فصل
حجة الوَدَاع
صلاته ﷺ بذي الحليفة وانطلاقه من المدينة:
قال المصنف: «صلَّى رسُولُ الله ﷺ الظهرَ يوم الخميسِ لستٍّ بقين من ذي القعدة من سنة عَشرٍ بالمدينة، ثم خَرَجَ منها بمن معه من المسلمينَ من أهلِ المدينةِ ومَن تجمَّع مِنْ الأَعراب، فصلَّى العصرَ بذي الحُليفة ركعتين، وبَاتَ بها. وأتاه آتٍ من ربّه ﷿ في ذلك الموضع ــ وهو وادي العَقِيق ــ يأمرُه عن ربّه ﷿ أن يقولَ في حجته هذه: حجةٌ في عمرة. ومعنى هذا أن الله أمره أن يَقْرِن الحجّ مع العمرة، فأصبحَ ﷺ فأخبر الناسَ بذلك، فطافَ على نسائه يومئذٍ بغسل واحدٍ. ثم اغتسلَ وصلَّى في المسجدِ ركعتين، وأهلَّ بحجة وعمرة معًا».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ كانت حجة الوداع في السنة العاشرة من الهجرة باتفاق العلماء.
٢ ــ وسُميت بحجة الوداع لأن النبي ﷺ ودَّع الناس فيها وقال لهم: «لا أدري لعلّي لا أحجّ بعد حجتي هذه» (^١)، وتسمّى حجة البلاغ، لأن النبي ﷺ قال فيها:
_________________
(١) رواه مسلم في صحيحه «١٢٩٧». وفي رواية عند النسائي ذكرها في جامع الأصول «١٥٨٣»: «فإني لا أدري لعلي لا أعيش بعد عامي هذا».
[ ٣١١ ]
«ألا هل بلغت، قالوا: نعم» (^١).
٣ - ولم يحجّ النبي ﷺ بعد الهجرة إلى المدينة سواها، وقد حج بعد النبوة وقبلها حجات لا يُعرف عددها (^٢).
٤ ــ وحجة الوداع تشتمل على أحكام فقهية كثيرة متعلقة بالحج وغيره، ومن ثم أفردها غير واحدٍ من أهل العلم بتصانيف مستقلة، كالإمام ابن حزم، والشيخ الألباني في العصر الحديث وغيرهما.
٥ - وصلاته ﷺ العصر بذي الحليفة ركعتين ومبيته بها ثابت في الصحيحين من حديث أنس بن مالك (^٣).
٦ ــ وقول المصنف أنه ﷺ أتاه آت في واد العقيق، فقال له: "قلْ حجّة في عمرة" مخرج في البخاري من حديث عمر بن الخطاب، ولفظه: «أتاني الليلة آتٍ من ربي، فقال: صلّ في هذا الوادي المبارك، وقلْ: عمرة في حجّة» (^٤).
٧ ــ وقوله: "ومعنى هذا أن الله أمره أن يَقْرِن الحجّ مع العمرة": هذا مبنيّ على القول بأن النبي ﷺ حجّ قارنًا، وهي مسألة مختلف فيها، والذي جزم به المصنف بعد مناقشة مطولة هو أن النبي ﷺ حج قارنًا (^٥)، وبه جزم شيخه ابن القيم، واستدل له بأكثر من عشرين دليلًا (^٦).
_________________
(١) صحيح البخاري «٤٤٠٣».
(٢) تلقيح فهوم أهل الأثر ص ٤١.
(٣) صحيح البخاري «١٥٤٧»، صحيح مسلم «٦٩٠».
(٤) صحيح البخاري «١٥٣٤».
(٥) البداية والنهاية ٧/ ٤٨٧.
(٦) زاد المعاد ٢/ ١٠٢.
[ ٣١٢ ]
٨ ــ وقوله: "وطاف على نسائه يومئذ بغسل واحد"، قلت: هذا مخرج في الصحيحين من حديث عائشة (^١).
٩ ــ وقوله: "ثم اغتسل وصلَّى في المسجد ركعتين": المراد بالغُسل هنا غسلٌ خاصٌ للإحرام غير غُسل الجماع الأول كما رجحه ابن القيم (^٢)، وقوله: "وصلّى في المسجد ركعتين وأهلَّ بحجّة وعمرة معًا": المراد بالركعتين هذه هي ركعتي الظهر قصرًا، قال ابن القيم: "ولم ينقل عنه أنه صلَّى للإحرام ركعتين غير فرض الظهر" (^٣).
سوقه ﷺ الهدي ووصوله إلى مكة:
قال المصنف: «وساقَ ﷺ الهدْيَ من ذِي الحُلَيْفة (^٤)، وأَمَرَ مَنْ كان معه هدْيٌ أن يُهِلَّ كما أهلَّ ﷺ. وسَارَ ﷺ والنَّاسُ بين يديه وخلفه، وعن يمينه وشماله، أُممًا لا يُحصَوْن كثرةً، كلُّهم قَدِمَ ليأتمّ به ﷺ.
فلما قَدِمَ ﷺ مكة طافَ للقدوم، ثم سعى بين الصفا والمروة، وأَمَر الذين لم يسوقوا هَدْيًا أن يَفْسَخُوا حجّهم إلى عُمرةٍ ويتحلَّلوا حِلًا تامًا، ثم يُهِلُّوا بالحجّ وقتَ خروجهم إلى مِنى، ثم قال: «لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ ما سقتُ الهدْيَ ولجعلتُها عُمرةً»».
_________________
(١) صحيح البخاري «٢٧٠»، صحيح مسلم «١١٩٢».
(٢) زاد المعاد ٢/ ١٠١.
(٣) المصدر السابق ٢/ ١٠١.
