّنا، ما في ثدييّ ما يغنيه، ولا في شارفنا ما يغذّيه، فخرجت على أتاني تلك، ولقد أذمّت «٤» بالرّكب- أي: ولقد أزرت بهم «٥» - ضعفا وعجفا «٦»، حتّى شقّ ذلك عليهم، حتّى قدمنا (مكّة)، فو الله ما منّا امرأة إلّا عرض عليها رسول الله ﷺ فتأباه إذا قيل لها: إنّه يتيم، [وذلك أنّا إنّما كنّا نرجو المعروف من أبي الصّبيّ، فكنّا نقول: يتيم! وما عسى أن تصنع أمّه وجدّه؟، فكنّا نكرهه لذلك]، فما بقيت امرأة ممّن قدمت معي إلّا أخذت رضيعا غيري، [فلمّا أجمعنا الانطلاق قلت لصاحبي: والله إنّي لأكره أن أرجع من بين صواحبي ولم آخذ رضيعا، والله لأذهبنّ إلى ذلك اليتيم
_________________
(١) القمراء: شدّة البياض أو بياض إلى الخضرة.
(٢) سنة شهباء: ذات جدب وقحط.
(٣) تبضّ: تدرّ.
(٤) أذمّت الرّكاب: أعيت وتخلّفت عن جماعة الإبل، ولم تلحق بها، يريد أنّها تأخّرت بالرّكب، أي: تأخّر الركب بسببها.
(٥) أزرت: قصّرت وتهاونت.
(٦) العجف: الهزال.
[ ١٠٨ ]
فلآخذنّه، قال: لا عليك أن تفعلي، عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة. قالت]: فذهبت إليه فأخذته، وما حملني على أخذه إلّا أنّي لم أجد غيره.
قالت: فلمّا أخذته رجعت به إلى رحلي، فلمّا وضعته في حجري، أقبل عليه ثدياي بما شاء من اللّبن، فشرب حتّى روي، وشرب معه أخوه ضمرة حتّى رويا، ثمّ ناما، وما كنّا ننام معه قبل ذلك، وقام زوجي إلى شارفي فإذا بها حافل «١»، فحلب منها ما شرب، وشربت، حتّى انتهينا شبعا وريّا/ [فبتنا بخير ليلة] .
قالت: يقول صاحبي حين أصبحنا: تعلّمي «٢» يا حليمة، والله إنّي لأراك قد أخذت نسمة مباركة، ألم تري إلى ما بتنا فيه من الخير والبركة؟ فلم يزل الله يرينا خيرا.
قالت: ثمّ خرجنا وركبت أتاني تلك، وحملته عليها معي، فو الله لقد قطعت بالرّكب، [ما يقدر عليها شيء من حمرهم] . حتّى إنّ صواحبي ليقلن لي: يا بنت أبي ذؤيب، ويحك!! إربعي علينا- أي: ارفقي- أليست هذه أتانك الّتي كنت خرجت عليها؟ فأقول لهنّ: بلى، والله إنّها لهي هي!! فيقلن: والله إنّ لها لشأنا.
قالت: ثمّ قدمنا منازلنا [من بلاد بني سعد]، وما أعلم أرضا من أرض الله أجدب منها، فكانت غنمي تروح عليّ [حين قدمنا به معنا] شباعا لبنا «٣»، فنحلب ونشرب، وما يحلب إنسان غيرنا منهم قطرة لبن، [ولا يجدها في ضرع]، حتّى كان الحاضرون من قومنا
_________________
(١) ضرع حافل: ممتلىء لبنا.
(٢) أي: اعلمي.
(٣) ألبنت النّاقة: إذا نزل لبنها في ضرعها.
[ ١٠٩ ]
يقولون لرعاتهم: ويحكم!! اسرحوا حيث يسرح راعي بنت أبي ذؤيب، فيسرحون، فتروح أغنامهم جياعا هزلا ما تبضّ بقطرة لبن، وتروح غنمي شبعا لبنا، فلم نزل نتعرّف من الله الزّيادة والبركة حتّى مضت سنتاه، ففصلته عن الرّضاعة.
قالت: وكنت لا أدخل عليه باللّيل إلّا وجدت السّقف قد انفرج، وقد نزل عليه القمر يناغيه- أي: يحدّثه-.
وكان ﷺ يشبّ شبابا لا يشبّه الغلمان، [فلم يبلغ] سنتيه حتّى كان غلاما جفرا- أي: ممتلئ الجنبين- «١» .
قالت: فقدمنا به على أمّه، ونحن أحرص شيء على مكثه فينا، لما كنّا نتعرّف من بركته، فقلت لأمّه: دعينا نرجع به، فإنّا نخشى عليه وباء (مكّة)، ولم نزل بها حتّى ردّته معنا. انتهى كلام ابن إسحاق «٢» .
[حادثة شقّ صدره ﷺ]
قال غيره: وبعد حولين من مرجعها به- أي: في العام الخامس من مولده ﷺ- أتاه ملكان فشقّا صدره، واستخرجا قلبه فشقّاه، واستخرجا منه علقة سوداء، وقالا: هذا حظّ الشّيطان منك، ثمّ ملآه حكمة وإيمانا، ثمّ لأماه، فالتأم [الشّقّ] بإذن الله تعالى، ثمّ ختماه بخاتم النّبوّة بين كتفيه كالطّابع، ثمّ قال أحدهما لصاحبه: زنه بعشرة من أمّته، ففعل فوزنهم/، ثمّ قال: زنه بمئة [من أمّته]، ففعل فوزنهم، ثمّ قال: زنه بألف [من أمّته]، ففعل فوزنهم، حتّى قال: والله لو وزنته بأمّته كلّها لوزنهم، ثمّ قبّلا رأسه
_________________
(١) استجفر الصّبيّ: إذا قوي على الأكل، وكنز لحمه.
(٢) ابن هشام، ج ١/ ١٦٢- ١٦٤.
[ ١١٠ ]
وما بين عينيه، وقالا: يا حبيب، لم ترع، إنّك لو تدري ما يراد بك [من الخير] لقرّت عيناك.
وروي عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: «فما هو إلّا أن ولّيا عنّي، وكأنّما الأمر معاينة» «١» .
وفي «صحيح البخاريّ» عن السّائب بن يزيد قال: قمت خلف ظهره ﷺ فنظرت إلى خاتم النّبوّة بين كتفيه «٢» . ولمسلم: أنّ الخاتم كان إلى جهة كتفه اليسرى «٣» .
[خوف حليمة على النّبيّ ﷺ وردّه إلى أمّه]
قال ابن إسحاق: فتخوّفت عليه حليمة بعد ذلك، فردّته إلى
_________________
(١) أخرجه الطّبريّ، ج ٢/ ١٦٠، عن شدّاد بن أوس ﵁. قلت: وقد تكرّر شقّ الصّدر الشّريف غير هذه المرّة، فقد حصل مرّة ثانية عند المبعث، ومرّة ثالثة عند الإسراء والمعراج. أمّا الأولى: فقد كانت لنزع العلقة السّوداء، الّتي هي حظّ الشّيطان من كلّ بشر. وأمّا الثّانية: فليتلقّى ما يوحى إليه من أمور الرّسالة بقلب قويّ وهو على أكمل الأحوال وأتمّ الاستعداد. وأمّا الثّالثة: فكانت استعدادا لما يلقى إليه في هذه اللّيلة من أنواع الفيوضات الرّبّانيّة، وما سيريه ربّه فيها من الآيات البينات، وإدراك المثل الرّائعة الّتي ضربت له في مسراه وفي معراجه، وكلّها تحتاج إلى شرح الصّدر وثبات القلب. وقد تطاول بعض المستشرقين في التّشكيك في حادثة شقّ الصّدر، وقد تأثّر بهذا الرأي بعض الكاتبين في السّيرة من المسلمين!! وقد قام الشّيخ محمّد بن محمّد أبو شهبة بالرّد عليهم، فليراجع. (انظر السّيرة النّبويّة، ج ١/ ١٩٩- ٢٠٣) . وما أحسن ما قيل: وما أخرج الأملاك من صدره أذى ولكنّهم زادوه طهرا على طهر
(٢) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٣٤٨) .
(٣) أخرجه مسلم، برقم (٢٣٤٦/ ١١٢) . عن عبد الله بن سرجس ﵁.
[ ١١١ ]
أمّه، فقالت لها: ما أقدمك به يا ظئر «١» وقد كنت حريصة عليه؟
فأخبرتها، قالت: أفتخوّفت عليه؟ والله ما للشيطان على ابني هذا من سبيل، وإنّ له لشأنا، ولقد رأيت حين حملت به أنّه خرج منّي نور أضاء لي قصور (بصرى) من أرض (الشّام) «٢» .
[وفاة آمنة]
وفي السّنة السّادسة من مولده ﷺ خرجت به أمّه إلى (المدينة) لتزيره أخوال جدّه عبد المطّلب، وهم بنو عديّ بن النّجّار من الخزرج، وأقامت به شهرا.
وروي عنه أنّه ﷺ قال: «أحسنت السّباحة في بئر بني عديّ بن النّجّار من يومئذ» «٣» .
وكان يهود (المدينة) يومئذ يختلفون إليه «٤»، ويتعرّفون فيه علامات النّبوّة.
ثمّ رجعت به، فماتت ب (الأبواء) «٥» - بالموحّدة- وهو مكان بين (مكّة والمدينة) .
[أمّ أيمن تحتضن النّبيّ ﷺ]
وبقي ب (الأبواء) حتّى انتهى الخبر إلى (مكّة)، فجاءته حاضنته أمّ أيمن «٦» - مولاة أبيه عبد الله بن عبد المطّلب وأمّ أسامة بن زيد- فاحتملته.
_________________
(١) الظئر: العاطفة على ولد غيرها، المرضعة له.
(٢) ابن هشام، ج ١/ ١٦٥.
(٣) ابن سعد، ج ١/ ١١٦.
(٤) أي: يأتون واحدا بعد آخر ينظرون إليه.
(٥) يقال: إنّها ماتت في حدود العشرين عاما تقريبا. (شرح المواهب اللّدنيّة، ج ١/ ١٦٦) .
(٦) واسمها: بركة الحبشيّة.
[ ١١٢ ]
والصّحيح أنّ أباه عبد الله مات وهو حمل «١» .
وأمّا أمّه: فهي آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرّة [بن كعب بن لؤيّ بن غالب بن فهر]، وكانت سيّدة قومها بني زهرة، وكان أبوها سيّدهم ولم يلدا- أعني أبويه- غيره ﷺ.
فائدة عظيمة ما يتعلّق بأبويه ﷺ
قال القرطبيّ في «تذكرته» «٢»: خرّج الحافظ أبو بكر الخطيب في كتابه «السّابق واللّاحق» والحافظ أبو حفص/ عمر بن شاهين في كتابه «النّاسخ والمنسوخ» أنّه ﷺ قال في حجّة الوداع: «ذهبت لقبر أمّي، فسألت الله أن يحييها لي، فأحياها، فامنت بي» «٣» .
[في إحياء والدي النّبيّ ﷺ له]
وكذا ذكره السّهيلي في «الرّوض الأنف»: أنّ من خصائصه ﷺ أنّ الله تعالى أحيا له أبويه فامنا به [٤] .
_________________
(١) قلت: ذهب ابن إسحاق إلى أنّ عبد الله توفّي والنّبيّ ﷺ لا يزال حملا في بطن أمّه، وقد تابعه عليه ابن هشام، وهو الرأي المشهور بين كتّاب السّير والمؤرخين، وكان عمر عبد الله حينذاك ثماني عشرة سنة، وقد صحّحه الحافظ العلائي، وابن حجر. ويرى بعض العلماء أنّ والد النّبيّ توفّي بعد ميلاده وهو لا يزال في المهد، قيل: ابن شهرين، وقيل: أكثر من ذلك. والأوّل هو الرّاجح، وإن قال السهيلي: إنّ الرّأي الثّاني ويرى بعض العلماء أنّ والد النّبيّ توفّي بعد ميلاده وهو لا يزال في المهد، قيل: ابن شهرين، وقيل: أكثر من ذلك. والأوّل هو الرّاجح، وإن قال السهيلي: إنّ الرّأي الثّاني قول أكثر العلماء. والله أعلم. (انظر السّيرة النّبويّة، ١/ ١٦٦) .
(٢) التّذكرة، ص ١٥.
(٣) الرّوض الأنف، ج ١/ ١٩٥. قال السّهيليّ: (حديث غريب لعلّه أن
[ ١١٣ ]
قال القرطبيّ: فهذا ناسخ لما في صحيح مسلم أنّ النّبيّ ﷺ زار قبر أمّه وقال: «استأذنت ربّي أن أزور قبرها فأذن لي، فاستأذنته أن أستغفر لها فلم يأذن لي» «١» .
_________________
(١) يصحّ، وجدته بخطّ جدّي أبي عمران أحمد بن أبي الحسن القاضي﵀- بسند فيه مجهولون، ذكر أنّه نقله من كتاب، انتسخ من كتاب معوّذ بن داود الزّاهد، يرفعه إلى ابن أبي الزناد عن عروة) . وأنكر ابن كثير في «البداية والنّهاية»، ج ٢/ ٢٨١ ما رواه السّهيلي، وقال: (حديث منكر جدّا، وإن كان ممكنا بالنّظر إلى قدرة الله تعالى، لكنّ الّذي ثبت في الصّحيح يعارضه، والله أعلم) . وقال السّيوطيّ: ذكر كثير من الحفّاظ أنّ الحديث ضعيف، تجوز روايته في الفضائل والمناقب، لا موضوع، كالخطيب وابن عساكر وابن شاهين والسّهيلي والمحبّ الطّبري والعلّامة ناصر الدّين ابن المنيّر وابن سيّد النّاس، ونقله عن بعض أهل العلم وقد جعل هؤلاء الأئمة هذا الحديث ناسخا للأحاديث الواردة بما يخالفه، ونصّوا على أنّه متأخّر عنها، فلا تعارض بينه وبينها. وقال في «الدرج المنيفة»: جعلوه ناسخا، ولم يبالوا بضعفه، لأنّ الحديث الضّعيف يعمل به في الفضائل والمناقب، وهذه منقبة، ولذلك جزم بعض العلماء بأنّ أبويه ﷺ ناجيان وليسا في النار تمسّكا بهذا الحديث وغيره. (انظر شرح الزرقاني على المواهب اللّدنيّة، ج ١/ ١٦٨- ١٦٩) . وبصرف النّظر عمّا تقدّم فأبواه ناجيان نجاة أهل الفترة؛ وأهل الفترة ناجون إلّا من استثني، كما حقّق ذلك العلماء من الأشاعرة.
(٢) أخرجه مسلم، برقم (٩٧٦/ ١٠٨) . عن أبي هريرة ﵁. قلت: إنّ عدم الإذن في الاستغفار لا يلزم منه الكفر، بدليل أنّه ﷺ كان ممنوعا في أوّل الإسلام من الصّلاة على من عليه دين لم يترك له وفاء، ومن الاستغفار له وهو من المسلمين، وتعليله أنّ استغفار النّبيّ ﷺ مجاب على الفور، فمن استغفر له وصل عقب دعائه إلى منزله في الجنّة، والمديون محبوس عن مقامه حتّى يقضي دينه كما في الحديث،
[ ١١٤ ]
قال القرطبيّ: فإيمانهما به بعد الرّجعة ينفعهما كرامة له ﷺ، كما وقعت صلاة سليمان ﵇ أداء، لمّا ردّ الله عليه الشّمس بعد غروبها كرامة له، والله يختصّ برحمته من يشاء، ويكرم بكرامته من يشاء «١» .
[تنبّؤ سيف بن ذي يزن والكهّان بمبعث النّبيّ ﷺ]
وفي السّنة السّابعة: وفد جدّه عبد المطّلب على سيف بن ذي يزن الحميريّ، لتهنئته بأخذه (صنعاء) وبظفره ب (الحبشة)، فأكرمه وأخبره هو والكهّان الوافدون عليه بنبوّة محمّد ﷺ، وأنّه أبوه، وأنّه سيكون له شأن عظيم.
[وفاة جدّه عبد المطّلب وكفالة أبي طالب للنّبيّ ﷺ]
وفي السّنة الثّامنة: توفّي جدّه عبد المطّلب، فكفله عمّه أبو طالب، واسمه: عبد مناف؛ لأنّه شقيق عبد الله، فأحسن كفالته، وتعرّف منه اليمن والبركة، ودافع عنه بعد مبعثه بيده ولسانه، وكان إذا أكل هو وأولاده فأكل معهم النّبيّ ﷺ شبعوا، وإذا لم يأكل معهم لم يشبعوا.
[خروج النّبيّ ﷺ إلى الشّام مع عمّه أبي طالب وقصّة الرّاهب بحيرا]
وفي السّنة الثّالثة عشرة: خرج به عمّه أبو طالب في تجارة إلى (الشّام)، فلمّا بلغوا (بصرى)، رآه الرّاهب بحيرا- بفتح الموحّدة وكسر المهملة ممدودا- فتحقّق فيه صفات النّبوّة، فأمر أبا طالب أن يردّه إلى (مكّة) خوفا عليه من اليهود والنّصارى، فرجع به.
وروى التّرمذيّ في «جامعه» أنّ نفرا من الرّوم أرادوا به سوآ، فمنعهم بحيرا وذكّرهم الله، وقال: أفرأيتم أمرا أراد الله أن يقضيه، أيقدر أحد من النّاس أن يردّه؟ فقالوا: لا، وانصرفوا «٢» .
_________________
(١) فقد تكون أمّه ﷺ مع كونها متحنفة كانت محبوسة في البرزخ عن الجنّة لأمور أخرى غير الكفر اقتضت أن لا يؤذن له في الاستغفار. (انظر شرح الزّرقاني على المواهب اللّدنيّة، ج ١/ ١٧٨) .
(٢) التّذكرة، ص ١٦.
(٣) أخرجه التّرمذيّ، برقم (٣٦٢٠) . عن أبي موسى ﵁.
[ ١١٥ ]
[شهود النّبيّ ﷺ حرب الفجار]
وفي السّنة الرّابعة عشرة/: كانت حرب الفجار- بكسر الفاء وجيم- بين قريش وهوازن، وسمّيت بذلك لوقوعها في الشّهر الحرام، وتطاولت الحرب بينهم، وكانت الدّائرة لهوازن على قريش، حتّى شهدها ﷺ يوما مع قومه، فانقلبت الدّائرة لهم على هوازن.
[شهود النّبيّ ﷺ حلف الفضول]
ثمّ عقدت قريش حلف الفضول لنصرة المظلوم «١»، فشهدهم ﷺ. وكان سببه أنّ رجلا قدم (مكّة) بمتاع، فابتاعه منه العاص بن وائل السّهميّ، وظلمه الثّمن، فشكاه، فلم ينصفه أحد، فأوفى على جبل أبي قبيس وأنشد بأعلى صوته، [من البسيط] «٢»:
يا آل فهر لمظلوم بضاعته ببطن مكّة نائي الدّار والنّفر
ومحرم أشعث لم يقض عمرته يا للرّجال وبين الحجر والحجر
فقال الزّبير بن عبد المطّلب بن هاشم: والله لا صبر لي على هذا الأمر، فجمع بني عبد مناف وبني زهرة وبني أسد وتيما في دار عبد الله ابن جدعان التّيميّ، وقد صنع لهم ابن جدعان طعاما، فتحالفوا ليكوننّ عونا للمظلوم على الظّالم، ثمّ أتوا العاص بن وائل فانتزعوا سلعة الرّجل منه قهرا.
وفي الحديث أنّ النّبيّ ﷺ قال: «شهدت مع عمومتي في دار ابن جدعان من حلف الفضول ما لو دعيت إليه اليوم لأجبت» «٣» .
[خروج النّبيّ ﷺ إلى الشّام في تجارة لخديجة ﵂]
وفي السّنة الخامسة والعشرين: خرج ﷺ مع ميسرة غلام
_________________
(١) قيل: إنّما سمّي حلف الفضول لأنّهم أخرجوا فضول أموالهم للأضياف. (أنصاريّ) ..
(٢) ابن هشام، ج ١/ ١٣٣.
(٣) أخرجه البيهقيّ في «السّنن الكبرى»، ج ٦/ ٣٦٧. عن طلحة بن عبد الله بن عوف الزّهريّ ﵁.
[ ١١٦ ]
خديجة في تجارة لها بأجرة، فربحا أضعاف ما يربح النّاس، فلمّا رجعا أضعفت له خديجة الأجرة، وشاهد منه ميسرة في تلك السّفرة أنواعا من علامات النّبوّة، منها: أنّه كان إذا اشتدّ الحرّ ظلّلته غمامة، تسير بسيره، وتقف في وقوفه.
فائدة: [في تظليل النّبيّ ﷺ بالغمام]
الظّاهر أنّ تظليله بالغمام كان قبل البعثة، ففي حديث الهجرة أنّ أبا بكر ظلّله بثوب. وفي قصّة غورث كنّا إذا رأينا شجرة ظليلة تركناها لرسول الله ﷺ.
[مرور النّبيّ ﷺ بالرّاهب نسطور]
ومنها-[أي: من علامات النّبوّة]-: أنّهم مرّوا براهب/ يقال له نسطور- بفتح النّون- فقال لميسرة: من هذا الفتى؟ فقال: هو من أهل (مكّة)، من أهل الحرم، فقال: أشهد أنّه نبيّ، وأنّه آخر الأنبياء.
[خطبة خديجة لرسول الله ﷺ وزواجه منها]
ومنها: ما شاهده من صدقه وأمانته وخلقه العظيم، فأخبر ميسرة خديجة بما شاهده من معجزاته ﷺ وخلقه وبركته، فخطبته إلى نفسها.
وهي خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزّى بن قصيّ.
وكانت خديجة من أفضل نساء قريش حسبا ونسبا وجمالا ومالا، وقد كان كلّ من قومها حريصا على نكاحها، فأكرمها الله بأكرم الخلق على الله، لما سبق في الأزل من الكرامة، فنكحها، وبقيت معه خمسا وعشرين سنة، عشرا بعد المبعث وخمس عشرة قبله، وكانت له عونا على الحقّ، وهي أوّل من أسلم على يديه من النّساء، وهي أمّ أولاده كلّهم: القاسم وعبد الله الطّاهر، ورقيّة، وزينب وأمّ كلثوم، وفاطمة، إلّا إبراهيم فإنّ أمّه مارية القبطيّة.
[ ١١٧ ]
وفي «الصّحيحين» أنّه ﷺ قال: «خير نسائها مريم [ابنة عمران]، وخير نسائها خديجة» «١» - أي: مريم خير نساء زمانها، وخديجة خير نساء زمانها-.
وأنّه ﷺ قال: «أتاني جبريل فقال: هذه خديجة، فإذا أتتك فاقرأ ﵍ من ربّها ومنّي، وبشّرها ببيت في الجنّة من قصب- أي: لؤلؤ مجوّف- لا نصب فيه- أي: تعب- ولا صخب- أي:
صراخ-» «٢» . زاد الطّبرانيّ أنّها قالت: هو السّلام، ومنه السّلام، وعلى جبريل السّلام.
فائدة: [في التّفاضل بين خديجة وعائشة ﵄]
احتجّ بعض الأئمّة بهذا الحديث على تفضيل خديجة على عائشة ﵄ من حيث إنّ جبريل أقرأ خديجة السّلام عن الله وعن نفسه، وإنّما أقرأ عائشة السّلام عن نفسه، وبقوله ﷺ- لمّا قالت له عائشة: قد أبدلك الله خيرا منها-: «ما أبدلني الله خيرا منها، آمنت بي إذ كفر النّاس» «٣» .
وأجيب عن الأوّل: بأنّ تسليم الله على خديجة لا يقتضي تفضيلها، / كما لا يقتضي تسليمه على إبراهيم وغيره من الأنبياء تفضيلهم على محمّد، الّذي أمر الله أمّته بالتّسليم عليه. وعن الثّاني: بأن مراد عائشة خيرا منها في السّنّ- كما في الحديث- فقابل
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٢٤٩) . ومسلم برقم (٢٤٣٠/ ٦٩)، عن عليّ بن أبي طالب ﵁.
(٢) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٦١٠) . عن أبي هريرة ﵁.
(٣) أخرجه أحمد في «المسند»، برقم (٢٤٣٤٣)، عن عائشة ﵂.
[ ١١٨ ]
ذلك ﷺ بخيريّة خديجة في الدّين الّذي هو أفضل من حداثة السّنّ.
والله أعلم.
[بنيان الكعبة ومشاركة النّبيّ ﷺ]
وفي السّنة الخامسة والثّلاثين: بنت قريش (الكعبة) وتقاسمتها أرباعا «١»، فلمّا انتهوا إلى موضع الحجر الأسود، تنازعت القبائل أيّها يضعه موضعه، حتّى كادوا يقتتلون، ثمّ اتّفقوا على أن يحكّموا أوّل داخل عليهم من بني هاشم.
فكان ﷺ هو أوّل داخل، فقالوا: هذا محمّد، هذا الصّادق الأمين، رضينا به، فحكّموه، فبسط ﷺ رداءه ووضع الحجر فيه، وأمر أربعة من رؤساء القبائل الأربع، أن يأخذوا بأرباع الثّوب، فرفعوه إلى موضعه، فتناوله ﷺ بيده المباركة، فوضعه في موضعه.
وفي «الصّحيحين»: أنّه ﷺ حضرهم يوما في بناء الكعبة فذهب هو وعمّه العبّاس ينقلان الحجارة، فقال له العبّاس:
اجعل إزارك على عاتقك كما يفعلون، ففعل، فخرّ إلى الأرض مغشيّا عليه، وطمحت عيناه إلى السّماء، وقال: «أرني إزاري»، فشدّه عليه «٢» .
[ترادف علامات النّبوّة عليه ﷺ]
وفي الثّامنة والثّلاثين: ترادفت علامات نبوّته ﷺ، وتحدّث بها الرّهبان والكهّان.
_________________
(١) قلت: فكان جانب الباب لبني عبد مناف وزهرة. وكان ما بين الرّكن الأسود واليمانيّ لبني مخزوم وقبائل من قريش انضمّوا إليهم. وكان ظهر الكعبة لبني جمح وسهم. وكان جانب الحجر لبني عبد الدّار ولبني أسد ابن عبد العزّى ولبني عديّ.
(٢) أخرجه البخاريّ: برقم (١٥٠٥)، عن جابر بن عبد الله ﵄. طمحت: شخصت وارتفعت. أرني: أعطني.
[ ١١٩ ]
[حبّ النّبيّ ﷺ للخلوة]
وفي التّاسعة والثّلاثين: حبّبت إليه الخلوة، فكان يخلو بغار (حراء) أيّاما بعد أيّام، يتزوّد لها. وكان في تلك المدّة يرى أنوارا، ويسمع أصواتا.
[الرّؤيا الصّادقة]
وفي السّنة الأربعين قبل مبعثه بستّة أشهر: كان وحيه ﷺ مناما، وكان لا يرى رؤيا إلّا جاءت مثل فلق الصّبح. أي: مثل الصّبح المفلوق، أي: المنشقّ. ومنه: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ [سورة الفلق ١١٣/ ١] .
[تسليم الحجر والشّجر عليه ﷺ]
وكانت الأحجار والأشجار تسلّم عليه بالرّسالة.
وفي الحديث الصّحيح أنّه/ ﷺ قال: «إنّي لأعرف حجرا بمكّة كان يسلّم عليّ قبل أن أبعث» «١» .
وفي «الصّحيحين» أنّه ﷺ قال: «رؤيا المؤمن جزء من ستّة وأربعين جزآ من النبوّة» «٢» .
قال العلماء: لأنّ مدّة النّبوّة ثلاث وعشرون سنة، ونصف السّنة منها جزء من ستّة وأربعين جزآ.
وما أحسن قول صاحب البردة﵀- فيها، [من البسيط] «٣»:
أبان مولده عن طيب عنصره يا طيب مبتدإ منه ومختتم
يوم تفرّس فيه الفرس أنّهم قد أنذروا بحلول البؤس والنّقم
_________________
(١) أخرجه مسلم، برقم (٢٢٧٧)، عن جابر بن سمرة ﵁.
(٢) أخرجه البخاريّ، برقم (٦٥٨٦) . ومسلم برقم (٢٢٦٤)، عن عبادة ابن الصّامت ﵁.
(٣) البردة، ص ١٩- ٢٠.
[ ١٢٠ ]
وبات إيوان كسرى وهو منصدع كشمل أصحاب كسرى غير ملتئم
والنّار خامدة الأنفاس من أسف عليه والنّهر ساهي العين من سدم «١»
وساء ساوة أن غاضت بحيرتها وردّ واردها بالغيظ حين ظمي «٢»
كأنّ بالنّار ما بالماء من بلل حزنا وبالماء ما بالنّار من ضرم «٣»
والجنّ تهتف والأنوار ساطعة والحقّ يظهر من معنى ومن كلم
عموا وصمّوا فإعلان البشائر لم تسمع وبارقة الإنذار لم تشم
من بعد ما أخبر الأقوام كاهنهم بأنّ دينهم المعوجّ لم يقم
وبعد ما عاينوا في الأفق من شهب منقضّة وفق ما في الأرض من صنم
حتّى غدا عن طريق الوحي منهزم من الشّياطين يقفو إثر منهزم
لا تنكر الوحي من رؤياه إنّ له قلبا متى نامت العينان لم ينم «٤»
_________________
(١) ساهي: ساكن عن الجريان. السّدم: الحزن.
(٢) ساوة: مدينة في بلاد فارس بين همذان وقم.
(٣) الضّرم: اللهب.
(٤) الرّؤيا: المنام.
[ ١٢١ ]
وذاك حين بلوغ من نبوّته «١» فليس ينكر فيه حال محتلم
تبارك الله ما وحي بمكتسب «٢» ولا نبيّ على غيب بمتّهم «٣»
_________________
(١) يعني: أنّ الوحي ثابت في المنام للأنبياء بعد إدراك النّبوّة.
(٢) ما وحي بمكتسب: أي لا تدرك النّبوّة باجتهاد صاحبها وسعيه، وإنّما فضل الله ﷿ يختصّ به من يشاء.
(٣) أي: غير متّهم بالكذب فيما يخبر به من الأمور الغيبيّة.
[ ١٢٢ ]
الباب الخامس في اثبات أنّ دينه ﷺ ناسخ لكلّ دين، وأنّه خاتم النّبيّين وعموم رسالته إلى النّاس أجمعين وتفضيله على جميع النبيّين والمرسلين
اعلم أنّ إثبات النّبوّة هو الشّطر الثّاني من التّوحيد، فإنّه ﷺ قال: «مبنى الإيمان على قول: لا إله إلّا الله/، وهو شطر- أي:
نصف- والشّطر الثّاني: محمّد رسول الله» .
وقد ذكرنا نبذا من مبادىء نبوّته ﷺ قبل البعثة من المبشّرات، الّتي يتذكّر بها من يخشى، ويتجنّبها الأشقى.
وسنذكر أيضا في الباب السّادس بعد هذا من معجزاته ﷺ، البالغة مبلغ التّواتر ما يستيقن به الّذين أوتوا الكتاب، ويزداد الّذين آمنوا إيمانا.
ولكنّ التّذكير والتّبشير إنّما هو لمن تقرّر في قلبه التّصديق والإيمان برسالته ﷺ.
وأمّا المنكر الجاحد لها: فلا يدحض حجّته ولا يبطل شبهته إلّا البراهين العقليّة القاطعة لحجّته، المبطلة لشبهته.
