فصل
فتح مكة
قال المصنف: «نذكر ملخص غزوة فتح مكة التي أكرم الله ﷿ بها رسُولُه، وأقرَّ عينَه بها، وجعلها عَلَمًا ظاهرًا على إعلاءِ كلمته وإكمالِ دينه والاعتناءِ بنصرته.
وذلك لمّا دخلت خزاعةُ ــ كما قدّمنا ــ عام الحُديبية في عَقْد رسُولِ الله ﷺ، ودخلت بنو بكرٍ في عَقْد قريشٍ، وضُربت المدَّةُ إلى عشْر سنين، أَمِنَ الناسُ بعضهم بعضًا، ومضى من المدةِ سنةٌ ومن الثانية نحو تسعةِ أشهر، فلم تكمل حتى غدا نوفلُ بن معاوية الدّيلي فيمن أطاعه من بني بكر بنِ عبد مناة فبيَّتوا خُزاعة على ماءٍ لهم يقال له الوَتِير (^١)، فاقتتلوا هناك بذحُول (^٢) كانت لبني بكرٍ على خزاعة من أيام الجاهلية، وأعانت قريشٌ بني بكرٍ على خزاعة بالسّلاح، وساعدهم بعضهم بنفسِه خفية، وقتلوا من خزاعة رجلًا، فانتقض عهدُ قريشٍ بذلك.
فخرج عمرو بن سالم الخزاعي وبُديل بن ورقاء الخزاعي وقومٌ من خزاعة حتى أتوا رسُولَ الله ﷺ فأعلموه بما كان من قريشٍ واستنصروه عليهم، فأجابهم
_________________
(١) ماء قريب من مكة.
(٢) الذحل: ثأر الجاهلية وعداوتها.
[ ٢٦٣ ]
ﷺ وبشرهم بالنَّصر، وأنذرهم أن أبا سفيان سيقدُمُ عليهم مؤكدًا العَقْد وأنه سيردُّه بغير حاجةٍ. فكان ذلك».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ اتفق علماء السيرة على أن غزوة فتح مكة كانت في رمضان من السنة الثامنة من الهجرة (^١).
٢ ــ وسبب هذه الغزوة هو نقض قريشٍ للعهد الذي كان بينها وبين النبي ﷺ، وذلك أن قريشًا كانت قد أعانت بني بكر على غزو خزاعة وساعدتهم بالسلاح والرجال، وكانت خزاعة قد دخلت في عقد المسلمين وجوارهم بموجب اتفاق الحديبية، وبذلك تكون قريش قد نقضت عهد الصلح مع المسلمين (^٢).
٣ ــ وقد دلت هذه الحادثة على أن أهل العهد والهدنة مع المسلمين، إذا حاربوا من هم في ذمة المسلمين وجواره، صاروا حربًا لهم بذلك. ولم يبق بينهم وبين المسلمين عهد. وهذا ما اتفق عليه علماء المسلمين (^٣).
فشل قريش في تجديد عقد الصلح:
قال المصنف: «وذلك أن قريشًا ندِمُوا على ما كان منهم، فبعثوا أبا سفيان
_________________
(١) السيرة النبوية الصحيحة للعُمري ٢/ ٤٧٥.
(٢) هذه محصلة رواية ابن إسحاق ــ كما في البداية والنهاية ٦/ ٥٠٨ ــ بسنده عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم به، ومن طريق ابن إسحاق رواه البيهقي في الكبرى ٩/ ٢٣٣، وصحح إسناده الصوياني في كتابه السيرة النبوية ٤/ ١٢، وحسنه أكرم العُمري في السيرة النبوية الصحيحة ٢/ ٤٧٣، وله شاهدان آخران ذكرهما العُمري في كتابه السابق.
(٣) فقه السيرة للبوطي ص ٢٧٠.
