فصل
غزوة أُحُدٍ
قال المصنف: «وهي وقعةٌ امتحنَ اللهُ ﷿ فيها عبادَهُ المؤمنينَ واختبرهُم، وميّزَ فيها بين المؤمنينَ والمنافقينَ. وذلك أن قريشًا حين قَتَلَ الله سَرَاتهَم (^١) ببدر، وأصيبوا بمصيبةٍ لم تكن لهم في حسابٍ، ورأَسَ فيهم أبو سفيان بن حرب لعدم وجود أكابرهم، شرع يجمّع قريشًا ويؤلّب على رسُولِ الله ﷺ وعلى المسلمينَ، فجمّع قريبًا مِنْ ثلاثةِ آلافٍ من قريشٍ والحلفاء والأحابيش (^٢).
وجاؤوا بنسائهم لئلَّا يفرُّوا، ثم أقبلَ بهم نحو المدينةِ، فنزلَ قريبًا من جبل أُحد بمكان يقال له: عَيْنَينِ (^٣)، وذلك في شوال من السنةِ الثالثة».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ اتفق علماء السيرة على وقوع هذه الغزوة في شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة (^٤)، واختلفوا في تحديد اليوم، والأشهر أنه: يوم السبت
_________________
(١) أشرافهم.
(٢) الأحابيش: أحياء عربية بجانب مكة كانت متحالفة مع قريش، سموا بهذا الاسم لتحبشهم وهو التجمع.
(٣) عينان: جبل بالمدينة، قريبًا من جبل أحد، والذي سمي بعد المعركة بجبل الرماة.
(٤) قال ابن حجر في الفتح ٧/ ٣٤٦: "باتفاق الجمهور، وشذَّ من قال سنة أربع".
[ ١٥٩ ]
للنصف من شوال (^١).
٢ ــ وقد كان لهذه الغزوة أسبابٌ عديدة، من أهمها كما أشار المصنف: أن قريشًا أرادت الثأر لقتلاها ببدر، وردُّ اعتبارها وهيبتها أمام العرب، وقد استعانت على تجهيز الجيش بأموال العير التي نجت يوم بدر.
٣ ــ وما ذكره المصنف من عدد جيش قريش هو المتفق عليه بين عامة أهل السير، وقد رواه البيهقي عن الزهري مرسلًا بإسناد صحيح (^٢).
٤ ــ وقوله: "ورأس فيهم أبو سفيان بن حرب لعدم وجود أكابرهم": قلت: كان أبو سفيان بن حرب من زعماء الدرجة الثانية في قريش، وكان مسؤولًا عن شؤون تجارة قريش الخارجية، لكن بعد مقتل كثير من كبارهم يوم بدر آلت إليه زعامة مكة ورئاستها، وقد كان من أشد الناس عداء للإسلام وتصديًا له حتى إسلامه يوم فتح مكة.
مشاورته ﷺ أصحابه في الخروج لقريش أو المكث في المدينة:
قال المصنف: «واستشارَ رسُولُ الله ﷺ أصحابَه: أيخرجُ إليهم أم يمكثُ في المدينةِ؟ فبادَرَ جماعةٌ من فضلاءِ الصحابةِ ممَّن فاتهُ الخروجُ يومَ بدرٍ إلى الإشارةِ بالخروجِ إليهم، وألحُّوا عليه ﷺ في ذلك.
وأشار عبدُ الله بنُ أُبي بنُ سلول بالمُقام بالمدينةِ، وتابعهُ على ذلك بعضُ الصحابةِ، فألحَّ أولئك على رسُولِ الله ﷺ، فنهضَ ودخلَ بيته ولبِس لأمَتَه (^٣)،
_________________
(١) السيرة النبوية الصحيحة للعُمري ٢/ ٣٧٨.
(٢) دلائل النبوة ٣/ ٢٢٠، وإسناده صحيح عن الزهري.
(٣) اللأمة: لباس الحرب.