فنقول وبالله التّوفيق، على سبيل التّمهيد والتّحقيق، في إدراك النّبوّة بطريق الذّوق، ثمّ بيان أصلها، ثمّ إمكانها، ثمّ وجودها، ثمّ صحّتها:
أمّا طريق الذّوق: فاعلم أنّه لا يدرك بالذّوق شيئا من المعرفة
[ ١٢٣ ]
بحقيقة النّبوّة من لم يذق شيئا من سلوك طريق أهل الله تعالى، وأولياء الله تعالى، برياضة الأنفس وتزكيتها، وتصفية القلوب، وتهذيب الأخلاق.
لأنّ كرامات الأولياء على التّحقيق بدايات الأنبياء، وقد كان ذلك أوّل حال نبيّنا ﷺ، حيث كان يتعبّد في (حراء)، وكان يؤثر العزلة للخلوة بربّه، والتّجرّد والتّبتّل؛ وهو الانقطاع عن الخلائق إلى الخالق، وهو الذّهاب إلى الله تعالى، الّذي أشار إليه الخليل ﵊ بقوله: وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ [سورة الصّافّات ٣٧/ ٩٩] .
فمن مارس تلك الطّريق اتّضح له طرف من حقيقة النّبوّة، ما هي وخاصّيّتها بالكشف والعيان، ومن لم يبلغ هذه الرّتبة فلا بدّ له من التّنبيه على أصلها وإمكانها، ثمّ وجودها عموما، ثمّ لشخص معيّن، بإقامة البرهان، لشدّة مسيس الحاجة إليها.
وأمّا دليل أصلها: فكلّ عاقل قاطع بأنّ الإنسان أوّل ما يدرك من مراتب العلم في صغره/ وطفوليّته العلم بالحواسّ الخمس، الّتي هي. السّمع، والبصر، والشّمّ، والذّوق، واللّمس.
فيدرك بكلّ واحدة من هذه عالما لا يدركه بالآخرى، ومن تعطّلت عليه حاسّة منها- كالبصر مثلا- لم يدرك ما حقيقة الألوان، إلّا بسماعها بالتّواتر، فإنكاره لها مكابرة جاهل بما لم يعلم، وتكذيب بما لم يحط بعلمه، وقد أحاط به غيره، فيحتجّ عليه المبصر بأنّ عندك حاسّة الشّمّ وزيد أخشم «١» لا يفرّق بين رائحة المسك والجيفة، فماذا نقول له لو زعم التّسوية بين المسك والجيفة؟
_________________
(١) الأخشم: من أصابه داء في أنفه فأفسده، فصار لا يشمّ.
[ ١٢٤ ]
فإن زعمت أنّه مكذّب بما لم يحط بعلمه من المشمومات، فهو أيضا يزعم أنّك مكذّب بما لم تحط به من الألوان المبصرات، ولا يسعك إلّا أن تؤمن له بوجود الألوان وتنوّعها، ويؤمن لك بوجود المشمومات وتنوّعها. وهكذا في المطعومات والملموسات والمسموعات.
وهذا الإدراك حاصل للطّفل، لا يدرك غيره من العوالم إلى سنّ التّمييز، فإذا بلغ سنّ التّمييز خلق الله فيه أمورا عقليّة زائدة على تلك الحسّيّة؛ كالتّمييز بين الجائزات والمستحيلات والواجبات.
فإذا قلت مثلا للطفل: رشّ هذا الحجر ليصير ليّنا كالطين اعتقد جواز ذلك دون المميّز، ولو قلت للمميّز الّذي سقط من يده القدح الّذي فيه الشّراب: هذا القدح انكسر والشّراب لم يتبدّد لعلم أنّك تهزأ به، إذ من لوازم انكسار القدح تبدّد الشّراب الّذي هو فيه.
وهكذا لو قلت له غير ذلك. وهو في هذا العالم إلى بلوغ سنّ التّكليف الّذي يتحمّل به الأمانة الشّرعيّة فيكمل تمييزه، فيخلق الله فيه طورا آخر من العقل، بحيث يوثق بأقواله وأفعاله، وتطمئنّ النّفس لمعظم أحواله، ولا يزال يزداد بالتّجربة عقلا. فكلّ عاقل يقطع بأنّ سنّ التّمييز طور وراء سنّ الطّفوليّة، وسنّ العقل طور وراء سنّ التّمييز.
وإذا قطع العاقل/ بذلك قلنا له: ليس في العقل أيضا ما يحيل أنّ فوق طوره طورا آخر، وفوق ذلك الطّور طورا آخر، وهلمّ جرّا.
فكما أنّ قدرة الله صالحة لأن يخلق في المميّز ما لم يدركه الطّفل من العلم، وفي العاقل ما لم يدركه المميّز؛ فهو سبحانه قادر على أن يخلق في بعض العقلاء طورا لا يدركه العقلاء؛ من الاطلاع على الغيب، وفتح عين في القلب تسمى: البصيرة الباطنة، بمثابة البصر لعين الرأس الظّاهرة، والعقل عن هذا الطّور معزول، كعزل قوّة الحواسّ عن التّمييز، وعزل التّمييز عن المعقولات،
[ ١٢٥ ]
فإنكار بعض العقلاء لطور النّبوّة كإنكار المميّز لطور العقل، وإنكار الأعمى للمبصرات، والأخشم للمشمومات، وذلك عين الجهل، إذ لا مستند له إلّا أنّ هذا طور لم يبلغه عقله إدراكا.
فنقول له: إن لم يدركه عقلك بمباشرة فلا تحل جوازه، كما لا يحيل الأعمى وجود المبصرات، ويجب عليه أن يقول: إنّ الحاسّة الّتي تدرك بها المبصرات وجدت في غيري فأدركها، ولم توجد فيّ فلم أدركها.
فحينئذ الشّكّ في النّبوّة إمّا أن يكون في إمكانها، أو في وجودها في العالم، أو في وقوعها مطلقا، أو في إثباتها لشخص معين.
أمّا دليل إمكانها: فظاهر ممّا تقرّر من أنّ العقل لا يحيل من أن يترقّى الإنسان الكامل إلى طور فوق طور العقل، يفتح الله لقلبه عينا يدرك بنورها ما لم يدركه العقل، كما ترقّى المميّز إلى طور العقل، والطّفل إلى طور التّمييز، وكما أنّ الله سبحانه قادر على أن يخلق في قلوب عباده المعرفة به، وبأسمائه الحسنى، وصفاته العلى، وجميع تكليفاته الشّرعيّة، ابتداء بغير واسطة، كقوله تعالى:
وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ [سورة البقرة ٢/ ٣١] وقوله تعالى: فَوَجَدا عَبْدًا مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا [سورة الكهف ١٨/ ٦٥] . وآدم نبيّ، والعبد وليّ، وكلاهما اشتركا في تعليم العلم اللّدنّيّ بغير واسطة.
وطور النّبوّة/ أيضا فوق طور الولاية، يعلمه الوليّ ويؤمن به، كما يعلم أنّ طور الولاية فوق طور العقل ذوقا ومباشرة، وكذلك العقل لا يمنع أن يوصل الله إلى من ارتضاه من رسله العلم بما سبق
[ ١٢٦ ]
من المعرفة به وبأحكامه، بواسطة بينهم وبينه، يبلّغهم عنه ﷾، سواء كان ذلك الواسطة من جنسهم- كالأنبياء في حقّ سائر البشر- أم من غير جنسهم- كالملائكة في حقّ الرّسل- وإذا جوّز العقل ذلك، وجاءت الرّسل بما تثبّت بأمثاله الرّسالة، من المعجزات الدّالّة على صدقهم، وجب تصديقهم، والإيمان بهم، وبجميع ما أتوا به.
[وأمّا دليل وجودها]: فإذا وقع الشّكّ في شخص معين، هل هو نبيّ أم لا؟ فسبيل تحصيل اليقين بما يدّعيه من النّبوّة، بأمرين:
أحدهما: مشاهدة ما أقامه من المعجزات الخارقة للعادات، كما سنذكره، وهذا خاصّ بمن عاصره.
وثانيهما: معرفة خاصّيّة النّبوّة أوّلا، من إدراك الأنبياء ما لا يدركه العقلاء، ثمّ التّسامع بالتّواتر.
كما أنّ من أراد أن يعرف مثلا أنّ الإمام أبا حنيفة﵁- فقيه أم لا؟ فسبيله أن يعرف أوّلا حقيقة الفقه ما هو؛ وهو استنباط الأحكام الفرعيّة من الأدلّة الأصليّة، ثمّ ينظر ثانيا فيما نقل عنه، ممّا استنبطه من الفقه، من كتاب الله تعالى، وحديث رسول الله ﷺ، فإنّه يحصل له العلم الضّروريّ بأنّه في أعلى مراتب الفقه.
وكذلك من علم خاصّيّة النّبوّة، ثمّ نظر إلى ما قرّره نبيّنا ﷺ من الشّرع، حصل له لا محالة العلم القطعيّ، والإيمان القويّ بكونه ﷺ في أعلى درجات النّبوّة.
هذا كلّه لمن أراد من المؤمنين تقوية اليقين.
وأمّا الجاحد الملحد: فيقرّر عليه أوّلا من دليل العقل عدم استحالة وقوع النّبوّة- كما سبق- ثمّ يقرّر حقيقة المعجزة/ الّتي بها تثبت النّبوّة لمدّعيها. فنقول: المعجزة عبارة عن إيجاد الله تعالى أمرا
[ ١٢٧ ]
خارقا للعادة على يدي مدّعي الرّسالة، للدّلالة على تصديق الله له.
فكلّ ما أظهره الله ﷾ على أيدي الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام ممّا يعجز البشر عن الإتيان بمثله؛ فهو من معجزاتهم الدّالّة على نبوّتهم، لأنّه لمّا كان لا يقدر أن يوجد ذلك الفعل إلّا الله تعالى، كان إيجاده على أيديهم قائما بلسان الحال، مقام التّصديق بلسان المقال: صدق عبدي في ما ادّعاه «١» .
كما لو قال شخص عاقل بحضرة الملك: معاشر المسلمين!! إنّ السّلطان قد نصب فلانا عليكم حاكما، فاسمعوا له، وأطيعوا، ولم ينكر عليه الملك، علم الحاضرون بتقرير الملك صدق ذلك القائل.
فالمعجزة مع التّحدّي قائمة مقام قول الله تعالى: صدق عبدي فاتّبعوه، وذلك عند عجزهم عن معارضته تلك المعجزة، واعتراف أعلم أهل ذلك العصر أنّ مثل هذا غير داخل في طوق البشر.
ولهذا فإنّه لمّا كان زمن موسى ﵇ غاية علم أهله التّفنّن في السّحر، بعثه الله إليهم بمعجزة تشبه ما يدّعون كمال المعرفة فيه، ثمّ جاءهم بما خرق به عادتهم، وأبطل سحرهم.
ولمّا كان زمن عيسى ﵇ غاية علم أهله التّفنّن في الطّب، جاءهم بما لا يقدرون عليه، من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، دون معالجته.
وهكذا سائر معجزات الأنبياء ﵈، إنّما تكون بأمر شائع بين أهل ذلك العصر العلم به، والتّفنّن في المعرفة به على أقصى درجات الكمال عندهم، لتقوى عليهم الحجّة، ويعترفون
_________________
(١) أي: إيجاد الله تعالى المعجزة على أيدي الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين قائمة مقام قول الله تعالى في الحديث القدسيّ: (صدق عبدي فيما ادّعاه) .
[ ١٢٨ ]
بعجزهم وعجز من سواهم عن مقاومته.
[وأمّا صحّتها]: ولمّا بعث الله نبيّنا محمّدا ﷺ كان منتهى علم أهل عصره، وغاية المعرفة والكمال عندهم أمران:
أحدهما: فصاحة المنطق، وبلاغة الكلام، والتّفنّن فيه نثرا ونظما، في خطبهم/ وأشعارهم.
وثانيهما: علم الكهانة والزّجر «١»، والإخبار عن الحوادث.
فجعل الله معجزته العظمى ما أنزل عليه من الكتاب الحكيم، على هذا الأسلوب الغريب، الّذي لم يهتدوا إلى طريقه، ولا سلكوا سبيله، وتحدّاهم أن يأتوا بمثله، ثمّ بعشر سور منه، ثمّ بسورة، فعجزوا، وجعله مشتملا على الإخبار بالمغيّبات، وكشف المخبّات الّتي اعترف بصحّتها وأذعن لصدقها أعدى الأعداء له، وأبطل بذلك ما كانوا عليه من الكهانة، الّتي تصدق مرّة وتكذب ألفا.
فلمّا ادّعى ﷺ النّبوّة والرّسالة إلى النّاس كافّة، وأظهر المعجزات، وعظيم الآيات، الّتي لم تعارض في جميع الأوقات؛ دلّ ذلك قطعا على صدق ما ادّعاه.
أمّا دعواه النّبوّة والرّسالة: فمعلوم بالتّواتر بين البرّ والفاجر، لا يختلف فيه مؤمن وكافر.
وأمّا إقامته على ذلك الدّلائل الظّاهرة، والمعجزات الباهرة؛ فلما نقله الخلف عن السّلف، من الأمور الخارقة- كانشقاق القمر، وتسليم الحجر، وإجابة الشّجر، وحنين الجذع، وتسبيح الحصى، وتفجير الماء من بين أصابعه، وتكثير الطّعام القليل ببركته- وغير ذلك
_________________
(١) الزّجر: النّهي. وإنّما سمّي الكاهن زاجرا لأنّه إذا رأى ما يظنّ أنّه يتشاءم به زجر بالنّهي عن المضيّ في تلك الحاجة.
[ ١٢٩ ]
ممّا ستأتي الإشارة إلى بعضه تصريحا وتلويحا، إلى غير ذلك من عظيم الآيات المعلومة بالقطع بين علماء السّير، ونقلة الأخبار، ورواها العدد الكثير في جميع الأعصار، من الصّحابة والتّابعين، فمن بعدهم، ولم تزدد على مرّ الأيّام إلّا ظهورا. ومجموع معناها بالغ مبلغ التّواتر بين البرّ والفاجر، كما يعلم جود حاتم، وشجاعة عليّ بالضّرورة. وإن لم تبلغ كلّ واقعة منها بعينها مبلغ التّواتر، بل وأكثرها كان في المجامع الحفلة، والعساكر الجمّة من الصّحابة ﵃، ثمّ رواها عنهم الكافّة، ولم يرو عن أحد منهم مخالفة للرّاوي فيما رواه، والإنكار لما نسبه إليهم من المشاهدة لها وحكاه.
فسكوت السّاكت منهم/ كنطق النّاطق، وكثيرا ما يحصل العلم الضّروريّ بشيء لإنسان دون آخر، كمن يعلم جملة من أخبار الملوك الماضية، والبلدان النّائية، وآخر لا يعرف وجودها، فضلا عن تحقّق أخبارها.
ثمّ إنّ من أعظم معجزاته ﷺ الباهرة، وآيات نبوّته الظّاهرة، ودلائل صدقه: معجزة القرآن العظيم، المستمرّة على مرّ الدّهور والأزمان، المشاهدة لجميع الإنس والجانّ، وقد انطوى على وجوه من الإعجاز- ستأتي الإشارة إليها في الباب السّادس- لا يحصرها عدّ، ولا يحيط بها حدّ.
فلمّا أظهر ﷺ هذا الكلام البليغ، الّذي أعجز به البلغاء، واللّدّ «١» الفصحاء، مع ما اشتمل عليه من نبأ القرون السّالفة، والشّرائع الدّاثرة، ممّا كان لا يوجد في القصّة الواحدة، إلّا عند الفذّ من الأحبار والرّهبان، ولا ينالها بالتّعلّم إلّا من قطع
_________________
(١) اللّدّ: المجادلين.
[ ١٣٠ ]
العمر، وأفنى في طلبها الأزمان.
[قال تعالى]: ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ [سورة آل عمران ٣/ ٤٤] .
[وقال تعالى] إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ. وَإِنَّهُ لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [سورة النمل ٢٧/ ٧٦- ٧٧] .
هذا مع ما انطوى عليه من المغيّبات، والإخبار بما كان وما هو آت، ومع ما احتوى عليه من بليغ المواعظ والحكم، وكريم الأخلاق والشّيم، والتّرغيب والتّرهيب، والوعد والوعيد، وإثبات النّبوّات والتّوحيد، وتحدّاهم بأن يأتوا بسورة من مثله، فعجزوا بعد أن أخبرهم أنّهم لن يفعلوا، قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [سورة الإسراء ١٧/ ٨٨] .
فلمّا عجزوا كلّهم عن معارضته، مع كمال بلاغتهم، وشدّة حرصهم، وتوفّر دواعيهم، وتهالكهم على إفحامه، وألقوا بأيديهم مذعنين، وأحجموا عن معارضته صاغرين، دلّ ذلك على/ صدقه قطعا فيما ادّعاه، وأنّ كتابه منزّل من عند الله، هذا مع ما قد تواتر عنه قبل دعوى النّبوّة وبعدها، من ملازمة الصّدق والأمانة، والعفّة والصّيانة، والأحوال الكريمة، والأخلاق العظيمة، والسّيرة الحسنة، والإعراض عن زهرة الدّنيا، والمداومة على الجدّ والتّشمير للآخرى، إلى أن توفّاه الله.
إذا العقل يقطع بامتناع اجتماع هذه الأمور، إلّا في الأنبياء المؤيّدين بتأييد الله تعالى وأمره، ويستحيل أن يجمع الله هذه الكمالات فيمن يفتري على الله الكذب والبهتان، ثمّ يظهر دينه،
[ ١٣١ ]
كما أخبر به على سائر الأديان.
وهل للنّبوّة والرّسالة معنى غير هذا في الاستدلال؟ وماذا بعد الحقّ إلّا الضّلال؟
ثمّ إذا ثبتت نبوّته ﷺ- وقد دلّ كلام ربّه المنزّل على أنّه خاتم النّبيين، وأنّه مبعوث إلى النّاس أجمعين- ثبت بذلك عموم رسالته، ونسخ شريعته لسائر الشّرائع، لوجوب طاعته واتّباعه على الكلّ: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ [سورة آل عمران ٣/ ٨٥] .
وفي «صحيحي البخاريّ ومسلم»: «مثلي ومثل الأنبياء، كرجل بنى دارا، فأكملها وأحسنها إلّا موضع لبنة فيها، فجعل النّاس يدخلونها ويتعجّبون ويقولون: لولا موضع هذه اللّبنة، فأنا اللّبنة، وأنا خاتم النّبيّين» «١» .
فإن ادّعى مدّع خصوص رسالته إلى العرب فقط، فقد اعترف بنبوّته، والكذب ممتنع على الأنبياء اتّفاقا.
وقد حصل العلم القطعيّ أنّه ﷺ جاء بكتاب من عند الله، ناطق بعموم رسالته إلى النّاس أجمعين، كقوله تعالى: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [سورة الأعراف ٧/ ١٥٨] . وبأنّه ادّعى عموم الرّسالة إلى الأحمر والأسود، والبعيد والقريب: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [سورة الأنعام ٦/ ١٩]- أي: من بلغه القرآن-.
/ وتواتر النّقل عنه أنّه ﷺ دعا اليهود والنّصارى وغيرهم إلى الإيمان، وأرسل كتبه إلى ملوك الفرس والرّوم وغيرهم، وألزمهم
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٣٤١- ٣٣٤٢) . ومسلم برقم (٢٢٨٧) . عن أبي هريرة ﵁.
[ ١٣٢ ]
وجوب طاعته، واتّباعه على وفق ما يجدونه في كتبهم:
الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ [سورة الأعراف ٧/ ١٥٧] يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ [سورة البقرة ٢/ ١٤٦] فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ [سورة البقرة ٢/ ٨٩] .
فكيف يعترف هذا بنبوّته ثمّ يناقض وجوب عصمته بتكذيبه؟
[قال تعالى]: وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا. أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا [سورة النّساء ٤/ ١٥٠- ١٥١] .
فهذا القدر كاف في تحقيق نبوّته، وعموم رسالته ﷺ، ونسخ دينه لكلّ دين.
[تفضيل النّبيّ ﷺ على الأنبياء والمرسلين]
وأمّا تفضيله ﷺ على جميع النّبيّين والمرسلين؛ فلما صحّ من قوله ﷺ: «أنا سيّد ولد آدم ولا فخر» «١» .
فتحدّث بنعمة ربّه امتثالا لأمره، نافيا للفخر والخيلاء، وبلّغ ذلك إلى أمّته ليعرفوه ويعتقدوه، ولقوله ﷾: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [سورة آل عمران ٣/ ١١٠] .
ولا شكّ أنّ خيريّة الأمّة بحسب كمالها، وذلك تابع لكمال نبيّها، لأنّ كمال التّابع من كمال المتبوع. هذا إلى ما ورد في الأخبار الصّحيحة من اختصاصه ﷺ بالشّفاعة العظمى في أهل الموقف يوم الدّين، وهو المقام المحمود الّذي يحمده فيه الأوّلون والآخرون، بعد رجوع الخلائق إليه في الشّفاعة العظمى، واعترافهم له بالمزيّة.
وفي «الصّحيحين»: «أعطيت خمسا، لم يعطهنّ أحد قبلي:
نصرت بالرّعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا،
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه، برقم (٤٣٠٨) . عن أبي سعيد الخدري ﵁.
[ ١٣٣ ]
وأحلّت لي الغنائم ولم تحلّ لأحد قبلي، وأعطيت الشّفاعة، وبعثت إلى النّاس عامّة، وكان النّبيّ يبعث إلى قومه خاصّة» «١» .
وقال بعض العارفين/ بالله: لمّا أخرج الله: مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى [سورة الأعراف ٧/ ١٧٢] تفاوتوا في الإجابة، فأوّلهم الرّسل، وأوّل الرّسل محمّد ﷺ وعليهم أجمعين.
هذا مع أنّه لا تفاضل بين جميع الأنبياء في درجة النّبوّة، وإنّما يكون التّفاضل بينهم بأمور أخر زائدة على ذلك؛ كأن تكون معجزات أحدهم أشهر وأظهر، أو تكون أمّته أكثر وأظهر، أو غير ذلك ممّا يخصّهم الله به من الكرامة.
فمنهم: أولوا العزم «٢»، ومنهم: أولوا الأيدي والأبصار «٣»، ومنهم: المصطفون الأخيار «٤»، ومنهم: من رفعه الله مكانا عليّا «٥»، ومنهم: من آتاه الله الحكم صبيا «٦» .
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٢٨) . ومسلم برقم (٥٢١/ ٣) . عن جابر بن عبد الله ﵄.
(٢) أولوا العزم: ذوو الحزم والصّبر. وفيهم عشرة أقوال؛ أحدها: أنّهم (نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى ومحمّد ﷺ) . [زاد المسير، ج ٧/ ٣٩٢ (أنصاريّ)] وهذا القول هو المعتمد المشهور عند المحققين.
(٣) أولو الأيدي: القوّة في الطّاعة. والأبصار: البصائر في الدين والعلم. قال ابن جرير: وذكر الأيدي مثل، وذلك لأنّ باليد البطش، وبالبطش تعرف قوّة القويّ، فلذلك قيل للقويّ: ذو يد. وعنى بالبصر: بصر القلب، وبه تنال معرفة الأشياء. [زاد المسير، ج ٧/ ١٤٦ (أنصاريّ)] .
(٤) وهم: إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب عليهم الصّلاة والسّلام. (أنصاريّ) .
(٥) وهو: إدريس ﵊.
(٦) وهو: يحيى ﵊.
[ ١٣٤ ]
[قال الله تعالى] تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ [سورة البقرة ٢/ ٢٥٣] .
[وقال تعالى]: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا [سورة النّساء ٤/ ١٦٤] .
ثمّ إنّه ليس يخفى على من له أدنى ممارسة بالعلم أنّ معجزات نبيّنا محمّد ﷺ أشهر وأكثر من معجزات سائر المرسلين عليهم الصّلاة والسّلام أجمعين- كما سيأتي ذكر بعضها- وإنّها أبلغ وأتمّ في باب الإعجاز.
إذ من المعلوم أنّ انفجار الأصابع بالماء الغزير أبلغ في باب الإعجاز من انفجاره من الحجر، لأنّه شيء ما شوهد مثله قطّ ولا عهد، بخلاف انفجار الحجر بالماء، فإنّه بالجملة معهود، وإن كان على غير الوجه الّذي شوهد في عهد موسى ﵇.
وكذلك إشباع الجيش الكثير من أقراص من شعير، أتمّ في باب الإعجاز من إنزال المنّ والسّلوى، والمائدة على عيسى [﵇] من السّماء.
وكذلك ردّ العين السّائلة وإعادتها في الحال إلى صحّتها حتّى كانت أحسن من الآخرى الصّحيحة، أعجب من إبراء الأكمه والأبرص.
وكذلك نطق ما لم يعهد نطقه أصلا- كالجذع، والحجر، والشّجر، والضّبّ، والذّئب، والذّراع- أغرب من إحياء الموتى، فإنّ الميّت قد كان ينطق/، فقد عهد منه الحياة والنّطق في الجملة، ولم يعهد في حال من الأحوال نطق شيء من تلك الأجناس.
على أنّ جميع معجزات المرسلين ﵈ تصلح أن تكون
[ ١٣٥ ]
معجزة لنبيّنا ﷺ، لأنّ حقيقة المعجزة ما دلّ على صدق الرّسول، وكلّ من المرسلين قد بشّر به، فمعجزاتهم الدّالّة على صدقهم، معجزات دالّة على صدقه، وبراهين شاهدة بصحّة نبوّته.
ثمّ إنّ معجزات سائر المرسلين عليهم الصّلاة والسّلام انقرضت بانقراضهم، وانعدمت بموتهم.
وأمّا نبيّنا محمّد ﷺ فأعظم معجزاته: القرآن، وهو معجزة مستمرّة على مرّ الأزمان، لا تبيد ولا تنقطع، ولا تذهب ولا تضمحلّ، بل هي ثابتة إلى الأبد، واضحة الحجّة لكلّ قرن، فلا يمرّ عصر، ولا يظهر قرن، إلّا وهم مستدلّون على الخصم بوجوه إعجازه، محتجّون عليه بما احتجّ من قبلهم على الخصم من قبله، قائلين: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [سورة البقرة ٢/ ٢٣] .
فائدة [: في الفرق بين المعجزة والكرامة والسّحر]
أجمع أهل السّنّة على أنّ كرامات الأولياء حقّ.
قال الشّيخ الرّبّانيّ محيي الدّين النّوويّ- رحمه الله تعالى- في «شرح صحيح مسلم»، في الكلام على حديث جريج الرّاهب:
(فيه إثبات كرامات الأولياء، وأنّها تكون بجميع خوارق العادات، وأنّ كلّ ما جاز أن يكون معجزة للأنبياء، جاز أن يكون كرامة للأولياء، وأنّ كرامات الأولياء يجوز أن تقع باختيارهم وطلبهم وبغير اختيارهم، لأنّ جريجا توضّأ، وصلّى، ودعا الله تعالى، وقال للغلام: من أبوك؟ فقال: فلان الرّاعي) «١» . انتهى.
_________________
(١) شرح صحيح مسلم، للنّوويّ، ج ١٦/ ٨٨، بتصرّف من المؤلّف.
[ ١٣٦ ]
قلت: وجميع ما ذكره- رحمه الله تعالى- هو مذهب أهل السّنّة، لأنّ خرق العادة لا يحيله العقل، وقد تظاهرت أدلّة الكتاب والسّنّة، والأخبار والآثار، الّتي ملأت الآفاق، وضاقت عن حصرها الأوراق؛ على وقوع/ كرامات الأولياء في كلّ عصر وزمان، كقوله تعالى في مريم: كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقًا قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [سورة آل عمران ٣/ ٣٧]، وقوله تعالى: وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ [سورة مريم ١٩/ ٢٥]، وقوله تعالى: فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا
[سورة مريم ١٩/ ١٧]، وقوله تعالى:
قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ [سورة النّمل ٢٧/ ٣٩] .
وكحديث جريج، وأصحاب الغار الثّلاثة، وكذا حديث بركة قصعة الصّدّيق «١»، وحديث نداء الفاروق: يا سارية الجبل، ومشي العلاء بن الحضرميّ على الماء، وتسبيح قصعة أبي الدّرداء وسلمان «٢»، وتسليم الملائكة على عمران [بن حصين] .
_________________
(١) وذلك أنّ ثلاثة من أهل الصفّة نزلوا عنده ليتعشّوا، فأمر أبا بكر ابنه عبد الرّحمن، وقال له: دونك أضيافك، فإنّي منطلق إلى رسول الله ﷺ، فافرغ من قراهم قبل أن أجيء، ثمّ ذهب أبا بكر إلى أمره وعاد بعد ما مضى من الليل ما شاء الله. فوجدهم ينتظرونه ولم يأكلوا شيئا، فأحضر القدر، فأكلوا، فكان كلّما أكلوا لقمة زاد من أسفلها أكثر منها، فأكلوا وهي تزداد، حتى شبعوا، وإذا بالطعام في القدر قد زاد ثلاث مرّات، فأرسل أبو بكر القدر إلى النبي ﷺ، فأكل منها، وأكل معه جمع كبير من الناس، الله أعلم بعددهم «رياض الصالحين»، رقم (١٥٠١) .
(٢) وذلك أنّه بينما أبو الدّرداء يوقد تحت قدر له، وسلمان﵄- عنده، إذ سمع أبو الدّرداء في القدر صوتا، ثمّ ارتفع الصوت بتسبيح كهيئة صوت الصّبيّ، قال: ثمّ ندرت فانكفأت، ثمّ رجعت إلى
[ ١٣٧ ]
ولو لم يكن إلّا قوله ﷺ: «إنّ من عباد الله، من لو أقسم على الله لأبرّه» «١» - أي: لأكرمه- لكفى.
وسئل الإمام أحمد- رحمه الله تعالى-: ما بال الصّحابة لم ينقل عنهم من الكرامات ما نقل عمّن بعدهم؟ فقال: لقوّة إيمانهم.
وسئل النّوويّ- رحمه الله تعالى-: ما بال العلماء لا يظهر عليهم ما يظهر على العبّاد؟ فقال: لعزّة الإخلاص في العلم دون العبادة.
ولا فرق بين الكرامة والمعجزة إلّا اقتران المعجزة بدعوى النّبوّة.
نعم، قد تلتبس الكرامة بالسّحر، فإنّه أيضا أمر خارق للعادة، وإنّما الفرق بين الكرامة والسّحر باتّباع الولي للرّسول، ومخالفة السّاحر له.
فالكرامة الّتي لا يتطرّق إليها تلبيس «٢» هي الاستقامة.
قال العلماء: ويستحيل أن يظهر الخارق مع دعوى النّبوّة على يد الكاذب، وكلّ كرامة لوليّ معجزة لنبيّه، لدلالة صدق التّابع على صدق المتبوع. والله أعلم.
_________________
(١) مكانها لم ينصبّ منها شيء، فجعل أبو الدّرداء ينادي: يا سلمان؛ انظر إلى العجب!! انظر إلى ما لم تنظر مثله أنت ولا أبوك!! فقال سلمان: أما إنّك لو سكت لسمعت من آيات الله الكبرى وكان أبو الدّرداء إذا كتب إلى سلمان، أو سلمان كتب إلى أبي الدّرداء؛ كتب إليه يذكّره باية القصعة. «حلية الأولياء»، ج ١/ ٢٢٤.
(٢) أخرجه البخاريّ، رقم (٢٥٥٦) . عن أنس بن مالك ﵁.
(٣) تلبيس: اختلاط أو شبهة.
