فصل
غزوة مُؤتة
قال المصنف: «ولمَّا كان في جمادى الآخرة من سنة ثمانٍ بعثَ ﷺ الأمراءَ إلى مؤتة، وهي قريةٌ من أرضِ الشام، ليأخذوا بثأرِ من قُتل هناك من المسلمينَ، فأمَّر على الناسِ زيدَ بنَ حارثة مولاه ﷺ، وقال: «إن أُصيبَ زيدٌ فجعفرُ بنُ أبي طالب، فإن أُصيب جعفرٌ فعبدُ الله بنُ رَواحة»».
الكلام عليه من وجوه:
١ - سمّيت هذه الغزوة مؤتة نسبة إلى المكان الذي وقعت فيه.
ومؤتة اليوم: قرية عامرة بالسكان، شرقي الأردن، تبعد (١١) كيلًا عن مدينة الكرك.
٢ ــ جرى عامة كتاب السيرة على تسمية هذه الحادثة بـ "غزوة مؤتة" مع أن النبي ﷺ لم يخرج فيها، فكان حسب الاصطلاح ينبغي أن تسمى سريّة أو بعثًا، لكنهم اطلقوا عليها غزوة لكثرة عدد المسلمين فيها، ولما لها من أهمية بالغة (^١).
٣ ــ وقوله: "ليأخذوا بثأر من قُتل هناك من المسلمينَ": كان هذا سبب الغزوة، وإيضاحه: أن النبي ﷺ كان قد أرسل رسولًا يقال له الحارث بن عمير
_________________
(١) فقه السيرة للبوطي ص ٢٥٨.
[ ٢٥٥ ]
الأزدي إلى شرحبيل بن عمرو الغساني أمير بصرى من قِبَل الروم يدعوه إلى الإسلام.
فأوثقه شرحبيل وقتله صبرًا، وكانت العادة قد جرت بعدم قتل الرسل والسفراء مهما عظم الخلاف وكرهت الرسالة.
فلما بلغ الخبرُ النبيَّ ﷺ غضب واشتدّ عليه فبعث هذه السرية تأديبًا له (^١).
وربما كان مقصد النبي ﷺ أكبر من ذلك، وأنه كان يريد تحرير قبائل العرب القاطنين شمالي الجزيرة العربية من هيمنة الروم، وجعلها تحت رعاية دولة الإسلام.
٤ ــ وقد ذكر الحافظ ابن حجر أن أهل المغازي لا يختلفون في أنها وقعت في السنة الثامنة من الهجرة إلا ما ذكره خليفة بن خياط أنها كانت سنة سبع (^٢).
٥ ــ وترتيبه ﷺ الأمراء وقوله "إن أصيب زيد فجعفر فإن أصيب فعبد الله بن رواحة"، هذا مخرّج في الصحيح بنحوه من حديث ابن عمر (^٣).
وفيه دليل على جواز تعليق الإمارة بشرط، وتولية عدة أمراء بالترتيب، كما أفاده الحافظ في الفتح (^٤).
٦ ــ وكانت هذه الغزوة هي الأولى التي يتخذ النبي ﷺ فيها مثل هذا الإجراء من تولية عدد من الأمراء على الترتيب، وربما حمله ﷺ على ذلك بعد المسافة وقوة
_________________
(١) طبقات ابن سعد ٤/ ٢٥٥.
(٢) فتح الباري ٧/ ٥١١.
(٣) صحيح البخاري «٤٢٦١».
(٤) فتح الباري ٧/ ٥١٣.
[ ٢٥٦ ]
الأعداء، مما قد يتوقع معه حصول الأخطار والمكاره (^١).
خروج الجيش وتوديع النبي ﷺ لهم:
قال المصنف: «فخرجُوا في نحوِ من ثلاثةِ آلافٍ، وخَرَجَ ﷺ معهم يُودّعهم إلى بعضِ الطريقِ، فساروا حتى إذا كانوا بمعان (^٢) بلغهم أن هرقلَ ملكَ الروم قد خَرَجَ إليهم في مائةِ ألفٍ ومعه مالِك بنُ زافلة في مائة ألف أخرى من نصارى العرب؛ من لَخْم وجُذام وقبائل قُضاعة من بَهْراء وبِلّي وبَلْقِين.
