خطبة في الحثّ على الجهاد في سبيل الله
الحمد لله الّذي نزّل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا، الّذي له ملك السّماوات والأرض، ولم يتّخذ ولدا، ولم يكن له شريك في الملك، وخلق كلّ شيء فقدّره تقديرا.
وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له في ذاته وصفاته وأفعاله، سبحانه وتعالى عمّا يقول الظّالمون علوّا كبيرا، تسبح له السّماوات السّبع والأرض، ومن فيهنّ، وإن من شيء إلّا يسبّح بحمده، ولكن لا تفقهون تسبيحهم، إنّه كان حليما غفورا.
وأشهد أنّ محمّدا/ عبده ورسوله، الّذي أرسله شاهدا ومبشّرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا.
اللهمّ صلّ وسلّم على محمّد، وعلى آل محمّد، بأفضل الصّلوات كلّها، وسلّم تسليما كثيرا، وعلى آله الّذين أذهب الله عنهم الرّجس، وطهّرهم تطهيرا.
وعلى أصحابه وأتباعه الّذين بشّرهم بأنّ لهم من الله فضلا كبيرا.
أمّا بعد: فإنّ الجهاد في سبيل الله هو الكنز الّذي وفّر الله منه لمن أحبّه الأقسام، والعزّ الّذي أظهر الله به دين الإسلام.
إخواني: فجاهدوا في سبيل الله فقد دلّكم الله به على المتجر الرّابح، فهل أنتم سامعون؟ وساومكم في شراء أنفسكم الّتي هي ملكه فهل أنتم لها بائعون؟
[ ٢٣٧ ]
فقال ﷾: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ. تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [سورة الصّفّ ٦١/ ١٠- ١١] إلى آخر السّورة.
وقال ﷿: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ.
التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [سورة التّوبة ٩/ ١١١- ١١٢] .
إخواني: يا لها صفقة خطيرة في بيع هذه الأنفس الحقيرة، المشتري فيها ربّ العالمين، والواسطة فيها سيّد المرسلين، والثّمن: جنّة عرضها السّماوات والأرض أعدّت للمتّقين.
فأوجبوا- رحمكم الله- صفقة هذا البيع الرّابح، بالثّمن الجزيل الرّاجح، فلمثل/ هذا فليعمل العاملون، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.
فالجهاد الجهاد أيّها المؤمنون، والجنّة الجنّة أيّها الموقنون، وقاتلوا دون أنفسكم وأموالكم أعداء الله الفجّار، وادفعوا عن أنفسكم شؤم العار والنّار، فقد جاؤوكم يحادّون الله ورسوله بكفرهم، ويستأصلون شأفة «١» الإسلام والمسلمين بمكرهم،
_________________
(١) الشّأفة: قرحة تخرج بباطن القدم، فتقطع أو تكوى فتذهب، وفي الحديث: «استأصل الله شأفتهم»، أي: استأصل أصلهم، واستأصل الله شأفته: أذهبه كما تذهب تلك القرحة.
[ ٢٣٨ ]
وقَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ [سورة آل عمران ٣/ ١١٨]، وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ [سورة التّوبة ٩/ ٣٦] .
واحذروا أن تكونوا ممّن: كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ [سورة التّوبة ٩/ ٤٦]، وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ [سورة العنكبوت ٢٩/ ٦] .
ولقد ابتلاكم الله بالجهاد كما ابتلى به أفضل أهل السّماوات والأرض: ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ [سورة محمّد ٤٧/ ٤]، أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [سورة التّوبة ٩/ ١٣] .
إخواني: إذا كانت المنيّة محتومة، فالشهادة في سبيل الله هي الغنيمة: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ [سورة محمّد ٤٧/ ٧] . وإن أحجمتم فلن يدفع عنكم الأجل إحجامكم.
إخواني: ما أقبح عبدا يبخل على سيّده ومولاه بنفس هي من مواهبه وعطاياه، هذا مع ما وعد- وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ [سورة التّوبة ٩/ ١١١] وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا [سورة النّساء ٤/ ١٢٢]- على ذلك ثناء جميلا وثوابا جزيلا.
إخواني: ما أقبح عبدا يقول بلسانه: قد رضيت بالله ربّا، وبالإسلام دينا، وبمحمّد نبيّا، ثمّ يجبن عن قتال كافر بالله وباليوم الآخر، ولا يرجو ما يرجوه المؤمن من الجنّة والثّواب الوافر.
أو ما سمعتم مولاكم سبحانه يقول: فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ [سورة النّساء ٤/ ١٠٤] .
[ ٢٣٩ ]
إخواني: أيّ عذر لمن جبن عن قتال أعداء الله؟ وبأيّ وجه يوم القيامة يلقى الله؟ هذا: (ومن لم يمت بالسّيف/ مات بغيره) «١» .
ولا جنّة من القدر شرّه وخيره: قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا [سورة الأحزاب ٣٣/ ١٦]، قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ [سورة آل عمران ٣/ ١٥٤]، أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ [سورة النّساء ٤/ ٧٨] .
إخواني: فجرّدوا عزائمكم في الجهاد، فقد وضح لكم السّبيل، وكونوا كالذين قال لهم النّاس: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيمانًا وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ.
إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [سورة آل عمران ٣/ ١٧٣- ١٧٥]، وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا [سورة النّساء ٤/ ٨٩]، وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتًا بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ.
فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ. الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ
_________________
(١) صدر بيت لأبي نصر بن نباتة التميمي. ومن لم يمت بالسّيف مات بغيره تنوّعت الأسباب والموت واحد
[ ٢٤٠ ]
الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ [سورة آل عمران ٣/ ١٦٩- ١٧٢] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإيّاكم بالآيات والذّكر الحكيم، ووفّقنا وإيّاكم لاتباع سيّدنا محمّد [ﷺ] النّبيّ الكريم، آمين.
[ ٢٤١ ]
فصل في فضل الجهاد
اعلم أنّ الأحاديث الواردة في فضل الجهاد والمجاهدين في سبيل الله كثيرة مشهورة، ولكنّا نورد بعضا يشير إلى غيره.
فعن أبي هريرة ﵁ قال: سئل رسول ﷺ: أيّ العمل أفضل؟ قال: «إيمان بالله ورسوله»، فقيل: ثمّ ماذا؟
قال: «الجهاد في سبيل الله»، قيل: ثمّ ماذا؟ قال: «حجّ مبرور» . متّفق عليه «١» .
وعن ابن مسعود ﵁ قال: قلت: يا رسول الله: أيّ العمل أحبّ إلى الله تعالى؟ قال: «الجهاد/ في سبيل الله» . متّفق عليه «٢» .
قلت: وأجاب العلماء في الجمع بين الحديثين بأنّ اختلاف الجواب بحسب حال السّائل.
وعن أنس ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدّنيا وما فيها» . متّفق عليه «٣» .
وعن أبي سعيد الخدريّ ﵁ قال: أتى رجل
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٢٦)، ومسلم برقم (٨٣/ ١٣٥) .
(٢) أخرجه البخاريّ، برقم (٥٠٤) . ومسلم برقم (٨٥/ ١٣٩) .
(٣) أخرجه البخاريّ، برقم (٢٦٣٩) . ومسلم برقم (١٨٨٠/ ١١٢) . الغدوة: الخروج أوّل النّهار. الرّوحة: الخروج آخر النّهار.
[ ٢٤٢ ]
رسول الله ﷺ فقال: أيّ النّاس أفضل؟ قال: «مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله»، قال: ثمّ من؟ قال: «مؤمن في شعب من الشّعاب يعبد الله ربّه، ويدع النّاس من شرّه» . متّفق عليه «١» .
وعن سهل بن سعد السّاعديّ ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «رباط يوم في سبيل الله خير من الدّنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم في الجنّة خير من الدّنيا وما عليها» . متّفق عليه «٢» .
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:
«والّذي نفس محمّد بيده، ما من كلم- أي: جراحة- يكلم في سبيل الله إلّا جاء يوم القيامة كهيئته يوم كلم، لونه لون دم، وريحه ريح مسك، والّذي نفس محمّد بيده، لولا أن أشقّ على المسلمين ما قعدت خلاف سريّة تغزو في سبيل الله أبدا، ولكن لا أجد سعة فأحملهم، ولا يجدون سعة، ويشقّ عليهم أن يتخلّفوا عنّي، والّذي نفس محمّد بيده، لوددت أنّي أغزو في سبيل الله فأقتل، ثمّ أغزو فأقتل، ثمّ أغزو فأقتل» . متّفق عليه «٣» .
وعن أبي هريرة أيضا ﵁ أنّ رجلا قال: يا رسول الله: دلّني على عمل يعدل الجهاد، قال: «لا أجده»، ثمّ قال:
«هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك، فتقوم
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٢٦٣٤) . ومسلم برقم (١٨٨٨/ ١٢٢) . واللّفظ لمسلم.
(٢) أخرجه البخاريّ، برقم (٢٧٣٥) . ومسلم برقم (١٨٨١/ ١٣١) . الرّباط: ملازمة الثّغور.
(٣) أخرجه البخاريّ، برقم (٥٢١٣)، بنحوه. ومسلم برقم (١٨٧٦/ ١٠٣) . خلاف سريّة: خلف وبعد. لا يجدون سعة: لا يجدون ما يحملون عليه من دواب.
[ ٢٤٣ ]
ولا تفتر، وتصوم ولا تفطر؟»، قال: ومن يستطيع ذلك؟ قال:
«فذلك مثل المجاهد في سبيل الله» . متّفق عليه، وهذا لفظ البخاريّ «١» .
وعن زيد/ بن خالد الجهنيّ ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «من جهّز غازيا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازيا في أهله بخير فقد غزا» . متّفق عليه «٢» .
وعن البراء بن عازب ﵄ قال: أتى النّبيّ ﷺ رجل مقنّع بالحديد- أي: مغطّي رأسه به- فقال: يا رسول الله أقاتل ثمّ أسلم؟
فقال: «أسلم ثمّ قاتل»، فأسلم ثمّ قاتل فقتل، فقال رسول الله ﷺ:
«عمل قليلا وأجر كثيرا» . متّفق عليه، وهذا لفظ البخاريّ «٣» .
وعن أنس ﵁ أنّ النّبيّ ﷺ قال: «ما أحد يدخل الجنّة يحبّ أن يرجع إلى الدّنيا، وله ما على الأرض من شيء، إلّا الشّهيد؛ فإنّه يتمنّى أن يرجع إلى الدّنيا، فيقتل عشر مرّات، لما يرى من الكرامة وفضل الشّهادة» . متّفق عليه «٤» .
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ في الجنّة مئة درجة أعدّها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدّرجتين كما بين السّماء والأرض» . رواه البخاريّ «٥» .
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٢٦٣٣) .
(٢) أخرجه البخاريّ، برقم (٢٦٨٨) . ومسلم برقم (١٨٩٥/ ١٣٥) . خلف: ترك نائبا عنه في قضاء حوائج أهله.
(٣) أخرجه البخاريّ، برقم (٢٦٥٣) . ومسلم برقم (١٩٠٠/ ١٤٤) .
(٤) أخرجه البخاريّ، برقم (٢٦٦٢) . ومسلم برقم (١٨٧٧/ ١٠٩) .
(٥) أخرجه البخاريّ، برقم (٢٦٣٧) .
[ ٢٤٤ ]
وعن أبي عبس عبد الرّحمن بن جبر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ما اغبرّت قدما عبد في سبيل الله فتمسّه النّار» .
رواه البخاريّ «١» .
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من احتبس فرسا في سبيل الله، إيمانا بالله، وتصديقا بوعده، فإنّ شبعه وريّه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة» . رواه البخاريّ «٢» .
وعن أنس ﵁ أنّ أمّ الرّبيّع بنت البراء- وهي: أمّ حارثة- وكان قتل يوم (أحد) «٣»، قالت يا رسول الله: ألا تحدّثني عن حارثة؟ فقال: «يا أمّ حارثة: إنّها جنان في الجنّة، وإنّ ابنك أصاب الفردوس الأعلى» . رواه البخاريّ «٤» .
وعن سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:
«رأيت اللّيلة رجلين أتياني.. فصعدا بي الشّجرة/.. فأدخلاني دارا هي أحسن وأفضل.. لم أر قطّ أحسن منها.. قالا لي: أمّا هذه الدّار فدار الشّهداء» . رواه البخاريّ في حديث طويل «٥» .
وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:
«أرواح الشّهداء في جوف طير خضر، لها قناديل معلّقة بالعرش، تسرح من الجنّة حيث شاءت، ثمّ تأوي إلى تلك القناديل، فاطّلع
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٢٦٥٦) .
(٢) أخرجه البخاريّ، برقم (٢٦٩٨) .
(٣) قلت: المعروف أنّ حارثه بن سراقة قتل يوم بدر وهذا ما صرّح به البخاريّ. والله أعلم.
(٤) أخرجه البخاريّ، برقم (٢٦٥٤) .
(٥) أخرجه البخاريّ، برقم (١٣٢٠) .
[ ٢٤٥ ]
إليهم ربّهم اطّلاعة، فقال: هل تشتهون شيئا؟ قالوا: أيّ شيء نشتهي؟ ونحن نسرح من الجنّة حيث شئنا، ففعل ذلك بهم ثلاث مرّات، يقول: هل تشتهون شيئا؟ فلمّا رأوا أنّهم لن يتركوا من أن يسألوا، قالوا: يا ربّ، نشتهي أن تردّ أرواحنا في أجسادنا، وتعيدنا إلى الدّنيا حتّى نقتل في سبيلك مرّة أخرى. قال: إنّه قد سبق أنّهم إليها لا يرجعون، قالوا: فأبلغ عنّا إخواننا، فأنزل الله تعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتًا بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ الآيات [سورة آل عمران ٣/ ١٦٩] . رواه مسلم «١» .
وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من سأل الله الشّهادة بصدق بلّغه الله منازل الشّهداء، وإن مات على فراشه» . رواه مسلم «٢» .
وعن أبي سعيد الخدريّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من رضي بالله ربّا، وبالإسلام دينا، وبمحمّد رسولا؛ وجبت له الجنّة»، ثمّ قال: «وأخرى يرفع الله العبد بها مئة درجة، بين كلّ درجتين كما بين السّماء والأرض»، [قال:
وما هي يا رسول الله؟ قال]: «الجهاد في سبيل الله» . رواه مسلم «٣» .
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:
لا يجتمع كافر وقاتله في النّار أبدا» . رواه مسلم «٤» .
_________________
(١) أخرجه مسلم، برقم (١٨٨٧/ ١٢١) .
(٢) أخرجه مسلم، برقم (١٩٠٩/ ١٥٧) .
(٣) أخرجه مسلم، برقم (١٨٨٤/ ١١٦) .
(٤) أخرجه مسلم، برقم (١٨٩١/ ١٣٠) .
[ ٢٤٦ ]
وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لأصحابه يوم/ (بدر): «قوموا إلى جنّة عرضها السّماوات والأرض» . رواه مسلم «١» .
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:
«مقام أحدكم في سبيل الله أفضل من صلاته في بيته ستّين عاما، ألا تحبّون أن يغفر الله لكم ويدخلكم الجنّة؟ اغزوا في سبيل الله، فمن قاتل في سبيل الله فواق ناقة- أي: قدر ما بين حلبتيها- وجبت له الجنّة» . رواه الإمام أحمد والتّرمذيّ، وقال: حديث حسن.
والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم «٢» .
وعن عمران بن حصين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «مقام الرّجل في الصّفّ في سبيل الله أفضل عند الله من عبادة الرّجل ستّين سنة» . رواه الحاكم، وقال: صحيح على شرط البخاريّ «٣» .
وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا وقف العباد للحساب جاء قوم واضعو سيوفهم على رقابهم تقطر دما، فازدحموا على باب الجنّة، والنّاس في الموقف، فيقال: من هؤلاء؟ قيل: الشّهداء، كانوا أحياء مرزوقين» . رواه الطّبرانيّ بإسناد حسن «٤» .
_________________
(١) أخرجه مسلم، برقم (١٩٠١/ ١٤٥) .
(٢) أخرجه أحمد في «مسنده»، برقم (١٠٤٠٧) . والتّرمذيّ برقم (١٦٥٠) .
(٣) أخرجه الحاكم في «المستدرك»، ج ٢/ ٦٨.
(٤) أخرجه الهيثميّ في «مجمع الزّوائد»، ج ١٠/ ٤١١.
[ ٢٤٧ ]
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:
«ما يجد الشّهيد من مسّ القتل إلّا كما يجد أحدكم من قرصة النّملة» . رواه النّسائيّ، وابن ماجه، والتّرمذيّ، وقال: حديث حسن صحيح، وابن حبّان في «صحيحه» «١» .
وعن أبي الدّرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:
«يشفّع الشّهيد في سبعين من أهل بيته» . رواه أبو داود، وابن حبّان في «صحيحه» «٢» .
وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:
«يعجب ربّنا جلّ وعلا من رجل غزا في سبيل الله فانهزم أصحابه فعلم ما عليه، فرجع/ حتّى أريق دمه، فيقول الله ﵎ لملائكته: انظروا إلى عبدي هذا رجع رغبة فيما عندي، وشفقة ممّا عندي» رواه الإمام أحمد، وابن حبّان في «صحيحه» «٣» .
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الله ﷿ ليدعو الجنة يوم القيامة، فتأتي بزخرفها وزينتها فيقول سبحانه: أين عبادي الّذين قاتلوا في سبيلي وجاهدوا؟ ادخلوا الجنّة، فيدخلونها بغير حساب، فتأتي الملائكة فيقولون: ربّنا، نحن نسبّح بحمدك اللّيل والنّهار، ونقدّس لك، من هؤلاء الّذين آثرتهم علينا؟ فيقول الرّبّ جلّ وعلا: هؤلاء عبادي الّذين قاتلوا في سبيلي، وقتلوا وأوذوا في سبيلي، وجاهدوا،
_________________
(١) أخرجه التّرمذيّ، برقم (١٦٦٨) . وابن ماجه برقم (٢٨٠٢) .
(٢) أخرجه أبو داود، برقم (٢٥٢٢) .
(٣) أخرجه الإمام أحمد في «مسنده»، برقم (٣٩٣٩) . وأبو داود برقم (٢٥٣٦) .
[ ٢٤٨ ]
فتدخل عليهم الملائكة من كلّ باب، سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدّار» . رواه الأصبهانيّ بإسناد حسن «١» .
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:
«قال الله تعالى: المجاهد في سبيلي هو ضامن عليّ، إن قبضته أورثته الجنّة، وإن رجعته رجعته بأجر أو غنيمة» . رواه التّرمذيّ، وقال: حديث صحيح «٢» .
وعن عبادة بن الصّامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «جاهدوا في سبيل الله، فإنّ الجهاد في سبيل الله باب من أبواب الجنّة، وينجّي الله به من الهمّ والغمّ» . رواه الإمام أحمد برواة ثقات، والحاكم، وقال: صحيح الإسناد «٣» .
وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:
«من جرح جرحا في سبيل الله، أو نكب نكبة- أي: طعن- فإنّها تأتي يوم القيامة كأغزر ما كانت، لونها لون الزّعفران، وريحها ريح المسك» . رواه أصحاب السّنن الأربعة: أبو داود، والنّسائيّ، وابن ماجه، والتّرمذيّ، وقال: حديث/ حسن صحيح «٤» .
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «غزوة في البحر خير من عشر غزوات في البرّ، ومن أجاز البحر فكأنّما أجاز الأودية كلّها، والمائد في البحر- وهو
_________________
(١) ذكره السّيوطيّ في «الدّر المنثور»، ج ٢/ ١١٢.
(٢) أخرجه التّرمذيّ، برقم (١٦٢٠) .
(٣) أخرجه أحمد في «مسنده»، برقم (٢٢١٧٢) .
(٤) أخرجه التّرمذيّ، برقم (١٦٥٧) . والنّسائيّ برقم (٣١٤١) . وأبو داود برقم (٢٥٤١) .
[ ٢٤٩ ]
الّذي يدور رأسه- كالمتشحّط في دمه» . رواه الحاكم، وقال:
صحيح على شرط البخاريّ «١» .
وعن أمّ حرام ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ:
«المائد في البحر- الّذي يصيبه القيء- له أجر شهيد، والغريق له أجر شهيدين» . رواه أبو داود بإسناد حسن «٢» .
وعن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من رمى بسهم في سبيل الله أخطأ أو أصاب، كان له كعتق رقبة من ولد إسماعيل» . رواه الطّبرانيّ برواة ثقات «٣» .
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:
«موقف ساعة في سبيل الله خير من قيام ليلة القدر ب (مكّة) عند (الحجر الأسود)» . رواه البيهقيّ، وابن حبّان في «صحيحه» «٤» .
فائدة [: في فضل من وقف في سبيل الله ساعة]
قال العلماء: فيكون موقف ساعة في سبيل الله خير من قيام مئة ألف ألف شهر، لأنّ قيام ليلة القدر ب (مكّة) بمئة ألف ألف شهر في غيرها.
_________________
(١) أخرجه البيهقيّ في «الشّعب»، برقم (٤٢٢١) . المتشحّط في دمه: المضرّج بالدّم، المضطرب فيه.
(٢) أخرجه أبو داود، برقم (٢٤٩٣) . المائد: الّذي يصيبه دوار البحر.
(٣) أورده الهيثميّ في «مجمع الزّوائد»، ج ٥/ ٢٧٠. عن أبي أمامة ﵁.
(٤) أخرجه البيهقيّ في «الشّعب»، برقم (٤٢٨٦) . وابن حبّان برقم (٤٦٠٣) .
[ ٢٥٠ ]
وعن أبي الدّرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:
«رباط شهر خير من صيام دهر، ومن مات مرابطا في سبيل الله أمن من الفزع الأكبر، وغدي عليه برزقه، وريح من الجنّة، وأجري عليه أجر المرابط، حتّى يبعثه الله ﷿» . رواه الطّبرانيّ برواة ثقات «١» .
وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من رابط ليلة حارسا من وراء المسلمين، كان له أجر من كان خلفه ممّن صام وصلّى» . رواه الطّبرانيّ بإسناد جيّد «٢» .
فائدة [: في جزاء المرابطين في سبيل الله]
قال العلماء: وهذا الحديث دليل على أنّ الله يكتب للوالي مثل أعمال من عبد الله آمنا في محلّ ولايته بحمايته له، وما أجزل هذا الفضل/ العظيم.
وعن ابن عبّاس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ:
«عينان لا تمسّهما النّار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله» . رواه التّرمذيّ، وقال: حديث حسن «٣» .
وعن أبي بكر الصّديق ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:
«ما ترك قوم الجهاد إلّا عمّهم الله بالعذاب» . رواه الطّبرانيّ بإسناد حسن «٤» .
_________________
(١) أورده الهيثميّ في «مجمع الزّوائد»، ج ٥/ ٢٩٠.
(٢) أورده الهيثميّ في «مجمع الزّوائد»، ج ٥/ ٢٨٩.
(٣) أخرجه التّرمذيّ، برقم (١٦٣٩) .
(٤) أورده الهيثميّ، ج ٥/ ٢٨٤.
[ ٢٥١ ]
وعن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من لم يغز في سبيل الله، أو يجهّز غازيا في سبيل الله، أو يخلف غازيا في سبيل الله في أهله بخير، أصابه الله تعالى بقارعة، قبل يوم القيامة» . رواه أبو داود بإسناد حسن «١» .
وعن أنس ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم» . رواه أبو داود بإسناد صحيح «٢» .
وعن عبد الله بن أبي أوفى ﵄ أنّ رسول الله ﷺ في بعض أيّامه الّتي لقي العدوّ فيها، انتظر حتّى مالت الشّمس، ثمّ قام في النّاس خطيبا، فقال: «أيّها النّاس: لا تتمنّوا لقاء العدوّ، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أنّ الجنّة تحت ظلال السّيوف»، ثمّ قال: «اللهمّ منزل الكتاب، ومجري السّحاب، وهازم الأحزاب؛ اهزمهم، وانصرنا عليهم» . متّفق عليه «٣» .
فهذه أربعون حديثا، عشرون منها في «الصّحيحين» . عشرة من المتّفق عليه، وخمسة من أفراد البخاريّ، وخمسة من أفراد مسلم. وعشرون حديثا من غيرهما من كتب الحديث المعتمدة، صحيحا وحسنا.
_________________
(١) أخرجه أبو داود،. برقم (٢٥٠٣) . القارعة: المصيبة المهلكة.
(٢) أخرجه أبو داود، برقم (٢٥٠٤) .
(٣) أخرجه البخاريّ، برقم (٢٨٠٤) . ومسلم برقم (١٧٤٢/ ٢٠) .
[ ٢٥٢ ]
باب في ما اشتهر من سيرته ﷺ إلى وفاته
ولنشرع الآن في سيرته ﷺ، وأصحابه المجاهدين في سبيل الله حقّ جهاده، على ترتيب سنيّ الهجرة.
[زمن وصول النّبيّ ﷺ إلى المدينة]
قال علماء السّير: دخل النّبيّ ﷺ (المدينة) الشّريفة ضحى يوم الاثنين، ثاني عشر ربيع الأوّل، وهو أوّل/ يوم من الهجرة النّبويّة «١» .
[اعتماد الهجرة بداية التّاريخ]
وفي «صحيح البخاريّ»، عن سهل بن سعد السّاعديّ ﵁ قال: ما عدّوا من مبعث النّبيّ ﷺ ولا من وفاته، ما عدّوا إلّا من مقدمه (المدينة) «٢» .
[عمر النّبيّ ﷺ حين قدم المدينة، ومدّة إقامته بمكّة والمدينة]
وفيه أيضا-[أي: صحيح البخاريّ]- عن ابن عبّاس ﵄ قال: أنزل على رسول الله ﷺ وهو ابن أربعين سنة، فمكث ب (مكّة) ثلاث عشرة سنة يوحى إليه، ثمّ أمر بالهجرة، فهاجر إلى (المدينة)، فمكث بها عشر سنين، ثمّ توفّي ﷺ وهو ابن ثلاث وستين سنة «٣» .
_________________
(١) ذكر هنا عن ابن هشام: (أنّ النّبيّ ﷺ قدم (المدينة) يوم الاثنين، فلعلّه يقصد بها مشارف (المدينة) . قلت: والّذي ترجّح أنّ النّبيّ ﷺ دخل إلى (قباء) يوم الاثنين، ووصل إلى (المدينة) يوم الجمعة، وقد ذكر ابن هشام في موضع آخر من «سيرته»، ج ١/ ٤٩٣: أنّ النّبيّ ﷺ وصل إلى (قباء) يوم الاثنين، لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأوّل.
(٢) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٧١٩) .
(٣) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٦٣٨) .
[ ٢٥٣ ]
[سكنى النّبيّ ﷺ في دار أبي أيّوب الأنصاريّ ﵁]
وفي «الصّحيحين»، عن عائشة ﵂ أنّه لمّا قدم (المدينة) ﷺ أقام ب (قباء) عند بني عمرو بن عوف أربع عشرة ليلة، وبنى بها مسجد (قباء)، وهو المسجد الّذي أسّس على التّقوى من أوّل يوم، وأوّل مسجد بني في الإسلام، ثمّ ارتحل من (قباء) يوم الاثنين أيضا، راكبا راحلته، وقد أرخى لها الزّمام، وكان كلّما حاذى دارا من دور الأنصار اعترضوه، وقالوا: هلمّ يا رسول الله إلى القوّة والمنعة، ولزموا بزمام ناقته، فيقول لهم:
«خلّوا سبيلها، فإنّها مأمورة»، وقد أرخى لها زمامها، وما يحرّكها، وهي تنظر يمينا وشمالا، والناس كنفيها- يعني:
جانبيها- حتّى بركت حيث بركت، على موضع باب مسجده ﷺ، ثمّ ثارت وهو عليها «١»، فسارت حتّى بركت على باب أبي أيّوب الأنصاريّ ﵁، وهو أحد بني النّجّار، ثمّ ثارت وبركت في مبركها الأوّل، وألقت جرانها «٢» بالأرض، وأرزمت «٣»، فنزل ﷺ عنها، وقال: «هذا هو المنزل إن شاء الله تعالى» «٤» .
فاحتمل أبو أيّوب الأنصاريّ رحله، وأدخله بيته، فنزل في أخوال جدّه عبد المطّلب بني النّجّار، وكان يحبّ ذلك، فاختار الله له ما كان يختاره، ولم يزل ﷺ في منزل أبي أيّوب حتّى بنى مسجده ومساكنه، وكانت إقامته عنده شهرا.
قلت: كذا/ في «الصّحيحين» .
_________________
(١) ثارت: وثبت من مبركها وتحوّلت عنه. (أنصاريّ) .
(٢) الجران: باطن العنق.
(٣) أرزمت: صوّتت.
(٤) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٦٩٤) .
[ ٢٥٤ ]
[تأسيس مسجد قباء]
وبنى بها مسجد (قباء)، وهو المسجد الّذي أسّس على التّقوى، ولا يخفى أنّه من تفسير عائشة ﵂ لقوله تعالى: لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى [سورة التّوبة ٩: ١٠٨] وهو نكرة، صادق على كلّ مسجد بني في ابتداء الهجرة، لكن يعارض تفسير عائشة تفسيره ﷺ كما في «صحيح مسلم والتّرمذيّ»، أنّ رجلين اختلفا في المسجد الّذي أسّس على التّقوى، فسألا النّبيّ ﷺ فقال:
«هو مسجدي هذا» «١» . وهو الصّواب، والله أعلم.
[أوّل مولود ولد بعد قدوم النّبيّ ﷺ المدينة]
وفي «صحيح البخاريّ» عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: ولدت عبد الله بن الزّبير ب (قباء)، وكان أوّل مولود ولد في الإسلام بعد الهجرة «٢» .
[أوّل من مات بالمدينة]
وفيه-[أي: صحيح البخاريّ]- عن أمّ العلاء: إنّ أوّل من مات ب (المدينة): عثمان بن مظعون، وهو خال حفصة وعبد الله بن عمر ﵄ «٣» .
[بناء المسجد النّبويّ]
ولمّا بنى مسجده ﷺ كان ينقل اللّبن «٤» مع أصحابه ويرتجز معهم.
_________________
(١) أخرجه مسلم، برقم (١٣٩٨/ ٥١٤) . والتّرمذيّ برقم (٣٢٣) . عن أبي سعيد الخدريّ ﵁.
(٢) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٦٩٧) .
(٣) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٧١٤) . قلت: مات عثمان بن مظعون- بعد أن شهد بدرا- في شعبان على رأس ثلاثين شهرا من الهجرة، أي: بعد سنتين من هجرة النّبيّ ﷺ، وبذلك لا يكون أوّل من مات بالمدينة. أمّا أوّل من مات بالمدينة: فكلثوم بن الهدم وأسعد بن زرارة ﵄.
(٤) اللّبن: بكسر الباء وتسكينها، وكذلك اللّبن: بفتح اللام وكسر الباء: ما يضرب من الطّين مربّعا للبناء.
[ ٢٥٥ ]
وفي «الصّحيحين»، عن أنس ﵁ قال: لمّا قدم النّبيّ ﷺ (المدينة)، نزل في أعلى (المدينة)، في حيّ يقال لهم:
بنو عمرو بن عوف، فأقام النّبيّ ﷺ فيهم أربع عشرة ليلة، ثمّ أرسل إلى ملإ من بني النّجّار- لمّا أمر ببناء المسجد- فقال: «يا بني النّجّار، ثامنوني بحائطكم هذا» «١»، فقالوا: لا، والله لا نطلب ثمنه إلّا إلى الله، فأبى أن يقبله منهما هبة حتّى ابتاعه منهما، ثمّ بناه مسجدا، وكان فيه قبور المشركين، وفيه خرب، وفيه نخل، فأمر النّبيّ بقبور المشركين فنبشت، ثمّ بالخرب فسوّيت، وبالنّخل فقطع، فصفّوا النّخل قبلة المسجد، وجعلوا عضادتيه الحجارة، وجعلوا ينقلون الصّخروهم يرتجزون، والنّبيّ ﷺ معهم، وهو يقول:
«اللهمّ لا خير إلّا خير الآخره فاغفر للأنصار والمهاجره» «٢»
وفي رواية: «فانصر الأنصار والمهاجره» «٣» .
قال ابن شهاب: ولم يبلغنا أنّ رسول الله ﷺ/ تمثّل ببيت شعر تامّ غير هذه الأبيات «٤» .
[تجديد بناء المسجد]
وفيهما-[أي: الصّحيحين]- عن نافع عن ابن عمر ﵄: أنّ المسجد كان على عهد رسول الله ﷺ مبنيّا باللّبن، وسقفه الجريد، وعمده الخشب، فلم يزد أبو بكر فيه شيئا،
_________________
(١) ثامنوني بحائطكم: قرّروا معي ثمنه وبيعونيه بالثّمن. والحائط: البستان.
(٢) أخرجه البخاريّ، برقم (٤١٨)، ومسلم برقم (٥٢٤/ ٩) .
(٣) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٧١٧) .
(٤) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٦٩٤) .
[ ٢٥٦ ]
وزاد عمر وبناه على بنيانه في عهد النّبيّ ﷺ باللّبن والجريد، وأعاد عمده خشبا، ثمّ غيّره عثمان، فزاد فيه زيادة كثيرة، وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والقصّة- أي: النّورة، وهي بقاف مفتوحة ومهملة- وجعل عمده من حجارة منقوشة، وسقفه بالسّاج «١» .
وفي «صحيح البخاريّ»، عن ابن عبّاس ﵄ أنّه قال: لتزخرفنّها كما زخرفت اليهود والنّصارى «٢» .
[إخباره ﷺ عمّارا بقتله على يد الفئة الباغية]
وفيه عن أبي سعيد الخدريّ ﵁ قال: كنّا في بناء المسجد نحمل لبنة لبنة، وعمّار لبنتين لبنتين، فرآه النّبيّ ﷺ فنفض التّراب عنه، وهو يقول: «ويح عمّار، تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنّة ويدعونه إلى النّار» «٣» .
[فضل المسجد النّبويّ]
وفي «الصّحيحين»، عن أبي هريرة ﵁ أنّ النّبيّ ﷺ قال: «لا تشدّ الرّحال إلّا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرّسول، والمسجد الأقصى» «٤» .
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٤٣٥) . القصّة: هي ما يسمّيه أهل الشّام: كلسا، وأهل مصر: جيرا، وأهل الحجاز: جصّا. السّاج: خشب جيد ذو قيمة، يؤتى به من الهند.
(٢) أخرجه البخاريّ، برقم (٤٣٤) . قلت: وكان أوّل من زخرف المساجد الوليد بن عبد الملك بن مروان، ومن يومها والنّاس شرعوا يغالون في بناء المساجد والمبالغة في زخرفتها، حتّى غدا بعضها كالمتاحف، يقصده النّاس للاستمتاع بزخرفته لا للصّلاة والعبادة، وكلّ هذا خارج عن سنّة النّبيّ ﷺ. ولو روعيت البساطة في بناء المساجد وعدم المغالاة في الزّخرفة لكان خيرا وأولى.
(٣) أخرجه البخاريّ، برقم (٤٣٦) .
(٤) أخرجه البخاريّ، برقم (١١٣٢)، ومسلم برقم (١٣٩٧/ ٥١١) .
[ ٢٥٧ ]
وفيهما-[أي: الصّحيحين]- أنّ النّبيّ ﷺ كان يزور مسجد (قباء) راكبا وماشيا «١» .
[مشروعيّة الأذان]
وفي السّنة الأولى أيضا: شرع الأذان والإقامة للصّلوات الخمس، وذلك برؤيا مشهورة ارتضاها النّبيّ ﷺ.
وفي «الصّحيحين»، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: كان المسلمون حين قدموا (المدينة) يجتمعون فيتحيّنون الصّلاة «٢»، ليس ينادى لها، فتكلّموا يوما في ذلك، فقال بعضهم: اتّخذوا ناقوسا مثل ناقوس النّصارى، وقال بعضهم: بل بوقا مثل بوق اليهود، فقال عمر: أولا تبعثون رجلا منكم ينادي بالصّلاة؟ فقال النّبيّ ﷺ: «يا بلال، قم/ فناد بالصّلاة» «٣» .
وأمره أن يشفع الأذان، وأن يوتر الإقامة «٤» .
وسبق في حديث الإسراء أنه ﷺ سمع الأذان، وأمر بالصّلوات الخمس، ولم يؤمر به.
والحديث رواه البزّار بإسناد حسن، عن عليّ بن أبي طالب ﵁، عن النّبيّ ﷺ: أنّه ركب البراق ليلة أسري به، حتّى
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (١١٣٤) . ومسلم برقم (١٣٩٩/ ٥١٥) . عن ابن عمر ﵄.
(٢) يتحيّنون الصّلاة: يقدّرون حينها ووقتها ليأتوا إليها فيه.
(٣) أخرجه البخاريّ، برقم (٥٧٩)، ومسلم برقم (٣٧٧/ ١) . قلت: والحكمة في تخصيص بلال بالأذان حسن صوته ونداوته وقوّته، وأيضا فقد كان ذلك مكافأة على ما لقي في الله، لقد كان إذا اشتدّ به التّعذيب لا يفتر عن قوله: (أحد أحد)، فجوزي بالأذان الّذي أوّله تعظيم وتوحيد، وآخره تعظيم وتوحيد.
(٤) أخرجه البيهقيّ في «سننه»، ج ١/ ٣٩٠.
[ ٢٥٨ ]
أتى بها الحجاب الّذي يلي عرش الرّحمن جلّ وعلا، فبينما هو كذلك إذ خرج ملك من الحجاب، فقال النّبيّ ﷺ: «من هذا يا جبريل؟»، قال: والّذي بعثك بالحقّ إنّي لأقرب الخلق مكانا، وإنّ هذا الملك ما رأيته قطّ منذ خلقت قبل ساعتي هذه، فقال الملك: الله أكبر، الله أكبر، قال: فقيل له من وراء الحجاب:
صدق عبدي، أنا أكبر، أنا أكبر، ثمّ قال الملك: أشهد أن لا إله إلّا الله، فقيل من وراء الحجاب: صدق عبدي، أنا لا إله إلّا أنا، وذكر مثل هذا في بقيّة الأذان إلى آخر الحديث «١» .
فائدة [: في قول القرطبيّ والغزاليّ في الأذان]
قال القرطبيّ: الأذان على قلّة ألفاظه مشتمل على مسائل العقيدة.
وقال الغزاليّ: إذا سمعت النّداء فأحضر في قلبك النّداء يوم القيامة، واعلم أنّك إن وجدت قلبك عند هذا النّداء مملوآ بالفرح والاستبشار، مشحونا بالرّغبة إلى المسارعة والابتدار، فاعلم أنّه سيأتيك النّداء بالبشرى، والفوز يوم القضاء «٢» .
_________________
(١) أورده الهيثميّ في «مجمع الزّوائد»، ج ١/ ٣٢٨. قلت: ذكر الحافظ ابن حجر في «الفتح»، ج ٢/ ٧٨: إلى أنّه اختلف في السّنة الّتي فرض فيها الأذان، وأنّه وردت أحاديث تدلّ على أنّ الأذان شرع بمكّة قبل الهجرة، وبيّن أنّه لا يخلو طريق من طرق هذه الأحاديث من مجهول أو متروك، ثمّ رجح أنّ ذلك كان في السّنة الأولى من الهجرة. والحديث الّذي أورده المؤلّف هنا تفرّد به زياد بن المنذر أبو الجارود، وهو من المتهمين بالكذب. ثمّ لو كان قد سمعه النّبيّ ﷺ ليلة الإسراء لأوشك أن يأمر به بعد الهجرة في الدّعوة إلى الصّلاة.
(٢) إحياء علوم الدّين، ج ١/ ١٥٢.
[ ٢٥٩ ]
[حمّى المدينة]
قال أهل السّير: وكانت (المدينة) كثيرة الوباء، فتضرّر بذلك أصحابه المهاجرون، وشقّ ذلك عليه ﷺ، وخاف أن يكرهوها، فدعا الله أن يرفع الوباء عنها، فرفعه.
وفي «الصّحيحين»، عن عائشة ﵂ قالت: قدمنا (المدينة) وهي أوبأ أرض الله، فوعك أبو بكر، ووعك بلال، فكان أبو بكر إذا أخذته الحمّى يقول، [من الرّجز]:
كلّ امرىء مصبح في أهله والموت أدنى من شراك نعله
وكان بلال إذا أقلع عنه الحمّى يرفع عقيرته- أي: صوته- يقول/، [من الطّويل] «١»:
ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة بواد وحولي إذخر وجليل «٢»
وهل أردن يوما مياه مجنّة وهل يبدون لي شامة وطفيل «٣»
وهما جبلان ب (مكّة) -[أي: شامة وطفيل] .
قالت: فأخبرت النّبيّ ﷺ فقال: «اللهمّ حبّب إلينا (المدينة)، كحبّنا (مكّة)، أو أشدّ، وصحّحها لنا، وانقل حمّاها فاجعلها ب (الجحفة)، وبارك لنا في صاعنا ومدّنا» «٤» .
_________________
(١) ابن هشام، ج ٢/ ٥٨٩.
(٢) الإذخر والجليل: تسقّف بهما البيوت فوق الخشب.
(٣) مجنّة: اسم سوق للعرب كان في الجاهليّة.
(٤) أخرجه البخاريّ، برقم (١٧٩٠) . ومسلم برقم (١٣٧٦/ ٤٨٠) .
[ ٢٦٠ ]
فبعد دعوته ﷺ طاب لهم المقام، وانصرفت عنهم الأسقام، عند قوم كرام.
وفي ذلك يقول أبو قيس صرمة بن أبي أنس، أحد بني النّجّار ﵁، [من الطّويل] «١»:
ثوى في قريش بضع عشرة حجّة يذكّر لو يلقى صديقا مواتيا «٢»
ويعرض في أهل المواسم نفسه فلم ير من يؤوي ولم ير داعيا
فلمّا أتانا أظهر الله دينه فأصبح مسرورا بطيبة راضيا
وألفى صديقا واطمأنّت به النّوى وكنّا له عونا من الله باديا
يقصّ لنا ما قال نوح لقومه وما قال موسى إذ أجاب المناديا
فأصبح لا يخشى من النّاس واحدا قريبا ولا يخشى من النّاس نائيا «٣»
بذلنا له الأموال من كلّ مالنا وأنفسنا عند الوغى والتّاسيا «٤»
_________________
(١) ابن هشام، ج ٢/ ٥١٢.
(٢) ثوى: أقام. مواتيا: موافقا.
(٣) نائيا: بعيدا.
(٤) الوغى: الحرب. التّاسي: التّعاون.
[ ٢٦١ ]
نعادي الّذي عادى من النّاس كلّهم جميعا وإن كان الحبيب المصافيا
[الإذن بالقتال وفرض الجهاد]
وفي أوّل السّنة الثّانية من الهجرة: أذن الله في الجهاد، بقوله تعالى في حقّ المهاجرين: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ. الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [سورة الحج ٢٢/ ٣٩- ٤٠] .
وبقوله تعالى في حقّ الأنصار: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ. تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، إلى آخر السّورة.
[سورة الصّف ٦١/ ١٠- ١١] .
ثمّ أوجب الله/ ذلك على نبيّه ﷺ بقوله: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ الآية «١» [سورة التّوبة ٩/ ٧٣] .
_________________
(١) قلت: قال أبو شهبة﵀- ومن الأكاذيب الّتي يردّدها أعداء الإسلام والمسلمين أنّ الإسلام قام على السّيف، وأنّه لم يدخل فيه معتنقوه بطريقة الطّواعية والاختيار، وإنّما دخلوا فيه بالقهر والإكراه، وقد اتّخذوا من تشريع الجهاد وسيلة لهذا التّجنّي الكاذب الآثم، وشتّان ما بين تشريع الجهاد وإكراه النّاس على الإسلام. وهذه الدّعوى الباطلة الظّالمة كثيرا ما يردّدها المبشّرون والمستشرقون، وإنّما الجهاد كان لحكم سامية وأغراض شريفة. (السّيرة النّبويّة، ج ٢/ ٩٠- ١٠٢) . وإني أنصح القارىء بالعودة إلى كتاب أبي شهبة حيث أفاض في الرّدّ على هذه الفرية الكبرى.
[ ٢٦٢ ]
فائدة [: في أي وقت يكون الجهاد فرض عين أو فرض كفاية]
قال العلماء: كان الجهاد في زمنه ﷺ فرضا على الكفاية، إلّا أنّ التّخلّف عنه مشروط بإذنه ﷺ، وقيل: فرض عين.
وأمّا بعده فغزونا الكفّار إلى بلادهم فرض كفاية، ودفعنا لمن دخل بلادنا منهم فرض عين، وقد أمر الله به وأوعد على تركه بقوله: انْفِرُوا خِفافًا وَثِقالًا الآية [سورة التّوبة ٩/ ٤١]، وبقوله:
إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذابًا أَلِيمًا الآية [سورة التّوبة ٩/ ٣٩] .
وعذر أولي الضّرر بقوله: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ الآية [سورة النّور ٢٤/ ٦١]، وبقوله: لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ الآية [سورة النّساء ٤/ ٩٥] .