[ ٢٦٤ ]
ليشدَّ العَقْد الذي بينهم وبين محمدٍ ﷺ ويزيدَ في الأجلِ، وذهب أبو سفيان حتى قدم المدينة فدخل على ابنته أم حبيبة زوج رسُولِ الله ﷺ ورضي الله عنها، فذهب ليقعد على فراش رسُولِ الله ﷺ فمنعته، وقالت: إنك رجلٌ مشركٌ نجسٌ. فقال: والله يا بنيّة لقد أصابك بعدي شرٌّ. ثم جاء رسُولَ الله ﷺ فعرض عليه ما جاء له، فلم يجبه ﷺ بكلمةٍ واحدةٍ. ثم ذهب إلى أبي بكرٍ ﵁ فطلب منه أن يكلّم رسُولَ الله ﷺ فأبى عليه، ثم جاء إلى عمر ﵁ فأغلظ له، وقال: أنا أفعل ذلك؟! والله لو لم أجد إلا الذرّ لقاتلتكم به. وجاء عليًا ﵁ فلم يفعل، وطلب من فاطمة بنتَ رسُولِ الله ﷺ ورضي الله عنها أن تأمر ولدَها الحسن أن يجير بين الناس، فقالت: ما بلغ بنيّ ذلك، وما يجيرُ أحدٌ على رسُولِ الله ﷺ.
فأشار عليه عليٌّ ﵁ أن يقوم هو فيجيرُ بين الناس، ففعل. ورجعَ إلى مكةَ، فأعلمهم بما كان منه ومنهم، فقالوا: والله ما زاد ــ يعنون عليًا ــ أن لعبَ بك.
ثم شَرَع رسُولُ الله ﷺ في الجهاز إلى مكة، وسأل الله ﷿ أن يعمّي على قريشٍ الأخبار، فاستجاب له ربّه ﵎، ولذلك لما كتَبَ حاطبُ بن أبي بلتعة كتابًا إلى أهل مكة يعلمُهم فيه بما هَمَّ به رسُولُ الله ﷺ من القدومِ على قتالِهم، وبَعَثَ به مع امرأة، وقد تأول في ذلك مصلحةً تعود عليه، وقَبِلَ ذلك منه رسُولُ الله ﷺ وصدَّقه، لأنه كان من أهلِ بدرٍ، وبَعَثَ رسُولُ الله ﷺ عليًا والزبير والمقداد ﵃، فردُّوا تلك المرأة من روضة خَاخٍ (^١)، وأخذوا منها الكتاب.
وكان هذا من إعلامِ الله ﷿ نبيّه ﷺ بذلك ومن أَعلامِ نبوته ﷺ. وخرجَ ﷺ لعشرٍ خلون من رمضان، في عشرة آلاف مُقاتل من المهاجرين والأنصار وقبائل
_________________
(١) موضع بالمدينة بقرب حمراء الأسد من حدود العقيق.
[ ٢٦٥ ]
العرب. ولقيه عمّه العباس بذي الحليفة، وقيل: بالجحفة فأسلَم، ورجعَ معه ﷺ».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ نَدَمُ قريشٍ على نقضهم العهد وإرسالهم أبا سفيان لتجديده وفشله في ذلك ذكره ابن إسحاق من مرسل عروة بن الزبير، وابن أبي شيبة بإسناد صحيح من مرسل عكرمة (^١).
٢ ــ وسؤال النبي ﷺ أن يعمّي عن قريش أخبار مسيره إليهم ذكره ابن إسحاق بلفظ: «اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها» (^٢).
٣ ــ وكتابة حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة يخبرهم بمسير رسول الله ﷺ إليهم .. إلى آخر قصته مخرج في الصحيحين بلفظ مطول من حديث علي بن أبي طالب (^٣).
٤ ــ وقد عفى النبي ﷺ عن حاطب خطيئته هذه لأنه كان من أهل بدر، وقال لعمر بن الخطاب عندما أراد قتله: «وما يدريك لعلّ الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم» (^٤).
٥ ــ قال ابن القيم: "وفي هذا دليل أن الكبيرة العظيمة مما دون الشرك قد تكفر بالحسنة الكبيرة الماحية .. ثم ذكر نصوصًا عدة في أن الحسنات قد تمحوا
_________________
(١) مصنف ابن أبي شيبة (٢٦٩٠٢)، فتح الباري ٨/ ٦.
(٢) سيرة ابن هشام ٢/ ٣٩٧، وقال الألباني في تعليقه على فقه السيرة ص ٣٧٦: ضعيف رواه ابن إسحاق بدون إسناد.
(٣) صحيح البخاري «٤٢٧٤»، صحيح مسلم «٢٤٩٤».
(٤) صحيح البخاري «٣٠٨١»، صحيح مسلم «٢٤٩٤».
