الفصل الأول: بيان عظيم قدره ﷺ ورفعة مكانته عند ربه ﷿
المبحث الأول: بيان بعض الخصائص التي خص الله بها نبيه ﷺ في الحياة الدنيا
تمهيد:
إن من الأهمية بمكان- قبل الشروع في توضيح الحق الواجب للنبي ﷺ في شأن تعظيمه وتوقيره- عقد هذا الفصل في بيان عظيم قدره ﷺ ورفعة مكانته عند ربه ﷿ وذلك لاستعراض- جملة طيبة من المكارم والخصائص التي امتن الله بها على عبده ورسوله محمد ﷺ، والتي تدلل على تشريف الله ﷿ وتكريمه لنبيه ﷺ، وتظهر تفضيل الله له على العالمين من الجن والناس أجمعين، بل والملائكة المقربين.
فلابد لكل مسلم صادق في إسلامه من أن يتعرف على تلك الخصائص والفضائل، إذ إن هذه المعرفه تنير القلوب وتبصرها وتزيدها إيمانا وحبا وتعظيما للنبي المصطفي ﷺ.
ولهذه الزيادة- بلا شك- ثمرتها في شحذ الهمم ودفعها لاتباعه والإقتداء به والسير على نهجه والتمسك بسنته واقتفاء أثره، ولزوم هديه.
والمتأمل في آيات الكتاب العزيز ونصوص السنة النبوية الصحيحة يجد الكثير من الأدلة التي تبين مكانة النبي الكريم ﷺ وعظم قدره عند ربه ﷿، فقد حباه الله وامتن عليه وأكرمه بخصائص في الدنيا والآخرة دلت على علو قدره، ورفعة مكانته، وسمو منزلته عند الخالق ﵎.
فقد قال تعالى في محكم التنزيل ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ ١ ففي هذه الآية يمتن الله على نبيه ﷺ بما أسبغ عليه من الفضائل التي هي المناقب والمراتب
_________________
(١) ١ الآية (١١٣) من سورة النساء.
[ ٢ / ٣٩٣ ]
التي أعطاه الله إياها وميزه بها عن بقية أنبيائه ورسله وسائر خلقه.
فالله سبحانه فضل بعض الرسل على بعض فقال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ ١.
فكان لنبينا محمد ﷺ النصيب الأوفر من هذا الفضل فقد خصه الله وميزه بخصائص ومناقب دنيوية وأخروية فضل بها على سائر الأنبياء ومن سواهم من البشر. وسأتعرض لبعض هذه الخصائص على وجه الاختصار وذلك حتى يتبين للقارئ عظم قدره ﷺ عند ربه ﷿.
_________________
(١) ١ الآية (٢٥٣) من سورة البقرة.
[ ٢ / ٣٩٤ ]
المبحث الأول: بيان بعض الخصائص التي خص الله، بها نبيه ﷺ في الحياة الدنيا
أ- أخذ العهد له ﷺ على جميع الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام.
من الأمور التي تدل على عظيم قدره ﷺ عند ربه ما أخذه الله من العهد له ﷺ على جميع الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام على أنهه لو بعث ﷺ وهم أحياء أو أحد منهم فإنه يجب عليهم أن يؤمنوا به ويتبعوه وينصروه. قال تعالى ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ ١
وقد روي عن علي بن أبي طالب وابن-عباس ﵄ في تفسير هذه الآية قولهما: "ما بعث الله نبيا من الأنبياء إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث الله محمدا وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه"٢.
فهو الإمام الأعظم الذي لو وجد في أي عصر وجد لكان هو الواجب الطاعة المقدم على الأنبياء كلهم، ولهذا كان إمامهم ليلة الإسراء لما اجتمعوا ببيت المقدس٣.
ولهذا فقد كان عند أهل الكتاب علم تام به ﷺ وبمبعثه ومكان بعثته
_________________
(١) ١ الآية (٨١) من سورة آل عمران. ٢ أخرجهما ابن جرير في تفسيره (٣/ ٣٣٢) وأوردهما ابن كثير في تفسيره (١/ ٣٧٨) . ٣ تفسير ابن كثير (١/ ٣٧٨) .
[ ٢ / ٣٩٥ ]
ومهاجره، كما ورد وصفه في كتبهم حتى إنهم ليعرفونه كما يعرفون أبناءهم قال تعالى ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ١
وقال تعالى ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالأِنْجِيلِ﴾ ٢
وفي الحديث عن عبد الله بن عمرو ﵄ حينما سئل عن وصف النبي ﷺ قال: "أجل والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للأميين، فأنت ت عبدي ورسولي سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى، يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا لا إله إلا الله فيفتح، به أعينا عميا، وآذانا صما وقلوبا غلفا "٣
٢- أنه ﷺ أكثر الأنبياء تبعا.
فعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ما من نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة" ٤.
_________________
(١) ١ الآية (١٤٦) من سورة البقرة. ٢ الآية (١٥٧) من سورة الأعراف. ٣ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع، باب كراهية السخب في الأسواق. انظر: فتح الباري (٤/ ٣٤٢) ح ٢١٢٥ ٤ تقدم تخريجه ص ٧٤
[ ٢ / ٣٩٦ ]
وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "أنا أكثر الأنبياء تبعا يوم القيامة" ١.
وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لم يصدق نبي من الأنبياء ما صدقت، وإن من الأنبياء نبيا ما يصدقه من أمته إلا رجل واحد" ٢.
وعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "عرضت علي الأم، فرأيت النبي ومعه الرهيط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي ليس معه أحد، إذ رفع لي سواد عظيم، فطنت أنهم أمتي فقيل لي: هذا موسى ﷺ وقومه، ولكن أنظر إلى الأفق الآخر، فإذا سواد عظيم فقيل لي هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب، ولا عذاب " الحديث٣.
وفي هذا الأمر فضل عظيم وخصيصة كبيرة لنبينا محمد ﷺ فالله تعالى يكتب لكل نبي من الأنبياء من الأجر بقدر أعمال أمته وأحوالها وأقوالها فقد قال ﷺ: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا " الحديث٤.
فما من معرفة ولا حالة ولا عبادة ولا مقالة ولا شيء مما يتقرب به إلى الله عز
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الأيمان، باب قول النبي ﷺ: "أنا أول الناس يشفع في الجنة" ١/١٣٠ ٢ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب في قول النبي ﷺ: "أنا أول الناس يشفع في الجنة وأنا أكثر الأنبياء تبعا" (/١٣٠) . ٣ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الطب، باب من اكتوى أو كوى غيره فتح الباري (١٠/ ١٥٥) ح ٥٧٠٥، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب (١/ ١٣٨) . ٤ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب العلم، باب من سن سنة حسنة أو سيئة ومن دعا إلى هدى أو ضلالة. انظر (٨/٦٢)
[ ٢ / ٣٩٧ ]
وجل مما دل عليه رسول الله ﷺ ودعا إليه إلا وله أجر من عمل به إلى يوم القيامة، ولا يبلغ أحد من الأنبياء إلى هذه المرتبة ذلك لأن النبي ﷺ قد نفع شطر أهل الجتة فقد ثبت في الحديث أن أمته شطر أهل الجنة قال ﷺ: "أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ قلنا: نعم. قال: أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ قلنا: نعم. قال: والذي نفسي بيده إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة" الحديث١.
فإذا كان ﷺ قد نفع شطر أهل الجنة، وغيره من الأنبياء إنما نفع جزءا من أجزاء الشطر، كانت منزلته في القرب على قدر منزلته في النفع، فما من عارف من أمته إلا وله مثل أجر معرفته مضافا إلى معارفه ﷺ، وما من ذي حال من أمته إلا وله ﷺ مثل أجره على- حاله مضموما إلى أحواله ﷺ، وما من ذى مقال يتقرب به إلى الله ﷿ إلا وله ﷺ مثل أجر ذلك القول مضموما إلى مقالته وتبليغ رسالته، وما من عمل من الأعمال المقربة إلى الله ﷿ من صلاة وزكاة وعتق وجهاد وبر ومعروف وذكر وصبر وعفو وصفح إلا وله ﷺ مثل أجر عامله مضموما إلى أجره على أعماله، وما من درجة علية، ومرتبة سنية، نالها أحد من أمته بإرشاده ودلالته إلا وله مئل أجرها مضموما إلى درجته ﷺ مرتبته، ويتضاعف ذلك بأن من دعا من أمته إلى هدى أو سن سنة حسنة كان له أجر من عمل بذلك على عدد العاملين، ثم يكون هذا المضاعف لنبينا ﷺ لأنه دل عليه، وأرشد إليه.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب الحشر. فتح الباري (١١/ ٣٧٨) ح ٦٥٢٨، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب كون هذه الأمة نصف أهل الجنة (١/١٣٨-١٣٩)
[ ٢ / ٣٩٨ ]
ولأجل هذا بكى موسى ﵇ ليلة الإسراء بكاء غبطة غبط بها النبي ﷺ إذ يدخل من أمته الجنة أكثر مما يدخل من أمة موسى ﵇، ولم يبك حسدا كما يتوهمه بعض الجهال، وانما بكا أسفا على ما فاته من مثل مرتبته١.
ففي قصة المعراج من حديث أنس بن مالك ﵁ مرفوعا وفيه " ثم صعد بي حتى أتى السماء السادسة فلما خلصت فإذا موسى، قال (جبريل) هذا موسى فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح، فلما تجاوزت بكى.
قيل له: ما يبكيك؟ قال أبكى لأن غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي " الحديث٢.
٣- أن قرنه ﷺ خير قرون بني آدم كما أنه خير قرون أمته والقرون التي تلي قرنه ﷺ.
فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "بعثت من خير قرون بني آدم قرنا فقرنا حتى كنت من القرن الذي كنت منه" ٣.
وعن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم " الحديث٤.
وعن عائشة ﵂ قالت: سأل رجل النبي ﷺ أي الناس خير قال
_________________
(١) ١ بداية السول في تفضيل الرسول (ص ٤٤، ٤٦) . ٢ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب مناقب الأنصار، باب المعراج، انظر: فنح الباري (٧/ ٢٠١- ٢٠٢) . وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله ﷺ إلى السموات وفرض الصلوات ١١/ ١٠٤) ٣ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المناقب، باب صفة النبي ﷺ. انظر: فتح الباري (٦/ ٥٦٦) ح ٣٥٥٧ ٤ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الشهادات، باب لا يشهد على شهادة جور إذا أشهد. انظر: فتح الباري (٦/ ٢٥٩) ح ٢٦٥٢، وأخرجه مسلم في صحيحه، كثاب فضائل الصحابة، باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم (٧/ ١٨٤) .
[ ٢ / ٣٩٩ ]
: "القرن الذي أنا فيه ثم الثاني ثم الثالث"١
والأحاديث في هذا الأمر كئيرة:
٤- أن الله تعالى أخبره بأنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وهو حي صحيح يمشي على الأرض. قال الله تعالى ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ ٢
وفي حديث أبي هريرة ﵁- الذي في الشفاعة- وفيه قوله ﷺ: " فيأتوني فيقولون: يا محمد أنت رسول الله، وخاتم الأنبياء، وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك " ٣.
وفي حديث أنس ﵁- الذي في الشفاعة أيضا وفيه قوله ﷺ: "ولكن ائتوا محمدا عبدا قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر " ٤.
قال العز بن عبد السلام٥: "ولم ينقل أنه أخبر أحدا من الأنبياء بمثل ذلك
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم (٧/ ١٨٦) ٢ الآيات (١، ٢، ٣) من سورة الفتح. ٣ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب قول الله ﷿: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ . انظر: فتح الباري (٨/ ٣٩٥) ح ٤٧١٢، وأخرجه مسلم في صحيحه كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة (١/ ١٢٧، ١٢٨) . ٤ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة (١/١٣٣-١٣٤) . ٥ عبد العزيز بن عبد السلام السلمي الدمشقي الملقب بسلطان العلماء فقيه شافعي بلغ رتبة الاجتهاد وله مؤلفات توفي سنة ٦٦٠هـ. الأعلام (٤/٢١) .
[ ٢ / ٤٠٠ ]
بل الظاهر أنه لم يخبرهم، لأن كل واحد. منهم إذا طلبت منهم الشفاعة في الموقف ذكر خطيئته التي أصابها وقال: "نفسي نفسي" ولو علم كل واحد منهم بغفران خطيئته لم يوجل منها في ذلك المقام واذا استشفعت الحلائق بالنبي صلىالله عليه وسلم في ذلك المقام قال: "أنا لها"١.
٥- أن الله رفع له ذكره،
قال تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ ٢ فلا يذكر الله سبحانه إلا ذكر معه، ولا تصح للأمة خطبة ولا تشهد حتى يشهدوا أنه عبده ورسوله، وأوجب ذكره في كل خطبة، وفي الشهادتين اللتين هما أساس الإسلام وفي الأذان الذي هو شعار الإسلام وفي الصلاة التي هي عماد الدين إلى غير ذلك من المواضع.
٦- أن الله أقسم بحياته ﷺ
فقال تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ٣ والإقسام بحياة المقسم بحياته يدل على شرف حياته وعزتها عند المقسم بها، وأن حياته ﷺ لجديرة أن يقسم بها لما فيها من البركة العامة والخاصة ولم يثبت هذا لغيره صلى الله عليه وسلم٤.
٧- أن الله وقره في ندائه، فناداه بأحب أسمائه وأسنى أوصافه
فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيّ ﴾ ٥ و﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ ٦ وهذه الخصيصة لم تثبت لغيره، بل ثبت أن كلا منهم نودي باسمه فقال تعالى:
_________________
(١) ١ بداية السول (ص ٣٥- ٣٦) . ٢ الآية (٤) من سورة الشرح. ٣ الآية ٧٢١) من سورة الحجر. ٤ بداية السرل (ص ٣٧) . ٥ الآيات (٦٤، ٦٥، ٧٠) من سورة الأنفال ومواضع أخرى. ٦ الآية (٤١، ٦٧) من سورة المائدة
[ ٢ / ٤٠١ ]
﴿يَا آدَمُ اسْكُنْ﴾ ١ ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ ٢ ﴿يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ﴾ ٣ ﴿قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ﴾ ٤ ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ﴾ ٥ ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ ٦ ﴿يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ﴾ ٧ ﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ﴾ ٨ ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ﴾ ٩.
ولا يخفي على أحد أن السيد إذا دعي أحد عبيده بأفضل ما وجد فيه من الأوصاف العلية والأخلاق السنية، ودعا الآخرين بأسمائهم الأعلام التي لا تشعر بوصف من الأوصاف ولا بخلق من الأخلاق، دل ذلك على أن منزلة من دعاه بأفضل الأسماء والأوصاف أعز عليه وأقرب إليه ممن دعاه باسمه العلم. وهذا معلوم بالعرف أن من دعي بأفضل أوصافه وأخلاقه كان ذلك مبالغة في تعظيمه واحترامه "١٠
٨- أن الله أمر الأمة بأن لا ينادونه باسمه بل ينادونه: يارسول الله يا نبي الله
فقال الله تعالى: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ
_________________
(١) ١ الآية (٣٥) من سورة البقرة. ٢ الآية (١١٠) من سورة المائدة ٣ الآية (٣٠) من سورة القصص ٤ الآية (٤٨) من سورة هود. ٥ الآية (٢٦) من سورة ص. ٦ الآية (١٠٥) من سورة الصافات ٧ الآية (٨١) من سورة هود. ٨ الآية (٧) من سورة مريم. ٩الآية (١٢) من سورة مريم. ١٠ (١٠) غاية السول (ص ٣٨) .
[ ٢ / ٤٠٢ ]
تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ١
قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير٢ عند تفسيرها، كانوا يقولون: يا محمد، يا أبا القاسم؟ فنهاهم الله ﷿ عن ذلك إعظاما لنبيه ﷺ، وأمرهم أن يقولوا يا نبي الله يارسول الله"٣.
٩- أن الله نهي الأمة أن يرفعوا أصواتهم فوق صوته ﷺ ولا يجهروا له بالقول - كما هو الحال بين الناس- حتى لا تحبط أعمالهم فقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ ٤ الآيات.
فعن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ افتقد ثابت بن قيس٥ فقال رجل يارسول الله أنا أعلم لك علمه، فأتاه فوجده جالسا في بيته منكسا رأسه فقال له ما شأنك؟ فقال: شر. كان يرفع صوته فوق صوت النبي ﷺ فقد حبط عمله وهو من أهل النار. فأتى الرجل، النبي ﷺ فأخبره أنه قال كذا وكذا فقال موسى٦: فرجع إليه المرة الآخرة ببشارة عظيمة، فقال: اذهب
_________________
(١) ١ الآية (٦٣) من سورة النور. ٢ سعيد بن جبير الأسدي، بالولاء، الكوفي، تابعي، أخذ العلم من ابن عباس وابن عمر، ثقة، ثبت، فقيه، إمام حجة، قتل بين يدي الحجاج سنة خمس وتسعين. تهذيب التهذيب (٤/ ١١- ١٤) ٣ تفسير ابن كثير (٣/ ٣٠٦) . ٤ الآية (٢) من سورة الحجرات. ٥ هو ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري الخزرجي،، خطيب الأنصار شهد له النبي ﷺ بالجنة، شهد أحدا وما بعدها، قتل يوم اليمامة. الإصابة (١/ ١٩٧) . ٦ موسى بن أنس بن مالك الأنصاري، قاضي البصرة.، تابعي، ثقة قليل الحديث.
[ ٢ / ٤٠٣ ]
إليه فقل له: إنك ليست من أهل النار، ولكنك من أهل الجنة"١.
وقال ابن الزبير٢: "ما كان عمر بن الخطاب ﵁ يسمع رسول الله ﷺ بعد هذه الآية حتى يستفهمه"٣
١٠- أن الله أمر الأمة بأنهم إذا أرادوا أن يناجوه ﷺ بأن يقدموا بين يدى نجواهم صدقة، ثم نسخ ذلك، وأمرهم بالطاعة فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ٤
١١- ما وهبه الله له من المعجزات التي تميزت، على معجزات من قبله من الأنبياء.
فمعجزة سيد الأولين والآخرين وهي القرآن العظيم الباقي إلى يوم الدين، الذي لا تنضب معانيه، ولا تفنى عجائبه، ولا تنقطع فوائده، وهو المحفوظ بحفظ الله له- من التغيير والتبديل والتحريف- فيه دواء وشفاء، ومواعظ وأحكام، فيه خبر من سبقنا، وأحوال من بعدنا، وهو حبل الله المتين، من
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في صحيحه كتاب التفسير، باب "لا ترفعوا أصواتهم فوق صوت النبي". انظر فتح الباري (٨/ ٥٩٠) ٤٨٤٦ ٢ هو عبد الله بن الزبير بن العوام، ولد عام الهجرة، وحنكه النبي ﷺ ودعا له، وكان أول مولود في الإسلام بالمدينة وكان شهما فصيحا، رقد بويع له بالخلافة بعد موت-يزيد بن معاوية فبقى ثمان سنوات حتى قتل في أيام عبد الملك سنة ثلاث وسبعين للهجرة. الإصابة (٢/ ٣٠١-- ٣٠٣) . ٣ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسبر، باب "لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي". فتح الباري (٨/ ٥٩٠) ح ٤٨٤٥ ٤ الآيتان (١٢، ١٣) من سورة المجادلة.
[ ٢ / ٤٠٤ ]
آمن به واتبعه رشد ومن تركه وضل عنه غوى وهلك، وخاب وخسر. فهو المعجزة الخالده الباقية ما بقى الإنسان في هذه الدنيا، بينما تصرمت وانقرضت معجزات من قبله من الأنبياء.
فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "ما من نبي إلا أعطى من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحى الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة" ١.
وكذلك فقد وجد في معجزاته ما هو أظهر في الإعجاز من معجزات غيره كتفجير الماء بين أصابعه٢ فهو أبلغ في خرق العادة من تفجيره من الحجر، لأن جنس الأحجار مما يتفجر منه الماء، وكانت معجزته بانفجار الماء من بين أصابعه أبلغ من انفجار الحجر لموسى عليه السلام٣.
وعيسى ﵇ أبرأ الأكمه مع بقاء عينه في مقرها ورسول الله صلى الله عيه وسلم رد العين بعد أن سالت على الخد ففيه معجزة من وجهين:
إحداهما: التئامها بعد سيلانها والأخرى: رد البصر إليها بعد فقده منها٤. فعن عاصم بن عمر بن قتادة٥ عن أبيه٦ عن جده قتادة٧ أنه أصيبت عينه يوم
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه ص ٧٤ ٢ تقدم تخريجه ص ٨٠. ٣ بداية السول في تفضيل الرسول (ص ٤١) . ٤ المصدر السابق (ص ٤١- ٤٢) ٥ عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان الأنصاري، تابعي ثقة، كثير الحديث، وكان له علم بالمغازي والسيرة، توفي سنة عشرين ومائة تهذيب التهذيب (٥/ ٥٣- ٣٤) . ٦ عمر بن قتادة بن النعمان الأنصاري، روى عن أبيه وله صحبة تهذيب التهذيب (٧/٤٨٩) ٧ قتادة بن النعمان بن زيد الأوسي ثم الظفري الأنصاري، صحابي جليل شهد بدرا وما بعدها ومات في خلافة عمر فصلى عليه ونزل في قبره وعاش خمسا وستين سنة. الإصابة ٣١/ ٢١٧- ٢١٨) .
[ ٢ / ٤٠٥ ]
أحد فسالت حدقته على وجنته فأرادوا أن يقطعوها، فسألوا النبي ﷺ فقال: "لا فدعا به فغمز عينه براحته فكان لا يدرى أي عينيه أصيبت" ١ (١) .
والأمثلة في هذا الباب كثيرة وقد تطرق إليها من كتب في الدلائل والخصائص٢.
قال الشافعي رحمه الله تعالى: "ما أعطى الله نبيا ما أعطى محمدا ﷺ" ٣
وقال السيوطي: "قال العلماء ما أوتى نبي معجزة ولا فضيلة إلا ولنبينا ﷺ نظيرها أو أعظم منها"٤.
_________________
(١) ١ أخرجه أبو نعيم في دلائل النبرة (ص ٤١٨) وأخرجه البيهقي في دلائل النبرة أيضا (٣/ ٢٥١- ٢٥٢) . وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٢٩٧، ٢٩٨) وعزاه لأبى يعلى وقال في إسناده يحى بن عبد الحميد الحماني وهو ضعيف وقال الألباني في حاشية كتاب بداية السول (ص ٤٢) ولكنه عند أبي نعيم من طريقين آخرين فهو يتقوى بهما". والحديث أورده ابن كثير في البداية (٤/ ٣٣، ٣٤) . والسيوطي في الخصائص الكبرى (١/ ٣٥٩) وعزاه لابن سعد والبيهقي وأبي نعيم. ٢ انظر: دلائل النبوة لأبي نعيم الأصبهاني (ص ٥١٢- ٥٥٠) ودلائل النبوة للبيهقي الجزء السادس، والخصائص الكبرى للسيوطي (٢/ ٣٠٤- ٣١٤) . ٣ آداب الشافعي ومناقبه لابن أبي حاتم (ص ٨٣) . ٤ الخصائص الكبرى (٢/ ٣٠٤) .
[ ٢ / ٤٠٦ ]
المبحث الثاني: بيان بعض الخصائص التي خص الله بها نبيه ﷺ في الآخرة
١- أنه سيد ولد آدم يوم القيامة:
فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة وأول من ينشق عنه القبر وأول شافع وأول مشفع" ١.
قال العز بن عبد السلام: "السيد من اتصف بالصفات العلية والأخلاق السنية، وهذا مشعر بأنه أفضل منهم في الدارين، أما في الدنيا فلما اتصف به من الأخلاق العظيمة.
وأما في الآخرة فلأن الجزاء مرتب على الأخلاق والأوصاف، فإذا فضلهم في الدنيا في المناقب والصفات، فضلهم في الآخرة في المراتب والدرجات. وإنما قال ﷺ "أنا سيد ولد آدم" لتعرف أمته منزلته من ربه ﷿"٢
وسيادة النبي ﷺ للناس يوم القيامة تظهر واضحة جلية بما سيناله من الشرف العظيم يوم القيامة وعلى رأس ذلك الشرف شفاعته في أهل الموقف واختصاصه بذلك من بين الأنبياء والرسل.
فعن أبي هريرة ﵁ قال: "كنا مع النبي ﷺ في دعوة، فرفعت إليه الذراع وكانت تعجبه- فنهس منا نهسة وقال: "أنا سيد الناس يوم القيامة، هل تدرون بمن يجمع الله الأولي ن والآخرين في صعيد واحد، فيبصرهم الناظر، ويسمعهم الداعي، وتدنو منهم الشمس، فيقرل بعض
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب تفضبل نبينا ﷺ على جميع الخلائق (٧/ ٥٩) ٢ بداية السول في تفضيل الرسول (ص ٣٤) .
[ ٢ / ٤٠٧ ]
الناس: ألا ترون إلى ما أنتم فيه إلى ما بلغكم؟
ألا تنظرون إلى من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس: أبوكم آدم. فيأتونه فيقولون يا آدم أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه وأمر الملائكة فسجدوا لك، وأسكنك الجنة ألا تشفع لنا إلى ربك؟ ألا ترى ما نحن فيه وما بلغنا؟.
فيقول: ربي غضب غضبا لم يغضب قبله مثله، ولا يغضب بعده مثله ونهاني عن الشجرة فعصيت، نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح.
فيأتون نوحا فيقولون: يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وسماك الله عبدا شكورا، أما ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ما بلغنا؟ ألا تشفع لنا إلى ربك؟ فيقول: ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولا يغضه بعده مثله، نفسي نفسي، ائتوا النبي ﷺ فيأتوني، فأسجد تحت العرش، فيقال: يا محمد ارفع رأسك واشفع تشفع، وسل تعطه"١.
٢- واشتمل الحديث كذلك على خصيصة أخرى تدل على تخصيصه وتفضيله لا وهي كونه أول شافع وأول مشفع فهذا أمر خص الله تعالى به رسوله ﷺ إذ جعله الشفيع يوم المحشر في إتيان الرب ﷻ لفصل القضاء بين عباده وهو المقام المحمود الذي لا يليق إلا له والذي يحيد عنه أولو العزم من الأنبياء والمرسلين حتى تنتهي النوبة إليه فيكون هو المخصوص به
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأنبياء، باب، قول الله ﷿ ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ انظر فتح الباري (٦/ ٣٧١) ح ٣٣٤٠ واللفظ له. وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الأيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها (١/ ١٢٧، ١٢٨) .
[ ٢ / ٤٠٨ ]
صلوات الله وسلامه عليه.
قال ابن تيمية ﵀: "وقد اتفق المسلمون على أنه ﷺ أعظم الخلق جاها عند الله، ولا جاه لمخلوق عند الله أعظم من جاهه، ولا شفاعة أعظم من شفاعته"١.
كما أنه أول من يشفع في دخول الجنة فعن، أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "أنا أول الناس يشفع في الجنة وأنا أكثر الأنبياء تبعا"٢.
٣- أن الله جعل لواء الحمد بيد النبي ﷺ يوم القيامة:
فعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "أنا سيد الناس يوم القيامة ولا فخر، ما من أحد إلا هو تحت لوائي يوم القيامة ينتظر الفرج، وإن معي لواء الحمد، أنا أمشى ويمشى الناس معي، حتى آتي باب الجنة، فأستفتح فيقال من هذا فأقول محمد، فيقال مرحبا بمحمد فإذا رأيت ربي خررت له ساجدا أنظر إليه" ٣
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وبيدي لواء الحمد ولا فخر وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه، إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر" ٤.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى (١/ ١٤٥) . ٢ أخرجه مسلم فى صحيحه كتاب الإيمان، باب في أول النبي ﷺ: "أنا أول الناس يشفع في الحنة وأنا أكثر الأنبياء تبعا" (١/ ١٣٠) . ٣ أخرجه الحاكم في مستدركه (/ ٣٠) وصححه وقال على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. ٤ أخرجه أحمد في مسنده (٣/٢) . وأخرجه الترمذى في سننه، كتاب المناقب، باب فضل النبي ﷺ (٥/ ٥٨٧) ح ٣٦١٥ وقال: هذا حديث حسن صحيح. وأخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الزهد، باب في الشفاعة (٢/ ١٤٤٠) ح ٤٣٠٨.
[ ٢ / ٤٠٩ ]
فهذه الخصيصة وغيرها من الخصائص تدل على علو مرتبته خاص وعلو منزلته إذ لا معنى للتفضيل إلا التخصيص بالمناقب والمراتب١.
٤- أنه أول من يجيز على الصراط وأول من يقرع باب الجنة وأول من يدخلها. وهذه الأمور مما خص به النبي ﷺ عن باقي الأنبياء السابقين. ففي حديث أبي هريرة ﵁ الطويل قال: "أن ناسا قالوا يارسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ " الحديث.
وفيه "ويضرب الصراط بين ظهري جهنم، فأكون أول من يجوز من الرسل بأمته؟ " ٢ لحديث (٢) .
وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "أنا أكثر الأنبياء تبعا يوم القيامة، وأنا أول من يقرع باب الجنة" ٣.
وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح فيقول الخازن من أنت؟ فأقول محمد، فيقول بك أمرت لا أفتح لأحد قبلك" ٤.
_________________
(١) ١ غاية السول (ص ٣٥) . ٢ أخرجه البخاري في صحيحه، واللفظ له، كتاب الآذان، باب فضل السجود، انظر فتح الباري (٢/ ٢٩٢، ٢٩٣) ح ٨٠٦، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية (١/ ١١٣) . ٣ أخرجهما مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب قول النبي ﷺ: " أنا أول الناس يشفع في الجنة" (١/ ١٣٠) ٤ أخرجهما مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب قول النبي ﷺ: "أنا أول الناس يشفع في الجنة" (١/ ١٣٠)
[ ٢ / ٤١٠ ]
المبحث الثالث: بيان بعض الخصائص التي خص الله بها أمة محمد ﷺ
اختصت هذه الأمة بخصائص وفضائل، فلقد أكرم الله هذه الأمة بنعم جليلة ومنح عظيمة، هي في أصلها إكرام كل من الله تعالى لنبيه ﷺ، ولو لم تتبعه لما أعطت هذه الكرامات وتلك الميزات.
فلقد جعل الله تعالى هذه الأمة خير الأمم، واصطفاها من جميع الخلق لتكون أمة لنبيه محمد ﷺ، واجتباها لتكون الأمة الوسط الشاهدة على جميع الأمم السابقة.
قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ٣.
وعن معاوية بن حيدة القشيري٤ ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول في قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قال: "إنكم تتمون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله" وفي لفظ "أنتم أفخرها وأكرمها على الله
_________________
(١) ١ الآية (١١٠) من سورة آل عمران. ٢ الآية (١٤٣) من سورة البقرة. ٣ الآية (٧٨) من سورة الحج. ٤ معاوية بن حيدة بن معاوية القشيري، له وفادة وصحبة، وقال البخاري "سمع النبي ﷺ، وتوفي بخرسان. الإصابة (٣/ ٤١٢) .
[ ٢ / ٤١١ ]
﷿" ١.
وروى الأمام أحمد نحوه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه٢.
ومن فضل الله على هذه الأمة أنهم مع كونهم أقل عملا ممن قبلهم، فهم أكثر أجرا كما جاء في الحديث الصحيح.
فعن أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "مثل المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجل استأجر قوما يعملون له عملا يوما إلى الليل على أجر معلوم، فعملوا له نصف النهار، فقالوا لا حاجة لنا إلى أجرك الذي شرطت لنا وما عملنا باطل فقال لهم لا تفعلوا أكملوا بقية عملكم وخذوا أجركم كاملا، فأبوا وتركوا، واستأجر آخرين بعدهم فقال: أكملوا بقية يومكم هذا ولكم الذي شرطت لهم من الأجر فعملوا، حتى إذا كان حين صلاة العصر قالوا: لك ما عملنا باطل، ولك الأجر الذي جعلت لنا فيه، فقال لهم: أكملوا بقية عملكم فإن ما بقي من النهار شيء يسير، فأبوا، فاستأجر قوما أن يعملوا له بقية يومهم، فعملوا بقية يومهم حتى غابت الشمس، واستكملوا أجر الفريقين كليهما، فذلك مثلهم ومثل ما قبلوا من هذا النور" ٣.
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد في المسند (٤/ ٤٤٦، ٤٤٧، ٤٤٨) (٥/ ٣- هـ) والترمذي في سننه، كتاب التفسير، تفسير سورة آل عمران (٥/ ٢٢٦) ح ٣٥٠١ وقال: هذا حديث حسن. وأخرجه ابن ماجة في السنن كتاب الزهد، باب صفة أمة محمد ﷺ انظر (٢/ ١٤٣٣) والحاكم قي المستدرك (٤/٨٤) وصححه ووافقه الذهبي. والدارمي في السنن (٢/ ٢٢١) ح ٢٧٦٣، وحسنه الألباني في المشكاة (٦٢٨٥) . ٢ المسند (٣/٦١) . ٣ أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الإجارة باب الإجارة من العصر إلى الليل. انظر: فتح الباري (٤/٤٤٧، ٤٤٨) ح٢٢٧١.
[ ٢ / ٤١٢ ]
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: "والمراد من هذا التشبيه بالعمال تفاوت أجورهم، وأن ذلك ليس منوطا بكثرة العمل وقلته، بل بأمور أخر معتبرة عند الله تعالى.
وكم من عمل قليل أجدى ما لا يجديه العمل الكثير، هذه ليلة القدر العمل فيها أفضل من عبادة ألف شهر سواها، وهؤلاء أصحاب محمد ﷺ أنفقوا في أوقات لو أنفق غيرهم من الذهب مثل أحد ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه من تمر، وهذا رسول الله ﷺ بعثه الله على رأس أربعين سنة من عمره وقبضه وهو ابن ثلاث وستين على المشهور وقد برز في هذه المدة التي هي ثلاث وعشرون سنة في العلوم النافعة والأعمال الصالحة على سائر الأنبياء قبله حتى على نوح الذي لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له ويعمل بطاعة الله ليلا ونهارا صباحا ومساء صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر الأنبياء أجمعين.
فهذه الأمة إنما شرفت وتضاعف ثوابها ببركة سيادة نبيها وشرفه وعظمته كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ لِئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ ١.
ومما أكرمت به هذه الأمة كذلك أنهم مع كونهم آخر الأم زمانا فهم الأولون يوم القيامة.
_________________
(١) ١ الآيتان (٢٨ ٢٩) من سورة الحديد.
[ ٢ / ٤١٣ ]
فعن أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أتوا الكتاب من قبلنا" ١.
فهذه الأمة هم أول من يقضى لهم يوم القيامة كما جاء في الحديث الصحيح " نحن الآخرون من أهل الدنيا والأولون يوم القيامة المقضى لهم قبل الخلائق" ٢.
ومما خص الله تعالى به هذه الأمة يوم القيامة أنها تكون مع نبيها ﷺ أول من يجتاز الصراط من الأم، كما في الحديث الطويل عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ وفيه " ويضرب الصراط دروس ظهري جهنم، فأكون أنا وأمتي أول من يجيز " ٣.
وكذلك فإن هذه الأمة هم أول من يدخل الجنة من الأمم فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "نحن الآخرون الأولون يوم القيامة ونحن أول من يدخل الجنة" ٤
ومما خص الله به هذه الأمة أن جعل الزمرة الأولى منها- وهي التي تدخل الجنة من غير حساب ولا عذاب- تدخل الجنة من الباب الأيمن من أبواب الجنة.
فقد جاء في حديث أبي هريرة ﵁- حديث الشفاعة الطويل وفيه "فأقول يارب أمتي أمتي، فيقال: يامحمد أدخل الجنة من أمتك من لا
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجمعة، باب فرض الجمعة واللفظ له. انظر: فتح الباري (٢/ ٣٥٤) ح ٨٧٦ وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجمعة، باب هداية هذه الأمة ليوم الجمعة (٣/ ٦) . ٢ أخرجه مسل! م في صحيحه، كتاب الجمعة، باب هداية هذه الأمة ليوم الجمعة (٣/ ٧) . ٣ أخرجه بهذا اللفظ مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية. انظر (١/١١٣) ٤ أخرجه بهذا اللفظ مسلم في صحيحه، كتاب الجمعة، باب هداية هذه الأمة ليوم الجمعة (٣/٦)
[ ٢ / ٤١٤ ]
حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب " ١ الحديث.
فهذه الخصائص والفضائل وغيرها كثير إنما هي شواهد وبراهين على تفضيل الله تعالى لنبيه ورسوله محمد ﷺ، وعلى. ماله من منزلة عظيمة ودرجة رفيعة عنده ﵎.
ومن هذه الخصائص يعلم المسلم عظيم قد نبينا ﷺ ورفعة مكانته عند الله ﷿، ومما لاشك فيه أن هذا العلم وهذه المعرفة ستثمربإذن الله في القلب المؤمن بالله ورسوله، فيزداد تعظيما وتوقيرا للنبي ﷺ، وحرصا على اتباعه واقتفاء أثره والسير على سنته.
فحري بالمسلم الذي تتوق نفسه وتتطلع لأن يكون في عداد أمة المصطفى الذين يقودهم ﷺ إلى الجنة بعد أن يجتاز بهم الصراط، أن يحقق الأمور التي يستحق بها هذا الفضل العظيم والمرتبة العالية.
فبالإيمان والاتباع والمحبة والتعظيم والبعد عما يضاد هذه الأمور يستحق الإنسان أن يكون من أمة محمد ﷺ.
أما من لم يتبع ويسلك سبيل النبي ﷺ بل غير بدل فهو محروم من هذا الفضل وذاك الشرف الذي تحدثت عنه تلك النصوص.
فقد جاء في الصحيحين عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "أنا فرطكم على الحوض وليختلجن رجال دوني فأقول يارب أصحابي
_________________
(١) ١ أخرجه بهذا اللفظ مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها (١/ ١٢٧- ١٢٩) .
[ ٢ / ٤١٥ ]
فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك إنهم غيروا وبدلوا فيقول النبي ﷺ سحقا سحقا لمن غير وبدل" ١
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب في الحوض. فتح الباري (١١/ ٤٦٣) ح ٦٥٧٦، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الطهارة، باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء (١/ ١٥٠- ١٥١) .
[ ٢ / ٤١٦ ]
الفصل الثاني: وجوب تعزيره وتوقيره وتعظيمه ﷺ على أمته في حياته وبعد مماته
المبحث الأول: معنى التعزير والتوقير والتعظيم
المبحث الأول: معنى التعزير والتوقير والتعظيم.
قال تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٢.
أ- أما التعزير في اللغة:
فيقول صاحب معجم مقاييس اللغة عن أصل هذه الكلمة: "عزر" العين والزاء. والراء: كلمتان
أحدهما: التعظيم والنصر. والكلمة الأخرى: جنس من الضرب. فالأولى: النصر والتوقير كقوله تعالى: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾
والأصل الآخر: التعزير وهو الضرب دون الحد"٣.
وفي النهاية في غريب الحديث "أصل التعزير: المنع والرد. فكأن من نصرته قد رددت عنه أعداءه ومنعتهم من أذاه. ولهذا قيل للتأديب الذي هو دون الحد تعزير، لأنه يمنع الجاني أن يعاود الذنب، يقال عزرته، وعزرته. فهو من الأضداد"٤.
وجاء في تهذيب اللغة: "عزر" قال الله ﷿: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾
_________________
(١) ١ الآية (٩) من سورة الفتح. ٢ الآية (١٥٧) من سورة الأعراف. ٣ مقاييس اللغة (٤/ ٣١١) . ٤ النهاية (٣/ ٢٢٨) .
[ ٢ / ٤١٩ ]
جاء في التفسير في قوله تعالى ﴿وَتُعَزِّرُوهُ﴾ أي لتنصروه بالسيف ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ عظمتموهم. وقيل: نصرتموهم.
واللفظة تستعمل لعدة معان هي:
١- التعزير: النصر باللسان والسيف.
٢- التعزير: التوقير.
٣- التعزير: التأديب دون الحد.
٤- التعزير: التوقيف على الفرائض والأحكام"١.
وأما عن المعنى الشرعي المراد هنا:
فعن ابن عباس ﵄: ﴿وَعَزَّرُوهُ﴾ يقول: "حموه ووقروه"٢.
وعن مجاهد قال: "عزروه: سددوا أمره، وأعانوا رسوله ونصروه"٣.
وعن قتادة في قوله: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ﴾ قال ينصروه"٤.
وقال ابن جرر الطبري: ﴿وَعَزَّرُوهُ﴾ "وقروه وعظموه وحموه من الناس"٥
وقال أيضا بعد أن نقل قول ابن عباس ومجاهد وقتادة "وهذه الأقوال متقاربات المعنى، وإن اختلفت ألفاظ أهلها بها ومعنى التعزير في هذا الموضع: التقوية بالنصر والمعونة، ولا يكون ذلك إلا بالطاعة والتعظيم والإجلال"٦ (٦) .
وقال شيخ الإسلام: "التعزير: اسم جامع لنصره وتأييده ومنعه من كل ما يؤذيه"٧.
_________________
(١) ١ تهذيب اللغة (٢/ ١٢٩- ١٣٠) بتصرف. ٢ تفسبرالطري (٩/ ٨٥) . ٣ تفسبرالطري (٩/ ٨٥) . ٤ تفسيرالطري (٢٦/ ٧٥) . ٥ تفسير الطبري (٩/ ٨٥) . ٦ تفسير الطري (٢٦/ ٧٥) ٧ الصارم المسلول (ص ٤٢٢) .
[ ٢ / ٤٢٠ ]
ب- وأما عن التوقير في اللغة:
ففي معجم مقاييس اللغة: "وقر" الواو. والقاف. والراء: أصل يدل على ثقل في الشيء ومنه الوقار: الحلم والرزانه"١.
وجاء في تهذيب اللغة "وقر الرجل من الوقار، يقر، فهو وقور. ووقرت الرجل: إذا عظمته ومنه قوله ﷿ ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ ٢
وفي لسان العرب: "وقر الرجل: بجله، والتوقير: التعظيم والترزين"٣
وأما المعنى الشرعي المراد هنا:
فقال ابن عباس: ﴿وَتُوَقِّرُوهُ﴾ يعني التعظيم"٤.
وقال قتادة: ﴿وَتُوَقِّرُوهُ﴾ أمر الله بتسويده وتفخيمه"٥.
وقال أيضا:" ﴿وَتُوَقِّرُوهُ﴾ أي ليعظموه"٦.
وقال ابن جرير الطبري: "فأما التوقير فهو التعظيم والإجلال والتفخيم"٧.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "التوقير: اسم جامع لكل ما فيه سكينة وطمأنينة من الإجلال والإكرام، وأن يعامل من التشريف والتكريم والتعظيم بما يصونه عن كل ما يخرجه عن حد الوقار"٨
_________________
(١) ١ معجم مقاييس اللغة (٦/ ١٣٢) ٢ تهذيب اللغة (٩/ ٢٨٠) ٣ لسان العرب (٥/ ٢٩١) . ٤ تفسير الطبري (٢٦/ ٧٤) . ٥ تفسير الطبري (٢٦/ ٧٤) . ٦ تفسيرالطبري (٢٦/ ٧٥) . ٧ تفسيرالطبري (٢٦/ ٧٥) . ٨ الصارم المسلول (ص٤٢٢)
[ ٢ / ٤٢١ ]
قال ابن كثير: "التوقير: هو الإحترام والإجلال والإعظام"١.
ج- وأما التعظيم في اللغة:
ففي لسان العرب "التعظيم: التبجيل: يقال لفلان عظمة عند الناس: أي حرمة يعظم لها"٢.
ولفظ "التعظيم" لا يرد في خطاب الشارع كما ورد لفظ "التعزير" و"التوقير" لكن العلماء استعملوه في كلامهم عند هذه المسألة وذلك لقربه في المعنى إلى ذهن السامع، ولتأديته للمعنى المراد من لفظتي "التعزير" و"التوقير".
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير (٤/١٨٥) ٢ لسان العرب (١٢/٤١٠-٤١١)
[ ٢ / ٤٢٢ ]
المبحث الثاني: وجوب توقيره وتعظيمه ﷺ والأدلة على ذلك.
إن تعظيم النبي ﷺ، وإجلاله، وتوقيره، شعبة عظيمة من شعب الإيمان، وهذه الشعبة غير شعبة المحبة١ بل إن منزلتها ورتبتها فوق منزلة ورتبة المحبة. ذلك لأنه ليس كل محب معظما، ألا ترى أن الوالد يحب ولده ولكن حبه إياه يدعوه إلى تكريمه ولا يدعوه إلى تعظيمه.
والولد يحب والده فيجمع له بين التكريم والتعظيم. والسيد قد يحب مماليكه ولكنه لا يعظمهم. والمماليك يحبون ساداتهم ويعظمونهم.
فعلمنا بذلك أن التعظيم رتبته فوق رتبة المحبة٢.
فمن حق النبي ﷺ على أمته أن يهاب ويعظم ويوقر ويجل أكثر من كل ولد لوالده ومن كل عبد لسيده، فهذا حق من حقوقه الواجبة له مما يزيد على لوازم الرسالة٣ وهو ما أمر الله به في كتابه العزيز قال تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ ٤.
وقال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ
_________________
(١) ١ انظر المنهاج في شعب الإيمان للحليمي (٢/ ١٢٤) الشعبة الخامسة عشرة. وكذلك الجامع في شعب الإيمان للبيهقي (١/ ٣٠٠) الشعبة الخامسة عشرة. ٢ المنهاج في شعب الإيمان للحليمي (٢/ ١٢٤) . ٣ المعنى المقصود هنا: أنه يجوز أن يبعث الله رسولا ولا يوجب له هذا الحق بخلاف الإيمان والاتباع فإنهما من لوازم الرسالة. ٤ الآية (٩) من سورة الفتح.
[ ٢ / ٤٢٣ ]
أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ١.
فأبان أن حق الرسول ﷺ في أمته أن يكون معزرا موقرا مهيبا.
وأخبر سبحانه أن الفلاح إنما يكون لمن جمع بين الإيمان به وتعزيره ولا خلاف في أن التعزير هاهنا التعظيم٢.
وفي الجمع الحاصل في الآيتين بين الإيمان به وتعظيمه، تنبيه وإرشاد إلى أن القيام بحقوقه ﷺ يعد من الإيمان الواجب الذي لا يتم إيمان العبد إلا به. قال الحليمي٣: "فمعلوم أن حقوق رسول الله ﷺ أجل وأعظم وأكرم وألزم لنا وأوجب علينا من حقوق السادات على مماليكهم والآباء على أولادهم لأن الله تعالى أنقذنا به من النار في الآخرة، وعصم به لنا أرواحنا وأبداننا وأعراضنا وأموالنا وأهلينا وأولادنا في العاجلة، فهدانا به لما إذا أطعناه فيه أدانا إلى جنات النعيم. فأية نعمة توازي هذه النعم وأية منة تداني هذه المنن. ثم إنه جل ثناؤه ألزمنا طاعته، وتوعدنا على معصيته بالنار. ووعدنا باتباعه الجنة. فأي رتبة تضاهي هذه الرتبة، وأي درجة تساوي في العلا هذه الدرجة. فحق علينا أن نحبه ونجله ونعظمه ونهابه أكثر من إجلال كل عبد سيده وكل ولد والده. وبمثل هذا نطق القرآن ووردت أوامر الله جل ثناؤه"٤.
_________________
(١) ١ الآية (١٥٧) من سورة الأعراف. ٢ المنهاج في شعب الإيمان (٢/ ١٢٥) "بتصرف". ٣ الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم البخاري الجرجانى، فقيه شافعي، قاضي، كان رئيس أهل الحديث في ما وراء النهر، توفي في بخارى سنة ٤٠٣هـ وله كتاب المنهاج في شعب الإيمان. الأعلام (٢/ ٢٣٥) . ٤ المنهاج في شعب الإيمان (١٢٤- ١٢٥) والجامع لشعب الإيمان (٣٠٢- ٣٠٣) .
[ ٢ / ٤٢٤ ]
ففي القرآن الكريم آيات كثيرة جاء فيها التأكيد على هذا الحق من حقوقه ﷺ وبخاصة في جوانب معينة من جوانب تعظيمه ومن تلك الآيات ما يلي:
١- قوله تعالى: ﴿لاَ تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ ١ "ففي هذه الآية نهي من الله أن يدعوا رسول الله ﷺ بغلظ وجفاء، وأمر لهم أن يدعوه بلين وتواضع"٢.
وروى الطبري بسنده عن مجاهد في تفسيرها فقال: "أمرهم أن يدعوه يارسول الله في لين وتواضع، ولا يقولوا: يامحمد، في تجهم"٣ (٣) .
وعن قتادة قال: "أمرهم أن يفخموه ويشرفوه"٤ (٤)
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في تفسيرها "خص الله نبيه في هذه الآية بالمخاطبة بما يليق به، فنهي أن يقولوا: يامحمد أو يا أحمد، أو يا أبا القاسم، ولكن يقولوا: يارسول الله، يانبي الله وكيف لا يخاطبونه بذلك، والله سبحانه أكرمه في مخاطبته إياه بما لم يكرم به أحدا من الأنبياء، فلم يدعه باسمه في القرآن قط، بل يقول ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ ٥ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ ٦ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ ٧ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ ٨ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ ٩ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا
_________________
(١) ١ الآية (٦٣) من سورة النور. ٢ تفسير الطبري (١٨/١٧٧) . ٣ تفسير الطبري (١٨/١٧٧) . ٤ تفسير الطبري (١٨/١٧٧) . ٥ الآية (٢٨) من سورة الأحزاب. ٦ الآية (٥٠) من سورة الأحزاب. ٧ الآية (١) من سورة الأحزاب. ٨ الآية (٤٥) من سورة الأحزاب ٩ الآية (١) من سورة الطلاق.
[ ٢ / ٤٢٥ ]
أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ ١ ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ ٢ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ﴾ ٣ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ ٤ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ ٥.
مع أنه سبحانه قال: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ﴾ ٦ ﴿قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ ٧ ﴿يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ ٨ ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ ٩ ﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ﴾ ١٠ ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ﴾ ١١ ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ﴾ ١٢١٣.
وقال ﵀: "وإذا كنا في باب العبارة عن النبي ﷺ علينا أن نفرق بين مخاطبته والإخبار عنه. فإذا خاطبناه كان علينا أن نتأدب بآداب الله تعالى حيث
_________________
(١) ١ الآية (١) من سورة التحريم. ٢ الآية (٦٧) من سورة المائدة. ٣ الآيتان (١، ٢) من سورة المزمل ٤ الآيتان (١، ٢) من سورة المدثر ٥ الآية (٦٤) من سورة الأنفال ٦ الآية (٣٥) من سورة البقرة ٧ الآية (٣٣) من سورة البقرة ٨ الآية (٤٦) من سورة هود ٩ الآية (٧٦) من سورة هود ١٠ الآية (١٤٤) من سورة الأعراف ١١ الآية (٢٦) من سورة ص. ١٢ الآية (١١٠) من سورة المائدة ١٣ الصارم المسلول (ص ٤٢٢- ٤٢٣)
[ ٢ / ٤٢٦ ]
قال: ﴿لاَ تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ ١ فلا تقول يا محمد يا أحمد، كما يدعو بعضنا بعضا بل نقول: يارسول الله، يانبي الله. والله ﷾ خاطب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بأسمائهم فقال: ﴿يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ ٢ ﴿يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾ ٣ ﴿يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ ٤ ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ ٥
ولما خاطبه ﷺ قال ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ ٦ ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ ٧ ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ ٨ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ ٩ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ ١٠ فنحن أحق أن نتأدب في دعائه وخطابه.
