قال المصنف: «ولمَّا كان ذو القعدة من السنة السادسة خرجَ رسُولُ الله ﷺ معتمرًا في ألفٍ، قيل: وخمسمائة، وقيل: وأربعمائة، وقيل: وثلاثمائة، وأما من زعم أنه خرجَ في سبعمائة فقد غلط.
فلما علِم المشركونَ بذلك جمعوا أحابيشهم وخرجوا من مكة صادّين له عن الاعتمار هذا العام، وقدَّموا على خيل لهم خالدَ بنَ الوليد إلى كُرَاع الغَمِيم (^١).
وخالفه ﷺ في الطريقِ فانتهى ﷺ إلى الحُدَيبِيَة، وتراسلَ هو والمشركونَ حتى جاء سُهيلُ بنُ عمرو فصالحه على: أن يرجعَ عنهم عامهم هذا، وأن يعتمرَ من العام المقبل، فأجابه ﷺ إلى ما سأل؛ لِمَا جعلَ الله ﷿ في ذلك من المصلحةِ والبركةِ. وكره ذلك جماعةٌ من الصحابةِ ﵃، منهم: عمرُ بنُ الخطاب ﵁، وراجع أبا بكر الصّدّيق في ذلك، ثم راجعَ النبي ﷺ، فكان جوابُه ﷺ كما أجابه الصّدّيق ﵁، وهو أنه عبدُ الله ورسُولُه وليس يعصيه، وهو ناصره، وقد استقصى البخاري هذا الحديث في صحيحه».
_________________
(١) كراع الغميم: تبعد عن مكة (٦٤) كيلًا على طريق المدينة.
[ ٢٣٣ ]
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ الحُديبية: قرية قرب مكة المكرمة، على بعد (٢٢) كيلًا غربها، وتعرف الآن بالشميسي، وسمّيت الحادثة بالحديبية، لأن قريشًا منعت المسلمين من دخول مكة وهم بها.
٢ ــ وقد درج كثير من كتاب السيرة على تسمية هذه الحادثة بغزوة الحديبية، وكذا وقع في بعض كلام السلف.
وفي هذه التسمية عندي نظرٌ، لأن النبي ﷺ لم يخرج غازيًا ولا محاربًا، وإنما خرج زائرًا لبيت الله معظمًا له مُحْرمًا بالعمرة.
لذلك كان الأولى تسميتها بعمرة الحديبية، أو صُلح الحديبية، ولم أر من سبقني إلى مثل هذا التنبيه، فالله أعلم.
٣ ــ وقد كان مقصد النبي ﷺ بخروجه هو زيارة البيت الحرام وأداء العمرة، هكذا ورد في الأحاديث الصحيحة (^١)، وأخطأ من قال من كتاب السيرة أنه خرج قاصدًا الحج (^٢).
٤ ــ والحادثة كما أشار المصنف مخرجة في صحيح البخاري بلفظ مطول، وكذا أخرج مسلم حوادث مفرقة منها (^٣).
٥ ــ وقول المصنف: "وأما من زعم أنه إنما خرج في سبعمائة فقد غلط"،
_________________
(١) انظر على سبيل المثال صحيح البخاري «١٦٩٤، ١٧٧٨»، صحيح مسلم «١٢٥٣».
(٢) مثل محمد حسين هيكل في حياة محمد ص ٢٣١، ومحمد أبو زهرة في خاتم النبيين ٢/ ٧٤٣.
(٣) صحيح البخاري «٢٧٣١»، صحيح مسلم «١٢٥٣، ١٧٨٣، ١٧٨٥».
[ ٢٣٤ ]
فالمصنف يقصد بهذا ابن إسحاق ﵀.
قال ابن حجر: "وأما قول ابن إسحاق إنهم كانوا سبعمائة فلم يوافق عليه، لأنه قاله استنباطًا" (^١).
قلت: لم أر ابن إسحاق صرّح بالسبعمائة من عند نفسه، وإنما روى هذا عن الزهري عن عروة عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم: أنهم كانوا سبعمائة رجل (^٢).
وقد حمله الحافظ العراقي على مبدأ خروجهم من المدينة قبل أن يلحق بهم من لحقهم من غيرها (^٣).
شروط الصلح:
قال المصنف: «فقاضاه سُهيلُ بنُ عمرو على أن يرجعَ عنهم عامَه هذا، وأن يعتمرَ مِنْ العام المقبل، على أن لا يدخلَ مكة ألا في جُلْبّان السلاح (^٤).
وأن لا يُقيم عندهم أكثر من ثلاثة أيامٍ. وعلى أن يأمنَ الناسُ بينهم وبينه عشر سنين.
وعلى أنه من شاء دخل في عَقْد رسُولِ الله ﷺ، ومن شاء دخل في عَقْد قريشٍ.
_________________
(١) فتح الباري ٧/ ٤٤١.
(٢) سيرة ابن هشام ٢/ ٣٠٩.
