فصل
غزوة الخَندق
قال المصنف: «فصلٌ يشتملُ على ملخّص غزوةِ الخندقِ التي ابتلى الله فيها عبادَه المؤمنين وزَلْزَلَهُم، وثبَّت الإيمانَ في قلوبِ أوليائه وأظهرَ ما كان يُبْطِنه أهلُ النفاق، وفضحَهم وقرَّعهم. ثم أنزل نَصْرَه، ونَصَرَ عبدَه، وهزَمَ الأحزابَ وحدَه، وأعزَّ جُندَه، وردَّ الكفرة بغيظِهم، ووقى المؤمنين شرَّ كيدِهم، وذلك بفضْلِه ومَنّه. وحرّم عليهم شرعًا وقدرًا أن يغْزوا المؤمنين بعدها، بل جعلَهم المغلوبين وجعل حزبَه هم الغالبين، والحمدُ لله ربّ العالمين».
الكلام عليه من وجوه:
١ - اشتهرت هذه الغزوة بغزوة الخندق نسبة للخندق الذي حفره النبي ﷺ وأصحابه حول المدينة ليحولوا بين المشركين وبين دخول المدينة.
ويقال لها أيضًا غزوة الأحزاب، نسبة للمشركين الذين تحزبوا وتكالبوا لغزو المدينة.
وقد أشار الإمام البخاري إلى هاتين التسميتين فقال في الصحيح: "باب غزوة الخندق وهي الأحزاب" (^١).
_________________
(١) صحيح البخاري ٥/ ١٠٧.
[ ١٩٥ ]
٢ ــ وقد كان جيش المشركين يتألف من قبائل عدة تحالفت لغزو المدينة، وهم قريش ومن تبعها، وغطفان ومن تبعها، في نحو عشرة آلاف مقاتل، بقيادة أبي سفيان بن حرب، إضافة إلى يهود بني قريظة بعد نقضهم العهد (^١).
٣ ــ وهؤلاء الأحزاب وإن اشتركوا والتقوا على حرب المسلمين في هذه الغزوة، إلا أن دوافعهم كانت مختلفة، فقريش كانت تدفعها العداوة التقليدية للمسلمين، واليهود كان يدفعهم الحقد والخيانة. وأما غطفان كانوا مجرَّد مرتزقة تجَّار حرب لا أكثر (^٢)!!
٤ ــ وقد كانت هذه الغزوة كما أشار المصنف آخر الغزوات التي تعرض لها المسلمون في المدينة، وبعدها انتقل المسلمون من مرحلة الدفاع إلى مرحلة الهجوم. ولذلك صحَّ عنه ﷺ أنه قال بعد انصراف الأحزاب ورجوعهم: «الآن نغزوهم ولا يغزوننا، نحن نسير إليهم» (^٣)، وكان الأمر كما أخبر به النبي ﷺ، وهو عَلَمٌ من أعلام نبوته.
تأليب بني النضير على حرب المسلمين:
قال المصنف: «وكانت في سنةِ خمسٍ في شوّالها على الصحيح من قَولَي أهل المغازي والسير. وكان سبب غزوة الخندق أن نَفَرًا من يهود بني النَّضير الذين أجلاهم ﷺ من المدينة إلى خيبر كما قدمنا وهم أشرافُهم: كسلَّام بن أبي الحُقَيْق،
_________________
(١) سيرة ابن هشام ٢/ ٢١٥.
(٢) ومما يؤكد ارتزاق غطفان في هذه الحرب أن اليهود كانوا قد أغروهم بإعطائهم تمر خيبر تلك السنة في حال انضموا إلى قريش في غزو المدينة كما في مغازي الواقدي ٢/ ٤٤٣.
(٣) صحيح البخاري «٤١١٠».