[ ٢٦٦ ]
السيئات، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، ثم قال: "وعَكْسُ هذا ذو الخُويْصَرة التميمي وأضرابه من الخوارج الذين بلغ اجتهادهم في الصلاة والصيام والقراءة إلى حدٍّ يحقر أحد الصحابة عمله معه كيف قال فيهم: «لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد» (^١) فلم ينتفعوا بتلك الأعمال العظيمة مع تلك المواد الفاسدة المهلكة" (^٢).
٦ ــ وما ذكره المصنف من إسلام العباس بن عبد المطلب قبل الفتح هذا هو المشهور في إسلامه، وقيل إنه أسلم قبل خيبر، وكان يكتم إسلامه وأظهره يوم الفتح، وبه جزم به ابن عبد البر، وقال ابن حجر إنه "ليس ببعيد". (^٣).
٧ ــ وفي إعلامه ﷺ بالظعينة التي كانت تحمل كتاب حاطب إلى قريش آية ظاهرة ومعجزة باهرة، وهو مما أطلعه الله عليه من الغيب.
إسلام أبي سفيان بن حرب:
قال المصنف: «وأما قريشٌ فعمّى الله عليها الخبر، إلا أنَّهم قد خافوا وتوهَّموا من ذلك، فلما كانت تلك الليلةُ خرجَ ابن حَرْب، وبُدَيل بن وَرْقاء، وحَكيم بن حِزَام يتجسسون الخبر، فلما رأوا النيران أنكروها، فقال بُديل: هي نار خزاعة، فقال أبو سفيان: خزاعة أقلّ من ذلك. وركب العبّاس بغلة رسُولِ الله ﷺ ليلتئذٍ، وخرجَ من الجيش لعله يلقى أحدًا، فلما سمعَ أصواتهم عرفهم، فقال: أبا حنظلة! فعرفه أبو سفيان، فقال: أبو الفضل؟ قال نعم. قال ما وراءك؟ قال ويحك، هذا
_________________
(١) صحيح البخاري «٧٤٣٢»، صحيح مسلم «١٠٦٤».
(٢) زاد المعاد ٣/ ٣٧٥ باختصار.
(٣) الاستيعاب لابن عبد البر ٢/ ٨١٢. فتح الباري ٣/ ٢٢٠، ٧/ ٧٧.
[ ٢٦٧ ]
رسُولُ الله ﷺ في الناس، قال: فما الحيلة؟ قال والله لئن ظَفِرَ بك ليقتلنَّك، ولكن اركبْ ورائي وأسْلِم.
فأدخله على رسُولِ الله ﷺ، وجاء عمرُ في أثره، فاستأذن رسُولَ الله ﷺ في ضربِ عنقه، فأجاره العبّاسُ مبادرة، فتقاول هو وعمر بن الخطاب ﵄، فأمره ﷺ أن يأتيه به غدًا، فلما أصبحَ أتى به رسُولَ الله ﷺ، فعَرَضَ عليه الإسلامَ فتلكأ قليلًا، ثم زجره العبّاسُ فأسْلَم، فقال العبّاسُ: يا رسول الله! إن أبا سفيان يحبُّ الشرفَ، فقال ﷺ «من دخل دارَ أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن». والغرضُ أنه ﷺ أصبحَ يومه ذلك سائرًا إلى مكة، وقد أَمَر ﷺ العبّاسَ أن يُوقف أبا سفيان عند خَطْم الجبل (^١)، لينظر إلى جنودِ الإسلامِ إذا مرَّت عليه.
وقد جعلَ ﷺ أبا عُبيدة بنَ الجرَّاح ﵁ على المقدّمة، وخالدَ بنَ الوليد ﵁ على الميمنة، والزبيرَ بنَ العوام ﵁ على الميسرة، ورسُولُ الله ﷺ في القلب، وأَمَرَهُم بقتالِ مَنْ قاتلهم، فقُتل من المسلمين ثلاثةٌ، وقُتل من المشركين ثلاثة عشر، وفرّ بقيتُهم».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ خروج أبي سفيان وبُدَيل بن وَرْقاء وحَكيم بن حِزام يتجسسون الخبر .. إلى آخر القصة أخرجه البخاري (^٢) بنحوه مع زيادات ونقص من حديث
_________________
(١) خطم الجبل: أنفه النادر منه.
(٢) صحيح البخاري «٤٢٨٠».