[ ١٦٠ ]
وخرجَ عليهم، وقد انثنى عزمُ أولئك فقالوا: يا رسُولَ الله! إن أحببتَ أن تمكثَ في المدينةِ فافعل. فقال: «ما ينبغي لنبيّ إذا لبِس لأمَتَه أن يَضَعَها حتى يُقاتل»، وذلك يومُ الجمعة، واستخلفَ على المدينةِ ابنَ أم مكتُوم».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ مشاورته ﷺ أصحابه في الخروج لملاقاة جيش قريش أم التحصن في المدينة ذكرها ابن إسحاق (^١) في السيرة، وعلقها البخاري في الصحيح (^٢)، وأخرجها أحمد في المسند بإسناد صححه ابن حجر (^٣).
٢ ــ وقد كان رأي عبد الله بن أبي بن سلول ــ رأس المنافقين ـــ موافقًا لرأي النبي ﷺ، لكنه لسبب وهدف مختلف، فقد كان يريد عدم المشاركة في القتال دون أن يحس به أحد، وهذا إنما يتحقق له إذا كانت المعركة داخل أزقة المدينة وليس خارجها.
٣ ــ وفي الحادثة دليل على الأخذ بمبدأ الشورى فيما لم يرد فيه نص شرعي ملزم، وتقدم لذلك نظائر عدة.
٤ - وفيه أيضًا دلالة على ضرورة حزم القائد وترك التردد في الرأي، "ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل".
٥ ــ واستخلافه ﷺ ابن أم مكتوم على المدينة ذكره ابن إسحاق بدون إسناد (^٤).
_________________
(١) سيرة ابن هشام ٢/ ٦٣.
(٢) صحيح البخاري ٩/ ١١٢.
(٣) مسند أحمد «١٤٧٨٧»، تغليق التعليق ٥/ ٣٣٢.
(٤) سيرة ابن هشام ٢/ ٦٤.
[ ١٦١ ]
رجوع عبد الله بن أُبيّ ومن معه أثناء الطريق:
قال المصنف: «وخَرَجَ إلى أُحدٍ في ألفٍ، فلما كان ببعضِ الطريقِ انخزلَ عبدُ الله بنُ أُبيّ في نحو ثلاثمائةٍ إلى المدينةِ، واستقلَّ رسُولُ الله ﷺ بمن بقيَ معهُ حتى نزلَ شِعْبَ أُحدٍ، فجعلَ ظهرَهُ إلى أُحدٍ، ونهى الناسَ عن القتالِ حتى يأمرهُم.
فلما أصبحَ تعبَّأ ﷺ للقتالِ في أصحابهِ، وكان فيهم خمسونَ فارسًا، واستعملَ على الرُّماةِ ــ وكانوا خمسين ــ عبدَ الله بن جُبير الأوسيّ، وأمرهُ وأصحابهُ أن لا يتغيَّروا من مكانِهم، وأن يحفظوا ظهورَ المسلمينَ أن يُؤتوا من قِبَلِهِم. وظاهر ﷺ يومئذ بين درعين».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ قوله: "وخرج إلى أُحد في ألف": قلت: هذا هو عدد جيش المسلمين عند خروجه من المدينة، هكذا ذكره ابن إسحاق (^١)، وهو المشهور عن أهل المغازي كما قال البيهقي (^٢).
٢ ــ وخبر رجوع ابن سلول بثلث الجيش ذكره ابن إسحاق وموسى بن عقبة بدون إسناد (^٣)، وأصله في البخاري بلفظ: «لمَّا خَرَج النبي ﷺ إلى أُحد، رجع نَاسٌ ممَّن خَرَج معه» (^٤)، قال ابن حجر: "هُمْ عبد الله بن أبيّ بن سلول ومن تبعه" (^٥).
_________________
(١) سيرة ابن هشام ٢/ ٦٣.
(٢) دلائل النبوة ٣/ ٢٢٠.
(٣) ينظر سيرة ابن هشام ٢/ ٦٤، دلائل النبوة للبيهقي ٣/ ٢٠٦.