(٣) طرح التثريب ٧/ ٢٠٨.
(٤) السيوف في قرابها.
[ ٢٣٥ ]
وعلى أنه لا يأتيه أحدٌ منهم وإن كان مسلمًا إلا ردّه إليهم، وإن ذهب أحدٌ من المسلمين إليهم لا يردُّونه إليه.
فأقرّ الله سبحانه ذلك كلَّه إلَّا ما استثنى من المهاجراتِ المؤمناتِ من النساء؛ فإنه نهاهم عن ردهنّ إلى الكفار، وحرمهنّ على الكفار يومئذ».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ ما ذكره المصنف أن مدة الهدنة بين المسلمين وقريش كانت عشر سنين ذكره ابن إسحاق في السيرة، قال ابن حجر: "وهو المعتمد" (^١).
٢ ــ وقد استدل بهذه الحادثة على جواز عقد الهُدنة بين المسلمين وأهل الحرب من أعدائهم إلى مدة معلومة، إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين.
والجمهور على أنها لا تجوز أكثر من عشر سنين، بناء على ما تم في صلح الحديبية، قال ابن حجر: "وهو الراجح" (^٢).
٣ ــ كما دلت الحادثة على أن للإمام التنازل عن بعض الحقوق والمصالح الصغيرة رجاء تحقيق مصالح ومنافع أكبر منها وأعظم.
٤ ــ وقد كان النبي ﷺ حريصًا على إتمام هذا الصلح، لأنه كان حريصًا على إنهاء حالة الحرب التي تنافي الهدوء والاستقرار الذي يمكن أن تنتشر فيه الدعوة.
٥ ــ وقد كان لهذا الصلح فوائد عدة للمسلمين منها:
أولًا: أن فيه اعترافًا من قريش لأول مرة بالمسلمين، وأن لهم شرعية وكيانًا
_________________
(١) سيرة ابن هشام ٢/ ٣١٧، فتح الباري ٥/ ٣٤٣.
(٢) المصدر السابق ٥/ ٣٤٣.
[ ٢٣٦ ]
مستقلًا تبرم معه العهود والمواثيق.
ثانيًا: أن هذا الصلح أتاح للنبي ﷺ التفرغ للدعوة إلى الله ومراسلة الملوك والزعماء ودعوتهم إلى الإسلام مما لم يكن متاحًا قبل الصلح.
ثالثًا: أن هذا الصلح أتاح للنبي ﷺ دعوة القبائل التي كانت تخشى قريشًا فأصبحوا يقبلون على الإسلام دون خوف أو وجل.
وقد ذكر أهل السير أن الذين أسلموا في مدة صلح الحديبية وهي سنتان فقط كانوا أكثر من الذين أسلموا قبل ذلك في (١٦) عامًا من عمرة الدعوة، وكل هذا كان من بركات صلح الحديبية (^١).
٦ ــ وقد أسلم في زمن صلح الحديبية بعض كبار الصحابة، كخالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة صاحب مفاتيح الكعبة (^٢).
٧ ــ وفي مكاتبة النبي ﷺ للملوك والأمراء خارج الجزيرة العربية وداخلها دليل على عالمية الإسلام، وأن رسالته لا تقتصر على أناس بعينهم أو بلد بعينه، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٥٨].
٨ ــ كما دلت حادثة صلح الحديبة على أن الخِيَرة فيما يختاره الله لعباده المؤمنين، وإن كرهوه في الظاهر، كما قال تعالى: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩] (^٣).
_________________
(١) ينظر سيرة ابن هشام ٢/ ٣٢٢.
(٢) دلائل النبوة للبيهقي ٤/ ٣٤٦.
(٣) دراسات في السيرة النبوية ص ١١٥.
[ ٢٣٧ ]
بيعة الرضوان:
قال المصنف: «وقد كان ﷺ قبلَ وقوعِ هذا الصُّلْح بَعَثَ عثمان بنَ عفان ﵁ إلى أهلِ مكة يُعْلِمُهم أنه لم يجيء لقتالِ أحدٍ، وإنما جاء معتمرًا، فكان من سيادة عثمان ﵁ أنه عرض عليه المشركون الطَّواف بالبيتِ، فأبى عليهم وقال: لا أطوف بها قبل رسُولِ الله ﷺ. ولم يرجع عثمانُ ﵁ حتى بلغه ﷺ أنه قد قُتِل عثمان، فَحَمِي لذلك رسُولُ الله ﷺ، ثم دعا أصحابَه إلى البيعةِ على القتال، فبايعوه تحت شجرةٍ هناك. ووضعَ ﷺ إحدى يديه عن نفسهِ الكريمةِ ثم قال: «وهذه عن عثمان» ﵁، فكان ذلك أجلَّ من شُهوده تلك البيعة. وأنزل الله ﷿ في ذلك: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨]، وقال ﷺ: «لا يدخل أحدٌ ممن بايعَ تحتَ الشجرةِ النارَ» (^١)، فهذه هي بيعة الرضوان».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ هذه الحادثة تسمّى ببيعة الرضوان، لأن الله ﵎ أخبر بأنه قد رضي عن أصحابها في قوله: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨]، وسببها كما أشار المصنف من إشاعة قتل قريشٍ لعثمان بن عفان ﵁.