فائدة اخرى [: في المكّيّ والمدنيّ من سور القرآن العظيم]
قال العلماء: سورة الحج وسورة الصّف من أوائل السّور المدنيّات، ومعظم القرآن مكيّ، نزل قبل الهجرة، والمدنيّ الّذي نزل بعدها، وهو نحو ثلاثين سورة؛ وهي: البقرة، وآل عمران، والنّساء، والمائدة، والأنفال، وبراءة، والحجّ، والنّور، والأحزاب، وسورة محمّد، والفتح، والحجرات، والحديد إلى الملك، وهي عشر متواليات، والمطفّفين- قيل: وهي أوّل سورة مدنيّة- ولم يكن، والنّصر، والمعوذتان.
فهذه سبع وعشرون. واختلف العلماء في الرّعد، وهل أتى على الإنسان، والكوثر. والرّاجح أنّها مكيّة. والله أعلم.
[الإخاء بين المهاجرين والأنصار]
قال علماء السّير: فعند ذلك جمع النّبيّ ﷺ الأنصار وأسقط
[ ٢٦٣ ]
الإحن «١» الّتي كانت بينهم، ثمّ آخى بين المهاجرين والأنصار «٢»، ثمّ وادع اليهود «٣» .
[تجهيزه ﷺ السّرايا والبعوث]
ثمّ شمّر عن ساق الجدّ والاجتهاد، وجاهد في الله حقّ الجهاد، فعقد الألوية، وأمّر الأمراء، وجهّز السّرايا والبعوث والجيوش، وشنّ الغارات على أعداء الدّين، بما سيأتي ذكر بعضه والإشارة إلى غيره مع التّرغيب في الجهاد والحثّ عليه بقوله وفعله، وقد سبق في صدر هذا القسم ما فيه كفاية من الآيات والأحاديث المرغّبة فيه «٤» .
[عدد غزواته ﷺ]
وفي/ «صحيح البخاريّ»، عن البراء بن عازب ﵄ قال: غزا رسول الله ﷺ تسع عشرة غزوة، غزوت معه سبع عشرة غزوة «٥» .
[صرف القبلة]
وفي رجب من السّنة الثانية: حوّلت القبلة على رأس ستّة عشر شهرا من الهجرة.
_________________
(١) الإحن: الأحقاد والبغضاء.
(٢) قلت: كانت المؤاخاة بعد قدوم النّبيّ ﷺ المدينة بخمسة أشهر من السّنة الأولى للهجرة.
(٣) قلت: أيضا كانت الموادعة في السّنة الأولى من الهجرة.
(٤) قال ابن هشام: ثمّ إنّ رسول الله ﷺ تهيّأ لحربه وقام فيما أمره الله به من جهاد عدوّه، وقتال من أمره الله به، ممّن يليه من المشركين؛ مشركي العرب.
(٥) أخرجه البخاريّ، برقم (٤٢٠١) . قلت: إنّما أخرجه البخاريّ عن زيد بن أرقم وليس عن البراء بن عازب ﵄. والثّابت: أنّ البراء بن عازب ﵄ قال: غزوت مع النّبيّ ﷺ خمس عشرة غزوة. أخرجه البخاريّ، برقم (٤٢٠٢) .
[ ٢٦٤ ]
وكان ﷺ من قبل يصلّي إلى (بيت المقدس)، ويقول: «وددت لو حوّلني ربّي إلى (الكعبة)، فإنّها قبلة أبي إبراهيم ﵇» .
وكان يتوقّع نزول الوحي عليه في ذلك، فيقلّب وجهه في السّماء، فاختار الله له ما يختاره، فنزل قوله تعالى: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ- أي: جهته وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ الآيات [سورة البقرة ٢/ ١٤٤] .
وفي «الصّحيحين» عن البراء بن عازب ﵄ قال:
كان رسول الله ﷺ صلّى نحو (بيت المقدس) ستّة عشر شهرا، وكان يحبّ أن يوجّه إلى (الكعبة)، فأنزل الله ﷿: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ، فتوجّه نحو (الكعبة)، فقال السّفهاء من النّاس- وهم اليهود-: ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها، فقال الله تعالى: قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [سورة البقرة ٢/ ١٤٢]، فصلّى مع النّبيّ ﷺ رجل ثمّ خرج بعدما صلّى، فمرّ على قوم من الأنصار في صلاة العصر يصلّون نحو (بيت المقدس)، فقال: هو يشهد أنّه صلّى مع رسول الله ﷺ وأنّه توجّه نحو (الكعبة)، فتوجّه القوم نحو (الكعبة) «١» .
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٩٠) . ومسلم برقم (٥٢٥/ ١١) . قلت: قال أبو شهبة﵀- (أمّا قبلته بمكّة، فقيل: كان النّبيّ ﷺ يستقبل بيت المقدس، ولكنّه لا يستدبر الكعبة، بل يجعلها بينه وبين بيت المقدس، وذلك بأن يقف بين الرّكنين الأسود واليماني، فلمّا هاجر ﷺ استمرّ على استقبال بيت المقدس حتّى نسخ الله ذلك بالتّوجّه إلى الكعبة. وقيل: كانت قبلته الكعبة، فلمّا هاجر أمره الله باستقبال بيت
[ ٢٦٥ ]
فائدة [: في أنّ القبلة أوّل منسوخ في الإسلام]
قال العلماء: كانت القبلة أوّل منسوخ في شريعتنا «١» .
[النّاسخ والمنسوخ]
ومعنى النّسخ عند الأصوليين: رفع الحكم الشّرعي السّابق بخطاب لاحق.
ويجوز النّسخ إلى بدل؛ كنسخ استقبال (بيت المقدس) إلى استقبال (الكعبة) .
وإلى غير بدل؛ كنسخ وجوب تقديم صدقة بين يدي النّجوى في قوله تعالى: إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً بقوله: أَأَشْفَقْتُمْ/ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ الآية [سورة المجادلة ٥٨/ ١٢- ١٣] .
وإلى بدل أخفّ؛ كنسخ العدّة عاما في قوله تعالى:
وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ بقوله: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا [سورة البقرة ٢/ ٢٤٠، ٢٣٤] .
وإلى أغلظ كنسخ التّخيير بين رمضان والفدية في قوله:
وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ بتعيّن الصّيام في قوله:
فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [سورة البقرة ٢/ ١٨٤- ١٨٥] .
_________________
(١) المقدس حتّى نسخ ذلك) . قال ابن عبد البر- عالم المغرب-: (وهذا أصحّ القولين عندي) . ويؤيّده حديث إمامة جبريل للنّبيّ غداة ليلة الإسراء والمعراج، فقد كان وقوفهما عند باب الكعبة، وغير ممكن لمن كان عند بابها أن يستقبل الكعبة وبيت المقدس معا. (انظر السّيرة النبويّة، ج ٢/ ١٠٣) .
(٢) أخرج ذلك البيهقيّ في «سننه»، ج ٢/ ١٢. عن ابن عبّاس ﵄.
[ ٢٦٦ ]
وأنكرت اليهود جواز نسخ حكم الله السّابق بحكم لاحق، ليتوصّلوا بذلك إلى تأييد شرع موسى.
واحتجّ عليهم بعض العلماء: بأنّ آدم ﵇ إن كان زوّج بنيه ببناته، فقد اعترفتم إمّا بالنّسخ وإمّا بجواز ذلك في شريعة موسى ﵇، وإن كان زوّج بنيه ببنات إبليس وبناته بأبناء إبليس؛ فأنتم من ذرية إبليس. عليه وعليهم لعنة الله والملائكة والنّاس أجمعين.
[ما فعله اليهود عند صرف القبلة]
قال العلماء: ولمّا نسخ التّوجّه إلى (بيت المقدس) بالتّوجّه إلى (الكعبة) أكثر اليهود في ذلك: سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ- أي:
اليهود- ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا- أي:
خيارا- لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ- أي: يوم القيامة بتبليغ الرّسل- وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا- أي: مزكّيا- وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ- أي: لننظر- مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ- أي: قصّة التّحويل- لَكَبِيرَةً- أي: ثقيلة- إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ- أي: صلاتكم إلى (بيت المقدس) - إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ [سورة البقرة ٢/ ١٤٢- ١٤٣] .
[فرض الصّيام]
وفي شعبان من هذه السّنة-[أي: السّنة الثّانية]-: فرض صوم رمضان، ونسخ صوم عاشوراء/، فنزل قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ الآيات [سورة البقرة ٢/ ١٨٣] .
وفي «الصّحيحين» عن ابن عمر ﵄ قال: صام النّبيّ ﷺ عاشوراء، وأمر بصيامه، فلمّا فرض رمضان ترك «١» .
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (١٧٩٣) .
[ ٢٦٧ ]
[فرض صدقة الفطر]
وفيها-[أي: السّنة الثانية]- في رمضان: فرضت صدقة الفطر.
ففي «الصّحيحين»، عن ابن عمر ﵄ قال:
فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعا من تمر، أو صاعا من شعير، على كلّ حرّ أو عبد، ذكر أو أنثى من المسلمين «١» .
[غزوة بدر الكبرى]
وفيها-[أي: السّنة الثانية]- في رمضان: غزا رسول الله ﷺ غزوة (بدر) الكبرى، وكانت الوقعة يوم الجمعة، السّابع عشر من رمضان المعظّم، وهو يوم الفرقان، يوم التقى الجمعان، وأشار إليها في القرآن قبل وقوعها بقوله: فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا [سورة الفرقان ٢٥/ ٧٧]، وبقوله: يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ [سورة الدّخان ٤٤/ ١٦] .
وفضلها أشهر من أن يذكر.
[عدّة من خرج من المسلمين إلى بدر]
وفي «صحيح البخاريّ»، عن البراء بن عازب ﵄: إنّ عدّة أصحاب (بدر) على عدّة أصحاب طالوت الّذين جاوزوا معه النّهر، ولم يجاوز معه إلّا مؤمن.
وهم ثلاث مئة وثلاثة عشر، معهم فارس واحد، وهو المقداد بن الأسود ﵃ أجمعين «٢» .
وعدّة المشركين نحو الألف، منهم ثمانون فارسا.
واستشهد من المسلمين أربعة عشر، وقتل من المشركين سبعون، وأسر سبعون.
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (١٤٣٣) . ومسلم برقم (٩٨٤/ ١٢) .
(٢) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٧٤١) .
[ ٢٦٨ ]
[إمداد الله المسلمين بالملائكة وفضلهم]
وشهدها جبريل الأمين في ألف من الملائكة مردفين، وصار لهم فضل عند أهل السّماء كفضل أهل (بدر) عند أهل الأرض.
وفي «صحيح البخاريّ»، أنّ جبريل ﵇ قال للنّبيّ ﷺ: ما تعدّون أهل (بدر) فيكم؟ قال: «من أفضل المسلمين»، قال: وكذلك من شهد (بدرا) من الملائكة «١» . والله أعلم.
فائدة [: في المزايا الّتي منحها الله لأهل بدر]
وفي «الصّحيحين» أيضا، أنّ النّبيّ ﷺ قال: «لعلّ الله اطّلع على أهل (بدر) فقال: / اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» «٢» .
أي: علم الله أنّهم من أهل الجنّة، لما سبق أنّه لم يشهدها إلّا مؤمن، كما أنّه لم يجاوز النّهر مع طالوت إلّا مؤمن، ومن سبقت له العناية لم تضرّه الجناية، ولم يمت أحد منهم بحمد الله إلّا على أعمال أهل الجنّة، ولا ينافي ذلك معاقبتهم على هفواتهم بعد ذلك؛ كحاطب وسعد وأبي لبابة ومسطح ومرارة وهلال «٣» .
والمراد أنّ الله علم أنّ ذنوبهم مغفورة بما ينالهم من البلاء والأذى في الدّنيا، وإذا كان كذلك فلم يغفر حينئذ على القطع لأحد ما تأخّر من ذنبه، إلّا لمحمّد ﷺ.
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٧٧١) . عن رفاعة بن رافع ﵁.
(٢) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٧٦٢) . عن عليّ بن أبي طالب ﵁.
(٣) وهم: حاطب بن أبي بلتعة، وسعد بن خولة، وأبي لبابة بشير ابن عبد الله، ومسطح واسمه عوف بن أثاثة، ومرارة بن الرّبيع، وهلال بن أميّة.
[ ٢٦٩ ]
وما ورد في بعض الأخبار- كما ورد في حديث الشّفاعة- من قوله: «غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر»، محمول على غفران أوّل ذنبه وآخره، لقوله: «ما قدّمت وما أخّرت، وأوّله وآخره» .
والله أعلم.
[سبب غزوة بدر]
قال اهل السّير: وسببها أنّ النّبيّ ﷺ سمع بأبي سفيان بن حرب في عير لقريش أقبلت من (الشّام)، فجعل العيون عليها «١»، فلمّا جاءه عينه خرج بمن خفّ معه من المسلمين، ولم يكن يظنّ أنّه يلقى عدوّا، وكان أبو سفيان يتحسّس الأخبار خوفا من النّبيّ ﷺ، فجاءه الخبر بمخرجه، فبعث إلى قريش يستنفرهم، فأوعبت «٢» قريش في الخروج، وخرجت سائر بطونها.
[استشارة النّبيّ ﷺ أصحابه بعد نجاة العير]
فلمّا كان النّبيّ ﷺ ببعض الطّريق، بلغه نفر قريش، فاستشار أصحابه في طلب العير أو قتال النّفير، وقال: «إنّ الله وعدني إحدى الطّائفتين» «٣» .
وكانت العير أحبّ إليهم، كما قال الله تعالى: وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ- أي:
السّلاح، وهي العير- تَكُونُ لَكُمْ [سورة الأنفال ٨/ ٧] .
فتكلّم أبو بكر فأعرض عنه، فتكلّم عمر فأعرض عنه، وهو في كلّ ذلك يقول: «أشيروا عليّ»، فعلموا أنّه إنّما يريد/ الأنصار لأنّه لم يكن بايعهم على القتال، إنّما بايعهم على أن يمنعوه ممّا
_________________
(١) قلت: بعث رسول الله بسبس بن الجهنيّ وعديّ بن أبي الزّغباء الجهنيّ يتحسّسان له الأخبار.
(٢) أوعبت: خرجت كلّها إلى الغزو.
(٣) أخرجه البيهقيّ في «الدّلائل»، ج ٣/ ٣٣.
[ ٢٧٠ ]
يمنعون منه أنفسهم، ممّن دهمه «١» إلى (المدينة)، ولكن كان الإيمان قد تمكّن في قلوبهم، واعتقدوا وجوب طاعته ونصرته ﷺ، حتّى لو أمرهم بقتل آبائهم وأبنائهم لا متثلوا أمره.
فقام سعد بن عبادة ﵁ فقال: إيّانا تريد يا رسول الله؟ قال: «نعم»، قال: والّذي بعثك بالحقّ، لو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى (برك الغماد) «٢» - أي: بالمعجمة- لفعلنا، ولو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها.
فسرّ بذلك رسول الله ﷺ فقال: «سيروا على بركة الله، والله لكأنّي أنظر إلى مصارع القوم» «٣» .
[مبادرة النّبيّ ﷺ قريشا إلى الماء وبناء العريش له]
فساروا حتّى نزل النّبيّ ﷺ على أدنى ماء من مياه (بدر) إلى عسكره، فأشير عليه أن ينزل على أدنى ماء إلى العدوّ، ويترك المياه كلّها خلفه، ففعل. وبني له عريش يستظلّ فيه.
[دعاء النّبيّ ﷺ على قريش]
ولمّا أقبلت قريش قال النّبيّ ﷺ: «اللهمّ هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها، تحادّك وتكذّب رسولك، اللهمّ أحنهم- أي:
أحضر حينهم وهو هلاكهم- الغداة، اللهمّ إن تهلك هذه العصابة- يعني: المسلمين- لا تعبد في الأرض» «٤» .
وما زال يهتف بربّه- أي: يدعوه- حتّى سقط رداؤه، فأخذ
_________________
(١) دهمه: فجأه.
(٢) برك الغماد: تقع في جنوب القنفذة ب (١١١) كيلو مترا. والقنفذة: بلدة وميناء على ساحل البحر الأحمر جنوب جدّة. وبرك الغماد قرية من قرى القنفذة.
(٣) أخرجه البيهقيّ في «سننه»، ج ٣/ ١٠٦.
(٤) أخرجه البيهقيّ في «الدّلائل»، ج ٣/ ١١٠.
[ ٢٧١ ]
أبو بكر بيده وقال: حسبك يا رسول الله، فقد ألححت على ربّك- أي: بالغت في سؤاله- فخرج ﷺ وعليه الدّرع وهو يقول:
سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ. بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ [سورة القمر ٥٤/ ٤٥- ٤٦] .
قلت: ينبغي نصب السّاعة الأولى في الحديث على الظّرفيّة لكنّا رويناه بالرّفع كلفظ التّلاوة.
[تسوية النّبيّ ﷺ الصّفوف]
ثمّ أخذ ﷺ يعدّل صفوفهم، وأمرهم أن لا يحملوا حتّى يأمرهم.
[مناشدة النّبيّ ﷺ ربّه النّصر]
ثمّ رجع إلى العريش ومعه أبو بكر ﵁، فخفق «١» / خفقة، ثمّ انتبه، فقال: «أبشر يا أبا بكر، أتاك نصر الله، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه» .
ثمّ خرج إلى صفّ أصحابه، فلمّا تزاحف النّاس أخذ حفنة من الحصباء ورمى بها في وجوه المشركين، وقال لأصحابه: «شدّوا باسم الله»، فكانت الهزيمة فيهم بإذن الله تعالى، ونصر الله عبده، وأعزّ جنده، وأنزل الله تعالى في قسمة غنائم (بدر) سورة الأنفال، وفيها أيضا ليعلموا أنّه النّاصر لهم: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [سورة الأنفال ٨/ ١٧] .
[طرح بعض المشركين في القليب، ومخاطبة النّبيّ ﷺ لهم]
وفي «الصّحيحين»، أنّه ﷺ أمر بقتلى المشركين فألقوا في قليب، ثمّ قام على القليب، فجعل يناديهم بأسمائهم: «هل وجدتم ما وعدكم ربّكم حقّا»، ثمّ قال: «والّذي نفسي بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم» «٢» .
_________________
(١) خفق: نام نومة خفيفة.
(٢) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٧٥٧) . ومسلم برقم (٢٨٧٣) . عن أنس بن مالك ﵁.
[ ٢٧٢ ]
[عودة النّبيّ ﷺ إلى المدينة وتهنئته بالنّصر]
ثمّ قفل ﷺ راجعا إلى (المدينة)، ولقيه المسلمون إلى (الرّوحاء) «١» يهنّئونه بالنّصر والظّفر: فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [سورة الأنعام ٦/ ٤٥] .
فائدة [: في سبب إلحاح النّبيّ ﷺ على ربّه بالنّصر في بدر]
قوله: فأخذ أبو بكر بيده، فقال: حسبك يا رسول الله، فقد ألححت على ربّك.
قال العلماء: لا يجوز أن يتوهّم أحد أنّ أبا بكر ﵁ كان أوثق بربّه من النّبي ﷺ في تلك الحالة وغيرها، بل الحامل له على ذلك تقوية قلوب أصحابه، لأنّهم كانوا يعلمون أنّه شفيع مشفّع، مستجاب الدّعوة، وكان ذلك اليوم أوّل مشهد شهدوه، فبالغ في الدّعاء لتسكن نفوسهم، فلمّا قال أبو بكر ما قال، علم أنّه قد اعتقد إجابة الدّعاء، ووقوع النّصر، فخرج النّبيّ ﷺ. والله أعلم.
[بناؤه ﷺ بعائشة ﵂]
وفيها-[أي: السّنة الثّانية]- في شوّال: بعد (بدر) دخل النّبيّ ﷺ بعائشة بنت أبي بكر ﵄، وهي بنت تسع سنين «٢»
_________________
(١) الرّوحاء: وهي من الفرع، على نحو أربعين ميلا من المدينة، وهو الموضع الّذي نزل به تبّع حين رجع من قتال أهل المدينة يريد مكّة، فأقام بها وأراح، فسمّاها (الرّوحاء) ..
(٢) قلت: الرّاجح أنّه ﷺ دخل بعائشة ﵂ في شوّال من السّنة الأولى للهجرة. وعليه أجمع المحدّثون وعلماء السّير. وما ذكره المؤلّف﵀- إنّما روي عن جابر بن عبد الله في «تاريخ دمشق»، ق ١/ ١٦٤. وفيه ضعف. ولا يقال إنّها صغيرة لا تحتمل الزّفاف؛ بل إنّ كثيرا من بنات العرب تكون مؤهّلة لذلك وهي في هذا السّنّ، ثمّ إنّ زواجه ﷺ منها ليس لمجرّد الرّغبة الجنسيّة وإنّما لتكون
[ ٢٧٣ ]
[قتل كعب بن الأشرف وأبي رافع]
وفيها-[أي: السّنة الثّانية]- بعد (بدر): كان قتل كعب بن الأشرف وأبي رافع.
[سبب قتل كعب بن الأشرف]
أمّا «١» كعب بن الأشرف فإنّ النّبيّ ﷺ لمّا انتصر ب (بدر) اشتدّ حزن عدوّ الله/ كعب بن الأشرف الطّائيّ اليهوديّ، وأمّه من بني النّضير، فرثى قتلى المشركين بقصائد، وقدم (مكّة) وحرّض قريشا على الأخذ بالثّأر، ثمّ رجع إلى (يثرب)، وكان له حصن منيع، فأظهر العداوة والبغضاء للنّبيّ ﷺ وأصحابه، وجعل يشبّب في شعره بنساء المسلمين ويؤذيهم «٢»، فقال النّبيّ ﷺ: «من لكعب بن الأشرف؟ فإنّه قد آذى الله ورسوله»، فانتدب له خمسة من الأنصار ثمّ من الأوس، فقتلوه.
[سبب قتل سلّام بن أبي الحقيق]
وانتدب «٣» أيضا لقتل أبي رافع بن أبي الحقيق تاجر أهل (الحجاز) - وكان له حصن ب (خيبر)، وكان يؤذي رسول الله ﷺ، ويعين عليه- سبعة من الخزرج، فقتلوه.
_________________
(١) - ﵂- مبلّغة عنه في كثير من الأحوال والأفعال والأقوال. وهذا ما حصل فعلا.
(٢) قلت: قال ابن سعد في «الطّبقات»، ج ٢/ ٣١: ثمّ سرية قتل كعب بن الأشرف اليهوديّ، وذلك لأربع عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأوّل، على رأس خمسة وعشرين شهرا من مهاجر رسول الله ﷺ. والله أعلم.
(٣) يشبّب: يتغزّل بهن ويذكر حسنهنّ.
(٤) قلت: أورد المؤلّف﵀- خبر قتل سلام في أحداث السّنة الثّانية. وقد اختلف المؤرخّون في تحديد سنة قتله، فمنهم من قال: في شهر رمضان سنة ستّ للهجرة، ومنهم من قال: في ذي الحجّة سنة أربع. قال الطّبريّ: إنّه قتل سنة ثلاث للهجرة في النّصف من جمادى الأولى منها. وهو المرجّح. والله أعلم.
[ ٢٧٤ ]
[تحريض النّبيّ ﷺ على قتل كعب بن الأشرف]
وفي «الصّحيحين»، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «من لكعب بن الأشرف؟ فإنّه قد آذى الله ورسوله» . فقال محمّد بن مسلمة: أتحبّ أن أقتله يا رسول الله؟ قال: «نعم»، قال: ائذن لي فلأقل، قال: «قل»، قال فأتاه فقال له: إنّ هذا الرّجل قد أراد الصّدقة منّا، وقد عنّانا- أي:
أتعبنا- فقال كعب: وأيضا والله لتملّنّه، قال: إنّا قد اتّبعناه، ونكره أن ندعه حتّى ننظر إلى أيّ شيء يصير أمره، وقد أردت أن تسلفني سلفا، قال: فما ترهنني؟ قال: ما تريد؟ قال: ترهنني نساءكم؟ قال: أنت أجمل العرب، أنرهنك نساءنا؟ قال له:
ترهنوني أولادكم؟ قال: يسبّ ابن أحدنا فيقال: رهن في وسقين من تمر «١»، ولكن نرهنك الّلأمة- يعني السّلاح- قال: فنعم.
فواعده أن يأتيه بالحارث بن أوس، وأبي نائلة، وأبي عبس بن جبر، وعبّاد بن بشر، قال: فجاؤوا، فدعوه ليلا، فقالت له امرأته: والله إنّي لأسمع صوتا فيه الموت، قال: إنّما هذا محمّد بن مسلمة، ورضيعه أبو نائلة، إنّ الكريم لو دعي إلى طعنة لأجاب، فقال محمّد بن مسلمة لأصحابه: إنّي إذا جاء/ فسوف أمدّ يدي إلى رأسه، فإذا استمكنت منه فدونكم، فنزل وهو متوشّح بالسّيف، فقالوا له: إنّا نجد منك ريح الطّيب، قال: نعم، تحتي فلانة أعطر نساء العرب، قال محمّد بن مسلمة: أفتأذن لي أن أشمّ منه؟ قال: نعم، فشمّ، فتناول فشمّ، ثمّ قال: أتأذن لي أن أعود؟ قال: نعم، وتمكّن منه، ثمّ قال: دونكم، فقتلوه. ثمّ
_________________
(١) الوسق: حمل بعير، وهو ستّون صاعا بصاع النّبيّ ﷺ.
[ ٢٧٥ ]
أتوا النّبيّ ﷺ فأخبروه «١» .
[بعث النّبيّ ﷺ عبد الله بن عتيك لقتل سلّام بن أبي الحقيق]
وفي «صحيح البخاريّ»، عن البراء بن عازب ﵄ قال: بعث رسول الله ﷺ رجالا من الأنصار، وأمّر عليهم عبد الله بن عتيك، وكان أبو رافع يؤذي النّبيّ ﷺ، ويعين عليه، وكان في حصن له بأرض (الحجاز)، فلمّا دنوا منه، وقد غربت الشّمس، وراح النّاس بسرحهم «٢»، قال عبد الله بن عتيك لأصحابه: اجلسوا مكانكم- أي: خارج السّور- فإنّي منطلق، ومتلطّف للبوّاب، لعلّي أن أدخل، ثمّ أقبل حتّى دنا من الباب، ثمّ تقنّع بثوبه- أي: غطّى به رأسه- كأنّه يقضي الحاجة، وقد دخل النّاس، فهتف به البوّاب: يا هذا، إن كنت تريد أن تدخل فادخل، فإنّي أريد أن أغلق الباب، قال: فدخلت فكمنت- أي:
اختفيت- فلمّا دخل النّاس أغلق البوّاب الباب، ثمّ علّق المفاتيح على وتد، قال: فقمت إلى الأغاليق فأخذتها، ففتحت الباب، وكان أبو رافع يسمر مع أصحابه في علّيّة «٣» له، فلمّا ذهب عنه أهل سمره، صعدت إليه، فجعلت كلّما فتحت بابا أغلقت عليّ من داخل، وقلت: إن يدر بي القوم لم يخلص إليّ أحد منهم حتّى أقتله- أي: وإن قتلوني بعده-، فانتهيت إليه، فإذا هو في بيت مظلم وسط عياله، لا أدري أين هو، فقلت: يا أبا رافع، فقال: من هذا؟ فأهويت نحو الصّوت، فضربته بالسّيف وأنا دهش، فما
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٨١١) . ومسلم برقم (١٨٠١/ ١١٩) . واللّفظ لمسلم.
(٢) سرحهم: مواشيهم.
(٣) العليّة: الغرفة المرتفعة فوق الدار.
[ ٢٧٦ ]
أغنيت شيئا «١»، وصاح، فخرجت من البيت، فمكثت غير بعيد، ثمّ دخلت إليه، فقلت: ما هذا/ الصّوت يا أبا رافع؟ وغيّرت صوتي كأنّي أغيثه، فقال: إنّ رجلا في البيت ضربني بالسّيف، قال: فضربته ضربة فأثخنته، ثمّ وضعت ظبّة السّيف «٢» في بطنه، واعتمدت عليه حتّى خرج من ظهره، فعرفت أنّي قد قتلته، فجعلت أفتح الأبواب بابا بابا، حتّى انتهيت إلى درجة له، فوضعت رجلي، وأنا أظنّ أنّي قد انتهيت إلى الأرض، فوقعت، فانكسرت ساقي فعصبتها، ثمّ جلست على الباب، وقلت: والله لا أخرج اللّيلة حتّى أعلم أنّي قتلته، فمكثت إلى أن صاح الدّيك، فقام النّاعي على السّور، وقال: أنعي أبا رافع تاجر أهل (الحجاز)، فانطلقت إلى أصحابي، فقلت: النّجاء «٣»، فقد قتل الله أبا رافع، فانتهينا إلى النّبيّ ﷺ فحدّثته، فقال: «ابسط رجلك»، فبسطتها فمسحها بيده، فكأنّي لم أشكها قطّ «٤» .
[غزوة بني قينقاع]
وفي هذه السّنة أيضا-[أي: السّنة الثّانية]-: نقضت بنو قينقاع يهود (المدينة) العهد، فحاصرهم النّبيّ ﷺ حتّى نزلوا على حكمه فيهم، فوهبهم لعبد الله بن أبيّ ابن سلول، وكانوا حلفاءه، وأخذ أموالهم.
[غزوة أحد]
وفي السّنة الثّالثة: كانت غزوة (أحد)، وكانت وقعتها يوم السّبت للنّصف من شوّال.
_________________
(١) فما أغنيت شيئا: أي لم أقتله.
(٢) ظبّة السّيف: حرف حدّ السّيف.
(٣) النّجاء: أي أسرعوا وانجوا بأنفسكم.
(٤) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٨١٣) .
[ ٢٧٧ ]
[خروج قريش]
وكان من حديث (أحد) أنّ قريشا تحاشدوا بعد (بدر)، واجتهدوا في طلب الثّأر، وخرجوا بظعنهم ومن أطاعهم من الأحابيش- أي: جموع العرب- حتّى نزلوا ب (أحد)، وكانوا ثلاثة آلاف، منهم مئتا فارس.
[مشاورة النّبيّ ﷺ أصحابه في الخروج]
فلمّا علم بهم رسول الله ﷺ استشار أصحابه في الخروج إليهم أو الإقامة، وقال لهم: «إنّي رأيت في منامي كأنّ في سيفي ثلمة، وأنّ بقرا تذبح، وتأوّلتها أنّ نفرا من أصحابي يقتلون، وأنّ رجلا من أهل بيتي يصاب، فإن رأيتم أن تقيموا ب (المدينة) وتدعوهم حيث نزلوا، فإن أقاموا أقاموا بشرّ مقام، وإن دخلوها قاتلناهم فيها» «١» .
فاختلفت آراؤهم في ذلك، حتّى غلب رأي من أحبّ الخروج.
وكان من لم يشهد/ (بدرا) حصل معهم من الأسف على ما فاتهم من الفضيلة.
[تهيّؤ النّبيّ ﷺ للخروج]
فدخل ﷺ فلبس لأمته «٢»، وخرج عليهم فوجدهم قد رجّحوا رأي القعود، فقال: «لا ينبغي لنبيّ إذا لبس لأمته أن يضعها حتّى يقاتل» «٣» . فسار بهم، وكانوا نحو الألف، ليس فيهم فرس «٤» .
[انخذال عبد الله بن أبي بالمنافقين]
فانخذل عبد الله بن أبيّ ابن سلول، وكان مطاعا بثلث النّاس.
[تعبئة النّبيّ ﷺ المسلمين للقتال]
فبقي نحو سبع مئة رجل، فنزل ﷺ وجعل ظهره إلى (أحد)، ورتّب أصحابه كما قال الله تعالى: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ
_________________
(١) أخرجه الحاكم في «المستدرك»، ج ٣/ ١٩٨ بنحوه.
(٢) لأمته: درعه.
(٣) أخرجه أحمد في «مسنده»، برقم (١٤٣٧٣) .
(٤) في المخطوط: فارس. والتصويب من «مسند أحمد»
[ ٢٧٨ ]
- وكان غدا من منزل عائشة- تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ الآيات [سورة آل عمران ٣/ ١٢١]، وأقعد الرّماة، وهم خمسون على جبل (عنين) - مصغّرا بمهملة ونون مكرّرة- وقال لهم: «لا تبرحوا مكانكم إن غلبنا أو غلبنا» .
[انتصار المسلمين ودور الرّماة فيه]
وظاهر ﷺ يومئذ بين درعين «١»، وحمل هو وأصحابه على المشركين فهزمهم الله تعالى، كما قال الله تعالى: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ [سورة آل عمران ٣/ ١٥٢] .
وقتل منهم اثنان وعشرون رجلا.
[الابتلاء بعد النّصر]
فقالت الرّماة: الغنيمة يا قوم، فقد ظهر أصحابكم فما تنتظرون؟ فأبى بعضهم فثبت مكانه لقول رسول الله ﷺ:
«لا تبرحوا مكانكم»، وخالف الآخرون، فأقبلوا على الغنيمة، كما قال الله تعالى: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا- أي: الغنيمة- وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ، لكن عفا عنهم بقوله: وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [سورة آل عمران ٣/ ١٥٢] .
فلمّا رأت خيل قريش ظهور المسلمين خالية عن الرّماة، حملوا عليهم، فقتلوا من بقي من الرّماة، وأتوا المسلمين من خلفهم.
[إشاعة مقتل النّبيّ ﷺ وما لقيه من الأذى]
وصرخ إبليس- لعنه الله تعالى-: ألا إنّ محمّدا قد قتل، فانفضّت صفوف المسلمين، وتراجعت قريش بعد هزيمتها، وخلص العدوّ إلى رسول الله ﷺ فرموه بالحجارة، حتّى وقع لشقّه، وكسرت رباعيته اليمنى السّفلى، وجرحت شفته/ السّفلى،
_________________
(١) ظاهر بين درعين: لبس إحداهما فوق الآخرى.
[ ٢٧٩ ]
وضربه ابن قمئة اللّيثي على وجهه، فدخلت حلقتان من حلق المغفر «١» في وجنته، وضربه آخر على رأسه حتّى هشم البيضة «٢»، وكانوا أحرص شيء على قتله، فعصمه الله ﷿ منهم، وهو ﷺ ثابت ينادي أصحابه، فلم يلو عليه أحد، إذ لم يعرفوه، وظنّوا أنّه قد قتل، وهو في الحديد؛ الدّرع والمغفر، كما قال الله تعالى: إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ- أي: جزاكم- غَمًّا بِغَمٍّ- أي: بعد غمّ-[سورة آل عمران ٣/ ١٥٣] .
[أوّل من عرف النّبيّ ﷺ بعد إشاعة مقتله]
ثمّ إنّ كعب بن مالك الأنصاريّ ﵁ عرف النّبيّ ﷺ فصاح: يا معشر المسلمين، أبشروا، فهذا رسول الله ﷺ فعطف عليه نفر من المسلمين، ونهضوا إلى الشّعب.
[أبيّ بن خلف يبحث عن النّبيّ ﷺ ليقتله]
فأدركهم أبيّ بن خلف فارسا، وهو يقول: أين محمّد؟
لا نجوت إن نجا، وشدّ عليه، فاعترضه رجال من المسلمين دون النّبيّ ﷺ، فقال النّبيّ ﷺ بيده هكذا- أي: خلّوا طريقه- وتناول الحربة فهزّها حتّى تطايروا من حوله لشدّة بأسه، ثمّ استقبله فدقّه في عنقه بطعنة، تدأدأ «٣» لها عن فرسه مرارا، ونفذت من الدّرع، فرجع إلى أصحابه فمات، فهمّ المشركون أن يكرّوا على النّبيّ ﷺ وأصحابه في الشّعب، فحماهم الله منهم.
[تغشية النّعاس المؤمنين]
ثمّ إنّهم لمّا ترادفت عليهم الغموم ممّا أصابهم، ومن خوف كرّة العدوّ عليهم، ألقى الله عليهم النّعاس، أمنة منه لهم، إلّا المنافقين
_________________
(١) المغفر: زرد ينسج من الدّروع على قدر الرّأس، يلبس تحت القلنسوة.
(٢) البيضة: الخوذة الّتي توضع على الرّأس.
(٣) تدأدأ: تدحرج وسقط.
[ ٢٨٠ ]
فلم يغش النّعاس أحدا منهم لظنّهم السوء، كما قال الله تعالى:
ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاسًا يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ الآيات [سورة آل عمران ٣/ ١٥٤] .
[شماتة أبي سفيان بعد المعركة]
ثمّ إنّ أبا سفيان أشرف فقال: أفي القوم محمّد؟ فقال النّبيّ ﷺ: «لا تجيبوه»، فقال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟
قال: «لا تجيبوه»، قال: أفي القوم ابن الخطّاب؟ قال:
/ «لا تجيبوه»، فقال: إنّ هؤلاء قتلوا، فلو كانوا أحياء لأجابوا، فلم يملك عمر ﵁ نفسه، فقال: كذبت يا عدوّ الله، قد أبقى الله لك ما يخزيك، فقال أبو سفيان: أعل هبل، فقال النّبيّ ﷺ: «أجيبوه»، قالوا: ما نقول؟ قال: «قولوا: الله أعلى وأجلّ»، قال أبو سفيان: لنا العزّى ولا عزّى لكم، فقال النّبيّ ﷺ: «أجيبوه»، قالوا: ما نقول؟ قال: «قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم»، قال أبو سفيان: يوم بيوم (بدر)، والحرب سجال، وتجدون مثلة لم آمر بها ولم تسؤني. رواه البخاريّ عن البراء بن عازب «١» .
فائدة [: فيمن أكرمه الله بالشّهادة يوم أحد]
قال العلماء: وكان يوم (أحد) يوم بلاء وتمحيص «٢» وإكرام، أكرم الله فيه من أكرم بالشّهادة، فقتل حمزة في سبعين شهيدا من المسلمين ﵃، ومثّلث بهم نساء قريش، فبقروا بطن
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٢٨٧٤) . سجال: أي مرّة لنا ومرّة علينا.
(٢) يوم تمحيص: يوم تطهير وتخليص من الآثام والذّنوب. (أنصاريّ) .
[ ٢٨١ ]
الحمزة، وقطعوا كبده، فلمّا نظر إليه ﷺ كذلك ترحّم عليه وأثنى عليه، ثمّ قال: «والله، لئن أظفرني الله بهم لأمثّلنّ بسبعين منهم مكانك» «١»، ثمّ ذكر قول الله تعالى: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ. وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ [سورة النّحل ١٦/ ١٢٦- ١٢٧] .
فاختار الصّبر كما أمره الله تعالى، وكان ينهى عن المثلة.
[دفن الشّهداء]
ثمّ إنّه ﷺ أمر بدفن الشّهداء بدمائهم، ولم يغسّلهم، ولم يصلّ عليهم، وقال: «أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة» - أي: لهم- وكان يجمع بين الرّجلين في ثوب واحد، ثمّ يقول: «أيّهم أكثر أخذا للقرآن؟»، فإذا أشير له إلى أحدهما قدّمه في اللّحد «٢» .
[ما نزل من القرآن في يوم أحد]
وأنزل الله فيهم: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتًا بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ. فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ الآيات [سورة آل عمران ٣/ ١٦٩- ١٧٠] .
وأنزل الله تسلية للمؤمنين وتقوية لعزائمهم: وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ- أي: يوم (بدر) - وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ [سورة آل عمران ٣/ ١٣٩- ١٤٠] .
ودلّهم على وجه الحكمة فيما قضاه وقدّره/ عليهم بقوله تعالى:
وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا- أي: يظهر إيمانهم ويميّزهم
_________________
(١) أورده الهيثميّ في «مجمع الزّوائد»، ج ٦/ ١١٩. عن أبي هريرة ﵁.
(٢) أخرجه البخاريّ، برقم (١٢٧٨) .
[ ٢٨٢ ]
عن المنافقين؛ كعبد الله بن أبيّ وذويه- وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ- كحمزة وأصحابه- وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ. وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا- أي: يخلّص إيمانهم- وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ [سورة آل عمران ٣/ ١٤٠- ١٤١] .
[غزوة حمراء الأسد]
[قال تعالى]: الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ [سورة آل عمران ٣/ ١٧٢] .
وذلك أنّ قريشا لمّا بلغت (الرّوحاء) همّوا أيضا بالرّجوع لاستئصال من بقي من المسلمين بزعمهم، فلمّا علم بهم النّبيّ ﷺ ندب أصحابه للخروج للقائهم، وقال: «لا يخرج معنا إلّا من حضر يومنا بالأمس» «١»، فسار بهم حتّى بلغ (حمراء الأسد) «٢»، فمرّ بهم معبد الخزاعيّ، وهم نزول، فأسرع إلى قريش فأخبرهم بمخرج رسول الله ﷺ وأصحابه إليهم، فثنى ذلك قريشا عن لقائهم، وألقى الله في قلوبهم الرّعب، فأدبروا إلى (مكّة)، فمرّ عليهم ركب، فجعلوا لهم جعلا على أن يخبروا محمّدا وأصحابه أنّهم يريدون الكرّة عليهم، ولا يخبروهم بانصرافهم إلى (مكّة)، فلمّا مرّ الرّكب على المسلمين وأخبروهم بذلك، قالوا:
حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [سورة آل عمران ٣/ ١٧٣] .
وأقاموا ثلاثا ينتظرون لقاء العدوّ، فبلغهم مسيرهم فرجعوا، فأنزل الله سبحانه: الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ. الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ
_________________
(١) أخرجه البيهقيّ في «الدّلائل»، ج ٣/ ٣١٤.
(٢) موضع على ثمانية أميال من المدينة، وإليه انتهى النّبيّ ﷺ يوم أحد في طلب المشركين.
[ ٢٨٣ ]
- أي: الرّكب- إِنَّ النَّاسَ- أي: قريشا- قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيمانًا وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ [سورة آل عمران ٣/ ١٧٢- ١٧٤] .
[موقف أنس بن النّضر ﵁]
وفي «الصّحيحين»، عن أنس ﵁ قال: إنّ عمّي أنس بن النّضر غاب عن (بدر)، فقال: غبت عن أوّل قتال للنّبيّ ﷺ، لئن أشهدني الله قتالا مع النّبيّ ﷺ ليرينّ الله ما أصنع، فلمّا انهزم المسلمون يوم (أحد) /، قال: اللهمّ إنّي أعتذر إليك ممّا صنع هؤلاء- يعني: المسلمين- وأبرأ إليك ممّا جاء به المشركون، فتقدّم بسيفه فلقيه سعد بن معاذ، قال: يا سعد إنّي أجد ريح الجنّة دون (أحد)، فقتل، ووجد به بضع وثمانون، من طعنة وضربة «١» ورمية بسهم ﵁ «٢» .
وفيهما-[أي: الصّحيحين]- عن أنس ﵁ قال:
كنّا نرى أنّ هذه الآية: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ [سورة الأحزاب ٣٣/ ٢٣]، نزلت في أنس بن النّضر وأشباهه من قتلى (أحد) «٣» .
[حضور الملائكة ودفاعها عن النّبيّ ﷺ]
وفيهما-[أي: الصّحيحين]- عن سعد بن أبي وقّاص ﵁ قال: رأيت النّبيّ ﷺ يقاتل يوم (أحد) ومعه رجلان يقاتلان، عليهما ثياب بيض، ما رأيتهما قبل ولا بعد «٤» .
_________________
(١) أي: طعنة رمح، وضربة سيف.
(٢) أخرجه البخاريّ، برقم (٢٦٥١) .
(٣) أخرجه البخاريّ، برقم (٤٥٠٥) .
(٤) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٨٢٨) . ومسلم برقم (٢٣٠٦/ ٤٦) .
[ ٢٨٤ ]
[قتال سعد بن أبي وقّاص ﵁]
وقال: نثل النّبيّ ﷺ لي كنانته يوم (أحد)، وقال: «ارم فداك أبي وأمّي» «١» .
وفيهما-[أي: الصّحيحين]- عن عليّ بن أبي طالب ﵁ قال: ما سمعت النّبيّ ﷺ جمع أبويه لأحد إلّا لسعد بن مالك «٢»، فإنّي سمعته يقول له يوم (أحد): «ارم فداك أبي وأمّي» «٣» .
[تأثّر النّبيّ ﷺ بما لقيه]
وفي «صحيح البخاريّ»، عن ابن عبّاس ﵄ قال: اشتدّ غضب الله على من قتله نبيّ الله، واشتدّ غضب الله على من أدمى وجه نبيّ الله «٤» .
[بشارة النّبيّ ﷺ جابرا ﵁]
وفي «الصّحيحين»، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: لمّا قتل أبي يوم (أحد)، جعلت أبكي، وأكشف الثّوب عن وجهه، فقال النّبيّ ﷺ: «تبكيه أو لا تبكيه، ما زالت الملائكة تظلّه بأجنحتها حتّى رفع» «٥» .
وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
[الرّجيع وبئر معونة]
وفي هذه السّنة أيضا-[أي: السّنة الثّالثة]- بعد (أحد):
أصيب عاصم وأصحابه ب (الرّجيع)، والقرّاء السّبعون أصحاب (بئر معونة)، ليمتحن الله الأنصار بالصّبر، ويضاعف لهم عظيم الأجر، وقصّة الفريقين مشهورة في «الصّحيحين» .
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٨٢٩) . نثل كنانته: استخرج نبلها.
(٢) مالك: كنيته أبو وقّاص. وهو ابن أهيب، ابن عم آمنة بنت وهب.
(٣) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٨٣٣) . ومسلم برقم (٢٤١١/ ٤١) .
(٤) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٨٤٨) .
(٥) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٨٥٢) . ومسلم برقم (٢٤٧١/ ١٣٠) .