وأما إذا كنا في مقام الإخبار عنه قلنا: "أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله" وقلنا محمد رسول الله وخاتم النبيين، فنخبر عنه باسمه كما أخبر الله سبحانه لما أخبر عنه ﷺ ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ
_________________
(١) ١ الآية (٦٣) من سورة النور ٢ الآية (٣٥) من سورة البقرة ٣ الآية (٤٨) من سورة هود ٤ الآيتان (١١، ١٢) من سورة طه ٥ الآية (٥٥) من سورة آل عمران ٦ الآية (٦٤) من سورة الأنفال ٧ الآية (٤١) من سورة المائدة ٨ الآية (٦٧) من سورة المائدة ٩ الآية (١) من سورة المزمل ١٠ الآية (١) من سورة المدثر
[ ٢ / ٤٢٧ ]
وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ ١ وقال ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ ٢ وقال ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ ٣ وقال ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ﴾ ٤
فالفرق يين مقام المخاطبة ومقام الإخبار فرق ثابت بالشرع والعقل"٥
٢- وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٦
فهذه الآيات اشتملت على جملة من الآداب التي أدب الله بها عباده المؤمنين فيما يجب أن يعاملوا به الرسول ﷺ من التوقير والاحترام والتبجيل والإعظام وهذه الآداب هي:
أولا: أنه حرم التقدم بين يديه بالكلام حتى يأذن، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا
_________________
(١) ١ الآية (٤٠) من سورة الأحزاب ٢ الآية (٢٩) من سورة الفتح ٣ الآية (١٤٤) من سورة آل عمران ٤ الآية (٢) من سورة محمد ٥ درء تعارض العقل والنقل (١/٢٩٧، ٢٩٨) ٦ الآيات من (١ إلى ٥) من سورة الحجرات
[ ٢ / ٤٢٨ ]
الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾
قال ابن كثير في معناها: "أي لا تسارعوا في الأشياء بين يديه أي قبله بل كونوا تبعا له في جميع الأمور، حتى يدخل في عموم هذا الأدب الشرعي حديث معاذ ﵁ حيث قال له النبي ﷺ حين بعثه إلى اليمن "بم تحكم؟ " قال: بكتاب الله تعالى. قال ﷺ "فإن لم تجد؟ "قال بسنة رسول الله ﷺ. قال ﷺ: "فإن لم تجد؟ "قال ﵁: أجتهد رأي، فضرب في صدره وقال: "الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله ﷺ لما يرضي رسول الله ﷺ" ١.
فالغرض منه أنه أخر رأيه ونظره واجتهاده إلى ما بعد الكتاب والسنة ولو قدمه قبل البحث عنهما لكان من باب التقدم بين يدي الله ورسوله"٢.
وقال الحليمي عند تعليقه على هذه الآية: "والمعنى لا تقدموا قولا أو فعلا بين يدي قول رسول الله ﷺ وفعله فيما سبيله أن تأخذوه عنه من أمر دين أو دنيا، بل أخروا أقوالكم وأفعالكم إلى أن يأمر رسول الله ﷺ في ذلك بما يراه فإنكم إذا قدمتم بين يديه كنتم مقدمين بين يدي الله ﷿ إذ كان رسوله لا يقضي إلا عنه، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ ! أي احذروا عقابه بتقديمكم يين يدي رسول الله ومعاملته بما يوهم الاستخفاف به ومخالفة شيء مما يأمركم به عن
_________________
(١) ١ أخرجه الإمام أحمد فى مسنده (٥/ ٢٣٠، ٢٣٦، ٢٤٢) .وأبو داود في سننه، كتاب الأقضية، باب اجتهاد الرأي في القضاء (٤/ ١٨) ح ٣٥٩٢. والترمذي في سننه، كتاب الأحكام، باب القاضي كيف يقضي (٣/٦١٦) ح ١٣٢٧. وابن ماجة في سننه، المقدمة، باب اجتناب الرأي والقياس بنحوه (١/ ٢١) . ٢ تفسير ابن كثير (٤/ ٢٠٥) .
[ ٢ / ٤٢٩ ]
الله بوحي متلو أو بوحي غير متلو ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي سميع لما تقدمونه بين يدي رسوله ﷺ، أو تأتونه اقتداء به واتباعا له، عليم بما يكون منكم من إجلاله أو خلاف ذلك فهو يجزيكم بما سمعه ويعلمه منكم"١.
ولقد تأدب الصحابة مع ربهم ومع رسولهم، فما عاد بعد نزول هذه الآية مقترح منهم يقترح على الله ورسوله، وما عاد واحد منهم يدلي برأي لم يطلب منه رسول الله ﷺ أن يدلي به، وما عاد أحد يقضي برأيه في أمر أو حكم إلا أن يرجع قبل ذلك إلى قول الله وقول النبي ﷺ.
حتى كان الرسول ﷺ يسألهم عن اليوم الذي هم فيه والمكان الذي هم فيه وهم يعلمونه حق العلم، فيتحرجون أن يجيبوا إلا بقولهم: الله ورسوله أعلم. خشية أن يكون في قولهم تقدم بين يدي الله ورسوله. ومن ذلك ما جاء في حديث أبي بكرة نفيع بن الحارث الثقفي ﵁ أن النبي ﷺ- سأل في حجة الوداع " أي شهر هذا؟ ".. قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أن سيسميه بغير اسمه، قال: "أليس ذو الحجة؟ " قلنا: بلى. قال: "فأي بلد هذا؟ " قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير أسمه، قال: "أليس البلدة؟ " قلنا بلى. قال "فأي يوم هذا؟ " قلنا: الله ورسوله أعلم فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال: "أليس يوم النحر؟ " قلنا بلى " الحديث٢.
فهذه صورة من الأدب، ومن التحرج، ومن التقوى التي انتهى إليها
_________________
(١) ١ المنهاج في شعب الإيمان (٢/ ١٢٧) ٢ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب حجة الوداع واللفظ له. انظر فتح الباري (٨/ ١٠٨) ح ٤٤٠٦
[ ٢ / ٤٣٠ ]
الصحابة بعد سماعهم ذلك النداء، وذلك التوجيه، وتلك الإشارة إلى التقوى تقوى الله السميع العليم.
ثانيا: أنه حرم رفع الصوت فوق صوت النبي ﷺ وأن يجهر له بالكلام كما يجهر الرجل للرجل، وهذا من باب الأدب مع النبي ﷺ في الحديث والخطاب ومن التوقير الذي يجب له، ذلك التوقير الذي ينعكس على نبرات أصوات الصحابة ليتميز بذلك شخص الرسول ﷺ بينهم ويميز مجلسه فيهم فقال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ ١.
قال ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: "هذا أدب ثان أدب الله تعالى به المؤمنين أن لا يرفعوا أصواتهم يين يدي النبي ﷺ فوق صوته، وقد روي أنها نزلت في الشيخين أبي بكر وعمر ﵄
فعن ابن أبي مليكة٢ قال: "كاد الخيران أن يهلكا أبو بكر وعمر ﵄ رفعا أصواتهما عند النبي ﷺ حين قدم عليه ركب بني تميم فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس٣ ﵁ أخي بن مجاشع وأشار الآخر
_________________
(١) ١ الآية (٢) من سورة الحجرات ٢ عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة زهير بن عبد الله بن جدعان التيمي المكي، تابعي ثقة، كان قاضيا لابن الزبير ومؤذنا له. مات سنة (١٧هـ) وقيل (١٨هـ) تهذيب التهذيب (٥/ ٣٠٦- ٣٠٧) ٣ الأقرع بن حابس بن عقال بن محمد بن سفيان التميمي المجاشعي الدارمي، وفد على النبي ﷺ وشهد فتح مكة وحنينا والطائف، وهو من المؤلفة قلوبهم، وقد حسن إسلامه، وكان شريفا في الجاهلية والإسلام وشارك في الفتوحات، وقيل إنه قتل في اليرموك في عشرة من بنيه الإصابة (١/ ٧٢- ٧٣)
[ ٢ / ٤٣١ ]
برجل آخر، قال نافع١ لا أحفظ اسمه فقال أبو بكر لعمر ﵄ ما أردت إلا خلافي، قال: مما أردت خلافك فارتفعت أصواتهما في ذلك، فأنزل الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ الآية.
قال ابن الزبير٢ ﵁: "فما كان عمر ﵁ يسمع رسول الله ﷺ بعد هذه الآية حتى يستفهمه، ولم يذكر ذلك عن أبيه يعني أبا بكر"٣
فقد نهي الله ﷿ عن رفع الأصوات بحضرة رسول الله ﷺ، وقد روينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه سمع صوت رجلين في مسجد النبي ﷺ قد ارتفعت أصواتهما فجاء فقال: أتدريان أين أنتما؟ ثم قال: من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف، فقال: لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما ضربا٤.
وقال العلماء: يكره رفع الصوت عند قبره ﷺ كما كان يكره في حياته ﵊ لأنه محترم حيا وفي قبره ﷺ دائما.
ثم نهي عن الجهر له بالقول كما يجهر الرجل لمخاطبة ممن عداه، بل يخاطب بسكينة ووقار وتعظيم، ولهذا قال ﵎: ﴿وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ كما قال ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ
_________________
(١) ١ نافع بن عمر بن عبد الله الجمحي الحافظ المكي، كان من أثبت الناس، روى عن ابن أبي مليكة وغيره، مات سنة تسع وستين ومائة. تهذيب التهذيب (١٠/ ٤٠١) ٢ هو: عبد الله بن الزبير ﵁ وقد تقدم ترجمته ٣ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، تفسير سورة الحجرات. انظر: فتح الباري (٨/ ٥٩٠) خ ٤٨٤٥ ٤ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة، باب رفع الصوت في المسجد. انظر: فتح الباري (١/ ٥٦٠) خ ٤٧٠.
[ ٢ / ٤٣٢ ]
بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾
وقوله ﷿ ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ أي إنما نهيناكم عن رفع الصوت عنده خشية أن يغضب من ذلك فيغضب الله تعالى لغضبه فيحبط عمل من أغضبه وهو لا يدري كما جاء في الصحيح "إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى لا يلقي لها بالا يكتب له بها الجنة، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى لا يلقي لها بالا يهوي بها في النار أبعد ما بين السماء والأرض"١.
ثم ندب الله تعالى إلى خفض الصوت عنده وحث على ذلك وأرشد إليه ورغب فيه فقال ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ أي أخلصها لها وجعلها أهلا ومحلا ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ٢.
وجاء في الكشاف عند تفسير هذه الآيات قوله: "أعاد النداء عليهم- أي في قوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ استدعاء منهم لتجديد الاستبصار عند كل خطاب وارد، وتطرية الإنصات لكل حكم نازل، وتحريك هممهم لئلا يفتروا ويغفلوا عن تأملهم وما أخذوا به عند حضور مجلس رسول الله ﷺ من الأدب الذي المحافظة عليه تعود عليهم بعظيم الجدوى في دينهم.
وذلك لأن في إعظام صاحب الشرع إعظام ما ورد به، ومستعظم الحق
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب حفظ اللسان. فتح الباري (١ ١/ ٣٠٨) ح ٦٤٧٨ ٢ تفسير ابن كثير (٤/ ٢٠٥- ٢٠٦)
[ ٢ / ٤٣٣ ]
لايدعه استعظامه أن يألو عملا بما يحدوه عليه، وارتداعا بما يصده عنه، وانتهاء إلى كل خير.
والمراد بقوله: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيّ﴾ أنه إذا نطق ونطقتم فعليكم أن لا تبلغوا بأصواتكم وراء الحد الذي يبلغه بصوته وأن تغضوا منها بحيث يكون كلامه عاليا لكلامكم، وجهره باهرا لجهركم، حتى تكون ميزته عليكم لائحة، وسابقته واضحة، وامتيازه عن جمهوركم كشية الأبلق غير خاف، لا أن تغمروا صوته بلغطكم، وتبهروا منطقه بصخبكم.
وبقوله ﴿وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾ أنكم إذا كلمتموه وهو صامت فإياكم والعدول عما نهيتم عنه من رفع الصوت، بل عليهم أن لا تبلغوا به الجهر الدائر بينكم، وأن تتعمدوا في مخاطبته القول البين المقرب من الهمس الذي لا يضاهي الجهر، كما تكون مخاطبة المهيب المعظم، عاملين بقوله عز شأنه ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ وليس الغرض من رفع الصوت ولا الجهر ما يقصد به الاستخفاف والاستهانة، لأن ذلك كفر، والمخاطبون مؤمنون وإنما الغرض صوت هو في نفسه والمسموع من جرسه غير مناسب لما يهاب به العظماء، ويوقر الكبراء، فيتكلف الغض منه، ورده إلى حد يميل به إلى ما يستبين فيه المأمور به من التعزير والتوقير.
ولم يتناول النهي أيضا رفع الصوت الذي لا يتأتى به رسول الله ﷺ وهو ما كان منهم في حرب، أو مجادلة معاند، أو إرهاب عدو أو ما أشبهه، فلم ينهوا عن الجهر مطلقا حتى لا يسوغ لهم أن يكلموه إلا بالهمس والمخافتة، وإنما نهوا عن جهر مقيد بصفة أعلى الجهر المنعوت بمماثلة ما قد اعتادوه منه فيما بينهم، وهو الخلو عن مراعاة أبهة النبوة، وجلالة مقدارها، وانحطاط
[ ٢ / ٤٣٤ ]
سائر الرتب وإن جلت عن رتبتها"١
"ومن البداهة أن هذه الآيات وأمثالها في تأديب الأمة وتعليمها إنما جاءت بأسلوبها المعجز لتفخيم شأن النبي ﷺ وإظهار رفعة قدره المنيف، وسمو منزلته ﷺ فوق كل منزلة أحد من الخلق، وهي مسوقة في مواضعها من القرآن الكريم لتعليم الأمة أفرادا وجماعات الأدب الأكمل مع النبي ﷺ في كل ما يتصل بمخاطبته والتحدث إليه، والإصغاء إلى حديثه، ومجالسته حتى يستشعر المؤمن بقلبه وروحه وكافة إحساساته ومشاعره ما أوجبه الله تعالى من توقيره ﷺ توقيرا يجلي رفيع قدره، وعظيم مقامه، ويظهر تشريف الله تعالى له بما ميزه به على سائر الخلق، وقد اتفق أهل العلم من أئمة أعلام الأمة على أن حرمته ﷺ بعد وفاته كحرمته في حياته"٢.
ثالثا: أن الله ﵎ ذم الذين ينادونه من وراء الحجرات وهي بيوت نسائه فقال ﴿أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ ثم أرشد تعالى إلى الأدب في ذلك فقال ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ أي لكان لهم في ذلك الخيرة والمصلحة في الدنيا والآخرة٣ فكره إليهم النداء على هذه الصفة المنافية للأدب والتوقير اللائق بشخص النبي ﷺ، ولكن لهم ما يجب عليهم وهو الصبر والانتظار حتى يخرج إليهم وحبب إليهم التوبة والإنابة، ورغبهم في المغفرة والرحمة٤.
_________________
(١) ١ الكشاف (٣/ ٥٥٤، ٥٥٥) ٢ كتاب محمد رسول الله ﷺ منهج ورسالة تأليف محمد الصادق إبراهيم عرجون (٤/ ٣٣٣) ٣ تفسير ابن كثير (٤/ ٢٠٨) ٤ في ظلال القرآن لسيد قطب (٦/ ٣٣٤٠) بتصرف يسير
[ ٢ / ٤٣٥ ]
قال الحليمي "في هذه الآية يسلى الله نبيه ﷺ بما أخبره من أن الذين يصيحون خارج منزله ولا يصبرون حتى يخرج إليهم إنما حملهم على ذاك جهلهم وقلة عقلهم وأكثرهم لا يهتدون إلى ما يلزمهم من تعظيمك في حال مخاطبتك"١.
٣- وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ ٢
قال الحليمي: "فأعلمهم أن نفس الرسول ﷺ أكرم وأشرف وأزكى وأجمل من أنفسهم، فلا يسعهم من ذلك أن يصرفوا أنفسهم عمالا يصرف نفسه عنه فيتخلفوا عنه إذا خرج لجهاد أعداء الله معتذرين من شدة حر، أو طول طريق، أو عوز ماء، أو قلة زاد، بل يلزمهم متابعته ومشايعته على أي حال رضيها لنفسه، وفي هذا أعظم البيان لمن عقل، وأبين الدلالة على وجوب تعظيمه وإجلاله وتوقيره٣.
٤- وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ ٤.
فنهاهم ﷾ عن أن يعاملوا رسول الله ﷺ بالتوسع في الانبساط
_________________
(١) ١ المنهاج في شعب الإيمان (٢/ ١٢٨) ٢ الآية (١٢٠) من سورة التوبة ٣ المنهاج في شعب الإيمان (٢/ ١٢٦) ٤ الآية (٥٣) من سورة الأحزاب
[ ٢ / ٤٣٦ ]
والإسترسال كما يعامل من لا يهاب ولا يتقى، فيدخل بيته بغير إذنه إذا دعاهم إلى طعام لم ينضج، وأحاطوا به منتظرين إدراكه وإذا حضر الطعام ودخلوا وطعموا لزموا مجالسهم مستأنسين بالمحادثة، وأخبرهم أن ذلك منهي عنه، إذ كان النبي ﷺ قد تأذى منه ويستحى أن يكلمهم، كما أدبهم فيما ينبغي عليهم تجاه معاملتهم مع أزواجه ﷺ وهذا كله مما يدل على ماله ﷺ من التعظيم والاحترام.
٥- وقد جاء بعد هذه الآيات الأمر بالصلاة والسلام عليه ﷺ حيث قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ١.
ووجه إيصال هذه الآية بما قبلها هو أنه لما كان من الواجب على المكلفين تعظيم النبي ﷺ برفع الأذى عنه وإظهار شرفه وكرامته فذكر الله تعالى القسم الأول- أي رفع الأذى- في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ ٢ إلى آخرها وذكر القسم الثاني- أي إظهار شرفه وكرامته- في هذه الآية الثانية، وبدأ بالأول لأن دفع المفاسد أهم.
وأيضا لما أرشد الله تعالى المؤمنين إلى تعظيمه ﷺ بتعلم سلوك طريق الأدب معه في أشياء كثيرة تتعلق بحياته وموته إظهارا لشرفه وتعظيما له، عقبه بما يدل على أنه تعالى أيضا معظم لشأنه أيضا، وكذلك ملائكته المقربون حملة العرش وحفظته الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.
وفيه بيان لمنقبة عظيمة له ﷺ فإن الملك قد يأمربإكرام شخص ولا يكون
_________________
(١) ١ الآية (٥٦) من سورة الأحزاب ٢ الآية (٥٣) من سورة الأحزاب
[ ٢ / ٤٣٧ ]
عنده بمكان فأزيل هذا التوهم وبين أنه أكرم الخلق على ربه تعالى.
وأيضا لما أرشد الله المؤمنين إلى الحال التي يجب أن يكونوا عليها مع نبيه ﷺ من التعظيم والتوقير- ولهم معه حالتان:
١- حالة الخلوة: والواجب هناك عدم إزعاجه- بين ذلك بقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيّ﴾ ١
٢- وحالة الملأ: والواجب هناك إظهار التعظيم، بين ذلك بقوله ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ٢.
وأيضا لما أمر الله ﷾ بالاستئذان في بيوته، وعدم النظر إلى وجوه زوجاته، وغير ذلك من الآداب إكراما وتبجيلا، كمل سبحانه بيان حرمته بقوله ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ .
وأيضا لما بين الأدب معه في حال الخلوة، وكان حاله في الملأ نوعين، لأنه يكون أعلى وأسفل، فبين أنه في الأعلى محترم في غاية الاحترام ثم بين ما يجب على الملأ الأسفل من ذلك التعظيم بقوله ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ٣
٦- وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ ٤
فالله تعالى من تعظيمه لنبيه ﷺ حفظ له كرامته وصان له حقه ففرق بين
_________________
(١) ١ الآية (٥٣) من سورة الأحزاب ٢ الآية (٥٦) من سورة الأحزاب ٣ الصلات والبشر في الصلاة على خير البشر (ص ١٩- ٢٠) ٤ الآيتان (٥٧-٥٨) من سورة الأحزاب
[ ٢ / ٤٣٨ ]
أذاه وأذى المؤمنين، فأوجب على من آذى النبي ﷺ اللعن والطرد من رحمته وهذا حكم على من آذاه بالكفر وفي الآخرة له العذاب المهين ومصيره إلى جهنم وبئس المصير. بينما حكم على من آذى المؤمنين بالبهتان والإثم والفرق يين الحكمين ناتج عن الفرق بين حق النبي ﷺ وحق غيره.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في استدلاله بهذه الآية على وجوب قتل من أذى النبي ﷺ "ودلالتها من وجوه:
أحدها: أنه قرن أذاه بأذاه كما قرن طاعته بطاعته، فمن آذاه فقد آذى الله تعالى، وقد جاء ذلك منصوصا عنه، ومن آذى الله فهو كافر حلال الدم. بين ذلك أن الله تعالى جعل محبة الله ورسوله، وإرضاء الله ورسوله وطاعة الله ورسوله شيئا واحدا فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ ٢ في مواضع متعددة، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ ٣ فوحد الضمير، وفي ذلك إشارة إلى أن إرضاء الله إرضاء للرسول وإرضاء الرسول فيه إرضاء لله، وقال أيضا ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ ٤ وقال أيضا: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُول﴾ ٥
_________________
(١) ١ الآية (٢٤) من سورة التوبة ٢ الآية (١٣٢) من سورة آل عمران ٣ الآية (٦٢) من سورة التوبة ٤ الآية (١٠) من سورة الفتح ٥ الآية (١) من سورة الأنفال
[ ٢ / ٤٣٩ ]
وجعل شقاق الله ورسوله ومحادة الله ورسوله وأذى الله ورسوله ومعصية الله ورسوله شيئا واحدا، فقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ١ وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ٣ وقال: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ٤.
وفي هذا وغيره بيان لتلازم الحقين، وأن جهة حرمة الله تعالى ورسوله جهة واحدة، فمن آذى الرسول فقد آذى الله، ومن أطاعه فقد أطاع الله، لأن الأمة لا يصلون ما بينهم ويين ربهم إلا بواسطة الرسول، ليس لأحد منهم طريق غيره، ولا سبب سواه وقد أقامه الله مقام نفسه في أمره ونهيه وإخباره وبيانه، فلا يجوز أن يفرق بين الله ورسوله في شيء من هذه الأمور.
وثانيها: أنه فرق بين أذى الله ورسوله وبين أذى المؤمنين والمؤمنات، فجعل على هذا أنه قد احتمل بهتانا وإثما مبينا وجعل على ذلك اللعنة في الدنيا والآخرة وأعد له العذاب المهين، ومعلوم أن أذى المؤمنين قد يكون من كبائر الإثم وفيه الجلد، وليس فوق ذلك إلا الكفر والقتل.
الثالث: أنه ذكر أنه لعنهم في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا، واللعن: الإبعاد عن الرحمة، ومن طرده عن رحمته في الدنيا والآخرة لا يكون إلا كافرا فإن المؤمن يقرب إليها بعض الأوقات ولا يكون مباح الدم، لأن حقن الدم رحمة عظيمة من الله، فلا تثبت في حقه "٥
_________________
(١) ١ الآية (١٣) من سورة الأنفال ٢ الآية (٢٠) من سورة المجادلة ٣ الآية (٦٣) من سورة التوبة ٤ الآية (١٤) من سورة النساء وآيات أخر ٥ الصارم المسلول (ص ٤٠- ٤١)
[ ٢ / ٤٤٠ ]
ومما يوضح ذلك أن سب النبي ﷺ قد تعلق به عدة حقوق:
أ- حق الله سبحانه من حيث كفر برسوله وعادى أفضل أوليائه وبارزه بالمحاربة ومن حيث طعن في كتابه ودينه، فإن صحتهما موقوفة على صحة الرسالة، ومن حيث طعن في ألوهيته، فإن الطعن في الرسول طعن في المرسِل، وتكذيبه تكذيب لله ﵎ وإنكار لكلامه وأمره وخبره وكثير من صفاته.
ب- وتعلق به حق جميع المؤمنين من هذه الأمة ومن غيرها من الأم، فإن جميع المؤمنين مؤمنون به خصوصا أمته فإن قيام أمر دنياهم ودينهم وآخرتهم به بل عامة الخير الذي يصيبهم في الدنيا والآخرة بوساطته وسفارته، فالسب له أعظم عندهم من سب أنفسهم وآبائهم وأبنائهم وسب جميعهم، كما أنه أحب إليهم من أنفسهم وأولادهم وآبائهم والناس أجمعين.
ج- وتعلق به حق رسول الله كلها من حيث خصوص نفسه فإن الإنسان تؤذيه الوقيعة في عرضه أكثر مما يؤذيه أخذ ماله، وأكثر مما يؤذيه الضرب، بل ربما كانت عنده أعظم من الجرح ونحوه، خصوصا من يجب عليه أن يظهر للناس كمال عرضه وعلو قدره لينتفعوا بذلك في الدنيا والآخرة١.
٧- وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٢.
قال بعض المفسرين: هي لغة كانت في الأنصار، نهوا عن قولها تعظيماا للنبي ﷺ وتبجيلا له، لأن معناها ارعنا نرعك، فنهوا عن قولها، إذ مقتضاها كأنهم لا يرعونه إلا برعايته لهم، بل حقه أن يرعى على كل حال.
_________________
(١) ١ الصارم المسلول (ص٣٩٣-٣٩٤) ٢ الآية (١٠٤) من سورة البقرة
[ ٢ / ٤٤١ ]
وقيل: كانت اليهود تعرض بها للنبي ﷺ بالرعونة١ فنهي المسلمون عن قولها قطعا للذريعة، ومنعا للتشبه بهم في قولها لمشاركة اللفظة وقيل غير هذا٢
٨- وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ ٣.
ففي هذه الآية حرم الله على الأمة أن تنكح أزواجه من بعده لأن ذلك يؤذيه وجعله عظيما عند الله تعظيما لحرمته ﷺ، فحرم تعالى على الأمة ما هو مباح أن يعامل به بعضهم بعضا، وذلك تمييزا لنبيه ﷺ وتعظيما لشأنه. وقد ذكر أن هذه الآية نزلت لما قال بعض الناس: لو قد توفي رسول الله ﷺ تزوجت عائشة٤.
ولو أن أحدا أقدم على هذا الأمر فنكح أزواجه أو سراريه لكانت عقوبته في الشرع هي القتل جزاء له بما انتهك من حرمته والدليل على ذلك ما رواه مسلم بسنده عن أنسى بن مالك ﵁ "أن رجلا كان يتهم بأم ولد رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ لعلي اذهب فاضرب عنقه فأتاه علي فإذا هو في ركي٥ يتبرد فيها، فقال له علي أخرج فناوله يده فأخرجه فإذا هو مجبوب ليس له ذكر فكف علي عنه، ثم أتى النبي ﷺ فقال: يارسول الله إنه لمجبوب ما له ذكر"٦
_________________
(١) ١ الخفة والحماقة ٢ الشفا (٢/٥٩١) ٣ الآية (٥٣) من سورة الأحزاب ٤ الصارم المسلول (ص ٥٩) ٥ الركي: جنس للركية، وهي البئر، وجمعها ركايا. النهاية (٢/٢٦١) ٦ صحيح مسلم، كتاب التوبة، باب براءة حرم النبي ﷺ من الريبة (٨/ ١١٩)
[ ٢ / ٤٤٢ ]
قال ابن تيمية ﵀: "فهذا الرجل أمر النبي ﷺ بضرب عنقه لما قد استحل من حرمته، ولم يأمر بإقامة حد الزنا، لأن إقامة حد الزنا ليس هو ضرب الرقبة، بل إن كان محصنا رجم، وان كان غير محصن جلد، ولا يقام عليه الحد إلا بأربعة شهداء أو بالإقرار المعتبر، فلما أمر النبي ﷺ بضرب عنقه من غير تفصيل بين أن يكون محصنا أو غير محصن علم أن قتله لما انتهكه من حرمته فلما تبين أنه كان مجبوبا علم أن المفسدة مأمونة منه "١ وبالإضافة إلى ما تقدم، فقد أوجب الله على الأمة احترام أزواج النبي ﷺ وجعلهن أمهات في التحريم والاحترام٢.
فقال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ ٣ ففي هذه الآية رفع الله مقام أزواج النبي ﷺ وبوأهن منزلة عالية، وهي منزلة الأمومة لجميع المؤمنين، وفي ذلك من الحرمة والاحترام والتوقير والإكرام والإعظام ما يوجب على كل مسلم أن يحفظ لهن هذا الحق ويؤديه على الوجه المطلوب منه شرعا.
وهذه المنزلة لأمهات المؤمنين هي من التشريف والتعظيم الذي أعطاه الله للنبي ﷺ.
٩- وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ
_________________
(١) ١ الصارم المسلول (ص ٥٩- ٦٠) ٢ المصدر السابق (ص ٤٣٣) ٣ الآية (٦) من سورة الأحزاب
[ ٢ / ٤٤٣ ]
لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ١.
ففي هاتين الآيتين الكريمتين منهج تعظيم قدر النبي ﷺ، وبيان ما ينبغي أن يكون عليه حال المؤمنين في جميع أمورهم التي تربطهم به ﷺ نبيا ورسولا، أرسله الله تعالى بالهدى ودين الحق، وخلع عليه جلابيب حرصه عليهم، وعزة عنتهم عليه، وخصه باسمين من أسمائه الحسنى، فجعله رؤوفا رحيما بالمؤمنين، وهذا تعظيم لم يكن قط لغيره ﷺ لأنه تعظيم يرتبط بأصل الإيمان برسالته وهدايته.
وجاء في الكشاف عند تفسير هذه الآيات: "أراد الله ﷿ أن يريهم عظيم الجناية في ذهاب الذاهب عن مجلس رسول الله ﷺ بغير إذنه، إذا كانوا معه على أمر جامع فجعل ترك ذهابهم حتى يستأذنوه ثالث الإيمان بالله والإيمان برسوله مع تصدير الجملة بإنما وإيقاع المؤمنين مبتدأ مخبرا عنه بموصول أحاطت صلته بذكر الإيمانين، ثم عقبه بما يزيده توكيدا وتشديدا حيث أعاده على أسلوب آخر وهو قوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ٢ وضمنه شيئا آخر، وهو أنه جعل الاستئذان كالمصدق بصحة الإيمان وعرض بالمنافقين وتسللهم لواذا"٣.
وبهذه النصوص يتبين للمسلم أن حقوق رسول الله ﷺ أجل وأعظم وأكرم
_________________
(١) ١ الآيتان (٦٢، ٦٣) من سورة النور ٢ الآية (٦٢) من سورة النور ٣ الكشاف (٣/ ٧٨) بتصرف يسير
[ ٢ / ٤٤٤ ]
وألزم لنا وأوجب علينا من حقوق السادات على مماليكهم والآباء على أولادهم لأن الله تعالى أنقذنا به من النار في الآخرة، وعصم به لنا أرواحنا وأبداننا وأعراضنا وأموالنا وأهلينا وأولادنا في العاجلة، فهدانا به لأمر إذا أطعناه فيه أدانا إلى جنات النعيم، فأية نعمة توازي هذه النعم وأية منة تداني هذه المنن. ثم إنه جل ثناؤه ألزمنا طاعته وتوعدنا على معصيته بالنار، ووعدنا باتباعه الجنة فأي رتبة تضاهي هذه الرتبة، وأي درجة تساوي في العلا هذه الدرجة.
فحق علينا إذا أن نحبه ونجله ونعظمه ونهابه، فبهذا نكون من المفلحين ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ١ فالآية بينت أن الفلاح إنما يكون لمن جمع إلى الإيمان به تعزيره ولا خلاف أن التعزير هنا التعظيم٢ فلقد سجل الله في هذه الآية الفلاح بأسلوب الحصر للذين تأدبوا بهذا الأدب القرآني الرفيع.
وكما قال تعالى في الإنافة بمقامه الأشرف، وبيان حقه على كل مؤمن ومؤمنة ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ ٣.
وقد ذهب علماء السلف إلى أن الضمير في قوله جل شأنه ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ راجع إلى رسول الله ﷺ ومعناه: تعظموا رسول الله ﷺ وتفخموه في أدب المخاطبة والتحدث إليه ومجالسته.
قال ابن تيمية: "فالتسبيح لله وحده، والتعزير والتوقير للرسول، والإيمان
_________________
(١) ١ الآية (١٥٧) من سورة الأعراف ٢ شعب الإيمان للبيهقي، شعبة التعظيم (١/ ٣٠٢، ٣٠٣) ٣ الآيتان (٨، ٩) من سورة الفتح
[ ٢ / ٤٤٥ ]
بالله ورسوله"١.
فهذه الآيات وغيرها نزلت لتبين مقام شرف رسول الله ﷺ وعظيم منزلته عند ربه، مما يوجب على المؤمنين برسالته أن يكونوا في مخاطباتهم معه على سنن الإجلال والتعظيم.
_________________
(١) ١ بغية المرتاد (ص ٥٠٤)
[ ٢ / ٤٤٦ ]
المبحث الثالث: تعظيم الصحابة للنبي ﷺ في حياته
من المعلوم المتقرر أن الصحابة رضوان الله عليهم هم أعرف الأمة بالنبي ﷺ ولذلك فقد كانوا بقدره ومنزلته أعلم وأعرف من غيرهم.
وبناء على هذا العلم وهذه المعرفة، فقد كان تعظيمهم وتوقيرهم للنبي ﷺ أشد وأكبر من غيرهم.
وقد أوردت كتب السنة والتفسير وغيرها صورا متعددة من ذلك التعظيم والتوقير الذي كان يفعله الصحابة رضوان الله عليهم مع النبي ﷺ.
ومن أبلغ ما قيل في وصف هذا التعظيم ما قاله عروة بن مسعود١ حين وجهته قريش إلى رسول الله ﷺ، ورأى من تعظيم أصحابه له ما رأى، وأنه لا يتوضأ إلا ابتدروا وضوءه، وكادوا يقتتلون عليه، ولا يبصق بصاقا، ولا ينتخم نخامة إلا تلقوها بأكفهم فدلكوا بها وجوههم وأجسادهم، ولا تسقط منه شعرة إلا ابتدروها، وإذا أمرهم بأمر ابتدروا أمره وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيما له.
فلما رجع إلى قريش قال: أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله إن رأيت مليكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد ﷺ محمدا، والله إن انتخم نخامة إلا وقعت في
_________________
(١) ١ عروة بن مسعود الثقفي، كان أحد الأكابر في قومه، وكانت له اليد البيضاء في تقرير صلح الحديبية، اتبع أثر النبي ﷺ لما انصرف من الطائف فأسلم، واستأذنه أن يرجع إلى قومه، فأذن له فرجع فدعاهم، فرماه أحدهم بسهم وهو يؤذن في السحر فقتله. الإصابة (٢/ ٤٧٠- ٤٧١)
[ ٢ / ٤٤٧ ]
كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده وما يحدون إليه النظر تعظيما له "١
فهذه صورة لما كان عليه حال الصحابة وما كان من شأنهم في تعظيم النبي ﷺ وتوقيره ومراعاة أموره والتبرك بآثاره.
ولما نزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ ٢.
ما كان عمر بن الخطاب ﵁ يسمع رسول الله ﷺ حتى يستفهمه٣ وقال البيهقي: إن هذه الآية "نزلت في ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري كان إذا جالس النبي ﷺ يرفع صوته إذا تكلم، فلما نزلت هذه الآية انطلق مهموما حزينا فمكث في بيته أياما مخافة أن يكون قد حبط عمله.
وكان سعد بن عبادة٤ جاره، فانطلق حتى أتى النبي ﷺ فأخبره بذلك فقال له النبي ﷺ "اذهب فأخبر ثابت بن قيس أنك لم تُعْنَ بهذه الآية ولست من أهل النار بل أنت من أهل الجنة فاخرج إلينا فتعاهدنا " ففرح ثابت
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد، والمصالحة مع أهل الحرب، وكتابة الشروط. انظر: فتح الباري (٥/ ٣٢٩، ٣٣١) ٢ الآية (٢) من سورة الحجرات ٣ تقدم تخريجه (ص ٤٣٢) ٤ سعد بن عبادة الأنصاري، شهد الخزرج، شهد العقبة، وكان أحد النقباء، وكان مشهورا بالجود وكان معه راية الأنصار، توفي سنة خمسة عشرة وقيل سنة ست عشرة من الهجرة بالشام. الإصابة (٢/ ٢٧- ٢٨)
[ ٢ / ٤٤٨ ]
بذلك ثم أتى النبي ﷺ فلما أبصره النبي ﷺ قال: "مرحبا برجل يزعم أنه من أهل النار بل غيرك من أهل النار وأنت من أهل الجنة". فكان بعد ذلك إذا جلس إلى النبي ﷺ يخفض صوته حتى ما يكاد أن يسمع الذي يليه فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ١ فقتل يوم اليمامة"٢.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: لما نزلت ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيّ﴾ قال أبو بكر ﵁ لا أكلت إلا كأخي السرار حتى ألقي الله ﷿"٣.
وعن أسامة بن شريك٤ ﵁ قال: "أتيت رسول الله ﷺ وأصحابه كأنما على رؤوسهم الطير " الحديث٥.
وعن البراء بن عازب٦ (٦) ﵄ قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ
_________________
(١) ١ الآية (٣) من سورة الحجرات ٢ شعب الإيمان للبيهقي (١/ ٣١٣) ٣ أخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٤٦٢) وقال حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقال الذهبي على شرط مسلم، وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان، شعبة تعظيم النبي ﷺ (١/ ٣١٧) . وأخرجه كذلك في المدخل إلى السنن الكبرى، باب توقير العالم والعلم ص (٣٧٩) ح ٦٥٣. وأورده السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٥٤٨) وعزاه لعبد بن حميد والحاكم والبيهقي في الشعب ٤ أسامة بن شريك الثعلبي من بني ثعلبة، له صحبة، وروى حديثه أصحاب السنن وأحمد وابن خزيمة، وابن حبان والحاكم. الإصابة (١/ ٤٦- ٤٧) ٥ أخرجه بهذا اللفظ أبو داود في سننه كتاب الطب، باب في الرجل يتداوى (٤/ ١٩٢- ١٩٣) ح ٣٨٥٥، وأخرجه أحمد في المسند (٤/ ٢٧٨) ٦ البراء بن عازب بن الحارث الأنصاري الأوسي، له ولأبيه محبة استصغره النبي ﷺ يوم بدر وشهد أحدا وما بعدها ترفي سنة اثنتين وسبعين. الإصابة (١/ ١٤٦- ١٤٧)
[ ٢ / ٤٤٩ ]
وجلسنا حوله كأن على رؤوسنا الطير " الحديث١.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ (أن رسول الله ﷺ قام على المنبر فقال: "إنما أخشى عليكم من بعدي ما يفتح عليكم من بركات الأرض" ثم ذكر زهرة الدنيا فبدأ إحداهما وثنى بالأخرى، فقام رجل فقال: يا رسول الله أو يأتي الخير بالشر؟ فسكت عنه النبي ﷺ، قلنا يوحى إليه، وسكت الناس كأن على رؤوسهم الطير " الحديث٢.
فالشاهد من الآثار الثلاثة المتقدمة قولهم "كأن على رؤوسهم الطير" فهذه العبارة هي كناية عن التعظيم الذي كانوا يظهرونه في مجلس الرسول ﷺ توقيرا وإجلالا له صلوات الله وسلامه عليه، فلم يكن من عادة الصحابة رضوان الله عليهم أن يتجادلوا في مجلس النبي ﷺ أو يعلوا أصواتهم بنقاش أو حوار بل يعطون لهذا المجلس حقه من التشريف والاحترام وعن بريدة بن الحصيب٣ ﵁ قال: "كنا إذا قعدنا عند رسول الله ﷺ لم نرفع رؤوسنا إليه إعظاما له"٤
_________________
(١) ١ أخرجه بهذا اللفظ الإمام أحمد في مسنده (٤/ ٢٨٧) . وأخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في الجلوس في المقابر (١/ ٤٩٤) ح ١٥٤٩ ٢ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد، باب فضل النفقة في سبيل الله. انظر فتح الباري (٦/ ٤٨، ٤٩) ح ٢٨٤٢ ٣ بريدة بن الحصيب بن عبد الله الأسلمي، قيل إنه أسلم حين مر به النبي ﷺ مهاجرا، وقيل: أسلم بعد منصرف النبي ﷺ من بدر، وفي الصحيحين عنه أنه غزا مع رسول الله ﷺ ست عشرة غزوة، وأخباره كثيرة ومناقبه مشهورة، مات سنة ثلاث وستين. الإصابة (١/ ١٥٠) ٤ أخرجه البيهقي في المدخل إلى السنن الكبرى، باب توقير العالم والعلم (ص ٣٨١) ح ٦٥٨
[ ٢ / ٤٥٠ ]
وعن عمرو بن العاص ﵁ قال: "وما كان أحد أحب إلي من رسول الله ﷺ، ولا أجل في عيني منه وما كنت أطيق أن أملأ عيني منة إجلالا له، ولو سئلت أن أصفه ما أطقت لأني لم أكن أملأ عيني منه"١.
وعن أنس ﵁ أن رسول الله لا كان يخرج على أصحابه من المهاجرين والأنصار وهم جلوس فيهم أبو بكر وعمر فلا يرفع إليه أحد منهم بصره إلا أبو بكر وعمر فإنهما كانا ينظران إليه وينظر إليهما ويبتسمان إليه ويبتسم إليهما٢
وعن عبد الله بن عباس ﵄ قال: قام رسول الله ﷺ يصلي من الليل، قال: فقمت وتوضأت أصلي خلفه فأخذ بيده فجعلني حذاءه فخنست٣ فقمت خلفه فأخذ بيدي فجعلني حذاءه فخنست فقمت خلفه، فانصرف رسول الله ال فقال: " مالي كلما جعلتك حذائي خنست؟ ".
قال: فقلت له: لا ينبغي لأحد أن يصلي حذاءك وأنت رسول الله.
قال: فدعا الله أن يزيدني فهما وعلما" ٤.
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب كون الإسلام يهدم ما قبله وكذا الهجرة والحج (١/ ٧٨) ٢ أخرجه الترمذي في سننه، كتاب المناقب، باب في مناقب أبي بكر وعمر ﵄ كليهما (٥/ ٦١٢) ح ٣٦٦٨، وقال: هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث الحكم بن عطية، وقد تكلم بعضهم في الحكم بن عطية ٣ خنست: أي انقبضت وتأخرت. النهاية (٢/ ٨٣) ٤ أخرجه أحمد في المسند (١/ ٣٣٠) . وأخرجه الحاكم في المستدرك (٣/ ٥٣٤) وقال: حديث على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان، باب شعبة تعظيم النبي ﷺ (١/ ٣٢٠، ٣٢١) ح ١٢٩
[ ٢ / ٤٥١ ]
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: "إن أبواب النبي ﷺ كانت تقرع بالأظافير"١.
وعن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: "كان أصحاب رسول الله ﷺ ليقرعون بابه بالأظافير"٢.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يجلس معنا في المسجد يحدثنا فإذا قام، قمنا حتى نراه، وقد دخل بعض بيوت أزواجه " الحديث٣.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "لما كان يوم بدر فذكر الحديث في الأسارى وذكر قول عمر في قتلهم فقال ابن مسعود قلت:
_________________
(١) ١ رواه البزار كما في كشف الأستار (٢/ ٤٢١) . والببهقي في شعب الإيمان، باب شعبة تعظيم النبي ﷺ (١/ ٣٣٨) خ ١٣٤ ٢ أخرب الحاكم في معرفة علوم الحديث النوع الخامس (ص ١٩) . وأخرجه البيهقي في المدخل إلى السنن الكبرى (ص ٣٨١) . وقال السخاوي في فتح المغيث (١/ ١١٧) الحديث أخرجه الحاكم في علومه وكذا في الأمالي كما عزاه إليهما البيهقي في المدخل حيث أخرجه عن راو. ورواه أبو نعيم في المستخرج على علوم الحديث له (أي الحاكم) عن راو آخر كلاهما عن أحمد ابن عمرو (كذا) الزيبقي عن زكريا بن يحبس المنقري، عن الأصمعي، عن كيسان مولى هشام ابن حسان، وفي رواية أبي نعيم عن هشام بن حسان. وفي رواية الآخرين عن محمد بن حسان زاد البيهقي "وهو أخو هشام بن حسان وهر حسن الحديث" انتهي قول السخاوي ٣ أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأدب، باب في الحلم وأخلاق النبي ﷺ (٥/ ١٣٣، ١٣٤) ح ٤٧٧٣، وأخرجه النسائي في سننه، في القسامة، باب القود، من الجندة (٨/ ٣٣، ٣٤) . وأخرجه البيهقي في المدخل إلى السنن الكبرى (ص ٤٠١) ح ٧١٧
[ ٢ / ٤٥٢ ]
يارسول الله إلا سهل بن بيضاء١ فإني سمعته يذكر الإسلام فسكت رسول الله ﷺ فما رأيتني في يوم بدر أخوف أن تقع علي حجارة من السماء مني في ذلك اليوم حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسل إلا سهل بن بيضاء"٢.
وعن أبي رمثة٣ قال: قدمت المدينة ولم أكن رأيت رسول الله ﷺ فخرج وعليه ثوبان أخضران فقلت لابني هذا والله رسول الله ﷺ فجعل ابني يرتعد هيبة لرسول الله ﷺ"٤.
_________________
(١) ١ سهل بن بيضاء القرشي، وبيضاء أمه واسمها دعد واسم أبيه وهب بن ربيعة بن هلال القرشي، كان ممن قام في نقض الصحيفة التي كتبتها قريش على بني هاشم، أسلم بمكة فكتم إسلامه فأخرجته قريشا إلى بدر فأسر يومئذ فشهد له ابن مسعود أنه رآه يصلى بمكة فأطلق ومات بالمدينة. الإصابة (٢/ ٨٤) ٢ أخرجه أحمد في مسنده (١/ ٣٨٣) . وأخرجه الترمذي في سننه، كتاب التفسير، تفسير سورة الأنفال (٤/ ٣٣٥) ح ٥٠٨٠ وقال: حديث حسن وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه. وأخرجه الطبراني في الكبير (١٠/ ١٧٧) ح ١٠٢٥٨ بنحوه. وأخرجه الحاكم في المستدرك (٣/ ٢١- ٢٢) وقال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان (١/ ٣٢٥) ح ١٣٠ ٣ أبو رمثة (بكسر أوله وسكون الميم ثم مثلثة) التيمي اختلف في اسمه فقيل: رفاعة بن يثربي، ويقال عكسه، ويقال عمارة بن يثربي، وقيل غير ذلك، له صحبة، ومات بأفريقية. الإصابة: (٤/ ٧١) وتقريب التهذيب (٤٠٦) ٤ أخرجه الإمام أحمد في المسند (٢/ ٢٢٦- ٢٢٧- ٢٢٨) بعدة طرق عن لقيط بن إياد عن أبي رمثة به. وأخرجه أبو داود في سننه، كتاب اللباس، باب في الخضرة (٤/٣٣٤) ح ٤٠٦٥، وأخرجه الترمذي في سننه، كتاب الأدب، باب ما جاء عن الثوب الأخضر (٥/ ١١٩) ح ٢٨١٢. وأخرجه النسائي في سننه، كتاب الزينة، باب لبس الخضر من الثياب (٨/ ٢٠٤)، وأخرجه البيهقي في شعب الأيمان (١/ ٣٤٢) وفي دلائل النبوة (١/ ٢٣٧)
[ ٢ / ٤٥٣ ]
وعن أبي جري جابر بن سليم١ قال: "رأيت رجلا يصدر الناس عن رأيه لا يقول شيئا إلا صدروا عنه، قلت: من هذا؟ قالوا: هذا رسول الله ﷺ " الحديث٢.
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: "لقد رأيت رسول الله ﷺ والحلاق يحلقه وأطاف به أصحابه فما يريدون أن تقع شعرة إلا في يد رجل"٣.
وعن أنسى ﵁ أن رسول الله ﷺ لما حلق رأسه كان أبو طلحة٤ أول من أخذ من شعره"٥.
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا صلى الغداة جاء خدم المدينة بآنيتهم فيها الماء، فما يؤتى إناء إلا غمس يده فيها فربما جاؤوه في الغداة الباردة فيغمس يده فيها"٦.
ولما بعثت قريش أبا سفيان إلى رسول الله ﷺ ليشد في عقد صلح الحديبية
_________________
(١) ١ أبو جري (بالتصغير) الهجيمي واسمه جابر بن سليم وقيل سليم بن جابر، وقال البخاري الأول أصح، له صحبة، وهو من بني أنمار بن الهجيم بن عمرو بن تميم. تهذيب التهذيب (١٢/ ٥٤) ٢ أخرجه أبو داود في سننه، كتاب اللباس، باب ما جاء في إسبال الإزار (٤/ ٣٤٤) ح ٤٠٨٤ واللفظ له. وأخرجه الترمذي في سننه، كتاب الاستئذان، باب كراهية أن يقول عليك السلام مبتدئا وقال حسن صحيح (٥/ ٧١، ٧٢) ح ٢٧٢١ ٣ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب قرب النبي ﵇ من الناس وتبركهم به (٧/ ٧٩) ٤ اسمه زيد بن سهل وقد تقدم ترجمته ٥ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوضوء، باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان. انظر: فتح الباري (٣/ ٢٣٧) ح ١٧١. ٦ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب قرب النبي ﷺ من الناس وتبركهم به (٧/ ٧٩) .
[ ٢ / ٤٥٤ ]
ويزيد في المدة، فلما قدم المدينة دخل على ابنته أم حبيبة، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله طوته، فقال: يابنية ما أدري أرغبت لي عن هذا الفراش أم رغبت به عني؟
فقالت: هو فراش رسول الله ﷺ، وأنت مشرك نجس فلم أحب أن تجلس على فراشة "١ فأكرمت فراش رسول الله ﷺ أن يجل عليه رجل مشرك.
ولما قدم أبو سفيان مكة بعد ذلك قالت له قريش ما وراءك هل جئت بكتاب من محمد أو عهد؟ قال": لا والله قد أبي علي وقد تتبعت أصحابه فما رأيت قوما لملك عليهم أطوع منهم له "٢".
ولما قال رأس المنافقين عبد الله بن أبي سلول٣ لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. قال رسول الله لا: "ادعوا لي عبد الله بن أبي٤ فدعاه، فقال: ألا ترى ما يقول أبوك؟ قال: وما يقول بأبي أنت وأمي؟
قال: يقول لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل.