[ ١٣٨ ]
الباب السّادس في ذكر بعض ما اشتهر من معجزاته، وظهر من علامات نبوّته في حياته ﷺ
فمن [ذلك]: انشقاق القمر، وردّ الشّمس وحبسها له، ونبع الماء من بين أصابعه، وتكثير الطّعام اليسير ببركته، وكلام الشّجر والحجر، وشهادتها له بالنّبوّة، وشهادة الحيوانات له بالرّسالة، وشفاء العلل بريقه وكفّه المباركة، وإجابة دعائه لمن دعا له، وصلاح ما كان فاسدا بلمسه، وما أخبر به من المغيّبات، ممّا كان، وممّا هو آت/. وأعظمها معجزة: القرآن العظيم، والذّكر الحكيم.
فهذه عشرة أنواع من المعجزات الباهرة، والآيات الظّاهرة، كلّ نوع منها منطو على ما لا يحصره عدّ، ولا يحيط به حدّ، ولكنّا نشير من كلّ نوع منها إلى شيء منه: لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمانًا [سورة المدّثّر ٧٤/ ٣١] . فنقول:
أمّا النّوع الأوّل: وهو انشقاق القمر، وردّ الشّمس وحبسها
له ﷺ، فقد قال الله تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [سورة القمر ٥٤/ ١] .
[انشقاق القمر]
وروى البخاريّ في «صحيحه» عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: انشقّ القمر على عهد رسول الله ﷺ فرقتين: فرقة فوق الجبل، وفرقة دونه، فقال رسول ﷺ- أي لمن معه من
[ ١٣٩ ]
المسلمين-: «اشهدوا» «١» . وفي رواية-: «حتّى رأيت الجبل بين فرقتي القمر» «٢» .
فقال كفّار قريش: سحركم محمّد؟ فقال رجل منهم: إنّ محمّدا إن كان سحركم، فإنّه لا يبلغ من سحره أن يسحر أهل الأرض كلّها، فاسألوا من يأتيكم من بلد آخر، هل رأوا مثل هذا؟
فأتوا فسألوهم، فأخبروهم أنّهم رأوا مثل ذلك، فقال أبو جهل:
هذا سحر مستمرّ.
[ردّ الشمس وحبسها له ﷺ]
وخرّج الطّحاويّ في «مشكل الحديث» بإسنادين صحيحين، أنّ النّبيّ ﷺ كان يوحى إليه ورأسه في حجر عليّ ﵁، فلم يصلّ عليّ العصر حتّى غربت الشّمس، فقال له رسول الله ﷺ:
«أصليت العصر يا عليّ؟» قال: لا، فقال رسول الله ﷺ: «اللهمّ إنّه كان في طاعتك، وطاعة رسولك، فاردد عليه الشّمس» «٣» فطلعت بعدما غربت، وأشرقت على الجبال، وكان ذلك ب (الصّهباء) في غزوة (خيبر) .
وروى الحافظ يونس بن بكير، أنّ النّبيّ ﷺ لمّا أسري به ليلة الاثنين، وأخبر قومه بالرّفقة الّتي وجدهم في طريق (الشّام)، في العير الآتية إليهم، فقالوا له: متى تجيء العير؟ فقال: / «يوم الأربعاء» فلمّا كان ذلك الوقت احتبست العير، وأشرفت قريش ينتظرون، ودنت الشّمس للغروب، فحبس الله الشّمس ساعة،
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٤٥٨٣) .
(٢) أخرجه أحمد، برقم (٤٣٤٧) . عن عبد الله بن مسعود ﵁.
(٣) أخرجه الطّحاويّ في «مشكل الآثار»، ج ٢/ ٩.
[ ١٤٠ ]
حتّى قدمت العير، بعد أن دعا النّبيّ ﷺ ربّه أن يحبسها له «١» .
وأمّا النّوع الثّاني: وهو نبع الماء من بين أصابعه ﷺ،
فالأحاديث فيه كثيرة.
ففي «الصّحيحين»، عن أنس ﵁، قال: رأيت رسول الله ﷺ وقد حانت صلاة العصر، فالتمس النّاس الوضوء «٢»، فلم يجدوه، فأتي رسول الله ﷺ بوضوء- وفي رواية: بإناء لا يكاد يغمر أصابعه- فوضع [رسول الله ﷺ] يده في ذلك الإناء، وأمر النّاس أن يتوضّؤوا منه.
قال: فرأيت الماء ينبع من بين أصابعه، حتّى توضّؤوا عن آخرهم «٣» .
وفي «الصّحيحين» أيضا، عن ابن مسعود ﵁ قال:
بينما نحن مع رسول الله ﷺ وليس معنا ماء، فقال [لنا رسول الله ﷺ]: «اطلبوا من معه فضل ماء»، فأتي بقليل ماء فصبّه في إناء، ثمّ وضع كفّه فيه، فجعل الماء ينبع من بين أصابعه ﷺ «٤» .
فائدة [: في طلبه ﷺ فضل ماء]
قال العلماء: وإنّما طلب فضل الماء ليكون من باب تكثير القليل، لا من باب الإيجاد من العدم، لئلّا يتوهّم أحد أنّه الموجد للماء.
_________________
(١) ذكره الزبيدي في «الإتحاف»، ج ٧/ ١٩٢، وعزاه لابن بكير في «زيادة المغازي»، عن ابن إسحاق.
(٢) الوضوء: (بفتح الواو): الماء الّذي يتوضّأ به (أنصاريّ) .
(٣) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٣٨٠) .
(٤) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٣٨٦) .
[ ١٤١ ]
وفي «الصّحيحين» أيضا، عن جابر بن عبد الله ﵄، قال: عطش النّاس يوم (الحديبية)، ورسول الله ﷺ بين يديه ركوة، فتوضّأ منها، وأقبل النّاس نحوه، فقالوا: ليس لنا ماء إلّا ما في ركوتك هذه، فوضع يده في الرّكوة، فجعل الماء يفور من بين أصابعه ﷺ، كأمثال العيون «١» .
وفي «الصّحيحين» عن البراء بن عازب، وسلمة بن الأكوع ﵄، أنّهم نزحوا بئر (الحديبية) فلم يتركوا فيها قطرة، وكانت قليلة الماء، لا تروي خمسين شاة، فنزح ﷺ منها دلوا وبصق فيه، وأعاده إليها/، فجاشت بالماء الغزير، حتّى أروى الجيش أنفسهم وركابهم «٢» .
وفي «الصّحيحين» عن عمران بن حصين ﵁، قال: أصاب النّاس عطش شديد، وهم مع النّبيّ ﷺ في بعض أسفاره، فوجّه رجلين من أصحابه، وهما: عمران بن حصين، وعليّ بن أبي طالب ﵄، وأعلمهما أنّهما يجدان امرأة بمكان كذا، معها بعير عليه مزادتان، فوجداها، فأتيا بها إلى النّبيّ ﷺ، [فجعل في إناء من مزادتيها، وقال فيه ما شاء الله أن يقول، ثمّ أعاد الماء في المزادتين، ثمّ فتحت عزاليهما] «٣» فأمر النّاس أن يستقوا من مزادتيها، فملؤوا أسقيتهم حتّى لم يدعوا سقاء إلّا ملؤوه، قال عمران بن حصين: ثمّ أوكيتهما]، وتخيّل لي أنّهما لم يزدادا إلّا امتلاء، ثمّ أمر فجمع لها من الأزواد حتّى ملأ ثوبها،
_________________
(١) أخرجه البخاريّ برقم (٣٩٢١) . ومسلم برقم (١٨٥٦) . الرّكوة: إناء من جلد.
(٢) أخرجه البخاريّ برقم (٣٩٢٠) .
(٣) العزالى- مفردها عزلاء- وهي: مصب الماء من القربة ونحوها. [الأنصاري] .
[ ١٤٢ ]
وقال: «اذهبي فإنّا لم نأخذ من مائك شيئا- أي: لم ننقصه- ولكنّ الله سقانا» «١» .
وفي «الصّحيحين»، عن عمر بن الخطّاب ﵁، قال: كنّا مع رسول الله ﷺ في جيش العسرة، فعطش النّاس عطشا شديدا، حتّى إنّ الرّجل منّا لينحر بعيره، فيعصر فرثه فيشربه، فرغب أبو بكر إلى النّبيّ ﷺ في الدّعاء، فرفع يديه، فلم يرجعهما حتّى قالت السّماء، فانسكبت، فملؤوا ما معهم من الأسقية، ولم يجاوز المطر العسكر «٢» .
وفي «صحيح مسلم» عن جابر ﵁، قال: كنّا مع النّبيّ ﷺ في غزوة، فقال: «يا جابر ناد الوضوء»، فلم يجدوا ماء إلّا قطرة في فم مزادة، فقال: «ائتني بجفنة الرّاكب»، فأتيته بها، فوضع النّبيّ ﷺ كفّه فيها، وصبّ عليه ذلك الماء، فقال:
«باسم الله»، فرأيت الماء يفور من بين أصابعه، حتّى امتلأت الجفنة، واستدارت، فأمر النّاس بالاستقاء منها، فاستقوا، وأسقوا ركابهم، فرفع يده من الجفنة، وإنّها لملأى «٣» .
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٣٧) و(٣٣٧٨) . ومسلم برقم (٦٨٢/ ٣١٢) . المزادة: إناء من جلد كالرّاوية لها فم، تملأ ماء للشّرب، فالمزادة والرّاوية والقربة كلّها تصنع من الجلد، لكنّ بعضها أكبر من بعض، وأكبرها الرّاوية. العزلاء: مصبّ الماء من القربة ونحوها. أوكأ: ربط. أو شدّ بالوكاء، وهو ما يشدّ به رأس القربة ونحوها.
(٢) أخرجه البزّار في «المسند»، ج ٦/ ١٩٥. فرثه: ما في كرشه. قالت السّماء: غيّمت وظهر فيها سحاب. الأسقية: مفردها: سقاء؛ وعاء من جلد يكون للماء واللّبن.
(٣) أخرجه مسلم، برقم (٣٠١٣) . الجفنة: الإناء للماء والطّعام.
[ ١٤٣ ]
وروى الإمام مالك في «الموطّأ»، / عن معاذ بن جبل ﵁، قال: كنّا مع النّبيّ ﷺ في غزوة (تبوك)، فوردنا العين، فوجدناها تبضّ بشيء من ماء مثل الشّراك، فغرفوا منها شيئا في إناء، فغسل به النّبيّ ﷺ وجهه ويديه، وأعاده فيها، فجرت بماء كثير، له حسّ كحسّ الصّواعق، ثمّ قال: «يوشك أن يكون ما ها هنا جنانا» - أي: بساتين- فكان كذلك «١» .
وأمّا النّوع الثّالث: وهو تكثير الطّعام اليسير ببركته ﷺ
فكثير أيضا. فمن ذلك:
حديث أنس ﵁، أنّ أبا طلحة بعثه بأقراص من شعير تحت إبطه، ففتّها ﷺ وأشبع منها ثمانين رجلا. متّفق عليه «٢» .
وحديث جابر ﵁، أنّه صنع للنّبيّ ﷺ صاعا من شعير وعناقا، وطلب خامس خمسة، فنادى في أهل (الخندق)، وكانوا ألفا جياعا، فأكلوا من ذلك كلّهم، حتّى انصرفوا، قال جابر:
وأقسم بالله إنّ برمتنا لتغطّ كما هي، وإنّ عجيننا ليخبز، وكان النّبيّ ﷺ بصق في البرمة والعجين. متّفق عليه «٣» .
_________________
(١) أخرجه مالك في «الموطّأ»، كتاب: قصر الصّلاة في السّفر، رقم (٢) . ومسلم برقم (٧٠٦/ ١٠) . تبضّ: تسيل. الشّراك: سير النّعل، ومعناه: ماء قليل جدّا.
(٢) أخرجه البخاريّ، برقم (٦٣١٠) . ومسلم برقم (٢٠٤٠) .
(٣) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٨٧٦) . ومسلم برقم (٢٠٣٩/ ١٤١) . عناق: الأنثى من ولد المعز. البرمة: القدر. برمتنا لتغطّ: إنّ قدرنا ليغلي ويفور من الامتلاء، فيسمع غطيطها، أي: صوت غليانها. الغطيط: صوت النّائم أيضا.
[ ١٤٤ ]
وحديث جابر أيضا المتّفق عليه، أنّه حين مات أبوه أبى غرماؤه أن يقبلوا ثمرة نخيله بدينه، فجاء النّبيّ ﷺ وجلس على بيدر واحد منها، فكال لهم حتّى أوفاهم منه، وسلمت له منه بقيّة مع سائر البيادر «١» .
وحديث أبي أيّوب الأنصاريّ ﵁، أنّه صنع لرسول الله ﷺ ولأبي بكر عند قدومهما في الهجرة ما يكفيهما، فقال له النّبيّ ﷺ: «ادع ثلاثين من أشراف الأنصار»، فدعاهم، فأكلوا حتّى تركوه، فقال: «ادع ستّين»، فدعاهم، فأكلوا حتّى تركوه، فقال: «ادع سبعين»، فدعاهم، فأكلوا حتّى تركوه، قال أبو أيّوب: فأكل من طعامي ثمانون ومئة رجل، وما خرج رجل منهم حتّى أسلم وبايع «٢» / متّفق عليه.
وحديث أنس أنّ النّبيّ ﷺ حين ابتنى بزينب ﵂، أمره أن يدعو له كلّ من لقي، حتّى امتلأ البيت، فقدّم إليهم مدّا من تمر، قد جعل حيسا، فجعل القوم يتغدّون ويخرجون، وبقي التّمر كما هو. متّفق عليه «٣» .
وحديث عبد الرّحمن بن أبي بكر ﵄، قال: كنّا
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٨٢٧) . الغريم: صاحب الدّين. قلت: والحديث وإن كان معجزة للنّبيّ ﷺ فهو يدلّ على صدق المؤمنين مع فقرهم، ويدلّ على شدّة رحمته ﷺ بهم ومواساته إيّاهم.
(٢) أخرجه الأصفهانيّ في «الدّلائل»، ص ١٥٢- ١٥٣.
(٣) أخرجه البخاريّ، برقم (٢٧٣٦) . ومسلم برقم (١٣٦٥) . حيسا: تمر خلط بسمن أو دقيق. قلت: إنّ من المعروف أنّ هذه القصّة اتّفقت في بنائه ﷺ بصفيّة، وفي «شرح مسلم»، للخفاجيّ: أنّ الرّاوي أدخل قصّة في قصّة. وقال بعضهم: يحتمل أنّه اتّفق الشّيئان- يعني: الشّاة والحيس-.
[ ١٤٥ ]
مع النّبيّ ﷺ ثلاثين ومئة، فعجن صاع من طعام، وذبحت شاة، فشوي سواد بطنها- أي: كبدها- وأمره النّبيّ ﷺ أن يحزّ لهم منها، قال: وايم الله ما من الثّلاثين والمئة إلّا وقد حزّ له حزّة من كبدها، ثمّ جعل منها الطّعام واللّحم قصعتين، فأكلنا منهما أجمعون، وفضل منهما فضلة، فحملته على البعير. متّفق عليه «١» .
وحديث سلمة بن الأكوع ﵁، قال: أصابت النّاس مخمصة شديدة في بعض مغازي النّبيّ ﷺ، فدعا ببقيّة الأزواد، فجاء الرّجل بالحثية من الطّعام وفوق ذلك، وأعلاهم الّذي أتى بالصّاع من التّمر، فجمعوه على نطع- زاد مسلم: قال سلمة:
فحزرته كربضة العنز- قال: ثمّ دعا النّاس بأوعيتهم، فما بقي في الجيش وعاء إلّا ملؤوه، وبقي منه بقيّة. متّفق عليه «٢» .
وحديث أبي هريرة ﵁، قال: أصابني جوع شديد، فلمّا خرج النّبيّ ﷺ من المسجد تبعته، فوجد عند أهله قدح لبن قد أهدي له، فأمرني أن أدعو له أهل الصّفّة، وكانوا سبعين، فدعوتهم، فأمرني النّبيّ ﷺ أن أسقيهم منه، فجعلت أعطي الرّجل القدح، فيشرب حتّى يروى، حتّى رووا جميعهم، فقال النّبيّ ﷺ: «بقيت أنا وأنت، فاشرب»، فشربت حتّى رويت، فقال: «اشرب» فشربت، فما زال يقول: «إشرب»، حتّى قلت: والّذي بعثك بالحقّ نبيّا لا أجد له مسلكا، فأخذ القدح
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٥٠٦٧) . ومسلم برقم (٢٠٥٦/ ١٧٥) الحزّة: قطعة من اللحم قطعت طولا.
(٢) أخرجه البخاريّ، برقم (٢٨٢٠) . ومسلم برقم (١٧٢٩/ ١٩) . حزرته: قدّرته بطريق التّخمين والحدس. ربضة العنز: مبركها.
[ ١٤٦ ]
فحمد الله وسمّى وشرب. متّفق عليه «١» /.
وأمّا النّوع الرّابع: وهو كلام الشّجر والحجر، وشهادتهما له بالنّبوّة ﷺ.
فمن ذلك:
حديث ابن عمر ﵄، قال: كنّا مع رسول الله ﷺ في سفر، فدنا منه أعرابيّ، فقال [له رسول الله]: «يا أعرابيّ، أين تريد»؟، قال: إلى أهلي، قال ﷺ: «هل لك إلى خير؟»، قال: وما هو؟ قال: «تشهد أن لا إله إلّا الله، وحده لا شريك له، وأنّ محمّدا عبده ورسوله» قال: من يشهد لك على ما تقول؟ قال: «هذه السّمرة» وهي بشاطئ الوادي، فأقبلت تخدّ الأرض حتّى قامت بين يديه، فاستشهدها، فشهدت الشّهادتين، ثمّ أمرها فرجعت إلى مكانها «٢» .
وفي «الصّحيحين»، عن جابر ﵁، قال: ذهب رسول الله ﷺ ليقضي حاجته، فلم ير شيئا يستتر به، فإذا بشجرتين بشاطئ الوادي متباعدتين، فأخذ بغصن من أغصان أحدهما، فانقادت له كالبعير المخشوش- أي: المجعول في أنفه حلقة فيها الخطام- حتّى إذا كانت بالمنصف «٣»، وفعل بالآخرى كذلك، فالتأمتا بإذن الله تعالى، فلمّا قضى حاجته افترقتا، وعادت كلّ واحدة منهما إلى منبتها «٤» .
وعن بريدة بن الحصيب- مصغّرين﵁، قال:
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٦٠٨٧) .
(٢) أخرجه الدّارميّ، برقم (١٦) . تخدّ الأرض: تشقّها.
(٣) المنصف: نصف المسافة أو نصف الطّريق.
(٤) أخرجه مسلم برقم (٣٠١٢) .
[ ١٤٧ ]
سأل أعرابيّ النّبيّ ﷺ آية- أي: علامة على نبوّته- فقال له: «قل لتلك الشّجرة؛ رسول الله ﷺ يدعوك» ففعل، فمالت الشّجرة يمينا وشمالا، فتقطّعت عروقها، ثمّ جاءت تجرّ عروقها، حتّى وقفت بين يديه ﷺ، فقالت: السّلام عليك يا رسول الله، فقال له الأعرابيّ: ائذن لي أسجد لك، قال: «لا ينبغي السّجود إلّا لله» قال: ائذن لي أقبّل يديك ورجليك، فأذن له «١» .
وعن يعلى بن مرّة ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ قاعدا/، فأتت شجرة عظيمة، فأطافت به، ثمّ رجعت إلى منبتها، فقال رسول الله ﷺ: «إنّها استأذنت ربّها أن تسلّم عليّ» «٢» .
وذكر الإمام أبو بكر بن فورك- رحمه الله تعالى-: أنّ النّبيّ ﷺ كان يسير ليلا في غزوة (الطّائف) وهو وسن- أي: به سنة نوم- فاعترضته شجرة سدر، فانفرجت له نصفين حتّى مرّ بينهما، قال:
وبقيت على ساقين إلى وقتنا هذا، قال: وهي هناك معروفة معظّمة «٣» .
ومن ذلك: حديث الجذع المشهور في «الصّحيحين»، عن جماعة من الصّحابة ﵃، قالوا: كان المسجد مسقوفا بجذوع النّخل، وكان النّبيّ ﷺ إذا خطب يقوم إلى جذع منها، فلمّا صنع له المنبر سمعنا له صوتا كصوت العشار من الإبل «٤» - وفي
_________________
(١) أخرجه البزار، انظر «كشف الأستار»، رقم (٢٤٠٩) .
(٢) أخرجه البغويّ في «شرح السّنّة»، برقم (٣٧١٨) . وأبو نعيم في «الدّلائل»، (١٣٦- ١٣٩) .
(٣) الشّفا، ج ١/ ٥٧٨.
(٤) أخرجه البخاريّ، برقم (٨٧٦) . عن جابر بن عبد الله ﵄. العشار: النّاقة الّتي أتى عليها الفحل عشرة أشهر وزال عنها اسم
[ ١٤٨ ]
رواية: حتّى ارتجّ المسجد لشدّة خواره «١» -.
وفي رواية سهل بن سعد: وكثر بكاء النّاس «٢» .
وفي رواية المطّلب بن أبي وداعة: حتّى انشقّ الجذع وجاءه النّبيّ ﷺ فوضع يده عليه فسكت «٣» .
زاد غيره: فقال النّبيّ ﷺ: «إنّ هذا بكى لما فقده من ذكر الله تعالى» «٤»، وقال: «والّذي نفسي بيده، لو لم ألتزمه لم يزل هكذا إلى يوم القيامة» . ثمّ أمر به النّبيّ ﷺ فدفن تحت المنبر «٥» .
وفي رواية بريدة: أنّ النّبيّ ﷺ قال له: «إن شئت أن أردّك إلى البستان الّذي كنت فيه، تنبت لك عروقك، ويكمل خلقك، ويجدّد لك خوص وثمر، وإن شئت أن أغرسك في الجنّة ليأكل أولياء الله من ثمرك»، فقال: بل تغرسني في الجنّة، لأكون في مكان لا أبلى فيه، فسمعه الحاضرون، فقال النّبيّ ﷺ: «قد فعلت» ثمّ قال: «إنّه اختار دار البقاء على دار الفناء» «٦» .
وكان الحسن البصريّ﵀- إذا حدّث بهذا الحديث
_________________
(١) المخاض، ثمّ لا يزال ذلك اسمها حتّى تضع، وبعد وضعها أيضا. والمراد هنا: خوارها عند وضعها أو عقبه.
(٢) أخرجه الدّارميّ، برقم (٤١) . الخوار: صوت البقر، ثمّ توسّعت العرب فيه على أصوات جميع البهائم.
(٣) الشّفا، ج ١/ ٥٨٣.
(٤) أخرجه ابن ماجه، برقم (١٤١٤) .
(٥) أخرجه أحمد، برقم (١٣٧٩٤) . عن جابر بن عبد الله ﵄.
(٦) أخرجه الدّارميّ، برقم (٤١) .
(٧) أخرجه الدّارميّ، برقم (٣٢) . بنحوه. الخوص: واحده خوصة؛ وهي ورق النّخل.
[ ١٤٩ ]
بكى، وقال: يا عباد الله/، الخشبة تحنّ شوقا إلى رسول الله ﷺ لمّا فارقها، فأنتم أحقّ أن تشتاقوا إلى لقائه «١» .
وفي «صحيح البخاريّ» عن ابن مسعود ﵁، قال:
كنّا نسمع تسبيح الطّعام مع رسول الله ﷺ وهو يؤكل «٢» .
وفي «الصّحيحين» عن أنس ﵁، قال: صعد النّبيّ ﷺ جبل (أحد) ومعه أبو بكر وعمر وعثمان ﵃، فرجف بهم الجبل، فقال: «اثبت أحد، فإنّما عليك نبيّ وصدّيق، وشهيدان» «٣» .
وفيهما-[أي: الصّحيحين]- عن ابن عبّاس ﵄، قال: كان حول الكعبة لقريش ثلاث مئة وستون صنما، مثبتة على الرّخام بالرّصاص، فلمّا دخل رسول الله ﷺ عام الفتح، جعل يشير إليها بقضيب كان في يده، ويقول: جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقًا- أي: ذاهبا-[سورة الإسراء ١٧/ ٨١] فما أشار لوجه صنم إلّا وقع لقفاه، ولا لقفاه إلّا وقع لوجهه، حتّى ما بقي منها صنم، فأمر بإخراجها «٤» .
وأمّا النّوع الخامس: وهو شهادة الحيوانات له بالرّسالة ﷺ.
[شهادة الضّبّ]
فمن ذلك: حديث الضّبّ.
عن عمر بن الخطّاب ﵁، قال: كان النّبيّ ﷺ جالسا في محفل من أصحابه إذ جاء أعرابيّ معه ضبّ قد صاده،
_________________
(١) الشّفا، ج ١/ ٥٨٤- ٥٨٥.
(٢) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٣٨٦) .
(٣) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٤٧٢) .
(٤) أخرجه البخاريّ، برقم (٢٣٤٦) . ومسلم برقم (١٧٨١/ ٨٧) .
[ ١٥٠ ]
فعرض عليه النّبيّ ﷺ الإسلام، فقال: واللّات والعزّى لا آمنت بك إلّا أن يؤمن بك هذا الضّبّ، فقال النّبيّ ﷺ: «يا ضبّ»، فأجابه بلسان فصيح سمعه القوم جميعا: لبّيك وسعديك يا زين من وافى القيامة، قال: «من تعبد؟» قال: الله الّذي في السّماء عرشه، وفي الأرض سلطانه، وفي الجنّة رحمته، وفي النّار عذابه، قال: «فمن أنا؟» قال: أنت رسول ربّ العالمين، وخاتم النّبيّين، قد أفلح من صدّقك، وخاب من كذّبك «١» [فأسلم الأعرابيّ] .
[حديث الذّئب للرّاعي]
ومن ذلك: حديث الذّئب/، عن أبي سعيد الخدريّ وأبي هريرة ﵄، قالا: بينما راع يرعى غنما له، إذ عرض الذّئب لشاة منها فأخذها، فأدركه الرّاعي، فاستردّها منه، فأقعى الذّئب «٢»، فقال: أفلا تتّقي الله تعالى، حلت بيني وبين رزقي؟
فقال الرّاعي: عجب!! لذئب يتكلّم؟ فقال الذّئب: أنت أعجب منّي، واقف على غنمك وتركت نبيّا لم يبعث الله نبيّا قطّ أعظم منه قدرا عنده، قد فتحت له أبواب الجنّة، وأشرفت الحور العين على أصحابه، ينظرون قتالهم، وما بينك وبينه إلّا هذا الشّعب، فتصير في جنود الله تعالى- وكان ذلك يوم (أحد) - قال الرّاعي: فمن لي بغنمي؟ قال الذّئب: أنا أرعاها حتّى ترجع، فمضى الرّجل ووجد النّبيّ ﷺ يقاتل، فأسلم، وأخبره الخبر، فقال له النّبيّ ﷺ: «قم فحدّثهم»، ثمّ قال له: «عد إلى غنمك تجدها بوفرها»، فرجع فوجدها كذلك، فذبح للذّئب شاة «٣» .
_________________
(١) أخرجه البيهقيّ في «الدّلائل»، ج ٦/ ٣٦.
(٢) أقعى: جلس على إليتيه ونصب ساقيه وفخذيه.
(٣) أخرجه البيهقيّ في «الدّلائل»، ج ٦/ ٤١- ٤٣. عن أبي هريرة ﵁.
[ ١٥١ ]
[سجود الغنم له ﷺ]
ومن ذلك: حديث الغنم، عن أنس ﵁، قال:
دخل النّبيّ ﷺ حائطا لبعض الأنصار، ومعه أبو بكر وعمر، وفي الحائط غنم، فسجدت له ﷺ، فقال أبو بكر: نحن أحقّ بالسّجود لك منها، فقال: «إنّه لا ينبغي السّجود إلّا لله تعالى» «١» .
[خضوع الجمل له ﷺ]
ومن ذلك: حديث البعير، عن جماعة من الصّحابة ﵃، قالوا: دخل النّبيّ ﷺ حائطا وكان فيه جمل لا يدع أحدا يدخل الحائط إلّا صال عليه، فلمّا دخل النّبيّ ﷺ دعاه فجاءه، ووضع مشفره في الأرض، وبرك بين يديه، فخطمه، وقال للحاضرين: «والّذي نفسي بيده، ما من شيء بين السّماء والأرض إلّا يعلم أنّي رسول الله، ما خلا عصاة الإنس والجنّ» «٢» . فسألهم عن شأن الجمل؟ فأخبروه أنّهم أرادوا ذبحه.
وفي رواية: أنّه ﷺ قال لهم: «إنّه شكا/ كثرة العمل، وقلّة العلف، وأنّكم أردتم ذبحه بعد أن استعملتموه في العمل الشّاقّ من صغره» فقالوا: نعم يا رسول الله «٣» .
[قصّة الظّبية]
ومن ذلك: حديث الظّبية، عن أمّ سلمة أمّ المؤمنين ﵂، قالت: كان النّبيّ ﷺ في الصّحراء، فنادته ظبية: يا رسول الله، قال: «ما حاجتك؟» قالت: صادني هذا الأعرابيّ، ولي خشفان في
_________________
(١) أخرجه البيهقيّ في «الدّلائل»، ج ٦/ ٢٨. والهيثميّ في «كشف الأستار»، برقم (٢٤٥١) . عن أبي هريرة ﵁. الحائط: بستان من النّخل.
(٢) أخرجه أحمد، برقم (١٣٩٢٣) . عن جابر بن عبد الله ﵄. المشفر: كالشفة في الإنسان.
(٣) أخرجه أحمد، برقم (١٧١١٥) . عن يعلى بن مرّة ﵁.
[ ١٥٢ ]
ذلك الجبل، وكان الأعرابيّ نائما، فأطلقها النّبيّ ﷺ، فذهبت ورجعت، فانتبه الأعرابيّ، فقال للنّبيّ ﷺ: ألك حاجة؟ قال: «نعم، تطلق هذه الظّبية»، فأطلقها، فذهبت تعدو في الصّحراء، وتقول:
أشهد أن لا إله إلّا الله، وأنّك محمّد رسول الله «١» .
[ذراع الشّاة المسمومة]
ومن ذلك: حديث الذّراع المشهور في «الصّحيحين»، عن جماعة من الصّحابة ﵃: أنّ يهوديّة «٢» أيّام فتح (خيبر) أهدت للنّبيّ ﷺ شاة مصليّة- أي: مشويّة- سمّتها، فأكل منها النّبيّ ﷺ، ثمّ قال للقوم: «ارفعوا أيديكم، فإنّها أخبرتني أنّها مسمومة» «٣» .
وفي رواية جابر: «أخبرتني هذه الذّراع»، وقال لليهوديّة:
«ما حملك على ما صنعت؟»، فقالت: إن كنت نبيّا لم تضرّك، وإن كنت ملكا أرحت النّاس منك، فعفا عنها. فمات بشر بن البراء من السّمّ، فقتلها به قصاصا «٤» .
وفي رواية أنس: فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله ﷺ «٥» .
وفي حديث أبي هريرة ﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال في وجعه الّذي مات فيه: «ما زالت أكلة (خيبر) تعادني- أي: تعاودني-
_________________
(١) أخرجه البيهقيّ في «الدّلائل»، ج ٦/ ٣٤- ٣٥. وأبو نعيم في «الدّلائل»، برقم (٢٧٣) . عن زيد بن أرقم ﵁. خشفان- الخشف-: الظّبي الصّغير أوّل ما يولد.
(٢) وهي: زينب بنت الحارث، امرأة سلّام بن مشكم.
(٣) أخرجه أبو داود، برقم (٤٥١٢) . عن أبي هريرة ﵁.