[ ٢٨٥ ]
[بعث الرّجيع]
أمّا «١» أصحاب الرّجيع: فإنّ النّبيّ ﷺ بعث عاصم بن ثابت الأنصاريّ في عشرة من أصحابه عينا، فلمّا/ كانوا ب (الرّجيع) - وهو: ماء لهذيل، بين (عسفان ومرّ الظّهران)، وعسفان على مرحلتين من (مكّة) - ذكروا لبني لحيان- وهم بطن من هذيل- فتبعهم منهم نحو مئة رام، فالتجأ عاصم وأصحابه إلى أكمة، فأحاط بهم القوم، ولم يقدروا على الوصول إليهم، فأمّنوهم وأعطوهم العهد أنّهم إن استسلموا لا يقتلونهم، فقال عاصم: أمّا أنا فلا أنزل في ذمّة كافر بالله أبدا، اللهمّ أخبر عنّا رسولك، فقاتلوهم حتّى قتل عاصم في ثمانية من أصحابه.
[أسر زيد وخبيب]
ونزل إليهم خبيب بن عديّ، وزيد بن الدّثنّة بالأمان، فغدروا بهما، فانطلقوا بهما إلى (مكّة)، فباعوهما.
فأمّا زيد: فاشتراه صفوان بن أميّة بن خلف، فقتله بأبيه، وكان قتل أباه يوم (بدر) .
وأمّا خبيب: فاشتراه بنو الحارث بن عامر بن نوفل، فقتلوه بأبيهم، وكان قتل أباهم يوم (بدر) أيضا «٢» .
[مقتل زيد ﵁]
فلمّا خرجوا بزيد من (الحرم) إلى أدنى (الحلّ)، وقرّبوه
_________________
(١) ذكر هنا أنّ (بعث الرّجيع) كان من أحداث السّنة الثالثة للهجرة. قلت: كان بعث الرّجيع في صفر على رأس ستّة وثلاثين شهرا من الهجرة، وغزوة أحد وقعت في شوّال من السّنة الثالثة، فيكون بعث الرّجيع في السّنة الرابعة، وقد أجمع أهل السّير على ذلك، عدا ابن هشام. والله أعلم.
(٢) قلت: قال ابن سيّد النّاس في «عيون الأثر»، ج ٢/ ٤١: إنّ خبيب بن عدي الأوسيّ لم يشهد بدرا، ولا قتل الحارث بن عامر. إنّما الّذي شهدها وقتله هو خبيب بن إساف الخزرجي.
[ ٢٨٦ ]
للقتل، قال له أبو سفيان: أنشدك الله يا زيد، أتحبّ أنّ محمّدا مكانك تضرب عنقه، وأنت في أهلك؟ قال: والله ما أحبّ أنّ محمّدا تصيبه الآن في مكانه شوكة تؤذيه، وأنا جالس في أهلي، فقتلوه، ثمّ أرادوا أخذ رأسه، فحمتهم عنه الدّبر- أي: الزّنابير- فتركوه إلى اللّيل ليأخذوه، فجاءه سيل فاحتمله، وكان قد أعطى الله عهدا أن لا يمسّ مشركا، ولا يمسّه مشرك، فأتمّ الله له ذلك بعد وفاته، كما وفّى به هو في حياته «١» .
[مقتل خبيب ﵁]
ولمّا خرجوا بخبيب ليقتلوه دعا بماء فتوضّأ، وصلّى ركعتين، وأوجز فيهما، وقال: لولا أن تظنّوا أنّ بي جزعا لزدت. فهو أوّل من سنّ هاتين الرّكعتين عند التّقديم للقتل، ثمّ أنشد رحمه الله تعالى، [من الطّويل] «٢»:
ولست أبالي حين أقتل مسلما على أيّ جنب كان في الله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شلو ممزّع «٣»
/ فقتلوه، ثمّ صلبوه، فلمّا بلغ النّبيّ ﷺ أنّه مصلوب، قال ﷺ: «أيّكم يحمل خبيبا عن خشبته وله الجنّة؟» .
_________________
(١) قلت: والمعروف أنّ هذا الخبر جاء في حقّ عاصم بن ثابت وليس في حقّ زيد بن الدّثنّة، لأنّ عاصما لم يقبل من مشرك عهدا ولا عقدا أبدا، وقال: إنّي نذرت أن لا أقبل جوار مشرك أبدا. فمنعه الله بعد وفاته كما امتنع منه في حياته. (انظر الطّبري، ج ٢/ ٥٣٩. ودلائل النّبوّة، ج ٢/ ٣٢٨) .
(٢) ذكره البخاريّ في «صحيحه»، برقم (٣٧٦٧) .
(٣) شلو ممزّع: أعضاء الإنسان بعد البلى.
[ ٢٨٧ ]
فانتدب له الزّبير بن العوّام، والمقداد بن الأسود فارسين، فسارا إلى (مكّة)، فحمله الزّبير على فرسه، فأغاز عليهما أهل (مكّة)، فلمّا أرهقوهما ألقاه الزّبير، فابتلعته الأرض، فسمّي:
بليع الأرض.
[وقعة بئر معونة]
وأمّا «١» أصحاب بئر معونة- بالنّون-: فإنّ أبا البراء عامر بن مالك العامريّ ملاعب الأسنّة قدم على النّبيّ ﷺ، فعرض عليه رسول الله ﷺ الإسلام، فلم يسلم، ولم يبعد «٢»، وقال:
يا محمّد، ابعث معي رجالا من أصحابك إلى أهل (نجد) يدعونهم إلى أمرك، وأنا لهم جار، فبعث معه رسول الله ﷺ سبعين رجلا من خيار المسلمين.
قال أنس: كنّا نسمّيهم القرّاء، وأمّر عليهم المنذر بن عمرو الأنصاريّ الخزرجيّ السّاعديّ، أحد النّقباء الاثني عشر.
[غدر عامر بن الطّفيل بالمسلمين]
فلمّا نزلوا ب (بئر معونة)، انطلق حرام بن ملحان إلى عامر بن الطّفيل رئيس المكان ليبلّغه رسالة من رسول الله ﷺ، فأمّنه عامر ثمّ غدر به، فأومأ إلى رجل خلفه فطعنه بالرّمح حتّى أنفذ الطّعنة، فقال حرام: الله أكبر فزت وربّ الكعبة، فقتلوه، ثمّ استصرخوا على أصحابه بقبائل سليم: (رعل وذكوان وعصيّة)، فقتلوهم عن آخرهم، ما خلا رجلين، وأخفروا «٣» ذمّة أبي البراء عامر بن مالك.
_________________
(١) ذكر هنا أنّ وقعة بئر معونة كانت من أحداث السّنة الثّالثة للهجرة. قلت: كانت وقعة بئر معونة في صفر على رأس ستّة وثلاثين شهرا للهجرة، وبعد بعث الرّجيع. والله أعلم.
(٢) أي: من الإسلام.
(٣) أخفروا: نقضوا وغدروا.
[ ٢٨٨ ]
والرّجلان هما: عمرو بن أميّة الضّمريّ وأنصاريّ «١»، كانا في إبل أصحابهم، فلمّا راحا بهما وجدا أصحابهما صرعى، والخيل واقفة، فقتلوا الأنصاريّ أيضا، وتركوا عمرا حين أخبرهم أنّه من ضمرة.
فرجع عمرو إلى (المدينة) فوجد رجلين من بني عامر فقتلهما، وكان معهما جوار من النّبيّ ﷺ لم يعلم به، فلمّا قدم (المدينة) / أخبر النّبيّ ﷺ الخبر، فقال: «لقد قتلت رجلين لأدينّهما» «٢» .
[دعاء النّبيّ ﷺ على قتلة أصحاب بئر معونة وحزنه عليهم]
وحزن ﷺ على أصحاب (بئر معونة) حزنا شديدا، وقنت في الصّلوات الخمس، على قبائل سليم: (رعل وذكوان وعصيّة)، الّذين عصوا الله ورسوله وبني لحيان أيضا شهرا، إلى أن نزل عليه قوله تعالى: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ [سورة آل عمران ٣/ ١٢٨] فترك القنوت «٣» .
[أمر عامر بن فهيرة ﵁]
وممّن قتل ب (بئر معونة) عامر بن فهيرة مولى أبي بكر ﵄.
_________________
(١) وهو من بني عمرو بن عوف، واسمه: المنذر بن محمّد بن عقبة.
(٢) أورده الهيثميّ في «مجمع الزّوائد»، ج ٦/ ١٢٩. أدينّهما: أؤدي ديّتيهما.
(٣) قلت: قال ابن سيّد النّاس في «عيون الأثر» ج ٢/ ٤٧: وكذا وقع في هذه الرّواية، وهو يوهم أنّ بني لحيان ممّن أصاب القرّاء يوم بئر معونة وليس كذلك، وإنّما أصاب هؤلاء رعل وذكوان وعصيّة ومن صحبهم من سليم، وأمّا بنو لحيان فهم الّذين أصابوا بعث الرّجيع، وإنّما أتى الخبر إلى رسول الله ﷺ عنهم كلّهم في وقت واحد، فدعا على الّذين أصابوا أصحابه في الموضعين دعاء واحدا.
[ ٢٨٩ ]
وروى البخاريّ في «صحيحه»، عن عمرو بن أميّة الضّمريّ أنّ عامر بن الطّفيل قال له: من هذا؟ - وأشار له إلى عامر بن فهيرة- فقال له عمرو: هذا عامر بن فهيرة، فقال: لقد رأيته رفع بعد ما قتل إلى السّماء، حتّى إنّي أنظر إلى السّماء بينه وبين الأرض «١» .
[غزوة بني النّضير]
وفي هذه السّنة أو في الرّابعة «٢»: كانت غزوة بني النّضير.
وسببها: ما رواه البخاريّ أنّ رسول الله ﷺ خرج إليهم يستعينهم في دية الرّجلين اللّذين قتلهما عمرو بن أميّة الضّمريّ خطأ «٣» - فهي على الصّواب كما قال ابن إسحاق: بعد (أحد) وبعد (بئر معونة) - فاستند إلى جدار حصن لهم من حصونهم، فأمروا رجلا بطرح حجر على رأسه من الحصن، فأخبره جبريل ﵇ بذلك، فقام موهما لهم وترك أصحابه ورجع إلى (المدينة) .
فأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [سورة المائدة ٥/ ١١] وقيل: إنّها نزلت في قصّة غورث بن الحارث الّذي همّ بقتل النّبيّ ﷺ «٤» .
[حصار بني النّضير]
ثمّ أصبح غازيا عليهم، فحصرهم وقطع نخيلهم وحرّقها،
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٨٦٧) .
(٢) قلت: إنّما وقعت في السّنة الرّابعة في شهر ربيع الأوّل، على رأس سبعة وثلاثين للهجرة. والله أعلم. (انظر: ابن هشام، ج ٣/ ١٩٢. والبخاريّ، ج ٢/ ١١٢. وابن سعد ج ٢/ ٥٧) .
(٣) قلت: حيث ذكر البخاريّ أنّها كانت على رأس ستّة أشهر من وقعة بدر قبل أحد، وهو من قول الزّهريّ.
(٤) أسباب النّزول، للواحدي، ص ١٦٢.
[ ٢٩٠ ]
فدسّ إليهم المنافقون ما حكى الله عنهم من قوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ/ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ الآيات [سورة الحشر ٥٩/ ١١] .
فلمّا اشتدّ الحصار على أعداء الله، وأيسوا من نصرة المنافقين، قذف الله في قلوبهم الرّعب، فطلبوا الصّلح، فصالحهم النّبيّ ﷺ على الجلاء- أي: الإخراج من أرض إلى أرض- وأنّ لهم ما أقلّت الإبل إلّا السّلاح، فجلوا إلى (الشّام) إلّا آل حييّ بن أخطب وآل أبي الحقيق، فإنّهم جلوا إلى (خيبر) .
وأنزل الله فيهم سورة الحشر، وكانت أموالهم ممّا أفاء الله على رسوله، خالصة لرسول الله ﷺ، فقسمها بين المهاجرين خاصّة لشدّة حاجتهم، ولم يعط الأنصار منها شيئا، إلّا لثلاثة نفر بهم حاجة «١»، وطابت بذلك نفوس الأنصار، كما أثنى الله عليهم بقوله: وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ [سورة الحشر ٥٩/ ٩] .
وفي «صحيح البخاريّ»، عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عبّاس ﵄: سورة الحشر، قال: قل سورة النّضير «٢» .
وفيه-[أي: صحيح البخاريّ]- عن ابن عمر ﵄ أنّ النّبيّ ﷺ حرّق نخل بني النّضير وقطّع، وهي البويرة،
_________________
(١) وهم: سهل بن حنيف، وأبو دجانة سماك بن خرشة، أعطاهم ﷺ مالا، وأعطى سعد بن معاذ سيف ابن أبي الحقيق.
(٢) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٨٠٥) .
[ ٢٩١ ]
فعاب ذلك المشركون عليه، فأنزل الله ﷿: ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ [سورة الحشر ٥٩/ ٥] «١» .
قال ابن عمر: ولها يقول حسّان بن ثابت، [من الوافر] «٢»:
وهان على سراة بني لؤيّ حريق بالبويرة مستطير «٣»
فأجابه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطّلب، [من الوافر]:
أدام الله ذلك من صنيع وحرّق في نواحيها السّعير
ستعلم أيّنا منها بنزه وتعلم أيّ أرضينا تضير «٤»
[مآل أموال بني النّضير]
وفي «الصّحيحين»، عن عمر ﵁ أنّه قال: كانت أموال بني النّضير ممّا أفاء الله على رسوله، ممّا لم يوجف المسلمون عليه خيلا ولا ركابا، وكانت لرسول الله ﷺ خاصّة/ ينفق على أهله منها نفقة سنة، ثمّ يجعل ما بقي في السّلاح والكراع عدّة في سبيل الله «٥» .
[غزوة ذات الرّقاع، أو غزوة نجد]
وفي هذه السّنة أيضا- وهي: الرّابعة- غزا النّبيّ ﷺ غزوة ذات
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٤٦٠٢) . البويرة: موضع منازل بني النّضير.
(٢) ذكره البخاريّ في «صحيحه»، برقم (٣٨٠٨) .
(٣) سراة: أشراف القوم. المستطير: المنتشر.
(٤) النّزه: البعد. تضير: تضرّه.
(٥) أخرجه البخاريّ، برقم (٢٧٤٨) . الإيجاف: سرعة السّير، وهو كناية عن الجهاد والقتال. الكراع: اسم يجمع الخيل والسّلاح، وهي الّتي تصلح للحرب.
[ ٢٩٢ ]
الرّقاع إلى (نجد) يريد غطفان «١» - سمّيت بذلك لأنّ أقدامهم نقبت «٢» من الحفاء، وكان يلفّون عليها الخرق- فانتهى ﷺ إلى (نجد)، فلقي جمعا من غطفان، فتقاربوا ولم يكن قتال، فلمّا صلّى الظّهر بأصحابه ندم المشركون أن لا يكونوا حملوا عليهم في الصّلاة، ثمّ قالوا: دعوهم فإنّ لهم بعدها صلاة هي أحبّ إليهم من آبائهم وأبنائهم- يعنون: صلاة العصر- فإذا قاموا إليها فشدّوا عليهم، فنزل جبريل ﵇ بصلاة الخوف، وهي قوله تعالى: وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ
_________________
(١) ذكر المؤلّف﵀- غزوة ذات الرّقاع ضمن أحداث السّنة الرّابعة. قلت: قال ابن القيّم في «زاد المعاد»، ج ٣/ ٢٥٢: صحّ عنه ﷺ أنّه صلّى صلاة الخوف بذات الرّقاع، فعلم أنّها بعد الخندق وبعد عسفان، ويؤيّد هذا أنّ أبا هريرة وأبا موسى الأشعريّ ﵄ شهدا ذات الرّقاع، كما في الصّحيحين وغيرهما؛ وأنّ مروان بن الحكم سأل أبا هريرة، هل صليت مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف؟، قال: نعم، قال: متى؟، قال: عام غزوة نجد. وهذا يدلّ على أنّ غزوة ذات الرّقاع بعد خيبر، وأنّ من جعلها قبل الخندق فقد وهم وهما ظاهرا، ولمّا لم يفطن بعضهم لهذا ادّعى أنّ غزوة ذات الرّقاع كانت مرّتين، فمرّة قبل الخندق ومرّة بعدها، وهذا لا يصحّ. ثمّ قال: وممّا يدلّ على أنّ غزوة ذات الرّقاع بعد الخندق، ما أخرجه مسلم من حديث جابر: أنّهم صلّوا صلاة الخوف بذات الرّقاع، وصلاة الخوف إنّما شرعت بعد الخندق، بل بعد عسفان، لأنّه ورد في الحديث: أنّ أوّل صلاة صلّاها للخوف بعسفان، وعسفان كانت بعد الخندق بلا خلاف. لذلك يجب ذكر هذه الغزوة بعد خيبر، مرجّحا رواية البخاريّ في الصّحيح، ومخالفا بذلك ما ذكره ابن إسحاق، الّذي جعلها في السّنة الرّابعة، قبل غزوة الخندق. (انظر الجامع في السّيرة النّبويّة، ج ٣/ ٢٧١) .
(٢) نقبت: رقّت جلودها وقرحت من المشي.
[ ٢٩٣ ]
وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ الآية [سورة النّساء ٤/ ١٠٢] «١» .
وفي «صحيح البخاريّ»، خرج النّبيّ ﷺ إلى ذات الرّقاع من بطن (نخل)، فلقي جمعا من غطفان، فصلّى بهم ركعتي الخوف «٢» .
وقول البخاريّ وهي غزوة محارب خصفة من بني ثعلبة: صوابه وثعلبة- بواو العطف «٣» -.
[خبر غورث بن الحارث]
ولمّا قفل ﷺ من هذه الغزوة نزلوا وقت القيلولة منزلا وتفرّقوا، ونزل ﷺ تحت شجرة وعلّق بها سيفه ونام، فجاء أعرابيّ يسمّى غورث بن الحارث، فأخذ السّيف فاخترطه «٤»، فاستيقظ النّبيّ ﷺ، فقال له الأعرابيّ: من يمنعك منّي؟ قال: «الله»، فسقط السّيف من يده، فأخذه النّبيّ ﷺ وقال: «من يمنعك منّي؟»، فقال: كن خير آخذ، فتركه ولم يعاقبه، فذهب إلى قومه «٥» .
[غزوة بني المصطلق]
وفي هذه السّنة- وهي الرّابعة-: غزا النّبيّ ﷺ غزوة بني المصطلق/ من خزاعة ب (المريسيع) - مصغّرا بمهملات-.
[سببها]
وذلك أنّه بلغه أنّ بني المصطلق من خزاعة أجمعوا لحربه.
_________________
(١) أسباب النّزول، للواحديّ، ص ١٥٠.
(٢) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٨٩٨) .
(٣) ذكره البخاريّ، باب غزوة ذات الرّقاع تعليقا. قلت: والصّواب الّذي أشار إليه المؤلّف معناه: أنّها غزوة محارب خصفة وثعلبة. ومحارب وخصفة من غطفان.
(٤) اخترطه: سلّه من غمده.
(٥) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٩٠٨)، بنحوه. عن جابر بن عبد الله ﵄.
[ ٢٩٤ ]
[التقاء الفريقين وهزيمتهم]
فخرج إليهم فلقيهم ب (المريسيع) - وهو ماء لهم من ناحية (قديد) - مصغّرا- أيضا. وهو- أي: قديد- مكان بين (خليص ورابغ)، بين (مكّة والمدينة) . وخليص على ثلاث مراحل من (مكّة)، فهزمهم الله، وقتل من قتل منهم، وسبى أولادهم ونساءهم، وغنم أموالهم، واصطفى من سبيهم لنفسه جويرية بنت الحارث المصطلقيّة، أمّ المؤمنين ﵂.
ولمّا قفل ﷺ اتّفق في قفوله [حدثان] . أحدهما: نزول سورة المنافقين، وثانيهما: حديث الإفك.
[سبب نزول سورة المنافقين]
أمّا نزول سورة المنافقين: فذلك أنّه ازدحم مهاجريّ وأنصاريّ «١» على الماء، فتداعى الفريقان، فتكاثر المهاجرون على
_________________
(١) وهما: جهجاه بن مسعود، وسنان بن وبر الجهنيّ. وقد ذكر هنا أنّ غزوة بني المصطلق من أحداث السّنة الرابعة، وقد اختلف فيها اختلافا يسيرا؛ فذكر ابن إسحاق ج ٣/ ٣٣٣: أنّ- غزوة بني المصطلق- وقعت في شعبان سنة ستّ، وذكر البيهقيّ في «دلائل النّبوّة»، ج ٤/ ٤٥: أنّها وقعت في شعبان سنة خمس؛ وقال: هذا أصحّ ممّا روي عن ابن إسحاق أنّ ذلك كان سنة ستّ. وروي أنّ الواقديّ قال: إنّها كانت سنة خمس. والخبر في «طبقات ابن سعد»، ج ٢/ ٦٣- ج ٨/ ٢١٧. و«تاريخ الطّبري»، ج ٢/ ٥٩٤. و«عيون الأثر»، ج ٢/ ٩١. ورجّح الحافظ ابن حجر أنّها كانت سنة خمس في «الفتح»، ج ٧/ ٤٣٠ قال: قال الحاكم في «الإكليل»: قول عروة وغيره أنّها كانت في سنة خمس أشبه من قول ابن إسحاق. قلت: ويؤيّده ما ثبت في حديث الإفك أنّ سعد بن معاذ تنازع هو وسعد بن عبادة في أصحاب الإفك، فلو كانت المريسيع في شعبان سنة ستّ مع كون الإفك كان فيها لكان ما وقع في الصّحيح من ذكر سعد بن معاذ غلطا، لأنّ سعدا مات أيّام قريظة، وكانت سنة خمس على
[ ٢٩٥ ]
الأنصار، فغلبوهم.
[مقالة عبد الله بن أبيّ بن سلول]
فجعل عبد الله بن أبيّ ابن سلول يؤنّب أصحابه- أي: يوبّخهم- ويقول: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتّى ينفضّوا عنه- أي: لو تركتم الإنفاق على من عنده من المهاجرين لانفضّوا عنه، وتركوه وحيدا محتاجا إليكم- ولكن والله لئن رجعنا إلى (المدينة) ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ، إمّا تركوها لنا وإمّا تركناها لهم، في كلام كثير.
[زيد بن أرقم ﵁ يخبر النّبيّ ﷺ بما سمع، وتصديق الوحي له]
وكان زيد بن أرقم ﵁ حاضرا عنده، فشقّ عليه ذلك، فحمل كلامه إلى النّبيّ ﷺ، فشكاه النّبيّ ﷺ إلى قومه، فعاتبوه على ذلك، فأنكره وكذّب زيد بن أرقم، وجاء إلى النّبيّ ﷺ فحلف بالله إنّه ما قال شيئا من ذلك، وإنّه يشهد أنّك لرسول الله حقّا، فقبل منه علانيته ووكل سريرته إلى الله تعالى؛ فحزن لذلك زيد بن أرقم حزنا شديدا، وقال له قومه: ما أردت إلّا/ أن كذّبك رسول الله ﷺ، وكذّبك النّاس.
فلمّا ارتحل ﷺ من ذلك المنزل أردف زيد بن أرقم خلفه، وكان يومئذ فتى، فنزل جبريل الأمين بسورة (المنافقون) فقال
_________________
(١) الصّحيح، وإن كانت كما قيل سنة أربع فهي أشدّ. فيظهر أنّ المريسيع كانت سنة خمس في شعبان، لتكون قد وقعت قبل الخندق، لأنّ الخندق كانت في شوّال من سنة خمس أيضا فتكون بعدها، فيكون سعد بن معاذ موجودا في المريسيع، ورمي بعد ذلك بسهم في الخندق ومات من جراحته في قريظة. ويؤيّده أيضا أنّ حديث الإفك كان سنة خمس إذ الحديث فيه التّصريح بأنّ القصّة وقعت بعد نزول الحجاب، والحجاب كان في ذي القعدة سنة أربع عند جماعة، فيكون المريسيع بعد ذلك، فيرجّح أنّها سنة خمس. والله أعلم. (انظر الجامع في السّيرة النّبويّة، ج ٢/ ٦٢٥) .
[ ٢٩٦ ]
النّبيّ ﷺ لزيد بن أرقم: «أبشر، فقد صدّقك الله» «١» .
وتلاها النّبيّ ﷺ على النّاس: إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ.
اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً- أي: وقاية في الظّاهر بين كفرهم الباطن وبين النّاس- الآيات [سورة المنافقون ٦٣/ ١- ٢] .
[صور من مواقف عبد الله بن أبيّ بن سلول]
وكان عبد الله بن أبيّ يقوم في كلّ جمعة إذا قام النّبيّ ﷺ يخطب يقول: يا معشر المسلمين، هذا رسول الله بين أظهركم، فانصروه، فلمّا انصرف يوم (أحد) بثلث النّاس وخذل المؤمنين، فقتل منهم من قتل، أراد أن يقوم مقامه ذلك، فأقعده النّاس، وقالوا: أسكت يا عدوّ الله، فانصرف من المسجد في حال الخطبة مغاضبا، فقيل له: ارجع يستغفر لك رسول الله، فلوى رأسه وقال: لا حاجة بي إلى استغفاره، فعدّد الله في هذه السّورة قبائحه بقوله: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ. سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ. هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ. يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ [سورة المنافقون ٦٣/ ٥- ٨] .
[موقف ابن عبد الله بن أبيّ بن سلول ﵁، من أبيه]
وكان لعبد الله بن أبيّ ابن/ يسمّى عبد الله أيضا ابن عبد الله بن أبيّ، وكان مؤمنا صادقا، حسن الإيمان، فلمّا أراد أبوه أن يدخل (المدينة)، وكان قد تخلّف قليلا عن النّاس، ردّه، وقال: والله
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٤٦١٧) .
[ ٢٩٧ ]
يا عدوّ الله، لا تدخلها إلّا بإذن من رسول الله ﷺ، حتّى تعلم أنّه الأعزّ وأنت الأذلّ، ولئن أمرني رسول الله لأضربنّ عنقك.
فأرسل إليه النّبيّ ﷺ أن خلّ عنه، فخلّى عنه، وأتى النّبيّ ﷺ وقال: يا رسول الله إن شئت أن آتيك برأسه فمرني بذلك؟ فقال:
«بل نعاشره معاشرة حسنة حتى يموت أو نموت، لئلا يتحدّث النّاس أنّ محمّدا يقتل أصحابه» «١» .
فعامله ﷺ بالإحسان مدّة حياته، وكفّنه في قميصه بعد وفاته، واستغفر له قبل أن ينهى عنه، وقام على قبره وأراد أن يصلّي عليه، فنهي بنزول قوله تعالى: وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ [سورة التّوبة ٩/ ٨٤] .
[حديث الإفك]
وأمّا حديث الإفك فروى البخاريّ ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: خرجت مع رسول الله ﷺ في غزاة، فأنا أحمل في هودجي، فلمّا دنونا من (المدينة)، آذن رسول الله ﷺ ليلة بالرّحيل، فقمت لأقضي حاجتي، فأبطأت، فأقبل الرّهط الّذين كانوا يرحلوني «٢»، فاحتملوا الهودج، فرحلوه على بعيري، وهم يحسبون أنّي فيه، فجئت المنزل فإذا ليس فيه أحد، فجلست مكاني، وكان صفوان بن المعطّل قد تخلّف عن الرّكب، فأصبح بالمنزل، فلمّا رآى سوادي عرفني، فاسترجع «٣»، فو الله ما كلّمني كلمة، ثمّ أناخ راحلته لي، فركبتها، وأخذ بزمامها يقود بي حتّى
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٤٦٢٤)؛ عن جابر بن عبد الله ﵄.
(٢) رحل البعير: جعل عليه الرّحل. والرّحل: ما يوضع على ظهر البعير للرّكوب.
(٣) أي قال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون.
[ ٢٩٨ ]
أتى الجيش، فقال أهل الإفك ما قالوا، وكان الّذي تولّى كبر «١» ذلك عبد الله بن أبيّ.
[مرض عائشة ﵂ وإخبار أمّ مسطح لها بالأمر]
/ فقدمنا (المدينة)، فاشتكيت بها شهرا، والنّاس يفيضون في قول أهل الإفك، ولا علم لي بذلك حتّى نقهت- أي: شفيت- فخرجت ليلة أنا وأمّ مسطح للبراز- بفتح الموحّدة، أي: المكان البارز- وذلك قبل أن نتّخذ الكنف «٢»، فعثرت أمّ مسطح في مرطها «٣»، فقالت: تعس مسطح، فقلت لها: بئس ما قلت لرجل شهد (بدرا)، قالت: ألم تسمعي ما قال؟ - وكان ممّن خاض في حديث الإفك- فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضا على مرضي، فلمّا رجعت إلى بيتي، دخل عليّ رسول الله ﷺ فسلّم- وقد رابني منه أنّي لا أرى منه اللّطف- أي: بالتّحريك- الّذي كنت أراه منه حين أشتكي، إنّما يدخل ويسلّم ويسأل عنّي، ثمّ ينصرف، فقلت له: أتأذن لي أن آتي أبويّ؟، وأنا أريد أن أستيقن الخبر، فأذن لي.
[مواساة أمّ رومان لابنتها ﵄]
فأتيت أبويّ فقلت لأمّي: يا أمّاه، ماذا يتحدّث النّاس به؟
فقالت: يا بنيّة، هوّني على نفسك الأمر، فقلّما حظيت امرأة عند زوجها إلّا حسدت، فقلت: سبحان الله أو لقد تحدّث النّاس بهذا؟
فبكيت تلك اللّيلة، لا يرقأ «٤» لي دمع، ولا أكتحل بنوم.
[استشارة النّبيّ ﷺ أصحابه بشأن عائشة ﵂]
فلمّا أصبح النّبيّ ﷺ استشار عليّ بن أبي طالب وأسامة بن زيد في فراقي.
_________________
(١) تولّى كبره: معظّمه.
(٢) الكنف: الخلاء. كأنّه كنف في أستر النّواحي.
(٣) المرط: كساء من صوف.
(٤) يرقأ الدّمع: يسكن ويجفّ وينقطع جريانه.
[ ٢٩٩ ]
فأمّا أسامة فقال: يا رسول الله، أهلك، والله ما نعلم إلّا خيرا.
وأمّا عليّ فقال: يا رسول الله، لن يضيّق الله عليك، والنّساء سواها كثير، وسل الجارية تصدقك.
فدعا رسول الله ﷺ بريرة، فقال: «يا بريرة، هل رأيت في عائشة شيئا يريبك؟»، قالت: لا، والّذي بعثك بالحقّ.
فائدة [: في حرص الصّحابة على إراحة خاطره ﷺ]
قال العلماء: إنّما رأى عليّ ﵁ من النّبيّ ﷺ انزعاجا وقلقا، فأراد راحة خاطره.
قلت: وممّا يدلّ على أنّهم كانوا يرون انزعاج خاطره أشدّ عليهم من كلّ أمر: أنّ عمر لمّا قال للأنصاريّ: أجاء الغسانيّ؟
قال: بل أشدّ، اعتزل النّبيّ ﷺ نساءه «١» .
[خطبة النّبيّ ﷺ بشأن الإفك]
قالت عائشة/: فقام رسول الله ﷺ في النّاس واستعذر من عبد الله بن أبيّ «٢»، فقال: «من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهل بيتي؟ فو الله ما علمت على أهل بيتي إلّا خيرا، ولقد ذكروا
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٥٥٠٥) . قلت: ونصّ الخبر في «البخاريّ»؛ قال عمر ﵁: (فخرجت من عندها وكان لي صاحب من الأنصار إذا غبت أتاني بالخبر، وإذا غاب كنت أنا آتيه بالخبر، ونحن نتخوّف ملكا من ملوك غسّان ذكر لنا أنّه يريد أن يسير إلينا، فلقد امتلأت صدورنا منه، فإذا صاحبي الأنصاريّ يدقّ الباب، فقال: افتح افتح، فقلت: (جاء الغسّانيّ؟)، فقال: بل أشدّ من ذلك؛ اعتزل رسول الله ﷺ أزواجه، فقلت: رغم أنف حفصة وعائشة ) . (أنصاريّ) .
(٢) استعذر: طلب العذر في قتله.
[ ٣٠٠ ]
رجلا ما علمت عليه إلّا خيرا» .
فقام سعد بن معاذ سيّد الأوس، فقال: أنا والله أعذرك منه، إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك، فقام سعد بن عبادة- وكان رجلا صالحا، ولكن احتملته الحميّة- فقال لسعد بن معاذ: كذبت، والله لا تقتله ولا تقدر على ذلك، فتثاور الحيّان «١» في المسجد حتّى همّوا أن يقتتلوا، فلم يزل رسول الله ﷺ يخفّضهم حتّى سكتوا.
قالت: وبكيت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، ثمّ بكيت ليلتي المقبلة.
قالت: وأصبح عندي أبواي، وقد بكيت ليلتين ويوما «٢»، حتّى أظنّ أنّ البكاء فالق كبدي.
قالت: فبينما هما عندي وأنا أبكي، إذ دخل علينا رسول الله ﷺ فسلّم، ثمّ جلس عندي، قالت: ولم يجلس عندي من يوم قيل ما قيل، وقد مكث شهرا لا يوحى إليه في شأني بشيء «٣»، فتشهّد رسول الله ﷺ، ثمّ قال: «أمّا بعد: يا عائشة، فإنّه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة، فسيبرّئك الله، وإن كنت ألممت
_________________
(١) تثاور الحيّان: نهض بعضهم إلى بعض من الغضب.
(٢) قال الحافظ ابن حجر في «الفتح»، ج ٨/ ٤٧٤: أي: اللّيلة الّتي أخبرتها فيها أمّ مسطح الخبر، واليوم الّذي خطب النّبيّ ﷺ النّاس، واللّيلة الّتي تليه.
(٣) قال السّهيليّ في «الرّوض الأنف»، ج ٤/ ٢٣: كان نزول براءة عائشة ﵂ بعد قدومهم المدينة بسبع وثلاثين ليلة في قول بعض المفسّرين، وقال الحافظ ابن حجر في «الفتح»، ج ١/ ٤٧٥: عن ابن حزم: أنّ المدّة كانت خمسين يوما أو أزيد. والله أعلم.
[ ٣٠١ ]
بذنب، فاستغفري الله، وتوبي إليه، فإنّ العبد إذا اعترف بذنبه ثمّ تاب، تاب الله عليه» .
فقلت لأبي: أجب عنّي رسول الله ﷺ، فقال: والله ما أدري ما أقول له، فقلت لأمّي: أجيبي عنّي رسول الله ﷺ، فقالت:
والله ما أدري ما أقول له، فقلت: والله لئن قلت لكم: إنّي بريئة- والله يعلم ذلك- لا تصدّقوني بذلك، وقد استقرّ في أنفسكم ما تحدّث به النّاس، ولئن اعترفت بذنب والله يعلم أنّي منه لبريئة لتصدّقنّي، فو الله ما أجد لي ولكم مثلا إلّا أبا يوسف- والتمست اسم يعقوب فدهشت «١» - إذ قال/: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ [سورة يوسف ١٢/ ١٨] .
قالت: ثمّ تحوّلت واضطجعت على فراشي، وأنا والله أعلم أنّ الله سيبرّئني، وما كنت أظنّ أن ينزل الله في شأني وحيا يتلى، ولشأني في نفسي كان أحقر من ذلك، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ رؤيا يبرّئني الله بها، فو الله ما قام من مجلسه حتّى أخذه ما كان يأخذه من البرحاء «٢»، من ثقل الوحي، ثمّ سرّي عنه وهو يضحك، وقال: «أبشري يا عائشة، فقد برّأك الله»، فقلت: لا أحمد إلّا الله الّذي أنزل براءتي، لقد سمعتموه فما أنكرتموه ولا غيّرتموه» .
قال العلماء: فبيّنت أنّهم لا حمد لهم بالنّسبة إلى براءتها لعلمهم بحسن سيرتها.
_________________
(١) دهش المرء: ذهب عقله من وله أو فزع أو حياء.
(٢) البرحاء: الشّدّة الّتي كانت تصيبه عند نزول الوحي.
(٣) أخرج البخاريّ قصّة حديث الإفك، برقم (٣٩١٠- ٤٤٧٣) .
[ ٣٠٢ ]
وفي رواية: وكنت أشدّ ما كنت غضبا «١» . فأظهرت وجه العذر.
قالت: وأنزل الله ﷿: إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ- أي: في الآخرة-[سورة النّور ٢٤/ ١١] .
فائدة [في طرق روايات حديث الإفك]
روى البخاريّ ومسلم حديث الإفك من طريق الزّهريّ، عن عروة وهشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة.
وانفرد البخاريّ بروايته له من طريق مسروق بن الأجدع، عن أمّ رومان أمّ عائشة، مصرّحا بسماعه منها، وهو يردّ ما زعمه أبو بكر الخطيب وجماعة من الحفّاظ من أنّ أمّ رومان ماتت في حياة النّبيّ ﷺ، وصلّى عليها سنة ستّ؛ بل حديث نزول آية التّخيير وفيه: «لا تعجلي حتّى تستأمري أبويك» «٢» - أي: أبا بكر وأمّ رومان- كما صرّح به في رواية الإمام أحمد يردّ ما قالوه، لأنّ التّخيير سنة تسع. والله أعلم «٣» .
[موقف عائشة من حسّان ﵄]
قال عروة: لم يسمّ من أهل الإفك غيره إلّا حسّان بن ثابت، ومسطحا، وحمنة بنت جحش، غير أنّهم عصبة كما قال الله تعالى «٤» .
_________________
(١) أخرجه التّرمذيّ، برقم (٣١٨٠) .
(٢) أخرجه البخاريّ، برقم (٢٣٣٦) .
(٣) أخرجه أحمد في «مسنده»، برقم (٢٥٧٣٩) . وآية التّخيير نزلت سنة تسع للهجرة، قبل غزوة تبوك.
(٤) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٩١٠) .
[ ٣٠٣ ]
قال- أي: عروة- وكانت عائشة تكره أن يسبّ عندها حسّان، وتقول إنّه الّذي يقول، [من الوافر] «١»:
فإنّ أبي ووالده وعرضي لعرض محمّد منكم وقاء
/ وكان حسّان أيضا يعتذر عن ذلك. ومن شعره فيه وفي مدح عائشة ﵂ قوله، [من الطّويل] «٢»:
حصان رزان ما تزنّ بريبة وتصبح غرثى من لحوم الغوافل «٣»
عقيلة حيّ من لؤيّ بن غالب كرام المساعي مجدهم غير زائل «٤»
مهذّبة قد طيّب الله خيمها وطهّرها من كلّ سوء وباطل «٥»
فإن كنت قد قلت الّذي قد زعمتم فلا رفعت سوطي إليّ أناملي
وكيف وودّي ما حييت ونصرتي لآل رسول الله زين المحافل
له شرف عال على النّاس كلّهم تقاصر عنه سورة المتطاول «٦»
_________________
(١) ابن هشام، ج ٣/ ٣٠٦.
(٢) ابن هشام، ج ٣/ ٣٠٦.
(٣) حصان: المرأة العفيفة. رزان: ذات ثبات ووقار وسكون. ما تزنّ: ماتتّهم. غرثى: جائعة.
(٤) العقيلة: الكريمة. المساعي: ما يسعى فيه من طلب المجد والمكارم.
(٥) خيمها: طبعها.
(٦) السّورة (بفتح السّين): الوثبة، (وبضمّ السّين): المنزلة.
[ ٣٠٤ ]
قالت عائشة ﵂: فلمّا أنزل الله تعالى براءتي، قال أبو بكر- وكان ينفق على مسطح لقرابته منه-: والله لا أنفق على مسطح أبدا بعد الّذي قال لعائشة ما قال، فأنزل الله ﷿:
وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [سورة النّور ٢٤/ ٢٢] .
فقال أبو بكر: بلى، والله إنّي لأحبّ أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح الّذي يجرى عليه «١» .
فائدة [: في كفر من يعتقد أنّ عائشة ﵂ لم تكن بريئة]
لا يخفى أنّ بين حديث نزول سورة المنافقين وحديث الإفك مناسبة من وجوه:
منها: إنّهما وقعا في الرّجوع من غزوة واحدة.
ومنها: إنّ سورة المنافقين في براءة زيد بن أرقم عن الإفك، وهو الكذب المتّهم به، وحديث الإفك في براءة عائشة ﵂ عمّا قذفت به، فهي براءة قطعيّة بنصّ القرآن، حتّى إنّ من يشكّك في براءتها فهو كافر بالإجماع.
بل قال ابن عبّاس ﵄ في تفسير قوله تعالى:
فَخانَتاهُما [سورة التّحريم ٦٦/ ١٠]- أي: امرأة نوح نوحا، وامرأة لوط لوطا-: لم تزن امرأة نبيّ قطّ.
وفي «الصّحيحين»، أنّ صفوان بن المعطّل قال: والله ما كشفت
_________________
(١) ابن هشام، ج ٣/ ٣٠٤.
[ ٣٠٥ ]
عن كنف أنثى قطّ- أي: أنّه كان حصورا لا يأتي النّساء «١» -.
وسيأتي أنّ (الخندق) في شوّال، فيلزم أنّ حديث الإفك قبل شوّال، / لأنّ سعد بن معاذ أصيب ب (الخندق) وهو القائم بعذر النّبيّ ﷺ في الإفك، كما سبق.
[فضل عائشة ومنزلتها من العلم]
وسبق أنّ عائشة دخل بها النّبيّ ﷺ في شوّال بعد (بدر) «٢»، وهي بنت تسع، فيكون سنّها يوم الإفك أقلّ من إحدى عشرة سنة، ومن تأمّل ثباتها فيه كقولها: (ولشأني في نفسي أحقر من أن ينزل الله فيّ قرآنا يتلى)، علم أنّ الله يزكّي من يشاء: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا [سورة النّور ٢٤/ ٢١] .
وأمّا علوّ درجتها بعد ذلك في العلم فأشهر من أن يذكر:
كقولها لمّا قال مسروق: هل رأى محمّد ﷺ ربّه؟ [فقالت]:
لقد قفّ شعري «٣» .
وقولها لمّا قال لها عروة: وظنّوا أنّهم قد كذبوا- مخفّفة-[فقالت]: معاذ الله أن تكون الرّسل تظنّ ذلك بربّها «٤» .
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٩١٠) . ومسلم برقم (٢٧٧٠/ ٥٦) . الكنف: الثّوب الّذي يستر. وهو هنا كناية عن عدم جماع النّساء جميعهنّ ومخالطتهنّ. الحصور: الّذي لا يأتي النّساء؛ سمّي بذلك لأنّه حبس عن الجماع ومنع. (أنصاريّ) . قلت: وهو في هذا الحديث- أي: الحصور- مجبوب الذّكر والأنثيين.
(٢) قلت: كان دخول النّبيّ ﷺ بعائشة في شوّال من السّنة الأولى للهجرة، وليس بعد بدر. وقد تقدّم الحديث عن ذلك، ص ٢٠٣.
(٣) أخرجه البخاريّ، برقم (٤٥٧٤) . قفّ شعري: قام من الفزع.
(٤) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٢٠٩) .
[ ٣٠٦ ]
وبمثل ذلك يعلم جلالة قدرها فيما يجب لله سبحانه من التنزيه، ولرسله من العصمة.
ومنها: إنّ الّذي تولّى كبر الحدثين معا عبد الله بن أبيّ، المنافق مرّة بعد أخرى، مع ما سبق من معاشرة النّبيّ ﷺ له معاشرة حسنة.
قال العلماء: وكان تقريره ﷺ له من باب ترجيح المصلحة العامّة، وهي تأليف القلوب وخشية التّنفير عن الإسلام المشار إليه بقوله: «لا يتحدّث النّاس أنّ محمّدا يقتل أصحابه» «١» .
مع ما سبق من غضب قومه له، وأنّ سعد بن عبادة حملته الحميّة، هذا ولو لم يكن لسعد بعد شهود (العقبة وبدر) إلّا قوله يوم (بدر): (والّذي بعثك بالحقّ، لو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى (برك الغماد) «٢» لفعلنا، أو نخيضها البحر لأخضناها معك) «٣» .
فترجّحت هذه المصلحة العامّة على المفسدة الخاصّة به ﷺ، لأنّ الأذى راجع إليه وإلى أهله، فاحتمله لمصلحة المسلمين العامّة.
كما عفا عن غورث بن الحارث الّذي اخترط عليه السّيف.
وعن اليهوديّة الّتي أطعمته السّمّ، وغير ذلك. والله أعلم.
[غزوة الخندق أو الأحزاب]
وفي هذه السّنة- وهي الرّابعة «٤» -: كانت غزوة/ (الخندق)، وتسمّى غزوة الأحزاب، في شوّال منها، لحول الحول من غزوة (أحد) «٥»، ثمّ غزوة بني قريظة.
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٤٦٢٤) . عن جابر بن عبد الله ﵄.
(٢) برك الغماد: تقع في جنوب القنفذة ب (١١١) كيلو مترا. والقنفذة: بلدة وميناء على ساحل البحر الأحمر جنوب جدّة. وبرك الغماد قرية من قرى القنفذة.
(٣) أخرجه مسلم، برقم (١٧٧٩/ ٨٣) . عن أنس بن مالك ﵁.
(٤) بل هي في السنة الخامسة.
