فصل
عُمْرة القَضَاءِ
قال المصنف: «ولمَّا رَجَعَ ﷺ إلى المدينةِ أقامَ بها إلى شهرِ ذي القعدةِ، فخرجَ فيه معتمرًا عُمرة القضاءِ التي قاضى قريشًا عليها. ومنهم من يجعلُها قضاءً عن عُمرة الحُديبية حيث صُدّ، ومنهم من يقول عُمرة القصاصِ، والكلُّ صحيح. فسارَ حتى بلغَ مكة فاعتمرَ وطافَ بالبيت، وتحلّلَ من عُمرته».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ عمرة القضاء ذكرها ابن إسحاق وموسى بن عقبة بسند حسنه ابن حجر عن ابن عمر (^١).
٢ ــ وكانت هذه العمرة في شهر ذي القعدة من السنة السابعة من الهجرة في قول عامة أهل السير.
٣ ــ وسمّيت بعمرة القضاء على القول الراجح لأنها كانت مقاضاة حسبما اتُفق عليه في صلح الحديبية بين النبي ﷺ وقريش أن يرجع من عامه ذاك ويعتمر في العام المقبل.
_________________
(١) فتح الباري ٧/ ٥٠٠.
[ ٢٥١ ]
ولذلك يقال لها أيضًا عمرة القضيّة وعمرة الصلح.
قال العلامة السهيلي: "سمّيت عمرة القضاء لأن النبي ﷺ قاضى قريشًا عليها، لا لأنه قضى العمرة التي صُدّ عن البيت فيها، فإنها لم تك فسدت بصدّهم عن البيت، بل كانت عمرة تامة" (^١).
٤ - ومما يؤكد أنها كانت عمرة جديدة ولم تكن قضاء لعمرة الحديبية أن الذين صُدّوا عن البيت كانوا ألفًا وأربعمائة، وهؤلاء كلّهم لم يكونوا معه في عمرة القضية، ولو كانت قضاء لم يتخلّف منهم أحد (^٢).
زواجه ﷺ بميمونة بنت الحارث:
قال المصنف: «وتزوّج بعد إحلالِه بميمونة بنتِ الحارثِ أمّ المؤمنين، وتمت الثلاثة أيام، فبعثَ إليه المشركون عليًا ﵁ يقولون له: اخرجْ من بلدنا. فقال: «وما عليهم لو بنيتُ بميمونة عندهم؟»، فأبو عليه ذلك. وقد كانوا خرجوا من مكة حين قدمها ﷺ عداوة وبغضًا له. فخرج ﵊ فبنى بميمونة بسَرِفٍ ورجعَ إلى المدينةِ مؤيدًا منصورًا».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ بقاءُ النبي ﷺ بمكة بعد العمرة ثلاثة أيام كان بحسب اتفاقه مع قريش في صُلح الحديبية (^٣).
_________________
(١) الروض الأنف ٧/ ٢٥.
(٢) زاد المعاد ٢/ ٨٦.
(٣) صحيح البخاري «٤٢٥١».
[ ٢٥٢ ]
٢ ــ وبعث المشركين عليًا كي يُعلم النبي ﷺ بالخروج من مكة مخرج في البخاري (^١).
٣ ــ وقد اختلفت الروايات في زواجه ﷺ بميمونة بنت الحارث هل كان حلالًا وقتها أم كان مُحرمًا، والصحيح أنه كان حلالًا.
وذهب ابن عباس إلى أنه كان حرامًا، قال ابن القيم: "ووهم ﵁، فإن السفير بينهما بالنكاح أعلم الخلق بالقصة، وهو أبو رافع، وقد أخبر أنه تزوجها حلالًا، وقال: كنت أنا السفير بينهما. وابن عباس إذ ذاك له نحو العشر سنين أو فوقها، وكان غائبًا عن القصة لم يحضرها، وأبو رافع رجلٌ بالغٌ، وعلى يده دارت القصة وهو أعلمُ بها، ولا يخفى أن مثل هذا الترجيح موجب للتقديم" (^٢).
٤ ــ وفي هذه العمرة تحدَّثت قريش فيما بينها بأن محمدًا وأصحابه قد أضعفتهم حُمى يثرب، فأمر النبي ﷺ أصحابه أن يرملوا الأشواط الثلاثة حتى يريهم منه قوة وجلدًا، وقد كرر فعله هذا في عمرة الجعرانة وفي حجة الوداع فصارت سنة للأبد (^٣).
_________________
(١) صحيح البخاري «٤٢٥١».
(٢) زاد المعاد ١/ ١٠٩.
(٣) المنتقى للباجي ٢/ ٢٨٤.
[ ٢٥٣ ]