(٤) صحيح البخاري «٤٠٥٠».
(٥) فتح الباري ١/ ٣٠٤.
[ ١٦٢ ]
٣ ــ وأمره ﷺ للرُّماة ألا يغيّروا مكانهم ثبت مضمونه في الصحيح، وفيه أنه قال لهم: «إن رأيتمونا تخطَّفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا هزمنا القوم وأوطأناهم، فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم» (^١).
٤ ــ وقوله "وظاهر بين درعين" أي لبس درعًا فوق درع. والدرع: قَمِيص مصنوع من حلقات من الحدِيد المتشابك، يُلبس وقاية من السِّلَاح.
٥ ــ ومظاهرته ﷺ بين درعين صح فيها أحاديث، منها حديث الزبير بن العوام عند الترمذي، وحسنه الألباني (^٢). وفيه دليل على أن التوكل على الله لا يعني ترك مراعاة الأسباب.
تنظيمه ﷺ للجيش واستعراضه للشباب:
قال المصنف: «وأعطى اللواء (^٣) مصعبَ بن عُمير، وجعلَ على إحدى المجنبتين الزُّبيرَ بن العوَّام، وعلى المجنبة الأُخرى المُنذر بن عمرو.
واستعرض الشبابَ يومئذٍ، فأجاز بعضَهم وردّ آخرينَ، وتعبأت قريشٌ أيضًا وهم في ثلاثةِ آلافٍ كما ذكرنا، فيهم مائتا فارسٍ، فجعلوا على ميمنتهم خالد بن الوليد، وعلى الميسرة عكرمة بن أبي جهل، وكان شعار أصحابِ رسُولِ الله ﷺ يومئذٍ: أمِتْ أمِتْ».
الكلام عليه من وجوه:
١ - في تقسيمه ﷺ للجيش إلى ميمنة وميسرة، وترتيبه للصفوف، وجعله
_________________
(١) صحيح البخاري «٣٠٣٩».
(٢) سنن الترمذي «١٦٩٢»، صحيح وضعيف سنن الترمذي ٤/ ١٩٢.
(٣) اللواء: العَلَم وهو دون الراية.
[ ١٦٣ ]
بعض الرماة فوق الجبل، وتوزيعه للأدوار والمهام بين الصحابة دليل على ما كان يتمتع به ﷺ من مهارة حربية وبراعة عسكرية فائقة.
٢ ــ وقوله: "واستعرض الشباب يومئذ، فأجاز بعضهم وردّ آخرين": قلت: قَبِلَ منهم اثنين، وردَّ نحو العشرة (^١)، وفي الصحيحين أن عبد الله بن عمر ممن رُدَّ يومها (^٢).
٣ ــ وفي رده ﷺ لغير البالغين يوم أحد دليل على رحمته ﷺ وشفقته بالأطفال حتى وإن كانت حربًا عادلة، لا كما يفعله تجَّار الحروب اليوم الذين لا يتوانون عن استغلال الأطفال في حروبهم الدامية والزج بهم في أتونها!!
٤ - وقول المصنف: "وكان شعارهم يومئذ أمِتْ أمِتْ" بالتكرار، المراد بالشعار: ما يُجعل في الحرب علامة بين أفراد الجيش من الكلمات، حتى يعرف بها الرجل رفيقه، وهذا الشعار ذكره كتاب السيرة بدون إسناد (^٣).
مخالفة الرماة أمر رسول الله ﷺ:
قال المصنف: «وكانت الدولةُ أولَ النهارِ للمسلمينَ على الكفارِ، فانهزموا راجعينَ حتى وصلُوا إلى نسائهم، فلما رأى ذلك أصحابُ عبدِ الله بنِ جُبير قالوا:
_________________
(١) عيون الأثر ٢/ ١٣.
(٢) صحيح البخاري «٤٠٩٧»، صحيح مسلم «١٨٦٨».