[ ٢٦٨ ]
عروة بن الزبير. قال القسطلاني: "هذا مرسل لأن عروة تابعي" (^١).
٢ ــ وقصة إسلام أبي سفيان وقوله ﷺ: «من دخل دارَ أبي سفيان فهو آمن .. الحديث» مخرجة عند أبي داود من حديث ابن عباس بإسناد حسن (^٢)، وللمرفوع شاهد من حديث أبي هريرة عند مسلم بنحوه (^٣).
٣ ــ وفي قصة إسلام أبي سفيان بن حرب دليل على عدم اشتراط رسوخ الإيمان في بداية الإسلام، فإن أبا سفيان أسلم في أول الأمر وهو متردد لكن حسن إسلامه بعد ذلك.
وقد ثبت في صحيح مسلم عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: «إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا، فما يسلم حتى يكون الإسلام أحبّ إليه من الدنيا وما عليها» (^٤).
٤ ــ واستدل بضعهم بقوله ﷺ: «من دخل دارَ أبي سفيان فهو آمن .. الحديث» على أن مكة فتحت صلحًا، وذهب الأكثرون إلى أنها فتحت عنوة، بدليل قوله ﷺ: «فإن أحدٌ ترخص بقتال رسول الله ﷺ فيها، فقولوا: إن الله أذن لرسوله، ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار» (^٥)، وأما ما ذكروه من عدم قسمة أرض مكة بين الفاتحين فلقدسيتها وكونها حرم الله ودار النسك ومتعبد الخلق ..
_________________
(١) إرشاد الساري ٦/ ٣٩٠.
(٢) حسنه الألباني في صحيح أبي داود «٣٠٢٢».
(٣) صحيح مسلم «١٧٨٠».
(٤) المصدر السابق «٢٣١٢».
(٥) صحيح مسلم «١٣٥٤».
[ ٢٦٩ ]
والمسألة فيها أبحاث طويلة (^١).
٥ ــ وفي إرداف العبّاس لأبي سفيان دليل على جواز الإرداف على الدابة إذا كانت تطيق ذلك وليس فيه إضرار بها، وقد صحَّ ذلك من فعله ﷺ في أحاديث عدة (^٢).
٦ ــ وقوله: "وأَمَرَهُم بقتال من قاتلهم"، قلت: قد صحّ هذا من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "هل ترون أوباش قريش؟ قالوا: نعم، قال: انظروا إذا لقيتموهم غدًا: أن تَحصدُوهم حصدًا، وأحفَى بيده، ووضع يمينَه على شماله" (^٣).
دخوله ﷺ مكة وتأمين الناس:
قال المصنف: «ودخل رسُولُ الله ﷺ مكة وهو راكبٌ على ناقته وعلى رأسه المِغْفَر، ورأسه يكاد يمسُّ مُقَدَّمة الرَّحل من تواضعه لربّه ﷿. وقد أَمَّنَ ﷺ الناسَ إلا عبدَ العزى بن خَطَل، وعبدَ الله بن سعد بن أبي سرح، وعِكرمةَ بن أبي جهل، ومِقْيَسَ بن صُبَابة، والحويرثَ بن نُقَيْذ، وقينتين لابن خَطَل، وسارةَ مولاة لبني عبد المطلب، فإنه ﷺ أهدر دمائهم، وأمر بقتلهم حيث وُجدوا، حتى ولو كانوا متعلّقين بأستار الكعبة. فقُتل ابن خَطَل، وهو متعلّق بالأستار، ومِقْيَس ابن صُبَابة، والحويرث بن نُقَيْذ، وإحدى القينتين، وآمن الباقون».
_________________
(١) فتح الباري ٨/ ١٢، عمدة القاري ٨/ ١٦٢.
(٢) معالم السنن ٢/ ٢٥٠، فيض القدير ٥/ ٢١٥.
(٣) صحيح مسلم «١٧٨٠».
[ ٢٧٠ ]
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ دخوله ﷺ مكة وعلى رأسه المِغْفَر مخرج في الصحيحين (^١).
٢ ــ وقوله: "ورأسه يكاد يمسُّ مُقَدَّمة الرَّحل من تواضعه لربّه" هذا أخرجه أبو يعلى عن أنس بن مالك بلفظ: «وضع رأسه على رحله تخشُّعًا» (^٢).
