الفصل الأول: وجوب الإيمان بالنبي ﷺ
المبحث الأول: تعريف الإيمان وبيان معنى شهادة أن محمدا رسول الله
المطلب الأول: تعريف الإيمان عموما
المطلب الأول: تعريف الإيمان عموما.
أ- المعنى اللغوي لكلمة "آمن":
الإيمان مصدر آمن يؤمن إيمانا فهو مؤمن
أ- ويرى جمع من أهل اللغة أن الإيمان في اللغة معناه: التصديق وقد حكوا الإجماع على ذلك قال الأزهري١: "واتفق أهل العلم من اللغويين وغيرهم أن الإيمان معناه التصديق"٢.
واستدلوا لذلك بقوله تعالى حكاية عن إخوة يوسف لأبيهم ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ ٣ فقالوا معناه ما أنت بمصدق لنا٤.
٢- أما علماء السلف٥ فيقولون إن الإيمان يأتي في اللغة لمعنيين هما:
أ- بمعنى صدق به وذلك إذا عدي بالباء كما في قوله تعالى ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ ﴾ الآية٦ أي صدق الرسول٧.
ب- وبمعنى أقر له وذلك إذا عدي باللام كما في قوله تعالى ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾، وقوله تعالى ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوط﴾ ٨.
_________________
(١) ١ هو: محمد بن أحمد بن الأزهر الهروي أبو منصور أحد الأئمة في اللغة والأدب ولد سنة ٢٨٢هـ وتوفي سنة ٣٧٠هـ وهو صاحب كتاب تهذيب اللغة. انظر الأعلام للزركلي (٥/٣١١) . ٢ تهذيب اللغة (٥/٥١٣) . ٣ الآية (٧) من سورة يوسف. ٤ لسان العرب لابن منظور، مادة آمن (١٣/٢٣) . ٥ شرح العقيدة الأصفهانية لشيخ الإسلام ابن تيمية (ص ١٤٣) . ٦ الآية (٢٨٥) من سورة البقرة. ٧ تفسير القرطبى (٣/ ٤٢٥) . ٨ الآية (٦) من سورة العنكبوت.
[ ٢٢ ]
وقد اعترض السلف على حصر أهل اللغة لمعنى الإيمان بالتصديق فقط وقالوا: "إن الإيمان وإن كان يتضمن التصديق فليس هو مجرد التصديق، وإنما هو الإقرار١ والطمأنينة أيضا"٢ واستدل السلف لقولهم بالأمور التالية:
أولا: إن الترداف التام ممتنع بين التصديق والإيمان من عدة وجوه، يوضحها الجدول التالي
الإيمان التصديق
- إن كلمة آمن تتعدى بالباء وباللام وقد تقدم التمثيل لذلك.
- إن كلمة آمن تتضمن ثلاثة معان هي: الأمن، والتصديق، والأمانة
- إن لفظ الإيمان لا يستعمل إلا في الخبر عن الغائب لأن فيه أصل معنى الأمن والائتمان وهذا إنما يكون في الخبر عن الغائب، فلا يقال لمن قال طلعت الشمس آمنا له وإنما يقال صدقناه ولهذا لم يأت في القرآن وغيره لفظ آمن له إلا في الخبر عن الغائب
- إن لفظ الإيمان ضده الكفر، والكفر لا يختص بالتكذيب فقط بل هو أعم منه، إذ يمكن أن يكون مخالفة ومعاداة بلا تكذيب ومع ذلك يسمى كفرا كما لو قال شخص: أنا أعلم أنك صادق، ولكن لا أتبعك بل أعاديك وأبغضك وأخالفك، فهذا كفر أعظم.
- أما كلمة "صدق" فلا تتعدى باللام فلا يقال "صدق له" إنما يقال "صدق به" فهي تتعدى بالباء وبنفسها فيقال صدقه.
- أما كلمة صدق فلا تتضمن معنى الأمن والأمانة.
- أما لفظ التصديق فيستعمل في كل مخبر عن مشاهد أو غيب، فمن قال السماء فوقنا، قيل له: صدقت
- أما لفظ التصديق ضده التكذيب فقط.
_________________
(١) ١ الإقرار: متضمن لمعنيين هما: قول القلب الذي هو التصديق. وعمل القلب الذي هو الانقياد. مجموع الفتاوى (٧/ ٦٣٨- ٦٣٩) . ٢ الصارم المسلول لابن تيمية (ص٥١٩) .
[ ٢٣ ]
وبهذا يتبين عدم الترداف التام بين اللفظين، وأن الإيمان ليس التصديق فقط١ كما أن الكفر ليس التكذيب فقط.
ثانيا: من المعلوم أن كلام الله وشرعه إنما هو خبر وأمر.
فالخبر: يستوجب تصديق الخبر.
والأمر يستوجب الانقياد له والاستسلام، وهو عمل في القلب، جماعه: الخضوع والانقياد للأمر، وإن لم يفعل المأمور به.
فإذا قوبل الخبر بالتصديق، والأمر بالانقياد، فقد حصل أصل الإيمان في القلب وهو "الطمأنينة والإقرار" فإن اشتقاقه من الأمن الذي هو القرار والطمأنينة، وذلك إنما يحصل إذا استقر في القلب التصديق والانقياد. فلو فُسِّر الإيمان بالتصديق فقط، كما قال أهل اللغة، فإن التصديق إنما يعرض للجزء الأول من الشرع فقط الذي هو الخبر، ولا يعرض للجزء الثاني وهو الأمر، لأن الأمر ليس فيه تصديق من حيث هو أمر.
ومن المعلوم أن إبليس لم يكفر بسبب عدم تصديقه، فإنه سمع أمر الله فلم يكذب رسولا، ولكن لم ينقد للأمر ولم يخضع له، واستكبر عن الطاعة فصار كافرا، قال تعالى: ﴿إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ ٢ فسماه الله كافرا وسلب عنه وصف الإيمان لاستكباره وعدم انقياده لأمرالله له بالسجود لآدم.
لازم القول بأن الإيمان مجرد التصديق فقط.
وهذا موضع زاغ فيه خلق من الخلف تخيل لهم أن الإيمان ليس في الأصل
_________________
(١) ١ انظر شرح العقيدة الطحاوية (ص٣٨٠ - ٣٨١) . ٢ الآية (٤) من سورة البقرة.
[ ٢٤ ]
إلا التصديق، ثم يرون مثل إبليس وفرعون مما لم يصدر عنه تكذيب أو صدر عنه تكذيب باللسان لا بالقلب وكفره من أغلظ الكفر فيتحيرون.
ومثل هؤلاء القوم لو أنهم هُدوا لما هُدي إليه السلف الصالح لعلموا أن الإيمان قول وعمل أعني في الأصل قولا في القلب، وعملا في القلب، فإن الإيمان بحسب كلام الله ورسالته- وكلام الله ورسالته يتضمن أخباره وأوامره- فيصدق القلب أخباره تصديقا يوجب حالا في القلب بحسب المصدق به، والتصديق هو من نوع العلم والقول، وينقاد لأمره ويستسلم، وهذا الانقياد والاستسلام هو من نوع الإرادة والعمل، ولا يكون مؤمنا إلا بمجموع الأمرين فمتى ترك الانقياد كان مستكبرا فصار من الكافرين وإن كان مصدقا، لأن الكفر أعم من التكذيب، فالكفر يكون تكذيبا وجهلا، ويكون استكبارا وظلما، ولهذا لم يوصف إبليس إلا بالكفر والاستكبار دون التكذيب، ولهذا كان كفر من يعلم مثل اليهود ونحوهم من جنس كفر إبليس، وكان كفر من يجهل مثل النصارى ونحوهم ضلالا وهو "الجهل" ألا ترى أن نفرا من اليهود جاءوا إلى النبي ﷺ وسألوه عن أشياء، فأخبرهم، فقالوا: نشهد أنك نبي، ولم يتبعوه، وكذلك هرقل وغيره، فلم ينفعهم هذا العلم وهذا التصديق.
ألا ترى أن من صدق الرسول بأن ما جاء به هو رسالة الله، وقد تضمنت خبزا وأمرا، فإنه يحتاج إلى مقام ثان، وهو تصديق خبر الله وانقياده لأمر الله، فإذا قال: "أشهد أن لا إله إلا الله" فهذه الشهادة تتضمن تصديق خبره والانقياد لأمره. "وأشهد أن محمدا رسول الله" تضمنت تصديق الرسول فيما جاء به من عند الله.
[ ٢٥ ]
فبمجموع هاتين الشمهادتين يتم الإقرار.
فلما كان التصديق لا بد منه في كلا الشهادتين- وهو الذي يتلقى الرسالة بالقبول- ظن من ظن أنه أصل لجميع الإيمان وغفل عن أن الأصل الآخر لا بد منه وهو الانقياد، وإلا فقد يصدق الرسول، ظاهرا وباطنا ثم يمتنع من الانقياد للأمر، إذ غايته في تصديق الرسول أن يكون بمنزلة من سمع الرسالة من الله سبحانه كإبليس"١.
ثالثا: ما استدل به أهل اللغة على أن معنى الإيمان في قوله تعالى ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ هو التصديق غير مسلم.
إذ يرى علماء السلف أن تفسيرها بـ "أقررت" أقرب من تفسيرها بـ " صدقت " وذلك لأن لفظ "آمن" متى عُدّي باللام يكون بمعنى "أقر" وليس بمعنى "صدق"، إذ لا يكون بمعنى صدق الا إذا عُدّي بالباء أوبنفسه.
ب- المعنى الشرعي للإيمان:
تنوعت عبارات السلف في تعريف الإيمان:
أ- فتارة يقولون: الإيمان قول وعمل.
٢- وتارة يقولون: هو قول وعمل ونية.
٣- وتارة يقولون: هو قول وعمل ونية واتباع سنة ٢.
٤- وتارة يقولون: الإيمان: قول اللسان، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية٣.
_________________
(١) ١ الصارم المسلول (ص ٥١٩- ٥٢٠) بتصرف. ٢ هذه التعريفات الثلاثة أوردها شيخ الاسلام ابن تيمية في كتابه الايمان. انظر (ص ١٦٢) . ٣ مجمرع الفتاوى (٧/٦٤٢) .
[ ٢٦ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية١ بعد أن أورد التعريفات الثلاثة الأول: "وكل هذا صحيح"٢ وعلل ذلك بقوله٣:
"فمن قال إن الإيمان قول وعمل فمرداه قول اللسان والقلب وعمل القلب والجوارح".
وقول اللسان وعمل الجوارح معروفان.
وأما المقصود من قول القلب: فهو إقراره ومعرفته وتصديقه.
وأما عمله: فهو انقياده لما صدق به.
ومن عبر عن الإيمان بهذا التعريف ليس مراده كل قول أو عمل وإنما المراد ما كان مشروعا من الأقوال والأعمال.
كما أن تعبير بعض السلف بهذه العبارة في تعريف الإيمان إنما جاء في معرض الرد على المرجئة٤ الذين جعلوه قولا فقط، فقال بعض السلف ردا عليهم: بل قول وعمل٥.
_________________
(١) ١ هو شيخ الاسلام تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن الخضر بن محمد ابن تيمية النميرى، الحرّاني الدمشقي، ولد سنة إحدى وستين وستمائة (٦٦١هـ) بحران، وتوفي سنة ثمان وعشرين وسبعمائة (٧٢٨ هـ) بدمشق، اشتهر ﵀ بالعلم والزهد والورع والعبادة والجهاد والدفاع عن عقيدة السلف وقد ألف في سيرته المؤلفات الكثيرة. انظر: "كتاب الشهادة الزكية في ثناء الأئمة على ابن تيمية" تأليف مرعي بن يوسف الحنبلي. ٢ كتاب الإيمان لشيخ الاسلام ابن تيمية (ص ١٦٢) . ٣ كلام شيخ الإسلام نقلته بتصرف من كتابه الايمان (ص ١٦٢- ١٦٣) . ٤ المرجئة هم الذين أرجؤوا العمل عن مسمى الإيمان وهم خمس طوائف سيأتي ذكرهم. ٥ قال شيخ الاسلام ابن تيمية: "الناس لهم في مسمى الكلام والقول عند الإطلاق أربعة أقوال: ا- فالذي عليه السلف والفقهاء والجمهور أنه يتناول اللفظ والمعنى جميعا.
(٢) وقيل: بل مسماه اللفظ، والمعنى ليس جزء مسماه بل هو مدلول مسماه، وهذا قول كثير من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم وطائفة من المنتسبين الى السنة، وهو قول النحاة لأن صناعتهم متعلقة بالألفاظ.
(٣) وقيل: مسماه هو المعنى وإطلاق الكلام على اللفظ مجاز لأنه دال عليه وهذا قول ابن كلاب ومن اتبعه.
(٤) وقيل: بل هو مشترك بين اللفظ والمعنى وهو قول بعض المتأخرين من الكلابية ولهم قول ثالث يروى عن أبي الحسن أنه مجاز في كلام الله حقيقة في كلام الآدميين" كتاب الإيمان (ص ١٦٢) .
[ ٢٧ ]
وأما من عرفه بقوله هو قول وعمل ونية، فمقصوده بزيادة لفظ "ونية": أن القول يتناول الاعتقاد وقول اللسان.
وأما العمل فقد لا يفهم منه النية فزاد ذلك١.
وأما من عرفه بأنه قول وعمل ونية واتباع سنة، فقد زاد لفظة "واتباع سنة" لأن ذلك كله لا يكون محبوبا لله إلا باتباع السنة٢.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقد سئل سهل بن عبد الله التستري٣ عن الإيمان ما هو؟، فقال: قول وعمل ونية واتباع سنة.
لأن الإيمان إذا كان قولا بلا عمل فهو كفر.
وإذا كان قولا وعملا بلا نية فهو نفاق.
وإذا كان قولا وعملا ونية بلا سنة فهو بدعة٤.
وأجمع التعاريف الواردة وأشملها هو: أن الإيمان قول اللسان واعتقاد بالجنان وعمل الجوارح يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
_________________
(١) ١ كتاب الإيمان (ص ١٦٣) . ٢ كتاب الإيمان (ص ١٦٣) . ٣ هو: سهل بن عبد الله بن يونس التستري أبو محمد ولد سنة (٢٠٠ هـ) وتوفي سنة (٢٨٣ هـ)، عامة كلامه في تصفية الأعمال من المعائب، وأسند الحديث وأسند عنه. شذرات الذهب (٣/ ١٨٢)، والأعلام (٣/١٤٣) . ٤ كتاب الإيمان (ص ١٦٣) .
[ ٢٨ ]
وهذا التعربف هو الذي يميز قول السلف في مسمى الإيمان عن قول غيرهم من الفرق١ ولهذا كان هذا التعريف هو أجمع التعاريف الواردة عن السلف وأكثرها دقة في بيان قولهم.
ج- دلالة اسم الإيمان:
تتحدد دلالة اسم "الإيمان" بحسب سياق الكلام الذي تستعمل فيه هذه اللفظة فلفظ "الإيمان" إما أن يستعمل:
أ- مطلقا: أي يذكر مطلقا عن لفظ "العمل" و"الإسلام".
٢- أو مقيدا: فتارة يقرن بالعمل الصالح، وتارة يقرن بالإسلام.
فإذا استعمل مطلقا: "فجميع ما يحبه الله ورسوله من أقوال العبد وأعماله
١ الذين خالفوا السلف في مسمى الإيمان هم:
أ- المرجئة بطوائفهم الخمس:
ا- الجهمية: وقالوا الإيمان هو معرفة القلب فقط: أى المعرفة الفطرية التي هي المعرفة بربوبية الله.
٢- الأشاعرة: وقالوا الإيمان هو التصديق فقط أي التصديق بما جاء به النبي ﷺ من عند الله.
٣- الماتريدية: وقولهم في الإيمان مثل قول الأشاعرة.
٤- الكرامية: قالوا الإيمان قول باللسان فقط.
٥- مرجئة الأحناف (أو مرجئة الفقهاء) قالوا: الإيمان قول باللسان وتصديق بالجنان. وهو قول الكلابية. وكل هذه الطوائف الخمسة أخرجت العمل عن الإيمان.
ب- الخوارج: قالوا الإيمان قول واعتقاد وعمل ولكنهم يكفرون من أخل بشيء من هذه الثلاثة ويقولون بأنه كافر في الدنيا وفى الآخرة خالد في النار.
ج- المعتزلة: وقالوا بقول الخوارج إلا أنهم يقولون إنه في الدنيا في منزلة بين منزلتين بمعنى أنه ليس بمؤمن ولا كافر، واتفقوا معهم في باقي الأمور.
انظر تفاصيل هذه الأقوال: في كتاب الإيمان لابن تيمية، والجزء السابع من مجموع الفتاوى، وشرح العقيدة الطحاوية (ص ٣٧٣- ٣٩٢) وكتاب النبوات (ص ١٩٩) .
[ ٢٩ ]
الباطنة والظاهرة، يدخل في مسمى الإيمان عند عامة السلف والأئمة- من الصحابة والتابعين وتابعيهم- الذين يجعلون الإيمان قولا وعملا، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ويدخلون جميع الطاعات- فرضها ونفلها- في مسماه"١.
ويلاحظ هنا أن لفظ "الإيمان" على هذا الاستعمال يكون مرادفا للفظ "العبادة" والعبادة كما هو معروف هي: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة.
ومن استعمال الشارع للفظ الإيمان بهذا المعنى ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة٢ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "الإيمان بضع وسبعون شعبة أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان" ٣.
فالإيمان في هذا الحديث شمل جميع أمور الدين بما في ذلك أمور الإسلام. ومن هذا الاستعمال أيضا ما جاء في حديث عبد الله بن عباس٤ رضي الله
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى (٧/ ٦٤٢) . ٢ أبو هريرة بن عامر واختلف في اسمه إلى عدة أقوال: منها أنه عبد الرحمن، وهو دوسي أسلم عام خيبر وشهدها ثم لازم رسول الله ﷺ حتى قبضه الله إليه، وكان من أحفظ الصحابة ﵃، توفي عام ٥٧ هـ. أسد الغابة (٢/ ١٦٧) . ٣ أخرجه البخارى في صحيحه، كتاب الإيمان، باب أمور الدين. انظر: فتح الباري (١/٥١) ح ٩ وأخرجه مسلم - واللفظ له - كتاب الإيمان، باب شعب الإيمان (١/ ٤٦) . ٤ عبد الله بن عباس بن عبد المطب الهاشمي- ابن عم رسول الله ﷺ - ولد قبل الهجرة بثلاث سنوات في الشعب أثناء الحصار، وكان ﵁ ترجمان القرآن وحبر الأمة لعلمه وفهمه، توفي سنة ٨٤هـ. الإصابة (٦/ ١٦٧- ١٧٣) .
[ ٣٠ ]
عنهما: أن وفد عبد القيس١ لما أتوا النبي ﷺ أمرهم بأربع ونهاهم عن أربع: "أمرهم بالإيمان بالله وحده، قال: أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟، قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تعطوا من المغنم خمس " الحديث٢.
فلفظ الإيمان استعمل في الحديث مطلقا فدخل فيه الأمور الظاهرة مع أنها من أمور الإسلام كما جاء في حديث جبريل المشهور.
وأما إذا استعمل اسم الإيمان مقيدا كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ٣، وقوله ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ ٤.
وفول النبي ﷺ في حديث جبريل المشهور: "الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره " ٥.
فهنا قد يقال: إنه متناول لذلك وإن عطف ذلك عليه من باب عطف
_________________
(١) ١ هي قبيلة كبيرة كانوا يسكنون البحرين ينسبون إلى عبد القيس بن أفْصى- بسكون الفاء بعدها مهملة بوزن أعمى- ابن دُعمِيّ- بضم ثم سكون المهملة وكسر الميم بعدها تحتانية ثقيلة- ابن جَديلة -بالجيم وزن كبيرة- ابن أسد بن ربيعة بن نزار. انظر: فتح الباري (٨/٨٥) . ٢ أخرجه البخارى في صحيحه واللفظ له: كتاب الإيمان، باب أداء الخمس من الإيمان. انظر: فتح الباري (١/١٢٩) ح ٥٣، وأخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان، باب الأمر بالإيمان بالله ورسوله وشرائع الدين والدعاء إليه (١/٣٥ - ٣٦) . ٣ الآية (٧٧) من سورة البقرة وغيرها. ٤ الآية (٦٣) من سورة يونس. ٥ أخرجه بهذا اللفظ مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان، باب الإيمان ما هو وبيان خصاله (١/٢٩) . والحديث أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل بلفظ: "الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته، ولقائه، ورسله، وتؤمن بالبعث". انظر: فتح الباري (١/ ١١٤)، ح ٥٠.
[ ٣١ ]
الخاص على العام كقوله تعالى: ﴿وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ ١، وقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَم﴾ الآية٢.
وقد يقال إن دلالة الاسم تنوعت بالإفراد والاقتران كلفظ الفقير والمسكين، فإن أحدهما إذا أفرد تناول الآخر، وإذا جمع بينهما كانا صنفين: كما في آية الصدقة، ولا ريب أن فروع الإيمان مع أصوله كالمعطوفين، وهي مع جميعه كالبعض مع الكل".
قلت: إن القول بأن عطف ذلك عليه من باب عطف الخاص على العام ينطبق على الآية وهي قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، وقوله تعالى ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ .
والقول بأن دلالة الاسم تنوعت بالإفراد والاقتران ينطبق على حديث جبريل حيث ذكر الإسلام والإيمان فأصبح كل واحد منهما يختص بأمور معينة فالإسلام اختص بالأمور الظاهرية، والإيمان اختص بالأمور الاعتقادية الباطنية.
"فلفظ الإسلام والإيمان إذا أفرد كل واحد من الاسمين دخل في مسمى الآخر إما تضمنا وإما لزوما، ودخوله فيه تضمنا أظهر، وكون أحدهما لا يدخل في الآخر عند الاقتران لا يدل على أنه لا يدخل فيه عند انفراد الآخر، وهذه قاعدة جليلة من أحاط بها زالت عنه إشكالات كثيرة أشكلت على كثير من الناس"٣.
_________________
(١) ١ الآية (٩٨) من سورة البقرة. ٢ الآية (٧) من سورة الأحزاب. ٣ مجموع الفتاوى (٧/٦٤٧ - ٦٤٨) .
[ ٣٢ ]
خلاصة القول:
إن اسم الإيمان إذا أفرد: تناول جميع أمور الدين الظاهرة والباطنة كما في حديث الشعب.
وإذا اقترن اسم الإيمان مع الإسلام دل الإيمان على الأمور الباطنة ودل الإسلام على أمور الدين الظاهرة كما في حديث جبريل.
وإذا اقترن العمل مع الإيمان: فهو من باب عطف الخاص على العام١ كما في قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ .
_________________
(١) ١ قال شارح الطحاوية: "اعلم أن عطف الشيء على الشيء يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه مع الاشتراك في الحكم الذي ذكر لهما، والمغايرة على مراتب: ا- أعلاها: أن يكونا متباينين ليس أحدهما هو الآخر، ولا جزءا منه، ولابينهما تلازم، كقوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ الآية (١) من سورة الأنعام، وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ﴾ الآية (٣) من سورة آل عمران، وهذا هو الغالب.
(٢) ويليه: أن يكون منهما تلازم، كقوله تعالى: ﴿وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ الآية (٤٢) من سورة البقرة، وقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ الآية (٩٢) من سورة المائدة.
(٣) الثالث: عطف بعض الشيء عليه كقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ الآية (٢٣٨) من سورة البقرة، وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَال﴾ الآية (٢٣٨) من سورة البقرة وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْك﴾ الآية (٧) من سورة الأحزاب، وفى مثل هذا وجهان: أحدهما: أن يكون داخلا في الأول، فيكون مذكورا مرتين. والثاني: أن عطفه عليه يقتضي أنه ليس داخلا فيه هنا وإن كان داخلا قيه منفردا كما قيل في لفظ "الفقراء والمساكين" ونحوهما، تتنوع دلالته بالإفراد والاقنران.
(٤) الرابع: عطف الشيء على الشيء لاختلاف الصفتين، كقوله تعالى: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ الآية (٣) من سورة غافر. شرح العقيدة الطحاوية (ص ٣٨٧- ٣٨٨) .
[ ٣٣ ]
المطلب الثاني: تعريف الإيمان بالنبي ﷺ
"الإيمان بالرسول: هو تصديقه وطاعته واتباع شريعته".١
وهذه الأمور هي الركائز التي يقوم عليها الإيمان بالنبي ﷺ وعن بيان هذه الأمور مطلوبة عند الإيمان به بالنبي ﷺ.
قال العلماء:
أ- أما تصديقه ﷺ فيتعلق به أمران عظيمان:
أحدهما: إثبات نبوته وصدقه فيما بلغه عن الله، وهذا مختص به صلى الله عليه وسلم٢.
ويندرج تحت هذا الإثبات والتصديق عدة أمور منها:
١- الإيمان بعموم رسالته إلى كافة الثقلين إنسهم وجنهم.
٢- الإيمان بكونه خاتم النبين ورسالته خاتمة الرسالات.
٣- الإيمان بكون رسالته ناسخة لما قبلها من الشرائع.
٤- الإيمان بأنه ﷺ قد بلغ الرسالة وأكملها وأدى الأمانة ونصح لأمته حتى تركهم على البيضاء ليلها كنهارها.
٥- الإيمان بعصمته ﷺ.
٦- الإيمان بماله من حقوق خلاف ما تقدم ذكره كمحبته وتعظيمه ﷺ. وسيأتي تفصيل الأمور الخمسة المتقدمة بأدلتها في المباحث اللاحقة من هذا الفصل بإذن الله تعالى.
_________________
(١) ١ كتاب اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم (ص ٩٢) . ٢ مجموع الفتاوى (١٥/٩١) .
[ ٣٤ ]
أما الحقوق الأخرى الواجبة له فسيأتي تفصيلها في الأبواب القادمة إن شاء الله تعالى.
الثاني:" تصديقه فيما جاء به، وأن ما جاء به من عند الله حق يجب اتباعه. وهذا يجب عليه ﷺ وعلى كل أحد"١.
فيجب تصديق النبي ﷺ جميع ما أخبر به عن الله ﷿، من أنباء ما قد سبق وأخبار ما سيأتي، وفيما أحل من حلال وحرّم من حرام، والإيمان بأن ذلك كله من عند الله ﷿، قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ ٢.
قال شارح العقيدة الطحاوية: "يجب على كل أحد أن يؤمن بما جاء به الرسول إيمانا هملا، ولا ريب أن معرفة ما جاء به الرسول ﷺ على التفصيل فرض على الكفاية"٣.
ب- طاعته واتباع شريعته: إن الإيمان بالرسول ﷺ كما يتضمن تصديقه فيما جاء به فهو يتضمن كذلك العزم على العمل بما جاء به وهذه هي الركيزة الثانية من ركائز الإيمان به ﷺ.
وهي تعني: الانقياد له ﷺ وذلك بفعل ما أمر به واجتناب ما نهى عنه وزجر امتثالا لقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ٤. فيجب على الخلق اتباع شريعته والالتزام بسنته مع الرضا بما قضاه والتسليم
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى (١٥/ ٩١) . ٢ الآية (٣،٤) من سورة النجم. ٣ شرح العقيدة الطحاوية (ص ٦٦) . ٤ الآية (٧) من سورة الحشر.
[ ٣٥ ]
له، والاعتقاد الجازم أن طاعته هي طاعة لله وأن معصيته معصية لله لأنه هو الواسطة يين الله وبين الثقلين في التبليغ.
وسيأتي بيان هذه المسألة في الفصل الثاني من هذا الباب إن شاء الله تعالى. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " يجب على الخلق الإقرار١ بما جاء به النبي ﷺ فما جاء به القرآن العزيز أو السنة المعلومة وجب على الخلق الإقرار به جملة وتفصيلا عند العلم بالتفصيل، فلا يكون الرجل مؤمنا حتى يقر بما جاء به النبي ﷺ وهو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فمن شهد أنه رسول الله شهد أنه صادق فيما يخبر به عن الله تعالى فإن هذا حقيقة الشهادة بالرسالة"٢.
_________________
(١) ١ يقول ابن تيمية في بيان معنى الإقرار: "إن الإيمان هو الإقرار لا مجرد التصديق، والإقرار ضمن قول القلب الذي هو التصديق وعمل القلب الذي هو الانقياد". مجموع الفتاوى (٧/ ٦٣٨، ٦٣٩) . ٢ مجموع الفتاوى (٥/ ١٥٤) .
[ ٣٦ ]
المطلب الثالث: معنى شهادة أن محمدا رسول الله ﷺ
أ- معناها:
"معنى شهادة أن محمدا رسول الله: طاعته فيما أمر وتصديقه فيما أخبر واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع"١.
وهذه الشهادة هي الشطر الثاني من الركن الأول من أركان الإسلام الخمسة، كما أن الإيمان بالنبي ﷺ داخل في الركن الرابع من أركان الإيمان الستة، ويشهد لذلك حديث جبريل المشهور. ويلاحظ أننا عرّفنا الشهادة والإيمان به بتعريف واحد، وهذا الأمر يصح في حالة الإفراد كما سبق وأن ذكرت في لفظ الإسلام والإيمان، أما في حالة الاقتران فالإيمان به يختص بتصديق القلب وإقراره، والشهادة يراد بها نطق اللسان واعترافه، ويجب تحقيق هذه الشهادة معرفة وإقرارا وانقيادا وطاعة٢.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما الإيمان بالرسول فهو المهم، إذ لا يتم الإيمان بالله بدون الإيمان به، ولا تحصل النجاة والسعادة بدونه، إذ هو الطريق إلى الله سبحانه، ولهذا كان ركنا الإسلام: "أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله"٣.
ب- شروط الشهادتين:
بعد ذكر معنى "شهادة أن محمدا رسول الله " ناسب المقام أن نشير ههنا
_________________
(١) ١ الأصول الثلاثة للشيخ محمد بن عبد الوهاب (ص ٩) ضمن مجموعة الرسائل المفيدة. ٢ زاد المعاد (١/ ٣٤) . ٣ مجموع الفتاوى (٨/ ٦٣٨، ٦٣٩) .
[ ٣٧ ]
إلى شروط هذه الشهادة بشقيها، لأننا في زمان يجهل فيه كثير من الناس هذه الشروط، إذ يعتقد كثير منهم لجهلهم أن التلفظ وحده يكفي لتحقيق الشهادة ويستغنون بهذا عن العمل بالمقتضى المترتب على هذه الشهادة.
وتصويبا لهذا الخطأ وإزالة لهذا الجهل أقول: إنه من المعلوم أن العبد لا يدخل في دين الإسلام إلا بعد الإتيان بالشهادتين "شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدا رسول الله".
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ١
وقال ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله" ٢.
ومن المعلوم كذلك أن جميع الدين داخل في الشهادتين إذ مضمونهما أن لا نعبد إلا الله وأن نعبده بما شرع على لسان رسوله ﷺ ونطيعه فيما جاء به عن ربه ﷾، والدين كله داخل في هذا.
ولهاتين الشهادتين شروط لا بد من توفرها فيهما، إذ لا يمكن لقائلهما أن ينتفع بهما إلا بعد اجتماعها فيهما، وهذه الشروط مطلوبة في كلا الشهادتين، وذلك لما بينهما من التلازم، فالعبد لا يدخل في الدين إلا بهما معا.
وهي سبعة شروط:
الشرط الأول: العلم:
_________________
(١) ١ الآية (١٥) من سورة الحجرات. ٢ أخرجه البخارى في صحيحه، كناب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن الرسول ﷺ. انظر: فتح الباري (١٣/٢٥٠)، ومسلم في صحيحه: كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله (١/ ٣٨) .
[ ٣٨ ]
إذ العلم بالشيء شرط عند الشهادة به ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ١.
ومن الأدلة على وجوب العلم بالشهادة قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ ٢، وقول النبي ﷺ: "من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة" ٣. والعلم المراد به هنا هو معرفة معنى الشهادتين ومقتضاهما واللوازم المترتبة على ذلك.
فلا إله إلا الله معناها: لا معبود بحق إلا الله.
ومقتضاها ولازمها: نفي الشرك وإثبات الوحدانية لله تعالى وإفراده بالعبادة مع الاعتقاد الجازم لما تضمنته من ذلك والعمل به٤.
ومعنى شهادة أن محمدا رسول الله: الإقرار والاعتراف للرسول ﷺ أنه عبد الله ورسوله إلى الناس كافة٥.
ومقتضاها ولازمها: طاعته فيما أمر وتصديقه فيما أخبر واجتناب ما نهى عنه وزجر وألا يعبد الله إلا بما شرع.
الشرط الثاني: اليقين:
أي استيقان القلب بالشهادتين، وذلك بأن يعتقدهما اعتقادا جازما لا
_________________
(١) ١ الآية (٨٦) من سورة الزخرف. ٢ الآية (١٩) من سورة محمد. ٣ أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان، باب من لقي الله بالإيمان وهو غير شاك فيه دخل الجنة وحرم على النار. انظر (١/ ٤١) . ٤ تيسير العزيز الحميد (ص ٥٨) . ٥ دليل المسلم في الاعتقاد للشيخ عبد الله خياط (ص ٤٥) .
[ ٣٩ ]
يصاحبه شك أو ارتياب، لأن الإيمان لا يغني فيه إلا علم اليقين لا علم الظن، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ ١. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال له: "من لقيت وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستقينا بها قلبه فبشره بالجنة" الحديث٢. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة" ٣.
الشرط الثالث: الإخلاص:
"وهو تصفية العمل بصالح النية عن جميع شوائب الشرك"٤.
قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ الآية٥. وقال تعالى: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ ٦ "أي لا يقبل الله من العمل إلا ما أخلص فيه العامل لله وحده لا شريك له".
وقال قتادة٧ في قوله ﵎: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ شهادة أن لا
_________________
(١) ١ الآية (١٥) من سورة الحجرات. ٢ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب من لقي الله بالإيمان وهو غير شاك فيه دخل الجنة وحرم على النار (١/ ٤٤) . ٣ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب من لقي الله بالإيمان وهو غير شاك فيه دخل الجنة وحرم على النار (١/ ٤١- ٤٢) . ٤ معارج القبول للشيخ حافظ بن أحمد حكمي (١/ ٣٨٢) . ٥ الآية (٥) من سورة البينة. ٦ الآية (٣) من سورة الزمر. ٧ قتادة بن دعامة السدوسي أبو الخطاب البصري، ولد سنة ٦١ هـ وتوفي سنة ١١٨ هـ ثقة ثبت، مفسر حافظ ضرير أكمه. قال عنه الإمام أحمد: قتادة أحفظ أهل البصرة. انظر: تهذيب التهذيب (٨/ ٣٥١) وتذكرة الحفاظ (١/١١٥)
[ ٤٠ ]
إله إلا الله " ١.
وعن عتبان بن مالك٢ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله" ٣.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه" ٤.
الشرط الرابع: "الصدق فيها المنافي للكذب.
وهو أن يقولها صدقا من قلبه يواطىء قلبه لسانه"٥.
قال تعالى: ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ ٦، "أي الذين صدقوا في دعوى الإيمان ممن هو كاذب في قوله ودعواه، والله ﷾ يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون،
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير (٤/ ٤٥) . ٢ عتبان بن مالك بن عمرو بن العجلان الأنصاري الخزرجي السالمي، صحابي من البدريين آخى النبي ﷺ بينه وبين عمر، مات في خلافة معاوية وقد كبر. الإصابة (٢/ ٤٤٥) رقم ٥٣١٨. ٣ أخرجه البخارى في صحيحه، كتاب الصلاة، باب المساجد في البيوت، انظر: فتح الباري (١/ ٥١٩) ح ٤٢٥، ومسلم في صحيحه كتاب الصلاة، باب الرخصة في التخلف عن الجماعة بعذر (٢/ ١٢٦) . ٤ أخرجه البخارى في صحيحه، كتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار، انظر: فتح الباري (١١/ ٤١٨) ح ٦٥٧٠. ٥ معارج القبول (١/ ٣٨١) . ٦ الآيات (١/ ٣) من سورة العنكبوت.
[ ٤١ ]
وهذا مجمع عليه عند أئمة السنة والجماعة"١.
وعن أنس بن مالك٢ ﵁ أن النبي ﷺ - ومعاذ٣ رديفه على الرحل- قال: "يا معاذ بن جبل" قال: لبيك يا رسول الله وسعديك. قال: "يا معاذ" قال لبيك يا رسول الله وسعديك ثلاثا. قال: "ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صدقا من قلبه إلا حرمه الله على النار" الحديث٤.
الشرط الخامس: المحبة:
"لهذه الكلمة ولما اقتضته ودلت علييه ولأهلها والعاملين بها الملتزمين لشروطها وبغض ما ناقض ذلك"٥.
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير (٣/ ٤٠٤) . ٢ أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم النجاري الخزرجي الأنصاري أبو حمزة، صاحب رسول الله ﷺ وخادمه، وأحد المكثرين من الرواية عنه، وهو آخر من مات بالبصرة من الصحابة توفي سنة ٩٣ هـ. ٣ معاذ بن جبل الأنصاري: أحد السبعين الذين شهدوا العقبة من الأنصار، وقد شهد بعد ذلك المشاهد كلها، كان من أعلم الصحابة بالحلال والحرام، توفي سنة ١٧ هـ في طاعون عمواس بالشام. الإصابة (٣/ ٤٠٦، ٤٠٧) رقم ٨٠٣٩. ٤ أخرجه البخاري في صحيحها واللفظ له، كتاب العلم باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية أن لا يفهموا. انظر فتح الباري (١/ ٢٢٦) ح ١٢٨. وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان باب من لقي الله بالإيمان وهو غير شاك فيه دخل الجنة وحرم على النار (١/٤٣) . ٥ معارج القبول (١/ ٣٨٣) .
[ ٤٢ ]
اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ ١، ففي الآية دليل على وجوب محبة الله ورسوله ولا خلاف في ذلك بين الأمة وأن ذلك مقدم على كل محبوب٢.
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ الآية٣.
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَه﴾ الآية٤.
وعن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان، من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار" ٥.
الشرط السادس: الانقياد:
أي الانقياد والاستسلام ظاهرا وباطنا لأوامر الله وما أنزله من الشرع على لسان نبيه ﷺ
_________________
(١) ١ الآية (٢٣٤) من سورة التوبة. ٢ تفسير القرطبي (٨/٩٥) ٣ الآية (١٦٥) من سورة البقرة. ٤ الآية (٥٤) من سورة المائدة. ٥ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان باب من كره أن يعود في الكفر كما يكره أن يلقى في النار من الإيمان. انظر: فتح الباري (١/ ٧٢) ح ٢١. وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان باب بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان، واللفظ له. انظر: (١/ ٤٨) .
[ ٤٣ ]
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ ١
ففي هذه الآية: "يقول تعالى مخبرا عمن أسلم وجهه لله أي أخلص له العمل وانقاد لأمره واتبع شرعه، ولهذا قال: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾، أي في عمله: باتباع ما به أمر، وترك ما عنه زجر ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ أي فقد أخذ موثقا من الله متينا أنه لا يعذبه ﴿وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ "٢.
وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ ٣. والآية عامة في جميع الأمور، وذلك أنه إذا حكم الله ورسوله بشيء فليس لأحد مخالفته ولا اختيار لأحد هنا ولا رأي ولا قول كما قال ﵎: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا٤﴾ ٥
الشرط السابع: القبول:
أي قبول الشهادتين والالتزام بمقتضياتها ولوازمها.
قال تعالى ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا
_________________
(١) ١ الآية (٢٢) من سورة لقمان. ٢ تفسير ابن كثير (٣/ ٤٥٠) . ٣ الآية (٣٦) من سورة الأحزاب. ٤ الآية (٦٥) من سورة النساء. ٥ تفسير ابن كثير (٣/ ٤٩٠) .
[ ٤٤ ]
غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ ١، وقال تعالى في شأن من لم يقبلها: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ، وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ٢.
وعن أبي موسى الأشعري٣ ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا، فكان منها نقية ٤ قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب ٥ أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصابت منها طائفة أخرى إنما هي قيعان ٦ لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأً، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلِم وعلَّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به" ٧.
فهذه هي شروط الشهادتين يجب على المسلم تحقيقها والإتيان بها على الوجه المطلوب حتى يكون من أهلها.
_________________
(١) ١ الآية (٢٨٥) من سورة البقرة. ٢ الآيات (٣٥- ٣٦) من سورة الصافات. ٣ واسم أبي موسى: عبد الله بن قيس بن سليم من بني الأشعر من قحطان، صحابي أسلم بمكة ثم رجع إلى اليمن وقدم مع الأشعريين وكان حسن الصوت بالقرآن، وكان من الشجعان الولاة الفاتحين، توفى بالكوفة سنة ٤٤ هـ، وقيل غير ذلك. الإصابة (٢/ ٣٥١) رقم ٤٨٩٩. ٤ هي مستنقع الماء في الجبال والصخور. فتح الباري (١/ ١٧٦) . ٥ هي الأرض الصلبة التي لا ينضب منها الماء. فتح الباري (١/ ١٧٦) . ٦ بكسر القاف جمع قاع وهو الأرض المستوية اللمساء التي لا تنبت. فتح الباري (١/ ١٧٧) . ٧ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم: باب فضل من علِم وعلَّم واللفظ له. انظر فتح الباري (١/ ١٧٥) ح ٧٩. وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل: باب بيان مثل ما بعث النبي ﷺ من الهدى والعلم. انظر: (٧/ ٦٣) .
[ ٤٥ ]
ج- مراتب الشهادة:
إذا علم العبد معنى الشهادتين وشروطهما فينبغي له أن يكون على علم بأن للشهادة مراتب يتدرج عليها الشاهد مرتبة بعد مرتبة حتى يتم له تحقيق الشهادة على الوجه المطلوب.
ومراتب الشهادة أربع هي١:
المرتبة الأولى: العلم والمعرفة والاعتقاد لصحة المشهود به وثبوته، فلا بد للشاهد أن يعلم ويعرف معنى الشهادتين وإلا كان الشاهد شاهدا بما لا علم له به قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ٢.
المرتبة الثانية: تكلمه بالشهادتين وإن لم يُعلِم بها غيره، بل يتكلم بها مع نفسه ويتذكرها وينطق بها أو يكتبها.
والله ﷾ يقول في كتابه العزيز: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلونَ﴾ ٣ فجعل ذلك منهم شهادة وإن لم يتلفظوا بلفظ الشهادة ولم يؤدوها عند غيرهم.
المرتبة الثالثة: أن يُعلِم غيره بما شهد به ويخبره به ويبينه له ومرتبة الإعلام والإخبار نوعان: إعلام بالقول، وإعلام بالفعل.
وهذا شأن كل مُعلِم لغيره بأمر، تارة يعلمه به بالقول وتارة بفعل ومما يدل
_________________
(١) ١ انظر: كتاب الكواشف الجلية عن معاني الواسطية للشيخ عبد العزيز بن محمد السلمان من (ص ٣٨ إلى ص ٤٠) بتصرف. ٢ الآية (٨٦) من سورة الزخرف. ٣ الآية (١٩) من سورة الزخرف.
[ ٤٦ ]
على أن الشهادة تكون بالفعل قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ الآية١ فهذه شهادة منهم على أنفسهم بما يفعلونه٢.
المرتبة الرابعة: أن يلتزم بمضمونها ويأتمر به.
ومجرد الشهادة لا يستلزم هذه المرتبة، لكن الشهادة في هذا الموضع تدل عليه وتتضمنه، فإنه ﷾ شهد به شهادة من حكم به وقضى وأمر وألزم عباده كما قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانا﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ الآية٤.
والقرآن كله شاهد بذلك.
وقد شهد الله لنفسه بالوحدانية فقال تعالى ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٥ فشهادته سبحانه لنفسه بالوحدانية والقيام بالقسط تضمنت هذه المراتب الأربع وهي: علمه بذلك، وتكلمه، وإخباره لخلقه، وإلزامهم وأمرهم به٦.
_________________
(١) ١ الآية (١٧) من سورة التوبة. ٢ الكواشف الجلية (٣٩- ٤٠) بتصرف. ٣ الآية (٢٣) من سورة الاسراء. ٤ الآية (٣١) من سورة التوبة. ٥ الآية (١٨) من سورة آل عمران. ٦ الكواشف الجلية (ص ٤٠) بتصرف.
[ ٤٧ ]
المطلب الرابع: نواقض الإيمان بالنبي ﷺ
إن مما ينبغي معرفته بعد توضيح معنى الإيمان بالنبي ﷺ وتبيين شروط الشهادة ومراتبها أن تعرف نواقض هذا الأمر ومبطلاته حتى يحترز المسلم من الوقوع فيها، فعن حذيفة بن اليمان١ ﵁ قال: "كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني " الحديث٢.
وعن عمر بن الخطاب٣ ﵁: "إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية"٤.
ولهذا كان الصحابة رضوان الله عليهم أعظم هذه الأمة إيمانا لكمال معرفتهم بالخير والشر، وكمال محبتهم للخير وبغضهم للشر، لما علموه من حسن حال الإيمان والعمل الصالح، وقبح حال الكفر والمعاصي".
ولمعرفة نواقض الإيمان به ﷺ نقول:
_________________
(١) ١ حذيفة بن اليمان العبسي، شهد أحدا وكان من كبار الصحابة وصاحب سر رسول الله ﷺ، توفى عام ٣٦هـ الإصابة (١/ ٣١٦، ٣١٧)، ت رقم ١٦٤٧. ٢ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الفتن: باب كيف الأمر إذا لم تكن جماعة؟، انظر: فتح الباري (٣/ ٣٥) ح ٧٠٨٤. وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة: باب الأمر بلزوم الجماعة عند ظهور الفتن وتحذير الدعاة إلى الكفر. انظر: (٦/ ٢٠) . ٣ عمر بن الخطاب بن نفيل: ولد بعد الفيل بثلاث عشرة سنة، كان إسلامه فتحا على المسلمين، شهد المشاهد كلها، توفي رسول الله ﷺ وهو عنه راض، ولي الخلافة بعد الصديق واستشهد سنة ٢٣ هـ، قتله أبو لؤلؤة المجوسي. الإصابة (٢/ ٥١١، ٥١١) رقم ٥٧٣٨. ٤ تيسير العزيز الحميد (ص ٩٠) .
[ ٤٨ ]
لما كان الإيمان به ﷺ يعني تصديقه وتصديق ما جاء به ﷺ، والانقياد له، فإن الطعن في أحد هذين الأمرين ينافي الإيمان ويناقضه فالنواقض على هذا الاعتبار يمكن تقسيمها إلى قسمين:
القسم الأول: الطعن في شخص الرسول ﷺ.
القسم الثاني: الطعن فيما أخبر به الرسول ﷺ مما هو معلوم من الدين بالضرورة، إما بإنكاره أو بانتقاصه.
القسم الأول: الطعن في شخص الرسول ﷺ:
ومما يدخل تحت هذا القسم نسبة أي شيء للرسول ﵊ مما يتنافى مع اصطفاء الله له لتبليغ دينه إلى عباده، فيكفر كل من طعن في صدق الرسول ﷺ أو أمانته أو عفته أو صلاح عقله ونحو ذلك.
كما يكفر من سب الرسول ﷺ، أو عابه، أو ألحق به نقصا في نفسه أو نسبه أو دينه، أو خصلة من خصاله، أو عرّض به، أو شبهه بشيء على طريق السب له أو الإزراء عليه أو التصغير لشأنه أو الغض منه أو العيب له، فهو ساب له والحكم فيه حكم الساب يقتل كفرا، وكذلك من لعنه، أو دعا عليه، أو تمنى مضرة له، أو نسب إليه مالا يليق بمنصبه على طريق الذم، أو عبث في جهته العزيزة بسخف من الكلام وهُجر١ ومنكر من القول وزور، أو عيره بشيء مما جرى من البلاء والمحنة عليه، أو تنقصه ببعض العوارض البشرية الجائزة المعهودة لديه"٢.
_________________
(١) ١ الهجر بالضم: القبيح من الكلام. لسان العرب (٥/ ٢٥٣) . ٢ الشفا للقاضي عياض (٢/ ٩٣٢) بتحقيق علي محمد البجاوي.
[ ٤٩ ]
فالساب إن كان مسلما فإنه يكفر ويقتل بغير خلاف، وهو مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم.
