قال المصنف: «وبَعَثَ ﷺ أبا بكرٍ الصّدّيق ﵁ أميرًا على الحجّ هذه السنة، وأردفه عليًّا ﵁ بسورة براءة: أن لا يَحُجَّ بعد العام مُشركٌ، ولا يطوف بالبيت عُريانٌ، وينبِذ إليهم عهودَهم إلا من كان ذا عَهْد مقدَّرٍ فعهدُه إلى مُدَّته.
وتواترت الوُفودُ هذه السَّنَة وما بعدها على رسُولِ الله ﷺ مُذعنة بالإسلامِ وداخلينَ في دينِ الله أفواجًا، كما قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [سُورَةُ النَّصْرِ].
وبَعَثَ ﷺ معاذَ بنَ جبلٍ إلى اليمنِ ومعه أبو موسى الأشعري ﵄، وبَعَثَ الرُّسُل إلى ملوكِ الأقطارِ يدعوهم إلى الإسلامِ. وانتشرت الدعوة، وعَلَتْ الكلمة، وجاء الحقُّ، وزَهَقَ الباطلُ، إن الباطلَ كان زَهُوقًا».
الكلام عليه من وجوه:
١
_________________
(١) بعثه ﷺ أبا بكر أميرًا على حجّ تلك السنة وإردافه عليًا بسورة براءة، وألا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان، كله مخرج في الصحيح من
[ ٣٠٧ ]
حديث أبي هريرة ﵁ (^١).
٢ ــ ولم يحجّ النبي ﷺ تلك السنة مع تمكنه من ذلك لأنه كره مخالطة المشركين وهُم يطوفون بالبيت عراة ويتلفظون بالشركيات.
٣ ــ قال العلماء: وإنما أردف النبيُّ ﷺ عليًا بإبلاغ الناس سورة براءة لأنها تتضمن نبذ العهود المطلقة بين النبي ﷺ وبين العرب والبراءة منها، وكان من عادة العرب ألا يبرم العهد ولا يفسخه إلا الرجل نفسه أو رجل من أهل بيته (^٢).
٤ ــ وقوله: "وتواترت الوفود في هذه السنة وما بعدها": قدَّمنا في الفصل السابق أن سنة تسع كانت تسمّى سنة الوفود، لأنها السنة التي قدمت فيها وفود قبائل العرب من كل صوب لإعلان إسلام قبائلهم ومبايعة النبي ﷺ. وأن العرب كانت تنتظر بإسلامها إسلام قريش، فلما كان الفتح بادر كل قوم بإسلامهم.
٥ ــ وبعثه ﷺ معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري إلى اليمن مخرج في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري، ولفظه عند مسلم: أن النبي ﷺ بعثه ومعاذًا إلى اليمن، فقال: «يسّرا ولا تعسّرا، وبشّرا ولا تنفّرا، وتطاوعا ولا تختلفا» (^٣).
٦ ــ وقوله ﷺ: «ولا يطوف بالبيت عريان» فيه إبطال لما كانت عليه الجاهلية من الطواف بالبيت عراة، واستدل به بعض العلماء على أن الطواف يشترط له ستر العورة (^٤).
_________________
(١) صحيح البخاري «٤٦٥٥».
(٢) منهاج السنة لابن تيمية ٥/ ٤٩٣.
(٣) صحيح البخاري «٤٣٤١»، صحيح مسلم «١٧٣٣».
(٤) شرح النووي على صحيح مسلم ٩/ ١١٦.
[ ٣٠٨ ]
٧
_________________
(١) وفي تواتر الوفود عليه ﷺ دليل على وفاء الله له بوعده بالنصر، وانتشار الإسلام في أرجاء جزيرة العرب، وتوحيدها تحت رايته، وكانت هي المرة الأولى التي يتوحد فيها سكان الجزيرة العربية تحت راية واحدة دينيًا وسياسيًا. * * *
[ ٣٠٩ ]