فاشتورَ المسلمون هناك، وقالوا: نكتبُ إلى رسُولِ الله ﷺ يأمرنا بأمره أو يمدّنا. فقال عبدُ الله بنُ رَواحة ﵁: يا قومُ! والله إن الذي خرجتُم تطلبون: أمامكم ــ يعني الشهادة ــ وإنكم ما تقاتلون الناسَ بعددٍ ولا قوةٍ، وما نقاتلهم إلَّا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا، فهي إحدى الحُسنيين: إما ظهورٌ، وإما شهادةٌ. فوافقه القومُ، فنهضوا».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ عامة مصادر السيرة تذكر أن عدد جيش المسلمين كان ثلاثة آلاف، بينما كان عدد جيش الروم ومن انضم إليهم من نصارى العرب مائتي ألف مقاتل، أي أكثر من (٦٦) ضعفًا!!
قال ابن كثير: "أقل ما قيل: إن الروم كانوا مائة ألف ومن العرب خمسون ألفا" (^٣).
_________________
(١) السيرة النبوية للعُمري ٢/ ٤٦٧.
(٢) معان: مدينة جنوب عمان بالأردن، على مسافة (٢١٢) كيلًا منها.
(٣) البداية والنهاية ٦/ ٤١٦.
[ ٢٥٧ ]
وأنا أشك في هذا الرقم، وأرى أن فيه مبالغة لأسباب منها:
أولًا: أن حشد مثل هذه الأعداد الضخمة ليس بالأمر الهين في وقت قصير.
ثانيًا: أن عدد جيش المسلمين كان معروفًا لدى أعدائهم وأنه لا يتجاوز ثلاثة آلاف، فمن المستبعد أن يقابلهم الروم بتلك الأعداد الهائلة.
ثالثًا: أن حصيلة شهداء المسلمين في المعركة لم تتجاوز ثلاثة عشر شهيدًا أو أقلّ، مما لا يتناسب مع ما ذُكر من أعداد خصومهم وقوتهم!؟
على أن بعض علماء السيرة كالإمام الزهري (^١) لم يحدد عددًا لجيش الروم وحلفائهم، واكتفى بكونهم جموعًا كثيرة، ولعل هذا هو الأصوب والله أعلم (^٢).
٢ ــ مقولة عبدالله بن رواحة "يا قوم إن الذي خرجتم تطلبون أمامكم .. "، نقلها ابن إسحاق في السيرة بدون إسناد (^٣).
٣ ــ وقد دلت مواجهة الصحابة لهذه الجموع الكبيرة على مقدار ما كانوا عليه من شجاعة وصبر وقوة إيمان في ميادين الجهاد.
٤ ــ رأى بعض المحللين المعاصرين أن تشجيع عبد الله بن رواحة للمسلمين
_________________
(١) رواه عنه الطبراني، وقال الهيثمي في المجمع ٦/ ١٦٠: رجاله ثقات. وانظر مرويات الإمام الزهري في المغازي ٢/ ٦٨٤.
(٢) وبعد كتابة هذا رأيت من كتاب السيرة المعاصرين أيضًا من أبدى شكًا فيما ذكر من أعداد الروم ومن معهم ومال إلى ما رجحته، ينظر غزوة مؤتة لبريك أبي مائلة ص ٢٧٩.
(٣) سيرة ابن هشام ٢/ ٣٧٥.
[ ٢٥٨ ]
لخوض هذه المعركة بالرغم من تفوق عدوهم الهائل يعد خطأ استراتيجيًا ومغامرة خطرة!!
لكن يجاب عن هذا بأن ما ذكر إنما هو بحسب القوانين الأرضية المادية، وليس بحسب من يجاهد في سبيل الله ويدافع عن عقيدة وإيمان (^١).