٣ ــ وتأمينه ﷺ الناس يوم الفتح إلا من ذكرهم المصنف أخرجه النسائي والبيهقي والحاكم من حديث سعد بن أبي وقاص، وحسنه بمجموع طرقه وشواهده الصوياني (^٣).
وفيه دليل على رحمته ﷺ بالناس وعدم إرادته الانتقام ممن طردوه وحاربوه سنين طويلة وكانوا ألدّ أعدائه.
وبهذه الأخلاق الرفيعة تمكّن الإسلام من قلوبهم، فأقبلوا عليه، ودخلوا في دين الله أفواجًا (^٤).
وقد أورد ابن إسحاق في السيرة أن النبي ﷺ قال لقريش يوم الفتح: «يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل فيكم؟ قالوا: خيرًا، أخ كريم، وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء» (^٥).
_________________
(١) صحيح البخاري «٥٨٠٨»، صحيح مسلم «١٣٥٧».
(٢) مسند أبي يعلى «٣٣٩٣»، وقال الهيثمي في المجمع ٦/ ١٩٦: " فيه عبد الله بن أبي بكر المقدمي وهو ضعيف".
(٣) الصحيح من أحاديث السيرة ص ٤٩٧.
(٤) دراسات في السيرة النبوية ص ١٢٦.
(٥) سيرة ابن هشام ٢/ ٤١٢ بإسناد مرسل، حيث قال ابن إسحاق: وحدثني بعض أهل العلم.
[ ٢٧١ ]
٤ ــ وأمره ﷺ بقتل ابن خَطَل ولو كان متعلقًا بأستار الكعبة ثابت في الصحيحين (^١).
قال الدكتور أكرم العُمري: "وهؤلاء الذين أُهدرت دماؤُهم كانوا ممن ألحق الأذى الشديد بالمسلمين، فكان في إهدار دمهم عبرة لم تسوّل له نفسه الظلم والطغيان" (^٢).
٥ ــ ودخوله ﷺ مكة ورأسه يكاد يمسّ مقدَّمة رحله دليل على شدة تواضعه ﷺ وبعده عما يصيب الفاتحين عادة من التعاظم والغرور.
٦ ــ وفي دخوله ﷺ مكة وعلى رأسه المغفر، وفي رواية: وعليه عمامة سوداء، دليل على جواز دخول مكة بغير إحرام لمن لم يرد الحج أو العمرة، سواء دخلها لحاجة تتكرر أو لا تتكرر (^٣).
أمره ﷺ بمحو الصور التي في الكعبة:
قال المصنف: «ونَزَلَ ﷺ مكة واغتسل في بيت أم هانئ، وصلّى ثماني ركعاتٍ يسلّم من كل ركعتين، فقيل إنها صلاة الضحى. وقيل: صلاة الفجر. وخرج ﷺ إلى البيت فطاف به طواف قدومٍ، ولم يسعَ، ولم يكن معتمرًا، ودعا بالمفتاحِ، فدخلَ البيتَ وأمر بإلقاء الصور ومحوها منه، وأذَّن بلالٌ يومئذ على ظَهْرِ الكعبة، ثم ردَّ ﷺ المفتاحَ إلى عثمانَ بنَ طلحة بن أبي طلحة. وأقرَّهم على السّدَانَة (^٤). وكان الفتحُ
_________________
(١) صحيح البخاري «٣٠٤٤»، صحيح مسلم «١٣٥٧».
(٢) السيرة النبوية الصحيحة ٢/ ٤٨٠.
(٣) شرح النووي على صحيح مسلم ٩/ ١٣١.
(٤) سِدَانة الكعبة معناه: القيام بشؤونها من فتحها وإغلاقها وتنظيفها وكسوتها وصيانتها ..
[ ٢٧٢ ]
لعَشْرٍ بقين من رمضانَ».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ نزوله واغتساله ﷺ في بيت أم هانئ وصلاته فيه ثمان ركعات ثابت في الصحيحين (^١).
٢ ــ وقول المصنف: "فقيل إنها صلاة الضحى، وقيل: صلاة الفجر"، قلت: الصحيح أنها كانت صلاة الضحى لتصريح الروايات الثابتة في الصحيحين بذلك كما تقدم.
٣ ــ وفي صلاته ﷺ صلاة الضحى بمكة دليل على مشروعية صلاة الضحى للمسافر، وبوب عليه البخاري بقوله: "باب صلاة الضحى في السفر" (^٢).