[ ١٩٦ ]
وسلَّام بن مِشْكَم، وكنانة بن الرَّبيع وغيرهم، خرجوا إلى قريش بمكة فألَّبوهم على حربِ رسُولِ الله ﷺ ووعدوهم من أنفسهم النصر، فأجابوهم، ثم خرجوا إلى غَطَفَان فدعَوهم فأجابوهم أيضًا، وخرجت قريشٌ وقائدُهم أبو سفيان بن حرب، وعلى غطفان عُيينة بن حِصْن، كلُّهم في نحو عشرة آلاف رجلٍ».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ عرض المصنف في هذا الموضع من الأصل إلى الخلاف في تاريخ غزوة الخندق، ورجح أنها كانت في شوال من السنة الخامسة من الهجرة النبوية، وهذا هو قول جمهور علماء السيرة، وهو المعتمد كما قال الحافظ ابن حجر (^١)، وقال الذهبي: هو المقطوع به (^٢).
٢ ــ والسبب الذي ذكره المصنف لغزوة الخندق من تحريض يهود بني النضير سبب وجيه بلا ريب، وإن كان الظاهر أن العداوة التقليدية بين قريش والمسلمين، ومحاولة قريش مرارًا القضاء على قوة المسلمين هي السبب والدافع الرئيس وراء هذه الغزوة.
٣ ــ وخبر خروج وفد يهود النضير إلى مكة وتحريضهم قريشًا وغطفان على غزو المدينة ذكره ابن إسحاق في السيرة بأسانيد عديدة مرسلة يقوي بعضها بعضًا (^٣).
٤ ــ وما ذكره المصنف أن عدد جيش الأحزاب كان نحو عشرة آلاف ذكره
_________________
(١) فتح الباري ٧/ ٣٩٣.
(٢) تاريخ الإسلام ١/ ١٩٦.
(٣) سيرة ابن هشام ٢/ ٢١٤.
[ ١٩٧ ]
ابن إسحاق في السيرة بدون إسناد (^١).
إشارة سلمان الفارسي بحفر الخندق:
قال المصنف: «فلما سمعَ رسُولُ الله ﷺ بمسيرِهم إليه أَمَر المسلمينَ بحفرِ خندقٍ يحولُ بين المشركينَ وبين المدينةِ، وكان ذلك بإشارة سَلْمَان الفارسيّ ﵁، فعمل المسلمونَ فيه مبادرين هجوم الكفار عليهم، وكانت في حفْره آياتٌ مفصلةٌ يطولُ شرحُها، وأعلامُ نبوةٍ قد تواتر خبرُها، فلما كَمُل قَدِم المشركون، فنزلوا حولَ المدينةِ كما قال تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٠]».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ حاصل ما ذكر المصنف هنا أن النبي ﷺ عندما سمع بمسير الأحزاب لغزو المدينة استشار أصحابه، فأشار عليه سلمان الفارسي بحفر خندق من الجهة الشمالية للمدينة، وهي الجهة الوحيدة المكشوفة من المدينة أمام الغزاة، إذ كانت بقية الجهات محصنة طبيعيًا بالحِرَار الوعرة والأبنية المتشابكة التي يصعب على الجيوش الحركة فيها.
٢ ــ وخبر مشورة سلمان الفارسي بحفر الخندق مما أطبق عليه كتاب السيرة، وفي بعض ألفاظه أنه قال: "إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا علينا"، لكن لم أقف لهذه المشورة على إسناد (^٢).
٣ ــ وقد ورد في بعض الروايات أن طول الخندق كان خمسة آلاف ذراع،
_________________
(١) المصدر السابق ٢/ ٢١٩.
(٢) ينظر فتح الباري ٧/ ٣٩٣.
[ ١٩٨ ]
أي أقلّ من (٣) كيلو، وعرضه تسعة أذرع، وعمقه من سبعة إلى عشرة. كما ورد أن النبي ﷺ جعل على كل عشرة من المسلمين حفر أربعين ذراعًا (^١).
٤ ــ واختلف في المدة التي استغرقها حفر الخندق ما بين من يقول ستة أيام ومن يقول شهرًا، وبينهما أقوال عدة (^٢).
٥ ــ وقد ثبت في الصحيحين اشتراك النبي ﷺ مع أصحابه في حفر الخندق ونقله التراب معهم حتى وارى بياض بطنه (^٣).
وفي هذا صورة من صور تحقيقه ﷺ لمبدأ العدالة والمساواة بين الحاكم والرعية في تحمّل المسؤوليات والمهام، حيث لم يكتف بالتوجيه العام أو المشاركة الرمزية كما يفعل القادة عادة.