(٥) قلت: قال ابن القيّم في «زاد المعاد»، ج ٣/ ٢٦٩: (وكانت غزوة
[ ٣٠٧ ]
[سببها]
أمّا غزوة (الخندق) فسببها: أنّ رسول الله ﷺ لمّا أجلى بني النّضير، ولحق رئيسهم حييّ بن أخطب ب (خيبر)، ذهب بعد ذلك إلى (مكّة) في رجال من قومه، ودعوا قريشا إلى حرب رسول الله ﷺ، بعد أن سألوهم: أيّنا أهدى سبيلا نحن أم محمّد؟
فقالوا: بل أنتم أهدى سبيلا منه.
وفيهم أنزل الله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ- والجبت: الأصنام، والطّاغوت: طغاة المشركين- وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا. أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا [سورة النّساء ٤/ ٥١- ٥٢] .
[خروج المشركين]
فلمّا أجابتهم قريش إلى ذلك تقدّموا إلى قبائل قيس عيلان- بمهملة- من أهل (الطّائف) وغطفان وهوازن وغيرهم، فدعوهم إلى مثل ذلك، فأجابوهم.
[مشاورة النّبيّ ﷺ أصحابه]
فلمّا علم بهم النّبيّ ﷺ استشار أصحابه، فأشار عليه سلمان الفارسيّ ﵁ بحفر الخندق، فشرع فيه، وقسّمه بين المهاجرين والأنصار، فاجتهدوا في حفره متنافسين في رضا الله ورسوله، بحيث لا ينصرف أحد منهم لحاجته حتّى يستأذن النّبيّ ﷺ.
_________________
(١) الخندق في سنة خمس من الهجرة في شوّال على أصحّ القولين، إذ لا خلاف أنّ غزوة أحد كانت في شوّال سنة ثلاث، وواعد المشركون رسول الله ﷺ في العام المقبل، وهو سنة أربع، ثمّ أخلفوا لأجل جدب تلك السّنة، فرجعوا، فلمّا كانت سنة خمس، جاؤوا لحربه) . وهذا قول أهل السّير والمغازي.
[ ٣٠٨ ]
[مشاركة النّبيّ ﷺ أصحابه العمل]
وكان ﷺ ينقل معهم التّراب على عاتقه، ويكابد معهم النّصب والجوع.
[ارتجاز النّبيّ ﷺ مع أصحابه]
ويرتجز معهم بأبيات عبد الله بن رواحة، [من الرّجز] «١»:
والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدّقنا ولا صلّينا
فأنزلن سكينة علينا وثبّت الأقدام إن لاقينا
إنّ الّذين قد بغوا علينا إذا أرادوا فتنة أبينا
ويمدّ بها صوته: أبينا أبينا.
وكانوا يرتجزون، [من الرّجز] «٢»:
نحن الّذين بايعوا محمّدا على الجهاد ما بقينا أبدا
فيجيبهم [ﷺ]:
«اللهمّ لا عيش إلّا عيش/ الآخره فاغفر للأنصار والمهاجره»
وأصله: «اللهمّ إنّ العيش عيش الآخره، فاغفر للأنصار- بالنّقل- والمهاجره» .
وفي «الصّحيحين»، عن البراء بن عازب [﵄]: رأيت النّبيّ ﷺ ينقل من تراب الخندق حتّى وارى [عنّي] الغبار جلدة بطنه، وكان كثير الشّعر- أي شعر أعالي الصّدر- لأنّه ﷺ كان دقيق المسربة «٣» .
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٨٧٨) .
(٢) أخرجه البخاريّ، برقم (٢٨٠١) .
(٣) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٨٨٠) . ومسلم برقم (١٨٠٣/ ١٢٥) . المسربة (بضمّ الرّاء وفتحها): هو الشّعر الدّقيق، الّذي يأخذ من الصّدر إلى السّرّة.
[ ٣٠٩ ]
[حصار المسلمين]
ولمّا فرغوا من الخندق وأقبلت جموع الأحزاب في عشرة آلاف، وأحاطوا ب (المدينة) من جميع جهاتها، واشتدّ الحصار على المسلمين، كما قال الله تعالى: إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا. هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا [سورة الأحزاب ٣٣/ ١٠- ١١] .
[ظهور النّفاق]
وعند ذلك ظهر نفاق المنافقين، واضطرب إيمان ضعفاء الإيمان، كما قال الله تعالى: وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا الآيات [سورة الأحزاب ٣٣/ ١٢] .
وكانوا يقولون: يعدنا محمّد أن نفتح (مكّة والشّام والعراق)، وأحدنا لا يقدر أن يذهب إلى الغائط. وامتدّ الحصار قريبا من شهر.
ثمّ زاد الأمر شدّة أنّ حييّ بن أخطب تقدّم إلى بني قريظة فلم يزل بهم حتّى نقضوا العهد.
[نقض بني قريظة العهد]
ثمّ إنّ النّبيّ ﷺ لمّا رآى ما أصحابه فيه من الشّدّة، استشار الأنصار في أن يعطي عيينة بن حصن الفزاريّ، والحارث بن عوف المرّيّ- قائدي غطفان- ثلث ثمار (المدينة)، على أن يفرّقا الجمع، فقال له سعد بن معاذ ﵁: أهذا أمر أمرك الله به لا بدّ منه، فالسّمع والطّاعة لله ولرسوله، أم هو أمر تصنعه لنا؟
قال: «لا، بل لأنّني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، فأردت أن أكسر شوكتهم»، فقال له سعد: قد كنّا ونحن وهؤلاء على الشّرك، وهم لا يطمعون منّا بتمرة إلّا قرى أو بيعا، أفحين
[ ٣١٠ ]
أكرمنا الله بالإسلام وأعزّنا بك نعطيهم/ أموالنا؟! والله لا نعطيهم إلّا السّيف «١» .
[دعاء النّبيّ ﷺ على الأحزاب]
فسرّ بذلك رسول الله ﷺ وقال: «اللهمّ منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهمّ اهزمهم وزلزلهم» «٢» .
ولم يكن بين القوم قتال إلّا الرّمي بالنّبل والحصى، فأوقع الله بينهم التّخاذل.
[تأييد الله نبيّه ﷺ بالرّيح]
ثمّ أرسل الله عليهم في ظلمة شديدة من اللّيل ريح الصّبا الشّديدة، في برد شديد، فأسقطت خيامهم، وأطفأت نيرانهم وزلزلتهم، حتّى جالت خيولهم بعضها في بعض في تلك الظّلمة، فارتحلوا خائبين.
[بعث النّبيّ ﷺ حذيفة بن اليمان ليتحسّس أخبار المشركين]
وفي «٣» «الصّحيحين»، أنّ النّبيّ ﷺ قال: «من يأتيني بخبر القوم؟»، فقال الزّبير: أنا، ثمّ قال: «من يأتيني بخبر القوم؟»، فقال الزّبير: أنا، فقال النّبيّ ﷺ: «إنّ لكلّ نبيّ حواريّا وحواريّ الزّبير» «٤» .
زاد ابن إسحاق أنّ الزّبير قال: فذهبت، فدخلت بينهم، فنادى أبو سفيان: إن هذه الظّلمة ظلمة شديدة، فليسأل كلّ منكم
_________________
(١) أورده الهيثميّ في «مجمع الزّوائد»، ج ٢/ ١٣٢.
(٢) أخرجه البخاريّ، برقم (٢٧٧٥) .
(٣) ذكر هنا أنّ الزّبير بن العوّام هو الّذي تحسّس خبر المشركين بعد انتهاء المعركة. قلت: أمّا الزّبير فأرسله النّبيّ ﷺ إلى بني قريظة ليتأكّد من صدق خبر نقض بني قريظة العهد. أمّا الّذي تحسّس خبر المشركين عقب تأييد الله نبيّه بريح الصّبا الّتي هزمت المشركين؛ إنّما هو: حذيفة بن اليمان ﵄.
(٤) أخرجه البخاريّ، برقم (٢٦٩١) .
[ ٣١١ ]
جليسه من هو؟ قال: فبدأت بجليسي، وقلت: من أنت؟
ومكثت إلى أن ارتحلوا.
ثمّ أتيت النّبيّ ﷺ بخبرهم. فحمد الله وأثنى عليه.
فأنزل الله ﷿ مذكّرا لعباده ما منّ به عليهم قوله تعالى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْها- أي: الملائكة- إلى قوله: وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا [سورة الأحزاب ٣٣/ ٩- ٢٥] .
[ما ظهر للنّبيّ ﷺ من الآيات في حفر الخندق]
ووقع في أيّام حفر (الخندق) معجزات باهرة من علامات نبوّته ﷺ.
[أمر الكدية]
كحديث الكدية: وهي قطعة من الجبل الّتي اعترضت لهم في حفر (الخندق)، فلم يعمل فيها المعول، وأعيت فيها الحيل، فأخذ ﷺ المعول وسمّى الله فضربها، فانهالت كالكثيب «١» .
[تكثير طعام أنس ﵁]
وكحديث أبي طلحة: حيث بعث/ أنسا بأقراص من شعير تحت إبطه، ففتّها ﷺ وأطعم منها ثمانين «٢» .
[تكثير طعام جابر بن عبد الله ﵄]
وكحديث جابر: حيث دعا النّبيّ ﷺ خامس خمسة، على صاع من شعير وعناق ذبحها لهم، لمّا رأى النّبيّ ﷺ قد ربط حجرا على بطنه من شدّة الجوع، فبصق ﷺ في البرمة وفي العجين، ونادى في أهل (الخندق) وكانوا ألفا على ما بهم من الجوع، فأشبعهم جميعا خبزا وثريدا ولحما.
_________________
(١) الكثيب: الرّمل المستطيل المحدودب. وأخرج الخبر البخاريّ، برقم (٣٨٧٥) .
(٢) ذكر القصّة مسلم، برقم (٢٠٤٠/ ١٤٢) .
[ ٣١٢ ]
وقال جابر: فأقسم، بالله لقد انصرفوا وإنّ برمتنا لتغطّ كما هي، وإنّ عجيننا ليخبز كما هو «١» .
[إخباره ﷺ بانتهاء غزو قريش لهم]
وكقوله ﷺ لمّا انصرفت الأحزاب: «لن تغزونا قريش بعدها أبدا، بل نغزوهم ولا يغزوننا» «٢» .
فكان كما قال، وكانت تلك الشّدّة خاتمة الشّدائد.
[غزوة بني قريظة]
وأمّا غزوة بني قريظة: فسببها ما سبق من نقضهم العهد.
[أمر الله تعالى نبيّه ﷺ بالمسير إلى بني قريظة]
وفي «الصّحيحين»، أنّ النّبيّ ﷺ لمّا رجع من (الخندق)، ووضع السّلاح، واغتسل، أتاه جبريل ﵇، فقال: قد وضعت السّلاح؟، والله ما وضعناه «٣»، فاخرج إليهم، قال:
«فإلى أين؟»، قال: ها هنا. وأشار بيده إلى بني قريظة، فخرج إليهم النّبيّ ﷺ «٤» .
[النّبيّ ﷺ يأمر أصحابه بالخروج]
وفيهما-[أي: الصّحيحين]- أنّه ﷺ قال: «لا يصلّينّ أحد العصر إلّا في بني قريظة»، فأدرك بعضهم العصر في الطّريق، فقال بعضهم: لا نصلّي حتّى نأتيها- أي: ولو غربت الشّمس متمسّكا بظاهر اللّفظ- وقال بعضهم: بل نصلّي، لم يرد منّا ذلك- ففهم من النّصّ معنى خصّصه به- فذكر ذلك للنّبيّ ﷺ، فلم يعنّف واحدا منهم «٥» .
_________________
(١) ذكر القصّة البخاريّ، برقم (٣٨٧٦) . العناق: الأنثى من ولد المعز.
(٢) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٨٨٤)، بنحوه.
(٣) أي: لم تضع الملائكة السّلاح.
(٤) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٨٩١) . ومسلم برقم (١٧٦٩/ ٦٥) . عن عائشة ﵂.
(٥) أخرجه البخاريّ، برقم (٩٠٤) . ومسلم برقم (١٧٧٠/ ٦٩) . عن ابن عمر ﵄.
[ ٣١٣ ]
قلت: وفي ذلك فسحة للأئمة المجتهدين ﵃، وأنّ كلّ مجتهد مصيب- أي: في الفروع- إذ لم يخصّ النّبيّ ﷺ أحدا من الفريقين بصواب ما ذهب إليه.
[شأن أبي لبابة ﵁]
فلمّا نزل ﷺ بساحتهم، وحاصرهم/ واشتدّت عليهم وطأته، أرسلوا إليه أن أرسل إلينا أبا لبابة- بموحّدة مكرّرة- الأنصاريّ الأوسيّ، وكانوا حلفاء الأوس، فأرسله إليهم، فلمّا أقبل عليهم تلقّاه النّساء والصّبيان يبكون في وجهه، فرقّ لهم، فقالوا: أترى أن ننزل على حكم محمّد؟ قال: نعم، وأشار بيده إلى حلقه- يعني: أنّ حكمه الذّبح- ثمّ ندم في مقامه، وعلم أنّه قد خان الله ورسوله، فلم يرجع إلى النّبيّ ﷺ، بل ذهب إلى (المدينة)، وربط نفسه بسارية في المسجد، وقال: والله لا أذوق ذواقا حتّى يطلقني النّبيّ ﷺ بيده، فأقام على ذلك سبعة أيّام لا يذوق ذواقا حتّى خرّ مغشيّا عليه، فنزل فيه: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [سورة التّوبة ٩/ ١٠٢] .
فتاب الله عليه، وغفر له ورحمه، فأطلقه النّبيّ ﷺ بيده، ولم يطأ بلد بني قريظة حتّى مات، وكان يقول: والله لا أرى ببلد خنت الله ورسوله فيها، وكان له بها أموال فتركها ﵁.
[نزول بني قريظة على حكم سعد بن معاذ ﵁]
ثمّ إنّ بني قريظة سألوا النّبيّ ﷺ أن يقبل منهم ما قبل من إخوانهم بني النّضير، بأن يجلو عن بلدهم، ولهم ما أقلّت الإبل، فأبى عليهم لما تولّد من حييّ بن أخطب من الشّرّ، فنزلوا على حكمه ﷺ، فجاء حلفاؤهم من الأوس، وقالوا: هبهم لنا يا رسول الله كما وهبت بني قينقاع لحلفائهم الخزرج، فقال: «ألا
[ ٣١٤ ]
ترضون أن يحكم فيهم سيّدكم سعد بن معاذ»؟ قالوا: بلى.
[توجّه سعد ﵁ إلى بني قريظة]
وكان سعد قد أصيب بسهم يوم (الخندق)، فجعله النّبيّ ﷺ في خيمة في المسجد، ليعوده عن قرب، فأتاه قومه فاحتملوه على حمار، وأقبلوا به، وهم يقولون: يا أبا عمرو، أحسن في مواليك- أي: حلفائك-/ فقال: لقد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم. فعلموا أنّه قاتلهم.
فلمّا دنا من النّبيّ ﷺ قال لمن عنده: «قوموا إلى سيّدكم»، فقاموا له. فالمهاجرون قالوا: إنّما أراد الأنصار، والأنصار قالوا: قد عمّ بها.
[حكم سعد ﵁ في بني قريظة]
فحكم فيهم بقتل الرّجال وسبي الذّراريّ والنّساء، وقسمة الأموال، فقال النّبيّ ﷺ: «لقد حكمت بحكم الله فيهم» «١» .
[تنفيذ الحكم في بني قريظة]
فخدّ لهم أخدود، وضرب أعناق رجالهم وألقاهم فيه، وكان عدد من قتل منهم نحو سبع مئة- بتقديم السّين- وقيل: نحو تسع مئة- بتقديم التّاء-.
وفيهم أنزل الله تعالى متفضّلا بقوله: وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ- أي: أعانوا
_________________
(١) قلت: قال أبو شهبة﵀-: وهذا الحكم هو ما قضى به كتابهم المقدّس (العهد القديم)، في حقّ العدو المهزوم. ففي سفر التّثنية، الإصحاح ١٣، فقرة ١٣/ ١٤: (وإذا دفعها الرّبّ إلهك إلى يدك، فاضرب جميع ذكورها بحدّ السّيف، وأمّا النّساء والأطفال والبهائم وكلّ ما في المدينة، كلّ غنيمتها لنفسك، وتأكل غنيمة أعدائك الّتي أعطاك الرّبّ إلهك) . وهكذا يتبيّن لنا أنّ ما قضى به سيّدنا سعد لم يخرج عمّا حكمت به التّوراة. وأيضا فهم ليسوا أعداء مهزومين فحسب، بل هم خائنون غادرون غير وافين بالعهد. (انظر السّيرة النّبويّة، ج ٢/ ٤٠٩) .
[ ٣١٥ ]
قريشا وأحزابها- مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ- أي:
حصونهم، وأصلها قرون البقر- وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا. وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَؤُها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا [سورة الأحزاب ٣٣/ ٢٥- ٢٧] .
[وفاة سعد بن معاذ ﵁]
وكان سعد ﵁ لمّا أصيب يوم (الخندق) دعا الله تعالى فقال: (اللهمّ فإن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها، وإلّا فاجعله لي شهادة، ولا تمتني يا ربّ حتّى تقرّ عيني من بني قريظة) .
فلمّا انقضى شأنهم ورجع إلى خيمته بالمسجد، استجاب الله له دعوته، فانفجر جرحه، فمات فيها.
ولم يشعر أحد بموته حتّى نزل جبريل ﵇ فقال: من هذا الّذي فتحت لروحه أبواب السّماء، واهتزّ له عرش الرّحمن؟
- أي: طربا لقدومه- فقام النّبيّ ﷺ مسرعا، فإذا سعد قد مات ﵁.
[زواج الرّسول ﷺ من زينب بنت جحش ﵂]
وفي السّنة الخامسة: بنى النّبيّ ﷺ بأمّ المؤمنين زينب بنت جحش الأسديّة ﵂، وأمّها أميمة بنت عبد المطّلب؛ عمّة رسول الله ﷺ بعد أن زوّجه الله إيّاها/، وكان لزواجها شأن جليل.
وذلك أنّ النّبيّ ﷺ كان خطبها أوّلا لمولاه زيد بن حارثة، فترفّعت عليه لشرف نسبها وجمالها، وساعدها أخوها عبد الله بن جحش، فأنزل الله ﷿ فيهما: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا [سورة الأحزاب ٣٣/ ٣٦] .
[ ٣١٦ ]
فلمّا سمعا ذلك رضيا طاعة لله ولرسوله، فأنكحها النّبيّ ﷺ زيدا، فمكثت عنده ما شاء الله.
ثمّ رآها النّبيّ ﷺ يوما متزيّنة فأعجبته، ورغب في نكاحها لو طلّقها زيد، فأوقع الله كراهيّتها في قلب زيد، فجاء إلى النّبيّ ﷺ يستأمره في فراقها، فقال له: «أمسك عليك زوجك واتّق الله» - أي: في طلاقها من غير سبب- فأبى إلّا طلاقها وطلّقها «١» .
وفي «صحيح مسلم»، أنّها لمّا انقضت عدّتها بعثه النّبيّ ﷺ إليها ليخطبها له، قال زيد «٢»: فلمّا جئتها عظمت في صدري، حتى ما أستطيع أن أنظر إليها إجلالا للنّبيّ ﷺ، فولّيتها ظهري، وقلت: يا زينب، أرسلني رسول الله ﷺ إليك يذكرك، فقالت:
ما أنا بصانعة شيئا حتّى أوامر ربّي «٣»، فقامت إلى مسجدها- تصلّي الاستخارة «٤» - فنزل القرآن بقوله تعالى: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ- أي: بالإسلام- وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ- أي: بالعتق- أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ- أي: مظهره، لأنّه سبق في علمه أنّها ستكون لك- وَتَخْشَى
_________________
(١) قلت: ورويت هذه الروايات في بعض كتب التّفسير والقصص الّتي لا تعنى بالنّقد والتّمييز بين الرّوايات، وهي رواية باطلة عقلا ونقلا. وانظر التّعليق الآتي.
(٢) قلت: قال الحافظ ابن حجر في «الفتح»، ج ٨/ ٥٢٤: (وهذا أيضا من أبلغ ما وقع في ذلك، وهو أن يكون الّذي كان زوجها هو الخاطب، لئلا يظنّ أحد أنّ ذلك وقع قهرا بغير رضاه، وفيه أيضا اختبار ما كان عنده منها هل بقي منه شيء أم لا) .
(٣) آمره في أمره، ووامره واستأمره: شاوره.
(٤) قلت: لعلّها استخارت لخوفها من تقصير في حقّه.
[ ٣١٧ ]
النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ [سورة الأحزاب ٣٣/ ٣٧]- أي: تستحي أنّ ذلك يظهر لئلّا يشنّع عليك المنافقون واليهود أنّك نكحت منكوحة ابنك.
[تحريم التّبني]
وكان من قبل قد تبنّى زيدا، ثمّ حرّم الله ذلك عليه وعلى الأمّة بقوله: ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ/، وقوله:
ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ الآية [سورة الأحزاب ٣٣/ ٤٠، ٥] .
فأمره الله بنكاحها، بل أنكحه إيّاها لتقتدي به الأمّة، كما قال الله تعالى: فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَرًا زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا [سورة الأحزاب ٣٣/ ٣٧] .
فجاء رسول الله ﷺ فدخل عليها بغير استئذان، كما في «صحيح مسلم» «١» .
[افتخار زينب ﵂ بتزويج الله لها]
وفي «الصّحيحين»، عن أنس بن مالك، قال: جاء زيد بن حارثة يشكو، فجعل النّبيّ ﷺ يقول له: «اتّق الله وأمسك عليك زوجك»، قال أنس: وكانت زينب ﵂ تفتخر فتقول لأزواج النّبيّ ﷺ ورضي عنهنّ: زوّجكنّ أهاليكنّ، وزوّجني ربّي من فوق سبع سماوات «٢» .
فائدة
كذا روى ابن إسحاق وغيره من حديث قتادة عن أنس ما تقدّم من أنّ النّبيّ ﷺ رأى زينب متزيّنة فأعجبته، فرغب في نكاحها لو
_________________
(١) أخرجه مسلم، برقم (١٤٢٨/ ٨٩) . عن أنس بن مالك ﵁.
(٢) أخرجه البخاريّ، برقم (٦٩٨٤) .
[ ٣١٨ ]
طلّقها زيد. روى ذلك جمع من المفسّرين بأسانيد قويّة «١» .
وفي «البخاريّ» من حديث ثابت البنانيّ عن أنس بن مالك أنّ هذه الآية: وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ [سورة الأحزاب ٣٣/ ٣٧] نزلت في شأن زينب بنت جحش وزيد بن حارثة ولم يزد. وسبق أنّ الّذي أخفاه هو ما أعلمه الله من أنّها ستكون زوجته. وقال له: أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ استصحابا للحال إلى أن يبلغ الكتاب أجله.
وليس في استحسانه لها، ورغبته في نكاحها لو طلّقها زيد قدح في منصبه الجليل حتّى يوجب الطّعن في الرّوايات الثّابتة المنقولة في هذه القصّة، بل قد جعلها العلماء من أصحابنا أصلا، استدلّوا به
_________________
(١) قلت: وفي هذه الأسانيد القويّة!! عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم، متّهم بالكذب والتّحديث بالغرائب ورواية الموضوعات. وقد تنبّه لبطلانها وزيفها جمع من المحدّثين الرّاسخين. قال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري»، ج ٨/ ٤٢٥: ورويت آثار أخرى أخرجها ابن أبي حاتم والطّبري، ونقلها كثير من المفسّرين، لا ينبغي التّشاغل بها. وقال ابن كثير في «تفسيره»، ج ٥/ ٥٦٠: ذكر ابن أبي حاتم وابن جرير هنا آثارا عن بعض السّلف أحببنا أن نضرب عنها صفحا لعدم صحّتها فلا نوردها. وهذا القول لا يليق بمقام النّبوّة، ولا يليق به ﷺ من مدّ عينيه لما نهي عنه من زهرة الحياة الدّنيا، وهذا لا يتّسم به النّاس، فكيف سيد الأنبياء؟!! ومن أقوى ما يردّ بها على ما لا يليق بمقام النّبوّة أنّ رسول الله ﷺ يعرف زينب من صغرها إلى أن تزوّجها؛ فلو كانت المسألة فيها شيء من الرّغبة الجنسيّة لتزوّجها هو. وإنّما الواقع الحقيقي هو أنّه إبطال لزواج المتبنّي بزوجة من يتبنّاه، وقوله تعالى: وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ أي: تخفي في نفسك ما سيقع من الضّجّة والاعتراض عليك بعد أن تتزوّج زوجة ابنك الّذي تتبنّاه.
[ ٣١٩ ]
على أنّ من خصائصه ﷺ وجوب طلاق من رغب في نكاحها على زوجها، ووجوب إجابتها، فجوّزوا رغبته في نكاح منكوحة/ غيره.
وأنّ في هذه القصّة ما لا يخفى من التّنويه بقدر المصطفى ﷺ، والإعلام بعظيم مكانته عند ربّه ﷾، وأنّه سبحانه يحبّ ما يحبّه، ويكره ما يكرهه، وينوب عنه في إظهار ما استحيا من إظهاره، علما منه سبحانه بأنّه إنّما يفعل ذلك قمعا لشهوته، وردّا لنفسه عن هواها «١»، كما قال سبحانه في الآية الآخرى: إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ [سورة الأحزاب ٣٣/ ٥٣] .
فما نقله القاضي عياض عن ابن القشيريّ وقرّره: من أنّ ما سبق من تجويز رغبته في نكاحها لو طلّقها زيد إقدام عظيم من قائله، وقلّة
_________________
(١) قلت: حاشاه ﷺ عن مثل هذا. ولم يكن زواجه ﷺ لقضاء شهوة، بل لبيان تشريع بفعله ﷺ. فإنّ الفعل آكد، والشّرع يستفاد على نحو أقطع من فعل النّبيّ ﷺ. وما زواجه ﷺ هذا إلّا ليرتفع الحرج والضّيق بين المؤمنين إذا أرادوا الزّواج بمطلّقات أدعيائهم، وهم الّذين تبنوهم في الجاهليّة، ثمّ أبطل الإسلام حكم التّبني، وألغى جميع آثاره. قال أبو شهبة﵀-: وقد نسج المستشرقون والمبشّرون المحترفون من مثل هذه الرّوايات أثوابا من الكذب والخيال. وصوّروه ﷺ بصورة الرّجل الّذي لا همّ له إلّا إشباع رغباته الجنسيّة والجري وراء النّساء. وقد اعتمد هؤلاء في طعونهم بالنّبيّ ﷺ على روايات مختلفة مدسوسة عند أئمة النّقد وعلماء الرّواية، وأغلب الظّنّ أنّها من صنع أسلافهم من اليهود والزّنادقة من الفرس وغيرهم، الّذين عجزوا أن يقاوموا سلطان الإسلام وقوّته، فلجأوا إلى الدّس والكذب، وجاز هذا الزّور على بعض الأغرار من المسلمين، فرووه في كتبهم، ولكنّه ما كان يخفى على العلماء والرّاسخين، فنبّهوا على كذبه، وحذّروا من التّصديق به.
[ ٣٢٠ ]
معرفة بحقّ النّبيّ ﷺ مردود بحثا ودليلا. والله أعلم «١» .
واعلم أنّ نظره إليها كان قبل نزول آية الحجاب، لأنّها نزلت في حال دخوله عليها، مع أنّ الرّاجح أيضا عند المحقّقين أنّ النّساء ما كنّ يحتجبن عنه ﷺ.
[وليمة النّبيّ ﷺ على زينب ﵂]
وفي «الصّحيحين»، عن أنس ﵁ قال: أنا أعلم النّاس بشأن الحجاب، وكان في أوّل ما أنزل في مبتنى النّبيّ ﷺ بزينب، أصبح النّبيّ ﷺ بها عروسا، فأرسلت معي أمّ سليم بحيس من تمر وسمن وأقط «٢» إليه في برمة، فقال لي ضعها، ثمّ أمرني فقال: «ادع لي رجالا- سمّاهم- وادع من لقيت»، ففعلت الّذي أمرني به، فرجعت، فإذا البيت غاصّ بأهله، ورأيت النّبيّ ﷺ وضع يده على تلك الحيسة، وتكلّم بما شاء الله، ثمّ جعل يدعو عشرة عشرة، يأكلون منها، ويقول لهم: «اذكروا اسم الله، وليأكل كلّ رجل ممّا يليه»، حتّى تفرّقوا كلّهم، وبقي نفر يتحدّثون، ثمّ خرج النّبيّ ﷺ نحو الحجرات، وخرجت في إثره، فقلت: إنّهم قد ذهبوا، فرجع ودخل البيت/ وأرخى السّتر، وإنّي لفي الحجرة وهو يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ- إلى قوله- وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ الآية [سورة الأحزاب ٣٣/ ٥٣] «٣» .
وفي «صحيح البخاريّ» عن أنس أيضا قال: أولم رسول الله ﷺ
_________________
(١) قلت: بل قول القاضي عياض، وكذا الزّهريّ، والقاضي بكر بن العلاء، والقاضي أبي بكر بن العربي هو الأصحّ. وأنّ الّذي يقول ذلك جاهل بعصمة النّبيّ ﷺ عن مثل هذا، أو مستخفّ بحرمته.
(٢) الأقط: لبن مجفّف يابس يطبخ به. (أنصاريّ) .
(٣) أخرجه البخاري (٤٨٦٨) . ومسلم (١٤٢٨) .
[ ٣٢١ ]
حين بنى بزينب بنت جحش فأشبع النّاس خبزا ولحما «١» .
وفي رواية: فأرسلت داعيا على الطّعام، فيجيء قوم فيأكلون ويخرجون، ثمّ يجيء قوم فيأكلون ويخرجون، فدعوت حتّى ما أجد أحدا أدعو، فقلت: يا نبيّ الله، ما أجد أحدا أدعوه، فقال: «ارفعوا طعامكم» «٢» .
[صلح الحديبية]
وفي هذه السّنة- وهي الخامسة «٣» - أحرم النّبيّ ﷺ بعمرة، فصدّ عن البيت، فوقع صلح الحديبية بعد بيعة الرّضوان، وذلك أنّه ﷺ خرج في ذي القعدة معتمرا، فأحرم وقلّد الهدي، وأشعر البدن، فاجتمعت قريش على أن تصدّه عن البيت، فاجتمع رأيه على أن يدخلها عليهم قهرا.
وفي ذلك يقول حسّان بن ثابت جوابا لأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطّلب ابن عمّ النّبيّ ﷺ عن شعره الّذي هجا فيه، [من الوافر] «٤»:
هجوت محمّدا فأجبت عنه وعند الله في ذاك الجزاء
هجوت محمّدا برّا تقيّا رسول الله شيمته الوفاء
أتهجوه ولست له بكفء؟ فشرّكما لخير كما الفداء «٥»
فإنّ أبي ووالده وعرضي لعرض محمّد منكم وقاء
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٤٥١٦) .
(٢) أخرجه البخاريّ، برقم (٤٥١٥) . عن أنس ﵁.
(٣) قلت: لعلّ الصّواب السّادسة. والله أعلم.
(٤) ذكر الأبيات الإمام مسلم في «صحيحه»، برقم (٢٤٩٠/ ١٥٧) .
(٥) يقول: كيف تهجوه ولست ندّا له؟ عسى الله أن يجعل السّيّء الشّرير منكما فداء للطّيّب الخيّر.
[ ٣٢٢ ]
عدمنا خيلنا إن لم تروها تثير النّقع موردها كداء «١»
ينازعن الأعنّة مصعدات على أكبادها الأسل الظّلماء «٢»
فإن أعرضتم عنّا اعتمرنا وكان الفتح وانكشف الغطاء
وإلّا فاصبروا لضراب يوم يعزّ الله فيه من يشاء
/ وقال الله: قد أرسلت عبدا يقول الحقّ ليس به خفاء
وجبريل رسول الله فينا وروح القدس ليس له كفاء «٣»
[إرسال النّبيّ ﷺ عثمان بن عفّان لمفاوضة قريش]
ثمّ إنّ رسول الله ﷺ أرسل إليهم عثمان بن عفّان ﵁، فهمّ سفاؤهم أن يقتلوا عثمان، فأجاره ابن عمّه أبان بن سعيد بن العاص بن أميّة، فشاع أنّ قريشا قتلت عثمان، فقال النّبيّ ﷺ:
«لا خير في الحياة بعد عثمان، أما والله لئن قتلوه لأناجزنّهم» «٤» .
[بيعة الرّضوان]
ودعا النّاس إلى تجديد البيعة على الموت، فبايعوه، وكانوا ألفا وأربع مئة.
ثمّ تحقّق كذب الخبر، فضرب [ﷺ] بإحدى يديه على الآخرى، وقال: «هذه لعثمان» «٥» .
_________________
(١) النّقع: الغبار في الحرب. كداء: موضع بأعلى مكّة، وقد دخل الرّسول ﷺ مكة عام الفتح من كداء.
(٢) ينازعن الأعنّة: يجاذبنها الفرسان لسرعة انطلاقهن. مصعدات: مقبلات متوجّهات نحوكم. الأسل: الرّماح، الظّماء: الرّقاق.
(٣) روح القدس: جبريل ﵇، والقدس: الطّهارة. كفاء: مثيل.
(٤) أخرجه البيهقيّ في «الدّلائل»، ج ٤/ ١٣٥. عن عبد الله بن أبي بكر ﵄.
(٥) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٤٩٥) . عن ابن عمر ﵄. وهذه لعثمان: أي أنّ النّبيّ ﷺ بايع لعثمان وقال: «هذه يد عثمان»، فضرب بها على يده، فقال: «هذه لعثمان» .
[ ٣٢٣ ]
ولا يخفى ما في ذلك من الفضيلة لعثمان ﵁.
وأنزل الله ﷿: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ [سورة الفتح ٤٨/ ١٨] .
وكانوا تحت شجرة سمرة.
ثمّ صالحهم عشر سنين على أن لا يدخل (مكّة) إلّا من العام القابل، وأنّ من أتاه منهم مسلما ردّه إليهم، ثمّ نحر وحلق، ورجع إلى (المدينة)، وأنزل الله في منصرفه سورة الفتح.
[كيفيّة الصّلح]
وفي «صحيح البخاريّ»، عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم ﵃- يصدّق كلّ واحد منهما حديث الآخر- قالا: خرج رسول الله ﷺ زمن (الحديبية)، حتّى إذا كان بالثّنيّة الّتي يهبط عليهم منها، بركت به راحلته، فزجروها، فألحّت، فقالوا:
خلأت القصواء- أي: حرنت- فقال: «ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل»، ثمّ قال:
«والّذي نفسي بيده، لا يسألوني خطّة- أي: طريقا- يعظّمون فيها حرمات الله إلّا أعطيتهم إيّاها»، ثمّ زجرها، فوثبت، فعدل عنهم حتّى نزل بأقصى (الحديبية)، على ماء قليل يتبرّضه «١» النّاس، فشكوا إليه العطش، فانتزع سهما من كنانته، وأمرهم/ أن يجعلوه فيه، فجاش لهم بالماء الغزير حتّى صدروا عنه «٢» .
فبينما هم كذلك إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعيّ، فقال: إنّي تركت قريشا وهم مقاتلوك وصادّوك عن البيت، فقال رسول
_________________
(١) يتبرّضه: يأخذونه قليلا قليلا.
(٢) صدروا عنه: رجعوا عنه.
[ ٣٢٤ ]
الله ﷺ: «إنّا لم نجىء لقتال أحد، ولكنّا جئنا معتمرين، وإنّ قريشا قد أضرّت بهم الحرب، فإن شاؤوا ماددتهم- أي: صالحتهم مدّة- على أن يخلّوا بيني وبين النّاس، فإن أظهر، فإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه النّاس فعلوا، وإلّا فقد جمّوا- أي:
استراحوا- من الحرب مدّة، وإن أبوا، فو الله لأقاتلنّهم على هذا الأمر حتّى تنفرد سالفتي- أي: صفحة عنقي- ولينفذنّ الله أمره»، قال بديل: سأبلّغهم ما تقول، قال: فانطلق حتّى أتى قريشا، فحدّثهم بما قال النّبيّ ﷺ.
فقام عروة بن مسعود وقال: أي قوم، إنّ هذا قد عرض عليكم خطّة رشد، فاقبلوها، ودعوني آتيه، قالوا: ائته، فأتاه، فجعل يكلّم النّبيّ ﷺ، ويرمق أصحابه، فقال له النّبيّ ﷺ نحوا ممّا قاله لبديل، فرجع عروة إلى قريش، فقال: أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على كسرى وقيصر والنّجاشيّ، فما رأيت ملكا يعظّمه أصحابه ما يعظّم أصحاب محمّد محمّدا، والله ما تنخّم نخامة إلّا وقعت في كفّ رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم أمرا ابتدروا أمره «١»، وإذا توضّأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلّم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدّون النّظر إليه «٢» تعظيما له، وإنّه قد عرض عليكم خطّة رشد فاقبلوها.
فأرسلوا إليه سهيل بن عمرو، فلمّا أقبل قال النّبيّ ﷺ: «قد سهل الأمر»، فجاء سهيل فقال: هات اكتب بيننا وبينكم كتابا.
[كتابة عليّ ﵁ عقد الصّلح وبنوده]
فدعا النّبيّ ﷺ الكاتب، وهو عليّ بن أبي طالب رضي الله
_________________
(١) ابتدروا أمره: أسرعوا في تلبيته وتنفيذه.
(٢) الإحداد: شدّة النّظر. أي: لا يتأمّلونه ولا يديمون النّظر إليه.
[ ٣٢٥ ]
عنه، فقال: «اكتب بسم الله الرّحمن الرّحيم» /، فقال سهيل: أمّا الرّحمن فو الله ما أدري ما هو، ولكن اكتب: باسمك اللهمّ كما كنت تكتب، فقال المسلمون: والله ما نكتبها إلّا بسم الله الرّحمن الرّحيم، فقال النّبيّ ﷺ: «اكتب باسمك اللهمّ»، ثمّ قال: «هذا ما قاضى عليه محمّد رسول الله»، فقال سهيل: والله، لو كنّا نعلم أنّك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمّد بن عبد الله، فقال النّبيّ ﷺ: «والله، إنّي لرسول الله وإن كذّبتموني، اكتب محمّد بن عبد الله»، ثمّ قال: «على أن تخلّوا بيننا وبين البيت فنطوف به»، قال سهيل: والله، لا تتحدّث العرب أنّا أخذنا ضغطة- أي: قهرا- ولكن ذلك لك من العام القابل، فكتب، فقال سهيل:
وعلى أنّه لا يأتيك رجل منّا، وإن كان على دينك إلّا رددته إلينا، فقال المسلمون: سبحان الله، كيف يردّ إلى المشركين وقد جاء مسلما، فبينما هم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف «١» في قيوده، وقد خرج من أسفل (مكّة)، فرمى بنفسه بينهم، وكان قد عذّب في الله عذابا شديدا، وقال: أي معشر المسلمين، أردّ إلى المشركين وقد جئت مسلما، ألا ترون إلى ما قد لقيت؟ فقال سهيل: هذا يا محمّد أوّل من أقاضيك عليه أن تردّه إليّ، وإلّا فو الله لا أصالحك أبدا، فقال النّبيّ ﷺ: «إنّا لم نقض الكتاب بعد فأجزه لي»، فقال:
ما أنا بمجيزه لك.
[موقف عمر بن الخطّاب ﵁ من شروط الصّلح]
قال عمر بن الخطّاب: فقلت: ألست نبيّ الله حقّا؟، قال:
«بلى»، قلت: ألسنا على الحقّ، وعدوّنا على الباطل؟، قال:
«بلى»، قلت: فلم نعطي الدّنيّة في ديننا إذا؟، قال: «إنّي
_________________
(١) يرسف: يمشي مشيا بطيئا بسبب القيود.
[ ٣٢٦ ]
رسول الله، ولست أعصيه، وهو ناصري»، قلت: أو ليس كنت تحدّثنا أنّا سنأتي البيت فنطوف به؟، قال: «بلى، فأخبرتك أنّا نأتيه هذا العام؟»، قلت: لا، قال: «فإنّك آتيه ومطوّف به»، قال: فأتيت أبا بكر- وكان/ غائبا- فقلت: يا أبا بكر، أليس هذا نبيّ الله حقّا؟، قال: بلى، قلت: ألسنا على الحقّ، وعدوّنا على الباطل؟، قال: بلى، قلت: فلم نعطي الدّنيّة في ديننا إذا؟، قال: أيّها الرّجل، إنّه لرسول الله، وليس يعصي ربّه، وهو ناصره فاستمسك بغرزه- أي: بركابه- فو الله إنّه على الحقّ، قلت:
أوليس كان يحدّثنا أنّا سنأتي البيت فنطّوّف به؟ - أي: وها هو قد صالحهم عشر سنين- قال: بلى، أفأخبرك أنّك تأتيه هذا العام؟
قلت: لا، قال: فإنّك آتيه ومطوّف به «١» .
قال عمر ﵁: فعملت لذلك أعمالا- أي: من البرّ لتكفّر على جرأتي بالكلام على رسول الله ﷺ.
ثمّ إنّ النّبيّ ﷺ لمّا رجع إلى (المدينة) لحقه رجال مسلمون من قريش فردّهم، فانقلبوا ولحقوا بسيف البحر حتّى اجتمعت منهم عصابة، فجعلوا لا تمرّ بهم عير لقريش إلّا اعترضوها، فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النّبيّ ﷺ تناشده الله والرّحم لمّا ضمّهم إليه، وأنّ من خرج إليه فهو آمن، فضمّهم.
فائدة [: في أنّ مقام الصّدّيقيّة فوق مقام أهل الإلهام]
قال العلماء: هذا من أوضح الأدلّة على أنّ أهل الإلهام يخطئون ويصيبون، فلا بدّ من عرض ما وقع في قلوبهم من ذلك على الكتاب
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٢٥٨١- ٢٥٨٢) .
[ ٣٢٧ ]
والسّنّة، كما يخطىء أهل الاجتهاد ويصيبون، وهذا سيّدنا أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب ﵁ أخطأ في أماكن كهذا الموطن.
وفي وفاة النّبيّ ﷺ، وهو المشهود له بقوله ﷺ له في «الصّحيحين»: «إيها يا ابن الخطّاب، فو الله ما لقيك الشّيطان سالكا فجّا إلّا سلك فجّا غير فجّك» «١» .
وبقوله ﷺ فيهما-[أي: الصّحيحين]- أيضا: «لقد كان فيما قبلكم من الأمم محدّثون- أي: ملهمون- فإن يك في أمّتي أحد فإنّه عمر» «٢» .
وفي رواية: «لقد كان فيمن كان/ قبلكم رجال يكلّمون من غير أن يكونوا أنبياء، فإن يكن في أمّتي أحد منهم فعمر» «٣» . ولهذا كثيرا ما يوافق الوحي.
وفي رواية: أنّ عمر قال: فعجبت من مطابقة كلام أبي بكر لكلام النّبيّ ﷺ، فأشار إلى أنّ مقام الصّدّيقيّة فوق مقام أهل الإلهام يردّونهم عند خطئهم إلى الحقّ.
قال العلماء: ولا يخفى ما في هذه القصّة من وجوب طاعته ﷺ، والانقياد لأمره، وإن خالف ظاهر ذلك مقتضى القياس، أو كرهته النّفوس، فيجب على كلّ مكلّف أن يعتقد أنّ الخير فيما أمر به، وأنّه عين الصّلاح، المتضمّن لسعادة الدّنيا والآخرة، وأنّه جار على
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٤٨٠) . ومسلم برقم (٢٣٩٦/ ٢٢) . عن سعد بن أبي وقّاص ﵁.
(٢) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٤٨٦) . عن أبي هريرة ﵁.
(٣) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٤٨٦) . عن أبي هريرة ﵁.
[ ٣٢٨ ]
أتمّ الوجوه وأكملها، غير أنّ أكثر العقول قصرت عن إدراك غايته وعاقبة أمره.
[حزن الصّحابة ﵃ لصلح القوم]
وفي «الصّحيحين»، أنّ سهل بن حنيف قال يوم صفّين:
يا أيّها النّاس، اتّهموا رأيكم على دينكم، فلقد رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أردّ أمر رسول الله لرددته «١» .
ولهذا قال الله تعالى في هذه القصّة بعينها بعد أن قال:
إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ- أي:
بصدّهم عن البيت وإنكارهم لاسم الله الرّحمن الرّحيم- إلى قوله تعالى: فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا- أي: من عاقبة الأمر- فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا- أي: صلح الحديبية-[سورة الفتح ٤٨/ ٢٦- ٢٧] .
فسمّاه فتحا كما في «الصّحيحين»، عن البراء بن عازب:
تعدّون أنتم الفتح فتح (مكّة)، وقد كان فتح (مكّة) فتحا، ونحن نعدّ الفتح بيعة الرّضوان يوم (الحديبية) «٢» .
قال العلماء: فهي المراد بالفتح في قوله تعالى: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا [سورة الفتح ٤٨/ ١]؛ لأنّها نزلت عند انصرافهم منها، ثمّ قال فيها: فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا [سورة الفتح ٤٨/ ٢٧] .
والمراد به فتح (خيبر)؛ لأنّهم افتتحوها بعد انصرافهم من (الحديبية)، ثمّ وعدهم فتح (مكّة) بقوله: إِذا جاءَ/ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [سورة النّصر ١١٠/ ١] .
