فصل
غزوة خَيْبَر
قال المصنف: «ولمَّا رجعَ ﷺ إلى المدينةِ أقامَ بها إلى المحرَّمِ من السنة السابعة، فخرجَ في آخرِه إلى خيبر، ونُقل عن مالكِ بن أنسٍ ﵀ أن فتحَ خيبرَ كان في سنة ستٍ، والجمهورُ على أنها في سنة سبعٍ. فسارَ ﷺ إليها، فلما انتهى إليها حاصرها حصنًا حصنًا يفتحُه الله ﷿ عليه ويغنمُه، حتى استكملها ﷺ وخمَّسَها، وقَسَمَ نصفَها بين المسلمينَ، وكان جملتهم من حضرَ الحُديبية فقط، وأرصدَ النصف الآخرَ لمصالحه ولما ينوبُه من أمر المسلمين».
الكلام عليه من وجوه:
١
_________________
(١) خيبر مدينة كبيرة ذات حصون ومزارع، تقع شمال المدينة على طريق الشام، وتبعد عنها حوالي (١٥٠) كيلًا. ٢ وحاصل هذه الغزوة أن النبي ﷺ بعد أن أمِن جانبَ قريش بالصلح الذي عقده معها بالحديبية أراد أن يحلّ مشكلة الخطر اليهودي في خيبر، وما كانوا يشكلونه من تهديد للمسلمين، حيث شاركوا في تأليب الأحزاب يوم الخندق، وسخروا أموالهم في ذلك، وحرضوا بني قريظة على نقض العهد مع المسلمين، وكانوا يستعدون لغزو المدينة بالتحالف مع غطَفان. وكانت خيبر تتألف من مجموعة من الحصون المنيعة، فحاصرها النبي ﷺ
[ ٢٤١ ]
أيامًا عدة، وفتحها حصنًا حصنًا، حتى سقطت كلها بأيدي المسلمين.
٣ ــ وجمهور علماء السير على أن الغزوة وقعت في محرَّم من سنة سبع، قال ابن حجر: "وهو الراجح". (^١)
٤ ــ وما ذكره المصنف من أن رسول الله ﷺ قسم نصف خيبر، وأبقى نصفها لنوائبه ومصالحه، أخرجه أبو داود عن سهل بن أبي حثْمة، قال: «قسم رسول الله ﷺ خيبر نصفين: نصفًا لنوائبه وحاجته، ونصفًا بين المسلمين» (^٢).
وقد بيّن الإمام الخطابي أن أرض خيبر منها ما فُتح عنوة فهذا هو الذي قسمه النبي ﷺ بين المجاهدين، ومنها ما فُتح صلحًا فكان فيئًا وضعه النبي ﷺ في حوائجه ومصالح المسلمين (^٣).
٥ ــ وبرغم شدة القتال الذي كانت بين النبي ﷺ وبين يهود خيبر فقد كان النبي ﷺ حريصًا على إسلامهم وهدايتهم، وقال لعلي بن أبي طالب حين أعطاه الراية لقتالهم: «انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم، فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا خير لك من أن يكون لك حُمُر النعم» (^٤).
إقرار اليهود للعمل بخيبر وحادثة الشاة المسمومة:
قال المصنف: «واستعملَ اليهودَ الذين كانوا فيها بعد ما سألوا ذلك عِوَضًا
_________________
(١) فتح الباري ٧/ ٤٦٤.
(٢) سنن أبي داود «٣٠١٠» بإسناد صحيح.
(٣) ينظر معالم السنن ٣/ ٣١.
(٤) صحيح البخاري «٣٠٠٩»، صحيح مسلم «٢٤٠٦».
[ ٢٤٢ ]
عمّا كان صالحهم عليه من الجلاءِ على أن يعملوها ولرسُولِ الله ﷺ النصفُ مما يخرج منها من ثمر أو زرعٍ، وقد اصطفى ﷺ من غنائمها صفيَّة بنتَ حُييّ بن أخطب لنفسه، فأسلمت، فأعتقها وتزوجها، وبنى بها في طريقِ المدينةِ بعدما حلَّت.
