فصل
في وفاته ﷺ
بدء وجعه ﷺ وتمريضه في بيت عائشة:
قال المصنف: «فأقامَ بها (^١) بقيَّة ذِي الحِجَّة والمحرَّم وصَفَر، ثم ابتدأَ به ﷺ وجَعُهُ في بيت مَيمونة يوم خميسٍ، وكان وَجَعًا في رأسهِ الكريم، وكثيرًا ما كان يعتريه الصُّداعُ ﵊، فجَعَلَ مع هذا يدورُ على نسائهِ حتى شَقَّ عليهِ، فاستأذنهنَّ أن يمرَّض في بيت عائشة ﵂، فأَذِنَّ له، فمكثَ وَجِعًا اثني عشر يومًا. وقيل: أربعة عشر يومًا. والصّدّيقُ ﵁ يصلّي بالناسِ بنصّه ﷺ عليه، واستثنائه له من جيشِ أُسامة الذي كان قد جهَّزه ﷺ إلى الشام؛ لغزو الروم. فلما حصل الوَجَعُ، تربصوا لينظروا ما يكون من أمرِه ﷺ، وقد صلَّى ﵊ خَلْفَ الصّدّيق جالسًا».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ الموت هو حكم الله في خلقه ونهاية كل حيّ، والنبي ﷺ هو كغيره من خلق الله ليس بمخلّد، والله ﷿ خاطبه بقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُون﴾ [الزمر: ٣٠].
_________________
(١) المدينة المنورة.
[ ٣١٧ ]
٢ ــ وابتداء مرضه ﷺ في بيت زوجه ميمونة هو القول المعتمد كما قال ابن حجر (^١).
ويدلّ عليه حديث عائشة ﵂ قالت: "أول ما اشتكى رسولُ الله ﷺ في بيت ميمونة" (^٢).
٣ ــ وكان من أسباب مرضه ﷺ: أثرُ الشاة المسمُومة التي قدَّمتها له المرأة اليهودية في غزوة خيبر، فإن ذاك السمّ لم يقتله وقتها، لكنه بقي أثره معه حتى كان من أسباب وفاته، كما في صحيح البخاري، عن عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ يقول في مرضه الذي مات فيه: «يا عائشة ما أزال أجدُ ألم الطعام الذي أكلتُ بخيبر، فهذا أوان وجدتُ انقطاع أبهَري (^٣) من ذلك السُّم» (^٤). وبهذا جمع الله لنبيه بين درجة النبوة ودرجة الشهادة وأكرمه بذلك.
٤ ــ وقوله: "وكان وَجَعًا في رأسه ﷺ": قلت: دلّ عليه ما ثبت عن عائشة ﵂ قالت: «دخل عليَّ رسولُ الله ﷺ في اليوم الذي بُدئ فيه، فقلت، وارأساه، قال: بل أنا وارأساه ..» (^٥).
٥ - وقوله: "وكثيرًا ما كان يعتريه الصُّداع ﷺ": قلت: ربما دلَّ عليه
_________________
(١) فتح الباري ٨/ ١٢٩.
(٢) صحيح مسلم «٤١٨».
(٣) عِرْق مرتبط بالقلب.
(٤) صحيح البخاري «٤٤٢٨».
(٥) أخرجه أحمد في المسند «٢٥١١٣»، وقال شعيب الأرناؤوط: إسناده صحيح على شرط الشيخين.
[ ٣١٨ ]
حديث ابن عباس: أن رسول الله ﷺ «احتجم وهو محرم في رأسه، من شقيقةٍ كانت به» (^١).
٦ ــ ودورانه ﷺ على أزواجه في مرض موته واستئذانه منهنَّ أن يمرَّض في بيت عائشة ثابت في الصحيحين من حديثين لعائشة ﵂ (^٢).
٧ ــ وقوله: "فمكثَ وَجِعًا اثني عشر يومًا .. ": قال الحافظ ابن حجر: "اختلف في مدة مرضه فالأكثر على أنها ثلاثة عشر يومًا، وقيل بزيادة يوم، وقيل بنقصه" (^٣).
٨ ــ وقوله: "والصّدّيق يصلّي بالناس بنصّه ﷺ عليه": هذا يدلّ عليه ما ثبت في الصحيحين من حديث عائشة ﵂ قالت: لما مرض رسولُ الله ﷺ مرضه الذي مات فيه، فحضرت الصلاة، فأُذّن، فقال: «مروا أبا بكر فليصل بالناس .. الحديث» (^٤).