(٣) ينظر: سيرة ابن هشام ٢/ ٦٨، جوامع السيرة ص ١٦٠، ووهم د. مهدي زرق الله في كتابه السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية ص ٣٦٧ فعزاه إلى مسند أحمد وأبي داود والحاكم وغيرهم، وهذا خطأ فإن المصادر المحال إليها تتحدث عن غزوة أخرى ليست بغزوة أحد!!
[ ١٦٤ ]
يا قومُ، الغنيمة الغنيمة. فذكَّرهم عبدُ الله بن جُبير تقديمَ (^١) رسُولِ الله ﷺ إليه في ذلك، فظنوا أن ليس للمشركينَ رجعة، وأنهم لا تقوم لهم قائمة بعد ذلك، فذهبوا في طلبِ الغنيمة.
وكرَّ الفرسانُ من المشركينَ فوجدوا تلك الفُرجة قد خلت من الرُّماة فجازوها وتمكنوا، وأقبل آخرُهم، فكان ما أرادَ اللهُ تعالى كونُه، فاستشهد من أكرمهم الله بالشَّهادةِ من المؤمنين، فقُتِل جماعة من أفاضل الصحابة، وتولّى أكثرُهم».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ حاصل هذا أن معركة أحد مرّت بثلاث مراحل؛ ففي بداية المعركة حقق المسلمون نصرًا كبيرًا ضد المشركين، حتى إن المشركين ولَّوا هاربين، وأخذ المسلمون في جمع غنائمهم.
لكن بعد أن تخلَّى أكثر الرماة عن أماكنهم وخالفوا وصيّة رسول الله ﷺ لهم، تمكن المشركون من الالتفاف عليهم من خلفهم، وإحداث نكسة للمسلمين أدت إلى اضطراب أمرهم وقتل كثير منهم.
وفي المرحلة الأخيرة أخذ المسلمون يستعيدون السيطرة مرة أخرى ويقاتلون ببسالة، حتى حال اقتراب الليل بين الفريقين دون أن يحقق أحدهما نصرًا حاسمًا على الآخر.
وقد خاف المشركون أن ينقلب الأمر ضدهم، ويحقق المسلمون نصرًا قويًا فكفُّوا عن القتال وانصرفوا.
_________________
(١) يقصد بالتقديم: ما أخذه النبي ﷺ من العهد عليهم ألا يبرحوا مكانهم.
[ ١٦٥ ]
٢ ــ وقصة عبد الله بن جبير مع الرماة وهزيمة المشركين في أول المعركة ثم استشهاد سبعين من المسلمين كله ثابت ومخرج في الصحيح (^١).
٣ ــ وقوله: "وقُتل جماعة من أفاضل الصحابة": سيأتي تسمية بعضهم في كلام المصنف.
٤ ــ وقوله: "وتولّى أكثرهم": قلت: سببه: ما بلغهم من إشاعة مقتل النبي ﷺ. ثم إن تعبير المصنف هذا فيه نظر، لأن الذين فرّوا وتولوا حقيقة من المعركة كانوا قلّة، وأما أكثرهم فقد اضطرب أمرهم وجلسوا حيارى قد أصابهم الذهول لا يدرون ما يصنعون.
وقد أوضح المسألة الحافظُ ابنُ حجر فقال: "الواقع أن الصحابة صاروا ثلاث فرق (بعد الهزيمة)؛ فرقة استمروا في الهزيمة إلى قرب المدينة، فما رجعوا حتى انفض القتال، وهم قليل .. وفرقة صاروا حيارى لما سمعوا أن النبي ﷺ قُتِل فصار غاية الواحد منهم أن يذبّ عن نفسه .. وهم أكثر الصحابة، وفرقة ثبتت مع النبي ﷺ، ثم تراجع إليه القسم الثاني شيئًا فشيئًا لما عرفوا أنه حي" (^٢)
٥ ــ ثم إن الصواب أن المشركين لم يحققوا نصرًا بالمعنى العسكري في هذه المعركة، فهم لم يغنموا شيئًا، ولم يحتلّوا أرضًا، ولم يأسروا مسلمًا، ولم يقتلوا القائد، وكل ما استطاعوا صنعه هو الثأر لقتلاهم ببدر مع قتل من قُتل منهم يومها!!