٦ ــ وفي أخذ النبي ﷺ فكرة حفر الخندق من الفرس دليل على انفتاحه ﷺ على جميع الأنظمة والتدابير العالمية التي ليس فيها مخالفة للشرع، أخذًا بمبدأ الحكمة ضالة المؤمن.
٧ ــ وكانت أيام حفر الخندق أيام برد شديد وتعب وجوع (^٤)، حتى إنهم لبثوا مرة ثلاثة أيام لا يذوقون طعامًا، فكانوا يعصبون الحجاة على بطونهم (^٥).
٨ ــ وقوله: "وكان في حفره آيات مفصلة وأعلام نبوة قد تواتر خبرها":
_________________
(١) وردت بذلك روايات ضعيفة من الناحية الحديثية.
(٢) فتح الباري ٧/ ٣٩٤.
(٣) صحيح البخاري «٧٢٣٦»، صحيح مسلم «١٨٠٣».
(٤) فتح الباري ١١/ ٢٣١.
(٥) صحيح البخاري «٤١٠١».
[ ١٩٩ ]
أقول: من ذلك أن النبي ﷺ أطعم جمعًا غفيرًا يبلغ الألف من شاة صغيرة وصاع شعير حتى شبعوا وزاد الطعام (^١).
ومن ذلك أن صخرةً صلبة عرضت للصحابة أثناء الحفر لا تؤثر فيها المعاول وحالت دون إتمامهم للحفر، فكلَّموا رسول الله ﷺ فيها، فضربها فأصبحت رملًا (^٢).
وجاء في رواية البراء بن عازب قال: عرض لنا صخرة في مكان من الخندق، لا تأخذ فيها المعاول، قال: فشكوها إلى رسول الله ﷺ، فجاء رسول الله ﷺ، فأخذ المعول فقال: "بسم الله" فضرب ضربة فكسر ثلث الحجر، وقال: "الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر من مكاني هذا". ثم قال: "بسم الله" وضرب أخرى فكسر ثلث الحجر فقال: "الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر المدائن، وأبصر قصرها الأبيض من مكاني هذا"، ثم قال: "بسم الله" وضرب ضربة أخرى فقلع بقية الحجر فقال: "الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا" (^٣)
تحصُّن المسلمين بالخندق:
قال المصنف: «وخرجَ رسُولُ الله ﷺ فتحصَّن بالخندقِ وهو في ثلاثةِ آلافٍ على الصحيح من أهلِ المدينةِ. وزعم ابنُ إسحاق أنه إنما كان في سبعمائةٍ. وهذا غلطٌ من غزوةِ أُحدٍ، والله تعالى أعلم».
_________________
(١) صحيح البخاري «٤١٠١»، صحيح مسلم «٢٠٣٩».
(٢) صحيح البخاري «٤١٠١».
(٣) مسند أحمد «١٨٦٩٤»، وحسن إسنادها الحافظ في الفتح ٧/ ٣٩٧.
[ ٢٠٠ ]
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ ما ذكره المصنف من عدد جيش المسلمين أورده ابن إسحاق في السيرة وغيره بدون إسناد (^١).
٢ - وما نقله المصنف عن ابن إسحاق من أن المسلمين كانوا سبعمائة وتغليطه له اعتمد فيه على شيخه ابن القيم (^٢)، والذي رأيته في سيرة ابن هشام نقلًا عن ابن إسحاق أنهم كانوا ثلاثة آلاف (^٣)، وهو الذي نقله ابن حجر عنه في الفتح (^٤)، فلا أدري من أين لابن القيم هذا النقل عن ابن إسحاق!!
٣ ــ وللفائدة فإن المصنف ﵀ كثيرًا ما يعتمد على كتاب "زاد المعاد" وينقل عنه نصوصًا كثيرة، يظهر هذا بالمقارنة.