وإن كان ذميا فإنه يقتل أيضا في مذهب مالك١ وأهل المدينة وهو مذهب أحمد٢ وفقهاء الحديث وهو المنصوص عن الشافعي٣ نفسه كما حكاه غير واحد"٤.
وهذا الحكم على الساب والمستهزئ، يستوي فيه الجاد والهازل بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ، لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ٥.
وهذا نص في أن الاستهزاء بالله وبآياته وبرسوله كفر، (فالسب المقصود بطريق الأولى)، وقد دلت هذه الآية على أن كل من تنقص رسول الله ﷺ جادا أو هازلا فقد كفر.
_________________
(١) ١ مالك بن أنس، إمام دار الهجرة، وأحد أئمة أهل السنة المشهورين، وإليه تنسب المالكية له مؤلفات عدة على رأسها (الموطأ) الكتاب المشهور، ولد بالمدينة، وتوفى بها عام ١٧٩ هـ. الديباج المذهب (١/ ٨٢- ١٣٥) والبداية (١٠/ ١٧٤) . ٢ أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الإمام المشهور في الفقه والحديث ونصرة الإسلام، إمام أهل السنة والجماعة أعز الله به السنة وقمع به البدعة وفضائله أكثر من أن تحصر توفي سنة ٢٤١ هـ تاريخ بغداد (٤/ ٤١٢) وطبقات الحنابلة (١/٤) . ٣ محمد بن إدريس الشافعي الإمام المشهور أحد الأئمة الأربعة، ولد بغزة بفلسطين ثم سافرت به أمه إلى مكة، كان ذكيا فطنا برع في الأدب واللغة ثم أقبل على الحديث والفقه وله مصنفات عدة من أشهرها: الأم والرسالة، توفي بمصر سنة٢٠٤ هـ. تاريخ بغداد (٢/ ٥٦) والتذكرة (٣٦٧) . ٤ الصارم المسلول على شاتم الرسول لشيخ الإسلام ابن تيمية (ص ٤ و٨) بتصرف. وقد تعرض شيخ الإسلام لهذه المسائل مفصلة في هذا الكتاب فمن أراد الاستزادة فليرجع إليه. ٥ الآيتان (٦٥، ٦٦) من سورة التوبة.
[ ٥٠ ]
وقد رُوي عن رجال من أهل العلم منهم ابن عمر١ ومحمد بن كعب٢ وزيد ابن أسلم٣ وقتادة- دخل حديث بعضهم في بعض- أنه قال رجل من المنافقين في غزوة تبوك: "ما رأيت مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا، ولا أكذب ألسنا، ولا أجبن عند اللقاء، يعني رسول الله ﷺ وأصحابه القراء، فقال له عوف ابن مالك٤: كذبت ولكنك رجل منافق، لأخبرن رسول الله ﷺ، فذهب عوف إلى رسول الله ﷺ ليخبره، فوجد القرآن قد سبقه، فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله ﷺ وقد ارتحل وركب ناقته، فقال: يارسول الله إنما كنا نلعب ونتحدث حديث الركب نقطع به عناء الطريق.
قال ابن عمر: كأني أنظر إليه متعلقا بنسعة٥ ناقة رسول الله ﷺ وإن الحجارة لتنكب رجليه، وهو يقول: إنما كنا نخوض ونلعب، فيقول له رسول الله ﷺ: "أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون" ما يلتفت إليه،
_________________
(١) ١ عبد الله بن عمر بن الخطاب، ولد بعد البعثة بثلاث سنوات وهاجر وهو ابن عشر سنين، وقد كان من أشد الصحابة تتبعا للسنة ومن أكثرهم عبادة مع زهد وورع توفي عام ٨٤ هـ. الإصابة (٢/ ٣٣٨- ٣٤١) ت رقم ٤٨٣٤. ٢ هو محمد بن كعب بن سليم القرظي المدني، كان أبوه من سبي قريظة، ثقة، عالم، ولد سنة أربعين على الصحيح، ومات سنة ١٢٠ هـ وقيل غير ذلك. وقال عنه ابن حبان: كان من أفاضل أهل المدينة علما وفقها. تهذيب التهذيب (٩/ ٤٢٠، ٤٢٢) . ٣ زيد بن أسلم المدني الفقيه: كان عالما بالتفسير وكان له حلقة بالمسجد النبوي توفي عام ١٣٦ هـ تهذيب التهذيب (٣/ ٣٩٥) . ٤ عوف بن مالك بن أبي عوف الأشجعي الغطفاني، صحابي جليل، شهد مؤتة، وشهد الفتح وكانت معه راية قومه يومئذ وشهد فتح الشام، توفي سنة ثلاث وسبعين بالشام. تهذيب التهذيب (٨/ ١٦٨)، والبداية (٨/ ٣٤٦) . ٥ النِّسْعة بكسر فسكون: سير مضفور يجعل زمامًا للبعير. لسان العرب (٨/٣٥٢) .
[ ٥١ ]
ولا يزيده عليه"١.
فهؤلاء لما تنقصوا النبي ﷺ حيث عابوه والعلماء من أصحابه واستهانوا بخبره أخبر الله أنهم كفروا بذلك وإن قالوه، استهزاء فكيف بما هو أغلظ من ذلك؟ ٢.
ومن الأدلة على كفر الطاعن في شخص الرسول ﷺ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ ٣.
واللعن: الإبعاد عن الرحمة، ومن طرده عن رحمته في الدنيا والآخرة لا يكون إلا كافرا٤.
وفي هذه الآية قرن الله بين أذى النبي ﷺ وأذاه كما قرن في آيات أخر بين طاعته وطاعة نبيه، وفى هذا وغيره بيان لتلازم الحقين، وأن جهة حرمة الله تعالى ورسوله جهة واحدة، فمن أذى الرسول فقد أذى الله، ومن أطاعه فقد أطاع الله، لأن الأمة لا يصلون ما بينهم وبين ربهم إلا بواسطة النبي ﷺ، وليس لأحد منهم طريق غيره ولا سبب سواه، وقد أقامه الله مقام نفسه في أمره ونهيه وإخباره وبيانه فلا يجوزأن يفرق بين الله ورسوله في شيء من هذه الأمور٥.
ومن الأدلة الواردة في السنة حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما٦ قال:
_________________
(١) ١ تفسبر ابن كثير (٢/ ٣٦٧) . ٢ الصارم المسلول (ص٣١ - ٣٣) . ٣ الآية (٥٧) من سورة الأحزاب. ٤ الصارم المسلول (ص ٤١) . ٥ الصارم المسلول (ص ٤٠- ٤١) بتصرف. ٦ جابر بن عبد الله الأنصارى: شهد العقبة الثانية وهو صغير وشهد المشاهد كلها بعد أحد، وكان من المكثرين الحفاظ. للسنّة، توفي سنة ٧٤ هـ وقيل غير ذلك. الإصابة (١/ ٢١٤) ت رقم ١٠٢٦.
[ ٥٢ ]
قال رسول الله ﷺ: "من لكعب بن الأشرف١ فإنه قد آذى الله ورسوله"، فقام محمد بن مسلمة٢ فقال: يارسول الله أتحب أن أقتله؟، قال: "نعم " الحديث٣. فعلم من هذا الحديث أن من آذى الله ورسوله كان حقه أن يقتل كما قتل كعب بن الأشرف والأدلة من الكتاب والسنة على هذه المسألة كثيرة ولا مجال لاستيعابها هنا.
- الإجماع: وقد أجمعت الأمة على قتل منتقصه من المسلمين وسابه، وكذلك حكى غير واحد الإجماع على قتله وتكفيره.
وقال الإمام إسحاق بن راهوية٤ أحد الأئمة الأعلام: "أجمع المسلمون على أن من سب الله، أو سب رسوله ﷺ، أو دفع شيئا مما أنزل الله ﷿، أو قتل نبيا
_________________
(١) ١ كعب بن الأشرف الطائي، من بني نبهان، كانت أمه من بني النضير فدان باليهودية وكان سيدا في أخواله اليهود. أدرك الاسلام ولم يسلم، وأكثر من هجو النبي ﷺ وأصحابه وتحريض القبائل عليهم وإيذائهم والتشبب بنسائهم. خرج إلى مكة بعد وقعة بدر فندب قتلى قريش فيها، وحض على الأخذ بثأرهم، وعاد إلى المدينة، فأمر النبي ﷺ بقتله، فانطق إليه نفر من الأنصار، فقتلوه في ظاهر حصنه. تاريخ الطبري (٣/ ٢) . ٢ محمد بن مسلمة الأنصاري، من فضلاء الصحابة شهد بدرا وما بعدها إلا غزوة تبوك فإنه تخلف بإذن النبي ﷺ له أن يقيم في المدينة، مات بالمدينة سنة ثلاث وأربعين وقيل غير ذلك. الإصابة (٣/ ٣٦٣، ٣٦٤) رقم (٨ ٧٨) . ٣ أخرجه البخاري في صحيحه- واللفظ له - كتاب المغازي باب قتل كعب بن الأشرف. انظر: فتح الباري (٧/ ٣٣٦) ح ٤٠٣٧، وأخرجه في مواضع أُخر. وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجهاد: باب قتل كعب بن الأشرف. انظر: (٥/١٨٤) . ٤ إسحاق بن إبراهيم بن مخلد المعروف بابن راهوية المروزي قال عنه الخطيب البغدادي: كان أحد أئمة المسلمين وعَلَما من أعلام الدين اجتمع له الحديث والفقه والحفظ والصدق والورع والزهد توفي سنة ٢٣٨ هـ. تاريخ بغداد (٦/ ٣٤٥) .
[ ٥٣ ]
من أنبياء الله ﷿ أنه كافر بذلك وإن كان مقرا بكل ما أنزل إليه".
وقال الخطابي١: "لا أعلم أحدا من المسلمين اختلف في وجوب قتله". وقال محمد بن سحنون٢: أجمع العلماء على أن شاتم النبي ﷺ والمتنقص له كافر، والوعيد جاء عليه بعذاب الله له، وحكمه عند الأمة القتل ومن شك في كفره وعذابه كفر"٣.
ومن المعلوم أن سب النبي ﷺ تعلق به عدة حقوق:
١- حق الله سبحانه:
من حيث كفر برسوله، وعادى أفضل أوليائه وبارزه بالمحاربة، ومن حيث طعن في كتابه ودينه، فإن صحتهما موقوفة على صحة الرسالة، ومن حيث طعن في ألوهيته، فإن الطعن في الرسول طعن في المرسل وتكذيبه تكذيب لله ﵎ وإنكار لكلامه وأمره وخبره وكثير من صفاته.
٢- وتعلق حق جميع المؤمنين:
من هذه الأمة ومن غيرها من الأمم به، فإن جميع المؤمنين مؤمنون به خصوصا أمته فإن قيام أمر دنياهم ودينهم وآخرتهم به، بل عامة الخير الذي يصيبهم في الدنيا والآخرة بواسطته وسفارته فالسب له أعظم عندهم من سب أنفسهم وآبائهم وأبنائهم وسب جميعهم، كما أنه أحب إليهم من أنفسهم
_________________
(١) ١ أبو سليمان حمد ويقال أحمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي البستي أحد المشاهير الأعيان، والفقهاء المجتهدين المكثرين، له من المصنفات معالم السنن وشرح البخاري وغير ذلك، توفي بمدينة بست سنة ٣٨٨ هـ. البداية: (١١/ ٣٢٤) . ٢ محمد بن عبد السلام (سحنون) بن سعيد بن حبيب التنوخى، أبو عبد الله فقيه مالكي، مناظر كثير التصانيف، توفي سنة ٢٥٦هـ. الوافي بالوفيات: (٣/٨٦) والأعلام (٦/٢٠٤، ٢٠٥) . ٣ الصارم المسلول (ص ٣- ٤) .
[ ٥٤ ]
وأولادهم وآبائهم والناس أجمعين.
٣- وتعلق حق رسول الله ﷺ به:
من حيث خصوص نفسه، فإن الإنسان تؤذيه الوقيعة في عرضه أكثر مما يؤذيه أخذ ماله، وأكثر مما يؤذيه الضرب، بل ربما كانت عنده أعظم من الجرح ونحوه، خصوصا من يجب عليه أن يظهر للناس كمال عرضه وعلو قدره لينتفعوا بذلك في الدنيا والآخرة، فإن هتك عرضه وعلو قدره قد يكون أعظم عنده من قتله، فإن قتله لا يقدح عند الناس في نبوته ورسالته وعلو قدره كما أن موته لا يقدح في ذلك، بخلاف الوقيعة في عرضه فإنها قد تؤثر في نفوس بعض الناس من النفرة عنه وسوء الظن به ما يفسد عليهم إيمانهم ويوجب لهم خسارة الدنيا والآخرة "١.
وبهذا يعلم أن السب فيه من الأذى لله ولرسوله ولعباده المؤمنين ما ليس في غيره من الأمور كالكفر والمحاربة.
وبما تقدم ذكره من الأدلة يتضح انتقاض إيمان من طعن في شخص الرسول ﷺ بسب أو استهزاء أو انتقاص سواء كان في ذلك جادا أو هازلا.
ويستثنى من ذلك المكره بدليل قوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ ٢ فالآية نزلت في عمار بن ياسر٣ حين عذبه المشركون حتى يكفر بمحمد ﷺ فوافقهم على ذلك مكرها وجاء معتذرا إلى النبي ﷺ فأنزل الله
_________________
(١) ١ الصارم المسلول (ص ٢٩٣- ٢٩٤) . ٢ الآية (١٠٦) من سورة النحل. ٣ عمار بن ياسر حليف بني مخزوم من السابقين الأولين هو وأبوه وأمه، هاجر إلى المدينة، وشهد المشاهد كلها، قتل بصفين سنة ٣٧ هـ. الإصابة (٢/٥٠٥، ٥٠٦) رقم: ٥٧٠٦.
[ ٥٥ ]
هذه الآية، وروى أن مما قاله أنه سب النبي ﷺ وذكر آلهتهم بخير، فشكا ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال: "يا رسول الله ما تركت حتى سببتك وذكرت آلهتهم بخير، قال: "كيف تجد قلبك؟ " قال: مطمئنا بالإيمان، فقال: "إن عادوا فعد" وفي ذلك أنزل الله: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾، ولهذا اتفق العلماء على أن المكره على الكفر يجوز له أن يوالي إبقاء لمهجته، ويجوز له أن يأبى، كما كان بلال١ ﵁ يأبى عليهم ذلك، وهم يفعلون به الأفاعيل "٢.
القسم الثاني: من نواقض الإيمان بالنبي ﷺ:
الطعن فيما أخبر به الرسول لا- مما هو معلوم من الدين بالضرورة- إما بإنكاره أو انتقاصه.
فإذا اجتمعت الشروط التالية في المنكر وهي:
أ- أن يكون ذلك الأمر المنغص من الأمور التي أجمعت عليها الأمة وأن يكون من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة: أي أن يكون علمه منتشرا كالصلوات الخمس وصوم شهر رمضان، وعموم رسالته٣.
ب- أن لا يكون المنكر حديث عهد بالإسلام لا يعرف حدوده فهذا إذا أنكر
_________________
(١) ١ بلال بن رباح الحبشي مؤذن رسول الله ﷺ، أحد السابقين إلى الإسلام الذين عذبوا بمكة، وكان أمية بن خلف يخرجه إذا حميت الظهيرة: فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة ثم يأمر بالصخرة العظيمة على صدره، ثم يقول لا يزال على ذلك حتى يموت أو يكفر بمحمد ﷺ، فيقول وهو على ذلك أَحَدٌ أَحَدٌ، فمرَّ به أبو بكر فاشتراه منه وأعتقه، ومناقبه كثيرة، شهد المشاهد كلها مع النبي ﷺ، مات بالشام سنة عشرين. الإصابة (١/ ١٦٩) رقم ٧٣٦. ٢ تفسير ابن كثير (٢/ ٥٨٧، ٥٨٨) بتصرف. ٣ انظر صحيح مسلم بشرح النووي (١/ ٢٠٥) .
[ ٥٦ ]
شيئا من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة جهلا به فانه لا يكفر١.
ج- أن لا يكون المُنكِر مكرها على ذلك، فإن المكره له حكم آخر كما قدمنا ذلك.
والمُنكِر في هذه الحالة يحكم بكفره وانتقاض إيمانه. والمنتقص لأمور الدين إذا كان غير مكره فإنه يكفر سواء كان جادا في ذلك أم هازلا.
والأمثلة على هذا القسم كثيرة جدا نذكر منها على سبيل المثال ما يختص بجانب الإيمان برسالة النبي ﷺ.
أولا: "أن يعتقد أن غير هدي النبي ﷺ أكمل من هديه وأن حكم غيره أحسن من حكمه كالذين يفضلون القانون الوضعي على حكم الشرع ويصفون الشريعة الإسلامية بالقصور والرجعية وعدم مسايرة التطور، وهذا من أعظم المناقضة لشهادة أن محمدا رسول الله.
ثانيا: من أبغض شيئا مما جاء به الرسول ﷺ ولو عمل به فهو كافر"٢.
ثالثا: اعتقاد الإنسان أنه يسعه الخروج عن شريعة النبي ﷺ.
ولهذا الأمر صورتان:
الأولى: أن لا يرى وجوب تصديق الرسول ﷺ ولا وجوب طاعته فيما أمر به وإن اعتقد مع ذلك أن الرسول ﷺ عظيم القدر علما وعملا وأنه يجوز تصديقه وطاعته ولكنه يقول إنه لا يضر اختلاف الملل إذا كان المعبود واحدا ويرى أنه تحصل النجاة والسعادة بمتابعة الرسول وبغير متابعته وهذا هو
_________________
(١) ١ انظر صحيح مسلم بشرح النووي (١/ ٢٠٥) . ٢ الجامع الفريد: رسالة نواقض الإسلام للشيخ محمد بن عبد الوهاب (ص ٢٨٢) .
[ ٥٧ ]
قول الفلاسفة والصابئة١ وهذا القول لا ريب في كفر صاحبه "فمن نواقض الإسلام أن يعتقد الإنسان عدم كفر المشركين ويرى صحة مذهبهم، أو يشك في كفرهم"٢.
وهذا القول هو الذي ينادي به في وقتنا الحاضر من يدعون إلى وحدة الأديان ويروج لهم في ذلك الماسونية٣ اليهودية٤
الثانية: من يرى طلب العلم بالله من غير خبره، أو العمل لله من غير أمره، وهؤلاء وإن كانوا يعتقدون أنه يجب تصديق الرسول أو تجب طاعته، لكنهم في سلوكهم العلمي والعملي غير سالكين هذا المسلك بل يسلكون مسلكا آخر إما من جهة القياس والنظر، وإما من جهة الذوق والوجدان، وإما من جهة التقليد، وما جاء عن الرسول إما أن يعرضوا عنه وإما أن يردوه إلى ما سلكوه.
وإضافة إلى هذه النواقض فإن الإيمان بالنبي ﷺ ينتقض أيضا بالنواقض العامة الأخرى للإسلام وهي:
١- الشرك في عبادة الله تعالى:
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٥
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى (٧/ ٦٣٩) . ٢ الجامع الفريد (ص ٢٨٢) . ٣ الماسونية: عبارة فرنسية معناها البناؤون الأحرار، والماسونية حركة يهودية سرية تعمل تحت ستار التآخي بين الأديان وهدفها الرئيسي السيطرة على العالم عن طريق أصحاب الجاه والنفوذ في بقاع العالم، وذلك بواسطة المحافل التي تقيمها في بقاع كثيرة من العالم. انظر: "كتاب الماسونية ذلك العالم المجهول"، لصابر طعيمة. ٤ كتاب الولاء والبراء (ص ٣٤٤) . ٥ الآية (٤٨) من سورة النساء.
[ ٥٨ ]
وقال تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ ٣
٢- أن يجعل بينه وبين الله وسائط:
يدعوهم ويسألهم الشفاعة فيما لا يقدر عليه إلا الله، ويتوكل عليهم فهذا كافر بالإجماع٤.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ ٥
وقال تعالى: ﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُ وَمَا لا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ، يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ ٦، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ ٧.
٣- السحر:
ومنه الصرف والعطف فمن فعله أو رضي به كفر٨ بدليل قوله تعالى:
_________________
(١) ١ الآية (٦٥) من سورة الزمر. ٢ الآية (٨٨) من سورة الأنعام. ٣ الآية (٧٢) من سورة المائدة. ٤ الجامع الفريد (ص ٢٨٢) . ٥الآية (١٩٤) من سورة الأعراف. ٦ الآيتان (١٢- ١٣) من سورة الحج. ٧ الآية (١٨) من سورة الجن. ٨ الجامع الفريد (ص ٢٨٢) . والمراد بالصرف: التفريق بين الزوجين. والعطف: الجمع بينهما.
[ ٥٩ ]
﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ ١.
٤- "مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين "٢:
والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ٣ وهذا من أعظم النواقض التي وقع فيها سواد الناس اليوم في الأرض وهم بعد ذلك يحسبون على الإسلام ويتسمون بأسماء إسلامية، فلقد صرنا في عصر يُستحى فيه أن يقال للكافر يا كافر.
ومظاهرة المشركين أخذت صورا شتى فمن الميل القلبي إلى انتحال مذاهبهم الإلحادية إلى مجاراتهم في تشريعاتهم، إلى كشف عورات المسلمين لهم، إلى كل صغير وكبير في حياتهم "٤
٥- الإعراض عن دين الله تعالى:
لا يتعلمه ولا يعمل به٥ والدليل على ذلك فوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ ٦.
ولا فرق في جميع هذه النواقض يين الهازل والجاد والخائف، إلا المكره وكلها من أعظم ما يكون خطرا، وأكثر ما يكون وقوعا فينبغي للمسلم أن يحذرها ويخاف منها على نفسه٧،
_________________
(١) ١ الآية (١٠٢) من سورة البقرة. ٢ الجامع الفريد (ص ٣٨٣) . ٣ الآية (٥١) من سورة المائدة. ٤ كتاب الولاء والبراء في الإسلام تأليف محمد بن سعيد القحطاني (ص ٨٣) بتصرف بسيط. ٥ الجامع الفريد (ص ٢٨٤) . ٦ الآية (٢٢) من سورة السجدة. ٧ الجامع الفريد (ص ٣٨٤) .
[ ٦٠ ]
ومعرفة المسلم لهذه الأمور تجعله على بصيرة من أمره، وتكسبه وتزيده معرفة لأمور عقيدته، فبضدها تتميز الأشياء.
[ ٦١ ]
المبحث الثاني: وجوب الإيمان بنبوته ورسالته ﷺ
المطلب الأول: معنى النبوة والرسالة
المطلب الأول: معنى النبوة والرسالة
جمع الله لنبيه محمد ﷺ يين النبوة والرسالة قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ ١
أ- معنى النبي لغة وشرعا:
النبوة في اللغة العريية مشتقة إما من (النبأ) أو (النباوة) أو (النبوة) أو (النبي)
١- فإذا كاظما مأخوذة من (النبأ) فتكون بمعنى الإخبار، لأن النبأ هو الخبر.
٢- وإذا كانت مأخوذة من (النباوة أو النبوة) فتكون بمعنى الرفعة والعلو، لأن (النباوة أو النبوة: هي الشيء المرتفع) .
٣- أما إذا كانت مأخوذة من (النبي) بدون همز، فيكون معناها الطريق إلى الله ﷿ لأن معنى "النبي" الطريق.
ولو نظرنا إلى النبوة الشرعية لوجدنا أنها تشمل كل هذه المعاني إذ النبوة إخبار عن الله ﷿، وهي رفعة لصاحبها لما فيها من التشريف والتكريم، وهى الطريق الموصلة إلى الله سبحانه.
أما النبوة في اصطلاح الشرع: " فهي خبر خاص يكرم الله ﷿ به أحدا من عباده فيميزه عن غيره بإيحائه إليه ويوقفه به على شريعته بما فيها من أمر ونهي ووعظ وإرشاد ووعد ووعيد"٣.
_________________
(١) ١ الآية (٤٠) من سورة الأحزاب. ٢ انظر: لسان العرب مادة "نبأ" (١/١٦٢- ١٦٣)، ومعجم مقاييس اللغة (٥/ ٣٨٤، ٣٨٥) . ٣ شعب الإيمان للبيهقي، الباب الثاني من شعب الإيمان (ص ٢٧٥) رسالة ماجستير في الجامعة الإسلامية بتحقيق فالح بن ثاني.
[ ٦٣ ]
أما النبي فقد اختلف العلماء في تعريفه:
- فمنهم من قال: هو الذي أوحى الله إليه بشرع١ ليعمل به ولم يؤمر بتبليغه.
- فمنهم من قال: هو الذي أوحى الله إليه أن يدعو الناس إلى شريعة رسول قبله٢.
- ومنهم من قال: هو الذي أوحى الله إليه وأخبره بأمره ونهيه وخبره، ويعمل بشريعة رسول قبله بين قوم مؤمنين٣ وهذا هو الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ولعله هو أرجح الأقوال وأسلمها من الاعتراض فقد اعترض على القول الأول بأنه غير صحيح لأن قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ﴾ ٤ يدل على أن كلا منهما مرسل وأنهما مع ذلك بينهما تغاير٥ وكذلك مما يؤكد كون الأنبياء مأمورين بتبليغ قومهم ما أوحي إليهم والحكم بينهم بذلك ما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "كانت بنوا إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي وإنه لا نبي بعدي " الحديث٦.
" أي تتولى أمورهم كما تفعل الأمراء والولاة بالرعية. والسياسة: القيام على الشيء بما يصلحه"٧.
_________________
(١) ١ المصدر السابق (ص ٢٧٥)، وشرح العقيدة الطحاوية (ص ١٦٧) . ٢ أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ محمد الأمين الشنقيطي (٥/ ٧٣٥) . ٣ كتاب النبوات لشيخ الإسلام ابن تيمية (ص ٢٥٥) . ٤ الآية (٥٢) من سورة الحج. ٥ أضواء البيان (٥/ ٧٣٥) . ٦ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأنبياء: باب ما ذكر عن بني إسرائيل. انظر: فتح الباري (٦/ ٤٩٥) ح ٣٤٥٥. وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة: باب الأمر بالوفاء ببيعة الخلفاء الأول فالأول (٦/ ١٧) . ٧ النهاية في غريب الحديث (٢/ ٤٢١) .
[ ٦٤ ]
وقد اعترض على القول الثاني بأن الضابط الذي ذكروه لا يستقيم فيوسف ﵇ كان رسولا وكان على شريعة إبراهيم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ ١.
وكذلك داود وسليمان ﵉ كانا رسولين وكانا على شريعة التوراة قال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا، وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ٢
٤- معنى الرسول لغة وشرعا:
الرسول لغة: إما مأخوذ من الرِّسل.
والرِّسل: هو الانبعاث على تؤدة. يقال: ناقة رسله: أي سهلة السير، وإبل مراسيل: منبعثة انبعاثا سهلا. ولفظ الرسل متضمن لمعنى الرفق ومعنى الانبعاث. فإذا تصور منه معنى الرفق يقال على رسلك إذا أمرته بالرفق. وإذا تصور منه معنى الانبعاث يقال إبل مراسيل أي منبعثة.
ولفظ الرسول اشتق من المعنى الثاني أي الانبعاث.
فالرسول على هذا الاشتقاق هو المنبعث٣.
_________________
(١) ١ الآية (٣٤) من سورة غافر. ٢ الآيتان (١٦٣- ١٦٤) من سورة النساء. ٣ المفردات في غريب القرآن تأليف أبي القاسم حسين محمد المعروف بالراغب الأصفهاني (ص ١٩٥) مادة "رسل".
[ ٦٥ ]
وإما مأخوذ من الرَّسْل وهو التتابع فيقال جاءت الإبل رَسْلا أي متتابعة، ويقال جاءوا أرْسَالأ: أي متتابعين.
ومعنى الرسول على هذا الاشتقاق: هو الذي يتابع أخبار الذي بعثه١.
ولو نظرنا إلى كلا الاشتقاقين فإنا نجد أن لفظ الرسول في اصطلاح الشرع يدل عليهما فالرسول مبعوث من قبل الله، وهو كذلك يتابع أخبار الوحي المنزل إليه من الله تعالى.
ولفظ الرسول تارة يقال للقول المُتَحَمَّل كقول الشاعر:
ألا بلِّغ أبا حفص رسولا
وتارة لمُتَحَمِّل القول والرسالة٢
والرسول في الشرع: عرف بعدة تعريفات:
فمن العلماء من عرفه بقوله: هو الذي أوحى الله إليه بخبر وأمره بتبليغه للناس، وهؤلاء فرقوا بينه ويين النبي بأن النبي أوحي إليه بخبر ولم يؤمر بتبليغه٣.
ومنهم من عرفه بقوله: هو الذي أنزل إليه كتاب وشرع مستقل مع المعجزة التي تثبت بها نبوته.
وقالوا: إن النبي هو الذي لم ينزل إليه كتاب وإنما أوحي إليه أن يدعو الناس إلى شريعة رسول قبله٤.
ومنهم من قال: إن الرسول هو الذي ينبئه الله ثم يأمره أن يبلغ رسالته إلى
_________________
(١) ١ المصدر السابق (ص ١٩٥) ولسان العرب مادة "رسل" (١١/ ٢٨٤) . ٢ المصدر السابق (ص ١٩٥) ولسان العرب مادة "رسل" (١١/ ٢٨٤) . ٣ شعب الإيمان للبيهقي (ص ٢٧٥- ٢٧٦) بتحقيق فلاح بن ثاني، وشرح العقيدة الطحاوية (ص ١٦٧) . ٤ أضواء البيان (٥/ ٧٣٥) .
[ ٦٦ ]
من خالف أمره أي إلى قوم كافرين.
أما النبي فهو من أوحى الله إليه وأخبره بأمره ونهيه وخبره، ويعمل بشريعة رسول قبله بين قوم مؤمنين بهما.
وهذا ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية، واستشهد لذلك بأن نوحا ﵇ كان هو أول رسول بعث إلى أهل الأرض وكان أول شرك بالله قد وقع في قومه.
وقد كان قبل نوح أنبياء كشيث وإدريس ﵉ وقبلهما آدم كان نبيا مكلما، وقد كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام وكان المبعوثون في هذه القرون أنبياء فقط١.
وهذا القول الثالث هو أرجح الأقوال.
أما القول الأول فهو غير مسلم كما سبق وإن وضحت في الكلام على معنى النبي. وكذا الأمر بالنسبة للقول للثاني فليس من شرط الرسول أن يأتي بشريعة جديدة كما تقدم ذكر ذلك.
_________________
(١) ١ النبوات (ص ٢٥٥- ٢٥٦) .
[ ٦٧ ]
المطلب الثاني: الأدلة من القرآن والسنة على وجوب الإيمان به ﷺ
أ-الأدلة من القرآن:
أوجب الله ﷾ على الثقلين – الإنس والجن – الذين أدركتهم رسالة النبي ﷺ أن يؤمنوا بالنبي ﷺ وبما جاء به كما شهدت بذلك نصوص الكتاب العزيز.
كما أكد الله وجوب الإيمان بأن جعله مقترنا بالإيمان به ﷾ في مواضع كثيرة من القرآن الكريم منها:
قال تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ، وَمَا لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ ٤،
_________________
(١) ١ الآيتان (٧-٨) من سورة الحديد. ٢ الآية (٨) من سورة التغابن. ٣ الآية (١٣٦) من سورة النساء. ٤ الآية (٩) من سورة الفتح.
[ ٦٨ ]
وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ ٢. والإيمان به ﷺ واحد من ثلاثة حقوق اقترن بها حقه ﷺ مع حق الله تعالى في القرآن الكريم.
أما الحق الثاني له:
فهو طاعته قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ٣، وسيأتي بيانه في الفصل الثاني من هذا الباب.
والحق الثالث هو:
محبته قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ ٤، وسيأتي بيانه في الباب الثاني.
"كما أن الإيمان به واجب متعين لا يتم إيمان إلا به ولا يصح إسلام إلا معه"٥.
_________________
(١) ١ الآية (١٥٨) من سورة الأعراف. ٢ الآية (١٥) من سورة الحجرات. ٣ الآية (١٣٢) من سورة آل عمران. ٤ الآية (٢٤) من سورة التوبة. ٥ الشفا للقاضي عياض (٢/ ٥٣٨) بتصرف.
[ ٦٩ ]
وقال تعالى في حق من لم يؤمن: ﴿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا﴾ ١.
وبما تقدم من آيات يعلم وجوب الإيمان بالرسول ﷺ وأهميته وأنه لا يتم الإيمان بالله بدون الإيمان به، كما لا تحصل نجاة ولا سعادة بدون الإيمان به لأنه هو الطريق إلى الله ﷾، ولذلك كان أول أركان الإسلام "شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدا رسول الله".
ب- الأدلة من السنة على وجوب الإيمان به ﷺ:
وردت في السنة أحاديث كثيرة جدا تدل على وجوب الإيمان به ﷺ على الجن والإنس الذين أدركتهم رسالته، سواء كانوا أهل كتاب، أم ليسوا بأهل كتاب، ويستوي في ذلك عربهم وعجمهم، وذكرهم وأنثاهم، فلا يسع أحدا من هؤلاء الخروج عن شريعته أو التعبد لله بغير ما جاء به. لأن الله لا يقبل من أحد عملا يخالف شرع نبيه محمد ﷺ.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٢ وسأورد ههنا بعضا من تلك الأحاديث الواردة في هذا الشأن:
أ- عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله" ٣.
_________________
(١) ١ الآية (١٣) من سورة الفتح. ٢ الآية (٨٥) من سورة آل عمران. ٣ أخرجه بهذا اللفظ مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان: باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله (١/ ٣٩) .
[ ٧٠ ]
٢- وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله" ١.
٣- عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "والذي نفس محمد بيده لا يسمع لي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار" ٢.
٤- وعن ابن عباس ﵄ في حديث وفد عبد القيس أن النبي ﷺ قال لهم: "أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟، قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس" الحديث٣.
٥- وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: بعثني رسول الله فقال: "إنك تأتي قوما من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان: باب ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾، انظر: فتح الباري (١/ ٧٥) ح ٢٥. وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان: باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله، انظر (١/ ٣٩) . ٢ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان: باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد ﷺ إلى جميع الناس ونسخ الملل بملته (١/ ٩٣) . ٣ تقدم تخريجه (ص ٣١) .
[ ٧١ ]
المطلب الثالث: دلائل نبوته ﷺ
أيد الله ﵎ رسوله ﷺ بالدلائل، والمعجزات الكثيرة الدالة على وجوب الإيمان به وصدق رسالته وهذه الدلائل والمعجزات فاقت الألف معجزة كما ذكر ذلك غير واحد من العلماء١ ومنها ما هو حسي ومنها ما هو معنوي، وكذلك هي متنوعة فمنها ما كان قبل مولده كبشارات الأنبياء به ومنها ما كان وقت ولادته كقصة الفيل والعجائب التي حدثت عام مولده الدالة على نبوته، ومنها ما كان عند مبعثه كالقرآن الكريم وانشقاق القمر ونبع الماء بين أصابعه ﷺ وغيرذلك.
ومن تلك الدلائل ما استمر بعد وفاته ﷺ كالقرآن الكريم، وما أخبر به من المغيبات كعلامات الساعة، وما يحدث بعده. ولقد ألف عدد من العلماء مؤلفات في هذا الشأن جمعوا فيها تلك الدلائل والمعجزات٢.
وإن من أعظم دعائم الإيمان معرفة المسلم لهذه الدلائل وأخذ العظة والعبرة منها وذلك بتدبر ما فيها من حكم وآيات دلت على صدق رسالة نبينا ﷺ. والمقام هنا لا يستوعب إيراد هذه الدلائل والمعجزات، ولكني سأشير إلى بعض هذه الدلائل إشارات سريعة على سبيل المثال:
أ- القرآن الكريم:
_________________
(١) ١ الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لشيخ الإسلام ابن تيمية (١/ ١٤٠) . ٢ من تلك المؤلفات: دلائل النبوة لأبي نعيم الأصبهاني، ودلائل النبوة لقوام السنة الأصبهاني، ودلائل النبوة للبيهقي، والخصائص الكبرى للسيوطي.
[ ٧٣ ]
هو أعظم الآيات والبراهين والدلائل والمعجزات التي أعطيها النبي ﷺ، وليس من آية أبدع ولا أروع منه.
فهو المعجزة الخالدة التي أعطاها الله لرسوله ﷺ لتكون خالدة كخلود رسالته، ومشمهودة لكل من أتى بعد زمانه ليعم الانتفاع بها ولتقوم بها الحجة على أهل كل زمان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ولقد تعهد الله بحفظه وبقائه فقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ١ فكان في هذا الحفظ دوامه وبقاؤه إلى قيام الساعة. ولقد ميز الله نبيه بهذه المعجزة عن سائر إخوانه من الأنبياء كما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذى أوتيته وحي أوحاه الله إلي، فأرجو أني أكثرهم تابعا يوم القيامة" ٢.
وفى تخصيص النبي ﷺ للقرآن بالذكر هنا دون المعجزات الأخرى التي أعطيها- والتي تزيد على الألف- إشارة إلى عظم هذه المعجزة ومكانتها حتى أنه أصبح غيرها بالنسبة إليها كلا شيء لشيء.
ولقد تضمنت هذه المعجزة وجوها متعددة من الإعجاز، فالقرآن الكريم معجز بلغته وفصاحته وبيانه وبلاغته وأحكامه وتشريعاته وبما حواه من أخبار
_________________
(١) ١ الآية (٩) ش سورة الحجر. ٢ أخرجه البخارى في صحيحه، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب قول النبي ﷺ: "بعثت بجوامع الكلم" واللفظ له، انظر فتح الباري (٣/ ٢٤٧) ح ٧٢٧٤. وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان: باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد ﷺ إلى جميع الناس ونسخ الملل بملته. انظر (١/ ٩٢، ٩٣) .
[ ٧٤ ]
وقصص، ومغيبات، وعلوم، فهو معجز من جميع الوجوه، ولقد تحدى الله قوم النبي ﷺ على أن يأتوا بمثله أو بشيء منه، فالقرآن الكريم نزل بلغتهم فهم يعرفون حروفه ومعانيه، إضافة إلى أنه نزل في أوان وزمان بلغت فيه قريش ذروة الفصاحة والبلاغة والبيان، فلقد كان فيهم أولوا الأحلام والنهى والأفهام والألسن الحداد، والقرائح الجياد، والعقول السداد.
فالتحدي كان لهم بأمر يعرفون طريقه ولهم بجنسه عهد بل إنهم نبغوا فيه وبلغوا فيه ذروته.
ولذلك فقد توهم كفار قريش في بداية أمرهم أن باستطاعتهم الإتيان بمثله وقدروا أن في وسعهم معارضته فقالوا: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ ١.
فجاءهم التحدي من الله على ثلاث مراحل هي:
المرحلة الأولى:
التحدي بالإتيان بمثل القرآن وذلك كما جاء في قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ ٢.
المرحلة الثانية:
تحداهم بالإتيان بعشر سور مثله حيث قال ﵎: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٣.
المرحلة الثالثة:
حيث تحداهم ﵎ بالإتيان بسورة واحدة فقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ
_________________
(١) ١ الآية (٣١) من سورة الانفال. ٢ الآيتان (٣٣- ٣٤) من سورة الطور. ٣ الآية (١٣) من سورة هود.
[ ٧٥ ]
صَادِقِينَ﴾ ١، فعجزوا عن الإتيان بسورة واحدة مع شدة الاجتهاد وقوة الأسباب فقد كانوا حريصين على تكذيبه وإبطاله بكل طريق ولكن مع هذا كله فقد عجزوا عن ذلك.
ولقد أخبر الله بعجزهم عند تحديه إياهم بالإتيان بسورة من مثله فقال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ ٢.
ولما عجزوا عن الإتيان بما تحداهم به قطع الله طمعهم على أن يأتوا بمثله فقال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ ٣.
وبعد مرحلة قطع الطمع أنزل الله فواتح السور كـ ﴿الم، الر، المر﴾ وغيرها تقريعا وتوبيخا للكفار، مخبرا لهم أن ما تحداهم به مكون من حروف هي حروف العربية التي يتحدثون بها والتي بلغوا ذروتها فهم أفصح العرب، والقرآن نزل بلغة العرب، ولقد جرت سنة الله بأن يعطي كل رسول من المعجزات ما
_________________
(١) ١ الآية (٢٣) من سورة البقرة. ٢ الآية (٢٤) من سورة البقرة. ٣ الآية (٨) من سررة الاسراء.
[ ٧٦ ]
يناسب ما اشتهر به قومه، فلقد أعطى موسى العصا لاشتهار من أرسل إليهم بالسحر وما يتعلق به، وأعطى عيسى معجزة إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص والأعمى لاشتهار قومه بالطب وهكذا، فأعطى نبينا محمدا ﷺ القرآن لما اشتهرت به قريش من الفصاحة والبيان.
فهذا ما كان من أمر التحدي الذى تحدى الله به أهل مكة وغيرهم من العرب الذين نزل القرآن بلغتهم، وسأعرض لذكر بعض جوانب هذا الإعجاز القرآني الذى عجز الكفار أن يأتوا بمثل هذا القرآن من جهتها وهى ما يلي:
أولا:
تحداهم بفصاحة القرآن وعلو أسلوبه، وأحكامه، ودقة تعبيره، ولذا تكلف بعض سفهاء الأحلام منهم أن يأتوا بسور خيل لهم أنها على نمطه وشاكلته، فأضحكوا على أنفسهم العقلاء، وأما ذووا العقل والرأي منهم فأسلموا أنفسهم إلى العجز وأيقنوا من قرارة نفوسهم أنه الحق وأنه من عند الله لا من كلام البشر ولكن أكثرهم يجهلون فأبوا إلا الكفر أنفة واستكبارا.
ثانيا:
تحداهم بتشريعه الكامل الموافق لمقتضى العقل والفطرة، الهادي جميع البشر إلى سواء السبيل من جوانب الحياة كلها عقيدة وعبادة واقتصادا وسياسة وأدبا وأخلاقا مع بقاءه كذلك صالحا لهداية العالم وإصلاحه في جميع جوانب الحياة إلى يوم القيامة.
ثالثا:
تحداهم بما تضمنه القرآن من الأخبار الغيبية التفصيلية المسهبة، وبوقوف
[ ٧٧ ]
الرسول ﷺ من إخوانه المرسلين السابقين موت المصدق لهم المبين لتحريف أقوامهم شرائعهم، المعلن لخزاياهم وفضائحهم في خروجهم على أنبيائهم بيان الواثق بنفسه المؤمن بما أوحي إليه من ربه، وهو أمي عاش في أمة أمية، ومن أمته أهل الكتاب الذين فضحهم بسوء صنيعهم مع رسلهم وفى شرائعهم ومع ذلك لاذوا بالصمت ولم يردوا عليه ما اتهمهم به تبرئة لأنفسهم ودفعا للنقيصة والعار عنها، فكان ذلك إيذانا بأنه رسول الله الصادق الأمين وأن ما جاء به إنما هو وحي من رب العالمين١.
ولقد تضمن القرآن الكريم جوانب أخرى من الإعجاز فنحن في زمان انتشر فيه سلطان العلم المادي وتباهى الإنسان بمعرفته لكثير من الأمور التي خفيت عمن قبله من الأجيال، ولكن كثيرا من هذه الأمور التي يدعي الإنسان اكتشافها ومعرفتها، نجد أن القرآن الكريم قد تحدث عنها وبينها فعلى سبيل المثال تكوين الإنسان في بطن أمه تحدثت عنه آيات كئيرة من القرآن قبل أربعة عشر قرنا من الزمان بينما لم يتعرف علماء الطب على ذلك إلا في زمن متأخر وكذا الأمر بالنسبة لكثير من الأمور الأخرى كتكوين الأرض وعلوم البحار وعلوم الحيوان وشتى أنواع العلوم الأخرى، وقد اهتم عدد من العلماء المسلمين بهذا الشأن فأنشؤوا ما يسمى "بهيئة الإعجاز العلمي في القرآن" لبيان سبق القرآن في توضيح كثير من أمور العلم التي يدعي كثير من العلماء الماديين أنها لم تعرف إلا في هذا الزمان.
وهذا كله شاهد بأن كتاب الله العزيز يبقى المعجزة الخالدة التي لا تنتهي
_________________
(١) ١ انظر مجلة البحوث الإسلامية، العدد التاسع (ص ٢٧- ٢٨) مقال بعنوان بيان ما يسمى معجزة محمد الخالدة والمعجزة القرآنية إعداد هيئة كبار العلماء.
[ ٧٨ ]
عجائبها، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا﴾ ١
فالقرآن يبقى معجزا في عصر العلم كما كان معجزا في عصر الفصاحة والبلاغة.
ومن الآيات الحسية التي أعطيها النبي ﷺ زمن بعثته:
ب- انشقاق القمر:
قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ، وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ ٢.
وعن أنس بن مالك ﵁: "أن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آية فأراهم انشقاق القمر"٣.
وعن عبد الله بن مسعود٤ ﵁ قال: "انشق القمر على عهد النبي ﷺ شقين، فقال: "اشهدوا" ٥.
ج- نبع الماء بين أصابعه:
فعن أنس بن مالك ﵁ قال: "أتي رسول الله ﷺ بإناء وهو
_________________
(١) ١ الآية (٨٩) من سورة الإسراء. ٢ الآيتان (١، ٢) من سورة القمر. ٣ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المناقب: باب سؤال المشركين أن يريهم النبي ﷺ آية، فأراهم انشقاق القمر. انظر: فتح الباري (٦/ ٦٣١) ح ٣٦٣٧ ٤ عبد الله بن مسعود الهذلي، أسلم قديما، وهاجر الهجرتين، وشهد بدرا والمشاهد بعدها، وكان أول من جهر بالقرآن بمكة وكان من فقهاء الصحابة، توفي عام ٣٢ هـ بالمدينة. الإصابة: (١/٣٦٠، ٣٦٢) رقم ٤٩٥٤. ٥ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المناقب: باب سؤال المشركين أن يريهم النبي ﷺ آية، فأراهم انشقاق القمر. انظر: فتح الباري (٦/ ٦٣١) ح ٣٦٣٦.
[ ٧٩ ]
بالزوراء١ فوضع يده في الإناء فجعل الماء ينبع من بين أصابعه، فتوضأ القوم. قال قتادة: قلت لأنس كم كنتم؟، قال: ثلائمائة، أو زهاء ثلاثمائة"٢ وقد روى حديث نبع الماء من بين أصابعه ﷺ جماعة من الصحابة منهم أنس وجابر وابن مسعود٣.
د- إشباع العدد الكثير من الطعام القليل:
عن أنس بن مالك ﵁ قال: "قال أبو طلحة٤ لأم سليم٥: لقد سمعت صوت رسول الله ﷺ ضعيفا أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شيء؟، قالت: نعم، فأخرجت أقراصا من شعير ثم أخرجت خمارا
_________________
(١) ١ الزوراء: موضع بالمدينة عند سوقها في ذلك الوقت. وفاء الوفاء (٤/ ١٢٢٩) . ٢ أخرجه البخاري في صحيحه واللفظ له، كتاب المناقب: باب علامات النبوة في الإسلام. انظر: فتح الباري (٦/٥٨٠) ح ٣٥٧٢، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل: باب في معجزات النبي ﷺ (٧/ ٤٩) . فائدة: قال ابن حجر في فتح الباري (٦/ ٥٨٥): "حديث نبع الماء من أصابعه ﷺ جاء من رواية أنس عند الشيخين وأحمد وغيرهم من خمسة طرق. وعن جابر بن عبد الله من أربعة طرق وعن ابن مسعود عند البخاري والترمذي، وعن ابن عباس عند أحمد والطبراني من طريقين. وعن ابن أبي ليلى والد عبد الرحمن عند الطبراني". انتهى كلامه. ٣ الشفا (١/٤٠٢) . ٤ أبو طلحة: اسمه زيد بن سهل بن الأسود الأنصاري النجاري الخزرجي، مشهور بكنيته، شهد العقبة ثم شهد بدرا وما بعدها من المشاهد، توفي عام ٣١ هـ وقيل ٣٤ هـ. الإصابة (١/ ٥٤٩) ت رقم ٢٩٠٥. ٥ أم سليم بنت ملحان بن خالد الأنصارية وهى أم أنس خادم رسول الله ﷺ اشتهرت بكنيتها واختلف في اسمها فقيل سهلة وقيل رميلة وقيل غير ذلك. أسلمت مع السابقين من الأنصار، ولها مواقف مشهودة تدل على فضلها ومكانتها. الإصابة (٤/ ٤٤١، ٤٤٢) ت رقم ١٣٢١.