وقد أهدتْ إليه امرأةٌ من يهودِ خيبر ــ وهي زينبُ بنتُ الحارثِ امرأةُ سلَّام بن مِشْكم ــ شاة مصليَّة (^١) مسمومة، فلما انتهش من ذراعها أخبره الذراعُ أنه مسمومٌ، فترك الأكلَ، ودعا باليهودية فاستخبرها: أسممتِ هذه الشاة؟ فقالت: نعم، فقال: «ما أردتِ إلى ذلك»؟ فقالت: أردتُ إن كنت نبيًا لم يضرّك، وإن كنت غيره استرحنا منك، فعفا عنها ﷺ. وقيل: إن بشرَ بن البراء بن مَعْرور كان ممن أكل منها، فمات، فقتلها به. وقد روى ذلك أبو داود مرسلًا عن أبي سَلَمَة بن عبد الرحمن بن عوف».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ حاصل ما ذكره المصنف أن رسول الله ﷺ بعدما فتح الله عليه خيبر عَزَم أولًا على إجلاء اليهود منها، فسألوه أن يبقيهم يعملوا فيها على أن لهم نصف ما يخرج منها، فوافق بشرط أن يخرجهم منها متى شاء.
أخرج مسلم في صحيحه عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ لمّا ظهر على خيبر أراد إخراج اليهود منها، فسألت اليهود رسول الله ﷺ أن يقرّهم بها، على أن يكفوا عملها ولهم نصف الثمر، فقال لهم رسول الله ﷺ: «نقرّكم بها على ذلك ما شئنا»، فقروا بها حتى أجلاهم عمر إلى تيماء وأريحاء (^٢).
_________________
(١) مشويّة.
(٢) صحيح مسلم «١٥٥١».
[ ٢٤٣ ]
٢ ــ واصطفاؤه ﷺ صفيّة بنت حُيي وإعتاقها وتزوجها أخرجه صاحبا الصحيحين من حديث أنس بن مالك (^١).
٣ ــ وقصة الشاة المسمومة التي أهديت للنبي ﷺ في خيبر مخرجة في البخاري من حديث أبي هريرة باختصار (^٢).
وقد بين غير واحد من أهل العلم أن النبي ﷺ عفا عن تلك المرأة أول الأمر، لكن لما مات بشر بن البراء بعد ذلك بسبب السم قتلها قصاصًا به (^٣).
٤ ــ وقوله: "وقد روى ذلك أبو داود مرسلًا .. " قلت: لفظه عند أبي داود: عن أبي سَلَمَة: أن رسول الله - أهدت له يهوديةٌ بخيبر شاة مصليّة، قال: فمات بشر بن البراء بن معرور الأنصاري، فأرسل إلى اليهودية: «ما حملك على الذي صنعت؟» فأمر بها رسولُ الله ﷺ فقتلت (^٤).
قدوم جعفر بن أبي طالب ومن بقي بالحبشة:
قال المصنف: «وقَدِمَ على النبيّ ﷺ في غزوة خيبر بعد فراغهم من القتال جعفرُ بنُ أبي طالب وأصحابُه ممن بقي مهاجرًا بأرضِ الحبشةِ، وصُحْبتهم أبو موسى الأشعري في جماعةٍ من الأشعريين يزيدون على السبعين. وقَدِم عليه أبو هريرة وآخرون ﵃ أجمعين، فأعطاهم ﷺ من المغانم كما أراه الله ﷿.
_________________
(١) صحيح البخاري «٣٧١»، صحيح مسلم «١٣٦٥».
(٢) صحيح البخاري «٣١٦٩».
(٣) شرح النووي على صحيح مسلم ١٤/ ١٧٩، فتح الباري ٧/ ٤٩٧.