غدر بني قريظة ونقضهم للعهد:
قال المصنف: «فجعلوا ظهورَهم إلى سَلْع (^٥). وأَمَرَ ﷺ بالنساء والذَّراري، فجُعلوا في آطامِ (^٦) المدينةِ. وانطلقَ حُييُّ بن أخطب النًّضري إلى بني قريظة، فاجتمع بكعب بن أسد رئيسِهم، فلم يزل به حتى نَقَضَ العهدَ الذي كان بينَه وبين رسُولِ الله ﷺ، ووافقَ كعبٌ المشركينَ على حربِ رسُولِ الله ﷺ، فسرُّوا بذلك.
_________________
(١) سيرة ابن هشام ٢/ ٢٢٠.
(٢) زاد المعاد ٣/ ٢٤٢
(٣) سيرة ابن هشام ٢/ ٢٢٠.
(٤) فتح الباري ٧/ ٣٩٣.
(٥) جبل بالمدينة يقع الآن في وسط العمران.
(٦) جمع أُطُم وهو: الحصن.
[ ٢٠١ ]
وبَعَث رسُولُ الله ﷺ السعدين: ابنَ معاذ وابنَ عبادة وخَوَّاتَ بن جُبير وعبدَ الله بن رَواحة، ليعرفوا له هل نقضَ بنو قريظة العهدَ أو لا؟ فلما قربوا منهم وجدوهم مُجاهرين بالعداوةِ والغدرِ، فتسابُّوا ونالَ اليهودُ ــ عليهم لعائن الله ــ من رسُولِ الله ﷺ، فسبَّهم سعدُ بن معاذ، وانصرفوا عنهم.
وقد أمرهم ﷺ إن كانوا نقضُوا أن لا يفتُّوا بذلك في أعضاد المسلمين (^١)، لئلا يورث وهنًا، وأن يَلحنوا إليه لحنًا ــ أي لغزًا ــ فلمَّا قدموا عليه، قال: ما وراءكم؟ قالوا: عَضَلٌ والقارَّة، يعنون غدرهم بأصحابِ الرَّجيعِ، فعظُم ذلك على المسلمينَ، واشتدّ الأمرُ، وعظُم الخطرُ، وكانوا كما قال الله تعالى: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ١١]».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ جَعْلُ المسلمين ظهورهم إلى جبل سَلْع، هذا كان من ضمن خطتهم بحيث تكون وجوههم مقابلة للعدو المتمركز خلف الخندق. وكذلك وضع النساء والذراري في آطامها، وكله ذكره ابن إسحاق بدون إسناد (^٢).
٢ ــ ومجيئ حُيي بن أخطب إلى كعب بن أسد وإقناعه بنقض العهد مع المسلمين ذكره ابن إسحاق وموسى بن عقبة بدون إسناد، والقدر الثابت في الأحاديث هو غدر بني قُريظة (^٣).
٣ ــ وإرساله ﷺ سعد بن معاذ وسعد بن عبادة ومن معهما إلى بني قريظة
_________________
(١) أعضاد المسلمين: قوتهم.
(٢) سيرة ابن هشام ٢/ ٢٢٠.
(٣) السيرة النبوية للعُمري ٢/ ٤٢٨.
[ ٢٠٢ ]
ليستجلوا خبر غدرهم أورده ابن إسحاق بدون إسناد (^١). وقد ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ أرسل أيضًا الزبير بن العوام للمهمة نفسها (^٢).
٤ - وقد تسبب نقض بني قريظة العهد إلى اشتداد الأمر على المسلمين وضيق الحال بهم، فأصبحوا محاصَرين بالأعداء من فوقهم (بنو قريظة)، ومن أسفل منهم (جيش المشركين)، وأصبح الحال عندها كما وصف الله تعالى: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ١١].
إن هذه مكيدة لا تعرفها العرب:
قال المصنف: «ولبثَ المشركونَ محاصرينَ رسُولَ الله ﷺ شهرًا، ولم يكن بينهم قتالٌ لأجلِ ما حالَ الله به من الخندقِ بينه وبينهم، إلا أن فوارسَ من قريشٍ منهم عمرو بن عبد وُدّ العامري وجماعةٌ معه أقبلوا نحو الخندقِ، فلما وقفوا عليه قالوا: إن هذه لمكيدةٌ ما كانت العربُ تعرفُها.