[ ٨٠ ]
لها، فلفت الخبز ببعضه ثم دسته تحت يدي، ولاثتني ببعضه، ثم أرسلتني إلى رسول الله ﷺ، قال: فذهبت به فوجدت رسول الله ﷺ في المسجد ومعه الناس، فقمت عليهم. فقال لي رسول الله ﷺ: "آرسلك أبو طلحة؟ "، فقلت: نعم. قال: بطعام؟، قلت: نعم، قال رسول الله ﷺ لمن معه: "قوموا"، فانطلق وانطلقت بين أيديهم حتى جئت أبا طلحة فأخبرته. فقال أبو طلحة: يا أم سليم قد جاء رسول الله ﷺ بالناس وليس عندنا ما نطعمهم. فقالت: الله ورسوله أعلم. فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله ﷺ، فأقبل رسول الله ﷺ وأبو طلحة معه، فقال رسول الله ﷺ: "هلمي يا أم سليم ما عندك"، فأتت بذلك الخبز، فأمر به رسول الله ﷺ ففت، وعصرت أم سليم عكة فأدمته، ثم قال رسول الله ﷺ فيه ما شاء أن يقول. ثم قال: "ائذن لعشرة" فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا. ثم قال: "ائذن لعشرة" فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا. ثم قال: "ائذن لعشرة" فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا. ثم قال: "ائذن لعشرة" فأكل القوم حتى شبعوا والقوم سبعون أو ثمانون رجلا"١.
وأحاديث تكثير الطعام القليل تعددت، وتكررت في مواطن متعددة ورويت عن بضعة عشر من الصحابة، ورواها عنهم أضعافهم من التابعين ثم من لا يُعد بعدهم، وأكثر هذه الأحاديث مروية في الصحيح وأكثرها في قصص مشهورة، ومجامع مشهورة، ولا يمكن التحدث عنها إلا بالحق، ولا يسكت
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المناقب: باب، علامات النبوة في الإسلام. انظر فتح الباري (٦/ ٥٨٦) ح ٣٥٧٨.
[ ٨١ ]
الحاضر لها على ما أنكر منها١.
هـ- ما أطلع عليه من الغيوب وما سيكون في المستقبل:
"والأحاديث في هذا الباب بحر لا يدرك قعره، ولا ينزف غمره، وهي من جملة معجزاته المعلومة على القطع"٢ ومنها على سبيل المثال حديث حذيفة ابن اليمان قال: "قام فينا رسول الله ﷺ مقاما ما ترك شيئا يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدث به، حفظه من حفظه ونسيه من نسيه، قد علمه أصحابي هؤلاء وإنه ليكون منه الشيء نسيته فأراه فأذكره كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه ثم إذا رآه عرفه"٣.
وبعد فهذا جزء يسير جدا من دلائل نبوته المعنوية والحسية وصدق رسالته ﷺ، أيد الله بها نبيه ليقيم الحجة على الخلق فيحيا من حيي عن بينة ويهلك من هلك عن بينة.
فيجب على كل مسلم أن يتدبر في دلائل نبوته ﷺ ويطَّلع عليها، فإن فيها عظة وعبرة وتزيد من إيمان المرء ويقينه بنبوة خاتم المرسلين وإمامهم، الذي أعطاه الله من الآيات والبراهين ما لم يعط أحدا من الأنبياء قبله.
_________________
(١) ١ الشفا (١/ ٤١٩) بتصرف. ٢ الشفا (١/ ٤٧٠) وقد ذكر طرفا من هذه الأحاديث فمن أراد الاستزادة فليرجع إليه. ٣ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفتن: باب إخبار النبي ﷺ فيما يكون إلى قيام الساعة (٨/ ١٧٢) .
[ ٨٢ ]
المبحث الثالث: وجوب الإيمان بعموم رسالته ﷺ
المطلب الأول: الأدلة من القرآن على عموم رسالته
تمهيد
إن من الإيمان بنبوة محمد ﷺ الإيمان بجميع ما جاء به، ومما جاء به ﷺ الإخبار بعموم رسالته للإنس والجن بجميع أجناسهم وأشكالهم وألوانهم ومللهم ولغاتهم. لذا فإنه يجب أن يعلم أن الله ﷿ أرسل محمدا ﷺ إلى جميع الثقلين الإنس والجن وأنه أوجب عليهم الإيمان به وبما جاء به وطاعته، وأنه لا يسع أحدا من هؤلاء الخروج عن شريعته ولا أن يدين لله بغير ما جاء به "ومن اعتقد أنه يسوغ لأحد الخروج عن شريعته وطاعته فهو كافر يجب قتله"١ قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ ٢. وعموم رسالة النبي ﷺ وعالميتها هي إحدى الخصائص التي انفرد بها ﷺ عن الأنبياء قبله، إذ كان النبي إنما يعث إلى قومه خاصة ثم يبقى غيرهم محتاجا إلى من يبلغهم أمر الله ﷿، أما محمد ﷺ فقد بعثه الله للناس كافة بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، فهو المبعوث رحمة للعالمين، فعمت رسالته جميع المكلفين إنسهم وجنهم، كما صحبت كذلك الزمان في مسيرته، فإذا انتهى جيل من الناس فإن الجيل الذي يليه مخاطب ومكلف بها.
والإيمان بعموم الرسالة وعالميتها هو الذي يدين به كل مسلم يؤمن بالله ورسوله، فهذا ما جاءت به آيات الكتاب الكريم ونصوص السنة الثابتة، فهو من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة والتي أجمعت عليها الأمة.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية (٣/ ٤٢٢) . ٢ الآية (٨٥) من سورة آل عمران.
[ ٨٤ ]
المطلب الأول: الأدلة من القرآن على عموم رسالته
وردت آيات كثيرة في كتاب الله العزيز تثبت عموم دعوته وعالمية رسالته ﷺ ومن سمة هذه الآيات أنها اتصفت بتنوع العبارة مع اتحاد في المضمون الذي هو الدلالة على عموم الرسالة وعالميتها.
وسوف نعرض لهذه الآيات بحسب اتحادها في السياق.
أ- الآيات التي ورد فيها لفظ "الناس" منها:
قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعا﴾ ١.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاس﴾ ٢.
وقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ ٣.
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ ٤.
وقوله تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِم﴾ ٥.
وقوله تعالى: ﴿هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ ٦.
_________________
(١) ١ الآية (١٥٨) من سورة الأعراف. ٢ الآية (٢٨) من سورة سبأ. ٣ الآية (٧٩) من سورة النساء. ٤ الآية (١٧٤) من سورة النساء. ٥ الآية (٢) من سورة يونس. ٦ الآية (٥٢) من سورة إبراهيم.
[ ٨٥ ]
وقوله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ ١.
والشاهد من هذه الآيات أنها بينت شمول رسالة محمد ﷺ للناس٢ جميعا. قال صاحب اللسان: "الناس قد يكون من الإنس ومن الجن"٣.
فلفظ الناس يطلق على الجن والإنس كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ، مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ ٤ فسمى الله الجن في هذا الموضع ناسا كما سماهم في موضع آخر رجالا، فقال: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ ٥ فجعل الجن رجالا وكذلك جعل منهم ناسا٦. وهناك رأي آخر يقول إن لفظ الناس دخل فيه الجن تغليبا٧.
والذي أراه أن الآيات تفسر بالمعنى الشامل للإنس والجن إذ لا مخصص للعموم هنا.
وكنموذج لتفسير ما أوردته من آيات في هذا الشأن أذكر ما قاله بعض علماء التفسير في بيان قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾،
_________________
(١) ١ الآية (١) من سورة إبراهيم. ٢ لفظ "الناس" فيه وجهان: أحدهما: أن يكون جمعا لا واحد له من لفظه وإنما واحده "إنسان" وواحدته "إنسانة"، والوجه الآخر: أن يكون أصله "أناس" أسقطت الهمزة منها لكثرة الكلام بها تخفيفا، ثم أدخلت الألف واللام المعرفتان، فأدغمت اللام التي دخلت مع الألف فيها للتعريف في النون. انظر: تفسير الطبري (١/ ١١٦) . ٣ لسان العرب (٦/ ٢٤٤) مادة نوس. ٤ الآيتان (٥- ٦) من سورة الناس. ٥ الآية (٦) من سورة الجن. ٦ تفسيرالطرى (٣٠/٣٥٦) . ٧ تفسير ابن كثير (٤/ ٥٧٥) .
[ ٨٦ ]
قال أبو جعفر الطبري١ في تفسيرها: "قل يا محمد للناس كلهم ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ لا إلى بعضكم دون بعض، كما كان من قبلي من الرسل مرسلا إلى بعض الناس دون بعض، فمن كان منهم أرسل كذلك، فإن رسالتي ليست إلى بعضكم دون بعض، لكنها إلى جميعكم"٢.
وقال ابن كثير٣: يقول تعالى لنبيه ورسوله محمد ﷺ ﴿قُلْ﴾ يا محمد ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ وهذا خطاب للأحمر والأسود والعربي والعجمي ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ أي جميعكم وهذا من شرفه وعظمه ﷺ أنه خاتم النبيين وأنه مبعوث إلى الناس كافة"٤.
ب- الآيات التي ورد فيها لفظ "العالمين": ومنها
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ٥.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ ٦.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ ٧.
_________________
(١) ١ هو محمد بن جرير الطبري، المؤرخ المفسر الإمام، كان مولده سنة أربع وعشرين ومائتين، روى الكثير عن الجم الغفير، صنف التاريخ الحافل، وله التفسير الكامل الذي لا يوجد له نظير توفي سنة ٣١٠ هـ. البداية (١/ ١٤٥- ١٤٧) . ٢ تفسير الطبري (٩/ ٨٦) . ٣ هو إسماعيل بن عمر بن كثير البصروي الدمشقي، حافظ مؤرخ فقيه ولد سنة ٧٠١ هـ وتوفي سنة ٧٧٤ هـ وهو صاحب كتاب تفسير القرآن العظيم والبداية والنهاية. شذرات الذهب (١/٢٣١)، والأعلام (١/ ٣٢٠) . ٤ تفسير ابن كثير (٢/ ٢٥٤- ٢٥٥) . ٥ الآية (١٠٧) من سورة الأنبياء. ٦ الآية (٩٠) من سورة الأنعام. ٧ الآية (١٠٤) من سورة يوسف.
[ ٨٧ ]
وقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ ١.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ ٢.
وقوله تعالى: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ، إن هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ ٣.
والمراد بالعالمين هنا هم الإنس والجن إذ هم المكلفون.
قال ابن عباس ﵄: "العالمون الجن والإنس، دليله قوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ ولم يكن نذيرا للبهائم"٤.
ج- الآيات التي ورد فيها لفظتا "كافة" و"جميعا" وهي:
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٥. وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ ٦. وهناك ثلاث عبارات هي: "الناس" و"كافة" و"جميعا" دلت جميعها على العموم.
د- الآية التي ورد فيها لفظ "ومن بلغ":
قال تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ ٧،
_________________
(١) ١ الآبة (١) من سورة الفرقان. ٢ الآية (٥٢) من سورة القلم. ٣ الآيتان (٢٦، ٢٧) من سورة التكوير. ٤ تفسير القرطبي (١/ ١٣٨) . ٥ الآية (٢٨) من سورة سبأ. ٦ الآية (٥٨) من سورة الأعراف. ٧ الآية (١٩) من سورة الأنعام.
[ ٨٨ ]
فالشاهد من الآية هو قوله تعالى: ﴿لأنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ فلفظ (من) في قوله ﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾ من صيغ العموم، فالآية نص في عموم رسالة النبي ﷺ. ومعنى الآية أن الله يأمر رسوله ﷺ أن يقول لقومه إن الله أوحى إلي هذا القرآن لأنذركم به يا أهل مكة، أو يا معشر العرب ومن بلغه هذا القرآن سواء كان عربيا أو عجميا وسواء كان موجودا الآن، أم سيأتي بعد إلى أن تقوم الساعة وهذا هو الذى ذكره أهل التفسير عند هذه الآية١
هـ- الآيات التي ورد فيها خطاب الجن ومنها:
قوله تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ ٢ إلى آخر الآيات التي نزلت في شأن دعوة الجن إلى الإيمان برسالة محمد ﷺ وسميت هذه السورة بسورة الجن.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ، قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ، يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ٣ والآيات نزلت في جن نصيبين٤ عندما سمعوا القرآن، فآمن به من آمن منهم ثم ولوا إلى قومهم منذرين، ثم أتوا إلى النبي ﷺ فبايعوه على الإسلام
_________________
(١) ١ انظر على سبيل المثال، تفسير الطبري (٧/ ١٦٢، ١٦٣) وتفسير ابن كثير (٢/ ١٢٦) . ٢ الآيتان (١، ٢) من سورة الجن. ٣ الآيات (٢٩- ٣٠- ٣١) من سورة الأحقاف. ٤ مدينة تقع في تركيا بالقرب من الحدود السورية. أطلس العالم (ص ٥٢) .
[ ٨٩ ]
بشعب معروف بمكة، والأحاديث بذلك كثيرة مشهورة في الصحيح والسنن والمسند وكتب التفسير والفقه وغيرها١.
وكذلك فإن سورة الرحمن هي خطاب للثقلين الإنس والجن معا.
والآيات التي وردت في دعوة أهل الكتاب:
ومنها: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ ٢.
﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٣.
وبالجملة فإن في القرآن من دعوة أهل الكتاب من اليهود والنصارى ومن دعوة المشركين وعباد الأوثان وجميع الإنس والجن ما لا يحصى إلا بكلفة وهذا كله معلوم بالاضطرار من دين الإسلام٤.
_________________
(١) ١ كتاب النبوات لابن تيمية (ص ٣٩٦) . ٢ الآية (٢٠) من سورة آل عمران. ٣ الآية (١٩) من سورة المائدة ٤ الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (١/ ١١٢) .
[ ٩٠ ]
المطلب الثاني: الأدلة من السنة على عموم رسالته
الأدلة على عموم رسالته ﷺ وعالميتها كثيرة جدا في السنة النبوية سواء من الناحية القولية أو الناحية العملية وسنعرض هنا لكلتا الناحيتين بإذن الله.
أ- السنة القولية:
أ- عن أبي الدرداء١ ﵁ قال: "كانت بين أبي بكر٢ وعمر محاورة، فأغضب أبو بكر عمر، فانصرف عنه عمر مغضبا، فأتبعه أبو بكر يسأله أن يستغفر له، فلم يفعل، حتى أغلق بابه في وجهه فأقبل أبو بكر إلى رسول الله ﷺ، فقال أبو الدرداء ونحن عنده: فقال رسول الله ﷺ: "أما صاحبكم هذا فقد غامر" ٣.
قال: وندم عمر على ما كان منه، فأقبل حتى سلم وجلس إلى النبي ﷺ، وقص على رسول الله ﷺ الخبر، قال أبو الدرداء: وغضب رسول الله ﷺ، وجعل أبو بكر يقول: والله يا رسول الله، لأنا كنت أظلم.
_________________
(١) ١ واسم أبي الدرداء كما قيل عويمر بن عامر، ولعل كنيته هي اسمه، أنصاري أسلم يوم بدر وشهد المشاهد بعدها، وكان أحد الحكماء العلماء الفضلاء توفي في عهد عثمان. الاستيعاب (٤/ ٥٩- ٦٠) . ٢ واسمه عبد الله بن عثمان بن عامر: ولد بعد الفيل بسنتين وسنة أشهر، صحب النبي ﷺ سنين قبل البعثة وسبق إلى الإيمان به واستمر معه طوال إقامته بمكة ورافقه في الهجرة وفي الغار وفى المشاهد كلها إلى أن مات، وولي الخلافة من بعده فكان أول الخلفاء الراشدين، ومناقبه كثيرة ﵁ توفي سنة ١٣ هـ. الإصابة (٢/ ٣٣٣ - ٣٣٦) رقم ٤٨١٧. ٣ غامر: أي خاصم غيره، ومعناه: دخل في غمرة الخصومة، وهي معظمها والمغامر الذي يرمي بنفسه في الأمور المهلكة. النهاية: (٣/ ٣٨٤) .
[ ٩١ ]
فقال رسول الله ﷺ: "هل أنتم تاركوا لي صاحبي، هل أنتم تاركوا لي صاحبي؟، إني قلت يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا، فقلتم كذبت، وقال أبو بكر صدقت" ١.
٢- وعن جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال: "أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي، نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة" ٢.
٣- وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون" ٣
٤- وعن أبي ذر٤ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "أوتيت
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير: باب تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ . انظر: فتح الباري (٨/ ٣٠٣) ح ٤٦٤٠، وأخرجه أيضا في كتاب فضائل الصحابة: باب قول النبي ﷺ: "لو كنت متخذا خليلا". انظر: فتح الباري (٧/ ١٨) ح ٣٦٦١. ٢ أخرجه البخارى في صحيحه، كتاب التيمم واللفظ له. انظر فتح الباري (١/ ٤٣٥- ٤٣٦) ح ٣٣٥، وكذلك ٤٣٨- ٣١٢٢، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساجد (٢/ ٦٣) . ٣ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساجد (٢/ ٦٤) . ٤ أبو ذر الغفاري الزاهد المشهور الصادق اللهجة مختلف في اسمه واسم أبيه والمشهور أنه جندب ابن جنادة بن السكن، وكان من السابقين إلى الاسلام، توفي بالربذة سنة إحدى وثلاثين وقيل في التي بعدها. الإصابة (٤/ ٦٣- ٦٥) ت رقم ٣٨٤.
[ ٩٢ ]
خسما لم يؤتهن نبي قبلي، نصرت بالرعب فيرعب مني العدو عن مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد كان قبلي، وبعثت إلى الأحمر والأسود" ١.
٥- وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "والذي نفسي بيده لا يسمع بي رجل من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار" ٢.
وذكر اليهود والنصارى تنبيها على من سواهما، وذلك لأن اليهود والنصارى لهم كتاب، فإذا كان هذا شأنهم مع أن لهم كتابا فغيرهم ممن لا كتاب له أولى٣.
٦- وعن أبي موسى الأشعري ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من سمع بي من أمتي أو يهودي أو نصراني ثم لم يؤمن بي دخل النار" ٤.
ب- السنة العملية:
إن المتأمل في سيرته ودعوته ﷺ يعلم حرصه ﷺ على نشر الرسالة
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد في مسنده (٥/١٤٥) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: "رجاله رجال الصحيح" (٨/ ٢٥٩)، وأخرجه أيضا من طرق أخر عن ابن عباس (١/ ٢٥٠) وأبي أمامة (٥/ ٢٤٨) . وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٢٥٩): "رجال أحمد- أي في هذا الحديث- ثقات"، وجد عمروبن شعيب (٢٢/٢) .وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٦٧): "رجاله ثقات"، وقال أحمد شاكر: "إسناده صحيح" (١٣/ ١٦) - المسند بتحقيقه. ٢ تقدم تخريجه. انظر (ص ٧١) . ٣ انظر صحيح مسلم بشرح النووي (٢/ ١٨٨) . ٤ أخرجه أحمد في مسنده (٤/ ٣٩٦- ٣٩٨) .
[ ٩٣ ]
وإبلاغها لجميع المكلفين، فقد دعا ﷺ الإنس على اختلاف أجناسهم وألوانهم ولغاتهم، سواء كانوا أهل كتاب أم ليسوا بأهل كتاب، كما دعا الجن كذلك فآمن له من آمن منهم وبايعوه على الإسلام.
ولقد صدع النبي ﷺ بعالمية الرسالة وعمومها في أوائل دعوته عندما انتقل من المرحلة السرية في الدعوة إلى المرحلة الجهرية حيث قال ﷺ بعد أن حمد الله: "إن الرائد لا يكذب أهله، والله الذي لا إله إلا هو إني رسول الله إليكم خاصة وإلى الناس عامة، والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتحاسبن بما تعملون، وإنها للجنة أبدا أو النار أبدا" ١.
وإن المتأمل للآيات القرآنية التي نصت على عموم رسالته وعالميتها يجد أن جلها كان مكي النزول، وهذا يؤكد أن عالمية الرسالة مقررة منذ بداية الوحى. ومن المعلوم أن طريقة الدعوة كانت تتبع أسلوب التدرج في التبليغ وهذا التدرج لم يكن ينافي شمول الدعوة لكل المكلفين، لأن المرحلية كانت ضرورية لدعوته ﷺ، ولقد دلت السيرة النبوية أن النبي ﷺ اتبع أسلوب التدرج في إبلاغ الرسالة، فأول ما بدأ به هو الدعوة السرية لهذا الدين فآمن له من آمن.
ثم انتقل إلى الدعوة الجهرية ونهج فيها كذلك أسلوب التدرج فبدأ بأهل مكة عندما نزل عليه قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ ٢ فدعاهم ﷺ إلى الإسلام.
ثم بعد ذلك أخذ رسول الله ﷺ يدعو الناس في مجامعهم وأسواقهم ويبلغهم دعوة الله.
_________________
(١) ١ الكامل في التاريخ لابن الأثير (٢/ ٦١) . ٢ الآية (٢١٤) من سورة الشعراء.
[ ٩٤ ]
ثم ذهب إلى الطائف ودعا أهلها إلى الإسلام ولكنهم لم يجيبوه لذلك، ثم عاد إلى مكة وأخذ يعرض دعوته على القبائل في الموسم إلى أن التقى بالخزرج وهم من أهل المدينة وعرض عليهم الإسلام فأسلموا وأسلم النجاشي من قبلهم وكان على النصرانية.
ومن هنا كانت بداية المرحلة الجديدة في الدعوة فبعد تمكن الإسلام بالمدينة، هاجر النبي ﷺ إليها فاتسع بذلك نطاق الدعوة حتى شمل أهل الكتاب من اليهود الذين كانوا بالمدينة حواليها حينئذ، كما تنوعت كذلك أساليب الدعوة إلى هذا الدين فشرع الجهاد في سبيل الله واتسعت رقعة الدعوة فشملت قبائل العرب ومن كان في جزيرة العرب من أهل الكتاب كيهود المدينة وخيبر ونصارى نجران واليمن وغيرهم، واستمر التدرج إلى أن كان عام الحديبية ومهادنة قريش فأرسل النبي ﷺ في ذلك الوقت إلى جميع الطوائف يدعوهم إلى الإسلام.
فعن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ كتب إلى كسرى وإلى قيصر وإلى النجاشي وإلى كل جبار يدعوهم إلى الله تعالى١.
ثم جاءت بعد هذه المرحلة مرحلة أخرى حيث بدأ النبي ﷺ بغزو النصارى فأرسل جيشا بقيادة زيد بن حارثة فقاتلوا النصارى بمؤتة من أرض الكرك٢ ثم غزاهم بنفسه وأمر جميع المسلمين أن يخرجوا معه ولم يأذن بالتخلف لأحد، وغزا في عشرة آلاف في غزوة تبوك وأقام بها عشرين ليلة ليغزو النصارى
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجهاد والسير: باب كتب النبي ﷺ إلى ملوك الكفار يدعوهم الى الله ﷿ (٥/ ١٦٦) . ٢ تقع حاليا في الأردن.
[ ٩٥ ]
عربهم وعجمهم، وأقام ينتظرهم ليقاتلهم فسمعوا به وأحجموا عن قتاله ولم يقدموا عليه.
ثم بعد ذلك جهز جيشا بقيادة أسامة بن زيد١ ولكنه ﷺ لحق بالرفيق الأعلى قبل أن يخرج الجيش، فأوصى وهو في سكرات الموت بإرسال هذا الجيش فقال: "أنفذوا بعث أسامة".
ولقد سار أصحابه رضوان الله عليهم من بعده على نهجه واستنوا بسنته حتى فتح الله عليهم بلاد فارس والروم وغيرها فانتشر الإسلام ودخل الناس في دين الله أفواجا.
والشاهد من هذا كله أن سيرته ﷺ هي مثال تطبيقي عملي على شمول دعوته وعالمية رسالته التي من أجلها كرس النبي ﷺ حياته لكي ينشرها ويبلغها للناس كافة، لتقوم بذلك الحجة على الناس أجمعين.
وما ذكرته ههنا ليس إلا إشارات سريعة فمن أراد الاستزادة فعليه بكتب الحديث والسيرة ففيها الغنية بإذن الله.
_________________
(١) ١ أسامة بن زيد بن حارثة، الحب بن الحب، ولد في الإسلام، صحابي جليل، توفي سنة أربع وخمسين هجرية. الإصابة (١/ ٤٦) .
[ ٩٦ ]
المطلب الثالث: دليل الإجماع على عموم رسالته.
إن الإجماع منعقد من أئمة المسلمين وعامتهم على أن محمدا ﷺ أرسل إلى جميع الأمم - أهل الكتاب وغير أهل الكتاب١ - فإن الذي يدين به المسلمون هو أن محمدا ﷺ بعث رسولا إلى الثقلين الإنس والجن، أهل الكتاب وغيرهم، وأن من لم يؤمن به فهو كافر مستحق لعذاب الله، مستحق للجهاد، وهو مما أجمع أهل الإيمان بالله ورسوله عليه، لأن الرسول ﷺ هو الذي جاء بذلك وذكره الله في كتابه، وبينه النبي أيضا في سنته.
وهذا الإجماع تواترت في نقله كتب أهل العلم وهو منقول عندهم نقلا متواترا يعلمونه بالضرورة. وكتب التوحيد السنة مليئة بهذا.
وبما تقدم إيراده من الأدلة والنصوص يعلم ثبوت عموم رسالته وشمولها كما يعلم كذلك انتفاء كل دعوى تخالف هذا الأمر أو تطعن فيه كدعوى أنه رسول للعرب خاصة، أو دعوى أن رسالته ليست ناسخة لما قبلها من الرسالات وأنه يسع الناس التدين بما جاء في قبله من الرسالات.
فنصوص القرآن والسنة والإجماع ترد هذه الدعاوى وتفندها وتبطلها. وبالنسبة إلى ما تعلق به أصحاب هذه الأقوال من شبه ظنوها أدلة لهم، فإنما مردها إلى سوء فهمهم وجهلهم بمعاني النصوص التي أوردوها وكما قيل:
وكم من عائب قولا صحيحا وآفته من الفهم السقيم٢
_________________
(١) ١ الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (١/ ١٢٤) . ٢ ديوان أبي الطيب المتنبي (ص ٢٣٢)
[ ٩٧ ]
ولا يتسع المجال هنا لإيراد تلك الشبه وتفنيدها١ كما أن معرفة الحق تغني وكما قيل: بضدها تتميز الأشياء.
وإن الواجب على كل مسلم اعتقاد عموم رسالته وشموليتها وعالميتها لجميع المكلفين وإنه لا يسع أحدا الخروج عنها أو أن يدين لله بغيرها.
كما أنه لا يسع المسلم أن يجهل مثل هذا الأمر لأنه من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة، ومن الواجب عليه كذلك أن يرد على كل من يطعن في هذا الأمر أو يشكك فيه سواء ممن ينتسبون إلى الإسلام أو من غيرهم، وبالخصوص أننا أصبحنا في زمان ظهرت فيه الدعوة إلى وحدة الأديان وتقاربها بدعوى أنها جميعا تدعو إلى عبادة إله واحد وأن مصدرها واحد إلى غير ذلك من الأمور التي يروج لها أصحاب هذه الدعوة والتي لا تنطلي إلا على ساذج لا يعي الأمور الضرورية من دينه.
_________________
(١) ١ لمزيد من التفصيل في هذا الموضوع: انظر كتاب الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (١/ ١٢٨) وما بعدها.
[ ٩٨ ]
المبحث الرابع: وجوب الإيمان بأنه ﷺ خاتم النبيين
المطلب الأول: معنى ختم النبوة.
تمهيد
من الخصائص التي خص الله بها رسوله ﷺ ورسالته جعله خاتم النبيين وجعل رسالته خاتمة الرسالات، فانفرد ﷺ بهذا الأمر وبغيره عن إخوانه من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. فأصبح ختم النبوة من خصائصة ﷺ.
ولذا فإن من حقه ﷺ على كل من يؤمن له، أن يعتقد بهذا الأمر، يؤمن به " لثبوته بنصوص القرآن والسنة وإجماع الأمة، بل هو من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة التي لا يعذر المسلم بجهلها ولمزيد من البيان لهذه الخاصية والحق الواجب له ﷺ، سوف أتحدث في هذا المبحث عن الجوانب التالية:
[ ١٠١ ]
المطلب الأول: معنى ختم النبوة.
أ- معنى الختم في اللغة:
الختم في اللغة ورد لعدة معان هي:
ا- الطبع:
قال صاحب المحكم: "ختمه، يختمه، ختما: طبعه"١
وقد ذكر هذا صاحب اللسان٢ والقاموس المحيط٣.
وفى تاج العروس: "معنى ختم وطبع واحد في اللغة"٤.
٢- تغطية الشيء والاستيثاق منه بحيث لا يدخله شيء ولا يخرج منه شيء:
قال صاحب المحكم: "والختم على القلب ألا يفهم شيئا ولا يخرج منه شيء كأنه طبع. ومعنى ختم وطبع في اللغة واحد، وهو التغطية على الشيء والاستيثاق من أن لا يدخله شيء كما قال ﷿: ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ ٥"٦، وذكر هذا صاحب اللسان٧ وصاحب تاج العروس٨.
_________________
(١) ١ المحكم لابن سيده (٥/ ٢٦) بتحقيق إبراهيم الأبياري. ٢ لسان العرب (١٢/ ١٦٣) . ٣ القاموس المحيط (٢/ ١٥) بترتيب الزاوي. ٤ تاريخ العروس للزبيدى (٨/ ٢٦٦) . ٥ الآية (٢٤) من سورة محمد. ٦ المحكم (٥/ ٢٦) . ٧ لسان العرب (١٢/ ١٦٣) . ٨ تاج العروس (٨/ ٢٦٦) .
[ ١٠٢ ]
٣- آخر الشيء ونهايته:
قال صاحب المحكم: "وختم الشيء يختمه: ختما بلغ آخره، وخاتم كل شيء: عاقبته وآخرته، وختام كل مشروب آخره، وفرض التنزيل ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ ١ أي آخره، وختام القوم وخاتمهم آخرهم وفي التنزيل ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ ٢ أي آخرهم"٣.
وقال صاحب المفردات في معرض كلامه عن الصور التي يرد بها لفظ الختم: "وتارة يعتبر منه بلوغ الآخر ومنه قيل: ختمت القرآن أي انتهيت إلى آخره إلى أن قال: "وخاتم النبيين لأنه ختم النبوة، أي تممها بمجيئه ﷺ"٤. وقال صاحب القاموس: "والخاتم من كل، شيء: عاقبته وآخرته، وآخر القوم كالخاتم"٥.
"هذه هي المعاني اللغوية لفعل "الختم" واسم فاعله "خاتم" كما أوردها أعلام اللغة في مصنفاتهم عن العرب، وهي مع تعددها وتعدد ألفاظها المعبرة عنها والتي هي: الطبع على الشيء وإنهاؤه وتغطيته وآخر القوم وعاقبة الأمر، هي مع ذلك كله تتمشى مع دلالة قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ على أن النبوة قد طبع عليها فلا تفتح، وأنها قد انتهت وسدت بمحمد ﷺ، وأنه آخر الأنبياء وشرعه آخر
_________________
(١) ١ الآية (٢٦) من سورة المطففين. ٢ الآية (٤٠) من سورة الأحزاب. ٣ المحكم (٥/ ٢٦) . ٤ المفردات (ص ١٤٢-١٤٣) . ٥ القاموس (٢/ ١٥) بترتيب الزاوى.
[ ١٠٣ ]
الشرائع وعاقبتها"١.
ب- معنى ختم النبوة:
تقدم معرفة معنى الختم في اللغة، وتقدم أيضا معرفة معنى النبوة في المبحث الثاني من هذا الفصل.
"فإذا ما ركبا في جملة واحدة هي "ختم النبوة" فإنه يكون معناها "انتهاء إنباء الله للناس وانقطاع وحي السماء"٢.
_________________
(١) ١ كتاب عقيدة ختم النبوة للدكتور أحمد بن سعد الغامدي (ص ١٣) ٢ المصدر السابق (ص ١٦) .
[ ١٠٤ ]
المطلب الثاني: الأدلة من القرآن الكريم على ختم النبوة.
أ- آية الختم:
قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ .
والآية نص صريح واضح على ختم النبوة بمحمد ﷺ وكونه خاتم الأنبياء وآخرهم مبعثا فلا نبي بعده ولا رسول.
وقد سبق الربط بين دلالة الآية والمعنى اللغوي لكلمة "ختم".
وتتميما للفائدة سأعرض بعض ما ذكره علماء التفسير عند تفسير هذه الآية.
قال ابن جرير الطبري ﵀: "يقول تعالى ذكره ما كان أيها الناس محمد أبا زيد بن حارثة١ ولا أبا أحد من رجالكم، الذين لم يلده محمد، فيحرم عليه نكاح زوجته بعد فراقه إياها، ولكنه رسول الله وخاتم النبيين الذي ختم النبوة فطبع عليها فلا تفتح لأحد من بعده إلى قيام الساعة، وكان الله بكل شيء من أعمالكم ومقالكم وغير ذلك ذا علم لا يخفى عليه شيء"٢.
وقال ابن كثير ﵀: "فهذه الآية نص في أنه لا نبي بعده، وإذا كان لا نبي بعده فلا رسول بالطريق الأولى والأحرى لأن مقام الرسالة أخص من مقام النبوة فكل رسول نبي ولا ينعكس، بذلك وردت الأحاديث المتواترة
_________________
(١) ١ زيد بن حارثة بن شراحيل الكعبي، تبناه النبي ﷺ وكان يدعى زيد بن محمد حتى نزلت الآية ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ﴾ شهد بدرا وما بعدها واستشهد في غزوة مؤتة. الإصابة (١/ ٥٤٥- ٥٤٦) . ٢ تفسير الطبري (٢٢/ ١٦) .
[ ١٠٥ ]
عن رسول الله ﷺ من حديث جماعة من الصحابة ﵃ إلى أن قال: فمن رحمة الله بالعباد إرسال محمد ﷺ، ثم من تشريفه لهم ختم الأنبياء والمرسلين به، وإكمال الدين الحنيف له.
وقد أخبر الله ﵎ في كتابه ورسوله ﷺ في السنة المتواترة عنه أنه لا نبي بعده، ليعلموا أن كل من ادعى هذا المقام بعده فهو كذاب أفاك دجال ضال مضل"١
وأقوال المفسرين عموما متفقة على أن المراد من الآية هو ختم النبوة وأن رسول الله ﷺ هو آخر الأنبياء مبعثا، ولم ينقل عن أحد من أهل التفسير خلاف ذلك.
وقد تعرض أهل التفسير للقراءات الواردة في قوله "خاتم" من هذه الآية فذكروا أن فيها قرائتين:
الأولى: قراءة الكسر "خاتِم".
وهي الأشهر عند أهل اللغة والتفسير الذين أجمعوا أن قراءة الكسر هي قراءة الجمهور وعامة قراء الأمصار٢ وعلى هذه القراءة "وخاتم النبيين" يكون المعنى أنه: "ختم النبيين" لأنه ختم به النبيون فهو خاتمهم.
الثانية: قراءة الفتح "خاتَم"
وهي الأقل استعمالا يين القراء ولهذا فإن المفسرين لا يعزونها إلا إلى أفراد القراء كعاصم٣ وابن عامر٤ وغيرهما.
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير (٣/ ٤٩٤) . ٢ تفسير الطبري (٢٢/ ١٦)، وتفسير البغوي (٦/ ٥٦٥) وتفسير القرطبي (١٤/ ١٩٦) . ٣ عاصم بن أبي النجود الضرير الكوفي، أحد القراء السبعة، توفي سنة تسع وعشرين ومائة، وقيل غير ذلك. تهذيب التهذيب (٥/٣٨- ٤٠) . ٤ عبد الله بن عامر اليحصبي، أحد القراء السبعة، كان قاضي مشق في أيام الوليد بن عبد الملك وإمام مسجد دمشق وتوفي بها سنة ثماني عشرة ومائة. تهذيب التهذيب (٥/ ٢٧٤، ٢٧٥) .
[ ١٠٦ ]
فعلى هذه القراءة "وخاتم النبيين" يكون المعنى أي آخر النبيين مبعثا فبه انتهت النبوة.
وبالرغم من ورود القرائتين في الآية إلا أن المفسرين لا يرون أن في ذلك تأثيرا على المعنى وهو انقطاع النبوة بعد نبينا محمد ﷺ.
ب- الآيات الدالة ضمنا على ختم النبوة:
في القرآن الكريم آيات كثيرة دلت ضمنا على ختم النبوة والرسالة بنبينا محمد ﷺ.
ومن هذه الآيات آيات عموم الرسالة وعالميتها والتي تقدم ذكرها في المبحث الثالث، حيث إن عموم الرسالة من الناحيتين الزمانية والمكانية يدل على كونها خاتمة الرسالات، لأن البشرية على هذا الحال لاتحتاج إلى دين جديد مادام هذا الدين قد خاطبهم جميعا على اختلاف أجناسهم وأماكنهم وأزمانهم. ومن الأدلة كذلك الإخبار بإكمال هذا الدين وإتمامه:
قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ ١ فالآية تؤكد أن الأمة لم تعد تحتاج إلى نبي يكمل لها دينها أو يتم عليها نعمة ربها، لأن الله ﷾ قد أكمله على يد رسوله ﷺ، ثم رضيه له
_________________
(١) ١ الآية (٣) من سورة المائدة.
[ ١٠٧ ]
ربها، لأن الله ﷾ قد أكمله على يد رسوله ﷺ، ثم رضيه له ولأمته دينا يعبدون الله به إلى يوم القيامة١.
قال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: "هذه أكبر نعم الله تعالى على هذه الأمة حيث أكمل تعالى لهم دينهم فلا يحتاجون إلى دين غيره ولا إلى نبي غير نبيهم صلوات الله وسلامه عليه، ولهذا جعله الله تعالى خاتم الأنبياء وبعثه إلى الإنس والجن "٢.
_________________
(١) ١ كتاب عقيدة ختم النبوة (ص ٢٧- ٢٨) . ٢ تفسير ابن كثير (٢/ ١٢) .
[ ١٠٨ ]
المطلب الثالث: الأدلة من السنة على ختم النبوة:
إلى جانب ما ورد ني القرآن من أدلة على كون النبي ﷺ خاتم النبيين ورسالته هي خاتمة الرسالات، فقد ورد في السنة كذلك أحاديث كثيرة أكدت هذا الأمر وبينته ونبهت عليه.
وقد وردت هذه الأحاديث بعبارات متعددة متنوعة لكنها جميعا أكدت على مدلول واحد، هو انقطاع الوحي بعد النبي ﷺ وختم النبوة به. وقد بلغ بعض هذه الأحاديث حد التواتر، كما أنها في جملتها متواترة تواترا قطعيا. ونظرا لتنوع ألفاظ تلك الأحاديث واختلاف صورها في الدلالة على هذا المعنى وتأكيده، فإن من المناسب أن أعرضها لك على النحو التالي:
أ- الأحاديث التي ورد فيها التصريح بأنه ﷺ خاتم النبيين، ومنها:
أ- عن أبي هريرة ﵁ قال: "أُتي رسول الله ﷺ بلحم، فرفع إليه الذراع - وكانت تعجبه - فنهس١ منها نهسة ثم قال "أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون مما ذلك؟ "، ثم ذكر ﷺ يوم القيامة وما يحدث فيه من استشفاع الناس بالأنبياء للحساب حتى يصلوا إليه ﷺ، فذكر ﷺ أنهم يقولون: "أنت رسول الله، وخاتم الأنبياء، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، تشفع لنا إلى ربك " الحديث٢.
_________________
(١) ١ النهس: أخذ اللحم بأطراف الأسنان، والنهش الأخذ بجميعها. النهاية (٥/ ١٣٦) . ٢ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير: باب ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ . انظر فتح الباري (٨/٣٩٥، ٣٩٦) ح ٤٧١٢، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان: باب أدنى الجنة منزلة فيها (١/ ١٢٧) .
[ ١٠٩ ]
٢- عن ثوبان١ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زُوي لي منها، وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض ٢ وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة بعامة، ولا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم ٣ وإن ربي قال لي يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، ولا أهلكهم بسنة بعامة، ولا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بين أقطارها - أو قال بأقطارها - حتى يكون بعضهم يهلك بعضا، وحتى يكون بعضهم يسبي بعضا، وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين وإذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنها إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي، ولا تزال طائفة من أمتي على الحق".
قال ابن عيسى: "ظاهرين" ثم اتفقا "لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله" ٤.
_________________
(١) ١ ثوبان مولى رسول الله ﷺ صحابي مشهور اشتراه ثم أعتقه رسول الله ﷺ فخدمه إلى أن مات. ثم تحول إلى الرملة ثم حمص، ومات بها سنة ٥٤ هـ. الإصابة (١/٢٠٥) رقم ٩٦٧ ٢ أي الذهب والفضة. النهاية (١/ ٤٣٨) . ٣ أي مجتمعهم، وموضع سلطانهم، ومستقر دعوتهم. النهاية (١/ ١٧٢) . ٤ أخرجه بهذا اللفظ أبو داود في السنن، كتاب الفتن والملاحم، باب ذكر الفتن ودلائلها (٢/ ٤٥٠، ٤٥٢) ح ٤٢٥٢، وأخرجه الإمام أحمد في المسند (٥/ ٢٧٨) وابن ماجة في السنن، كتاب الفتن، باب ما يكون من الفتن (٢/ ١٣٠٤)، وأخرجه مختصرا مسلم في صحيحه إلى قوله "يسبي بعضهم بعضا" كتاب الفتن، باب هلاك هذه الأمة (٨/ ١٧١)، وكذلك أخرج مسلم آخره من قول " لا تزال طائفة من أمتي" كتاب الإمارة باب قوله ﷺ "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين الخ" (٦/ ٥٢)، وأخرج الترمذي في السنن بعضه من قوله "لا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي - إلى قوله - لا نبي بعدي" كتاب الفتن:باب ما جاء لا تقوم الساعة حتى يخرج كذابون (٤/ ٤٩٨، ٤٩٩) ح ٢٢١٨، وقال هذا حديث حسن صحيح.
[ ١١٠ ]
والشاهد من هذا الحديث هو قوله: "وأنا خاتم النبيين أن لا نبي بعدي" فهذا نص في كونه ﷺ هو خاتم الأنبياء.
٣- وعن جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال: "أنا قائد المرسلين ولا فخر، وأنا خاتم النبيين ولا فخر وأنا أول شافع وأول مشفع ولا فخر" ١.
ب- الأحاديث التي ورد فيها ضربه ﷺ الأمثال لختم النبوة ومنها:
أ- عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال النبي ﷺ: "مثلي ومثل الأنبياء كرجل بنى دارا فأكملها وأحسنها، إلا موضع لبنة، فجعل الناس يدخلونها ويتعجبون ويقولون: لولا موضع اللبنة". متفق عليه٢، وعند مسلم بزيادة لفظ: "فأنا موضع اللبنة جئت فختمت الأنبياء".
٢- وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله، إلا موضع لبنة من زاوية فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟،
_________________
(١) ١ أخرجه الدارمي في السنن (١/ ٢٧) وقد اعتبره صاحب المشكاة من قسم الحسان وارتضاه الألباني المحقق (٣/ ١٢٨) . ٢ البخاري في صحيحه، كتاب المناقب باب خاتم النبيين ﷺ. انظر: فتح الباري (٦/ ٥٥٨) ح ٣٥٣٤، ومسلم في صحيحه، كتاب الفضائل: باب ذكر كونه ﷺ خاتم النبيين (٧/ ٦٥) .
[ ١١١ ]
قال: "فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين"١.
ج- الأحاديث التي ورد فيها تصريحه ﷺ بانقطاع النبوة وأنه لا نبي بعده ومنها:
أ- عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "كان بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وسيكون خلفاء فيكثرون " الحديث٢.
٢- عن ابن عباس ﵄ قال: "كشف رسول الله ﷺ الستار والناس صفوف خلف أبي بكر ﵁، فقال: أيها الناس إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له" ٣.
٣- وعن سعد بن أبي وقاص٤ ﵁ أن رسول الله ﷺ خرج إلى تبوك واستخلف عليا٥ فقال: أتخلفني في الصبيان والنساء؟
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المناقب: باب خاتم النبيين ﷺ واللفظ له. انظر: فتح الباري (٦/ ٥٥٨) ح ٣٥٣٥، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل: باب ذكر كونه ﷺ خاتم النبيين (٧/ ٦٤) . ٢ تقدم تخريجه (ص ٦٤) . ٣ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة: باب النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود (٢/ ٤٨) . ٤ سعد بن أبي وقاص واسم أبيه مالك بن أهيب وكان سابع من أسلم، وقد شهد مع رسول الله ﷺ المشاهد كلها، وأحد العشرة، وكان مجاب الدعوة وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله توفي سنة ٥٤ هـ. الإصابة (٢/٣٠- ٣٢) رقم ٣١٩٤. ٥ علي بن أبي طالب ولد قبل البعثة بعشر سنين تربى في حجر النبي ﷺ وشهد معه المشاهد كلها ماعدا غزوة تبوك، حيث استخلفه النبي ﷺ على المدينة، وهو رابع الخلفاء الراشدين وأحد العشرة المبشرين ومناقبه كثيرة، قتل على يد عبد الرحمن بن ملجم عام ٤٠ هـ. الإصابة (٢/٥٠١- ٥٠٣) رقم ٥٦٩٠.
[ ١١٢ ]
قال: " ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه ليس نبي بعدي" ١.
د- الأحاديث التي ورد فيها تحذيره ﷺ من المتنبئين بعده ومنها:
ا- عن أبي هريرة ﵁ أن رسول ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان تكون بينهما مقتلة عظيمة، دعوتهما واحدة، وحتى يبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين كلهم يزعم أنه رسول الله.." ٢
٢- عن جابر بن سمرة٣ ﵁ قال: سمعنا رسول الله ﷺ يقول: "إن بين يدي الساعة كذابين فاحذروهم" ٤.
د- الحديث الذي ورد فيه التصريح بأنه آخر الأنبياء وأن مسجده آخر المساجد وأن أمته آخر الأمم.
ا- عن أبي هريرة ﵁ قال: "صلاة في مسجد رسول الله ﷺ أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام، فإن
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي: باب غزوة تبوك، انظر فتح الباري (٨/ ١١٢) ح ٤٤١٦، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة: باب من فضائل علي بن أبي طالب ﵁ (٧/ ١٢٠) . ٢ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الفتن واللفظ له. انظر: فتح الباري (١٣/ ٨١، ٨٢) ح ٧١٢١، وأخرجه مختصرا مسلم في صحيحه، كتاب الفتن: باب إذا تواجه المسلمان بسيفيهما (٨/١٧٠) ٣ جابر بن سمرة بن جنادة العامري له ولأبيه صحبة، وهو ابن أخت سعد بن أبي وقاص، توفي سنة ٧٤ هـ. الإصابة (١/ ٢١٣) رقم ١٠١٨. ٤ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة: باب الناس تبع لقريش (٦/٤) .
[ ١١٣ ]
رسول الله ﷺ آخر الأنبياء وإن مسجده آخر المساجد "
قال عبد الله بن إبراهيم قارظ١ أشهد أني سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: "فإني آخر الأنبياء وإن مسجدي آخر المساجد" ٢.
ودلالة بعض أسمائه ﷺ على كونه خاتم الأنبياء:
عن جبير بن مطعم ﵁ أن النبي ﷺ قال: "أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحى لي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على عقبي، وأنا العاقب الذي ليس بعده نبي" ٣.
والأحاديث في مسألة ختم النبوة كثيرة لا يتسع المقام هنا لإيرادها جميعها، وقد جمع هذه الأحاديث صاحب كتاب "عقيدة ختم النبوة" فمن أراد الزيادة فليرجع إليه٤.
_________________
(١) ١ ويقال إبراهيم بن عبد الله بن قارظ الكناني وهما واحد، روى عن جابر بن عبد الله وأبي هريرة وغيرهم، ذكره ابن حبان في الثقات. تهذيب التهذيب (١/ ١٣٤) . ٢ أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الحج، باب فضل الصلاة بمسجدي مكة والمدينة (٤/ ١٢٤، ١٢٥) . ٣ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المناقب: باب ما جاء في أسماء رسول الله ﷺ، انظر: فتح الباري (٦/ ٥٥٤) ح ٣٥٣٢، وأخرجه مسلم، كتاب الفضائل: باب في أسمائه ﷺ، واللفظ له (٧/ ٨٩) . ٤ وهي رسالة ماجستير مطبوعة.