إصابته ﷺ في المعركة وإشاعة مقتله:
قال المصنف: «وخَلَصَ المشركونَ إلى رسُولِ الله ﷺ فجُرحَ في وجههِ الكريمِ،
_________________
(١) صحيح البخاري «٣٠٣٩، ٤٠٤٣».
(٢) فتح الباري ٧/ ٣٦٢ باختصار.
[ ١٦٦ ]
وكُسرت رَبَاعيته (^١) اليمنى السُّفلى بحَجَرٍ، وهُشِمَت البيضة (^٢) على رأسه المقدَّس، وقُتل مصعب بن عمير ﵁ بين يديه، ونشبت حلقتان من حِلَق المغْفر (^٣) في وجهه ﷺ، فانتزعهما أبو عُبيدة بن الجرَّاح ﵁، وعضَّ عليهما حتى سقطت ثنيّتاه، وترَّسَ أبو دُجانة سِمَاك بن خَرَشَة عليه ﷺ بظهره، والنبلُ يقعُ فيه، وهو لا يتحرك ﵁، ورمى سعدُ بنُ أبي وقاص ﵁ يومئذٍ رميًا مسَّددًا مُنْكئًا، فقال له رسُولُ الله ﷺ: «ارم فداكَ أَبي وأُمي»، وأُصيبت يومئذ عينُ قتادة بن النعمان الظفريّ، فأتى رسُولَ الله ﷺ فردَّها ﵊ بيده الكريمة، فكانت أصحَّ عينيه وأحسنَهما.
وصرخَ الشيطانُ ــ لعنه الله ــ بأعلى صوته: إن محمدًا قد قُتل، ووقعَ ذلك في قلوبِ كثير من المسلمينَ، وتولَّى أكثرُهم، وكان أمر الله».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ ما ذكره المصنف هنا هو بعضٌ مما قدمه صحابة رسول الله ﷺ من تضحيات عظيمة وبطولات خالدة في المعركة، وثمة مواقف أخرى تركناها اختصارًا.
٢ ــ وجرحُ وجه النبي ﷺ، وكسرُ رباعيته، وهشْمُ البيضة فوق رأسه الشريف، كلُّه مخرج في الصحيحين (^٤). والمراد بكسر ثنيته: ذهاب قطعة منها،
_________________
(١) الرباعية: السنّ بين الثنية والناب، وهما اثنان في الأعلى، واثنان في الأسفل.
(٢) البيضة: الخوذة التي يلبسها الفارس على رأسه.
(٣) حلقات تنسج من الدروع على قدر الرَّأْس تلبس تَحت القلنسوة.
(٤) صحيح البخاري «٢٩١١»، صحيح مسلم «١٧٩٠».
[ ١٦٧ ]
وليس قلعها من أصلها كما نبّه عليه الحافظ ابن حجر (^١).
٣ ــ وقوله: "ونشبت حلقتان من حِلَق المغفر في وجهه ﷺ، فانتزعها أبو عبيدة بن الجراح": أخرجه أبو داود الطيالسي من حديث عائشة ﵂ بإسناد ضعيف (^٢).
٤ ــ وتتريس أبي دجانة عليه ﷺ من النبل ذكره ابن إسحاق بدون إسناد (^٣).
وردّه ﷺ عين قتادة بن النعمان إلى مكانها بعد أن قلعت ذكره ابن إسحاق من مرسل عاصم بن عمر بن قتادة (^٤).
٥ ــ وتفدية النبي ﷺ لسعد بن أبي وقاص بأبويه يوم أحد مخرج في الصحيحين (^٥).
٦ ــ وصرخة الشيطان بأن "محمدًا قد قُتل" مخرج في مسند أحمد بإسناد صحيح (^٦).