٩ ــ وقوله: "وقد صلَّى ﷺ خَلْفَ الصّدّيق جالسًا": قلت: في هذا نظر، لأن الثابت في حديث عائشة أنها قالت: "فلمّا دخل ــ أبو بكر ــ في الصلاة وجد رسولُ الله ﷺ من نفسه خفَّة فقام يُهادى بين رجلين، قالت: فلما دخل المسجد سمع أبو بكر حسه، ذهب يتأخر، فأومأ إليه رسول الله ﷺ قم مكانك، فجاء رسول الله ﷺ حتى جلس عن يسار أبي بكر، قالت: فكان رسول الله ﷺ يصلّي
_________________
(١) صحيح البخاري «٥٧٠١».
(٢) صحيح البخاري «١٣٨٩، ٢٥٨٨»، صحيح مسلم «٤١٨، ٢٤٤٣».
(٣) فتح الباري ٨/ ١٢٩.
(٤) صحيح البخاري «٦٦٤»، صحيح مسلم «٤١٨».
[ ٣١٩ ]
بالناس جالسًا، وأبو بكر قائمًا، يقتدي أبو بكر بصلاة النبي ﷺ ويقتدي الناس بصلاة أبي بكر" (^١). فهذه الرواية صريحة في أن الإمام كان النبي ﷺ وليس أبا بكر.
١٠ ــ وفي استخلافه ﷺ أبا بكر الصّدّيق ليصلّي بالناس في مرض موته دليل على فضل أبي بكر، وأنه أولى الناس بالخلافة بعد النبي ﷺ، كما قال علي بن أبي طالب ﵁: "رضيه لديننا فرضيناه لدنيانا" (^٢).
تاريخ وقت وفاته ﷺ:
قال المصنف: «وقُبِضَ ﷺ ضُحى، يوم الاثنين من ربيع الأول، فالمشهور أنه الثاني عشر منه، وقيل: مستهله. وقيل: ثانيه. وقيل غير ذلك. وكان عمُرُه يوم مات ﷺ ثلاثًا وستين سنة على الصحيح.
فاشتدَّت الرَّزية بموته ﷺ، وعظُم الخطبُ وجلَّ الأمر، وأُصيب المسلمون بنبيّهم، وأَنكر عمرُ بنُ الخطاب ﵁ ذلك، وقال: إنه لم يمت، وإنه سيعودُ كما عَادَ موسى لقومه. وماجَ الناسُ، وجاء الصّدّيقُ المؤيّد المنصور ﵁ أولًا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا، فأقام الأَوَدَ (^٣)، وصَدَع بالحقّ، وخَطَبَ الناسَ وتلا عليهم: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤]، فكأنَّ الناسَ لم يسمعوها قبْل ذلك، فما مِنْ أحدٍ إلَّا يتلوها».
_________________
(١) صحيح مسلم «٤١٨».
(٢) قال السفاريني في لوامع الأنوار ٢/ ٣١٣: أخرجه الحاكم بإسناد جيد.
(٣) أصلح الأمر.
[ ٣٢٠ ]
الكلام عليه من وجوه:
١ - أجمع العلماء على أن وفاته ﷺ كانت يوم الاثنين من شهر ربيع الأول (^١)، لكن اختلف في تحديد اليوم؟ والمشهور كما ذكر المصنف أنه في الثاني عشر، وهو قول جمهور العلماء (^٢).
٢ ــ وقوله: "وكان عمُرُه يوم مات ثلاثًا وستين سنة على الصحيح"، قلت: وهو قول جمهور العلماء. قال الحافظ ابن حجر: "كل من روي عنه من الصحابة ما يخالف المشهور وهو ثلاث وستون جاء عنه المشهور" (^٣).
٣ ــ وقصة إنكار عمر بن الخطاب موته ﷺ وبيان الصّدّيق للحق مشهورة وهي مخرجة في الصحيح (^٤).
٤ ــ وفي موقف أبي بكر عند وفاته ﷺ دليل على ثباته ورباطة جأشه عند الشدائد وعميق علمه وفقهه في الدين ﵁.