(٤) أخرجه أبو داود، برقم (٤٥١٢) .
(٥) أخرجه البخاريّ، برقم (٢٤٧٤) . فما زلت أعرفها: أي العلامة. كأنّه بقي للسّمّ علامة وأكثر من سواد أو غيره. لهوات: اللحمة المعلقة في أعلى الحنك.
[ ١٥٣ ]
فالآن قطعت أبهري- أي: عرق الظّهر المتعلّق بالقلب-» «١» .
وفي حديث أبي سعيد ﵁، أنّه ﷺ قال: «كلوا باسم الله»، فأكلنا «٢» .
وعند ابن إسحاق: إن كان المؤمنون ليرون أنّ النّبيّ ﷺ مات شهيدا، مع ما أكرمه الله به من/ النّبوّة «٣» .
[الأسد يدلّ رسول النّبيّ ﷺ على الطّريق]
ومن ذلك: حديث الأسد، مع سفينة مولى النّبيّ ﷺ، وكان أرسله النّبيّ ﷺ برسالة إلى معاذ بن جبل إلى (اليمن)، فضلّ الطّريق، فاعترضه الأسد فقال له سفينة: يا أبا الحارث، أنا مولى رسول الله، ومعي كتابه، فهمهم وتنحّى عن طريقه، وجعل يغمزه بمنكبيه حتّى أدلّه الطّريق «٤» .
وأمّا النّوع السّادس: [إبراء المرضى وذوي العاهات]
وهو شفاء العلل بريقه وكفّه المباركة ﷺ.
[ردّ عين بعد قلعها]
فمن ذلك: ما رواه ابن إسحاق، أنّ قتادة بن النّعمان أصيبت عينه يوم (أحد) حتّى وقعت على وجنته، فردّها رسول الله ﷺ، فكانت أحسن عينيه. وفي ذلك يقول ابنه، [من الطّويل] «٥»:
أنا ابن الّذي سالت على الخدّ عينه فردّت بكفّ المصطفى أحسن الرّدّ
_________________
(١) أخرجه أبو داود، برقم (٤٥١٢)، بنحوه.
(٢) أخرجه الهيثميّ في «كشف الأستار»، برقم (٢٤٢٤) .
(٣) الشّفا، ج ١/ ٦٠٩.
(٤) أخرجه البيهقيّ في «الدّلائل»، ج ٦/ ٤٥. وأبو الحارث: اسم من أسماء الأسد.
(٥) دلائل النّبوّة، ج ٣/ ٢٥٢.
[ ١٥٤ ]
[شفاء عيني عليّ]
وفي «الصّحيحين»، أنّه ﷺ تفل في عيني عليّ بن أبي طالب ﵁ يوم (خيبر) وكان رمدا، فبرأ حتّى كأن لم يكن به وجع «١» .
[ردّه يدا بعد ما قطعت]
وروى ابن وهب: أنّ أبا جهل قطع يد معوّذ بن عفراء يوم (بدر)، فجاء يحمل يده، فبصق عليها رسول الله ﷺ وألصقها، فلصقت «٢» .
وأتته امرأة من خثعم بصبيّ لا يتكلّم، فتمضمض بماء وأعطاه إيّاها، فسقته إيّاه، فنطق وعقل عقلا يفضل عقول الرّجال «٣» .
[حياء في الجارية من أثر لقمته ﷺ]
وسألته جارية وهو يأكل طعاما- وكانت قليلة الحياء- أن يطعمها من الّذي في فيه، فناولها الّذي في فيه- ولم يكن يمنع شيئا يسأله- فلمّا استقرّ في جوفها، ألقى الله عليها الحياء، حتّى لم يكن ب (المدينة) أشدّ حياء منها «٤» .
وأمّا النّوع السّابع: وهو إجابة دعائه ﷺ لمن دعا له.
فمنه: ما رواه حذيفة بن اليمان ﵄، قال: كان رسول الله ﷺ إذا دعا لرجل، أدركت الدّعوة ولده وولد ولده «٥» .
[دعاؤه ﷺ للمدينة]
وفي «الصّحيحين»، عن عائشة ﵂، أنّ النّبيّ ﷺ/ قدم (المدينة) وهي أوبأ أرض الله، فقال: «اللهمّ حبّب إلينا المدينة، كحبّنا مكّة، أو أشدّ، وصحّحها لنا، وانقل حمّاها إلى الجحفة» «٦» .
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٢٨٤٧) . ومسلم برقم (٢٤٠٦/ ٣٤) . عن سهل بن سعد ﵄.
(٢) الشّفا، ج ١/ ٦٢٢.
(٣) أخرجه البيهقيّ في «الدّلائل»، ج ٣/ ٦١.
(٤) أخرجه الطّبرانيّ عن أبي أمامة ﵁.
(٥) أخرجه أحمد، برقم (٢٢٧٦٦) .
(٦) أخرجه البخاريّ، برقم (١٧٩٠) . ومسلم برقم (١٣٧٦/ ٤٨٠) .
[ ١٥٥ ]
[دعاؤه ﷺ لأنس بن مالك]
وروى البخاريّ في «صحيحه»، عن أنس ﵁، قال: قالت أمّي: يا رسول الله، خادمك أنس ادع الله له، فقال:
«اللهمّ أكثر ما له وولده، وبارك له فيما أعطيته» «١» .
قال أنس: (فو الله إنّ مالي لكثير، وما أعلم أنّ أحدا أصاب من رخاء العيش ما أصبت، وإنّ ولدي وولد ولدي ليتعادّون اليوم على نحو المئة، ولقد دفنت إلى اليوم مئة من ولدي، لا أقول سقطا، ولا ولد ولد) «٢» .
[البركة في مال عبد الرّحمن بن عوف]
ودعا ﷺ لعبد الرّحمن بن عوف [﵁] بالبركة، فقال عبد الرّحمن: فلو رفعت حجرا لرجوت أن أصيب تحته ذهبا.
ولا يخفى كثرة أمواله وصدقاته الجزيلة، حتّى إنّه أعتق في يوم واحد ثلاثين عبدا، وتصدّق مرّة بعير «٣» قدمت من (الشّام) تحمل كلّ شيء، وكان النّاس في مجاعة، فارتجّت (المدينة) لقدومها، فتصدّق بها وبما عليها، حتّى بأقتابها «٤» وأحلاسها «٥»، وكانت سبع مئة جمل، عليها سبع مئة حمل، ولمّا مات أخذت كلّ زوجة ثمانين ألفا، وكنّ أربعا، بعد أن أوصى بخمسين ألفا «٦» .
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٥٩٨٤) .
(٢) ذكره مسلم، برقم (٢٤٨١/ ١٤٣) . وما بين قوسين ليس من رواية مسلم. وهي رواية غير معروفة، ذكرها القاضي عياض في «الشّفا»، ج ١/ ٦٢٥- ٦٢٦.
(٣) العير: القافلة.
(٤) القتب: رحل صغير على قدر سنام البعير.
(٥) الحلس: كساء يلي ظهر البعير تحت القتب.
(٦) الشّفا، ج ١/ ٦٢٦.
[ ١٥٦ ]
[دعاؤه ﷺ بالسّقيا]
وفي «الصّحيحين»، عن أنس ﵁، أنّ أعرابيّا دخل المسجد يوم الجمعة، والنّبيّ ﷺ يخطب، فشكا إليه القحط، فدعا الله، فسقوا، ولم يروا الشّمس إلى الجمعة الآخرى، حتّى دخل عليه وهو يخطب، فشكا كثرة المطر، فدعا الله تعالى فانكشف السّحاب «١» .
[دعاؤه ﷺ لابن عبّاس ﵄]
وفيهما-[أي: الصّحيحين]، أنّه دعا ﷺ لابن عبّاس ﵄، حين حنّكه، وهو مولود: أن يفقّهه الله في الدّين، ويعلّمه التّأويل «٢»، فكان يسمّى الحبر «٣» والبحر لسعة علمه.
[دعاؤه ﷺ لعليّ ﵁]
ودعا [ﷺ] لعليّ بن أبي طالب ﵁، أن يكفيه الله الحرّ والقرّ. فكان في الشّتاء يلبس ثياب الصّيف، وفي الصّيف يلبس ثياب الشّتاء، ولا يصيبه حرّ ولا برد «٤» .
[دعاؤه ﷺ لفاطمة ﵂]
ودعا [ﷺ] لفاطمة الزّهراء ابنته ﵂، أن لا يجيعها الله، فما وجدت بعد ذلك للجوع ألما «٥» /.
[دعاؤه ﷺ للنّابغة]
وأنشده النّابغة أبياتا، فقال له [ﷺ]: «لا يفضض الله فاك» فما سقطت له سنّ، وكان من أحسن النّاس ثغرا، وعاش مئة
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٨٩١) . ومسلم برقم (٨٩٧/ ٨) .
(٢) أخرجه البخاريّ، برقم (١٤٣) . ومسلم برقم (٢٤٧٧/ ١٣٨): بلفظ: «اللهمّ فقّهه في الدّين» . ولفظة: «وعلّمه التّأويل»، أخرجها أحمد برقم (٢٣٩٣) .
(٣) الحبر: العالم.
(٤) أخرجه ابن ماجه، برقم (١١٧) . عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى ﵁.
(٥) الشّفا، ج ١/ ٦٣٠.
[ ١٥٧ ]
وعشرين سنة، وقيل: كان إذا سقطت له سنّ نبتت في مكانها سنّ أخرى «١» .
[دعاؤه ﷺ على كسرى]
وأمّا دعاؤه ﷺ على الأعداء، فمنه: ما في «الصّحيحين»، أنّه ﷺ دعا على كسرى حين مزّق كتابه: «أن يمزّق الله ملكه كلّ ممزّق» «٢» . فتمزّقوا حتّى لم يبق لهم باقية، ولا بقيت للفرس رئاسة في جميع أقطار الدّنيا.
[دعاؤه ﷺ على عتبة بن أبي لهب]
ودعا ﷺ على عتبة بن أبي لهب، أن يسلّط الله عليه كلبا من كلابه، فجاءه الأسد، وأخذه من وسط أصحابه «٣» .
[دعاؤه ﷺ على محلم بن جثّامة]
[ودعا] ﷺ على رجل آخر فأصبح ميّتا، فدفنوه، فلفظته الأرض، فدفنوه مرارا، فلفظته الأرض، فتركوه «٤» .
وهذا الباب أكثر من أن يحصر.
[دعاؤه على بشر بن راعي العير]
وقال لرجل آخر يأكل بشماله: «كل بيمينك»، قال:
لا أستطيع، قال: «لا استطعت» ما منعه إلّا الكبر، فما رفعها إلى فيه. رواه مسلم «٥» .
وأمّا النّوع الثّامن: [كراماته وبركاته فيما لمسه وباشره ﷺ]
وهو صلاح ما كان فاسدا بلمسه ﷺ.
[فرس أبي طلحة ﵁]
فمنه: ما روى البخاريّ في «صحيحه»، أنّ أهل (المدينة) فزعوا مرّة، فركب النّبيّ ﷺ فرسا لأبي طلحة، بطيء السّير، فلمّا
_________________
(١) الشّفا، ج ١/ ٦٢٨- ٦٢٩.
(٢) أخرجه البخاريّ، برقم (٦٤) . عن ابن عبّاس ﵄.
(٣) الشّفا، ج ١/ ٦٣٢.
(٤) الشّفا، ج ١/ ٦٣٤. وتتمّة الخبر: أنّهم ألقوه بين جبّين وكوّموا عليه بالحجارة.
(٥) أخرجه مسلم، برقم (٢٠٢١/ ١٠٧) .
[ ١٥٨ ]
رجع، قال: وجدناه بحرا، فكان بعد ذلك لا يجاريه فرس «١» .
[نشاط جمل جابر ﵁]
وفي «الصّحيحين»، أنّه ﷺ نخس جملا لجابر، قد أعيا، فنشط حتّى كان ما يملك زمامه «٢» .
[بئر دار أنس ﵁]
وكانت في دار أنس ﵁ بئر ملحة، [فبزق] ﷺ فيها، فلم يكن في (المدينة) أعذب منها «٣» .
[بئر رائحته المسك]
ومجّ في دلو من بئر، ثمّ أعاده إليها، فكانت أبدا يفوح منها رائحة المسك «٤» .
[غرس النّخيل لسلمان ﵁]
وكاتب سلمان الفارسيّ مواليه على ثلاث مئة وديّة- أي: ولد من أولاد النّخل- يغرسها لهم كلّها حتّى تعلق وتثمر، وعلى أربعين أوقية من ذهب، كلّ أوقية أربعون درهما، فقام ﷺ وغرسها له بيده، فعلقت كلّها، وأثمرات لعامها. وأعطاه/ مثل بيضة الدّجاجة من ذهب بعد أن أدارها على لسانه، فوزن منها لمواليه أربعين أوقيّة، وبقي له مثل ما أعطاهم «٥» .
فائدة [: في وزن القطعة الّتي أعطاها النّبيّ ﷺ لسلمان]
الأوقية: أربعون درهما، والدّرهم: قفلة، وقدر بيضة
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٢٤٨٤) . عن أنس ﵁. بحرا: واسع الجري، سريع العدو.
(٢) أخرجه البخاريّ، برقم (٤٧٩١) . عن جابر بن عبد الله ﵄. نخس الدابة: طعن مؤخّرها أو جنبها بعنزة لتنشط وتتهيّج. والعنزة: رمح قصير، أطول من العصا.
(٣) الشّفا، ج ١/ ٦٣٩.
(٤) أخرجه ابن ماجه، برقم (٦٥٩) . عن وائل الحضرمي ﵁.
(٥) الشّفا، ج ١/ ٦٤٠- ٦٤١.
[ ١٥٩ ]
الدّجاجة لا يكاد يبلغ ثمانين درهما، وقد وزن منها أربعين أوقيّة، وهي مثلها عن ثمانين أوقيّة، كلّ أوقيّة أربعون قفلة، فذلك عن مئتي قفلة وثلاثة آلاف قفلة «١» .
[سيف عكّاشة ﵁]
وانكسر سيف عكّاشة بن محصن يوم (بدر)، فأعطاه النّبيّ ﷺ عودا من حطب، فعاد في يده سيفا صارما، يشهد به المواقف، وكان هذا السّيف يسمّى: العون «٢» .
[ماء يتحوّل إلى لبن وزبدة]
وبعث [ﷺ] سريّة من أصحابه، فلم يجدوا لهم زادا، فأعطاهم سقاء من ماء أوكاه بيده، فلمّا فتحوه وجدوه لبنا خالصا، وزبدة في فم السّقاء «٣» .
[غرّة عائذ بن عمرو ﵁]
وسلت [ﷺ] الدّم عن وجه بعض أصحابه، فكانت له غرّة في وجهه كغرّة الفرس، فكان يدعى الأغرّ «٤» .
[بريق وجه قتادة بن ملحان ﵁]
ومسح [ﷺ] وجه آخر، فما زال على وجهه نور، حتّى كان ينظر في وجهه كما ينظر في المرآة الصّقيلة «٥» .
[ساق عبد الله بن عتيك ﵁]
ومسح ﷺ على ساق عبد الله بن عتيك لمّا انكسرت عند قتل أبي رافع فقام وما به قلبة «٦» .
_________________
(١) درهم قفلة: درهم وازن.
(٢) الشّفا، ج ١/ ٦٤٢. العون: للمبالغة، أي بمعنى المعين أو المعان والمستعان.
(٣) الشّفا، ج ١/ ٦٤٤. أوكاه: ربطه بيده، وهو خيط يشدّ به الوعاء.
(٤) الشّفا، ج ١/ ٦٤٥. سلت: مسح ما على وجهه من الدّم. الغرّة: بياض منتشر طولا وعرضا في الوجه.
(٥) الشّفا، ج ١/ ٦٤٦. والرّجل هو: قتادة بن ملحان.
(٦) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٨١٣) . القلبة: الإصابة.
[ ١٦٠ ]
[أمر الكدية]
وأخذ [ﷺ] المعول فضرب به الكدية الّتي اعترضت لهم في حفر الخندق، وقال: «باسم الله»، فانهالت «١» .
ومسح ﷺ على غير واحد من المرضى والمجانين، فشفاهم الله تعالى.
[يوم حنين]
وأخذ يوم (بدر) ويوم (حنين) قبضة من تراب، ورمى بها في وجوه الكفّار، فما بقي منهم أحد إلّا ودخل في عينه منها القذى، وانهزموا «٢» .
[خالد وشعرة النّبيّ ﷺ]
وكانت شعرات من شعره ﷺ في قلنسوة خالد بن الوليد ﵁، فلم يشهد بها قتالا إلّا رزق النّصر، فسقطت منه في بعض المعارك، فشدّ عليها شدّة وقع بسببها مقتلة عظيمة من الفريقين، فعوتب في ذلك، فقال/: خفت أن يفوتني النّصر، وأن تقع في أيدي الكفّار، وفيها جزء من أجزاء رسول الله ﷺ «٣» .
ولا يخفى أنّ هذا النّوع أكثر من أن يحصر.
وأمّا النّوع التّاسع: [ما اطّلع عليه ﷺ من الغيوب وما سيكون]
وهو ما أخبر به ﷺ من المغيّبات، ممّا كان، وممّا هو آت، فمن ذلك ما هو في كتاب الله تعالى، أو سنّته ﷺ.
أمّا ما أخبر به من المغيّبات في كتاب الله تعالى، وهو من جملة وجوه الإعجاز.
_________________
(١) أخرجه أحمد، برقم (١٣٧٩٩) . عن جابر بن عبد الله ﵁. الكدية: الأرض الغليظة أو الصّلبة الّتي لا تعمل فيها الفأس، أو الحجر الكبير القاسي.
(٢) أخرجه أحمد، برقم (٣٤٧٥) . عن ابن عبّاس ﵄.
(٣) الشّفا، ج ١/ ٦٣٧. القلنسوة: لباس للرأس مختلف الأنواع والأشكال.
[ ١٦١ ]
[فمن] ذلك: إخباره بعجز الإنس والجنّ عن: يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [سورة الإسراء ١٧/ ٨٨]، ثمّ إخبارهم بأنّهم لن يفعلوا، بقوله [تعالى]: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا [سورة البقرة ٢/ ٢٤] .
وإخباره: أنّه محفوظ من التّبديل والتّحريف، بقوله [تعالى]:
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [سورة الحجر ١٥/ ٩]، مع كثرة الملاحدة وأعداء الدّين، فلم يقدر أحد على تشكيك المسلمين بحمد الله تعالى في حرف واحد من حروفه، بخلاف التّوراة والإنجيل وغيرهما، لأنّ الله تعالى تولّى حفظ القرآن بنفسه، ووكل حفظ غيره من كتبه إلى أهلها، بقوله [تعالى]:
بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ [سورة المائدة ٥/ ٤٤]، بل:
كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [سورة البقرة ٢/ ٧٥] .
ومن ذلك: وقوع ما وعده الله فيه؛ من قوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [سورة المائدة ٥/ ٦٧] .
وقوله تعالى: وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ [سورة الأنفال ٨/ ٧] .
وقوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ [سورة التوبة ٩/ ٣٣] .
وقوله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا [سورة النّور ٢٤/ ٥٥] .
[ ١٦٢ ]
وقوله تعالى: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ [سورة الفتح ٤٨/ ٢٧] .
وقوله تعالى: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ [سورة القمر ٥٤/ ٤٥] .
وقوله تعالى: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ. وَرَأَيْتَ/ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجًا [سورة النّصر ١١٠/ ١- ٢] .
فوقع جميع ذلك، ونصر الله عبده، وصدق وعده، وأعزّ جنده، وهزم الأحزاب وحده.
هذا مع ما كشف فيه من أسرار المنافقين وإضمار المعاندين؛ كقوله تعالى: يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ [سورة آل عمران ٣/ ١٥٤] .
وقوله تعالى: وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ [سورة المجادلة ٥٨/ ٨] .
وقوله تعالى: يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ [سورة التّوبة ٩/ ٩٤] .
وأمّا ما أخبر به ﷺ من المغيّبات في سنّته:
فمن ذلك: ما هو في «الصّحيحين»، أو في أحدهما، أو في غيرهما، صحيحا وحسنا.
[جمع الأرض له ﷺ]
[فمنها] قوله ﷺ: «زويت لي الأرض- أي: جمعت في زاوية- فأريت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمّتي ما زوي لي منها» «١» .
[لا يدخل المدينة من أرادها بسوء]
وإخباره ﷺ أنّ الطّاعون لا يدخل (المدينة)، ولا يدخلها رعب
_________________
(١) أخرجه مسلم، برقم (٢٨٨٩/ ١٩) . عن ثوبان ﵁.
[ ١٦٣ ]
الدّجال، وأنّها لا يريدها أحد بسوء إلّا أذابه الله ذوب الملح في الماء «١» .
[ظهور الأمن والفتوح]
وإخباره ﷺ بفتح (بيت المقدس والشّام والعراق)، وظهور الأمن، حتّى تظعن المرأة من (الحيرة «٢» إلى مكّة) لا تخاف إلّا الله «٣» .
[ذهاب دولة الفرس والرّوم]
وإخباره ﷺ بذهاب فارس حتّى لا فارس بعده، وذهاب قيصر حتّى لا قيصر بعده، وإنّ الرّوم ذات قرون إلى آخر الدّهر «٤» .
[فتح الله على الأمّة]
وإخباره ﷺ بما يفتحه الله على أمّته من الدّنيا وزهرتها، وقسمتهم كنوز كسرى وقيصر، حتّى يروح أحدهم في حلّة ويغدو في حلّة أخرى، ويوضع بين يديه قصعة وترفع أخرى «٥» .
[اختلاف الأمّة من بعده وافتراقهم]
وإخباره ﷺ بما يحدث بينهم من الاختلاف والفتن، وافتراقهم على ثلاث وسبعين فرقة، وسلوك سبيل من قبلهم من أهل الكتاب «٦» .
[استحلال الزّنا والرّبا وشرب الخمر]
وإخباره ﷺ أنّ أمّته إذا فشا فيهم الزّنا والرّبا وشرب الخمر ردّ الله بأسهم بينهم/، وسلّط عليهم أعداءهم «٧» .
_________________
(١) أخرجه أحمد، برقم (١٥٩٦) . عن أبي هريرة ﵁.
(٢) تبعد ثلاثة أميال عن الكوفة، على موضع يقال له: النّجف. (الزّهر المعطار، ص ٢٠٧)
(٣) الشّفا، ج ١/ ٦٥١. وأخرجه البخاريّ، برقم (٣٤٠٠) . عن عدي بن حاتم ﵁، بنحوه.
(٤) الشّفا، ج ١/ ٦٥٢- ٦٥٣. القرون: جمع قرن؛ وهم الجماعة في عصر واحد، أي: كلّما مضى قرن خلفه قرن مكانه.
(٥) أخرجه التّرمذيّ، برقم (٢٤٧٦) . عن عليّ بن أبي طالب ﵁.
(٦) أخرجه التّرمذيّ، برقم (٢٦٤٠) . عن أبي هريرة ﵁.
(٧) أخرجه مالك في «الموطّأ»، رقم (٩٩٨) . عن ابن عبّاس ﵄ بنحوه.
[ ١٦٤ ]
[الفتن في آخر الزّمان]
وإخباره ﷺ بظهور الفتن في آخر الزّمان، وكثرة الهرج- وهو القتل- وقبض العلم، وظهور الجهل، وموت الأمثال فالأمثل، وأنّه لا يأتي زمان إلّا والّذي بعده شرّ منه، وأنّه سيكون في أمّته دجّالون، كلّهم يكذبون على الله ورسوله، آخرهم المسيح الدّجّال.
وإخباره ﷺ بأنّه لا تزال طائفة من أمّته ظاهرين على الحقّ، قاهرين لعدوّهم، حتّى يأتي أمر الله «١» .
وبخروج المهديّ، ونزول عيسى ابن مريم ﵇.
إلى ما لا يحصى ولا يستقصى.
حتّى قال حذيفة بن اليمان ﵁: قام فينا رسول الله ﷺ مقاما فما ترك شيئا يكون إلى قيام السّاعة إلّا حدّثه، حفظه من حفظه، ونسيه من نسيه، وإنّه يكون منه الشّيء قد نسيته فأراه فأذكره كما يذكر الرّجل وجه الرّجل إذا غاب عنه، ثمّ إذا رآه عرفه.
متّفق عليه «٢» .
وفي حديث آخر عنه، قال: والله، ما ترك رسول الله ﷺ من قائد فتنة إلى أن تنقضي الدّنيا، إلّا قد سمّاه لنا باسمه واسم أبيه وقبيلته «٣» .
وقال أبو ذرّ ﵁: لقد تركنا رسول الله ﷺ وما
_________________
(١) أخرجه البخاري، برقم (٦٦٠٤)، ومسلم، برقم (١٩٢٥/ ١٧٧) . عن سعد بن أبي وقّاص ﵁.
(٢) أخرجه مسلم، برقم (٢٨٩١/ ٢٣) .
(٣) أخرجه أبو داود، برقم (٤٢٤٣) . عن حذيفة بن اليمان ﵄.
[ ١٦٥ ]
يحرّك طائر جناحيه في السّماء إلّا ذكّرنا منه علما. قال الله تعالى: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [سورة فصّلت ٤١/ ٥٣] .
[نزول عيسى ابن مريم ﵊]
وفي «الصّحيحين»، عن أبي هريرة ﵁، قال:
قال رسول الله ﷺ: «والّذي نفسي بيده، ليوشكنّ أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا، فيكسر الصّليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية- أي: فلا يقبل من أهلها إلّا الإسلام-، ويفيض المال حتّى لا يقبله أحد، وحتّى تكون السّجدة الواحدة خيرا من الدّنيا وما فيها» «١» .
ثمّ يقول أبو هريرة: إقرؤوا إن شئتم: وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا [سورة النّساء ٤/ ١٥٩] .
وفي «مسند/ الإمام أحمد»، عن عائشة ﵂، عن النّبيّ ﷺ قال: «يخرج الدّجّال، فينزل عيسى فيقتله، ثمّ يمكث عيسى أربعين سنة إماما عادلا وحكما مقسطا» «٢» .
وورد من طرق كثيرة أنّ المهديّ يخرج قبل الدّجّال بسبع سنين، ويخرج الدّجّال على رأس مئة سنة- أي: رأس قرن-
لكنّ التّحقيق: أنّ قرون هذه الأمّة ابتداؤها من مولد نبيّها كألف نوح، وبين مولده وهجرته ثلاث وخمسون سنة، فيكون تمام الألف لسبع وأربعين سنة بعد تسع مئة من هجرته ﷺ، وعند ذلك يتوقّع
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٢٦٤) . ومسلم برقم (١٥٥/ ٢٤٢) .
(٢) أخرجه أحمد، برقم (٢٣٩٤٦) .
[ ١٦٦ ]
خروج الدّجّال إن كان. والله أعلم «١» .
وأمّا النّوع العاشر منه: [في إعجاز القرآن العظيم]
وهو المعجزة العظمى، والآية الكبرى، معجزة القرآن العظيم، المستمرّة إلى آخر الدّهر، المشتملة على وجوه من الإعجاز.
فمنها: البلاغة الّتي أعجز بها الجنّ والإنس، قال الله تعالى:
قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [سورة الإسراء ١٧/ ٨٨] .
قال القاضي عياض- رحمه الله تعالى-: (ووجه إعجازه بحسن نظمه، وفصاحة كلمه الخارقة عادة العرب العرباء، وهم القوم اللّدّ الفصحاء، لأنّهم كانوا أرباب هذا الشّأن، وفرسان هذا الميدان، جعل الله البلاغة لهم طبعا وخلقة، وركّبها فيهم جبلّة وقوّة، يأتون من ذلك على البديهة بالعجب، ويرتجلون في المحافل القصائد والخطب، ويرتجزون به في الحرب، بين الطّعن والضّرب، فيرفعون من مدحوه، ويضعون من قدحوه، ويجعلون النّاقص كاملا، والنّبيه خاملا، ويتغزّلون فيأتون بالسّحر الحلال، ويتمثّلون بما يزري على عقد اللآل «٢»، ويخدعون الألباب إن سألوا، ويذلّلون الصّعاب إن شفعوا، لهم في فنون البلاغة الحجّة البالغة، والقوّة الدّامغة، لا يشكّون أنّ الكلام طوع مرادهم/، وأنّ البلاغة ملك قيادهم، قد حووا فنونها، واستنبطوا عيونها، ودخلوا فيها من كلّ باب، وتمسّكوا فيها بأوثق الأسباب، فما راعهم إلّا رسول كريم، قد جاءهم بكتاب حكيم: لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ
_________________
(١) قلت: لم يصحّ شيء من هذا التّأويل. والله أعلم.
(٢) عقد اللآل: اللآلئ.
[ ١٦٧ ]
وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [سورة فصّلت ٤١/ ٤٢]، قد أحكمت آياته، وفصّلت كلماته، وبهرت بلاغته العقول، وظهرت فصاحته على كلّ مقول، صارخا بهم في كلّ حين، ومقرّعا لهم على مرّ السّنين، قائلا لهم: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [سورة البقرة ٢/ ٢٣] .
ولم يزل يقرّعهم به أشدّ التّقريع، ويوبّخهم به غاية التّوبيخ، ويسفّه أحلامهم، ويحطّ أعلامهم، وهم في كلّ ذلك ناكصون عن معارضته، معترفون بالعجز عن مماثلته، حتّى أعرضوا عن المعارضة بالحروف، إلى المقارعة بالسّيوف، وقالوا على سبيل المباهتة «١» والرّضى بالدّنيّة: قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ [سورة فصّلت ٤١/ ٥]، و: لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [سورة فصّلت ٤١/ ٢٦] .
ولمّا سمع الوليد بن المغيرة قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [سورة النّحل ١٦/ ٩٠]، قال:
والله، إنّ له لحلاوة، وإنّ عليه لطلاوة «٢»، وإنّ أسفله لمغدق «٣»، وإنّ أعلاه لمورق، وما يقول هذا بشر) «٤» .
_________________
(١) المباهتة: القذف بالباطل.
(٢) الطّلاوة: الرّونق والحسن الفائق.
(٣) المغدق: كثير الماء.
(٤) الشّفا، ج ١/ ٥٠٠- ٥٠٧. بتصرّف من المؤلّف.
[ ١٦٨ ]
فاعترف بعجز البشر عن معارضته، وقصورهم عن مماثلته، وأصرّ مع ذلك على العناد، وأضلّه الله سبيل الرّشاد، وكان يقول لقريش إذا قالوا للنّبيّ ﷺ إنّه كاهن، أو شاعر، أو ساحر: والله، ما أنتم بعاقلين من هذا شيئا. إلّا وأنا أعلم أنّه لباطل، ولقد سمعت قولا والله ما سمعت مثله، ولا يقوله بشر.
[إخبار القرآن عن القرون السّالفة]
ومن وجوه إعجازه ما أنبأ به من أخبار القرون السّالفة، والأمم الخالية، ممّا كان لا يعلم منه/ القصّة الواحدة إلّا الفذّ من أحبار أهل الكتاب، وقد علموا أنّه ﷺ أمّيّ، لا يقرأ ولا يكتب، حتّى كان علماء أهل الكتاب يسألونه عن كثير ممّا يختلفون فيه، فيورده لهم على وجهه، ويأتي به على نصّه، فيعترف العالم منهم بذلك له بصدقه.
قال الله تعالى: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [سورة النّمل ٢٧/ ٧٦] .