٧ ــ وفي لبسه ﷺ للخوذة والمغفر في المعركة دليل على مشروعية الأخذ بالأسباب المادية وأنه لا يتنافى مع كمال التوكل على الله تعالى.
٨ ــ كما دلت الحادثة على فضل أصحاب رسول الله ﷺ وما بذلوه من
_________________
(١) فتح الباري ٧/ ٣٦٦.
(٢) مسند أبي داود الطيالسي «٦»، وفي سنده إسحاق بن يحيى بن طلحة وهو ضعيف.
(٣) سيرة ابن هشام ٢/ ٨٢.
(٤) المصدر السابق ٢/ ٨٢.
(٥) صحيح البخاري «٤٠٥٥»، صحيح مسلم «٢٤١٢».
(٦) صحح إسناده أحمد شاكر في تحقيقه للمسند «٢٦٠٩».
[ ١٦٨ ]
تضحيات جسيمة في سبيل حمايته ﷺ وإعلاء كلمة الإسلام.
٩ ــ كذلك يؤخذ من الحادثة خطورة نشر الإشاعات والأراجيف ووجوب الحذر منها، كما ظهر ذلك في الإشاعة التي أطلقها إبليس لعنه الله بأن "محمدًا قد قُتل" حتى أصيب المسلمين بالذهول والفزع الشديد.
١٠ ــ كما دلت الحادثة على شؤم المعاصي وأثرها السيئ ليس على أصحابها فحسب، بل وعلى من حولهم أيضًا، فإن المعاصي تصيب الطالح والصالح جميعًا في الدنيا، كما أصيب المسلمون يوم أحد بسبب مخالفة الرماة أمر رسول الله ﷺ.
١١ ــ ومع كل ما فعله المشركون برسول الله ﷺ يوم أحد فإنه لم يدع عليهم، بل لقد طمع في هدايتهم وإسلامهم، وقال: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» (^١).
محاولة أُبيّ بن خَلَف قتل رسول الله ﷺ:
قال المصنف: «وأقبلَ رسُولُ الله ﷺ نحو المسلمينَ، فكان أولَ من عرَفه تحت المِغْفَر كعبُ بن مالك ﵁، فصاح بأعلى صوته: يا معشرَ المسلمين، أبشروا، هذا رسُولُ الله ﷺ! فأشار إليه ﷺ أن اسكت.
واجتمعَ إليه المسلمونَ، ونهضوا معهُ إلى الشِّعب الذي نزل فيه، فلما أسندوا في الجبل، أدركه أُبيّ بن خَلَفٍ على جواد، زعم الخبيثُ أنه يقتلُ رسُولَ الله ﷺ، فلمَّا اقتربَ تناولَ رسُولُ الله ﷺ الحربة من يد الحارث بن الصّمة فطعنه بها، فجاءت في تَرْقُوته، ويَكِرُّ عدوّ الله منهزمًا، فقال له المشركونَ: والله ما بك من بأسٍ، فقال:
_________________
(١) أخرجه ابن حبان في صحيحه «٩٧٣»، وحسن إسناده شعيب الأرناؤوط في تحقيقه لصحيح ابن حبان.
[ ١٦٩ ]
والله لو كان ما بي بأهلِ ذي المجازِ (^١) لماتُوا أجمعونَ، إنه قال لي: إنه قاتلي، ولم يزل به ذلك حتى مات بِسَرِف (^٢) مرجِعَه إلى مكة لعنه الله».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ قول المصنف أن أول من عرف رسول الله ﷺ تحت المغفر كعب بن مالك أخرجه الطبراني بإسناد رجاله ثقات (^٣).
٢ ــ وحادثة طعن رسول الله ﷺ لأُبي بن خلَف مخرجة عند ابن سعد بإسناد قوي مرسل (^٤).
٣ ــ ولقد كان لخبر حياة النبي ﷺ بعد إشاعة مقتله أثرًا عظيمًا في رفع معنويات الصحابة وعودتهم مرة أخرى للقتال والالتفاف حوله.