_________________
(١) ١ أورده ابن كثير في البداية (٤/ ٢٨٠) من طريق ابن اسحاق، وابن حجر في الإصابة (٤/ ٢٩٩، ٣٠٠) . ٢ البداية لابن كثير (٤/ ٢٨٢) . ٣ عبد الله بن أبي بن مالك بن الحارث بن عبيد الخزرجى، أبو الحباب المشهور بابن سلول، وسلول جدته لأبيه رأس المنافقين فى الإسلام أظهر الإسلام بعد وقعة بدر، تقية، مات بالمدينة سنة تسع من الهجرة، طبقات ابن سعد (٢/ ٣/ ٩٠) . ٤ عبد الله بن عبد الله بن أبي بن مالك، وهو ابن عبد الله بن أبي رأس المنافقين الذي تقدمت ترجمته. وكان اسم عبد الله بن عبد الله "الحباب" فسماه النبي ﷺ عبد الله وهو صحابي جليل، شهد بدرا وما بعدها، واستشهد باليمامة في قتال الردة سنة اثنتي عشرة. الإصابة (٢/ ٣٢٧، ٣٢٨) .
[ ٢ / ٤٥٥ ]
فقال: فقد صدق والله يارسول الله، أنت والله الأعز وهو الأذل أما والله قد قدمت المدينة يارسول الله، وإن أهل يثرب ليعلمون ما بها أحد أبر مني، ولئن كان يرضي الله ورسوله أن آتيهما برأسه لأتينهما به.
فقال رسول الله ﷺ: "لا". فلما قدموا المدينة، قام عبد الله بن عبد الله ابن أبي على بابها بالسيف لأبيه، ثم قال: أنت القائل لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، أما والله لتعرفن العزة لك أو لرسول الله، والله لا يأويك ظله، ولا تأويه أبدا إلا بإذن من الله ورسوله.
فقال: ياللخزرج ابني يمنعني بيتي، ياللخزرج ابني يمنعني بيتى
فقال: والله لا تأويه أبدا إلا بإذن منه.
فاجتمع إليه رجال فكلموه، فقال: والله لا يدخله إلا يإذن من الله ورسوله فأتوا النبي ﷺ فأخبروه. فقال: "اذهبوا إليه، فقولوا له خله ومسكنه، فأتوه فقال: أما إذا جاء أمر النبي ﷺ فنعم"١.
وفي رواية عند الترمذي: "فقال له ابنه عبد الله بن عبد الله: والله لا تنفلت حتى تقر أنك الذليل ورسول الله ﷺ العزيز، ففعل"٢.
وبعد. فهذا غيض من فيض مما ورد في تعظيم الصحابة رضوان الله عليهم للنبي ﷺ في حياته، وفي الحقيقة فإن كل مواقفهم تشهد لهم بتعظيمه واحترامه وتوقيره.
_________________
(١) ١ أخرجه الطبري في تفسيره (٢٨/ ١١٤، ١١٥) تفسير سورة المنافقرن الآية (٨) ٢ سنن الترمذي (٥/ ٤١٨) ح ٣٣١٥ كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة المنافقين. وأورده ابن كئير في تفسيره (٤/٣٧٢) وعزاه للحميدي في مسنده وأورده ابن حجر في فتح الباري (٨/ ٦٥٢) .
[ ٢ / ٤٥٦ ]
فلقد كانوا يعظمونه في ذاته فيتبركون بآثاره كفضل وضوئه، والأخذ من شعره، ودلك أجسامهم بنخامته، وغير ذلك مما أقرهم النبي صلى الله عليه وسلم١، وهذا خاص في حقه ﷺ.
كما كانوا يعظمونه في سلوكهم وتصرفاتهم معه ﷺ فما كانوا ينادونه إلا بـ" يانبي الله، يارسول الله" كما كانوا يسارعون في إجابته ويعاجلون في طاعته، تحقيقا لقوله تعالى ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ
_________________
(١) ١ قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في كتابه تيسير العزيز الحميد (ص ١٥٣، ١٥٤): ذكر بعض المتأخرين أن التبرك بآثار الصالحين مستحب كشرب سؤرهم، والتمسح بهم أو بثيابهم، وحمل المولود إلى أحد منهم ليحنكه بتمرة حتى يكون أول ما يدخل جوفه ريق الصالحين، والتبرك بعرقهم ونحر ذلك، وقد أكثر في ذلك أبو زكريا النوري في "شرح مسلم" في الأحاديث التي فيها أن الصحابة فعلوا شيئا مع النبي ﷺ وظن أن بقية الصالحين في ذلك كالنبي ﷺ وهذا خطأ صريح لوجوه منها:
(٢) عدم المقاربة فضلا عن المساواة للنبي ﷺ في الفضل والبركة.
(٣) ومنها عدم تحقق الصلاح، فإنه لا يتحقق إلا بصلاح القلب، وهذا أمر لا يمكن الاطلاع عليه إلا بنص، كالصحابة الذين اثنى الله عليهم ورسوله، أو أئمة التابعين، أو من شهر بصلاح ودين كالأئمة الأربعة ونحوهم من الذين تشهد لهم الأمة بالصلاح وقد عدم أولئك، أما غيرهم فغاية الأمر أن نظن أنهم صالحون فنرجو لهم.
(٤) ومنها أنا لو ظننا صلاح شخص فلا نأمن أن يختم له بخاتمة سوء، والأعمال بالخواتيم، فلا يكون أهلا للتبرك بآثاره.
(٥) ومنها أن الصحابة لم يكونوا يفعلون ذلك مع غيره لا في حياته ولا بعد موته، ولو كان خيرا لسبقونا إليه، فهلا فعلوه مع أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ونحوهم من الذين شهد لهم النبي صلى اللهعليه وسلم بالجنة، وكذلك التابعون هل فعلوه مع سعيد بن المسيب وعلي بن الحسين وأويس القرني والحسن البصري ونحوهم ممن يقطع بصلاحهم، فدل أن ذلك مخصوص للنبي ﷺ.
(٦) ومنها أن فعل هذا مع غيره شيء لا يؤمن أن يفتنه وتعجبه نفسه، فيورثه العجب والكبر والرياء، فيكون هذا كالمدح في الوجه بل أعظم" انتهي.
[ ٢ / ٤٥٧ ]
بَعْضًا﴾
وكان ﷺ عندهم معززا موقرا مهابا ولم يكونوا يعاملونه بالاسترسال والمباسطة كما يعامل الأكفاء بعضهم بعضا. وكانوا يخفضون أصواتهم عنده ﷺ حتى ما يكاد أحدهم يسمع الذي يليه امتثالا لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ ﴾ الآية.
فقد أدبهم الله مع نبيهم في الحدي والخطاب حتى يميز شخص رسول الله بينهم، ويميز مجلسه فيهم.
وبذلك امتدحهم ﷾ بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ .
كما أنهم لم يكونوا ليتقدموا يين يديه بالكلام حتى يأذن لهم وذلك طاعة لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ - حتى كان النبيﷺ يسألهم عن اليوم الذي هم فيه والمكان الذي هم فيه، وهم يعلمونه حق العلم، فيتحرجون أن يجيبوا إلا بقولهم الله ورسوله أعلم خشية أن يكون قولهم تقدما بين يدي الله ورسوله.
وإذا جلسوا بين يديه ﷺ أعطوا هذا المجلس الشريف حقه من التعظيم والإجلال والتكريم حتى لكأنما على رؤوسهم الطير وذلك لماهم عليه من السكينة والأدب الشرعي الذي أدبهم الله به ورسوله صلوات الله وسلامه عليه. وكانوا لا يحدون إليه النظر تعظيما ومهابة له ﷺ وإذا أمرهم بأمر ابتدروا أمره فلا يقول شيئا إلا صدروا عنه وأطاعوه فيه وبادروا إلى امتثاله وتنفيذه والعمل به.
وكيف لا يكون الأمر كذلك فالنبي ﷺ كان كل شيء في حياتهم، فقد
[ ٢ / ٤٥٨ ]
كان معلمهم ومربيهم وقائدهم وقدوتهم، ومصلحهم في الدنيا والشهيد عليهم في الآخرة، وكان يعنى بهم أكثر من عنايتهم بأنفسهم، يهتم بما يصلحهم أكثر من اهتمامهم بمصالحهم، ويرى أنه بما حمله الله من أمانة تكوينهم ورعاية شؤونهم والسهر على مصالحهم، أولى بهم من أنفسهم، وهذا ما أكده القرآن الكريم بقوله ﷿: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية.
ولذلك فقد كان من البداهة بمكان أن يكون للنبي ﷺ هذه المنزلة في حياة الصحابة رضوان الله عليهم، وأن يكون هو الآمر الناهي، والسيد المطاع الذي لا رد له أمر ولا يخالف له رأي ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ .
ولقد توالت الآيات الكريمة التي تعلم الصحابة رضوان الله عليهم آداب السلوك معه، وتبين مكانة النبي الكريم ﷺ الذي اختاره لحمل الرسالة، وما ينبغي أن يعطى من الإجلال والتكريم.
وكلما حدث إخلال وتقصير في جانب توقيره وتعظيمه ﷺ فإن آيات القرآن تنزل مبينة لذلك الخلل والتقصير الذي وقع ومنبهة على خطورته ومحذرة من عواقب التمادي فيه كما في قوله تعالى: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا الآية وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيّ ﴾ الآية.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ .
وغير ذلك من الآيات التي نزلت في هذا الشأن، وإن شئت فاقرأ أسباب نزول تلك الآيات في كتب التفسير والحديث.
[ ٢ / ٤٥٩ ]
ومن ثم فإن المخاطبين بهذه الآيات من الصحابة انتهوا إلى العمل بها وذلك طاعة لأمر الله وتعظيما لحق رسوله ﷺ الذي قررته تلك الآيات وأرشدت إليه. وكما كان هذا هو الحال في جانب الطاعة، فكذلك الحال في جانب الحذر من مخالفته ومعصيته.
فالصحابة الذين عرفوا واشتهر عنهم طاعته ﷺ هم الذين اشتهر عنهم بعدهم عن معصيته ومخالفته وذلك لعلمهم بما في ذلك من المحادة والمحاربة له ولشرعه ﷺ وما يترتب على ذلك من العقوبة الشديدة قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ٣ ولقد كانت منزلة النبي ﷺ في قلوب أصحابه أغلى وأعز عليهم من كل شيء حتى من نفوسهم وأهليهم وما سوى ذلك، فقد كانوا يفتدونه بأرواحهم ويبذلون في سبيل نصرته كل ما يملكون من غالي ورخيص فقد حثهم الله على ذلك بقوله ﴿مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ ٤
كما أنهم يعادون من يحارب الله ورسوله مهما كانت صلتهم وثيقة به حتى وإن كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم، ومواقفهم في ذلك كثيرة ومشتهرة
_________________
(١) ١ الآية (٢٠) من سورة المجادلة. ٢ الآية (٦٣) من سورة التوبة. ٣ الآية (٥) من سورة المجادلة. ٤ الآية (١٢٠) من سورة التوبة.
[ ٢ / ٤٦٠ ]
وقد تقدم ذكر موقف أم حبيبة ﵂ مع أبيها أبو سفيان وموقف عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول مع أبيه عبد الله بن أبي.
وبالجملة فإن مجتمع الصحابة كان مجتمع الأمة المثالية التي تمثلت حقيقة واقعة في فترة من فترات التاريخ، ولقد كان الصحابة قبل الإسلام يعيشون في مجتمع اشتهر بغلظته وقساوة طبعه وبعده عن كثير من الآداب والسلوكيات فمن الله عليهم بالإسلام وهداهم له، واختارهم لصحبة نبيه ﷺ، فتوالت توجيهات القرآن الكريم والتربية النبوية الحكيمة عليهم، فهذبت وشذبت ووجهت ودفعت حتى ظهر ذلك المجتمع الذي له أدبه مع الله وأدبه مع رسوله ﷺ، وأدبه مع نفسه، وأدبه مع غيره أدبه، في هواجس ضميره، وفي حركات جوارحه، وفي الوقت ذاته له شرائعه المنظمة لأوضاعه، وله نظمه التي تكفل صيانته، وهي شرائع ونظم تقوم على ذلك الأدب، وتنبثق منه، وتتسق معه.
فما ظنك في مجتمع اختاره الله لصحبة نبيه وتولاه بعنايته ورعايته، وتعاهدهم رسوله بتوجيهاته ونصائحه وإرشاداته حتى سما وعلا وبلغ تلك الدرجة الرفيعة عند الله ﷾ وعند رسوله ﷺ
[ ٢ / ٤٦١ ]
المبحث الرابع: تعظيم الأمة للنبي ﷺ بعد مماته
المطلب الأول: تعظيم النبي ﷺ محله القلب واللسان والجوارح
تمهيد:
سبق وأن تقرر- بما تقدم من أدلة وبراهين- وجوب تعظيم النبي ﷺ وتعزيره وتوقيره.
وعلمنا كذلك ما كان من حال الصحابة رضوان الله عليهم تجاه هذا الواجب الذي فرضه الله على الأمة في حق نبيه ﷺ، وما كان منهم من تعظيم للنبي ﷺ في حياته، حينما كان بين ظهرانيهم يعايشمهم ويعايشونه.
والسؤال الذي يفرض نفسه في مثل هذا المقام هو: كيف يتحقق لهذه الأمة تعظيم نبيها ﷺ بعد وفاته، وما هي الأمور التي يشرع فعلها والقيام بها لتحقيق ما أمر الله به في هذا الجانب من جوانب الإيمان والدين؟
وقبل أن أشرع في تفاصيل جواب هذا السؤال وإيضاح جوانبه أود أن أذكر بأن هذا التعظيم والتوقير الواجب للنبي ﷺ هو من أمور الدين المشروعة بأدلة القرآن والسنة، وبذلك فلا يحق لكائن من كان أن يعظم النبي ﷺ بأمر من عنده لم يشرعه الله في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ، أو ليس له أول فيهما.
فالقاعدة الشرعية المبنية على قول النبي ﷺ: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" تقول إن أي أمر محدث في هذا الدين مما لم يشرعه النبي ﷺ هو أمر مردود على فاعله كائنا من كان، وهو بدعة، وكل بدعة ضلالة. وهذه القاعدة الشرعية هي الميزان الذي يعرض عليه ما يقوم به الناس من أقوال وأفعال في هذا الجانب- أي جانب تعظيم الرسول ﷺ - بل وفي كل جانب من جوانب الدين.
[ ٢ / ٤٦٣ ]
وإذا كانت العبادة هي الاسم الجامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة، فمما لا شك فيه أن تعظيم النبي ﷺ من الأمور التي يحبها الله، وقد ارتضاها لعباده حين أمرهم بذلك.
فإذا كان تعظيم النبي ﷺ من الأمور التعبدية التي تعبد الله بها عباده، فالعبادات مبناها على الشرع والاتباع، لا على الهوى والابتداع، فالعبادة مبنية على أصلين هما:
الأصل الأول: إخلاص العبادة للهه وحده لا شريك له، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ ١ (١) .
الأصل الثاني: أن نعبده بما شرعه على لسان رسوله ﷺ، فلا نعبده بالأهواء والبدع، قال الله تعالى ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ ٢ وقال تعالى ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ ٣ فليس لأحد أن يعبد الله إلا بما شرعه رسوله ﷺ من واجب أو مستحب، وليس لنا أن نعبده بالأمور المبتدعة٤.
وهذان الأصلان هما حقيقة قولنا "أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله".
وعلى هذا فإن الرسول ﷺ هو المبلغ عن الله تعالى أمره ونهيه وتحليله،
_________________
(١) ١ الآية (٥) من سورة البينة. ٢ الآيتان (١٨- ١٩) من سورة الجاثية. ٣ الآية (٢١) من سورة الشورى. ٤ مجموع الفتاوى (١/٨٠) بتصرف.
[ ٢ / ٤٦٤ ]
وتحريمه، بالحلال مما أحله، والحرام ما حرمه، والدين ما شرعه، فليس لأحد كائنا من كان أن يشرع في هذا الدين بعد رسول الله ﷺ.
وقد قدمت لكلامي بهذه العبارات نظرا لما أحدثه الناس في هذا الجانب من بدع تحت دعوى تعظيم قدر النبي ﷺ، مما ليس له أصل في الدين وما أنزل الله به من سلطان.
ومن العجيب أن الشيطان أظهر لهم ذلك في صورة محبته ﷺ وتعظيمه ومتابعته، وهذا شأن اللعين لابد وأن يمزج الحق بالباطل ليروج على أشباه الأنعام أتباع كل ناعق، الذين لم يستضيؤوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق.
ولقد كان حري بهؤلاء الذين ابتدعوا تلك البدع، وكذلك الذين أخذوا بها من بعدهم، أن يلتزموا بما ورد به أمر الشارع من أمور في جانب تعظيم قدر النبي ﷺ وتوقيره، ففيها الغنية والنجاة، وبالتمسك بها والسير عليها يحصل الأجر العظيم بإذن الله تعالى.
[ ٢ / ٤٦٥ ]
المطلب الأول: تعظيم النبي كلبا محله القلب واللسان والجواب
لقد أرسل الله ﷾ نبيه ورسوله محمدا ﷺ إلى الثقلين الإنس والجن، على حين فترة من الرسل، فهدى به لأقوم طريق وأوضح سبيل، وبعثه بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، فهدى به من الضلالة وبصر به من العمى وأرشد به من الغي، وفتح به أعينا عميا وآذانا صما، وقلوبا غلفا، فإن رسالته وافت أهل الأرض أحوج ما كانوا إليها، فإنهم كانوا بين عباد أوثان، وعباد صلبان، وعباد نيران، وعباد كواكب، ومغضوب عليهم قد باؤوا بغضب من الله، وحيران لا يعرف ربا يعبده، ولا بماذا يعبده، والناس يهل بعضهم بعضا من استحسن شيئا دعا إليه وقاتل من خالفه، وليس في الأرض موضح قدم مشرق بنور الرسالة، "وقد نظر الله سبحانه إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا على آثار دين صحيح"١ فأغاث الله به البلاد والعباد وكشف به تلك الظلم وأحيا به الخليقة بعد الموت.
فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وعبد ربه حتى أتاه اليقين.
ففرق بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والرشاد والغي، وطريق أهل
_________________
(١) ١ هذه العبارة جزء من حديث رواه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار (٨/ ١٥٩) ولفظها في مسلم "وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب " الحديث.
[ ٢ / ٤٦٦ ]
الجنة وطريق أهل النار، وبين أوليائه وأعدائه، فالحلال ما أحله الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله، والدين ما شرعه الله ورسوله.
فعرف الناس ربهم ومعبودهم غاية ما يمكن أن تناله قواهم من المعرفة، وأبدأ وأعاد، واختصر وأطنب في ذكر أسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه، حتى تجلت معرفته سبحانه في قلوب عباده المؤمنين، وانجابت سحائب الشك والريب عنها كما ينجاب السحاب عن القمر ليلة إبداره، ولم يدع لأمته حاجة في هذا التعريف لا إلى من قبله ولا إلى من بعده، بل كفاهم وشفاهم وأغناهم عن كل من تكلم في هذا الباب قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ١.
وعرف الأمة الطريق الموصل لهم إلى ربهم ورضوانه ودار كرامته، ولم يدع حسنا إلا أمرهم به، ولا قبيحا إلا نهى عنه كما قال ﷺ: "إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينذرهم شر ما يعلمه لهم" ٢.
وقال أبو ذر ﵁: "لقد تركنا محمدا وما يحرك طائر جناحيه في السماء إلا أذكرنا منه علما"٣.
وعرفهم حالهم بعد القدوم على ربهم أتم تعريف، فكشف الأمر وأوضحه ولم يدع بابا من العلم النافع للعباد المقرب لهم إلى ربهم إلا فتحه ولا مشكلا
_________________
(١) ١ الآية (٥١) من سورة العنكبوت. ٢ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب الأمر بالوفاء ببيعة الخلفاء الأول فالأول (٦/١٨) . ٣ تقدم تخريجه ص ١٢٤.
[ ٢ / ٤٦٧ ]
إلا بينه وشرحه، حتى هدى الله به القلوب من ضلالها، وشفاها به من أسقامها، وأغاثها به من جهلها، فهو الرحمة المهداة للعالمين قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ١ فجزاه الله عن أمته أفضل الجزاء.
ولقد جبله الله على مكارم الأخلاق وكرائم الشيم، فإن من نظر في أخلاقه وشيمه ﷺ علم أنها خير أخلاق، فإنه ﷺ كان أعلم الخلق، وأعظمهم أمانة وأصدقهم حديثا وأجودهم وأسخاهم وأشدهم احتمالا، وأعظمهم عفوا ومغفرة، وكان لا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلما، كما روى البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمرو أنه قال في صفة رسول الله ﷺ في التوراة "محمد عبدي ورسولي سميته المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب بالأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر، ولن أقبضه حتى أقيم به الملة العوجاء وأفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا، حتى يقولوا لا إله إلا الله"٢.
وأرحم الخلق وأرأفهم بهم وأعظم الخلق نفعا لهم في دينهم ودنياهم وأفصح خلق الله وأحسنهم تعبيرا عن المعاني الكثيرة بالألفاظ الوجيزة الدالة على المراد وأصبرهم في مواطن الصبر، وأصدقهم في مواطن اللقاء، وأوفاهم بالعهد والذمة، وأعظمهم مكافأة على الجميل بأضعافه، وأشدهم تواضعا، وأعظمهم إيثارا على نفسه، وأشد الخلق ذبا عن أصحابه وحماية لهم ودفاعا عنهم، وأقوم الخلق بما يأمر به، وأتركهم لما ينهي عنه، وأوصل الخلق لرحمه.
وكان أجود الناس صدرا، وأصدقهم لهجة، وألينهم عريكة، وأكرمهم
_________________
(١) ١ الآية (١٠٧) من سورة الأنبياء. ٢ تقدم تخريجه ص ٣٩٦.
[ ٢ / ٤٦٨ ]
عشرة، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبه، يقول ناعته لم ير قبله ولابعده مثله ﷺ.
وقد خصه الله بصفتين خص بهما أهل الصدق والإخلاص وهما الإجلال والمحبة، فقد ألقى عليه هيبة منه ومحبة، فكان كل من يراه يهابه ويجله ويملأ قلبه تعظيما وإجلالا، وإن كان عدوا له، فإذا خالطه وعاشره كان أحب إليه من كل مخلوق، فهو المجل المعظم المحبوب المكرم، وهذا غاية كمال المحبة أن تقرن بالتعظيم والهيبة، فالمحبة بلا تعظيم ولا هيبة ناقصة، والهيبة والتعظيم من غير محبة- كما يكون الظالم القادر- نقص أيضا، والكمال أن تجتمع المحبة والود والتعظيم والإجلال، وهذا لا يوجد إلا إذا كان في المحبوب صفات الكمال التي يستحق أن يعظم لأجلها ويحب لأجلها١.
ولقد جمع الله تعالى لنبينا ﷺ من الصفات والخصائص ما لم يجمعه لبشر وافترض على العباد طاعته وتعزيره وتوقيره ورعايته والقيام بحقوقه، وامتثال ما قرره في مفهومه ومنطوقه، والصلاة عليه والتسليم ونشر شريعته بالعلم والتعليم، وجعل الطرق مسدودة عن جنته، إلا من سلك طريقه واعترف بمحبته، وشرح له صدره، ورفع له ذكره، ووضع عنه وزره، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره، فياسعد من وفق لذلك وياويح من قصر عن هذه المسالك٢ (٢) .
وما هذه المحبة والمهابة التي جعلها الله لنبيه ﷺ إلا تبع لمحبته سبحانه وإجلاله.
_________________
(١) ١ جلاء الأفهام (ص ٨٩، ٩٤) بتصرف ٢ القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع للسخاوي (ص ١١) بتصرف.
[ ٢ / ٤٦٩ ]
ذلك لأن كل محبة وتعظيم للبشر إنما هي تبع لمحبة الله وتعظيمه فمحبة الرسول وتعظيمه إنما هي من تمام محبة مرسله وتعظيمه، فأمته يحبونه لمحبة الله له، ويعظمونه ويبجلونه لإجلال الله له فهي من موجبات محبة الله وتعظيمه، ولهذا لم يكن بشر أحب إلى بشر ولا أهيب ولا أجل في صدره من رسول الله ﷺ في صدر أصحابه ﵃.
فإذا كان هذا شأن النبي ﷺ، وهذه مكانته التي بوأه الله إياها، فحرى بهذه الأمة أن تعرف له قدره وتعظم من شأنه وذلك بموجب ما شرعه الله وأمر به، فذلك عقد من عقود الإيمان الذي لا يتم إلا به.
وهذا التعظيم والتوقير الواجب له ﷺ على كل فرد من أفراد هذه الأمة محله القلب واللسان والجوارح.
أما تعظيم القلب: فهو ما يتبع اعتقاد كونه عبدا رسولا، من تقديم محبته على النفس والولد والوالد والناس أجمعين، والتي من لوازمها الإكثار من ذكره الذي هو سبب لدوام محبته ﷺ وزيادتها وتضاعفها.
وكذلك فإن من تعظيم القلب استشعاره لهيبة النبي ﷺ وجلالة قدره وعظيم شأنه، واستحضاره لمحاسنه ومكانته ومنزلته، والمعاني الجالبة لحبه وإجلاله وكل ما من شأنه أن يجعل القلب ذاكرا لحقه من التوقير والتعزير، ومعترفا به ومذعنا له.
فالقلب ملك الأعضاء وهي له جند وتبع، فمتى ما كان تعظيم النبي ﷺ مستقرا في القلب مسطورا فيه على تعاقب الأحوال فإن آثار ذلك ستظهر على الجوارح حتما لا محالة، وحينئذ سترى اللسان يجري بمدحه والثناء عليه وذكر محاسنه، وترى باقي الجوارح ممتثلة لما جاء به ومتبعة لشرعه وأوامره،
[ ٢ / ٤٧٠ ]
ومؤدية لما له من الحق والتكريم.
أما تعظيم اللسان: فهو الثناء عليه بما هو أهله مما أثنى به عليه ربه وأثنى على نفسه من غير غلو ولا تقصير. ومن أعظم ذلك الصلاة والسلام عليه ﷺ، فقد أمر الله عباده المؤمنين بأن يصلوا على النبي ﷺ فقال تعال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ١ وهذا من تعظيمه ﷺ وتوقيره. قال الحليمي: "معنى الصلاة على النبي علما تعظيمه، فمعنى قولنا: "اللهم صل على محمد" عظم محمدا، والمراد تعظيمه في الدنيا بإعلاء ذكره وإظهار دينه وإبقاء شريعته، وفي الآخرة بإجزال مثوبته وتشفيعه في أمته وإبداء فضيلته بالمقام المحمود، وعلى هذا فالمراد بقوله تعالى ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ أدعوا ربكم بالصلاة عليه"٢.
فالصلاة منا عليه ﷺ تتضمن ثناء المصلي عليه والإشارة بذكر شرفه وفضله٣ وإرادة من الله تعالى أن يعلي ذكره ويزيده تعظيما وتشريفا٤ وسيأتي مزيد تفصيل لهذا الموضوع في الفصل الثالث من هذا الباب بإذن الله تعالى.
ومن تعظيم اللسان كذلك أن نتأدب عند ذكره بألسنتنا وذلك بأن نقرن ذكر اسمه بلفظ النبوة أو الرسالة مع الرسالة والسلام عليه ﷺ.
قال تعالى: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ ٥ فأمر
_________________
(١) ١ الآية (٥٦) من سورة الأحزاب. ٢ المنهاج في شعب الإيمان (٢/ ١٣٤) بتصرف يسير. ٣ جلاء الأفهام (ص ٧٨) . ٤ جلاء الأفهام (ص ٧٩) . ٥ الآية (٦٣) من سورة النور.
[ ٢ / ٤٧١ ]
سبحانه أن لا يدعى رسوله بما يدعو الناس بعضهم بعضا بل يقال: يارسول الله يانبي الله ولا يقال يامحمد وقد كان الصحابة لا يخاطبونه إلا بـ"يارسول الله، يا نبي الله".
وإذا كان هذا في حياته فهكذا في مغيبه لا ينبغي أن يجعل ذكره من جنس ما يذكر به غيره، بل يجب أن يقرن ذكره بالنبوة أو الرسالة وأن يدعى له بأشرف دعاء وهو الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم١. فهذا من التعظيم الواجب له ﷺ وفي الحديث "رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل عليّ" ٢.
وفي الحديث الآخر "البخيل من ذكرت عنده فلم يصل عليّ" ٣.
ومن تعظيم اللسان تعداد فضائله وخصائصه ومعجزاته ودلائل نبوته وتعريف الناس بسنته وتعليمهم إياها وتذكيرهم بمكانته ومنزلته وحقوقه، وذكر صفاته وأخلاقه وخلاله، وما كان من أمر دعوته وسيرته وغزواته والتمدح بذلك شعرا ونثرا، بشرط أن يكون ذلك في حدود ما أمر به الشارع الكريم، مع الابتعاد عن مظاهر الغلو والإطراء المحظور.
وأما وتعظيم الجوارح له ﷺ: فهو العمل بشريعته، والتأسي بسنته، والأخذ بأوامره ظاهرا وباطنا، والتمسك بها والحرص عليها، وتحكيم ما جاء به في
_________________
(١) ١ جلاء الأفهام (ص ٨٠) بتصرف. ٢ أخرجه الترمذي في السنن، كتاب الدعوات، باب قول رسول الله صلى الله عليه وسل "رغم أنف رجل" (٥/٥٥٠) ح ٣٥٤٥ وأخرجه ابن حبان في صحيحه. انظر موارد الظمآن (٢٣٨٧) . وأخرجه إسماعيل القاضي في فضل الصلاة على النبي ﷺ (ص ٨- ٩- ١٠) ح ١٥- ١٦ - ١٧- ١٨- ١٩، وقال الألباني في تعليقه عليه: "حديث صحيح بشواهده".وأخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٥٤٩) . ٣ تقدم تخريجه ص ٣٢٨.
[ ٢ / ٤٧٢ ]
الأمور كلها، والرضا بحكمه والتسليم له، والسعي في إظهار دينه، ونصر ما جاء به، وتبليغ رسالته للناس ودعوتهم للإيمان به والذب عن سنته والدفاع عنها وتعلمها وتعليمها وخدمتها، والموالاة والمعاداة والحب والبغض لأجله، وجهاد من خالفه.
والاجتناب عما نهي عنه وزجر، والبعد عن معصيته ومخالفته والحذر من ذلك، والتوبة والاستغفار عما وقع فيه الزلل والتقصير.
فالله ﷾ هو الذي جعل لنبيه ﷺ هذه المنزلة في حياة المسلمين، فقد أوجب علينا طاعته وحرم علينا معصيته وجعله الآمر الناهي والسيد المطاع الذي لا. يرد له أمر، ولا يخالف له رأي فمن أطاعه فقد أطاع الله، لأن الأمة لا يصلون ما بينهم وبين ربهم إلا بواسطة الرسول، فليس لأحد منهم طريق غيره ولا سبب سواه، وقد أقامه الله مقام نفسه في أمره ونهيه وإخباره وبيانه. قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ٤.
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ
_________________
(١) ١ الآية (٧) من سورة الحشر. ٢ الآية (٨٠) من سورة النساء. ٣ الآية (١٣٢) من سورة آل عمران. ٤ الآية (٦٥) من سورة النساء.
[ ٢ / ٤٧٣ ]
بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ١.
فهذه الآيات وغيرها تبين كظم أمر اتباع النبي ﷺ في حياة المؤمنين، وأنه هو البرهان العملي على صدق الإيمان والمحبة والتعظيم لله تعالى ولنبيه ﷺ فالطاعة والاتباع هما سمة المؤمنين الصادقين وسبيلهم الدائم، ذلك لأن الإيمان (هو حقيقة مركبة من معرفة ما جاء به الرسول ﷺ علما، والتصديق به عقدا والإقرار به نطقا، والإنقياد له محبة وخضوعا، والعمل به ظاهرا وباطنا وتنفيذه والدعوة إليه حسب الإمكان.
وكماله الحب في الله، والبغض في الله، والعطاء لله والمنع لله، وأن يكون الله وحده معبوده.
والطريق إليه تجريد متابعة رسول الله ﷺ ظاهرا وباطنا، وتغميض عين القلب عن الالتفات إلى غير الله) ٢.
وبالجملة فإن التعظيم النافع هو تصديق النبي ﷺ فيما أخبر وطاعته فيما أمر والانتهاء عما نهي عنه وزجر وألا يعبد الله إلا بما شرع.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وإنما تعظيم الرسل بتصديقهم فيما أخبروا به عن الله وطاعتهم فيما أمروا به ومتابعتهم ومحبتهم وموالاتهم "٣ فالاتباع هوالمحك الذي يميز من خلاله مدى صدق مدعي التعظيم في دعواه تلك. إذ كيف يعقل أو يتخيل أن يدعي شخص تعظيم النبي وتوقيره وهو لا يلتزم بما جاء به من أمر أو نهي، ولا يقيم وزنا ولا اعتبارا لما جاء به.
_________________
(١) ١ الآية (٥١) من سورة النور. ٢ منزلة السنة في التشريع الإسلامي (ص ٤- ٥) وعزاه لابن القيم ولم أقف عليه في كتبه. ٣ كتاب الرد على الأخنائي (ص ٢٤، ٢٥) .
[ ٢ / ٤٧٤ ]
ولقد جعل الله الإتباع هو برهان محبته سبحانه حيث قال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١.
وجعله كذلك شرطا للإيمان الذي يعد تعظيم النبي ﷺ جزءا منه، قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ٢
فالاتباع صفة من صفات أهل الإيمان كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ ٤.
فهل الموقر لرسول الله ﷺ إلا من تمسك بسنته واعتصم بها وسار على نهجه واقتفى أثره.
فأتباع كل نبي ومحبوه ومعظموه هم الذين أخذوا بسنته واقتدوا بأمره كما جاء في الحديث عنه ﷺ أنه قال: "ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون مالا يفعلون ويفعلون مالا يؤمرون فمن جاهدهم ييده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة
_________________
(١) ١ الآية (٣١) من سورة آل عمران ٢ الآية (٦٥) من سورة النساء. ٣ الآية (٥١) من سورة النور. ٤ الآية (٣٦) من سورة الأحزاب.
[ ٢ / ٤٧٥ ]
خردل"١.
فالنبي ﷺ بين لنا صفة أتباع الأنبياء بأنهم هم الذين عظموا أمرهم وأخذوا بسنتهم وعملوا بأوامرهم.
وأما من عداهم فهم ليسوا بأتباع لهم وإنما هم أناس يستحقون المجاهدة ويستفاد من قوله ﷺ: "يقولون مالا يفعلون"؟ أن مجرد الدعوى القولية المجردة عن الفعل الذي أمر به الشارع لا تغني صاحبها شيئا.
ويستفاد من قوله "ويفعلون مالا يؤمرون" أن الأفعال المبتدعة التي لم يأمر بها الشارع هي كذلك لا تنفع صاحبها ولا تغني عنه من الله شيئا.
وهذا الوصف ينطق تماما على أصحاب البدع المقيمين للموالد وغيرها من البدع، زاعمين أنهم ما فعلوا تلك الأمور إلا محبة للرسول ﷺ وتعظيما لشأنه، فهم فعلوا ما لم يؤمروا به، وأفعالهم وأحوالهم لا تطابق أقوالهم، ولو بحثنا عن وصف نصف به هؤلاء لم نجد أبلغ من هذا الوصف "يقولون مالا يفعلون ويفعلون مالا يؤمرون".
وليتهم قاموا بما أوجب الله عليهم وشرعه لهم على لسان رسوله ﷺ لكان خيرا لهم وأجدى. ولكنهم أناس أوقعوا أنفسهم في محاذير متعددة منها:
١- أنهم فعلوا ما لم يؤمروا به وهم معترفون بأن تلك الموالد والأمور التي تفعل فيها لم يشرعها الله في كتابه ولم يشرعها رسوله ﷺ ولم يفعلها أحد من أصحابه رضوان الله عليهم.
٢- أنهم خالفوا أمر الرسول ﷺ حيث أمرهم بالاتباع وترك الابتداع فقد
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه ص ١٨٨
[ ٢ / ٤٧٦ ]
قال ﷺ "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"١ والله تعالى يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ٢
٣- أنهم رغبوا عن سنن المصطفى ورضوا بما أملته عليهم أهواؤهم ورسول الله ﷺ يقول: "فمن رغب عن سنتي فليس مني "٣.
فالإحداث في شريعته ﷺ يعد رغبة عن سنته وهذا ما دلت عليه القصة الواردة في الحديث السابق.
٤- أنهم بفعلهم للمولد وغيره من البدع لم يعظموا الرسول ﷺ إنما اتهموه بأنه لم يدلهم على هذا الخير الذي جاؤوا به، وفي هذا يقول الإمام مالك: "من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدا خان الرسالة، لأن الله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فما لم يكن يومئذ دينا فلا يكون اليوم دينا".
والأمر الذي ينبغي معرفته أن النصوص قد دلت على أنه بقدر ما يكون المرء متبعا لسنة المصطفى ﷺ ومتمسكا بها بقدر ما يكون معظما وموقرا له والعكس بالعكس.
"هذا وإن كثيرا من الناس يعظمون الرسول ويعتقدون أنه من أفضل الناس، ولكن يقولون إنه لا يجب عليهم اتباعه وطاعته بل لهم طريق إلى الله تغنيهم عنه. وقد يقولون إن طريقهم أفضل من طريقه كما يعتقد كثير من اليهود والنصارى أنه كان مبعوثا إلى الأميين لا إليهم فهم يعظمونه ظاهرا وباطنا لكن
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه ص ١٩٠ ٢ الآية (٧) من سورة الحشر. ٣ تقدم تخريجه ص ١٩٥
[ ٢ / ٤٧٧ ]
يقولون لا يجب علينا اتباعه وهؤلاء كفار بإجماع المسلمين.
وكذلك كثير ممن يظهر الإسلام يثبتون نبوته على رأي الفلاسفة، وأنه كان صاحب قوة قدسية، وقد يفضلونه على جميع الخلق، ومع هذا لا يقرون بما جاء به ولا يوجبون على أنفسهم اتباعه ظاهرا وباطنا، ويقولون هو رسول إلى العامة أو إلى الجميع في الشرائع الظاهرة دون الحقائق الباطنة والحقائق العقلية كما يقول مثل هذا كثير ممن يظهر الإسلام"١.
فمثل هذا الصنف لا ينفعه هذا التعظيم لافتقاره للاتباع الذي هو لب التعظيم وجوهره.
_________________
(١) ١ الرد على الأخنائي (ص ٣٧) .
[ ٢ / ٤٧٨ ]
المطلب الثاني: توقير النبي ﷺ في آله وأزواجه أمهات المؤمنين
إن من توقير النبي ﷺ ورعاية جنابه وتبجيله وتعظيمه توقير آله وذريته وأزواجه، كما حض عليه ﷺ وسلكه السلف الصالح رضوان الله عليهم.
١- فآل بيت النبي ﷺ لهم من الحقوق ما يجب رعايتها فإن الله جعل لهم حقا في الخمس والفيء قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ ٢.
وأمر بالصلاة عليهم مع الصلاة على رسول الله ﷺ
ففي الحديث عن كعب بن عجرة٣ ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فقلنا قد عرفنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك؟ قال: "قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على
_________________
(١) ١ الآية (٤١) من سورة الأنفال. ٢ الآية (٧) من سورة الحشر. ٣ كعب بن عجرة بن أمية البلوي ويقال القضاعي، حليف لأنصار، صحابي مشهور، مات بعد الخمسين وله نيف وسبعون سنة. الإصابة (٣/ ٢٨١، ٢٨٢) .
[ ٢ / ٤٧٩ ]
آل إبراهيم إنك حميد مجيد" ١.
فالصلاة على آل محمد حق لهم عند المسلمين، وذلك سبب لرحمة الله تعالى لهم بهذا النسب.
كما تجب محبتهم لحب رسول الله ﷺ لهم، ولأن محبتهم من محبة رسول الله، كما. وأن نتولاهم ونحفظ فيهم وصية رسول الله ﷺ حيث قال في يوم غدير خم: "وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي " الحديث٢.
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: "ولا تنكر الوصاة بأهل البيت والأمر بالاحسان إليهم واحترامهم وإكرامهم فإنهم من ذرية طاهرة من أشرف بيت وجد على ظهر الأرض فخرا وحسبا ونسبا ولا سيما إذا كانوا متبعين للسنة النبوية الصحيحة الواضحة الجلية كما كان عليه سلفهم كالعباس وبنيه وعلي وأهل بيته وذريته ﵃ أجمعين"٣.
وقال ابن تيمية ﵀: "ولا ريب أن لآل محمد ﷺ حقا على الأمة لا يشركهم فيه غيرهم، ويستحقون من زيادة المحبة والموالاة مالا يستحقه سائر بطون قريش، كما أن قريشا يستحقون من المحبة والموالاة مالا
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ انظر: فتح الباري (٨/ ٥٣٢) . وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب الصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد. انظر: (٢/ ١٦) . ٢ تقدم تخريجه ص ٣٤٥. ٣ تفسير ابن كثير (٤/ ١١٣) .
[ ٢ / ٤٨٠ ]
يستحقه غير قريش من القبائل، كما أن جنس العرب يستحق من المحبة والموالاة مالا يستحقه سائر أجناس بني آدم، وهذا على مذهب الجمهور الذين يرون فضل العرب على غيرهم، وفضل قريش على سائر العرب وفضل بني هاشم على سائر قريش، وهذا هو المنصوص عن الأئمة كأحمد وغيره١.
_________________
(١) ١ هذا من تفضيل الجملة على الجملة وهو لا يقتضى تفضيل كل فرد على كل فرد فالعرب في الأجناس، وقريش فيها ثم هاشم في قريش، مظنة أن يكون فيهم من الخير أعظم مما يوجد في، غيرهم، ولهذا كان في بنى هاشم النبي صلى الله عليهم وسلم الذي لا يماثله أحد في قريش فضلا عن وجوده في سائر العرب وغير العرب، وكان في قريش الخلفاء الراشدون وسائر العشرة وغيرهم ممن لا يوجد له نظير في العرب وغير العرب، وكان في العرب من السابقين الأولين من لا يوجد له نظير في سائر الأجناس. فلابد أن يوجد في الصنف الأفضل ما لا يوجد مثله في المفضول. وقد يوجد في المفضول ما يكون أفضل من كثير مما يوجد في الفاضل كما أن الأنبياء الذين ليسوا من العرب أفضل من العرب الذين ليسوا بأنبياء، والمؤمنون المتقون من غير قريش أفضل من القرشيين الذين ليسوا مثلهم في الإيمان والتقوى، وكذلك المؤمنون المتقون من قريش وغيرهم أفضل ممن ليس مثلهم في الإيمان والتقوى من بني هاشم. فهذا هو الأصل المعتبر في هذا الباب دون من ألغى فضيلة الأنساب مطلقا ودون من ظن أن الله تعالى يفضل الأنسان بنسبه على من هو مثله في الإيمان والتقوى، فضلا عمن هو أعظم إيمانا وتقوى، فكلا القولين خطأ وهما متقابلان، بل الفضيلة بالنسب فضيلة جملة وفضيلة لأجل المظنة والسبب. والفضيلة بالإيمان والتقوى فضيلة تعيين وتحقيق وغاية. فالأول: يفضل به لأنه سبب وعلامة، ولأن الجملة أفضل من جملة تساويها في العدد. والثاني: يفضل به لأنه الحقيقة والغاية، ولأن كل من كان أتقى لله كان أكرم عند الله، والثواب من الله يقع على هذا، لأن الحقيقة قد وجدت، فلم يعلق الحكم بالمظنة، ولأن الله تعالى يعلم الأشياء على ما هي عليه، فلا يستدل بالأسباب والعلامات فالاعتبار العام هو التقوى كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ الآية (١٣) من سورة الحجرات. فكل من كان أتقى كان أفضل مطلقا، وإذا تساوى اثنان في التقوى استويا في الفضل سراء كانا أو أحدهما عربيين أو أعجميين، أو قرشيين أو هاشميين أو كان أحدهما من صنف والآخر من صنف، وإن قدر أن أحدهما له من سبب الفضيلة ومظنتها ما ليس للآخر، فإذا كان ذلك قد أتى بحقيقة الفضيلة كان أفضل ممن لم يأت بحقيقتها، وإن كان أقدر على الإتيان بها، فالعالم خير من الجاهل، وإن كان الجاهل أقدر على تحصيل العلم. انظر: منهاج السنة (٤/ ٦٠٢- ٦٠٣- ٦٠٤- ٦٠٨) بتصرف
[ ٢ / ٤٨١ ]
والنصوص دلت على هذا القول، كقوله ﷺ: "إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريش من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم" ١.
وكقوله في الحديث الصحيح: "الناس معادن كمعادن الذهب والفضة خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا" ٢ وأمثال ذلك"٣ وعن أبي بكر الصديق ﵁ قال: "أرقبوا محمدا ﷺ في أهل بيته"٤ فأهل البيت يتولاهم جميع المؤمنين ويحبونهم لا كما يزعم الروافض أنهم المخصوصون بحب أهل البيت وحدهم أن غيرهم هم الذين ظلموهم، فالحقيقة أن الروافض هم الذين ظلموا أهل البيت ظلما لا نظير له فهم الذين خذلوهم وغروهم، وتسببوا في رد كثير من روايات أهل البيت بسبب ما اشتهر عن أولئك الروافض من الكذب على آل البيت.
وإضافة إلى ذلك فإن الروافض يحصرون محبتهم في نفر قليل من أهل البيت مع أن الصالحين من أهل البيت الذين تبغضهم الروافض وتذمهم أكثر عددا من الذين يتظاهرون بحبهم.
_________________
(١) ١ أخرب مسلم في صحيحه كتاب الفضائل، باب فضل نسب النبي ﷺ (٧/ ٥٨) . ٢ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأنبياء، باب قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ فتح الباري (٦/ ٣٨٧) ح ٣٣٥٣، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب باب الأرواح جنود مجندة (٨/ ٤١، ٤٢) واللفظ له. ٣ منهاج السنة النبوية (٤/ ٥٩٩) . ٤ تقدم تخريجه ص ٣٤٥.
[ ٢ / ٤٨٢ ]
٢- أما زوجات النبي ﷺ رضوان الله عليهن أجمعين فيجب علينا أن نحفظ لهن حقهن في الحرمة والاحترام والتوقير والإكرام، والإعظام، والمكانة التي جعل الله لهن. فلقد رفع الله مقامهن وبوأهن أعلى منزلة عند جميع المؤمنين وهي منزلة الأمومة، فجعلهن أمهات في التحريم والاحترام فقد قال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ ١.
قال القرطبي عند تفسيره لهذه الآية: "شرف الله تعالى أزواج نبيه ﷺ بأن جعلهن أمهات المؤمنين، أي في وجوب التعظيم والمبرة والإجلال وحرمة النكاح على الرجال، وحجبهن رضي الله تعالى عنهن، بخلاف الأمهات"٢
وكيف لا تكون لهن هذه المنزلة وتلك المكانة وهن اللآتي اخترن الله ورسوله والدار الآخرة عندما نزلت آيتا التخيير قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ٣.
وبعد اختيارهن رضي الله تعالى عنهن الله ورسوله والدار الآخرة كرمهن الله ﵎ وكافأهن على اختيارهن أحسن تكريم وأعظم مكافأة. فكان لهن ما أعد الله لهن من الأجر العظيم، ثم ميزهن عن نساء العالمين في العذاب والأجر، ثم أبانهن منهن فقال: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ٤
_________________
(١) ١ الآية (٦) من سورة الأحزاب. ٢ تفسيرالقرطبي (١٤/ ١٢٣) . ٣ الآيتان (٢٨، ٢٩) من سورة الأحزاب. ٤ الآية (٣٢) من سورة الأحزاب.
[ ٢ / ٤٨٣ ]
يعني في الفضل والشرف، وذلك لما منحهن الله من صحبة نبيه ﷺ وعظيم المحل منه ونزول القرآن في حقهن١.
ولقد تضمنت سورة الأحزاب كثيرا من الأمور التي أكرم الله بها أزواج النبي ﷺ مجازاة لهن على حسن صنيعهن في اختيارهن لله ورسوله والدار الآخرة والمقام هنا لا يسمح بالتوسع في ذكر هذه الأمور، وإنما المقصود تبيين مالهن من مكانة عند الله وعند رسوله ﷺ. فمن حقهن علينا أن نحفظ لهن هذه المكانة، وذلك بأن نتولاهن، وأن نثني عليهن بما ورد من فضائلهن وما كان لهن من دور في مؤازرة النبي ﷺ ونصرته، وما كان لهن من دور بعد وفاته في حفظ مسائل الدين ونشرها بين الأمة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ومن أصول أهل السنة والجماعة أنهم يتولون أزواج رسول الله ﷺ أمهات المؤمنين ويؤمنون بأنهن أزواجه في الآخرة، خصوصا خديجة ﵂ أم أكثر أولاده، وأول من آمن به وعاضده على أمره وكان له منها المنزلة العالية. والصديقة بنت الصديق ﵄، التي قال فيها النبي ﷺ: "فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام"٢٣.
فمن الواجب أن ننشر هذه الفضائل ونعلمها، وبخاصة لنسائنا حتى يكون لهن في ذلك الأسوة والقدوة.
_________________
(١) ١ تفسير القرطبي (١٤/ ١٧٧) بتصرف. ٢ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل أصحاب النبي ﷺ، باب فضل عائشة ﵂. فتح الباري (٧/١٠٦) ح ٠ ٣٧٧، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب في فضل عائشة رضي الله تعالى عنها (٧/ ١٣٨) . ٣ مجموع الفتاوى (٣/ ١٥٤) .
[ ٢ / ٤٨٤ ]
المطلب الثالث: توقيره ﷺ في أصحابه رضوان الله عليهم
ومن توقيره وبره ﷺ توقير أصحابه وبرهم ومعرفة حقهم والاقتداء بهم، وحسن الثناء عليهم، والاستغفار لهم، والإمساك عما شجر بينهم، ومعاداة من عاداهم، والإضراب عن أخبار المؤرخين، وجهلة الرواة، وضلال الشيعة والمبتدعين، القادحة في أحد منهم، وأن نلتمس لهم فيما نقل عنهم من مثل ذلك فيما كان دينهم من الفتن أحسن التأويلات ويخرج لهم أصوب الخارج، إذ هم أهل لذلك، ولا يذكر أحد منهم بسوء ولا يغمص١ عليه أمر، بل تذكر حسناتهم وفضائلهم، وحميد سيرتهم، ويسكت عما وراء ذلك٢.