[ ١١٤ ]
المطلب الرابع: ما ورد عن الصحابة رضوان الله عليهم في تأكيد عقيدة ختم النبوة
لقد كان موقف الصحابة رضوان الله عليهم تجاه هذا الأمر متمثلا في الأمور التالية:
أ- روايتهم للأحاديث الواردة عن النبي ﷺ في هذا الشأن والتي بلغت حد التواتر على تنوع عبارات تلك الأحاديث واختلاف المناسبات التي قيلت فيها، وهذا مما يدل على اعتقادهم لهذا الأمر وحرصهم على إبلاغه لهذه الأمة، ولم ينقل عن أحد من الصحابة أنه خالف هذا الأمر، ولو كانت هناك أدنى شبهة عن أحد منهم لنقلت لنا "وقد بلغ عدد الصحابة ﵃ الذين رووا أحاديث الختم سبعة وثلاثين صحابيا"١
ب- إجماع الصحابة على قتال المتنبئين بعد وفاة رسول الله ﷺ فلقد سير أبو بكر ﵁ الجيوش - والتي كان معظم جندها من الصحابة رضوان الله عليهم - وذلك لقتال مسيلمة الكذاب٢ وطليحة الأسدي ٣اللذين ادعيا النبوة.
_________________
(١) ١ عقيدة ختم النبوة (ص ٥٥) . ٢ هو: مسيلمة بن ثمامة بن كبير الكذاب، ادعى النبوة في آخر حياة النبي ﷺ، وذلك في أواخر سنة عشر وتوفي النبي ﷺ قبل القضاء على فتنته، فلما انتظم الأمر لأبي بكر ﵁، انتدب له خالد بن الوليد على رأس جيش قوي فقتل مسيلمة الكذاب. البداية (٥/ ٤٩- ٥٢، ٦/ ٣٢٣- ٣٢٧) والأعلام (٧/ ٢٢٦) . ٣ طليحة بن خويلد الأسدي، قدم على النبي ﷺ في وفد من بني أسد سنة ٩هـ، وأسلموا، ولما رجعوا ارتد طليحة، وادعى النبوة في حياة رسول الله ﷺ. سير إليه أبو بكر خالد بن الوليد، فانهزم طليحة وفر إلى الشام ثم أسلم وحسن بلاؤه في الفتوح، واستشهد في نهاوند سنة ٢١ هـ. الإصابة (٢/ ٢٢٦) رقم ٤٢٩٠، والأعلام (٣/٢٣٠) .
[ ١١٥ ]
ج- ما ورد من الأقوال المأثورة عنهم والتي تضمنت التأكيد على ختم النبوة وانقطاع الوحي بعد وفاة الرسول ﷺ، ومن تلك الأقوال: ما رُوي عن عمر ابن الخطاب ﵁ أنه قال: "إن أناسا كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله ﷺ، وإن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم " ١.
وما روي عن ابن عباس ﵄ عند تفسير قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ .
قال في تفسيرها: "إن الله تعالى لما حكم أنه لا نبي بعده لم يعطه ولدا ذكرا يصير رجلا"٢
وعن ابن أبي أوفى٣ ﵁ لما سئل عن إبراهيم ولد النبي ﷺ قال: "مات صغيرا، ولو قضى أن يكون بعد محمد ﷺ نبي عاش ابنه ولكن لا نبي بعده"٤.
وعن أنس ﵁ قال: "كان إبراهيم - يعني ابن النبي ﷺ - قد ملأ الأرض، ولو بقي لكان نبيا ولكن لم يبق إلا نبيكم آخر الأنبياء"٥.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في صحيحه، كناب الشهادات، باب الشهداء العدول. انظر: فتح الباري (٥/ ٢٥١) ح ٢٦٤١. ٢ معالم التنزيل للبغوي (٦/ ٥٦٥) . ٣ هو: عبد الله بن أبي أوفى واسمه علقمة بن خالد الأسلمي له ولأبيه صحبة، شهد الحديبية، وروى أحاديث شهيرة نزل الكوفة، ومات بها سنة ثمانين. الإصابة (٢/ ٢٧١) رقم ٤٥٥٥. ٤ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب: باب من سمى بأسماء الأنبياء. انظر: فتح الباري (١٠/٥٧٧) . ٥ أخرجه أحمد في المسند (٣/ ١٣٣) .
[ ١١٦ ]
المطلب الخامس: إجماع الأمة
تلقت الأمة النصوص الواردة في الكتاب والسنة بشأن ختم النبوة بالقبول التام فحصل بهذا إجماعها على كون النبي ﷺ هو خاتم الأنبياء والمرسلين فلا نبي ولا رسول بعده، ورسالته هي خاتمة الرسالات وآخرها.
وقد نقل هذا الإجماع غير واحد من العلماء، أذكر على سبيل المثال قول بعض منهم:
قال ابن عطية١ في معرض كلامه على آية الختم: "وهذه الألفاظ عند جماعة علماء الأمة خلفا وسلفا متلقاة على العموم التام مقتضية نصا أنه لا نبي بعده ﷺ"٢.
وقال القاضي عياض٣: "أخبر ﷺ أنه خاتم النبيين لا نبي بعده، وأخبر عن الله تعالى أنه خاتم النبيين، وأنه أرسل كافة لله للناس وأجمعت الأمة على حمل هذا الكلام على ظاهره، وأن مفهومه المراد منه دون تأويل ولا تخصيص"٤.
_________________
(١) ١ واسمه عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن عطية المحاربي الغرناطي مفسر فقيه، عارف بالأحكام والحديث، توفي سنة ٥٤١ هـ. طبقات المفسرين للداودي (١/ ٢٦٥) والأعلام (٣/٢٨٢) . ٢ تفسيرالقرطبي (١٤/ ١٩٦) . ٣ عياض بن موسى بن عياض السبتي، أبو الفضل: عالم المغرب وإمام أهل الحديث في وقته، توفي عام ٥٤٤ هـ. الأعلام (٤/ ٩٩) . ٤ الشفا (٢/١٠٧١) .
[ ١١٧ ]
قال الألوسى١: "وكونه ﷺ خاتم النبيين مما نطق به الكتاب، وصدعت به السنة، وأجمعت عليه الأمة، فيكفر مدعي خلافه ويقتل إن أصر"٢.
ولقد تكلم علماء الأمة على تقرير هذه المسألة وأقوالهم محفوظة في ذلك، فإن شئت فارجع إلى كتب التفسير عند تفسير قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾، وارجع كذلك إلى كتب العقيدة فقل أن يخلو كتاب من الحديث في هذا الأمر وتقريره بما ورد في الكتاب والسنة وأقوال الصحابة، ومن بعدهم من علماء الأمة.
وبما تقدم من أدلة على تقرير ختم النبوة فإنه يجب على كل من يؤمن بالله ورسوله أن يؤمن بهذا الأمر ويعتقده.
_________________
(١) ١ محمود بن عبد الله الحسيني الألوسي، مفسر محدث، أديب وهو صاحب كتاب روح المعاني، توفي سنة ١٢٧٠ هـ، الأعلام (٧/ ١٧٦) . ٢ روح المعاني (٢٢/ ٣٢، ٣٩) .
[ ١١٨ ]
المبحث الخامس: وجوب الإيمان بأن النبي ﷺ قد بلغ الرسالة وأكملها
المبحث الخامس: وجوب الإيمان بأن النبي ﷺ قد بلغ الرسالة وأكملها
المبحث الخامس: وجوب الإيمان بأن النبي ﷺ قد بلغ الرسالة وأكملها
من تمام نعمة الله ﷾ على هذه الأمة أن أكمل لهم دينهم فلا ينقصه أبدا، ولا يحتاج إلى زيادة أبدا، واقترن هذا الإكمال برضاه سبحانه بأن يكون هذا الدين الكامل دينا نتعبده به، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ .
وهذه الآية دليل على كمال الدين وحيا من الله، وتبليغا من رسوله ﷺ، ولقد نزلت هذه الآية الكريمة والنبي ﷺ واقف بعرفات في حجة الوداع، وعاش النبي ﷺ بعد نزولها إحدى وثمانين ليلة.
وهي شهادة من الله تعالى لنبيه ﷺ على تبليغه لما أرسله به أتم تبليغ وأكمله وبذلك جعله الله خاتم النبيين، لأن الخلق بعد هذا لن يحتاجوا إلى نبي غير نبيهم ﷺ ليكمل لهم دينهم، كما أنهم لا يحتاجون إلى دين آخر وذلك لكمال دينهم.
ووجه الدلالة من الآية على ذلك "أن الله أخبر في هذه الآية بأنه قد أكمل الدين، وإنما كمل بما بلغه، إذ الدين لم يعرف إلا بتبليغه، فعلم من ذلك أنه ﷺ قد بلغ جميع الدين الذي شرعه الله لعباده"١.
وما كان من النبي ﷺ بعد نزول هذه الآية الكريمة إلا أن استشهد الناس على ذلك في نفس المناسبة التي نزلت فيها الآية.
فعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "تركت
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى (٥/ ١٥٥، ١٥٦) بتصرف.
[ ١١٩ ]
فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به، كتاب الله، وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟ ".
قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت. فقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: "اللهم اشهد اللهم اشهد ثلاث مرات " الحديث١.
فشهد له خير قرون هذه الأمة وهم صحابته رضوان الله عليهم وكانوا في ذلك الموقف نحوا من أربعين ألفا٢.
ولقد أمر الله ﵎ رسوله ﷺ في مواطن متعددة من كتابه العزيز بأن يبلغ أمور هذا الدين البلاغ المبين الواضح فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ ٥، وقال تعالى: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ﴾ ٦.
وهذا الأمر والحث من الله لرسوله ﷺ على البلاغ لشرع الله والدين الذي أوحاه إليه نابع من كون الرسول ﷺ هو الطريق الوحيد الذي يعرف بواسطة ما شرعه من دين يدين العباد له به، فليس ثمت طريق آخر إلى معرفة شرع
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب حجة النبي ﷺ (٤/ ٤١) . ٢ تفسير ابن كثير (٢/ ٧٧) . ٣ الآية (٦٧) من سورة المائدة. ٤ الآية (٨٢) من سورة النحل. ٥ الآية (٥٤) من سورة النور، والآية (١٨) من سورة العنكبوت. ٦ الآية (٤٨) من سورة الشورى.
[ ١٢٠ ]
الله وأوامره ونواهيه إلا طريقه بها فهو المبلغ عن الله تعالى، وهذه هي سنة الله في خلقه حيث جعل طريق معرفته وعبادته عن طريق من أرسله من الرسل "فلا سبيل إلى السعادة والفلاح في الدارين إلا على أيدي الرسل، كما أنه لا سبيل إلى معرفة الطيب من الخبيث والحلال من الحرام إلا من جهتهم، ولا ينال رضى الله البتة إلا على أيديهم، فهم الميزان الراجح الذي على أقوالهم وأعمالهم وأخلاقهم توزن الأقوال والأخلاق والأعمال، وبمتابعتهم يتميز أهل الهدى من أهل الضلال فالضرورة إليهم أعظم من ضرورة البدن إلى روحه، والعين إلى نورها، والروح إلى حياتها، فأي ضرورة وحاجة فرضت، فضرورة العبد وحاجته إلى الرسل فوقها بكثير"١ وبهذا وبغيره نلمس عظم الحاجة إلى تبليغ الرسل.
ومما لا شك فيه أن الرسول ﷺ أعظم الأنبياء بلاغا فقد كان ﷺ حريصا على هداية أمته، وقد قال تعالى في حقه: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٢ وسيرته ﷺ كلها دليل على مدى حرصه على إبلاغ رسالة ربه والتفاني في إبلاغها دون أن تأخذه في الله لومة لائم. وهو ﷺ أحق الناس بالوصف الوارد في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ ٣ "فقد امتدح الله ﵎ في هذه الآية الذين يبلغون رسالته إلى خلقه ويؤدونها بأماناتها ولا يخافون أحدا سواه، فلا تمنعهم سطوة أحد
_________________
(١) ١ زاد المعاد، لابن القيم (١/ ٦٩) . ٢ الآية (١٢٨) من سورة التوبة. ٣ الآية (٣٩) من سورة الأحزاب
[ ١٢١ ]
إبلاغ رسالات الله، وسيد الناس في هذا المقام بل وفي كل مقام محمد رسول الله ﷺ فإنه قام بأداء الرسالة وإبلاغها إلى أهل المشارق والمغارب وإلى جميع أنواع بني آدم، وأظهر الله كلمته ودينه وشرعه على جميع الأديان والشرائع"١.
ولقد أيد الله ﵎ رسوله محمدا ﷺ بكل ما يلزم لتبليغ وحي الله وشرعه، فأعطاه العصمة في التبليغ فقال تعالى ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ ٢، فهذه الآية دليل واضح على عصمته ﷺ في كل أمر بلغه عن ربه ﵎، كما أنها شهادة وتزكية من الله ﵎ لنبيه ﷺ على سلامة شرعه الذي أوحاه إليه من كل ما ينقص منه.
وقال ﷺ: "إذا حدثتكم عن الله شيئا فخذوا به فإني لن أكذب على الله" ٣ وبالإضافة إلى عصمته في أمر التبليغ فقد عصمه الله كذلك من الناس حتى يتم له أمر إبلاغ هذا الدين وإكماله قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاس﴾ فاقترن تعهد الله بعصمة رسوله من قتل الناس وإيذائهم له مع الأمر للنبي ﷺ بتبليغ ما أنزل إليه، وفى هذا الاقتران دليل جلي على أن عصمة الله تعالى وحفظه ونصره وتأييده على أعدائه قد صاحبت النبي ﷺ حتى تم له إبلاغ هذا الدين ونشره بين الناس.
ومع عصمة الله لنبيه في التبليغ، وعصمته من الناس، فكذلك عصم الله كتابه الذي أنزله إليه ليكون محفوظا من كل تحريف أو تغيير قال تعالى: ﴿إِنَّا
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير (٣/ ٤٩٢) بتصرف. ٢ الآيتان (٣، ٤) من سورة النجم. ٣ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل: باب وجوب امتثال ما قاله شرعا (٧/ ٩٥) .
[ ١٢٢ ]
نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ١.
كما تعهد كذلك بحفظ هذا الدين وإبقاء طائفة في كل زمان من الأزمنة تنصر هذا الدين وتحفظه وتبلغه، كما جاء عن النبي ﷺ، وفي الحديث: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله" ٢. وفي هذه الأمور ضمان لاستمرار هذا الدين وإبلاغه لكل أهل زمان، لأنه شامل لكل الناس في كل وقت إلى أن يرث الله الأرض وما عليها.
وقد أخبر ﷺ في مواطن متعددة بأنه قد أبلغ أمور الرسالة وأوضحها لأمته، وهو ﷺ الصادق المصدوق ومن ذلك قوله ﷺ: "قد تركتكم على مثل البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك" ٣ وهذا هو الحق فقد بلغ وحي ربه وصدع بأمره، ونهض بأعباء الرسالة كما أراد الله منه، فأدى الأمانة ونصح لأمته وجاهد في الله حق جهاده، وما ترك لأمته من شيء يقربهم إلى الجنة إلا وقد دلهم عليه ورغبهم فيه، ولا من شيء يبعدهم عن النار إلا وقد حدثهم به وحذرهم منه، وبين لهم كل ما فيه صلاح دينهم ودنياهم وآخرتهم فهذه هي مهمته ورسالته ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾، وقد أتم ﵊ ما أوكل إليه على أتم وجه وأكمله فأبان الطريق ودل على
_________________
(١) ١ الآية (٩) من سورة الحجر. ٢ أخرجه بهذا اللفظ مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة: باب قوله من: "لا تزال طائفة من أمتي " (٦/٥٢، ٥٣) . ٣ أخرجه أحمد في مسنده (٤/ ١٢٦) واللفظ له، وابن أبي عاصم في السنة (١/ ٢٧) ح ٤٩، وابن ماجة في السنن، المقدمة: باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين (١/ ١٦) ح ٤٣، والحاكم في المستدرك (١/٩٦) وقال الألباني في ظلال الجنة في تخريج السنة (١/ ٢٧٠) . "حديث صحيح".
[ ١٢٣ ]
صراط الله المستقيم وترك الأمة على مثل البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.
ولقد شهد الصحابة رضوان الله عليهم بهذا. فهم الذين كان النبي ﷺ بين ظهرانيهم، وكانوا ملازمين له في كل أحواله وحركاته فهم أعلم بما كان. وسأورد بعض ما ورد عنهم في هذا الشأن.
فقد سئل سلمان الفارسي١ ﵁ فقيل له"أقد أعلمكم نبيكم ﷺ كل شيء حتى الخراءة؟
فقال: "أجل لقد نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول أو أن نستجي باليمين أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع٢ أو بعظم"٣. وعن أبي ذر ﵁ قال: "لقد تركنا محمدا ﷺ وما يحرك طائر جناحيه في السماء إلا أذكرنا منه علما"٤.
وعن عائشة٥ ﵂ قالت: "من حدثك أن محمدا كتم شيئا مما
_________________
(١) ١ سلمان أبو عبد الله الفارسي أصله من رامهرمز وقيل من أصبهان سمع بالنبي ﷺ قبل مبعثه فتغرب بحثا عنه وتسبب ذلك إلى وقوعه في الرق ومنّ الله عليه بالإسلام. أول مشاهده الخندق، وكان ﵁ خيرا فاضلا حبرا عالما زاهدا، توفي عام ٣٥ هـ. الإصابة (٢/٦٠، ٦١) رقم ٣٣٥٧. ٢ الرجيع: القذرة والروث، سمي رجيعا لأنه رجع عن حالته الأولى بعد أن كان طعاما أو علقا. النهاية (٢/ ٢٠٣) . ٣ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الطهارة: باب الاستطابة (١/ ١٥٤) . ٤ أخرجه أحمد في مسنده (٥/ ١٥٣) . ٥ هي الصديقة أم المؤمنين واسمها عائشة بنت أبي بكر الصديق ولدت بعد البعثة بأربع سنوات أو خمس وتزوجها النبي ﷺ وهي بنت تسع وكانت ﵂ من أعلم الصحابة وأفقههم، وكانت أحب نساء النبي ﷺ، توفيت عام ٥٨هـ. الإصابة (٤/ ٣٤٨- ٣٥٠) رقم ٧٠٤٠.
[ ١٢٤ ]
أنزل الله عليه فقد كذب، والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ "١. وفى رواية "من حدثك أن النبي ﷺ كتم شيئا من الوحي فلا تصدقه، إن الله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ "٢
وعن عائشة ﵂ قالت: "لو كتم رسول الله ﷺ شيئا مما أوحي إليه من كتاب الله لكتم ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ ٣"٤.
فمن حقه ﷺ على أمته أن يقروا له بفضله وصدقه وأمانته في تبليغ رسالة ربه التي ائتمنه عليها، وكلفه أن يقوم بها فلا يكون إيمان للمرء إذا لم يقر للرسول ﷺ بأنه قد بلغ الرسالة أعظم ما يكون التبليغ، وقام بأدائها أعظم ما يكون القيام واحتمل في سبيلها أشق ما يحتمله البشر، ومن أنكر شيئا من ذلك أو شك في صدقه فهو كافر مارق عن الإسلام مكذب لله ولرسوله.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير: باب تفسير قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾، انظر فتح الباري (٨/ ٢٧٥) ح ٤٦١٢. ٢ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد: باب قول الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾، انظر: فتح الباري (١٣/ ٥٠٣) ح ٧٥٣١. ٣ الآية (٣٧) من سورة الأحزاب. ٤ أخرجه الطبري في تفسيره (٢٢/ ١٣) .
[ ١٢٥ ]
المبحث السادس: وجوب الإيمان بعصمته ﷺ.
المطلب الأول: تعريف العصمة
تمهيد:
تقدم في المبحث السابق الحديث عن وجوب الإيمان بأن النبي ﷺ قد بلغ الرسالة وأكملها، وأشرت إلى أن هذا البلاغ قد اقترن بعصمة الله لنبيه ﷺ في كل ما يبلغه عن ربه ﷿.
ولقد رأيت أن أفرد هذا المبحث في الحديث عن عصمته ﷺ في هذا الجانب وفي الجوانب الأخرى التي عصم فيها باعتبار أن أمر الإيمان بعصمته من الأمور الداخلة في الحقوق الواجبة له والتي يجب على الأمة الإيمان له بها.
وقد ضمنت هذا المبحث ثلاثة مطالب:
[ ١٢٧ ]
المطلب الأول: تعريف العصمة
المعنى اللغوي:
العصمة وردت في اللغة لعدة معان منها:
ا- المنع:
قال صاحب اللسان: "العصمة في كلام العرب: المنع، وعصمة الله عبده: أن يعصمه مما يوبقه. عَصَمه، يَعْصِمه، عَصْما: منعه ووقاه"١.
٢- الحفظ:
قال صاحب اللسان: "والعصمة الحفظ، يقال: عصمته فانعصم، واعتصمت بالله إذا امتنعت بلطفه من المعصية"٢
٣- القلادة:
قال صاحب اللسان: "العصمة القلادة"٣، وكذا في القاموس المحيط٤.
٤- الحبل:
قال الزجّاج٥: "أصل العصمة: الحبل وكل ما أمسك شيئا فقد
_________________
(١) ١ لسان العرب (١٢/ ٤٠٣) مادة عصم. ٢ لسان العرب (١٢/ ٤٠٤) . ٣ المصدر السابق (١٢/ ٤٠٥) . (٤/١٥٢، ١٥٣) . ٥ الزجّاج - بفتح الزاي والجيم المشددة - أبو إسحاق إبراهيم بن السري بن سهل الزجاج النحوي كان عالما أديبا ديِّنا صنف كتابا في معاني القرآن، روى عن المبرد وثعلب وغيرهما، توفي في بغداد سنة ٣١١ هـ. وفيات الأعيان (١/ ٣٢) .
[ ١٢٨ ]
عصمه"١.
٥- السبب:
قال الطبري: "وللسبب الذي يتسبب به الرجل إلى حاجته: عاصم ومنه قول الشاعر:
إلى المرء قيس أطيل السرى وآخذ من كل حي عصم٢
يعنى بالعصم: الأسباب، أسباب الذمة والأمان"٣.
قلت: إذا أمعنت النظر في هذه المعاني وجدتها جميعا ترجع إلى المعنى الأول الذي هو "المنع" فالحفظ منع للشيء من الوقوع في المكروه أو المحظور، والقلادة تمنع سقوط الخرز منها، والحبل يمنع من السقوط والتردي، والسبب يمنع صاحبه عما يكره.
المعنى الشرعي:
أما عصمة النبي ﷺ فقد عرفت بعدة تعريفات ولعل من أحسنها وأسلمها ما ذكره صاحب كتاب نسيم الرياض بأنها "لطف من الله تعالى يحمل النبي على فعل الخير ويزجره عن الشر مع بقاء الاختيار تحقيقا للابتلاء"٤
_________________
(١) ١ لسان العرب (١٢/ ٤٠٥) . ٢ ديوان الأعشى (ص ٣٧) بشرح الدكتور محمد حسين. ٣ تفسير الطبري (٤/ ٢٦) . ٤ نسيم الرياض في شرح الشفا للقاضي عياض (٤/ ٣٩) .
[ ١٢٩ ]
المطلب الثاني: الجوانب التي عصم فيها النبي ﷺ
أ- العصمة في التبليغ ودعوى الرسالة:
وهذه العصمة هي التي عليها المناط، فبها يحصل المقصود من البعثة فتبليغ شرع الله إلى الخلق هي مهمة الرسل من أولهم إلى آخرهم فهم الواسطة بين الله وبين خلقه الذين أرسلوا إليهم، فبطريقهم يهتدي البشر ويرشدون إلى دين الله إذ هم المبلغون عن الله أمره ونهيه وشرعه.
ولذلك فقد أوجب الله العصمة لأنبيائه ورسله في هذا الجانب حتى تصل الرسالة إلى العباد كاملة تامة غير منقوصة ولا محرفة، وبذلك تقوم الحجة على العباد.
ولقد دلت نصوص القرآن والسنة على عصمة نبينا محمد ﷺ في هذا الجانب، وانعقد إجماع الأمة على ذلك.
فمن القرآن:
ا- قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾، فالآية نص في عصمة لسانه ﷺ من كل هوى وغرض فهو لا ينطق إلا بما يوحى إليه من ربه ولا يقول إلا ما أمر به فيبلغه إلى الناس كاملا موفورا من غير زيادة ولا نقصان.
وهذه الآية شهادة وتزكية من الله لنبيه ورسوله محمد ﷺ في كل ما بلغه للناس من شرع الله.
٢- وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ، لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ
[ ١٣٠ ]
لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ ١، فالآيات نصت على أن الله ﷾ لا يؤيد من يكذب عليه بل لابد أن يظهر كذبه وأن ينتقم منه.
ولو كان محمد ﷺ من هذا الجنس كما يزعم الكافرون فيما حكاه الله عنهم ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ ٢ - وحاشاه ﷺ من ذلك- لأنزل الله به من العقوبة ما ذكره في هذه الآيات، وحيث إن الرسول ﷺ لم يقع له شيء من ذلك فلم يهلكه الله ولم يعذبه، فهو على هذا لم يتقول على الله ما لم يقله ولم يفتر شيئا من عند نفسه، وبهذا تثبت عصمته في كل ما بلغه عن ربه ﷿.
قال ابن كثير بعد أن فسر هذه الآيات: "والمعنى في هذا بل هو صادق راشد لأن الله ﷿ مقر له ما يبلغه عنه ومؤيد له بالمعجزات الباهرات والدلالات القاطعات"٣.
٣- وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاَتَّخَذُوكَ خَلِيلًا، وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا، إِذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ ٤. وهذه الآيات دالة على عصمة الله وتثبيته لنبيه ﷺ في تبليغ ما أوحى إليه، ومعناها مقارب لمعنى الآيات التي ذكرناها قبلها "فقد أخبر تعالى عن تأييده
_________________
(١) ١ الآيات (٤٤ إلى ٤٧) من سورة الحاقة. ٢ الآية (٢٤) من سورة الشورى. ٣ تفسير ابن كثير (٤/ ٤١٧) . ٤ الآيات (٧٣، ٧٤، ٧٥) من سورة الإسراء.
[ ١٣١ ]
لرسوله صلوات الله عليه وسلامه وتثبيته وعصمته وسلامته من شر الأشرار وكيد الفجار، وأنه تعالى هو المتولي أمره ونصره، وأنه لا يكله إلى أحد من خلقه بل هو وليه وحافظه وناصره ومؤيده ومظفره ومظهر دينه على من عاداه وخالفه في مشارق الأرض ومغاربها"١.
وأما الأدلة من السنة على ذلك فمنها:
أ- حديث طلحة بن عبيد الله٢ وجاء فيه قوله ﷺ:
"ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئا فخذوا به، فإني لن أكذب على الله" ٣ والحديث نص على عصمته ﷺ من الكذب فيما يخبر به عن الله.
٢- حديث عبد الله بن عمرو٤ ﵄ قال: "كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله ﷺ أريد حفظه، فنهتني قريش فقالوا: إنك تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله ﷺ، ورسول الله ﷺ بشر يتكلم في الغضب والرضا، فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج مني إلا حق" ٥.
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير (٣/ ٥٣) . ٢ طلحة بن عبيد الله بن عثمان التيمي القرشي أبو محمد، أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الثمانية السابقين للإسلام، توفي سنة ست وثلاثين من الهجرة. الإصابة (٢/ ٢٢٠، ٢٢٢) . ٣ تقدم تخريجه (ص ١٢٢) . ٤ عبد الله بن عمرو بن العاص أسلم قبل أبيه وكان ﵁ فاضلا، حافظا عالما، توفي بالشام سنة ٦٥ هـ وقيل غير ذلك. الإصابة (٢/ ٣٤٣- ٣٤٤) . ٥ أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٢/ ١٦٢، ١٩٢)، وأبو داود في سننه، كتاب العلم: باب في كتاب العلم (٤/ ٦٠) خ ٣٦٤٦، والحاكم في المستدرك (١/١٠٤، ١٠٥) وصححه ووافقه الذهبي.
[ ١٣٢ ]
٣- حديث أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إني لا أقول إلا حقا"، قال بعض أصحابه: فإنك تداعبنا يا رسول الله. قال: "إني لا أقول إلا حقا" ١.
دليل الإجماع:
نقل غير واحد من العلماء إجماع الأمة واتفاقها على عصمته ﷺ في تبليغ ما أوحي إليه من ربه ﷿.
قال القاضي عياض: "وأجمعت الأمة في ما كان طريقه البلاغ أنه معصوم فيه من الإخبار عن شيء منها بخلاف ما هو به، لا قصدا ولا عمدا ولا سهوا ولا غلطا"٢.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن الأنبياء صلوات الله عليهم معصومون فيما يخبرون به عن الله سبحانه، وفى تبليغ رسالاته باتفاق الأمة ولهذا وجب الإيمان بكل ما أوتوه والعصمة فيما يبلغونه عن الله ثابتة فلا يستقر في ذلك خطأ باتفاق المسلمين"٣
ب- العصمة من الكفر والشرك:
الحديث عن عصمته ﷺ في هذا الجانب ذو شقين هما:
الأول: عصمته قبل مبعثه ﷺ.
الثانى: عصمته بعد مبعثه ﷺ.
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد في مسنده (٢/٣٤٠، ٣٦٠) . والترمذي في سننه، كتاب البر والصلاة: باب مما جاء في المزاح (٤/ ٣٥٧) ح ١٩٩٠ وقال: هذا حديث حسن صحيح ٢ الشفا (٢/ ٧٤٦) . ٣ مجموع الفتاوى (١٠/ ٢٨٩، ٢٩٠) .
[ ١٣٣ ]
أما الشق الأول: وهو عصمته من الشرك والكفر قبل بعثته ونزول الوحي إليه كلها فقد دلت النصوص الثابتة على أن النبي ﷺ معصوم منذ نشأته من الكفر والشرك فلم يعهد عنه ﷺ أنه سجد لصنم أو استلمه أو إلى غير ذلك من أمور الشرك التي كان يفعلها قومه. فقد فطره الله على معرفته والاتجاه إليه وحده وهذا هو المعلوم من سيرته. فمن النصوص التي يستدل بها على هذا الأمر ما يلى:
-حديث أنس بن مالك ﵁: "أن رسول الله ﷺ أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان فأخذه فصرعه فشق عن قلبه فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم ثم لأمه، ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه - يعنى ظئره١ - فقالوا: إن محمدا قد قتل، فاستقبلوه وهو منتقع اللون، قال أنس وقد كنت أرى أثر ذلك الخيط في صدره"٢.
فالحديث نص على إخراج جبريل لحظ الشيطان منه ﷺ وتطهيره لقلبه فلا يقدر الشيطان على إغوائه إذ لا سبيل له عليه. وهذا دليل على تنزيهه من الشرك منذ صغره ﷺ.
-وعن زيد بن حارثة ﵁ قال: كان صنم من نحاس يقال له إساف أو نائلة يتمسح به المشركون إذا طافوا، فطاف رسول الله ﷺ فطفت معه، فلما مررت مسحت به، فقال رسول الله ﷺ: "لا تمسه، فقال زيد: فطفت فقلت في نفسي لأمسنه حتى أنظرما يكون فمسحته،
_________________
(١) ١ أي مرضعته. ٢ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله ﷺ (١/ ١٠١، ١٠٢) .
[ ١٣٤ ]
فقال رسول الله ﷺ: ألم تنه؟، قال زيد: فوالذى هو أكرمه وأنزل عليه الكتاب ما استلم صنما حتى أكرمه الله بالذي أكرمه وأنزل عليه"١.
وهذا الحديث نص في بعده ﷺ عن عبادة الأوثان التي كان عليها أهل مكة فنهيه لزيد - الذي كان ابنه بالتبني في ذلك الحين - يؤكد نفرته ﷺ من تلك الأوثان التي كان يعكف عليها أهل مكة.
ولقد كان النبي ﷺ لا يحضر مع أهل سكة ما يقيمونه من أعياد لأصنامهم فعن ابن عباس ﵄ قال: حدثتني أم أيمن٢ قالت:. كان ببوانة صنم يحضره قريش يوما في السنة، وكان أبو طالب٣ يحضره مع قومه، وكان يكلم رسول الله ﷺ أن يحضر ذلك العيد مع قومه فيأبى حتى رأيت أبا طالب غضب عليه، ورأيت عماته غضبن عليه يومئذ أشد الغضب وجعلن يقلن: إنا نخاف عليك مما تصنع من اجتناب، آلهتنا وجعلن يقلن يا محمد: ما تريد أن تحضر لقومك عيدا ولا تكثر لهم جمعا فلم فىيزالوا به حتى ذهب فغاب عنهم ما شاء الله ثم رجع إلينا مرعوبا فزعا فقلن عماته: ما دهاك؟ قال:
_________________
(١) ١ أخرجه الحاكم في المستدرك (٣/ ٢١٦- ٢١٧) وقال حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وأخرجه أبو نعيم في دلائل النبوة (ص ١٤٥) . وأخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٣٤) بتحقيق عبد المعطي قلعجي. وأورده ابن كثير في البداية والنهاية (٢/ ٢٨٨) . وأورده السيوطي في الخصائص الكبرى (١/ ١٥١، ١٥٢) . ٢ أم أيمن مولاة النبي ﷺ وحاضنته واسمها بركة بنت ثعلبة، وهي أم أسامة بن زيد بن حارثة. الإصابة (٤/ ٤١٥، ٤١٦) . ٣ أبو طالب بن عبد المطلب عم النبي ﷺ، شقيق أبيه كفل النبي ﷺ وذب عنه ونصره بعد بعثته ولم يمت على الإسلام. الإصابة (٤/ ١١٥، ١١٨) .
[ ١٣٥ ]
"إني أخشى أن يكون بي لمم"، فقلن: ما كان الله ليبتليك بالشيطان وفيك من خصال الخير ما فيك فما الذي رأيت؟ قال: "إني كلما دنوت من صنم منها تمثل لي رجل أبيض طويل يصيح بي وراءك يا محمد لا تمسه" فما عاد إلى عيد لهم حتى تنبئ" ١.
كما عصم ﷺ من الحلف بأسماء تلك الأصنام التي كان يعبدها قومه ويحلفون بها تعظيما لها فقد جاء في قصة بحيرى الراهب٢ أنه استحلف النبي ﷺ باللات والعزى حينما لقيه بالشام في سفرته مع عمه أبي طالب وهو صبي لما رأى فيه علامات النبوة فقال بحيرى للنبي ﷺ: يا غلام أسألك باللات والعزى إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه، فقال له النبي ﷺ: "لا تسألني باللات والعزى شيئا فوالله ما أبغضت بغضهما شيئا قط" ٣.
والنصوص في مثل هذا كثيرة وقد عني بجمعها من ألف في دلائل النبوة مثل الحافظ أبي نعيم الأصبهاني٤ فقد عقد فصلا في كتابه دلائل النبوة بعنوان:
_________________
(١) ١ أخرجه أبو نعيم في دلائل النبوة (ص ١٤٤) . وأورده السيوطي في الخصائص الكبرى (١/ ١٥١) وعزاه إلى ابن سعد وأبي نعيم وابن عساكر. ٢ راهب من رهبان النصارى يقال إنه كان من عبد القيس وكان اسمه: جرجيس. البداية (٢/ ٢٨٦) . ٣ أخرجه أبو نعيم في دلائل النبوة (ص ١٢٥- ١٢٨)، وأخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٢٦، ٢٧) بتحقيق عبد المعطي قلعجي. وأورده السيوطي في الخصائص الكبرى (١/ ١٤٢، ١٤٤) وعزاه للبيهقي. ٤ أحمد بن عبد الله بن أحمد الأصبهاني وأبو نعيم. حافظ مؤرخ من الثقات في الحفظ والرواية، ولد ومات بأصبهان عام ٤٣٠ هـ من مؤلفاته: حلية الأولياء ودلائل النبوة. الأعلام (١/ ١٥٧) .
[ ١٣٦ ]
"ذكر ما خصه الله ﷿ به من العصمة وحماه من التدين بدين الجاهلية " وقد أورد تحت هذا العنوان العديد من الأحاديث والشواهد في هذا الشأن١.
وكذلك فعل البيهقي٢ في دلائل النبوة أيضا فعقد عنوانا لهذا الموضوع فقال:
"باب ما جاء في حفظ الله تعالى رسوله ﷺ في شبيبته عن أقذار الجاهلية ومعائبها، لما يريده به من كرامته برسالته حتى يبعث رسولا"٣.
ومثلهما السيوطي في الخصائص الكبرى٤ حيث قال: "باب اختصاصه ﷺ بحفظ الله إياه في شبابه عما كان فيه أهل الجاهلية"٥.
الإجماع:
نقل الجرجاني٦ إجماع الأمة على عصمة الأنبياء من الكفر والشرك قبل النبوة وبعد حيث قال: "وأما الكفر فأجمعت الأمة على عصمتهم منه قبل النبوة وبعدها ولا خلاف لأحد منهم في ذلك"٧.
_________________
(١) ١ انظر (ص ١٤٣- ١٤٧) . ٢ أحمد بن الحسين البيهقي، صاحب التصانيف المشهورة ومنها: السنن الكبرى، وشعب الإيمان، ودلائل النبوة، ولد سنة ٣٨٤ هـ وتوفي سنة ٤٥٨ هـ. تذكرة الحفاظ (٣/ ١١٣٢) والأعلام (١/١١٦) ٣ انظر (٢/ ٣٠، ٤٢) . ٤ عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطى حافظ مؤرخ أديب له نحو (٦٠٠ مصنف) ولد سنة ٨٤٩ هـ وتوفي سنة ٩١١ هـ. الأعلام (٣/ ٣٠١- ٣٠٢) . ٥ انظر: (١/ ١٤٨، ١٥٢) . ٦ هو: علي بن محمد بن علي المعروف بالشريف الجرجاني ولد سنة ٧٤٠ هـ وتوفي سنة ٨١٦ هـ له كتاب التعريفات، وشرح المواقف وغيرهما. الأعلام (٥/ ٧) . ٧ شرح المواقف (ص ١٣٤) .
[ ١٣٧ ]
وهذا هو الحق فالله ﷾ قد نزه نبيه ﷺ عن الكفر والشرك وعصمه من الوقوع فيهما وذلك داخل في باب إعداده لتحمل الرسالة، ومثل ذلك صيانة الله لنسبه الذى تناسل منه فعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: "لم يلتق أبواي على سفاح، لم يزل الله ينقلني من الأصلاب الطيبة إلى الأرحام الطاهرة مصفى مهذبا لا تتشعب شعبتان إلا كنت في خيرهما"١.
وكل ذلك حتى لايبقى لمنتقص حجة يتعلق بها لتنفير الناس من رسول الله ﷺ فمن المعلوم أن كفار قريش كانوا حريصين أشد الحرص على تجريح النبي ﷺ ووصفه بما ينقص من قدره ويحط من شأنه لتنفير الناس منه وصدهم عن دعوته فلقد رموه واتهموه بالسحر والجنون وغير ذلك من النقائص ولكن لم يكن الشرك والكفر من ضمن ما رموه به فسكوتهم عن ذلك دليل على أنهم لم يجدوا سبيلا إليه إذ لو كان لنقل، وما سكتوا عنه كما لم يسكتوا عند تحويل القبلة كما حكى الله ذلك عنهم في قوله تعالى: ﴿مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ ٢.
وبهذا يتبين أن النبي ﷺ لم يكن على دين قومه من عبادة الأصنام وتعظيمها، فقد عصمه الله من ذلك فلم يجعل لكفار قريش طريقا عليه فلذلك لجؤوا إلى تلفيق التهم الباطلة المتناقضة كاتهامه بالسحر تارة وبالجنون تارة وبالكهانة تارة أخرى.
_________________
(١) ١ أخرجه أبو نعيم في دلائل النبوة (ص ٢٤) من عدة طرق والحديث له شواهد متعددة أوردها السيوطي في الخصائص الكبرى (١/ ٦٣، ٦٦) . ٢ الآية (١٤٢) من سورة البقرة.
[ ١٣٨ ]
وإذا كان الله قد عصم نبيه ﷺ فيما هو دون الشرك من الأمور المنكرة التي كان عليها أهل الجاهلية ففي ذلك دليل على أن عصمته من أمور الشرك من باب أولى.
فعن جابر بن عبد الله ﵁: أن رسول الله ﷺ كان ينقل معهم الحجارة للكعبة وعليه إزاره فقال له العباس عمه: يا ابن أخي لو حللت إزارك فجعلته على منكبك دون الحجارة، قال فحله فجعله على منكبه فسقط مغشيا عليه فمارؤي بعد ذلك عريانا ﷺ"١.
إزالة ما يوهم عدم إيمان نبينا وضلاله قبل بعثته:
وردت بعض النصوص التي قد يتوهم منها البعض أن رسول الله ﷺ كان على كفر وضلال قبل بعثته، وسوف أعرض لهذه النصوص وأبين التوجيه الصحيح لها بما يبين الحق ويصحح الفهم ويزيل ما يقع من الوهم إن شاء الله.
أ- فمن تلك النصوص قول الله تعالى للنبي ﷺ: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ﴾ ٢.
فقد يتوهم البعض أن هذه الآية تعني انتفاء معرفة النبي للإيمان بالكلية قبل بعثته بمعنى أنه لم يكن مؤمنا.
والجواب على ذلك أن هذه الفهم خاطئ لأن الإيمان في قوله ﴿وَلا الإِيمَانُ﴾ مصدر بمعنى المفعول فيكون المعنى المراد: أي ما يجب الإيمان به من الفرائض
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة: باب كراهية التعري في الصلاة وغيرها. انظر فتح الباري (١/ ٤٧٤) ح ٣٦٤ وأخرجه مسلم في صحيحه، كناب الحيض: باب الاعتناء بحفظ العورة (١/ ١٨٤) . ٢ الآية (٥٢) من سورة الشورى.
[ ١٣٩ ]
والأحكام الشرعية التي كلف بها علما وعملا، فالمنفي هو الإيمان التفصيلي لا الإجمالي.
فقد كان النبي ﷺ قبل نزول الوحي إليه مبغضا للشرك وعبادة الأصنام ومتجها إلى الله وحده كما سبق الاستدلال على ذلك، فلما نزلت عليه الفرائض والأحكام الشرعية التي لم يكن يدري بها قبل الوحي آمن بها وطبقها. فهذا هو المعنى الصحيح للآية، كما ذكر ذلك علماء التفسير عند تفسيرها قال ابن كثير: " ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ﴾ على التفصيل الذي شرع لك في القرآن"١.
وقال الشوكاني٢: "ومعنى ﴿وَلا الإِيمَانُ﴾ أنه كان ﷺ لا يعرف تفاصيل الشرائع ولا يهتدي إلى معالمها وخص الإيمان لأنه رأسها وأساسها"٣.
ب- ومن النصوص كذلك قول الله تعالى ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًا فَهَدَى﴾ ٤ فقد يتوهم البعض أن الآية تعني أن نبينا كان على ضلال قبل مبعثه وهذا فهم خاطئ وباطل ترده النصوص التي سبق إيرادها والتي نصت على أن النبي ﷺ كان من أول حاله إلى نزول الوحي عليه معصوما من عبادة الأوثان وقاذورات أهل الفسق والعصيان.
وقد أشار إلى بطلان هذا اللهم القرطبي عند تفسيره لهذه الآية حيث قال:
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير (٤/ ١٢٢) . ٢ محمد بن علي بن محمد الشوكاني، فقيه مجتهد، من كبارعلماء اليمن له (١١٤ مؤلفا) ولد سنة ١١٧٣ هـ وتوفي سنة ١٢٥٠ هـ. الأعلام: (٦/ ٢٩٨) . ٣ فتح القدير (٤/ ٥٣٠) . ٤ الآية (٧) من سورة الضحى.
[ ١٤٠ ]
"فأما الشرك فلا يظن به"١.
وأما المعنى الصحيح لهذه الآية فقد أشار العلماء إلى عدة معان صحيحة لهذه الآية تشترك جميعها في تنزيه النبي ﷺ عن أن ينسب إليه شيء من الشرك أو الكفر قبل بعثته، ومن تلك المعاني ما يلي:
ا- أن يفسر الضلال هنا بمعنى الغفلة كما في قوله تعالى: ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى﴾ ٢، وكما في قوله تعالى ﴿وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ ٣ والمعنى أنه وجدك غافلا عما يراد بك من أمر النبوة٤.
٢- وقال بعضهم معنى (ضالا) لم تكن تدري ما القرآن والشرائع فهداك الله إلى القرآن وشرائع الإسلام، وهو بمعنى قوله تعالى: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ﴾ وعلى هذا التفسير يكون المعنى: أي وجدك ضالا عن شريعتك التي أوحاها إليك لا تعرفها قبل الوحي إليك، فهداك إليها٥.
٣- وقال بعضهم معنى الآية أى وجدك في قوم ضلال فهداهم الله بك٦.
٤- وقال بعضهم الضلال بمعنى الطلب أي وجدك طالبا للقبلة فهداك إليها٧ كما في قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ ٨.
_________________
(١) ١ تفسيرالقرطبي (٢٠/ ٩٩) . ٢ الآية (٥٢) من سورة طه. ٣ الآية (٣) من سورة يوسف. ٤ تفسير القرطبي (٢٠/ ٩٦) وفتح القدير (٥/ ٤٥٨) . ٥ انظر: تفسير ابن كثير (٥/ ٥٢٣) وتفسير القرطبي (٢٠/ ٩٦، ٩٧)، وفتح القدير (٥/ ٤٥٨) . ٦ انظر: تفسير القرطبي (٢٠/ ٩٧) وفتح القدير (٥/ ٤٥٨) . ٧ انظر: تفسير القرطبي (٢٠/ ٩٧) وفتح القدير (٥/ ٤٥٨) . ٨ الآية (١٤٤) من سورة البقرة.
[ ١٤١ ]
قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ ٢.
فليس المقصود بالغفلة هنا الشرك والغواية إنما المقصود منها الغفلة عن قصة يوسف مع الله وإخوته كما يوضح ذلك سياق الآية. فهذه القصة وأمثالها لا تعلم إلا من الوحي فلهذا لا يلحقه نقص بسببها.
وهذا هو ما ذكره علماء التفسير عند هذه الآية.
قال القرطبي: "أي من الغافلين عما عرفناكه"٣. وقال الشوكاني: "والمعنى أنك من قبل إيحائنا إليك من الغافلين عن هذه القصة"٤.
د- ومن تلك النصوص ما رواه عثمان بن أبي شيبة٥ بسنده عن جابر بن عبد الله ﵁: "أن النبي ﷺ قد كان يشهد مع المشركين مشاهدهم، فسمع ملكين من خلفه وأحدهما يقول لصاحبه: اذهب بنا حتى نقوم خلفه، فقال الآخر: كيف نقوم خلفه وإنما عهده باستلام الأصنام، فلم يعد بعد ذلك يشهد مع المشركين مشاهدهم"٦.
_________________
(١) ١ انظر: تفسير القرطبي (٢٠/ ٩٧) بتصرف. ٢ الآية (٣) من سورة يوسف. ٣ تفسير القرطبي (٩/ ١٢٠) . ٤ فتح القدير (٣/٤) . ٥ هو: عثمان بن محمد بن أبي شيبة الكوفي العبسي، من حفاظ الحديث، وله من المصنفات: المسند، والتفسير، ولد سنة ١٥٦ هـ وتوفي سنة ٢٣٩ هـ. تاريخ بغداد (١١/ ٣٨٢) . ٦أخرجه ابن عدي في الكامل (٤/ ١٤٤٧)، والخطيب في تاريخ بغداد (١١/ ٢٨٦) وأبو يعلى الموصلي في مسنده، والعقيلى في الضعفاء، وابن الجوزي في العلل المتناهية (١/ ١٦٦)، والبيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٣٥) . وأورده الذهبي في الميزان (٣/ ٣٥) وأورده ابن حجر في لسان الميزان (٣/ ٥٣) وأورده ابن كثير في التاريخ (٢/ ٢٨٨) وأورده السيوطي في الخصائص الكبرى (١/ ١٥٢) .