٢ ــ وقد اختلف في الشيء الذي بايع الصحابةُ عليه النبيَّ ﷺ يومها، فذكر المصنف أنهم بايعوه على القتال، ولم أقف على هذه الرواية، إلا أنها صحيحة من حيث المعني، لأن الرواية في الصحيح أنهم بايعوه على الموت، وفي رواية: على أن ألا يفروا، وفي رواية على الصبر، وكلها روايات صحيحة، ولا تعارض بينهما،
_________________
(١) صحيح مسلم «٢٤٩٦».
[ ٢٣٨ ]
لأن البيعة على الموت تعني الثبات وعدم الفرار، وتعني الصبر عند اللقاء، وتعني القتال (^١).
٣ ــ والحادثة فيها فضيلة ظاهرة لأهل الحديبية، وهم أهل بيعة الرضوان.
٤ ــ وفيها فضيلة خاصة لعثمان بن عفان ﵁ حيث بايع النبي ﷺ عنه في غيبته وقال: بيده اليمنى: «هذه يد عثمان»، فضرب بها على يده، فقال: «هذه لعثمان» (^٢).
تحلل النبي ﷺ ورجوعه إلى المدينة:
قال المصنف: «ولمَّا فَرَغَ النبيُّ ﷺ من مُقاضاةِ المشركينَ شَرعَ في التحلُّل مِنْ عمرتِه وأَمَرَ الناسَ بذلك، فشقَّ عليهم وتوقفوا، رجاء نسخه، فغضبَ النبيُّ ﷺ مِنْ ذلك، فدخل على أمّ سَلَمَة، فقال لها ذلك، فقالت: اخرج أنتَ يا رسُولَ الله فاذبحْ هديَك واحلق رأسَك، والناسُ يَتْبَعُونك يا رسُولَ الله، فخرجَ ففعل ذلك.
فبادرَ الناسُ إلى موافقته، فحلقوا كلُّهم، إلَّا عثمان بن عفان وأبا قتادة الحارث بن ربعي، فإنهما قصّرًا، ذكره السهيلي في الروض الأنف (^٣).
وكادَ بعضُهم يقتلُ بعضًا غمًا، لأنهم يرون المشركينَ قد ألزموهم بشروطٍ كما أحبُّوا، وأجابهم ﷺ إليها، وهذا من فَرْطِ شجاعتِهم ﵃ وحرصهم على نصرِ الإسلام.
ولكنَّ الله ﷿ أعلمُ بحقائقِ الأمورِ ومصالحِها منهم. ولهذا لمَّا انصرفَ ﷺ
_________________
(١) فتح الباري ٦/ ١١٨.
(٢) صحيح البخاري «٣٦٩٨».
(٣) الروض الأنف ٦/ ٤٩٢.
[ ٢٣٩ ]
راجعًا إلى المدينة أنزلَ الله ﷿ عليه سورةَ الفتح بكمالها في ذلك».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ في الحادثة دليل على أن من أحرم للحج أو العمرة ثم عرض له مانع من أدائها من عدو أو مرض ونحوه فإنه يتحلَّل منها ولا يلزمه قضاء، واختلف في وجوب ذبح الهدي عليه (^١).
٢ ــ وإنما تأخر الصحابة في امتثال أمره ﷺ بالتحلل لأنهم كانوا يرجون نزول وحي يغيّر الموقف وينسخ الأمر.
فلما رأوا رسول الله ﷺ أخذ في التحلُّل بادروا إلى ذلك، وقد دخلهم من الهم والغم أمر عظيم، لأنهم كانوا يرون أن شروط قريش فيها إجحاف بالمسلمين، كما أن النبي ﷺ كان قد أخبرهم قبل بأنهم سيدخلون المسجد الحرام ويطوفون بالبيت، فلما صُدُّوا عنه ووقع الصلح أشكل عليهم، فبين لهم النبي ﷺ بأنه لم يخبرهم أنهم سيدخلونه عامهم هذا.
٣ ــ ونسْبَة المصنف إلى السهيلي التقصير وعدم الحلق لعثمان بن عفان وأبي قتادة نسَبَه الحافظ في الفتح أيضًا إلى أبي داود (^٢)، ولم أقف عليه عند أبي داود، فالله أعلم.
٤ ــ كما أن في الحادثة فضل أم سَلَمَة زوج النبي ﷺ وحصافة رأيها.
* * *
_________________
(١) سبل السلام ١/ ٦٥٩.
(٢) فتح الباري ٣/ ٥٦٣.
[ ٢٤٠ ]