قال العلماء: ولم يكن فتح قبل الفتح أعظم من صلح (الحديبية)،
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٦٨٧٨) . ومسلم برقم (١٧٨٥/ ٩٥) .
(٢) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٩١٩) .
[ ٣٢٩ ]
وذلك أنّ المشركين اختلطوا بالمسلمين في تلك الهدنة، وسمعوا منهم أخلاق النّبيّ ﷺ، ومحاسن شريعته، فأسلم منهم في تلك المدّة جماعة من رؤسائهم؛ كعمرو بن العاص وخالد بن الوليد، في خلق كثير، فظهر حسن اختيار الله لهم في ذلك الصّلح الّذي كرهوه، مع ما سبق في علمه بأنّ (مكّة) إنّما يحلّ القتال بها لنبيّه محمّد ﷺ ساعة من نهار، وهي يوم فتحها: وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا [سورة الطّلاق ٦٥/ ٣]، وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [سورة البقرة ٢/ ٢١٦] .
[إسلام عمرو بن العاص وخالد بن الوليد ﵄]
وفي هذه السّنة «١»: أسلم عمرو بن العاص وخالد بن الوليد ﵄.
وذلك أنّ عمرا ذهب إلى النّجاشيّ، وكان صديقا له، فأكرمه، فقدم على النّجاشيّ عمرو بن أميّة الضّمريّ رسولا من النّبيّ ﷺ، ليجهّز إليه من عنده من مهاجرة (الحبشة)، فسأل عمرو بن العاص من النّجاشيّ قتل عمرو بن أميّة الضّمريّ، فغضب النّجاشيّ، وقال: أتسأل منّي أن أقتل رسول رجل يأتيه النّاموس الأكبر الّذي كان يأتي موسى؟، قال عمرو: فقلت: أهو كذلك؟، قال: نعم، فأطعني يا عمرو واتبعه، فإنّه على الحقّ، وليظهرنّ على من خالفه، كما ظهر موسى على فرعون وجنوده، فأسلم عمرو حينئذ على يد النّجاشيّ.
ثمّ خرج من (الحبشة) عامدا إلى (المدينة)، فلقي خالد بن الوليد مقبلا من (مكّة) إلى (المدينة) أيضا، فقال له: إلى أين
_________________
(١) ذكر هنا أن إسلامهما كان في السّنة السّادسة. وقد تقدّم أنّ إسلامهما كان أوائل سنة ثمان.
[ ٣٣٠ ]
يا أبا سليمان؟ قال: لأسلم، والله فقد استبان لي الحقّ، وإنّ الرّجل لصادق، قال: وأنا والله ما جئت إلّا لأسلم، قال عمرو:
فلمّا قدمنا (المدينة) تقدّم خالد فأسلم، وبايع. ثمّ دنوت، فقلت:
يا رسول الله، أبايعك على أن يغفر الله لي ما تقدّم من ذنبي/، فقال:
«يا عمرو إنّ الإسلام يجبّ ما كان قبله، وإنّ الهجرة تجبّ ما كان قبلها» «١»، قال: وكان ذلك بعد (الحديبية) وقبل (خيبر) .
[كتب رسول الله ﷺ إلى الملوك]
وفي «٢» هذه السّنة-[أي: السّابعة]- أرسل النّبيّ ﷺ رسله بكتبه إلى ملوك الأقاليم.
ومنهم: عبد الله بن حذافة السّهميّ؛ بعثه بكتابه إلى كسرى، فمزّقه.
ودحية بن خليفة الكلبيّ؛ بعثه بكتابه إلى قيصر، فوجد عنده أبا سفيان بن حرب.
وفي «الصّحيحين»، عن ابن عبّاس ﵄ أنّ رسول الله ﷺ بعث بكتابه إلى كسرى، فأمره أن يدفعه إلى عظيم
_________________
(١) أخرجه أحمد في «مسنده»، برقم (١٧٣٢٣) .
(٢) لم يذكر المؤلّف﵀- هنا إلّا رسولين من رسل النّبيّ ﷺ إلى الملوك. قلت: بعث رسول الله ﷺ رسلا من أصحابه، وكتب معهم كتبا إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام. فبعث دحية بن خليفة الكلبيّ إلى قيصر ملك الرّوم، وبعث عبد الله بن حذافة السّهميّ إلى كسرى ملك فارس، وبعث عمرو بن أميّة الضّمريّ إلى النّجاشيّ ملك الحبشة، وبعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس ملك الإسكندريّة، وبعث عمرو ابن العاص السّهميّ إلى جيفر وعياذ ابني الجلندى الأزديّين ملكي عمان، وبعث سليط بن عمرو إلى ثمامة بن أثال وهوذة بن عليّ الحنفيّين ملكي اليمامة، وبعث العلاء بن الحضرميّ إلى المنذر بن ساوى العبديّ ملك البحرين، وبعث شجاع بن وهب الأسديّ إلى الحارث بن أبي شمر الغسّانيّ ملك تخوم الشّام.
[ ٣٣١ ]
البحرين «١»، فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى، فلمّا قرأه مزّقه.
قال ابن المسيّب: فدعا عليهم النّبيّ ﷺ أن يمزّقوا كلّ ممزق «٢» .
[بعث دحية ﵁ إلى قيصر ملك الرّوم]
وفيهما-[أي: الصّحيحين]- عن ابن عبّاس أيضا ﵄ أنّ رسول الله ﷺ كتب إلى قيصر يدعوه إلى الإسلام، وبعث بكتابه إليه مع دحية الكلبيّ، وأمره أن يدفعه إلى عظيم بصرى ليدفعه إلى قيصر، وهو ب (إيلياء) «٣»، فلمّا جاء قيصر كتاب رسول الله ﷺ قال حين قرأه: التمسوا لي ها هنا أحدا من قومه لأسألهم عنه.
قال ابن عبّاس: فأخبرني أبو سفيان بن حرب أنّه كان ب (الشّام) في رجال من قريش قدموا تجارا في المدّة الّتي كانت بين رسول الله ﷺ وبين كفّار قريش، قال أبو سفيان: فوجدنا رسول قيصر ببعض (الشّام)، فانطلق بي وبأصحابي، حتّى قدمنا (إيلياء)، فأدخلنا عليه، فإذا هو جالس في مجلس ملكه، وعليه التّاج، وإذا حوله عظاماء الرّوم.
فقال لترجمانه: سلهم: أيّهم أقرب نسبا إلى هذا الرّجل الّذي يزعم أنّه نبيّ؟
قال أبو سفيان: فقلت: أنا أقربهم إليه نسبا، وليس في الرّكب يومئذ أحد من بني عبد مناف غيري.
قال قيصر: أدنوه منّي، وأمر بأصحابي «٤» فجعلوا/ خلف ظهري.
_________________
(١) هو: المنذر بن ساوى.
(٢) أخرجه البخاريّ، برقم (٢٧٨١) .
(٣) اسم مدينة ببيت المقدس.
(٤) أي: أصحاب أبي سفيان.
[ ٣٣٢ ]
ثمّ قال لترجمانه: قل لأصحابه: إنّي سائل هذا الرّجل حديثا، فإن كذب فكذّبوه في وجهه.
ثمّ قال لترجمانه: قل له كيف نسب هذا الرّجل فيكم؟، قلت: هو فينا ذو نسب.
قال: فهل قال هذا القول أحد منكم قبله؟، قلت: لا.
قال: فهل كنتم تتّهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟، قلت: لا.
قال: فهل كان من آبائه من ملك؟، قلت: لا.
قال: فأشراف النّاس اتّبعوه أم ضعفاؤهم؟، قلت: بل ضعفاؤهم.
قال: فيزيدون أم ينقصون؟، قلت: بل يزيدون.
قال: فهل يرتدّ أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟، قلت:
لا.
قال: فهل يغدر؟، قلت: لا، ونحن الآن في مدّة لا ندري ما يصنع. قال أبو سفيان: ولم يمكنّي كلمة أدخل فيها شيئا أنتقصه به لا أخاف أن تؤثر عنّي غيرها.
قال: فهل قاتلتموه؟، قلت: نعم.
قال: فكيف كان حربه وحربكم؟. قلت: كان دولا وسجالا «١»، يدال علينا مرّة وندال عليه أخرى.
قال: فماذا يأمركم؟، قلت: يأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك
_________________
(١) تناوب النّصر والهزيمة.
[ ٣٣٣ ]
به شيئا، وينهانا عمّا كان يعبد آباؤنا، ويأمرنا بالصّلاة والصّدقة والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة.
فقال لترجمانه: قل له: إنّي سألتك عن نسبه فيكم؛ فزعمت أنّه فيكم ذو نسب، وكذلك الرّسل تبعث في نسب قومها.
وسألتك: هل قال أحد منكم هذا القول قبله؛ فزعمت أن لا، فقلت: لو كان أحد منكم قال هذا القول قبله، قلت: رجل يأتمّ- أي: يقتدي- بقول قد قيل قبله.
وسألتك: هل كنتم تتّهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؛ فزعمت أن لا، فعرفت أنّه لم يكن ليدع الكذب على النّاس ويكذب على الله.
وسألتك: هل كان من أبائه من ملك؛ فزعمت أن لا، فقلت: لو كان من آبائه من ملك، قلت: رجل يطلب ملك آبائه.
وسألتك: أشراف النّاس اتّبعوه أم ضعفاؤهم؛ فزعمت أنّ ضعفاءهم اتّبعوه، وهم أتباع الرّسل.
وسألتك: هل يزيدون أو ينقصون؛ فزعمت/ أنّهم يزيدون، وكذلك [أمر] الإيمان حتّى يتمّ.
وسألتك: هل يرتدّ أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؛ فزعمت أن لا، فكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب لا يسخطه أحد.
وسألتك: هل يغدر؛ فزعمت أن لا، وكذلك الرّسل لا يغدرون.
وسألتك: هل قاتلتموه وقاتلكم؛ فزعمت أن قد فعل، وأنّ
[ ٣٣٤ ]
حربه وحربكم يكون سجالا ودولا، يدال عليكم المرّة، وتدالون عليه الآخرى، وكذلك الرّسل تبتلى، ثمّ تكون لها العاقبة.
وسألتك: بماذا يأمركم؛ فزعمت أنّه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وينهاكم عمّا كان يعبد أباؤكم، ويأمركم بالصّلاة والصّدقة والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة، وهذه صفة نبيّ.
وقد كنت أعلم أنّه خارج، ولكن لم أظنّ أنّه منكم، وإن يك ما قلت حقّا فيوشك أن يملك موضع قدميّ هاتين، ولو أرجو أنّي أخلص إليه لتكلّفت لقيّه، ولو كنت عنده لغسلت قدميه.
ثمّ دعا بكتاب رسول الله ﷺ، فقرأه فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمّد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الرّوم، سلام على من اتّبع الهدى، أمّا بعد: فإنّي أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرّتين، فإن تولّيت فإنّ عليك إثم الأريسيّين- أي: الرّعايا-: ويا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [سورة آل عمران ٣/ ٦٤] .
قال أبو سفيان: فلمّا انقضت مقالته، علت أصوات الّذين حوله من عظاماء الرّوم، وكثر لغطهم، فلا أدري ماذا قالوا، وأمر بنا فأخرجنا.
قال أبو سفيان: والله، ما زلت ذليلا مستيقنا أنّ/ أمره سيظهر، حتّى أدخل الله الإسلام في قلبي وأنا كاره «١» .
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٢٧٨٢) . ومسلم (١٧٧٣/ ٧٤) .
[ ٣٣٥ ]
وزاد في رواية: أنّ هرقل جمع عظاماء الرّوم في دسكرة «١»، وأمر بإغلاق أبوابها، وأشرف عليهم، وقال: يا معشر الرّوم، هل لكم في الفلاح والرّشد، وأن يثبت ملككم إلى الأبد؟ أن تبايعوا لهذا النّبيّ، فنفروا نفرة شديدة إلى الأبواب، فوجدوها قد غلّقت، فلمّا رآى هرقل نفرتهم، وأيس من إيمانهم، قال: ردّوهم عليّ، وقال: إنّي قلت مقالتي تلك أختبر بها شدّتكم على دينكم، وقد رأيت، فسجدوا له، ورضوا عنه «٢» .
فائدة [: في أنّ حبّ الرّئاسة هو الّذي أضلّ هرقل]
لا تخفى حسن سياسة هرقل. وقوّة إدراكه، وثقوب فهمه، بما استدلّ به على صحّة نبوّة محمّد ﷺ وصدقه، من البراهين الإقناعيّة لو ساعده التّوفيق، ولكن غلب عليه حبّ الرّئاسة، وهو الدّاء العضال الّذي غلب على إبليس فأبى واستكبر، مع سبق الشّقاوة، ولو وفّقه الله للهداية كما وفّق النّجاشيّ، لتلطّف لقومه في ظاهره، وآمن بقلبه، وأحسن إلى المسلمين بيده ولسانه، فجمع بين ملك الدّنيا والآخرة، ولكنّه ممّن أضلّه الله على علم، وكان منه ما سيأتي قريبا؛ من خروجه في محاربة الله ورسوله في قتال جعفر وأصحابه بغزوة (مؤتة)، فأكرمهم الله تعالى بالشّهادة على يديه، وأشقاه. والعياذ بالله تعالى.
رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [سورة آل عمران ٣/ ٨] .
_________________
(١) الدّسكرة: بناء كالقصر، حوله بيوت للأعاجم، فيها الشّراب والملاهي.
(٢) أخرجه البخاريّ، برقم (٧) .
[ ٣٣٦ ]
[غزوة خيبر]
وفي أوّل السّنة السّادسة «١» في المحرّم: افتتح النّبيّ ﷺ (خيبر)، وهو اسم جامع لحصون وقرى؛ بينها وبين (المدينة) ثلاث مراحل.
[سببها]
لما سبق أنّ حييّ بن أخطب لحق بها، وحزّب قريشا والأحزاب.
[الإغارة على خيبر وبشارة النّبيّ ﷺ بفتحها]
فسار إليهم النّبيّ ﷺ، فلمّا نزل بساحتهم قال: «الله أكبر، خربت خيبر- أي: أهلها- إنّا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح/ المنذرين»، قالها ثلاثا «٢» .
[افتتاح حصونها]
ثمّ أقبل على حصونها، يقاتلها ويفتتحها حصنا حصنا، حتّى انتهى إلى حصن لهم يسمّى السّلالم، وكان أعظمها وأوسعها أموالا، فحاصرهم بضع عشرة ليلة، واشتدّ الحصار عليه والقتال.
وكان النّبيّ ﷺ قد أخذته شقيقة «٣»، فلم يخرج إلى النّاس، فأخذ الرّاية أبو بكر فقاتل قتالا شديدا، ثمّ رجع ولم يفتح عليه، ثمّ أخذها عمر فقاتل قتالا شديدا، ثمّ رجع ولم يفتح عليه.
[شأن عليّ ﵁]
وكان عليّ ﵁ قد تخلّف ب (المدينة) لرمد كان بعينيه، ثمّ لحق بالمسلمين، فلمّا كان مساء اللّيلة الّتي فتح الله في صباحها الحصن، قال النّبيّ ﷺ: «لأعطينّ الرّاية غدا رجلا يفتح الله على يديه، يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله» .
_________________
(١) قلت: أرجح الأقوال أنّها كانت في صفر سنة سبع. والله أعلم.
(٢) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٦٤) . عن أنس بن مالك ﵁.
(٣) الشّقيقة: نوع من صداع يعرض في مقدّم الرّأس وإلى أحد جانبيه. [النّهاية، ج ٢/ ٤٩٢. (أنصاريّ)] .
[ ٣٣٧ ]
فبات النّاس ليلتهم يخوضون أيّهم يعطاها.
قال عمر: ما أحببت الإمارة إلّا يومئذ.
[علي ﵁ وباب الحصن]
فلمّا أصبحوا غدوا على النّبيّ ﷺ، وكلّهم يرجو أن يعطاها، فقال: «أين عليّ بن أبي طالب؟»، قال الرّاوي: فإذا نحن بعليّ قد أقبل وما كنّا نرجوه، فقالوا: ها هو يشتكي عينيه، فدعاه وبصق في عينيه، فبرأ لوقته، حتّى كأن لم يكن به وجع، ثمّ أعطاه الرّاية «١»، فتقدّم إلى الحصن، فأشرف عليه رجل من اليهود، فقال: من أنت؟، قال: أنا عليّ، قال: علوتم الآن وربّ موسى وهارون، فبرز له رئيسهم مرحب، فضرب ترس عليّ فطرحه، فتناول عليّ بابا كان عند الحصن فتترّس به، ثمّ ضرب رأس مرحب فقتله، ثمّ كان الفتح على يديه، ولم يزل الباب بيد عليّ ﵁ إلى أن انقضى القتال، ثمّ طرحه «٢» .
قال أبو رافع [مولى رسول الله ﷺ]: فلقد رأيتني ثامن ثمانية نجهد أن نقلب ذلك الباب فلم نقلبه.
[مصالحة النّبيّ ﷺ أهل خيبر]
فلمّا أيقن أهل الحصن بالهلكة، استسلموا، وسألوا من النّبيّ ﷺ أن يحقن دماءهم، ففعل.
وسمع بهم أهل (فدك) / فأرسلوا إليه يطلبون منه ذلك، ففعله لهم.
فكانت (خيبر) غنيمة و(فدك) فيئا خالصة للنّبيّ ﷺ، ممّا لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب.
_________________
(١) أخرجه البخاريّ (٢٨٤٧) . ومسلم (٢٤٠٧/ ٣٥) .
(٢) الخبر في دلائل النّبوّة، ج ٤/ ٢٠٩. وعيون الأثر، ج ٢/ ١٣٥.
[ ٣٣٨ ]
[قسمة غنائم خيبر]
ثمّ قسم رسول الله ﷺ بين المسلمين، وكانوا مئة فارس وأربع عشرة مئة راجل، فجعل للفارس ثلاثة أسهم؛ سهما له وسهمين لفرسه.
ولم يغب أحد من أهل (الحديبية) عن (خيبر) إلّا جابر بن عبد الله، فأسهم له النّبيّ ﷺ.
[قدوم جعفر بن أبي طالب ﵁ وفرح النبي ص به]
وقدم عليه جعفر في مهاجرة (الحبشة) بعد الوقعة، وقبل القسمة، فأسهم لهم النّبيّ ﷺ.
ولمّا أقبل جعفر، قام النّبيّ ﷺ فقبّل بين عينيه واعتنقه، وقال: «ما أدري بأيّهما أسرّ: بفتح (خيبر) أم بقدوم جعفر؟» «١» .
[رد المهاجرين إلى الأنصار منائحهم]
وحدث للمسلمين من فتح (خيبر) الرّخاء العظيم، وكانت مع المهاجرين منائح «٢» من الأنصار، فردّوها عليهم.
قال ابن عمر: ما شبعنا من التّمر حتّى فتحنا (خيبر) «٣»
[مصالحة النبي ﷺ أهل خيبر على النصف من أموالهم]
وعامل النّبيّ ﷺ يهود (خيبر) على أن يعملوها، ويكفوا المسلمين مؤونتها ما داموا مشغولين بالجهاد، ولهم نصف ما يخرج منها من الثّمار.
[خبر الشاة المسمومة]
وأهدت امرأة من اليهود «٤» للنّبيّ ﷺ شاة مشويّة مسمومة، وطعاما مسموما، وأكثرت من السّمّ في الذّراع، لما بلغها أنّ النّبيّ ﷺ كان يعجبه الذّراع، فلمّا أكلوا منها، ورفع النّبيّ ﷺ الذّراع
_________________
(١) أخرجه البيهقيّ في «سننه»، ج ٧/ ١٠١.
(٢) المنائح: (جمع منحة)؛ وهي أن يعطيه ناقة أو شاة، ينتفع بلبنها ويعيدها. وكذلك إذا أعطاه لينتفع بوبرها وصوفها زمانا ثمّ يردّها. [النّهاية، ج ٤/ ٣٦٤. (أنصاريّ)] .
(٣) أخرجه البخاريّ، برقم (٤٠٠٠) .
(٤) وهي: زينب بنت الحارث، امرأة سلّام بن مشكم، وابنة أخي مرحب.
[ ٣٣٩ ]
وأخذ منها لقمة في فمه ولم يبتلعها، قال: «إنّ هذا العظم ليخبرني أنّه مسموم»، ولم يبتلع أحد من القوم لقمة إلّا بشر بن البراء، ثمّ دعا بالمرأة فاعترفت، فقال: «ما حملك على ذلك؟»، قالت: إنّك بلغت من قومي ما لا يخفى عليك، فقلت: إن كان ملكا أرحت النّاس منه، وإن كان نبيّا لم يضرّه، فقال للقوم: «كلوا باسم الله»، وتجاوز عنها، فأكلوا، ولم يضرّهم شيء، إلّا بشر فمات من لقمته/ الأولى، فلمّا مات قتلت به قصاصا «١» .
قال أنس: فما زلت أعرف السّمّ في لهوات النّبيّ ﷺ من أكلة (خيبر) «٢» .
[زواج النبي ﷺ بصفية بنت حييّ ﵂]
واصطفى ﷺ من سبايا (خيبر) أمّ المؤمنين صفيّة بنت حييّ بن أخطب ﵂.
وكانت يوم فتح (خيبر) عروسا على ابن عمّها، فرأت أنّ القمر وقع في حجرها، وقصّت رؤياها على زوجها، فلطمها على وجنتها لطمة خضرت منها عينها، وقال: ما هذا إلّا أنّك تتمنّين محمّدا ملك العرب، فقتل أبوها وزوجها يومئذ، وأتي بها إلى النّبيّ ﷺ وبها أثر اللّطمة، فاستبرأها حيضة، وحلّت له على مرجعه إلى (المدينة) في أثناء الطّريق، فدخل بها، وأولم عليها، وأردفها خلفه على البعير، وكان ﷺ يضع ركبته لها إذا أرادت أن تركب، فتضع رجلها على ركبته ثمّ تركب. ودخل (المدينة) وهو مردفها خلفه.
قال ابن عمر: وما زال يعتذر إليها من قتل أبيها، ليذهب ما في نفسها ﵂.
_________________
(١) الخبر في «المستدرك»، للحاكم، ج ٣/ ٢١٩.
(٢) أخرجه البخاريّ، برقم (٢٤٧٤) .
[ ٣٤٠ ]
فائدة [: في أحد وعير]
وفي «الصّحيحين»، أنّه ﷺ لمّا قدم (المدينة) راجعا من (خيبر) وبدا له (أحد)، قال: «هذا جبل يحبّنا ونحبّه» «١» . زاد بعضهم: «وعير جبل يبغضنا ونبغضه» .
قال المحققون: لا مانع من إسناد الحبّ الحقيقيّ إلى الجبل، كما سخّر الله الجبال لداود يسبّحن، وردّوا على من فسّره بأنّ المراد:
هذا جبل قوم يحبّوننا ونحبّهم بقوله: «وعير جبل يبغضنا ونبغضه»، وهو من جبال (المدينة) أيضا مقابل لأحد وما بينهما حرم. والله أعلم.
[عمرة القضاء]
وفي ذي القعدة من هذه السّنة-[أي: السّابعة]-: اعتمر النّبيّ ﷺ عمرة القضاء، وأقام ب (مكّة) ثلاثا.
[زواج النّبيّ ﷺ من ميمونة بنت الحارث ﵂]
ثمّ رجع فدخل بميمونة بنت الحارث الهلاليّة ﵂، عند منصرفه من (مكّة) ب (سرف)، وهو مكان بين (التّنعيم ومرّ الظّهران)، وبه ماتت ﵂، فقبرها هناك/.
وفي «الصّحيحين»، عن ابن عبّاس ﵄ قال:
تزوّج النّبيّ ﷺ ميمونة في عمرة القضاء، وهو محرم، وبنى بها وهو حلال ب (سرف)، وماتت ب (سرف) «٢» .
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٢٧٣٢) . ومسلم برقم (١٣٦٥/ ٤٦٢) . عن أنس بن مالك ﵁.
(٢) أخرجه البخاريّ، برقم (٤٠١١) . ومسلم برقم (١٤١٠/ ٤٦) .
[ ٣٤١ ]
[وفد عبد القيس]
وفي السّنة السّابعة في رجب منها: قدم على النّبيّ ﷺ من (البحرين) وفد عبد القيس «١»، ورئيسهم الأشجّ، فلمّا دخلوا عليه، قال: «مرحبا بالقوم، غير خزايا ولا ندامى» «٢»، وأمرهم ونهاهم، ثمّ قال للأشجّ: «إنّ فيك خصلتين يحبّهما الله: الحلم والأناة» «٣» .
[بناء المنبر وحنين الجذع]
وفيها-[أي: السّنة السّابعة] «٤» -: اتّخذ النّبيّ ﷺ المنبر، وكان قبله إذا خطب يستند إلى جذع نخلة، فلمّا عدل عن الجذع إلى المنبر سمعوا للجذع صوتا كصوت العشار «٥»، فارتجّ المسجد
_________________
(١) قلت: إنّ الّذي تبيّن لي أنّه كان لعبد القيس وفادتان؛ إحداهما: قبل الفتح، وكان ذلك سنة خمس. وثانيتهما: كانت في سنة الوفود، سنة تسع. (انظر «فتح الباري»، ج ٨/ ٨٥) .
(٢) أخرجه البخاريّ، برقم (٤١١٠) . عن ابن عبّاس ﵄.
(٣) أخرجه مسلم، برقم (١٧/ ٢٥) . عن ابن عبّاس ﵄. الأناة: التّثبّت وترك العجلة.
(٤) قلت: جزم ابن سعد بأنّ ذلك كان في السّنة السّابعة، وفيه نظر لذكر العبّاس وتميم فيه؛ وكان قدوم العبّاس بعد الفتح في آخر سنة ثمان، وقدوم تميم سنة تسع. وجزم ابن النّجّار بأنّ عمله كان سنة ثمان. وفيه نظر أيضا لما ورد في حديث الإفك في «الصّحيحين»، عن عائشة، قالت: «فثار الحيّان الأوس والخزرج حتّى كادوا أن يقتتلوا ورسول الله ﷺ على المنبر، فنزل فخفضهم حتّى سكتوا»، فإن حمل على التّجوّز في ذكر المنبر وإلّا فهو أصحّ ممّا مضى. وحكى بعض أهل السّير أنّه ﷺ كان يخطب على منبر من طين قبل أن يتّخذ المنبر الّذي من خشب، ويعكّر عليه أنّ في الأحاديث الصّحيحة أنّه كان يستند إلى الجذع إذا خطب. (انظر «فتح الباري»، ج ٢/ ٣٩٩) .
(٥) العشار: النّاقة الحامل الّتي مضت لها عشرة أشهر، ولا يزال ذلك اسمها إلى أن تلد.
[ ٣٤٢ ]
لخواره، وكثر بكاء النّاس حتّى وضع النّبيّ ﷺ يده عليه فسكت، وقال: «إنّ هذا بكى لما فقد من ذكر الله، والّذي نفسي بيده، لو لم ألتزمه لم يزل هكذا إلى يوم القيامة» . ثمّ أمر به فدفن تحت المنبر «١» .
[غزوة مؤتة]
وفيها-[أي: السّنة الثّامنة]- في جمادى الأولى منها: كانت غزوة (مؤتة) - بضمّ الميم مهموزا وبفوقيّة- وهي قرية من قرى (البلقاء بالشّام) دون (دمشق)، انتهت غزوتهم إليها، وأكرم الله ﷿ فيها زيدا وجعفرا وابن رواحة بالشّهادة.
وكان من خبرها أنّ النّبيّ ﷺ بعث جيشا، وهم ثلاثة آلاف، وأمّر عليهم زيد بن حارثة، وقال: «إن قتل زيد فجعفر، وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة» «٢» .
[عدّة العدوّ، وتشاور المسلمين]
فساروا إلى (الشّام) فلقيهم هرقل في مئتي ألف، فتشاور المسلمون في أن يراجعوا رسول الله ﷺ فيمدّهم أو يأمرهم بأمره، فشجّعهم عبد الله بن رواحة، وقال: يا قوم، إنّما هي إحدى الحسنيين: إمّا النّصر، وإمّا الشّهادة، فقالوا: صدقت.
[ابتداء القتال واستشهاد الأمراء الثّلاثة]
فمضوا حتّى التقوا ب (مؤتة)، فتقدّم زيد فقاتل بالرّاية حتّى قتل.
فأخذها جعفر فقاتل قتالا شديدا، وهو فارس/، فلمّا أحاطوا به نزل عن فرسه فعقرها، فكان أوّل من عقر فرسا في الإسلام، ثمّ قاتل حتّى قطعت يمينه، فأخذ الرّاية بشماله، فقطعت أيضا، فاحتضن الرّاية بعضديه حتّى قتل. فعوّضه الله بهما جناحين يطير بهما في الجنّة. فسمّي الطّيّار. رواه التّرمذيّ والحاكم «٣» .
_________________
(١) أخرجه الدّارمي، برقم (٤١) . عن أنس بن مالك ﵁.
(٢) أخرجه البخاريّ، برقم (٤٠١٣) . عن عبد الله بن عمر ﵄.
(٣) أخرجه الحاكم في «المستدرك»، ج ٣/ ٢٠٨. وأحمد في «مسنده»، ج ١/ ٢٠٤. عن ابن عمر ﵄.
[ ٣٤٣ ]
وفي «البخاريّ»، عن ابن عمر قال: كنت فيهم- في تلك الغزوة- فالتمسنا جعفرا، فوجدناه ما في جسده بضعا وتسعين طعنة من ضربة ورمية بسهم، ليس منها شيء في دبره «١» .
ثمّ أخذ الرّاية عبد الله بن رواحة فوجد من نفسه كراهة للموت، فأنشد شعرا، [من الرّجز] «٢»:
يا نفس إلّا تقتلي تموتي هذا حمام الموت قد صليت
وما تمنّيت فقد أعطيت إن تفعلي فعلهما هديت
ثمّ قاتل حتّى قتل.
[تولّي خالد بن الوليد ﵁ قيادة الجيش]
فأخذ الرّاية خالد بن الوليد من غير مشورة، وقاتل قتالا شديدا، ودافع عن المسلمين، حتّى انحاز بهم إلى جبل، ونجّاهم الله. ولم يستشهد منهم يومئذ إلّا ثمانية، منهم الأمراء الثّلاثة.
[نعي النّبيّ ﷺ زيدا وجعفرا وابن رواحة]
وفي «صحيح البخاريّ»، أنّ النّبيّ ﷺ نعاهم للنّاس يوم أصيبوا، وصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: «أخذ الرّاية زيد فأصيب، ثمّ أخذها جعفر فأصيب، ثمّ أخذها ابن رواحة فأصيب»، وعيناه تذرفان. وقال: «ما يسرّهم أنّهم عندنا»، ثمّ قال: «ثمّ أخذ الرّاية سيف من سيوف الله تعالى، حتّى فتح الله عليهم» «٣» أي: فرّج الله عنهم بسببه.
وفيه-[أي: صحيح البخاريّ]- أنّ ابن عمر ﵄ كان إذا سلّم على عبد الله بن جعفر قال: السّلام عليك يا ابن ذي الجناحين «٤» .
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٤٠١٢- ٤٠١٣) . في دبره: في ظهره.
(٢) ابن هشام، ج ٣/ ٣٧٩.
(٣) أخرجه البخاريّ، برقم (٢٦٤٥- ٤٠١٤) .
(٤) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٥٠٦) .
[ ٣٤٤ ]
وفيه-[أي: صحيح البخاريّ]- عن خالد بن الوليد ﵁ قال: لقد انقطعت في يدي يوم (مؤتة) تسعة أسياف، فما بقي في يدي إلّا صفيحة يمانيّة وهي العاشرة «١» /.
فائدة [: في تأويل الجناحين الّذين لقّب بهما جعفر]
قال السّهيليّ: (قد يتبادر- من ذكر الجناحين- إلى الذّهن أنّهما كجناحي الطّائر، وإنّما المراد أنّ جعفرا أعطي صفة الملائكة، وكذا أجنحة الملائكة، إنّما هي صفات لا تعلم حقيقتها) «٢» . والله أعلم.
[رثاء حسّان بن ثابت جعفرا ﵄]
وممّا رثى به حسّان جعفرا ﵄ قوله، [من الكامل] «٣»:
ولقد بكيت وعزّ مهلك جعفر حبّ النّبيّ على البريّة كلّها
ولقد جزعت وقلت حين نعيت لي من للجلاد لدى العقاب وظلّها «٤»
بالبيض حين تسلّ من أغمادها ضربا وإنهال الرّماح وعلّها
بعد ابن فاطمة المبارك جعفر خير البريّة كلّها وأجلّها
[فتح مكّة]
وفي رمضان من هذه السّنة- وهي: الثّامنة-: كان فتح (مكّة)،
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٤٠١٧) .
(٢) الرّوض الأنف، ج ٧/ ٣٨.
(٣) ابن هشام، ج ٣/ ٣٨٦.
(٤) العقاب: اسم لراية الرّسول.
[ ٣٤٥ ]
ويسمّى: فتح الفتوح؛ لأنّ العرب كانت تنتظر بإسلامها إسلام قريش وفتح (مكّة)، وتقول: هم أهل الحرم، وقد أجارهم الله تعالى من أصحاب الفيل وغيرهم، فإن سلّط الله عليهم محمّدا فهو رسول الله حقّا.
فلمّا فتح الله (مكّة) على يد رسول الله ﷺ دخل النّاس في دين الله أفواجا، كما وعد الله نبيّه ذلك، وجعل ذلك علامة قرب أجله، بقوله:
إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ إلى آخر السّورة [سورة النّصر ١١٠/ ١] .
[سبب الغزوة]
وسبب غزوة الفتح انتقاض صلح (الحديبية)، وأنّ خزاعة كان بينها وبين بني بكر عداوة، وكانت خزاعة دخلت يوم صلح (الحديبية) في عهد رسول الله ﷺ، وكانوا عيبة «١» نصح لرسول الله ﷺ، مسلمهم وكافرهم، لأنّهم كانوا في الجاهليّة حلفاء لبني هاشم، ودخلت بنو بكر في عهد قريش، فمكثوا على ذلك نحو ثمانية عشر شهرا، ثمّ بيّتت «٢» بنو بكر خزاعة في شعبان، على ماء لهم يسمّى الوتير من ناحية (عرنة)، وأعانتهم قريش مختفين في سواد اللّيل، فقتلوا رجالا من خزاعة، فركب عمرو بن سالم الخزاعيّ ثمّ الكعبيّ إلى رسول الله/ ﷺ، فوقف عليه وهو في المسجد بين ظهراني النّاس، وأنشده، [من الرّجز] «٣»:
يا ربّ إنّي ناشد محمّدا حلف أبينا وأبيه الأتلدا «٤»
_________________
(١) العيبة: موضع السّرّ. وأراد هنا: أن بينهم وبين رسول الله ﷺ موادعة ومكافّة عن الحرب، تجريان مجرى المودّة الّتي تكون بين المتصافين الّذين يثق بعضهم ببعض.
(٢) بيّتت: أوقعت بنو بكر بخزاعة ليلا بغتة.
(٣) ابن هشام، ج ٣/ ٣٩٤.
(٤) الأتلدا: القديم.
[ ٣٤٦ ]
فانصر هداك الله نصرا أعتدا وادع عباد الله يأتوا مددا «١»
فيهم رسول الله قد تجرّدا في فيلق كالبحر يجري مزبدا «٢»
إنّ قريشا أخلفوك الموعدا ونقضوا ميثاقك المؤكّدا
وبيّتونا ركّعا وسجّدا وزعموا أن لست أدعو أحدا
وهم أذلّ وأقلّ عددا هم بيّتونا بالوتير هجّدا
وقتلونا ركّعا وسجّدا
فقال له رسول الله ﷺ: «نصرت يا عمرو» «٣» .
[قدوم أبي سفيان ليجدّد الصّلح]
فبينما هو عندهم إذ قدم أبو سفيان بن حرب من (مكّة) يريد تجديد العهد والزّيادة في مدّة الصّلح. فأبى عليه رسول الله ﷺ، وردّه، فانصرف.
ولعلّ أبا سفيان لمّا أدخل في حديث هرقل: ونحن منه في مدّة لا ندري ما هو صانع؛ عوقب بإدخال الغدر عليه من جهته.
[تهيّؤ النّبيّ ﷺ للغزو وكتمانه الأمر]
ثمّ إنّ النّبيّ ﷺ لمّا دخل رمضان آذن النّاس بالجهاز إلى (مكّة) وآذن من حوله من الأعراب، وقال: «اللهمّ خذ العيون والأخبار عن قريش حتّى نبغتها في بلادها» «٤» .
[أمر حاطب بن أبي بلتعة ﵁]
وفي «الصّحيحين» عن عليّ ﵁ قال: بعثني رسول الله ﷺ أنا والزّبير والمقداد فقال: «انطلقوا حتّى تأتوا (روضة خاخ)
_________________
(١) أعتدا: حاضرا.
(٢) تجرّد: شمرّ للحرب. الفيلق: الكتيبة العظيمة والعسكر الكثير. مزبد: جيش مائج كالبحر.
(٣) أخرجه البيهقيّ في «سننه»، ج ٩/ ٢٣٣.
(٤) أخرجه البيهقيّ في «الدّلائل»، ج ٥/ ١٢.
[ ٣٤٧ ]
- أي: بمعجمة مكرّرة-، فإنّ بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها»، فأدركناها، فأخذناه منها، فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين ب (مكّة)، يخبرهم ببعض أمر رسول الله ﷺ، فقال له [رسول الله ﷺ]: «ما حملك على هذا؟»، فقال: أحببت أن يكون لي عندهم يد. فصدّقه النّبيّ ﷺ وعذره/ ﵁ «١» .
[خروج النّبيّ ﷺ لفتح مكّة ولقاؤه العبّاس في الطّريق]
وخرج ﷺ لعشر مضين من رمضان، فلمّا بلغ (الجحفة) لقيه عمّه العبّاس مهاجرا بأهله وبيته- وقد كان أسر يوم (بدر) وفادى بنفسه وأسلم، واستأذن النّبيّ ﷺ أن يقيم ب (مكّة) على سقايته، فأذن له- فردّ عمّه معه.
[إسلام أبي سفيان بن الحارث ﵁]
ولقيه أيضا ابن عمّه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطّلب، فأسلم، واعتذر إليه ممّا كان جرى منه، فعذره، وردّه معه.
[اعتذار أبي سفيان بن الحارث عمّا كان منه قبل إسلامه]
وأنشد أبو سفيان شعرا، [من الطّويل] «٢»:
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، (٢٨٤٥- ٢٩١٥) . ومسلم (٢٤٩٤/ ١٦١) . قلت: قال أبو شهبة﵀-: لا بدّ من وقفة هنا؛ فما كان حاطب منافقا، ولا ضعيف الإيمان، بتزكية الرّسول له. ولكنّ في النّفس الإنسانيّة جوانب ضعف تطغى عليها في بعض الأحيان، وتهوي بها إلى ما لا ترضاه لنفسها، وكلّ بني آدم خطّاء، وما كان هذا الضّعف الإنسانيّ ليخفى على صاحب القلب الكبير، والقوي الأمين، صاحب الخلق العظيم، فلا تعجب إذا كان الرّسول صدّقه فيما قال، ورحم ضعفه، ونافح عنه، والقوي حقّا هو الّذي يرحم الضّعفاء، والعظيم حقّا هو الّذي يلتمس المعاذير لمن يستزلهم الشّيطان في غفوة من صدق الإيمان ووازع الضّمير. (السّيرة النّبويّة، ج ٢/ ٤٣٨- ٤٣٩) .
(٢) ابن هشام، ج ٣/ ٤٠١.
[ ٣٤٨ ]
لعمرك إنّي يوم أحمل راية لتغلب خيل اللّات خيل محمّد
لكالمدلج الحيران أظلم ليله فهذا أواني حين أهدى وأهتدي «١»
هداني هاد غير نفسي ودلّني على الحقّ من طرّدت كلّ مطرّد
أصد وأنأى جاهدا عن محمّد وأدعى وإن لم أنتسب من محمّد
[نزول النّبيّ ﷺ مرّ الظّهران، وتحسّس قريش عليه]
ثمّ مضى رسول الله ﷺ حتّى نزل (مرّ الظّهران) في عشرة آلاف، فأدركت العبّاس الرّقّة لقريش، فركب بغلة النّبيّ ﷺ في اللّيل بإذنه، رجاء أن يصادف أحدا يبعثه إلى قريش، فيطلبوا الأمان من النّبيّ ﷺ. فلقي أبا سفيان بن حرب في نفر من قريش، وقد كانوا خرجوا يتحسّسون الأخبار، فرأوا نيران الجيش واستنكروها، حتّى قال أبو سفيان: والله لكأنّها نيران أهل (عرفة)، ولا شعور لهم بمخرج النّبيّ ﷺ إليهم. فأخبرهم العبّاس الخبر، فقال له أبو سفيان: فما الحيلة؟ قال: الحيلة أن تردّ من معك ليخبروا أهل (مكّة)، وتركب أنت معي حتّى آتي بك رسول الله ﷺ فأستأمنه لك.
[إسلام أبي سفيان على يد العبّاس ﵄]
فركب معه ورجع أصحابه، فلمّا انتهى به إلى النّبيّ ﷺ قال للعبّاس: «اذهب به إلى رحلك، فإذا أصبحت فأتني به»، فلمّا أصبح جاء به، فقال له النّبيّ ﷺ: «ألم يأن لك يا أبا سفيان/ أن تسلم؟»، قال: بلى، بأبي أنت وأمّي، ما أحلمك وأرحمك، وأسلم.
فقال له العبّاس: يا رسول الله، إنّ أبا سفيان رجل يحبّ الفخر والخيلاء، فاجعل له شيئا، فقال: «نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن» «٢» .
[عرض جيوش الرّسول ﷺ على أبي سفيان]
وفي «صحيح البخاريّ»، أنّه ﷺ قال للعبّاس: «احبس
_________________
(١) المدلج: الّذي يسير باللّيل.
(٢) أورده الهيثميّ في «مجمع الزّوائد»، ج ٦/ ١٦٦.
[ ٣٤٩ ]
أبا سفيان عند حطم الخيل «١»، حتّى ينظر إلى جنود الله»، فحبسه. ثمّ سار النّبيّ ﷺ، فجعلت الكتائب تمرّ كتيبة كتيبة، حتّى مرّت به كتيبة لم ير مثلها قطّ، فقال: يا عبّاس من هؤلاء؟، فقال:
هؤلاء الأنصار عليهم سعد بن عبادة معه الرّاية، وهو يقول:
اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحلّ (الكعبة) .
ثمّ جاءت كتيبة وهي أقلّهم عددا، وأجلّهم قدرا، فيها المصطفى ﷺ ووزراؤه من خواصّ المهاجرين، والرّاية مع الزّبير بن العوّام. فقال أبو سفيان للنّبيّ ﷺ: يا رسول الله، ألم تسمع إلى ما قال سعد بن عبادة؟، قال: «ما قال؟»، قال: قال: اليوم تستحلّ (الكعبة) .
فقال: «كذب سعد، ولكن: هذا يوم تعظّم فيه (الكعبة)» «٢» .
وأمر ﷺ الزّبير أن يركز رايته ب (الحجون) .
وتفرّق أهل (مكّة)، فمنهم من لجأ إلى المسجد، ومنهم من أغلق عليه داره.
[دخول النّبيّ ﷺ مكّة]
ودخل ﷺ من أعلى (مكّة)، وذلك لعشر بقين من رمضان المعظّم، ولم يعرض له قتال.
[دخول المسلمين مكّة]
وأمر خالد بن الوليد في جمع من المهاجرين أن يدخلوا من أسفلها، فعرض لهم عكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أميّة، وسهيل بن عمرو؛ في جمع من قريش، فهزمهم خالد، وقتل منهم ثلاثة عشر رجلا، وقد كان النّبيّ ﷺ عهد إلى أمرائه أن لا يقتلوا إلّا من قاتلهم.
_________________
(١) حطم الخيل: المكان النّاتئ منه في الطّريق، ليتمكّن من رؤية الجيش كلّه.
(٢) أخرجه البخاريّ، برقم (٤٠٣٠) .
[ ٣٥٠ ]
[إهدار النّبيّ ﷺ دماء نفر من المشركين]
إلّا أنّه أمر بقتل جماعة سمّاهم «١»، فقال: «اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلّقين بأستار الكعبة» «٢» .
وفي «صحيح البخاريّ»، أنّ رجلا/ أتى النّبيّ ﷺ فقال: إنّ ابن خطل متعلّق بأستار الكعبة، فقال: «اقتلوه» «٣» . وزاد أحمد والبيهقيّ: فقتل وهو متعلّق بأستار الكعبة «٤» .
[إجارة أمّ هانئ ﵂ رجلين من قريش]
وفي «الصّحيحين» أنّ أمّ هانىء أجارت ابن هبيرة، فأراد عليّ قتله، فقال النّبيّ ﷺ: «قد أجرنا من أجرت يا أمّ هانىء» «٥» .
قلت: وفي هذا دليل على أنّ حرمة المؤمن عند الله ورسوله أشدّ من حرمة (الكعبة) المعظّمة.
[طواف النّبيّ ص بالبيت العتيق وتطهيره المسجد من الأصنام]
ثمّ دخل ﷺ المسجد، وهو راكب راحلته، منكّس رأسه تواضعا لله تعالى، فطاف بالبيت سبعا راكبا، يستلم الرّكن بمحجن «٦» في يده.