[ ١٤٢ ]
والمنكر من هذا الحديث قوله عن الملك: "عهده باستلام الأصنام" والجواب عن هذا الحديث ذو شقين هما:
أولا: الكلام على سند الحديث:
تكلم العلماء على سند الحديث وأوردوا عللا منها:
ا- أن عثمان بن أبي شيبة لم يتابع عليه١.
ولكن الذهبي٢ أجاب عن هذا بقوله: "عثمان لا يحتاج إلى متابع ولا ينكر له أن ينفرد بأحاديث لسعة ما روى، وقد يغلط، وقد اعتمده الشيخان في صحيحيهما " ٣.
٢- قال الدارقطني٤: "يقال إن عثمان بن أبي شيبة وهم في إسناده، وغيره يرويه عن جرير٥ عن سفيان بن عبد الله٦ بن محمد بن زياد بن جدير مرسلا
_________________
(١) ١العلل المنناهية لابن الجوزي (١/ ١٦٧) . ٢ محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، حافظ، مؤرخ، علامة محقق له تصانيف كثيرة كييرة تقارب المئة، منها: سير أعلام النبلاء، وتذكرة الحفاظ وغيرها، ولد سنة ٦٧٣ هـ، وتوفي سنة ٧٤٨ هـ. الأعلام (٥/ ٣٢٦) . ٣ ميزان الاعتدال (٣/ ٣٥) . ٤ علي بن عمر الدارقطني الشافعي إمام عصره في الحديث، ولد سنة ٣٠٦ هـ وتوفي سنة ٣٨٥ هوله كتاب " السنن" و"العلل". الأعلام (٤/ ٣١٤) . ٥ جرير بن عبد الحميد الضبي نزيل الري وقاضيها ثقة صحيح الكتاب مات سنة ثمان وثمانين ومائة. تهذيب التهذيب (٢/ ٧٥) . ٦ سفيان بن عبد الله بن زياد بن جدير: مجهول، لسان الميزان (٣/ ٥٣) .
[ ١٤٣ ]
وهو الصواب١.
ومن كلام الدارقطني نتبين لنا علتان:
أ- أن الحديث مرسل وليس متصلا.
ب- جعله لسفيان الثوري٢ مكان سفيان بن عبد الله وهذا وهم في السند فسفيان بن عبد الله مجهول، وأما الثوري فهو ثقة٣.
٣- أن في سند عثمان بن أبي شيبة، عبد الله بن محمد بن عقيل٤ وهو ضعيف عند القوم٥.
وبهذا يتبين ضعف إسناد الحديث.
ثانيا: الكلام على متن الحديث
بالإضافة إلى ضعف هذا الحديث الذي لا تقوم به حجة فإن ظاهر اللقظ وهو قوله إنما عهده باستلام الأصنام يخالف ما عرف عن النبي ﷺ من أنه لم يكن على شيء مما كان عليه أهل مكة من الشرك وذلك منذ ولادته إلى أن بعثه الله رسولا نبيا ليدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له وترك ما يعبد من دونه. ولقد سبق إيراد الأدلة على ذلك فليرجع إليها.
_________________
(١) ١ العلل المتناهية (١/١٦٧) . ٢ سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، ثقة حافظ فقيه، عابد إمام حجة، مات سنة إحدى وستين ومائة. تهذيب التهذيب (٤/١١١) . ٣ لسان الميزان (٣/٥٣) بتصرف. ٤ عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب الهاشمي، كان خيرا فاضلا موصوفا بالعبادة، ولكن لم يكن متقنا في الحديث فضعفوه. تهذيب التهذيب (٦/١٣ – ١٦) . ٥ العلل المتناهية (١/١٦٧) .
[ ١٤٤ ]
وقد ذكر بعض العلماء: أن ظاهر الحديث ليس مرادا، فليس المقصود أنه باشر الاستلام، وإنما المقصود أنه شهد مباشرة المشركين استلام أصنامهم١.
الشق الثاني: عصمته ﷺ من الكفر والشرك بعد النبوة:
بعث الله تعالى نبيه محمدا ﷺ ليدعو الناس إلى عبادة الله وحده وترك ما هم فيه من الكفر والشرك.
ولقد كان ﷺ في تطبيق ما أمر به هو المثل الأعلى الذي يحتذى به. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ ٢.
فهو منزه عن كل ضلال وغواية كما أخبر الله بذلك في كتابه العزيز ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ ٣ فهذه شهادة للرسول ﷺ بأنه راشد تابع للحق ليس بضال ولا غاو، بل هو صلوات الله وسلامه عليه في غاية من الاستقامة والاعتدال والسداد والهداية.
وإجماع الأمة منعقد على ذلك قال الرازي٤: "واجتمعت الأمة على أن الأنبياء معصومون عن الكفر والبدعة"٥.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ففي الجملة كل ما يقدح في نبوتهم
_________________
(١) ١ ميزان الاعتدال (٣/ ٣٥)، وتاريخ بغداد (١١/ ٢٨٦) . ٢ الآيات (١٦٢، ١٦٣) من سورة الأنعام. ٣ الآية (٢) من سورة النجم. ٤ هو محمد بن عمر الرازي الملقب بالفخر الرازي، ولد سنة ٥٤٤ هـ وتوفي سنة ٦٠٦ هـ. الأعلام (٤/ ٣١٣) . ٥ عصمة الأنبياء (ص ١٨) .
[ ١٤٥ ]
وتبليغهم عن الله تعالى فهم متفقون على تنزيههم عنه"١.
وقال الآمدي٢: "فما كان منها كفرا فلا نعرف خلافا بين أهل الشرائع في عصمتهم عنه"٣.
ولم يخالف هذا الإجماع إلا من لا يعتد بخلافهم٤.
والمعلوم من خلال سيرته ﷺ أنه كان حربا على الكفر والشرك على
_________________
(١) ١ منهاج السنة النبوية (١/ ١٣٠) . ٢ علي بن محمد بن سالم التغلبي أبو الحسن سيف الدين الآمدي، أصولي باحث، ولد سنة ٥٥١ هـ وتوفي سنة ٦٣١ هـ، من أشهر مؤلفاته: الإحكام في أصول الأحكام. الأعلام (٤/ ٣٣٢) . ٣ الإحكام في أصول الأحكام (١/ ١٢٨) . ٤ الذين خالفوا في هذه المسألة هم: أالأزارقة: وهم فرقة من فرق الخوارج وقد نقل عنهم أنهم قالوا بجواز بعثة نبي علم الله أنه يكفر بعد نبوته. انظر الإحكام في أصول الأحكام (١/١٢٨)، والمواقف للإيجي (٣٥٨، ٣٥٩) . ب- والفضيلية: رهم من فرق الخوارج ويقولون بجواز الكفر على الأنبياء من جهة كونهم يعتقدون جواز صدور الذنوب عن الأنبياء وكل ذنب هو كفر - على حسب اعتقادهم - فمن هذا الباب جوزوا صدور الكفر عنهم. انظر: عصمة الأنبياء للرازي (ص ١٨) والإحكام في أصول الأحكام للآمدي (١/ ١٢٨) . ج- الرافضة: فقد جوزوا على الأنبياء إظهار الكفر على سبيل التقية عند خوف الهلاك، بل نقل عنهم أنهم أوجبوه. ويعللون ذلك بقولهم: إن إظهار الإسلام إن كان مفضيا إلى القتل كان إلقاء للنفس في التهلكة، وإلقاء النفس في التهلكة حرام لقوله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة﴾ الآية ١٩٥ من سورة البقرة، وإذا كان إظهار الإسلام حراما كان إظهار الكفر واجبا. انظر: عصمة الأنبياء للرازي (ص ١٨) . د- ذكر ابن حزم في كتابه الفصل (٤/٢): "أنه رأى في كتاب أبي جعفر السمناني قاضي الموصل صاحب الباقلاني أنه كان يقول: كل ذنب دق أو جل فإنه جائز على الرسل حاشا الكذب في التبليغ فقط، قال: وجائز عليهم أن يكفروا".
[ ١٤٦ ]
اختلاف صوره وألوانه، فلم يدع طريقا أو سبيلا لهدم الشرك والكفر إلا وقد سلكه مستخدما في ذلك لسانه وسنانه، وهذا كله يؤكد عصمته ﷺ من الكفر والشرك وهذا أمر مشتهر وأعظم من أن يحتاج إلى دليل يؤكده.
ج- عصمته من الكذب في غير الوحي والتبليغ.
من المعروف عن سيرته ﷺ قبل البعثة وبعدها أنه متصف بكل خلق فاضل من صدق وأمانة وبر وصلة رحم وإحسان وجود إلى غير ذلك من محاسن الأخلاق التي جبله الله عليها منذ نشأته، وحري به ﷺ أن يكون كذلك فقد اختاره الله لحمل الأمانة العظمى التي هي أداء الرسالة وتبليغها إلى الناس كافة، فكان لابد من إعداده لهذه المهمة، ولذا فقد فطره الله على كل خلق فاضل كريم وقد جمع الله له خصال الخير كلها، فلم يكن يدعى إلا بالأمين، ومن الأدلة التي يستدل بها على اتصافه بالصدق قبل بعثته ما يلي:
ا- قول خديجة بنت خويلد١ ﵂ حينما أتاها النبي ﷺ خائفا بعد أن لقيه جبريل في غار حراء وقال لها: "إني قد خشيت على نفسي"، فقالت له: "كلا أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدا، فوالله إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق"٢.
_________________
(١) ١ خديحة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشية الأسدية زوج النبي ﷺ وأول من صدقت ببعثته مطلقا، توفيت بعد خروج بني هاشم من الشعب. الإصابة (٤/٢٧٣ - ٢٧٦) . ٢ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير. انظر: فتح الباري (٨/ ٧١٥) ح ٤٩٥٣.
[ ١٤٧ ]
٢- إجماع قرييش على الإقرار بصدقه حينما جمعها ليصدع بالدعوة جهرا فعن ابن عباس ﵄ قال: "لما نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ ١ صعد النبي ﷺ على الصفا فجعل ينادي: "يا بني فهريا بني عدي" - لبطون قريش - حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر ما هو، فجاء أبو لهب٢ وقريش، فقال: "أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي". قالوا: ما جربنا عليك إلا صدقا.
قال: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد " الحديث٣
فالشاهد من الحديث قولهم "ما جربنا عليك إلا صدقا" فالنبي ﷺ انتزع منهم هذه الشهادة الجماعية بصدقه وانتفاء الكذب عنه، لعلمه بما قد سيقع من تكذيبهم له عند إخبارهم بأمر الرسالة.
٣- على تكذيب قريش للنبي ﷺ في دعوة النبوة إلا أن أحدا منهم لم يجرؤ على وصفه بالكذب في سواها فقد قال أبو جهل٤ للنبي ﷺ: إنا لا نكذبك، ولكن نكذب الذي جئت به٥ فأنزل الله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لا
_________________
(١) ١ الآية (٢١٤) من سورة الشعراء. ٢ اسمه عبد العزى بن عبد المطب وكنيته أبو عتبة وهو أحد أعمام الرسول ﷺ، كان كثير الأذية لرسول الله ﷺ والبغضة له ولدينه. تفسير ابن كثير (٤/ ٥٦٤) . ٣ أخرحه البخاري في صحيحه كتاب التفسير: باب ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾، انظر: فتح الباري (١٨/ ٥٠١) ح ٤٧٧٠، واللفظ له. ٤ اسمه عمرو بن هشام، وكان من أشد الناس عداوة للنبي ﷺ قتل يوم بدر. ابن الأثير (١/ ٢٣- ٤٧) . ٥ انظر: تفسير الطبري (٧/ ١٨٢) .
[ ١٤٨ ]
يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ ١.
وكذلك عندما سأل الأخنس بن شريق٢ أبا جهل بعد ما خلا به يوم بدر فقال: "يا أبا الحكم، أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب؟ فإنه ليمر ههنا من قريش أحد غيري وغيرك يسمع كلامنا، فقال أبو جهل: ويحك، والله إن محمدا لصادق، وما كذب محمد قط، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والحجابة والسقاية والنبوة، فماذا يكون لسائر قريش؟ "٣.
٤- ومما يستدل به كذلك جواب أبي سفيان٤ لهرقل٥ عندما سأله عن النبي ﷺ، عندما أرسل إليه في ركب من قريش وكانوا تجارا بالشام في المدة التي كان رسول الله ﷺ هادن فيها أبا سفيان وكفار قريش، فكان مما سأله عنه: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟
فقال أبو سفيان: لا
فقال هرقل: ما كان ليدع الكذب على الناس ويكذب على الله٦.
_________________
(١) ١ الآية (٣٣) من سورة الأنعام. ٢ الأخنس بن شريق الثقفي، كان من المؤلفة، وشهد حنينا، ومات في أول خلافة عمر. الإصابة (١/ ٣٩- ٤٠) . ٣ أخرجه الطبري في تفسيره (٧/ ١٨٢)، وأورده ابن كثير في تفسيره (٢/ ١٣٠) . ٤ اسمه صخر بن حرب بن أمية أبو سفيان القرشي الأموي، مشهور باسمه وكنيته، أسلم عام الفتح وشهد حنينا والطائف وكان من المؤلفة، توفي في آخر خلافة عثمان. الإصابة (٢/ ١٧٢، ١٧٣) . ٥ هرقل هو ملك الروم، وهرقل اسمه- وهو بكسر الهاء وفتح الراء وسكون القاف- ولقبه قيصر، كما يلقب ملك الفرس كسرى ونحوه. فتح الباري (١/ ٣٣) . ٦ الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الوحي. انظر: فتح الباري (١/ ٣١) ح ٧.
[ ١٤٩ ]
وبعد فهذه نماذج على صدقه ﷺ وعصمته من الكذب قبل بعثته.
وكذا الحال بعد بعثته ﷺ فهذه أخبار نبينا محمد ﷺ وآثاره وسيره وشمائله معتنى بها مستوفاة تفاصيلها لم يرد في شيء منها تداركه ﷺ لخبر صدر منه رجوعا عن كذبة كذبها، أو اعترافا بخلف في خبر أخبر به ولو وقع شيء من ذلك لنقل إلينا.
ومن المعلوم من دين الصحابة وعادتهم مبادرتهم إلى تصديق النبي ﷺ في جميع أقواله والثقة بجميع إخباره في أي باب كانت وعن أي شيء وقعت دون توقف أو تردد في شيء منها أو استثبات عن حاله تلك هل وقع فيها سهوا أم لا"١.
وهذا كله يؤكد عصمته ﷺ من الكذب بأي حال من الأحوال.
قال القا ي عياض: " وأما أقواله الدنيوية من إحباره عن أحواله وأحوال غيره وما يفعله أو فعله فقد قدمنا أن الخلف فيها ممتنع عليه في كل حال وعلى أي وجه من عمد أو سهو، أو صحة أو مرض، أو رضا أو غضب وأنه معصوم منه ﷺ.
هذا فيما طريقه الخبر المحض مما يدخله الصدق والكذب، فأما المعاريض الموهم ظاهرها خلاف باطنها فجائز ورودها منه في الأمور الدنيوية لا سيما لقصد المصلحة كتوريته عن وجه مغازيه لئلا يأخذ العدو حذره.
وكما روي من ممازحته ودعابته لبسط أمته وتطييب قلوب المؤمنين من صحابته، وتأكيدا في تحببهم ومسرة نفوسهم، كقوله: "إني حاملك على
_________________
(١) ١ الشفا (٢/٧٦٨ – ٧٦٩) .
[ ١٥٠ ]
ولد الناقة"١، وقوله للمرأة التي سألته عن زوجها: "أهو الذي بعينه بياض"٢ وهذا كله صدق لأن كل جمل ابن ناقة، وكل إنسان بعينه بياض، وقد قال ﷺ: "إني أمزح ولا أقول إلا حقا"٣.
د- عصمته ﷺ من الكبائر التي دون الشرك:
جبل الله نبيه محمدا ﷺ على كل خلق فاضل كريم قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ٤ فخلقه بأكرم السجايا، وجميل الأخلاق، وحسن الطوية وصفات الخير جميعها، كما نزهه عن كل ما يحط من قدره وينقص من منزلته، قال تعالى: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾، فهو ﷺ منزه من كل ضلال وغواية، وقد كان من صيانة الله وحفظه له أن حماه من أقذار الجاهلية قبل مبعثه ونزول الوحي إليه، فهو معصوم عن كل ما يحط من قدره ويدق في شخصه ومما ورد في هذا الشأن من الأحاديث ما يلي:
- حديث جابر بن عبد الله ﵁: "أن رسول الله ﷺ كان ينقل
_________________
(١) ١ أخرجه أبو داود في السنن، كتاب الأدب، باب ما جاء في المزاح (٥/ ٢٧٠- ٢٧١) ح ٤٩٩٨، وأخرجه الترمذي في السنن، كتاب البر والصلة: باب ما جاء في المزاح (٤/ ٣٥٧) ح ١٩٨٩، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب. ٢ عزاه السيوطي إلى ابن أبي الدنيا. انظر: مناهل الصفا (ص ٢٣٣) ح رقم ١٢٧٠. ٣ أخرجه الإمام أحمد في المسند (٢/ ٣٤٠)، وأخرجه الترمذي في السنن، كتاب البر والصلة: باب ما جاء في المزاح (٤/ ٣٥٧) وقال: حديث حسن صحيح. وأخرجه الطبراني في الصغير والأوسط والكبير عن ابن عمر كما في المجمع (٨/ ٨٩)، وقال الهيثمي: "وفيه من لم أعرفه" والطبراني في الأوسط عن أبي هريرة كما في المجمع (٩/ ١٧) وقال الهيثمي: إسناده حسن. وانظر: الشفا (٢/ ٨٧٧، ٨٧٨) . ٤ الآية (٤) من سورة القلم.
[ ١٥١ ]
معهم الحجارة للكعبة وعليه إزاره، فقال له العباس عمه١: يا ابن أخي لو حللت إزارك، فجعلته على منكبك دون الحجارة، قال: فحله على منكبه فسقط مغشيا عليه فما رؤي بعد عريانا ﷺ"٢.
- وعن علي بن أبي طالب ﵁ سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يهمون به من النساء إلا ليلتين كلتاهما عصمني الله منهما، قلت ليلة لبعض فتيان مكة ونحن في رعاية غنم أهلنا، فقلت لصاحبي أبصر لي غنمي حتى أدخل مكة فأسمر بها كما يسمر الفتيان، فقال: بلى، فدخلت حتى إذا جئت أول دار مكة سمعت عزفا بالغرابيل والمزامير قلت: ما هذا؟ فقيل: تزوج فلان فلانة، فجلست أنظر وضرب الله على أذني فوالله ما أيقظني إلا مس الشمس، فرجعت إلى صاحبي فقال: ما فعلت؟، قلت: ما فعلت شيئا، ثم أخبرته بالذي رأيت، ثم قلت له ليلة أخرى: أبصر لي غنمي حتى أسمر بمكة، ففعل فدخلت فلما جئت مكة سمعت مثل الذي سمعت تلك الليلة فجلست أنظر وضرب الله على أذني فوالله ما أيقظني إلا مس الشمس فرجعت إلى صاحبي فقال: ما فعلت؟، قلت: لا شيء ثم أخبرته الخبر، فوالله ما هممت ولا عدت بعدهما لشيء من ذلك حتى أكرمني الله بنبوته" ٣.
_________________
(١) ١ العباس بن عبد المطلب بن هاشم القرشي الهاشمي عم الرسول ﷺ، ولد قبل الرسول ﷺ بسنتين يقال إنه أسلم وكتم إسلامه، هاجر إلى المدينة فبل الفتح بقليل، وشهد الفتح وثبت يوم حنين، مات بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين. الإصابة (٢/٢٦٣) . ٢ تقدم تخريجه (ص ١٣٩) . ٣ أخرجه أبو نعيم في دلائل النبوة (ص ١٤٣)، والبيهقي في دلائل النبوة (٢/٣٣، ٣٤)، وأورده السيوطي في الخصائص الكبرى (١/١٤٩، ١٥٠)، وعزاه لابن راهويه في مسنده وابن اسحاق والبزار والبيهقي وأبي نعيم وابن عساكر وقال: قال ابن حجر: إسناده حسن متصل ورجاله ثقات. وأورده ابن كثير في البداية (٢/ ٢٨٧) .
[ ١٥٢ ]
وعن علي ﵁ قال: قيل للنبي ﷺ: هل عبدت وثنا قط؟،
قال: "لا".
قالوا: فهل شربت خمرا قط؟
قال: "لا ومازلت أعرف أن الذي هم عليه كفر وما كنت أدري ما الكتاب ولا الإيمان"١.
فهذا عن عصمته قبل مبعثه فما بالك بعد مبعثه والأمر لا يتعلق بنفسه فقط بل يتعداه لغيره بكونه هو القدوة ومعلم الناس وهاديهم ومرشدهم بل إن كل قول من أقواله وكل فعل من أفعاله يعد تشريعا تأخذ به أمته إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فأمر عصمته ﷺ من الكبائر أمر دلت عليه النصوص من القرآن والسنة ويكفي المسلم أن يقرأ في ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ فهذه تزكية من الله لرسوله ﷺ توجب سلامته من كل ما يحط من منزلته ويقدح في نبوته بما في ذلك الكبائر.
وكذلك قوله ﷺ: "أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له" الحديث٢ ومما يندرج تحت هذه الخشية والتقوى، بُعده عن كل ما يسخط الرب ﷿ ومن ضمن ما يسخطه ارتكاب الكبائر، فهو ﷺ أبعد الناس عنها لكمال
_________________
(١) ١ أورده السيوطي في الخصائص الكبرى (١/ ١٥٠) وعزاه لأبي نعيم وابن عساكر. ٢ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح: باب الترغيب في النكاح. انظر: فتح الباري (٩/ ١٠٤) ح ٥٠٦٣، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب النكاح: باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه. (٤/ ١٢٨) .
[ ١٥٣ ]
لخشيته وتقواه لربه عزوجل، فلقد زكاه الله وطهر نفسه ولم يجعل للشيطان عليه من سبيل، وقد تقدم إيراد الحديث الذي جاء فيه أن جبريل شق قلب النبي ﷺ وهو صغير فاستخرج منه علقة وقال: هذا حظ الشيطان منك١.
_________________
(١) ١ انظر تخريجه (ص ١٥١) .
[ ١٥٤ ]
المطلب الثالث: مسألة وقوع الخطأ منه.
تقدم ذكر الأمور التي عصم فيها ﷺ وبقي أن نعلم هل يقع الخطأ منه في غير ما تقدم؟، والجواب على هذا: أن القول الذي عليه أكثر علماء الإسلام١ والذي دلت عليه نصوص القرآن والسنة أن الخطأ يقع منه ﷺ في غير ما تقدم ذكره ولكنهم يعتقدون الأمور التالية:
ا- أن الله لا يقره على هذا الخطأ الذي وقع منه ﷺ بل يوجهه الله للحق وقد يحصل له العتاب على ذلك.
٢- أن الخطأ يقع منه ﷺ على سبيل الاجتهاد من غيرأن يتعمده ولذلك لا تسمى "معصية" فهذه العبارة تعد إساءة أدب معه ﷺ ولا يصح إطلاقها في حقه ﷺ.
٣- أن ما يقع منه من هذا القبيل ليس مما يقدح في حقه أو ينقص من منزلته وقدره، ولقد سبق بيان الأمور التي عصم فيها ﷺ وتلك الأمور هي التي في حالة وقوعها تقدح في حقه ومنزلته، وقد عصم فيها.
٤- أن التوبة حاصلة منه عن هذا الخطأ، وهذا مما يرفع من قدره ويعلي منزلته٢ كما أن الله قد وعده بالمغفرة بقوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّر﴾ ٣.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى (٤/ ٣١٩) . ٢ المرجع السابق (١٠/ ٢٩٣) . ٣ الآية (٢) من سورة الفتح.
[ ١٥٥ ]
وأما النصوص التي يستدل بها على هذا القول فمنها:
قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى، أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ ١. فهذه الآيات نزلت عتابا من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم٢ فقد ذكر غير واحد من المفسرين أن رسول الله ﷺ كان يوما يخاطب بعض عظماء قريش وقد طمع في إسلامه فبينما هو يخاطبه ويناجيه إذ أقبل ابن أم مكتوم٣ وكان ممن أسلم قديما فجعل يسأل رسول الله ﷺ من شيء ويلح عليه وود النبي ﷺ أن لو كف ساعته ليتمكن من مخاطبة ذلك الرجل طمعا ورغبة في هدايته، وعبس في وجه ابن أم مكتوم وأعرض عنه وأقبل على الآخر فأنزل الله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى، أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ ٤.
وكذلك قوله تعالى ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٥.
وقوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ ٦.
_________________
(١) ١ الآيات (١، ٢، ٣) من سورة عبس. ٢ تفسيرالقرطبي (١٩/ ٢١٢) . ٣ ابن أم مكتوم اختلف في اسمه فقيل: عمرو وقيل: عبد الله، وعمرو أكثر، وهو ابن قيس بن زائدة القرشي، أسلم قديما بمكة وكان من المهاجرين الأولين، قيل: استشهد بالقادسية وقيل مات بالمدينة. الإصابة (٢/ ٥١٦- ٥١٧) . ٤ تفسير ابن كثير (٤/ ٤٧٠) . ٥ الآيتان (٦٧، ٦٨) من سورة الأنفال. ٦ الآية (٤٣) من سورة التوبة.
[ ١٥٦ ]
قال قتادة: "ثنتان فعلهما النبي ﷺ ولم يؤمر بهما، إذنه لطائفة من المنافقين في التخلف عنه ولم يكن له أن يمضي شيئا إلا بوحي، وأخذه من الأسارى الفدية، فعاتبه الله كما تسمعون"١.
وأما ما يقع من الخطأ منه في جانب الأمور الدنيوية فمن الأدلة على ذلك حديث رافع بن خديج٢ ﵁ قال: "قدم نبي الله ﷺ المدينة وهم يؤبرون النخل، يقولون: يلقحون النخل، فقال: ما تصنعون؟ قالوا: كنا نصنعه. قال: لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرا. فتركوه، فنقصت قال: فذكروا ذلك له، فقال: "إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأي فإنما أنا بشر" ٣.
وفى رواية أنس: "أنتم أعلم بأمر دنياكم" ٤، وفى رواية طلحة: "إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإني إنما ظننت ظنا فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئا فخذوا به فإني لا أكذب على الله ﷿" ٥، وكما حكى ابن اسحاق٦ أنه ﷺ لما نزل بأدنى مياه بدر قال له الحباب بن
_________________
(١) ١ تفسير القرطبي (٨/ ١٥٤، ١٥٥) . ٢ رافع بن خديج بن رانع الأنصاري الأوسي، عرض على النبي ﷺ يوم بدر فاستصغره وأجازه يوم أحد فخرج بها وشهد ما بعدها، مات في زمن معاوية. الإصابة (١/ ٤٨٣، ٤٨٤) . ٣ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل: باب وجوب امتثال ما قاله شرعا دون ما ذكره ﷺ من معايش الدنيا على سبيل الرأي (٧/ ٩٥) . ٤ أخرجه مسلم في صحيحه (٧/ ٩٥) . ٥ أخرجه مسلم في صحيحه (٧/ ٩٥) . ٦ محمد بن إسحاق بن يسار المدني المطلبي، مولاهم، نزيل العراق، إمام المغازي، مات سنة ١٥٠ هـ. تهذيب التهذيب (٩/ ٣٨) .
[ ١٥٧ ]
المنذر١: أهذا منزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: "لا بل هو الرأي والحرب والمكيدة"، قال: فإنه ليس بمنزل، انهض حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله ثم نغور ما وراءه من القلب، فنشرب ولا يشربون، فقال: "أشرت بالرأي"، وفعل ما قاله٢.
قال القاضي عياض: "فمثل هذا وأشباهه من أمور الدنيا التي لا مدخل فيها بعلم ديانة ولا اعتقادها ولا تعليمها، يجوز عليه فيه ما ذكرنا٣ إذ ليس في هذا كله نقيصة ولا محطة، وإنما هي أمور اعتيادية يعرفها من جربها، وجعلها همه وشغل نفسه بها، والنبي ﷺ مشحون القلب بمعرفة الربوبية ملآن الجوانح بعلوم الشريعة، مقيد البال بمصالح الأمة الدينية والدنيوية، ولكن هذا٤ إنما يكون في بعض الأمور، ويجوز في النادر فيما سبيله التدقيق في حراسة الدنيا واستثمارها، لا في الكثير المؤذن بالبله والغفلة"٥.
وكذلك الأمر بالنسبة لأحكام البشر الجارية على يديه وقضاياهم، ومعرفة المحق من المبطل، وعلم المصلح من المفسد، فهذه أمور اجتهادية يجتهد فيها برأيه فقد قال ﷺ: "إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن
_________________
(١) ١ الحباب بن المنذر بن الجموح الأنصاري الخزرجي، شهد بدرا، مات في خلافة عمر. الإصابة (١/٣٠٢) . ٢ الشفا للقاضي عياض (٢/ ٨٧١، ٨٧٢) وأخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٣/ ٣١- ٣٥)، وعزاه السيوطي في مناهل الصفا (ص ٨٠) لابن اسحاق والبيهقي عن عروة والزهري وجماعة. ٣ أي من وقوع الخطأ. ٤ أي الخطأ. ٥ الشفا (٢/ ٨٧٢، ٨٧٣) .
[ ١٥٨ ]
بحجته من بعض فأقضي له على نحوما أسمع منه فمن قطعت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له به قطعة من النار" ١.
قال القاضي عياض: "وتجرى أحكامه ﷺ على الظاهر وموجب غلبات الظن بشهادة الشاهد، ويمين الحالف، ومراعاة الأشبه، ومعرفة العفاص والوكاء مع مقتضى حكمة الله في ذلك"٢.
فاقتضت حكمته تعالى أن لا يكون معصوما في هذا الجانب وذلك حتى تقتدي به الأمة من بعده في النظر في القضايا والأحكام على ما كان يقضي به بين الناس، لأنه قد استوى في ذلك هو وغيره من الناس.
وكذا الأمور بالنسبة لما يقع عليه من الأسقام والأمراض فهو ﷺ بشر من البشر يقع عليه مثل ما يقع على غيره من البشر.
وهذا هو الحق الذي دلت وأرشدت عليه النصوص الثابتة في القرآن والسنة. وهذا هو القول الوسط يين أهل الإفراط وأهل التفريط في هذه المسألة. فمن فال بالعصمة المطلقة وهم الرافضة٣ وبعض المعتزلة٤ وبعض
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الشهادات، باب من أقام البينة مع اليمين. انظر: فتح الباري (٥/ ٢٨٨) ح ٢٦٨٠. وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الأقضية: باب الحكم بالظاهر واللحن بالحجة، واللفظ له (٥/ ١٢٨، ١٢٩) . ٢ الشفا (٢/ ٨٧٥) . ٣ الرافضة: عبارة تطلق على الشيعة الغلاة وهم عدة فرق من أشهرها الإمامية الاثنا عشرية، ولهم مخالفات كثيرة في الاعتقاد من أشهرها: مسائل الإمامة، والصحابة، والغلو في آل البيت وأصل تسميتهم بالرافضة مأخوذ من قول زيد بن علي بن الحسين عندما سُئل عن أبي بكر وعمر فترحم عليهما، فرفضه جماعة من أتباعه فقال: رفضتموني فسموا رافضة. مقالات الإسلاميين (١/ ٨٨، ٨٩، ١٤٤)، والملل والنحل، (١/ ١٧٣- ١٧٤) . ٤ أتباع واصل بن العطاء الذي اعتزل مجلس الحسن البصري، ولهم مخالفات كثيرة في مسائل الاعتقاد، منها أنهم يقولون بنفي الصفات، والمنزلة بين المنزلتين. ميزان الاعتدال (٣/ ٢٧٤) والفرق بين الفرق (٢٠، ٢١)، والملل والنحل (١/ ٤٩) .٠
[ ١٥٩ ]
المتأخرين١ فهؤلاء قد خالفوا نصوص القرآن والسنة وتعسفوا في دفعها وتأويلها بتأويلات هي من جنس تأويلات الجهمية٢ والباطنية٣ ومن تدبر تلك التأويلات تبين له فسادها وعرف أنها من باب تحريف الكلم عن مواضعه٤.
وأما من نفى عنه العصمة من الذنوب وأجاز عليه الإقدام على الكبائر والصغائر وهم الكرامية٥ والأزارقة٦ والفضيلية٧ وغيرهم٨ فهؤلاء قوم فرطوا في حق النبي ﷺ، فذكروا عنه ما دل القرآن والسنة على براءته منه، وأضافوا إليه ذنوبا نزهه الله منها فقولهم هذا مخالف للقرآن والسنة وواضح البطلان.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى (٤/ ٣٢٠) . ٢ الجهمية فرقة من الفرق التي ظهرت في بداية القرن الثاني وانتحلت مذهب الجهم بن صفوان في مسائله المدونة في كتب المقالات ومن أشهرها نفي الأسماء والصفات والقول بالجبر، وفناء الجنة والنار. الرد على الزنادقة والجهمية للإمام أحمد (ص ٦٥) . تاريخ الجهمية والمعتزلة (ص ٥٩، ٦٠) . ٣ عبارة تطلق على عدة فرق من أشهرها: الإسماعيلية، القرامطة، والنصيرية، وهم الذين يجعلون لكل ظاهر من الكتاب باطنا ولكل تنزيل تأويلا. الملل والنحل (١/ ٤٢٦- ٤٤٧) والفرق بين الفرق (ص ١٦٩) . ٤ مجموع الفتاوى (١٠/ ٣١١- ٣١٤) بتصرف. ٥ أتباع محمد بن كرام السجستاني المتوفى سنة ٢٥٥ هـ، لهم عدد من المخالفات في مسائل العقيدة، منها: التشبيه في الصفات، والإرجاء في الإيمان. الملل والنحل (١/ ١٨٠، ١٩٣)، والفرق بين الفرق (٣٠، ١٣٧) . ٦ إحدى فرق الخوارج، وهم أتباع نافع بن الأزرق، كانت أكثر فرق الخوارج عددا وأشدهم شوكة. الفرق بين الفرق (ص ٨٣) . ٧ من الخوارج، ذكرهم الأشعري في المقالات (ص ١١٨) . ٨ الفصل (٤/ ٢)، وعصمة الأنبياء للرازي (ص ١٨)، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي (١/ ١٢٨) .
[ ١٦٠ ]
الفصل الثاني: وجوب طاعته ولزوم سنته والمحافظة عليها
المبحث الأول: الأدلة على وجوب طاعته
المطلب الأول: الأدلة من القرآن
تمهيد
ا"فرض الله على جميع الخلق الإيمان بنبيه ﷺ وطاعته واتباعه وإيجاب ما أوجبه وتحريم ما حرمه وشرع ما شرعه. وبه فرق الله بين الهدى، والضلال، والرشاد، والغي، والحق، والباطل، والمعروف، والمنكر. وهو الذي شهد الله له بأنه يدعو إليه بإذنه، ويهدي إلى صراط مستقيم وأنه على صراط مستقيم. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٣ وهو الذي جعل الرب طاعته طاعة له في مثل قوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ ٤.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ٥.
وهو الذي لا سبيل لأحد إلى النجاة إلا بطاعته، ولا يسأل الناس يوم القيامة إلا عن الإيمان به واتباعه وطاعته، وبه يمتحنون في القبور، قال تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ ٦.
_________________
(١) ١ الآيتان (٤٥، ٤٦) من سورة الأحزاب. ٢ الآية (٥٢) من سورة الشورى. ٣ الآية (٤٣) من سورة الزخرف. ٤ الآية (٨٠) من سورة النساء. ٥ الآية (٦٤) من سورة النساء. ٦ الآية (٦) من سورة الاعراف.
[ ١٦٣ ]
وهو الذي أخذ الله له الميثاق على النبيين وأمرهم أن يأخذوا على أممهم الميثاق أنه إذا جاءهم أن يؤمنوا به ويصدقوه وينصروه.
وهو الذي فرق الله به بين أهل الجنة وأهل النار، فمن آمن به وأطاعه كان من أهل الجنة ومن كذبه وعصاه كان من أهل النار.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ ١.
والوعد بسعادة الدنيا والآخرة والوعيد بشقاء الدنيا والآخرة معلق بطاعته. فطاعته هي الصراط المستقيم وهي حبل الله المتين، وهي العروة الوثقى وأصحابها هم أولياء الله المتقون وحزبه المفلحون وجنده الغالبون. والمخالفون له هم أعداء الله حزب إبليس اللعين.
قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا، يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا، لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا، وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا، رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ
_________________
(١) ١ الآيات (١٣، ١٤) من سورة النساء. ٢ الآيات (٢٧، ٢٨، ٢٩) من سورة الفرقان. ٣ الآيات (٦٦، ٦٧، ٦٨) من سورة الاحزاب.
[ ١٦٤ ]
الْكَافِرِينَ﴾ ١
وقال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ ٤.
وجميع الرسل أخبروا أن الله أمر بطاعتهم كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّه﴾ ٥.
فهم يأمرون بعبادة الله وحده وخشيته وحده وتقواه وحده، وبأمرون بطاعتهم كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ ٦.
وقال نوح ﵇: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ ٧.
وقال في سورة الشعراء: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ ٨.
_________________
(١) ١ الآية (٣٢) من سورة آل عمران. ٢ الآية (٦٥) من سورة النساء. ٣ الآية (٦٣) من سورة النور. ٤ الآية (٦٩) من سورة النساء. ٥ الآية (٦٤) من سورة النساء. ٦ الآية (٥٢) من سورة النور. ٧ الآية (٣) من سورة نوح. ٨ الآية (١٠٨) من سورة الشعراء.
[ ١٦٥ ]
وكذلك قال هود وصالح وشعيب ولوط١.
والناس محتاجون إلى الإيمان بالرسول وطاعته في كل مكان، وزمان، ليلا ونهارا، سفرا وحضرا، سرا وعلانية، جماعة وفرادى، وهم أحوج إلى ذلك من الطعام والشراب بل من النفس، فإنهم متى فقدوا ذلك فالنار جزاء من كذب بالرسول وتولى عن طاعته كما قال تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى، لاَ يَصْلاهَا إِلَّا الْأَشْقَى، الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ ٢ أي كذب به وتولى عن طاعته كما قال في موضع آخر: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى، وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا، فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾ ٤. وقال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ ٥. وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾ ٦. والله تعالى قد سماه سراجا منيرا، وسمى الشمس سراجا وهاجا والناس إلى هذا السراج المنير أحوج منهم إلى السراج الوهاج، فإنهم محتاجون إليه سرا وعلانية، ليلا ونهارا، بخلاف الوهاج، وهو أنفع لهم فإنه منير ليس فيه أذى بخلاف الوهاج فإنه ينفع تارة ويضر أخرى"٧.
_________________
(١) ١ انظر الآيات (١٢٦، ١٣١، ١٤٤، ١٥٠، ١٦٣، ١٧٩) من سورة الشعراء. ٢ الآية (١٤، ١٥، ١٦) من سورة الليل. ٣ الآية (٣١، ٣٢) من سورة القيامة. ٤ الآية (١٥، ١٦) من سورة المزمل. ٥ الآية (٤١) من سورة النساء. ٦ الآية (٤٢) من سورة النساء. ٧ الرد على الأخنائي (ص ١٨٠- ١٨٣) .
[ ١٦٦ ]
ولما كانت حاجة الناس إلى الرسول بهذه الدرجة فقد أوجب الله ﷾ على العباد طاعة الرسل واتباعهم فقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ١ فهذا الإلزام ناشئ من ضرورة العباد وحاجتهم للرسالة إذ لابد لهم منها، بل إن حاجتهم إليها فوق، حاجتهم إلى كل شيء، "فالرسالة ضرورية في إصلاح العباد في معاشهم ومعادهم، فكما أنه لا صلاح لهم في آخرتهم إلا باتباع الرسالة، فكذلك لاصلاح لهم في معاشهم ودنياهم إلا باتباع الرسالة.
والإنسان مضطر إلى الشرع لأنه بين حركتين: حراسة يجلب بها ما ينفعه، وحركة يدفع بها ما يضره.
والشرع هو النور الذي يبين ما ينفعه وما يضره، والشرع نور الله في أرضه، وعدله يين عباده، وحصنه الذي من دخله كان آمنا.
وليس المراد بالشرع التمييز بين الضار والنافع بالحس، فإن ذلك يحصل للحيوانات العجم، فإن الحمار والجمل يميز بين الشعير والتراب، وإنما المراد بالشرع التمييز بين الأفعال التي تنفع فاعلها والأفعال التي تضر فاعلها في معاشه ومعاده، كنفع الإيمان والتوحيد والعدل والبر والتصدق والإحسان، والأمانة والعفة، والشجاعة والحلم والصبر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وصلة الأرحام، وبر الوالدين، والإحسان إلى المماليك والجار، وأداء الحقوق وإخلاص العمل لله والتوكل عليه، والاستعانة به والرضا بمواقع القدر به، والتسليم لحكمه والانقياد لأمره، وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه، وخشيته في
_________________
(١) ١ الآية (٦٤) من سورة النساء.
[ ١٦٧ ]
الغيب والشهادة، والتقوى إليه بأداء فرائضه واجتناب محارمه، واحتساب الثواب عنده، وتصديقه وتصديق رسله في كل ما أخبروا به وطاعتهم في كل ما أمروا به، مما هو نفع وصلاح للعبد في دنياه وآخرته وفي ضد ذلك شقاوته ومضرته في دنياه وآخرته.
فلولا الرسالة لم يهتد العقل إلى تفاصيل النافع والضار في المعاش والمعاد فمن أعظم نعم الله على عباده وأشرف منة عليهم أن أرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه، ودون لهم الصراط المستقيم، ولولا ذلك لكانوا بمنزلة البهائم بل أشر حالا منها.
فمن قبل رسالة الله واستقام عليها فهو من خير البرية، ومن ردها وخرج عنها فهو من شر البرية، وأسْوَءُ حالًا من الكلب والخنزير والحيوان البهيم"١. والرسل هم وسائط يين الله وبين خلقه في أمره ونهيه وهم السفراء بينه وبين عباده، يبلغونهم شرع ربهم ويرشدونهم إلى ما فيه صلاح معاشهم ومعادهم، وقد جعلهم الله ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ٢.
وقد بعث الرسل جميعا بأصول ثلاثة هي:
ا- الدعوة الى الله.
٢- إرشاد العباد وتعريفهم بالطريق الموصل إلى الله.
٣- ييان حال العباد في معادهم.
فالأصل الأول يتضمن إثبات الصفات والتوحيد والقدر، وذكر أيام الله في
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى (١٩/ ٩٩، ١٠٠) بتصرف. ٢ الآية (١٦٥) من سورة النساء.
[ ١٦٨ ]
أوليائه وأعدائه وهي القصص التي قصها الله على عباده والأمثال التي ضربها لهم.
والأصل الثاني: يتضمن تفصيل الشرائع والأمر والنهي والإباحة، وبيان ما يحبه الله ويكرهه.
والأصل الثالث: يتضمن الإيمان باليوم الآخر، والجنة والنار والثواب والعقاب. فعلى هذه الأصول الثلاثة مدار الخلق والأمر بل السعادة والفلاح موقوفة عليها، ولا سبيل إلى معرفتها إلا من جهة الرسل، فإن العقل لا يهتدي إلى تفاصيلها ومعرفة حقائقها، وإن كان قد يدرك وجه الضرورة إليها من حيث الجملة ١. ومن أجل ذلك فإن الله خص بالفلاح من اتبع رسم له ونصره فقال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٢ أي لا مفلح إلا هم، كما قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٣، فخص هؤلاء بالفلاح كما خص المتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة وينفقون مما رزقهم ويؤمنون بما أنزل إلى رسوله وما أنزل من قبله ويوقنون بالآخرة بالهدى والفلاح قال تعالى: ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ، وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ، أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٤ فعلم بذلك أن
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى (١٩/ ٩٦) بتصرف. ٢ الآية (١٥٧) من سورة الأعراف. ٣ الآية (١٠٤) من سورة آل عمران. ٤ الآية (١ إلى هـ) من سورة البقرة.
[ ١٦٩ ]
الهدى والفلاح دائر على الرسالة وجودا وعدما.
كما جعل الله سعادة العباد ونجاتهم في يوم المعاد متعلقة بطاعته وطاعة رسوله وجعل شقاءهم وهلاكهم متعلفا بمعصيته ومعصية رسوله، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ ١.
وخاتم المرسلين وسيدهم وأكرمهم على ربه- نبينا محمد ﷺ الذي جعله الله رحمة للعالمين: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ٢، وأرسله بالهدى ودين الحق بين يدي الساعة بصيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، فختم به الرسالة وهدى به من الضلالة وعلم به من الجهالة، وفتح برسالته أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا، فأشرقت برسالته الأرض بعد ظلماتها، وتألفت به القلوب بعد شتاتها، فأقام بها الملة العوجاء وأوضح بها المحجة البيضاء، فبين عن طريقه ﷺ الكفر من الإيمان، والربح من الخسران، والهدى من الضلال، وأهل الجنة من أهل النار، والمتقين من الفجار، فهو المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين وحجة على الخلائق أجمعين.
وقد أوجب الله وافترض على العباد طاعته ومحبته وتعزيره وتوقيره والقيام بحقوقه وأوصاه باتباع شرعه ونهجه والسير على هداه وجعل طريقه هي الطريق الوحيد الموصلة إليه وسد باقي الطرق فلم يفتح لأحد طريقا غير طريقه، وسمى تلك الطرق سبلا تضل عن سبيله فقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا
_________________
(١) ١ الآية (١٣، ١٤) من سورة النساء. ٢ الآية (١٠٧) من سورة الانبياء.
[ ١٧٠ ]
صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ١.
ولذلك فإن الخير كل الخير في اتباعه والاقتداء به، والشر كل الشر في مخالفته والبعدعن شرعه وماجاء به.
والأدلة على وجوب طاعته ﷺ ولزوم سنته واتباع شريعته كثيرة وهذا ما سأتطرق إليه في هذا الفصل باذن الله تعالى والله الموفق وهو الهادي إلى سواء السبيل.
_________________
(١) ١ الآية (١٥٣) من سورة الأنعام.
[ ١٧١ ]
المطلب الأول: الأدلة من القرآن على وجوب طاعته ﷺ
قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: "نظرت في المصحف فوجدت طاعة الرسول ﷺ في ثلاثة وثلاثين موضغا"١.
وقال الآجري٢: "فرض على الخلق طاعته ﷺ في نيف وثلاثين موضعا من كتابه ﷿"٣.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقد أمر الله بطاعة رسوله ﷺ في أكثر من ثلاثين موضعا من القرآن، وقرن طاعته بطاعته، وقرن بين مخالفته ومخالفته، كما قرن بين اسمه واسمه، فلا يذكر الله إلا ذكر معه"٤.
قلت: إن الآيات الواردة في الأمر بطاعة النبي ﷺ واتباعه والاقتداء به جاءت في مواطن متعددة من القرآن الكريم. واتصفت تلك الآيات بتنوع أساليبها وتعدد صيغها مع اتحادها جميعها في الأمر بالاقتداء بالنبي ﷺ وطاعته في جميع ما جاء به من شرائع وأحكام من عند الله ﷿، وسوف أعرض لهذه الآيات بعد تقسيمها على حسب ما اتحدت به في السياق على النحو التالي:
أ- الآيات التي جاء فيها الأمر بطاعته ﷺ ومن تلك الآيات قوله تعالى:
_________________
(١) ١ الصارم المسلول لشيخ الإسلام ابن تيمية (ص ٥٦) . ٢ محمد بن الحسين بن عبد الله أبو بكر الآجري، فقيه شافعي، محدث، توفي سنة ٣٦٠ هـ بمكة وله مصنفات كثيرة منها: كتاب الشريعة. الأعلام (٦/ ٩٧) . ٣ الشريعة (ص ٤٩) . ٤ مجموع الفتاوى (١٩/ ١٠٣) .
[ ١٧٣ ]
﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ ١.
وهذه الآية ضمن سلسلة من الآيات ربطت بين طاعة الله ﵎ وطاعة رسوله ﷺ، فقد جعل الله طاعته وطاعة رسوله شيئا واحدا، وجعل الأمر بطاعة رسوله مندرجا في الأمر بطاعته سبحانه، وفي ذلك بيان للعباد بأن طاعته سبحانه لا تتحقق إلا بطاعة الرسول ﷺ.
