فصل
غزوة الطائِف
قال المصنف: «ورَجَعَ ﷺ من حُنينٍ فلم يدخل مكة حتى أتى الطائفَ فحاصَرهم. وفي الصحيح عن أنس بن مالك ﵁ قال: «فحاصرناهم أربعين يومًا» (^١)، يعني ثقيفًا، فاستعصوا وتَمَنَّعوا، وقتلوا جماعةً من المسلمين بالنَّبْلِ وغيرِه.
وقد خرَّب ﷺ كثيرًا من أموالهم الظاهِرَة وقطع أعنَابَهم، ولم يَنَلْ منهم كبيرَ شيء، فرجعَ عنهم فأتى الجِعِرَّانَة (^٢)، فأتاه وفدُ هَوازِن هنالك مسلمين، وذلك قبل أن يَقْسِم الغنائم، فخيَّرَهم ﷺ بين ذراريهم وبين أموالهم، فاختاروا الذُّرية، فقال ﷺ: «أما ما كان لِي ولِبَني عبْد المطلب فهو لكم»، قال المهاجرون والأنصار: وما كان لنَا فهو لرسُولِ الله ﷺ.
فرُدَّت الذُّريَّة على هَوازِن، وكانوا ستة آلاف، فيهم الشَّيْمَاءُ بنتُ الحارث بنُ عبد العُزَّى من بني سعْد بن بكر بن هَوزِان، وهي أختُ رسُولِ الله ﷺ من الرَّضاعة، فأكرمها وأعطاها، ورجعت إلى بلادِها مختارةً لذلك، وقد كانت هَوازِن مَتُّوا إلى
_________________
(١) صحيح مسلم «١٠٥٩». ولفظه: أربعين ليلة.
(٢) الجعرانة: مدينة صغيرة على بعد (٢٠) كيلًا شمال شرق مكة، يعتمر منها المكيون.
[ ٢٨٧ ]
رسُولِ الله ﷺ برضاعتهم إياه».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ كانت غزوة الطائف بعد فراغه ﷺ من غزوة حُنين في شهر شوال من السنة الثامنة، قال ابن حجر: "وهو قول جمهور أهل المغازي" (^١).
٢ ــ وحصاره ﷺ أهل الطائف ثابت في صحيح مسلم من حديث أنس بن مالك حيث حاصرهم أربعين ليلة (^٢).
٣ ــ وتخريبه ﷺ أموال أهل الطائف وقطع أعنابهم ذكره ابن إسحاق بغير إسناد (^٣).
وكان الغرض من ذلك هو التضييق عليهم وإضعافهم حتى يستسلموا، ثم إنه ﷺ أمر بالكفّ عن القطع لمّا ناشدته ثقيف ذلك، وقال: «إني أدعها لله وللرحم» (^٤).
٤ ــ وقدوم وفد هوازن مسلمين إلى النبي ﷺ بعد انصرافه إلى الجعرانة وتخييره لهم بين أخذ المال أو السبي مخرج في البخاري من حديث مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة (^٥).
٥ ــ ووقوع الشيماء بنت الحارث أخت النبي ﷺ بالرَّضاع وإكرامه لها وردها
_________________
(١) فتح الباري ٨/ ٤٤.
(٢) صحيح مسلم «١٠٥٩».
(٣) سيرة ابن هشام ٢/ ٤٨٣.
(٤) المصدر السابق.
(٥) صحيح البخاري «٢٣٠٧».
[ ٢٨٨ ]
إلى بلادها أورده ابن إسحاق مرسلًا من رواية يزيد بن عبيد السعدي، وله شواهد أخرى تقويه.
وقد أطبق العلماء على هذه الحادثة، وعلى عَدّ الشيماء من ضمن الصحابة (^١).
٦ ــ وقوله: "وقد كانت هَوازن مَتُّوا إلى رسولِ الله برضاعتهم إياه": قلت: أخرجه ابن إسحاق قال: حدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو: أن وفد هوازن أتوا رسولَ الله ﷺ وقد أسلموا، فقالوا: يا رسول الله إنا أصل وعشيرة"، وفيه "وإنما في الحظائر عمّاتك وخالاتك وحواضنك اللاتي كن يكفلنك" (^٢)
٧ ــ وفي الغزوة دليل على جواز قطع أشجار الكفار إذا كان في ذلك إضعافهم والنكاية بهم.
٨ ــ كذلك دلت الغزوة على أن للإمام إعادة الغنائم إلى أصحابها إذا جاؤوا مسلمين قبل قسمتها، أما بعد القسمة فليس للإمام استرداد شيء منها إلا بطيب نفس من الغانمين (^٣).