بيعة الصحابة لأبي بكر الصديق ﵁:
قال المصنف: «ثم ذهبَ المسلمونَ به (^٥) إلى سَقِيفة بني سَاعِدَة وقد اجتمعوا على إِمرة سعدِ بنِ عُبادة، فصدَّهم عن ذلك وردَّهم، وأشار عليهم بعمرَ بنِ الخطاب أو بأَبي عُبيدة بن الجرَّاحِ، فأبيا ذلك والمسلمونَ، وأبى الله ذلك أيضًا، فبايعه
_________________
(١) حكى إجماعهم الحافظ في فتح الباري ٧/ ١٦٤.
(٢) المصدر السابق ٨/ ١٢٩.
(٣) فتح الباري ٨/ ١٥١.
(٤) صحيح البخاري «٤٤٥٤».
(٥) يعني أبا بكر الصديق.
[ ٣٢١ ]
المسلمونَ ﵃ هناك، ثم جاء فبايعه الناسُ البيعة العامة على المِنبر».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ مشاورة الصحابة في سقيفة بني ساعدة ومبايعتهم لأبي بكر الصّديق مخرجة بطولها في الصحيح من حديث عائشة ﵂ (^١).
تجهيزه والصلاة عليه ودفنه ﷺ:
قال المصنف: «ثم شرعوا في جَهَاز رسُولِ الله ﷺ، فغسَّلوه في قميصه، وكان الذي تولَّى ذلك عمُّه العبَّاس، وابنه قُثَم، وعليُّ بن أبي طالب، وأُسامة بن زيد، وشُقْران ــ مولياه ــ يصبَّان الماء، وساعد في ذلك أوْس بن خَوْلي الأنصاري البدريّ، ﵃ أجمعين.
وكفَّنوه في ثلاثةِ أثوابٍ قُطْنٍ سَحُوليَّة (^٢) بيضٌ ليس فيها قَميص، وصلَّوا عليه أفرادًا واحدًا واحدًا، لحديث جاء في ذلك رواه البزار ــ والله أعلم بصحته ــ أنه ﷺ أمرهم بذلك.
ودُفِن ﷺ يوم الثلاثاء، وقيل: ليلة الأربعاء سَحَرًا، في الموضع الذي توفي فيه من حجرة عائشة، لحديث رواه الترمذي عن أبي بكر ﵁، وهذا هو المتواتر تواترًا ضروريًا معلومًا من الدَّفن الذي هو اليوم داخل مسجدِ المدينة».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ تغسيله ﷺ في قميصه مخرج عند أبي داود بإسناد حسن عن عائشة ﵁
_________________
(١) صحيح البخاري «٣٦٦٧، ٣٦٦٨».
(٢) سحولية: نسبة إلى سحول مدينة باليمن تجلب منها هذه الثياب.
[ ٣٢٢ ]
أنها قالت: "لما أرادوا غسل النبي -ﷺ- قالوا: والله ما ندري أنجرّد رسول الله -ﷺ- من ثيابه كما نجرّد موتانا أم نغسله وعليه ثيابه؟ فلما اختلفوا ألقى الله ﷿ عليهم النوم حتى ما منهم رجل إلا وذقنه في صدره، ثم كلّمهم مكلّم من ناحية البيت لا يدرون من هو: أن اغسلوا النبي -ﷺ- وعليه ثيابه، فقاموا إلى رسول الله -ﷺ- فغسلوه وعليه قميصه يصبّون الماء فوق القميص، ويدلكونه بالقميص دون أيديهم، وكانت عائشة تقول: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسله إلا نساؤه" (^١).
٢ ـــ وتغسيل العباس ومن معه للنبي ﷺ مخرج في المسند من حديث ابن عباس ﵄ (^٢). لكن ورد في المسند إضافة الفضل بن العباس ﵄.
٣ ــ وتكفينه ﷺ في ثلاثة أثواب بيض سحولية من قطن ليس فيها قميص ولا عمامة مخرج في الصحيحين من حديث عائشة ﵂ (^٣).
٤ ــ وفي الحادثة دلالة على فضل هؤلاء الصحابة الذين شرفهم الله بغسل نبيه ﷺ وتكفينه.
٥ ــ وقوله: "صلُّوا عليه أفرادًا واحدًا واحدًا، لحديث جاء في ذلك رواه البزار، الله أعلم بصحته"، قلت: حديث البزار يدل على أن ذلك كان بأمره ﷺ ولفظه: «ثم ادخلوا عليَّ فوجًا فوجًا فصلُّوا عليَّ». لكن الحديث ضعيف، قال عنه ابن حجر: "سنده ضعيف" (^٤).