فهم أناس قد اختارهم الله وشرفهم بصحبة نبيه ﷺ وخصهم في الحياة الدنيا بالنظر إلى النبي ﷺ وسماع حديثه من فمه الشريف وتلقي الشريعة وأمور الدين عنه وتبليغ ما بعث الله به رسوله من النور والهدى على أكمل الوجوه وأتمها. فكان لهم الأجر العظيم لصحبتهم رسول الله ﷺ والجهاد معه في سبيل الله وأعمالهم الجليلة في نشر الإسلام والدعوة إليه، ولهم من الأجر مثل أجور من بعدهم لأنهم الواسطة بينهم وبين رسول الله ﷺ ومن دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا.
ولقد أوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد والنصرة وبذل المهج والأموال وقتل الآباء والأولاد والمناصحة في الدين وقوة الإيمان واليقين، القطع
_________________
(١) ١ لا يغمص: لا يعاب ولا ينقص في أمر من أموره. النهاية (٣/ ٣٨٦) . ٢ الشفا (٢/ ٦١١، ٦١٢) .
[ ٢ / ٤٨٥ ]
على عدالتهم وأنهم أفضل من جميع المعدلين والمزكين الذين يجيؤون بعدهم أبد الآبدين.
ولقد أثنى ربهم عليهم أحسن الثناء ورفع ذكرهم في التوراة والإنجيل والقرآن ووعدههم المغفرة والأجر العظيم فقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ ١ وأخبر في آية أخرى برضاه عنهم، ورضاهم عنه فقال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ ٢ ثم بشرهم بما أعدلهم فقال: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ ٣ وأمر النبي ﷺ بالعفو عنهم والاستغفار لهم فقال: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ ٤ وأمره بمشاورتهم تطيبا لقلوبهم، وتنبيها لمن بعدهم من الحكام على المشاورة في الأحكام فقال: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ الآية (٢٩) من سورة الفتح. ٢ الآية (١٠٠) من سورة التوبة. ٣ الآية (١٨) من سورة الفتح. ٤ الآية (١٥٩) من سورة آل عمران. ٥ الآية (١٥٩) من سورة آل عمران.
[ ٢ / ٤٨٦ ]
وندب من جاء بعدهم إلى الاستغفار لهم، وأن لا يجعلوا في قلوبهم غل للذين آمنوا فقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ١.
وأثنى رسول الله ﷺ عليهم ونهى عن النيل منهم فقد قال ﷺ: "لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" ٢ كما شهدها بكونهم خير أمته التي هي خير الأمم فقال ﷺ: "خير الناس قرني" ٣.
وقال ﷺ: "خير أمتي القرن الذي بعثت فيهم" ٤ فهذه بعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الدالة على فضل أولئك الأخيار الذين اختارهم الله لصحبة نبيه وشرفهم بحمل رسالته من بعده والدعوة إلى سبيله ونصرة دينه. فالصحابة كلهم عدول بتعديل الله لهم وثنائه عليهم وثناء رسوله ﷺ قال النووي: "الصحابة كلهم عدول من لابس الفتن وغيرهم بإجماع من يعتد به"٥
_________________
(١) ١ الآية (١٠) من سورة الحشر. ٢ تقدم تخريجه ص ٣٥٣. ٣ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الشهادات باب لا يشهد على شهادة جور إذا أشهد. انظر: فتح الباري (٥/ ٢٥٩) ح ٢٦٥٢. وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم. انظر (٧/ ١٥٨) . ٤ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل أصحاب النبي ﷺ، باب فضائل أصحاب النبي ﷺ. انظر: فتح الباري (٧/ ٣) ح ٣٦٥٠، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم (٧/ ١٨٥) . ٥ تدريب الراوي (٢/ ٢١٤)
[ ٢ / ٤٨٧ ]
وقال ابن حجر: "اتفق أهل السنة على أن الجميع عدول ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة"١.
وعن أبي زرعة قال: "إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه زنديق، وذلك أن رسول الله ﷺ عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله ﷺ، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة والجرح بهم أولى وهم زنادقة"٢.
ومذهب أهل السنة والجماعة في الصحابة وسط بين الإفراط والتفريط فليسوا من المفرطين الغالين الذين يرفعون من يعظمون منهم إلى مالا يليق إلا بالله أو برسله. وليسوا من المفرطين الجافين الذين ينتقصونهم ويسبونهم فهم وسط بين الغلاة والجفاة.
ويحبونهم جميعا وينزلونهم منازلهم التي يستحقونها بالعدل والإنصاف فلا يرفعونهم إلى مالا يستحقون، ولا يقصرون بهم عما يليق بهم، فألسنتهم رطبة بذكرهم بالجميل اللائق بهم، وقلوبهم عامرة بحبهم، وما صح فيما جرى بينهم من خلاف فهم فيه مجتهدون إما مصيبون ولهم أجر الاجتهاد وأجر الإصابة، وإما مخطئون ولهم أجر الاجتهاد وخطؤهم مغفور، وليسوا معصومين، بل هم بشر يصيبون ويخطون، ولكن ما أكثر صوابهم بالنسبة لصواب غيرهم، وما أقل خطأهم إذا نسب إلى خطأ غيرهم ولهم من الله المغفرة والرضوان.
_________________
(١) ١ الإصابة (١/ ١٧) . ٢ كتاب الكفاية (ص ٩٧) للخطب البغدادي.
[ ٢ / ٤٨٨ ]
وكتب أهل السنة مليئة ببيان هذه العقيدة الصافية النقية في حق هؤلاء الصفوة المختارة من البشر لصحبة خير البشر ﷺ ورضي الله عنهم أجمعين١.
_________________
(١) ١عقيدة أهل السنة والأثر في الصحابة الكرام ﵃ وأرضاهم (ص ٢٤- ٢٥) تأليف الشيخ عبد المحسن العباد، مقالة طبعت في مجلة الجامعة الإسلامية، العدد الثاني، السنة الرابعة.
[ ٢ / ٤٨٩ ]
المطلب الرابع: حفظ حرمة المدينة النبوية
إن من تعظيم النبي ﷺ تعظيم المدينة النبوية١ التي هي دار المصطفى ومهاجره، فقد اختارها الله لنبيه ﷺ قرارا، وجعل أهلها شيعة له وأنصارا. وهي التي، انتشر منها دين الله وسنة رسوله ﷺ حتى وصل مشارق الأرض ومغاربها.
وهي التي ورد في فضلها وتعظيم شأنها وتحريمها وفضل بعض البقاع فيها الكثير من الأحاديث الثابتة الصحيحة والتي أورد بعضا منها ههنا على سبيل المثال لا الحصر.
فعن سفيان بن أبي زهير٢ ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "تفتح اليمن فيأتي قوم يبسون ٣ فيتحملون بأملهم ومن أطاعهم والمدينة
_________________
(١) ١ ذكر ذلك: البيهقي في الجامع لشعب الإيمان (٢/١٣٠)، والقاضي عياض في الشفا (٢/٦١٩) ٢ سفيان بن أبي زهير الأزدي، من أزد شنوءة (بفتح المعجمة وبضم النون وبعد الواو همزة) من أصحاب النبي ﷺ. يعد في أهل المدينة. الإصابة (٢/ ٥٢) . ٣ يقال بسست الناقة وأبسستها إذا سقتها وزجرتها وقلت لها بس بس بكسر الباء وفتحها. النهاية (١/ ١٢٧) .
[ ٢ / ٤٩٠ ]
خير لهم لو كانوا يعلمون.
وتفتح الشام، فيأتي قوم يبسون فيتحملون بأهلهم ومن أطاعهم والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون.
وتفتح العراق، فيأتي قوم يبسون، فيتحملون بأهلهم ومن أطاعهم والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون" ١.
وعن عبد الله بن زيد بن عاصم٢ أن رسول الله ﷺ قال: "إن إبراهيم حرم مكة ودعا لأهلها وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة، وإني دعوت في صاعها ومدها تمثلي ما دعا به إبراهيم لأهل مكة" ٣.
وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " إني أحرم ما بين لابتي المدينة أن يقطع عضاهها أو يقتل صيدها" وقال: "المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، لا يدعها أحد رغبة عنها إلا أبدل الله فيها من هو خير منه، ولا يثبت أحد على لأوائها وجهدها إلا كانت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة" ٤.
وعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: كان الناس إذا رأوا أول الثمر جاؤا به إلى النبي ﷺ فإذا أخذه رسول الله ﷺ قال: "اللهم بارك لنا في ثمرنا وبارك لنا في مدينتنا وبارك لنا في صاعنا وبارك لنا في مدنا اللهم إن إبراهيم عبدك
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل المدينة، باب من رغب عن المدينة "واللفظ له". انظر: فتح الباري (٤/ ٩٠) ح ١٨٧٥، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب الترغيب في المدينة عند فتح الأمصار (٤/ ١٢٢) . ٢ عبد الله بن زيد بن عاصم بن كعب الأنصاري المازني، صحابي شهير اختلف في شهوده بدرا، وشهد أحدا وغيرها، وشارك مع وحشي في قتل مسيلمة، يقال قتل يوم الحرة سنة ثلاث وستين. الإصابة (٢/ ٣٠٥) . ٣ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع، باب بركة صاع النبي ﷺ ومده. فتح الباري (٤/ ٣٤٦) ح ٢١٢٩، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب فضل المدينة "واللفظ له" (٤/ ١١٢) . ٤ أخرجه بهذا اللفظ مسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب فضل المدينة (٤/ ١١٣) .
[ ٢ / ٤٩١ ]
وخليلك ونبيك وإني عبدك ونبيك وإنه دعاك لمكة وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة ومثله معه قال ثم يدعو أصغر وليد له فيعطه ذلك الثمر" ١. وعن أبي هريرة ﵁ أيضا عن النبي ﷺ قال: "المدينة حرم فمن أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه يوم القيامة عدل ولا صرف" ٢.
وعنه ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال "إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها" ٣
وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "لا يكيد أهل المدينة أحد إلا انماع كما ينماع الملح في الماء"٤.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام"٥. وعنه ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ما بين بيتي ومنبري روضة من
_________________
(١) ١ أخرجه بهذا اللفظ، مسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب فضل المدينة (٤/ ١١٦، ١١٧) . ٢ أخرجه بهذا اللفظ مسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب فضل المدينة (٤/ ١١٦) . ٣ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل المدينة، باب الإيمان يأرز إلى المدينة. انظر: فتح الباري (٤/ ٩٣) ح ١٨٧٦، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان أن الإسلام بدأ غريبا (١/ ٩٠- ٩١) . ٤ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل المدينة، باب إثم من كاد أهل المدينة، انظر: فتح الباري (٤/ ٩٤) ح ١٨٧٧، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب من أراد أهل المدينة بسوء أذابه الله (٤/ ١٢٢) . ٥ أخرجه البخاري، كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة. انظر: فتح الباري (٣/٦٣) ح ١١٩٠، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب فضل الصلاة بمسجدي مكة والمدينة (٤/ ١٢٤) .
[ ٢ / ٤٩٢ ]
رياض الجنة، ومنبري على حوضي" ١.
والأحاديث في فضل المدينة كثيرة ومتنوعة، ولقد أفرد البخاري في صحيحه كتابا لفضائل المدينة، وكذا مسلم في صحيحه قد أورد في آخر كتاب الحج العديد من الأحاديث الواردة في شأن المدينة، وكذا الحال عند أصحاب السنن والمسانيد.
والمقصود من تعظيم المدينة هو تعظيم حرمها وهذا أمر واجب في حق من سكن بها أو دخل فيها، مع ما يجب على ساكنيها من مراعاة حق المجاورة وحسن التأدب فيها وذلك لما لها من المنزلة والمكانة عند الله وعند رسوله ﷺ. فإنها من المواطن التي عمرت بالوحي والتنزيل، واشتملت تربتها على جسد سيد البشر وانتشر عنها من دين الله وسنن رسول الله ﷺ ما انتشر، فهي مشاهد الفضائل والخيرات ومعاهد البراهين والمعجزات.
فحري بمن أكرمه الله بالإقامة فيها أن يتزود فيها من الأعمال الصالحة التي تنفعه بعد الموت، وأن يحذر من الوقوع فيها بما يسخط الله ﷿. وفيما سبق ذكره من الأحاديث خير شاهد على فضل سكناها والترغيب في الإكثار من العمل الصالح فيها، والتحذير من الإساءة والمعصية والإفساد فيها.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل المدينة، باب ١٢. انظر: فتح الباري (٤/ ٩٩) ح ١٨٨٨، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب ما بين القبر والمنبر روضة من رياض الجنة (٤/ ١٢٣) .
[ ٢ / ٤٩٣ ]
الفصل الثالث: الصلاة والسلام عليه ﷺ
المبحث الأول: معنى الصلاة على النبي ﷺ
المطلب الأول: المعنى اللغوي للفظة الصلاة
تمهيد:
سبق الحديث في الفصل الثاني، من هذا الباب عن بعض الأمور التي يتعين على هذه الأمة أداؤها والقيام بها في باب تعظيم النبي ﷺ وتعزيره وتوقيره. وفي هذا الفصل نتناول جانبا مهما من جوانب توقيره وتعظيمه ﷺ، وذلك هو الصلاة والسلام عليه ﷺ.
فقد أمرنا الباري ﵎ أن نصلي ونسلم على نبينا محمد ﷺ، وذلك تشريف منه ﷿ لنبيه ورسوله ﷺ وإظهار للاحترام والتعظيم الذي شرعه في حقه فقد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ١ فهذه الآية فيها من تعظيم النبي ﷺ والتنويه به ما ليس في غيرها، وذلك بسبب ما فيها من تمييز للنبي ﷺ عند ذكره ولا شك أن ذلك فيه رفع لقدره وإعلاء لمكانته في حياته وبعد موته.
ولذلك فإن من أعظم شعب الإيمان الصلاة والسلام على النبي ﷺ محبة له وأداء لحقه وتعظيما لقدره، والمواظبة عليها من باب أداء شكره ﷺ، وشكره واجب لعظمة الإنعام به، فقد جعله الله سببا لنجاتنا من الجحيم، ودخولنا في دار النعيم، وإدراكنا الفوز بأيسر الأسباب، ونيلنا السعادة من كل الأبواب.
وليست صلاتنا على النبي ﷺ شفاعة منا له فإن مثلنا لا يشفع لمثله ولكن الله أمرنا بالمكافأة لمن أحسن إلينا وأنعم علينا، فإن عجزنا عنها كافيناه بالدعاء فأرشدنا الله- لما علم عجزنا عن مكافأة نبينا- إلى الصلاة عليه لتكون صلاتنا عليه مكافأة بإحسانه إلينا وإفضاله علينا إذ لا إحسان لمخلوق أفضل من إحسانه
_________________
(١) ١ الآية (٥٦) من سورة الأحزاب.
[ ٢ / ٤٩٧ ]
ﷺ، وكذلك فإن المقصود بصلاتنا على النبي ﷺ هو التقرب إلى الله تعالى بامتثال ما أمر به، وقضاء لحق من حقوق لصطفى ﷺ التي أوجبها الله علينا فحق على هذه الأمة أن تعظم قدر نبيها وذلك بأن تكثر من الصلاة والسلام عليه ﷺ اتباعا لأمر ربها ﵎ وقياما بما لنبيها ﷺ من الحق عليها. وقد اعتنى العلماء بهذه الخصيصة العظيمة فأفردوها بالتأليف وتناولوا في مؤلفاتهم تلك جوانب هذا الموضوع،، من أشهر تلك المؤلفات وأجمعها كتاب "جلاء الأفهام" في الصلاة والسلام على خير الأنام للعلامة ابن القيم، بل هو أشهرها وأحسنها.
ومن تلك المؤلفات كتاب القول البديل في الصلاة على الحبيب الشفيع للسخاوي١ المتوفى سنة ٩٠٢هـ وقد ختم كتابه هذا ببيان الكتب المصنفة في الصلاة على النبي ﷺ وذكر جملة كبيرة من هذه الكتب مرتبة٢.
_________________
(١) ١ محمد بن عبد الرحمن بن محمد شمس الدين السخاوي،. مؤرخ حجة وعالم بالحديث والتفسير والأدب، وصنف زهاء مئتي كتاب، توفي بالمدينة. الأعلام (٦/ ١٩٤) . ٢ انظر: القول البديع (ص ٢٥٨- ٢٥٩) .
[ ٢ / ٤٩٨ ]
المطلب الأول: المعنى اللغوي للفظة "الصلاة".
قال الخليل بن أحمد١: "الصلاة: ألفها واو لأن جماعتها الصلوات ولأن التثنية صلوان"٢.
ومادة (ص. ل. و) وردت في اللغة لمعان منها:
١- «الصلاة»:
وهو وسط الظهر لكل ذي أربع وللناس. وقيل: ما انحدر من الوركين٣. قال الخليل بن أحمد: " والصلاه، وسط الظَّهْر لكل ذي أربع وللناس وكل أنثى إذا ولدت انفرج صلاها قال:
كأن صلا جهيزة حين قامت حباب الماء يتبع الحبابا
وإذا أتى الفرس على أثر الفرس السابق قيل: صلى، وجاء مصليا لأن رأسه يتلو الصلا يين يديه"٤.
وقال الأزهري: "وقال أهل اللغة في الصلاة: إنها من الصلوين، وهما مكتنفا الذنب من الناقة وغيرها، وأول مواصل الفخذين من الإنسان فكأنهما في الحقيقة مكتنفا العصعص وأما المصلى الذي يلي السابق فهو مأخوذ من
_________________
(١) ١ الخليل بن أحمد الفراهيدي من أئمة اللغة والأدب، وواضع علم العروض، وهو أستاذ سيبويه النحوي، ومن أشهر كتبه كتاب العين، ترفي سنة ١٧٠هـ بالبصرة. الأعلام (٢/ ٣١٤) . ٢ كتاب العين (٧/ ١٥٣) . ٣ الصلات والبشر (ص ٦) . ٤ كتاب العين (٧/ ١٥٣) .
[ ٢ / ٥٠٠ ]
الصلوين لا محالة، وهما مكتنفا ذنب الفرس، فكأنه يأتي ورأسه في ذلك المكان"١. وقد قيل إن اشتقاق الصلاة الشرعية هو من هذا.
قال الحليمي: "وقيل للصلاة المعهودة صلاة لما فيها من حني الصلا وهو وسط الظهر"٢.
٢- "الصلى" بالقصر وهي النار:
قال الخليل بن أحمد: "والصلا: النار، وصلى الكافر نارا فهو يصلاها أي قاسى حرها وشدتها، وصليت اللحم صليا: شويته، وإذا ألقيته في النار قلت: أصليته أصليه إصلاء، وصليته، تصلية"٣.
وفي معجم مقاييس اللغة: "صلى: الصاد واللام والحرف المعتل أصلان: أحدهما: النار وما أشبهها من الحمى فقولهم: صليت العود بالنار، والصلى صلى النار. واصطليت بالنار. والصلاء: ما يصطلى به وما يذكى به النار ويوقد وقال:
فجعل العود واليلنجوج والرذ صلاء لها على الكانون٤
قال الفيروز أبادي٥.
"وقيل اشتقاق لفظة الصلاة من الصلى بالقصر وهي النار من صليت العصا إذا قومتها بالنار فالمصلي كأمنما يسعى لتعديل باطنه
_________________
(١) ١ تهذيب اللغة (١٢/ ٢٣٧) . ٢ المنهاج (٢/ ١٣٣) . ٣ كتاب العين (٧/ ١٥٤) . ٤ معجم مقاييس اللغة (٣/ ٣٠٠) . ٥ محمد بن يعقوب بن محمد بن الفيروز أبادي، من أئمة اللغة والأدب وكان مرجع عصره في اللغة والحديث والتفسير، توفي سنة ٨١٧ هـ في زبيد باليمن وأشهر مؤلفاته القاموس المحيط. الأعلام (٧/ ١٤٦- ١٤٧) .
[ ٢ / ٥٠١ ]
وظاهره كمن يحاول تقويم العود بالنار"١.
٣- "الصلاة" الملازمة:
قال الأزهري: "قال الزجاج الأصل في الصلاة اللزوم يقال: قد صلى واصطلى إذا لزم، ومن هذا من يصلى في النار: أي يلزم النار فالصلاة لزوم ما فرض الله، والصلاة من أعظم الفرض الذي أمر بلزومه"٢.
وقال الفيروز أبادي "وقيل الصلاة الملازمة، ومنه قوله ﴿تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ ٣ ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ ٤ ومنه سمي ثاني أفراس الحلبة مصليا"٥.
٤- «الصلاة» الدعاء:
حاء في معجم مقاييس اللغة "صلى: الصاد واللام والحرف المعتل أصلان: أحدهما: النار وما أشبهها من الحمى- وقد تقدم ذكره- والآخر جنس من العبادة
وأما الثاني: فالصلاة وهي الدعاء، وقال رسول الله ﷺ: "إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب فإن كان مفطرا فليأكل وإن كان صائما فليصل" ٦ أي فليدع لهم بالخير والبركة.
_________________
(١) ١ الصلات والبشر (ص ٥- ٦) ٢ تهذيب اللغة (٢ ١/ ٢٣٨) . ٣ الآية (٤) من سورة الغاشية. ٤ الآية (٣) من سورة المسد. ٥ الصلاة والبشر (ص ٦) . ٦ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب النكاح، باب الأمر بإجابة الداعي إلى دعوة (٤/١٥٣) .
[ ٢ / ٥٠٢ ]
قال الأعشى١:
تقول بنتي وقد قربت مرتحلا يارب جنب أبي الأوصاب والوجعا
عليك مثل الذي صليت فاغتمضي نوما فإن لجنب المرء مضطجعا٢
وقال في صفة الخمر:
وقابلها الريح في دنها وصلى على دنها وارتسم٣٤
"أي دعا لها ألا تحمض وتفسد"٥.
وأورد هذا المعنى أيضا الأزهري في تهذيب اللغة٦.
وقال ابن القيم "وأصل هذه اللفظة يرجع إلى معنيين: أحدهما: الدعاء والتبريك. والثاني: العبادة. فمن الأول قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ ٧. وقوله تعالى في حق المنافقين: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ ٨ وقول النبي صلى الله عليه وسم: "إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب فإن كان
_________________
(١) ١ اسمه ميمون بن قيس بن جندل من بني قيس بن ثعلبة الوائلي من شعراء الطبقة الأولى في الجاهلية وأحد أصحاب المعلقات أدرك الإسلام ورحل إلى الرسول ﷺ ليؤمن به، ولكن قريشا صرفته بمئة من الإبل. الأعلام (٧/ ٣٤١) . ٢ ديوان الأعشى (٧٣) . ٣ المصدر السابق (٢٩) . ٤ معجم مقاييس اللغة (٣/ ٣٠٠) . ٥ تهذيب اللغة (١٢/ ٢٣٧) . (١٢/ ١٣٦) . ٧ الآية (١٠٣) من سورة التوبة. ٨ الآية (٨٤) من سورة التوبة.
[ ٢ / ٥٠٣ ]
صائما فليصل" فسر بهما. قيل: فليدع لهم بالبركة. وقيل: يصلي عندهم بدل أكله. وقيل إن الصلاة في اللغة معناها الدعاء.
والدعاء نوعان: دعاء عبادة. ودعاء مسألة. والعابد داع كما أن السائل داع، وبهما فسر قوله تعالى ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ١. قيل: أطيعوني أثبكم. وقيل: سلوني أعطكم. وفسر بهما قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ ٢".
ثم قال رحمه الله تعالى: "والصواب: أن الدعاء يعم النوعين، وهذا لفظ متواطئ لا اشتراك فيه٣، فمن استعماله في دعاء العبادة قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ﴾ ٤ وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ
_________________
(١) ١ الآية (٦٠) من سورة غافر. ٢ الآية (١٨٦) من سورة البقرة. ٣ الألفاظ على أربعة أقسام: ا- الألفاظ المترادفة: وهي ما اختلفت ألفاظها واتحدت معانيها مثل: الليث، الأسد، الغضنفر ألفاظ مختلفة ولكنها جميعها دلت على معنى واحد وهو الحيوان المعروف.
(٢) الألفاظ المشتركة: وهي ما اتحدت ألفاظها واحتلفت معانيها مثل: العين: تطلق على العين الباصرة، والعين الجارية، والجاسوس.
(٣) الألفاظ المتباينة: ما اختلفت ألفاظها ومعانيها. مثل: السماء والأرض- الجدار والسقف.
(٤) الألفاظ المتواطئة: ما اتفقت ألفاظها ومعانيها. فإذا كان المعنى متساويا في الجميع فهو التواطؤ المطلق ومثاله: "الرجل": لزيد وعمرو. وإذا كان المعنى متفاضلا فهو التواطؤ المشكك ومثاله "النور"، للشمس والسراج. التحفة المهدية (١/ ٢٠٩) . ٤ الآية (٢٢) من سورة سبأ.
[ ٢ / ٥٠٤ ]
شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ ١.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ﴾ ٢ والصحيح من القولين لولا أنكم تدعونه وتعبدونه أي: شيء يعبأه بكم لولا عبادتكم إياه فيكون المصدر مضافا إلى الفاعل. وقال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ ٣، وقال تعالى إخبارا عن أنبيائه ورسله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ ٤.
وهذه الطريقة أحسن من الطريقة الأولى، ودعوى الخلاف في مسمى الدعاء.
وبهذا تزول الإشكالات الواردة على اسم الصلاة الشرعية، هل هو منقول عن موضعه في اللغة فيكون حقيقة شرعية أو مجازا شرعيا.
فعلى هذا تكون الصلاة باقية على مسماها في اللغة وهو الدعاء، والدعاء، دعاء عبادة، ودعاء مسألة، والمصلي من حين تكبيره إلى سلامه بين دعاء العبادة ودعاء المسألة فهو في صلاة حقيقة لا مجازا ولا منقولة، لكن خص اسم الصلاة بهذه العبادة المخصوصة كسائر الألفاظ التي يخصها أهل اللغة والعرف ببعض مسماها كالدابة والرأس ونحوهما، فهذا غاية تخصيص اللفظ وقصره على بعض موضوعه، ولهذا لا يوجب نقلا ولا خروجا عن موضوعه الأصلي والله أعلم. انتهي٥.
_________________
(١) ١ الآية (٢٠) من سورة النحل. ٢ الآية (٧٧) من سورة الفرقان. ٣ الآيتان (٥٥، ٥٦) من سورة الأعراف. ٤ الآية (٩٠) من سورة الأنبياء. ٥ جلاء الأفهام (ص ٧٣- ٧٤) .
[ ٢ / ٥٠٥ ]
المطلب الثاني: المعني الشرعي لصلاة الله ﷿ على نبيه ﷺ
لما كانت الصلاة التي أمرت بها هذه الأمة على النبي ﷺ تعني الطلب من الله ما أخبر به من صلاته عليه. إذ المصلي يقول: "اللهم صل على محمد الخ" فالأمر هنا يتطلب شرح معنى صلاة الله ﷿ على نبيه ﷺ قال ابن القيم: "وأما صلاة الله سبحانه فنوعان: عامة وخاصة.
فالنوع الأول: الصلاة العامة وهي صلاته على عباده المؤمنين:
قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ﴾ ١
ومنه دعاء النبي ﷺ بالصلاة على آحاد المؤمنين كقوله: "اللهم صل على آل أبي أوفى" ٢.
النوع الثاني: صلاته الخاصة على أنبيائه ورسله وخصوصا على خاتمهم وخيرهم محمد صلى الله عليه وسلم٣.
واختلفت الناس في معنى الصلاة منه سبحانه على أقوال:
القول الأول: إنها رحمته.
فعن ابن عباس ﵄ أن معنى صلاة الرب الرحمة٤ وروى
_________________
(١) ١ الآية (٤٣) من سورة الأحزاب. ٢ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة، باب صلاة الإمام ودعائه لصاحب الصدقة. فتح الباري (٣/ ٣٦١) ح ١٤٩٧، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب الدعاء لمن أتى بصدقته (٣/ ١٢١) . ٣ جلاء الأفهام (ص ٧٤) . ٤ فتح الباري (١١/ ١٥٦) .
[ ٢ / ٥٠٦ ]
إسماعيل القاضي١ بسنده عن الضحاك٢ قال: "صلاة الله رحمته، وصلاة الملائكة الدعاء"٣.
وقال المبرد٤ "أصل الصلاة الرحمة فهي من الله رحمة، ومن الملائكة رقة تبعث على استدعاء الرحمة"٥.
قال ابن القيم: "وهذا القول هو المعروف عند كثير من المتأخرين"٦.
القول الثاني: إن صلاة الله مغفرته.
فقد روى إسماعيل القاضي بسنده عن الضحاك: "هو الذي يصلي عليكم" قال: "صلاة الله مغفرته، وصلاة الملائكة الدعاء"٧.
وأورد ابن حجر في الفتح: عن مقاتل بن حيان٨ قال: "صلاة الله مغفرته وصلاة الملائكة الاستغفار"٩
_________________
(١) ١ إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد الجهضمي الأزدي فقيه على مذهب الإمام مالك، جليل التصانيف، من بيت علم وفضل توفر، سنة ٢٨٢ هـ. الأعلام (١/ ٣١٠) . ٢ الضحاك بن مزاحم الهلالي أبو القاسم أو أبو محمد. الخراساني، مفسر ولم يثبت له سماع من أحد من الصحابة ترفي سنة ١٠٥ هـ. تهذيب التهذيب (٤/ ٤٥٣- ٤٥٤) ٣ كتاب فضل الصلاة على النبي ﷺ (ص ٤٠) ٤ محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الثمالي الأزدي، المعروف بالمبرد إمام العربية ببغداد في زمانه، وأحد أئمة الأدب والأخبار، توفي ببغداد سنة ٢٨٦ هـ. الأعلام (٧/ ١٤٤) . ٥ فتح الباري (١١/ ١٥٦) وجلاء الأفهام (ص ٧٥) . ٦ جلاء الأفهام (ص ٧٥) . ٧ كتاب فضل الصلاة على النبي ﷺ (ص ٤١) ٨ مقاتل بن حيان النبطي (بفتح النون والموحدة) أبو بسطام البلخي، صدوق، وكان ناسكا فاضلا خرج له الجماعة إلا البخاري، مات بكابل قبيل الخمسين ومائة. تهذيب التهذيب (١٠/ ٢٧٧- ٢٧٩) . ٩ ذكره ابن حجر في فتح الباري (١١/ ١٥٥- ١٥٦) .
[ ٢ / ٥٠٧ ]
قال ابن القيم: "وهذا القول هو من جنس الذي قبله"١.
القول الثالث: أن معنى صلاة الله تعالى على نبيه ثناؤه وتعظيمه وإظهار شرفه وفضله وحرمته.
فإذا قلنا اللهم صل على محمد فإنما نريد اللهم عظم محمدا في الدنيا بإعلاء ذكره وإظهار دينه وإبقاء شريعته، وفي الآخرة بتشفيعه في أمته وإجزال أجره ومثوبته وإبداء فضله للأولين والآخرين بالمقام المحمود وتقديمه على كافة المقربين والشهود٢. قال أبو العالية٣: "صلاة الله ثناؤه عليه عند الملائكة"٤. وعن الربيع بن أنس٥ قال: "صلاة الله عليه ثناؤه عند ملائكته"٦ وقال الخليل بن أحمد: "صلوات الله على أنبيائه والصالحين من خلقه: حسن ثنائة عليهم وحسن ذكره لهم"٧.
_________________
(١) ١ جلاء الأفهام (ص ٧٥) . ٢ المنهاج (٢/ ١٣٤) . ٣ رفيع (بالتصغير) بن مهران أبو العالية الرياحي مولاهم، البصري أدرك الجاهلية وأسلم بعد وفاة النبي ﷺ بسنتين ودخل على أبي بكر وصلى خلف عمر، ثقة، توفي سنة تسعين وقيل بعد ذلك. تهذيب التهذيب (٣/ ٢٨٤- ٢٨٦) . ٤ ذكره تعليقا البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب تفسير قوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيّ ﴾ الآية. انظر: فتح الباري (٨/ ٥٣٢) . ٥ الروح بن أنس البكري ويقال الحنفي البصري ثم الخرساني روى عن أنس بن مالك وأبي العالية والحسن البصري وغيرهم، مات في خلافة أبي جعفر المنصور. تهذيب التهذيب (٣/ ٢٣٨- ٢٣٩) . ٦ كتاب فضل الصلاة على النبي ﷺ (ص ٤٠) القول البديع (ص ١٩) . وأورده ابن حجر في الفتح وعزاه لابن أبي حاتم. فتح الباري (٨/٥٣٣) . ٧ العين (٧/ ١٥٤) .
[ ٢ / ٥٠٨ ]
وقال ابن القيم ﵀: "الصلاة المأمور بها في هذه الآية هي الطلب من الله ما أخبر به عن صلاته وصلاة ملائكته، وهي ثناء عليه وإظهار لفضله وشرفه وإرادة تكريمه وتقريبه. فهي تتضمن الخبر والطلب وسمى هذا السؤال منا والدعاء صلاة عليه لوجهين:
أحدهما: أنه يتضمن ئناء المصلي عليه والإشارة بذكر شرفه وفضله والإرادة والمحبة كذلك من الله تعالى، فقد تضمنت الخبر والطلب.
والوجه الثاني: أن ذلك سمي منا صلاة لسؤالنا من الله أن يصلي عليه. فصلاة الله عليه ثناؤه وإرادته لرفع ذكره وتقرببه، وصلاتنا نحن عليه سؤالنا الله تعالى أن يفعل ذلك به"١.
وزاد الحافظ ابن حجر: أن صلاة الله على خلقه تكون خاصة وتكون عامة. فصلاته على أنبيائه هي ما تقدم من الثناء والتعظيم.
وصلاته على غيرهم الرحمة فهي التي وسعت كل شيء.
ونقل عياض عن بكر القشيري ٢ قال: "الصلاة على النبي ﷺ من الله تشريف وزيادة وتكرمة، وعلى من دون النبي رحمة، وبهذا التقرير يظهر الفرق يين النبي ﷺ ويين سائر المؤمنين حيث قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ وقال قبل ذلك في السورة المذكورة ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ﴾ ومن المعلوم أن القدر الذي يليق بالنبي ﷺ من ذلك أرفع مما يليق بغيره، والإجماع منعقد على أن في هذه الآية من
_________________
(١) ١ جلاء الأفهام (ص ٧٨) . ٢ بكر بن محمد بن العلاء القشيري، قاض من علماء المالكية من أهل البصرة، انتقل إلى مصر قبل سنة (٣٣٠ هـ) وتوفي بها سنة ٣٤٤هـ. الأعلام (٢/ ٦٩) .
[ ٢ / ٥٠٩ ]
تعظيم النبي ﷺ والتنويه به ماليس في غيرها"١.
وقد ضعف ابن القيم ﵀ تفسير الصلاة بالرحمة والاستغفار وذكر في تضعيفهما عدة أوجه منها:
١- أن الله سبحانه فرق بين صلاته على عباده ورحمته فقال: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ ٢ فعطف الرحمة على الصلاة فاقتضى ذلك تغايرهما، وهذا أصل العطف، وأما قولهم:
وألفى قولها كذبا ومينا
فهو شاذ نادر لا يحمل عليه أفصح الكلام مع أن المين أخص من الكذب
٢- أن صلاة الله سبحانه خاصة بأنبيائه ورسله وعباده المؤمنين، وأما رحمته فوسعت كل شيء، فليست الصلاة مرادفة للرحمة لكن الرحمة من لوازم الصلاة وموجباتها وثمراتها، فمن فسرها بالرحمة فقد فسرها ببعض ثمواتها ومقصودها، وهذا كثيرا ما يأتي في تفسير ألفاظ القرآن، والرسول لا يفسر اللفظة بلازمها وجزء معناها كتفسير الريب بالشك، والشك جزء مسمى الريب وتفسير المغفرة بالستر، وهو جزء مه مسمى المغفرة، وتفسير الرحمة بإرادة الإحسان، وهو لازم الرحمة ونظائر ذلك، كثيرة.
٣- أن هذه اللفظة لا تعرف في اللغة الأصلية بمعنى الرحمة أصلا والمعروف عند العرب من معناها إنما هو الدعاء والتبريك والثناء، ولا تعرف العرب قط "صلى عليه" بمعنى "رحمه" فالواجب حمل اللفظ على معناه المتعارف في اللغة.
_________________
(١) ١ فتح الباري (١١/ ١٥٦) ٢ الآيات (١٥٥ إلى ١٥٧) من سورة البقرة.
[ ٢ / ٥١٠ ]
٤- أنه يسوغ بل يستحب لكل أحد أن يسأل الله أن يرحمه فيقول: اللهم ارحمني كما علم النبي ﷺ الداعي أن يقول: "اللهم اغفر لي وارحمني وعافني وارزقني" فلما حفظها قال أما هذا فقد ملأ يديه من الخير"١. ومعلوم أنه لا يسوغ لأحد أن يقول: "اللهم صل علي" بل الداعي بهذا يكون معتديا في دعائه والله لا يحب المعتدين، بخلاف سؤاله الرحمة فإن الله يححب أن يسأله عبده مغفرته ورحمته فعلم أنه ليس معناهما واحدا.
٥- أن أكثر المواضع التي تستعمل فيها الرحمة لا يحسن أن تقع فيها الصلاة كقوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ٢ وقوله: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ٣ وقوله ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ ٤ وقوله: ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٥ وقول النبي ﷺ: "الله أرحم بعباده من هذه بولدها" ٦. وقوله: "ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء" ٧
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد في المسند (٤/ ٣٥٣) . ٢ الآية (١٥٦) من سورة الأعراف. ٣ الآية (٥٦) من سورة الأعراف. ٤ الآية (٤٣) من سورة الأحزاب. ٥ الآية (١١٧) من سورة التوبة. ٦ أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الأدب، باب رحمة الولد. فتح الباري (١٠/ ٤٦٧) ح ٥٩٩٨، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب التوبة، باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه (٨/ ٩٧) . ٧ أخرجه الترمذي في السنن، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في رحمة المسلمين (٤/ ٣٢٣- ٣٢٤) ح ١٩٢٤، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
[ ٢ / ٥١١ ]
فمواضع استعمال الرحمة في حق الله وفي حق العباد لا يحسن أن تقع الصلاة في كثير منها، بل في أكثرها، فلا يصح تفسير الصلاة بالرحمة والله أعلم.
٦- أنه لو كانت الصلاة بمعنى الرحمة لقامت مقامها في امتثال الأمر وأسقطت الوجوب عند من أوجبها إذا قال: "اللهم ارحم محمدا وآل محمد" وليس الأمر كذلك١. وزاد السخاوي:
٧- أن الصحابة فهموا المغايرة بين الصلاة والرحمة، فلذلك سألوا عن كيفية الصلاة مع ما تقدم من ذكر الرحمة في تعليم السلام حيث جاء بلفظ "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته" وأقرهم النبي ﷺ فلو كانت الصلاة بمعنى الرحمة لقال لهم قد علمتم ذلك في السلام٢.
وأولى الأقوال بالصواب ما تقدم عن أبي العالية "أن معنى صلاة الله تعالى على نبيه ثناؤه وتعظيمه".
فهي من الله إكرام وتعظيم ومحبة وثناء لنبيه ﷺ.
فصلاتنا عليه: إنما هي ثناء عليه ﷺ وإرادة من الله أن يعلي ذكره ويزيده تعظيما وتشريفا.
_________________
(١) ١ جلاء الأفهام (ص ٧٥- ٨٢) بتصرف. ٢ القول البديع (ص ٢٠) .
[ ٢ / ٥١٢ ]
المبحث الثاني: الأدلة على مشروعية الصلاة على النبي ﷺ وكيفيتها ومواطنها وفضلها
المطلب الأول: الأدلة من القرآن والسنة على مشروعية الصلاة على النبي ﷺ.
المطلب الأول: الأدلة من القرآن والسنة على مشروعية الصلاة على النبي ﷺ.
١- من القرآن:
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ١.
وهذه الآية هي الأصل في هذا الباب٢ والإجماع منعقد على أن في هذه الآية من تعظيم ﷺ والتنويه به ما ليس في غيرها٣.
وهي مدنية النزول وقد جاءت بعد جملة من الآيات في سورة الأحزاب ذكر الله فيها عددا من حقوق نبيه ﷺ وما خصه به دون أمته، من حل نكاحه لمن تهب نفسها له، ومن تحريم نكاح أزواجه على الأمة من بعده، ومن سائر ما ذكر بعد ذلك من حقوقه وتعظيمه وتبجيله.
ثم ذكر رفع الجناح عن أزواجه في تكليمهن آباءهن وأبناءهن ودخولهم عليهن، وخلوتهم بهن.
ثم عقب ذلك بما هو حق من حقوقه الأكيدة على أمته، وهو أمرهم بصلاتهم عليه وسلامهم، مستفتحا ذلك الأمر بإخباره بأنه هو وملائكته يصلون عليه٤
_________________
(١) ١ الآية (٥٦) من سورة الأحزاب. ٢ المنهاج للحليمي (٢/ ١٤٣) . ٣ القول البديع (ص ٢١) . ٤ جلاء الأفهام (ص ١٧٤- ١٧٥) .
[ ٢ / ٥١٤ ]
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: "والمقصود من هذه الآية أن الله ﷾ أخبر عباده بمنزلة عبده ونبيه عنده في الملأ الأعلى بأنه يثني عليه عند الملائكة المقربين وأن الملائكة تصلي عليه، ثم أمر تعالى أهل العالم السفلي بالصلاة والتسليم عليه ليجتمع الثناء عليه من أهل العالمين العلوي والسفلي جميعا"١.
"فهذه الآية شرف الله بها رسوله ﷺ في حياته وبعد موته"٢ (وفيها تنبيه على كمال الرسول ﷺ ورفعة درجته وعلو منزلته عند الله وعند خلقه ورفع ذكره، فقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيّ﴾ أي يثني الله عليه بين الملائكة وفي الملأ الأعلى لمحبته تعالى، ويثني عليه الملائكة المقربون ويدعون له ويتضرعون.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ اقتداء بالله وملائكته وجزاء له على بعض حقوقه عليكم، وتكميلا لإيمانكم، وتعظيما له ﷺ ومحبة وإكراما وزيادة في حسناتكم وتكفيرا من سيئاتكم"٣.
قال الحليمي: " وقد أمر الله تعالى في كتابه بالصلاة والتسليم عليه جملة فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ فأمر الله عباده أن يصلوا عليه ويسلموا، وقدم قبل أمرهم بذلك إخبارهم بأن ملائكته يصلون عليه، لينبئهم بذلك على ما في الصلاة
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير (٣/ ٥٠٧) . ٢ تفسير القرطبي (١٤/ ٢٣٢) بتصرف ٣ تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان للشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي (٦/١٢٠-١٢١) .
[ ٢ / ٥١٥ ]
عليه من الفضل، إذ كانت الملائكة مع انفكاكهم من شريعته تتقرب إلى الله بالصلاة والتسليم عليه ليعلموا أنهم بالصلاة والتسليم عليه أولى وأحق "١.
ب- من السنة النبوية:
ورد في شأن الصلاة على النبي ﷺ كثير من الأحاديث التي وضحت وبينت ما يتعلق بشأن هذه الصلاة من جهة مشروعيتها وكيفيتها ومواطنها وفضلها إلى غير ذلك من الجوانب المتعلقة بها.
وقد روى هذه الأحاديث ما جمع من الصحابة رضوان الله عليهم عدهم ابن القيم في كتابه "جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على محمد خير الأنام" فبلغوا اثثين وأربعين صحابيا.
وقد جمع ابن القيم هذه الأحاديث وبين طرقها وصحيحها من حسنها ومعلولها، وما في معلولها من العلل بيانا شافيا.
وسيأتي ذكر بعض هذه الأحاديث في مواضعها المناسبة في المطلب القادم وذلك تلافيا للتكرار والإعادة.
_________________
(١) ١ المنهاج للحليمي (٢/ ١٣١) .
[ ٢ / ٥١٦ ]
المطلب الثاني: كيفية الصلاة على النبي ﷺ
ورد في كيفية الصلاة على النبي ﷺ عدد من الأحاديث منها:
١- حديث كعب بن عجرة ﵁:
فعن كعب بن عجرة ﵁ قال: "إن النبي ﷺ خرج علينا فقلنا: يارسول الله، قد علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال: "قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد" متفق عليه١.
والمراد بالسلام في قوله: "قد علمنا كيف نسلم عليك" السلام الذي في التشهد وهو قول " السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته" ٢.
٢- حديث أبي حميد الساعدي ﵁:
عن أبي حميد الساعدي أنهم قالوا: يارسول الله، كيف نصلي عليك؟ قال: "قولوا اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه وذريته، كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد" متفق عليه٣.
٣- حديث أبي سعيد الخدري٤ ﵁
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه (ص ٤٨٠) . ٢ فتح الباري (١١/ ١٥٥) . ٣ تقدم تخريجه (ص ٣٤٨) . ٤ واسمه سعد بن مالك بن سنان الأنصاري الخزرجي أبو سعيد الخدري، مشهور بكنيته استصغر بأحد واستشهد أبوه بها، وشهد هو ما بعدها، كان من أفاضل الصحابة وحفظ حديثا كثيرا، مات بعد الستين من الهجرة. الإصابة (٢/ ٣٢- ٣٣) .
[ ٢ / ٥١٧ ]
عن أبي سعيد الخدري قال: قلنا يارسول الله، هذا السلام عليك فكيف نصلي؟ قال: "قولوا اللهم صل على محمد عبدك ورسولك كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم" ١.
٤- حديث أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري٢ ﵁
عن أبي مسعود الأنصاري قال: أتانا رسول الله ﷺ ونحن في مجلس سعد بن عبادة فقال له بشير بن سعد٣ أمرنا الله تعالى أن نصلي عليك يارسول الله فكيف نصلي عليك؟ قال: فسكت رسول الله ﷺ حتى تمنينا أنه لم يسأله، ثم قال رسول الله ﷺ: "قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد والسلام كما قد علمتم" ٤.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الدعوات، باب الصلاة على النبي ﷺ انظر: فتح الباري (١١/ ١٥٢) ح ٦٣٥٨ ٢ عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاري أبو مسعود البدري، مشهور بكنيته شهد العقبة، والمشاهد كلها، مات بعد سنة أربعين للهجرة. الإصابة (٢/ ٤٨٣- ٤٨٤) . ٣ بشير بن سعد بن ثعلبة الأنصاري البدري شهد العقبة وشهد بدرا والمشاهد بعدها، استشهد بعين التمر مع خالد بن الوليد في خلافة أبي بكر سنة اثنتي عشرة. الإصابة (١/ ١٦٢) والاستيعاب (١/ ١٥٥- ١٥٦) . ٤ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب الصلاة على النبي ﷺ بمد التشهد (٢/١٧) .
[ ٢ / ٥١٨ ]
٥- حديث طلحة بن عبيد الله:
عن طلحة بن عبيد الله قال: قلت يارسول الله كيف الصلاة عليك؟ قال: "قل اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم انك حميد مجيد"١.
والملاحظ في هذه الأحاديث هو اختلاف ألفاظها، ومن أجل ذلك فإن المرء قد يسأل بأي هذه الألفاظ يدعو؟
قال ابن القيم: " لقد سلك بعض المتأخرين في ذلك طريقة، وهو أن الداعي يستحب له أن يجمع بين تلك الألفاظ المختلفة، ورأى ذلك أفضل ما يقال فيها، فرأى أنه يستحب للمصلي على النبي ﷺ أن يقول "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وعلى أزواجه وذريته، وارحم محمدا وآل محمد وأزواجه وذريته كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم" وكذلك في البركة والرحمة.
وعلل ذلك بقوله: حتى يصيب ألفاظ النبي ﷺ يقينا فيما شك فيه الراوي وليجتمع له ألفاظ الأدعية الأخر فيما اختلفت ألفاظها.
ونازعه في ذلك آخرون وقال: هذا ضعيف من وجوه:
أحدها: أن هذه الطريقة محدثة لم يسبق إليها أحد من الأئمة المعروفين.
الثاني: أن صاحبها إن طردها لزمه أن يستحب للمصلي أن يستفتح بجميع أنواع الاستفتاحات، وأن يتشهد بجميع أنواع التشهدات، وأن يقول في
_________________
(١) ١ أخرجه الإمام أحمد في المسند (١/ ٢٦٢) . وأخرجه النسائي في السنن، كتاب السهو، باب كيف الصلاة على النبي ﷺ (٣/ ٤٨) وإسناده حسن.
[ ٢ / ٥١٩ ]
ركوعه وسجوده جميع الأذكار الواردة فيه، وهذا باطل قطعا فإنه خلاف عمل الناس، ولم يستحبه أحد من أهل العلم وهو بدعة، وإن لم يطردها تناقض وفرق بين متماثلين.
الثالث: أن صاحبها إن طردها لزمه أن يستحب للمصلي والتالي أن يجمع بين القراءات المتنوعة في التلاوة في الصلاة وخارجها. قالوا: ومعلوم أن المسلمين متفقون على أنه لا يستحب ذلك للقارئ في الصلاة ولا خارجها إذا قرأ قراءة عبادة وتدبر، وإنما يفعل ذلك القراء أحيانا ليمتحن بذلك حفظ القارئ لأنواع القراءات، وإحاطته بها واستحضاره إياها، والتمكن من استحضارها عند طلبها، فذلك تمرين وتدريب لا تعبد مستحب لكل تال وقارئ، ومع هذا ففي ذلك للناس كلام ليس هذا موضعه، بل المشروع في حق التالي أن يقرأ بأي حرف شاء، وإن شاء أن يقرأ بهذا مرة وبهذا مرة جاز ذلك.
وكذلك الداعي إذا صلى على النبي ﷺ مرة بلفظ هذا الحديث، ومرة بلفظ الآخر، وكذلك إذا تشهد، فإن شاء تشهد بتشهد ابن مسعود، وإن شاء بتشهد ابن عباس، وإن شاء بتشهد ابن عمر، وإن شاء بتشهد عائشة ﵃ أجمعين ولا يستحب له أحد أن يجمع بين ذلك كله. وقد احتج غير واحد من الأئمة منهم الشافعي رحمه الله تعالى على جواز الأنواع المأثورة في التشهدات ونحوها بالحديث الذي رواه أصحاب الصحيح
[ ٢ / ٥٢٠ ]
والسنن وغيرهم عن النبي ﷺ أنه قال: "أنزل القرآن على سبعة أحرف"١. فجوز النبي ﷺ القراءة بكل حرف من تلك الأحرف، وأخبر أنه "شافي كافي" ومعلوم أن المشروع في ذلك أن يقرأ بتلك الأحرف على سبيل البدل لا على سبيل الجمع كما كان الصحابة يفعلون.
الرابع: أن النبي ﷺ لم يجمع بين تلك الألفاظ الختلفة في آن واحد، بل إما أن يكون قال هذا مرة وهذا مرة كألفاظ الاستفتاح والتشهد، وأذكار الركوع والسجود وغيرها، فاتباعه ﷺ يقتضي أن لا يجمع بينها، بل يقال هذا مرة وهذا مرة.
وإما أن يكون الراوي قد شك في أي الألفاظ قال، فإن ترجح عند الداعي بعضها صار إليه وإن لم يترجح عنده بعضها كان مخيرا بينهما، ولم يشرع له الجمع، فإن هذا نوع ثالث لم يرد عن النبي ﷺ فيعود الجمع بين تلك الألفاظ في آن واحد على مقصود الداعي بالإبطال لأنه قصد متابعة الرسول ﷺ، ففعل ما لم يفعله قطعا.