ثم يمموا مكانًا ضيقًا من الخندقِ فاقتحموه وجازوه، وجالتْ بهم خيلُهم في السبخةِ بين الخندقِ وسَلْعٍ ودعوا للبِرَازِ. فانتدبَ لعمرو بنِ عبدِ ودّ عليُّ بن أبي طالب ﵁ فبارزه فقتله الله على يديه. وكان عمرٌو لا يُجَارى في الجاهلية شجاعةً، وكان شيخًا قد جاوز المائة يومئذٍ، وأما الباقون فينطلقون راجعينَ إلى قومِهم من حيث جاؤوا.
وكان هذا أولُ ما فتحَ الله به من خِذلانهم. وكان شعارُ المسلمين تلك الغزوة: حم لا ينصرون».
_________________
(١) سيرة ابن هشام ٢/ ٢٢١.
(٢) صحيح البخاري «٤١١٣»، صحيح مسلم «٢٤١٥».
[ ٢٠٣ ]
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ ما ذكره المصنف من مدة الحصار تبع فيه شيخه ابن القيم (^١)، وثَبَتَ عن ابن المسيّب أنه قال: "حاصر النبيَّ ﷺ المشركون في الخندق أربعًا وعشرين ليلة" (^٢). والخلاف في هذا يسير.
٢ ــ ولم يقع قتال واسع بين الطرفين بسبب حيلولة الخندق بينهما كما أشار المصنف، لكنه وقع بينهم تراشق بالنبال من وراء الخندق قُتل وأُصيب بسببه رجال من الجيشين، منهم سعد بن معاذ ﵁؛ أصيب بسهم في أكحله فاستشهد بعد المعركة بوقت قصير (^٣).
٣ ــ ومبارزة علي بن أبي طالب لعمرو بن عبد ودّ وقتله إياه ذكره ابن إسحاق وابن سعد بدون إسناد (^٤).
٤ ــ وما ذكره المصنف أن شعار المسلمين يومها: "حم لا ينصرون" أخرجه النسائي في الكبرى بإسناد حسن (^٥).
٥ ــ وفي مبارزة عليّ لعمرو بن عبد ودّ دليل على جواز المبارزة خلافًا لمن أنكرها، كالحسن البصري، وشرط الأوزاعي والثوري وأحمد وإسحاق للجواز
_________________
(١) زاد المعاد ٣/ ٢٤٣.
(٢) طبقات ابن سعد ٢/ ٥٦.
(٣) صحيح البخاري «٤٦٣»، صحيح مسلم «١٧٦٩». والأكحل: وريد في وسط الذراع.
(٤) سيرة ابن هشام ٢/ ٢٢٥، طبقات ابن سعد ٢/ ٥١.
(٥) السنن الكبرى «٨٨١٠»، وإسناده حسن، وهو عند أبي داود «٢٥٩٧»، والترمذي «١٦٨٢» بإسناد صحيح، لكن ليس عندهما التصريح أن ذلك كان في غزوة الخندق.
[ ٢٠٤ ]
إذن أمير الجيش (^١).
مشاورته ﷺ في إعطاء غطفان ثلث ثمار المدينة:
قال المصنف: «ولما طالَ هذا الحالُ على المسلمينَ أرادَ رسُولُ الله ﷺ أن يُصالحَ عيينة بن حِصن والحارثَ بن عوف رئيسي غطفانَ، على ثُلُثِ ثمار المدينة وينصرفا بقومهما، وجرت المراوضةُ على ذلك ولم يتم الأمرُ، حتى استشارَ ﷺ السعدين في ذلك.
فقالا: يا رسُولَ الله! إن كان الله أمرك بهذا فسمعًا وطاعة، وإن كان شيئًا تصنعُه لنا فلقد كنَّا نحنُ وهؤلاءِ القوم على الشركِ بالله وعبادةِ الأوثانِ، وهم لا يطمعونَ أن يأكلوا منها ثمرة إلا قِرًى أو بيعًا، فحين أكرمنا اللهُ بالإسلامِ وهدانا له وأعزَّنا بك وبه نعطيهم أموالنا؟ والله لا نعطيهم إلا السيف.