[إعجاز النّظم والأسلوب]
ويقطع الموافق والمخالف أنّه لم ينل ذلك بتعليم، وإنّما هو بإعلام العزيز العليم، حتّى لم يقدر أحد من أحبار اليهود مع شدة عداوتهم له على تكذيبه فيما سألوه عنه من قصّة يوسف وإخوته، وذي القرنين، وموسى والخضر، ولقمان وابنه، وأصحاب الكهف، مع أنّ أقرب قصّة كانت بينه وبين عيسى ﵇؛ قصّة أصحاب الكهف، وكان أهل الكتاب فيها، كما قال الله تعالى: سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ، فقال الله تعالى: قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ، وقال:
وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا [سورة الكهف ١٨/ ٢٢] .
[ ١٦٩ ]
فاعترفوا له بالصّدق، وأقرّوا له بالحقّ، فإذا كان هذا شأنهم في أقرب القصص إلى عصرهم، فما ظنّك بقصّة آدم وإبليس، وابني آدم، وإدريس، ونوح وأصحاب السّفينة، وعاد وثمود، وإبراهيم وإسماعيل، وإسحاق ويعقوب. وغيرهم ممّن لا يعلمهم إلّا الله؟
وكانوا إذا نازعوه في شيء ممّا أخبرهم به- كحكم الرّجم، وما حرّم إسرائيل على نفسه- احتجّ عليهم بأنّهم يجدونه مكتوبا عندهم في التّوراة والإنجيل، وقال: قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [سورة آل عمران ٣/ ٩٣- ٩٤]، فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ [سورة البقرة ٢/ ٨٩] .
وما أحسن قول صاحب البردة- رحمه الله تعالى-[من البسيط] «١»:
دعني ووصفي آيات له ظهرت ظهور نار القرى ليلا على علم «٢»
فالدّرّ يزداد حسنا وهو منتظم وليس ينقص قدرا غير منتظم «٣»
فما تطاول آمال المديح إلى ما فيه من كرم الأخلاق والشّيم «٤»
_________________
(١) البردة، ص ٢٦- ٢٩. في شرف القرآن ومدحه.
(٢) آيات: معجزات. نار القرى: النّار الّتي كانت توقد للضيافة. العلم: الجبل.
(٣) منتظم: مرتّب ومنسّق في العقد.
(٤) الشّيم- جمع شيمة-: الغريزة والطبيعة والجبلّة، وهي الّتي خلق الإنسان عليها.
[ ١٧٠ ]
آيات حقّ من الرّحمن محدثة قديمة صفة الموصوف بالقدم «١»
لم تقترن بزمان وهي تخبرنا عن المعاد وعن عاد وعن إرم «٢»
دامت لدينا ففاقت كلّ معجزة من النّبيّين إذ جاءت ولم تدم «٣»
محكّمات فما تبقين من شبه لذي شقاق وما تبغين من حكم «٤»
ما حوربت قطّ إلّا عاد من حرب أعدى الأعادي إليها ملقي السّلم
ردّت بلاغتها دعوى معارضها ردّ الغيور يد الجاني عن الحرم «٥»
لها معان كموج البحر في مدد وفوق جوهره في الحسن والقيم
_________________
(١) محدثة: حديثة النّزول عليه ﷺ. قديمة: قديمة الوجود، بقدم الله تعالى، لأنّ الصّفة تتبع الموصوف.
(٢) عاد وإرم: من الأقوام الّتي أهلكها الله تعالى. وهم قوم هود ﵊.
(٣) تتميّز معجزة القرآن عن كلّ المعجزات الّتي جاءت بها الرّسل السّابقون ببقائها إلى يوم القيامة، بخلاف معجزاتهم الّتي لم تدم.
(٤) محكّمات: متقنات وبيّنات ليس فيهنّ شكّ. شبه: لم يبق لمن تتبّعها مجال للشّبهة في توجيهاتها وأحكامها.
(٥) إذ تحدّى الله فصحاء العرب وبلغاءهم أن يأتوا بمثل هذا القرآن، أو بمثل سورة منه. أو بمثل آية.
[ ١٧١ ]
فما تعدّ ولا تحصى عجائبها ولا تسام على الإكثار بالسّأم «١»
قرّت بها عين قاريها فقلت له لقد ظفرت بحبل الله فاعتصم
إن تتلها خيفة من حرّ نار لظى أطفأت حرّ لظى من وردها الشّبم «٢»
كأنّها الحوض تبيضّ الوجوه به من العصاة وقد جاؤوه كالحمم
وكالصّراط وكالميزان معدلة فالقسط من غيرها في النّاس لم يقم
لا تعجبن لحسود راح ينكرها تجاهلا وهو عين الحاذق الفهم «٣»
قد تنكر العين ضوء الشّمس من رمد وينكر الفم طعم الماء من سقم «٤»
_________________
(١) تسام بالسّأم: تصاب بالملل لكثرة قراءتها.
(٢) نار لظى: نار جهنّم. الشّبم: البارد.
(٣) الحاذق: العارف الخبير. وهو عتبة بن ربيعة، الّذي جادل النّبيّ ﷺ فأسمعه من آيات القرآن، فعاد إلى قومه وقال: والله يا قوم، ما هو بالشّعر ولا بالسّحر ولا بالكهانة؛ إنّ أعلاه لمثمر، وإنّ أدناه لمغدق، وإنّ له لحلاوة، وإنّ عليه لطلاوة، وما هو بقول بشر.
(٤) الرّمد: مرض يصيب العين يتأذّى من الضّوء. السّقم: المرض.
[ ١٧٢ ]
الباب السّابع في بعض سيرته ﷺ، مما لاقاه من حين بعثه الله إلى أن هاجر إلى الله تعالى
[الفترة بين عيسى ومحمّد عليهما الصّلاة والسّلام]
روى البخاريّ في «صحيحه»، عن سلمان الفارسيّ ﵁، قال: فترة بين عيسى ومحمّد ﵉ ستّ مئة سنة «١» .
[زمن الرّسالة]
قال علماء السّير: وكانت رسالته ﷺ على رأس الأربعين من مولده.
[قصّة بدء الوحي]
ففي «صحيح البخاريّ ومسلم»، عن محمّد بن شهاب الزّهريّ، عن عروة بن الزّبير/، عن عائشة ﵂، قالت: أوّل ما بدىء به رسول الله ﷺ من الوحي: الرّؤيا الصّالحة في النّوم، فكان لا يرى رؤيا إلّا جاءت مثل فلق الصّبح، ثمّ حبّب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار (حراء)، فيتحنّث فيه- (أي: بحاء مهملة ثمّ نون ثمّ مثلّثة، قال الزّهريّ: وهو التّعبّد) - اللّيالي ذوات العدد قبل أن يرجع إلى أهله، ويتزوّد لذلك، ثمّ يرجع إلى خديجة ﵂ فيتزوّد لمثلها، حتّى جاءه الحقّ وهو في غار (حراء)، فجاءه الملك فقال: اقرأ، قال: «ما أنا بقارىء» .
قال: «فأخذني فغطّني- أي: حبس نفسي- حتّى بلغ منّي الجهد- أي: المشقّة- ثمّ أرسلني»، فقال: اقرأ، قلت: «ما أنا
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٧٣٢) . الفترة: هي المدّة الّتي لا يبعث فيها رسول من الله تعالى.
[ ١٧٣ ]
بقارىء، فأخذني وغطّني الثّانية حتّى بلغ منّي الجهد، ثمّ أرسلني»، فقال: اقرأ، فقلت: «ما أنا بقارىء، فأخذني فغطّني الثّالثة حتّى بلغ منّي الجهد، ثمّ أرسلني»، فقال:
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ [سورة العلق ٩٦/ ١- ٣]، فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده «١»، فدخل على خديجة، فقال: «زمّلوني زمّلوني» - أي: غطّوني- فزمّلوه حتّى ذهب منه الرّوع- أي: الفزع- فقال لخديجة وأخبرها الخبر- أي: خديجة-: «لقد خشيت على نفسي» «٢»، فقالت خديجة: كلّا والله ما يخزيك الله أبدا- أي: لا يهينك بل يكرمك-، إنّك لتصل الرّحم، وتحمل الكلّ- أي: المنقطع-، وتكسب المعدوم- أي: تعطي الشّيء مع قلّته وفقده-، وتقري الضّيف- أي: تطعمه الطّعام-، وتعين على نوائب الحقّ- أي:
الحوادث المحمودة- «٣» .
[تحقّق خديجة ﵂ من الوحي]
فانطلقت به خديجة حتّى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزّى، ابن عمّ خديجة، وكان امرأ- أي: رجلا- قد تنصّر في الجاهليّة، وكان يكتب الكتاب [العربي]، فيكتب من الإنجيل
_________________
(١) يرجف فؤاده: يضطرب من الخوف.
(٢) أي: المرض أو الموت من شدّة الضّغط والضّم. وقد كان ذلك قبل أن يحصل له العلم الضّروريّ بأنّ الّذي جاءه ملك من الله. ولا يصحّ تفسير الخشية هنا بغير هذا. (انظر السّيرة النّبويّة، لأبي شهبة، ج ١/ ٢٦٢) .
(٣) قلت: وفي ذكر هذه الأوصاف ما يدلّ على كمال خلق النّبيّ في الجاهليّة، وأنّ صنائع المعروف تقي مصارع السّوء، كما يدلّ على كمال عقل السّيّدة خديجة، ووفور شفقتها، ومحبّتها للنّبيّ ﷺ. (انظر السّيرة النّبويّة، لأبي شهبة، ج ١/ ٢٦٣.
[ ١٧٤ ]
[بالعربيّة] ما شاء الله أن يكتب، وكان/ شيخا كبيرا قد عمي، فقالت له خديجة: يا ابن عم، اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره النّبيّ ﷺ خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا هو النّاموس الأكبر الّذي نزّل الله تعالى على موسى «١»، يا ليتني فيها جذعا «٢»، ليتني أكون حيّا إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله ﷺ: «أو مخرجيّ هم؟» قال: نعم، لم يأت رجل قطّ بمثل ما جئت به إلّا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزّرا- أي: معانا-.
ثمّ لم ينشب ورقة- أي: لم يلبث- أن توفّي، وفتر الوحي «٣» .
(حتّى حزن النّبيّ ﷺ [فيما بلغنا] حزنا شديدا، غدا منه يتردّى من رؤوس الجبال، فكلّما أراد أن يلقي نفسه تبدّى له جبريل، وقال: يا محمّد، إنّك رسول الله حقّا) «٤» .
_________________
(١) النّاموس: رسول الخير، والمراد به: جبريل ﵇. وخصّ موسى لأنّ شريعته كانت أعمّ وأوفى من شريعة عيسى ﵉.
(٢) الجذع: الشّاب الحدث القويّ.
(٣) أخرجه البخاريّ، برقم (٦٥٨١) . ومسلم برقم (١٦٠/ ٢٥٢) .
(٤) ما بين قوسين زيادة ليست على شرط الصّحيح، لأنّها من بلاغات الزّهريّ. وقد ذكرها البخاريّ لينبّهنا إلى مخالفتها لما صحّ عنده من حديث بدء الوحي، الّذي لم تذكر فيه هذه الزّيادة، وهي من قبيل المنقطع، والمنقطع من أنواع الضّعيف. (فتح الباري، ج ١٦/ ١٢) . قلت: إنّ ما اشتهر من سيرته ﷺ يردّ ذلك، فقد حدث له أثناء دعوته النّاس أشدّ وأقسى من هذه الحالة، ولم يفكّر رسول الله ﷺ بالانتحار، بأن يلقي نفسه من شاهق جبل. وسنرى فيما يأتي من الكتاب أنّه لمّا
[ ١٧٥ ]
[فترة الوحي وما نزل من القرآن بعد ذلك]
قال ابن شهاب: وأخبرني أبو سلمة بن عبد الرّحمن بن عوف، أنّ جابر بن عبد الله﵄- أخبره أنّه سمع النّبيّ ﷺ يحدّث عن فترة الوحي، قال: «ثمّ فتر الوحي عنّي فترة، فبينما أنا أمشي إذ سمعت صوتا من السّماء، فرفعت بصري قبل السّماء- أي: في جهتها- فإذا الملك الّذي جاءني ب (حراء) قاعد على كرسيّ بين السّماء والأرض، فرعبت منه- أي: فزعت- حتّى هويت إلى الأرض- أي: سقطت- فجئت أهلي، فقلت:
دثّروني دثّروني، - أي: غطّوني- فدثّروني، فأنزل الله ﷿:
يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنْذِرْ. وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ. وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ. وَالرُّجْزَ- أي:
النّجس- فَاهْجُرْ- أي: فاترك- «١» [سورة المدّثّر ٧٤/ ١- ٥]» .
[شكوى النّبيّ ﷺ ونزول الضّحى]
وفي رواية: أنّه لمّا فتر الوحي عنه، قالت قريش: قلاه ربّه.
_________________
(١) عرض عليه عمّه أبو طالب أن يكفّ عن قريش، ويبقي عليه وعلى نفسه، قال قوله المشهور: «والله يا عمّ، لو وضعوا الشّمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر حتّى يظهره الله أو أهلك دونه، ما تركته» . وليس أدلّ على ضعف هذه الزّيادة من أنّ جبريل ﵇ كان يقول له كلّما أشرف على ذروة جبل: (يا محمّد، إنّك رسول الله حقّا)، وأنّه كرّر ذلك مرارا. ولو صحّ هذا لكانت مرّة واحدة تكفي في تثبيت النّبيّ ﷺ وصرفه عمّا حدّثته به نفسه كما زعموا. وقد ذهب جلّ العلماء وكتّاب السّير المحدّثون إلى هذا، بل ذهب بعضهم إلى أنّ مجرّد سؤال ورقة إنّما هو من خديجة ﵂؛ لأنّ النّبيّ ﷺ يعلم أنّه سيكون رسول الله، وأنّه أجلّ من أن يعرف نبوّته ورسالته من حبر نصرانيّ، أو ممّن قرأ كتب النّصارى.
(٢) أخرجه البخاريّ، برقم (٤٦٧١) .
[ ١٧٦ ]
فأنزل الله تعالى: وَالضُّحى. وَاللَّيْلِ إِذا سَجى. ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى إلى آخر السّورة «١» .
[حجب الشّياطين عن استراق السّمع عند مبعثه ﷺ]
وفي «الصّحيحين»، عن ابن عبّاس ﵄، قال انطلق رسول الله ﷺ في طائفة من أصحابه، عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشّياطين وبين خبر السّماء، وأرسلت عليهم الشّهب/، فرجعت الشّياطين، فقالوا: ما لكم؟ قالوا: حيل بيننا وبين خبر السّماء، وأرسلت علينا الشّهب، فقالوا: ما حال بينكم وبين خبر السّماء إلّا أمر حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فانطلق الّذين توجّهوا منهم نحو (تهامة)، فإذا رسول الله ﷺ ب (نخلة) «٢»، يصلّي بأصحابه صلاة الفجر، فلمّا سمعوا القرآن عجبوا له، وقالوا: هذا الّذي حال بينكم وبين خبر السّماء، ورجعوا إلى قومهم، فقالوا: يا قومنا، إِنَّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا. يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَدًا [سورة الجنّ ٧٢/ ١- ٢] فأنزل الله تعالى على نبيّه: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ [سورة الجنّ ٧٢/ ١] «٣» .
[دعوة النّبيّ ﷺ قومه إلى الإسلام سرّا]
ولمّا بعث ﷺ أخفى أمره، وجعل يدعو أهل (مكّة)، ومن أتى إليها سرّا، فامن به ناس من ضعفاء الرّجال والنّساء والموالي، وهم أتباع الرّسل؛ كما في حديث أبي سفيان عن هرقل، فلقوا من المشركين في ذات الله تعالى أنواع الأذى، فما ارتدّ أحد منهم عن دينه، ولا التوى، ولذلك أشار ﷺ بقوله: «إنّ هذا الدّين
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٤٦٦٧) . عن جندب بن سفيان ﵁.
(٢) موضع بالحجاز قريب من مكّة فيه نخل وكروم.
(٣) أخرجه البخاريّ، برقم (٧٣٩) . ومسلم برقم (٤٤٩/ ١٤٩) .
[ ١٧٧ ]
بدأ غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء» «١» .
نعوذ بالله من الفتن والمحن، ما ظهر منها وما بطن.
[الجهر بالدّعوة]
وفي السّنة الرّابعة من مبعثه ﷺ: نزل قوله تعالى: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ. إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ [سورة الحجر ١٥/ ٩٤- ٩٥] .
فامتثل ﷺ أمر ربّه، وأظهر الدّعوة إلى الله تعالى، فدخل النّاس في الإسلام أرسالا، حتّى فشا ذكر الإسلام ب (مكّة)، ولكن كان المسلمون إذا أرادوا الصّلاة ذهبوا إلى الشّعاب، واستخفوا من قومهم بصلاتهم.
[موقف المشركين من النّبيّ ﷺ إثر جهره بالدّعوة]
ولمّا أظهر ﷺ دعوة الخلق إلى الحقّ لم يتفاحش إنكار قومه عليه، حتّى ذكر آلهتهم وسبّها، وضلّل آباءهم، وسفّه أحلامهم، فحينئذ اشتدّ ذلك عليهم، وأجمعوا له الشّرّ، فحدب «٢» عليه عمّه أبو طالب، وعرّض نفسه للشّرّ دونه، مع/ بقائه على دينه.
فلمّا رأت ذلك قريش، اجتمع أشرافهم ومشوا إلى أبي طالب، وقالوا له: إنّ ابن أخيك قد سبّ آلهتنا، وعاب ديننا، وسفّه أحلامنا، وضلّل آباءنا، فإمّا أن تكفّه عنّا، وإمّا أن تخلّي بيننا وبينه، فإنّك على مثل ما نحن عليه من خلافه.
[أبو طالب بين نصرته للرّسول ﷺ وتخلّيه عنه]
فعظم على أبي طالب فراق قومه، ولم تطب نفسه بخذلان ابن أخيه، فكلّم النّبيّ ﷺ، فظنّ النّبيّ ﷺ أنّ عمّه قد بدا له تركه، والعجز عن نصرته، فقال: «يا عمّ! والله لو وضعوا الشّمس في
_________________
(١) أخرجه مسلم، برقم (١٤٥/ ٢٣٢) . عن أبي هريرة ﵁.
(٢) حدب عليه: انحنى عليه وعطف.
[ ١٧٨ ]
يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر، حتّى يظهره الله أو أهلك فيه، ما تركته» ثمّ استعبر ﷺ باكيا «١»، فقال له:
يا ابن أخي، قل ما أحببت، فو الله لا أسلمك لشيء أبدا «٢» .
وفي ذلك يقول أبو طالب، [من الكامل] «٣»:
والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتّى أوسّد في التّراب دفينا
فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة وابشر وقرّ بذاك منك عيونا «٤»
ودعوتني وعرفت أنّك ناصحي ولقد صدقت وكنت ثمّ أمينا
وعرضت دينا قد علمت بأنّه من خير أديان البريّة دينا
لولا الملامة أو حذار مسبّة لو جدتني سمحا بذاك مبينا
_________________
(١) استعبر: جرت دمعته. قلت: يا لقوّة الإيمان، ويا لعظمة النّفس البشريّة، ويا لجلال البطولة!! رجل يظنّ أنّه تخلّى عنه ناصره الوحيد من أهله، وهو وأصحابه في غمرات متتابعة من الأذى والبلاء، وتألّب رؤساء الشّرك عليه، ثمّ يقف هذا الموقف الفذّ العظيم!! إنّ هذا في منطق العقل يستحيل أن يكون مدّعيا أو كاذبا أو بشرا من عامّة البشر؛ ما هذا إلّا نبيّ كريم، ورجل بالغ أسمى درجات الثّقة بالله ربّ العالمين. فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
(٢) أخرجه البيهقيّ في «دلائل النّبوّة»، ج ٢/ ١٨٧.
(٣) دلائل النّبوّة، ج ٢/ ١٨٨.
(٤) اصدع بأمرك: بيّنه واجهر به. أمرك: ما أمرك الله به من دعوة المشركين إلى عبادته وحده سبحانه. غضاضة: منقصة أو عيب. قرّت عين فلان: سرّ ورضي.
[ ١٧٩ ]
[اشتداد قريش على الرّسول ﷺ وأصحابه]
فعند ذلك نابذتة قريش وتزامروا للحرب، ووثبت كلّ قبيلة على من أسلم منهم يعذّبونهم.
[حشد أبي طالب مؤيديه من بني هاشم]
وأخذ أبو طالب يحشد بطون بني عبد مناف، وهم أربعة: بنو هاشم، وبنو المطّلب، وبنو عبد شمس، وبنو نوفل، فأجابه:
بنو هاشم، وبنو المطّلب، وخذله: بنو عبد شمس، وبنو نوفل، وانسلخ أيضا من بني هاشم: أبو لهب.
[قصيدة أبي طالب اللّاميّة]
وفي بني عبد شمس وبني نوفل وحميّته على النّبيّ ﷺ، ومدحه له، يقول أبو طالب في قصيدته الطّويلة، [من الطّويل] / «١»:
جزى الله عنّا عبد شمس ونوفلا عقوبة شرّ عاجلا غير آجل
كذبتم وبيت الله نبزى محمّدا ولمّا نطاعن دونه ونناضل «٢»
ونسلمه حتّى نصرّع حوله ونذهل عن أبنائنا والحلائل «٣»
وينهض قوم في الحديد إليكم نهوض الرّوايا تحت ذات الصّلاصل «٤»
بكفّي فتى مثل الشّهاب سميدع أخي ثقة حامي [الحقيقة] باسل «٥»
_________________
(١) ابن هشام، ج ١/ ٢٧٥- ٢٧٩.
(٢) نبزى محمّدا: نغلبه ونسلبه. نناضل: نتسابق في الرّمي بالسّهام.
(٣) الحلائل: الزّوجات.
(٤) الرّوايا: الإبل الّتي تحمل الماء والأسقية. الصّلاصل: المزادات لها صلصلة بالماء.
(٥) السّميدع: السّيّد. الباسل: الشّجاع.
[ ١٨٠ ]
وما ترك قوم، لا أبا لك سيّدا يحوط الذّمار غير ذرب مواكل «١»
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل «٢»
يلوذ به الهلّاف من آل هاشم فهم عنده في نعمة وفواضل «٣»
لعمري لقد كلّفت وجدا بأحمد وإخوته دأب المحبّ المواصل «٤»
حدبت بنفسي دونه وحميته ودافعت عنه بالذّرا والكلاكل «٥»
فمن مثله في النّاس أيّ مؤمّل إذا قاسه الحكّام عند التّفاضل؟!
حليم رشيد عادل غير طائش يوالي إلها ليس عنه بغافل
فو الله لولا أن أجيء بسبّة تجرّ على أشياخنا في المحافل
_________________
(١) الذّمار: ما يلزمك حمايته. الذّرب: سليط اللّسان. المواكل: الّذي يكل أموره إلى غيره.
(٢) ثمال اليتامى: قام بأمرهم وربّاهم.
(٣) الهلّاف: الهلّوف: الشّيخ القديم الهرم المسنّ.
(٤) وجدا: محبّة.
(٥) حدبت: عطفت ومنعت. الكلاكل: الجماعات. مفردها: الكلكلة؛ وهي الجماعة. ذرّ الشّيء: أعاليه، والقوم: أعلاهم وأشرفهم؛ والمقصود: دافع عن الرّسول ﷺ بين علية القوم وأشرافهم، وعند عامّة النّاس.
[ ١٨١ ]
لكنّا اتّبعناه على كلّ حالة من الدّهر جدّا غير قول التّهازل
لقد علموا أنّ ابننا لا مكذّب لدينا ولا يعنى بقول الأباطل
فأصبح فينا أحمد في أرومة تقاصر عنها سورة المتطاول «١»
فائدة [: في تشريف بني المطّلب بتسميتهم أهل البيت]
قال العلماء: ولأجل نصرة بني المطّلب لبني هاشم وموالاتهم لهم، شاركوهم في التّشريف بتسميتهم أهل البيت، وفضل الكفاءة على سائر قريش، واستحقاق سهم ذوي القربى، وتحريم الزّكاة دون البطنين الآخرين، إذ لم يفترقوا في جاهليّة ولا إسلام.
وروى البخاريّ في «صحيحه»، عن سعيد بن المسيّب، عن جبير بن مطعم بن عديّ بن الحارث بن نوفل بن عبد مناف، قال:
مشيت أنا وعثمان بن عفّان- أي: ابن أبي العاص بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف- إلى رسول الله ﷺ، فقلنا: يا رسول الله أعطيت/ بني المطّلب- أي: ابن عبد مناف- وتركتنا، ونحن وهم منك بمنزلة واحدة؟ فقال: «إنّما بنو المطّلب وبنو هاشم شيء واحد» .
وفي رواية: أعطيت بني المطّلب من خمس خيبر. وفي أخرى: ولم يقسم النّبيّ ﷺ لبني عبد شمس ولا لبني نوفل شيئا.
قال البخاريّ: وقال ابن إسحاق: عبد شمس وهاشم
_________________
(١) الأرومة: الأصل والنّسب والحسب هنا. السّورة: المنزلة.
[ ١٨٢ ]
والمطّلب إخوة لأب وأمّ، وأمّهم: عاتكة بنت مرّة، وكان نوفل أخاهم لأبيهم. انتهى «١» .
[دعوة النّبيّ ﷺ النّاس بالحكمة والموعظة الحسنة]
قال العلماء: وجعل النّبيّ ﷺ يدعو إلى سبيل ربّه مرّة بالتّرغيب، ومرّة بالتّرهيب، ومرّة بالقول اللّيّن، ومرّة بالخشن، كما أمره ربّه بقوله تعالى: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [سورة النّحل ١٦/ ١٢٥] .
[تعذيب المسلمين]
وامتنع جماعة ممّن أسلم بعشائرهم من أذى المشركين، وبقي قوم مستضعفون في أيدي المشركين، يعذّبونهم بأنواع العذاب؛ كعمّار بن ياسر، وأبيه، وأمّه، وأخته، وبلال بن حمامة، وخبّاب بن الأرتّ، وغيرهم ﵃.
[تعذيب آل ياسر ﵃]
فكانوا يأخذون عمّارا وأباه وأمّه وأخته فيقلّبونهم ظهرا لبطن، فيمرّبهم رسول الله ﷺ فيقول: «صبرا آل ياسر، فإنّ موعدكم الجنّة» «٢» .
[أوّل شهيد في الإسلام]
وماتت سميّة أمّ عمّار بذلك. فكانت أوّل قتيل في الإسلام في ذات الله «٣» . ثمّ مات ياسر وابنته بعدها أيضا.
[تعذيب بلال ﵁]
وأمّا بلال فكان أميّة بن خلف يخرج به فيضع الصّخور على صدره، ويتركها كذلك حتّى يكاد يموت، فيرفعها، وبلال يقول:
أحد، أحد. فمّر به أبو بكر ﵁، فقال لأميّة: ألا تتّقي الله في هذا العبد؟ فقال: أنت الّذي أفسدته عليّ، فقال: بعنيه، فباعه منه، فأعتقه» .
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٢٩٧١) . لأب وأمّ: أي أشقاء، وأبوهم عبد مناف، ونوفل أخوهم لأب؛ وأمّه: واقدة بنت عمرو المازنيّة.
(٢) أخرجه الحاكم في «المستدرك»، ج ٣/ ٣٨٣.
(٣) وذلك أنّ أبا جهل طعنها بحربة في قبلها.
(٤) ابن هشام، ج ١/ ٣١٧- ٣١٨.
[ ١٨٣ ]
[عتقاء أبي بكر ﵁]
وكان عمر ﵁، يقول: أبو بكر سيّدنا، وأعتق سيّدنا بلالا «١» . واشترى أيضا عامر بن فهيرة في ستّ رقاب أخر على مثل ذلك «٢» .
قال المفسّرون: وفي حقّه ﵁/ نزلت: وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى. الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى. وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى. إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى. وَلَسَوْفَ يَرْضى [سورة اللّيل ٩٢/ ١٧- ٢١] «٣» .
فائدة [: في أنّ الأتقى هو الأفضل عند الله]
ولا يخفى دلالة الآية الكريمة أنّ الأتقى هو الأفضل عند الله، لقوله تعالى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ [سورة الحجرات ٤٩/ ١٣] .
[شكوى المسلمين إلى رسول الله ﷺ من التّعذيب]
وأمّا خبّاب بن الأرتّ: ففي «صحيح البخاريّ» عنه، قال:
. تيت النّبيّ ﷺ وهو متوسّد بردة، وهو في ظلّ الكعبة، ولقد لقينا من المشركين شدّة، فقلت: يا رسول الله، ألا تدعو الله لنا؟ فقعد وهو محمرّ وجهه، فقال: «لقد كان من قبلكم ليمشط بمشاط الحديد، ما دون عظامه من لحم أو عصب، ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه، فيشقّ باثنين ما يصرفه ذلك عن دينه، وليتمّنّ الله هذا الأمر حتّى يسير الرّاكب من (صنعاء) إلى (حضر موت)، ما يخاف إلّا الله أو الذّئب على غنمه» «٤» .
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٥٤٤) . عن جابر بن عبد الله ﵄.
(٢) ابن هشام، ج ١/ ٣١٨.
(٣) أسباب النّزول، للواحديّ، ص ٣٧٠.
(٤) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٦٣٩) .
[ ١٨٤ ]
فائدة [: في فضل من ثبت على إيمانه]
قال العلماء: وهذا الحديث من أحسن الأحاديث النّبويّة الدّالّة على التّأسّي مع قوله ﷾: الم. أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ. وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ [سورة العنكبوت ٢٩/ ١- ٣] وقوله ﷿: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [سورة البقرة ٢/ ٢١٤] وقوله تعالى: لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [سورة آل عمران ٣/ ١٨٦] .
فأعلمهم الله ﷾ أنّ مبنى الدّين على الصّبر، وأنّ من تجرّد لإظهار دين الله استقبلته المحن في نفسه وماله وعرضه وأهله.
وإنّما أعلم المؤمنين بذلك أوّلا لتتوطّن نفوسهم عليه، وأعلمهم أنّ هذه سنّة الّذين خلوا من قبلهم/، ثمّ كانت لهم العاقبة، تعبوا قليلا ثمّ استراحوا طويلا، وبذلوا حقيرا فنالوا خطيرا: أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [سورة البقرة ٢/ ١٥٧] .
ومع شدّة حرصهم على أذاه، فقد كانت عين الله ترعاه.
وفي «الصّحيحين»، أنّ أبا جهل، قال: لئن رأيت محمّدا يصلّي لأطأنّ [على] عنقه، فبلغ النّبيّ ﷺ، فقال: «لو فعل لأخذته الملائكة عضوا عضوا» «١» .
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٤٦٧٥) . عن ابن عبّاس ﵄.
[ ١٨٥ ]
زاد مسلم والنّسائيّ: أنّه لمّا همّ بذلك رأى بينه وبينه خندقا من نار، وهولا وأجنحة، فنكص على عقبيه، وهو يتّقي بيديه، وأخبرهم بما رأى، فأنزل الله تعالى: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى. عَبْدًا إِذا صَلَّى إلى قوله: أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى، ثمّ توعّده بقوله تعالى:
كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ إلى قوله: سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ، ثمّ أمر رسوله بالسّجود غير مكترث به، فقال: كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ [سورة العلق ٩٦/ ٩- ١٩] «١» .
[الهجرة الأولى إلى الحبشة]
وفي السّنة الخامسة من مبعثه ﷺ: رأى شدّة ما بأصحابه من البلاء، وما نالهم في دين الله من الأذى، فأمرهم بالمهاجرة إلى (الحبشة)، وقال لهم: «إنّ بها معاشا وسعة، وملكا عادلا لا يسلم جاره» «٢» .