وكان حول البيت ثلاث مئة وستّون صنما، مثبّتة بالرّصاص، فجعل ﷺ يطعنها بالمحجن ويقول: جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقًا [سورة الإسراء ١٧/ ٨١] .
_________________
(١) وهم: عبد الله بن خطل، ومقيس بن صبابة، وعبد الله بن سعد بن أبي السّرح، وعكرمة بن أبي جهل.
(٢) أخرجه النّسائيّ، برقم (٣٩٩٩) . عن سعد بن أبي وقّاص ﵁.
(٣) أخرجه البخاريّ، برقم (١٧٤٩) . عن أنس بن مالك ﵁.
(٤) أورده الهيثميّ في «مجمع الزّوائد»، ج ٦/ ١٦٧. عن أنس بن مالك ﵁.
(٥) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٥٠) . ومسلم برقم (٣٣٦/ ٨٢)، بنحوه.
(٦) المحجن: العصا المعوجّة الرّأس.
[ ٣٥١ ]
فما أشار إلى وجه صنم إلّا وقع إلى قفاه، ولا إلى قفاه إلّا وقع لوجهه.
[دخوله ﷺ الكعبة وكسر الأوثان وطمس الصّور]
ولمّا فرغ من طوافه دعا بالمفتاح، وكان بيد عثمان بن طلحة بن أبي طلحة بن شيبة بن عبد الدّار، وبيد ابن عمّه شيبة بن عثمان بن أبي طلحة بن شيبة بن عبد الدّار بن قصيّ، ففتح البيت، ودخل، وصلّى فيه ركعتين، وكبّر في نواحيه، ودعا، وكسر ما فيه من الأوثان، وطمس الصّور، وأخرج مقام إبراهيم ﵇.
[إعطاء النّبيّ ﷺ مفتاح الكعبة إلى أهله]
فسأله العبّاس ﵁ أن يجمع له سدانة البيت إلى السّقاية «١»، فنزل جبريل ﵇ بقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها الآية [سورة النّساء ٤/ ٥٨] .
فخرج وهو يتلوها، فدعا عثمان وشيبة فأعطاهما المفتاح، وقال: «خذوها خالدة تالدة، لا ينزعها منكم إلّا ظالم» «٢» .
[خطبة النّبيّ ﷺ على باب الكعبة]
ثمّ قام ﷺ على باب (الكعبة) وقال: «لا إله إلّا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعزّ جنده، وهزم الأحزاب وحده» .
ثمّ قال: «يا معشر قريش؛ ما ترون أنّي فاعل بكم؟»، قالوا: خيرا، أخ كريم/ وابن أخ كريم، فقال: «اذهبوا فأنتم الطّلقاء، [أقول كما قال يوسف]: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [سورة يوسف ١٢/ ٩٢]» .
ثمّ قال: «يا معشر قريش، إنّ الله قد أذهب عنكم نخوة
_________________
(١) السّدانة: خدمة البيت وتولّي أمره. السّقاية: سقي الحجيج من الزّبيب المنبوذ في الماء.
(٢) عيون الأثر، ج ٢/ ١٧٨.
[ ٣٥٢ ]
الجاهليّة وتعظّمها بالآباء، النّاس من آدم، وآدم من تراب»، ثمّ تلا: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوبًا وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ «١» [سورة الحجرات ٤٩/ ١٣] .
[خطبة النّبيّ ﷺ غداة الفتح]
وفي «صحيح البخاريّ ومسلم»، أنّه ﷺ قال: «إنّ (مكّة) حرّمها الله ولم يحرّمها النّاس، فلا يحلّ لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما، فإن أحد ترخّص لقتال رسول الله ﷺ فقولوا له: إنّ الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنّما أذن لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، فليبلّغ الشّاهد منكم الغائب» «٢» .
وفيها-[أي: السّنة الثّامنة]-: كانت غزوة حنين وأوطاس، ثمّ غزوة الطائف، ووفد هوازن، وعمرة الجعرانة، ومولد إبراهيم، وكسوف الشّمس.
[غزوة حنين]
أمّا غزوة حنين: فإنّه ﷺ لمّا فرغ من الفتح بلغه أنّ هوازن أقبلت لحربه في أربعة آلاف، عليهم مالك بن عوف النّصريّ- بمعجمة- فأجمع ﷺ على المسير إليهم، وأرسل إلى صفوان بن أميّة ليستعير منه السّلاح، وكان صفوان لمّا عرض عليه النّبيّ ﷺ الإسلام، قال: أمهلني شهرا أرى فيه رأيي، قال: «قد أمهلتك أربعة أشهر»، وكان عنده مئة درع، فقال: أغصبا يا محمّد؟
_________________
(١) أخرجه أحمد في «مسنده»، ج ٢/ ١١. والتّرمذيّ، برقم (٣٢٧٠) . عن ابن عمر ﵄.
(٢) أخرجه البخاريّ، برقم (١٧٣٥) . ومسلم برقم (١٣٥٤/ ٤٤٦) . عن أبي شريح العدويّ ﵁.
[ ٣٥٣ ]
قال: «لا، بل عاريّة مضمونة» «١»، فأعطاه مئة درع مع ما يتبعها من السّلاح.
[خروج النّبيّ ﷺ من مكّة إلى حنين]
ثمّ خرج ﷺ بجيش الفتح وألفين ممّن أسلم بعد الفتح، وكان مدّة إقامته ب (مكّة) بعد الفتح نحو ثمانية عشر يوما، وكان يقصر فيها الصّلاة.
[هزيمة المسلمين، وثبات النّبيّ ﷺ وبعض أصحابه]
فلمّا انتهى إلى (حنين) وهو واد بين (مكّة والطّائف)، في غلس الصّبح، وجد المشركين قد سبقوه إليه، وكمنوا في شعابه، فلمّا توسّط المسلمون في الوادي، / شدّ المشركون عليهم شدّة رجل واحد، فانشمر «٢» المسلمون راجعين، لا يلوي منهم أحد على أحد، وكان سبب الهزيمة مسلمي الفتح.
وثبت النّبيّ ﷺ، وثبت معه جماعة من أهل بيته، منهم: عمّه العبّاس وابنه الفضل، وعليّ بن أبي طالب، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطّلب، وأخوه ربيعة. ومن المهاجرين أبو بكر وعمر ﵃.
وفي «صحيحي البخاريّ ومسلم»، أنّ رجلا قال للبراء بن عازب ﵄: أفررتم عن رسول الله ﷺ يوم (حنين)؟، قال: لكنّ رسول الله ﷺ لم يفرّ، ولقد رأيته على بغلته البيضاء، وابن عمّه أبو سفيان آخذ بزمامها، وهو يقول:
«أنا النّبيّ لا كذب أنا ابن عبد المطّلب» «٣»
_________________
(١) أخرجه أحمد في «مسنده»، برقم (١٤٨٧٨) . عن صفوان بن أميّة ﵁. العارية: إعارة المنافع من غير عوض.
(٢) انشمر: انفضّ وانهزم.
(٣) أخرجه البخاريّ، (٢٧٠٩- ٢٨٧٧) . ومسلم (١٧٧٦/ ٨٠) . قلت:
[ ٣٥٤ ]
فما رئي في النّاس يومئذ أشدّ منه.
وروى ابن إسحاق عن العبّاس ﵁ قال: شهدت مع رسول الله ﷺ يوم (حنين)، فلزمته أنا وأبو سفيان بن الحارث، فلم نفارقه.
[عودة المسلمين واحتدام القتال]
فلمّا التقى الجمعان، ولّى المسلمون مدبرين، فطفق رسول الله ﷺ يركض بغلته «١» قبل الكفّار، قال عبّاس: وأنا آخذ بلجام بغلته، أكفّها إرادة أن لا تسرع، فقال ﷺ: «يا عبّاس، ناد أصحاب السّمرة» - أي: أهل بيعة الرّضوان- وكان العبّاس صيّتا «٢»، فقلت بأعلى صوتي: أين أصحاب السّمرة؟، فقالوا:
يا لبّيك، يا لبّيك، فو الله لكأنّ عطفتهم عليّ حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها، فاقتتلواهم والكفّار، فنظر رسول الله ﷺ إلى قتالهم، فقال: «هذا حين حمي الوطيس» «٣» .
[رمي النّبيّ ﷺ المشركين بالحصى]
ثمّ أخذ ﷺ كفّا من الحصباء فرمى به وجوه الكفّار، وقال:
«شاهت الوجوه»، فما خلق الله منهم إنسانا إلّا ملئت عينه ترابا من تلك القبضة، فولّوا مدبرين، وهزمهم الله.
[ما نزل من القرآن في يوم حنين]
وأنزل الله في ذلك: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ
_________________
(١) وقد انتسب النّبيّ ﷺ لجدّه لأنّه كان أشهر وأذكر عند العرب، أمّا أبوه فقد مات وهو شابّ.
(٢) يركض بغلته: يضربها برجله الشّريفة على كبدها لتسرع.
(٣) صيّتا: شديد الصّوت، عاليه.
(٤) أخرجه مسلم، برقم (١٧٧٥) . الوطيس: الضّراب في الحرب، ولم يسمع هذا الكلام من أحد قبل النّبيّ ﷺ عبّر به عن اشتباك الحرب وقيامها على ساق.
[ ٣٥٥ ]
حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ، وكانوا قالوا: لن نغلب اليوم من قلّة فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ/ شَيْئًا وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ- أي: مع سعتها- ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ. ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها [سورة التّوبة ٩/ ٢٥- ٢٦]- أي: جبريل: بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ- أي: معلّمين-.
[شماتة أهل مكّة بالنّبيّ ﷺ وأصحابه]
ولمّا انهزم المسلمون شمت بهم كثير من مسلمي الفتح «١»، فقال أخ لصفوان بن أميّة من أمّه «٢»: اليوم بطل سحر محمّد، فقال له صفوان: اسكت، فضّ الله فاك- أي: كسره الله- فو الله لأن يربّني- أي: يسودني- رجل من قريش أحبّ إليّ من أن يربّني رجل من هوازن.
[محاولة شيبة قتل النّبيّ ﷺ ثمّ إسلامه]
وعن شيبة بن عثمان بن أبي طلحة العبدريّ ﵁ قال:
استدبرت رسول الله ﷺ يوم (حنين) لأقتله، فأطلعه الله على ما في نفسي، فالتفت إليّ، فضرب بيده على صدري، وقال: «أعيذك بالله يا شيبة» «٣» .
فارتعدت فرائصي، فرفع يده، وهو أحبّ إليّ من سمعي وبصري، وقلت: أشهد أنّك رسول الله، وأنّ الله قد أطلعك على ما في نفسي.
[سريّة أوطاس]
وأمّا بعث أبي عامر الأشعريّ إلى (أوطاس)، وكانت هوازن قد خرجت معها بأهليها وأموالها، فلمّا انهزموا انحاز منهم طائفة
_________________
(١) كانوا حديثي عهد بالإسلام.
(٢) وهو: كلدة بن الحنبل.
(٣) أخرجه البيهقيّ في «الدّلائل»، ج ٥/ ١٤٥. بنحوه.
[ ٣٥٦ ]
بالأهل والمال إلى ناحية (أوطاس)، عليهم دريد بن الصّمّة، فبعث النّبيّ ﷺ أبا عامر الأشعريّ في جيش من المسلمين في آثارهم، فأدركوهم، فناوشوهم القتال، فاستشهد أبو عامر بعد أن قتل تسعة إخوة، فقتله عاشرهم، فأخذ الرّاية منه ابن أخيه أبو موسى الأشعريّ باستخلاف منه، ففتح الله على يديه، وقتل قاتل أبي عامر، وهزمهم، وغنم أموالهم، وكانت سباياهم من النّساء والصّبيان نحو ستّة آلاف، وأمّا الإبل والغنم فلا تحصر عددا، فأمر بها النّبيّ ﷺ فحبست له ب (الجعرانة) .
وفي «صحيحي البخاريّ ومسلم»، عن أبي موسى ﵁ قال: لمّا فرغ النّبيّ ﷺ من (حنين) بعث أبا عامر على جيش إلى (أوطاس)، فلقي دريد- أي: مصغّرا- ابن الصّمّة، فقتل/ دريد، وهزم الله أصحابه، قال أبو موسى: وبعثني مع أبي عامر، فرمي أبو عامر في ركبته بسهم، فأثبته في ركبته فانتهيت إليه فقلت:
يا عمّ، من رماك؟، فقال: ذاك قاتلي، فقصدت إليه، فقتلته، ثمّ قلت لأبي عامر: قد قتل الله صاحبك، فقال: فانزع هذا السّهم، وأقرىء النّبيّ ﷺ عنّي السّلام، وقل له يستغفر لي، واستخلفني أبو عامر على النّاس، ثمّ مات، فرجعت، فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته، فدعا بماء فتوضّأ، ثمّ رفع يديه حتّى رأيت بياض إبطيه، فقال: «اللهمّ اغفر لعبيد أبي عامر، اللهمّ اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك من النّاس»، فقلت: ولي يا رسول الله فاستغفر، فقال: «اللهمّ اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه، وأدخله يوم القيامة مدخلا كريما» «١» .
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٤٠٦٨) . ومسلم برقم (٢٤٩٨/ ١٦٥) .
[ ٣٥٧ ]
[غزوة الطّائف]
وأمّا غزوة الطّائف: فإنّه ﷺ توجّه إليها لقتال من شرد إليها من (حنين)، ومرّ على طريقه بحصن مالك بن عوف النّصريّ السّابق ذكره، قائد هوازن، فهدمه، ثمّ ارتحل، فحاصر أهل (الطّائف) بضعا وعشرين ليلة من شهر شوّال، وقاتلهم قتالا شديدا، فلم يظفر بهم، بعد أن رماهم بالمنجنيق، وحرّق أعنابهم، فلمّا انصرف قيل له: ادع عليهم، فقال: «اللهمّ اهد ثقيفا وائت بهم» «١» .
فهداهم الله بدعوته، فأتوا إلى (المدينة) مسلمين، بعد أن تقدّم قبلهم مالك بن عوف فأسلم، ثمّ رجع إليهم، فدعاهم إلى الله، وأتى بهم إلى النّبيّ ﷺ مسلمين، ومن شعر مالك بن عوف حين أسلم، [من الكامل] «٢»:
ما إن «٣» رأيت ولا سمعت بمثله في النّاس كلّهم كمثل محمّد
أوفى وأعطى للجزيل إذا اجتدي ومتى تشأ يخبرك عمّا في غد
وإذا الكتيبة عرّدت أنيابها بالسّمهريّ وضرب كلّ مهنّد «٤»
فكأنّه ليث على أشباله وسط الهباءة خادر في مرصد «٥»
[ارتحال المسلمين]
وفي «صحيحي البخاريّ ومسلم»، عن عبد الله بن عمر بن
_________________
(١) أخرجه التّرمذيّ، برقم (٣٩٤٢) . عن جابر بن عبد الله ﵄.
(٢) ابن هشام، ج ٣/ ٤٩١.
(٣) إن: زائدة للتوكيد، والمعنى: ما رأيت ما رأيت.
(٤) عرّدت أنيابها: قويت واشتدّت. السّمهريّ: الرّمح. المهنّد: السّيف.
(٥) الهباءة: الغبار يثور عن اشتداد الحرب. الخادر: الأسد في عرينه. يصفه بالقوّة، لأنّه حينئذ يكون شديد البأس لخوفه على أشباله. المرصد: المكان الّذي يرقب منه. ويصفه باليقظة والانتباه.
[ ٣٥٨ ]
الخطّاب رضي الله/ عنهما قال: لمّا حاصر النّبيّ ﷺ (الطّائف)، فلم ينل منهم شيئا، قال: «إنّا قافلون غدا إن شاء الله»، فثقل ذلك على أصحابه، وقالوا: نذهب ولا نفتحه؟، فقال: «اغدوا على القتال» فغدوا، فأصابهم جراح، فقال: «إنّا قافلون غدا إن شاء الله»، فأعجبهم ذلك، فضحك النّبيّ ﷺ «١» .
[نزوله ﷺ بالجعرانة وقسم الغنائم]
ولمّا رجع ﷺ من (الطّائف) نزل ب (الجعرانة) فقسم بها غنائم (حنين)، وأعطى جماعة من الرؤساء والمؤلّفة قلوبهم مئة مئة من الإبل، منهم من قريش: أبو سفيان بن حرب، وصفوان بن أميّة.
ومن غير قريش: عيينة بن حصن الفزاريّ، والأقرع بن حابس.
[العبّاس بن مرداس يسخط عطاءه، ويعاتب النّبيّ ص فيه]
وأعطى [ﷺ] العبّاس بن مرداس الشّاعر خمسين من الإبل، فسخطها، إذ لم يجعله كعيينة بن حصن والأقرع بن حابس، وأنشد النّبيّ ﷺ أبياتا يقول فيها، [من المتقارب] «٢»:
أتجعل نهبي ونهب العبي د بين عيينة والأقرع «٣»
وما كان حصن ولا حابس يفوقان مرداس في مجمع
وما كنت دون امرىء منهما ومن تضع اليوم لا يرفع
فأكمل له النّبيّ ﷺ مئة.
[توزيع الغنائم على سائر المسلمين]
وأمّا الغنم: فأعطى منها بغير عدد، حتّى أنّ أعرابيا رأى غنما بين جبلين، فقال: ما أكثر هذه الأغنام؟، فقال النّبيّ ﷺ: «هي لك»، فأتى بها قومه، وقال لهم: أسلموا، فو الله إنّ محمّدا
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٤٠٧٠) . ومسلم برقم (١٧٧٨/ ٨٢) .
(٢) ابن هشام، ج ٣/ ٤٩٣.
(٣) العبيد: اسم فرس عبّاس بن مرداس.
[ ٣٥٩ ]
ليعطي عطاء من لا يخاف الفقر «١» .
وفي «الصّحيحين»، أنّه ﷺ نادى قبل القسمة: «من أقام بيّنة على قتيل قتله فله سلبه»، قال أبو قتادة: فقمت ألتمس بيّنة على قتيلي، فلم أر أحدا يشهد لي فجلست، ثمّ بدا لي، فذكرت أمره لرسول الله ﷺ، فقال رجل: سلاح هذا القتيل الّذي يذكر عندي، فأرضه منه، فقال أبو بكر- وعند أحمد: فقال عمر- وجمع بينهما بأنّ كلّا منهما قال: كلّا والله، لا نعطيه أضيبعا «٢» من قريش- تصغير ضبع/ بمعجمة- وندع أسدا من أسود الله يقاتل عن الله ورسوله، فقام رسول الله ﷺ فأدّاه إليّ «٣» .
ولمّا قسم هذه المقاسم، وأعطى هذه العطايا، شرهت أنفس الأعراب وجفاة العرب، مع ضعف إيمانهم حينئذ إلى المال، فألحّوا عليه ﷺ في السّؤال، حتّى اضطرّوه إلى سمرة فخطفت رداءه، فقال:
«أعطوني ردائي، فلو كان لي عدد هذه العضاه «٤» نعما لقسمته بينكم، ثمّ لا تجدوني بخيلا ولا كذّابا ولا جبانا» . رواه البخاريّ «٥» .
[أمر ذي الخويصرة التّميميّ]
وروى أيضا-[أي: البخاريّ]- أنّ أعرابيا قال: اعدل، فقال: «ويحك! إن لم أعدل فمن يعدل وأنا حرّ؟!»، قال: هذه قسمة ما أريد بها وجه الله، فقال ﷺ: «رحم الله أخي موسى، قد
_________________
(١) أخرجه مسلم، برقم (٢٣١٢/ ٥٨) . عن أنس بن مالك ﵁.
(٢) يروى بالضّاد المعجمة والعين المهملة؛ تصغير ضبع على غير قياس تحقيرا له. وقد ذكره البخاريّ بلفظ: «أصيبغ»، وهو نوع من الطيور ضعيف؛ يصفه بالعجز والضّعف والهوان.
(٣) أخرجه البخاريّ، برقم (٤٠٦٧) .
(٤) العضاه: شجر عظيم له شوك.
(٥) أخرجه البخاريّ، برقم (٢٦٦٦) . عن جبير بن مطعم ﵁.
[ ٣٦٠ ]
أوذي بأكثر من هذا فصبر» «١» .
[مقالة الأنصار بشأن الغنائم وخطبة النّبيّ ﷺ فيهم]
وكان ﷺ وكل الأنصار إلى إيمانهم، فلم يعطهم من هذه المقاسم شيئا، فوجدوا وجدا شديدا، ووقع في أنفسهم ما لم يقع قبل ذلك. وأنشده حسّان بن ثابت في ذلك قوله، [من البسيط] «٢»:
[زادت هموم] فدمع العين ينحدر سحّا إذا حفّلته عبرة درر «٣»
وأت الرّسول فقل يا خير مؤتمن للمؤمنين إذا ما عدّد البشر
علام تدعى سليم وهي نازحة قدّام قوم هم آووا وهم نصروا
سمّاهم الله أنصارا لنصرهم دين الهدى وعوان الحرب تستعر «٤»
وسارعوا في سبيل الله واعترفوا للنّائبات وما خاموا وما ضجروا «٥»
والنّاس ألب علينا فيك ليس لنا إلّا السّيوف وأطراف القنا وزر «٦»
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٢٩٨١) . عن ابن مسعود ﵁. والأعرابيّ هو: ذو الخويصرة حرقوص بن زهير.
(٢) ابن هشام، ج ٣/ ٤٩٧- ٤٩٨.
(٣) سحّ: سال. حفلته: جمعته. عبرة درر: دمعة سائلة.
(٤) الحرب العوان: الّتي قوتل فيها مرّة بعد أخرى. تستعر: تشتدّ وتشتعل.
(٥) خاموا: جبنوا.
(٦) ألب: مجتمعون. الوزر: الملجأ.
[ ٣٦١ ]
نجالد النّاس لا نبقي على أحد ولا نضيّع ما توحي به السّور
ثمّ إنّه ﷺ جمعهم وخطبهم، واعتذر إليهم، حتّى طابت أنفسهم.
كما رواه البخاريّ ومسلم، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال ناس من الأنصار حين طفق رسول الله ﷺ يعطي رجالا من أموال هوازن المئة من الإبل، فقالوا: يغفر الله لرسول الله! يعطي قريشا/ ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم، قال أنس: فحدّث رسول الله ﷺ بمقالتهم، فأرسل إلى الأنصار فجمعهم في قبّة من أدم، ولم يدع معهم أحدا غيرهم، فلمّا اجتمعوا قام النّبيّ ﷺ فقال:
«ما حديث بلغني عنكم؟»، فقال فقهاء الأنصار: أمّا رؤساؤنا فلم يقولوا شيئا، وأمّا أناس منّا حديثة أسنانهم، فقالوا: يغفر الله لرسول الله، يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم؟، فقال رسول الله ﷺ: «إنّي لأعطي رجالا حديثي عهد بكفر أتألّفهم، أما ترضون أن يذهب النّاس بالأموال وتذهبوا برسول الله إلى رحالكم؟
فو الله لما تنقلبون به خير ممّا ينقلبون به»، فقالوا: قد رضينا يا رسول الله «١» .
فائدة [: في سبب حجب النّبيّ ص أموال هوازن عن الأنصار]
قوله: (لم يعط الأنصار شيئا)، أي: أنّه لم يعط الأنصار شيئا من أصل الغنيمة، لا من الخمس الّذي أعطى منه المؤلّفة قلوبهم.
قال العلماء: وسببه أنّهم كانوا انهزموا، فلم يرجعوا إلّا وقد
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٤٠٧٦) . ومسلم برقم (١٠٥٩/ ١٣٢) .
[ ٣٦٢ ]
انهزم الكفّار، فردّ الله أمر الغنيمة إلى نبيّه ﷺ، ففعل فيها ما فعل للتّأليف، ووكل الأنصار إلى إيمانهم. والله أعلم.
[قدوم وفد هوازن مسلمين، وردّ النّبيّ ﷺ سباياهم]
ثمّ إنّ وفد هوازن جاؤوا بعد قسمة غنائمهم مسلمين، ومناشدين للنّبيّ ﷺ برضاعه فيهم أن يردّ عليهم غنائمهم، وأنشدوه في ذلك أشعارا منها، [من البسيط] «١»:
أمنن على نسوة قد كنت ترضعها إذ فوك يملؤه من مخضها الدّرر
لا تجعلنّا كمن شالت نعامته واستبق منّا فإنّا معشر زهر
ذكره ابن إسحاق مطوّلا، وأشار إليه البخاريّ بقوله في أبواب فرض الخمس، باب: ومن الدّليل على أنّ الخمس لنوائب المسلمين، ما سأل هوازن النّبيّ ﷺ برضاعه فيهم.
وأتته أيضا أمّه وأخته من الرّضاعة: حليمة السّعديّة وبنتها الشّيماء، فبسط لهما رداءه وأجلسهما عليه ورقّ لهما ﷺ.
وروى البخاريّ في «صحيحه»، أنّ النّبيّ ﷺ/ قام حين جاءه وفد هوازن مسلمين، فسألوه أن يردّ عليهم أموالهم وسبيهم، فقال لهم: «إنّ معي من ترون، وإنّ أحبّ الحديث إليّ أصدقه، فاختاروا إحدى الطّائفتين: إمّا المال وإمّا السّبي»، فقالوا: إنّا نختار سبينا، فقام رسول الله في المسلمين، فأثنى على الله بما هو أهله، ثمّ قال: «أمّا بعد: فإنّ إخوانكم قد جاؤوا تائبين، وإنّي قد رأيت أن أردّ إليهم سبيهم، فمن أحبّ أن يطيّب «٢» ذلك
_________________
(١) من قول: زهير بن صرد الجشميّ السّعديّ.
(٢) يطيّب: يحلّل ويبيح. وطابت نفسه بالشّيء: إذا سمحت به من غير كراهة ولا غضب.
[ ٣٦٣ ]
فليفعل، ومن أحبّ أن يكون على حظّه حتّى نعطيه إيّاه من أوّل ما يفيء الله علينا فليفعل»، فقال النّاس: قد طيّبنا ذلك يا رسول الله «١» .
[عمرة الجعرانة واستخلاف النّبيّ ﷺ عتّابا على الحجّ]
ثمّ انصرف رسول الله ﷺ من (الجعرانة) محرما بعمرة في ذي القعدة، فدخل (مكّة) فقضى نسكه، واستخلف على (مكّة) عتّاب- بتشديد الفوقيّة- ابن أسيد- بفتح الهمزة- فحجّ بالنّاس في تلك السّنة-[أي: الثّامنة]- ثمّ انصرف إلى (المدينة) فدخلها في آخر ذي القعدة.
[خبر ولادة إبراهيم ابن النّبيّ ﷺ ووفاته]
وولد له في ذي الحجّة ولده إبراهيم، فعاش نحو ثلاثة أشهر، وكسفت الشّمس يوم موته، في ربيع الأوّل من سنة تسع «٢» .
وفي «صحيحي البخاريّ ومسلم»، أنّ النّبيّ ﷺ دخل عليه في مرضه فوجده يجود بنفسه، فجعلت عيناه تذرفان، فقال له عبد الرّحمن بن عوف: وأنت يا رسول الله؟، فقال له: «يا ابن عوف، إنّها رحمة، جعلها الله في قلوب عباده»، ثمّ أتبعها بأخرى، وقال: «إنّ العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلّا ما يرضي ربّنا، وإنّا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون» «٣» .
وقال: «إنّ له مرضعا في الجنّة» «٤» .
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٢٤٠٢) . عن المسور بن مخرمة ﵁.
(٢) قلت: ولد إبراهيم في شهر ذي الحجّة سنة ثمان، ومات وهو ابن ستّة عشر شهرا، في ربيع الأوّل سنة عشر. (انظر «مسند أحمد»، ج ٤/ ٢٨٣) .
(٣) أخرجه البخاريّ، برقم (١٢٤١) . ومسلم برقم (٢٣١٥/ ٦٢) . عن أنس بن مالك ﵁.
(٤) أخرجه البخاريّ، برقم (١٣١٦) . عن البراء بن عازب ﵄.
[ ٣٦٤ ]
وفيهما-[أي: صحيحي البخاريّ ومسلم]- أنّ النّاس قالوا:
كسفت الشّمس لموت إبراهيم، فنهاهم النّبيّ ﷺ عن ذلك، وصلّى صلاة الكسوف، فأطال فيها حتّى انجلت، ثمّ خطب النّاس فحثّهم على الصّدقة والعتق، وقال: «إنّ الشّمس والقمر آيتان من آيات الله، يخوّف الله بهما عباده، ولا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته» «١» .
[عام الوفود]
وفي السّنة التّاسعة: دخل النّاس/ في دين الله أفواجا، كما أعلم الله ﷾ رسوله ﷺ بذلك، وجعله علما لقرب أجله.
وفي «الصّحيحين»، عن ابن عبّاس ﵄، أنّ عمر ﵁ قال له: ما تقول في: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ حتّى ختم السّورة؟، فقلت: هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه الله له. قال:
إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ- فتح (مكّة) - وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجًا- فذلك علامة أجلك- فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّابًا [سورة النّصر ١١٠/ ١- ٣] فقال عمر:
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (١٠٠١) . ومسلم برقم (٩٠١/ ٣) . عن أبي بكرة ﵁. قلت: قال أبو شهبة﵀-: وإنّ المنصف ليقف خاشعا أمام هذا القول الحكيم، الّذي يدلّ على أنّ سيّدنا محمّدا نبيّ حقّا. فلو لم يكن نبيّا، وكان طالب ملك أو زعامة، أو مدّعيا نبوة؛ لاستغلّ اعتقاد النّاس هذا، أو على الأقل يسكت. وأيّ عظمة نفسيّة أعظم من ألّا ينسى الرّسول ﷺ رسالته في أشدّ المواقف الّتي تملأ النّفس غمّا وحزنا، وربّما تذهل الشّخص عمّا هو حقّ، لذلك لا غرو إذا كان المستشرقون الّذين كتبوا في سيرة النّبيّ ﷺ، وتناولوا هذه القصّة وقفوا منها موقف الإجلال والإعظام، ولم يستطيعوا كتم إعجابهم وإكبارهم للنّبيّ ﷺ، وإعلان عرفانهم بصدق إنسان لم يرض في أدقّ المواقف إلّا الصّدق وإعلان الحقّ. (السّيرة النّبويّة، ج ٢/ ٥٨٣) .
[ ٣٦٥ ]
ما أعلم منها إلّا ما تعلمه «١» .
[وفد بني حنيفة]
ومن الوفود: وفد عليه ﷺ وفد بني حنيفة، عليهم مسيلمة الكذّاب.
وفي «صحيحي البخاريّ ومسلم»، عن ابن عبّاس ﵄ قال: قدم مسيلمة الكذّاب في بشر كثير من قومه، فأقبل إليه رسول الله ﷺ ومعه ثابت بن قيس بن شمّاس الأنصاريّ، وفي يد رسول الله ﷺ قطعة من جريد، حتّى وقف على مسيلمة في أصحابه، فجعل مسيلمة يقول: إن جعل لي محمّد الأمر [من] بعده تبعته، فقال رسول الله ﷺ: «لو سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها، ولن تعدو أمر الله فيك، ولئن أدبرت ليعقرنّك «٢» الله، وإنّي لأراك الّذي أريت فيه ما أريت، وهذا ثابت يجيبك عنّي» . ثمّ انصرف عنه «٣» .
قال ابن عبّاس: فسألت عن قول رسول الله ﷺ: «إنّي لأراك الّذي أريت فيه ما أريت»؟ فأخبرني أبو هريرة ﵁ أنّ النّبيّ ﷺ قال: «بينما أنا نائم رأيت في يديّ سوارين من ذهب، فأهمّني شأنهما، فأوحي إليّ في المنام أن انفخهما، فنفختهما، فطارا، فأوّلتهما كذّابين يخرجان بعدي، أحدهما الأسود العنسيّ والآخر/ مسيلمة الكذّاب» «٤» .
وفي رواية: «فأوّلتهما الكذّابين اللّذين أنا بينهما: صاحب (صنعاء) وصاحب (اليمامة)» «٥» .
وفي رواية أخرى: «العنسيّ- أي: الّذي قتله فيروز ب (اليمن) -
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٤٦٨٦) .
(٢) العقر: القتل والهلاك.
(٣) أخرجه البخاريّ، برقم (٤١١٥) . ومسلم برقم (٢٢٧٣/ ٢١) .
(٤) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٤٢٤) .
(٥) أخرجه مسلم، برقم (٢٢٧٤) . عن أبي هريرة ﵁.
[ ٣٦٦ ]
والآخر مسيلمة الكذّاب- أي: الّذي قتله وحشيّ بن حرب الحبشيّ، قاتل حمزة في قتال خالد بن الوليد لأهل الرّدّة «١» -.
وكان كلّ من مسيلمة والأسود ادّعى النّبوّة بعد وفاة النّبيّ ﷺ.
[وفد نجران]
ومن الوفود: وفد (نجران)، وفيهم نزلت آية الملاعنة، لمّا حاجّوا النّبيّ ﷺ في عيسى ابن مريم [﵊]، فقالوا:
إنّه ابن الله، وكانوا نصارى، فأنزل الله تعالى: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ [سورة آل عمران ٣/ ٦١] .
فأخذ النّبيّ ﷺ بيد الحسن والحسين وفاطمة تمشي خلفه وعليّ يمشي خلفها، فلمّا رأوهم قال حبران منهما- السّيّد والعاقب- لأصحابهما: لا تفعلوا، فو الله لئن لاعنتم هذه الوجوه لا تفلحوا أبدا.
ثمّ صالحوه على الجزية، وبعث معهم أبا عبيدة بن الجرّاح.
وفي «صحيحي البخاريّ ومسلم»، عن حذيفة بن اليمان ﵄ قال: جاء السّيّد والعاقب صاحبا (نجران) إلى النّبيّ ﷺ يريدان أن يلاعناه، فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل، فو الله لئن كان نبيّا فلاعننا لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا، ثمّ قالا: إنّا نعطيك ما سألتنا، وابعث معنا رجلا أمينا، ولا تبعث معنا إلّا أمينا، فقال:
«لأبعثنّ معكم رجلا أمينا حقّ أمين»، فاستشرف لها أصحاب رسول الله ﷺ، فقال: «قم يا أبا عبيدة بن الجرّاح»، فلمّا قام قال النّبيّ ﷺ: «هذا أمين هذه الأمّة» «٢» .
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٤١١٨) . عن ابن عبّاس ﵄.
(٢) أخرجه البخاريّ، برقم (٤١١٩) . ومسلم برقم (٢٤٢٠/ ٥٥) .
[ ٣٦٧ ]
فائدتان
الأولى: [في الحجّة على النّصارى في شبهتهم بولادة عيسى ﵊]
وجه الحجّة على النّصارى، بقوله تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ [سورة آل عمران ٣/ ٥٩]: إنّ شبهتهم فيه كونه خلق من أمّ بلا أب، فاحتجّ الله عليهم بأنّ آدم خلق من غير أمّ ولا أب، وليس بابن الله اتّفاقا.
قال العلماء: والقسمة تقتضي أربعة أقسام:
قسم خلقه الله/ من غير أمّ ولا أب، وهو آدم ﵇.
وقسم بعكسه، وهو سائر ذرّيّته.
وقسم من أب بلا أمّ، وهي حوّاء.
وبقي القسم الرّابع، فأبرزه الله في عيسى ﵇.
الثّانية: [في شهادة النّبيّ ص بتفضيل صحابته بعضهم على بعض]
قال العلماء: إذا شهد الرّسول ﷺ لبعض أصحابه بفضيلة عليهم وجب القطع بأنّه أفضل منهم في تلك الفضيلة، فيجب أن نقطع بأنّ أبا عبيدة أفضل من أبي بكر وعمر وغيرهما في فضيلة الأمانة.
وأنّ أبا ذرّ حيث قال فيه: «أصدقكم لهجة أبو ذرّ» «١» فصار أفضل منهم جميعا في تحرّي الصّدق.
وأنّ عليّا أقضاهم، حيث قال: «أقضاكم عليّ» «٢» .
وأنّ معاذا أعلمهم بالحلال والحرام حيث وصفه بذلك «٣» .
وأنّ زيدا أفرضهم حيث وصفه أيضا بذلك «٤» .
_________________
(١) أخرجه ابن ماجة، برقم (١٥٦) . عن عبد الله بن عمرو ﵄.
(٢) أورده ابن حجر في «الفتح»، ج ١٠/ ٥٩٠. تعليقا.
(٣) أخرجه التّرمذيّ، برقم (٣٨٧٩) . عن أنس بن مالك رضي الله ﵁.
(٤) المصدر السابق.
[ ٣٦٨ ]
والأفضل المطلق بإجماع أهل السّنّة من جمع خصال الفضل كأبي بكر ﵁، حيث أشار إليه ﷺ بقوله: «من أصبح منكم اليوم صائما؟»، فقال أبو بكر: أنا، فقال: «من عاد منكم اليوم مريضا؟»، فقال أبو بكر: أنا، فقال: «من تبع منكم اليوم جنازة؟»، فقال أبو بكر: أنا. الحديث «١» ﵃ أجمعين، والله أعلم.
[وفد أهل اليمن]
ومن الوفود: وفد أهل (اليمن)، فبشّرهم ﷺ وأثنى عليهم خيرا، وبعث معهم معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعريّ ﵄.
وفي «الصّحيحين»، جاءت بنو تميم، فقال لهم رسول الله ﷺ: «ابشروا يا بني تميم»، فقالوا: بشّرتنا فأعطنا، فتغيّر وجهه ﷺ، فجاء ناس من (اليمن)، فقال: «اقبلوا البشرى يا أهل (اليمن)، إذ لم يقبلها بنو تميم»، فقالوا: قد قبلنا يا رسول الله «٢» .
فقال: «الإيمان ها هنا»، وأشار بيده إلى (اليمن) «٣» .
وفي رواية لهما-[أي: الصّحيحين]: «أتاكم أهل (اليمن)، هم أرقّ أفئدة، وألين قلوبا. الإيمان يمان، والفقه يمان، والحكمة يمانيّة» «٤» .
_________________
(١) أخرجه مسلم، برقم (١٠٢٨/ ٨٧) . عن أبي هريرة ﵁. وزاد: فقال رسول الله ﷺ: «ما اجتمعن في امرىء إلّا دخل الجنّة» .
(٢) أخرجه البخاريّ، برقم (٤١٢٥) . عن عمران بن حصين ﵄.
(٣) أخرجه البخاريّ، برقم (٤١٢٦) . عن أبي مسعود ﵁.
(٤) أخرجه البخاريّ، برقم (٤١٢٧- ٤١٢٩) . ومسلم برقم (٥٢/ ٨٢) . عن أبي هريرة ﵁.
[ ٣٦٩ ]
وفيهما-[أي: الصّحيحين]: «أنّه ﷺ بعث أبا موسى الأشعريّ، ومعاذ بن جبل إلى (اليمن)، وبعث كلّ واحد منهما على مخلاف، قال: «و(اليمن) مخلافان»، ثمّ قال: «يسّرا ولا تعسّرا، وبشّرا ولا تنفّرا» «١» .
وأنّه [ﷺ] قال لمعاذ: «إنّك ستأتي قوما أهل/ كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلّا الله وأنّ محمّدا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أنّ الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كلّ يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أنّ الله قد فرض عليهم صدقة في أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم فتردّ على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك فإيّاك وكرائم أموالهم «٢»، واتّق دعوة المظلوم، فإنّها ليس بينها وبين الله حجاب» «٣» .
وممّا جاء في فضل أهل (اليمن)، أنّ عمر ﵁ سأل النّاس: من أجود العرب؟، قالوا: حاتم، قال: فمن فارسها؟، قالوا: عمرو بن معدي كرب، قال: فمن شاعرها؟، قالوا: امرؤ القيس، قال: فأيّ سيوفها أقطع؟، قالوا: الصّمصامة، قال:
كفى بهذا فضل (اليمن) .
وأنّ ابن عبّاس ﵄ قال: لأهل (اليمن)؛ من السّماء نجمها- أي: سهيل- ومن (الكعبة) ركنها.
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٤٠٨٦) . ومسلم برقم (١٧٣٣/ ٧) . عن أبي موسى الأشعري ﵁. والفقه يمان من رواية مسلم.
(٢) كرائم أموالهم: أعزّ وأفضل أموالهم إلى أنفسهم.
(٣) أخرجه البخاريّ، برقم (٤٠٩٠) . عن ابن عبّاس ﵄.
[ ٣٧٠ ]
[إسلام كعب بن زهير ﵁]
وقدم أيضا على النّبيّ ﷺ كعب بن زهير بن أبي سلمى- بالضّمّ- المزنيّ فأسلم، واعتذر إلى النّبيّ ﷺ ممّا سبق منه، وكان النّبيّ ﷺ قد أهدر دمه لتعريضه بذمّه وذمّ الصّدّيق ﵁، في شعر له.
وأنشد النّبيّ ﷺ حين وافاه قصيدته المشهورة: (بانت سعاد فقلبي اليوم متبول)، ومنها، [من البسيط] «١»:
نبّئت أنّ رسول الله أوعدني والعفو عند رسول الله مأمول
مهلا هداك الّذي أعطاك نافلة ال قرآن فيه مواعيظ وتفصيل
لا تأخذنّي بأقوال الوشاة ولم أذنب ولو كثرت فيّ الأقاويل
فعفا عنه، وكساه بردته. فاشتراها منه معاوية بن أبي سفيان في أيّام خلافته بمئة ألف درهم، وأوصى أن يكفّن فيها.
[غزوة تبوك]
وفي هذه السّنة- وهي التّاسعة- في رجب منها: غزا النّبيّ ﷺ غزوة (تبوك) . وهي آخر غزوة غزاها النّبيّ ﷺ وسمّاها الله تعالى ساعة العسرة، لوقوعها في شدّة/ الحرّ.
وذلك أنّه ﷺ لمّا لم يبق له عدوّ من العرب، أمر أصحابه بالتهيّؤ لغزو الرّوم إلى (الشّام)، وحثّ الموسرين منهم على إعانة المعسرين، فأنفق عثمان بن عفّان ﵁ فيها ألف دينار ذهبا، وحمل على تسع مئة وخمسين بعيرا، وخمسين فرسا في سبيل الله، فذلك ألف،
_________________
(١) ابن هشام، ج ٣/ ٥٠٣.
[ ٣٧١ ]
وبذلك سمّي ﵁ مجهّز جيش العسرة، حتّى قال النّبيّ ﷺ: «اللهمّ ارض عن عثمان، فإنّي عنه راض» «١» .
وقال: «ما ضرّ عثمان ما عمل بعد اليوم» «٢» .
وفي «صحيحي البخاريّ ومسلم»، أنّ عثمان ﵁ حين حوصر أشرف عليهم، وقال: أنشدكم بالله ولا أنشد إلّا أصحاب رسول الله ﷺ، ألستم تعلمون أنّ النّبيّ ﷺ قال: «من جهّز جيش العسرة فله الجنّة»، فجهّزتهم؟ ألستم تعلمون أنّ رسول الله ﷺ قال: «من حفر بئر رومة فله الجنّة»، فحفرتها؟ فصدّقوه فيما قال «٣» .
وأوعب المسلمون «٤» مع رسول الله ﷺ حتّى بلغوا سبعين ألفا، ولم يتخلّف عنها إلّا منافق أو معذور، سوى الثّلاثة الّذين خلّفوا، الآتي ذكرهم، وسوى عليّ ﵁.
ففي «الصّحيحين»، أنّ رسول الله ﷺ خرج إلى (تبوك) واستخلف عليّا ﵁ على (المدينة)، فقال: أتخلّفني في الصّبيان والنّساء؟، فقال: «ألا ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى؟، إلّا أنّه لا نبيّ بعدي؟» «٥» .
وفيهما-[أي: الصّحيحين]- أنّه ﷺ قال ب (تبوك): «إن
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٤٩٧) . عن عمر بن الخطّاب ﵁، بنحوه.
(٢) أخرجه التّرمذيّ، برقم (٣٧٠١) . عن عبد الرّحمن بن سمرة ﵁.
(٣) أخرجه البخاريّ، كتاب الوصايا.
(٤) أوعب المسلمون: خرجوا كلّهم إلى الغزو.
(٥) أخرجه البخاريّ، برقم (٤١٥٤) . ومسلم برقم (٢٤٠٤/ ٣١) . عن سعد بن أبي وقّاص ﵄.
[ ٣٧٢ ]
بالمدينة أقواما حبسهم العذر، ما قطعنا واديا ولا شعبا إلّا وهم معنا فيه» «١» .
[أمر المعذّرين من الأعراب]
وأنزل الله أيضا في المعذّرين: لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [سورة التّوبة ٩/ ٩١] .
[أمر المنافقين]
وأنزل في المنافقين قوله تعالى: إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ/ وَهُمْ أَغْنِياءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ- أي:
النّساء- وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ [سورة التّوبة ٩/ ٩٣] .
[أمر البكّائين]
وفي «الصّحيحين» أيضا، أنّ الأشعريّين أرسلوا أبا موسى الأشعريّ إلى رسول الله ﷺ يسأله الحملان لهم في جيش العسرة، وهي غزوة (تبوك)، فقال: «والله لا أحملكم على شيء»، أي:
لا أجد شيئا أحملكم عليه- كما في الرّواية الآخرى- فرجعوا يبكون، فأنزل الله فيهم: وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ [سورة التّوبة ٩/ ٩٢] . ثمّ إنّ النّبيّ ﷺ ابتاع ستّة أبعرة فأرسل بها إلى أبي موسى، فقال: «خذها فانطلق بها إلى أصحابك» . ومضى ﷺ بسبيله «٢» .