ومثال ما يترجح فيه أحد الألفاظ حديث الاستخارة فإن الراوي شك هل قال النبي ﷺ: "اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري" أو قال: "وعاجل أمري وآجله" ٢ بدل "وعاقبة أمري" والصحيح اللفظ الأول وهو قوله "وعاقبة أمري" لأن عاجل الأمر وآجله هو مضمون قوله "ديني ومعاشي وعاقبة أمري" فيكون الجمع بين المعاش وعاجل الأمر وآجله تكرارا، بخلاف ذكر المعاش والعاقبة، فإنه لا تكرار فيه، فإن
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل القرآن، باب أنزل القرآن على سبعة أحرف. فتح الباري (٩ / ٢٣) ح ٤٩٩٢، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صلاة المسافرين، باب بيان أن القرآن على سبعة أحرف وبيان معناه (٢/ ٢٠٢) . ٢ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التهجد، باب ما جاء في التطوع مثنى مثنى، فتح الباري (٣/ ٤٨) ح ١١٦٢ وقد جاءت رواية البخاري على الشك الذي ذكره ابن القيم.
[ ٢ / ٥٢١ ]
المعاش هو عاجل الأمر والعاقبة أجله.
ومن ذلك ما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "من قرأ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من فتنة الدجال" رواه مسلم١.
واختلف فيه فقال بعض الرواة "من أول سورة الكهف".
وقال بعضهم "من آخرها" وكلاهما في الصحيح لكن الترجيح لمن قال: "من أول سورة الكهف" لأن في صحيح مسلم من حديث النواس بن سمعان٢ في قصة الدجال "فإذا رأيتموه فاقرأوا عليه فواتح سورة الكهف"٣ ولم يختلف في ذلك، وهذا يدل على أن من روى العشر من أول السورة حفظ الحديث، ومن روى من آخرها لم يحفظه.
الخامس: أن المقصود إنما هو المعنى والتعبير عنه بعبارة مؤدية له، فإذا عبر عنه بإحدى العبارتين حصل المقصود، فلا يجمع بين العبارات المتعددة.
السادس: أن أحد اللفظين بدل عن الآخر، فلا يستحب الجمع بين البدل والمبدل معا كما لا يستحب ذلك في المبدلات التي لها إبدال والله أعلم٤
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صلاة المسافرين، باب فضل سورة الكهف وآية الكرسي (٢/ ١٩٩) وذكر مسلم أيضا هذا الاختلاف فقال قال شعبة من آخر الكهف، وقال "همام من أول الكهف كما قال هشام ٢ النواس في سمعان بن خالد بن عمرو العامري الكلابي له ولأبيه صحبة وحديثه عند مسلم فى صحيحه الإصابة (٣/ ٥٤٦) . ٣ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجال وصفته وما معه (٨/١٩٦-١٩٧) ٤ جلاء الأفهام (١٧٧- ١٧٩) بتصرف.
[ ٢ / ٥٢٢ ]
المطلب الثالث: مواطن الصلاة عليه ﷺ
تتأكد الصلاة على النبي ﷺ في مواطن إما وجوبا وإما استحبابا مؤكدا١ ومن هذه المواطن ما يلي:
الموطن الأول: في الصلاة في آخر التشهد:
وهو أهمها وآكدها، وقد أجمع المسلمون على مشروعيته٢ (٢) واختلفوا في وجوبه فيها.
فقالت طائفة: ليس بواجب فيها وهذا قول أبي حنيفة ومالك ورواية عن الإمام أحمد، وهو قول أكثر أهل العلم٣.
وقالت طائفة: بوجوب ذلك وهو قول الشافعي ورواية عن الإمام أحمد والظاهر أنها آخر قوليه٤ وهي المعتمدة في المذهب٥ وبهذا القول قال جمع من الصحابة والتابعين وأرباب المذاهب، وبه قال ابن مسعود، وابن عمر، وأبو مسعود، والشعبي، ومقاتل بن حيان، وأبو جعفر محمد بن على بن الحسين٦ واسحاق بن راهويه٧.
ولكل واحد من الفريقين أدلته، وهي مبسوطة في كتب الفقه.
_________________
(١) ١ جلاء الأفهام ص (٢٥١) . ٢ جلاء الأفهام ص (٢٥١) . ٣ مجموع الفتاوى (٢٧/ ٤٠٨) والمغني (١/ ٥٤٢) وجلاء الأفهام ص (٢٥١) ٤ مجموع الفتاوى (٢٧/ ٤٠٨) والمغني (١/ ٥٤٢) وجلاء الأفهام ص (٢٥١) ٥ المغني (١/٥٤١) . ٦ محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو جعفر الباقر، من فقهاء أهل المدينة من التابعين، توفي سنة أربع عشرة ومائة. تهذيب التهذيب (٩/٣٥٠-٣٥٢) . ٧ المغني (١/ ٥٤٢) جلاء الأفهام (٢٥٣- ٢٥٥) والقول البديع (١٨٠- ١٨٣) .
[ ٢ / ٥٢٣ ]
وقد جمعها ابن القيم في كتابه القيم جلاء الأفهام١ فمن أراد الاستزادة في هذا الشأن فليرجع إليه٢.
وأما ما يتعلق بأدلة مشروعيتها في هذا الموطن فهي بعينها الأدلة التي تقدم ذكرها في المطلب السابق عند الحديث عن كيفية الصلاة على النبي ﷺ.
الموطن الثاني: الصلاة عليه ﷺ في التشهد الأول:
قال ابن القيم: "وهذا قد اختلف فيه
القول الأول: قال الشافعي في "الأم": "يصلي على النبي ﷺ في التشهد الأول٣ وهذا هو المشهور من مذهبه وهو الجديد، ولكنه يستحب وليس بواجب.
القول الثاني: قال الشافعي في القديم: " لا يزيد على التشهد" وهذه رواية المزني٤ عنه، وبهذا قال أحمد وأبو حنيفة ومالك وغيرهم.
واحتج لقول الشافعي بما رواه الدارقطني بسنده عن ابن عمر قال كان رسول الله ﷺ يعلمنا التشهد التحيات الطيبات الزاكيات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن
_________________
(١) ١ انظر جلاء الأفهام (ص ٢٥١- ٢٧٦) . ٢ صرفت النظر عن إيراد أدلة كل فريق نظرا: ا- كثرة الأدلة والاعتراضات الواردة في هذه المسألة.
(٢) كون المسألة تتعلق بالنواحي الفقهية فهذا مما يتعارض مع منهجية البحث الذي يتناول النواحي العقدية. ٣ الأم للشافعي (١/ ١١٧) . ٤ إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل، أبو إبراهيم المزني، صاحب الإمام الشافعي، كان زاهدا عالما مجتهدا قوي الحجة، توفي سنة ٢٦٤ هـ. الأعلام (١/ ٣٢٩) .
[ ٢ / ٥٢٤ ]
لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله ثم يصلي على النبي ﷺ " ١.
وروى الدارقطني أيضا من حديث عمرو بن شمر عن جابر عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ: "يا بريدة إذا صليت في صلاتك فلا تتركن الصلاة علي فيها، فإنها زكاة الصلاة" ٢.
قالوا: وهذا يعم الجلوس الأول والآخر.
واحتج له أيضا بأن الله تعالى أمر المؤمنين بالصلاة والتسليم على رسوله ﷺ فدل على أنه حيث شرع التسليم عليه شرعت الصلاة عليه، ولهذا سأله أصحابه عن كيفية الصلاة عليه، وقالوا "قد علمنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك؟ " فدل على أن الصلاة عليه مقرونة بالسلام عليه ﷺ، ومعلوم أن المصلي يسلم على النبي ﷺ فيشرع له أن يصلي عليه.
قالوا: ولأنه مكان شرع فيه التشهد والتسليم على النبي ﷺ فشرع فيه الصلاة عليه كالتشهد الأخير.
قالوا: ولأن التشهد الأول محل يستحب فيه ذكر الرسول ﷺ فاستحب فيه الصلاة عليه، لأنه أكمل في ذكره.
قالوا: ولأن في حديث محمد بن إسحاق: كيف نصلي عليك إذا نحن
_________________
(١) ١ أخرجه الدارقطنى فى السنن، كتاب الصلاة، باب صفة التشهد ووجوبه واختلاف الروايات فيه (١/ ٣٥١) وإسناده ضعيف جدا لأن فيه خارجة بن مصعب: متروك، وموسى بن عبيدة: ضعيف. ٢ أخرجه الدارقطنى في السنن، كتاب الصلاة، باب ذكر وجوب الصلاة على النبي ﷺ في التشهد (١/ ٣٥٥) وإسناده ضعيف فيه عبد المهيمن بن عباس لا يحتج به.
[ ٢ / ٥٢٥ ]
جلسنا في صلاتنا؟ ١.
وقال الآخرون: ليس التشهد الأول بمحل لذلك، وهو القديم من قولي الشافعي رحمه الله تعالى، وهو الذي صححه كثير من أصحابه لم لأن التشهد الأول تخفيفه مشروع، وكان النبي ﷺ إذا جلس فيه كأنه على الرضف٢٣. ولم يثبت عنه أنه كان يفعل ذلك فيه، ولا علّمه للأمة، ولا يعرف أن أحدا من الصحابة استحبه، ولأن مشروعية ذلك لو كانت كما ذكرتم من الأمر لكانت واجبة في المحل كما في الأخير، لتناول الأمر لهما، ولأنه لو كانت الصلاة مستحبة في هذا الموضع، لاستحب فيه الصلاة على آله ﷺ لأن النبي ﷺ لم يفرد نفسه دون آله بالأمر بالصلاة عليه، بل أمرهم بالصلاة عليه وعلى آله في الصلاة وغيرها.
ولأنه لو كانت الصلاة عليه في هذه المواضع مشروعة لشرع فيها ذكر إبراهيم وآل إبراهيم، لأنها هي صفة الصلاة المأمور بها، ولأنها لو شرعت في هذه المواضع لشرع فيها الدعاء بعدها لحديث فضالة، ولم يكن فرق بين التشهد الأول والأخير.
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد في المسند (٤/١١٩) والحاكم في المستدرك (١/ ٢٦٨) . ٢ الرضف: الحجارة المحماة على النار، واحدتها: رضفة. النهاية (٢/ ٢٣١) ٣ أخرجه أحمد في المسند (١/٣٨٦، ٤١٠، ٤٢٨، ٤٣٦، ٤٦٠) .وأخرجه أبو داود فى السنن، كتاب الصلاة، باب تخفيف القعود (١/ ٦٠٦) .ح ٩٩٥ وأخرجه الترمذي في السنن، أبواب الصلاة، باب ما جاء في مقدار القعود في الركعتين الأوليين (٢/٢٠٢) ح ٣٦٦. وقال الترمذي: "هذا حديث حسن إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه. والعمل على هذا عند أهل العلم يختارون أن لا يطيل الرجل القعود في الركعتين الأوليين ولا يزيد على الثشهد شيئا" انتهى كلامه.
[ ٢ / ٥٢٦ ]
قالوا: وأما ما استدللتم به من الأحاديث فمع ضعفها لا تدل، لأن المراد بالتشهد فيها هو الأخير دون الأول بما ذكرناه من الأدلة١ (١) .
الموطن الثالث من مواطن الصلاة عليه ﷺ: آخر القنوت
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "استحبه الشافعي ومن وافقه واحتج لذلك بما رواه النسائي بسنده عن الحسن بن علي٢ قال علمني رسول الله ﷺ هؤلاء الكلمات في الوتر قال: "قل اللهم اهدني فيمن هديت، وبارك لي فيما أعطت، وتولني فيمن توليت، وقني شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت تباركت ربنا وتعاليت٣ وصلى الله على النبي"٤ وهذا إنما هو في قنوت الوتر، وإنما نقل إلى قنوت الفجر قياسا كما نقل أصل هذا الدعاء إلى قنوت الفجر.
_________________
(١) ١ جلاء الأفهام (ص ٢٧٧- ٢٧٩) . ٢ الحسن بن علي بن أب ي طالب، سبط رسول الله ﷺ وريحانته في الدنيا، وأحد سيدي شباب أهل الجنة، وكان أشبه الناس برسول الله ﷺ بويع بالخلافة بعد مقتل أبيه ثم تنازل عنها لمعاوية حقنا لدماء المسلمين، ومات سنة تسع وأربعين وقيل بعدها. الإصابة (١/ ٣٢٧- ٣٣٠) . ٣ الحديث إلى قوله "وتعاليت"، أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الصلاة، باب القنوت في الوتر (٢/ ١٣٣-١٣٤) . وأخرجه الترمذي في السنن، كتاب أبواب الصلاة، باب ما جاء في قنوت الوتر (١/ ٣٢٨) ح ٤٦٤. وأخرجه ابن ماجه في السنن، أبواب إقامة الصلاة، باب ما جاء في قنوت الوتر (١/ ٢١٣) ح ١١٦٧، وقال الحافظ ابن حجر: الحديث-حسن صحيح. التلخيص (ص ٩٤- ٩٥) . ٤ أخرجه النسائي في السنن (٣/ ٢٤٨) وقد انفرد النسائي بهذه الزيادة "وصلى الله على النبي"، وروايته ضعيفة، قال الحافظ ابن حجر هذه الزيادة في هذا السند غريبة لا تثبت وإن سنده لا يخلو إما من راو مجهول، أو انقطاع في السند.
[ ٢ / ٥٢٧ ]
وهو مستحب في قنوت رمضان فعن عروة بن الزبير١ أن عبد الرحمن بن عبد القاري٢ وكان في عهد عمر بن الخطاب مع عبد الله بن الأرقم٣ على بيت المال، قال: إن عمر خرج ليلة في رمضان، فخرج معه عبد الرحمن بن عبد القارى فطاف في المسجد، وأهل المسجد أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط فقال عمر ﵁، والله إني لأظن لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد يكون أمثل، ثم عزم عمر على ذلك وأمر أبي بن كعب أن يقوم بهم في رمضان، فخرج عليهم والناس يصلون بصلاة قارئهم، فقال عمر ﵁ نعمت البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون، يريد آخر الليل، وكان الناس يقومون أوله، وقال: كانوا يلعنون الكفرة في النصف يقولون: اللهم قاتل الكفرة الذين يصدون عن سبيلك ويكذبون رسلك، ولا يؤمنون بوعدك، وخالف بين كلمتهم، وألق في قلوبهم الرعب، وألق عليهم رجزك وعذابك إله الحق. ثم يصلي على النبي ﷺ، ثم يدعو للمسلمين ما استطاع من خير، ثم يستغفر للمؤمنين، قال: فكان يقول إذا فرغ من لعنة الكفار، وصلاته على
_________________
(١) ١ عروة بن الزبير بن العوام الأسدي أبو عبد الله المدني، تابعي ثقة فقيه مشهور، ولد في أوائل خلافة الفاروق، وتوفي سنة أربع وتسعين على الصحيح. تهذيب التهذيب (٨/ ١٨٠- ١٨٥) . ٢ عبد الرحمن بن عبد من غير إضافة القارئ بتشديد الياء من ولد القارة ابن الديش، ذكره العجلي في ثقات التابعين واختلف قول الواقدي فيه قال تارة له صحبة، وتارة تابعي، مات سنة ثمان وثمانين تقريب التهذيب (٢٠٦) . ٣ عبد الله بن الأرقم بن عبد يغوق بن وهب القرشي الزهري، صحابي أسلم يوم الفتح، وكتب للنبي ﷺ ولأبي بكر وعمر وكان على بيت المال أيام عمر، وتوفي في خلافة عثمان. الإصابة (٢/ ٢٦٥) .
[ ٢ / ٥٢٨ ]
النبي ﷺ واستغفاره للمؤمنين، ومسألته: اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد١ ونرجو رحمتك، ونخاف عذابك إن عذابك الجد لمن عاديت ملحق، ثم يكبر ويهوي ساجدا٢.
وروى إسماعيل بن إسحاق بسنده عن قتادة، عن عبد الله بن الحارث٣أن أبا حليمة- معاذا-٤ كان يصلى على النبي ﷺ في القنوت٥٦.
الموطن الرابع من مواطن الصلاة عليه ﷺ: في صلاة الجنازة بعد التكبيرة الثانية:
لا خلاف في مشروعيتها فيها، واختلف في توقف صحة الصلاة عليها. فقال الشافعي، وأحمد في المشهور من مذهبهما: إنها واجبة في الصلاة،
_________________
(١) ١ وإليك نسعى ونحفد أي نسرع في العمل والخدمة. النهاية (١/ ٤٠٦) . ٢ أخرجه الشافعي في الأم (١/ ٢٣٩- ٢٤٠) والبيهقي في السنن (٤/ ٣٩) ورجاله كلهم ثقات. ٣ عبد الله بن الحارث الأنصاري أبو الوليد البصري، ثقة من رجال الشيخين. تهذيب التهذيب (٥/ ١٨١- ١٨٢) . ٤ معاذ بن الحارث الأنصاري النجاري أبو حليمة ويقال أبو الحارث المدني القاري، قال ابن عبد البر شهد الخندق، ويقال لم يدرك من حياة رسول الله ﷺ إلا ست سنين، وهو الذي أقامه عمر فيمن أقام في رمضان ليصلي التراويح، يقال إنه قتل يوم الحرة. تهذيب التهذيب (١٠/ ١٨٨- ١٨٩) . ٥ فضل الصلاة على النبي ﷺ (ص ٤٥) رقم ١٠٧، قال الألباني: "إسناده موقوف صحيح، وأبو حليمة معاذ هو أبن الحارث الأنصاري القاري قال ابن أبي حاتم: (٤/ ١/ ٢٤٦) "وهو الذي أقامه عمر يصلي بهم في. شهر رمضان صلاة التراويح وعبد الله بن الحارث هو أبو الوليد البصري ثقة من رجال الشيخين،. ورواه ابن نصر في "قيام الليل" (ص ١٣٦) بلفظ "كان يقوم في القنوت في رمضان يدعو ويصلي على النبي ﷺ ويستسقي الغيث". ٦ جلاء الأفهام (ص ٢٧٩- ٢٨١) .
[ ٢ / ٥٢٩ ]
لا تصح إلا بها، ورواه البيهقي عن عبادة بن الصامت وغيره من الصحابة. وقال مالك وأبو حنيفة: تستحب وليست بواجبة، وهو وجه لأصحاب الشافعي. والدليل على مشروعيتها في صلاة الجنازة، ما روى الشافعي بسنده عن الزهري، قال أخبرني أمامة بن سهل، أنه أخبره رجل من أصحاب النبي ﷺ أن السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر الإمام ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى سرا في نفسه ثم يصلي على النبي ﷺ، ويخلص الدعاء للجنازة في التكبيرات لا يقرأ في شيء منهن ثم يسلم سرا في نفسه١. وروى إسماعيل بن إسحاق في كتاب "الصلاة على النبي ﷺ" بسنده عن الزهري قال سمعت أبا أمامة بن سهل بن حنيف٢ يحدث سعيد بن المسيب٣ قال: إن السنة في صلاة الجنازة أن يقرأ بفاتحة الكتاب، ويصلي على النبي ﷺ ثم يخلص الدعاء للميت حتى يفرغ، ولا يقرأ إلا مرة واحدة، ئم يسلم في نفسه٤
_________________
(١) ١ الأم (١/ ٢٣٩- ٢٤٠) والبيهقي في السنن الكبرى (٤/ ٣٩) . ٢ أبو أمامة بن سهل بن حنيف الأنصاري، ولد في حياة النبي علما وسمي باسم جده لأمه أسعد بن زرارة وكني بكنيته، وكان من أكابر الأنصار وعلمائهم، توفي سنة مائة للهجرة. تهذبب التهذيب (١/ ٢٦٣- ٢٦٤) . ٣ سعيد بن المسيب بن حزن الخزومي القرشي، وسيد التابعين وأحد فقهاء المدينة السبعة، وكان زاهدا ورعا يعيش من كسب يده توفي سنة ٩٤ هـ. تهذيب التهذيب (٤/ ٨٤- ٨٨) . ٤ فضل الصلاة على النبي ﷺ (ص ٣٩) رقم ٩٤. وقال الألباني في تعليقه على هذا الكتاب: اسناده صحيح، وأبو أمامة هذا صحابي صغير كما قال ابن القيم، وقد رواه عن جماعة من الصحابة، فقال يونس عن ابن شهاب، قال أخبرني أبو أمامة بن سهل بن حنيف- وكان من كبراء الأنصار وعلمائهم، وأبناء الذين شهدوا بدرا مع رسول الله ﷺ - أخبره رجال من أصحاب رسول الله في الصلاة على الجنازة أن يكبر الامام ثم يصلي على النبي ﷺ الحديث نحوه وزاد: قال الزهري: حدثنا بذلك أبو أمامة وابن المسيب يسمع فلم ينكر ذلك عليه. قال ابن شهاب: فذكرت الذي أخبرني أبو أمامة من السنة في الصلاة على الميت لمحمد بن سويد فقال وأنا سمعت الضحاك بن قيمة يحدث عن حبيب بن مسلمة في صلاة صلاها على الميت مثل الذي حدثنا أبو امامة. أخرجه الحاكم (١/ ٣٦٠) وعنه البيهقي (٤/ ٣٩، ٤٠) وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، وهو كما قالا، ورواه النسائي (١/ ٢٨١) من طريق الليث عن ابن شهاب به مختصرا " انتهي.
[ ٢ / ٥٣٠ ]
وأبو أمامة هذا صحابي صغير، وقد رواه عن صحابي آخر كما ذكره الشافعي.
وقال صاحب "المغني"١ يروى عن ابن عباس أنه صلى على جنازة بمكة فكبر، ثم قرأ وجهر وصلى على النبي ﷺ، ثم دعا لصاحبه فأحسن ثم انصرف، وقال: هكذا ينبغي أن تكون الصلاة على الجنازة.
وفي الموطأ برواية يحى بن يحى الليثي٢ حدثنا مالك بن أنس عن سعيد بن أبي سعيد المقبري٣ عن أبيه٤ أنه سأل أبا هريرة كيف نصلي على الجنازة؟ فقال أبو هريرة ﵁: أنا لعمر الله أخبرك، أتبعها من أهلها، فإذا وضعت كبرت وحمدت الله تعالى، وصليت على النبي ﷺ ثم أقول:
_________________
(١) (٢/ ٤٨٦) . ٢ يحى بن يحى بن أبي عيسى كثير بن وسلاس الليثي بالولاء، أبو محمد عالم الأندلس في عصره بربري الأصل، سمع الموطأ من مالك قال عنه الإمام مالك هذا عاقل أهل الأندلس، توفي بقرطبة سنة ٢٣٤ هـ. الأعلام (٨/ ١٧٦) . ٣سعيد بن كيسان المقبري أبو سعد المدني، ثقة جليل تغير قبل موته بأربع سنين، مات في حدود العشرين ومائة وقيل قبلها وقيل بعدها. تهذيب التهذيب (٤/ ٣٨- ٤٠) . ٤ كيسان أبو سعيد المقبري مولى أم شريك، تابعي ثقة كثير الحديث توفي سنة مائة للهجرة. تهذيب التهذيب (٨/ ٤٥٣- ٤٥٤)
[ ٢ / ٥٣١ ]
"اللهم إنه عبدك وابن عبدك، وابن أمتك، كان يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبدك ورسولك، وأنت أعلم به، اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه، وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته، اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده"١.
إذا تقرر هذا فالمستحب أن يصلى عليه ﷺ في الجنازة كما يصلى عليه في التشهد، لأن النبي ﷺ علم ذلك أصحابه لما سألوه عن كيفية الصلاة عليه. وفي مسائل " عبد الله بن أحمد "عن أبيه قال: يصلى على النبي ﷺ ويصلى على الملائكة المقربين.
قال القاضي: يقول: اللهم صل على ملائكتك المقربين وأنبيائك والمرسلين، وأهل طاعتك أجمعين من أهل السموات والأرضين، إنك على كل شيء قدير٢.
الموطن الخامس من مواطن الصلاة عليه ﷺ: في الخطب كخطبة الجمعة والعيدين، والإستسقاء، وغيرها:
وقد اختلف في اشتراطها لصحة الخطة
قال الشافعي وأحمد في المشمهور من مذهبهما: لا تصح الخطة إلا بالصلاة عليه ﷺ.
وقال أبو حنيفة ومالك: تصح بدونها، وهو وجه في مذهب أحمد واحتج لوجوبها في الخطة بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ وَوَضَعْنَا عَنْكَ
_________________
(١) ١ الموطأ (ص ١٥١- ١٥٢) ح ٥٣٥، وأخرجه إسماعيل القاضي في كتابه فضل الصلاة على النبي ﷺ (ص ٣٩) ح ٩٣. وقال الألباني المحقق عند تعليقه عليه: إسناده موقوف صحيح على شرط الشيخين. وأخرجه البيهقي في السق (٤/ ٤٠) . ٢ جلاء الأفهام (ص ٢٨١- ٢٨٤) .
[ ٢ / ٥٣٢ ]
وِزْرَكَ صَدْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ ١
قال ابن عباس ﵄: "رفع الله ذكره، فلا يذكر إلا ذكر معه. وفي هذا الدليل نظر، لأن ذكره ﷺ مع ذكر ربه هو الشهادة له بالرسالة إذا شهد لمرسله بالوحدانية، وهذا هو الواجب في الخطبة قطعا بل هو ركنها الأعظم، وقد روى أبو داود، وأحمد وغيرهما من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "كل خطة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء" ٢ واليد الجذماء: المقطوعة، فمن أوجب الصلاة على النبي ﷺ في الخطة دون التشهد فقوله في غاية الضعف.
وقد روى ابن جرير في تفسيره بسنده عن قتادة ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطب ولا متشهد، ولا صاحب صلاة إلا ينادى بها: أشهد أن لا اله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله٣.
وعن الضحاك ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ قال إذا ذكرت ذكرت معي ولا يجوز خطبة ولا نكاح إلا بذكرك٤ معي.
وعن مجاهد ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ قال: لا أذكر إلا ذكرت معي أشهد
_________________
(١) ١ الآيات (١- ٤) من سورة الشرح. ٢ أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٣٠٢، ٣٤٣) . وأخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأدب، باب في الخطبة (٥/ ١٧٣) ح ٤٨٤١ وأخرجه الترمذي في سننه، كتاب النكاح، باب ما جاء في خطبة النكاح (٣/ ٤١٤) ح ١١٠٦ وقال هذا حديث حسن صحيح غريب. ٣ تفسيرالطبري (٣٠/ ٢٣٥) . ٤ أورده السيوطي في الدر المنثور وعزاه لعبد بن حميد (٦/ ٣٦٣)
[ ٢ / ٥٣٣ ]
أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الل هـ١.
فهذا هو المراد من الآية، وكيف لا يجب التشهد الذي هو عقد الإسلام في الخطبة، وهو أفضل كلماتها وتجب الصلاة على النبي ﷺ فيها.
والدليل على مشروعية الصلاة على النبي ﷺ في الخطبة ما رواه الإمام أحمد في المسند بسنده عن عون بن أبي جحيفة٢ قال: كان أبي٣ من شرط علي، وكان تحت المنبر، فحدثني: أنه صعد المنبر- يعني عليا﵁ فحمد الله وأثني عليه وصلى على النبي ﷺ وقال خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر والثاني عمر، وقال يجعل الله الخير حيث شاء٤.
قال ابن القيم: "وقد كانت الصلاة على النبي ﷺ في الخطب أمرا مشهورا معروفا عند الصحابة ﵃ أجمعين.
أما وجوبها فيعتمد دليلا يجب المصير إليه وإلى مثله٥.
الموطن السادس من مواطن الصلاة عليه ﷺ: الصلاة عليه بعد إجابة المؤذن وعند الإقامة
لما روى مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو أنه سمع رسول الله
_________________
(١) ١ أخرجه ابن جرير في تفسيره (٣٠/ ٢٣٥) . ٢ عون بن أبي جحيفة وهب بن عبد الله السوائي الكوفي، ثقة من الرابعة، مات سنة ست عشرة ومائة. تهذبب التهذيب (٨/١٧٠) . ٣ واسمه وهب بن عبد الله السرائي (بضم المهملة) ويقال اسم أبيه وهب أيضا، أبو جحيفة مشهور بكنيته، ويقال له وهب الخير، قدم على النبي ﷺ في أواخر عمره وحفظ عنه ثم صحب عليا بعده وولاه شرطة الكوفة. مات سنة أربع رستين. الإصابة (٣/ ٦٠٦) . ٤ المسند (١/١٠٦) . ٥ جلاء الأفهام (ص ٢٨٦) .
[ ٢ / ٥٣٤ ]
ﷺ يقول: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي، فإن من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله تعالى، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي" ١.
الموطن السابع من مواطن الصلاة عليه ﷺ: عند الدعاء:
والدليل على ذلك حديث فضالة بن عبيد٢ ﵁ قال: سمع رسول الله ﷺ رجلا يدعو في صلاة لم يحمد الله ولم يصل على النبي ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: "عجل هذا" ثم دعاه، فقال له أو لغيره: "إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد ربه والثناء عليه ثم يصلي على النبي ﷺ، ثم يدعو بما شاء" ٣.
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عند قال: "إن الدعاء موقوف بين السماء والأرض لا يصعد منه شيء حتى تصلي على نبيك ﷺ"٤.
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه ص ٣٢٦ ٢ فضالة بن عبيد بن نافذ بن قيس الأنصاري الأوسي، صحابي جليل أسلم قديما ولم يشهد بدرا، وشهد أحدا فما بعدها وشهد فتح مصر والشام قبلها، مات في خلافة معاوية. الأصابة (٣/ ٢٥١) . ٣ أخرجه الامام أحمد في المسند (٦/ ١٧) .، وأخرجه أبو داود في سننه، كتاب الصلاة، باب الدعاء (٢/ ١٦٢) ح ٤٨١ ١، وأخرجه الترمذي في سننه كتاب الدعوات، باب ادع تجب (٥/ ٥١٧) ح ٣٤٧٣، ٣٤٧٥ وقال: حديث حسن صحيح. وأخرجه النسائي في سننه (٣/ ٤٤) باب التمجيد والصلاة على النبي ﷺ. والحاكم في المستدرك (١/ ٢٣٢) وصححه ووافقه الذهبي. ٤ أخرجه الترمذي في سننه، باب ما جاء في فضل الصلاة على النبي ﷺ (٢/ ٣٥٦) . وقال أحمد شاكر بهامشه: "هذا موقوف بحكم المرفوع" وذكره الألباني في صحيح سنن الترمذي (١/ ١٥٠، ١٥١) . وقال: حسن- الصحيحة ٢٠٣٥.
[ ٢ / ٥٣٥ ]
الموطن الثامن من مواطن الصلاة على النبي ﷺ: عند دخول المسجد وعند الحروج منه
لما في الحديث عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله لمج! اقال: "إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبي ﷺ، وليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليسلم على النبي ﷺ وليقل: اللهم أجرني من الشيطان الرجيم" ١.
وعن فاطمة بنت الحسين٢ عن جدتها فاطمة الكبرى٣ قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا دخل المسجد صلى على محمد وسلم، وقال: "رب اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج صلى على محمد وسلم وقال: "رب اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك" ٤.
_________________
(١) ١ صحيح ابن خزيمة (٤٥٢) وابن حبان (٣٢١) موارد. ٢ فاطمة بنت الحسين بن على بن أبي طالب الهاشمية المدنية روت عن أبيها وأخيها زين العابدين وغيرهم، وزوجها هو ابن عمها الحسن بن الحسن بن على، وتزوجها بعده عبد الله بن عمرو بن عثمان. وذكرها ابن حبان في الثقات، وقال: ماتت وقد قاربت التسعين. تهذيب التهذيب (١٢/ ٤٤٢- ٤٤٣) . ٣ فاطمة الزهراء بنت رسرل الله ﷺ، أم الحسنين سيدة نساء هذه الأمة، تزوجها علي بن أبي طالب ﵄ في السنة الثانية للهجرة، وماتت بعد النبي ﷺ بستة أشهر وقد جاوزت العشرين بقليل. تقريب التهذيب (ص ٤٧١) . ٤ أخرجه بهذا اللفظ: الإمام أحمد في المسند (٦/ ٢٧٢) . والترمذي في السنن أبواب الصلاة باب ما جاء ما يقول عند دخول المسجد (٢/ ١٢٧، ١٢٨) ح ٣١٤، وقال الترمذي: "وفي الباب عن أبي حميد، وأبي أسيد، وأبي هريرة، وقال: "حديث فاطمة حديث حسن، وليس إسناده بمتصل وفاطمة بنت الحسين لم تدرك فاطمة الكبرى، وإنما عاشت فاطمة بعد النبي ﷺ أشهرا". وأخرجه بلفظ: "إذا دخل المسجد يقول "بسم الله والسلام على رسول الله اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك وإذا خرج قال "بسم الله والسلام على رسول الله، اللهم اغفم لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك". الإمام أحمد في المسند (٦/ ٢٨٣) . وابن ماجه في السنن، أبواب المساجد، الدعاء عند دخول المسجد (١/ ١٣٩) ح ٧٥٥ وله شاهد من حديث أبي حميد وأبي أسيد الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبي اصلى الله عليه وسلم ثم ليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، فإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك. أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الصلاة، باب فيما يقوله الرجل عند دخوله المسجد (١/ ٣١٧، ٣١٨) ح ٤٦٥ وهو عند مسلم في صحيحه كتاب صلاة المسافرين باب ما يقول إذا دخل المسجد (٢/ ١٥٥) بلفظ إذا دخل المسجد فليقل اللهم افتح لي أبواب رحمتك وإذا خرج فليقل: اللهم افتح لي أبواب فضلك وهو عند أحمد بهذا اللفظ (٥/ ٤٢٥) . وهو عند النسائي بهذا اللفظ أيضا، انظر السنن كتاب المساجد باب القول عند دخول المسجد والخروج منه (٢/ ٥٣) وفي سنن ابن ماجه، أبواب المساجد، باب الدعاء عند دخول المسجد (١/ ١٣٩) ح ٧٥٦، قال رسول ﷺ: إذا دخل أحدكم المسحد فليسلم ثم ليقل اللهم افتح لي أبواب رحمتك وإذا خرج فليقل اللهم إني أسألك من فضلك. وله شاهد من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول ﷺ قال: إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبي ﷺ وليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليسلم على النبي ﷺ وليقل اللهم اعصمني من الشيطان الرجيم" أخرجه ابن ماجة في سننه، أبواب المساجد، باب الدعاء عند دخول المسجد (١/ ١٣١) ح ٧٥٧، وقال البوصيري في الزوائد: إسناده صحيح ورجاله ثقات وأخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة، باب ما يقول إذا دخل المسجدح ٩٠ وفيه: فليقل: اللهم باعدني من الشيطان بدل قوله: اللهم اعصمني من الشيطان الرجيم. وأخرجه من طريق آخر عن أبي هريرة ولم يذكر فيه السلام ح ٩١، ٩٢ وتعرض النسائي هنا لاختلاف ألفاظ الحديث فليراجع. والحديث أخرجه ابن خزيمة في صحيحه (٤٥٢) . وأخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٢٠٧) كتاب الصلاة ولفظه عند الحاكم إذا دخل أحدكم المسجد فليصل على النبي ﷺ وليقل: اللهم أجرني من الشيطان الرجيم وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. والحديث صححه الألباني في صحيح الجامع (٥٢٨) .
[ ٢ / ٥٣٦ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية "والصلاة والسلام عليه عند دخول المسجد
[ ٢ / ٥٣٧ ]
مأثور عنه ﷺ وعن غير واحد من الصحابة والتابعين"١.
وقال القاضي عياض: "ومن مواطن الصلاة والسلام عند دخول المسجد" وذكرا عددا من الآثار عن بعض الأئمة٢.
الموطن التاسع: من مواطن الصلاة عليه ﷺ: على الصفا والمروة
لما روى إسماعيل بن إسحاق القاضي بسنده عن نافع٣ أن عمر ﵁ كان يكبر على الصفا ثلاثا، ويقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدر، ثم يصلي على النبي ﷺ، ثم يدعو ويطل القيام والدعاء، ثم يفعل على المروة نحو ذلك٤.
وعن وهب بن الأجدع٥ قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يخطب الناس بمكة يقول إذا قدم الرجل منكم حاجا فليطف بالبيت سبعا وليصل عند المقام ركعتين ثم يستلم الحجر الأسود، ثم يبدأ بالصفا، فيقوم عليها ويستقبل البيت فيكبر سبع تكبيرات يين كل تكبيرتين حمد الله ﷿
_________________
(١) ١ الرد على الأخنائي (ص ١٤٧) . ٢ الشفا (٢/ ٦٣٧) . ٣ نافع الفقيه مولى ابن عمر أبو عبد الله المدني، ثقة ثبت فقيه مشهور قال البخاري: أصح الأسانبد مالك عن نافع عن ابن عمره مات سنة سبع عشرة ومائة أو بعد ذلك. تهذيب التهذيب (١٠/ ٤١٢- ٤١٤) . ٤ كتاب فضل الصلاة على النبي ﷺ (ص ٣٦- ٣٧) ح ٨٧. وقال الألباني في تعليقه عليه: "إسناده موقوف منقطع فإن نافعا لم يدرك عمر، ولكن في إجلاء الأفهام نقلا عن المصنف أن ابن عمر فإن صح هذا فيكون قد سقط من نسختنا لفظة (ابن) ويكون السند حينئذ متصلا صحيحا، وهذا مما أستبعده، والله أعلم، انثهي كلامه. ٥ وهب بن الأجدع الهمداني الخارفي الكرفي، تابعي ثقة، روي عن عمر وعلي وعنه هلال بن سياف والشعبي، وكان قليل الحديث. تهذيب التهذيب (١/ ١٥٨) .
[ ٢ / ٥٣٨ ]
وثناء عليه عزوجل، وصلاة على النبي ﷺ، ومسألة لنفسه وعلى المروة مثل ذلك١.
الموطن العاشر من مواطن الصلاة عليه ﷺ: عند اجتماع القوم قبل تفرقهم:
فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "ما جلس قوم مجلسا فلم يذكروا الله ولم يصلوا على نبيه ﷺ إلا كان مجلسهم عليهم ترة٢ يوم القيامة، إن شاء عفا عنهم، وإن شاء أخذهم" ٣.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "ما جلس قوم مجلسا لم يصل فيه على النبي ﷺ إلا كانت عليهم حسرة وإن دخلوا الجنة" ٤.
_________________
(١) ١ أخرجه إسماعيل بن اسحاق القاضي في كتاب فضل الصلاة على النبي ﷺ (ص ٣٤) ح ٨١ وأورده ابن القيم في جلاء الأفهام (ص ٢٩٢- ٢٩٣) وعزاه لجعفر بن عون وأبي ذر الهروي. وأورده السخاوي في القول البديع (ص ٢٠٩) وعزاه للبيهقي وإسماعيل القاضي وأبي ذر الهروي وقال- أي السخاوي- اسناده قوي ٢ "ترة": النقص، وقيل التبعة. النهاية (١/ ١٨٩) ٣ أخرجه الإمام أحمد في المسند (٢/ ٤٤٦، ٤٥٣، ٤٨١، ٤٨٤) وأخرجه الترمذي في السنن، كتاب الدعاء، باب في القوم يجلسون لا يذكرون الله (٥/ ١ ٤٦) ح ٠ ٣٣٨ وقال حديث حسن صحيح. وأخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة (ص ١٥٩) ح ٤٤٩ وأخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٤٩٦) وقال هذا حديث صحيح الأسناد ولم يخرجاه وصالح ليس بالساقط وتعقبه الذهبي بقوله صالح ضعيف. وأخرجه ابن حبان في صحيحه. انظر موارد الظمآن (٢٣٢٢) . ٤ أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة (ص ٣١٤) ح ٤١٠ وأخرجه إسماعيل بن إسحاق في فضل الصلاة على النبي ﷺ (ص ٢٢) ح ٥٥ وقال الألباني في تعليقه عليه: إسناده صحيح موقوف ولكنه في حكم المرفرع.
[ ٢ / ٥٣٩ ]
وعن جابرأن رسول الله ﷺ قال: ما جلس قوم مجلسا ثم تفرقوا من غير صلاة على النبي ﷺ إلا تفرقوا على أنتن من ريح جيفة"١.
الموطن الحادي عشرمن مواطن الصلاة عليه ﷺ عند ذكره
قال ابن القيم: "وقد اختلفت في وجوبها كلما ذكر اسمه ﷺ فقال أبو جعفر الطحاوي٢ وأبو عبيد الله الحليمي: تجب الصلاة عليه ﷺ كلما ذكر اسمه. وقال غيرهما إن ذلك مستحب، وليس بفرض يأثم تاركه. ثم اختلفوا: فقالت فرقة: تجب الصلاة عليه في العمر مرة واحدة، لأن الأمر مطلق لا يقتضي تكرارا، والماهية تحصل بمرة، وهذا محكي عن أبي حنيفة ومالك، والثوري، والأوزاعي٣.
قال القاضي عياض وابن عبد البر: وهو قول جمهور الأمة.
وقالت فرقة: بل تجب في كل صلاة في تشهدها الأخير كما تقدم، وهو قول الشافعي وأحمد في آخر الروايتين عنه، وغيرهما.
وقالت فرقة: الأمر بالصلاة عليه أمر استحباب لا أمر إيجاب، وهذا قول ابن جرير وطائفة، وادعى ابن جرير فيه الإجماع، وهذا على أصله فإنه إذا رأي الأكثرين على قول، جعله إجماعا يجب اتباعه.
_________________
(١) ١ أخرجه النساثي في عمل اليوم والليلة (ص ٣١٤) ح ٤١١. ٢ أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي الطحاوي، أبو جعفر، فقيه انتهت إليه رياسة الحنفية بمصر، وهو أحد الثقات الأثبات الحفاظ، توفي سنة ٣٢١ ص. الأعلام (١/ ٢٠٦) . ٣ عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، أهله من سبي السند استقر بدمشق وهو من شيوخ الإسلام كان عابدا مجاهدا، قال عنه الحاكم: الأوزاعي إمام عصره عموما وإمام أهل الشام خصوصا، توفي ببيروت عام ١٥٧ ص. البداية والنهاية (١٠/ ١١٥- ١٢٠) .
[ ٢ / ٥٤٠ ]
واحتج الموجبون بحجج:
الحجة الأولى: حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي، ورغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له، ورغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر فلم يدخلاه الجنة" ١.
ورغم أنفه: دعاء عليه وذم له، وتارك المستحب لا يذم ولا يدعى عليهز.
الحجة الثانية: حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ، أنه صعد المنبر فقال: "آمين، آمين، آمين، فقيل له يارسول الله، ما كنت تصنع هذا؟ فقال: "قال لي جبريل رغم أنف عبد دخل عليه رمضان ولم يغفر له، فقلت: آمين، ثم قال: رغم أنفه عبد أدرك أبويه أو أحدهما الكبر لم يدخل الجنة، فقلت: آمين ثم قال: رغم أنف عبد ذكرت عنده فلم يصل عليك، فقلت: آمين" ٢
_________________
(١) ١ أخرجه الترمذي في سننه، كتاب الدعوات، باب قول النبي ﷺ: رغم أنف رجل" (٥/ ٥٥٠) ح ٣٥٤٥ وقال: "وهذا حديث حسن غريب من هذا الرجه. وأخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٥٤٩) وصححه ووافقه الذهبي. وأخرجه إسماعيل بن اسحاق القاضي في كتابه فضل الصلاة على النبي على (ص ٩) ح ١٦ وقال الألباني في تعليقه عليه إسناده صحيح، رجاله رجال الصحيح. ٢ أخرجه إسماعيل بن إسحاق القاضي في كتابه فضل الصلاة على النبي ﷺ (ص ٩) ح ١٨ وقال الألباني في تعليقه عليه إسناده حسن. وأخرجه ابن حبان في صحيحه. انظر موارد الظمآن (٢٣٨٧) والحديث روي كذلك من طرق أخرى عن كل من: ا- كعب بن عجرة ﵁: أخرجه إسماعيل بن إسحاق في كتابه فضل الصلاة على النبي ﷺ (ص ١٥) ح ١٩. وأخرجه الحاكم في المستدرك (٤/ ١٥٣، ١٥٤) وصححه ووافقه الذهبي.
(٢) أنس بن مالك ﵁: قال السخاوي في القول البديع (ص ١٤٨) أخرجه ابن أبي شيبة والبزار في مسنديهما.
(٣) مالك بن الحويرث ﵁: أخرجه ابن حبان في صحيحه (٢٣٨٦) موارد، وقال السخاوي (ص ١٤٨) أخرجه ابن حبان في صحيحه وثقاته معا، والطبراني ورجاله ثقات لكن فيهم عمران بن أبان الراسطي وهو وإن وثقه ابن حبان وأخرج حديثه هذا في صحيحه فقد ضعفه غير واحد.
(٤) جابر بن عبد الله ﵁: أخرجه البخاري في الأدب المفرد (ص ٩٥) . وقال السخاري في كتابه القول البديع (ص ١٤٨): رواه البخاري في الأدب المفرد والطبري في تهذيبه والدارقطي في الأفراد وهو حديث حسن ونحوه من وجه آخر عند الطبراني في الأوسط وابن السني في عمل اليوم والليلة، وأشار إليه الترمذي في جامعه بقوله وفي الباب عن جابر وقد أخرجه النسائي وساقه الضياء في المختارة من طريق الطيالسي وقال هذا عندي على شرط مسلم. انتهي وفي ذلك نظر والله أعلم. ٥- جابر بن سمرة: قال السخاوي: أخرجه الدارقطني في الأفراد والبزار في مسنده، والطبراني في الكبير والدقيقي في أماليه. وللحديث طرق أخرى ذكرها السخاوي في القول البديع (ص ١٤٧- ١٥١) ولا يتسع المجال هنا لذكرها. قال ابن القيم (ولا ريب أن الحديث بتلك الطرق المتعددة تفيد الصحة، جلاء الأفهام (ص ٢٩٥) .
[ ٢ / ٥٤١ ]
الحجة الثالثة: حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "من ذكرت عنده فليصل علي، فإنه من صلى علي مرة صلى الله عليه عشرا" ١. وهذا إسناد صحيح والأمر ظاهره الوجوب.
الحجة الرابعة: حديث الحسين بن علي٢ ﵄ عن النبي ﷺ
_________________
(١) ١ أخرجه النسائبي في اليوم والليلة رقم (٦١) وابن السني (٣٨٣) وإسناده صحيح. وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (٦٤٣) . ٢ الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي أبو عبد الله المدني سبط رسول الله ﷺ وريحانته من الدنيا، وأحد سيدي شباب أهل الجنة، استشهد يوم عاشوراء سنة إحدى وستين وله ست وخمسرن سنة. الاصابة (١/ ١ ٣٣- ٣٣٤) .
[ ٢ / ٥٤٢ ]
أنه قال: "إن البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي" ١.
وعن عوف بن مالك الأشجعي أن رسول الله ﷺ قعد أو قعد أبو ذر- فذكر حديثا طويلا- وفيه قال رسول الله ﷺ "إن أبخل الناس من ذكرت عنده فلم يصل علي" ٢.
قالوا: فإذا ثبت أنه بخيل فوجه الدلالة به من وجهين:
أحدها: أن البخل اسم ذم، وتارك المستحب لا يستحق اسم الذم قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ ٣ فقرن البخل بالاختيال والفخر، والآمر بالبخل، وذم على المجموع، فدل على أن البخل صفة ذم، وقال النبي ﷺ: "وأي داء أدوأ من البخل" ٤.
الثاني: أن البخيل هو مانع ما وجب عليه، فمن أدى الواجب عليه كله لم يسم بخيلا، وإنما البخيل مانع ما يستحق عليه إعطاؤه وبذله.
_________________
(١) ١ أخرجه الإمام أحمد في المسند (١/ ٢٠١) . والترمذي في سننه، كتاب الدعوات، باب قول رسول الله ﷺ رغم أنف رجل (٥/ ٥٥١) ح ٣٥٤٦ وقال: حديث حسن صحيح غريب والنسائي في اليوم والليلة (٥٥) . وابن حبان في صحيحه (٢٣٨٨) مرارد. والحاكم في المستدرك (١/ ٥٤٩) وصححه ووافقه الذهبي. وأخرجه إسماعيل بن اسحاق القاضي في فضل الصلاة على النبي ﷺ (ص ١٥) ح ٣٣. ٢ أخرجه إسماعيل بن إسحاق القاضي (ص ١٦) رقم ٣٧ وقال الألباني في تعليقه عليه: حديث صحيح بشاهده المتقدم والآتي بعده، ورجال إسناده ثقات لولا الرجل الذي لم يسم. وقد رواه ابن أبي عاصم في "كتاب الصلاة" من طريتى أخرى عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي ذر، فأحد الطريقين يقوى الآخر. ٣ الآيتان (٢٣- ٢٤) من سورة الحديد. ٤ أخرجه البخاري في الأدب المفرد رقم (٢٩٦) عن جابر رضي الذ عنه والإمام أحمد في المسند (٣/٣٠٧) .
[ ٢ / ٥٤٣ ]
الحجة الخامسة: أن الله ﷾ أمر بالصلاة والتسليم عليه، والأمر المطلق للتكرار، ولا يمكن أن يقال: التكرار هو كل وقت، فإن الأوامر المكررة إنما تتكرر في أوقات خاصة، أو عند شروط وأسباب تقتضي تكرارها، وليس وقت أولى من وقت، فتكرار المأمور بتكرار ذكر النبي ﷺ أولى لما تقدم من النصوص، فهنا ثلاث مقدمات:
الأولى: أن الصلاة مأمور بها أمرا مطلقا، وهذه معلومة.
المقدمة الثانية: أن الأمر المطلق يقتضي التكرار، وهذا مختلف فيه فنفاه طائفة من الفقهاء والأصوليين. وأثبته طائفة. وفرقت طائفة يين الأمر المطلق والمعلق على شرط أو وقت، فأثبتت التكرار في المعلق دون المطلق. والأقوال الثلاثة في مذهب أحمد والشافعي، وغيرهما.
ورجحت هذه الطائفة التكرار بأن عامة أوامر الشرع على التكرار كقوله تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ١ وقوله ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ﴾ ٢ وقوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ ٣ وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ ٤ وقوله تعالى ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ٥ وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ ٦ وقوله تعالى: ﴿وَخَافُونِ﴾ ٧.
_________________
(١) ١ الآية (٧) من سورة الحديد. ٢ الآية (٢٠٨) من سورة البقرة. ٣ الآية (٥٩) من سررة النساء. ٤ الآية (١٩٤) من سورة البقرة. ٥ الآية (٤٣) من سورة البقرة. ٦ الآية (٢٠٠) من سورة آل عمران. ٧ الآية (١٧٥) من سورة آل عمران.