فهاجر إليها عثمان بن عفّان، ومعه امرأته رقيّة بنت رسول الله ﷺ، والزّبير بن العوّام، وعبد الرّحمن بن عوف، وعبد الله بن مسعود، وجماعة من الصّحابة ﵃ «٣» .
_________________
(١) أخرجه مسلم، برقم (٢٧٩٧) . عن أبي هريرة ﵁، بنحوه. سندع الزّبانية: سندعو له من جنودنا القويّ المتين، الّذي لا قبل له بمغالبته، فيهلكه في الدّنيا أو يرديه في النّار في الآخرة وهو صاغر (أنصاريّ) .
(٢) أخرجه البيهقيّ في «سننه»، ج ٢/ ٣٢٨. بنحوه.
(٣) خبر هجرة ابن مسعود في «الطّبقات» لابن سعد، ج ٣/ ١٥١، وأنّه هاجر إلى أرض الحبشة الهجرتين جميعا في رواية أبي معشر ومحمّد بن عمر. والصّواب: أنّه إنّما كان في الهجرة الثّانية، (انظر شرح المواهب اللّدنيّة، للزرقاني، ج ١/ ٢٧٠) . قلت: وعدد الّذين هاجروا الهجرة الأولى حسبما ذكر ابن هشام عشرة رجال. عثمان بن
[ ١٨٦ ]
[الهجرة الثّانية إلى الحبشة]
ثمّ تبعهم جعفر بن أبي طالب في جماعة ﵃، حتّى بلغوا اثنين وثمانين رجلا، سوى النّساء والصّبيان، فلمّا وصلوا إلى (الحبشة) أكرمهم النّجاشيّ، وأحسن جوارهم، وسمع القرآن من جعفر ﵁، فامن به وصدّق، وأمر قومه بذلك فأبوا، فكتم إيمانه عنهم.
[وفد قريش إلى الحبشة لاسترداد المهاجرين إليها]
فلمّا شاعت بذلك الأخبار، وجّهت قريش إلى النّجاشيّ عمرو بن العاص في جماعة، ووجّهوا معهم بهدايا للنّجاشيّ ولخواصّه، فقدموا على النّجاشيّ وقدّموا ما عندهم من الهدايا، وكلّموه في شأنهم، ليمكّنهم/ منهم، فغضب، وردّ هداياهم عليهم، فانقلبوا خائبين.
[عودة بعض مهاجري الحبشة]
ثمّ إنّ مهاجرة (الحبشة) بلغهم أنّ أهل (مكّة) أسلموا، فاستخفّ ذلك الخبر جماعة منهم، نحو ثلاثين رجلا، فأقبلوا راجعين، حتّى إذا كانوا بقرب (مكّة) بان لهم فساد الخبر، فلم يدخل أحد منهم (مكّة) إلّا مستخفيا أو بجوار، وأقام بقيّة المهاجرين ب (الحبشة) إلى سنة [سبع] من الهجرة، فمدّة إقامتهم نحو عشر سنين «١» .
_________________
(١) عفّان وامرأته، وأبو حذيفة بن عتبة وامرأته، والزّبير بن العوّام، ومصعب بن عمير، وعبد الرّحمن بن عوف، وأبو سلمة بن عبد الأسد وامرأته، وعثمان بن مظعون، وعامر بن ربيعة وامرأته، وأبو سبرة بن أبي رهم، وسهيل ابن بيضاء.
(٢) قلت: أورد ابن هشام ما ذكره ابن إسحاق عن عودة مهاجري الحبشة قبل خبر نقض صحيفة المقاطعة وبعد إسلام عمر بن الخطّاب، وعنده- كما ورد أعلاه- أنّ الّذين عادوا إثر ما بلغهم من إسلام أهل مكّة كانوا ثلاثة وثلاثين رجلا، وأنّ منهم من أقام بمكّة إلى أن هاجر وشهد بدرا،
[ ١٨٧ ]
[قدوم جعفر ﵁ من الحبشة]
فكتب النّبيّ ﷺ إلى النّجاشيّ ليجهّزهم إليه، فجهّزهم، فقدموا يوم فتح (خيبر)، فأسهم لهم، وقال ﷺ: «لا أدري بأيّهما أسرّ بفتح خيبر، أم بقدوم جعفر» «١» .
فائدة [: في حكم الهجرة]
قال العلماء: وهذه الهجرة أوّل هجرة في الإسلام، وبعدها الهجرة الكبرى إلى (المدينة)، وقد حازها أيضا مهاجرو (الحبشة) كجعفر وعثمان والزّبير وعبد الرّحمن، فسمّوا أهل الهجرتين.
وحكم الهجرة باق إلى يوم القيامة إذا وجد معناها؛ وهو الفرار بالدّين عند خوف الافتتان فيه، أو عند العجز عن الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، أو عن ردّ البدع المنكرة.
أمّا عند خوف الافتتان: فمن بقي في دار الحرب عاجزا عن إظهار دين الإسلام عصى معصية عظيمة، بل اختلف في صحّة
_________________
(١) ومنهم من مات فيها، والباقون حبسهم المشركون. ويبدو أنّ ابن إسحاق لم يفصل بين خبر من عادوا إثر الهجرة الأولى إلى الحبشة وخبر من عادوا إثر الهجرة الثّانية إليها. ولعلّ هذا راجع إلى أنّه لم ينصّ على حصول هجرتين، والأرجح: أنّ الّذين عادوا إثر سماعهم بإسلام أهل مكّة وإسلام عمر هم العشرة الّذين هاجروا أوّلا، وكانت عودتهم في السّنة الّتي خرجوا فيها بعد أن أقاموا في الحبشة شهرين، وقد دخلوا مكّة مستخفين أو بجوار، ثمّ هاجروا إلى الحبشة ثانية على الأرجح مع جعفر ابن أبي طالب وأصحابه. وأمّا الثّلاثة والثّلاثون الّذين ذكرهم ابن إسحاق فهؤلاء هم الّذين عادوا من الحبشة إثر الهجرة الثانية، وذلك حين سمعوا بمهاجر النّبيّ ﷺ إلى المدينة كما ذكر ابن سعد (انظر الجامع في السّيرة النّبويّة، ج ١/ ٤٢٢) .
(٢) أخرجه الحاكم في «المستدرك»، ج ٢/ ٦٢٤.
[ ١٨٨ ]
إسلامه، لقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَ- لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيرًا الآيات، [سورة النّساء ٤/ ٩٧] .
وكذلك يعصي من أقام ببلد البدع والمنكر، الّذي لا يقدر على تغييره فيها، أو بأرض غلب عليها الحرام، فإنّ طلب الحلال فرض على كلّ مسلم.
[إسلام حمزة وعمر بن الخطّاب ﵄]
وفي السّنة السّادسة: أسلم سيّدنا حمزة بن عبد المطّلب، عمّ رسول الله ﷺ، ثمّ أسلم بعده سيّدنا عمر بن الخطّاب ﵄. فعزّ بإسلامهما الإسلام والمسلمون.
وفي «صحيح البخاريّ»، عن/ عبد الله بن عمر ﵄، قال: لمّا أسلم عمر اجتمع النّاس عند داره، وقالوا: صبأ عمر، وأنا غلام فوق ظهر البيت، فجاء العاص بن وائل، وقال:
أنا له جار. فتفرّقوا «١» .
[المقاطعة وحصر قريش لبني هاشم]
وفي أوّل ليلة من المحرّم من السّنة السّابعة: اجتمعت قريش بخيف بني كنانة؛ وهو: (المحصّب) «٢»، فتقاسموا «٣» على الكفر، كما في «صحيحي البخاريّ ومسلم» وذلك أنّهم تعاهدوا
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٦٥٢) . صبأ: خرج من دين إلى دين غيره. أنا له جار: أي أجرته من أن يظلمه ظالم.
(٢) خيف بني كنانة والمحصّب والحصبة والأبطح والبطحاء: اسم لشيء واحد. وأصل الخيف: كلّ ما انحدر عن الجبل وارتفع عن المسيل. (أنصاريّ) .
(٣) تقاسموا: أقسموا فيما بينهم.
[ ١٨٩ ]
على قطيعة بني هاشم وبني المطّلب، ومقاطعتهم في البيع والشّراء والنّكاح وغير ذلك، حتّى يهلكوا عن آخرهم، أو يسلموا إليهم محمّدا ﷺ، وكتبوا بذلك صحيفة وعلّقوها في سقف (الكعبة) تأكيدا لأمرها.
[مدّة الحصار وشدّته]
فانحاز البطنان «١» إلى أبي طالب في الشّعب، وبقوا هنالك محصورين مدّة ثلاث سنين، وتضوّروا بذلك جوعا وعطشا وعريا، ولحقتهم مشقّة عظيمة بسبب النّبيّ ﷺ.
وفي ذلك يقول أبو طالب، [من الطّويل] «٢»:
ألا أبلغا عنّي على ذات بيننا لؤيّا وخصّا من لؤيّ بني كعب
ألم تعلموا أنّا وجدنا محمّدا نبيّا كموسى خطّ في أوّل الكتب
وأنّ الّذي التفّقتم من كتابكم لكم كائن نحسا كراغية السّقب «٣»
أفيقوا أفيقوا قبل أن يحفر الثّرى ويصبح من لم يجن ذنبا كذي الذّنب
ولا تتبعوا أمر الوشاة وتقطعوا أو اصرنا بعد المودّة والقرب «٤»
_________________
(١) أي: بنو هاشم وبنو المطّلب.
(٢) ابن هشام، ج ١/ ٣٥٢- ٣٥٣.
(٣) راغية السّقب: هو من الرّغاء، وهو أصوات الإبل، السّقب: ولد النّاقة. والمقصود هنا: ولد ناقة صالح ﵇.
(٤) الأواصر: ما عطفك على غيرك من رحم، أو قرابة، أو مصاهرة.
[ ١٩٠ ]
فلسنا وربّ البيت نسلم أحمدا لعزّاء من عضّ الزّمان ولا كرب «١»
ولمّا تبن منّا ومنكم سوالف وأيد أترّت بالقساسية الشّهب «٢»
أليس أبونا هاشم شدّ أزره وأوصى بنيه بالطّعان وبالضّرب
ولسنا نملّ الحرب حتّى تملّنا ولا نشتكي ما قد ينوب من النّكب
ولكنّنا أهل الحفائظ والنّهى إذا طار أرواح الكماة من الرّعب «٣»
[نقض الصّحيفة]
فلمّا أراد الله تعالى حلّ ما عقدوه، وإبطال ما أكّدوه، اجتمع في أواخر السّنة التّاسعة ستّة من سادات قريش ليلا بأعلى (مكّة) /، فتعاقدوا على نقض الصّحيفة، منهم: المطعم بن عديّ النّوفليّ، وزمعة بن الأسود بن أسد الأسديّ، فلمّا أصبحوا قال قائلهم:
أنأكل الطّعام، ونلبس الثّياب وبنو هاشم هلكى، والله لا أقعد حتّى تشقّ هذه الصّحيفة الظّالمة، فقال أبو جهل: كذبت والله [لا تشقّ]، فقال [زمعة]: أنت والله الكاذب، ووثبوا، فقال أبو جهل:
هذا أمر قد برم بليل، ثمّ قاموا إلى الصّحيفة ليشقّوها، فأخبرهم النّبيّ ﷺ أنّ الأرضة «٤» قد أكلت جميعها، إلّا ما فيه اسم الله،
_________________
(١) عضّ الزّمان: شدّته.
(٢) السّوالف: ما تقدّم من عنق الفرس، أترّت: قطعت. القساسيّة: سيوف تنسب إلى قساس، وهو جبل لبني أسد يحوي على معدن الحديد.
(٣) الحفائظ: مفردها الحفيظة؛ وهي الأنفة. النّهى- جمع نهية-: العقل. الرّعب: الوعيد.
(٤) الأرضة: دويبة تأكل الخشب ونحوه.
[ ١٩١ ]
فوجدوه كما ذكر النّبيّ ﷺ.
وخرج النّبيّ ﷺ وبنو هاشم وبنو المطّلب من الشّعب؛ في أواخر السّنة التّاسعة.
وفي «١» موسم السّنة التّاسعة سألت قريش النّبيّ ﷺ آية وهو ب (منى)، فأراهم انشقاق القمر شقّتين. رواه البخاريّ ومسلم «٢» .
وفي رواية: حتّى رأوا حراء بينهما «٣» .
فائدة [: في أنّ معجزة انشقاق القمر لا تعدلها معجزة]
قال العلماء: وانشقاق القمر معجزة عظيمة لا يكاد يعدلها شيء من معجزات الأنبياء ﵈، إذ لا يطمع أحد بحيلة إلى التّصرّف في العالم العلويّ، فصار البرهان بها أظهر، ولهذا نصّ عليها القرآن بقوله تعالى: وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [سورة القمر ٥٤/ ١] .
[وفاة أبي طالب]
وفي السّنة العاشرة: مات أبو طالب، فاشتدّ حزن النّبيّ ﷺ.
[حرص النّبيّ ﷺ على إسلام عمّه]
وفي «صحيح البخاريّ»، أنّ أبا طالب لمّا حضرته الوفاة، دخل عليه النّبيّ ﷺ، فوجد عنده أبا جهل، فقال: «أي عمّ، قل لا إله إلّا الله، كلمة أحاجّ لك بها عند الله»، فقال أبو جهل [وعبد الله بن أبي أميّة]: أترغب عن ملّة عبد المطّلب؟ [فلم يزالا يكلّمانه]، حتّى قال آخر شيء [كلّمهم] به هو: على ملّة
_________________
(١) قلت: قال الحافظ ابن حجر في «الفتح»، ج ٦/ ٦٣٢: كان- أي: انشقاق القمر- بمكّة قبل الهجرة بنحو خمس سنين.
(٢) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٤٣٧) . ومسلم برقم (٢٨٠٠/ ٤٣) . عن ابن مسعود ﵁.
(٣) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٦٥٥) . عن أنس ﵁.
[ ١٩٢ ]
عبد المطّلب. فقال النّبيّ ﷺ: «لأستغفرنّ لك ما لم أنه عنه»، فنزلت: ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ «١» [سورة التّوبة ٩/ ١١٣]- أي: فلم يزل يستغفر له حتّى نزلت-/.
[تخفيف العذاب عن أبي طالب]
وفي «صحيح البخاريّ» أيضا، أنّ العبّاس قال للنّبيّ ﷺ:
ما أغنيت عن عمّك؟ فإنّه كان يحوطك ويغضب لك، فقال: «هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدّرك الأسفل من النّار» «٢» . أي: لأنّ كفره كفر إيثار للباطل على الحقّ، مع علمه بذلك وتيقّنه بذلك، وما شاء الله تعالى كان، وما لم يشأ لم يكن.
[وفاة خديجة ﵂]
ثمّ ماتت خديجة ﵂، بعد موت أبي طالب بثلاثة أيّام. فتضاعف حزنه ﷺ، ولكن كان الله له خلفا عن كلّ فائت.
[اشتداد إيذاء قريش للنّبيّ ﷺ بعد وفاة أبي طالب]
ولمّا مات أبو طالب نالت قريش من النّبيّ ﷺ من الأذى بعد وفاته ما لم تنله به في حياته.
وفي «صحيح البخاريّ»، عن عروة بن الزّبير، قال: سألت عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن أشدّ شيء صنعه المشركون بالنّبيّ ﷺ؟ فقال: بينما النّبيّ ﷺ يصلّي في (الحجر)،
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٦٧١) .
(٢) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٦٧٠) . يحوطه: يحفظه، ويتعهّد بجلب ما ينفعه وبدفع ما يضرّه، الضّحضاح: الموضع القريب القعر، والمعنى: أنّه خفّف عنه شيء من العذاب. قال أهل العلم: إسلام أبي طالب مختلف فيه، كما ذكر الحافظ ابن حجر في «انفتح»، وأما إيمانه فلا خلاف فيه؛ إذا عرّفنا الإيمان بأنّه التّصديق بالقلب فقط. والأدلّة متواترة على إيمانه المجرّد عن ربطه بالإسلام.
[ ١٩٣ ]
إذ أقبل عقبة بن أبي معيط- أي: مصغّرا بمهملتين- فوضع ثوبه في عنقه، فخنقه به خنقا شديدا، فأقبل أبوبكر﵁- فأخذ بمنكبيه، ودفعه عن النّبيّ ﷺ، وقال: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ الآية، [سورة غافر ٤٠/ ٢٨] «١» .
وفي «صحيحي البخاريّ ومسلم» عن ابن مسعود ﵁، قال: بينما النّبيّ ﷺ يصلّي عند (الكعبة)، وقريش في مجالسهم في المسجد، إذ قال قائل منهم: ألا تنظرون إلى هذا المرائي، أيّكم يقوم إلى جزور بني فلان، فيجيء بسلاها فيضعه بين كتفيه إذا سجد؟ فانبعث أشقاهم- وفي رواية: أنّه عقبة بن أبي معيط أيضا- ففعل ذلك، فضحكوا حتّى مال بعضهم على بعض من الضّحك، وثبت النّبيّ ﷺ ساجدا، فانطلق منطلق إلى فاطمة ﵂- وهي يومئذ جويرية- فأقبلت تسعى حتّى ألقته عنه، / ثمّ أقبلت عليهم تسبّهم، فلمّا قضى رسول الله ﷺ الصّلاة، قال: «اللهمّ عليك بقريش» ثلاثا، ثمّ سمّى رجالا «٢» . قال عبد الله: فو الله لقد رأيتهم صرعى يوم (بدر)، ثمّ سحبوا إلى (القليب) - قليب بدر- «٣» .
[تحقيق حول مولد فاطمة وأخواتها]
قلت: وهذا يدلّ على أنّ مولد فاطمة ﵂ متقدّم
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٦٤٣) .
(٢) وهم: عمرو بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأميّة بن خلف، وعقبة بن أبي معيط، وعمارة بن الوليد.
(٣) أخرجه البخاريّ، برقم (٢٣٧- ٤٩٨) . سلاها: الجلدة الّتي يكون فيها ولد البهائم، أي: المشيمة. جويرية: شابّة.
[ ١٩٤ ]
على ليلة الإسراء بمدّة عشر سنين وأكثر، وسبق أنّ أختها رقيّة ﵂ من مهاجرة (الحبشة)، فلعلّ زينب وأمّ كلثوم كذلك، أو منعهنّ الحياء من الخروج. والله أعلم.
[إسلام أبي ذرّ الغفاريّ ﵁ وقومه]
وفي «الصّحيحين» أيضا، أنّ أبا ذرّ الغفاريّ ﵁، قال لأخيه أنيس: اركب إلى هذا الرّجل الّذي يزعم أنّه نبيّ، يأتيه الخبر من السّماء، واسمع من قوله، ثمّ ائتني، فانطلق الأخ حتّى قدم (مكّة)، وسمع من قول النّبيّ ﷺ، ثمّ رجع، فقال لأبي ذرّ:
رأيته يأمر بمكارم الأخلاق، وكلاما ما هو بالشّعر، فقال:
ما شفيتني ممّا أردت، فتزوّد وحمل شنّة «١» له، فيها ماء حتّى قدم (مكّة)، فأتى المسجد، فالتمس النّبيّ ﷺ وهو لا يعرفه، وكره أن يسأل عنه، فلمّا أدركه اللّيل اضطجع في المسجد، فرآه عليّ فعرف أنّه غريب فأضافه، فتبعه ولم يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء حتّى أصبح، ثمّ احتمل زاده وقربته إلى المسجد، وظلّ ذلك اليوم ولم يره النّبيّ ﷺ حتّى أمسى، فعاد إلى مضجعه، فمرّ عليه عليّ فقال: أما آن للرّجل أن يعرف منزله؟ فأقامه فذهب به معه، لا يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء، حتّى إذا كان يوم الثّالث [فعل] عليّ مثل ذلك، فأقامه عليّ معه، ثمّ قال له: ألا تحدّثني ما الّذي أقدمك؟ قال: إن أعطيتني عهدا وميثاقا لترشدنّني فعلت، ففعل، فأخبره. قال عليّ: فإنّه حقّ، وإنّه رسول الله، فإذا أصبحت فاتّبعني، فإنّي إن رأيت شيئا أخاف عليك قمت كأنّي/ أريق الماء، وإن مضيت فاتّبعني حتّى تدخل مدخلي ففعل، فانطلق يقفوه حتّى دخل على النّبيّ ﷺ فدخل معه، وسمع من
_________________
(١) الشّنّة: قربة من جلد، يكون الماء فيها أبرد.
[ ١٩٥ ]
قوله، وأسلم مكانه، فقال له النّبيّ ﷺ: «ارجع إلى قومك فأخبرهم حتّى يأتيك أمري» .
وفي رواية مسلم: فقال النّبيّ ﷺ: «إنّي قد وجّهت لي أرض ذات نخل لا أراها إلّا يثرب» .
فقال: والّذي بعثك بالحقّ، لأصرخنّ بها بين أظهرهم، فخرج حتّى أتى المسجد، فنادى بأعلى صوته: أشهد أن لا إله إلّا الله، وأنّ محمّدا رسول الله، فقام القوم فضربوه حتّى أضجعوه، فأتى العبّاس فأكبّ عليه، ثمّ قال: ويحكم: ألستم تعلمون أنّه من غفار، وأنّ طريق تجاركم عليهم، فأنقذه منهم، ثمّ عاد لمثلها من الغد، فبادروا إليه فضربوه، فأكبّ عليه العبّاس فأنقذه منهم. هذا لفظ البخاريّ «١» .
زاد مسلم في روايته عنه: قال: فأتيت أخي أنيسا فقال:
ما صنعت؟ قلت: إنّي قد أسلمت وصدّقت، فقال: ما بي رغبة عن دينك، فإنّي أيضا أسلمت وصدّقت. قال: فأتينا أمّنا، فقالت: ما بي رغبة عن دينكما، فإنّي قد أسلمت وصدّقت، فأتينا قومنا غفارا، فأسلم نصفهم، وقال نصفهم: إذا قدم رسول الله ﷺ (المدينة) قدمنا إليه فأسلمنا، فلمّا قدم رسول الله ﷺ (المدينة) أسلم نصفهم الباقي، وجاءت أسلم، فقالوا: يا رسول الله، إنّا أسلمنا على ما أسلم عليه إخواننا، فقال رسول الله ﷺ: «غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله» «٢» .
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٦٤٨) .
(٢) أخرجه مسلم، برقم (٢٤٧٣/ ١٣٢) .
[ ١٩٦ ]
[خروج النّبيّ ﷺ إلى الطّائف]
وفي هذه السّنة وهي العاشرة: خرج رسول الله ﷺ إلى (الطّائف)، إلى ثقيف، وأقام فيهم شهرا يدعوهم إلى الله، وسألهم أن يمنعوه، فردّوا عليه قوله، واستهزؤوا به، فسألهم أن يكتموا عنه لئلّا تشمت به/ قريش، فلم يفعلوا.
فلمّا انصرف عنهم أغروا به سفهاءهم يصيحون خلفه ويسبّونه، حتّى اجتمعوا عليه، وألجؤوه إلى حائط «١»، فاشتدّ كربه لذلك ﷺ ودعا حينئذ بدعاء الكرب: «لا إله إلّا الله العظيم الحليم، لا إله إلّا الله ربّ العرش العظيم، لا إله إلّا الله ربّ السّماوات وربّ الأرض، ربّ العرش الكريم»، ثمّ قال:
«اللهمّ إنّي أشكو إليك ضعف قوّتي، وقلّة حيلتي، وهواني على النّاس يا أرحم الرّاحمين، أنت ربّ المستضعفين، وأنت ربّي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهّمني «٢»، أم إلى عدوّ ملّكته أمري؟ إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي، ولكنّ عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الّذي أشرقت له الظّلمات، وصلح عليه أمر الدّنيا والآخرة [من] أن تنزل بي غضبك، أو يحلّ عليّ سخطك، لك العتبى «٣» حتّى ترضى، ولا حول ولا قوّة إلّا بك» .
فنزل عليه جبريل ﵇، وقال: إنّ الله قد سمع قولك وسمع قولهم، وما ردّوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال، لتأمره فيهم بما شئت، فقال: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم
_________________
(١) الحائط: البستان.
(٢) يتجهّمني: يلقاني بالغلظة والوجه الكريه.
(٣) العتبى: الاسترضاء بالرّجوع عن الذّنب والإساءة.
[ ١٩٧ ]
من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا» «١» .
وروى البخاريّ ومسلم في «صحيحيهما»، عن عائشة ﵂ قالت: سألت رسول ﷺ هل أتى عليك يوم أشدّ عليك من يوم (أحد)؟ قال: «لقد لقيت من قومك [ما لقيت] «٢»، وكان أشدّ ما لقيت منهم [يوم العقبة]، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل- أي: بتحتيّة مكرّرة- ابن عبد كلال- أي: بالضّم- فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت، وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلّا وأنا ب (قرن الثّعالب) «٣»، فرفعت رأسي، وإذا سحابة قد أظلّتني، فنظرت فإذا فيها جبريل ﵇، فناداني وقال:
إنّ الله قد سمع قول قومك لك، وما ردّوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال، لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال، فسلّم عليّ، ثمّ قال: / يا محمّد، إنّ الله قد سمع قول قومك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربّك إليك لتأمرني بأمرك بما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين؟» أي: جبلي
_________________
(١) أورده الهيثميّ في «مجمع الزّوائد»، ج ٦/ ٣٥. وأخرج مسلم برقم (١٧٩٥/ ١١١) بعضه. عن عائشة ﵂.
(٢) لقد لقيت من قومك: قال صاحب السّيرة الحلبيّة، ج ١/ ٣٥٧: أي: أهل ثقيف كما هو المتبادر. ثمّ رأيت الحافظ ابن حجر قال: المراد بقوم عائشة في قوله: «لقد لقيت من قومك»: قريش لا أهل الطّائف الّذين هم ثقيف، لأنّهم كانوا السّبب الحامل على ذهابه ﷺ لثقيف، ولأنّ ثقيفا ليسوا قوم عائشة ﵂. (انظر الجامع في السّيرة النّبويّة، ج ١/ ٥١٤) .
(٣) قرن الثّعالب: اسم موضع قرب مكّة. وأصل القرن: كلّ جبل صغير منقطع من جبل كبير. ولعلّه سمّي بذلك لكثرة الثّعالب فيه.
[ ١٩٨ ]
مكّة «١» فقال ﷺ: «فقلت: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، لا يشرك به شيئا» «٢» .
قلت: وابن عبد كلال هذا هو وإخوته رؤساء أهل (الطّائف) .
فائدة [: في أنّ الاستهزاء والسّبّ أشدّ من الطّعن والضّرب]
قال العلماء: جعل ﷺ ما ناله من الاستهزاء وشماتة الأعداء أشدّ ممّا لاقاه يوم (أحد)؛ من قتل حمزة في سبعين من أصحابه، مع ما ناله في نفسه من الجراحة، وما ذاك إلّا أنّ نفس الكريم تتأذّى بالأذى وبالقول والسّبّ أشدّ ممّا تتأذّى به من الطّعن والضّرب.
ولهذا عفا ﷺ عن كلّ من تعرّض لقتله، وأهدر دم كلّ من تعرّض لشتمه.
ومع ذلك فقد كان ﷺ صابرا على ما ناله من الأذى في نفسه أو عرضه أو أهله، لعلمه بأنّ الامتحان عنوان الإيمان الّذي يتبيّن به جواهر الرّجال، كما قيل: عند الامتحان يكرم المرء أو يهان. وأنّ أشدّ النّاس بلاء الأنبياء ثمّ الأمثال فالأمثل، زيادة في حسناتهم ورفع درجاتهم.
[قال تعالى]: هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ [سورة آل عمران ٣/ ١٦٣] .
[دخول النّبيّ ﷺ مكّة في جوار المطعم بن عديّ]
ولمّا بلغ ﷺ في مرجعه من (الطّائف) (حراء)، بعث إلى الأخنس بن شريق ليجيره فاعتذر، وقال: (إنّما أنا حليف والحليف لا يجير)، فبعث إلى سهيل بن عمرو فاعتذر، وقال:
_________________
(١) وهما: جبل أبي قبيس، ومقابله: قعيقعان.
(٢) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٠٥٩)، ومسلم برقم (١٧٩٥/ ١١١) .
[ ١٩٩ ]
(إنّ بني عامر- أي: ابن لؤيّ- لا تجير على بني كعب بن لؤيّ بن غالب)، فبعث إلى المطعم بن عديّ النّوفليّ، فلبس سلاحه، هو وأهل بيته، وخرجوا إلى المسجد، وبعثوا إلى النّبيّ ﷺ أن ادخل، فدخل ﷺ في جوارهم، فطاف ب (الكعبة) وانصرف.
فلمّا كان يوم (بدر) قال النّبيّ ﷺ: «لو كان المطعم بن عديّ حيّا وكلّمني في/ هؤلاء [النّتنى]- يعني: الأسرى- لتركتهم له» «١» وكانوا سبعين أسيرا.
[عرض النّبيّ ﷺ نفسه على القبائل]
وفي «٢» السّنة الحادية عشرة، في الموسم منها: اجتهد النّبيّ ﷺ في عرض نفسه على القبائل في مجامعهم بالموسم ب (منى، وعرفات) أيّهم يمنعه ويؤويه.
واجتمعت قريش إلى الوليد بن المغيرة ليأمرهم بما يرمون به النّبيّ ﷺ في الموسم، لتكون كلمتهم واحدة، وعرضوا عليه أن يقولوا ساحر أو شاعر أو كاهن أو مجنون، فقال: (والله ما هو بشاعر ولا ساحر ولا كاهن ولا مجنون، ولقد سمعت قولا ما هو من كلام الإنس، ولا من كلام الجنّ)، قالوا: فكيف نقول فيه؟
ففكّر في نفسه، ثمّ قال: (إنّ أقرب القول فيه أن تقولوا ساحر، جاء بقول هو سحر يفرّق بين المرء وزوجه، وبين المرء وأخيه، فتفرّقوا على ذلك، وجعلوا يلقونه إلى من قدم إليهم من أهل الموسم.
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٢٩٧٠) . عن جبير بن مطعم ﵁.
(٢) قلت: وهذا بعد رجوعه من الطّائف في ذي القعدة من السّنة العاشرة للبعثة. وقد كان النّبيّ ﷺ يعرض الإسلام على القبائل منذ السّنة الرّابعة لبعثته.
[ ٢٠٠ ]
وكان أبو لهب يقفو أثر النّبيّ ﷺ، فكلّما أتى قوما ودعاهم إلى الله كذّبه عمّه وحذّرهم منه.
وفي الوليد بن المغيرة أنزل الله تعالى: كَلَّا إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيدًا. سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا. إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ. فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ. ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ. ثُمَّ نَظَرَ. ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ. ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ. فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ. إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ. سَأُصْلِيهِ سَقَرَ [سورة المدّثر ٧٤/ ١٦- ٢٦] «١» .
[ابتداء أمر الأنصار]
ولمّا أراد الله تعالى كرامة الأنصار، وإعزاز دينه بهم، لقي النّبيّ ﷺ في ذلك الموسم ستّة نفر منهم، فعرض عليهم ما عرض على غيرهم، فقالوا فيما بينهم: والله إنّه للنّبيّ الّذي تواعدنا به اليهود، فلا يسبقونا إليه «٢» .
وكان اليهود يقولون لهم: قد أظلّ «٣» زمان نبيّ سوف نتّبعه، ونقتلكم معه، قال الله تعالى: وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ- أي: يستنصرون- عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ [سورة البقرة ٢/ ٨٩] .