_________________
(١) سنن أبي داود «٣١٤١»، وحسنه الألباني وشعيب الأرناؤوط.
(٢) مسند أحمد «٢٣٥٧»، وقال شعيب الأرناؤوط: حسن لغيره.
(٣) صحيح البخاري «١٢٦٤»، صحيح مسلم «٩٤١».
(٤) مسند البزار «٢٠٢٨»، فتح الباري ٥/ ٣٦٣.
[ ٣٢٣ ]
لكن صلاتهم عليه ﷺ فُرادى لم يؤمَّهم أحدٌ عليه أمرٌ مُجمع عليه لا خلاف فيه كما قال ابن عبد البر في التمهيد والمصنف في تاريخه (^١).
وقال الإمام النووي: "والصحيح الذي عليه الجمهور أنهم صلُّوا عليه فُرادى، فكان يدخل فوج يصلّون فرادى ثم يخرجون ثم يدخل فوج آخر فيصلّون كذلك ثم دخلت النساء بعد الرجال ثم الصبيان" (^٢).
٦ ــ وقد اختلف في تعليل صلاة الصحابة عليه فُرادى، فنقل المصنف في الأصل عن الشافعي أنه قال: "إنما صلُّوا عليه مرة بعد مرة أفذاذًا لعِظَم قَدره، ولمنافستهم أن يؤمَّهم عليه أحدٌ" (^٣)، وقيل: حتى تكثر الصلاة عليه وتتكرر، وقيل: إنه أمر تعبدي، والله تعالى أعلم بحقيقة الحال.
٧ ــ ثم إن الصحيح الذي عليه الجمهور أن الصحابة صلّوا عليه صلاة حقيقية صلاة الجنازة وليس مجرد دعاء كما زعم بعضهم (^٤).
٨ ــ وقوله: "ودفن ﷺ يوم الثلاثاء، وقيل الأربعاء سحرًا": قلت: دفنه ﷺ ليلة الأربعاء هو المشهور عن الجمهور كما قال المصنف في تاريخه (^٥).
ويؤيده حديث عائشة، قالت: "توفي النبي ﷺ يوم الاثنين، ودفن ليلة الأربعاء" (^٦).
_________________
(١) التمهيد ٢٤/ ٣٩٧، البداية والنهاية ٨/ ١٣٤.
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم ٧/ ٣٦.
(٣) الفصول ص ٢٠٤.
(٤) سبل الهدى والرشاد ١٢/ ٣٣٢.
(٥) البداية والنهاية ٨/ ١٥٢.
(٦) رواه أحمد في المسند «٢٤٧٩٠»، وقال شعيب الأرناؤوط: "حديث محتمل للتحسين".
[ ٣٢٤ ]
٩ ــ وقوله: "ودفن في الموضع الذي توفي فيه من حجرة عائشة، لحديث رواه الترمذي عن أبي بكر ﵁" قلت: لفظ الحديث: عن عائشة ﵂: قالت: "لما قُبض رسولُ الله ﷺ اختلفوا في دفنه، فقال أبو بكر: سمعتُ من رسول الله ﷺ شيئًا ما نسيته قال: «ما قَبَض الله نبيًا إلا في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه»، فدفنوه في موضع فراشه" (^١).
١٠ ــ ولا ريب أن مصاب المسلمين بفقد نبيهم ﷺ لا يعدله مصاب في الدنيا، وقد ورد عنه ﷺ أنه قال: «إذا أصاب أحدكم مصيبة، فليذكر مصابه بي، فإنها من أعظم المصائب» (^٢).
قال العلامة المناوي: "وإنما كان ــ موته ﷺ ــ أعظم المصائب لانقطاع الوحي، وظهور الشرّ بارتداد العرب، وتحزب المنافقين، وكان موته أول نقصان الخير" (^٣).
والحمد لله الذي حفظ كتابه، ووفق علماء الأمة لحفظ سيرة نبيه ﷺ، والحمد لله أولًا وآخرًا.
تم الكتاب بحمد الله
_________________
(١) سنن الترمذي «١٠١٨»، وقال الألباني في أحكام الجنائز ص ١٣٧: "حديث ثابت بما له من الطرق والشواهد".
(٢) أخرجه الدارمي في سننه «٨٦»، وصححه الألباني في صحيح الجامع «٣٤٧».
(٣) فيض القدير ١/ ٢٨٦.
[ ٣٢٥ ]