[مرور النّبيّ ﷺ وأصحابه بالحجر]
وفي «الصّحيحين»، أنّه ﷺ لمّا مرّ بالحجر- ديار ثمود- قال لأصحابه: «لا تدخلوا مساكن الّذين ظلموا أنفسهم، أن يصيبكم ما أصابهم إلّا أن تكونوا باكين»، ثمّ قنّع رأسه- أي: غطّاه-
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٢٦٨٤) . عن أنس بن مالك ﵁.
(٢) أخرجه البخاريّ، برقم (٤١٥٣) . ومسلم برقم (١٦٤٩/ ٨) . عن أبي موسى الأشعريّ ﵁.
[ ٣٧٣ ]
وأسرع السّير حتّى أجاز الوادي «١» .
[مصالحة النّبيّ ﷺ أهل أيلة وجرباء وأذرح]
ولمّا انتهى ﷺ إلى (تبوك)، وهي أدنى بلاد الرّوم، أقام بها بضع عشرة ليلة. وصالح جملة من أهل الناحية على الجزية، ثمّ رجع إلى (المدينة)، ولم يلق عدوّا.
[اعتذار المنافقين عن تخلّفهم]
فلمّا قدم (المدينة)، جاء المنافقون يعتذرون إليه عن تخلّفهم عنه، ويحلفون له، فقبل منهم معذرتهم، ووكل سرائرهم إلى الله تعالى، فأنزل الله تعالى فيهم: يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ الآيات، إلى قوله: فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ [سورة التّوبة ٩/ ٩٤- ٩٦] .
ونزلت فيهم سورة براءة، وسمّاها ابن عبّاس ﵄ الفاضحة- والعياذ بالله تعالى- وقال: لم يزل ينزل فيهم:
وَمِنْهُمْ وَمِنْهُمْ وَمِنْهُمْ حتّى ظنّوا أنّها لم تبق أحدا منهم إلّا ذكرته.
[أمر كعب بن مالك، وهلال بن أميّة، ومرارة بن الرّبيع]
أمّا الثّلاثة الّذين خلّفوا، وهم: كعب بن مالك الخزرجيّ، وهلال بن أميّة الأوسيّ، ومرارة/ بن الرّبيع، فإنّهم لم يتخلّفوا لنفاق ولا لعذر، بل كسلا مع استطاعتهم، كمن ترك الصّلاة كسلا، فاستحقّوا العقاب، فعوقبوا، ثمّ تاب الله عليهم.
وكان من خبرهم ما ذكره البخاريّ ومسلم في «صحيحيهما»، عن كعب بن مالك ﵁ قال: لم أتخلّف عن رسول الله ﷺ في غزوة غزاها إلّا في غزوة (تبوك)، غير أنّي لم أشهد (بدرا)، ولم
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٤١٥٧) . ومسلم برقم (٢٩٨٠/ ٣٩) . عن ابن عمر ﵁.
[ ٣٧٤ ]
يعاتب [الله] أحدا تخلّف عنها، ولم أكن قطّ أقوى ولا أيسر منّي حين تخلّفت عنه في تلك الغزوة، فتجهّز رسول الله ﷺ، ولم أقض من جهازي شيئا، فقلت: أتجهّز بعده بيوم أو بيومين، فلم يزل يتباطأ بي الأمر حتّى تباعد الغزو، فكنت إذا خرجت في النّاس أحزنني أنّي لا أجد إلّا رجلا مغموصا عليه بالنّفاق- أي: معيّرا به- أو رجلا ممّن عذر الله من الضّعفاء، فلمّا بلغني أنّ رسول الله ﷺ قفل راجعا طفقت أتذكّر الكذب وأقول: بماذا أخرج من سخطه غدا؟ ثمّ زاح عنّي الكذب، وعرفت أنّي لا أخرج عنه بشيء فيه كذب، فأجمعت صدقه.
فلمّا قدم رسول الله ﷺ (المدينة) جاءه المخلّفون، فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، فقبل منهم علانيتهم، واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله تعالى، فجئته، فسلّمت عليه فتبسّم تبسّم المغضب، ثمّ قال: «ما خلّفك؟»، فقلت: والله لو جلست عند غيرك من أهل الدّنيا لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا «١»، ولكنّي والله لئن حدّثتك اليوم حديث كذب ترضى به عنّي، ليوشكنّ أن يسخطك الله عليّ، ولئن حدّثتك حديث صدق تجد عليّ فيه، إنّي لأرجو فيه عفو الله، لا والله ما كان لي من عذر، فقال ﷺ: «أمّا هذا فقد صدق، فقم حتّى يقضي الله فيك»، فقمت، فلامني رجال من بني سلمة- أي:
بكسر اللّام- أن لا أكون اعتذرت كما اعتذر إليه المخلّفون، فقلت: هل لقي معي هذا أحد؟، قالوا: نعم؛ مرارة/ بن الرّبيع العمريّ، وهلال بن أميّة الواقفيّ، فذكروا لي رجلين صالحين،
_________________
(١) مقابلة الحجّة بالحجّة.
[ ٣٧٥ ]
قد شهدا (بدرا) فيهما أسوة، فمضيت حين ذكروهما لي، ونهى رسول الله ﷺ المسلمين عن كلامنا أيّها الثّلاثة خاصّة «١»، فاجتنبنا النّاس، وتغيّروا لنا، حتّى تنكّرت الأرض، فما هي بالأرض الّتي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة.
فلمّا صلّيت صلاة الفجر، وأنا على الحال الّتي ذكرها الله تعالى «٢»، وقد ضاقت عليّ الأرض بما رحبت، وضاقت عليّ نفسي، سمعت وأنا جالس على ظهر بيتي صارخا، أوفى على (سلع) «٣»، يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر، فخررت لله ساجدا، وقد آذن رسول الله ﷺ النّاس بتوبة الله علينا، فذهبوا يبشّروننا، فلمّا جاءني الّذي سمعت صوته نزعت له ثوبيّ، فكسوته إيّاهما ببشراه. وو الله ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت إلى رسول الله ﷺ، فيتلقاني النّاس فوجا فوجا، فلمّا دخلت المسجد وسلّمت على النّبيّ ﷺ قال لي- ووجهه يبرق من السّرور-: «أبشر بخير يوم مرّ عليك منذ ولدتك أمّك» .
وأنزل الله على رسوله: لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ. وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ
_________________
(١) المعنى: نهى رسول الله ﷺ عن كلامنا نحن الثّلاثة مخصوصين من بين النّاس.
(٢) وهي قوله تعالى: وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ [سورة التوبة ٩/ ١١٨] .
(٣) سلع: جبل معروف في المدينة.
[ ٣٧٦ ]
الرَّحِيمُ. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [سورة التّوبة ٩/ ١١٧- ١١٩] .
فو الله ما أنعم الله عليّ من نعمة قطّ، بعد أن هداني للإسلام، أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله ﷺ، وأن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الّذين كذبوا، فإنّ الله قال للّذين كذبوا حين أنزل الوحي شرّ ما قال لأحد، فقال: سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا/ انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ. يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ [سورة التّوبة ٩/ ٩٥- ٩٦] «١» .
فائدة [: في قبول الله تعالى توبة كعب بن مالك]
في قوله ﷺ لكعب: «أبشر بخير يوم مرّ عليك» دليل واضح أنّ توبة الله على عبده لا يتطرّق إليها نقص، إذ كعب أسلم وبايع ب (العقبة) وشهد غير (بدر وتبوك) من المشاهد، وكلّ هذه أيّام شريفة، لكنّ عاقبتها غير مأمونة، وبذلك يعلم أنّ ثناء الله على من أثنى عليه من عباده لا يتحوّل ذمّا، كثنائه على أصحاب نبيّه ﷺ ورضي عنهم. وسيأتي تقرير ذلك في فصل معقود لفضلهم.
[وفاة النّجاشيّ]
وفيها-[أي: السّنة التّاسعة]- في رجب: نعى لهم النّبيّ ﷺ النّجاشيّ، وصلّى عليه في المصلّى جماعة.
وفي «الصّحيحين»، أنّه ﷺ نعى لهم النّجاشيّ صاحب
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٤١٥٦) .
[ ٣٧٧ ]
(الحبشة) في اليوم الّذي مات فيه، وقال: «استغفروا لأخيكم» «١» .
وصفّ بهم في المصلّى، فصلّى عليه، وكبّر أربعا.
[حجّ أبي بكر ﵁]
وفي خاتمة هذه السّنة-[أي: السّنة التّاسعة]-: حجّ أبو بكر ﵁ بالنّاس، وكان النّبيّ ﷺ همّ أن يحجّ، فذكر ما اعتاده المشركون من الجهالات في حجّهم، مع ما بينه وبينهم من المعاهدة، فثناه ذلك عن الحجّ، وأمّر أبا بكر على الحجّ، وبعث معه بصدر سورة براءة.
وروى «البخاريّ ومسلم»، عن أبي هريرة ﵁ أنّ أبا بكر بعثه في الحجّة الّتي أمّره عليها رسول الله ﷺ قبل حجّة الوداع في رهط يؤذّن في النّاس يوم النّحر: أن لا يحجّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان.
قال: فنبذ أبو بكر إلى النّاس في ذلك العام عهودهم، فلم يحجّ في العام القابل الّذي حجّ فيه النّبيّ ﷺ حجّة الوداع مشرك، وأنزل الله تعالى في العام الّذي حجّ فيه أبو بكر ﵁:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا/ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا [سورة التّوبة ٩/ ٢٨] .
[بعث النّبيّ ﷺ عليّا ﵁ بصدر براءة]
قال: ثمّ أردف النّبيّ ﷺ بعليّ بن أبي طالب ﵁ فأمره أن يؤذّن ببراءة.
قال أبو هريرة: فأذّن معنا ببراءة في أهل (منى) «٢» .
وقال ابن إسحاق: بعث النّبيّ ﷺ أبا بكر أميرا، ثمّ بعث بعده
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (١٢٦٣) . ومسلم برقم (٩٥١/ ٦٣) . عن أبي هريرة ﵁.
(٢) أخرجه البخاريّ، برقم (٤٣٧٨) .
[ ٣٧٨ ]
عليّا، وأمره أن يتولّى نبذ العهود، بأن يقرأ على النّاس صدر سورة براءة، لئلّا يبقى للمشركين عذر، إذ كان من عادتهم ألّا يتولّى نبذ العقود إلّا من تولّى عقدها، وهو صاحبها، أو رجل من أهل بيته «١» .
قال ابن إسحاق: فلمّا أدرك عليّ أبا بكر، قال له أبو بكر: أأمير أم مأمور؟ فقال: بل مأمور؟، ثمّ مضيا، فكان عليّ ينادي ب (منى): أنّ من كان له أجل فله أربعة أشهر، ثمّ لا عهد له- أي:
لقوله تعالى-: فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ [سورة التّوبة ٩/ ٢] «٢» .
_________________
(١) قلت: قال أبو شهبة﵀-: وهنا شبهة نرى لزاما أن نعرض لها، ونبيّن الحقّ فيها، وهي: لم عدل النّبيّ ﷺ عن تبليغ أبي بكر صدر سورة براءة ووكل ذلك إلى عليّ ﵄؟ والجواب: أنّ صدر سورة براءة تضمن نقض العهود المطلقة غير المقيّدة بوقت، أو الّتي مدّتها فوق أربعة أشهر فيما زاد عن أربعة أشهر، وكان العرب تعارفوا فيما بينهم في عقد العقود ونقضها ألا يتولّى ذلك إلّا سيّد القبيلة، أو رجل من رهطه، فأراد الله ﷿ أن يكون المبلّغ عن النّبيّ ﷺ رجلا من أهله، حتّى يقطع ألسنة العرب بالاحتجاج على أمر هو من تقاليدهم، ولا سيّما أنّه ليس فيه منافاة للإسلام، فلذلك تدارك النّبيّ ﷺ الأمر. أخرج التّرمذيّ وأحمد من حديث أنس ﵁ قال: بعث النّبيّ ﷺ براءة مع أبي بكر، ثمّ دعا عليّا فأعطاه إيّاها، وقال: «لا ينبغي لأحد أن يبلّغ هذا إلّا رجل من أهل بيتي» - كما ذكر أعلاه- أنّ جبريل ﵇ هو الّذي قال للنّبيّ ﷺ: (إنّه لن يؤدّيها عنك إلّا أنت أو رجل منك) . فهذا هو السّبب. لا ما زعمته الرّافضة من أنّ ذلك للإشارة إلى أنّ عليّا أحقّ بالخلافة من أبي بكر ﵄، ولا أدري كيف غفلوا أو تغافلوا عن قول الصّدّيق ﵁ له: أأمير أم مأمور؟ فقال: بل مأمور. وكيف يكون المأمور أحقّ بالخلافة من الأمير؟!! (انظر السّيرة النّبويّة، ج ٢/ ٥٣٩- ٥٤٠) .
(٢) ابن هشام، ج ٤/ ٥٤٣- ٥٤٦.
[ ٣٧٩ ]
وروى الطّبرانيّ أنّ جبريل أتاه فقال له: (إنّه لن يؤدّيها- أي:
البراءة- إلّا أنت أو رجل منك) «١» .
[حجّة الوداع]
وفي السّنة العاشرة: حجّ النّبيّ ﷺ حجّة الوداع، وسمّيت حجّة الوداع لأنّه ﷺ ودّع النّاس فيها. وقال: «خذوا عنّي مناسككم، فإنّي لا أدري لعلّي لا أحج بعد عامي هذا» «٢» .
وحجّ ﷺ بأزواجه كلّهنّ ﵅، وبخلق كثير من الصّحابة ﵃. فحضرها من الصّحابة أربعون ألفا، كلّهم يلتمس أن يأتمّ به ﷺ، فعلّمهم المناسك، وأبطل شعائر الجاهليّة، وقال ﷺ في خطبته: «ألا إنّ كلّ شيء من أمر الجاهليّة موضوع تحت قدميّ هاتين، ودماء الجاهليّة موضوعة، وربا الجاهليّة موضوع، وقد تركت فيكم ما لن تضلّوا بعده إن تمسّكتم به: كتاب الله، وأنّكم تسألون عنّي فما أنتم قائلون؟» قالوا: نشهد أنّك قد بلّغت وأدّيت ونصحت، فقال: «اللهمّ اشهد» ثلاث مرّات.
ونزل علينا قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ/ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا [سورة المائدة ٥/ ٣] «٣» .
_________________
(١) أخرجه أحمد في «مسنده»، برقم (١٢٩٩) . عن عليّ بن أبي طالب ﵁.
(٢) أخرجه مسلم، برقم (١٢٩٧) . عن جابر بن عبد الله ﵄.
(٣) قلت: وهنا خطأ مشهور؛ وهو ما يزعمه البعض من أنّ هذه الآية آخر ما نزل من القرآن، والحقّ أنّ آخر آية نزلت، هي: وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ [سورة البقرة ٢/ ٢٨١] . والمراد بإكمال الدين: إمّا إتمام حجّهم على حسب ما شرع الله، وإذلال الشّرك وأهله، بحيث لم يشاركهم فيه أحد من المشركين، وهو تمام النّعمة عليهم. وإمّا إكمال الحلال والحرام.
[ ٣٨٠ ]
وكان نزولها يوم عرفة، بعد العصر، وهو ﷺ واقف ب (عرفات)، وذلك يوم الجمعة.
ولمّا سمعها عمر ﵁ بكى، فقال له النّبيّ ﷺ:
«ما يبكيك؟»، قال: إنّه لم يكمل شيء إلّا نقص. قال: «صدقت» «١» .
فعاش بعدها ﷺ نحو ثلاثة أشهر، ولم ينزل بعدها حلال ولا حرام ولا غيرهما من الأحكام.
وفي «صحيحي البخاريّ ومسلم»، عن ابن عمر ﵄ قال: كنّا نتحدّث بحجّة الوداع، والنّبيّ ﷺ بين أظهرنا، فلا ندري ما حجّة الوداع؟، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ ذكر المسيح الدّجّال، فأطنب في ذكره، وقال «ما بعث الله نبيّا إلّا وقد أنذر أمّته، أنذره نوح والنّبيّون من بعده، وإنّه يخرج فيكم فما خفي عليكم من شأنه فليس يخفى عليكم أنّ ربّكم ليس بأعور، وإنّه أعور العين اليمنى، كأنّ عينه عنبة طافية «٢»، ألا وإنّ الله حرّم عليكم دماءكم وأموالكم، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، ألا هل بلّغت؟»، قالوا: نعم، قال: «اللهمّ اشهد- ثلاثا- ويلكم، أو ويحكم، انظروا، لا ترجعوا بعدي كفّارا، يضرب بعضكم رقاب بعض» «٣» .
وفيهما-[أي: الصّحيحين]- أنّ أناسا من اليهود قالوا: لو نزلت هذه الآية فينا لاتّخذنا ذلك اليوم عيدا، فقال عمر بن الخطّاب ﵁: أيّة آية هي؟، فقالوا: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، كتاب الإيمان، باب: زيادة الإيمان ونقصانه، تعليقا.
(٢) طافية: بارزة عن سطح وجهه.
(٣) أخرجه البخاريّ، برقم (٤١٤١) .
[ ٣٨١ ]
وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا، فقال عمر ﵁: والله، إنّي لأعلم أيّ مكان أنزلت، أنزلت ورسول الله ﷺ واقف ب (عرفة) «١» .
ثمّ قفل ﷺ إلى (المدينة)، فأقام بها بقيّة ذي الحجّة والمحرّم وصفر.
[سريّة أسامة بن زيد ﵄]
ثمّ أمر النّاس بالجهاز إلى (الشّام)، وأمّر عليهم أسامة بن زيد بن حارثة ﵃، وأمره أن يوطئ الخيل تخوم (البلقاء)، وأن يحرق القرية الّتي عند (مؤتة)، حيث قتل أبوه زيد، وأراد بذلك أن يدرك ثأره/ من المشركين.
فطعن ناس في إمارته لحداثة سنّه، ولكونه مولىّ، وقالوا:
أمّر غلاما على جلّة المهاجرين والأنصار «٢»؟.
وابتدأ برسول الله ﷺ المرض، فلمّا بلغه ذلك، خرج فحمد الله تعالى، وأثنى عليه، وأمرهم بالجهاز، وبطاعة من أمّره عليهم.
وفي «صحيحي البخاريّ ومسلم»، عن ابن عمر ﵄ قال: بعث النّبيّ ﷺ بعثا، وأمّر عليهم أسامة بن زيد، فطعن بعض النّاس في إمارته، فقام رسول الله ﷺ فقال: «إن تطعنوا في إمارته، فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل، وايم الله، إن كان لخليقا للإمارة، وإن كان لمن أحبّ النّاس إليّ، وإنّ هذا لمن أحبّ النّاس إليّ بعده» «٣» .
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٤١٤٥) . ومسلم برقم (٣٠١٧/ ٣) .
(٢) قلت: ذكر الحافظ ابن حجر في «الفتح»، ج ٨/ ١٥٢: أنّ من بين القائلين في إمرة أسامة بن زيد: عيّاش بن أبي ربيعة المخزوميّ ﵁. فردّ عليه عمر ﵁، وأخبر النّبيّ ﷺ فخطب.
(٣) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٥٢٤) . ومسلم برقم (٢٤٢٦/ ٦٣) . قلت:
[ ٣٨٢ ]
فأخذ النّاس في جهازهم، فثقل ﷺ، فأقاموا ينتظرون ما الله قاض في رسوله.
[مرض النّبيّ ﷺ]
وكان وجعه ﷺ بالخاصرة والصّداع والحمّى، وكان يوعك وعكا شديدا، وكان يدار به على نسائه، ثمّ استأذنهنّ أن يمرّض في بيت عائشة، فأذنّ له.
فلمّا عجز عن الخروج إلى الصّلاة، أمر أبا بكر أن يصلّي بالنّاس، فصلّى بهم.
[اشتداد مرض النّبيّ ﷺ]
وفي «صحيحي البخاريّ ومسلم»، عن ابن مسعود ﵁ قال: دخلت على النّبيّ ﷺ في مرضه، وهو يوعك وعكا شديدا، فمسسته بيدي، فقلت: يا رسول الله، إنّك لتوعك وعكا شديدا، قال: «أجل، إنّي لأوعك كما يوعك رجلان منكم»، قلت: ذلك، بأنّ لك أجرين؟ قال: «أجل ذلك كذلك، ما من مسلم يصيبه أذى، شوكة فما فوقها، إلّا كفّر الله به سيّئاته، كما تحاتّ الشّجرة ورقها» «١» .
_________________
(١) وقد كان تأمير أسامة لحكمة بالغة من الرّسول ﷺ، إذ فيه حثّ على التّضحية في سبيل الله، والحرص على الاقتصاص من قاتلي أبيه زيد بن حارثة ﵄، كما كان فيه قضاء على العنجهيّة العربيّة، والتّفاخر بالأنساب والأحساب، وتقرير عمليّ لمبدأ المساواة في الإسلام، وفيه أيضا تهيئة الفرص للشّباب الصّالح، وإثارة عزائمهم وهممهم إلى معالي الأمور، وتعويدهم الاضطلاع بالتّبعات الجسام، والمهام العظام.
(٢) أخرجه البخاريّ، برقم (٥٣٢٤) . حاتّت: تساقطت.
[ ٣٨٣ ]
[أمر النّبيّ ﷺ أبا بكر ﵁ أن يصلّي بالنّاس]
وفيهما-[أي: الصّحيحين]- عن عائشة ﵂ قالت: ثقل النّبيّ ﷺ فقال: «ضعوا لي ماء في المخضب «١»»، ففعلنا، فاغتسل، فأغمي عليه، ثمّ أفاق، والنّاس عكوف في المسجد بصلاة العشاء الآخرة، فقال: «أصلّى النّاس؟»، قلنا:
لا، هم ينتظرونك، فقال: «مروا أبا بكر فليصلّ/ بالنّاس» «٢» .
قالت: فراجعت رسول الله ﷺ في ذلك، وما حملني على كثرة مراجعته إلّا أنّه لم يقع في قلبي: أن يحبّ النّاس بعده رجلا قام مقامه أبدا، ولا كنت أرى أنّه لن يقوم مقامه أحد إلّا تشاءم النّاس به، فأردت أن يعدل ذلك رسول الله ﷺ عن أبي بكر «٣» .
فأرسل [النّبيّ ﷺ] إلى أبي بكر بأن يصلّي بالنّاس، فقال أبو بكر- وكان رجلا رقيقا-: يا عمر صلّ بالنّاس، فقال عمر:
أنت أحقّ بذلك، وصلّى أبو بكر بالنّاس تلك الأيّام.
ثمّ إنّ النّبيّ ﷺ- أي: بعد أيّام- وجد من نفسه خفّة، فخرج لصلاة الظّهر بين رجلين، وأبو بكر يصلّي بالناس، فلمّا رآه أبو بكر ذهب ليتأخّر، فأومأ إليه [النّبيّ ﷺ] بأن لا يتأخّر، وقال:
«أجلساني إلى جنبه»، فأجلساه، فجعل أبو بكر يصلّي وهو يأتمّ بصلاة النّبيّ ﷺ، والنّاس يأتمّون بصلاة أبي بكر- أي: كالمبلّغ لهم «٤» -.
_________________
(١) المخضب: وعاء من خشب أو حجر يغسل فيه الثياب.
(٢) أخرجه البخاريّ، برقم (٦٣٣) . ومسلم برقم (٤١٨/ ٩٠) .
(٣) أخرجه البخاريّ، برقم (٤١٨٠) . ومسلم، برقم (٤١٨/ ٩٣) .
(٤) أخرجه البخاريّ، برقم (٦٥٥) . ومسلم برقم (٤١٨/ ٩٧) .
[ ٣٨٤ ]
فائدة [: في أمر النّبيّ ﷺ أبا بكر أن يصلّي بالنّاس]
وفي «الصّحيحين»، أنّ عائشة ﵂ راجعته ثلاث مرّات، تقول له: إنّ أبا بكر رجل رقيق، إذا قرأ غلبه البكاء، فلم يسمع النّاس، فمر عمر فليصلّ بالنّاس، وهو يقول: «مروا أبا بكر فليصلّ بالنّاس»، فأمرت حفصة فراجعته أيضا، فقال: «مروا أبا بكر فليصلّ بالنّاس، فإنّكنّ صواحب يوسف» «١» .
قال العلماء: وجه المشابهة: أنّ عائشة أضمرت ما سبق من قولها: (وما حملني على كثرة مراجعته) - إلى آخره- (وأظهرت أنّه رجل رقيق) - إلى آخره- فأشبهت امرأة العزيز، الّتي استدعت النّسوة، وأظهرت إكرامهنّ بالضّيافة، وأضمرت أن يعذرنها في شغفها بحبّ يوسف إذا رأينه، كما صرّحت بذلك في قولها:
فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ [سورة يوسف ١٢/ ٣٢] . والله أعلم.
[همّ النّبيّ ﷺ أن يكتب لأصحابه كتابا]
وفي «الصّحيحين» عنها أيضا، أنّه ﷺ قال في مرضه: «لقد هممت أن أرسل إلى أبي بكر وابنه، وأعهد أن يقول القائلون، أو يتمنّى المتمنّون، ثمّ قلت: يأبى الله ويدفع المؤمنون» «٢» .
[خطبته ﷺ في النّاس]
وفيهما-[أي: الصّحيحين]- عن أبي سعيد الخدريّ/ ﵁ أنّ النّبيّ ﷺ خطب النّاس فقال: «إنّ الله خيّر عبدا بين الدّنيا وبين ما عنده، فاختار ما عند الله»، قال: فبكى أبو بكر، فعجبنا لبكائه- فقلت في نفسي: ما يبكي هذا الشّيخ؟ أن يكون الله خيّر عبدا بين الدّنيا وبين ما عند الله فاختار ما عند الله ﷿، فكان رسول الله ﷺ هو العبد، وكان أبو بكر أعلمنا به-.
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٦٤٧) . ومسلم برقم (٤١٨/ ٩٤) .
(٢) أخرجه البخاريّ، برقم (٥٣٤٢) . ومسلم برقم (٢٣٨٧) .
[ ٣٨٥ ]
فقال النّبيّ ﷺ: «يا أبا بكر لا تبك، إنّ من أمنّ النّاس عليّ في صحبته وماله أبا بكر، ولو كنت متّخذا خليلا غير ربّي لاتّخذت أبا بكر، ولكن أخوّة الإسلام ومودّته، لا يبقينّ في المسجد باب إلّا سدّ، إلّا باب أبي بكر» «١» .
[نعي النّبيّ ص نفسه إلى فاطمة ﵂ وبشارته لها]
وفيهما-[أي: الصّحيحين]- أنّه ﷺ دعا ابنته فاطمة، في شكواه الّتي قبض فيها، فسارّها بشيء فبكت، ثمّ دعاها فسارّها بشيء فضحكت.
قالت عائشة: فسألتها بعد موته، فقالت: أخبرني أنّه يقبض في وجعه ذلك فبكيت، ثمّ أخبرني أنّي أوّل أهله يتبعه فضحكت «٢» .
فماتت ﵂ بعده بستّة أشهر.
[كثرة نزول الوحي على النّبيّ ﷺ في السّنة الّتي قبض فيها]
وروى البخاريّ عن أنس ﵁ قال: إنّ الله تابع على رسوله ﷺ نزول الوحي حين توفّاه أكثر ما كان الوحي، ثمّ توفّي رسول الله ﷺ بعد «٣» .
[تأثّر فاطمة ﵂ لما ألمّ بأبيها ﷺ]
قال العلماء: وذلك لكثرة الوفود وسؤالهم عن الأحكام.
وفيه-[أي: الصّحيحين]- عنه أيضا قال: لمّا ثقل النّبيّ ﷺ جعل يتغشّاه الكرب، فقالت فاطمة ﵍: واكرب أباه، فقال لها: «ليس على أبيك كرب بعد اليوم»، قال: فلمّا دفنّاه، قالت فاطمة ﵍: يا أنس، أطابت أنفسكم أن تحثوا على نبيّكم التّراب «٤» .
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٤٥٤- ٣٤٥٤) .
(٢) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٤٢٧) . ومسلم برقم (٢٤٥٠/ ٩٧) . عن عائشة ﵂.
(٣) أخرجه البخاريّ، برقم (٤٦٩٧) .
(٤) أخرجه البخاريّ، برقم (٤١٩٣) .
[ ٣٨٦ ]
[تخيير النّبيّ ﷺ عند قبضه]
وفي «الصّحيحين»، عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ وهو صحيح يقول: «إنّه لن يقبض نبيّ قطّ حتّى يرى مقعده في الجنّة، ويخيّر بين الدّنيا والآخرة»، فسمعته في مرضه الّذي مات فيه يقول، وقد أخذته بحّة: مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقًا [سورة النّساء ٤/ ٦٩] «١» .
وفي رواية: ثمّ شخص بصره/ إلى السّماء، ثمّ قال: «اللهمّ الرّفيق الأعلى» .
فقلت: إذا لا يختارنا، وعرفت أنّه حديثه الّذي كان يحدّثنا وهو صحيح «٢» .
وفي رواية أنّه قال: «اللهمّ اغفر لي وارحمني، وألحقني بالرّفيق الأعلى» «٣» .
[خروج النّبيّ ﷺ صبيحة يوم وفاته]
وفي «الصّحيحين»، عن أنس بن مالك ﵁ أنّ المسلمين بينما هم في صلاة الفجر من يوم الاثنين، وأبو بكر يصلّي لهم، لم يفجأهم إلّا رسول الله ﷺ قد كشف ستر حجرة عائشة، فنظر إليهم وهم صفوف في الصّلاة، فتبسّم يضحك، فنكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصّفّ، وظنّ أنّ رسول الله ﷺ يريد أن يخرج إلى الصّلاة، فقال أنس: وهمّ المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم فرحا برسول الله ﷺ، فأشار إليهم بيده: «أن أتمّوا صلاتكم»، ودخل الحجرة، وأرخى السّتر، ومات من يومه «٤» .
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٤١٧٣) . ومسلم برقم (٢٤٤٤/ ٨٧) .
(٢) أخرجه البخاريّ، برقم (٤١٩٤) . عن عائشة ﵂.
(٣) أخرجه البخاريّ، برقم (٤١٧٦) . عن عائشة ﵂.
(٤) أخرجه البخاريّ، برقم (٤١٨٣) . ومسلم برقم (٤١٩/ ٩٨) .
[ ٣٨٧ ]
[معالجة النّبيّ ﷺ سكرات الموت]
وفيهما-[أي: الصّحيحين]- أنّ رسول الله ﷺ كانت عنده ركوة فيها ماء، فجعل يدخل يديه فيها، ويمسح بها وجهه، ويقول: «أشهد أن لا إله إلّا الله، إنّ للموت سكرات»، ثمّ نصب يده، فجعل يقول: «في الرّفيق الأعلى»، حتّى قبض ومالت يده ﷺ «١» .
فائدة [: في حبّ الرّسول ﷺ لقاء الرّفيق الأعلى]
قال العلماء: إنّما لم يزل يكرّرها لأنّ التّخيّير لم يزل يعاد عليه، وهي كلمة تتضمّن حبّ لقاء الله، الّذي هو لباب التّوحيد، وسرّ الذّكر باللّسان والقلب، ومنه يستفاد أنّه لا يشترط في نجاة المحتضر أن يتلفّظ ب (لا إله إلّا الله)، إذا مات وقلبه مطمئن بالإيمان. والله أعلم.
[عمر النّبيّ ﷺ يوم قبض]
وفي «صحيح البخاريّ»، عن ابن عبّاس ﵄ قال: بعث رسول الله ﷺ لأربعين سنة، ومكث ب (مكّة) ثلاث عشرة سنة يوحى إليه، ثمّ أمر بالهجرة، فهاجر إلى (المدينة) عشر سنين، ومات وهو ابن ثلاث وستّين سنة «٢» .
[دهشة المسلمين لوفاة النّبيّ ﷺ]
ولمّا قبضه الله إليه، واختار له ما عنده؛ دهش أصحابه ﵃ دهشة عظيمة، وطاشت أحلامهم لعظم المصيبة، ولم يكن فيهم أثبت من العبّاس وأبي بكر ﵄.
وروى التّرمذيّ/ في «الشّمائل النّبويّة»، وابن ماجه في «السّنن» عن أنس ﵁ قال: لمّا كان اليوم الّذي دخل فيه النّبيّ ﷺ (المدينة) أضاء منها كلّ شيء، ولمّا كان اليوم الّذي مات
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٤١٨٤) . عن عائشة ﵂.
(٢) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٦٨٩) .
[ ٣٨٨ ]
فيه أظلم منها كلّ شيء «١» .
وفي ذلك يقول أبو سفيان بن الحارث، ابن عمّ رسول الله ﷺ، [من الوافر] «٢»:
أرقت فبات ليلي لا يزول وليل أخي المصيبة فيه طول
وأسعدني البكاء وذاك فيما أصيب المسلمون به قليل
لقد عظمت مصيبتنا وجلّت عشيّة قيل قد قبض الرّسول
وأضحت أرضنا ممّا عراها تكاد بنا جوانبها تميل
فقدنا الوحي والتّنزيل فينا يروح به ويغدو جبرئيل
وذاك أحقّ ما سالت عليه نفوس النّاس أو كادت تسيل
نبيّ كان يجلو الشّك عنّا بما يوحى إليه وما يقول
ويهديناا فما نخشى ضلالا علينا والرّسول لنا دليل
أفاطم إن جزعت فذاك عذر وإن لم تجزعي ذاك السّبيل
فقبر أبيك سيّد كلّ قبر وفيه سيّد النّاس الرّسول
[موقف أبي بكر ﵁ من وفاة النّبيّ ﷺ]
وروى البخاريّ في «صحيحه»، أنّ النّبيّ ﷺ مات وأبو بكر ﵁ ب (العالية)، فقام عمر ﵁ يقول: والله ما مات رسول الله ﷺ وليبعثنّه الله، فليقطعنّ أيدي رجال وأرجلهم، فجاء أبو بكر فكشف عن وجه رسول الله ﷺ وقبّله، وقال: بأبي أنت وأمّي، طبت حيّا وميتا، والّذي نفسي بيده لا يذيقك الله موتتين، أمّا الموتة الّتي كتبت عليك فقد متّها.
ثمّ خرج إلى النّاس فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: ألا من كان يعبد محمّدا ﷺ فإنّ محمّدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإنّ الله حيّ
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه، برقم (١٦٣١) .
(٢) البداية والنّهاية، ج ٥/ ٢١٤.
[ ٣٨٩ ]
لا يموت، ثمّ تلا قوله تعالى: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [سورة الزّمر ٣٩/ ٣٠] وقوله تعالى: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ/ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [سورة آل عمران ٣/ ١٤٤] .
قال: فنشج «١» النّاس بالبكاء حينئذ، وكأنّ النّاس لم يعلموا أنّ الله أنزل هذه الآية حتّى تلاها أبو بكر، فتلقّاها منه النّاس كلّهم يتلوها، قال عمر ﵁: والله ما هو إلّا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت «٢»، وعلمت أنّ النّبيّ ﷺ قد مات «٣» .
[زمن وفاة النّبيّ ﷺ]
وكانت وفاته ﷺ ضحى يوم الاثنين، ثاني عشر ربيع الأوّل،
[دفن النّبيّ ﷺ]
ودفن يوم الثّلاثاء «٤» .
وإنّما تأخّر دفنه لاختلافهم في موته، حتّى أزال الشّكّ عنهم أبو بكر.
_________________
(١) النّشيج: صوت معه توجّع وبكاء، كما يردّد الصّبيّ بكاءه في صدره.
(٢) عقرت (بضمّ العين): انهارت قواي وسقطت. وعقرت (بفتح العين): دهشت وتحيّرت.
(٣) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٤٦٧- ٤١٨٧) .
(٤) قلت: اختلف أهل العلم في اليوم الّذي توفّي فيه، بعد اتّفاقهم على أنّه يوم الاثنين في شهر ربيع الأوّل، فذكر الواقديّ وجمهور النّاس: أنّه الثّاني عشر. وهذا لا يصحّ، وقد جرى فيه على العلماء من الغلط ما علينا بيانه، لأنّ حجّة الوداع كانت وقفتها يوم الجمعة، فلا يستقيم أن يكون يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الأوّل، سواء أتمّت الأشهر كلّها أم نقصت، أو تمّ بعضها ونقص بعضها. قال الطّبرانيّ: يوم الاثنين لليلتين مضتا من شهر ربيع الأوّل. قال أبو بكر الخوارزميّ: أوّل ليلة منه. وكلاهما ممكن. أمّا ما اختاره ابن إسحاق والواقديّ وابن سعد هنا فعليه مأخذ. (انظر الجامع في السّيرة النّبويّة، ج ٤/ ٥٨٢. والسّيرة النّبويّة، ج ٢/ ٥٩٤) .
[ ٣٩٠ ]
ثمّ اختلفوا أيضا أين يدفن؟، فمنهم من قال: في مسجده.
ومنهم من قال: في (البقيع) حيث دفن ابنه إبراهيم وأصحابه، ومنهم من قال: يحمل إلى (القدس) عند قبر أبيه إبراهيم ﵇. حتّى أزال الشّكّ الصّدّيق أيضا ﵁، فقال:
سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما دفن نبيّ إلّا حيث يموت» .
أخرجه مالك في «الموطّأ»، وابن ماجه في «السّنن» «١» .
[أمر سقيفة بني ساعدة]
ثمّ إنّ الأنصار أرادوا أن يتميّزوا عن المهاجرين، وأن يعقدوا الخلافة لسعد بن عبادة، فأطفأ الله نار الفتنة على يد أبي بكر الصّدّيق ﵁، بأنّ الأئمّة من قريش، ولهذا قال أبو هريرة ﵁: (لولا أبو بكر لهلكت هذه الأمّة) .
[مبايعة أبي بكر ﵁]
وفي «صحيح البخاريّ»، عن ابن عبّاس ﵄، أنّ عمر بن الخطّاب ﵁ خطب النّاس في خلافته- فذكر حديث بيعة أبي بكر- فقال: إنّه كان من خيرنا حين توفّى الله نبيّه ﷺ، إلّا أنّ الأنصار خالفونا، واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، فقلت لأبي بكر:
انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار، فانطلقنا حتّى أتيناهم، فقال قائلهم: نحن أنصار الله وكتيبة الإسلام- أي الّتي اجتمع إليها آحاد النّاس- فمنّا أمير ومنكم أمير، فقال أبو بكر: ما ذكرتم فيكم من خير/ فأنتم له أهل، ولن يعرف هذا الأمر إلّا لهذا الحيّ من قريش، هم أوسط العرب نسبا ودارا، وقد رضيت لكم أحد هذين الرّجلين، فبايعوا أيّهما شئتم، وأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن
_________________
(١) أخرجه مالك في «الموطّأ»، ج ١/ ٢٣١. وابن ماجه برقم (١٦٢٨) . عن ابن عبّاس ﵄. بنحوه.
[ ٣٩١ ]
الجرّاح، وهو جالس بيننا، فلم أكره ممّا قال غيرها، كان والله أن أقدّم فيضرب عنقي، لا يقرّبني ذلك من إثم أحبّ إليّ من أن أتأمّر على قوم فيهم أبو بكر، وكثر اللّغط «١»، وارتفعت الأصوات، حتّى خفت من الاختلاف، ما وجدنا فيما حضرنا من أمر أقوى من مبايعة أبي بكر، خشينا إن فارقناهم ولم تكن بيعة أن يبايعوا رجلا منهم بعدنا، فإمّا أن نبايعهم على ما لا نرضى، وإمّا أن نخالفهم فيقع الفساد، فقلت لأبي بكر: ابسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده فبايعته وبايعه المهاجرون، ثمّ بايعته الأنصار، ثمّ كانت بيعة العامّة من الغد «٢» .
وأمّا سيّدنا عليّ ﵁ وسائر بني هاشم فكانوا في وقت البيعة مشغولين بغسل رسول الله ﷺ وتكفينه، فوقع في أنفسهم من استبداد أبي بكر وعمر وسائر المهاجرين والأنصار بالأمر عليهم.
وسبق أنّها لم تقع عن رويّة، إنّما بادر إليها عمر خوفا من الوقوع في الفتنة، فلم يسأل أبو بكر منهم البيعة لانعقادها، ولم يبادروا هم إليها.
[طلب فاطمة ﵂ ميراثها من النّبيّ ﷺ]
ثمّ إنّ فاطمة ﵂ سألت أبا بكر نصيبها ممّا ترك رسول الله ﷺ من (خيبر وفدك)، وصدقات (المدينة) من أموال بني قينقاع والنّضير وقريظة، فأبى عليها أبو بكر ذلك، وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا نورث، ما تركناه صدقة»، ولكنّي سأعول من كان النّبيّ ﷺ يعوله، وقال: لست تاركا شيئا كان رسول الله ﷺ يفعله إلّا عملت به، فإنّي أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ.
_________________
(١) اللّغط: الصّوت والضّجيج.
(٢) أخرجه البخاريّ، برقم (٦٤٤٢) .
[ ٣٩٢ ]
فوقع في نفسها من ذلك، فهجرت أبا بكر إلى أن ماتت ﵂.
فلمّا ماتت أرسل عليّ ﵁- بعد أن جمع بني هاشم- إلى أبي بكر أن يأتيهم وحده، فأتاهم فاعتذر/ إليه عليّ من تخلّفه، وقال: إنّا قد عرفنا فضلك، ولم نحسدك على خير ساقه الله إليك، ولكنّك استبددت بالأمر علينا، ففاضت عينا أبي بكر، واعتذر إليهم بوقوع البيعة من غير رويّة، وقال: والله لقرابة رسول الله ﷺ أحبّ إليّ من أن أصل من قرابتي، فقال له عليّ: موعدك العشيّة للبيعة، ثمّ راح بمن معه من بني هاشم إلى المسجد، فبايعوه، ﵃ أجمعين، فسرّ بذلك المهاجرون والأنصار، وقالوا لعليّ ﵁: أصبت، أصبت. روى ذلك البخاريّ ومسلم «١» .
ورويا أيضا-[أي: البخاريّ ومسلم]- أنّ عليّا والعبّاس سألا من أبي بكر ﵁ نصيبهما من الصّدقة السّابق ذكرها.
سأل عليّ نصيب فاطمة، والعبّاس هو عصبة النّبيّ ﷺ، فأبى عليهما.
ثمّ سألاها عمر فأبى عليهما، واستشهد جماعة من الصّحابة منهم: عثمان وعبد الرّحمن على أنّ النّبيّ ﷺ قال: «لا نورث»
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٩٩٨) . ومسلم برقم (١٧٥٩/ ٥٢) . عن عائشة ﵂: قلت: اختلفت الرّوايات؛ فبعضهم ذكر أنّ عليّا بايع قبل ذلك، ولكن الصّحيح ما أخرجه البخاريّ ومسلم. وفي بعض الكتب ما يشير إلى أنّ فاطمة كانت ملحّة على مبايعة علي. (انظر الإمامة والسياسة لابن قتيبة) . ومهما يكن فما صحّ من اختلافات بينهم ﵃ يحمل على أحسن المحامل، وأحسن ما يقال فيه: إنّهم بشر.
[ ٣٩٣ ]
فشهدوا، واعترف بذلك أيضا عليّ والعبّاس ﵄، ثمّ دفع إليهما صدقات (المدينة)، على أن يعملا فيها بما عمل رسول الله ﷺ وأبو بكر ﵁، فأخذاها.
ثمّ إنّ عليّا ﵁ تغلّب عليها، فلم يعط عمّه العبّاس منها شيئا، فاختصما إلى عمر ليقسمها بينهما نصفين، فأبى ذلك عليهما، وكره أن يجري عليها اسم القسم لئلّا تظنّ أنّها إرث، فلم يسع عليّ ﵁ مدّة خلافته أن يعمل فيها إلّا بما عمل فيها أبو بكر وعمر وعثمان ﵃ أجمعين «١» .
وفي «الصّحيحين» أيضا، أنّ أزواج النّبيّ ﷺ أردن أن يبعثن عثمان إلى أبي بكر يسألنه ميراثهنّ، فقالت لهنّ عائشة: أليس قال رسول الله ﷺ: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا صدقة؟» «٢» .
[زوجاته ﷺ اللّواتي توفّي عنهنّ]
وتوفّي ﷺ عن تسع زوجات، وهنّ: عائشة بنت أبي بكر، وحفصة بنت عمر/، وجويرية بنت الحارث المصطلقيّة، وأمّ حبيبة رملة بنت أبي سفيان الأمويّة، وزينب بنت جحش الأسديّة، وسودة بنت زمعة العامريّة، وصفيّة بنت حييّ بن أخطب النّضريّة الإسرائيليّة الهارونيّة، وميمونة بنت الحارث الهلاليّة، وأمّ سلمة هند بنت أبي أميّة المخزوميّة. ﵅، وعن سائر أصحاب رسول الله أجمعين.
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٨٠٩) . عن عمر بن الخطّاب ﵁.
(٢) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٨٠٩) . ومسلم برقم (١٧٥٨/ ٥١) . عن عائشة ﵂.