٤ ــ وطوافه ﷺ يوم الفتح بالبيت من غير عمرة مخرج في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة (^٣).
٥ ــ وأذان بلال ﵁ يوم الفتح فوق ظهر الكعبة أخرجه البيهقي من مرسل عروة بن الزبير، ومن مرسل ابن ابي مليكة، ومن حديث بعض آل جبير بن مطعم به (^٤).
٦ ــ وأمره ﷺ بمحو الصور وإخراجها من البيت ودخول البيت بعد ذلك
_________________
(١) صحيح البخاري «١١٧٦»، صحيح مسلم «٣٣٦».
(٢) صحيح البخاري مع الفتح ٣/ ٥٢.
(٣) صحيح مسلم «١٧٨٠».
(٤) دلائل النبوة للبيهقي ٥/ ٧٩، وهو يتقوى بتعدد تلك المراسيل.
[ ٢٧٣ ]
مخرج في صحيح البخاري من حديث ابن عباس (^١).
وقد صحّ أيضًا أن النبي ﷺ أمر بتحطيم الأصنام التي كانت حول البيت وتطهيره منها، وشارك في ذلك بنفسه، وكانت ثلاثمائة وستين صنمًا (^٢).
خطبته ﷺ وبيان حرمة مكة:
قال المصنف: «واستمر ﷺ مُفطرًا بقيّة الشهر، يصلّي ركعتين، ويأمر أهلَ مكة أن يتمّوا، كما رواه النسائي (^٣) بإسناد حسن عن عمران بن حصين ﵁، وخَطَبَ ﷺ الغَدَ من يوم الفتح فبيَّن حرمة مكة وأنها لم تحلّ لأحدٍ قبله ولا تحلّ لأحدٍ بعده، وقد أُحلَّت له ساعةً من نهار، وهي غير ساعته تلك حرامٌ. وبعث ﷺ السرايا إلى من حول مكة من أحياءِ العربِ يدعوهم إلى الإسلام».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ قوله: "واستمر ﷺ مُفطرًا بقية الشهر، يصلّي ركعتين": قلت: قال المصنف في تاريخه: "ولا خلاف أنه ﵊ أقام بقيّة شهر رمضان يقصر الصلاة ويفطر" (^٤).
٢ ــ وخطبته ﷺ الغَد من يوم الفتح وبيان حرمة مكة مخرج في الصحيحين من حديث أبي شريح العدوي (^٥).
_________________
(١) صحيح البخاري «١٦٠١».
(٢) صحيح البخاري «٢٤٧٨»، صحيح مسلم «١٧٨١».
(٣) الحديث لم يروه النسائي، وإنما هو في سنن أبي داود (١٢٢٩).
(٤) البداية والنهاية ٦/ ٦٠٩.
(٥) صحيح البخاري «٤٢٩٥»، صحيح مسلم «١٣٥٤».
[ ٢٧٤ ]
٣ ــ وبعثه ﷺ السرايا حول مكة تدعوا إلى الإسلام ذكره ابن إسحاق في السيرة بدون إسناد (^١).
٤ ــ وقد استدل بقصره ﷺ مدة بقائه بمكة زمن الفتح على أن المسافر له أن يقصر ولو كان مقيمًا.
واختلف في المدة، فالجمهور على أنها أربعة أيام، وذهب بعضهم كابن عباس إلى أن له القصر إلى تسعة عشر يومًا استدلالًا بحادثة الفتح هذه، فإنه قال بعد أن روى الحديث: «ونحن نقصر ما بيننا وبين تسع عشرة، فإذا زدنا أتممنا» (^٢).
٥ ــ وفي خطبته ﷺ يوم الفتح ما يؤكد على حرمة مكة المكرمة، وعظيم شرفها، وتحريم القتال فيها، وحرمة قطع الشجر، وقتل الصيد، وإخافته فيها.
٦ ــ وهكذا قضى الإسلام على الوثنية والشرك في مكة بلد التوحيد ومهد الإسلام، فلم تَقُم بعده للشرك قائمة فيه (^٣).
* * *
_________________
(١) سيرة ابن هشام ٢/ ٤٢٨.
(٢) صحيح البخاري «٤٢٩٩».
(٣) دراسات في السيرة النبوية ص ١٢٧.
[ ٢٧٥ ]