(٤) سنن أبي داود «٤٥١١» وإسناده صحيح إلى أبي سلمة بن عبد الرحمن، وقد وصله الحاكم ٣/ ٢١٩ والبيهقي ٨/ ٤٦ عن أبي هريرة، وسنده حسن.
[ ٢٤٤ ]
وقد قال ﷺ لجعفر: «لا أدري بأيّهما أنا أُسرّ، أبفتحِ خيبر أم بقدومِ جعفر؟»، ولمّا قَدِمَ عليه قام وقبّل ما بين عينيه. وقد استُشهد بخبير من المسلمين نحو عشرين رجلًا ﵃ جميعهم».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ قدوم جعفر بن أبي طالب ومن معه حين فتح خيبر مخرَّج في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري (^١).
ولم يتبين لي سبب تأخرهم في بلاد الحبشة كل هذا الوقت رغم أن سبب هجرتهم وهو اضطهاد قريش قد انتهى منذ سنوات كثيرة، ولم أر من تعرض لبحث هذا، فلينظر؟!
ثم بدى لي احتمال أن يكون مكوثهم هناك إنما هو من أجل الدعوة إلى الله والتعريف بالإسلام، هذا أمر وارد، والله أعلم.
٢ ــ وقوله ﷺ: «لا أدري بأيهما أُسرّ، أبفتح خيبر أم بقدوم جعفر؟» وتقبيله له أخرجه الحاكم وصححه، وحسنه الألباني (^٢).
٣ ــ وفي تقبيل النبي ﷺ لجعفر دليل على مشروعية تقبيل القادم من السفر والتزامه، وكذلك من طال العهد به.
وأما حديث أنس بن مالك عند الترمذي، «أن رجلًا قال يا رسول الله: الرجل منّا يلقى أخاه أو صديقه أينحني له؟ قال: لا، قال: أفيلتزمه ويقبّله؟ قال:
_________________
(١) صحيح البخاري «٣١٣٦»، صحيح مسلم «٢٥٠٢».
(٢) مستدرك الحاكم ٤/ ٢١١، تعليق الألباني على فقه السيرة للغزالي ص ٣٥١.
[ ٢٤٥ ]
لا، قال: فيأخذ بيده فيصافحه؟ قال: نعم» (^١).
فهذا الحديث محمول على اللقاء المعتاد المتكرر بين الناس، فالتقبيل والالتزام في هذه الحال غير مرغب فيه، بخلاف القادم من السفر أو من طال به العهد (^٢).
٤ ــ وقوله: "استُشهد بخبير من المسلمين نحو عشرين رجلًا": يعني في معارك خيبر، وقد سماهم ابن إسحاق في السيرة من قوله معلقًا (^٣).
وذكر الواقدي أن قُتِل من اليهود ثلاثة وتسعون رجلًا (^٤).
٥ ــ وكان عدد جيش المسلمين بخيبر (١٥٠٠)، فيهم ثلاثمائة فارس (^٥).
٦ ــ وكما يقول الدكتور العُمري فإنه بهذه الغزوة يكون قد انتهى دور اليهود العسكري والاقتصادي في الحجاز، وتفرغ المسلمون بعدها لإخضاع قبائل العرب المشركة ولتوحيد جزيرة العرب تحت راية الإسلام (^٦).
* * *
_________________
(١) سنن الترمذي «٢٧٢٨»، وحسنه، وصححه الألباني في تعليقه على مشكاة المصابيح (٤٦٨٠).
(٢) مرقاة المفاتيح ٧/ ٢٩٦٥، فقه السيرة للبوطي ص ٢٤٨.
(٣) سيرة ابن هشام ٢/ ٣٤٣.
(٤) مغازي الواقدي ٢/ ٧٠٠.
(٥) سنن أبي داود «٢٧٣٦»، وإسناده فيه ضعف، فيه يعقوب بن مجمع لم يوثقه غير ابن حبان.
(٦) السيرة النبوية الصحيحة ١/ ٣٣٢.
[ ٢٤٦ ]