[ ٢ / ٥٤٤ ]
وقوله: ﴿وَاخْشَوْنِي﴾ ١، وقوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ﴾ ٢، وقوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ ٣.
وذلك في القرآن أكثر من أن يحصر، وإذا كات أوامر الله ورسوله على التكرار حيث وردت إلا في النادر، علم أن هذا عرف خطاب الله ورسوله للأمة، والأمر وإن لم يكن في لفظه المجرد ما يؤذن بتكرار ولا فور فلا ريب أنه في عرف خطاب الشارع للتكرار، فلا يحمل كلامه إلا على عرفه والمألوف من خطابه، وإن لم يكن ذلك مفهوما من أصل الوضع في اللغة، وهذا كما قلنا: ان الأمر يقتضي الوجوب، والنهي يقتضي الفساد، فإن هذا معلوم من خطاب الشارع وإن كان لا تعرض لصحة المنهي ولا لفساده في أصل موضوع اللغة، وكذا خطاب الشارع لواحد من الأمة يقتضي معرفة الخاص أن يكون اللفظ متناولا له ولأمثاله، وإن كان موضوع اللفظ لغة لا يقتضي ذلك، فإن هذا لغة صاحب الشرع وعرفه في مصادر كلامه وموارده، وهذا معلوم بالاضطرار من دينه قبل أن يعلم صحة القياس واعتباره وشروطه، وهكذا الفرق يين اقتضاء اللفظ وعدم اقتضائه لغة، ويين اقتضائه في عرف الشارع وعادة خطابه.
المقدمة الثالثة: أنه إذا تكرر المأمور به، فإنه لا يتكرر إلا بسبب أو وقت، وأولى الأسباب المقتضية لتكراره ذكر اسمه ﷺ، لإخباره برغم أوف من ذكر عنده فلم يصل عليه، وللإسجال عليه بالبخل وإعطائه اسمه.
_________________
(١) ١ الآية (١٥٠) من سورة البقرة. ٢ الآية (٧٨) من سورة الحج. ٣ الآية (١٠٣) من سورة آل عمران.
[ ٢ / ٥٤٥ ]
قالوا: ومما يؤيد ذلك أن الله سبحانه أمر عباده المؤمنين بالصلاة عليه عقب إخباره لهم بأنه وملائكته يصلون عليه، لم يكن مرة وانقطعت. بل في صلاة متكررة، ولهذا ذكرها مبينا بها فضله وشرفه وعلو منزلته عنده، ثم أمر المؤمنين بها، فتكرارها في حقهم أحق وآكد لأجل الأمر.
قالوا: ولأن الله أكد السلام بالمصدر الذي هو التسليم، وهذا يقتضي المبالغة والزيادة في كميته، وذلك بالتكرار.
قالوا: ولأن لفظ الفعل المأمور به يدل على التكثير وهو "صلى وسلم" فإن "فعَّل" المشدد، يدل على تكرار الفعل، كقولك كسّر الخبرز وقطَّع اللحم، وعلّم الخير، وشدّد في كذا، ونحوه.
قالوا: ولأن الأمر بالصلاة عليه في مقابل إحسانه إلى الأمة، وتعليمهم وإرشادهم وهدايتهم، وما حصل لهم ببركته من سعادة الدنيا والآخرة، ومعلوم أن مقابلة مثل هذا النفع العظيم لا يحصل بالصلاة عليه مرة واحدة في العمر، بل لو صلى العبد عليه بعدد أنفاسه لم يكن موفيا لحقه ولا مؤديا لنعمته، فجعل ضابط شكر هذه النعمة بالصلاة عليه عند ذكر اسمه ﷺ.
قالوا: ولهذا أشار النبي ﷺ إلى ذلك بتسميته من لم يصل عليه عند ذكره بخيلا، لأن من أحسن إلى العبد الإحسان العظيم، وحصل له به هذا الخير الجسيم، ثم يذكر عنده ولا يثني عليه ولا يبالغ في حمده ومدحه وتمجيده، ويبدي ذلك ويعيده، ويعتذر من التقصير في القياع بشكره وحقه، عده الناس بخيلا لئيما كفورا فكيف بمن أدنى إحسانه إلى العبد يزيد على أعظم إحسان المخلوقين بعضهم لبعض الذي بإحسانه حصل للعبد خير الدنيا والآخرة، ونجا من شر الدنيا والآخرة، الذي لا تتصور القلوب حقيقة نعمته وإحسانه، فضلا
[ ٢ / ٥٤٦ ]
عن أن تقوم بشكره، أليس هذا المنعم المحسن أحق بأن يعظم ويثنى عليه، ويستفرغ الوسع في حمده ومدحه إذا ذكر بين الملأ، فلا أقل من أن يصلى عليه مرة إذا ذكر اسمه ﷺ.
قالوا: ولهذا دعا عليه النبي ﷺ برغم أنفه، وهو أن يلصق أنفه بالرغام وهو التراب، لأنه لما ذكر عنده فلم يصل عليه استحق أن يذله الله ويلصق أنفه بالتراب.
قالوا: ولأن الله سبحانه نهى الأمة أن يجعلوا دعاء الرسول بينهم كدعاء بعضهم بعضا، فلا يسمونه إذا خاطبوه باسمه، كما يسمى بعضهم بعضا بل يدعونه برسول الله ونبي الله، وهذا من تمام تعزيره وتوقيره وتعظيمه، فهكذا ينبغي أن يخص باقتران اسمه بالصلاة عليه، ليكون ذلك فرقا بينه وبين ذكر غيره، كما كان الأمر بدعائه بالرسول والنبي فرقا بينه ويين خطاب غيره، فلو كان عند ذكره لا تجب الصلاة عليه كان ذكره كذكر غيره في ذلك، هذا على أحد التفسيرين في الآية، وأما على التفسير الآخر وهو أن المعنى لا تجعلوا دعاءه إياكم كدعاء بعضكم بعضا فتؤخروا الإجابة بالاعتذار والعلل التي يؤخر بها بعضكم إجابة بعض ولكن بادروا إليه إذا دعاكم بسرعة الإجابة ومعاجلة الطاعة حتى لم يجعل اشتغالهم بالصلاة عذرا لهم في التخلف عن إجابته والمبادرة إلى طاعته فإذا لم تكن الصلاة التي فيها شغل عذرا يستباح بها تأخير إجابته فكيف ما دونها من الأسباب والأعذار؟ فعلى هذا يكون المصدر مضافا إلى الفاعل، وعلى القول الأول يكون مضافا إلى المفعول.
وقد يقال- وهو أحسن من القولين- إن المصدر هنا لم يضف إضافته إلى فاعل ولا مفعول، وإنما أضيف إضافة الأسماء المحضة، ويكون المعنى: لا
[ ٢ / ٥٤٧ ]
تجعلوا الدعاء المتعلق بالرسول المضاف إليه كدعاء بعضكم بعضا، وعلى هذا فيعم الأمرين معا، ويكون النهي عن دعائهم له باسمه كما يدعو بعضهم بعضا، وعن تأخير إجابته ﷺ، وعلى كل تقدير فكما أمر الله سبحانه أن يميز في خطابه ودعائهم إياه قياما للأمة بما يجب عليه من تعظيمه وإجلاله فتمييزه بالصلاة عليه عند ذكر اسمه من تمام هذا المقصود.
قالوا: وقد أخبرالنبي ﷺ "أن من ذكر عنده فلم يصل عليه خطىء طريق الجنة" ١ فلولا أن الصلاة عليه واجبة عند ذكره لم يكن تاركها مخطئا لطريق الجنة. قالوا: وأيضا فمن ذكر النبي ﷺ أو ذكر عنده فلم يصل عليه فقد جفاه، ولا يجوز لمسلم جفاؤه ﷺ.
فالدليل على المقدمة الأولى: ما روي عن قتادة، قال: قال رسول الله ﷺ: "من الجفاء أن أذكر عند الرجل فلا يصلي علي" ٢
_________________
(١) ١ أخرجه ابن ماجة في السنن، أبواب إقامة الصلاة، باب الصلاة على النبي ﷺ (١/ ١٦٤) ح ٨٩٥ وقال الألباني حسن صحيح (صحيح ابن ماجة ١/ ١٥٠) . وأخرجه إسماعيل بن إسحاق في فضل الصلاة على النبي ﷺ (ص ١٧- ١٨) ح ٤١- ٤٢- ٤٣- ٤٤. وقال الألباني في تعليقه عليه: "إسناده مرسل صحيح، والحديث له طرق وإن كانت لا تخلو من ضعف فبعضها يقوي بعضا فالحديث وتقي بها إلى درجة الحسن على أقل الدرجات" انتهي كلامه. وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان (١/ ٤١٨) مرسلا عن محمد بن الحنفية. وأخرجه الطبراني في الكبير (٣/ ١٣٨) رقم ٢٨٨٧ موصولا عن الحسين بن علي من طريق بشر بن محمد الكندي وهو ضعيف. انظر: مجمع الزوئد (١٠/ ١٦٤) . وأخرجه البيهقي في الشعب (١/ ٤١٩) عن أبي هريرة. ٢ أورده ابن القيم وعزاه لسعيد بن الأعرابي " جلاء الأفهام (ص ٣٠١) وأورده السخاوي في القول البديع (ص ١٥٢) وقال أخرجه النميري من وجهين من طريق عبد الرزاق وهو في جامعه ورواته ثقات.
[ ٢ / ٥٤٨ ]
ولو تركنا وهذا المرسل وحده لم نحتج به، ولكن له أصول وشواهد قد تقدمت من تسمية تارك الصلاة عليه عند ذكره بخيلا وشحيحا، والدعاء عليه بالرغم، وهذا من مرجبات جفائه.
والدليل على المقدمة الثانية: أن جفاءه مناف لكمال حبه، وتقديم محبته على النفس والأهل والمال، وأنه أولى بالمؤمن من نفسه فإن العبد لا يؤمن حتى يكون رسول الله ﷺ أحب إليه من نفسه ومن ولده ووالده والناس أجمعين، كما ثبت عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: يارسول الله، والله لأنت أحب ألي من كل شيء إلا من نفسي، قال: " لا ياعمر حتى أكون أحب إليك من نفسك" قال: فوالله لأنت الآن أحب إلي من نفسي، قال: "الآن ياعمر" ١ وثبت عنه في الصحيح أنه قال: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين" ٢ فذكر هذا الحديث أنواع المحبة الثلاثة فإن المحبة إما محبة إجلال وتعظيم، كمحبة الوالد، وإما محبة تحنن وود ولطف كمحبة الولد، وإما محبة لأجل الإحسان وصفات الكمال، كمحبة الناس بعضهم بعضا، ولا يؤمن العبد حتى يكون حب الرسول ﷺ عنده أشد من هذه المحاب كلها.
ومعلوم أن جفاءه ﷺ ينافي ذلك
قالوا: فلما كانت محبته فرضا، وكانت توابعها من الإجلال والتعظيم والتوقير والطاعة والتقديم على النفس، وإيثاره بنفسه بحيث يقي نفسه
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه ص ٣٠٧ ٢ تقدم تخريجه ص ٣٠٨
[ ٢ / ٥٤٩ ]
فرضا، كانت الصلاة عليه ﷺ إذا ذكر من لوازم هذه الأحبية وتمامها.
قالوا: وإذا ثبت بهذه الوجوه وغيوها وجوب الصلاة عليه ﷺ على من ذكر عنده، فوجوبها على الذاكر نفسه أولى، ونظير هذا أن سامع السجدة إذا أمر بالسجود إما وجوبا أو استحبابا، فوجوبها على التالي أولى، والله أعلم.
قال نفاة الوجوب: الدليل على قولنا من وجوه:
أحدها: أن من المعلوم الذي لا ريب فيه أن السلف الصالح الذين هم القدوة لم يكن أحدهم كلما ذكر النبي ﷺ يقرن الصلاة عليه باسمه، وهذا في خطابهم للنبي ﷺ أكثر من أن يذكر فإنهم كانوا يقولون يارسول الله، مقتصرين على ذلك وربما كان يقول أحدهم "صلى الله عليك" وهذا في الأحاديث ظاهر كثير، فلو كانت الصلاة عليه واجبة عند ذكره لأنكر عليهم تركها.
الثاني: أن الصلاة عليه لو كانت واجبة كلما ذكر لكان هذا من أظهر الواجبات، ولبينه النبي ﷺ لأمته بيانا يقطع العذر وتقوم به الحجة.
الثالث: أنه لا يعرف عن أحد من الصحابة ولا التابعين ولا تابعيهم هذا القول، ولا يعرف أحد منهم قال به، وأكثر الفقهاء – بل قد حكى الإجماع - على أن الصلاة عليه ﷺ ليست من فروض الصلاة، وقد نسب القول بوجوبها إلى الشذوذ ومخالفة الإجماع السابق، فكيف تحب خارج الصلاة.
الرابع: أنه لو وجبت الصلاة عليه عند ذكره دائما، لوجب على المؤذن أن يقول: أشهد أن محمدا رسول الله، وهذا لا يشرع له في الأذان على أن يجب عليه.
الخامس: أنه كان يجب على من سمع النداء وأجابه أن يصلي عليه ﷺ، وقد أمر ﷺ السامع أن يقول كما يقول المؤذ، وهذا يدل على جواز
[ ٢ / ٥٥٠ ]
اقتصاره على قوله "أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله" فإن هذا مثل ما قال المؤذن.
السادس: أن التشهد الأول ينتهي عند قوله "وأشهد أن محمدا عبده ورسوله" اتفاقا، واختلف هل يشرع أن يصلي على النبي ﷺ وعلى آله فيه، على ثلاثة أقوال:
أحدها: لا يشرع ذلك إلا في الأخير.
والثاني: يشرع.
والثالث: تشرع الصلاة عليه خاصة دون آله، ولم يقل أحد بوجوبها في الأول عند ذكر النبي ﷺ.
السابع: أن المسلم إذا دخل في الإسلام بتلفظه بالشهادتين لم يحتج أن يقول أشهد أن محمدا رسول الله ﷺ.
الثامن: أن الخطب في الجمع والأعياد وغيرهما لا يحتاج أن يصلي على النبي ﷺ في نفس الشهد، ولو كانت الصلاة واجبة عليه عند ذكره لوجب عليه أن يقرنها بالشهادة، ولا يقال تكفي الصلاة عليه في الخطبة فإن تلك الصلاة لا تنعطف على ذكر اسمه عند الشهادة، ولا سيما مع طول الفصل، والموجبون يقولون: تجب الصلاة عليه كلما ذكر ومعلوم أن ذكره ثانيا غير ذكره أولا.
التاسع: أنه لو وجبت الصلاة عليه كلما ذكر لوجب على القارئ كلما مر ذكر اسمه أن يصلي عليه، ويقطع لذلك قراءته ليؤدي هذا الواجب، وسواء كان في الصلاة أو خارجها، فإن الصلاة عليه ﷺ لا تبطل الصلاة، وهي واجب قد تعين فلزم أداؤه، ومعلوم أن ذلك لو كان واجبا لكان
[ ٢ / ٥٥١ ]
الصحابة والتابعون أقوم به وأسرع إلى أدائه وترك إهماله.
العاشر: أنه لو وجبت الصلاة عليه كلما ذكر لوجب الثناء على الله ﷿ كلما ذكر اسمه، فكان يجب على من ذكر اسم الله أن يقرنه بقوله: "﷾" أو "﷿" أو "﵎" أو "جلت عظمته" أو "تعالى جده" ونحو ذلك، بل كان ذلك أولى وأحرى فإن تعظيم الرسول وإجلاله ومحبته وطاعته تابع لتعظيم مرسله سبحانه وإجلاله ومحبته وطاعته، فمحال أن تثبت المحبة والطاعة والتعظيم والإجلال للرسول ﷺ دون مرسله، بل انما يثبت ذلك له تبعا لمحبة الله وتعظيمه وإجلاله، ولهذا كانت طاعة الرسول طاعة لله، فمن يطع الرسول فقد أطاع الله، ومبايعته مبايعة لله ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ ١ ومحبته محبة لله قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ ٢، وتعظيمه تعظيم للهه، ونصرته نصرة لله، فإنه رسوله وعبده الداعي إليه وإلى طاعته ومحبته وإجلاله، وتعظيمه وعبادته وحده لا شريك له، فكيف يقال تجب الصلاة عليه كلما ذكر اسمه، وهي ثناء وتعظيم كما تقدم، ولا يجب الثناء والتعظيم للخالق ﷾ كلما ذكر اسمه؟ هذا محال من القول.
الحادي عشرة: لو جلس إنسان ليس له هجيرى٣ إلا قوله: محمد رسول الله، أو اللهم صل على محمد، وبشر كثير يسمعونه، فإن قلتم تجب على كل أولئك السامعين أن يكون هجيراهم الصلاة عليه ﷺ، ولو طال المجلس
_________________
(١) ١ الآية (١٠) من سورة الفتح. ٢ الآية (٣١) من سورة آل عمران. ٣ هجيرى: الدأب والشأن.
[ ٢ / ٥٥٢ ]
ما طال، كان ذلك حرجا ومشقة وتركا لقراءة قارئهم، ودراسة دارسهم، وكلام صاحب الحاجة منهم، ومذاكرته في العلم، وتعليمه القرآن وغيره، وإن قلتم لا تحب عليهم الصلاة عليه في هذه الحال، نقضتم مذهبكم، وإن قلتم: تجب عليه مرة أو أكثر، كان تحكما بلا دليل مع أنه مبطل لقولكم.
الثاني عشر: أن الشهادة له بالرسالة أفرض وأوجب من الصلاة عليه بلا ريب، ومعلوم أنه لا يدخل في الإسلام إلا بها، فإذا كانت لا تجب كلما ذكر اسمه، فكيف تحب الصلاة عليه كلما ذكر اسمه، وليصر من الواجبات بعد كلمة الاخلاص أفرض من الشهادة له بالرسالة، فمتى أقر له بوجوبها عند ذكر اسمه تذكر العبد الإيمان وموجبات هذه الشهادة فكان يجب على كل من ذكر اسمه أن يقول محمد رسول الله، ووجوب ذلك أظهر بكثير من وجوب الصلاة عليه كلما ذكر اسمه.
ولكل فرقة من هاتين الفرقتين أجوبة عن حجج الفرقة المنازعة لها، بعضها ضعيف جدا وبعضها محتمل، وبعضها قوي، ويظهر ذلك لمن تأمل حجج الفريقين، والله ﷾ أعلم بالصواب"١.
الموطن الثاني عشر من مواطن الصلاة عليه ﷺ يوم الجمعة
فعن أوس بن أوس٢ قال: قال رسول الله ﷺ "من أفضل أيامكم يوم الجمعة فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة وفيه الصعقة، فاكثروا علي من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي".
_________________
(١) ١ جلاء الأفهام (ص ٢٩٤ الى ٣٠٥) . ٢ أوس بن أوس الثقفي، صحابي، سكن الشام ومات بها. الأصابة (١/ ٩٢) وتهذيب التهذيب (١/ ٣٨١) .
[ ٢ / ٥٥٣ ]
قالوا: يارسول الله كيف تعرض عليك صلاتنا وقد أرمت؟ - يعني وقد بليت- فقال: "إن الله ﷿ حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء" ١
_________________
(١) ١ أخرجه الإمام أحمد في المسند (٤/ ٨) وأخرجه اسماعيل القاضي في فضل الصلاة على النبي (ص ١١) رقم ٢٢. وأخرجه أبو داود في سننه (١/ ٦٣٥) كتاب الصلاة، باب فضل يوم الجمعة وليلة الجمعة ح ١٠٤٧. وأخرجه النسائي في السنن (٣/ ٩١) كتاب الجمعة، باب ذكر فضل الجمعة. وأخرجه ابن ماجة في سننه (١/ ١٩٥) أبواب إقامة الصلاة، باب فضل الجمعة ح ١٠٧١ وفي أبواب ما جاء في الجنائز باب ذكر وفاته ودفنه ﷺ (١/ ٣٠٠) ح ١٦٣٧. وأخرجه الحاكم في المستدرك (٤/ ٦٠) وصححه ووافقه الذهبي. ورواه ابن حبان في صحيحه. انظر الورارد (٥٥٠) . قال ابن القيم: "وقد أعله بعض الحفاظ بأن حسينا الجعفي حدث به عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن أبي الأشعت الصنعاني، عن أوس بن أوس، قال ومن تأمل هذا الإسناد لم يشك في صحته، لثقة رواته وشهرتهم وقبول الأئمة أحاديثهم وعلته: أن حسينا الجعفي لم يسمع من عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وإنما سمع من عبد الرحمن بن يزيد بن تميم، وعبد الرحمن بن يزيد ابن تميم لا يحتج به، فلما حدث به حبن الجعفي غلط في اسم الجد، فقال ابن جابر، وقد بين ذلك الحفاظ ونبهوا عليه. فقال البخاري في التاريخ الكبير " (٥/ ١٣٦٥) عبد الرحمن بن يزيد بن تميم السلمي الشامى عن مكحول، سمع منه الوليد بن مسلم، عنده مناكير، ويقال: هو الذي روى عنه أبو أسامة وحسين الجعفي، وقالا: هو يزيد بن جابر، وغلطا في نسبه ونريد بن تميم أصح، وهو ضعيف الحديث. وقال الخطيب: روى الكوفيون أحاديث عبد الرحمن بن يزيد بن تميم، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ووهموا في ذلك، والحمل عليهم في تلك الأحاديث. وقال موسى بن هارون الحافظ: روى أبو أسامة عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر وكان ذلك وهنا منه، وهو لم يلق عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وإنما لقي عبد الرحمن بن يزيد بن تميم، فظن أنه ابن جابر نفسه، وابن تميم ضعيف. وقد أشار غير واحد من الحفاظ إلى ما ذكره هؤلاء الأئمة. وجواب هذا التعليل من وجوه: أحدها: أن حسينا الجعفي قد صرح بسماعه له من عبد الرحمن بن يزيد بن جابر. قال ابن حبان في صحيحه: حدثنا ابن خزيمة، حدثنا أبو كريب، حدثنا حسين بن علي حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، فصرح بالسماع منه. وفولهم: إنه ظن أنه ابن جابر وإنما هو ابن تميم، فغلط في اسم جده بعيد، فإنه لم يكن يشببه على حسين هذا بهذا، مع نقده وعلمه بهما وسماعه منهما. فإن قيل: فقد قال عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتاب "العلل" سمعت أبي يقول عبد الرحمن ابن يزيد بن جابر، لا أعلم أحدا من أهل العراق يحدث عنه، والذي عندي أن الذي يروي عنه أبو أسامة وحسين الجعفي واحد، وهو عبد الرحمن بن يزيد بن تميم لأن أبا أسامة روى عن عبد الرحمن بن يزيد، عن القاسم عن أبي أمامة خمسة أحاديث أو ستة أحاديث منكرة، لا يحتمل أن يحدث عبد الرحمن بن يزيد بن جابر بمثله، ولا أعلم أحدا من أهل الشام روى عن ابن جابر من هذه الأحاديث شيئا. وأما حسين الجعفي فإنه يروي عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن أبي الأشعث، عن أوس بن أوس عن النبي ﷺ في يوم الجمعة أنه قال: "أفضل الأيام يوم الجمعة، فيه الصعقة وفيه النفخة، وفيه كذا" وهو حديث منكر لا أعلم أحدا رواه غير حسين الجعفي، وأما عبد الرحمن بن-نريد بن تميم فهو ضعيف الحديث، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر ثقة، تم كلامه. قيل: وقد تكلم في سماع حسين الجعفي، وأبي أسامة من ابن جابر فأكثر أهل الحديث أنكروا سماع أبي أسامة منه. قال شيخنا (أبو الحجاج المزي) في التهذيب: قال ابن نمير- وذكر أبا أسامة- فقال: الذي-يروي عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر يرى أنه ليس بابن جابر المعروف، ذكر لي أنه رجل يسمى باسم ابن جابر، قال يعقوب: صدق، هو عبد الرحمن ابن فلان بن تميم، فدخل عليه أبو أسامة فكتب عنه هذه الأحاديث فروى عنه، وإنما هو إنسان يسمى بابن جابر. قال يعقوب: وكأني رأيت ابن نمير يتهم أبا أسامة أنه علم ذلك وعرف ولكن تغافل عن ذلك قال: وقال لي ابن نمير أما ترى روايته لا تشبه سائر حديثه الصحاح الذي روى عنه أهل الشام وأصحابه؟ وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سكت محمد بن عبد الرحمن ابن أخي حسين الجعفي عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، فقال قدم الكوفة عبد الرحمن بن يزيد بن تميم وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر ثم قدم عبد الرحمن بن يزيد بن جابر بعد ذلك بدهر والذي يحدث عنه أبو أسامة ليس هو ابن جابر، بل هو ابن تميم وقال ابن داود سمع أبو أسامة من ابن المبارك عن ابن جابر وجميعا يحدثان عن مكحول، وابن جابر أيضا دمشقي، فلما قدم هذا قال: أخبرنا عبد الرحمن بن يزيد الدمشقي، وحدث عن مكحول، فظن أبو أسامة أنه ابن يزيد ابن جابر الذي روى عنه ابن المبارك وابن جابر ثقة مأمون يجمع حديثه، وابن تميم ضعيف. وقال أبو داود: متروك الحديث، حدث عنه أبو أسامة وغلط في اسمه، وقال: حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الشامي وكل ما جاء عن أبي أسامة عن عبد الرحمن بن يزيد، فإنما هو ابن تميم. وأما رواية حسين الجعفي عن ابن جابر، فقد ذكر شيخنا في التهذيب وقال: روى عنه حسين بن علي الحعفي، وأبو أسامة حماد بن أسامة إن كان محفوظا فجزم برواية حسين عن ابن جابر، وشك في رواية حماد فهذا ما ظهر في جواب هذا التعليل. ثم بعد أن كتبت ذلك رأيت الدارقطني قد ذكر ذلك نصا فقال في كلامه على كتاب أبي حاتم في "الضعفاء" قوله: حسين الجعفي روى عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وأبو أسامة- وي عن عبد الرحمن بن يزيد بن تميم. فيغلط في اسم جده، تم كلامه. وللحديث علة أخرى: وهي أن عبد الرحمن بن يزيد لم يذكر سماعه من أبي الأشعث. قال علي بن المديني،: حدثنا الحسين بن علي بن الجعفي، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر سمعته يذكر عن أبي الأشعث الصنعاني عن أوس بن أوس فذكره. وقال إسماعيل بن إسحاق في كتابه (ص ١١) رقم ٢٢ حدثنا على بن عبد الله فذكره. وليست هذه بعلة قادحة فإن للحديث شواهد من حديث أبي هريرة وأبي الدرداء، وأبي أمامة، وأبي مسعود الأنصاري، وأنس بن مالك والحسن عن النبي ﷺ انتهى كلام ابن القيم جلاء الأفهام (ص ٦٩- ٧١)
[ ٢ / ٥٥٤ ]
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "خير يوم طلعت
[ ٢ / ٥٥٥ ]
فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم وفيه أهبط، وفيه تيب عليه، وفيه مات وفيه تقوم الساعة، وما من دابة إلا هي مصيخة١ يوم الجمعة، من حين تصبح حتى تطلع الشمس، شفقا من الساعة، إلا الجن والانس، وفيها ساعة لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي، يسأل الله شيئا إلا أعطاه الله إياه"٢.
_________________
(١) ١ مصيخة: أي مستمعة، مصغية. ٢ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجمعة، باب فضل يوم الجمعة (٣/ ٦) وأخرجه الترمذي في سننه، أبواب الجمعة، باب ما جاء في فضل يوم الجمعة (٢/ ٣٥٩) ح ٤٨٨. وأخرجه النسائي في سننه، كتاب الجمعة، باب ذكر فضل يوم الجمعة (٣/ ٨٩) . وأخرجه مالك في الموطأ (١/ ١٠٨) .
[ ٢ / ٥٥٦ ]
قال ابن القيم: "فهذا الحديث الصحيح مؤيد لحديث أوس بن أوس، دال على مثل معناه"١.
وعن أبي الدرداء ﵁ قال: "قال رسول ﷺ: "أكثروا الصلاة علي يوم الجمعة، فإنه يوم مشهود تشهده الملائكة، وإن أحدا لا يصلي عليّ إلا عرضت علي صلاته حتى يفرغ منها" قال: قلت بعد الموت؟ قال: "إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء" فنبي الله حي يرزق" ٢.
وعن أبي أمامة٣ قال: قال رسول الله ﷺ: "أكثروا علي من الصلاة في كل يوم جمعة، فإن صلاة أمتى تعرض علي في كل يوم جمعة، فمن كان أكثرهم صلاة كان أقربهم مني منزلة" ٤.
_________________
(١) ١ جلاء الأفهام (ص ٧١) . ٢ أخرجه ابن ماجة في سننه، أبواب ما جاء في الجنائز، باب ذكر وفاته ودفنه ﷺ (١/ ٣٠٠) ١٦٣٨، وقال في الزوائد: هذا حديث صحيح، إلا أنه منقطع في موضعين لأن عبادة روايته عن أبي الدرداء مرسلة، قاله العلاء، وزيد بن أيمن عن عبادة مرسلة قاله البخاري. وقال السخاوي: أخرجه ابن ماجه ورجاله ثقات لكنه منقطع. وأخرجه الطبراني في الكبير بلفظ: "أكثروا الصلاة يوم الجمعة فإنه يوم مشهود تشهده الملائكة ليس من عبد يصلي علي إلا بلغتني صلاته حيث كان" قلنا وبعد وفاتك قال: "وبعد وفاتي إن الله تعالى حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء". وقال العراقي إن إسناده لا يصح. القول البديع (ص ١٦٤) . ٣ صدي (بالتصغير) ابن عجلان بن الحارث الباهلي، أبو أمامة صحابي مشهور يكنيه، سكن الشام ومات بها سنة ست وثمانين. الأصابة (٢/ ١٧٥- ١٧٦) . ٤ أخرجه البيهقي في السنن (٣/ ٢٤٩) . وقال السخاوي: رواه البيهقي بسند حسن لا بأس به، إلا أن مكحولا قيل إنه لم يسمع من أبي أمامة في قول الجمهور. وقد رواه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس له فأسقط منه ذكر مكحول وسنده ضعيف القول البديع (ص ١٦٤) . وقال ابن القيم: ولكن لهذا الحديث علتان: إحداهما: أن برد بن سنان قد تكلم فيه، وقد وثقه يحى بن معين وغيره. العلة الثانية: أن مكحولا قد قيل إنه لم يسمع من أبي أمامة والله أعلم. جلاء الأفهام (ص ٧٢- ٧٣) .
[ ٢ / ٥٥٧ ]
وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "أكثروا الصلاة على يوم الجمعة، فإنه أتاني جبريل آنفا من ربه ﷿ فقال: ما على الأرض من مسلم يصلي عليك مرة واحدة إلا صليت أنا وملائكتي عليه عشرا" ١. وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "أكثروا الصلاة علي يوم الجمعة فإن صلاتكم تعرض علي" ٢.
قال ابن القيم: "هذان وإن كانا ضعيفين فيصلحان للاستشهاد"٣
وعنه ﵁ عن النبي ﷺ: "أكثروا الصلاة علي يوم الجمعة" ٤ وكان الصحابة ﵃ يستحبون إكثار الصلاة على النبي ﷺ يوم الجمعة. وعن زيد بن وهب٥ قال: قال لي ابن مسعود ﵁: "يا زيد بن وهب لا تدع- إذا كان يوم الجمعة- أن تصلي على النبي ﷺ ألف مرة تقول: اللهم صل على محمد النبي الأمي"٦.
وعن أبي مسعود الأنصاري ﵁، عن النبي ﷺ قال: "أكثروا
_________________
(١) ١ قال السخاوي: رواه الطبراني بسند لا بأس به في المتابعات، القول البديع (ص ١٦٢) . ٢ أخرجه ابن عدي في الكامل (٣/ ١٤٤) وسنده ضعيف، كما ذكر السخاوي فيه ثلاثة رواة ضعفاء هم: جبارة بن مغلس، وأبو إسحاق خازم، ويزيد الرقاشي. القول البديع (ص ١٦٢) . ٣ جلاء الأفهام (ص ٧٣) . ٤ الكامل لابن عدي (٣/ ١٠٣٩) . ٥ زيد بن وهب الجهني أبو سليمان الكوفي، رحل إلى النبي ﷺ فقبض وهو في الطريق، ثقة جليل، كثير الحديث، توفي سنة ست وتسعين وقيل قبلها. تهذيب التهذيب (٣/٤٢٧) . ٦ جلاء الأفهام (ص ٧٣، ٧٤) والقول البديع (ص ١٥٩) .
[ ٢ / ٥٥٨ ]
علي من الصلاة يوم الجمعة، فإنه ليس أحد يصلي علي يوم الجمعة إلا عرضت علي صلاته"١.
وفي مراسيل الحسن٢ عن النبي ﷺ قال: "أكثروا الصلاة علي يوم الجمعة فإنها تعرض علي" ٣.
وعن عمر بن عبد العزيز أنه كتب: "أن انشروا العلم يوم الجمعة فإن غائلة العلم النسيان، وأكثروا الصلاة على النبي ﷺ يوم الجمعة"٤.
وهناك مواطن أخرى غير ما ذكرنا ذكرها ابن القيم في كتابه جلاء الأفهام٥
_________________
(١) ١ أورده السخاوي في القول البديع وقال: رواه الحاكم، وقال صحيح الإسناد والبيهقي في شعب الإيمان وحياة الأنبياء في قبورهم له، وابن أبي عاصم في فضل الصلاة له، وفي سنده أبو رافع وهو إسماعيل بن رافع وثقه البخاري وقال يعقوب بن سفيان يصلح حديثه للشواهد والمتابعات لكن قد ضعفه النسائي ويحي بن معين وقيل إنه منكر الحديث (ص ١٦٤) . وأورده ابن القيم في جلاء الأفهام (ص ٣١٠) وقال: وفيه إسماعيل بن رافع قال يعقوب بن سفيان: يصلح حديثه للشواهد والمتابعات. ٢ الحسن البصري وقد تقدم ترجمته ص ٢٦٩ ٣ أخرجه إسماعيل القاضي في فضل الصلاة على النبي ﷺ من وجهين انظر (ص ١٣) ح ٢٨، ح ٢٩، قال الألباني: حديث صحيح بشاهده عن أوس بن أوس. ٤ أورده ابن القيم في جلاء الأفهام (ص ٣١١) وعزاه لابن وضاح، والسخاوي في القول البديع (ص ١٩٩- ٢٠٠) وعزاه لابن وضاح وابن بشكوال. ٥ من المواطن التي ذكرها ابن القيم غير ما تقدم ما يلي:
(٢) الصلاة عليه ﷺ عند استلام الحجر الاسود.
(٣) الصلاة عليه ﷺ عند قبره.
(٤) الصلاة عليه ﷺ إذا خرج إلى السوق أو إلى دعوة أو غيرها.
(٥) الصلاة عليه ﷺ إذا قام الرجل من نوم الليل.
(٦) الصلاة عليه ﷺ عقب ختم القرآن.
(٧) الصلاة عليه ﷺ عند القيام من المجلس.
(٨) الصلاة عليه ﷺ عند المرور على المساجد ورؤيتها.
(٩) الصلاة عليه ﷺ عند الهم، والشدائد وطلب المغفرة.
(١٠) الصلاة عليه ﷺ عند كتابة اسمه ﷺ
(١١) الصلاة عليه في عند تبليغ العلم إلى الناس، والتذكير والقصص.
(١٢) الصلاة عليه ﷺ في أول النهار وآخره.
(١٣) الصلاة عليه ﷺ عقب الذنب إذا أراد أن يكفر عنه.
(١٤) الصلإة عليه ﷺ عند العطاس.
(١٥) الصلاة عليه ﷺ بعد الفراغ من الوضوء.
(١٦) - الصلاة عليه ﷺ عند دخول المنزل.
(١٧) الصلاة عليه ﷺ في كل موطن يجتمع فيه لذكر الله ﷾.
(١٨) الصلاة عليه ﷺ عقب الصلوات.
(١٩) الصلاة عليه ﷺ عند النوم.
(٢٠) الصلاة عليه ﷺ في أثناء صلاة العيد.
[ ٢ / ٥٥٩ ]
وكذلك السخاوي في كتابه القول البديع، والفيروز أبادي في الصلات والبشر ممن أراد الاستزادة فليرجع إليها، وحسبي أني أشرت لأشهرها.
[ ٢ / ٥٦٠ ]
المطلب الرابع: فضل الصلاة على النبي ﷺ.
قال ابن القيم: "إن طلب الصلاة من الله على رسوله ﷺ هو من أجل أدعية العبد وأنفعها له في دنياه وآخرته"١ يدلك على ذلك ما جاء في فضلها من الأحاديث.
فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "من صلى على واحدة صلى عليه عشرا" رواه مسلم٢.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنه سمع النبي ﷺ يقول: " إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة" رواه مسلم٣.
وعن أبي بن كعب ﵁ قال: قلت: "يارسول الله، إني أكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي؟ قال: "ما شئت". قلت: الربع؟ قال: "ما شئت، وإن زدت فهو خير. قلت: النصف؟ قال: "ما شئت، وإن زدت فهو خير". قلت: الثلثين؟ قال: "ما شئت وإن زدت فهو خير".
_________________
(١) ١ بدائع الفوائد (٢/ ١٩٠) . ٢ تقدم تخريجه ص ٣٨١. ٣ تقدم تخريجه ص ٣٢٦.
[ ٢ / ٥٦١ ]
قلت: أجعل لك صلاتي كلها؟ قال: "إذا تكفي همك ويغفر لك ذنبك"١
وللحديث طريق آخر عن يعقوب بن زيد بن طلحة التيمي٢ قال: قال رسول الله ﷺ: "أتاني آت من ربي فقال: ما من عبد يصلي عليك صلاة إلا صلى الله عليه بها عشرا" فقام إليه رجل فقال: يارسول الله أجعل نصف دعائي لك؟ قال: "إن شئت" قال: ألا أجعل ثلثي دعائي لك؟ قال: "إن شئت" قال: ألا أجعل دعائي كله؟ قال: "إذن يكفيك الله هم الدنيا وهم الآخرة" ٣
وعن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من ذكرت عنده فليصل علي ومن صلى علي مرة صلى الله عليه عشرا" ٤.
وفي رواية "من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه عشر صلوات وحط
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه. ٢ يعقوب بن زيد بن طلحة التيمي، أبو يوسف المدني، قاضي المدينة، ثقة قليل الحديث ومات في ولاية أبي جعفر. تهذيب التهذيب (١١/ ٣٨٥) . ٣ أخرجه اسماعيل القاضي في فضل الصلاة على النبي ﷺ (ص ٨٧) ح رقم ١٣ وقال: قال شيخ كان بمكة يقال له منيع لسفيان: عمن أسنده؟ قال: لا أدري، وقال الألباني في تعليقه: هذا مرسل صحيح الإسناد، ويشهد له الحديث الذي بعده- يعني الحديث الذي تقدم ذكره. ٤ أخرجه النسائي في عمل أليوم والليلة (ص ١٦٥) ح رقم ٦١ باب ثواب الصلاة على النبي ﷺ وابن السني في، عمل أليوم والليلة (ص١٣٥، ١٣٦) ح رقم ٣٨٠
[ ٢ / ٥٦٢ ]
عنه عشر خطيئات" ١.
وفي رواية "من صلّى علي صلاة واحدة صلى الله عليه عشر صلوات وحط عنه عشر سيئات، ورفعه بها عشر درجات"٢.
وفي رواية: "خرج النبي ﷺ يتبرز، فلم يجد أحدا يتبعه فهرع عمر فاتبعه بمطهرة- يعني إداوة- فوجده ساجدا في شربة، فتنحى عمر فجلس وراءه حتى رفع رأسه قال: فقال: "أحسنت يا عمر حين وجدتني ساجدا فتنحيت عني إن جبريل ﵇ أتاني فقال: من صلى عليك واحدة صلى الله عليه عشرا، ورفعه عشر درجات" ٣
وأخرج هذا الحديث عن عمر بن الخطاب قال: "خرج النبي ﷺ يتبرز، فاتبعته نإدواة، فوجدته قد فرغ، ووجدته ساجدا لله في شربة، فتنحيت عنه فلما فرغ،
_________________
(١) ١ أخرجه الإمام أحمد في المسند (٣/ ١٠٢، ٢٦١) . والبخاري في الأدب المفرد (ص ٩٤، ٩٥) باب الصلاة على النبي ﷺ. والنسائي في عمل اليوم والليلة (ص ١٦٦) ح ٦٣ باب ثواب الصلاة على النبي ﷺ. وأخرجه ابن حبان في صحيحه. انظر موارد الظمآن (٢٣٩٥) . ٢ أخرجه النسائي في السنن (٣/ ٥٠) باب الفضل في الصلاة على النبي ﷺ وكذلك في عمل اليوم والليلة (ص ١٦٥، ١٦٦) ح ٦٢، ثواب الصلاة على النبي ﷺ وأخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٥٥٠) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وكل من رواية "صلى الله عليه عشر صلوات وحط عنه عشر خطيئات". ورواية "صلى الله عليه عشر صلوات وحط عنه بها عشر سيئات، ورفعه بها عشر درجات" جاءت من طريق بريد بن أبي مريم وقد جاء في بعفى الروايات عن بريد بن أبي مريم عن الحسن عن أنس وفي بعضها عن بريد بن أبي مريم عن أنس، وقد ذكر ابن القيم أن هذه العلة لا تقدح فيه شيئا، لأن الحسن لاشك في سماعه من أنس، وقد صح سماع بريد بن أبي مريم من أنس أيضا هذا الحديث، فرواه ابن حبان في صحيحه موارد ٢٣٩٠ والحاكم في المستدرك (١/ ٥٥٠) من حديث يونس بن أبي إسحاق، عن بريد بن أبي مريم، قال سمعت أنس بن مالك نذكره. ولعل بريدا سمعه من الحسن ثم سمعه من أنس، فحدث به على الوجهين، فإنه قال: كنت أزامل الحسن بن محمد، فقال حدثنا أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ فذكره، ثم إنه حدثه به أنس فرواه عنه كما تقدم". جلاء الأفهام (ص ٥٦) . ٣ أخرجه إسماعيل القاضي في فضل الصلاة على النبي ﷺ (ص ٤) ح ٤. وقال الألباني: إسناده ضعيف، ولكن المرفوع من الحديث صحيح له شواهد كثيرة. وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (ص ٩٤) باب الصلاة على النبي ﷺ.
[ ٢ / ٥٦٣ ]
رفع رأسه فقال: "أحسنت ياعمر حين تنحيت عني إن جبريل أتاني فقال: من صلى عليك صلاة صلى الله عليه عشرا ورفعه عشر درجات" ١.
وعن عبد الرحمن بن عوف٢ قال: أتيت النبي ﷺ وهو ساجد فأطال السجود قال: "أتاني جبريل قال: من صلى عليك صليت عليه، ومن سلم عليك سلمت عليه، فسجدت لله شكرا" ٣.
وفي رواية " كان لا يفارق فيء النبي ﷺ بالليل والنهار خمسة نفر من أصحابه أو أربعة لما ينوبه من حوائجه قال: فجئت فوجدته قد خرج فتبعته، فدخل حائطا من حيطان الأسواف٤ فصلى فسجد سجدة أطال فيها، فحزن وبكيت فقلت: لأرى رسول الله ﷺ قد قبض الله روحه، قال: فرفع رأسه، وتراءيت له، فدعاني، فقال: مالك؟ قلت: يارسول الله سجدت سجدة أطلت فيها فحزنت، وبكيت، وقلت: لأرى رسول الله
_________________
(١) ١ أخرجه إسماعيل القاضي في فضل الصلاة على النبي ﷺ (ص ٥) ح رقم ٥. وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (ص ٩٤) عن أوس بن الحدثان عن النبي ﷺ وذكره. وهذا الحديث والذي قبله هما من طريق سلمة بن وردان وقال الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحه (٢/ ٥٠٣) ح رقم ٨٢٩ وسلمة بن وردان ضعيف بغير تهمة، فيصلح للاستشهاد به وللحديث شاهد آخر من حديث عبد الرحمن بن عرف. ٢ عبد الرحمن بن عوف الزهري، ولد بعد الفيل بعشر سنين وأسلم قبل دخول دار الأرقم، وهاجر الهجرتين وشهد المشاهد كلها، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد رجال الشورى الستة، توفي سنة ٣١ ص وقيل سنة ٣٢ ص وهو الأشهر. الإصابة (٢/٤٠٨-٤١٠) . ٣ أخرجه بهذا اللفظ إسماعيل القاضي في فضل الصلاة على النبي ﷺ (ص ٥) ح ٧ وأخرجه الإمام أحمد في المسند ١/١٩١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٢٨٧) (رراه أحمد ورجاله ثقات) . وأخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٢٢٢) وقال هذا حديث على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. ٤ الأسراف بالفتح آخره "فاء" موضع شامي البقيع. وفاء الوفاء (٤/ ١١٢٥) .
[ ٢ / ٥٦٤ ]
ﷺ قد قبض الله روحه.
قال: "هذه سجدة سجدتها شكرا لربي فيما آتاني في أمتي، من صلى علي صلاة كتب الله له عشر حسنات" ١.
وفي رواية "إني سجدت هذه السجدة شكرا لله ﷿ في أبلاني في أمتي، فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا"٢.
وعن أبي طلحة "أن رسول الله ﷺ خرج عليهم يوما يعرفون البشر في وجهه فقالوا: إنا نعرف الآن في وجهك البشر يارسول الله. قال: أجل أتاني الآن آت من ربي فأخبرني أنه لن يصلي علي أحد من أمتي إلا ردها الله عليه عشر أمثالها" ٣.
وفي رواية "أن رسول الله ﷺ جاء يوما والبشر يرى في وجهه فقالوا: يارسول الله إنا نرى في وجهك بشرا لم نكن نراه، قال: أجل إنه أتاني ملك فقال يا محمد إن ربك يقول أما يرضيك ألا يصلي عليك أحد من أمتك إلا صليت عليه عشرا، ولا سلم عليك إلا سلمت عليه عشرا" ٤.
_________________
(١) ١ أخرجه بهذا اللفظ إسماعيل القاضي في فضل الصلاة على النبوي ﷺ (ص ٦- ٧) ح ١٠. ٢ أورده ابن القيم في جلاء الأفهام (ص ٦٤) وعزاه لابن أبي الدنيا والسخاوي في القول البديع (ص ١١٢) وعزاه لابن أبي عاصم وابن أبي الدنيا. ٣ أخرجه اسماعيل القاضي فى فضل الصلاة على النبى ﷺ ص ٣ ح رقم ١ ٤ أخرجه الأمام أحمد في المسند (٤/ ٣٠) . وإسماعيل القاضي، في فضل الصلاة على النبي ﷺ (ص ٣- ٤) ح ٢، والنسائي في السنن (٣/ ٤٤ و٥٠) كتاب الصلاة، باب فضل التسليم على النبي ﷺ، وباب الفضل في الصلاة على النبي ﷺ. وكذلك أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة، باب ثواب الصلاة على النبي ﷺ وقال الحافظ ابن حجر (رواته ثقات) فتح الباري (١١/١٦٧) وأخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٥٥٠) وابن حبان في صحيحه (٢٣٩١) موارد.
[ ٢ / ٥٦٥ ]
وفي رواية "أصبح رسول لله ﷺ يوما طيب النفس يرى في وجهه البشر. قالوا: يارسول الله أصبحت اليوم طيب النفس يرى في وجهك البشر. قال: أجل أتاني آت من ربي ﷿ فقال: من صلى عليك من أمتك صلاة كتب الله له بها عشر حسنات ومحا عنه عشر سيئات ورفع له عشر درجات ورد عليه مثلها" ١.
وعن أبي بردة بن نيار٢ قال: قال رسول لله ﷺ "من صلى علي من أمتي صلاة مخلصا من قلبه، صلى الله عليه بها عشر صلوات، ورفعه بها عشر دارجات، كتب له بها عشر حسنات ومحا عنه عشر سيئات" ٣.
وعن فضالة بن عبيد ﵁ قال: "سمع رسول الله ﷺ رجلا يدعو في صلاته لم يمجد الله، ولم يصل على النبي ﷺ فقال رسول الله لجمحا: عجل هذا"
ثم دعاه فقال له أو لغيره: "إذا صلى أحدكم فليبدأ بتمجيد الله والثناء عليه ثم يصلي علي،
_________________
(١) ١ أخرجه بهذا اللفظ الإمام أحمد في المسند (٤/ ٢٩) . قال الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢/ ٥٠٣) ح رقم ٨٢٩ عن رواية أحمد هذه "وهذا إسناد ضعيف، لسوء حفظ أبي معشر، وإسحاق بن كعب مجهول الحال فهر إسناد لا بأس به في الشواهد والمتابعات" انتهي كلامه والحديث له شواهد متعددة سبق ذكر بعضها. ٢ هانىء بن نيار بن عمرو البلوي أبو بردة بن نيار حليف الأنصار، خال البراء بن عازب مشهور بكنيته وقيل اسمه الحرث وقيل مالك والأول أشهر، صحابي جليل شهد بدرا وما بعدها، مات في أول خلافة معاوية. الإصابة (٣/ ٥٦٥) – (٤/١٩) . ٣ أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة (ص ١٦٦، ١٦٧) ح رقم ٦٤، باب ثواب الصلاة على النبي ﷺ وقال ابن حجر: رواته ثقات. فتح الباري (١١/ ١٦٧) . وأورده ابن القيم في جلاء الأفهام (ص ٨٣، ٨٤) وعزاه للطبراني في المعجم الكبير وابن أبي عاصم في كتاب الصلاة على النبي ﷺ.
[ ٢ / ٥٦٦ ]
ثم يدعو بما شاء" ١.
وفي رواية: "سمع رسول الله ﷺ رجلا يدعو في صلاته لم يمجد الله ولم يصل على النبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ "عجلت أيها المصلي" ثم علمهم رسول الله ﷺ وسمع رسول الله ﷺ رجلا يصلي فمجد الله وحمده وصلى على النبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ "ادع تجب وسل تعط" ٢.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة" ٣
فالمتأمل في هذه الأحاديث يعرف عظم فضل الصلاة على النبي ﷺ. وقد ذكر ابن القيم ﵀ في الباب الرابع من كتابه القيم جلاء الأفهام عددا من الفوائد والثمرات الحاصلة بالصلاة عليه ﷺ أنتقى منها ما يلي:
الفائدة الأولى: امتثال أمر الله تعالى.
الثانية: موافقته سبحانه في الصلاة عليه ﷺ، وإن اختلفت الصلاتان، فصلاتنا عليه دعاء وسؤال، وصلاة الله تعالى عليه ثناء وتشريف.