فقال ﷺ: «إنما هو شيء أصنعه لكم»، وصوَّب رأيَهما في ذلك ﵄، ولم يفعل من ذلك شيئًا».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ إرادته ﷺ مصالحة غطفان وما جرى بينه وبين السعدين من حوار ومشاورة ذكره ابن إسحاق في السيرة مرسلًا من رواية الزهري (^٢)، وأسنده البزار والطبراني عن أبي هريرة (^٣).
_________________
(١) شرح المواهب للزرقاني ٢/ ٢٧٧.
(٢) سيرة ابن هشام ٢/ ٢٢٣.
(٣) قال الهيثمي في المجمع ٦/ ١٣٣: "رجال البزار والطبراني فيهما محمد بن عمرو، وحديثه حسن، وبقية رجاله ثقات".
[ ٢٠٥ ]
٢ ــ وفي الحادثة دليل على مشاورته ﷺ أصحابه في المهمات فيما لم يرد فيه نص ملزم، وقد تقدم نظائر عديدة لهذا.
٣ ــ واستدل بعض الفقهاء بهذه الحادثة على جواز عقد الهدنة مع الكفار مع بذل المال لهم إذا اقتضت الضرورة ذلك، كأن يكون بالمسلمين ضعف شديدٌ يخافون معه أن يجتاحهم العدو، من باب دفع أعلى الضررين بأخفهما (^١).
إيقاع نُعيم بن مسعود بين قريظة والأحزاب:
قال المصنف: «ثم إن الله سبحانه وله الحمدُ صنَعَ أمرًا من عندِه خذَّلَ به بينهم وفلَّ جموعهم، وذلك أن نُعيم بن مسعود بن عامر الغطفاني ﵁ جاء إلى رسُولِ الله ﷺ وقالَ: يا رسُولَ الله إني قد أسلمتُ فمرني بما شئت، فقال ﷺ: «إنما أنت رجلٌ واحدٌ فخذّل عنّا إن استطعت، فإن الحرب خُدعة».
فذهب من حينه ذلك إلى بني قريظة ــ وكان عشيرًا لهم في الجاهلية ــ فدخلَ عليهم وهم لا يعلمون بإسلامه، فقال يا بني قريظة! إنكم قد حاربتم محمدًا، وإن قريشًا إن أصابوا فُرصة انتهزوها، وإلا انشمروا إلى بلادهم وتركوكم ومحمدًا، فانتقم منكم. قالوا: فما العملُ يا نُعيم؟ قال: لا تقاتلوا معهم حتى يعطوكم رهائن، قالوا لقد أشرت بالرأي.
ثم نهضَ إلى قريشٍ فقالَ لأبي سفيان ولهم: تعلمون ودّي ونصحي لكم؟ قالوا نعم. قال: إن يهودَ ندموا على ما كان منهم من نقضِ عهد محمدٍ وأصحابه، وإنهم قد راسلوه أنهم يأخذون منكم رهائن يدفعونها إليه ثم يمالئونه عليكم. ثم
_________________
(١) روضة الطالبين للنووي ١٠/ ٣٣٥.
[ ٢٠٦ ]
ذهبَ إلى قومه غطفانَ فقال لهم مثل ذلك. فلما كان ليلةُ السبت في شوال بعثوا إلى يهود: إنَّا لسنا بأرضِ مُقام فانهضوا بنا غدًا نناجز هذا الرجل، فأرسل إليهم اليهود: إن اليوم يومُ السبت، ومع هذا فإنَّا لا نقاتلُ معكم حتى تبعثوا إلينا رهنًا.
فلمَّا جاءَهم الرُّسلُ بذلك قالت قريشٌ: صدقنا والله نُعيم بن مسعود، وبعثوا إلى يهود: إنَّا والله لا نُرسل لكم أحدًا فاخرجوا معنا، فقالت قريظة: صدَقَ والله نُعيم، وأبوا أن يقاتلوا معهم».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ قصة نعيم بن مسعود الغطفاني ذكرها ابن إسحاق بدون إسناد، وأسندها عبد الرزاق من طريق الزهري عن سعيد بن المسيّب مرسلًا (^١).
٢ ــ وحديث «الحرب خُدعة» مخرج في الصحيحين من رواية جابر بن عبد الله (^٢).