[ ٣٩٤ ]
تذييل فيه فصول
في وجوب نصب الإمام، وشرائط الإمامة، وفي الإمام الحقّ بعد رسول الله ﷺ وفي فضل الخلفاء الأربعة، ثمّ سائر الصّحابة ﵃ أجميعن
[ ٣٩٥ ]
فصل في وجوب نصب الإمام
اعلم أنّ مذهب أهل السّنّة أنّ نصب الإمام واجب على الأمّة، لإجماع الصّحابة ﵃ بعد وفاة رسول الله ﷺ على امتناع خلوّ الوقت عن خليفة له وإمام.
وقد قال الصّدّيق ﵁ في خطبته في (سقيفة بني ساعدة) بين المهاجرين والأنصار: (ألا وإنّ محمّدا قد مات، وأنّه لا بدّ لهذا الدّين من إمام يقوم به) . فبادر الكلّ إلى قبول قوله، ولم يقل أحد لا حاجة لي إلى ذلك، بل اتّفقوا عليه، واجتمعوا له، وتركوا لشدّة اهتمامهم به أهمّ الأشياء عندهم؛ وهو تجهيز رسول الله ﷺ كما سبق، ثمّ لم يزل النّاس بعدهم على ذلك في جميع الأمصار والأعصار.
وأيضا: فإنّ نصب الإمام يتضمّن دفع الضّرر، لأنّ النّاس إذا كان لهم رئيس قاهر انتظمت مصالح دينهم ودنياهم، لأنّ مقاصد الشّرع الشّريف فيما شرع الله ورسوله فيه من الأحكام والحدود، وإظهار شعائر الدّين، إنّما هي مصالح عائدة إلى الخلق، إمّا عاجلا وإمّا آجلا.
ومعلوم أنّ ذلك لا يتمّ إلّا بإمام يرجعون إليه عند اختلافهم، وإلّا لأفضى ذلك إلى الهلاك. ويشهد لذلك ما يثور من الفتن عند موت الأئمّة، بحيث يقطع/ بأنّها لو تمادت لتعطّلت أمور المعاش والمعاد.
[ ٣٩٧ ]
وقد سبق أنّ الشّيطان- لعنه الله- أطلع رأسه، ومدّ مطامعه، وأوقد نار الشّتات، ونصب راية الخلاف بعد موت رسول الله ﷺ، حتّى أطفأها الله بالصّدّيق، مع أنّهم أفضل الأمّة ﵃، فما الظّنّ بغيرهم؟
قال الله ﷾: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ [سورة البقرة ٢/ ٢٥١] .
وما أحسن قول عبد الله بن المبارك- رحمه الله تعالى-[من البسيط]:
الله يدفع بالسّلطان معضلة عن ديننا وبه إصلاح دنيانا
لولا الأئمّة لم تأمن لنا سبل وكان أضعفنا نهبا لأقوانا
[ ٣٩٨ ]
فصل في شروط الإمامة
وحدّ الإمامة أنّها رئاسة عامّة في أمور الدّين والدّنيا لشخص بشروط؛ وهي عشرة:
الأوّل: أن يكون ذكرا،
إذ النّساء ناقصات عقل ودين «١» .
الثّاني: أن يكون بالغا،
لقصور عقل الصّبيّ.
الثّالث: أن يكون عاقلا،
إذ لا يصلح المجنون لتصرّفات نفسه فضلا عن غيره «٢» .
الرّابع: أن يكون حرّا،
إذ العبد مشغول بخدمة سيّده، ولأنّه مستحقر تستنكف النّفوس عن الانقياد له «٣» .
الخامس: أن يكون عدلا «٤»،
لأنّ الفاسق غير مأمون شرعا،
_________________
(١) ولقوله ﷺ: «لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة» .
(٢) ولا يكفي فيه الحدّ الأدنى للمطالبة بالتّكاليف الشّرعيّة من صلاة وصوم ونحوهما، بل لا بدّ فيه من رجحان الرّأي، بأن يكون صاحبه صحيح التّمييز، جيد الفطنة، بعيدا عن السّهو والغافلة، يتوصّل بذكائه إلى إيضاح ما أشكل وفصل ما أعضل.
(٣) ولأنّ نقص العبد عن ولاية نفسه يمنع من انعقاد ولايته على غيره. ولأنّ الرّقّ كمّا منع من قبول الشّهادة، كان أولى أن يمنع من نفوذ الحكم وانعقاد الولاية.
(٤) والعدالة: (أي: الدّيانة والأخلاق الفاضلة)، وهي معتبرة في كلّ ولاية، وهي: أن يكون صادق اللهجة، ظاهر الأمانة، عفيفا عن المحارم، متوقيا الماثم، بعيدا من الرّيب، مأمونا في الرّضا
[ ٣٩٩ ]
فربّما ضيّع الحقوق، وصرّف الأشياء في غير مصارفها.
السّادس: أن يكون ذا رأي وبصارة بتدبير الأمور،
لأنّ المغفّل لا يقوم بأمر الملك.
السّابع: أن يكون شجاعا،
لأنّ الجبان لا قوّة له على الذّبّ عن حوزة الدّين، وحريم المسلمين لجرأة العدوّ عليه.
الثّامن: أن يكون قرشيّا؛
لقوله ﷺ: «الأئمّة من قريش» «١» مع عمل الصّحابة ﵃ به، وإجماعهم عليه، وأمّا قوله ﷺ: «اسمعوا وأطيعوا ولو لعبد حبشيّ» «٢» فمحمول على السّمع والطّاعة لأمراء الجيوش ونحوهم من ولاة الإمام «٣» .
التّاسع: أن يكون/ عالما مجتهدا في أصول الدّين وفروعه،
ولغة العرب وأعرابها، مشتغلا بالفتوى في الحوادث، لأنّ الجاهل أو القاصر عن رتبة الاجتهاد لا يتمكّن من حفظ العقائد، وحلّ الشّبه، وإقامة الحجج والبراهين، ولا من فصل الخصومات عند النّزاع «٤» .
_________________
(١) والغضب، مستعملا لمروءة مثله في دينه ودنياه. وفي الجملة: هي التزام الواجبات الشّرعيّة، والامتناع عن المنكرات والمعاصي المحرّمة في الدّين.
(٢) أخرجه أحمد في «مسنده»، برقم (١١٨٥٩)، عن أنس بن مالك ﵁.
(٣) أخرجه البخاريّ، برقم (٦٧٢٣) . عن أنس بن مالك ﵁.
(٤) قلت: وكذلك إذا دعت الضّرورة لذلك، كما وقع بالنّسبة لخلفاء بني عثمان.
(٥) ويستحب له أن يعرف أيضا أحوال العصر، وما يطرأ عليه من تغيّرات وتطوّرات سياسيّة واقتصاديّة واجتماعيّة وثقافيّة.
[ ٤٠٠ ]
العاشر: أن تعقد الإمامة طوعا،
إمّا بأن يبايعه أهل الحلّ والعقد «١» كأبي بكر، أو يستخلفه إمام سابق جامع لشروط الإمامة كعمر بن الخطّاب ﵁.
[الشّروط في عاقدي البيعة للإمام وشرط صحّة البيعة]
وشرط العاقدين: أن يكونوا عدولا، ذوي رأي ومعرفة بالمصالح، ولا يشترط في صحّة البيعة إجماع الحاضرين منهم ببلدها، من أهل الحلّ والعقد، فضلا عن إجماع أهل الأقطار، لأنّ الصّحابة لم يفتقروا في عقدها لأبي بكر إلى حضور عليّ وعبّاس وسائر بني هاشم ﵃ أجمعين، بل يكتفى ببيعة واحد منهم في ثبوت الإمامة لمن عقدها له، ووجوب اتّباع المعقود له على سائر أهل الإسلام، لاكتفاء الصّحابة مع صلابتهم في الدّين بعقد عمر لأبي بكر كما سبق، وعقد عبد الرّحمن بن عوف لعثمان كما سيأتي.
[انعقاد الإمامة للإمام الّذي تمّ السّبق لأهل الحلّ والرّبط في عقدها له]
ثمّ إذا انعقدت الإمامة لشخص لم يجز عقدها لآخر لأدائه إلى ثوران الفتنة، فإن اتّفق التّعدّد فالإمامة للسّابق، وغيره باغ إن أصرّ، فيجب أن يقاتل حتّى يفيء إلى أمر الله، فإن جهل السّابق بطل في الجميع، واستؤنف العقد لمن وقع عليه الاختيار.
[جواز خلع الإمام وعزله]
ثمّ إذا وجد من الإمام ما يقتضي اختلال أمور الدّين، وانتقاض مصالح المسلمين؛ جاز لأهل الحلّ والعقد خلعه وعزله، كما كان لهم نصبه ابتداء، إلّا إذا كان المضرّة في خلعه أعظم من المضرّة في تقريره، فيحتمل أدنى المضرّتين.
_________________
(١) وهم العلماء المختصّون (أي: المجتهدون)، والرّؤساء، ووجوه النّاس؛ الّذين يقومون باختيار الإمام نيابة عن الأمّة.
[ ٤٠١ ]
[عدم الجواز لأهل الحلّ والعقد تقليد الإمامة لمن فقد بعض شروطها بوجود الكامل المستوفي جميع شروطها]
ولا يجوز لأهل الحلّ والعقد أن ينصّبوا فاقدا لبعض الشّرائط مع وجود الكامل.
نعم لهم نصب المفضول مع وجود الأفضل، إذا كان المفضول أصلح، إذ المعتبر في ولاية كلّ أمر والقيام/ به معرفة مصالحه ومفاسده، والقوّة على القيام بلوازمه ومقاصده، وربّ مفضول في علمه وعمله هو بالرّئاسة أعلم، وبشرائطها أقوم.
وكذا يجوز لأهل الحلّ والعقد عند فقد الكامل نصب فاقد لبعض الشّرائط السّابقة، دفعا للمفاسد الّتي لا تندفع إلّا بنصب الأئمّة- وبعض الشّرّ أهون من بعض- والله يعلم المفسد من المصلح.
[ ٤٠٢ ]
فصل في الإمام الحقّ بعد رسول الله ﷺ
أجمع أهل السّنّة سلفا وخلفا على أنّ الإمام الحقّ بعد رسول الله ﷺ: أبو بكر، ثمّ عمر، ثمّ عثمان، ثمّ عليّ. على ترتيبهم في الخلافة ﵃.
وأجمع معظم الأمّة على أنّ النّبيّ ﷺ لم ينصّ على خلافة رجل معيّن، بل أشار إلى ما سيكون بعده من غير وصيّة بذلك، كقوله:
«مروا أبا بكر فليصلّ بالنّاس» «١» [وقوله]: «ويأبى الله والمسلمون إلّا أبا بكر» «٢» .
[أمر النّبيّ ص بتقديم أبي بكر للصّلاة في مرضه وبحضور عليّ]
وثبت أنّ عليّا ﵁ كان يقول: قدّم رسول الله ﷺ أبا بكر، فصلّى بالنّاس وأنا حاضر غير غائب، وصحيح غير مريض، ولو شاء أن يقدّمني قدّمني، أفلا نرضى لدنيانا من رضيه رسول الله ﷺ لديننا؟ «٣» .
قال العلماء: وهل بقي من أمر الخلافة بعد الإمامة في الصّلوات إلّا جباية الزّكوات؟ وكيف يحسن لي أو لغيري أن يعزل أبو بكر عن الإمامة في الصّلوات، أو يكون غيره خليفة مأموما به في الصّلوات الّتي هي أعظم شعائر الدّين؟
_________________
(١) أخرجه التّرمذيّ، برقم (٣٦٧٢) . عن عائشة ﵂.
(٢) أخرجه مسلم، برقم (٢٣٨٧/ ١١) . عن عائشة ﵂.
(٣) سير أعلام النّبلاء، (سيرة الخلفاء الرّاشدين)، ص ١١- ١٢.
[ ٤٠٣ ]
قلت: وسبق أنّه ﷺ لمّا أعطى عثمان وشيبة مفتاح (الكعبة) قال: «خذاها خالدة تالدة، لا ينزعها منكم إلّا ظالم»» .
فالإمامة أولى.
قال الشّيخ الرّبّانيّ محيي الدّين النّوويّ- رحمه الله تعالى- في «شرح صحيح مسلم»: (وخلافة أبي بكر ﵁ لم تكن بنصّ صريح، بل بإجماع الصّحابة ﵃ على عقدها له، فقدّموه لشهرة فضله عندهم، ولو كان هناك نصّ صريح عليه، أو على غيره؛ لم تقع المنازعة أوّلا من/ الأنصار- أي: بقولهم: (منّا أمير ومنكم أمير) - ولذكر حافظ النّصّ ما معه، ولرجعوا إليه- أي:
كما احتجّ أبو بكر على الأنصار بقوله ﷺ: «الأئمّة من قريش» ورجعوا إليه- قال: لكن تنازعوا أوّلا، ثمّ اتّفقوا على أبي بكر ﵁) «٢» .
[تفنيد آراء الشّيعة في استخلاف الرّسول ﷺ عليا]
قال: (وأمّا ما تدّعيه الشّيعة من النّصّ على عليّ ﵁ فباطل، لا أصل له باتّفاق المسلمين. وأوّل من كذّبهم عليّ ﵁، ولو كان عنده نصّ لذكره، ولم ينقل أنّه ذكره في يوم من الأيّام) «٣» انتهى.
قال العلماء: ولو كان ثمّ نصّ لتواتر، ولم يمكن ستره عادة، إذ ذلك ممّا تتوفّر الدّواعي على نقله. وإذا لم يكن نصّ فالبيعة لم توجد لغير أبي بكر إجماعا، فوجب أن يكون هو الإمام الحقّ، ثمّ منصوبه عمر، ثمّ عثمان المجمع على عقد الخلافة له، ثمّ عليّ ﵃.
_________________
(١) ذكره ابن سيّد النّاس في «عيون الأثر»، ج ٢/ ١٧٨.
(٢) شرح صحيح مسلم، للنّوويّ، ج ١٥/ ١٢٦. بتصرّف من المؤلّف.
(٣) شرح صحيح مسلم، للنّوويّ، ج ١٥/ ١٢٦. بتصرّف من المؤلّف.
[ ٤٠٤ ]
قال العلماء: وأمّا ما تدّعيه الشّيعة أنّ عليّا ﵁ قد أظهر النّصّ فلم يقبل منه، فمن أكاذيبهم الشّنيعة الّتي ظاهرها الرّفض، وباطنها الكفر المحض، لإزرائهم «١» بذلك على الصّحابة، الّذين نقلوا هذا الدّين وحملوه، إذ لو أجمعوا على نبذ وصيّة نبيّهم بعد موته وقبل دفنه، لردّت روايتهم وبطلت عدالتهم، وبطل حينئذ هذا الدّين من أصله، الّذي وعد الله أن يظهره على الدّين كلّه ولو كره المشركون.
[مبايعة عليّ أبا بكر وعمر وعثمان ﵃]
وقد اجتمعت الأمّة على أنّ عليّا ﵁ لم ينازع أبا بكر ولا عمر، وبايع أبا بكر وترضّى عنه وعن عمر، وأثنى عليهما بعد موتهما، وأنّه عقد الخلافة لعثمان بعد أن خلا دست الخلافة «٢» وشغر، فلو كان عنده نصّ، أو كان ﵁ يرى أنّه يتعيّن للخلافة، لنازعهم كما نازع الفئة الباغية في أيّام معاوية.
وما يزعمه المبطلون من مداهنته ﵁ في دين الله، يتحاشى عنه منصب عليّ العليّ ﵁، كيف وهو الّذي تضرب بشجاعته الأمثال، وتبطل عنده الأبطال؟ مع ما هو فيه من عزّة العشيرة نخبة بني/ هاشم، وبين الصّحابة الّذين لا تأخذهم في الله لومة لائم، يشهد لهم القرآن بهجرهم في سبيل الله الأهل والأوطان.
وإذا كان أبو طالب قاوم قريشا كلّها، كما سبق عنه من قوله، [من الكامل] «٣»:
_________________
(١) أزرى: عابه وأدخل عليه أمرا يريد أن يلبّس عليه به.
(٢) دست الخلافة: منصب الخلافة.
(٣) دلائل النّبوّة، ج ٢/ ١٨٨.
[ ٤٠٥ ]
والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتّى أوسّد في التّراب دفينا
فكيف يجوز لمن يدّعي الإسلام أن ينسب إلى أخي الرّسول، وبعل البتول، الأسد المواثب، ليث بني غالب؛ أنّه نبذ وصيّة رسول الله ﷺ؟ أو داهن في دين الله؟
ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ [سورة النّور ٢٤/ ١٦] .
قال العلماء: وما يتمسّك به الشّيعة من الظّواهر الّتي توهم كون عليّ ﵁ متعيّنا للإمامة، معارض بنصوص كثيرة، تشير إلى تعيّن الصّدّيق تلويحا، بل تصريحا، يجب تقريرها، وتأويل ما عارضها، لانعقاد الإجماع على مقتضاها.
وقد قام الدّليل المتواتر القطعيّ على عصمة الصّحابة، فمن بعدهم من القرون؛ من أن يجتمعوا على الضّلال، وقد سمّاهم الله: خير أمّة، فلو تعاونوا على الإثم والعدوان- كما يزعم أهل الباطل والبهتان- لكانوا شرّ أمّة، كيف وقد وعد الله من اتّبع غير سبيلهم؟ فقال تعالى: وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيرًا [سورة النّساء ٤/ ١١٥] .
[ ٤٠٦ ]
فصل في فضل الخلفاء الأربعة ﵃ أجمعين
[الأئمّة من قريش]
قال ﷺ: «لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان» «١» .
قال العلماء: هو خبر بمعنى الأمر- أي: لا تزيلوا الخلافة من قريش-
وقال ﷺ: «إنّ هذا الأمر في قريش ما أقاموا الدّين» . متفق عليهما «٢» .
وقال الله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا الآية [سورة النّور ٢٤/ ٥٥] .
وثبت عنه ﷺ أنّه قال: «الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثمّ تكون ملكا عضوضا» «٣» /.
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٣١٠) . ومسلم برقم (١٨٢٠/ ٤) . عن عبد الله بن عمر ﵄.
(٢) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٣٠٩) . عن معاوية بن أبي سفيان ﵄.
(٣) أخرجه التّرمذيّ، برقم (٢٢٢٦)؛ بنحوه. عن سفينة مولى رسول الله ﵁. ملك عضوض: فيه عسف وظلم.
[ ٤٠٧ ]
فدلّت الآية الكريمة بوعد الله الحقّ من أنّ هذه الأمّة لا بدّ أن يقيم الله لها خلفاء بعد نبيّها، يمكّن لهم الدّين الّذي ارتضى لهم ويبدّلهم من بعد خوفهم أمنا، وذلك إن كان في حقّ من بعد الخلفاء الأربعة الأئمّة فباطل اتّفاقا، وإن كان فيهم فهم الّذين صدق وعد الله فيهم، وتعيّن حينئذ صحّة خلافتهم، وصحّة ترتيبهم، لأنّ الطّرفين من الأربعة، وهما: أبو بكر وعليّ دون الوسط في تحقيق التّمكين الموعود في الدّين؛ إذ الصّدّيق ﵁ إنّما قاتل أهل الرّدّة ليعودوا إلى ما كانوا عليه من الإسلام، وعلي ﵁ إنّما قاتل الفئة الباغية لتفيء إلى أمر الله.
وحقيقة التّمكين في الدّين إنّما حصل في مدّة عمر وعثمان ﵄، وإذا صدق الوعد الحقّ في الوسط، وجب صدقه في الطّرف الأوّل قطعا، وفي الآخر إجماعا.
وأمّا الحديث الشّريف: ففيه حكم منه ﷺ بأنّ مدّة القائمين بالخلافة بعده- أي: على ما كان هو عليه ﷺ- ثلاثون سنة، وذلك هو قدر مدّة الخلفاء الأربعة مع أيّام خلافة سيّدنا الحسن بن عليّ ﵄.
لأنّ الصّدّيق ﵁ بويع له بالخلافة في اليوم الّذي مات فيه رسول ﷺ، في سقيفة (بني ساعدة)، ثمّ بويع له البيعة العامّة من غد ذلك اليوم كما سبق.
[وفاة أبي بكر الصّدّيق ﵁]
وتوفّي ﵁ لثمان ليال بقين من شهر جمادى الأولى، سنة ثلاث عشرة من الهجرة، فمدّة خلافته سنتان وشهران ونصف شهر، وسنّه ﵁ يوم مات ثلاث وستّون سنة كسنّ رسول الله ﷺ، ودفن معه في حجرته.
[ ٤٠٨ ]
[عهد الصّدّيق بالخلافة إلى عمر ﵄]
وعهد بالخلافة إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب ﵁، وقال: ولّيت عليهم خيرهم. وتوفّي عمر شهيدا في صلاة الصّبح من يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجّة، سنة ثلاث وعشرين من الهجرة، فمدّة خلافته/ عشر سنين وستّة أشهر.
[انتخاب عثمان ﵁ وخلافته]
وأوصى بالخلافة شورى بين ستّة من العشرة. وهم: عثمان، وعليّ، وعبد الرّحمن بن عوف، وطلحة، والزّبير، وسعد، فأجمع رأيهم بعد شدّة البحث على عثمان ﵁، فبايعوه بالخلافة يوم السّبت، غرّة المحرّم، أوّل سنة أربع وعشرين من الهجرة.
[مقتل عثمان ﵁]
وقتل ب (المدينة) شهيدا يوم الجمعة لثماني عشرة ليلة خلت من ذي الحجّة، سنة خمس وثلاثين من الهجرة، فمدّة خلافته اثنتا عشرة سنة، وقد قارب ثمانين سنة، ودفن ب (البقيع) .
[مبايعة عليّ ﵁ بالخلافة ومقتله بالكوفة]
وبويع لعليّ ﵁ في ذلك اليوم، في دار من دور الأنصار، ثمّ بويع له البيعة العامّة من الغد في (المسجد النّبويّ)، وقتل ب (الكوفة) شهيدا صبح الجمعة لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان المعظّم، سنة أربعين من الهجرة، ومدّة خلافته أربع سنين وتسعة أشهر- بتقديم التّاء﵁ وعنهم أجمعين.
[ ٤٠٩ ]
فصل في ذكر شيء من فضائل الصّحابة ﵃ أجمعين
أجمع أهل السّنّة على أنّ خير الصّحابة وأفضلهم على ما رتّبوه هم ﵃، فمن قدّموه فهو المقدّم، ومن أخّروه فهو المؤخّر، إذ حقيقة الفضل ما هو فضل عند الله ﷿، وذلك غيب لا يطّلع عليه إلّا رسول الله ﷺ.
وقد ورد من ثنائه ﷺ على أصحابه عموما وخصوصا نصوص لا يدرك دقائقها، ويعرف حقائقها إلّا الصّحابة الّذين سمعوها وحملوها، وعرفوا أسبابها، وقرائن أحوالها، وشاهدوا ما كان النّبيّ ﷺ يعامل به أصحابه، ويخصّ به بعضهم دون بعض من التّقديم والتّعظيم، فوجب الرّجوع في ذلك إلى الصّحابة الّذين شاهدوا الوحي والتّنزيل، وعلموا بقرائن الأحوال مراتب التّفضيل.
وقد أجمعوا ﵃- من غير توقّف ولا تردّد في حياة رسول الله ﷺ وبعد وفاته- على أنّ أفضلهم أبو بكر ثمّ عمر.
وفي «صحيحي البخاريّ ومسلم»، / كنّا نفاضل بين الصّحابة في زمان رسول الله ﷺ فنقول: أفضلهم أبو بكر، ثمّ عمر، فلا ينكر علينا «١» .
وفي رواية: ثمّ نترك أصحاب رسول الله فلا نفاضل بينهم «٢» .
وفيهما-[أي: الصّحيحين]- عن محمّد بن عليّ بن أبي طالب
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٤٥٥) . عن عبد الله بن عمر ﵄.
(٢) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٤٩٤) . عن عبد الله بن عمر ﵄.
[ ٤١٠ ]
﵄- وهو ابن الحنفيّة- قال: قلت لأبي: أيّ النّاس خير بعد النّبيّ ﷺ؟، فقال: أبو بكر، قلت: ثمّ من؟، قال: عمر «١» .
واتّفقت الأمّة على أنّ خير الصّحابة: الخلفاء الأربعة.
قال أهل السّنّة: ثمّ تمام العشرة المشهود لهم بالجنّة، ثمّ بقيّة أهل (بدر)، ثمّ أهل (أحد)، ثمّ أهل بيعة الرّضوان.
قال الشّيخ محيي الدّين النّووي- رحمه الله تعالى-: (وأجمع أهل السّنّة على أن أفضلهم على الإطلاق: أبو بكر، ثمّ عمر، وقدّم جمهورهم عثمان على عليّ، وهو الصّحيح، ولهذا اختارته الصّحابة للخلافة وقدّموه، وهم أعلم بالتّرتيب) «٢» . انتهى.
قلت: ولهذا عقد الصّحابة الخلافة للصّدّيق من غير تردّد، وعقدها أبو بكر لعمر من غير تردّد، وتوقّف عمر فيمن يعقدها له.
وقال الإمام الجليل الحافظ أبو عمر يوسف بن محمّد بن عبد البرّ المالكي- رحمه الله تعالى- في «شرح موطّأ الإمام مالك» - رحمه الله تعالى-: (أجمع أهل السّنّة على أنّ أفضل الأمّة بعد نبيّها: أبو بكر، ثمّ عمر، ووقف بعض السّلف في عثمان وعليّ. وأمّا اليوم فلا يختلف الخلف في أنّ التّرتيب: عثمان ثمّ عليّ. قال: وعليه عامّة أهل الحديث من لدن أحمد ابن حنبل وهلمّ جرّا) . انتهى.
قال العلماء: ولولا فهم الصّحابة ﵃ ذلك عن رسول الله ﷺ لما رتّبوا الأمر كذلك، إذ كانوا لا تأخذهم في الله لومة لائم، ولا يصرفهم عن الحقّ صارف.
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٤٦٨) .
(٢) شرح صحيح مسلم، للنّوويّ، ج ١٥/ ١٢١- ١٢٢. بتصرّف من المؤلّف.
[ ٤١١ ]
فصل في أدلّة فضل الخلفاء الأربعة رضوان الله عليهم
ومن الأدلّة الشّاهدة على فضل الخلفاء الأربعة ﵃، الموجبة لهم زيادة المزيّة على غيرهم:
[فضائل الصّدّيق ﵁]
قوله ﷺ: «لو كنت متّخذا خليلا لاتّخذت أبا بكر خليلا»، متّفق/ عليه «١» .
زاد في رواية: «ولكن أخوّة الإسلام أفضل» «٢» .
وفي أخرى: «ولكنّه أخي وصاحبي» «٣» . أي: أنّ تسميتي له بما سمّاه الله به من الأخوّة والصّحبة في الغار أفضل من وصفي له بالخلّة.
[وفي رواية]: إنّ أمنّ النّاس عليّ في صحبته وماله أبو بكر»، متّفق عليه «٤» .
[وقوله]: «إنّ الله بعثني فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر:
صدقت، وواساني بنفسه وماله»، متّفق عليه «٥» .
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٤٥٤) . ومسلم برقم (٢٣٨٢/ ٢) . عن أبي سعيد الخدريّ ﵁.
(٢) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٤٥٧) . عن عبد الله بن عبّاس ﵄.
(٣) أخرجه مسلم، برقم (٢٣٨٣/ ٣) . عن عبد الله بن مسعود ﵁.
(٤) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٤٥٤) . عن أبي سعيد الخدريّ ﵁.
(٥) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٤٦١) . عن أبي الدّرداء عويمر بن مالك ﵁.
[ ٤١٢ ]
[وقوله]: «فهل أنتم تاركو لي صاحبي، فهل أنتم تاركو لي صاحبي- ثلاث مرّات-»، متّفق عليه «١» .
[وقوله]: «مروا أبا بكر فليصلّ بالنّاس»، متّفق عليه «٢» .
[وقوله]: «إنّي أخشى أن يتمنّى متمنّ، أو يقول قائل: أنا أولى بالأمر، ويأبى الله ذلك والمؤمنون إلّا أبا بكر»، متّفق عليه «٣» .
وقوله ﷺ لمّا رجف به (أحد) ومعه أبو بكر وعمر وعثمان:
«اثبت أو اسكن أحد، فما عليك إلّا نبيّ وصدّيق وشهيدان»، متّفق عليه «٤» .
والخطاب عند المحقّقين محمول على الحقيقة، إقامة له مقام من يفعل، لتحرّكه، مع قوله ﷺ: «ما من شيء إلّا ويعلم أنّي رسول الله» «٥» .
وقالوا: سبحان الله أبقرة تتكلّم وذئب يتكلّم؟ فقال النّبيّ ﷺ:
«فإنّي أومن بذلك أنا وأبو بكر وعمر» «٦»، متّفق عليه.
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٤٦١)، عن أبي الدّرداء ﵁.
(٢) أخرجه البخاريّ، برقم (٦٣٣) . ومسلم برقم (٤١٨/ ٩٤) . عن عائشة ﵂.
(٣) أخرجه البخاريّ، برقم (٥٣٤٢) . ومسلم برقم (٢٣٨٧/ ١١) . عن عائشة ﵂.
(٤) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٤٧٢) . عن أنس بن مالك ﵁.
(٥) أخرجه أحمد في «مسنده»، برقم (١٣٩٢٣)؛ بنحوه. عن جابر بن عبد الله ﵄.
(٦) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٢٨٤) . ومسلم برقم (٢٣٨٨/ ١٣) . عن أبي هريرة ﵁.
[ ٤١٣ ]
وقيل له: من أحبّ النّاس إليك؟ قال: «عائشة»، قيل:
ومن الرّجال؟ قال: «أبوها»، قيل: ثمّ من؟ قال: «عمر»، متّفق عليه «١» .
[فضائل عمر ﵁]
[وقوله ﷺ]: «إيه يا ابن الخطّاب، والله ما سلكت فجّا إلّا سلك الشّيطان فجّا غير فجّك» متّفق عليه «٢» . أي: أنّ الحقّ يدور معه أينما دار، فهو من الّذين قال الله فيهم: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ [سورة الحجر ١٥/ ٤٢] .
وشهادته ﷺ بأنّ عمر من المحدّثين- بفتح المهملتين، أي:
من أهل الإلهام الموافق للصّواب-
وأنّه ﷺ رآى عليه قميصا ضافيا يجرّه، وأوّله بوفور الدّين في أيّامه. متّفق عليه «٣» .
وأنّه [ﷺ] سقى فضلة من اللّبن عمر، وأوّله بالعلم، متّفق عليه «٤» .
وأنّ عمر سقى النّاس حتّى أرواهم، متّفق عليه «٥» . وأوّله العلماء بكثرة الخيرات والفتوحات في أيّامه.
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٤٦٢) . ومسلم برقم (٢٣٨٤/ ٨) . عن عمرو بن العاص ﵁.
(٢) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٤٨٠) . ومسلم برقم (٢٣٩٦/ ٢٢) . عن سعد بن أبي وقّاص ﵁.
(٣) أخرجه البخاريّ، برقم (٢٣) . ومسلم برقم (٢٣٩٠/ ١٥) . عن أبي سعيد الخدريّ ﵁.
(٤) أخرجه البخاريّ، برقم (٨٢) . ومسلم برقم (٢٣٩١/ ١٦) . عن عبد الله بن عمر ﵄.
(٥) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٤٣٤) . ومسلم برقم (٢٣٩٣/ ١٩) . عن عبد الله بن عمر ﵄.
[ ٤١٤ ]
[فضائل عثمان ﵁]
وقوله ﷺ: «بشّره بالجنّة، على بلوى تصيبه» - يعني:
عثمان- متّفق عليه «١» .
[فضائل عليّ ﵁]
وقوله/ ﷺ: «لأعطينّ الرّاية غدا رجلا يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله»، فأعطاها عليّا. متّفق عليه «٢» .
مع قوله [ﷺ]: «أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى»، متّفق عليه «٣» .
[مناقب الصّديق ﵁ فضائل عليّ ﵁]
هذا مع ما اشتهر للصّديق ﵁ من سبقه إلى التّصديق من غير تردّد، وكثرة التّصدّق غير مرّة بجميع ماله في سبيل الله، وما كان يعرفه البرّ والفاجر والمؤمن والكافر من شدّة اختصاصه في الجاهليّة والإسلام بالنّبيّ عليه أفضل الصّلاة والسّلام، وقربه منه، ومجاورته له حيّا وميّتا، ثمّ ما أيّده الله به من الثّبات عند موت النّبيّ ﷺ، ووعظه المسلمين، ثمّ إطفاء نار الفتنة عند تنازع الصّحابة، وجهاد أهل الرّدّة، حتّى استقام الدّين، ومن تقواه المعروف، وصنائعه للمعروف، وكمال النّفس، ورسوخ القدم في التّوحيد، ووقر اليقين في الصّدر.
[مناقب عمر ﵁]
ومع ما عرف للفاروق ﵁ من عزّة الإسلام بإسلامه ابتداء وانتهاء، ومن الشّدّة في الدّين، والجمع في السّياسة بين
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٤٧١) . ومسلم برقم (٢٤٠٣/ ٢٨) . عن أبي موسى الأشعريّ ﵁.
(٢) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٤٩٩) . ومسلم برقم (٢٤٠٧/ ٣٥) . عن سلمة بن الأكوع ﵁.
(٣) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٥٠٣) . ومسلم برقم (٢٤٠٤/ ٣١) . عن سهل بن سعد ﵁.
[ ٤١٥ ]
العنف واللّين، وكثرة الفتوحات، وموافقة رأيه للوحي في غير مرّة، وعدله، وإحسانه، وحسن سيرته المشهورة، حتّى قال أهل السّير: لو أنّ هذه الأمّة فاخرت جميع الأمم بسيرة عمر لفخرتها، إذ لم يعلم أنّ ملكا من المتقدّمين والمتأخّرين سار سيرته.
[مناقب عثمان ﵁]
ومع شهادة الرّسول ﷺ لعثمان الشّهيد باستحياء الملائكة الكرام منه إجلالا واحتراما، وضربه له بسهمه وأجره يوم (بدر)، وضربه بيده اليمنى على اليسرى عنه في بيعة الرّضوان، وتزويجه له بابنتيه ﵄، ثمّ قال: «لو كان عندي ثالثة لزوّجتكها»»
، مع ما اشتهر من جمعه لمصاحف القرآن، ومواظبته على تلاوته، وكثرة الصّيام والقيام، وشفقته على الأمّة بوضع السّلاح تورّعا منه عن سفك الدّماء، وصدقاته المشهورة؛ كتجهيز جيش/ العسرة وحفر بئر (رومة) الموعود عليها بالجنّة.
[مناقب عليّ ﵁]
ومع شهادته ﷺ للمرتضى عليّ بن أبي طالب بأنّه أقضاهم، وأنّه قائد الفئة النّاجية، وتقتل عمّارا الفئة الباغية، وتزويجه له بابنته فاطمة الزّهراء- سيّدة نساء أهل الجنّة، وأمّ الحسن والحسين، سبطي المصطفى ﷺ- مع ما اشتهر من قدم إسلامه، ورسوخ علمه، وزهده، وشجاعته في نصرة دين الله، وشرف القرابة القربى من رسول الله ﷺ، ورضي الله عنهم أجمعين.
ومن نظر بعين البصيرة في مناقب الخلفاء الأربعة الواردة في «الصّحيحين»، أو في أحدهما- كما أوردناه، ولم تمل به الأهواء- ظهر له إصابة الصّحابة في ترتيبهم في الفضل على ترتيبهم في الخلافة.
وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [سورة الحديد ٥٧/ ١٠] .
_________________
(١) أورده ابن كثير في «البداية والنّهاية»، ج ٥/ ٣٩.
[ ٤١٦ ]
فصل في أدلّة فضل الصّحابة ﵃ أجمعين
الّذي عليه جمهور المحدّثين أنّ كلّ مسلم اجتمع بالنّبيّ ﷺ ولو لحظة فهو من الصّحابة.
وقد ورد في فضلهم ﵃ من الآيات القرآنيّة والأحاديث النّبويّة ما لا يحصى.
فروى البخاريّ ومسلم في «صحيحيهما»، أنّه ﷺ قال:
«خيركم- وفي رواية- خير النّاس قرني، ثمّ الّذين يلونهم- أي:
التّابعون- ثمّ الّذين يلونهم- أي: تابعو التّابعين-» «١» .
قال الشّيخ محيي الدّين النّوويّ- رحمه الله تعالى-: (ورواية «خير النّاس» على عمومها، والمراد منه جملة القرون السّابقة واللّاحقة، ولا يلزم منه تفضيل أهل قرنه على الأنبياء ﵈، إذ المراد جملة القرون، بالنّسبة إلى كلّ قرن بجملته.
قال: والمراد بالقرن: الصّحابة، ثمّ الّذين يلونهم: التّابعون، ثمّ الّذين يلونهم: تابعو التّابعين) «٢» . انتهى.
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٢٥٠٩) . ومسلم برقم (٢٥٣٣/ ٢١١) . عن عبد الله بن مسعود ﵁. القرن: أهل كلّ زمان، وهو مقدار التّوسّط في أعمار أهل كلّ زمان، مأخوذ من الاقتران، وكأنّه المقدار الّذي يقترن فيه أهل ذلك الزّمان في أعمارهم وأحوالهم. وقيل: القرن: أربعون سنة، وقيل ثمانون، وقيل: مئة، وقيل: هو مطلق من الزّمان [النّهاية في غريب الحديث، ج ٤/ ٥١. (أنصاريّ)] .
(٢) شرح صحيح مسلم، للنّوويّ، ج ١٦/ ٦٩. بتصرّف من المؤلّف.
[ ٤١٧ ]
قلت: وأوّل قرن الصّحبة من مبعثه ﷺ إلى موت آخرهم موتا؛ وهو أبو الطّفيل على رأس عشر بعد المئة من الهجرة، لمئة/ من الوفاة، وهو أيضا آخر قرن التّبعيّة لتعذّرها حينئذ، وأوّله من الوفاة لتعذّر الصّحبة حينئذ. والله أعلم.
قال العلماء: وإنّما كانوا خير القرون بشهادة الله تعالى ورسوله ﷺ لهم بكلّ فضيلة؛ من الإخلاص والصّدق والتّقوى، والشّدّة في الدّين، والرّحمة على المؤمنين، ونصرة الله ورسوله، والجهاد في سبيله، وبذل النّفوس والأموال وبيعها من الله تعالى، وإيثارهم على أنفسهم، وكونهم خير أمّة أخرجت للنّاس، وقد رضي الله عنهم ورضوا عنه، والحائزين على الفوز والفلاح والبشارة بأعلى الجنان وجوار الرّحمن، إلى غير ذلك.
ومدح الله لا يتبدّل، ووعده لا يخلف ولا يتحوّل، إذ هو سبحانه المطّلع على عواقب الأمور، والعالم بخائنة الأعين وما تخفي الصّدور، فلا يمدح جلّ وعلا إلّا من سبقت له منه الحسنى، وكان ممدوحا في الآخرة والأولى.
قال الله تعالى: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [سورة التّوبة ٩/ ١٠٠] .
وقال سبحانه: لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
[سورة التّوبة ٩/ ٨٨- ٨٩] .
وقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ
[ ٤١٨ ]
بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ [سورة التّوبة ٩/ ١١١] .
وقال تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانًا سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ الآية [سورة الفتح ٤٨/ ٢٩] .
وقال تعالى في حقّ المهاجرين: لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ/ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [سورة الحشر ٥٩/ ٨] .
[وقال تعالى] في حقّ الأنصار: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [سورة الحشر ٥٩/ ٩] .
[وقال تعالى] في حقّ التّابعين لهم بإحسان، المستغفرين لهم، السّالمين من غلّ القلوب- جعلنا الله منهم-: وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ [سورة الحشر ٥٩/ ١٠] .
وقال ﷺ: «لا تسبّوا أصحابي، فو الّذي نفسي بيده، لو أنّ أحدكم أنفق مثل (أحد) ذهبا ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه»، متّفق عليه «١» .
قال الشّيخ محيي الدّين النّوويّ- رحمه الله تعالى-: (ومعنى
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٤٧٠) . ومسلم برقم (٢٥٤٠/ ٢٢١) . عن أبي هريرة ﵁.
[ ٤١٩ ]
الحديث: لو أنفق أحدكم في سبيل الله مثل (أحد) ذهبا ما بلغ ثوابه ثواب نفقة أحدهم مدّا من طعام ولا نصيفه. قال: وسبب ذلك كون نفقتهم ﵃ في وقت الضّرورة وضيق الحال، وفي نصرته ﷺ، وحماية دينه وإعزازه، وكذلك كان جهادهم وسائر طاعاتهم، وذلك معدوم فيمن بعدهم، مع أنّ فضيلة الصّحبة ولو بلحظة لا توازيها فضيلة، ولا تنال درجتها بشيء، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم) «١» انتهى.
والمخاطب بقوله: «لا تسبّوا أصحابي» الأمّة، أو أنّه نزّل السّابّ منزلة من ليس من أصحابه، أو خصّ بالصّحبة السّابقين منهم، كما ورد في سبب الحديث أنّ خالد بن الوليد سبّ عبد الرّحمن بن عوف.
قال العلماء: وإذا ثبت ثناء الله ورسوله عليهم ﵃ بكلّ فضيلة، والشّهادة لهم بالمناقب الجليلة، فأيّ دين/ يبقى لمن نبذ كتاب الله وراء ظهره، فنسبهم إلى باطل، أيقول هذا الجاهل بأنّ الله- تعالى عمّا يقول الظّالمون علوّا كبيرا- لمّا وصفهم وأثنى عليهم كان جاهلا بما يؤول إليه حالهم، فتبدّل قوله الحقّ باطلا، والصّدق كذبا، أم كان عالما بذلك، ولكنّه خان رسوله بالثّناء على من ليس أهلا للثّناء، ورضي لرسوله المجتبى عنده بصحبة الفاسقين، ومصافاة المنافقين.
كلّا، والله لقد كانوا أحقّ بتلك الفضائل وأهلها. وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا [سورة الأحزاب ٣٣/ ٤٠] .
_________________
(١) شرح صحيح مسلم، للنّوويّ، ج ١٦/ ٧٦. بتصرّف من المؤلّف.
[ ٤٢٠ ]
وكانوا كما وصفهم الله: رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا [سورة الأحزاب ٣٣/ ٢٣] .
اللهمّ إنّا نشهد أنّهم كما وصفتهم من أنّهم خير أمّة، ونثني عليهم بما أثنيت عليهم من الفضائل الجمّة، ونعتقد أنّهم قد قلّدوا رقاب الخاصّة والعامّة المنّة؛ لأنّهم الّذين جاهدوا في الله حقّ جهاده، حتّى قرّروا هذا الدّين، ثمّ حملوه إلى النّاس كما نقلوه، باذلين في ذلك غاية الجهد والنّصح، ونعتقد وجوب تعظيمهم واحترامهم ومحبّتهم، والكفّ عمّا شجر بينهم، وحسن الظّنّ بهم، والإعراض عمّا يورده الإخباريّون عنهم، ممّا لا يسلم من مثله بشر، إلّا من عصمه الله، وهم غير معصومين، وحمل ما صحّ عنهم من الهفوات الّتي هي قطرة كدرة في بحر صاف من محاسنهم على أحسن المحامل، وتأويله بما يليق بجلالة قدرهم، ولا يحرم ذلك إلّا من حرم التّوفيق.
اللهمّ فانفعنا بحبّهم، واعصمنا عن سبّهم، وأحينا على سنّتهم، وتوفّنا على ملّتهم، واحشرنا في زمرتهم، يا أرحم الرّاحمين.
وما أحسن قول صاحب البردة- رحمه الله تعالى- فيهم، [من البسيط] «١»:
ما زال يلقاهم في كلّ معترك حتّى حكوا بالقنا لحما على وضم «٢»
_________________
(١) البردة، في جهاد النّبيّ ﷺ، ص ٣٣- ٣٤.
(٢) الوضم: ما يضع القصّاب اللّحم عليه من خشبة أو نحوها. والمراد هنا: أنّه ﷺ ما زال يقاتل الكفّار حتّى تركهم قتلى معدّين لأكل السّباع والطّيور لحومهم.
[ ٤٢١ ]
كأنّما الدّين ضيف حلّ ساحتهم بكلّ قرم إلى لحم العدا قرم «١»
يجرّ بحر خميس فوق سابحة يرمي بموج من الأبطال ملتطم «٢»
من كلّ منتدب لله محتسب يسطو بمستأصل للكفر مصطلم «٣»
/ حتّى غدت ملّة الإسلام وهي بهم من بعد غربتها موصولة الرّحم
مكفولة أبدا منهم بخير أب وخير بعل فلم تيتم ولم تئم «٤»
_________________
(١) القرم: السّيّد الشّجاع. القرم: شديد الشّهوة إلى اللّحم.
(٢) الخميس: الجيش العظيم، سمّي بذلك لأنّه مركّب في خمس قوائم؛ المقدّمة، والميمنة، والميسرة، والقلب، والمؤخّرة. السّابحة: الخيل. كأنّها تسبح مسرعة في طلب الكفّار.
(٣) يسطو: يصول. بمستأصل للكفر: أزال الكفّار من أصلهم. مصطلم: مهلك لهم.
(٤) البعل: الزّوج. تيتم: تفقد الأب. تئم: تفقد الزّوج، والأيّم: من لا زوج لها.
[ ٤٢٢ ]
الخاتمة
في ذكر شيء من سيرته ﷺ في أحواله النفسيّة وأقواله القدسيّة
[ ٤٢٣ ]