اشتداد القتال واستشهاد القادة الثلاثة:
قال المصنف: «فلمَّا كانوا بتخومِ البلْقاء لقُوا جموعَ الروم، فنزل المسلمون إلى جنب قرية مؤتة، والرومُ على قريةٍ يقال لها مَشَارف، ثم التقوا فقاتلوا قتالًا عظيمًا. وقُتل أميرُ المسلمين زيدُ بنُ حارثة ﵁ والراية في يده، فتناولها جعفرٌ، وقاتل حتى قُطعت يده اليمنى، فأخذ الراية بيده الأخرى فقُطعت أيضًا، فاحتضن الراية ثم قُتل ﵁ عن ثلاث وثلاثين سنة على الصحيح. فأخذ الراية عبدُ الله بنُ رواحة الأنصاري ﵁، وتلوَّم بعض التلوّم، ثم صمَّم وقاتل حتى قُتل، فيقالُ: إن ثابتَ بن أقرم أخذ الراية وأراد المسلمون أن يؤمّروه عليهم فأبى.
فأخذ الراية خالدُ بن الوليد ﵁ فانحازَ بالمسلمين، وتلطَّفَ حتى خَلَصَ المسلمون من العدو، ففتح الله على يديه كما أخبر بذلك كلّه رسُولُ الله ﷺ أصحابه الذين بالمدينة يومئذٍ، وهو قائم على المنبر، فنعى إليهم الأمراء، واحدًا واحدًا، وعيناه تذرفان ﷺ، والحديث في الصحيح (^٢).
وجاء الليل فكفّ الكفار عن القتال. ومع كثرة هذا العدو وقلّة عدد المسلمين بالنسبة إليهم لم يُقتل من المسلمين خلقٌ كثيرٌ على ما ذكره أهل السير، فإنهم لم
_________________
(١) ينظر غزوة مؤتة لأبي مائلة ص ٢٩٤.
(٢) صحيح البخاري «٤٢٦٢» من حديث أنس بن مالك.
[ ٢٥٩ ]
يذكروا فيما سمّوا إلا نحو العشرة. وكرَّ المسلمون راجعين، ووقى الله شرّ الكفرة وله الحمدُ والمنّة، إلا أن هذه الغزوة كانت إرهاصًا لما بعدها من غزو الروم، وإرهابًا لأعداءِ الله ورسُولِه».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ عامة ما أورده المصنف من أحداث الغزوة ذكره ابن إسحاق في السيرة (^١)، وبعضه في صحيح البخاري كما أشار المصنف.
٢ ــ ومن براعة خالد بن الوليد العسكرية في هذه المعركة ما ذكره الواقدي أنه عندما تسلَّم خالدٌ قيادة الجيش في المساء غيّر ترتيبه، فجعل مقدمته مؤخرته، ومؤخرته مقدمته، وميمنته ميسرته، وميسرته ميمنته، فلما أصبح من الغد أنكر الروم هيئة الجيش وراياته وحسبوا أنه قد جاءهم مَدَدٌ فرعبوا وانهزموا (^٢).
٣ ــ وفي نعيه ﷺ لزيد وجعفر وابن رواحة وهو على المنبر في اليوم الذي ماتوا فيه قبل أن يأتيه خبرهم آية باهرة ومعجزة ظاهرة من معجزاته صلوات الله وسلامه وعليه.
٤ - وفي نعيه ﷺ للقادة الثلاثة دليل على جواز الإعلام بموت الميت، وليس ذلك من النعي المنهي عنه، فإن المراد بالنهي إذاعة موت الميت في الأماكن العامة مع تعديد شمائله ومآثره ونعته بأنواع المدائح الصحيحة والمكذوبة، هذا هو المنهي عنه (^٣).
_________________
(١) سيرة ابن هشام ٢/ ٣٧٨.
(٢) مغازي الواقدي ٢/ ٧٦٤.
(٣) تيسير العلام ص ٢٧٩.
[ ٢٦٠ ]
٥ ــ وفي ظهور حزنه وبكائه ﷺ على أهل مؤتة دليل على أن الحزن والبكاء لا يتنافيان مع الصبر والرضا بالقضاء، وإنما النهي موجه للجزع ورفع الصوت عند المصيبة (^١).
* * *
_________________
(١) فتح الباري ٧/ ٥١٤.
[ ٢٦١ ]