ومن تلك الآيات الواردة بهذه الصيغة:
١- قوله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ ٢.
٢- وقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ٣.
٣- وقوله تعالى:. ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ٤.
٤- وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ ٥.
٥- وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ ٦.
_________________
(١) ١ الآية (٨٠) من سورة النساء. ٢ الآية (٣٢) من سورة آل عمران. ٣ الآية (١٣٢) من سورة آل عمران. ٤ الآية (١٣) من سورة النساء. ٥ الآية (٢٠) من سورة الأنفال. ٦ الآية (٥٢) من سورة النور.
[ ١٧٤ ]
٦- وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ ١.
٧- وقوله تعالى ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ ٢
وفي آيات أخر يأمر الله سبحانه بطاعته وطاعة رسوله ﷺ مع إعادة الفعل، وفي ذلك إشارة إلى أن ما يأمر به رسول الله ﷺ تجب طاعته فيه وإن لم يكن مأمورا به بعينه في كلام الله الذي هو القرآن، فتجب طاعة الرسول مفردة كما تجب مقرونة بأمره سبحانه، ومن هذه الآيات:
ا- قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ ٣.
٢- وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ ٤.
٣- وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ ٥.
٤- وقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ ٦.
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ
_________________
(١) ١ الآية (٧١) من سورة الأحزاب. ٢ الآية (١٧) من سورة الفتح. ٣ الآية (٩٢) من سورة المائدة. ٤ الآية (٣٣) من سورة محمد. ٥ الآية (٥٤) من سورة النور. ٦ الآية (١٢) من سورة التغابن.
[ ١٧٥ ]
مِنْكُمْ﴾ ١.
ويقول ابن القيم٢ عند هذه الآية: "أمر تعالى بطاعته وطاعة رسوله وأعاد الفعل إعلاما بأن طاعة الرسول تجب استقلالا من غير عرض ما أمر به على الكتاب، بل إذا أمر وجبت طاعته مطلقا سواء كان ما أمر به في الكتاب أو لم يكن فيه، فإنه أوتي الكتاب ومثله معه٣. ولم يأمر بطاعة أولي الأمر استقلالا بل حذف الفعل وجعل طاعتهم في ضمن طاعة الرسول، إيذانا بأنهم إنما يطاعون تبعا لطاعة الرسول فمن أمر منهم بطاعة الرسول وجبت طاعته، ومن أمر منهم بخلاف ما جاء به الرسول فلا سمع له ولا طاعة، كما صح عنه ﷺ أنه قال: "لا طاعة في معصية الله إنما الطاعة في المعروف" ٤ وقال: "إنما الطاعة في المعروف" ٥، وقال: "على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة"٦.
_________________
(١) ١ الآية (٥٩) من سورة النساء. ٢ محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي ثم الدمشقي المشهور بابن القيم، ولد سنة إحدى وتسعين وستمائة، تفنن في علوم الإسلام، لازم شيخ الإسلام ابن تيمية، وله مؤلفات كثيرة في الدفاع عن العقيدة والسنة. توفي سنة إحدى وخمسين وسبعمائة. طبقات المفسرين للداودي (٢/ ٩٣، ٩٧) . ٣ كما جاء في قوله ﷺ: "ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه " الحديث. أخرجه أبو داود في سننه، كناب السنة، باب في لزوم السنة (٥/ ١٠) ح ٤٦٠٤ ٤ أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية وتحريمها في المعصية (٦/ ١٥) ٥ أخرجه البخاري في صحيحه، كثاب أخبار الآحاد: باب ما جاء في إجازة خبر الواحد. انظر: فتح الباري (١٣/ ٢٣٣) ح ٧٢٥٧، ومسلم في صحيحه، كتاب الإمارة: باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية وتحريمها في المعصية. انظر (٦/ ١٥) . ٦ أخرجه بهذا اللفظ مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية وتحريمها في المعصية (٦/ ١٢) . وأخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأحكام: باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية. فتح الباري (١٣/ ١٢١، ١٢٢) ح ٧١٤٤.
[ ١٧٦ ]
وقد أخبر ﷺ عن الذين أرادوا دخول النار لما أمرهم أميرهم بدخولها: "إنهم لو دخلوها لما خرجوا منها" مع أنهم إنما كانوا يدخلونها طاعة لأميرهم، وظنا أن ذلك واجب عليهم، ولكن لما قصروا في الاجتهاد وبادروا إلى طاعة من أمر بمعصية الله وحملوا عموم الأمر بالطاعة بما لم يرده الأمر ﷺ وما قد علم من دينه إرادة خلافه، فقصروا في الاجتهاد وأقدموا على تعذيب أنفسهم وإهلاكها من غيرتثبيت وتبين هل ذلك طاعة لله ورسوله أم لا؟، فما الظن بمن أطاع غيره في صريح مخالفة ما بعث الله به رسوله"١.
وأما قوله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ ٢ فقد أخبر تعالى في هذه الآية أن الهداية في طاعة الرسول ﷺ لا في غيرها، فإنه معلق بالشرط فينتفى بانتفائه، وليس هذا من باب دلالة المفهوم، كما يغلط فيه كثير من الناس ويظن أنه محتاج في تقرير الدلالة منه لا تقرير كون المفهوم حجة.
بل هذا من الأحكام التي ترتبت على شروط وعلقت فلا وجود لها بدون شروطها، إذ ما علق على الشرط فهو عدم عند عدمه، وإلا لم يكن شرطا له وإذا ثبت هذا: فالآية نص في انتفاء الهداية عند عدم طاعته. وقوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ﴾ الفعل للمخاطبين وأصله فإن تتولوا، فحذفت
_________________
(١) ١ إعلام الموقعين (١/ ٤٨، ٤٩) . ٢ الآية (٥٤) من سورة النور.
[ ١٧٧ ]
إحدى التائين تخفيفا، والمعنى: أنه قد حمل أداء الرسالة وتبليغها، وحملتم طاعته والانقياد له والتسليم.
روي عن الزهري١ أنه قال: "من الله البيان وعلى الرسول البلاغ وعلينا التسليم".
فإن تركتم أنتم ما حملتم من الإيمان والطاعة فعليكم لا عليه. فإنه لم يحمل إيمانكم وإنما حمل تبليغكم، وإنما حمل أداء الرسالة إليكم.
﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ ليس عليه هداهم وتوفيقهم"٢
ب- الآيات التي جاء فيها الأمر باتباعه والتأسي به والأخذ بما شرعه:
جاء الأمر من الله ﵎ باتباع رسوله ﷺ والتأسي به في مواطن متعددة من كتابه العزيز.
أ- قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٣.
٢- وقال تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ ٤.
٣- وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ٥.
_________________
(١) ١ محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري، الفقيه الحافظ متفق على جلالته وإتقانه، مات سنة ١٢٥ هـ وقيل قبل ذلك. تذكرة الحفاظ (١/ ١٠٢) . ٢ الرسالة التبوكية (ص ٣٧، ٣٨) . ٣ الآية (٣١) من سورة آل عمران. ٤ الآية (١٥٨) من سورة الأعراف. ٥ الآية (٧) من سورة الحشر.
[ ١٧٨ ]
٤- وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ ١.
وهذه الآيات تضمنت توجيهات عظيمة يجب على المسلم تدبرها ففي الآية الأولى جعل الله الاتباع سبيلا إلى نيل حبه ووسيلة إلى تحقيق رضاه وحصول غفرانه، إذ باتباع الرسول ﷺ يحصل حب الله تعالى ورضاه ومثوبته، فالخير كل الخير في اتباعه والشر كل الشر في مخالفته والابتعاد عن سنته.
فالاتباع هو دليل المحبة وبرهانها، وبتحققه تكون المحبة التي هي إحدى ثمراته كما قال تعالى: ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ كما أن من ثمراته غفران الذنوب كما جاء في هذه الآية نفسها: ﴿ويغفر لكم ذنوبكم﴾ .
وهذه المنزلة والمكانة لاتباع الرسول ﷺ نابعة من كون هذا الاتباع إنما هو في الحقيقة اتباع لله، إذ الرسول إنما جاء بهذا الدين من عند الله ﷿ فهو شرع الله ودينه الذي أوحاه لرسوله ﷺ ليبلغه للعباد، فالرسول إنما هو مبلغ عن الله ولم يأت بشيء من عند نفسه قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ الآية٢، وقال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ الآية٣.
وفى الآية الأخرى وهي قوله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ جاء الأمر بالاتباع عقب الأمر بالإيمان تأكيدا على وجوب اتباع النبي ﷺ وإلا فإن الاتباع داخل في الإيمان
_________________
(١) ١ الآية (٢١) من سورة الأحزاب. ٢ الآية (١١٠) من سورة الكهف، والآية (٦) من سورة فصلت. ٣ الآية (٨٥) من سورة البقرة.
[ ١٧٩ ]
ولكن أفرد بالذكر هنا تنبيها على أهميته وعظم منزلته.
وأما قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، فهذه الآية أوجبت الاتباع المطلق للنبي ﷺ، فما أمر به من شيء فإن علينا فعله وما نهى عن شيء فإن علينا تركه واجتنابه، فهو لا يأمر إلا بخير ولا ينهى إلا عن شر.
وفى هذا الاتباع والانقياد حياتنا وفلاحنا كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ ١.
فهنا أمر من الله تعالى للمؤمنين جميعا بأن يستجيبوا للرسول ﷺ فيما أمرهم به ونهاهم عنه، ففي ذلك الحياة النافعة الطيبة وهذه الحياة إنما تحصل بالاستجابة لما جاء به الرسول أمرا ونهيا وأما من لم تحصل منه الاستجابة فلا حياة له، وإن كانت له حياة بهيمية مشتركة بينه وبين أرذل الحيوانات، "إذ الحياة الحقيقية الطيبة هي حياة من استجاب لله ولرسوله ظاهرا وباطنا، فهؤلاء هم الأحياء وإن ماتوا، وغيرهم أموات وإن كانوا أحياء الأبدان، ولهذا كان أكمل الناس حياة أكملهم استجابة لدعوة الرسول ﷺ، فإن كل ما دعا إليه ففيه الحياة، فمن فاته جزء منه فاته جزء من الحياة، وفيه من الحياة بحسب ما استجاب للرسول"٢.
ولقد أعقب هذا الأمر بالاستجابة تحذير من ترك الاستجابة له أو تثاقل وتباطء عنها فقال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ والمعنى
_________________
(١) ١ الآية (٢٤) من سورة الأنفال. ٢ الفوائد لابن القيم (ص ٨٨) بتصرف.
[ ١٨٠ ]
: "أنكم إن تثاقلتم عن الاستجابة وأبطأتم عنها فلا تأمنوا أن الله يحول بينكم وبين قلوبكم فلا يمكنكم بعد ذلك من الاستجابة عقوبة لكم بعد وضوح الحق واستبانته"١.
وأما قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ فقد جعل الله ﵎ من رسوله الأسوة والقدوة ليحتذي به الخلق في أقواله وأفعاله وجميع ما جاء به ﷺ. قال ابن كثير: "هذه الآية الكريمة أصل كبير في التأسي برسول الله ﷺ في أقواله وأفعاله وأحواله "٢.
ج- الآيات التي جاء فيها وجوب التسليم لحكمه والانقياد له:
قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ٣.
وفي هذه الآية أقسم سبحانه بأجل مقسم به - وهو نفسه ﷿ - على أنه لا يثبت لهم إيمان ولا يكونون من أهله، حتى يحكموا رسول الله ﷺ في جميع موارد النزاع وفي جميع أبواب الدين فإن لفظة "ما" من صيغ العموم. ولم يقتصر الأمر على مجرد التحاكم بل ضم إليه انشراح صدورهم بحكمه بحيث لا يجدون في أنفسهم حرجا - وهو الضيق والحصر - من حكمه، بل يقبلوا حكمه بالانشراح، ويقابلوه بالتسليم لا أنهم يأخذونه على إغماض، ويشربونه على قذى، فإن هذا مناف للإيمان، بل لابد أن يكون أخذه بقبول
_________________
(١) ١ المصدر السابق (ص ٩٥) . ٢ تفسير ابن كثير (٣/ ٤٧٤) . ٣ الآية (٦٥) من سورة النساء.
[ ١٨١ ]
ورضا وانشراح صدر.
ثم لم يقتصر سبحانه على ذلك حتى ضم إليه قوله تعالى: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ فذكر الفعل مؤكدا بمصدره القائم ذكره مرتين، وهو التسليم والخضوع له والانقياد لما حكم به طوعا ورضا، وتسليما لا قهرا ومصابرة كما يسلم المقهور لمن قهره كرها، بل تسليم عبد مطيع لمولاه وسيده الذي هو أحب شيء إليه، يعلم أن سعادته وفلاحه في تسليمه إليه ويعلم بأنه أولى به من نفسه، وأبر به منها وأقدر على تخليصها، كما قال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ ١.
فمتى علم العبد هذا من الرسول ﷺ واستسلم له، وسلم إليه انقادت له كل علة في قلبه ورأى أن لا سعادة له إلا بهذا التسليم والانقياد.
وتأمل تأكيده سبحانه لهذا المعنى المذكور في الآية بوجوه عديدة من التأكيد:
أولها: تصديرها بتضمن المقسم عليه للنفي وهو قوله ﴿لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ وهذا منهج معروف في كلام العرب، إذا أقسموا على شيء منفي صدروا جملة القسم بأداة نفي مثل هذه الآية.
وثانيها: تأكيده بنفس المقسم.
وثالثها: جميده بالمقسم به وهو إقسامه بنفسه لا بشيء من مخلوقاته، وهو سبحانه يقسم بنفسه تارة وبمخلوقاته تارة.
ورابعها: تأكيده بانتفاء الحرج وهو وجود التسليم.
وخامسها: تأكيد الفعل بالمصدر، وما هذا التأكيد إلا لشدة الحاجة إلى هذا
_________________
(١) ١ الآية (٦) من سورة الاحزاب.
[ ١٨٢ ]
الأمر العظيم، وإنه مما يعتنى به ويقرر في نفوس العباد بما هو من أبلغ أنواع التقرير١.
وقال ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: "يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم الرسول ﷺ في جميع الأمور فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطنا وظاهرا ولهذا قال: ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ أي إذا حكموك يطيعونك في بواطنهم فلا يجدون في أنفسهم حرجا مما حكمت به وينقادون له في الظاهر والباطن فيسلمون لك تسليما كليا من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة "٢.
وهذه الآية ينبغي لكل مسلم أن يعرض نفسه عليها.
وفى هذا يقول ابن القيم: "ومتى أراد العبد أن يعلم هذا٣ فلينظر في حاله ويطالع قلبه عند ورود حكمه على خلاف هواه وغرضه، أو على خلاف ما قلد فيه أسلافه من المسائل الكبار وما دونها ﴿بَلِ الإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ، وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ ٤.
فسبحان الله كم من حزازة في نفوس كثير من الناس من كثير من النصوص بودهم أن لو لم ترد؟ وكم من حرارة في أكبادهم منها؟ وكم من شجى في حلوقهم منها ومن موردها؟ ستبدو لهم تلك السرائر بالذي يسوء ويخزي يوم تبلى السرائر"٥.
_________________
(١) ١ الرسالة التبوكية لابن القيم (ص ٢٥، ٢٦) . ٢ تفسير ابن كثير (١/ ٥٢٠) . ٣ أي قبوله لحكم الرسول والتسليم له. ٤ الآية (١٤، ١٥) من سورة القيامة. ٥ الرسالة التبوكية (ص ٢٥) .
[ ١٨٣ ]
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ ٢، وكلا الآيتين توجبان التسليم الكامل والانقياد التام من أهل الإيمان لما حكم به الله تعالى وحكم به رسوله ﷺ، فليس في ذلك اختيار، بل السمع والطاعة والقبول والتسليم بما جاء عن الله ورسوله.
ومن الملاحظ في كلا الآيتين أن الخطاب فيهما لأهل الإيمان ففي الآية الأولى ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ .
وفي الثانية ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ﴾، وهذا التخصيص للمؤمنين فيه من الدلالة ما فيه فاسم الإيمان يشعر بأن هذا المطلوب منهم من موجبات الاسم الذي نسبوا إليه ولذلك فإنه يجب على كل من يؤمن بالله ورسوله ﷺ أن يضع هاتين الآيتين وأمثالهما من الآيات الموجبة للامتثال لأمر الله ورسوله ﷺ نصب عينيه فيسمع ويطيع، ويؤمن بأنه لا اختيار له في ذلك ولا رأي، بل التسليم المطلق الذي لا يصاحبه شك ولا ارتياب.
فهذه حقيقة الإيمان ومعنى شهادة أن محمدا رسول الله التي تعني طاعته فيما أمر وتصديقه فيما أخبر واجتناب ما نهى عنه وزجر وألا يعبد الله إلا بما شرع.
ومثل هذه الآيات هي الفاصل بين دعوى الإيمان الحقيقية التي هي للمؤمنين
_________________
(١) ١ الآية (٥١) من سورة النور. ٢ الآية (٣٦) من سورة الأحزاب.
[ ١٨٤ ]
الصادقين، وبين دعوى الإيمان الزائفة الباطلة التي هي سمة المنافقين الكاذبين المظهرين خلاف ما يبطنون.
[ ١٨٥ ]
المطلب الثاني: الأدلة من السنة على وجوب طاعته ﷺ.
حث النبي ﷺ أمته على طاعته وامتثال أمره واتباع ما جاء به والسير على سنتة والاقتداء به في كل ما جاء به عن ربه ﷿.
وأحاديثه ﷺ في هذا المجال أعطت للأمه توجيهات عظيمة متى ما ساروا عليها وامتثلوا ما فيها واستناروا بها فقد تحققت لهم سعادة الدارين وفازوا وأفلحوا يإذن الله تعالى.
وقد امتازت الأحاديث في هذا الشأن بكثرتها وتنوع عبارتها وتعدد أساليبها واشتمال بعضها على الأمثلة التي ضربها رسول الله ﷺ لأمته في هذا الشأن، ومما لا شك فيه أن هذه المميزات زادت الأمر توكيدا وتوضيحا وبيانا، بحيث إنها لم تدع مجالا لمتأول يأولها أو محرف يغير معناها بهواه ورأيه الفاسد، وهذه الأحاديث على تنوع عبارتها وتعدد أساليبها اتحدت جميعها في مضمون واحد هو التأكيد على وجوب طاعته ﷺ واتباع ما جاء به والترغيب في ذلك إضافة إلى التحذير من مخالفته، وتحريم معصيته وبيان الوعيد الشديد في ذلك.
والخطاب في تلك الأحاديث شامل لكل من كان في عصره ﷺ ومن سيأتي بعده إلى يوم القيامة.
وسأشير ههنا إلى طرف من تلك الأحاديث مع بيان ما فيها من توجيهات وإرشادات تنير الطريق للسالكين الراغبين بالفوز برضى الله وجنات النعيم.
أ- كون طاعته واتباعه ﷺ سببا لدخول الجنة، ومخالفته ومعصيته سببا
[ ١٨٦ ]
لدخول النار.
أولا: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى"، قالوا: يارسول الله ومن يأبى؟، قال: "من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى"١.
ثانيا: وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله " الحديث٢.
ثالثا: وعن أبي سعيد الخدري٣ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "والذي نفسي ييده لتدخلن الجنة كلكم إلا من أبى وشرد على الله كشراد ٤ البعير. قال: يارسول الله ومن يأبى أن يدخل الجنة؟، قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى" ٥.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة: باب الاقتداء بسنن رسول الله ﷺ. انظر: فتح الباري (١٣/ ٢٤٩) ح ٧٢٨٥. ٢ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأحكام: باب قول الله تعالى ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، انظر: فتح الباري (١٣/ ١١١) ح ٧١٣٧. وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة: باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية وتحريمها في المعصية (٦/ ١٣) . ٣ سعد بن مالك بن سنان الأنصاري أبو سعيد الخدري، شهد الغزوات بعد أحد وكان من أفاضل الصحابة وحفظ حديثا كثيرا توفي سنة ٧٤ هـ وقيل غير ذلك. الإصابة (٢/ ٣٢، ٣٣) . ٤ يقال: شرد البعير، يشرد، شُرودا، وشِرادا: إذا نفر وذهب في الأرض. النهاية (٢/ ٤٥٧) . ٥ أخرجه ابن حبان في صحيحه (١/ ١٥٣) وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٨٠)، وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح. وله شاهد من طريق أبي هريرة بنحوه أخرجه الحاكم في مستدركه (٤/ ٢٤٧) وقال صحيح على شرطهما ووافقه الذهبي. وله شاهد آخر من طريق أبي أمامة بنحوه. أخرجه الحاكم في المستدرك (٤/ ٢٤٧) وقال صحيح على شرطهما ووافقه الذهبي.
[ ١٨٧ ]
قال ابن حبان١: "طاعة الرسول هي الانقياد لسنته، مع رفض قول كل من قال شيئا في دين الله ﷿ بخلاف سنته، دون الاحتيال في دفع السنن بالتأويلات المضمحلة والخترعات الداحضة "٢
وهذه الأحاديث الثلاثة تؤكد وجوب طاعة الرسول ﷺ وامتثال ما جاء به وذلك بفعل ما أمر به واجتناب ما نهى عنه.
وتؤكد كذلك على أن هذه الطاعة هي مفتاح الجنة وسبيل النجاة الوحيد التي متى ما سلكها الإنسان فاز برضى الله وجنته ونجى من سخطه وعذابه. فعلى المسلم أن يسلك هذه الطريق - أي طاعة النبي ﷺ – وألا يحيد عنها يمينا أو شمالا فهذه الطاعة هي صراط الله المستقيم الذي أمر الله باتباعه لقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ٣.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون ومن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل" ٤.
_________________
(١) ١ محمد بن حبان بن أحمد التميمي، أبو حاتم البستي، الإمام الحافظ الثبت الحجة، كان من أوعية العلم، ولد سنة ٢٧٠ هـ وتوفي سنة ٣٥٤ هـ. ميزان الاعتدال (٣/ ٥٠٦) . ٢ صحيح ابن حبان (١/ ١٥٣) . ٣ الآية (١٥٣) من سورة الأنعام. ٤ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان: باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان (١/ ٥٠، ٥١) .
[ ١٨٨ ]
وهذه الأحاديث تبين صفة أتباع الأنبياء فهم يطيعون أنبيائهم ويأخذون بسنتهم ويأتمرون بأمرهم ولا يحيدون عن ذلك ولا يخالفونه إلى ما سواه. وأما المخالفون لهم فمنهم الذين ابتدعوا أمورا في الدين لم تشرع لهم وأخذوا يتعبدون الله بها وهم المشار إليهم بقوله: "ويفعلون مالا يؤمرون"، وأمثال هؤلاء يتحدثون عن الطاعة والاتباع ولكن بالقول دون العمل، فهم يقولون مالا يفعلون وهذا الوصف ينطبق تماما على أهل البدع المخالفين لشرع نبي هذه الأمة.
فإن الناظر في أحوال هؤلاء يجدهم متمسكين أشد التمسك بأمور ليست من سنة المصطفى ولا من هديه إذ ليس لهم عليها دليل من الكتاب أو السنة، بينما تجدهم أكثر الناس بعدا عن هدي المصطفى وما جاء به عن ربه، ومع ذلك كله فهم كثيرا ما يتحدثون عن اتباع الرسول والاقتداء به.
ولكن هذا الحديث عن السنة والاتباع لا يتجاوز ألسنتهم، فهم أبعد الناس عن ذلك فصدق على هؤلاء قوله ﷺ: "يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون".
فانظر أخي المسلم في أحوال الصوفية وعباد القبور والأضرحة وغيرهم من أهل البدع فهل تجد أبلغ من وصفهم بقول النبي ﷺ هذا: "يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون".
فالحذر كل الحذر من سبل أهل البدع والأهواء وكن على بصيرة من أمر دينك ولا تغرنك مظاهرهم وطراوة ألسنتهم فكم من إنسان خدعوه بذلك فروجوا عليه بدعتهم، ولكن أمرهم لا يروج إلا على خفافيش الأبصار وكل جاهل بسنة نبيه، من لا يفرق بين ما هو من الدين وما ليس من الدين.
[ ١٨٩ ]
وأما العالم بدينه وسنة نبيه ﷺ المتمسك بها فهو على دراية ويقين بحال هؤلاء فلا تنطلي عليه أباطيلهم وأكاذيبهم وما يستندون إليه من المنامات التي جعلوها مصدرا للتشريع والابتداع في دين الإسلام.
وصاحب السنة يعلم كذلك عاقبة بدعهم فيطبق عليهم بذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ ١.
وقوله ﷺ: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"٢.
فتلك هي النتيجة الحتمية لكل بدعة، فالله تعالى قد جعل للعمل المقبول شرطين أحدهما: الإخلاص وثانيهما: الاتباع، قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ ٣.
فقوله ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ أي ما كان موافقا لشرع الله، ﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ وهو الذي يراد به وجه الله وحده لا شريك له وهذان ركنا العمل المتقبل فلابد أن يكون خالضا لله صوابا على شريعة رسول الله ﷺ"٤.
ب- ضربه ﷺ الأمثال في الحث على طاعته.
أولا: عن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إنما مثلي ومثل ما
_________________
(١) ١ الآيتان (١٠٣، ١٠٤) من سورة الكهف. ٢ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلح: باب إذا اصطلحوا على جور. فتح الباري (٥/ ٣٠١) ح ٢٦٩٧، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الأقضية: باب نقض الأحكام الباطلة (٥/ ١٣٢) . ٣ الآية (١١٠) من سورة الكهف. ٤ تفسير ابن كثير (٣/ ١٠٨) .
[ ١٩٠ ]
بعثني الله به كمثل رجل أتى قوما فقال: ياقوم إني رأيت الجيش بعيني، وإني أنا النذير العريان، فالنجاء. فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا١ فانطلقوا على مهلهم فنجوا. وكذبت طائفة منهم فأصبحوا مكانهم فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم. فذلك مثل من أطاعني فاتبع ما جئت به. ومثل من عصاني وكذب بما جئت به من الحق" ٢.
ثانيا: وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: "جاءت الملائكة إلى النبي ﷺ وهو نائم، فقال بعضهم: إنه نائم. وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا: إن لصاحبكم هذا مثلا، قال: فاضربوا له مثلان فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا: مثله كمثل رجل بنى دارا وجعل فيها مأدبة وبعث داعيا فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة، فقالوا: أولوها له يفقهها، فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا: فالدار الجنة والداعي محمد ﷺ، فمن أطاع محمدا ﷺ فقد أطاع الله، ومن عصى محمدا فقد عصى الله، ومحمد فرق بين الناس"٣.
ثالثا: وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إنما مثلي
_________________
(١) ١ أي ساروا بالليل. النهاية (٢/ ١٢٩) . ٢ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاعتصام: باب الاقتداء بسنن الرسول ﷺ، انظر: فتح الباري (١٣/ ٢٥٠) ح ٧٢٨٣، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل: باب شفقته ﷺ على أمته. انظر: (٧/ ٦٣) . ٣ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة: باب الاقتداء بسنن الرسول ﷺ. انظر: فتح الباري (١٣/ ٢٤٩) ح ٧٢٨١.
[ ١٩١ ]
ومثل الناس كمثل رجل استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش وهذه الدواب التي تقع في النار يقعن فيها، فجعل الرجل يزعهن١ ويغلبنه فيقتحمن فيها فأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تقتحمون فيها" ٢.
فهذه ثلاثة أحاديث اشتمل كل حديث منها على مثل معين، والأمثال كما هو معلوم توضع لتقريب المعنى وتوضيحه في ذهن السامع ليكون أسهل في فهم المعنى وأبلغ في ترسخه في ذهنه.
ففي المثل الذي جاء في الحديث الأول ضرب النبي ﷺ لنفسه مثلا بالنذير الذي جاء لقومه يحذرهم من أن أعداءهم في طريقهم إليهم بعد أن رأى جيشهم على مقربة منهم وطلب منهم أن ينجوا بأنفسهم قبل أن يهلكهم عدوهم ويفنيهم.
وضرب لأمته مثلا بقوم ذلك الرجل الذين انقسموا إلى قسمين فكان منهم من صدقه وأطاعه فساروا من الليل فنجوا بأنفسهم من فتك عدوهم وكان منهم من لم يصدقه فبقوا في منازلهم فصبحهم عدوهم فقضى عليهم. فالنبي ﷺ هو النذير لهذه الأمة كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ٣، فقد أرسله الله تعالى ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ ٤،
_________________
(١) ١ بفتح التحتانية والزاي وضم العين المهملة: أي يدفعهن. فتح الباري (١٣/ ٣١٨) . ٢ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق: باب الانتهاء عن المعاصي. انظر فتح الباري (١١/ ٣١٦) خ ٦٤٨٣، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل: باب شفقته ﷺ على أمته (٧/ ٦٤) . ٣ الآية (٤٩) من سورة الحج. ٤ الآية (١) من سورة الفرتان.
[ ١٩٢ ]
لينذرهم عذاب ربهم الذي توعد به المخالفين منهم، وبين لهم شرع ربهم وما أمرهم به من قواعد وأحكام.
فمن أطاعه واتبع النور الذي جاء به والتزم شريعته فقد نجا من عذاب الله. ومن عصاه وخالفه ولم يتبع ما جاء به فقد استحق بذلك عذاب الله فله جهنم يصلاها مذموما مدحورا.
وهذا المثل يمثل جانب الإنذار والوعيد وهو جانب من جوانب الرسالة وأما الجانب الثاني وهو جانب البشارة - إذ أن الرسول ﷺ أخبر الله عنه بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ ١.
وأما جانب البشارة فهذا ما تحدث عنه الحديث الثاني وهو حديث جابر بن عبد الله ﵁ فالمثل يتحدث عن ثلاثة أمور دار ومأدبة وداعي وقد جاء تأويل هذا المثل في الحديث نفسه فالداعي هو النبي ﷺ والدار هي الجنة فمن أطاعه ﷺ واتبع ما جاء به فقد أجاب الدعوة واستحق دخول الجنة والتمتع في نعيمها. وأما من عصى النبي ﷺ وخالفه ولم يستجب لما جاء به فذلك الذي لم يستجب لدعوته فحرم من الدخول في الدار التي هي الجنة وحرم من الأكل من المأدبة التي هي النعيم الدائم في الجنة.
وأما الحديث الثالث: فالمثل المضروب فيه يصور مدى حرصه ﷺ على حماية الأمة من الوقوع فيما يسخط الرب ﵎ ويوجب عقابه وأليم عذابه، فهو ﷺ الموصوف بقوله تعالى: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ الآية (٢٨) من سورة سبأ. ٢ الآية (١٢٨) من سورة التوبة.
[ ١٩٣ ]
والشاهد من الحديث قوله: "أنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تقتحمون فيها" ومما لا شك فيه أن اقتحام الناس للنار ناتج عن مخالفتهم لأوامر النبي ﷺ ووقوعهم فيما نهى وحذر منه فبهذا يكون هلاكهم وعذابهم.
والمتأمل لهذه الأحاديث الثلاثة وما ضرب فيها من أمثال يدرك - إن كان له قلب وسمع سَلِيمان - ما في هذه الأحاديث من الحث على طاعة النبي ﷺ واتباعه والأجر العظيم المترتب على ذلك، كما يدرك عظم العقوبة والخسارة المترتبة على عصيانه ومخالفته وعدم الانقياد له.
والسؤال الذي يفرض نفسه ههنا هو التالي:
هل أنت ممن أطاع البشير النذير ﷺ؟
وهل أنت ممن أجاب الداعي ﷺ؟
وهل أنت ممن استجاب لتحذيره ﷺ فحمى نفسه من نار جهنم؟.
وقبل أن تعجل بالإجابة انظر إلى أعمالك وأقوالك هل هي وفق شريعته وما جاء به ﷺ أم لا؟ فههنا يكمن الجواب.
فيا سعادة من أطاعه واتبعه.
ويا خزي وندامة من خالفه وعصى أمره، والله تعالى يقول: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ ١، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا﴾ ٢.
ج- حثه ﷺ لأمته على التمسك بسنته وتحذيره من مخالفتها.
_________________
(١) ١ الآية (٢٧) من سورة الفرقان. ٢ الآية (٦٦) من سورة الأحزاب.
[ ١٩٤ ]
عن أنس بن مالك ﵁ قال: "جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ، فلما أخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ قال أحدهم: أما أنا فأنا أصلي الليل أبدا.
وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر.
وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا.
فجاء رسول الله ﷺ فقال: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني" ١.
وحديث أنس هذا يعد قاعدة جليلة من قواعد التأسي والاتباع وذلك لما حواه من توجيهات هامة جدا في هذا الشأن منها:
أ- أن الابتداع في الدين أمر مردود وغير مقبول بل يعد من الرغبة عن سنة المصطفى ﷺ والخروج عن شريعته، ومن أجل ذلك فليس لأحد كائنا من كان سوى النبي ﷺ حتى وإن كان من أصحابه - أن يشرع في هذا الدين أو يدخل فيه أمرا حتى وإن كان ذلك بدافع التقرب إلى الله. فأولئك النفر من الصحابة رضوان الله عليهم دفعهم حب التقرب إلى الله إلى أن قالوا ما قالوه من الأمور التي تعد من الرهبانية، ولما كان قولهم ذلك يعد مخالفة لما كان عليه النبي ﷺ من الحنيفية السمحة وجههم النبي ﷺ إلى الصواب وحذرهم من أن يحيدوا
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح: باب الترغيب في النكاح. انظر: فتح الباري (٩/ ١٠٤) ح ٥٦٣ واللفظ له. ومسلم في صحيحه، كتاب النكاح: باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه انظر: (٤/ ١٢٨) .
[ ١٩٥ ]
عن سنته ويرغبوا عنها بقوله "فمن رغب عن سنتي فليس مني" والمراد أن من ترك طريقتي وأخذ طريقة غيري فليس مني.
ومن هذا الحديث يعلم أن كل أمر ليس من سنته ﷺ والشرع الذي جاء به فهو أمر مبتدع مردود على صاحبه إضافة الى اعتبار فاعله راغبا عن سنة المصطفى ﷺ.
٢- حثه ﷺ على التمسك بما هو عليه وهى الحنيفية السمحة فهذا ما دل عليه قوله: "لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء".
فالإسلام دين الفطرة ونبينا ﷺ حرص بقوله هذا على سد باب التشديد المتمثل في الرهبانية فلا رهبانية في الإسلام، وفى هذا يقول ﷺ: "إن الرهبانية لم تكتب علينا" ١ فعلى هذا فهي أمر مخالف لسنته وهديه ﷺ. وعن العرباض بن سارية٢ ﵁ قال: "وعظنا رسول الله ﷺ موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون. فقلنا: يارسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا. قال: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة" ٣.
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد بن حنبل في المسند (٦/ ٢٢٦) . ٢ العرباض بن سارية السلمي أبو نجيح، صحابي مشهور من أهل الصفة، مات سنة خمس وسبعين للهجرة وقيل قبل ذلك. الإصابة (٢/ ٤٦٦) . ٣ أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٤/ ١٢٦، ١٢٧) . وأخرجه أبو داود في سننه، كتاب السنة: باب في لزوم السنة (٥/ ١٣، ١٥) ح ٤٦٠٧، وأخرجه الترمذي في سننه، كتاب العلم: باب في الأخذ بالسنة واجتناب البدعة (٥/ ٤٤) ح ٢٦٧٦ وقال: هذا حديث حسن صحيح وابن ماجة في سننه، في المقدمة: باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين (١/ ١٦) . وابن حبان في صحيحه (١/ ١٣٩) والحاكم في المستدرك (١/ ٩٦) وصححه ووافقه الذهبي، والآجري في الشريعة (٤٦، ٤٧)، والدارمي في سننه، باب اتباع السنة (١/ ٤٤، ٤٥) وقال الألباني: سنده صحيح، وصححه جماعة منهم الضياء المقدسي في اتباع السنن واجتناب البدع، انظر: مشكاة المصابيح (١/ ٥٨) ح ١٦٥.
[ ١٩٦ ]
فوصية النبي ﷺ لأصحابه ولأمته من بعدهم هي أن يتمسكوا بما سنه من أحكام وتشريعات أشد التمسك وأن يحذروا الابتداع في الدين وحكم على تلك المحدثات بالضلال والانحراف عن الطريق الذي رسمه.
وقد رسم النبي ﷺ في هذا الحديث ركيزتين أساسيتين في هذا الدين هما: ١- الاتباع، ٢- ترك الابتداع.
ولقد سار الصحابة رضوان الله عليهم على هذه الوصية النبوية وعملوا بها، فلم يحيدوا عن سنته ﷺ، بل عملوا بها ونقلوها للأمة المحمدية من بعدهم كما سمعوها منه ﷺ وكذلك فقد كانوا أشد الناس تمسكا بسنته، وأشدهم محاربة للابتداع، في الدين، وقد كان في هذا صلاحهم وفلاحهم ونجاتهم ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح أولها.
ومن المؤسف أن كثيرا من المسلمين في وقتنا الحاضر قد اختلت عندهم كلا الركيزتين فتركوا الاتباع والاقتداء بسنة النبي ﷺ حتى أصبحت السنة عندهم أمرا مستغربا مستنكرا لجهلهم بها وبعدهم عنها واستبدلوا بذلك البدع التي لا أصل لها ولا دليل عليها من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ، فاتخذوها دينا يدينون به فانعكست بذلك الموازين لديهم فأصبحوا يرون الحق باطلا والباطل حقا، والمعروف منكرا والمنكر معروفا، وما ذلك إلا لكونهم لم يعرفوا من الإسلام
[ ١٩٧ ]
إلا اسمه ولا من الدين إلا رسمه بسبب ما هم عليه من قلة العلم وعدم معرفتهم بالسنة.
فأين هؤلاء من وصية المصطفى ﷺ بأن يتبعوا ولا يبتدعوا.
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم" ١.
والشاهد من الحديث قوله ﷺ: "فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيءفأتوا منه ما استطعتم ".
وهذا التوجيه النبوي الكريم مماثل لما سبق في الأحاديث السابقة من الحث على لزوم السنة والتأكيد على اتباعها والأخذ بها إلا أنه يضيف أمرا هاما وهو أن الطاعة في جانب المأمورات تجب في حدود الاستطاعة والطاقة، وهذا من اليسر الذي امتازت به الرسالة المحمدية قال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ ٢.
ففي جانب الأوامر علينا السمع والطاعة في حدود ما نطيق ونستطيع، أما في جانب النواهي فيجب التسليم المطلق دون قيد أو شرط.
فبهذه الإضافة يتحدد معلم من معالم الطاعة يجب على المسلم أن يدركه ويعي مضمونه.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاعتصام: باب الاقتداء بسنن الرسول ﷺ. انظر: فتح الباري (١٣/ ٢٥١) ح ٧٢٨٨، ومسلم في صحيحه، كتاب الحج: باب فرض الحج مرة في العمر (٤/ ١٠٢) . ٢ الآية (٢٨٦) من سورة البقرة.
[ ١٩٨ ]
د- بيانه لمواقف الناس من الأخذ بدعوته واتباع سنته ﷺ.
عن أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "إن مثل ما بعثني الله به ﷿ من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا فكان منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله منها الناس، فشربوا منها، وسقوا، وزرعوا. وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه الله به فعَلِم وعَلَّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به"١.
وفى هذا الحديث قسم النبي ﷺ الناس - فيما يتصل بدعوته - إلى ثلاثة أقسام. وشبه ﷺ العلم الذي جاء به بالغيث لأن كلا منهما سبب الحياة، فالغيث سبب حياة الأبدان، والعلم سبب حياة القلوب.
وشبه القلوب بالأودية كما في قوله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ ٢.
وكما أن الأراضين ثلاثة بالنسبة إلى قبول الغيث:
إحداها: أرض زكية قابلة للشراب والنبات، فإذا أصابها الغيث ارتوت، ومنه يثمر النبت من كل زوج بهيج.
فذلك مثل القلب الزكي الذكي، فهو يقبل العلم بذكائه، فيثمر فيه وجوه الحكم ودين الحق بزكائه، فهو قابل للعلم، مثمر لموجبه وفقهه وأسرار معادنه.
والثانية: أرض صلبة قابلة لثبوت ما فيها وحفظه، فهذه تنفع الناس لورودها
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه ص ٤٥ ٢ الآية (١٧) من سورة الرعد.
[ ١٩٩ ]
والسقي منها والازدراع.
وهو مثل القلب الحافظ للعلم الذي يحفظه كما سمعه، فلا تصرف فيه، ولا استنبط، بل للحفظ المجرد فهو يؤدي كما سمع، وهو من القسم الذي قال فيه النبي ﷺ: "فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه غيرفقيه" ١.
فالأول: كمثل الغني التاجر الخبير بوجوه المكاسب والتجارات فهو يكسب بماله ما شاء.
والثانى: مثل الغني الذي لا خبرة له بوجوه الربح والمكسب، ولكنه حافظ لما لا يحسن التصرف والتقلب فيه.
والأرض الثالثة: أرض قاع، وهو المستوي الذي لا يقبل النبات، ولا يمسك ماء، فلو أصابها من المطر ما أصابها لم تنتفع منه بشيء.
فهذا مثل القلب الذي لا يقبل العلم والفقه والدراية، وإنما هو بمنزلة الأرض البور التي لا تنبت ولا تحفظ، وهو مثل الفقير الذي لا مال له ولا يحسن يمسك مالا.
فالأول: عالم معلم، وداع إلى الله على بصيرة، فهذا من ورثة الرسل.
والثاني: حافظ مؤد لما سمعه، فهذا يحمل لغيره ما يتجر به المحمول إليه ويستثمر.
_________________
(١) ١ أخرجه ابن ماجة في السنن (٢/ ١٨٨)، كتاب المناسك: باب الخطبة يوم النحر. وأخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٨٧)، وقال: "وفي الباب عن جماعة من الصحابة"، وقد جمع طرق هذا الحديث الشيخ عبد المحسن العباد في كتاب سماه "دراسة حديث: نضر الله امرءا سمع مقالتي رواية ودراية" وذكر أن الحديث صحيح وبلغ حد التواتر.
[ ٢٠٠ ]
والثالث: لا هذا ولا هذا، فهو الذي لم يقبل هدى الله ولم يرفع به رأسا فاستوعب هذا الحديث أقسام الخلق في الدعوة النبوية ومنازلهم.
منها قسمان: قسم سعيد، وقسم شقي"١
_________________
(١) ١ الرسالة التبوكية (ص ٥٥، ٥٦) .
[ ٢٠١ ]
المطلب الثالث: دليل الإجماع على وجوب طاعته.
الإجماع من الأمة منعقد على وجوب طاعة الرسول ﷺ واتباعه في جميع ما جاء به من ربه ﷿، وذلك لثبوت الأمر بهذا في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، بل إن الأمر بوجوب طاعته ﷺ يعد من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة التي لا يعذر إنسان بجهلها.
وقد حكى الشافعي رحمه الله تعالى إجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم، على أن من استبانت له سنة رسوله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد.
ولم يسترب أحد من أئمة الإسلام في صحة ما قاله الشافعي فإن الحجة الواجب اتباعها على الخلق كافة إنما هو قول المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى١.
وقد تمثل إجماع الأمة على وجوب طاعة الرسول ﷺ واتباعه في اعتبار السنة هي المصدر الثاني من مصادر التشريع وذلك بعد المصدر الأول الذي هو القرآن الكريم٢.
والمقصود بالسنة هنا ما صح عن النبي ﷺ من أقواله وأفعاله وتقريراته. فالصحابة والتابعون وتابعوهم ومن سار على نهجهم يؤمنون بهذا الأصل الذي هو سنة المصطفى ﷺ ويوجبون العمل والاحتجاج بها، ويعتبرونها مصدرا مستقلا في التشريع، فلا يجب عرض ما جاء عنه ﷺ على القرآن، بل يجب اتباعه وطاعته مطلقا سواء كان ما أمر به في الكتاب أو لم يكن
_________________
(١) ١ الرسالة التبوكية لابن القيم (ص ٣٧) . ٢ مجموع الفتاوى (١١/ ٣٣٩) .
[ ٢٠٢ ]
ولقد كان من مظاهر ذلك الإجماع الاعتناء بسنته وحفظها ونقلها، وتعليمها في كل عصرمن العصور.
فلقد اعتُني بالسنة فنقلها الخلف عن السلف، وحافظوا عليها، ووضعوا لها القواعد التي اعتنت بسلامتها سندا ومتنا.
والنقول عن السلف من الصحابة والتابعين وتابعيهم ومن سار على نهجهم في وجوب طاعته ﷺ واتباع ما جاء به وتعظيمهم لسنته والعمل بها كثيرة جدا. ومن تلك النقول ما يلي:
أ- الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.
- أبو بكر الصديق ﵁:
عن أبي هريرة ﵁ قال: لما توفي رسول الله ﷺ وارتد من ارتد من العرب، قال أبو بكر الصديق ﵁: والله لأقتلن من فرق بين الصلاة والزكاة. فقال له عمر ﵁: كيف تقاتلهم وقد قال النبي ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها". فقال أبو بكر الصديق: أليست الزكاة من حقها؟، والله لو منعوني عناقا١ كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها. فقال عمر ﵁: فما هو إلا أن عرفت أن الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق"٢.
_________________
(١) ١ العناق هي الأنثى من أولاد المعز ما لم يتم له سنة. النهاية (٣/ ٣١١) . ٢ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة: باب وجوب الزكاة، انظر: فتح الباري (٣/ ٢٦٢) ح ١٣٩٩، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان: باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله (١/ ٢٨) .
[ ٢٠٣ ]
فهذه الحادثة تمثل مدى تمسك خليفة رسول الله ﷺ بما كان عليه الرسول ﷺ وحرصه على تطبيق شرعه في وقت ارتد فيه أكثر العرب في جزيرة العرب، ولم يبق على الإسلام سوى أهل المدينة ومكة والطائف، ولقد تابع الصحابة أبا بكر في موقفه ذلك فقاتلوا أهل الردة بما فيهم مانعي الزكاة فكان موقفهم ذلك أوضح دليل على تعظيم السنة ووجوب العمل بها.
وقد جاءت الجدة إلى الصديق ﵁ تسأله عن ميراثها فقال لها: ليس لك في كتاب الله شيء، ولا أعلم أن رسول الله ﷺ قضى لك بشيء وسأسأل الناس. ثم سأل ﵁ الصحابة فشهد عنده بعضهم بأن النبي ﷺ أعطى الجدة السدس فقضى لها بذلك١.
وفي هذا دليل على: تمسك الصديق بسنة المصطفى والعمل بها، وقال ﵁: "لست تاركا شيئا كان رسول الله ﷺ يعمل به إلا عملت به، إني أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ"٢.
وعن ابن سيرين٣ قال: "لم يكن أحد أهيب بما لا يعلم من أبي بكر
_________________
(١) ١ أخرجه مالك في الموطأ، كتاب الفرائض: باب ميراث الجدة (ص ٣٤٦) رقم،١٠٨٧ وأخرجه أبو داود في السنن، كتاب الفرائض: باب ما جاء في ميراث الجدة (٣/ ٣١٦، ٣١٧) ح ٢٨٩٤، وأخرجه الترمذي في السنن، كتاب الفرائض: باب ما جاء في ميراث الجدة (٤/ ٤١٩، ٤٢٠) ح ٢١٠٠، ٢١٠١، وأخرجه ابن ماجه في السنن، أبواب الفرائض، باب ميراث الجدة (٢/ ١٢٠) ح ٢٧٥٦. ٢ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فرض الخمس: باب فرض الخمس فتح الباري (٦/ ١٩٧) ح ٣٠٩٣، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجهاد والسير: باب قول النبي ﷺ: "لا نورث وما تركنا صدقة" (٥/ ١٥٥) . ٣ محمد بن سيرين الأنصاري مولاهم، مولى أنس بن مالك، تابعي جليل كان إمام وقته، مات سنة ١١٠ هـ. تهذيب التهذيب (٩/ ٢١٤، ٢١٧) .
[ ٢٠٤ ]
﵁، ولم يكن أحد بعد أبي بكرأهيب بما لا يعلم من عمررضي الله عنه وإن أبا بكر نزلت به قضية فلم يجد في كتاب الله منها أصلا، ولا في السنة أثرا فاجتهد برأيه، ثم قال هذا رأي فإن كان صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني وأستغفر الله"١.