استشهاد سبعين من أصحاب النبي ﷺ:
قال المصنف: «وأرادَ ﷺ أن يعلوَ صخرةً هناك، فلم يستطع لما به ﷺ، ولأنه ظاهرَ يومئذٍ بين درعين، فجلس طلحةُ تحته حتى صَعِدها، وحانت الصلاةُ، فصلّى جالسًا، ثم مال المشركون إلى رحالهم، ثم استقبلوا طريق مكة منصرفينَ إليها، وكان هذا كله يومَ السبت.
واستُشهد يومئذٍ من المسلمين نحو السبعين، منهم: حمزةُ عمُّ رسُولِ الله ﷺ قتله وحشيٌ مولى بني نوفل، وعبد الله بن جَحْش، ومصعب بن عمير، فدفنهم في
_________________
(١) من أسواق العرب المشهورة في الجاهلية، كان قريبًا من عرفة.
(٢) واد شمال مكة على طريق المدينة، على بعد (١٢) كيلًا.
(٣) معجم الطبراني الأوسط «١١٠٤»، وقال الهيثمي في المجمع ٦/ ١١٢: رجاله ثقات.
(٤) طبقات ابن سعد ٢/ ٣٥ من مراسيل سعيد بن المسيب، ومراسيله قوية.
[ ١٧٠ ]
دمائهم وكلومهم، ولم يُصَلّ عليهم يومئذٍ.
وفرّ يومئذ من المسلمينَ جماعةٌ من الأعيان، منهم عثمانُ بنُ عفان ﵁، وقد نصَّ الله سبحانه على العفو عنهم، فقال ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٥٥]. وقُتل يومئذٍ من المشركينَ اثنانِ وعشرونَ.
وقد ذكر سبحانهُ هذه الوقعة في سورةِ آلِ عمرانَ حيث يقولُ: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٢١]، الآيات».
الكلام عليه من وجوه:
١ - جلوسه ﷺ فوق ظهر طلحة بن عبيد الله حتى صعد الصخرة مخرج عند الترمذي بإسناد حسن، وفيه أن النبي ﷺ قال بعدها: أوجب طلحة (^١)، أي وجبت له الجنة.
٢ ــ وقوله: "واستُشهد يومئذٍ من المسلمين نحو السبعين": أخرجه البخاري في الصحيح (^٢).
٣ - وقصة قتل وحشي بن حرب لحمزة ﵁ مخرجة في صحيح البخاري، وفيها أن جُبير بن مُطعم قال له: "إن قتلت حمزة بعمّي فأنت حرٌّ" (^٣).
_________________
(١) سنن الترمذي «١٦٩٢»، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي ٤/ ١٩٢.
(٢) صحيح البخاري «٣٩٨٦»، «٤٠٧٨».
(٣) صحيح البخاري «٤٠٧٢».
[ ١٧١ ]
٤ ــ وترك النبي ﷺ الصلاة على شهداء أحد وترك تغسيلهم ثابت في صحيح البخاري (^١).
قال الإمام الشافعي: "جاءت الأخبار كأنها عيان من وجوه متواترة أن النبي ﷺ لم يصلّ على قتلى أحد" (^٢).
٥ ــ وقد دل ترك النبي ﷺ الصلاة على شهداء أحد ودفنهم في دمائهم على أن شهيد المعركة في حرب الكفار لا يصلّى عليه ولا يغسل، وهو قول جمهور العلماء (^٣).
٦ - وقوله: "وقُتل يومئذ من المشركين اثنان وعشرون": هذا قول ابن إسحاق، وقال موسى بن عقبة: كانوا ستة عشر رجلًا، وكلا القولين بدون إسناد (^٤).
_________________
(١) صحيح البخاري «١٣٤٣».
(٢) فتح الباري ٣/ ٢١٠.
(٣) المجموع للنووي ٥/ ٢٦٤.
(٤) سيرة ابن هشام ٢/ ١٢٩، دلائل النبوة للبيهقي ٣/ ٢٨٠.
[ ١٧٢ ]
فصل