٣ ــ والحادثة فيها دليل على جواز خداع الكفار في الحرب كيف أمكن الخداع إلا أن يكون فيه نقض عهد أو أمان فلا يجوز (^٣).
هزيمة الأحزاب ورحيلهم:
قال المصنف: «وأرسل الله ﷿ على قريشٍ ومن معهم الجنودَ والريحَ
_________________
(١) سيرة ابن هشام ٢/ ٢٢٩، مصنف عبد الرزاق «٩٧٣٧». ومراسيل ابن المسيب قوية كما هو معروف، وقول الدكتور العُمري في السيرة الصحيحة ٢/ ٤٣٠: إنها لا يثبت من الناحية الحديثية فيه نظر، وكأنه لم يقف على رواية ابن المسيب.
(٢) صحيح البخاري «٣٠٣٠»، صحيح مسلم «١٧٣٩».
(٣) شرح النووي على صحيح مسلم ١٢/ ٤٥.
[ ٢٠٧ ]
تُزلزلهم، فجعلوا لا يَقِرُّ لهم قرارٌ، ولا تثبت لهم خيمةٌ ولا طُنُبٌ (^١)، ولا قِدْرٌ ولا شيءٌ. فلما رأوا ذلك ترحّلوا من ليلتِهم تلك.
وأرسلَ ﷺ حُذيفة بنَ اليمان يخبُر له خبَرهم، فوجدهم كما وصفنا، ورأى أبا سفيان يُصْلي ظهره بنار، ولو شاء حُذيفة لقتله، ثم رجعَ إلى رسُولِ الله ﷺ ليلًا فأخبره برحيلهم. فلمَّا أصبحَ رسُولُ الله ﷺ غدا إلى المدينةِ وقد وضعَ الناسُ السلاحَ، فجاء جبريلُ ﵇ إلى رسُولِ الله ﷺ وهو يغتسلُ في بيت أمّ سلَمة، فقالَ: أوضعتم السلاحَ؟ أما نحنُ فلم نضعْ أسلحتنا، انهد (^٢) إلى هؤلاءِ، يعني بني قريظة».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ حاصل ما ذكره المصنف أن الله ﷿ لما أراد هزيمة الأحزاب أرسل عليهم ريحًا باردة شديدة في ليلة مظلمة فكفأت قدورهم واقتلعت خيامهم وأطفأت نيرانهم، فضاق المشركون بها وبطول الانتظار والحصار ذرعًا فتنادوا بالرحيل وانصرفوا. والخبر بذلك ذكره ابن إسحاق بدون إسناد، وأخرجه ابن سعد من رواية سعيد بن جبير مرسلًا (^٣).
وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحادثة في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ٩].
_________________
(١) الطنب: حبل يشد به الخيمة ونحوها.
(٢) يقال نهد الرجل: إذا نهض وقام.
(٣) سيرة ابن هشام ٢/ ٢٣٢، طبقات ابن سعد ٢/ ٥٥.
[ ٢٠٨ ]
٢ ــ وبعثه ﷺ حُذيفة بن اليمان حتى يأتيه بخبر الأحزاب أخرجه مسلم في صحيحه (^١).
٣ ــ وفي الحادثة دليل على جواز بعث الإمام الجواسيس والعيون لكشف أخبار العدو (^٢).
٤ ــ كما أن فيها معجزة نبوية، فإن حذيفة حين بعثه النبي ﷺ ليأتيه بخبر الأحزاب كانت الريح باردة جدًا وتعصف بقوة، فلما ذهب جعل يمشي كأنه في حمام دافئ كما في رواية الصحيح ببركة دعاء النبي ﷺ له.
٥ ــ وقول جبريل للنبي ﷺ: "أوضعتم السلاحَ؟ أما نحن فلم نضع أسلحتنا .. إلى آخره" هذه الرواية مخرجة في الصحيحين بنحوه (^٣).
_________________
(١) صحيح مسلم «١٧٨٨».
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم ١٢/ ١٤٦.
(٣) صحيح البخاري «٤١١٧»، صحيح مسلم «١٧٦٩».
[ ٢٠٩ ]
فصل