وكانوا قد وضعت عليهم تكاليف شاقّة، وحرّمت/ عليهم طيّبات أحلّت لهم من قبل، فوعدوا بوضع التّكاليف وحلّ الطّيّبات على لسان محمّد ﷺ، وهو معنى قوله ﷾:
الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي
_________________
(١) عنيدا: معاندا مخالفا. بسر: كرّه وجهه.
(٢) ابن هشام، ج ١/ ٤٢٨.
(٣) أظلّ: قرب.
[ ٢٠١ ]
التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ- أي:
حملهم الثّقيل- وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ [سورة الأعراف ٧/ ١٥٧]؛ [وقوله تعالى]: رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْرًا كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا [سورة البقرة ٢/ ٢٨٦] .
[إسلام النّفر الّذين لقيهم النّبيّ ﷺ في الموسم]
فلمّا عرض نفسه «١» على السّتّة النّفر من الأنصار «٢»، أتوه ليلا فامنوا به وصدّقوه، وقالوا: إنّ قومنا بينهم العداوة والبغضاء، فإن جمعنا الله بك فلا رجل أعزّ علينا منك.
فلمّا قدموا (المدينة) أخبروا قومهم، وفشا فيهم الإسلام، فلم تبق دار من دور الأنصار إلّا وفيها ذكر رسول الله ﷺ.
وكان ذلك عقيب يوم (بعاث) «٣» - بموحّدة مضمومة، ثمّ مهملة ومثلّثة- وهو يوم وقعت فيه مقتلة عظيمة بين الأوس والخزرج في شوّال في هذه السّنة.
وفي «صحيح البخاريّ»، كان يوم (بعاث) يوما قدّمه الله لرسوله، فقدم رسول الله وقد افترق ملؤهم، وقتلت سرواتهم، وجرّحوا، فدخلوا في الإسلام «٤» .
_________________
(١) قلت: كان ذلك في موسم الحجّ من السّنة الحادية عشرة من بعثته ﷺ.
(٢) وهم: أبو أمامة أسعد بن زرارة، وعوف بن الحارث، ورافع بن مالك، وقطبة بن عامر، وعقبة بن عامر، وجابر بن عبد الله بن رياب ﵃. (ابن هشام، ج ١/ ٤٢٩) .
(٣) بعاث: موضع قرب المدينة.
(٤) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٥٦٦) . سرواتهم: خيارهم وأشرافهم وعظاماؤهم.
[ ٢٠٢ ]
[زواج النّبيّ ﷺ من عائشة ﵂]
وفي شوّال من السّنة الثّانية عشرة «١»: عقد نكاح عائشة ﵂.
وفي «صحيح البخاريّ» توفّيت خديجة قبل الهجرة بثلاث سنين، ونكح عائشة بعد موت خديجة بسنتين أو قريبا من ذلك، وهي بنت ستّ سنين، وبنى بها وهي بنت تسع- أي: بعد سنة ونصف من الهجرة، في شوّال أيضا «٢» -.
وفي «الصّحيحين»، أنّه ﷺ قال لعائشة: «أريتك في المنام مرّتين، رأيت الملك يحملك في سرقة من حرير، فقال: هذه زوجتك، فأكشف، فإذا هي أنت، فقلت: إن يكن هذا من عند الله يمضه» «٣» .
[بيعة العقبة الأولى]
وفي الموسم من السّنة الثّانية عشرة: وافاه اثنا عشر/ رجلا من الأنصار، فبايعوه عند (العقبة) بيعة النّساء «٤»: عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا، إلى آخر الآية، [سورة الممتحنة ٦٠/ ١٢] . ورجعوا.
[بعث مصعب ﵁ إلى المدينة وانتشار الإسلام فيها]
وبعث معهم النّبيّ ﷺ مصعب بن عمير ﵁، يقرئهم
_________________
(١) قلت: لعلّ الصّواب في الحادية عشرة؛ حيث إنّ زواجه ﷺ منها كان في شوّال من السّنة الحادية عشرة للبعثة. وأنّ بناءه بها كان في شوّال من السّنة الأولى للهجرة. والله أعلم. (الرحيق المختوم، ص ١٥٤) .
(٢) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٦٨٣) .
(٣) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٦٨٢) . ومسلم برقم (٢٤٣٨/ ٧٩) . سرقة: قطعة حرير فاخرة.
(٤) قلت: أي يعني وفق ما نزلت عليه بيعة النّساء بعد ذلك عام الحديبية. (البداية والنّهاية، ج ٣/ ١٥١) . وقد تمّت هذه البيعة ليلة العقبة في ذي الحجّة من السّنة الثّانية عشرة للبعثة، قبل مهاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة بسنة وثلاثة أشهر.
[ ٢٠٣ ]
القرآن، فأسلم على يديه السّعدان: سعد بن معاذ سيّد الأوس، وسعد بن عبادة سيّد الخزرج، فأسلم لإسلامهما كثير من قومهما.
[بيعة العقبة الثّانية]
وفي الموسم من السّنة الثّالثة عشرة: خرج حجّاج الأنصار من المسلمين مع حجّاج قومهم من المشركين، فلمّا قدموا (مكّة)، واعدوا رسول الله ﷺ في (العقبة) من أوسط ليالي التّشريق؛ فلمّا كان ليلة الميعاد باتوا مع قومهم، فلمّا مضى ثلث اللّيل خرجوا مستخفين، فلمّا اجتمعوا بالشّعب عند (العقبة)، جاءهم رسول الله ﷺ ومعه عمّه العبّاس، وهو يومئذ باق على دينه، لكن أراد أن يتوثّق لابن أخيه، فتكلّم رسول الله ﷺ وقال: «أبايعكم على أن تمنعوني ممّا تمنعون منه أنفسكم ونساءكم وأبناءكم؟»، قالوا: نعم، فقال لهم: «أخرجوا إليّ منكم اثني عشر نقيبا كفلاء على قومهم»، فأخرجوهم.
وهم تسعة من الخزرج: أسعد بن زرارة- بضمّ الزّاي-، والبراء بن معرور- بمهملات-، ورافع بن مالك بن عجلان، وسعد بن الرّبيع، وسعد بن عبادة، وعبادة بن الصّامت، وعبد الله بن رواحة، وعبد الله بن عمرو بن حرام- والد جابر- والمنذر بن عمرو.
وثلاثة من الأوس، وهم: أسيد بن حضير- مصغّرين، وبحاء مهملة وضاد معجمة- ورفاعة بن عبد المنذر، وسعد بن خيثمة- بمعجمة مفتوحة وتحتيّة ثمّ مثلّثة﵃ أجمعين.
فقال لهم رسول الله ﷺ: «إن أنتم كفلاء على قومكم ككفالة الحواريّين «١» لعيسى ابن مريم، وأنا الكفيل على قومي؟»،
_________________
(١) الحواريّون: المخلصون لأنبيائهم، المناصرون لهم.
[ ٢٠٤ ]
قالوا: نعم، فبايعوه، ووعدهم على الوفاء: الجنّة. وجملتهم:
ثلاثة وسبعون رجلا وامرأتان/.
وروي أنّ جبريل ﵇ كان إلى جنب النّبيّ ﷺ عند مبايعتهم، وهو يشير إليهم واحدا بعد واحد «١» .
[تحذير إبليس قريشا من البيعة]
ولمّا تمّت البيعة صاح إبليس- لعنه الله- صيحة منكرة، مشبّها صوته بصوت منبّه بن الحجّاج السّهميّ: يا أهل (منى): هذا محمّد وأهل (يثرب) قد اجتمعوا لحربكم، فقال له رسول الله ﷺ: «أي عدوّ الله، أما والله لأفرغنّ لك» «٢»، ثمّ تفرّقوا.
[استجلاء قريش الحقيقة]
فلمّا أصبحوا غدت عليهم رؤساء قريش، وقالوا: يا معشر الخزرج، بلغنا أنّكم جئتم إلى صاحبنا تستخرجونه من بين أظهرنا، وتبايعونه على حربنا، وإنّه والله ما حيّ من العرب أبغض علينا أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم، فحلف مشركوا الأنصار ما كان من هذا شيء ولا علمناه، وصدقوا، فإنّهم لم يعلموا.
[تأكّد قريش من صحّة الخبر، وملاحقتها للمبايعين]
فلمّا تفرّق النّاس من (منى) فتّشت قريش عن الخبر فوجدوه قد كان، فخرجوا في طلب القوم ففاتوهم، إلّا أنّهم أدركوا سعد بن عبادة، فرجعوا به أسيرا يضربونه، فاستنقذه منهم مطعم بن عديّ والحارث بن حرب بن أميّة؛ لصنائع كانت لسعد في رقابهما، وخوّفوا قريشا من تعرّض الأنصار لهم على طريق (الشّام) .
[إذن النّبيّ ﷺ لأصحابه بالهجرة إلى المدينة]
ثمّ إنّ النّبيّ ﷺ قال لأصحابه: «إنّ الله قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون بها» «٣» .
_________________
(١) دلائل النّبوّة، ج ٢/ ٤٥٣.
(٢) ابن هشام، ج ٢/ ٤٤٧.
(٣) ابن هشام، ج ١/ ٤٦٨.
[ ٢٠٥ ]
وأمرهم بالهجرة إلى (المدينة)، فهاجروا إليها، فلقوا عند الأنصار خير دار وخير جوار، آثروهم على أنفسهم، وقاسموهم في أموالهم.
وبذلك أثنى الله عليهم في محكم كتابه العزيز بقوله تعالى:
يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ [سورة الحشر ٥٩/ ٩]، ﵃.
[ثناء النّبيّ ﷺ على الأنصار]
وفي «الصّحيحين»، أنّه ﷺ قال: «لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك النّاس واديا وسلكت الأنصار شعبا، لسلكت وادي الأنصار وشعبهم» «١» .
وفيهما-[أي: الصّحيحين]- أنّه ﷺ/ قال قبيل موته: «أوصيكم بالأنصار خيرا، فإنّهم كرشي وعيبتي، قد قضوا الّذي عليهم، وبقي الّذي لهم، فاقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم» «٢» .
[انتظار النّبيّ ﷺ الإذن بالهجرة]
وأقام ﷺ ب (مكّة) ينتظر الإذن في الهجرة، ولم يتخلّف منهم إلّا من حبسه المشركون، وإلّا أبو بكر وعليّ ﵄؛ فإنّهما حبسا أنفسهما على صحبة رسول الله ﷺ.
وفي «صحيحي البخاريّ ومسلم»، أنّه ﷺ قال: «رأيت في المنام أنّي أهاجر من مكّة إلى أرض بها نخل، فذهب وهلي إلى أنّها
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٦٨١٨) . ومسلم برقم (١٠٦١/ ١٣٩) . عن عبد الله بن زيد ﵁.
(٢) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٥٨٨) . ومسلم برقم (٢٥١٠/ ١٧٦) . عن أنس بن مالك ﵁. كرشي: بطانتي وموضع سرّي. عيبتي: موضع النّصح له، والأمناء على سرّه.
[ ٢٠٦ ]
اليمامة [أو هجر]، فإذا هي المدينة يثرب» «١» .
قلت: هكذا سمّاها (يثرب)، ثمّ سمّاها (طيبة)، ونهى عن تسميتها (يثرب) «٢» .
[المهاجرون الأوائل]
[وفي «صحيح البخاريّ»]، عن البراء بن عازب ﵄، قال: أوّل من قدم علينا مصعب بن عمير، وابن أمّ مكتوم، وكانوا يقرئان النّاس، ثمّ قدم سعد- أي: ابن أبي وقّاص- وبلال، وعمّار بن ياسر، ثمّ قدم عمر بن الخطّاب في عشرين من أصحاب النّبيّ ﷺ، ثمّ قدم النّبيّ ﷺ «٣» .
[خوف قريش من خروج النّبيّ ﷺ واجتماعهم بدار النّدوة]
فلمّا رأت قريش ما لقي أصحاب رسول الله من طيب الدّار، وحسن الجوار، خافوا خروج النّبيّ ﷺ، فاجتمعوا في أوّل المحرّم من السّنة الرّابعة عشرة في (دار النّدوة) «٤»، وتشاوروا في أمره، وتصوّر لهم إبليس-[لعنه الله]- في صورة شيخ نجديّ، مشاركا لهم في الرّأي.
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٤٢٥) . ومسلم برقم (٢٢٧٢/ ٢٠) . عن أبي موسى ﵁. وهلي: ظنّي واعتقادي. هجر: قاعدة البحرين المدينة المعروفة.
(٢) وذلك لأن معنى يثرب: الفساد، ومعنى طيبة: الطّيب. ومنه: جعلت لي الأرض طيّبة طهورا، أي: نظيفة غير خبيثة.
(٣) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٧١٠) .
(٤) قلت: صارت دار النّدوة بعد قصيّ لولده عبد الدّار، فبقيت في نسله حتّى اشتراها معاوية بن أبي سفيان من عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدّار، وجعلها دار الإمارة، وقيل: لمّا حجّ معاوية اشتراها من الزّبير العبدري بمئة ألف درهم. ثمّ صارت كلّها في المسجد الحرام بعد توسعته.
[ ٢٠٧ ]
فقال قائل منهم: أرى أن تربطوه في الحديد، وتغلقوا دونه الأبواب حتّى يموت، وقال آخر: أرى أن تخرجوه من بين أظهركم، فتستريحوا منه، وإن قتله غيركم كفاكم شرّه، وإن ظفر بالعرب فعزّه عن عزّكم، فقال أبو جهل: الرّأي عندي أن تخرجوا له من كلّ قبيلة رجلا، فيقتلوه دفعة واحدة، فيتفرّق دمه في القبائل، فيعجز قومه عن طلب الثّأر به. فقال الشّيخ النّجديّ: هذا والله هو الرّأي. فتفرّقوا على ذلك.
[الإذن بالهجرة]
فأخبر/ جبريل النّبيّ ﷺ بما قصدوا له، وأمره بالهجرة ليلة كذا، وهي اللّيلة الّتي علم الله سبحانه أنّهم يمكرون به فيها.
وفي ذلك يقول الله ﷾: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ- أي: يحبسوك- أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ- أي: يحاربهم الله- وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ
[سورة الأنفال ٨/ ٣٠] «١» .
[الإسرار إلى أبي بكر ﵁ بالهجرة]
وكان أبو بكر ﵁ قد تجهّز للهجرة إلى (المدينة)، فقال له رسول الله ﷺ: «على رسلك- أي: أمهل- فإنّي أرجو أن يؤذن لي فيها» . فعلف أبو بكر راحلتين كانتا عنده ورق التّمر «٢» .
_________________
(١) قلت: قد يقول قائل: ما بال الترتيب في هذه الآية لم يأتي على حسب الواقع، ولم وسّط الله القتل مع أنّه كان في المشاورة بدار النّدوة آخرا؟. والجواب: أنّ هذا من عجيب أسلوب القرآن، وبديع طريقته، ذلك أنّ الرّأي الّذي اختاروه هو القتل، فجاءت الآية على هذا النّسق البديع من توسيط القتل بين الحبس والإخراج، لتدلّ الآية بوضعها وترتيبها على الرّأي الوسط المختار، وهو سرّ من أسرار الإعجاز. فلله ربّ التنزيل ما أكرمه وما أبلغه.
(٢) قلت: كان عند أبي بكر راحلتان، فقال أبو بكر للنّبيّ ﷺ: خذ بأبي
[ ٢٠٨ ]
قالت عائشة ﵂: فبينما نحن جلوس في نحر الظّهيرة- حين تبلغ الشّمس منتهاها من الارتفاع، كأنّها وصلت إلى النّحر، وهو أعلى الصّدر- إذ أقبل رسول الله ﷺ فقال أبو بكر:
فداه أبي وأمّي، ما جاءنا في هذه السّاعة الّتي لم يكن يأتينا فيها إلّا لأمر قد حدث، فلمّا دخل ﷺ قال له: «أخرج من عندك»، قال: فإنّما هم أهلك. قال: «فإنّي قد أذن لي في الخروج»
وواعده وقت السّحر، وأمره بالتّجهيز.
قالت عائشة: فجهّزناهما أحثّ الجهاز- بالمثلّثة، أي:
أسرعه- واستأجرا رجلا دليلا ماهرا «١»، قد دفعا إليه راحلتيهما، وواعداه (غار ثور) بعد ثلاث ليال.
[خروج النّبيّ ﷺ وأبي بكر إلى الغار]
ثمّ لحقا ب (الغار)، فمكثا فيه ثلاثا يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر، وهو يومئذ غلام فطن، ويدّلج «٢» من عندهما بسحر، فيصبح ب (مكّة) مع قريش كبائت فيها، فلا يسمع أمرا يكادان به إلّا وعاه، وأتاهما بذلك حين يختلط الظّلام، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منائح من غنم «٣»، فيريحها عليهما عشيا «٤»،
_________________
(١) أنت يا رسول الله إحدى راحلتيّ هاتين، فقال رسول الله ﷺ: «بالثّمن» . فأخذ إحداهما، وهي: القصواء. وإنّما اشترط النّبيّ ﷺ أن يكون ذلك بالثّمن مع أنّ أبا بكر أنفق ما له في سبيل الله ورسوله؛ لأنّه أحبّ ألّا تكون هجرته إلّا من مال نفسه. وكان ثمنها أربع مئة درهم.
(٢) وهو: عبد الله بن أريقط. (ابن هشام، ج ١/ ٤٨٥) .
(٣) يدّلج: يخرج وقت السّحر منصرفا إلى مكّة.
(٤) المنائح- جمع منيحة-: وهي منحة اللبن- كالناقة أو الشاة- تعطيها غيرك يحلبها ثم تردها عليك.
(٥) أي: يأوي بها ليلا.
[ ٢٠٩ ]
وينعق بها من عندهم «١» .
[تطويق المشركين دار النّبيّ ﷺ]
وكان المشركون قبل خروج النّبيّ ﷺ من داره قد قعدوا له على بابه تلك اللّيلة، فقال النّبيّ ﷺ لعليّ ﵁: «نم على فراشي، وتسجّ ببردي الحضرميّ الأخضر فنم فيه، فإنّه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم» «٢» /.
وخرج عليهم رسول الله ﷺ وبيده حفنة من التّراب، وهو يتلو فيها صدر سورة (يس) إلى قوله تعالى: وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [سورة يس ٣٦/ ٩] .
فأعمى الله أبصارهم عنه، وجعل ينثر على رؤوسهم التّراب، فأتاهم آت، فقال: ما تنتظرون؟ قالوا: محمّدا، قال: خيّبكم الله!! والله لقد خرج عليكم محمّد وما ترك رجلا منكم إلّا وقد وضع على رأسه ترابا، فتفقّدوا رؤوسهم فوجدوا التّراب عليها كما قال.
ثمّ نظروا إلى الفراش فوجدوا عليّا مسجّى بالبرد، فبقوا متحيّرين، وفتر حرصهم على النّبيّ ﷺ.
[جائزة قريش لمن يردّ النّبيّ ﷺ وصاحبه]
فلمّا علموا بخروجهم وقعوا في الأسف، فطلبوهم بأشدّ وجوه الطّلب، وأخذوا على الطّرقات بالرّصد، وجعلوا دية كلّ واحد منهما لمن أسره أو قتله «٣» .
[وصول المشركين إلى باب الغار]
ومرّوا على (غارهما)، فأعمى الله أبصارهم عنهما، وألهم الله العنكبوت فنسجت على فم (الغار)، وحمامتين فعشّشتا
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٦٩٢- ٣٦٩٤) . ينعق الرّاعي بغنمه: يصيح بها ويزجرها.
(٢) ابن هشام، ج ١/ ٤٨٢- ٤٨٣.
(٣) وهي مئة ناقة.
[ ٢١٠ ]
على فمه، فلمّا رأوا ذلك قالوا: لو دخله أحد ما كان هكذا.
[لا تحزن إنّ الله معنا]
وفي «الصّحيحين»، من حديث أنس بن مالك، عن أبي بكر الصّدّيق ﵁، قال: نظرت إلى أقدام المشركين ونحن في الغار، وهم على رؤوسنا، فقلت: يا رسول الله، لو أنّ أحدهم نظر إلى قدميه لأبصارنا تحت قدميه، فقال: «يا أبا بكر، ما ظنّك باثنين الله ثالثهما» «١» .
وفي ذلك يقول الله تعالى: إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا [سورة التّوبة ٩/ ٤٠] .
وما أحسن قول صاحب البردة- رحمه الله تعالى- فيهما، [من البسيط] «٢»:
أقسمت بالقمر المنشقّ إنّ له من قلبه نسبة مبرورة القسم «٣»
وما حوى الغار من خير ومن كرم وكلّ طرف من الكفّار عنه عمي
فالصّدق في الغار والصّدّيق لم يرما وهم يقولون ما بالغار من أرم «٤»
/ ظنّوا الحمام وظنّوا العنكبوت على خير البريّة لم تنسج ولم تحم
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٤٥٣) .
(٢) البردة، في معجزاته ﷺ، ص ٣٤.
(٣) يريد أنّ للقمر المنشقّ نسبة إلى قلب النّبيّ ﷺ، فقد كان يناغيه صغيرا.
(٤) لم يرما: لم يبرحا. من أرم: من أحد.
[ ٢١١ ]
وقاية الله أغنت عن مضاعفة من الدّروع وعن عال من الأطم «١»
[مدّة إقامة النّبيّ ﷺ في الغار]
وبعد الثّلاث جاءهم الدّليل «٢» بالرّاحلتين فارتحلوا، وأردف النّبيّ ﷺ عامر بن فهيرة ليخدمهما، فأخذ بهم الدّليل طريق السّواحل.
[خروج النّبيّ ﷺ إلى المدينة]
وفي «الصّحيحين»، من حديث البراء بن عازب ﵄، عن أبي بكر الصّدّيق ﵁، قال: فأسرينا ليلتنا كلّها، حتّى قام قائم الظّهيرة «٣»، وخلا الطّريق فلا يمرّ فيه أحد، حتّى رفعت لنا صخرة «٤» طويلة لها ظلّ، لم تأت عليه الشّمس بعد، فنزلنا عندها، فأتيت الصّخرة وسوّيت بيدي مكانا ينام فيه رسول الله ﷺ، ثمّ بسطت عليه فروة، ثمّ قلت: نم يا رسول الله، وأنا أنفض لك ما حولك «٥»، فنام، وخرجت أنفض ما حوله- أي:
أستبرئه-، فإذا أنا براع مقبل بغنمه إلى الصّخرة، يريد منها الّذي أردناه، فلقيته، فقلت، لمن أنت يا غلام؟، فقال: لرجل من أهل المدينة- يعني: (مكّة)، فهو صفة لا علم- فقلت: أفي غنمك لبن؟، قال: نعم، قلت: أفتحلب لي؟، قال: نعم،
_________________
(١) الأطم: الحصن.
(٢) قلت: وهو عبد الله بن أريقط، وكان على دين كفّار قريش، ولم يعرف له إسلام قطّ. وهذا يدلّ على مروءة العرب، ووفائهم وأمانتهم، وإلّا فقد كان يمكنه أن يدلّ المشركين عليهما، ويأخذ المكافأة.
(٣) قائم الظهيرة: نصف النّهار، وهو حال استواء الشّمس. سمّي قائما لأنّ الظّلّ لا يظهر فكأنّه واقف قائم. (أنصاريّ) .
(٤) رفعت لنا صخرة: ظهرت لأبصارنا، (أنصاريّ) .
(٥) أي: أحرسك وأنظر جميع ما في المكان.
[ ٢١٢ ]
فأخذ شاة، فقلت له: انفض الضّرع من الشّعر والتّراب والقذى، فحلب لي في قعب معه- أي: قدح- كثبة «١» من لبن، قال: ومعي إداوة «٢» أرتوي فيها للنّبيّ ﷺ، ليشرب منها ويتوضّأ، قال: فأتيت النّبيّ ﷺ وكرهت أن أوقظه من نومه، فوقفت حتّى استيقظ. - وفي رواية: فوافقته حين استيقظ- فصببت على اللّبن من الماء حتّى برد أسفله، فقلت يا رسول الله: اشرب من هذا اللّبن، فشرب حتّى رضيت، ثمّ قال: «ألم يأن للرّحيل؟»، قلت: بلى، قال:
فارتحلنا بعد ما زالت الشّمس، فاتّبعنا سراقة بن مالك، ونحن في جلد من الأرض/- أي: موضع صلب- فقلت: يا رسول الله أتينا، فقال: «لا تحزن إنّ الله معنا»، فدعا عليه رسول الله ﷺ، قال: فارتطمت فرسه إلى بطنها «٣»، فقال: إنّي قد علمت أنّكما قد دعوتما عليّ، فادعوا لي، فالله لكما أن أردّ عنكما الطّلب، فدعا له رسول الله ﷺ فنجا، فجعل لا يلقى أحدا إلّا قال: قد كفيتكم ما هاهنا، ولا يلقى أحدا إلّا ردّه، فوفّى لنا «٤» .
[وصول النّبيّ ﷺ إلى قباء]
فأقام ﷺ ب (قباء)، ثمّ دخل (المدينة) يوم الاثنين أيضا «٥» .
[دخول النّبيّ ﷺ المدينة، ودعوة الأنصار له بالنّزول عندهم]
قال أبو بكر ﵁: فقدمنا (المدينة) ليلا، فتنازعوا على أيّهم ينزل عليه، فقال ﷺ: «أنزل على بني النّجار، أخوال
_________________
(١) الكثبة: هي قدر حلبة خفيفة.
(٢) الإداوة: إناء صغير من جلد.
(٣) أي: غاصت قوائمها في تلك الأرض الجلد. (أنصاريّ) .
(٤) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٤١٩) .
(٥) قلت: لقد كان دخول النّبيّ ﷺ إلى قباء يوم الاثنين، أمّا وصوله إلى المدينة فكان يوم الجمعة. وسيأتي ذلك فيما بعد ص ٢٥٣.
[ ٢١٣ ]
عبد المطّلب، أكرمهم بذلك» «١» .
فصعد الرّجال والنّساء فوق البيوت، وتفرّق الغلمان والخدم ينادون: جاء محمّد، جاء رسول الله «٢» .
[خبر إسلام سراقة]
وفي «صحيح البخاريّ»، أنّ سراقة قال: فسألته أن يكتب لي كتاب أمن، فأمر عامر بن فهيرة فكتب «٣» .
زاد ابن إسحاق عنه، قال: فلقيته ب (الجعرانة) فرفعت يدي بالكتاب، فقلت: هذا كتابك لي، فقال: «نعم، هذا يوم وفاء وبرّ، ادن» «٤» فدنوت، فأسلمت.
قال علماء السّير: ولم تدر قريش أين توجّه رسول الله ﷺ، حتّى سمعوا وقت الصّبح هاتفا من مؤمني الجنّ ينشد ب (مكّة) في الهواء، [من الطّويل] «٥»:
جزى الله ربّ [العرش] خير جزائه رفيقين حلّا خيمتي أمّ معبد «٦»
هما نزلا بالبرّ ثمّ ترحّلا فيا فوز من أمسى رفيق محمّد
فيال قصيّ ما زوى الله عنكم به من فخار لا يجارى وسؤدد
_________________
(١) أخرجه مسلم، برقم (٢٠٠٩/ ٧٥) .
(٢) أخرجه الحاكم في «المستدرك»، ج ٣/ ١٢.
(٣) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٦٩٣) .
(٤) أورده الهيثميّ في «مجمع الزّوائد»، ج ٦/ ٥٤.
(٥) ابن هشام، ج ١/ ٤٨٧.
(٦) واسمها: عاتكة بنت خالد بن منقذ الخزاعيّة.
[ ٢١٤ ]
ليهن بني كعب مكان فتاتهم ومقعدها للمؤمنين بمرصد
سلوا أختكم عن شأنها وإنائها فإنّكم إن تسألوا الشّاة تشهد
أتته بشاة حائل فتحلّبت عليه بدرّ ضرّة الشّاة مزبد
[مرور النّبيّ ﷺ وأبي بكر بأمّ معبد بعد لحاق سراقة لهم]
/ وكانوا قد مرّوا على خيمة أمّ معبد الخزاعيّة الكعبيّة، فسألوها الزّاد، فلم يجدوا عندها إلّا شاة هزيلة، قد تخلّفت لضعفها عن الغنم، فمسح ﷺ بيده المباركة على ضرّتها- أي: ضرعها- فدرّت لهم بلبن غزير، شرب منه النّبيّ ﷺ وأصحابه حتّى ارتووا، وأفضلوا لأهل الخيمة ما يرويهم.
ثمّ أتى زوجها فأخبرته، فقال: والله إنّه لصاحب قريش، فحينئذ علمت قريش أنّ النّبيّ ﷺ توجّه إلى (المدينة)، وأنّ الله ناصر عبده، ومظهر لا محالة دينه «١» .
_________________
(١) ابن هشام، ج ١/ ٤٨٧- ٤٨٨.
[ ٢١٥ ]
الباب الثّامن في ذكر ما اشتمل عليه حديث الإسراء من العجائب واحتوى عليه من الأسرار والغرائب
[وذلك] من العروج به إلى سدرة المنتهى، ثمّ إلى قاب قوسين أو أدنى، وما رأى من آيات ربّه الكبرى، والمناجاة، والرّؤية، وإمامة الأنبياء، ممّا أكرمه الله تعالى به ﷺ.
[زمن الإسراء]
قال القاضي عياض: وكان قبل الهجرة بسنة «١» - أي: في السّنة الثّانية عشرة-. ثمّ قال بعضهم: في رمضان منها. وقال النّوويّ في «روضته»: في رجب «٢» .
والأصل فيه من القرآن قوله تعالى: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ
_________________
(١) الشّفا، ج ١/ ٣٤٧.
(٢) قلت: لم يتّفق العلماء على ضبط تاريخ الإسراء، ولكن الثّابت الّذي ظهر لنا بعد النّظر في الرّوايات أنّ حادث الإسراء وقع متأخّرا، لأنّ خديجة ﵂ توفّيت في رمضان من السّنة العاشرة للنّبوّة على الصّحيح، وكانت وفاتها قبل أن تفرض الصّلوات الخمس، ولا خلاف أنّ فرض الصّلوات كان ليلة الإسراء. ولكنّ العلماء متّفقون على أنّ الإسراء والمعراج كان إكراما من الله تعالى لنبيّه ﷺ وتسلية وتعويضا عمّا لقيه في الطّائف من الأذى، وعمّا أصابه من الحزن على وفاة خديجة، وعلى وفاة عمّه أبي طالب، اللّذين بين وفاتيهما ثلاثة أيّام، وسمّاه ﷺ عام الحزن. (انظر الجامع في السّيرة، ج ١/ ٥٣١) ..
[ ٢١٦ ]
لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا [سورة الإسراء ١٧/ ١] .
وقوله تعالى: ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى. فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى. فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى. ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى [سورة النّجم ٥٣/ ٨- ١١]، إلى قوله: ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى. لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى [سورة النّجم ٥٣/ ١٧- ١٨] .
[حديث الإسراء والمعراج]
ولا خلاف بين أئمة المسلمين وعلماء الدّين في صحّة الإسراء به ﷺ، إذ هو نصّ القرآن العظيم. ورواه جماعة من الصّحابة، كما أخرجه الحفّاظ في أصول الإسلام المشهورة، ولكنّ أكملها ترتيبا ووضعا ما رواه مسلم في «صحيحه» من حديث ثابت البناني.