(٤) ذو الحليفة: موضع بقرب المدينة على طريق مكة، وهو ميقات أهل المدينة ومن يمر بها، تبعد عنها تسعة أكيال.
[ ٣١٣ ]
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ قوله: "وساق ﷺ الهدي من ذي الحليفة .. إلى آخره": مأخوذ من حديث جابر بن عبد الله في صفة حجه ﷺ (^١).
٢ ــ وسوقه ﷺ الهدي من ذي الحليفة فيه دليل على ندب سَوْق الهدي من المواقيت ومن الأماكن البعيدة وهي من السنن التي أغفلها كثير من الناس كما قال ابن حجر (^٢)، لكن قد لا يتيسر هذا الآن لمعظم المعتمرين والحجيج بسبب اختلاف وسائل المواصلات عن الزمن القديم.
٣ ــ وقوله: "ولما قدم ﷺ مكة طاف للقدوم"، فيه دليل على استحباب طواف القدوم للحاج، وهو سنة عند جماهير العلماء وليس بواجب، وأما العمرة فليس لها طواف قدوم (^٣).
٤ ــ وقوله: "ثم سعى بين الصفا والمروة"، هذا هو سعي الحجّ، وهو ركن من أركانه عند أكثر العلماء (^٤).
أداؤه ﷺ المناسك ورجوعه إلى المدينة:
قال المصنف: «ثم خَرَجَ ﷺ إلى مِنى فباتَ بها وكانت ليلة الجمعة التاسع من ذِي الحجة. ثم أصْبحَ فسارَ إلى عَرَفَة وخطَبَ بنَمِرَة خطبةً عظيمةً، شهدها مِنْ أصحابه نحو أربعين ألفًا ﵃ أجمعين، وجَمَع بين الظهر والعصر، ثم وقف
_________________
(١) صحيح مسلم «١٢١٨».
(٢) فتح الباري ٣/ ٥٤٠.
(٣) شرح النووي على صحيح مسلم ٨/ ٢١٧ ــ ٢١٨.
(٤) المصدر السابق ٩/ ٢١.
[ ٣١٤ ]
بعَرَفَة. ثم باتَ بالمُزدلفة، وجَمَع بين المغرب والعشاء ليلتئذٍ، ثم أصْبَحَ فصلَّى الفجرَ في أوَّل وقتها. ثم سارَ قبلَ طُلُوع الشمسِ إلى مِنى، فرمى جمْرة العَقَبَة، ونَحَر، وحَلَقَ. ثم أفاضَ فطاف بالبيت طوافَ الفرض وهو طواف الزيارة.
واختُلف أين صلَّى الظهر يومئذٍ، وقد أشكل ذلك على كثيرٍ من الحفَّاظ. ثم حلَّ من كلّ شيءٍ حرُم منه ﷺ. وخطبَ ثاني يوم النَّحر خُطبة عظيمة أيضًا، ووصَّى وحذَّر وأنذر وأشهدهم على أنفُسِهم أنه بلَّغ الرسالة. فنحن نشهدُ أنه بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونَصَحَ الأُمة ﷺ تسليمًا كثيرًا دائمًا إلى يوم الدين. ثم أقبلَ ﷺ منصرفًا إلى المدينة، وقد أكملَ الله له دينَه».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ قوله: "ثم خرج ﷺ إلى منى فبات بها .. إلى آخره": هذا ملخّص ما ورد في حديث جابر بن عبد الله في صفة حجه ﷺ (^١).
٢ ــ وقوله: "وشهد خطبة عرفة من أصحابه نحو من أربعين ألفًا": قلت: لم أقف على هذا العدد في المصادر المتقدمة، وقد كرر نحوه في تاريخه (^٢). وقال العلامة الحلبي: " كان معه جموعٌ لا يعلمها إلا الله تعالى، قيل كانوا أربعين ألفًا، وقيل كانوا سبعين ألفًا، وقيل كانوا تسعين ألفًا، وقيل كانوا مائة ألف وأربعة عشر ألفًا، وقيل وعشرين ألفًا، وقيل كانوا أكثر من ذلك" (^٣). والله أعلم.
٣ ــ وفي خطبة يوم عرف لخّص عليه الصلاة السلام تعاليم الإسلام ونظامه
_________________
(١) صحيح مسلم «١٢١٨».
(٢) البداية والنهاية ٧/ ٤٧٩.
(٣) السيرة الحلبية ٣/ ٣٦١.
[ ٣١٥ ]
في كلمات جامعة، فأكد على حُرمة التعدي على الدماء والأموال، وأبطل ثارات الجاهلية، ووضع الربا الذي كان منتشرًا بينهم، وأوصى بالنساء خيرًا، وأوصى بلزوم كتاب الله والعمل بسنة نبيه ﷺ.
٤ ــ وقوله: "واختُلف أين صلَّى الظهر يوم النحر، وقد أشكل ذلك على كثيرٍ من الحفَّاظ": قلت: سبب الإشكال أنه قد تعارض في ذلك حديثان صحيحان صريحان، أحدهما يقول إنه ﷺ صلّى الظهر يومها بمنى. والآخر يقول صلَّى الظهر بمكة. وقد أبدى المصنف في تاريخه احتمال أن يكون ﵊ صلَّى الظهر بمكة، ثم رجع إلى منى فوجد الناس ينتظرونه، فصلّى بهم، والله أعلم (^١).
٥ - وقد تضمنت حجته ﷺ أحكامًا فقهية كثيرة وعظيمة متعلقة بالحجّ لا مجال للخوض فيها، ومحلُّها كتب الفقه وشروح الأحاديث.
* * *
_________________
(١) البداية والنهاية ٧/ ٦٢٢.
[ ٣١٦ ]