- عمر بن الخطاب ﵁:
ورد عنه أنه كان يقول: "إن أصدق القيل قيل الله، ألا وإن أحسن الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة ضلالة"٢
وكان عمر ﵁ يوصي عماله أن يقضوا بين الناس بكتاب الله فإن لم يجدوا القضية في كتاب الله فبسنة رسول الله ﷺ فعن الشعبي٣ عن شريح٤ أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب إليه إن جاءك شيء في كتاب الله فاقض به ولا يلتفتك عنه الرجال، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله فانظر سنة رسول الله ﷺ فاقض بها، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله ولم يكن فيه سنة من رسول الله ﷺ فانظر ما اجتمع عليه الناس فخذ به، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله ولم يكن في سنة رسول الله ﷺ ولم يتكلم فيه أحد من قبلك فاختر أي الأمرين شئت: إن شئت أن تجتهد برأيك ثم تقدم فتقدم، وإن
_________________
(١) ١ إعلام الموقعين (١/ ٥٤) . ٢ السنة للالكائي (١/ ٨٤) ح ١٠٠، والبدع والنهي عنها لابن وضاح (ص ٢٤) . ٣ عامر بن شراحيل الشعبي: أهله من حمير اليمن، قال فيه مكحول: "ما رأيت أحدا أعلم بسنة ماضية من الشعبي وقد تولى القضاء في عهد عمر بن عبد العزيزعلى الكوفة، توفي سنة ١٠٥ هـ وقيل قبل ذلك. تهذيب التهذيب (٥/ ٦٥- ٦٩) . ٤ شريح بن الحارث بن قيس الكندي، القاضي،، مخضرم، ثقة، استقضاه عمر. مات قبل الثمانين أوبعدها. تهذيب التهذيب (٤/ ٣٢٦، ٣٢٨) .
[ ٢٠٥ ]
شئت أن تتأخر فتأخر ولا أرى التأخر إلا خيرا لك"١.
وروى البخاري بسنده عن أبي وائل٢ قال: جلست إلى شيبة في هذا المسجد، قال: جلس إلي عمر في مجلسك هذا فقال: هممت أن لا أدع فيها صفراء ولا بيضاءإلا قسمتها بين المسلمين. قلت: ما أنت بفاعل. قال: لم؟ قلت: لم يفعله صاحباك. قال: هما المرءان يقتدى بهما"٣.
وعن عبد الله بن عمررضي الله عنهما قال: قيل لعمرألا تستخلف؟، قال: إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني أبو بكر، وإن أترك فقد ترك من هو خير مني رسول الله ﷺ. فأثنوا عليه، فقال: راغب وراهب٤ وددت أني نجوت منها كفافا لا لي ولا علي لا أتحملها حيا وميتا"٥.
_________________
(١) ١ أخرجه الدارمي في السنن (١/ ٦٠)، وأورده السيوطي في مفتاح الجنة (ص ٤٦) وعزاه للبيهقي والدارمي. ٢ شقيق بن سلمة الأسدي أبو وائل الكوفي، أدرك النبي ﷺ ولم يره. قال ابن معين: "ثقة لا يسأل عن مثله" مات سنة ٨٢ هـ. تهذيب التهذيب (٤/ ٣٦١، ٣٦٣) . ٣ أخرجه في صحيحه، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة: باب الاقتداء بسنن رسول الله ﷺ. انظر: فتح الباري (١٣/ ٢٤٩) ح ١٢٧٥. ٤ قال ابن حجر: "قال ابن بطال: يحتمل أمرين: أحدهما: أن الذين أثنوا عليه إما راغب في حسن رأيي فيه وتقريري له، وإما راهب من إظهار ما يضره من كراهته. أو المعنى راغب فيما عندي وراهب مني. أو المراد الناس راغب في الخلافة وراهب منها، فإن وليت الراغب فيها خشيت أن لا يعان عليها، وان وليت الراهب منها خشيت أن لا يقوم بها. وذكر القاضي عياض توجيها آخر: أنهما وصفان لعمر أي راغب فيما عند الله، وراهب من عقابه فلا أعول على ثنائكم وذلك يشغلني عن العناية بالاستخلاف عليكم فتح الباري (٣/ ٢٠٧) . ٥ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأحكام: باب الاستخلاف واللفظ له. انظر: فتح الباري (١٣/ ٢٥٥، ٢٥٦) . وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة: باب الاستخلاف وتركه (٦/٤، ٥) .
[ ٢٠٦ ]
وجاء في رواية لمسلم قال عبد الله: فوالله ما هوإلا أن ذكر رسول الله ﷺ وأبا بكرفعلمت أنه لم يكن ليعدل برسول الله ﷺ أحدا وأنه غير مستخلف"١.
فعمر بن الخطاب رضي الئه عنه تمسك بسنة رسول الله ﷺ وقدمها على سنة أبي بكر مع أن العمل بها جائز عنده.
ولما قبل ﵁ الحجر الأسود قال: "أما والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ استلمك ما استلمتك"٢.
- عثمان بن عفان٣ ﵁:
عن زينب بنت كعب بن عجرة٤ أن الفريعة بنت مالك بن سنان٥ وهي أخت أبي سعيد الخدري، أخبرتها: "أنها جاءت إلى رسول الله ﷺ تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خدرة، وأن زوجها خرج في طلب أعبد له أبقوا حتى إذا كان بطرف القدوم لحقهم فقتلوه. قالت: فسألت رسول الله ﷺ أن أرجع إلى أهلي فإن زوجي لم يترك لي مسكنا يملكه ولا نفقة. قالت: فقال
_________________
(١) ١ أخرجه في صحيحه، كتاب الإمارة، باب الاستخلاف وتركه (٦/ ٥) ٢ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحج: باب الرمل في الحج والعمرة، واللفظ له. انظر: فتح الباري (٣/ ٤٧١) ح ١٦٠٥، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج: باب استحباب تقبيل الحجر الأسود في الطواف (٤/ ٦٧) . ٣ عثمان بن عفان، ولد بعد الفيل بست سنين، أسلم على يد الصديق، وقد تزوج بنتي رسرل الله ﷺ: رقية وأم كلثوم ولذلك سمي ذا النورين، وقد ولي الخلافة سنة ٢٤ هـ، وقعت في عهده الفتنة فقتل ﵁ سنة ٣٥ هـ. تهذيب التهذيب (٧/ ١٣٩، ١٤٢) . ٤ زينب بنت كعب بن عجرة صحابية تزوجها أبو سعيد الخدري. الإصابة (٤/ ٣١٢) . ٥ الفريعة بنت مالك بن سنان الخدرية، صحابية جليلة وقصتها مذكورة في الحديث الذي معنا. الإصابة (٤/ ٣٧٥) .
[ ٢٠٧ ]
رسول الله ﷺ: "نعم". قالت: فانصرفت حتى إذا كنت في الحجرة (أو في المسجد) نادانى رسول الله ﷺ، أو أمر لي فنوديت له، فقال: "كيف قلت؟ "، قالت: فرددت عليه القصة التي ذكرت له من شأن زوجي. قال: "امكثى في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله". قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا. قالت: فلما كان عثمان أرسل إلي فسألني عن ذلك فأخبرته وقضى به"١.
والشاهد من هذا الحديث أن عثمان لما أشكل عليه حكم اعتداد المرأة في بيتها بعد وفاة زوجها، أرسل إلى الفريعة بنت مالك يسألها فأخبرته أن النبي ﷺ أمرها بعد وفاة زوجها أن تمكث في بيته حتى يبلغ الكتاب أجله. فقضى عثمان ﵁ بسنة المصطفى ﷺ.
- علي بن أبي طالب ﵁:
لما بلغه أن عثمان ﵁ ينهى عن متعة الحج، أهل علي ﵁ بالعمرة والحج جميعا وقال: "ما كنت لأدع سنة النبي ﷺ لقول أحد"٢. وعنه ﵁ أنه قال: "ألا إني لست بنبي ولا يوحى إلي ولكني
_________________
(١) ١ أخرجه الإمام مالك في الموطأ (٢/ ٥٩١) في الطلاق، باب مقام المتوفي عنها زوجها في بيتها وأخرجه أبو داود في السنن، كتاب الطلاق، باب في المتوفي عنها تنتقل (٢/ ٧٢٣، ٧٢٤) ح ٢٣٠٠، وأخرجه الترمذي في سننه، كتاب الطلاق: باب ما جاء أين تعتد المتوفي عنها زوجها واللفظ له، وقال: هذا حديث حسن صحيح (٣/ ٥٠٨) ح ١٢٠٤، وأخرجه النسائي، في السنن الصغرى: كتاب الطلاق باب مقام المتوفي عنها زوجها في بيتها حتى تحل (٦/ ١٩٩) . ٢ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحج: باب التمتع والقران والإفراد بالحج انظر فتح الباري (٣/ ٤٢١)، وأخرجه مسلم في صحيحه كتاب الحج، باب جواز التمتع (٤/ ٤٦) .
[ ٢٠٨ ]
أعمل بكتاب الله وسنة محمد ﷺ ما استطعت"١.
- أبي بن كعب وضي الله عنه ٢:
روي عنه أنه قال: "عليكم بالسبيل والسنة فإنه ما على الأرض من عبد على السبيل والسنة ذكر الله في نفسه ففاضت عيناه من خشية ربه فيعذبه الله أبدا، وما على الأرض من عبد على السبيل والسنة ذكر الله في نفسه فاقشعر جلده من خشية الله إلا كان مثله كمثل شجرة قد يبس ورقها فهي كذلك إذ أصابتها ريح شديدة، فتحات عنها ورقها، إلا حط الله خطاياه كما تحات من الشجرة ورقها، فإن اقتصادا في سبيل وسنة خير من اجتهاد في خلاف سبيل وسنة وموافقة بدعة، وانظروا أن يكون عملكم إن كان اجتهادا واقتصادا أن يكون على منهج الأنبياء وسنتهم"٣.
- عبد الله بن عباس ﵄:
روي عنه أنه قال: "من أحدث رأيا ليس في كتاب الله ولم تمض به سنة من رسول الله ﷺ لم يدر ما هو عليه إذا لقي الله ﷿"٤.
وعنه ﵁ قال: "عليك بتقوى الله والاستقامة واتبع ولا تبتدع"٥
_________________
(١) ١ أورده القاضي عياض في الشفا (٢/ ٥٥٦) . ٢ أبي بن كعب الأنصاري، كان من أصحاب العقبة الثانية وشهد بدرا فما بعدها سيد القراء وهو أول من كتب للنبي ﷺ، توفي سنة ٢٢ هـ. الإصابة (١/ ٣١- ٣٢) . ٣ أخرجه ابن المبارك في الزهد (٢/ ٢١، ٢٢) واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (١/ ٥٤)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢٥٢- ٢٥٣) . ٤ أخرجه الدارمي في سننه، باب الفتيا وما فيه من الشدة (١/ ٥٧) وأخرجه ابن وضاح في البدع والنهي عنها، باب تغيير البدع (ص ٣٨) . وأورده الشاطبي في الاعتصام (١/ ٨١) . ٥ أخرجه الدارمي في سننه، باب من هاب الفتيا وكره التنطع والتبدع (١/ ٥٣) .
[ ٢٠٩ ]
- عبد الله بن مسعود ﵁:
روي عنه ﵁ أنه قال: "اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم" ١، وعنه أنه قال: "إنا نقتدي ولا نبتدئ ونتبع ولا نبتدع ولن نضل ما تمسكنا بالأثر"٢. وعنه ﵁ أنه قال: "الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة"٣.
- عبد الله بن عمررضي الله عنهما:
فعن سالم بن عبد الله٤ أن عبد الله بن عمر ﵄ قال: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تمنعوا نساءكم المساجد إذا استأذنكم إليها". فقال بلال بن عبد الله٥: والله لنمنعهن. قال: فأقبل عليه عبد الله فسبه سبا سيئا ما سمعته سبه مثله قط. وقال: أخبرك عن رسول الله ﷺ وتقول والله لنمنعهن٦.
_________________
(١) ١ أخرجه الدارمي في سننه، باب في كراهة أخذ الرأي (١/ ٦٩)، وأخرجه ابن وضاح في البدع والنهي عنها، باب ما يكون من بدعة (ص ١٠)، وأخرجه اللالكائي في السنة (١/ ٨٦) ح ١٠٤، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٨١): رجاله رجال الصحيح. ٢ أخرجه اللالكائى في السنة (١/ ٨٦) ح ١٠٦. ٣ أخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ١٠٣) وقال على شرطهما وأقره الذهبي، واللالكائى في السنة (١/ ٥٥) ح ١٤، وابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص ١١) وابن عبد البر في جامعه (٢/ ٢٣٠) . وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٨٨) رجاله ثقات. ٤ سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، أحد فقهاء المدينة السبعة ومن أفاضل التابعين، مات سنة ١٠٦ هـ. تهذيب التهذب (٣/ ٤٣٧، ٤٣٨) . ٥ بلال بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، ذكره مسلم في الطبقة الأولى من المدنيين وعده يحي القطان في فقهاء أهل المدينة. تهذيب التهذيب (١/ ٥٥٤) . ٦ أخرجه بهذا اللفظ مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة: باب خروج النساء إلى المساجد (٢/ ٣٢) .
[ ٢١٠ ]
قال ﵁: "يا معشر القراء استقيموا فقد سبقتم سبقا بعيدا، فإن أخذتم يمينا وشمالا لقد ضللتم ضلالا بعيدا"١.
قال ابن حجر: "فقوله: "يا معشر القراء" المراد بهم العلماء بالقرآن والسنة العباد. وقوله: "استقيموا" أي اسلكوا طريق الاستقامة وهي كناية عن التمسك بأمر الله فعلا وتركا. وقوله "سبقتم" بفتح أوله كما جزم به ابن التين وحكى غيره ضمه والأول المعتمد، والمراد أنه خاطب بذلك من أدرك أوائل الإسلام فإذا تمسك بالكتاب والسنة سبق إلى كل خير لأن من جاء بعده إن عمل بعمله لم يصل إلى ما وصل إليه من سبقه إلى الإسلام، وإلا فهو أبعد منه حسا وحكما. وقوله "فإن أخذتم يمينا وشمالا" أي خالفتم الأمر المذكور. وكلام حذيفة منتزع من قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ "٢.
ب- من أقوال التابعين ومن بعدهم:
- عمر بن عبد العزيز٣ رحمه الله تعالى:
فمما نقل عنه أنه كتب عامل له يسأله عن الأهواء؟، فكتب إليه: "أما بعد فإني أوصيك بتقوى الله والاقتصاد في أمره واتباع سنته
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاعتصام، باب الاقتداء انظر: فتح الباري (٣/ ٣٥٠) ٢ فتح الباري (١٣/ ٢٥٧) باختصار يسير. ٣ عمر بن عبد العزيز، الخليفة الأموي الصالح عده بعضهم خامس الخلفاء، ولي الخلافة عام ٩٩ هـ، وتوفي عام ١٠١ هـ، وله أخبار في العدل والزهد كثيرة. تذكرة الحفاظ (١/ ١١٨) .
[ ٢١١ ]
وسنة رسوله ﷺ، وترك ما أحدث المحدثون بعده مما جرت به سنته وكفوا مؤنته، فعليك بلزوم السنة فإنها لك بإذن الله عصمة "١
وروي عنه أنه قال: "سن رسول الله ﷺ وولاة الأمر من بعده سننا، الأخذ بها تصديق بكتاب الله، واستكمال لطاعة الله وقوة على دين الله، من عمل بها فهو مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيرا"٢.
- محمد بن مسلم الزهري٣:
روي عنه أنه قال: "كان من مضى من علمائنا يقولون الاعتصام بالسنة نجاة، والعلم يقبض قبضا سريعا، فنعش العلم ثبات الدين والدنيا، وفي ذهاب العلم ذهاب ذلك كله"٤.
- مجاهد بن جبر٥:
روي عنه أنه قال عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية.
_________________
(١) ١ الشريعة للآجري (ص ٤٨)، وكتاب البدع والنهي عنها لابن وضاح (ص ٣٠)، وكتاب الاعتصام للشاطبي (١/ ٥٠)، وجامع بيان العلم وفضله (ص ٢١) . ٢ الشريعة للآجري (ص ٤٨)، وجامع بيان العلم وفضله (٢/ ٣٢)، والاعتصام للشاطبي (١/ ٨٧) . ٣ تابعي من أهل المدينة، أول من دون الحديث وهو من كبار الحفاظ الفقهاء، لقي بعض الصحابة قال مالك: "بقي ابن شهاب وما له في الدنيا نظير"، توفي عام ١٢٤ هـ. التذكرة (١٠٨)، والبداية (٩/ ٣٤٥) . ٤ أخرجه الدارمي في سننه (١/ ٤٥) باب اتباع السنة. ٥ هو مجاهد بن جبر المكي تابعي إمام في التفسير، مات في السجود عام ١٠٤ هـ وقيل ١٠٣ هـ. التذكرة (٩٢)، والتهذيب (١٠/ ٤٢) .
[ ٢١٢ ]
قال الرد إلى الله: الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول: الرد إلى السنة"١.
- أبو العالية٢:
روي عنه أنه قال: "تعلموا الإسلام، فإذا تعلمتموه فلا ترغبوا عنه، وعليكم بالصراط المستقيم فإنه الإسلام، ولا تحرفوا الصراط يمينا أو شمالا، وعليكم بسنة نبيكم، وما كان عليه أصحابه"٣.
- أيوب السختياني٤:
روي عنه أنه قال: "إذا حُدث الرجل بسنة فقال: دعنا من هذا وأنبئنا عن القرآن، فاعلم أنه ضال"٥.
ج- الأئمة الأربعة:
- أبو حنيفة النعمان٦:
روي عنه قوله ﵀: "إذا جاء عن النبي ﷺ فعلى الرأس والعين،
_________________
(١) ١ أخرجه الطبري في تفسيره (٨/ ٥٠٥) . ٢ أبو العالية رُفيع - بضم الراء مصغرا - بن مهران الرياحي - مولى امرأة من بني رياح، قال أبو بكر ابن أبي داود: "ليس أحد أعلم بالقرآن بعد الصحابة من أبي العالية"، توفي عام ١٣ هـ. التذكرة (٦١)، والطبقات (٧/ ١١٢)، واللباب (٢/ ٤٦) . ٣ أخرجه ابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص ٣٢)، وأورده الشاطبي في الإعتصام (١/ ٨٥) ٤ هو: أبو بكر أيوب بن أبي تميمة السختيانى - بفتح السين - نسبة إلى عمل السختيان وبيعه - وهي الجلود الضأنية - قال ابن سعد: "كان أيوب ثفة ثبتا في الحديث جامعا عدلا ورعا كثير العلم حجة"، توفي سنة ١٣١ هـ. انظر: الطبقات (٧/ ٢٤٦)، واللباب (٢/ ١٠٨) ٥ أورده السيوطي في مفناح الجنة (ص ٣٥) وعزاه للبيهقي. ٦ أبو حنيفة هو النعمان بن ثابت التيمي مولاهم الكوفي، أحد الأئمة الأربعة وإليه ينتسب الأحناف ولد سنة ٨٠ هـ، وتوفي سنة ١٥٠ هـ. البداية (١٠/ ١٠٧) .
[ ٢١٣ ]
وإذا جاء عن أصحاب رسول الله ﷺ نختار من قولهم، وإذا جاء عن التابعين زاحمناهم"١
وروي عنه قوله: "آخذ بكتاب الله، فما لم أجد فبسنة رسول الله ﷺ، فإن لم أجد في كتاب الله ولا سنة أخذت بقول أصحابه، آخذ بقول من شئت منهم، وأدع قول من شئت منهم ولا أخرج من قولهم إلى قول غيرهم "٢.
- مالك بن أنس (إمام دار الهجرة):
قال رحمه الله تعالى: "من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدا خان الرسالة، لأن الله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، فما لم يكن يومئذ دينا فلا يكون اليوم دينا"٣.
وكان ﵀ كثيرا ما يقول:
وخير أمور الدين ما كان سنة وشر الأمور المحدثات البدائع٤
ومن قوله كذلك: "قبض رسول الله ﷺ وقد تم هذا الأمر واستكمل، فإنما ينبغي أن نتبع آثار رسول الله ﷺ ولا نتبع الرأي"٥.
وجاء رجل إلى مالك فسأله عن مسألة فقال له: قال رسول الله ﷺ كذا وكذا، فقال الرجل: أرأيت، فقال مالك: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٦
_________________
(١) ١ المدخل إلى السنن الكبرى للبيهقي (ص ١١١) بتحقيق محمد ضياء الرحمن الأعظمي. ٢ المدخل إلى السنن (ص ٢٠٤) . ٣ الإعتصام للشاطبي (١/ ٤٩) . ٤ الاعتصام للشاطبي (١/ ٨٥) . ٥ المصدر السابق (١/ ١٠٥) . ٦ المدخل إلى السنن الكبرى للبيهقي (ص ٢٠١) .
[ ٢١٤ ]
- محمد بن إدريس الشافعي:
ورد عنه أنه قال: "الحجة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ واتفاق الأئمة"١، وقال: "ليس في سنة رسول الله ﷺ إلا اتباعها"٢
وروى ﵀ يوما حديثا فقال له رجل: أتأخذ بهذا يا أبا عبد الله؟، فقال: متى ما رويت عن رسول الله حديثا صحيحا فلم آخذ به فأشهدكم أن عقلي قد ذهب"٣.
وروي عنه أنه قال: "إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله ﷺ فقولوا بسنة رسول الله ﷺ ودعوا ما قلت"٤.
وروي عنه أنه قال: "آمنت بما جاء عن الله، وبما جاء عن رسول الله ﷺ على مراد رسول الله"٥.
- أحمد بن حنبل (إمام أهل السنة):
ورد عنه قوله: "أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ والاقتداء بهم وترك البدع وكل بدعة فهي ضلالة، وترك الخصومات والجلوس مع أصحاب الأهواء، وترك المراء والجدال والخصومات في الدين.
_________________
(١) ١ رسالة التقليد لابن القيم (ص ٨٣) . ٢ الشفا (٢/ ٥٥٨) . ٣ المدخل إلى السنن الكبرى للبيهقي (ص ٢٠٥) رقم ٢٥٠، وأخرجه ابن أبي حاتم في آداب الشافعي ومناقبه (ص ٦٧)، وأبو نعيم في الحلية (٩/ ١٠٦)، والخطيب في الفقيه والمتفقه (١/ ١٥٠)، وأورده السيوطي في مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة (ص ٤٩، ٥٠) . ٤ أخرجه الخطيب في الفقيه والمتفقه (١/ ١٥٠)، والمدخل إلى السنن (ص ٢٠٥)، والحلية (٩/ ١٠٧) . ٥ مجموع الفتاوى (٤/ ٢) .
[ ٢١٥ ]
والسنة عندنا آثار رسول الله ﷺ، والسنة تفسر القرآن وهي دلائل القرآن، وليس في السنة قياس، ولا تضرب لها الأمثال ولا تدرك بالعقول ولا الأهواء إنما هي الاتباع وترك الهوى"١.
وقال أيضا: "الاتباع أن يتبع الرجل ما جاء عن النبي ﷺ وأصحابه ثم هو بعد مع التابعين مخير"٢.
وما أوردته من آثار وأقوال عن السلف ههنا إنما هو عبارة عن نماذج لما ورد عنهم في هذا الشأن٣.
ويتضح من خلال تلك النصوص إجماع سلف الأمة وأئمتها على وجوب الأخذ بسنة المصطفى ﷺ والتمسك بها في كل الجوانب واتباع ما جاء به ﷺ اعتقادا وقولا وعملا. والتحذير من مخالفة السنة والابتداع فيها وتقديم الهوى والرأي عليها.
_________________
(١) ١ السنة للالكائي (١/ ١٥٦) . ٢ إيقاظ همم أولي الأبصار (ص ١١٣) . ٣ من أراد الاستزادة من أقوال السلف في هذا الشأن فعليه بالكتب التالية: أ- أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للحافظ اللالكائي. ب- المدخل إلى السنن الكبرى للبيهقي. ج- الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع للسيوطي. د- مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة للسيوطي
[ ٢١٦ ]
المبحث الثاني: منهج السلف في اتباعه وطاعته
المطلب الأول: منهجهم في الاتباع
المطلب الأول: منهجهم في الاتباع.
بعث الله ﵎ رسوله ﷺ بالرسالة الجامعة الخاتمة ألا وهي رسالة الإسلام التي ارتضاها ﷿ لتكون دينا ومنهاجا، يسير عليه الجن والإنس في حياتهم الدنيا حتى يتم لهم صلاح معاشهم الذي هم فيه، ومعادهم الذي سيصيرون إليه.
ولقد شاء ﵎ أن يجعل لهذه الرسالة مصدرين للتلقي هما:
١- القرآن الكريم، ٢- السنة النبوية.
فالقرآن الكريم هو المصدر التشريعي الأول في الإسلام وهو كلام الله المنزل على رسوله ﷺ بواسطة جبريل ﵇.
والسنة هي المصدر الثاني لأنها مبينة لأحكامه موضحة لإبهامه ومخصصة لعمومه ومقيدة لإطلاقه وشارحة لأحكامه وأهدافه.
قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ٢.
فالرسول ﷺ كما خص بالوحي المتلو وهو القرآن الكريم كذلك خص بالوحي غير المتلو وهو السنة التي لا مندوحة عن اتباعها.
_________________
(١) ١ الآية (٤٤) من سورة النحل. ٢ الآية (٦٤) من سورة النحل.
[ ٢١٨ ]
قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ . وقال ﷺ: "ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه" ١. وبناء على ذلك فإن القرآن والسنة هما المنهلان العظيمان اللذان تستقي منهما الأمة المسلمة عقيدتها وشريعتها وكل ما فيه صلاح شؤونها في دنياها وآخرتها وهما المنهاج والنبراس الذي سار عليه السلف من الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم، في طاعتهم واتباعهم للنبي ﷺ، وذلك لاعتقادهم أن النبي ﷺ قد جاء بهذين الأصلين وحيا من عند الله ﷿، كما أنه أمر باتباعهما والأخذ بما فيهما اعتقادا وقولا وعملا. قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، فهم من هذا المنطلق التزموا وتمسكوا بالقرآن والسنة وتلقوهما بالقبول والتسليم والإيمان والتعظيم فأحلوا حلالهما وحرموا حرامهما واتخذوا منهما منهجا لجميع شؤونهم وأحوالهم يرجعون إليه امتثالا لنداء الله حيث قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ .
قال ابن القيم: "إن الناس أجمعوا أن الرد إلى الله سبحانه هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول ﷺ هو الرد إليه نفسه في حياته وإلى سنته بعد وفاته"٢.
_________________
(١) ١ أخرجه أبو داود في سننه، كتاب السنة: باب في لزوم السنة (٥/ ١٠) ح ٤٦٠٤ وأخرجه الإمام أحمد في المسند (٢/ ٢٤٣) . ٢ إعلام الموقعين (١/ ٤٩، ٥٥) .
[ ٢١٩ ]
ومن هذين الأصلين - الكتاب والسنة - استقى السلف المسلك القويم والمنهج السليم الذي ساروا عليه في طاعتهم واتباعهم لرسولهم ونبيهم محمد ﷺ وهذا المنهج يمكن تلخيصه في النقاط الرئيسية التالية:
أولا: اتباع القرآن الكريم:
فالقرآن الكريم هو كلام الله المنزل على نبيه محمد ﷺ وحيا بواسطة جبريل ﵇، والذي تولى الله ﷾ حفظه بقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ١.
كما جعله نظاما ومنهجا يهتدي به عباده المؤمنون كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ ٢.
ولقد اعتنى السلف بكتاب الله ﷿ فحفظوه في صدورهم ومصاحفهم وصاروا يتلونه آناء الليل وأطراف النهار، وينفذون أحكامه وشرائعه جيلا بعد جيل في جميع جوانب حياتهم الفردية، والاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، وغيرها من الأمور الدنيوية والأخروية.
كما تفرغ عبر القرون ثلة من خيارهم لدراسته وتفسيره واستنباط أحكامه ومعرفة ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، والاعتبار بدعوته وقصصه، ووعظه وإرشاداته وأمثاله.
وهذا الموقف من السلف الصالح يمثل مظهرا من مظاهر التأسي والاقتداء بما كان عليه النبي ﷺ، كما يعد تطبيقا عمليا لما أوصى به ﵊ أمته
_________________
(١) ١ الآية (٩) من سورة الحجر. ٢ الآية (٢) من سورة البقرة.
[ ٢٢٠ ]
حيث قال: "تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله " ١
ثانيا: اتباع سنته ﷺ والعمل بها:
فلقد أوجب الله على العباد طاعة رسوله ﷺ واتباعه وقد تقدم إيراد الأدلة على ذلك٢.
ولقد عمل السلف بما أوجبه الله تعالى فأخذوا بسنة نبيهم ﷺ وعملوا بها أمرا ونهيا وخبرا، فكانت أقواله وأفعاله وتقريراته هي المصدر الثاني بعد كتاب الله ﷿ الذي تستقي منه الأمة أحكامها وتشريعاتها في شتى شؤون حياتها. ويعتقد السلف أن للسنة استقلاليتها في تشريع الأحكام وهي كالقرآن في تحليل الحلال وتحريم الحرام، فالأحكام التي سكت القرآن عن بيان حكمها وورد في السنة بيانها، فإن السلف يعملون بهذه الأحكام ويأخذون بها، ولا يرون أن هناك تعارضا البتة بين الأصلين.
كما يعتقد السلف أن علاقة السنة بالمصدر الأول الذي هو القرآن تسير وفق الأوجه الثلاثة التالية:
١- أن تكون السنة موافقة للقرآن من كل وجه، فيكون توارد القرآن والسنة على الحكم الواحد من باب توارد الأدلة وتضافرها وذلك مثل الأحاديث التي تفيد وجوب الصلاة والزكاة والحج والصوم من غير تعرض لشرائطها وأركانها.
٢- أن تكون بيانا لما أريد بالقرآن وتفسيرا له، وذلك مثل الأحاديث التي فصلت أحكام وهيئات الصلاة والصيام والحج والبيوع والمعاملات التي وردت مجملة في القرآن، وهذا القسم هو أغلب ما في السنة وأكثرها ورودا.
_________________
(١) ١ تفدم تخريجه ص ١٢٠ ٢ انظر: المبحث الأول من هذا الفصل.
[ ٢٢١ ]
٣- أن تكون موجبة لحكم سكت القرآن على إيجابه، أو محرمة لما سكت عن تحريمه، كالأحاديث التي أثبتت حرمة الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، وأحكام الشفعة وغير ذلك.
فالسنة الصحيحة لا تخرج عن هذه الضوابط، كما أنها لا تعارض القرآن بوجه ما، فما كان منها زائدا على القرآن فهو تشريع مبتدأ من النبي ﷺ تجب طاعته فيه ولا تحل معصيته، وليس هذا تقديما لها على كتاب الله، بل امتثال لما أمر الله به من طاعة رسوله التي أمر الله بها على جهة الاستقلال فقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ فهذه الطاعة المأمورون بها هي طاعة مختصة به صلى الله عليه وسلم١، ويجب علينا العمل بها.
فالسلف يؤمنون "بأن الله سبحانه نصَّب رسول الله ﷺ منصب المبلغ المبين عنه، فكل ما شرعه للأمة فهو بيان منه عن الله أن هذا شرعه ودينه، ولا فرق يين ما يبلغه عنه من كلامه المتلو ومن وحيه الذي هو نظير كلامه في وجوب الاتباع، ومخالفة هذا كمخالفة هذا.
فعلى سبيل المثال فإن الله أمرنا بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان، ثم جاء البيان عن رسوله ﷺ بمقادير ذلك وصفاته وشروطه، فوجب على الأمة قبوله، إذ هو تفصيل لما أمر الله به، كما يجب علينا قبول الأصل المفصل، وهكذا أمر الله سبحانه بطاعته وطاعة رسوله، فإذا أمر الرسول بأمر، كان تفصيلا وبيانا للطاعة المأمور بها، وكان فرض قبوله
_________________
(١) ١ إعلام الموقعين (٢/ ٣٠٧، ٣٠٨) .
[ ٢٢٢ ]
كفرض قبول الأصل المفصل، ولا فرق بينهما، والبيان من النبي ﷺ على أقسام:
أحدها: بيان نفس الوحي بظهوره على لسانه بعد أن كان خفيا.
الثاني: بيان معناه وتفسيره لمن احتاج إلى ذلك كما بين أن الظلم المذكور في قوله ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ ١ هو الشرك وأن الحساب اليسير هو العرض وأن الخيط الأبيض والأسود هما بياض الليل وسواد النهار.
الثالث: بيانه بالفعل كما بين أوقات الصلاة للسائل بفعله.
الرابع: بيان ما سئل عنه من الأحكام التي ليست في القرآن فنزل القرآن ببيانها، كما سئل عن قذف الزوجة فجاء القرآن باللعان ونظائره.
الخامس: بيان ما سئل عنه بالوحي وإن لم يكن قرآنا، كما سئل عن رجل أحرم في جبة بعدما تضمخ بالخلوق فجاء الوحي بأن ينزع عنه الجبة ويغسل أثر الخلوق.
السادس: بيانه للأحكام بالسنة ابتداءً من غير سؤال، كما حرم عليهم لحوم الحمر، والمتعة، وصيد المدينة، ونكاح المرأة على عمتها وخالتها وأمثال ذلك.
السابع: بيانه للأمة جواز الشيء بفعله هو له، وعدم نهيهم عن التأسي به.
الثامن: بيان جواز الشيء بإقراره لهم على فعله وهو يشاهده، أو يعلمهم يفعلونه.
التاسع: بيانه إباحة الشيء عفوا بالسكوت عن تحريمه وإن لم يأذن فيه نطقا.
العاشر: أن يحكم القرآن بإيجاب شيء أو تحريمه أو إباحته ويكون لذلك الحكم شروط وموانع وقيود وأوقات مخصوصة وأحوال وأوصاف، فيحيل الرب ﷾ على رسوله في بيانها كقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا
_________________
(١) ١ الآية (٨٢) من سورة الأنعام.
[ ٢٢٣ ]
وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ ١ فالحل موقوف على شروط النكاح وانتفاء موانعه وحضور وقته وأهلية المحل"٢.
ومن هذا المفهوم والتصور الواضح لأهمية السنة ومكانتها ودورها في التشريع انطلقت أفعال السلف مترجمة لهذا التصور فكان من تلك الأفعال أن اعتنى السلف بالسنة فتضافرت جهود العلماء من لدن الصحابة والتابعين على حفظ السنة والعناية بها وصيانتها فحظيت منذ ذلك الحين بسياج من الحماية منقطع النظير، وقد اتبع الصحابة في ذلك كل سبيل يحفظ للسنة نورها وصفاءها، وكان من ذلك التحري والتثبت في روايتها خشية الوقوع في الخطأ وخوفا من أن يتسرب إليها التصحيف والتحريف، بل إن بعضهم فضل الإقلال من الرواية. قال ابن قتيبة٣: "كان عمر شديد الإنكار على من أكثر الرواية أو أتى بخبر الحكم لا شاهد له عليه، وكان يأمرهم بأن يقلوا من الرواية يريد بذلك أن لا يتسمع الناس فيها ويدخلها الشوب ويقع التدليس والكذب من المنافق والفاجر والأعرابي. وكان كثير من جلة الصحابة وأهل الخاصة برسول الله ﷺ كأبي بكر والزبير٤ وأبي عبيدة٥ والعباس بن عبد المطلب يقلون الرواية عنه بل كان
_________________
(١) ١ الآية (٢٤) من سورة النساء. ٢ أعلام الموقعين (٢/ ٣١٤، ٣١٥) . ٣ عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، صاحب التصانيف، صدوق قليل الرواية، توفي سنة ٢٧٦ هـ. لسان الميزان (٣/ ٣٥٧- ٣٥٩) . ٤ الزبير بن العوام: من أول من أسلم بمكة، كان يسميه رسول الله ﷺ "حواريه" لمحبته له، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، قتل سنة ٣٦ هـ. الإصابة (١/ ٥٢٦- ٥٢٨) . ٥ أبو عبيدة عامر بن عبد الله الجراح، أمين هذه الأمة، وأحد العشرة السابقين إلى الإسلام، هاجر الهجرتين وشهد بدرا وما بعدها، توفي سنة ١٨ هـ. الإصابة (٢/ ٢٤٣- ٢٤٥) .
[ ٢٢٤ ]
بعضهم لا يكاد يروي شيئا كسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل١ وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة"٢.
ولقد تبعهم من بعدهم من التابعين ومن بعدهم على ذلك.
وكما احتاط السلف في التحديث احتاطوا وتثبتوا كذلك في قبول الأخبار عن رسول الله ﷺ، قال الذهبى: "كان أبو بكر ﵁ أول من احتاط في قبول الأخبار، فروى ابن شهاب عن قبيصة بن ذؤيب٣ أن الجدة جاءت إلى أبي بكر تلتمس أن تورث فقال: لا أجد لك في كتاب الله شيئا وما علمت أن رسول الله ﷺ ذكر لك شيئا، ثم سأل الناس فقام المغيرة وقال: سمعت رسول الله ﷺ يعطيها السدس. فقال: هل معك غيرك؟، فشهد محمد بن مسلمة بمثل ذلك فأنفذه لها أبو بكر ﵁".
واستشار عمر بن الخطاب ﵁ الناس في إملاص المرأة٤، فقال المغيرة بن شعبة٥: شهدت النبي ﷺ قضى فيه بغرة عبد أو أمة.
_________________
(١) ١ سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، أسلم قبل دخول رسول الله ﷺ دار الأرقم، شهد أحدا والمشاهد بعدها وكان من فضلاء الصحابة، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة توفي بالمدينة سنة خمسين وقيل بعد ذلك. الإصابة (٢/ ٤٤) . ٢ كتاب تأويل مختلف الحديث، لابن قتيبة الدينورى (ص ٣٠) . ٣ قبيصة بن ذؤيب بن حلحلة الخزاعي، تابعي ثقة، ولد عام الفتح، وكان من فقهاء أهل المدينة وصالحيهم، مات سنة ٨٦ هـ وقيل غير ذلك. تهذيب التهذيب (٨/ ٣٤٦، ٣٤٧) . ٤ هو أن تزلق الجنين قبل وقت الولادة. النهاية (٤/ ٣٥٦) . ٥ المغيرة بن شعبة بن أبي عامر الثقفي، صحابي جليل، أسلم قبل عمرة الحديبية، وشهدها وبيعة الرضوان، وكان من دهاة العرب. مات سنة خمسين عند الأكثر. الإصابة (٣/ ٤٣٣، ٤٣٤) .
[ ٢٢٥ ]
فقال عمر: ائتني بمن يشهد معك. قال فشهد له محمد بن مسلمة١.
وحدث لعمر مثل هذه الحادثة مع كثير من الصحابة منهم أبي بن كعب وأبو موسى وفي رواية: قال عمر لأبي موسى: "أما إني لم أتهمك ولكن خشيت أن يتقول الناس على رسول الله ﷺ"٢.
وعن علي ﵁ قال: كنت إذا سمعت من رسول الله ﷺ حديثا نفعني الله بما شاء منه وإذا حدثني عنه غيري استحلفته فإذا حلف لي صدقته "٣
وهذا التثبت من الصحابة رضوان الله عليهم كان الحامل لهم عليه هو ألا يسترسل الناس في رواية الحديث ويتساهلوا فيه من غير تحر وتثبت كاف فيقعوا في الكذب على رسول الله ﷺ من حيث شعروا أو لم يشعروا، ويدلك على ذلك قول عمر بن الخطاب لأبي موسى الأشعرى: "أما إني لم أتهمك ولكن خشيت أن يتقول الناس على رسول الله ﷺ".
وهذه الشواهد عن ثلاثة من الخلفاء الراشدين تترجم حرصهم وجهودهم في المحافظة على السنة بأن لا يشوبها ما ليس منها.
وقد تتابعت الجهود من الصحابة ومن جاء بعدهم على حفظ السنة وحمايتها إلى أن قعدت القواعد ووضعت الضوابط التي يعرف بها قوة الحديث أو وهنه وكان من تلك الضوابط علم إسناد الحديث فقد اعتني بهذا الجانب منذ وقت
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب القسامة، باب دية الجنين (٥/ ١١١، ١١٢) . ٢ أخرجه الإمام مالك في الموطأ (٢/ ٩٦٤) . ٣ أخرجه أحمد في مسنده (١/ ٢)، وأخرجه ابن ماجة في سننه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها: باب ما جاء في أن الصلاة كفارة (١/ ٤٤٦) ح ١٣٩٥.
[ ٢٢٦ ]
مبكر، واهتم به العلماء حتى جعلوه من الدين قال عبد الله بن المبارك١: "الإسناد من الدين، لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء"، وقال: "بيننا وبين القوم قوائم" يعني الإسناد٢.
ولقد اشتغل علماء الحديث بنقد الرواة وبيان حالهم ومن تقبل روايته ومن لا تقبل من خلال دراسة الراوي سيرة وتاريخا ومعتقدا وسلوكا، ولم تأخذهم في ذلك لومة لائم، وقد قيل ليحي بن سعيد القطان٣: " أما تخشى أن يكون هؤلاء الذين تركت حديثهم خصماءك عند الله يوم القيامة؟، فقال: لأن يكون هؤلاء خصمي أحب إلي من أن يكون خصمي رسول الله ﷺ يقول: لِمَ لَمْ تذُبَّ الكذب عن حديثي"٤.
وهذه لمحة وإشارة لما بذله السلف من جهود في حفظ السنة والذب عنها لتبقى منهلا صافيا تستقي منه الأمة أمور دينها ودنياها وآخرتها حتى يتحقق لها اتباع رسولها محمد ﷺ الذي أمر الله بالاقتداء به والسير على نهجه والطاعة له في كل ماجاء به ﷺ.
ثالثا: ثم يلي الكتاب والسنة: فيما يجب التسليم له من أصول ما كان في معناهما بدليل جامع والمراد بذلك الإجماع والقياس الجلي الذي لا يصادم النص الشرعي.
_________________
(١) ١ عبد الله بن المبارك المروزي، الإمام الحافظ، شيخ الإسلام، كان ثقة، مأمونا، حجة، كثير الحديث، مات سنة ١٨١ هـ. تهذيب التهذيب (٥/ ٣٨٢- ٣٨٩) . ٢ السنة ومكانتها في التشريع الإ سلامي للدكتور مصطفى السباعي (ص ٩٢) . ٣ يحي بن سعيد بن فروخ القطان، من حفاظ الحديث، ثقة حجة من أقران مالك وشعبة، مات سنة ١٩٨هـ. تهذيب التهذيب (١١/ ٢١٦- ٥ ٢٢) . ٤ السنة ومكانتها (ص ٩٣) .
[ ٢٢٧ ]
قال الشافعي: "الحجة كتاب الله وسنة رسوله ﷺ واتفاق الأئمة".
وقال أيضا: "والعلم طبقات، الأولى: الكتاب والسنة الثابتة ثم الإجماع فيما ليس في كتاب ولا سنة.
الثالثة: أن يقول الصحابي فلا يعلم له مخالف من الصحابة.
الرابعة: اختلاف الصحابة.
الخامسة: القياس"١.
_________________
(١) ١ أعلام الموقعين (٢/ ٢٤٨) .
[ ٢٢٨ ]
المطلب الثاني: محاربة السلف لما يناقض الاتباع.
من الأمور التي سار عليها السلف في طاعتهم واتباعهم للنبي ﷺ، وجعلوها منهجا لهم في الاتباع محاربتهم لذلك الثالوث الخطير المتمثل في البدعة والتقليد، والرأي.
فالسلف يعدون ذلك الثالوث مرضا خطيرا متى استشرى وانتشر في الأمة فإنه يفتك بعقيدتها وما هي عليه من الاتباع والسنة.
قال ابن عباس ﵄: "ما من عام إلا والناس يحيون فيه بدعة ويميتون فيه سنة حتى تحيا البدع وتموت السنن"١.
وعن جابر بن زيد٢ أن ابن عمر لقيه في الطواف فقال: "يا أبا الشعثاء إنك من فقهاء البصرة فلا تفت إلا بقرآن ناطق أو سنة ماضية فإنك إن فعلت غير ذلك هلكت وأهلكت"٣.
وعن ابن مسعود ﵁ قال: "لا يقلدن أحدكم دينه رجلا إن آمن آمن وإن كفر كفر فإنه لا أسوة في الشر"٤.
وهذه النصوص الثلاثة المنقولة عن ثلاثة من أصحاب رسول الله ﷺ تصور عظم خطر تلك الأمور على الأمة كما تصور حرصهم على تحذير الأمة من
_________________
(١) ١ البدع والنهي عنها لابن وضاح (ص ٣٩) . ٢ جابر بن زيد الأزدي أبو الشعثاء البصري، تابعي، ثقة، كان من أعلم الناس بكتاب الله، مات سنة ٩٣ هـ وقيل بعدها. تهذيب التهذيب (٢/ ٣٨) . ٣ أخرجه الدارمي في السنن (١/ ٥٩) . ٤ إعلام الموتعين (٢/ ١٩٥) .
[ ٢٢٩ ]
خطرها وشرها الذي يهدد عقيدتهم وماهم عليه من الاتباع والسنة.
أ- محاربتهم للبدعة:
فأول تلك الأمور وأشدها خطرا على الأمة "البدعة" فالابتداع في الدين قد حذر منه النبي ﷺ بقوله: "إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة"
وقال: "فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة" ١.
كما بين حكم البدعة بقوله: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد"٢ ومع وقفة تأمل لما ورد في هذه الأحاديث نلمس الأمور التالية:
ففي الحديث الأول والثاني وصف ﷺ البدعة بكونها ضلالة وانحرافا عن الطريق والصراط المستقيم الذي رسمه ﷺ لهذه الأمة والذي أوجب الله علينا اتباعه فيه. فالبدعة في الدين طريق غواية وضلال يجب الحذر منه والبعد عنه وهي إضافة إلى ذلك فإنها مخالفة لسنة المصطفى ﷺ ومحاربة لما جاء به من الهدى والنور إذ الوقوع في هذا المزلق الخطر الذي هو "البدعة" يترتب عليه
_________________
(١) ١ أخرجه بهذا اللفظ مسلم في صحيحه، كتاب الجمعة: باب تخفيف الصلاة والخطبة (٣/ ١١) . وأخرجه البخاري موقوقا، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة: باب الاقتداء بسنن الرسول ﷺ انظر: فتح الباري (١٣/ ٢٤٩) ح ٧٢٧٧. ٢ أخرجه بهذا اللفظ مسلم في صحيحه، كتاب الأقضية: باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور (٥/ ١٣٢) وفي رواية: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" وهذه الرواية أخرجها البخاري في صحيحه، كتاب الصلح: باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود. فتح الباري (٥/ ٣٠١) ح ٢٦٩٧.
[ ٢٣٠ ]
أمور خطيرة منها الطعن في الدين لأن لسان حال المبتدع يقول إن الشريعة لم تتم وإنه بقي منها أشياء يجب استدراكها، لأنه لو كان معتقدا لكمالمها وتمامها من كل وجه لم يبتدع ولم يستدرك عليها.
وإضافة إلى ذلك فإن المبتدع معاند للشرع ومشاق له لأن الشارع قد عين لمطالب العبد طرقا خاصة على وجوه خاصة وقصر الخلق عليها بالأمر والنهي والوعد والوعيد، وأخبر أن الخير فيها وأن الشر في تعديها إلى غير ذلك. فالمبتدع بحاله تلك يزعم أن ثم طرقا أخر وليس ما حصره الشارع بمحصور ولا ما عينه بمتعين، بل ربما يفهم من استدراكه الطرق على الشارع أنه علم ما لا يعلم الشارع وأحاط بما لم يحط به وهذا هو بعينه الضلال المبين الذي وصف النبي ﷺ البدعة به حين قال: "وكل بدعة ضلالة" ١.
ومع هذا وذاك فقد تجعل البدعة مع مرور الزمن ونتيجة لانتشارها بين الناس من الدين، فتصبح سنة يستنون بها وبخاصة العوام منهم الذين اعتادوا على التقليد والأخذ بكل ما هو منتشر بين الناس. بينما في الوقت نفسه تصبح السنن لغرابتها والجهل بها بدعا وهذا هو الحال في كل زمان ومكان انتشرت وعمت فيه البدع وقل فيه العلماء بأمور السنة.