عن أنس بن مالك ﵁، أنّ رسول الله ﷺ قال:
«أتيت بالبراق- (وهو/ دابّة أبيض طويل، فوق الحمار ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طرفه) - قال: فركبته حتّى أتيت بيت المقدس، فربطته بالحلقة الّتي تربط بها الأنبياء، ثمّ دخلت المسجد فصلّيت فيه ركعتين، ثمّ خرجت، فجاءني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن، فاخترت اللّبن، فقال جبريل: اخترت الفطرة «١» .
_________________
(١) قلت: قال أبو شهبة﵀-: عبّر عن اللّبن بالفطرة؛ لأنّه أوّل ما يدخل بطن المولود ويشقّ أمعاءه، وهو الغذاء الّذي لم يكن يصنعه غير الله، والغذاء الكامل المستوفي للعناصر الّتي يحتاج إليها الجسم في بنائه ونموه، مع كونه طيّبا سائغا للشّاربين. وقد تكرّر هذا العرض مرّتين، مرّة بعد الصّلاة في بيت المقدس- كما في صحيح مسلم- ومرّة في السّماء- كما في الحديث المتّفق عليه- (انظر السّيرة النّبويّة، ج ١/ ٤٢٦) .
[ ٢١٧ ]
ثمّ عرج بي إلى السّماء، فاستفتح «١» جبريل، فقيل: من أنت؟، قال: جبريل، فقيل: ومن معك؟، قال: محمّد، قيل: وقد بعث إليه؟، قال: قد بعث إليه، ففتح لنا. فإذا أنا بادم﵇- فرحّب بي ودعا لي بخير.
ثمّ عرج بنا إلى السّماء الثّانية، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟، قال: جبريل، قيل: ومن معك؟، قال: محّمد، قيل:
وقد بعث إليه؟، قال: قد بعث إليه، ففتح لنا. فإذا أنا بابني الخالة «٢»: عيسى بن مريم، ويحيى بن زكريّا﵉- فرحّبا بي ودعوا لي بخير.
ثمّ عرج بنا إلى السّماء الثّالثة- فذكر مثل الأوّل- ففتح لنا. فإذا أنا بيوسف﵇- وإذا هو قد أعطي شطر الحسن- أي:
نصفه، ومن النّاس من يعطى عشره أو دونه أو فوقه، وفيه إشارة إلى أنّ منهم من أكمل له الحسن، ويتعيّن أنّه محمّد ﷺ- قال:
فرحّب بي ودعا لي بخير.
ثمّ عرج بنا إلى السّماء الرّابعة- وذكر مثله- فإذا أنا بإدريس﵇- فرحّب بي ودعا لي بخير- قال الله تعالى:
وَرَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا [سورة مريم ١٩/ ٥٧]-.
_________________
(١) استفتح: طلب فتح الباب. ولله ملائكة موكّلون بكلّ ما خلق، وله الحكمة البالغة.
(٢) قلت: قال أبو شهبة﵀-: وهذا على أنّ مريم وإيشاع أم يحيى ابن زكريا أختان، وقيل: إنّ إيشاع خالة مريم، فيكون في العبارة تسامح. ولا يزال هذا الأمر عرفا في بعض البلاد العربيّة تعدّ خالة الأمّ خالة للابن. (انظر السّيرة النّبويّة، ج ١/ ٤٢٤) .
[ ٢١٨ ]
ثمّ عرج بنا إلى السّماء الخامسة- فذكر مثله- فإذا أنا بهارون﵇- فرحّب بي ودعا لي بخير.
ثمّ عرج بنا إلى السّماء السّادسة- فذكر مثله- فإذا أنا بموسى﵇- فرحّب بي ودعا لي بخير.
ثمّ عرج بنا إلى السّماء السّابعة- فذكر مثله- فإذا أنا بإبراهيم﵇- مسندا ظهره إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كلّ يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه.
ثمّ ذهب بي إلى سدرة المنتهى، فإذا ورقها/ كاذان الفيلة «١»، وإذا ثمرها كالقلال «٢» .
فلمّا غشيها من أمر الله ما غشي تغيّرت- أي: تلوّنت بألوان مختلفة- فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها.
قال: فأوحى الله إليّ ما أوحى. ففرض عليّ خمسين صلاة في كلّ يوم وليلة، فنزلت إلى موسى﵇-، فقال: ما فرض ربّك على أمّتك؟، قلت: خمسين صلاة، قال: ارجع إلى ربّك واسأله التّخفيف، فإنّ أمّتك لا يطيقون ذلك، فإنّي قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم، قال: فرجعت إلى ربّي، فقلت: يا ربّ، خفّف على أمّتي. فحطّ عنّي خمسا، فرجعت إلى موسى، فقلت: حطّ عنّي خمسا، فقال: إنّ أمّتك لا يطيقون ذلك فارجع إلى ربّك فاسأله التّخفيف، قال: فلم أزل أرجع بين ربّي ﷿ وبين موسى، حتّى قال: يا محمّد، إنّهنّ خمس صلوات كلّ يوم
_________________
(١) يعني في الشّكل والكبر.
(٢) القلال: آنية من الفخّار يشرب منها. مفردها: قلّة.
[ ٢١٩ ]
وليلة، لكلّ صلاة عشر، فذلك خمسون صلاة، ومن همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرا، ومن همّ بسيّئة فلم يعملها لم تكتب شيئا- وفي رواية: كتبت حسنة- فإن عملها كتبت سيّئة واحدة، قال: فنزلت حتّى انتهيت إلى موسى﵇- فأخبرته، فقال: ارجع إلى ربّك فاسأله التّخفيف، فقال رسول الله ﷺ فقلت: قد رجعت إلى ربّي حتّى استحييت منه» «١» .
قلت: هذا مع ما قد أفهمه ﷺ من الإلزام له بقوله: «إنّهنّ خمس» وفي رواية أيضا: «لا يبدّل القول لديّ» .
قال القاضي عياض﵀-: (جوّد ثابت﵀- هذا الحديث عن أنس ما شاء، ولم يأت عنه أحد بأصوب من هذا.
وقد خلّط فيه غيره عن أنس تخليطا كثيرا، لا سيّما من رواية شريك بن أبي نمر) «٢» . انتهى.
قلت: وحديث شريك ممّا اتّفق عليه الشّيخان، وإنّما لم يورد البخاريّ حديث ثابت هذا لأنّ مسلما إنّما رواه من طريق حمّاد بن سلمة، وهو متروك عند البخاريّ، لم يرو له إلّا تعليقا.
واتّفق عليه الشّيخان أيضا من حديث أبي/ ذرّ وغيره.
فائدة [: في بعض دقائق الإسراء]
وفي قوله ﷺ: «بالحلقة الّتي تربط به الأنبياء» إشارة إلى أنّ ركوب البراق للإسراء غير مختصّ بمحمّد ﷺ، ويشير إلى ذلك
_________________
(١) أخرجه مسلم، برقم (١٦٢/ ٢٥٩) .
(٢) الشّفا، ج ١/ ٣٤٧.
[ ٢٢٠ ]
قوله في الرّواية الآتية: «فما ركبك عبد أكرم على الله من محمّد»، لكن في ظاهر قول أهل كلّ سماء: (وقد بعث إليه)، إشكال لعدم علمهم ببعثه إلّا بعد مضيّ هذه المدّة، مع كثرة تردّد جبريل فيها، وانتشارها عند أهل الأرض، فضلا عن أهل السّماء. وأجاب بعضهم: بأنّه سؤال عن البعث إليه للعروج المتوقّع عندهم لقوله:
(إليه)، وهو جواب حسن.
وإنّما لم يفتح له قبل مجيئه ليعلم أنّه إنّما فتح من أجله، كما في قوله ﷺ: «أنا أوّل من يقرع باب الجنّة» «١» .
والحكمة في الإسراء به إلى (بيت المقدس) ما ذكره كعب الأحبار: أنّ باب السّماء الّذي يسمّى (مصعد الملائكة) يقابله (بيت المقدس)، كما أنّ (البيت المعمور) مقابل (الكعبة) .
وأيضا ليحوز ﷺ فضل شدّ الرّحال إلى المساجد الثّلاثة.
وقوله ﷺ: «يدخله كلّ يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه» يحتمل أيضا أنّهم لا يخرجون منه، فيكون في ذلك دلالة على سعته، وعلى كثرة جنود الله تعالى، والله أعلم بالصّواب.
وعندهما-[أي: البخاريّ ومسلم]- أنّ كلّ نبيّ قال: مرحبا بالنّبيّ الصّالح والأخ الصّالح، إلّا آدم وإبراهيم﵉- فقالا له: والابن الصّالح «٢» .
_________________
(١) أخرجه مسلم، برقم (١٩٦/ ٣٣١) . عن أنس بن مالك ﵁.
(٢) وهذه رواية البخاريّ ومسلم من طريق ابن شهاب عن أنس ﵁. قلت: لقد اقتصر الأنبياء الّذين لقيهم ﷺ في السّماء على وصفه بصفة الصّلاح، لأنّ فيها جماع الخير كلّه، والصّالح هو الطّيّب في نفسه، الّذي يقوم بما عليه من حقوق الله وحقوق العباد.
[ ٢٢١ ]
فائدة [: في اجتماع النّبيّ ﷺ بالأنبياء]
الظّاهر أنّ أرواح الأنبياء تشكّلت له في العالم الأعلى. ويجوز نقل أجسادها تلك اللّيلة إكراما لهم أجمعين.
ويؤيّد الأوّل قوله في الحديث: «فصلّى بأهل السّماء، وفيهم أرواح الأنبياء» «١» .
والظّاهر أيضا: أنّ اختصاص من لقيه منهم في كلّ سماء، وهم: آدم، وعيسى، ويوسف، وإدريس، وهارون، وموسى، وإبراهيم، بحسب تفاوتهم في الدّرجات، فادم في السّماء الدّنيا، لأنّه أوّل الأنبياء. ثمّ عيسى في الثّانية، لأنّه أقرب الأنبياء عهدا بمحمّد. ويوسف في الثّالثة، لأنّ أمّة محمّد يدخلون الجنّة على صورته. وإدريس في الرّابعة/، لأنّها الوسطى، وقد رفعه الله مكانا عليّا. وهارون في الخامسة، لقربه من أخيه موسى. وموسى في السّادسة، لفضله بالتّكليم. وإبراهيم في السّابعة، لأنّه أفضل الأنبياء بعد محمّد. صلّى الله عليه وعليهم أجمعين.
والظّاهر من اختصاص مراجعة موسى له كونه أشبه الرّسل به في كثرة الأتباع وشرف الكتاب. والله أعلم.
[رؤية النّبيّ ﷺ سدرة المنتهى]
وفي «٢» رواية: «فغشيها ألوان لا أدري ما هي، ثمّ أدخلت الجنّة» «٣» .
_________________
(١) أورده الهيثميّ في «مجمع الزّوائد»، ج ١/ ٧١- ٧٢. عن أبي هريرة ﵁.
(٢) قلت: سمّيت سدرة المنتهى بذلك: لأنّها ينتهي إليها علم كلّ نبيّ مرسل، وكلّ ملك مقرّب، ولم يجاوزها أحد إلّا نبيّنا ﷺ.
(٣) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٤٢) .
[ ٢٢٢ ]
قال الله تعالى: عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى. عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى. إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى [سورة النّجم ٥٣/ ١٤- ١٦] .
وفي أخرى: «إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض، فيقبض منها. وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها، فيقبض منها» «١» .
وفي ثالثة: هذه السّدرة المنتهى ينتهي إليها كلّ أحد من أمّتك، خلا على سبيلك، وهي السّدرة المنتهى «٢» .
وفي رابعة: «يخرج من أصلها أنهار من ماء غير آسن، وأنهار من لبن لم يتغيّر طعمه، وأنهار من خمر لذّة للشّاربين، وأنهار من عسل مصفّى، وهي شجرة يسير الرّاكب في ظلّها سبعين عاما [لا يقطعها]، وأنّ ورقة منها مظلّة الخلق، فغشيها نور [الخالق]، وغشيتها الملائكة» «٣» .
وفي خامسة: «ثمّ عرج بي حتّى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام» «٤» .
[ما خصّ به النّبيّ ﷺ وأمّته]
وفي سادسة: «أنّ جبريل لمّا جاء بالبراق فذهب ليركب، فاستعصت عليه، فقال لها جبريل: اسكني، فو الله ما ركبك عبد
_________________
(١) أخرجه مسلم، برقم (١٧٣/ ٧٢٩) .
(٢) الشّفا، ج ١/ ٣٤٨.
(٣) أورده الهيثميّ في «مجمع الزّوائد»، ج ١/ ٧١. والبيهقيّ في «دلائل النّبوّة»، ج ٢/ ٤٠٢. عن أبي هريرة ﵁.
(٤) أخرجه البخاريّ، برقم (٣١٦٤) . عن أبي ذرّ ﵁. صريف الأقلام: هو صوت ما تكتبه الملائكة من أقضية الله تعالى ووحيه، وما ينسخونه من اللّوح المحفوظ، أو ما شاء الله تعالى أن يكتب ويرفع لما أراده من أمره وتدبيره.
[ ٢٢٣ ]
أكرم على الله من محمّد ﷺ، فركبها حتّى أتى بها الحجاب الّذي يلي عرش الرّحمن. فبينما هو كذلك إذ خرج ملك من الحجاب، فقال النّبيّ ﷺ: «من هذا يا جبريل؟»، قال: والّذي بعثك بالحقّ نبيّا إنّي لأقرب الخلق مكانا، وإنّ هذا الملك ما رأيته منذ خلقت قبل ساعتي هذه، فأذّن الملك وأقام، وأخذ بيد محمّد ﷺ فقدّمه فصلّى بأهل السّماء، وفيهم أرواح الأنبياء﵈- ثمّ قال محمّد: «يا ربّ، إنّك اتّخذت إبراهيم خليلا. وكلّمت موسى تكليما. وآتيت داود الملك والحكمة، وألنت له الحديد، وسخّرت له الجبال يسبّحن معه والطّير. ووهبت سليمان/ ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، وسخّرت له الرّيح تجري بأمره رخاء- أي: ليّنة- حيث أصاب- أي: قصد- والشّياطين كلّ بناء وغوّاص، وآخرين مقرّنين في الأصفاد- أي: القيود- وعلّمت عيسى التّوراة والإنجيل، وأعذته وأمّه من الشّيطان الرّجيم، وجعلته يبرىء الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذنك»، فقال الله تعالى:
يا محمّد؛ قد اتّخذتك خليلا وحبيبا، فهو مكتوب في التّوراة أنّ محمّدا حبيب الرّحمن، وأرسلتك إلى النّاس كافّة، وجعلت أمّتك هم الأوّلون وهم الآخرون بعثا، والسّابقون يوم القيامة، وجعلت أمّتك لا تجوز لهم خطبة حتّى يشهدوا أنّك عبدي ورسولي، وجعلتك فاتحا وخاتما، وأعطيتك السّبع المثاني- أي: الفاتحة- وخواتيم سورة البقرة من كنز تحت عرشي، ولم أعط ذلك أحدا من خلقي» «١» .
_________________
(١) أورده الهيثميّ في «مجمع الزّوائد»، ج ١/ ٧١- ٧٢. عن أبي هريرة ﵁.
[ ٢٢٤ ]
فائدة [: في الحكمة من ركوب البراق]
الحكمة في ركوب البراق مع قدرة الله تعالى على طيّ المسافة له إكرامه بما جرت به العادة مع خرقها، إذ الملوك يبعثون لمن استدعوه بمركوب.
وجزم جماعة من المحقّقين بأنّه لم يجاوز سدرة المنتهى أحد إلّا محمّد ﷺ، ويؤيّده قوله [ﷺ]: «إليها ينتهي ما يعرج [به] من الأرض» «١» .
[عرض الآنية على النّبيّ]
وقوله ﷺ: «فأتيت بإناء من لبن وإناء من خمر» «٢» . زاد في رواية في «الصّحيحين»: «وإناء من عسل» «٣» وفي رواية أخرى للبزّار: «وإناء من ماء» «٤» .
قلت: وبتمام الأربعة يعلم أنّه أتي من كلّ نهر بإناء من الأنهار الّتي تخرج من أصل سدرة المنتهى المذكورة في الحديث السّابق.
ثمّ في قوله تعالى فيها: أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى [سورة محمّد ٤٧/ ١٥] . والله أعلم.
وفي «الصّحيحين»، عن أنس ﵁، عن النّبيّ ﷺ قال: «لمّا عرج بي جبريل إلى سدرة المنتهى دنا الجبّار ربّ العزّة، فتدلّى، حتّى كنت منه قاب قوسين- أي: قدر قوسين- أو أدنى،
_________________
(١) أخرجه مسلم، برقم (١٧٣/ ٧٢٩) .
(٢) أخرجه مسلم، برقم (١٦٢/ ٢٥٩) .
(٣) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٦٧٤) . عن مالك بن صعصعة ﵁.
(٤) أورده الهيثميّ في «مجمع الزّوائد»، ج ١/ ٦٩. عن أبي هريرة ﵁.
[ ٢٢٥ ]
فأوحى إليّ بما شاء» «١» .
وعن ابن عبّاس رضي الله/ عنهما، أنّ النّبيّ ﷺ قال: «فارقني جبريل، فانقطعت عنّي الأصوات، فسمعت كلام ربّي جلّ وعلا يقول: ليهدأ روعك- أي: ليسكن خوفك- ادن يا محمّد، ادن» «٢» .
[رؤية النّبيّ ﷺ نهر الكوثر]
وفي البخاريّ، عن أنس ﵁، عن النّبيّ ﷺ قال:
«لمّا عرج بي إلى السّماء بينما أنا أسير في الجنّة، إذا [أنا] بنهر حافّتاه قباب اللّؤلؤ المجوّف، فقلت: ما هذا يا جبريل؟، قال:
هذا الكوثر الّذي أعطاك ربّك، فإذا طينه مسك أذفر» «٣» .
[رؤية النّبيّ ﷺ لبعض أهل النّار]
وفي «سنن أبي داود»، عن أنس أيضا، قال: قال رسول الله ﷺ: «لمّا عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس، يخمشون بها وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟
قال: هؤلاء الّذين يأكلون لحوم النّاس ويقعون في أعراضهم» «٤» .
[وصيّة إبراهيم ﵊ لأمّة النّبيّ ﷺ]
وروى التّرمذيّ في «جامعه»، وقال: حديث حسن، عن ابن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «لقيت إبراهيم﵇- ليلة أسري بي، فقال: يا محمّد: أقرىء أمّتك عنّي السّلام- عليه وعلى نبيّنا السّلام-، وأخبرهم أنّ الجنّة طيّبة التّربة، عذبة الماء، وأنّها قيعان، وأنّ غراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلّا الله، والله أكبر» «٥» .
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٧٠٧٩) . قلت: وقد خالف الرّاوي شريك غيره، إذ المشهور في الحديث نسبة الدّنوّ والتّدلّي إلى جبريل ﵇.
(٢) الشّفا، ج ١/ ٣٩٠.
(٣) أخرجه البخاريّ، برقم (٤٦٨٠- ٦٢١٠) . مسك أذفر: طيّب الرّائحة.
(٤) أخرجه أبو داود، برقم (٤٨٧٨) .
(٥) أخرجه التّرمذيّ، برقم (٣٤٦٢) . قيعان: وهو المكان المستوي
[ ٢٢٦ ]
[ما رآه النّبيّ ﷺ لعمر بن الخطّاب ﵁]
وروى الطّبرانيّ بإسناد حسن، والحاكم وقال: صحيح على شرط الشّيخين، عن النّبيّ ﷺ قال: «لمّا دخلت الجنّة أتيت على قصر من ذهب مربّع مشرف، فقلت: لمن هذا القصر؟ فقالوا:
لعمر بن الخطّاب، ثمّ قال رسول الله ﷺ: من قرأ بعد كلّ صلاة مكتوبة: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ عشر مرّات بنى الله له قصرا في الجنّة، ومن قرأها عشرين مرّة بنى الله له قصرين في الجنّة» . فقال عمر بن الخطّاب ﵁: إذا تكثر قصورنا يا رسول الله؟، قال: «فضل الله أوسع من ذلك» «١» .
[إخباره بمسراه وموقف قريش في ذلك]
وفي «الصّحيحين»، / أنّه ﷺ قال: «لمّا كذّبتني قريش، قمت في (الحجر) فجلا الله لي (بيت المقدس)، فطفقت أخبرهم عن آياته، وأنا أنظر إليه» «٢» .
وفي رواية: «ثمّ رجعت إلى خديجة وما تحوّلت عن جانبها، ثمّ أصبحت فأخبرت قريشا، فلقد رأيتني في (الحجر)، وقريش تسألني عن مسراي، فسألتني عن أشياء من وصف (بيت المقدس) لم أثبتها، فكربت كربا شديدا، فجلّى الله لي (بيت المقدس)» «٣» إلى آخره.
_________________
(١) الواسع في وطأة من الأرض، يعلوه ماء السّماء فيمسكه ويستوي نباته.
(٢) أخرجه أحمد في «مسنده»، ج ٣/ ٤٣٧. عن معاذ بن أنس الجهنيّ ﵁.
(٣) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٦٧٣) . ومسلم برقم (١٧٠/ ٢٧٦) . عن جابر بن عبد الله ﵄. طفقت: أخذت وشرعت.
(٤) أخرجه مسلم، برقم (١٧٢/ ٢٧٨) . عن أبي هريرة ﵁ بنحوه. لم أثبتها: لم أحفظها وأضبطها.
[ ٢٢٧ ]
فائدة [: في تعليل مجيء المسجد الأقصى للنّبيّ ﷺ]
وفي رواية للإمام أحمد: «فجيء ب (المسجد الأقصى) وأنا أنظر، حتّى وضع عند (دار عقيل)، فنعتّه وأنا أنظر إليه» «١» .
قال العلماء: وهذا أبلغ من كشف الحجب الّتي بين (الحرم وبيت المقدس)؛ لأنّه نظير إحضار عرش بلقيس لسليمان في طرفة عين.
قلت: وذلك بطريق انزواء الأرض، بأن تنقبض أجزاؤها حتّى يصير الموضع الّذي فيه (بيت المقدس) ب (مكّة) . ومن ذلك قوله ﷺ: «زويت لي الأرض» «٢» . والله أعلم.
ومنه أنّي قلت لبعض أصحابنا: بلغني أنّك تصلّي أيّ فرض شئت جماعة ب (حرم مكّة) فعلى أيّ كيفيّة هذا؟، فقال: بمجرّد أن يخطر ذلك ببالي، صرت تجاه (الكعبة)، ثمّ إذا خطر ببالي العود، صرت بمكاني ب (حضر موت) . والله أعلم.
[تصديق أبي بكر ﵁ وسبب تسميته بالصّدّيق]
وفي رواية: فقيل لأبي بكر: إنّ محمّدا يزعم أنّه بلغ (بيت المقدس) ورجع، فقال: إنّا لنصدّقه في نزول الوحي في طرفة عين.
فأنزل الله ﷿ في أبي بكر: وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [سورة الزّمر ٣٩/ ٣٣]، فسمّاه الله الصّدّيق» .
وأنزل الله سبحانه في تصديق نبيّه ﷺ وتنزيهه عمّا نسبوه إليه في ذلك من الغيّ والضّلال والهوى قوله تعالى: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى.
_________________
(١) أخرجه أحمد في «مسنده»، برقم (٢٨١٥) . عن ابن عبّاس ﵄. نعتّه: وصفته.
(٢) أخرجه مسلم، برقم (٢٨٨٩/ ١٩) . عن ثوبان ﵁.
(٣) أخرجه الحاكم في «المستدرك»، ج ٣/ ٦٢. عن عائشة ﵂.
[ ٢٢٨ ]
ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى. وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى.
[سورة النّجم ٥٣/ ١- ٤]، إلى قوله: لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى [سورة النّجم ٥٣/ ١٨] .
فأقسم تعالى بالنّجم، وهو الثّريا. إذا هوى- أي: سقط للغروب- على نفي الضّلال عنه ﷺ والغيّ المستلزم، لإثبات/ الهدى والرّشد، وعلى صدقه فيما أخبر، ونفي النّطق عن الهوى، وأنّ ذلك وحي يوحى إليه من الله سبحانه، علّمه إيّاه جبريل شديد القوى.
ثمّ لمّا كان ما أوحى إليه في تلك اللّيلة من عظيم ملكوته لا تحيط به العبارة رمز إليه بالإشارة، فقال: فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى
[سورة النّجم ٥٣/ ١٠]، ثمّ أخبر عن تصديق فؤاده- وهو: قلبه- بما رأى بصره من آيات ربّه الكبرى بقوله: ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى [سورة النّجم ٥٣/ ١١]- أي: بما رآه البصر-، وعن حسن أدبه، وعدم التفات قلبه إلى غير ربّه بقوله: ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى [سورة النّجم ٥٣/ ١٧] فقد اشتملت هذه الآيات الكريمة على تزكية لسانه ﷺ وبصره وفؤاده، فزكّى لسانه بقوله: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى، وبصره بقوله: ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى، وفؤاده، بقوله: ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى.
[الخلاف في رؤية النّبيّ ﷺ ربّه ليلة الإسراء]
وصحّ عن ابن عبّاس ﵄ في تفسير قوله تعالى:
وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى [سورة النّجم ٥٣/ ١٣] أنّه قال: (رأى محمّد ربّه بعيني رأسه وكلّمه من غير حجاب) «١» .
قال العلماء: ولا يقول ذلك ابن عبّاس إلّا بتوقيف، فسبيله سبيل
_________________
(١) الشّفا، ج ١/ ٣٧٦. وبه قال أنس وعكرمة والرّبيع.
[ ٢٢٩ ]
المرفوع، إذ ليس للرّأي في هذا مدخل.
وعن كعب الأحبار: (أنّ الله تعالى قسم كلامه ورؤيته بين موسى ومحمّد﵉- فكلّمه موسى من وراء الحجاب بغير واسطة مرّتين، ورآه محمّد بعيني رأسه مرّتين) . نقله الماورديّ عنه.
وقال كثير من العلماء في تفسير قوله تعالى: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا [سورة الشّورى ٤٢/ ٥١]- أي: من غير واسطة- بل مع المشاهدة، وذلك لمحمّد ﷺ خاصّة ليلة الإسراء.
قالوا: بدليل قوله [تعالى]: أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ- أي:
كمناجاته لموسى ﵇- أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا [سورة الشّورى ٤٢/ ٥١]- وهو جبريل- فيوحي بإذنه إلى رسله ما يشاء- كأكثر أحوال محمّد وموسى ﵉- وكسائر أحوال غيرهما من النّبيّين ﵈ أجمعين.
وقال الإمام/ أبو الحسن عليّ بن إسماعيل الأشعريّ﵀-: (كلّ آية أوتيها نبيّ فقد أوتي نبيّنا مثلها، وخصّه الله بالرّؤية، قال: فمحمّد رأى ربّه بعيني رأسه. قال ابن عطاء: أي شرح الله صدره للرّؤية، كما شرح صدر موسى للتّكليم) .
قال العلماء: ولا يقدح في ذلك إنكار عائشة ﵂ لذلك، لأنّها لم تقله إلّا عن رأيها، وأمّا احتجاجها بقوله تعالى:
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ [سورة الأنعام ٦/ ١٠٣]؛ فقال ابن عبّاس: (معناه: لا تحيط به) «١» .
_________________
(١) الشّفا، ج ١/ ٣٨٣. قال العلماء: إنّ الإسراء وقع وعائشة كانت
[ ٢٣٠ ]
ولو قيل بإطلاقها لزم منه امتناع رؤيته﷾- في الآخرة أيضا، للأبرار في دار القرار، وهو خلاف ما أجمع عليه أهل السّنّة.
قال العلماء: والدّليل على جوازها في الدّنيا سؤال موسى ﵇ لها، إذ يستحيل أن يجهل نبيّ ما يجوز على الله ﷿ وما لا يجوز عليه، ومعنى: لَنْ تَرانِي: لن تطيق رؤيتي كما لا يطيقها الجبل.
قلت: ومعلوم أنّ الجبل وجميع المخلوقات جزء من نور محمّد ﷺ، فلا عجب أن يطيق من التّجلّي ما لا يطيقه الجبل.
وإذا لم يستحل شيء من العقل، ولم يدلّ دليل قاطع من النّقل على امتناعه وجب قبوله على ظاهره، ومن أهّله الله لشيء تأهّل له، ومن لا، فلا.
ألا تراه يقول في حقّه ﷺ عند رؤيته آيات ربّه الكبرى: ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى، ويقول: لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا [سورة الكهف ١٨/ ١٨] .
هذا وهم بشر من أبناء جنسه، فسبحان من خصّ من شاء بما شاء وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ [سورة البقرة ٢/ ٢٥٥] .
ومن أحسن ما قيل في حديث الإسراء قول صاحب البردة، [من البسيط] «١»:
_________________
(١) صغيرة. وكذلك فإنّ الإدراك أخص من الرّؤية والرّؤية أعم، وبهذا يتضح الأمر.
(٢) البردة، في إسرائه ومعراجه، ص ٤٣.
[ ٢٣١ ]
يا خير من يمّم العافون ساحته سعيا وفوق متون الأينق الرّسم «١»
ومن هو الآية الكبرى لمعتبر ومن هو النّعمة العظمى لمغتنم
سريت من حرم ليلا إلى حرم كما سرى البدر في داج من الظّلم
/ وبتّ ترقى إلى أن نلت منزلة من قاب قوسين لم تدرك ولم ترم «٢»
وقدّمتك جميع الأنبياء بها والرّسل تقديم مخدوم على خدم
وأنت تخترق السّبع الطّباق بهم في موكب كنت فيه صاحب العلم «٣»
حتّى إذا لم تدع شأوا لمستبق من الدّنوّ ولا مرقى لمستنم «٤»
خفضت كلّ مقام بالإضافة إذ نوديت بالرّفع مثل المفرد العلم
_________________
(١) يمّم العافون: قصد طلّاب الرّزق والعطاء. الأينق: النّياق، جمع ناقة. الرّسم: المعلمة.
(٢) ترقى: ترتفع. قاب قوسين: القاب: المقدار. وقوله قاب قوسين: أي: مقدار قوسين من قسيّ العرب، أي: مقدارهما في القرب. وهو كناية عن شدّة القرب. تدرك: تنال. ترم: تطلب.
(٣) صاحب العلم: أمير الرّكب.
(٤) المستنم: المرتفع.
[ ٢٣٢ ]
كيما تفوز بوصل أيّ مستتر عن العيون وسرّ أيّ مكتتم «١»
فحزت كلّ فخار غير مشترك وجزت كلّ مقام غير مزدحم
وجلّ مقدار ما ولّيت من رتب وعزّ إدراك ما أوليت من نعم «٢»
بشرى لنا معشر الإسلام إنّ لنا من العناية ركنا غير منهدم
لمّا دعا الله داعينا لطاعته بأكرم الرّسل كنّا أكرم الأمم
_________________
(١) أيّ مستتر: مبالغة في الاستتار. أيّ مكتتم: مبالغة في الكتمان.
(٢) أوليت: أعطيت.
[ ٢٣٣ ]
القسم الثّاني قسم المقاصد واللّواحق
وفيه خطبة بليغة في الحثّ على الجهاد في سبيل الله بالأنفس والأموال، وايراد آيات وأحاديث صحيحة في كونه أفضل الأعمال، ثمّ شرح أحوال المجاهدين في سبيل الله، وهي سيرة النبيّ ﷺ وأصحابه ﵃ أجمعين، وفضل الصّحابة وترتيبهم في الفضل، والرّد على من قدح في أحد منهم بالقول الفصل.
[ ٢٣٥ ]