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه (ص ٥٣٥) . ٢ سنن النسائي (٣/ ٤٤) باب التمجيد والصلاة على النبي ﷺ قال الألباني في صحيح سنن النسائي، صحيح الترمذي (٣٧٢٤) ٣ أخرجه الترمذي في سننه (٢/ ٣٥٤) باب ما جاء في فضل الصلاة على النبي ﷺ رقم ٤٨٤ وقال الترمذي هذا حديث حسن غريب. وأخرجه ابن حبان في صحيحه. انظر موارد الظمآن (٢٣٨٩) . وأورده ابن القيم في جلاء الأفهام وعزاه كذلك إلى البزار والبغوي جلاء الأفهام (ص ٥٣) . وقال ابن حجر في الفتح (١١/ ١٦٧) وله شاهد عند البيهقي عن أبي أمامة بلفظ "صلاة أمتي تعرض على في كل يوم جمعة فمن كان أكثرهم علي صلاة كان أقربهم مني منزلة" ولا بأس بسنده انتهي كلامه.
[ ٢ / ٥٦٧ ]
الثالثة: موافقة ملائكته فيها.
الرابعة: حصول عشر صلوات من الله على المصلي مرة.
الخامسة: أنه يرفع عشر درجات.
السادسة: أنه يكتب له عشر حسنات.
السابعة: أنه يمحي عنه عشر سيئات.
الثامنة: أنه يرجى إجابة دعائه إذا قدمها أمامه، فهي تصاعد الدعاء إلى عند رب العالمين.
التاسعة: أنها سبب لشفاعته ﷺ إذا قرنها بسؤال الوسيلة له.
العاشرة: أنها سبب لغفران الذنوب.
الحادية عشرة: أنها سبب لكفاية الله العبد ما أهمه.
الثانية عشرة: أنها سبب لقرب العبد منه ﷺ يوم القيامة.
الثالثة عشرة: أنها سبب لدوام محبته للرسول ﷺ وزيادتها وتضاعفها، وذلك عقد من عقود الإيمان الذي لا يتم إلا به، لأن العبد كلما أكثر من ذكر المحبوب، واستحضاره في قلبه، واستحضار محاسنه ومعانيه الجالبة لحبه، تضاعف حبه له وتزايد شوقه إليه، واستولى على جميع قلبه، وإذا أعرض عن ذكره وإحضار محاسنه بقلبه، نقص حبه من قلبه، ولا شيء أقر لعين المحب من رؤية محبوبه، ولا أقر لقلبه من ذكره وإحضار محاسنه فإذا قوي هذا في قلبه جرى لسانه بمدحه والثناء عليه وذكر محاسنه، وتكون زيادة ذلك ونقصانه بحسب زيادة الحب ونقصانه في قلبه، والحس شاهد بذلك. فقلب المؤمن توحيد الله وذكر رسوله مكتوبان فيه لا يتطرق إليهما محو ولا إزالة ودوام الذكر سبب لدوام المحبة، فالذكر للقلب كالماء للزرع، بل كالماء للسمك، لا حياة له إلا به
[ ٢ / ٥٦٨ ]
الرابعة عشرة: أن الصلاة عليه ﷺ سبب لمحبته للعبد، فإنها إذا كانت سببا لزيادة محبة المصلي عليه له، فكذلك هي سبب لمحبته هو للمصلى عليه ﷺ.
الخامسة عشرة: أنها سبب لهداية العبد وحياة قلبه، فإنه كلما أكثر الصلاة عليه وذكره، استولت محبته على قلبه، حتى لألقى في قلبه معارضة لشيء من أوامره ولاشك في شيء مم اجاء به، بل يصير ما جاء به مكتوبا مسطورا في قلبه لا يزال يقرؤه على تعاقب أحواله، ويقتبس الهدى والفلاح وأنواع العلوم منه، وكلما ازداد في ذلك بصيرة وقوة ومعرفة ازدادت صلاته عليه ﷺ.
ولهذا كانا صلاة أهل العلم- العارفين بسنته وهديه المتبعين له عليه، خلاف صلاة العوام عليه الذين حظهم منها إزعاج أعضائهم بها ورفع أصواتهم.
وأما أتباعه العارفون بسنته العالمون بما جاء به فصلاتهم عليه نوع آخر، فكلما ازدادوا فيما جاء به معرفة ازدادوا له محبة ومعرفة بحقيقة الصلاة المطوبة له من الله.
وهكذا ذكر الله سبحانه، كلما كان العبد به أعرف وله أطوع وإليه أجل كان ذكره غير ذكر الغافلين واللاهين، وهذا أمر إنما يعلم بالخبر لا بالحبر وفرق بين من يذكر صفات محبوبه الذي قد ملك حبه جميع قلبه ويثني عليه بها ويمجده بها، وبين من يذكرها إما إمارة وإما لفظا، لا يدري ما معناه، ولا يطابق فيه قلبه لسانه، كما أنه فرق يين بكاء النائحة وبكاء الثكلى.
فذكره وذكر ما جاء به، وحمد الله تعالى على إنعامه علينا ومنته بإرساله هو حياة الوجود وروحه، كما قيل:
روح المجالس ذكره وحديثه وهدى لكل ملدد حيران
وإذا أخل بذكره في مجلس فأولئك الأموات في الحيان
[ ٢ / ٥٦٩ ]
السادسة عشرة: أنها سبب لعرض اسم المصلي عليه ﷺ وذكره عنده، كما تقدم قوله ﷺ "إن صلاتكم معروضة علي" وكفى بالعبد نبلا أن يذكر اسمه بين يدي رسول الله ﷺ.
السابعة عشرة: أن الصلاة عليه لا أداء لأقل القليل من حقه، وشكر له على نعمته التي أنعم الله لا علينا، مع أن الذي يستحقه من ذلك لا يحصى علما ولا قدرة ولا إرادة، ولكن الله سبحانه لكرمه رضي من عباده باليسير من شكره وأداء حقه.
الثامنة عشرة: أنها متضمنة لذكر الله وشكره، ومعرفة إنعامه على عبده بإرساله، فالمصلي عليه ﷺ قد تضمنت صلاته عليه ذكر الله وذكر رسوله، وسؤاله أن يجزيه بصلاته عليه ما هو أهله، كما عرفنا ربنا أسماءه وصفاته، وهدانا إلى طريق مرضاته، وعرفنا ما لنا بعد الوصول إليه والقدوم عليه، فهي متضمنة لكل الإيمان، بل هي متضمنة للإقرار بوجود الرب المدعو وعلمه وسمعه وقدرته وإرادته وصفاته وكلامه، وإرسال رسوله وتصديقه في أخباره كلها، وكمال محبته، ولا رضا أن هذه هي أصول الإيمان، فالصلاة عليه ﷺ متضمنة لعلم العبد ذلك، وتصديقه به، ومحبته له، فكانت من أفضل الأعمال.
التاسعة عشرة: أن الصلاة عليه ﷺ من العبد هي دعاء، ودعاء العبد وسؤاله من ربه نوعان:
أحدهما: سؤاله حوائجه ومهماته، وما ينوبه في الليل والنهار فهذا دعاء وسؤال، وإيثار لمحبوب العبد ومطلوبه.
الثاني: سؤاله أن يثني على خليله وحبيبه، ويزيد في تشريفه وتكريمه.
[ ٢ / ٥٧٠ ]
وإيثار ذكره، ورفعه، ولا ريب أن الله تعالى يحب ذلك ورسوله يحبه، فالمصلي عليه ﷺ قد صرف سؤاله ورغبته وطلبه إلى محاب الله ورسوله، وآثر ذلك على طلبه وحوائجه ومحابه هو، بل كان هذا المطلوب من أحب الأمور إليه وآثرها عنده، فقد آثر ما يحبه الله ورسوله على ما يحبه هون وقد آثر الله ومحابه على سواه، والجزاء من جنس العمل، فمن آثر الله على غيره آثره الله على غيره.
واعتبر هذا بما تجد الناس يعتمدونه عند ملوكهم ورؤسائهم إذا أرادوا التقرب والمنزلة عندهم، فإنهم يسألون المطاع أن ينعم على من يعلمونه أحب رعيته إليه، وكلما سألوه أن يزيد في حبائه وإكرامه وتشريفه، علت منزلتهم عنده، وازداد قربهم منه، وحظوا به لديه، لأنهم يعلمون منه إرادة الإنعام والتشريف والتكريم لمحبوبهم، فأحبهم إليه أشدهم له سؤالا ورغبة أن يتم عليه إنعامه وإحسانه، وهذا أمر مشاهد بالحس، ولا تكون منزلة هؤلاء ومنزلة من سأل المطاع حوائجه هو – وهو فارغ من سؤاله تشريف محبوبه والإنعام عليه – واحدة.
فكيف باعظم محب وأله لأكرم محبوب وأحقه بمحبه ربه له.؟ ولو لم يكن من قفوائد الصلاة عليه إلا هذا المطلوب وحده لكفى المؤمن به شرفا١.
وكما وردت أحاديث تذم تارك الصلاة عليه ﷺ.
فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال: رسول الله ﷺ: "رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي، ورغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ
_________________
(١) ١ جلاء الأفهام (ص ٣٣٥، ٣٤٤) بتصرف.
[ ٢ / ٥٧١ ]
قبل أن يغفر له، ورغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر فلم يدخلاه الجنة"١ وعن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي" ٢.
وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "من نسي الصلاة علي خطىء طريق الجنة" ٣.
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه ص ٤٧٢ ٢ تقدم تخريجه ص ٣٢٨ ٣ تقدم تخريجه ص ٥٤٨
[ ٢ / ٥٧٢ ]
المبحث الثالث: السلام عليه ﷺ
المطلب الأول: الأدلة على مشروعية السلام على النبي ﷺ
المطلب الأول: الأدلة على مشروعية السلام على النبي ﷺ
إن نصوص الكتاب والسنة متظاهرة بأن الله أمرنا أن نصلي على النبي ونسلم عليه صلى الله عليه وسلم١.
أما في القرآن:
فقد أمر الله عباده المؤمنين أن يسلموا على نبيهم مع أمره لهم بالصلاة عليه فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ٢.والشاهد من الآية معنا هو قوله ﷿: ﴿وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾
فهذا نص في مشروعية السلام على النبي ﷺ، وبيان لحق من حقوقه صلوات الله وسلامه عليه، وإظهار لشرفه ورفعة منزلته.
والآية في جملتها فيها من تشريف الله وتكريمه ما لا يوجد في غيرها من الآيات.
وأما في السنة:
فقد جاء تشريع السلام عليه ﷺ مع تعليمهم التشهد الذي كان متقدما على تعليمهم الصلاة عليه ﷺ.
فتعليم الصلاة عليه إنما كان بعد نزول الآية فلهذا سأل الصحابة عن كيفية الصلاة ولم يسألوا عن كيفية السلام فقالوا: يارسول الله قد علمنا كيف نسلم
_________________
(١) ١ قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص ١٥٩) . ٢ الآية (٥٦) كا سورة الأحزاب.
[ ٢ / ٥٧٤ ]
عليك فكيف نصلى عليك١ فقولهم "قد علمنا كيف نسلم عليك" إشارة إلى السلام الذي في التشهد وهو قول "الكلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته"٢.
قد بينت السنة المواطن التي يشرع فيها ال سلام على النبي ﷺ.
فالسلام على النبي ﷺ مشروع في التشهد عند كل صلاة ففي الصحيحين عن ابن مسعود ﵁ قال: "كنا إذا كنا مع النبي ﷺ في الصلاة قلنا: السلام على الله من عباده السلام على فلان وفلان.
فقال النبي ﷺ: "لا تقولوا السلام على لله، فإن الله هو السلام، ولكن قولوا: التحيات لله الصلوات الطيبات، والسلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين- فإنكم إذا قلتم أصاب كل عبد في السماء أو بين السماء والأرض أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، ثم يتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو" ٣.
وشرع السلام كذلك عند دخول المسجد والخروج منه.
فعن فاطمة بنت رسول الله ﷺ ورضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: "إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: بسم الله والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الدعوات، باب الصلاة على النبي ﷺ صح الباري (١١/١٥٢) ح ٦٣٥٧ ٢ فتح الباري (١١/ ١٥٥) . ٣ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأذان، باب ما يتخير من الدعاء بعد التشهد. وليس بواجب. فتح الباري (٢/٣٢٠) ح ٨٣٥. وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب التشهد في الصلاة (٢/ ١٣) .
[ ٢ / ٥٧٥ ]
وإذا خرج قال: بسم الله والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك" ١.
وقد ورد كذلك في فضل السلام على النبي ﷺ عدد من الأحاديث أورد بعضا منها هنا:
١- عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "إن لله في الأرض ملائكة سياحين يبلغوني من أمتي السلام" ٢.
٢- عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "ما من أحد يسلم علي إلا رد الله ﷿ إلى روحي حتى أرد ﵇" ٣.
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه ص ٥٣٦. ٢ أخرجه الإمام أحمد في المسند (١/ ٣٨٧، ١ ٤٤، ٤٥٢) . وأخرجه النسائي ني السنن، كتاب السهو، باب السلام على النبي ﷺ (٣/ ٤٣) . وأخرجه أيضا في اليوم الليلة، فضل السلام على النبي ﷺ ح ٦٦. وأخرجه الدارمي في السنن، كتاب الرقائق، باب فضل الصلاة على النبي ﷺ (٢/ ٣١٧) ح ٢٧٧٧، وأخرجه ابن حبان في صحيحه، كتاب الأدعية، باب الصلاة على النبي ﷺ. انظر: موارد الضمآن (ح ٢٣٩٣) . وأخرجه إسماعيل القاضي في فضل الصلاة على النبي ﷺ (ص ١١) ح ٢١، وقال ابن القيم في جلاء الأفهام (ص ٥٤): إسناده صحيح. ٣ أخرجه الإمام أحمد في المسند (٢/ ٥٢٧) . وأخرجه أبو داود في سننه، كتاب المناسك، باب زيارة القبور (٢/ ٥٣٤) ح ٤١ ٠ ٢، وعزاه السخاوي في القول البديع (ص ١٦١) إلى الطبراني والبيهقي أيضا والحديث لا يسلم من مقال في إسناده. قال ابن عبد الهادى: أما المقال في إسناه فمن جهة تفرد أبي صخر به عن ابن قسيط عن أبي هريرة. ولم يتابع ابن قسيط أحد في روايته عن أبي هريرة ولا تابع أبا صخر أحد في روايته عن ابن قسيط. الصارم المنكي (ص ٢٥٠) وحميد بن زياد أبو صخر، ويزيد بن عبد الله بن قسيط فيهما كلام قال ابن عبد الهادي: وأبو صخر حميد بن زياد قد اختلف الأئمة في عدالته والاحتجاج بخبره مع الاضطراب في اسمه وكنيته واسم أبيه، فما تفرد به من الحديث ولم يتابعه عليه أحد لا ينهض الى درجة الصحة بل يستشهد به ويعتبر به. انتهي كلامه. وهذا الحديث مما تفرد به كما سبق بيانه من كلام ابن عبد الهادى. وقد ذكر ابن عبد الهادي أقوال أئمة الجرح والتعديل في كل من حميد بن زياد أبي صخر ويزيد بن عبد الله بن قسيط وقال في نهاية نقله والحديث إسناده مقارب وهو صالح أن يكون متابعا لغيره عاضدا له والله أعلم. الصارم المنكى (ص ٢٥٩) .
[ ٢ / ٥٧٦ ]
٣- وقد تقدم حديث عبد الرحمن بن عوف عن النبي ﷺ أنه قال: "أتاني جبريل فقال: من صلى عليك صليت عليه، ومن سلم عليك سلمت عليه" ١
٤- وكذلك حديث أبي طلحة وفيه "أما يرضيك ألا يصلي عليك أحد من أمتك إلا صليت عليه عشرا، ولا سلم عليك، إلا سلمت عليه عشرا" ٢.
وبما تقدم من نصوص يعلم أن السلام هو حق من الحقوق التي للنبي ﷺ على أمته، والمسلم مأمور بالقيام بهذا الحق حيث كما إن إما مطلقا، وإما عند الأسباب المؤكدة لذلك كما في التشهد وعند الدخول إلى المسجد أو الخروج منه. وهذا السلام فيه من الخاصية للنبي ﷺ والفضل على هذه الأمة ما فيه. أما الخاصية التي فيه للنبي ﷺ.
فالأمر بالسلام عليه ﷺ مع الغيبة من خصائصه التي خصه الله بها، فلم يرد في الشرع الأمر بالسلام على معين مع مغيبه إلا عليه ﷺ وذلك كما في التشهد فليس فيه سلام على معين إلا عليه وكذلك عند دخول المسجد والخروج منه٣.
وأما الفضل الذي جعله الله لهذه الأمة بهذا السلام فهو جعله ﷾
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه ص ٥٦٤. ٢ تقدم تخريجه ص ٥٦٥ ٣ مجموع الفتاوى (٢٧/٤١٢) .
[ ٢ / ٥٧٧ ]
هذا السلام مطلقا لا يتكلف فيه المرء قطع المسافة ولا يشترط فيه اللقاء به في حياته أو المجيء إلى قبره بعد وفاته.
فالمسلم يسلم على النبي ﷺ في أي مكان في هذه الدنيا وفي أي وقت وزمان يشاء وهذا من الفضل والنعمة التي امتن الله بها علينا.
[ ٢ / ٥٧٨ ]
المطلب الثاني: السلام على النبي ﷺ عند حجرته التي دفن فيها
وهذه المسألة أشكلت على كثير من الناس، ولكن الذي ينبغي على من أراد أن يعرف الحق ودين الإسلام، أن يتأمل في النصوص النبوية الواردة في جوانب هذه المسألة، وأن يعرف ما كان يفعله الصحابة والتابعون وما قاله أئمة المسلمين، ليعرف ما هو المشروع وما هو المبتدع وما هو مجمع عليه وما هو متنازع فيه.
وسيرا على هذا الأساس فسأعرض هذه المسألة بشيء من التوسع متناولا في ذلك عددا من الجوانب التي جاءت بها النصوص الشرعية بغرض إبراز أمور هامة قد تخفى على كثير من الناس ويغفلون عنها، وهي أمور على درجة كبيرة من الأهمية إذ على أساسها ينبني اللهم الصحيح الموافق لنصوص الشرع في هذه المسألة.
وقد قسمت هذا المطلب إلى نقاط ختمتها بذكر خلاصة لأقوال العلماء في عدد من المسائل الواردة في هذا الشأن.
النقطة الأولى: لم يرد عن النبي ﷺ نص صحيح صريح يأمر فيه أمته بالسلام عليه عند قبره فالمتأمل للنصوص الواردة في شأن السلام عليه ﷺ - والتي سبق إيرادها- لا يجد فيها أن النبي ﷺ قد خص قبره بالسلام، كما قد ورد تخصيص التشهد بالسلام عليه وكذا الدخول إلى المسجد والخروج منه.
وهنا يحسن توضيح الأمور الهامة التالية:
[ ٢ / ٥٧٩ ]
١- أن عدم التخصيص للقبر بالسلام فيه إظهار لخاصية اختص بها النبي ﷺ لا يماثله فيها أحد من الخلق.
فالمقصود عند قبر غيره من الدعاء له هو مأمور له في حق الرسول ﷺ في الصلوات الخمس وعند دخول المساجد والخروج منها. فالله ﷿ فضله بهذا الأمر على غيره، وأغناه بذلك عما يفعل عند قبور غيره١.
٢- أن الذي تدل عليه نصوص السلام عليه ﷺ أن هذا السلام يستوى فيه القريب والبعيد، وهذا أمر اختص به النبي ﷺ.
ولهذا قال الحسن بن الحسن بن على بن أبي طالب٢ لذلك الرجل الذي رآه يختلف إلى قبر النبي ﷺ ويدعو عنده. فقال له: يا هذا إن رسول الله ﷺ قال "لا تتخذوا قبري عيدا وصلوا علي فإن صلاتكم حيثما كنتم تبلغني"٣ فما أحط ورجل بالأندلس منه إلا سواء.
فالحسن بن الحسن- شيخ أهل بيته- وغيره لا يفرقون بين أهل المدينة والغرباء ولا بين المسافر وغيره ولا يرون في السلام عليه عند قبره مزية٤ فالسلام يصل إليه من مشارق الأرض ومغاربها.
_________________
(١) ١ الصارم المنكي (ص ٥٤) . ٢ الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب الهاشمي، المدني الامام أبو محمد، وهو قليل الرواية مع صدقه وجلالته، توفي سنة تسع وتسعين وقيل سبع وتسعين للهجرة. سير أعلام النبلاء (٤/ ٤٨٣، ٤٨٧) . ٣ أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٧٦٢٦) . وأخرجه إسماعيل القاضي في فضل الصلاة على النبي ﷺ (ص ١٣- ١٤) ح٣٠ وقال الألباني بهامشه: حديث صحيح. وابن عساكر (٤/ ٢١٧/ أ) . وأورده الذهبي في سير أعلام النبلاء (٤/ ٤٨٣- ٤٨٤) . وعزاه الألباني في تحذير الساجد (ص ١٤١) إلى ابن خزيمة في حديث علي بن حجر (٤/ رقم ٤٨) . ٤ الرد على الأخنائي (ص ١٤٦) .
[ ٢ / ٥٨٠ ]
وهذا من فضل الله على هذه الأمة فالمسلم في أي بقعة من الأرض له أن يقوم بهذا الحق للنبي ﷺ.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ثبت بالسنة واتفاق الأمة أن كل ما يفعل من الأعمال الصالحة في المسجد عند حجرته من صلاة عليه وسلام وثناء وإصام وذكر محاسن وفضائل، ممكن فعله في سائر الأماكن، ويكون لصاحبه من الأجر ما يستحقه، كما قال: "لا تتخذوا قبري عيدا وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم". ولو كان للأعمال عند القبر فضيلة لفتح للمسلمين باب الحجرة، ولما منعوا من الوصول إلى القبر"١.
"فالله سبحانه خص رسوله ﷺ بما خصه به تفضيلا له وتكريما لما يجب من حقه على كل مسلم في كل موضع، فإن الله أوجب الإيمان به ومحبته وموالاته ونصره وطاعته واتباعه على كل أحد في كل مكان، وأمر من الصلاة عليه والسلام عليه في كل مكان ومن سؤال الوسيلة له عند كل أذان ومن ذكر فضائله ومناقبه وما يعرف به قدر نعمة الله به على أهل الأرض، وأن الله لم ينعم على أهل الأرض نعمة أعظم من إرسال محمد ﷺ إليهم، وأنه هو أولى بالمؤمبن من أنفسهم، وأنه لا يؤمن العبد حتى يكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين، بل حتى يكون أحب إليه من نفسه إلى غير ذلك من حقوقه، وكل هذه مشروعة فى جميع البقاع ليس منها شىء يختص بالقبر ولا بما هو قريب من القبر. ولا شرع للناس أن يكون قيامهم بهذه الحقوق عند القبر أفضل من قيامهم بها في بلادهم. بل المشروع أن يقوموا بها في كل مكان. ومن قام بها عند القبر وفتر عن القيام بها في بلده كما يوجد في بعض
_________________
(١) ١ الجامع الفريد (ص ٣٩٦) .
[ ٢ / ٥٨١ ]
الناس يوجد من محبته وتعظيمه وثنائه ودعائه للرسول عند قبره أعظم مما يوجد في بلده وطريقه، فهذه حالة منقوصة غير محمودة، وصاحبها منحوس الحظ ناقص النصيب وهو ناقص الدين والإيمان إما بترك واجب يأثم بتركه وإما بترك مستحب تنقص درجته بتركه بخلاف من من الله عليه فجعل محبته وثناءه وتعظيمه ودعاءه للرسول في بلده مثل ما إذا كان بالمدينة عند قبره أو أعظم. فهذه هي الحالة المحمودة المشروعة وهي حال الصحابة والتابعين لهم ياحسان إلى يوم القيامة، لا يعرف عن أحد منهم أنه كان يزيد حبه وتعظيمه ودعاؤه وثناؤه عند القبر، ولهذا لم يكونوا يأتونه لأن قيامهم بما يجب من حقوق الرسول في جميع الأمكنة سواء.
وقد نهى عن تخصيص القبر بذلك وأن يتخذوه عيدا ومسجدا لأنه مظنة أن يتخذ وثنا ويفضي إلى الشرك ومظة أن ينقص قيامهم بحقه في سائر البقاع إذا خصوا تلك البقعة بمزيد القيام، كما أن المشاعر لما خصت بالعبادات فالمؤمن تجد إيمانه فيها أعظم من إيمانه في غيرها، والرسول ﷺ حقه في جميع البقاع سواء ولكن تتنوع حقوقه بحسب الأحوال، ولهذا إذا اعتبرت أحوال الناس كان من يعظم النبي ﷺ كند قبره مقصرا في حقوقه التي أمر بها في سائر البقاع بحسب ما زاد عند القبر. وهذا أمر مطرد معروف من جميع أحوال الناس.
ولما كان السابقون الأولون أقوم بحقوقه في جميع المواضع كانوا أبعد الناس عن، تخصيص القبر بشيء، والخلفاء الراشدون ونحوهم لما كانوا أقوم بحقوقه من غيرهم لم يفعلم ما فعله ابن عمر ونحوه، فأبوه عمر كان أقوم بحقه ﷺ منه وكان ينهي أن يقصد الصلاة في موضع صلي فيه النبي ﷺ خلاف ما
[ ٢ / ٥٨٢ ]
فعله ابنه عبد الله مع فضله ودينه ﵃ أجمعين"١.
فمن يجد قلبه عند قبر الرسول أكثر محبة له وتعظيما، ولسانه أكثر صلاة عليه وتسليما مما لايجده في سائر المواضع، كان ذلك دليلا على أنه ناقص الحظ منحوس النصيب من كمال المحبة والتعظيم وكان فيه من نقص الإيمان وانخفاض الدرجة بحسب هذا التفاوت، بل المأمور به أن تكون محبته وتعظيمه وصلاته وتسليمه عند غير القبر أعظم فإن القبر قد حيل بين الناس وبينه.
فمن لم يجد إيمانه به ومحبته له وتعظيمه له وصلاته عليه وتسليمه عليه إذا كان في بلده أعظم مما يكون لو كان في نفس الحجرة من داخل، فهو ناقص الحظ من الدين وكمال الإيمان واليقين، فكيف إذا لم يكن من داخل بل من خارج؟ هذا والله أعلم٢.
٣- أن عدم تخصيص النبي ﷺ للقبر بالسلام ولا بغيره من العبادات هو لما في ذلك من مظنة اتخاذه وثنا أو عيدا فيفضي ذلك إلى الشرك، والمعروف عنه ﷺ أنه حريص على سد كل ذريعة قد توصل إلى الشرك.
وسيأتي توضيح هذه المسألة في النقطة الثالثة بإذن الله.
النقطة الثانية: الأحاديث الواردة في زيارة قبره كلها موضوعة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "لم يثبت عن النبي ﷺ حديث واحد في زيارة قبر مخصوص، ولا روى أحد في ذلك شيئا، لا أهل الصحاح ولا السنن ولا الأئمة المصنفون في المسانيد كالإمام أحمد وغيره، وإنما روى هذه
_________________
(١) ١ الرد على الأخنائي (ص ٧٤- ٧٦) . ٢ الرد على الأخنائي (ص ٩٧- ٩٨) .
[ ٢ / ٥٨٣ ]
الأحاديث من جمع الموضوع وغيره"١.
وقال أيضا: "وأما قوله: "من زار قبري فقد وجبت له شفاعتي". وأمثال هذا الحديث مما روي في زيارة قبره ﷺ فليس منها شيء صحيح٢ ولم يروها أحد من أهل الكتب المعتمدة لا أصحاب الصحيح كالبخاري ومسلم. ولا أصحاب السنن كأبي داود والنسائي ولا الأئمة من أهل المسانيد: كالإمام أحمد وأمثاله، ولا اعتمد على ذلك أحد من أئمة الفقه كمالك والشافعي وأحمد، وإسحاق بن راهويه، وأبي حنيفة، والثوري، والأوزاعي وأمثالهم.
بل عامة هذه الأحاديث مما يعلم أنها كذب موضوعة، كقوله "من زارني وزار أبي في عام واحد ضمنت له على الله الجنة" وقوله "من حج ولم يزرني فقد جفاني" فإن هذه الأحاديث ونحوها كذب.
وقال أيضا: وما ذكروه من الأحاديث في زيارة قبر النبي ﷺ فكلها ضعيفة باتفاق أهل العلم بالحديث، بل هي موضوعة لم يرو أحد من أهل السنن العتمدة شيئا منها ولم يحتج أحد من الأئمة بشيء منها، بل مالك- إمام أهل المدينة النبوية الذين هم أعلم الناس بحكم هذه المسألة- كره أن يقول الرجل زرت قبره ﷺ ولو كان هذا اللفظ معروفا عندهم، أو مشروعا، أو مأثورا
_________________
(١) ١ اقتضاء الصراط المستقيم (ص ٤٠٠) . ٢ جمع الإمام الحافظ محمد بن أحمد بن عبد الهادى في كتابه الصارم المنفي في الرد على السبكي، الأحاديث التي وردت في زيارة قبر النبي ﷺ وبين درجتها ورد على من احتج بها وكذلك الشيخ حماد الأنصاري في رسالة له سماها كشف الستر عما ودد في السفر إلى القبر الأحاديث الواردة في هذه المسألة ويين حكمها.
[ ٢ / ٥٨٤ ]
عن النبي ﷺ لم يكرهه عالم المدينة١.
ومما يوضح هذا أنه لم يعرف عن أحد من الصحابة أنه تكلم باسم زيارة قبره لا ترغيبا في ذلك ولا غير ترغيب، فعلم أن مسمى هذا الاسم لم يكن له حقيقة عندهم٢.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ولا أعرف عن أحد من الصحابة أنه تكلم بلفظ زيارة قبره ألبتة، فلم يكن هذا اللفظ معروفا عندهم٣.
ولهذا كره من كره من العلماء إطلاق هذا الاسم.
"والذين أطلقوا هذا الاسم من العلماء إنما أرادوا به إتيان مسجده والصلاة فيه والسلام عليه فيه إما قرنا من الحجرة وإما بعيدا عنها إما مستقبلا للقبلة وإما مستقبلا للحجرة.
وليطر في أئمة المسلمين لا الأربعة ولا غيرهم من احتج على ذلك بلفظ روى في زيارة قبره.
بل إنما يحتجون بفعل ابن عمر مثلا وهو أنه "كان يسلم" أو بما روي عنه من قوله ﷺ "ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇" وذلك احتجاج بلفظ السلام لا بلفظ الزيارة.
وليس في شىء من مصنفات المسلمين التي يعتمدون عليها في الحديث والفقه أصل عن الرسول ﷺ ولا عن أصحابه في زيارة قبره.
أما أكثر مصنفات جمهور العلماء فليس فيها استحباب شيء من ذلك بل
_________________
(١) ١ الجامع الفريد- كتاب الزيارة (ص ٣٩٥، ٣٩٦) . ٢ الرد على الأخنائي (ص ١٣٧) . ٣ الرد على الأخنائي (ص ١٣٧) .
[ ٢ / ٥٨٥ ]
يذكرون المدينة وفضائلها وأنها حرم ويذكرون مسجده وفضله وفضل الصلاة فيه والسفر إليه وإلى المسجد الحرام ونذر ذلك ونحو ذلك من المسائل ولا يذكرون اسستحباب زيارة قبره لا بهذا اللفظ ولا بغيره فليس في الصحيحين وأمثالهما شيء من ذلك ولا في عامة السنن مثل النسائي والترمذي وغيرهما ولا في مسند الشافعي وأحمد وإسحاق ونحوهبم من الأئمة.
وطائفة أخرى ذكروا ما يتعلق بالقبر لكن بغير لفظ زيارة قبره، كما روى مالك في الموطأ عن ابن عمر أنه كان يسلم على النبي ﷺ وعلى أبي بكر وعمر كما قال أبو داود في سننه، "باب ما جاء في زيارة القبور" وذكرقوله ﷺ: "ما من أحد يسلم علي إلا رد الله على روحي حتى أرد ﵇".
ولهذا أكثر كتب الفقه المختصرة التي تحفظ ليس فيها استحباب زيارة قبره مع ما يذكرون من أحكام المدينة.
وإنما يذكر ذلك قليل منهم، والذين يذكرون ذلك يفسرونه باتيان المسجد كما تقدم.
ومعلوم أنه لو كان هذا من سنته المعروفة عند أمته المعمول بها من زمن الصحابة والتابعين لكان ذكر ذلك مشهورا عند علماء الإسلام في كل زمان كما اشتهر ذكر الصلاة عليه والسلام عليه، وكما اشتهر عندهم ذكر مسجده وفضل الصلاة فيه، فلا يكاد يعرف مصنف للمسلمين في الحديث والفقه إلا وفيه ذكر الصلاة والسلام عليه وذكر فضل مدينته والصلاة في مسجده١. فالمعنى الذي أراده العلماء بقولهم "يستحب زيارة قبر النبي ﷺ "أو قولهم
_________________
(١) ١ الرد على الأخنائي (ص ١٧٢- ١٧٣) .
[ ٢ / ٥٨٦ ]
يستحب السفر لزيارة قبره"- كما هو موجود في كلام كثير منهم عند ذكرهم للحج- هو السفر إلى مسجده إذ كان المصلون والزوار لا يصلون إلا إلى مسجده، ولا يصل أحد إلى قبره ولا يدخل أحد إلى حجرته.
ولكن قد يقال هذا في الحقيقة ليس زيارة لقبره؟ ولهذا كره من كره من العلماء أن يقال زرت قبره. ومنهم من لم يكره. والطائفتان متفقون على أنه لا يزار قبره كما تزار القبور بل إنما يدخل إلى مسجده.
وأيضا فالنية في السفر إلى مسجده وزيارة قبره مختلفة.
فمن قصد السفر إلى مسجده للصلاة فيه فهذا مشروع بالنص والإجماع. وإن كان لم يقصد إلا القبر ولم يقصد المسجد فمالك والأكثرون يحرمون هذا السفر وكثير من الذين يحرمونه لا يجوزون قصر الصلاة فيه.
وآخرون يجعلونه سفرا جائزا وإن كان غير مستحب ولا واجب بالنذر. وأما إن كان قصده السفر إلى مسجده وقبره معا فهذا قد قصد مستحبا مشروعا بالإجماع١ أي السفر إلى المسجد لا السفر إلى القبر.
النقطة الثالثة: استفاضت الأحاديث عن النبي ﷺ التي ينهي فيها عن الصلاة إلى القبور أو اتخاذها مساجد، ولعن من اتخذ تلك القبور من الأم السابقة مساجد. وقد جاء هذا التحذير منه حتى وهو في آخر أيام حياته كما جاءت بذلك بعض روايات تلك الأحاديث.
فعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ في مرضه الذي لم
_________________
(١) ١ الرد على الأخنائي (ص ٢١) بتصرف.
[ ٢ / ٥٨٧ ]
يقم منه "لعن الله إليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" قالت: فلولا ذاك أبرز قبره غير أنه خشى أن يتخذ مسجدا"١.
وعنها ﵂ وعن ابن عباس ﵄ قالا: "لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه فإذا اغتم كشفها عن وجهه فقال وهو كذلك "لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يحذر مثل ما صنعوا" ٢.
وعن عائشة ﵂ قالت: "لما اشتكى النبي ﷺ ذكرت بعض نسائه كنيسة رأينها بأرض الحبشة يقال لها مارية وكانت أم سلمة وأم حبيبة ﵄ أتتا أرض الحبشة فذكرتا من حسنها وتصاوير فيها. فرفع رأسه فقال: "أولئك إذا مات منهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا ثم صوروا فيه تلك الصورة، أولئك شرار الخلق عند الله"٣. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ومن حكمة الله أن عائشة أم المؤمنين صاحبة الحجرة التي دفن فيها ﷺ تروي هذه الأحاديث وقد سمعتها منه، وإن كان
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز، باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور. فتح الباري (٣/ ٢٥٠) ح ١٣٣٠. وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساجد، باب النهي عن بناء المساجد على القبور (٢/ ٦٧) . ٢ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة، باب حدثنا أبو أليمان فتح الباري (١/ ٥٣٢) ح ٤٣٥، ٤٣٦، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساجد، باب النهي عن بناء المساجد على القبور (٢/ ٦٧) . ٣ أخرجه البخاري " واللفظ له كثاب الجنائز، باب بناء المسجد على القبر. فتح الباري (٣/ ٠٨ ٢) ح ١٣٤١، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساجد، باب النهي عن بناء المساجد على القبور (٢/٦٦) .
[ ٢ / ٥٨٨ ]
غيرها من الصحابة أيضا يرويها كابن عباس، وأبي هريرة، وجندب بن عبد الله١ وابن مسعود ﵃"، انتهي كلامه٢.
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " لعن الله إليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" ٣.
وعنه أيضا قال: قال رسول الله ﷺ: "قاتل الله إليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" ٤.
وعن جندب بن عبد الله ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: "إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل فإن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك" ٥. وعن أبي مرثد الغنوي٦ قال: قال رسول الله ﷺ: " لا تجلسوا إلى القبور
_________________
(١) ١ جندب بن عبد الله بن سفيان البجلي، صحابي، سكن الكوفة ثم البصرة، ومات زمن فتنة ابن الزبير. الإصابة (١/ ٢٥٠) . ٢ مجمرع الفتاوى (٢٧/٤٠٤) . ٣ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساجد وباب النهي عن بناء المساجد على القبور (٢/ ٦٧) . ٤ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة، باب حدثنا أبو اليمان فتح الباري (١/ ٥٣٢) ح ٤٣٧، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساجد، باب النهي عن بناء المساجد على القبور ٥ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساجد، باب النهي عن بناء المساجد على القبور (٢/ ٦٧- ٦٨) . ٦ أبو مرثد الغنوى كناز بن حصين ويقال حصين كناز، وقيل غير ذلك، صحابي، ذكره ابن اسحاق فيمن شهد بدرا، سكن الشام وتوفي سنة ١٢ من الهجرة. الإصابة (٤/ ١٧٧) وتهذيب التهذيب (٨ / ٤٤٨) .
[ ٢ / ٥٨٩ ]
ولا تصلوا إليها" ١.
فهذه النصوص النبوية وردت لحماية جناب التوحيد، ولسد كل ذريعة إلى الشرك فقد لعن فيها من يتخذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد وجل هذه الأحاديث قالها النبي ﷺ في مرض موته، نصيحة للأمة وحرصا منه على هداها.
وقد ثبت عنه ﷺ نهيه لهذه الأمة عن اتخاذ قبره عيدا أو وثنا وهذا أبلغ في بيان مراده في سد كل ذريعة إلى الشرك بالله.
فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لاتتخذوا قبري عيدا ولا تجعلوا بيوتكم قبورا وحيثما كنتم فصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني" ٢.
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنائز، باب النهي عن الجلوس على القبر والصلاة إليه (٣/٦١) ٢ أخرجه الإمام أحمد في المسند (٢/ ٣٦٧) ١ واللفظ له. وأخرجه أبو داود في سننه، كتاب المناسك، باب زيارة القبور (٢/ ٥٣٤) ح ٢٠٤٢. والبيهقي في حياة الأنبياء (ص ١٢) . كلهم من طريق عبد الله بن نافع الصائغ عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة مرفرعا قال الشيخ ربيع المدخلي في تعليقه على كتاب قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص ١٤٤): "عبد الله بن نافع، ثقة صحيح الكتاب في حفظه لين، فالحديث حسن على أقل الأحوال وصححه النووي في الأذكار (ص ٩٣) وقال شيخ الاسلام في الاقتضاء إسناده حسن" وحسنه الحافظ في تخريج الأذكار- كما في الفتوحات الربانية وله شواهد تقويه. وقال الألباني في تحذير الساجد (ص، ٢) رواه أحمد (رقم ٧٣٥٢) وابن سعد (٢/ ٢٤١- ٢٤٢) والمفضل الجندي في فضائل المدينة (٦٦/ ١) وأبو يعلى في مسنده (٣١٢/ ١)، والحميدي (٢٥ ٠ ١) وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٢٨٣ و٧/ ٣١٧) بسند صحيح. وله شاهد مرسل رواه عبد الرزاق في المصنف (١/ ٤٥٦) ح ١٥٨٧ وكذا ابن أبي شيبة (٤/ ١٤١) عن زيد بن أسلم وإسناده قوي. وآخرأخرجه مالك في الموطأ (١/ ١٨٥) وعنه ابن سعد (٢/ ٢٤٠، ٢٤١) عن عطاء بن يسار مرفوعا وسنده صحيح، وقد وصله البزار عن أبي سعيد الخدري وصححه ابن عبد البر مرسلا وموصولا ". وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "هذا حديث حسن ورواته ثقات، مشاهير، لكن عبد الله بن نافع الصائغ فيه لين لا يمنع الاحتجاج به قال يحمى بن معين، هو ثقة، وحسبك بابن معين موثقا. وقال أبو زرعة: لابأس به، وقال أبو حاتم الرازي: ليس بالحافظ هو لين تعرف وتنكر. قلت: ومثل هذا يخاف أن يغلط أحيانا، فإذا كان لحديثه شواهد علم أنه محفوظ، وهذا له شواهد متعددة. الرد على الأخنائي (ص ١٤٥) .
[ ٢ / ٥٩٠ ]
وعن عطاء بن يسار١ أن رسول الله ﷺ قال: " اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" ٢.
قال أبو عمر بن عبد البر "الوثن: الصنم، وهو الصورة من ذهب كان أو من فضة أو غير ذلك من التمثال، وكل ما يعبد من دون الله فهو وثن صنما كان أو غير صنم، وكان العرب تصلي إلى الأصنام وتعبدها فخشي رسول الله ﷺ على أمته أن تصنع كما صنع بعض من مضى من الأمم، كان إذا مات نبي عكفوا حول قبره كما يصنع بالصنم، فقال ﷺ: "اللهم لا تجعل قبرى وثنا يصلى إليه ويسجد نحوه ويعبد، فقد اشتد غضب الله على من فعل ذلك"، وكان رسول الله ﷺ يحذر أصحابه وسائر أمته من سوء صنيع الأمم قبله الذين صلوا إلى قبور أنبيائهم واتخذوها قبلة ومسجدا كما
_________________
(١) ١ عطاء بن يسار الهلالي أبو محمد المدني القاص مولى ميمونة زوج النبي ﷺ كان مولده سنة ١٩هـ، ثقة، فاضل، صاحب مواعظ وعبادة، مات سنة ٩٤ وقيل بعد ذلك. تهذيب التهذيب (٧/ ٢١٧- ٢١٨) . ٢ أخرجه الإمام مالك في الموطأ (ص ١١٩) ح رقم،٤١٤، كتاب جامع الصلاة عن عطاء بن يسار مرسلا. وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (١/ ٤٠٦) باب الصلاة على القبور برقم (١٥٨٧) عن معمر عن زيد بن أسلم. وابن سعد في الطبقات (٢/ ٢٤١) وابن أبي شيبة (٣/ ٣٤٥) . قال الشيخ ربيع المدخلي: "فهو معضل عند هؤلاء، لكنه جاء موصولا عن أبي هريرة " انظر قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص ٣٤)، وقد تقدم تخريج حديث أبي هريرة.
[ ٢ / ٥٩١ ]
صنعت الوثنية بالأوثان التي كانوا يسجدون إليها ويعظمونها، وذلك الشرك الأكبر، فكان رسول الله ﷺ يخبرهم بما في ذلك من سخط الله وغضبه، وأنه مما لا يرضاه خشية عليهم امتثال طرقهم، وكان ﷺ يحب مخالفة أهل الكتاب وسائر الكفار، وكان يخاف على أمته أتباعهم"١. والعيد إذا جعل اسما للمكان: فهو المكان الذي يقصد للاجتماع فيه وإتيانه للعبادة عنده، أو لغير العبادة٢.
وقد استجاب الله دعوة نبيه ﷺ فلم يتخذ قبره- ولله الحمد والمنة- عيدا ولا وثنا كما اتخذ قبر غيره بل ولا يتمكن أحد من الدخول إلى حجرته بعد أن بنيت الحجرة. وقبل ذلك ما كانوا يمكنون أحدا من أن يدخل إليه ليدعو عنده ولا يصلي عنده، ولا غير ذلك مما يفعل عند قبر غيره.
ولكن من الجهال من يصلي إلى حجرته، أو يرفع صوته أو يتكلم بكلام منهي عنه، وهذا إنما يفعل خارجا عن حجرته لا عند قبره.
وإلا فهو ولله الحمد استجاب الله دعوته فلم يمكن أحد قط- أن يدخل إلى قبره فيصلي عنده أو يدعو أو يشرك به كما فعل بغيره اتخذ قبره وثنا فإنه في حياة عائشة ﵂ ما كان أحد يدخل إلا لأجلها، ولم تمكن أحدا أن يفعل عند قبره شيئا مما نهي عنه، وبعدها كانت مغلقة إلى أن أدخلت في المسجد فسد بابها وبني عليها حائط آخر.
كل ذلك صيانة له ﷺ أن يتخذ بيته عيدا وقبره وثنا.
وإلا فمعلوم أن أهل المدينة كلهم مسلمون، ولا يأتي إلى هناك إلا مسلم،
_________________
(١) ١ التمهيد (٥/٤٥) . ٢ اقتضاء الصراط المستقيم (ص ٣٢٤) .
[ ٢ / ٥٩٢ ]
وكلهم معظمون للرسول ﷺ، وقبور آحاد أمته في البلاد معظمة.
فما فعلوا ذلك ليستهان بالقبر المكرم، بل فعلوه لئلا يتخذ وثنا يعبد، ولا يتخذ بيته عيدا.
ولئلا يفعل به كما فعل أهل الكتاب بقبور أنبيائهم.
والقبر المكرم في الحجرة إنما عليه بطحاء- وهو الرمل الغليظ- ليس عليه حجارة ولا خشب، ولا هو مطين كما فعل بقبور غيره.
وهو ﷺ إنه نهى عن ذلك سدا للذريعة، كما نهي عن الصلاة وقت طلوع الشمس ووقت غروبها، لئلا يفضي ذلك إلى الشرك.
ودعا الله أن لا يتخذ قبره وثنا يعبد، فاستجاب الله دعاءه ﷺ، فلم يكن مثل الذين اتخذت قبورهم مساجد فإن أحدا لا يدخل إلى قبره ألبتة، فإن من كان قبله من الأنبياء إذا ابتدع أممهم بدعة بعث الله نبيا ينهي عنها.
وهو ﷺ خاتم الأنبياء لا نبي بعده، فعصم الله أمته أن تجتمع على ضلالة، وعصم قبره المكرم أن يتخذ وثنا، فإن ذلك والعياذ بالله لو فعل لم يكن بعده نبي ينهى عن ذلك، وكان الذين يفعلون ذلك قد غلبوا الأمة، وهو ﷺ قد أخبر أنه لا تزال طائفة من أمته ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم إلى يوم القيامة، فلم يكن لأهل البدع سبيل أن يفعلوا بقبره المكرم كما فعل بقبورغيره ﷺ.
فالدخول عند قبره للصلاة والسلام عليه هناك، أو الصلاة والدعاء مما لم يشرعه لهم، بل نهاهم فقال: "لا تتخذوا قبري عيدا وصلوا علي حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني" فبين أن الصلاة تصل إليه من البعيد، وكذلك السلام، ومن صلى عليه مرة صلى الله عليه بها عشرا ومن سلم عليه مرة سلم
[ ٢ / ٥٩٣ ]
الله عليه عشرا، كما قد جاء في بعض الأحاديث.
وتخصيص الحجرة بالصلاة والسلام جعل لها عيدا، وهو قد نهاهم عن ذلك، ونهاهم أن يتخذوا قبره أو قبر غيره مسجدا، ولعن من فعل ذلك ليحذروا أن يصيبهم مثل ما أصاب غيرهم من اللعنة.
وكان أصحابه خير القرون، وهم أعلم بسنته، وأطوع الأمة لأمره، وكانوا إذا دخلوا إلى مسجده لا يذهب أحد منهم إلى قبره ﷺ من داخل الحجرة ولا من خارجها.
وكانت الحجرة في زمانهم يدخل إليها من الباب إذ كانت عائشة ﵂ فيها، وبعد ذلك إلى أن بني الحائط الآخر.
وهم مع ذلك التمكن من الوصول إلى قبره لا يدخلون إليه: لا لسلام ولا لصلاة عليه، ولا لدعاء لأنفسهم، ولا لسؤال عن حديث أو علم، ولا كان الشيطان يطمع فيهم حتى يسمعهم كلاما أو سلاما فيظنون أنه هو كلمهم وأفتاهم وبين لهم الأحاديث، أو أنه قد رد ﵈ بصوت يسمع من خارج، كما طمع الشيطان مع غيرهم، فأضلهم عند قبره، وقبر غيره حتى ظنوا أن صاحب القبر ويحدثهم ويفتيهم ويأمرهم وينهاهم في الظاهر، وأنه يخرج من القبر ويرونه خارجا من القبر، ويظنون أن نفس أبدان الموتى خرجت من القبر تكلمهم، وأن روح الميت تجسدت لهم فرأوها كما رآهم النبي ﷺ ليلة المعراج يقظة لا مناما.
فإن الصحابة رضوان الله عليهم خير قرون هذه الأمة التي هي خير أمة أخرجت للناس.
وهم تلقوا الدين عن النبي، ﷺ بلا واسطة، ففهموا من مقاصده ﷺ
[ ٢ / ٥٩٤ ]
وعاينوا من أفعاله وسمعوا منه شفاها ما لم يحصل لمن بعدهم
ولهذا لم يطمع الشيطان أن ينال منهم من الإضلال والإغواء ما ناله ممن بعدهم من أهل البدع. فلم يكن أحد من الصحابة رضوان الله عليهم يأتيه فيسأله عند القبر عن بعض ما تنازعوا فيه وأشكل عليهم من العلم، لا خلفاؤه الأربعة ولا غيرهم، مع أنهم أخص الناس به ﷺ.
والمقصود هنا أن الصحابة رضوان الله عليهم تركوا البدع المتعلقة بالقبور كقبره المكرم وقبر غيره، لنهيه ﷺ لهم عن ذلك، ولئلا يتشبهوا بأهل الكتاب الذين اتخذوا قبور أنبيائهم أوثانا.
والصحابة رضوان الله عليهم خير القرون وأفضل الخلق بعد الأنبياء بل إن خير الناس بعدهم أتبعهم لهم.
قال عبد الله بن مسعود ﵁: من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه، فاعرفوا لهم حقهم، وتمسكوا بهديهم فإنهم كانوا علي الهدي المستقيم"١.
"ثم إن أفضل التابعين من أهل بيته على بن الحسين٢ ﵁ نهي ذلك الرجل أن يتحرى الدعاء عند قبره ﷺ"٣.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى (٢٧/ ٣٨٧- ٣٩٥) بتصرف. ٢ هو علي بن الحسين بن علي بن أبي طاب الهاشمي، المدني زين العابدين من أجل التابعين علما ودينا، حتى قال عنه الزهري: ما رأيت هاشميا مثله وكان ثقة، مأمونا، كثير الحديث عاليا رفيعا ورعا، توفي سنة ٩٤ هـ٨هـ. سير أعلام النبلاء (٤/ ٣٨٦- ٤٠١) . ٣ اقتضاء الصراط المستقيم (ص ٣٢٤) .