قسمة الغنائم وإعطاء المؤلفة قلوبهم:
قال المصنف: «ثم قَسَمَ ﷺ بقيّته على المسلمين، وتألَّفَ جماعةً من ساداتِ قُريشٍ وغيرهم، فجعل يُعطي الرجلَ المائة بعير، والخمسين، ونحو ذلك. وعَتَبَ بعضُ الأنصارِ، فبَلَغَه، فخَطَبَهم وحدهم، وامتنَّ عليهم بما أكرمهم الله من الإيمانِ
_________________
(١) سيرة ابن هشام ٢/ ٤٥٨، ومرويات غزوة حنين وحصار الطائف ص ٢٦٨.
(٢) سيرة ابن هشام ٢/ ٤٨٨ وإسناده حسن.
(٣) فقه السيرة للبوطي ص ٢٩٣.
[ ٢٨٩ ]
به، وبما أغنَاهم اللهُ به بعد فقرهم، وألَّف بينهم بعد العداوةِ التَّامةِ، فرضوا وطابتْ أنفُسُهم ﵃ وأرضاهم.
وطَعَنَ ذو الخُويْصِرة التَّميمي، واسمه حُرْقُوص ــ فيما قيل ــ على النبيّ ﷺ في قِسْمَتِه تلك، وصَفَحَ عنه ﷺ وحَلُمَ، بعد ما قال له بعض الأمراء: ألا نضربُ عنقه؟ فقال: لا. ثم قال: «إنه سيخرج من ضِئْضِئِ هذا قومٌ يقرؤون القرآنَ لا يُجاوزُ حناجرَهم، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلِهم أجرًا لمن قتلهم».
واستعمل ﷺ مالك بن عَوف النَّصْري على من أسلم من قومه، وكان قد أسلَم وحسُن إسلامُه. واعتمر ﷺ من الجِعِرَّانة ودخل مكة، فلما قضى عمرتَه ارتحل إلى المدينةِ، وأقام للناسِ الحجَّ عامئذٍ عَتَّابُ بنُ أُسيدٍ ﵁، فكان أَوَّل من حجَّ بالنَّاسِ من أُمراء المسلمين».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ تألفه ﷺ بعض ساداتِ قريش وغيرهم بالعطاء، وعَتَب بعض الأنصار في ذلك، وتطيبه ﷺ نفوسهم .. كله مخرج في الصحيحين في أكثر من حديث (^١).
٢ ــ وقصة ذي الخُويصرة في طعْنه في قسمة النبي ﷺ مخرجة في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري (^٢).
٣ ــ واستعماله ﷺ مالك بن عوف النَّصْري على قومه بعد إسلامه ذكره ابن إسحاق في السيرة بدون إسناد (^٣).
_________________
(١) صحيح البخاري «٤٣٣١»، صحيح مسلم «١٠٥٩».
(٢) صحيح البخاري «٣٦١٠»، صحيح مسلم «١٠٦٤».
(٣) سيرة ابن هشام ٢/ ٤٩١.
[ ٢٩٠ ]
٤ ــ واعتماره ﷺ من الجعرانة بعد انصرافه من الطائف وفراغه من قسمة غنائم حنين مخرج في الصحيحين من حديث أنس بن مالك (^١).
٥ ــ وحجّ عتّاب بن أُسيد بالناس عام حنين ذكره ابن إسحاق في السيرة بدون إسناد (^٢). وفيه دليل على عنايته ﷺ بعنصر الشباب وتربيتهم على القيام بالمهام الكبيرة، فإن عتَّابًا كان عمره عشرين عامًا عندما أوكل النبي ﷺ مهمة الحج بالناس تلك السنة، وكان قد استخلفه أيضًا على مكة كما تقدم.
٦ ــ كما أن في الحادثة دليل على جواز إعطاء المؤلفة قلوبهم من أموال الغنائم إذا رأى الإمام المصلحة في ذلك، والمراد بهم هنا: أناس حديثٌ عهدهم بالإسلام ليتمكن الإسلام من قلوبهم، وقد عدّ الحافظ منهم نحوًا من أربعين نفسًا ممن أعطاهم النبي ﷺ (^٣).
٧ ــ وقد اختلف هل أعطى النبي ﷺ هؤلاء المؤلفة قلوبهم من أصل الغنيمة أم من الخمس، وقد اعتمد الحافظ القول الأول واعتبره خاصًا بتلك الواقعة، لأن قريشًا كانت حديثة عهد بمصيبة فأراد أن يتألفهم ويجبر قلوبهم (^٤).
٨ ــ وفي قصة ذي الخُويصرة بيانٌ لحال الخوارج وأصلهم، وأن النبي ﷺ لم يسلم منهم ومن شرّهم فكيف بمن بعد من العلماء والصالحين؟!
* * *
_________________
(١) صحيح البخاري «١٧٧٨»، صحيح مسلم «١٢٥٣».
(٢) سيرة ابن هشام ٢/ ٥٠٠.
(٣) فتح الباري ٨/ ٤٨.
(٤) المصدر السابق.
[ ٢٩١ ]