وأما الحديث الثالث وهو قوله ﷺ: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" فهو حكم صريح على كل أمر محدث مبتدع في الدين وليس له أصل في الشرع بالرد وعدم القبول ولاشك أن هذا الحكم بتر لكل ما هو مبتدع في دين الله وشرعه، وإسقاط له. إضافة إلى كونه حماية لشرع الله
_________________
(١) ١ الإبداع في مضار الابتداع للشيخ علي محفوظ (ص ٩٩) بتصرف.
[ ٢٣١ ]
من كل ما يخل به.
ولقد اتخذ السلف من أحاديث النبي ﷺ في هذا الشأن قواعد ساروا عليها في سبيل محافظتهم على السنة وصيانتها من شوائب البدع وشرورها. وإن المتأمل للنصوص الورادة عنهم في هذا الخصوص يلمس مدى حرصهم وتطبيقهم للتوجيهات النبوية التي تلقوها عن رسول الهدى ﷺ.
فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "اتبعوا آثارنا ولا تبتدعوا فقد كفيتم"١.
وعنه أنه رأى أناسا يسبحون بالحصا فقال: "على الله تحصون لقد سبقتم أصحاب محمد علما أو لقد أحدثتم بدعة ظلما"٢.
وعنه أنه قال: "الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة". وعن حذيفة ﵁ أنه قال: "أخوف ما أخاف على الناس اثنتان أن يؤثروا ما يرون على ما يعلمون، وأن يضلوا وهم لا يشعرون".
قال سفيان: هو صاحب البدعة٣.
وكان حذيفة ﵁ يدخل المسجد فيقف على الخلق فيقول: "يا معشر القراء اسلكوا الطريق فلئن سلكتموها لقد سبقتم سبقا بعيدا، ولئن أخذتم يمينا وشمالا لقد ضللتم ضلالا بعيدا".
_________________
(١) ١ أخرجه محمد بن وضاح في البدع والنهي عنها (ص ١٠) . ٢ البدع والنهي عنها لابن وضاح (ص ١١) . ٣ الإبداع في مضار الابتداع (ص ٩٦) .
[ ٢٣٢ ]
وعن عبد الله بن عباس ﵄ أنه قال: "والله ما أظن على ظهر الأرض اليوم أحدا أحب إلى الشيطان هلاكا مني. فقيل: كيف؟، فقال: والله إنه ليحدث البدعة في مشرق أو مغرب فيحملها الرجل إلي فإذا انتهت إلي قمعتها بالسنة فترد عليه"١.
وعنه ﵁ أنه قال: "عليكم بالاستقامة والأثر وإياكم والتبدع"٢.
وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: "أوشك قائل من الناس يقول: قد قرأت القرآن ولا أرى الناس يتبعوني، ما هم متبعي حتى أبتدع لهم غيره، فإياكم وما ابتدُع فإن كل ما ابتدُع ضلالة"٣.
وعنه أنه قال: "أيها الناس عليكم بالعلم قبل أن يرفع ألا وإن رفعه ذهاب أهله، وإياكم والبدع والتبدع والتنطع وعليكم بأمركم العتيق"٤.
وعن ابن عمر ﵄ قال: "كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة"٥.
وعن الحسن البصري٦ قال: "صاحب البدعة لا يزداد اجتهادا صياما وصلاة إلا ازداد من الله بعدا"٧.
_________________
(١) ١ أخرجه اللالكائي في السنة (١/ ٥٥) ح ١٢. ٢ أخرجه ابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص ٢٥) . ٣ أخرجه ابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص ٢٥) . ٤ المصدر السابق (ص ٢٥) . ٥ أخرجه اللالكائي في السنة (١/ ٩٢) ح ٢٢٦. ٦ الحسن بن يسار البصري، ولد في عهد عمر، كان جامعا، عالما، رفيعا، ثقة، مأمونا، عابدا، ناسكا كبير العلم فصيحا توفي سنة ١١٠ هـ. الطبقات لابن سعد (٧/ ١٥٦) . ٧ البدع والنهي عنها لابن وضاح (ص ٢٧) .
[ ٢٣٣ ]
وعنه قال: "لا تجالس صاحب بدعة فإنه يمرض قلبك"١.
وعن أيوب السختيانى أنه كان يقول: "ما ازداد صاحب بدعة اجتهادا إلا ازداد من الله بعدا"٢.
وعن سفيان الثوري قال: "من جالس صاحب بدعة لم يسلم من إحدى ثلاث: إما أن يكون فتنة لغيره. وإما أن يقع في قلبه شيء فيزل به فيدخله الله في النار. وإما أن يقول والله ما أبالي ما تكلموا وإني واثق بنفسي فمن أمن الله على دينه طرفة عين سلبه إياه"٣.
وقال: "البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، فإن المعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب منها"٤.
وعن أبي قلابة٥ أنه قال: "لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم أو يلبسوا عليكم ما كنتم تعرفون"٦.
وبعد: فما نقلته ههنا يعد جزءا يسيرا جدا مما ورد عن السلف من نصوص في الحث على ترك الابتداع في الدين والتحذير من مخاطره ومغبة الإقدام عليه وموقفهم من أهله، فلقد اشتد نكير السلف على البدعة وأصحابها والمجال هنا لا يتسع للاستفاضة في هذا الموضوع، وبما ذكر يحصل المقصود.
_________________
(١) ١ المصدر السابق (ص ٤٧) . ٢ البدع والنهي عنها لابن وضاح (ص ٢٧) . ٣ المصدر السابق (ص ٤٧) . ٤ مجموع الفتاوى (١١/ ٤٧٢) . ٥ أبو قلابة: عبد الله بن زيد الجرمي أحد الأعلام قال أيوب السختيانى: "كان والله من الفقهاء ذوي الألباب"، توفي سنة ١٠٤ هـ وقيل غير ذلك. تهذيب التهذيب (٥/ ٢٢٤، ٢٢٦) . ٦ البدع والنهي عنها (ص ٤٨) .
[ ٢٣٤ ]
ب- محاربتهم للتقليد:
وأما الأمر الثاني من الأمور التي تشكل خطورة على الاتباع والسنة في رأي السلف فهو "التقليد" والفرق بينه وبين الاتباع أن التقليد: هو الرجوع إلى قول لا حجة لقائله عليه.
وأما الاتباع: فهو ما ثبت عليه الحجة.
فكل من اتبعت قوله من غير أن يجب عليك قبوله بدليل يوجب ذلك فأنت مقلده. وكل من أوجب الدليل عليك اتباع قوله فأنت متبعه.
والاتباع في الدين مسوغ والتقليد ممنوع١.
والتقليد الممنوع على ثلاثة أشكال:
أحدها: الإعراض عما أنزل الله وعدم الالتفات إليه اكتفاء بتقليد الآباء أو المشايخ.
الثاني: تقليد من لا يعلم المقلد أنه أهل لأن يؤخذ بقوله.
الثالث: التقليد بعد قيام الحجة وظهور الدليل على خلاف قول المقلد.
ولقد حارب السلف هذا النوع من التقليد وذموه واعتبروه مزلقا خطيرا يحرف المسلم وينحيه عن المنبع الذي يستمد منه دينه، ويجعله عرضة لكل بدعة، ومنقادا لكل شبهة، وتبعا لكل ناعق وإضافة إلى ذلك فإن التقليد له صلة وثيقة بالبدعة فالبدعة تؤخذ في غالب الأمر تقليدا لشيخ يعظم أو والد يحترم أو مجتمع تقدس فيه عاداته، ولذلك كان التقليد والابتداع سببين رئيسيين في ضلال الأمم وانحرافها عن منهج أنبيائهم.
وقد حكى الله في كتابه العزيز عن بني إسرائيل أنهم سألوا موسى عليه
_________________
(١) ١ إعلام الموقعين (٢/ ١٩٧) .
[ ٢٣٥ ]
السلام أن يجعل لهم إلها من الأصنام مقلدين في ذلك من مرّوا عليهم من عباد الأصنام قال تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرائيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ، إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١، كما ذكر سبحانه أن ما وقع فيه اليهود والنصارى من الكفر بقول اليهود عزير ابن الله وقول النصارى المسيح ابن الله إنما هو نتيجة التقليد لمن قبلهم من الوثنيين قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٢.
كما ذم سبحانه صنيع اليهود والنصارى مع علمائهم حيث قلدوهم في جميع ما يقولون، فأحلوا لهم ما حرم الله، وحرموا عليهم ما أحل الله قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ٣.
كما ذم ﷾ من امتنع عن قبول الحق تقليدا للآباء فقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ، قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾ ٤.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "وقد احتج العلماء بهذه الآيات في إبطال
_________________
(١) ١ الآيتان (١٣٨، ١٣٩) من سورة الأعراف. ٢ الآية (٣٠) من سورة التوبة. ٣ الآية (٣١) من سورة التوبة. ٤ الآيتان (٢٣، ٢٤) من سورة الزخرف.
[ ٢٣٦ ]
التقليد ولم يمنعهم كفر أولئك من الاحتجاج بها، لأن التشبيه لم يقع من جهة كفر أحدهما وإيمان الآخر، وإنما وقع التشبيه بين المقلدين بغير حجة للمقلد، كما لو قلد رجلا فكفر، وقلد آخر فأذنب، وقلد آخر في مسألة فأخطأ وجهها، كان كل واحد ملوما على التقليد بغير حجة، لأن كل ذلك تقليد يشبه بعضه بعضا وإن اختلفت الآثام فيه"١.
وقال رسول الله ﷺ: "إني لا أخاف على أمتي من بعدي إلا من أعمال ثلاثة"، قالوا: وما هي يارسول الله؟، قال: "أخاف عليهم زلة العالم، ومن حكم جائر، ومن هوى متبع"٢، ومن المعلوم أن الخوف من زلة العالم تقليده فيها، إذ لولا التقليد لما يخف من زلة العالم على غيره.
قال ابن القيم: "والمصنفون في السنة جمعوا بين فساد التقليد وبيان زلة العالم ليبينوا بذلك فساد التقليد، وأن العالم قد يزل ولابد إذ ليس بمعصوم، فلا يجوز قبول كل ما يقوله وينزل قوله منزلة قول المعصوم، فهذا الذي ذمه كل عالم على وجه الأرض، وحرموه، وذموا أهله، وهو أصل بلاء المقلدين وفتنتهم، فإنهم يقلدون العالم فيما زل فيه وفيما لم يزل فيه، وليس لهم تمييز بين ذلك، فيأخذون الدين بالخطأ ولابد فيحلون ما حرم الله، ويحرمون ما أحل الله، ويشرعون ما لم يشرع، ولابد لهم من ذلك إذ كانت العصمة منتفية عمن قلدوه، فالخطأ واقع منه ولابد"٣.
قال الشعبي: قال عمر بن الخطاب ﵁: "يفسد الزمان ثلاثة:
_________________
(١) ١ إعلام الموقعين (٢/ ١٩١) . ٢ أخرجه الدارمي في سننه، المقدمة باب ٢٣. ٣ إعلام الموقعين (٢/ ١٩٢) .
[ ٢٣٧ ]
أئمة مضلون، وجدال منافق بالقرآن، والقرآن حق، وزلة عالم"١، وعن ابن عباس ﵄ قال: "ويل للأتباع من عثرات العالم". قيل: وكيف ذاك يا أبا العباس؟، قال: "يقول العالم من قبل رأيه، ثم يسمع الحديث عن النبي ﷺ فيدع ما كان عليه" وفي لفظ: "فيلقى من هو أعلم برسول الله ﷺ منه فيخبره فيرجع ويقضي الأتباع بما حكم"٢.
وعن ابن مسعود ﵁ قال: "لا يقلدن أحدكم دينه رجلا إن آمن آمن وإن كفر كفر فإنه لا أسوة في الشر"٣.
قال ابن القيم: "والفرق بين تجريد متابعة المعصوم ﷺ وإهدارأقوال العلماء وإلغائها: أن تجريد المتابعة أن لا تقدم على ما جاء به قول أحد ولا رأيه كائنا من كان. بل تنظر في صحة الحديث أولا. فإذا صح لك نظرت في معناه ثانيا، فإذا تبين لك لم تعدل عنه ولو خالفك من بين المشرق والمغرب، ومعاذ الله أن تتفق الأمة على مخالفة ما جاء به نبيها بل لابد أن يكون في الأمة من قال به ولو لم تعلمه فلا تجعل جهلك بالقائل به حجة على الله ورسوله بل اذهب إلى النص ولا تضعف واعلم أنه قد قال به قائل قطعا ولكن لم يصل إليك. هذا مع حفظ مراتب العلماء وموالاتهم واعتقاد حرمتهم وأمانتهم واجتهادهم في حفظ الدين وضبطه فهم دائرون بين الأجر والأجرين والمغفرة ولكن لا يوجب هذا إهدار النصوص وتقديم قول الواحد منهم عليها بشبهة أنه أعلم بها منك، فإن كان كذلك فمن ذهب إلى النص أعلم به منك أيضا فهلا وافقته إن كنت صادقا؟.
_________________
(١) ١ المصدر السابق (٢/ ١٩٣) . ٢ المصدر السابق ٣ إعلام الموقعين (٢/ ١٩٥) .
[ ٢٣٨ ]
فمن عرض أقوال العلماء على النصوص ووزنها، وخالف منها ما خالف النص لم يهدر أقوالهم ولم يهضم جانبهم بل اقتدى بهم فإنهم كلهم أمروا بذلك فمتبعهم حقا من امتثل ما أوصوا به لا من خالفهم، فخلافهم في القول الذي جاء النص بخلافه أسهل من مخالفتهم في القاعدة الكلية التي أمروا بها ودعوا إليها من تقديم النص على أقوالهم.
ومن هنا يتبين الفرق بين تقليد العالم في كل ما قال وبين الاستعانة بفهمه والاستضاءة بنور علمه.
فالأول يأخذ قوله من غير نظر فيه ولا طلب لدليله من الكتاب والسنة بل يجعل ذلك كالحبل الذي يلقيه في عنقه يقلد به ولذلك سمي تقليدا. بخلاف من استعان بفهمه واستضاء بنور علمه في الوصول إلى سنة الرسول صلوات الله وسلامه عليه، فإنه يجعلهم بمنزلة الدليل إلى الدليل الأول فإذا وصل استغنى بدلالته على الاستدلال بغيره فمن استدل بالنجم على القبلة فإنه إذا شاهدها لم يبق لاستدلاله بالنجم معنى.
قال الشافعي: "أجمع الناس على أن من استبانت له سنة الرسول ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد"١.
ج- محاربتهم للرأي الباطل:
وأما الأمر الثالث من الأمور التي يرى السلف أنها تناقض الاتباع وتضاده فهو "الرأي".
فعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله لا
_________________
(١) ١ الروح لابن القيم (٢/ ٧٦٨، ٧٦٩) .
[ ٢٣٩ ]
ينزع العلم بعد إذ أعطاكموه انتزاعا، ولكن ينتزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم، فيبقى ناس جهال يستفتون فيفتون برأيهم فيضلون ويضلون" ١، والمقصود به هو الرأي الباطل الذي ليس من الدين، لأن الرأي ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
١- رأي باطل بلا ريب.
٢- رأي صحيح.
٣- رأي هو موضع الاشتباه.
والأقسام الثلاثة قد أشار إليها السلف، فاستعملوا الرأي الصحيح وعملوا به وأفتوا به، وسوغوا القول به. وذموا الباطل ومنعوا من العمل والفتيا والقضاء به وأطلقوا ألسنتهم بذمه وذم أهله.
والقسم الثالث: سوغوا العمل والفتيا والقضاء به عند الاضطرار إليه حيث لا يوجد منه بد، ولم يلزموا أحدا العمل به، ولم يحرموا مخالفته ولا جعلوا مخالفته مخالفا للدين، بل غايته أنهم خيروا بين قبوله ورده، فهو بمنزلة ما أبيح للمضطر من الطعام والشراب الذي يحرم عند عدم الضرورة إليه٢.
والحديث ههنا يتناول الرأي الباطل فقط وهو على أنواع:
أحدها: الرأي المخالف للنص، وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام فساده وبطلانه، ولا تحل الفتيا به ولا القضاء، وإن وقع فيه من وقع بنوع تأويل وتقليد.
الثاني: هو الكلام في الدين بالخرص والظن، مع التفريط والتقصير في
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاعنصام: باب ما يذكر من ذم الرأي. فتح الباري (١٣/ ٢٨٢) ح ٧٣٠٧. ٢ إعلام الموقعين (١/ ٦٧) . وقد تناول ابن القيم في هذا الكتاب القول بالتفصيل عن أنواع الرأي فمن أراد التوسع والاستفادة فليرجع إليه.
[ ٢٤٠ ]
معرفة النصوص وفهمها واستنباط الأحكام منها، فإن من جهلها وقاس برأيه فيما سئل عنه بغير علم، بل لمجرد قدر جامع بين الشيئين ألحق أحدهما بالآخر أو لمجرد قدر فارق يراه بينهما يفرق بينهما في الحكم، من غير نظر إلى النصوص والآثار، فقد وقع في الرأي المذموم الباطل.
النوع الثالث: الرأي المتضمن تعطيل أسماء الرب وصفاته وأفعاله بالمقاييس الباطلة التي وضعها أهل البدع والضلال من الجهمية والمعتزلة والقدرية١ ومن ضاهاهم، حيث استعمل أهله قياساتهم الفاسدة وآراءهم الباطلة وشبههم الداحضة في رد النصوص الصحيحة الصريحة، فردوا لأجلها ألفاظ النصوص التي وجدوا السبيل إلى تكذيب رواتها وتخطئتهم، ومعاني النصوص التي لم يجدوا إلى رد ألفاظها سبيلا، فقابلوا النوع الأول بالتكذيب، والنوع الثاني بالتحريف والتأويل، فأنكروا لذلك رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة، وأنكروا كلامه وتكليمه لعباده، وأنكروا مباينته للعالم، واستواءه على عرشه وعلوه على المخلوقات، وعموم قدرته على كل شيء، بل أخرجوا أفعال عباده من الملائكة والأنبياء والجن والإنس عن تعلق قدرته ومشيئته وتكوينه لها، ونفوا لأجلها حقائق ما أخبر به عن نفسه وأخبر به رسوله من صفات كماله ونعوت جلاله، وحرفوا لأجلها النصوص عن مواضعها وأخرجوها عن معانيها وحقائقها بالرأي المجرد الذي حقيقته أنه زبالة الأذهان ونخالة الأفكار وعفارة٢ الآراء ووساوس الصدور فملؤوا به الأوراق سوادا والقلوب شكوكا، والعالم فسادا.
_________________
(١) ١ سموا بذلك لقولهم في القدر، وهم يزعمون أن العبد هو الذي يخلق فعله استقلالا، فأثبتوا خالقا مع الله. الملل والنحل (١/ ٥٤)، ومجموع الفتاوى (٨/ ٢٥٦) ٢ العفارة: الخبث والشيطنة. النهاية (٣/ ٢٦٢) .
[ ٢٤١ ]
وكل من له مسكة من عقل يعلم أن فساد العالم وخرابه إنما نشأ من تقديم الرأي على الوحي، والهوى على العقل، وما استحكم هذان الأصلان الفاسدان في قلب إلا استحكم هلاكه، وفي أمة إلا فسد أمرها أتم فساد، فلا إله إلا الله كم نفي بهذه الآراء من حق، وأثبت بها من باطل، وأميت بها من هدى وأحيي بها من ضلالة؟ وكم هدم بها من معقل للإيمان، وعمر بها من دين الشيطان؟ وأكثر أصحاب الجحيم هم أهل هذه الآراء الذين لا سمع لهم ولا عقل بل هم شر من الحمر، وهم الذين يقولون يوم القيامة ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ ١.
النوع الرابع: الرأي الذي أحدثت به البدع، وغيرت به السنن وعم به البلاء، وتولى عليه الصغير وهرم فيه الكبير.
فهذه الأنواع الأربعة من الرأي الذي اتفق سلف الأمة وأئمتها على ذمه لإخراجه من الدين٢.
ومما ورد عن السلف في ذم الرأي الذي من هذا القبيل ما يلي:
عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال: "أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إن قلت في آية من كتاب الله برأيي، أو بما لا أعلم"٣.
وروي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: "اتقوا الرأي في دينكم"٤.
وروي عنه كذلك قوله: "أصحاب الرأي أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث
_________________
(١) ١ الآية (١٠) من سورة الملك. ٢ إعلام الموقعين (١/ ٦٧- ٦٩) . ٣ المصدر السابق (١/ ٥٤) . ٤ إعلام الموقعين (١/ ٥٥) .
[ ٢٤٢ ]
أن يحفظوها وتفلتت منهم أن يعوها، واستحيوا حين سُئلوا أن يقولوا لا نعلم فعارضوا السنن برأيهم، فإياكم وإياهم"١.
وعن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: "لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه"٢.
وعن ابن عباس ﵄ قال: "إنما هو كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ فمن قال بعد ذلك برأيه فلا أدري أفي حسناته يجد ذلك أم في سيئاته"٣.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: "لا يأتي عليكم عام إلا هو شر من الذي قبله، أما إني لا أقول أمير خير من أمير، ولا عام أخصب من عام، ولكن فقهاؤكم يذهبون ثم لا تجدون منهم خلفا، ويجيء قوم يقيسون الأمور برأيهم"٤.
ومما ورد كذلك من الآثار عن التابعين ما يلي:
قول الشعبي: "ما جاءكم به هؤلاء من أصحاب رسول الله ﷺ فخذوه، وما كان رأيهم فاطرحوه في الحش"٥.
وعن ابن شهاب الزهري قال: "دعوا السنة تمضي، لا تعرضوا لها بالرأي"٦.
_________________
(١) ١ المصدر السابق (١/ ٥٥) . ٢ أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الطهارة، باب كيف المسح (١/ ١١٤، ١١٥) ح ١٦٢ وأورده ابن القيم في إعلام الموقعين (١/ ٥٨) . ٣ إعلام الموقعين (١/ ٥٨، ٥٩) . ٤ أخرجه الدارمي في السنن، المقدمة، باب تغير الزمان وما يحدث فيه (١/ ٦٥) . وأورده ابن القيم في إعلام الموقعين (١/ ٥٧) . ٥ إعلام الموقعين (١/ ٧٣) . ٦ المصدر السابق (١/ ٧٤) .
[ ٢٤٣ ]
وعن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى الناس: "أنه لا رأي لأحد مع سنة سنها رسول الله ﷺ"١.
فهذه الأقوال عن أولئك الأئمة من الصحابة والتابعين أجمعت على إخراج الرأي عن العلم وذمه والتحذير منه والنهي عن الفتيا به، فرضي الله عن أئمة الإسلام وجزاهم عن نصيحتهم خيرا، ولقد سلك سبيلهم أهل العلم والدين من أتباعهم.
_________________
(١) ١ المصدر السابق (١/ ٧٤) .
[ ٢٤٤ ]
المبحث الثالث: التحذير من معصية الرسول ﷺ وحكم من خالفه
المطلب الأول: الأدلة من القرآن الكريم على التحذير من معصية الرسول ﷺ وحكم من خالفه
تمهيد:
"من المعلوم لكل من عنده مسكة من عقل أن الله ﷾ لم يخلق هذا الخلق عبثا كما قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ ١ وكما قال: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾ ٢ أي مهملا هملا لا يؤمر ولا ينهى ولا يثاب ولا يعاقب.
والغاية التي خلق من أجلها الجن والإنس هي التي أخبر الحق ﵎ عنها بقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ فهو سبحانه خلقهم للأمر والنهي في الدنيا والثواب أو العقاب في الآخرة.
وإذا تمهد هذا فإنه يعلم مدى حاجتهم وضرورتهم إلى الشريعة وأحكامها، إذ بواسطها يتعرف على مواقع رضى الله وسخطه في حركات العباد الاختيارية.
والناس أحوج ما يكونون إلى معرفة ما جاء به الرسول ﷺ والقيام به والدعوة إليه والصبر عليه وجهاد من خرج عنه حتى يرجع إليه، إذ ليس للعالم صلاح بدون ذلك البته"٣
ولذلك فرض الله على الإنس والجن طاعة من أرسل من الرسل وفي هذا يقول الحق ﵎: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ فالطاعة بذلك متحتمة على من شملتهم دعوة الرسل.
_________________
(١) ١ الآية (١١٥) من سورة المؤمنون. ٢ الآية (٣٦) من سورة القيامة. ٣ كتاب تحذير أهل الإيمان عن الحكم بغير ما أنزل الرحمن، تأليف الشيخ إسماعيل بن إبراهيم الخطيب الحسني الأسعردي مطبوع ضمن الرسائل المنبرية (١/ ١٤٠، ١٤١) بتصرف.
[ ٢٤٦ ]
وقد بعث الله نبيه ورسوله محمدا ﷺ إلى الناس كافة قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ وبذلك عمت دعوته كل الأمم سواء كانوا في زمانه أو في الأزمان التالية من بعده وذلك على اختلاف تلك الأمم في ألوانها وأجناسها ولغاتها وشرائعها بما فيهم أهل الكتاب - اليهود والنصارى -، فترتب على عموم الرسالة أن نسخت الشرائع السابقة لشريعته ﷺ فلم يبق من طريق يوصل إلى عبادة الله ورضوانه سوى طريق خاتم الأنبياء والمرسلين محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم فلا حجة لأحد دون حجته ولا يستقيم لعاقل سبيل سوى واضح محجته.
وقد جمعت سنته ﷺ تحت حكمتها كل معنى حكيم فلا يسمع بعد بيانها خلاف مخالف ولا قول مختلق، ومن تبع سنته فهو على نور من ربه، وبصيرة من أمره، والمائل عن شرعه، واقع في ظلمته مرتبك في حيرته ومرتكس في ضلاله وشقاوته.
ولذلك كان لزاما على الجن والإنس أن يستجيبوا له ﷺ ويتبعوا شريعته ظاهرا وباطنا.
وقد وعد الله المستجيب منهم أن يدخله جنته ويسبغ عليه رضاه ومحبته. وتوعد المخالف منهم بأن يذيقه أليم عقابه ويلقيه في جهنم ليعلم بذلك كيف يكون مصيره وعاقبته.
وإن آيات القرآن ونصوص السنة في هذا الشأن كثيرة جدا، وقد تقدم إيراد الأدلة الواردة في وجوب طاعته واتباعه.
[ ٢٤٧ ]
وفي هذا المبحث سأتناول بإذن الله الأدلة الواردة في حكم مخالفته ﷺ والبعد عن سنته والعقوبات الدنيوية والأخروية المترتبة على تلك المخالفات على تنوع صورها وأشكالها سواء كانت إعراضا وكفرا، أو بدعة، أو معصية، أو غير ذلك.
وعسى أن يكون فيما سيعرض من آيات قرآنية وأحاديث نبوية تذكرة وعظة، وخاصة أننا نعيش في زمان نحتاج فيه إلى التمعن في هذه النصوص وتدبرها لكثرة ما يقع من الإعراض والمخالفة لشرع النبي ﷺ ونهجه عند كثير من الناس.
[ ٢٤٨ ]
المطلب الأول: الأدلة من القرآن الكريم على التحذير من معصية الرسول ﷺ وحكم من خالفه.
ورد التحذير من معصية الرسول ﷺ في مواطن عدة من القرآن الكريم، وقد جاء التحذير مصحوبا بالوعيد الشديد لذلك المخالف العاصي ومن تلك المواطن: قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ١.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ ٢.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ ٣.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ ٤.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ ٥.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ٦.
_________________
(١) ١ الآية (٦٣) من سورة النور. ٢الآية (١٤) من سورة النساء. ٣ لآية (٣٦) من سورة الأحزاب. ٤ الآية (٢٣) من سورة الجن. ٥ الآية (١١٥) من سورة النساء. ٦ الآية (١٣) من سورة الأنفال.
[ ٢٤٩ ]
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾ ١.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ﴾ ٣.
وإن المتأمل في هذه الآيات يرى ما تضمنته من الوعيد الشديد والعقاب الأليم لمن خالف منهج الرسول وطريقته وشرعه وحاد كلما جاء به فقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ تحمل هذه الآية الوعيد الشديد لمن خالف أمررسول الله ﷺ وشريعته، ومعناها: "أي فليحذر وليخش من خالف شريعة الرسول ﷺ باطنا وظاهرا" ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ أي في قلوبهم من كفرأو نفاق أو بدعة ﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في الدنيا بقتل أو حد أو حبس أو نحو ذلك"٤.
هذا من جهة العقوبة الدنيوية كما فسر ابن كثير الآية بذلك.
أما على صعيد العقوبة الأخروية فاقرأ الآية الأخرى وهي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾، وعلى هذا فإن المخالف العاصي متوعد بالعقوبتين الدنيوية والأخروية، إضافة إلى وصفه بالضلال البين الواضح بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ
_________________
(١) ١ الآية (٦٣) من سورة التوبة. ٢ الآية (٥) من سورة المجادلة. ٣ الآية (٢٠) من سورة المجادلة. ٤ تفسير ابن كثير (٣/ ٣٠٧) .
[ ٢٥٠ ]
ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾، وفي هذا الوصف والجزاء للمخالف حكم بخروجه عن دائرة الإيمان.
كما أن كل من أعرض عن حكم الرسول ولم ينقد له ولم يرض به إلا إذا كان مواففا لهواه فهو محكوم عليه بالنفاق بنص القرآن الكريم.
قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا، وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ، وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ، أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ، إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٢.
وهذه الآيات بينت موقف كلا الطرفين- الطرف الأول أهل الإيمان الحقيقي والطرف الثاني أهل النفاق المظهرون للإسلام المخفون للكفر- من التحاكم لما جاء به الرسول ﷺ فمن سمة المنافقين أنهم لا يتحاكمون لشرع الله إلا إذا كان الحق في صفهم وحكم الشرع لصالحهم، أما إذا كان الأمر على خلاف ذلك فلا ترى منهم سوى الإعراض عن شرع الله المتمثل في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ.
_________________
(١) ١ الآيتان (٦٠، ٦١) من سورة النساء. ٢ الآيات (٥٨- ٥١) من سورة النور.
[ ٢٥١ ]
أما أهل الإيمان الذين ترسخ في قلوبهم الإيمان بشرع الله اعتقادا بالقلب وقولا باللسان وعملا بالجوارح فإن من صفاتهم وعلاماتهم تحاكمهم لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ في جميع أحوالهم وشؤونهم مع الرضى والتسليم لذلك الحكم سواء كان لهم أم عليهم.
ولذلك فقد جاء وصف أهل الإيمان بالفلاح فقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ بينما وصف أهل النفاق بالظلم حيث قال تعالى: ﴿بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ .
فيجب على المسلم أن يحذر من الوقوع في هذا العمل الخطير الذي من شأنه أن يوقع صاحبه في مثل هذه الصفات، ويعرضه لتلك العقوبات التي تحدثت بها آيات القرآن الواردة في هذا الشأن.
وقال ابن كثير عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ ١:."قوله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ أي ومن سلك غير طريق الشريعة التي جاء بها الرسول ﷺ فصار في شق والشرع في شق، وذلك عن عمد منه بعدما ظهر له الحق وتبين له واتضح، وقوله ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ هذا ملازم للصفة الأولى ولكن قد تكون المخالفة لنص الشارع وقد تكون لما أجمعت عليه الأمة المحمدية فيما علم اتفاقهم عليه تحقيقا فإنه قد ضمنت لهم العصمة في اجتماعهم من الخطأ تشريفا لهم وتعظيما
_________________
(١) ١ الآية (١١٥) من سورة النساء.
[ ٢٥٢ ]
لنبيهم وقد وردت أحاديث صحيحة كثيرة في ذلك
ولهذا توعد تعالى على ذلك بقوله: ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ أي إذا سلك هذه الطريق جازيناه على ذلك بأن نحسنها في صدره ونزينها له استدراجا له كما قال تعالى ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ ٢، وقوله: ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ٣.
وجعل النار مصيره في الآخرة لأن من خرج عن الهدى لم يكن له طريق إلا إلى النار يوم القيامة"٤.
ولقد ذكر الله ﵎ في كتابه العزيز عددا من قضايا المخالفة وعلى رأسها التحاكم إلى غير ما أنزل الله، فهذا الداء من أعظم المخاطر وبخاصة في زماننا هذا الذي طرح فيه كثير ممن ينتمون إلى الإسلام كتاب الله وسنة نبيه ﷺ وراء ظهورهم، واعتاضوا عنهما بقوانين الكفار وآراء ابتدعوها تقولا على الشريعة حتى جعلوا لتلك القوانين محاكم تحمى بقوة السلطان وأجبروا الناس على التحاكم إليها. والحكم بغير ما أنزل الله هو من أعظم أسباب المقت والحرمان وأكبر موجبات العقوبة والخذلان، كيف لا وهو شرع دين لم يأذن به الله واتباع لغير سبيل المؤمنين ومشاقة ومحادة ومحاربة وخيانة لله ولرسوله ﷺ واتخاذ لدين الله هزوا ولهوا ولعبا وتبديلا لنعمة الله إلى غير ذلك من
_________________
(١) ١ الآية (٤٤) من سورة القلم. ٢ الآية (٥) من سورة الصف. ٣ الآية (١١٠) من سورة الأنعام. ٤ تفسير ابن كثير (١/ ٥٥٤، ٥٥٥) .
[ ٢٥٣ ]
المفاسد والمحاذير التي لا تدخل تحت حساب.
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَار، جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ ٥.
وقال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّه﴾ ٦.
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ ٧.
قال ابن القيم: "قال أهل التحقيق من أهل التفسير الطاغوت كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع، فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله أو يعبدونه من دون الله أو يتبعونه على غير بصيرة من الله أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله.
_________________
(١) ١ الآية (٤٤) من سورة المائدة. ٢ الآية (٤٥) من سورة المائدة. ٣ الآية (٤٧) من سورة المائدة. ٤ الآية (٧٠) من سورة الأنعام. ٥ الآية (٢٨، ٢٩) من سورة إبراهيم. ٦ الآية (٢١) من سورة الشورى. ٧ الآية (٦٠) من سورة النساء.
[ ٢٥٤ ]
فهذه طواغيت العالم إذا تأملتها وتأملت أحوال الناس معها رأيت أكثرهم انحرف عن عبادة الله إلى عبادة الطاغوت وعن طاعته ومتابعة رسوله إلى طاعة الطاغوت ومتابعته، وهؤلاء لم يسلكوا طريق الناجين الفائزين من هذه الأمة وهم الصحابة ومن تبعهم ولا قصدوا قصدهم بل خالفوهم في الطريق والقصد معا، ولو لم يكن في القرآن المجيد من الزجر عن اتباع القوانين البشرية غير هذه الآية الكريمة لكفت العاقل اللبيب، فكيف والقرآن الكريم كله يدعو إلى تحكيم ما أنزل الله، وعدم تحكيم ما عداه١.
وبما تقدم من آيات يعلم المسلم خطورة مخالفة الرسول ﷺ والإعراض عن سنته ومنهجه والشرع الذي جاء به من عند ربه.
فالآيات السابقة وما كان على منوالها فيها خطاب لكل معرض عن سنة النبي ﷺ ومنهجه وشرعه الذي جاء به، وهي بما تضمنته من الوعيد الشديد بمثابة الإنذار لكل من كان على هذه الحال لكي يكون على بينة من أمره فيعلم على أي ذنب قد أقدم ولأي جرم قد ارتكب ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ ٢ وذلك قبل أن يكون من أولئك الذين يتحسرون ويعضون أيديهم ندما في يوم القيامة ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا، يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا، لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ ٣. ومعلوم أن كل من ترك ما جاء به الرسول ﷺ فإنه قائل لهذه المقالة لا محالة. فنعوذ بالله ممن هذه حاله ويوم القيامة تكون نار جهنم مآله وقراره.
_________________
(١) ١ تيسير العزيز الحميد (ص ٤٩٣) . ٢ الآية (٤٢) من سورة الأنفال. ٣ الآيات (٢٧، ٢٨، ٢٩) من سورة الفرقان.
[ ٢٥٥ ]
المطلب الثاني: الأدلة من السنة على التحذير من معصية الرسول ﷺ وحكم من خالفه:
جاءت السنة بمثل ما جاء به القرآن الكريم، فالأحاديث متوافرة، ومتعددة في هذا الشأن، فقد حذر النبي ﷺ من الإعراض عن سنته والبعد عنها أو الانتقاص من قدرها ومكانتها أو مخالفتها.
وهذا التحذير منه ﷺ والوارد في عبارات متنوعة وأساليب متعددة - كما سيمر عليك - يصور مدى حرصه ﷺ على حماية أمته وصيانتهم من الوقوع في هذا المزلق الخطير، ولا غرابة في ذلك فهو الموصوف بقوله تعالى: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ .
ومما ورد في تصوير مدى حرصه ﷺ على أمته وتحذيره لهم من الوقوع في مخالفته قوله ﷺ في الحديث الذي يرويه عنه أبو هريرة ﵁ "مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد نارا فلما أضاءت ما حولها جعل الفراش وهذه الدواب اللائي يقعن في النار يقعن فيها وجعل يحجزهن ويغلبنه فيقتحمن فيها – قال - فذلك مثلي ومثلكم أنا آخذ بحجزكم عن النار هلم عن النار فتغلبوني وتقتحمون فيها".
وهذا الحديث إضافة إلى كونه يصور مدى حرصه ﷺ على أمته فهو يبين كذلك أن سبيل النجاة والفلاح إنما هو باتباع سنة النبي ﷺ والأخذ بها، وأن كل مخالف ومجانب لهذه السنة فهو يلقي بنفسه إلى التهلكة وذلك بسبب
[ ٢٥٦ ]
بعده ومخالفته لشرع المصطفى ونهجه الذي جاء به.
ومن المعلوم أن النبي ﷺ قد بين لأمته سبيل النجاة والفلاح وحثهم على سلوكه والسير عليه، كما حذرهم من سبل الهلاك والضلال وبين لهم ماضيها من الخسران والتعاسة الدنيوية والأخروية قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، وهذه الوصية عامة لكل من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وقد ختم الله الآية بقوله ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ . والتقوى حقيقتها: "العمل بطاعة الله إيمانا واحتسابا، أمرا ونهيا فالمتقي يفعل ما أمره الله به إيمانا بالأمر وتصديقا بوعده، ويترك ما نهى الله عنه إيمانا بالنهي وخوفا من وعيده".
وقال طلق بن حبيب١: "التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله وأن تترك معصية الله على نور من الله، تخاف عقاب الله"٢. وطاعة الله تتحقق بطاعة رسوله والسير على نهجه وسلوك سبيله قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ .
وفي الحديث: "فمن أطاع محمدا ﷺ فقد أطاع الله ومن عصى محمدا ﷺ فقد عصى الله".
_________________
(١) ١ الآية (١٥٣) مى سورة الأنعام. ٢ طلق بن حبيب العنزي البصري، تابعي ثقة كان أعبد أهل زمانه قتله الحجاج مع سعيد بن جبير. تهذيب التهذيب (٥/ ٣١- ٣٢) .
[ ٢٥٧ ]
ولذلك فإنه لم يبق للإنسان إلا أن يختار أي الطريقين يسلك قال تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ ١ وليتحمل بعد ذلك مسؤولية ما قدم من عمل كما قال تعالى: ﴿بَلِ الإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ، وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى، وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى، ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأِوْفَى﴾ ٣
وإن المسلم الواعي العارف لأمور دينه يعلم أن الخير كل الخير في اتباع النبي ﷺ والتمسك بسنته والسير على هديه، وأن الشر كل الشر في البعد عن سنته ومخالفته. ولذا تراه حريصا على سنة المصطفى متمسكا بها في كل أحواله وفي الوقت نفسه يحذر أشد الحذر من مخالفة الرسول ﷺ والبعد عن سبيله ومنهجه. ومثل هذا الاعتقاد يجب على كل مسلم أن يعتقده ويطبقه في أقواله وأعماله ليسعد وينجو في دنياه وآخرته.
ومما يؤسف له أن كثيرا من المسلمين لا يولي هذا الجانب اهتمامه وعنايته بل تراه على النقيض من ذلك حتى إن بعضهم ليس له من الإسلام إلا اسمه فقط ذلك لأن أقواله وأفعاله مناقضة للشرع ولا تمت إليه بصلة، وتراه كذلك راغبا عن سنة المصطفي متحاكما في أكثر شؤونه وأحواله إلى غير الكتاب والسنة. ومن كانت هذه صفاته فالإسلام منه براء وهو بريء من الإسلام فقد قال ﷺ: "من رغب عن سنتي فليس مني"
_________________
(١) ١ الآية (٣) من سورة الإنسان. ٢ الآيتان (١٤، ١٥) من سورة القيامة. ٣ الآيات (٣٩، ٤٠، ٤١) من سورة النجم.
[ ٢٥٨ ]
ولقد ذم النبي ﷺ هذا الصنف من الناس وحذر منهم فعن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: "كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير وكنت أسأله عن الضر مخافة أن يدركني، فقلت: يارسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر؟، قال: "نعم". قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟، قال: "نعم وفيه دخن"، قلت: وما دخنه؟، قال: "قوم يهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر.." الحديث. فالشاهد من الحديث قوله ﷺ: "قوم يهدون بغير هديي" فالنبي ﷺ ذم من جعل للدين أصلا خلاف الكتاب والسنة أو جعلهما فرعا لذلك الأصل الذي ابتدعه وأمثال هؤلاء كثيرون فكم من شخص ينتمي للإسلام جعل من الفلاسفة حكما على كل شيء حتى على كتاب الله وسنة نبيه ﷺ، وكم من شخص نبذ شرع الله وراء ظهره وتحاكم إلى القوانين الوضعية المستوردة من بلاد الكفر والإلحاد. وكم من شخص جعل الهوى وشهوات النفس دينا يدين به فإذا جاءه أمر الشارع أخذ منه ما وافق هواه ورأيه وأعرض عما عداه. وكم من فئة وطائفة في زماننا الحاضر ينطق عليها قول النبي ﷺ هذا. والذي ينبغي على كل أحد أن يعلمه هو أنه بمقدار اتباع المرء لسنة المصطفي ﷺ، يكون فلاحه ونجاته، فالأقوال والأعمال يتوقف قبولها أو ردها على حسب موافقتها لما جاء به النبي ﷺ، فما وافق سنة النبي ﷺ قبل، وما خالفها فهو مردود على قائله وفاعله كائنا من كان وفي ذلك يقول ﷺ:
[ ٢٥٩ ]
"من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد".
وإن المعرض عن سنة المصطفى ﷺ والمخالف لها معرض للعقوبة في الدنيا والآخرة وذلك بحسب ما يقع منه من إعراض.
فعن سلمة بن الأكوع١ ﵁ أن رجلا أكل عند رسول الله ﷺ بشماله. فقال: "كل بيمينك"، قال: "لا أستطيع"، قال: "لا استطعت" ما منعه إلا الكبر، قال فما رفعها إلى فيه"٢، فهذه عقوبة دنيوية لهذا الشخص الذي عصى أمر النبي ﷺ.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "قرأ النبي ﷺ "النجم" فسجد، فما بقي أحد إلا سجد، إلا رجل رأيته أخذ كفا من حصى فرفعه فسجد عليه وقال: "هذا يكفيني، فلقد رأيته بعد قتل كافرا بالله"٣ وهذا الرجل هو أمية بن خلف٤ وقد قتل ببدر كافرا.
وعن عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: "بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري ومن تشبه بقوم فهو
_________________
(١) ١ سلمة بن عمرو بن الأكوع، صحابي جليل أول مشاهده الحديبية، وكان من الشجعان ويسبق الفرس عدوا، مات بالمدينة سنة أربع وسبعين على الصحيح. الإصابة (٢/ ٦٥) . ٢ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الأشربة باب آداب الطعام والشراب وأحكامهما (٦/ ١٠٩) . ٣ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب مناقب الأنصار: باب ما لقي النبي ﷺ وأصحابه من المشركين بمكة. انظر فتح الباري (٧/ ١٦٥) . وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساجد، باب سجود التلاوة (٢/ ٨٨) . ٤ فتح الباري (٨/ ٦١٤) .
[ ٢٦٠ ]
منهم" ١.
والشاهد من الحديث قوله ﷺ: "وجعلت الذلة والصغارعلى من خالف أمري"، وعنه ﵁ قال: "أقبل علينا رسول الله ﷺ بوجهه فقال: "يا معشر المهاجرين خمس إذا ابتليتم بهن، وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤونة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم فأخذ بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا مما أنزل الله، إلا جعل الله بأسهم بينهم" ٢. فهذا بعض ما ورد في السنة في العقوبات الدنيوية.
أما على صعيد العقوبات الأخروية فالأمر أشد وأعظم فالآخرة هي دار الجزاء والثواب والعقاب.
فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ أتى المقبرة فقال: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وددت أنا قد رأينا إخواننا. فقالوا: أوَلسنا إخوانك يارسول الله؟، قال: بل أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد، وأنا فرطهم ٣ على
_________________
(١) ١ أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٢/ ٥٠/ ٩٢) وقد جود إسناده شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم (ص ٣٩)، وحسنه الحافظ ابن حجر في الفتح (١٠/ ٢٣) . ٢ أخرجه ابن ماجة في السنن، كتاب الفتن، باب العقوبات (٢/ ١٣٣٢، ١٣٣٣) ح ٤٠١٩ ٣ فرطهم: أي متقدمهم إليه. يقال فرط يفرط، فهو فارط وفرط إذا تقدم وسبق القوم ليرتاد لهم الماء، ويهيئ لهم الدلاء والأرشية. النهاية (٣/ ٤٣٤) .
[ ٢٦١ ]
الحوض. فقالوا: كيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك يارسول الله؟، فقال: أرأيت لو أن رجلا له خيل غر١ محجلة٢ بين ظهري خيل دُهُم بُهُم٣ ألا يعرف خيله؟. قالوا: بلى يارسول الله، قال: فإنهم يأتون غرا محجلين من الوضوء وأنا فرطهم على الحوض ألا ليذادن رجال عن حوضى كما يذاد البعير الضال أناديهم ألا هلم، فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك فأقول سحقا سحقا" ٤.
فتلك عقوبة من حاد عن شرع المصطفى ﷺ ومال عنه واستبدل به غيره. وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " هلك المتنطعون" قالها ثلاثا٥.
قال النووي: " أي المتعمقون الغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم" ٦، فالنبي ﷺ أخبر بهلاك كل من بالغ في التعمق في أمور الشرع وغلا فيها وتكلف في أمور لم ترد عن الشارع الكريم ولم تكن من مقصوده.
وعن أبي بكر الصديق ﵁ قال: "لست تاركا شيئا كان رسول الله
_________________
(١) ١ الغر: جمع الأغر، من الغرة بياض الوجه، يريد بياض وجوههم بنور الوضوء يوم القيامة. النهاية (٣/ ٣٥٤) . ٢ الحجل في صفة الخيل هو الذي يرتفع البياض في قوائمه إلى موضع القيد، ويجاوز الأرساغ ولا يجاوز الركبتين. النهاية (١/ ٣٤٦) . ٣ دُهُم: أي سود. النهاية (٢/ ١٤٥، ١٤٦)، بُهُم: جمع بهيم وهو الذي لا يخالط لونه لون سواه. النهاية (١/ ١٦٧) . ٤ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الطهارةك باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء (١/ ١٥٠، ١٥١) . ٥ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب العلم: باب هلك المتنطعون (٨/ ٥٩) . ٦ شرح النووي لمسلم (١٦/ ٢٢٠) .
[ ٢٦٢ ]
ﷺ يعمل به إلا عملت به، إني أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ". والشواهد من القرآن والسنة وكلام السلف الصالح في هذا الشأن كثيرة ولا تكاد تحصى.
والقصد هنا بيان أن التولي عما جاء به النبي ﷺ من أمور الشرع من أكبر الذنوب، وهو سبب لانصباب المصائب وتتابع النوائب، فإن الجزاء من جنس العمل ومن تولى عن حكم الله وحكم رسوله تولى الله ورسوله عنه، ومن تولى الله ورسوله عنه فهيهات أن يفلح ويعز بل يتركه الله أذل وأحقر ما يكون قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ﴾ ١. وليحذرالمسلم من مخالفة الشريعة التي جاء بها محمد ﷺ من عند ربه ﷿، فإن في المخالفة عين الهلاك والخسران كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ ٢.
_________________
(١) ١ الآية (٢٠) من سورة المجادلة. ٢ الآية (١٢٤) من سورة طه.
[ ٢٦٣ ]