[ ٢ / ٥٩٥ ]
فقد روى إسماعيل بن إسحاق بسنده عن علي بن الحسين بن علي أن رجلا كان يأتي كل غداة فيزور قبر النبي ﷺ ويصلي عليه ويصنع من ذلك ما اشتهره عليه علي بن الحسين، فقال له علي بن الحسين ما يحملك على هذا؟ قال: أحب التسليم على النبي ﷺ.
قال له علي بن الحسين: هل لك أن أحدثك حديثا عن أبي؟
قال: نعم، فقال له علي بن الحسين أخبرني أبي عن جدي أنه قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تحعلوا قبري عيدا، ولا تجعلوا بيوتكم قبورا وصلوا علي وسلموا حيثما كنتم، فسيبلغني سلامكم وصلاتكم" ١.
فاستدل ﵁ بالحديث، وهو راوي الحديث الذي سمعه من أبيه الحسين عن جده علي وهو أعلم بمعناه من غيره.
وهذا يقتضي أنه لا مزية للسلام عليه عند قبره كما لا مزية للصلاة عليه عند قبره بل قد نهي عن تخصيص القبر بهذا٢
فتبين أن قصد قبره للدعاء ونحوه: اتخاذ له عيدا٣.
وكذلك ابن عمه حسن بن حسن شيخ أهل بيته: كره أن يقصد القبر
_________________
(١) ١ أخرجه في كتابه فضل الصلاة على النبي ﷺ (ص ١٠) رقم ٢٠. قال الألباني: أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٨٣/ ٢) . وعنه أبو يعلى في مسنده، ورواه الضياء في المختارة (١/ ١٥٤) من طريق أبي يعلى والخطيب في الموضح (٢/ ٣٠) . وسنده مسلسل بأهل البيت ﵃ إلا أن أحدهم وهو علي بن عمر مستور كما قال الحافظ في التقريب. تحذير الساجد (ص ١٤٠) . وقال أيضا: "حديث صحيح بطرقه وشواهده" انظر هامش كتاب فضل الصلاة على النبي ﷺ (ص ١٠) . ٢ الرد على الأخنائي (ص ١٤٤) . ٣ اقتضاء الصراط المستقيم (ص ٣٢٤) .
[ ٢ / ٥٩٦ ]
للسلام ونحوه غير دخول المسجد، ورأى أن ذلك من اتخاذه عيدا.
فعن سهيل بن أبي سهيل١ عن الحسن بن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تتخذوا قبري عيدا ولابيوتكم قبورا وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني" ٢.
وفي رواية عند إسماعيل بن إسحاق القاضي عن سهيل قال: جئت أسلم على النبي ﷺ وحسن بن حسن يتعشى في بيت عند النبي ﷺ، فدعاني فجئته فقال: أدن فتعش، قال: قلت: لا أريده.
قال: مالي رأيتك وقفت؟ قال: وقفت أسلم على النبي ﷺ
قال: إذا دخلت المسجد فسلم عليه، ثم قال: إن رسول الله ﷺ قال: "صلوا في ييوتكم ولا تجعلوا بيوتكم مقابر، لعن الله إليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم" ٣.
فهذا فيه أنه أمره أن يسلم عند دخول المسجد وهو السلام المشروع الذي روي عن النبي صلى الله عليه وسلم٤.
_________________
(١) ١ سهيل هذا أورده ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٤/ ٢٤٩) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، وذكر له عنه راويين: أحدهما: محمد بن عجلان وهو الراوي لهذا الحديث عن ابن أبي شيبة. والآخر: سفيان الثوري. قال الألباني في تحذير الساجد (ص ١٤١) وله راو ثالث وهو: إسماعيل بن علية الراوي لهذا الحديث عنه عند ابن خزيمة، فقد روى عنه ثلاثة من الثقات، فهو معروف غير مجهول، انتهي كلامه. ٢ تقدم تخريجه ص ٥٨٠. ٣ كتاب فضل الصلاة على النبي ﷺ (ص ١٣- ١٤) .ح رقم ٣٠ وقال الألباني بهامشه: حديث صحيح. ٤ الرد على الأخنائي (ص ١٤٦) .
[ ٢ / ٥٩٧ ]
فانظر هذه السنة كيف مخرجها من أهل المدينة، وأهل البيت الذين لهم من رسول الله ﷺ النسب، وقرب الدار؟ لأنهم إلى ذلك أحوج من غيرهم فكانوا لها أضبط.
النقطة الرابعة: نظرا لتعلق المسألة بزيارة القبور فيحسن إعطاء نبذة موجزة عن أقوال العلماء في مسألة زيارة القبور:
اتفق العلماء على أن النبي ﷺ كان قد نهي عن زيارة القبور.
ثم اختلفوا هل نسخ ذلك؟
فقالت طائفة: لم ينسخ ذلك.
وقد ذهب إلى ذلك طائفة من السلف فقد نقل ذلك عن إبراهيم النخعي١ والشعبي ومحمد بن سيرين وهؤلاء من أجل علماء المسلمين في زمن التابعين باتفاق المسلمين ويحكى قولا في مذهب مالك٢.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وتنازع المسلمون في زيارة القبور، فقال طائفة من السلف إن ذلك كله منهي عنه لم ينسخ، فإن أحاديث النسخ لم يروها البخاري، ولم تشتهر، ولما ذكر البخاري زيارة القبور احتج بحديث المرأة التي بكت عند القبر"٣.
وروي عن الشعبي أنه قال: "لولا أن رسول الله ﷺ نهى عن زيارة القبور
_________________
(١) ١ إبراهيم بن يزيد بن قيس النخعي الإمام الحافظ فقيه العراق أحد الأعلام، مات سنة ست وتسعين ولما بلغ الشعبي موته قال: والله ما ترك بعده مثله. سير أعلام النبلاء (٤/ ٥٢٠- ٥٢٩) ٢ مجمموع الفتاوى (٢٧/ ٣٤٣) والرد على الأخنائي (٥٧، ٥٨، ١٢٠) . ٣ انظر صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب زيارة القبور. فتح الباري (٣/ ٤٨ ١) ح ١٢٨٣
[ ٢ / ٥٩٨ ]
لزرت قبر ابنتي"١.
وقال النخعي: "كانوا يكرهون زيارة القبور"٢ وعن ابن سيرين مثله٣ قال ابن بطال٤: وقد سئل مالك عن زيارة القبور؟
فقال: "قد كان نهي عنها ﵇ ثم أذن فيها، فلو فعل ذلك إنسان ولم يقل إلا خيرا لم أر بذلك بأسا، وليس من عمل الناس".
وروي عنه أنه كان يضعف زيارتها"٥.
فهذا قول طائفة من السلف، ومالك في القول الذي رخص فية يقول:
"ليس من عمل الناس" وفي الآخر ضعفها، فلم يستحبها لا في هذا ولا في هذا٦.
وقالت طائفة: بل نسخ ذلك وهم على قسمين:
القسم الأول: قالوا إنما نسخ إلى الإباحة، فزيارة القبور مباحة لا مستحبة وهذا قول في مذهب مالك وأحمد.
قالوا: لأن صيغة أفعل بعد الحظر إنما تفيد الإباحة كما قال ﷺ في الحديث الصحيح: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، وكنت نهيتكم عن الانتباذ في الأوعية فانتبذوا ولا تشربوا مسكرا" ٧.
_________________
(١) ١ انظرر المصنفة لابن أبي شيبة، كتاب الجنائز، باب من كره زيارة القبور (٣/ ٣٤٥) . ٢ انظرر المصنفة لابن أبي شيبة، كتاب الجنائز، باب من كره زيارة القبور (٣/ ٣٤٥) . ٣ انظرر المصنفة لابن أبي شيبة، كتاب الجنائز، باب من كره زيارة القبور (٣/ ٣٤٥) . ٤ علي بن خلف بن عبد الملك بن بطال، أبو الحسن، عالم بالحديث من أهل قرطبة له كتاب شرح البخاري، توفى سنة ٤٤٩ هـ. الأعلام (٤/ ٢٨٥) . ٥ مجموع الفتاوى (٢٧/ ٣٧٥) والرد على الأخنائي (١٢٠) . ٦ الرد على الأخنائي (ص ١٢٠) . ٧ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنائز، باب استئذان النبي ﷺ ربه ﷿ في زيارة قبر أمه (٣/٦٥) .
[ ٢ / ٥٩٩ ]
وروي "فزوروها ولا تقولوا هجرا" ١ وهذا يدل على أن النهي كان لما كان يقال عندها من الأقوال المنكرة سدا للذريعة، كالنهي عن الإنتباذ في الأوعية أولا لأن الشدة المطربة تدب فيها ولا يدري بذلك فيضرب الشارب الخمر وهو لا يدري.
القسم الثاني: قال الأكثرون زيارة قبور المؤمنين مستحبة للدعاء للموتى مع السلام عليهم، كما كان النبي ﷺ يخرج إلى البقيع فيدعو لهم٢ وكما ثبت عنه ﷺ في الصحيحين "أنه خرج إلى شهداء أحد فصلى عليهم صلاته على الموتى كالمودع للأحياء والأموات"٣.
وثبت عنه ﷺ في الصحيح أنه كان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: "السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين نسأل الله لنا ولكم العافية"٤. وهذا في زيارة قبور المؤمنين.
وأما زيارة قبر الكافر فرخص فيها لأجل تذكار الآخرة، ولا يجوز الإستغفار لهم، وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه زار قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، وقال: "استأذت ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي، واستأذنته في
_________________
(١) ١ أخرجه الحاكم في المستدرك، كتاب الجنائز (١/ ٣٧٦) . ٢ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنائز، باب ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها (٣/ ٦٣- ٦٤) . ٣ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب غزوة أحد، فتح الباري (٧/ ٣٤٨) ح٤٠٤٢ وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب إثبات حرض نبينا ﷺ (٧/ ٦٧) ٤ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنائز، باب ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها (٣/ ٦٤- ٦٥) .
[ ٢ / ٦٠٠ ]
أن أزور قبرها فأذن لي فزوروا القبور فإنها تذكر الموت" ١.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والعلماء المتنازعون كل منهم يحتج بدليل شرعي ويكون عند بعضهم من العلم ما ليس عند الآخر- فإن العلماء ورثة الأنبياء- وقال تعالى: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ ٢.
والأقوال الثلاثة صحيحة باعتبار: فهناك زيارة محرمة، وزيارة مباحة وزيارة مستحبة، فالذي تدل عليه الأدلة الشرعية أن نحمل المطلق من كلام العلماء على المقيد، ونفصل الزيارة إلى ثلاثة أنواع: منهي عنه، ومباح، ومستحب، وهو الصواب:
وأما النوع الأول: فإن الزيارة إذا تضمنت أمرا محرما من شرك، أو كذب أو ندب أو نياحة أو قول هجر: فهي محرمة بالإجماع،. كزيارة المشركين والساخطين لحكم الله، فإن هؤلاء زيارتهم محرمة، فإنه لا يقبل دين إلا دين الإسلام: وهو الاستسلام لخلقه وأمره. فيسلم لما قدره وقضاه.
ويسلم لما يأمر به ويحبه، وهذا نفعله وندعو إليه، وذاك نسلمه ونتوكل فيه عليه، فنرضى بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا ونقول في صلاتنا: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ٣ مثل قوله تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنائز، باب استئذان النبي ﷺ ربه. ﷿ في زيارة قبر أمه (٣/٦٥) ٢ الآيتان (٧٨-٧٩) من سورة الأنبياء. ٣ الآية (٥) من سورة الفاتحة. ٤ الآية (١٢٣) من سورة هود.
[ ٢ / ٦٠١ ]
والنوع الثاني: زيارة القبور لمجرد الحزن على الميت، لقرابته أو صداقته فهذه مباحة كما يباح البكاء على الميت بلا ندب ولا نياحة.
كما زار النبي ﷺ قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، وقال: "زوروا القبور فإنها تذكر الموت" فهذه الزيارة كان نهي عنها لما كانوا يفعلون من المنكر، فلما عرفوا الإسلام أذن فيها لأن فيها مصلحة، وهو تذكر الموت فكثير من الناس إذا رأى قريبه وهو مقبور، ذكر الموت، واستعد للآخرة، وقد يحصل منه جزع، فيتعارض الأمران، ونفس الحزن مباح، وإن قصد به طاعة كان طاعة وإن عمل معصية كان معصية.
وأما النوع الثالث: فهو زيارتها للدعاء لها كالصلاة على الجنازة فهذا هو المستحب الذي دلت السنة على استحبابه، لأن النبي ﷺ فعله، وكان يعلم أصحابه ما يقولون إذا زاروا القبور.
فيستحب عند الجمهور لمن أتى المدينة أن يأتي البقيع وشهداء أحد كما كان النبي ﷺ يفعل.
فزيارة القبور للدعاء للميت من جنس الصلاة على الجنائز يقصد فيها الدعاء لهم، لا يقصد فيها أن يدعو مخلوقا من دون الله، ولا يجوز أن تتخذ مساجد، ولا تقصد لكون الدعاء عندها أو بها أفضل من الدعاء في المساجد والبيوت، والصلاة على الجنائز أفضل باتفاق المسلمين من الدعاء للموتى عند قبورهم، وهذا مشروع بل فرض كفاية متواتر متفق عليه بين المسلمين١.
والذي يجب معرفته هنا أن زيارة القبور على وجهين:
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى (٢٧/ ٣٦٥- ٣٨١) بتصرف.
[ ٢ / ٦٠٢ ]
زيارة بدعية، وزيارة شرعية.
فالزيارة البدعية: هي التي نهي عنها رسول الله ﷺ واتفق العلماء على أنها غير مشروعة وهي مثل اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد، والصلاة إلى القبر، واتخاذه وثنا أو عيدا فلا يجوز أن تقصد القبور للصلاة الشرعية، ولا أن تعبد كما تعبد الأوثان ولا أن تتخذ عيدا يجتمع إليها في وقت معين كما يجتمع المسلمون في عرفة ومنى.
فكل زيارة تتضمن فعل ما نهي عنه وترك ما أمر به- كالتي تتضمن الجزع وقول الهجر وترك الصبر، أو تتضمن الشرك ودعاء غير الله وترك إخلاص الدين لله فهي منهي عنها.
وأما الزيارة الشرعية: فهي السلام على الميت والدعاء له وهي مستحبة عند الأكثرين. وقيل: مباحة. وقيل: كلها منهي عنها كما تقدم.
والقول الراجح الذي تدل عليه الأدلة الشرعية أن نحمل المطق من كلام العلماء على المقيد ونفصل الزيارة إلى ثلاثة أنواع:
١- منهي عنه.
٢- مباح.
٣- مستحب.
وهو الصواب، كما تقدم.
قال مالك وغيره: "لا نأتي إلا هذه الآثار: مسجد النبي ﷺ، ومسجد قباء وأهل البقيع، وأحد. فإن النبى ﷺ لم يكن يقصد إلا هذين المسجدين وهاتين المقبرتين "١. ولكن بعد هذا التوضيح هل يصح أن يقاس قبر النبي ﷺ على قبور سائر المسلمين فيقال إذا كانت زيارة قبور المؤمنين مشروعة فزيارة قبره من باب أولى؟ هذا ما سيأتي تفصيله في النقطة التالية:
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى (٢٧/ ٣٨٠) بتصرف.
[ ٢ / ٦٠٣ ]
النقطة الخامسة: أقوال العلماء في مسألة السلام على النبي ﷺ عند قبره.
سبق وأن وضحت في النقطة الثانية من هذا المطلب أنه لم يثبت عن النبي ﷺ نص ثابت صحيح في هذه المسألة، يأمر فيه الأمة بالإتيان إلى قبره للسلام عليه، كما ورد ذلك في شأن السلام عليه في التشهد وعند دخول المساجد والخروج منها، وكذلك فإن الذي كان عليه فعل جمهور الصحابة من بعده ﷺ هو عدم الإتيان للقبر للسلام، ولا تخصيصه بأي عمل من الأعمال.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وجمهور الصحابة كانوا يدخلون المسجد ويصلون فيه على النبي ﷺ، ولا يسلمون عليه عند الخروج من المدينة وعند القدوم من السفر، بل يدخلون المسجد فيصلون فيه ويسلمون على النبي ﷺ ولا يأتون القبر، ومقصود بعضهم التحية"١
وعلى هذا سار كثير من السلف من بعدهم. روى ابن أبي شيبة٢ في المصنف٣ عن خالد بن الحارث٤ قال سئل هشام٥ أكان عروة٦ يأتي قبر النبي
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى (٢٧/ ٤١٤) . ٢ عبد الله بن محمد بن ابراهيم بن أبي شيبة، أبو بكر، الكوفي، ثفة حافظ صاحب تصاينف، ومن أشهر كتبه المصنفة، توفى سنة ٢٣٥ هـ. تهذيب التهذيب (٦/ ٢- ٤) . (٣/ ٣٤١) . ٤ خالد بن الحارث بن عبيد الهجيمي، أبو عثمان البصري، ثقة ثبت، من الثامنة، مات سنة ست وثمانين ومائة. تهذيب التهذيب (٣/ ٨٣- ٨٤) . ٥ هشام بن عروة بن الزبير بن العوام الأسدي، ثقة، فقيه ربما دلس من الخامسة، مات سنة خمس أو ست وأربعين ومائة. تهذيب التهذيب (١١/٤٨-٥١) ٦ هو عروة بن الزبير وقد تقدم ترجمته ص ٥٢٨.
[ ٢ / ٦٠٤ ]
ﷺ فيسلم عليه؟ قال: لا.
وعن نوح بن يزيد قال: أخبرنا أبو إسحاق يعني إبراهيم بن سعد قال: ما رأيت أبي قط يأتي قبر النبي ﷺ، وكان يكره إتيانه"١.
ولكن ابن عمر كان يأتيه فيسلم عليه وعلى صاحبيه عند قدومه من السفر
_________________
(١) ١ الرد على الأخنائي (ص ٢٦٨) . وقال شيخ الإسلام بعد إيراده لهذا الأثر وعزوه الى أبي الحسن علي بن عمر القزويني في أماليه ما نصه: ونوح بن يزيد بن سيار المؤدب هذا الراوي عن ابراهيم ابن سعد هو ثقة معروف بصحبة ابراهيم وله اختصاص به روى عنه أحمد بن حنبل وأبو داود وغيرهما قال أبو بكر الأثرم: ذكر لي أبو عبد الله نوح بن يزيد المؤدب فقال هذا شيخ كبير أخرج أبي كتاب إبراهيم بن سعد فرأيت فيه ألفاظا وقال محمد بن المثنى: سألت أحمد بن حنبل عنه فقال: اكتب عنه فإنه ثقة حج مع إبراهيم بن سعد وكان يؤدب ولده. وذكره ابن حبان في الثقات. وأما إبراهيم بن سعد فهو من أكابر علماء المدينة وأكثرهم علما وأوثقهم وكان قد خرج الى بغداد روى عنه الناس: أحمد بن حنبل وطبقته، ومن سعة علمه روى عنه الليث بن سعد وهو أقدم وأجل منه. وأما أبوه سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري الذي ذكر عنه ابنه إبراهيم أنه قال: ما رأيت أبي قط أتى قبر النبي ﷺ وكان يكره إتيانه وهو من أفضل أهل المدينة في زمن التابعين ومن أصلحهم وأعبدهم، وكان قاضي المدينة في زمن التابعين في زمن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق وأمثاله توفي سنة ست وعشرين ومائة وقد أدرك بالمدينة جابر ابن عبد الله وسهل بن سعد الساعدى وغيرهما من الصحابة، ورأى كبار التابعين مثل سعيد بن المسيب وسائر الفقهاء السبعة، ومعلوم أنه لم يكن ليخالفهم فيما اتفقوا عليه، بل قد يخالف ابن عمر، فإن ما نقله عنه ابنه يقتضي أنه كان ﷺ يأتيه لا عند السفر ولا غيره بل يكره إتيانه مطلقا كما كان جمهرر الصحابة على ذلك لما فهموا من نهيه ﷺ عن ذلك وأنه أمر بالصلاة والسلام عليه في كل زمان ومكان مع أن سعد بن إبراهيم هذا في دينه وعبادته وصيامه وتلاوته للقرآن بحيث كان يختم باليوم والليلة كثيرا. وأبو الحسن علي بن عمر القزويني وغيره من أهل العلم والذين ذكروا هذه الآثار عن الصحابة والتابعين وتابعيهم ليبينوا للناس كيف كان السلف يفعلون في مثل ذلك. الرد على الأخنائي (ص ٢٦٨، ٢٧٠) .
[ ٢ / ٦٠٥ ]
وقد يكون فعله غير ابن عمر أيضا١
فلهذا رأى من رأى من العلماء هذا جائزا اقتداء بمن فعل ذلك من الصحابة رضوان الله عليهم وابن عمر كان يسلم ثم ينصرف، ولا يقف، يقول: السلام عليك يارسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبت ثم ينصرف٢. وكان يفعل ذلك إذا قدم من سفر أو أراده.
فعن عبد الله بن دينار٣ قال رأوا ابن عمر إذا قدم من سفر دخل المسجد
_________________
(١) ١ لعل شيخ الإسلام يقصد هنا بقوله: وقد يكون فعله غيره "ما نقل عن أنس بن مالك رضي الذ عنه، وهذا ما صرح به شيخ الإسلام في كتابه قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص ٢٩٣) وكذلك أنس بن مالك وغيره نقل عنهم أنهم كانوا يسلمون على النبي ﷺ فإذا أرادوا الدعاء استقبلوا القبلة يدعون الله تعالى. وقال في اقتضاء الصراط المستقيم (ص ٣٧٢) وذكر محمد بن الحسن بن زبالة في كتاب أخبار المدينة قال حدثني عمر بن هارون عن سلمة بن وردان قال رأيت أنس بن مالك يسلم على النبي ﷺ ثم يسند ظهره إلى جدار القبر ثم يدعو فهذا إن كان ثابتا عن أنس فإن أنسا لم يكن ساكنا بالمدينة، وإنما كان يقدم من البصرة، اما مع الحجيج أو نحوهم. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ومحمد بن الحسن هذا صاحب أخبار، وهو مضعف عند أهل الحديث كالواقدي ونحوه، ولكن يستأنس بما يرويه ويعتبر به. اقتضاء الصراط المستقبم (ص ٣٧١) . وهذا يعني أنه لا يعول على أحاديثه وإنما تؤخذ شاهدا ومقويا هامش اقتضاء الصراط (ص ٣٧١) وهذا الأثر أورده السخاوي فى القول البديع (ص ٢١٢) وعزاه لابن أبي الدنيا البيهقى فى الشعب من حديث عبد الله بن أبي أمامة عن أبيه قال: "رأيت أنس بن مالك أتى قبر النبي ﷺ فوقف فرفع يديه حتى ظننت أنه افتتح الصلاة فسلم على النبي علته ثم انصرف" ٢ مجموع الفتاوى (٢٧/ ٤٠٠) . ٣ عبد الله بن دينار العدوي مولاهم أبو عبد الرحمن المدني، مولى ابن عمر، ثقة من الرابعة، مات سنة سبع وعشرين ومائة. تهذيب التهذيب (٥/ ٢٠١- ٢٠٣) .
[ ٢ / ٦٠٦ ]
فقال: السلام عليك يارسول الله، السلام على أبي بكر، السلام على أبي، ويصلى ركعتين١. وفي رواية عنه أنه قال: "رأيت عبد الله بن عمر يقف على قبر النبي ﷺ ويصلي على النبي ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄"٢. وفي المصنف لابن أبي شيبة بسنده عن نافع عن ابن عمر أنه كان إذا أراد أن يخرج دخل المسجد فصلى ثم أتى قبر النبي ﷺ فقال: السلام عليك يارسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه ثم يأخذ وجهه، وكان إذا قدم من سفر يفعل ذلك قبل أن يدخل منزله٣.
وفي المصنف لعبد الرزاق٤ عن معمر٥عن أيوب٦ عن نافع٧ قال: كان ابن عمر إذا قدم من سفر أتى قبر النبي ﷺ فقال السلام عليك يارسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه.
قال معمر: فذكرت ذلك لعبيد الله بن عمر٨ فقال: "لا نعلم أحدا من
_________________
(١) ١ أخرجه إسماعيل القاضي (ص ٤١) ح ٩٩ وقال الألباني: إسناده موقوف صحيح. ٢ أخرجه إسماعيل القاضي (ص ٤١) ح ٩٨ وقال الألباني: إسناده موقوف صحيح وهو في الموطأح ٣٩٧ برواية يحى بن يحيى الليثي بهذا اللفظ، ومن طريقه رواه البيهقي (٥/ ٢٤٥) . ٣ المصنف (٣/ ٣٤١) . ٤ عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري، مولاهم، أبو بكر الصنعاني ثقة، حافظ، مصنف شهير مات سنة إحدى عشر ومائتين. تهذيب التهذيب (٦/ ٣١٠- ٣١٥) . ٥ معمر بن راشد الأزدي الحداني مولاهم، البصري، نزيل اليمن ثقة، ثبت فاضل، أخرج له الجماعة، مات سنة أربع وخمسين ومائة. تهذيب التهذيب (١/ ٢٤٣- ٢٤٦) . ٦ هو أيوب السختياني وقد تقدم ترجمته. ٧ هو نافع مولى ابن عمر وقد تقدم ترجمته. ٨ عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، أبو عثمان القرشي العدوي ثم العمري المدني، إمام، مجود، حافظ، ثقة ثبت، من صغار التابعين، مات سنة بضع وأربعين ومائة. سير أعلام النبلاء (٦/ ٣٠٤- ٣٠٧) .
[ ٢ / ٦٠٧ ]
أصحاب النبي ﷺ فعل ذلك١.
واستنادا لفعل عبد الله بن عمر ﵄ أجاز الإمام مالك وأحمد وغيرهما٢ من الأئمة السلام على النبي ﷺ عند القبر على الحال التي كان يفعلها ابن عمر ﵄ وهي حال القدوم من السفر أو إرادته، واقتصروا في مشروعية السلام على النبي ﷺ عند القبر على هذه الحال ولم يفتوا في غيرها.
وهم وإن استحب بعضهم وأجاز بعضهم السلام على النبي عند القبر للقادم
_________________
(١) ١ المصنف لعبد الرزاق (٣/ ٥٧٦) ح ٦٧٢٤ قال الشيخ ربيع بن هادي المدخلي بعد أن أورد هذا الأثر في تعليقه على كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص ١٢٨- ١٢٩) أقول: يستفاد من قول عبيد الله ابن عمر الإمام المدني، الثقة الثبت. أن الصحابة الكرام وفيهم الخلفاء الراشدون ما كانوا يأتون قبر النبي ﷺ إلا ما كان من عبد الله بن عمر ﵄ إذا قدم من سفر. مع حبهم الشديد لرسول الله وإكرامهم إياه وطاعتهم وانقياد" فهلا آن للأمة الإسلامية أن تتوب إلى رشدها، فتتبع هؤلاء العظماء والفقهاء النبلاء، وإننا على ثقة أنهم ما وقفوا جميعا هذا الموقف إلا على أساس متين، وصراط مستقيم من العلم النبوي الصحيح، وعلى إدراك واع لمقاصد الشريعة وأهدافها. إنه ما كان ذلك منهم مع حبهم الشديد الصادق لرسول الله ﷺ تنفيذا لتوجيهاته الكريمة مثل قوله: "لا تتخذوا قبري عيدا" ومثل قوله: "اللهم لا تحعل قبري وثنا يعبد" ومثل قوله ﷺ: "لعنة الله على ليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". تنفيذا لهذه التوجيهات العظيمة الهادفة إلى حماية التوحيد وصيانة العقيدة الاسلامية من شرائب الغلو، الضلال الذي وقع فيه أهل الكتاب كان ذلك الموقف الواعي الرشيد من الصحابة الكرام وعلى رأسهم الخلفاء الرشدون والفقهاء المبرزون مثل زيد ين ثابت وابن مسعود وابن عباس وأبي بن كعب وغيرهم من علماء الصحابة وعظمائها وساداتها ". ٢ الرد على الأخنائي (ص ٧٣) .
[ ٢ / ٦٠٨ ]
إلا أنهم لم يقولوا بوجوبه وتعيينه فالذي نقل عن الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة من قول في هذه المسألة يدل على أنه استدل بفعل ابن عمر ﵄، وأن فتواه لم تتجاوز ما فعله ﵁ وهذا من دقة فقه الإمام مالك، ويتضح لك هذا من عبارته ففي الشفا للقاضي عياض: وقال ممالك في "المبسوط" وليس يلزم من دخل المسجد وخرج منه من أهل المدينة الوقوف بالقبر، وانما ذلك للغرباء.
وفال فيه أيضا: لا بأس لمن قدم من سفر أن يقف على قبر النبي ﷺ، فيصلي عليه ويدعو له ولأبي بكر وعمر.
فقيل له: فإن ناسا من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر، وربما وقفوا في الجمعة أو في الأيام المرة والمران أو أكثر عند القبر فيسلمون ويدعون ساعة؟
فقال: لم يبلغني هذا عن أحد من أهل الفقه ببلدنا وتركه واسع ولا يصلح آخر هذه الأمة الا ما أصلح أولها، ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك، ويكره الا لمن جاء من سفر أو أراده"١.
وقد ذكر الإمام مالك في موطئه فعل عبد الله بن عمر وأنه كان يأتي فيقول: "السلام عليك يارسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبت"، ثم ينصرف.
وفي رواية: كان إذا قدم من سفر. رواه معمر عن نافع عنه.
وعلى هذا اعتمد مالك ﵀ فيما يفعل عند الحجرة إذ لم يكن عنده إلا
_________________
(١) ١ الشفا (٢/ ٦٧٥، ٦٧٦) .
[ ٢ / ٦٠٩ ]
أثر ابن عمر ﵄.
وأما ما زاد على ذلك مثل الوقوف للدعاء للنبي ﷺ وكثرة التردد على القبر للصلاة والسلام عليه فقد كرهه مالك، وقال هو بدعة لم يفعلها السلف ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها١.
وقد تقدم ذكر نص كلامه وإذا كان مالك ﵀ يكره أن يطل الرجل الوقوف عنده ﷺ للدعاء فكيف بمن لا يقصد لا السلام ولا الدعاء له، وإنما يقصد دعاءه وطلب حوائجه منه، ويرفع صوته عنده فيؤذي الرسول، ويشرك بالله ويظلم نفسه؟ ٢
وقد كره الإمام مالك ﵀ أن يقول القائل: زرت قبر النبي ﷺ. كره هذا اللفظ لأن السنة لم تأت به في قبره٣.
وقد ذكروا في تعليل ذلك وجوها، ورخص غيره في هذا اللفظ للأحاديث العامة في زيارة القبور.
ومالك يستحب ما يستحبه سائر العلماء من السفر إلى المدينة والصلاة في مسجده. وكذلك السلام عليه وعلى صاحبيه عند قبورهم اتباعا لابن عمر.
ومالك من أعلم الناس بهذا لأنه قد رأى التابعين الذين رأوا الصحابة بالمدينة ولهذا كان يستحب اتباع السلف في ذلك، ويكره أن يبتدع أحد هناك بدعة.
فكره أن يطل الرجل القيام والدعاء عند قبر النبي ﷺ؛ لأن الصحابة رضوان الله عليهم ما كانوا يفعلون ذلك.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى (٢٧/ ٣٨٤) . ٢ مجموع الفتاوى (٢٧/ ٣٨٥) . ٣ فالسنة إنما وردت بزيارة مسجده والصلاة فيه.
[ ٢ / ٦١٠ ]
وكره الإمام مالك لأهل المدينة كلما دخل انسان المسجد أن يأتي قبر النبي ﷺ لأن السلف لم يكونوا يفعلون ذلك.
وقال رحمة الله عليه: ولن يصلح آخر هذه الأمة الا ما أصلح أولها"١. وقد صرح مالك وغيره: بأن من نذر السفر إلى المدينة النبوية إن كان مقصوده الصلاة في مسجد رسول الله ﷺ وفى بنذره وإن كان مقصوده مجرد زيارة القبرى من غير صلاة في المسجد لم يف بنذره، لأن النبي ﷺ قال: "لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد" والمسألة ذكرها القاضي إسماعيل بن إسحاق في المبسوط"٢.
وما أفتى به الإمام مالك من جواز السلام على النبي ﷺ عند حجرته التي دفن فيها وذلك لمن قدم من سفر هو ما أفتي به باقي الأئمة الأربعة.
وقد احتجوا بفعل ابن عمر كما احتج به مالك٣.
ومنهم من احتج بحديث "ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇"٤.
فقد اعتمد الإمام أحمد في زيارة قبره المكرم على هذا الحديث. وعن أحمد
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى (٢٧/ ٣٨٦) . ٢ مجموع الفتاوى (٢٧/ ٣٣٤) . والإمام مالك نظر إلى قصد المسافر ونيته ومسمى الزيارة في لغته، فقد يكون السائل من عرفه أن لفظ زيارة قبر النبي ﷺ يتناول من أتى المسجد وكان قصده القبر، ومن أتاه وقصده المسجد، وهذا عرف عامة الناس المتأخرين يسمون هذا كله زيارة، ولم يكن هذا لغة السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان. الرد على الأخنائي (ص ٢٣) بتصرف ٣ الرد على الأخنائي (ص ١٣٧-١٣٨) . ٤ تقدم تخريجه ص ٥٧٦.
[ ٢ / ٦١١ ]
أخذ ذلك أبو داود١ فلم يذكر في زيادة قبره المكرم غير هذا الحديث وترجم عليه: "باب زيارة القبر"٢.
فهذا الحديث هو عمدة الإمام أحمد وأبي داود وأمثالهم وهو غاية ما عندهم في هذا الباب عن النبي ﷺ إلا أن دلالة الحديث على المقصود فيها نزاع وتفصيل٣.فليس في لفظ الحديث المعروف في السنن والمسند (عند قبري) مع أن الذين احتجوا بهذا الديث قالوا إن هذا هو المراد، ولم يرد على كل مسلم عليه في شرق الأرض وغربها مع أن المعنى أي أنه يرد على كل مسلم في شرق الأرض وغربها إن كان هو المراد بطل الاستدلال بالحديث من كل وجه على اختصاص تلك البقعة بالسلام.
وإن كان المراد بالسلام في الديث هو السلام عليه عند قبره كما فهمه عامة العلماء، فهل يدخل فيه من سلم من خارج الحجرة؟
_________________
(١) ١ سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد الأزدي، السجستاي أبو داود، مصنف السنن وغيرها، ثقة حافظ من بار العلماء وأئمة الحديث، مات سنة خمس وسبعين ومائتين. تهذيب التهذيب (٤/١٦٩-١٧٣) . ٢ مجموع الفتاوى (٢٧/٣٣٠) . ٣ قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولو أريد إثبات سنة لرسول الله ﷺ بمثل هذا الحديث لكان هذا مختلفا فيه، فالنزاع في إساده ودلالة متنه". الرد على الأخنائي (ص٢٠٣) . وقال ابن عبد الهادي: "وهذا الحديث لا يسلم من مقال في إسناده ونزاع في دلالته "وقد تقدم الكلام على إسناده (وأما نزاع في دلالة الحديث فمن جهة اتمال لفظه فإن قوله: "ما من أحد يسلم علي" يحتمل أن يكون المراد به عند قبره ما فهمه جماعة من الأئمة ويحتمل أن يكون معناه على العموم وأنه لا فرق في ذلك بين القريب والبعيد وهذا هو ظاهر الحديث وهو الموافق للأحاديث المشهورة. الرد على البسكي (ص٢٥٩)
[ ٢ / ٦١٢ ]
فهذا مما تنازع فيه الناس، وقد توزعوا في دلالته.
فمن الناس من يقول هذا إنما يتناول من سلم عليه عند قبره كما كانوا يدخلون الحجرة في زمن عائشة ﵂ فيسلمون على النبي ﷺ فكان يرد عليهم فأولئك سلموا عليه عند قبره وكان يرد عليهم١.
وهذا السلام عليه عند قبره كان مشروعا لما كان ممكنا بدخول من يدخل على عائشة ﵂.
وقالوا: فأما من كان في المسجد فهؤلاء لم يسلموا عليه عند قبره بل سلامهم عليه كالسلام عليه إذا دخل المسلم المسجد وخرج منه.
والذين استدلوا بهذا الحديث على اختصاص تلك البقعة بالسلام جعلوه متناولا لمن سلم عليه من داخل الحجرة أو من خارجها.
وقد اعترض على من احتج بهذا الحديث "ما من أحد يسلم علي الا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇" على استحباب السلام للقادم عند الحجرة. فقيل: إن هذا الحديث لو دل على استحباب السلام عليه من المسجد لما اتفق الصحابة على ترك ذلك، ولم يفرق في ذلك بين القادم من السفر وغيره؟
فقد اتفق الصحابة ابن عمر وغيره على أنه لا يستحب لأهل المدينة الوقوف عند القبر للسلام إذا دخلوا وخرجوا بل يكره ذلك، فلما اتفقوا على ترك ذلك مع تيسره علم أنه غير مستحب بل لو كان جائزا لفعله بعضهم وبهذا يتبين ضعف حجة من احتج بالحديث على استحباب السلام عليه من المسجد.
_________________
(١) ١ هذا على قول من خص الحديث على السلام القريب وقالوا إنما هو فيمن سلم عليه من قريب والقريب أن يكون في بيته، فإن لم يحد بذلك لم يبق له حد محدود من جهة الشرع. الرد على الأخنائي (ص ١٧٠)
[ ٢ / ٦١٣ ]
ولهذا كان أكثر السلف لا يفرقون بين الغرباء وأهل المدينة ولا بين حال السفر وغيره فإن استحباب هذا لهؤلاء وكراهته لهؤلاء حكم شرعي يفتقر إلى دليل شرعي ولا يمكن لأحد أن ينقل عن النبي ﷺ أنه شرع لأهل المدينة الإتيان عند الوداع للقبر وشرع لهم ولغيرهم ذلك عند القدوم من سفر، وشرع للغرباء تكرر ذلك كلما دخلوا المسجد وخرجوا منه، ولم يشرع ذالك لأهل المدينة، فمثل هذه الشريعة ليس منقولا عن النبي ﷺ ولا عن خلفائه ولا هو معروف من عمل الصحابة وإنما نقل عن ابن عمر السلام عند القدوم من السفر، وليس هذا من عمل الخلفاء وأكابر الصحابة، كما كان ابن عمر يتحرى الصلاة والنزول والمرور حيث حل ونزل وعبر النبي ﷺ في السفر، وجمهورالصحابة لم يكونوا يصنعون ذلك بل أبوه عمر كان ينهي عن مثل ذلك فعن المعرور بن سويد عن عمر قال: خرجنا معه في حجة حجها فقرأ بنا في صلاة الفجر ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل، ولإيلاف قريش في الثانية، فلما رجع من حجه رأى الناس ابتدروا المسجد فقال: "ما هذا؟ فقالوا مسجد صلى فيه رسول الله ﷺ فقال: وهذا ملة أهل الكتاب قبلكم اتخذوا آثار أنبيائهم بيعا، من عرضت له منكم فيه الصلاة فليصل ومن لم تعرض له فليمض"١٢. ومن استدل بهذا الحديث من العلماء ذكر أنه ود على القريب وخصوا الجواز للمسافر القادم أو المقيم المسافر.
وليس في الحديث ما يدل على التخصيص، ذلك أنه يمتنع أن يقال إنه يرد على هؤلاء ولا يرد على أحد من أهل المدينة المقيمين فيها، فيمتنع أن يكون
_________________
(١) ١ عزاه شيخ الإسلام إلى سنن سعيد بن منصور. انظر: الرد على الأخنائي (ص١٦٩،١٧٠) ٢ الرد على الأخنائي (ص ١٦٩، ١٧٠) بتصرف
[ ٢ / ٦١٤ ]
المعنى من سلم منكم يا أهل المدينة لم أرد عليه مادمتم مقيمين بها فإن المقام بها هو غالب أوقاتهم، وليس في الحديث تخصيص، ولا روي عن النبي ﷺ ما يدل على ذلك.
يبين هذا: أن الحجرة لما كانت مفتوحة وكانوا يدخلون على عائشة لبعض الأمور ويسلمون عليه إنما كان يرد عليهم إذا سلموا.
فإن قيل: إنه لم يكن يرد عليهم فهذا تعطل للحديث.
وإن قيل: كان يرد عليهم من هناك، ولا يرد إذا سلموا من خارج فقد ظهر الفرق.
وإن قيل: بل هو يرد على الجميع فحينئذ إن كان رده لا يقتضي استحباب هذا السلام بطل الاستدلال به.
وإن كان رده يقتضي الاستحباب وهو من سلم من خارج، لزم أن يستحب لأهل المدينة السلام كلما دخلوا المسجد وخرجوا وهو خلاف ما أجمع عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان وخلاف قول المفرقين١ - أي بين أهل المدينة والغرباء - الذين استدلوا بهذا الحديث.
هذا ولم يعتمد الأئمة لا الأربعة ولا غير الأربعة على شيء من الأحاديث التي يرويها البعض في زيارة قبره ﷺ كحديث "من زارني في مماتي فكأنما زارني في حياتي".
وحديث: "من زارني وزار أبي في عام واحد ضمنت له على الله الجنة" ونحر ذلك فإن هذه الأحاديث وأمثالها لم روها أحد من أئمة الإسلام ولم
_________________
(١) ١ الرد على الأخنائي (ص ١٧٦، ١٧٧) .
[ ٢ / ٦١٥ ]
يعتمدوا عليها، ولميروها لا أهل الصحاح ولا أهل السنن التي يعتمد عليها كأبي داود والنسائي لأنها ضعيفة بل موضوعة كما قد بين العلماء الكلام عليها"١.
ولكن جاء لفظ زيارة القبور في غير هذه الأحاديث كما في قوله ﷺ "كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها، فإنها تذكر الموت"٢. وكان ﷺ يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقول أحدهم: "السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين.."٣.
وكان ﷺ يزور قبور أهل البقيع وشهداء أحد٤.
بيان غلط من قاس قبره ﷺ على قبر غيره في شأن الزيارة:
وقد استدل طائفة من الناس بهذه الأحاديث على مشروعية زيارة قبر النبي ﷺ حيث قالوا إنه اذا كانت زيارة قبور عموم المؤمنين مشروعة فزيارة قبره أولى. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ومن هنا غلط طائفة من الناس يقولون إذا كانت زيارة قبر آحاد الناس مستحبة فكيف بقبر سيد الأولين والآخرين. وهؤلاء ظنوا أن زيارة قبر الميت مطلقا هو من باب الاكرام والتعظيم له والرسول أحق بالإكرام والتعظيم من كل أحد.
وظنوا أن ترك الزيارة له فيه تنقيص لكرامته، فغلطوا وخالفوا السنة وإجماع الأئمة سلفها وخلفها.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى (٢٧/ ٣٨٥، ٦٣٨) بتصرف ٢ تقدم تخريجه ص ٥٩٩. ٣ تقدم تخريجه ص ٦٠٠ ٤ تقدم تخريجهما ص ٦٠٠.
[ ٢ / ٦١٦ ]
فقولهم نظير قول من يقول: إذا كانت زيارة القبور يصل الزائر فيها إلى قبر المزور، فإن ذلك أبلغ في الدعاء له فالرسول أولى أن نصل إلى قبره إذا زرناه. وقد ثبت بالتواتر وإجماع الأمة أن الرسول لا يشرع الوصول الى قبره لا للدعاء له ولا لدعائه ولا لغير ذلك.
بل غيره من الناس يصلى على قبره عند أكثر السلف كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة، والصلاة على القبر- كالصلاة على الجنازة- تشرع مع القرب والمشاهدة.
أما للنبي ﷺ فالإجماع لا يصلى على قبره سواء كان للصلاة حد محدود أو كان يصلى على القبر مطلقا.
ولم يعرف عن أحد من الصحابة الغائبين لما قدم صلى على قبره ﷺ.
وزيارة القبور المشروعة هي مشروعة مع الوصول إلى القبر بمشاهدته وهذه الزيارة غير مشروعة في حقه بالنص والإجماع، ولا هي أيضا ممكنة فقبر النبي ﷺ خص بالمنع شرعا وحسا فقد دفن في الحجرة ومنع الناس من زيارة قبره من داخل الحجرة كما تزار سائر القبور فيصل الزائر إلى عند القبر، وقبر النبي ليس كذلك، فلا تستحب هذه الزيارة في حقه ولا تمكن وهذا لعلو قدره وشرفه لا لكون أن غيره أفضل منه، فإن هذا لا يقوله أحد من المسلمين فضلا عن الصحابة والتابعين وعلماء المسلمين بالمدينة وغيرها.
وبهذا يتبين غلط هؤلاء الذين قاسوه على عموم المؤمنين، وهذا من باب القياس الفاسد.
ومن قاس قياس الأولى ولم يعلم ما اختص به كل واحد من المقيس والمقيس عليه كان قياسه من جنس قياس المشركين الذين يقيسون الميتة على المذكى
[ ٢ / ٦١٧ ]
ويقولون للمسلمين أتأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل الله؟ ١
فأنزل الله تعالى ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ ٢.
وكذلك لما أخبر الله أن الأصنام التي تعبد هي وعابدوها ححب جهنم. قاس ابن الزعبري٣ - قبل أن يسلم- هو وغره من المشركيين - عيسى بها وقالوا فيجب أن يعذب عيسى؟ ٤
قال تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ ٥.
ثم قال: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائيلَ﴾ ٦. وبين تعالى الفرق بقوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ ٧ بين أن من كان صالحا نبيا أو غير نبي لم يعذب لأجل من أشرك به وعبده وهو بريء من إشراكهم به.
وأما الأصنام فهي حجارة تجعل حصبا للنار، وقد قيل إنها من الحجارة التي
_________________
(١) ١ انظر سبب نزول الآية في تفسير الطبري (٨/ ١٥- ١٩) . ٢ الآية (١٢١) من سورة الأنعام. ٣ عبد الله بن الزعبري- بكسر الزاي الموحدة وسكون المهملة بعدها راء مقصورة- ابن قيس القرشى السهمي، كان من أشهر قريش وكان شديدا على المسلمين ثم أسلم في الفتح ومدح النبي ﷺ. الإصابة: (٢/ ٣٠٠) . ٤ انظر: سبب النزول في تفسير ابن كثير (٤/١٣١) . ٥ الآيتان (٥٧- ٥٨) من سورة الزخرف ٦ الآية (٥٩) من سورة الزخرف. ٧ الآية (١٠١) من سورة الأنبياء
[ ٢ / ٦١٨ ]
قال الله: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ ٢
والمقصود هنا أن يعرف أن ما مضت به سنته وكان عليه خلفاؤه وأصحابه وأهل العلم والدين بالمدينة تركهم لزيارة قبره أكمل في القيام بحق الله وحق رسوله:
١- فهو أكمل وأفضل وأحسن مما يفعل مع غيره.
٢- وهو أيضا في حق الله وتوحيده أكمل وأتم وأبلغ.
بيان ذلك:
أما كونه أتم في حق الله: فلأن حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا كما ثبت ذلك في الصحيحين عن معاذ بن جبل عن النبي ى الله عليه وسلم أنه قال: "أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟ حق الله على العباد: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا " الحديث٣ ويدخل في العبادة جميع خصائص الرب: فلا يتقى غيره، ولا يخاف غيره ولا يتوكل على غيره، ولا يدعى غيره، ولايصلى لغيره، ولا يصام لغيره، ولا يتصدق إلا له، ولا يجج إلا إلى بيته. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ ٤
_________________
(١) ١ الآية (٦) من سورة التحريم. ٢ الآية (١٥) من سورة الجن. ٣ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد، باب اسم الفرس والحمار فتح الباري (٦/ ٥٨) ح ٢٨٥٦. وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب من لقي الله بالإيمان وهو غير شاك فيه دخل الجنة وحرم على النار (١/ ٤٣) . ٤ الآية (٥٢) من سورة النور.
[ ٢ / ٦١٩ ]
فجعل الطاعة لله والرسول وجعل الخشية والتقوى لله وحده.
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ ١.
فجعل الإيتاء لله والرسول كما قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ٢.
وجعل التوكل والرغبة إلى الله وحده.
وقال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ ٤.
وقال تعالى: ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ ٥.
وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا﴾ ٦.
وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ ٧.
وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ
_________________
(١) ١ الآية (٥٩) من سورة التوبة ٢ الآية (٧) من سورة الحشر ٣ الآيتان (٧- ٨) من سورة الشرح ٤ الآيتان (٥١- ٥٢) من سورة النحل. ٥ الآية (٤٤) من سورة المائدة. ٦ الآية (٥٦) من سورة الأسراء. ٧ الآية (٤) من سورة الأحقاف
[ ٢ / ٦٢٠ ]
فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ ١ وهذا باب واسع.
وقال النبي ﷺ لابن عباس: "إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله"٢.
وفي الصحيحين عن النبي النبي ﷺ في صفة السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب قال: "أنهم الذين لا يتطيرون ولا يكتوون ولا يسترقون وعلى ربهم يتوكلون" ٣ فهم لا يطلبون من غيرهم أن يرقيهم والرقية دعاء فكيف بما هو أبلغ من ذلك؟
ومعلوم أنه لو اتخذ قبره عيدا ومسجدا ووثنا، وصار الناس يدعونه ويتضرعون إليه ويسألونه ويتوكلون عليه ويستغيثون به، ويستجيرون به، وربما سجدوا له وطافوا به وصاروا يحجون إليه، وهذه كلها من حقوق الله وحده
_________________
(١) ١ الآية (٢٢) من سورة سبأ. ٢ أخرجه الإمام أحمد (١/ ٢٩٣، ٣٠٣، ٣٥٧) . وأخرجه الترمذي في السنن، كتاب صفة القيامة، باب (٥٩) (٤/ ٦٦٧) ح ٢٥١٦ وقال: هذا حديث حسن صحيح. وأخرجه الحاكم في المستدرك (٣/ ٥٤١- ٥٤٢) . قال الحافظ ابن رجب في جامع العلوم (ص ١٧٤): "لهذا الحديث عن ابن عباس طرق كثيرة وأصح الطرق كلها طريق حنش الصنعاني التي خرجها الترمذي، كذا قال ابن منده وغيره، وقد روى أيضا من طرق عن علي بن أبي طالب وأبي سعيد الخدري وسهل بن سعد وعبد الله بن جعفر، وفي أسانيدها كلها ضعف، وبكل حال فطريق حنش التى خرجها الترمذي حسنة جيدة". انتهي باختصار يسير. ٣ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الطب، باب من لم يرق. فتح الباري (١٠/ ٢١١) ح ٥٧٥٢ واللفظ له. وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الأيمان، باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب (١/ ١٣٧) .
[ ٢ / ٦٢١ ]
لا يشركه فيها مخلوق.
فكان من حكمة الله دفنه في حجرته ومنع الناس من مشاهدة قبره، والعكوف عليه، والزيارة له، ونحو ذلك لتحقيق توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له لإخلاص الدين لله.
وأما قبور أهل البقيع ونحوهم من المؤمنين فلا يجعل ذلك عندها وإذا قدر أن ذلك فعل عندها منع من يفعل ذلك وهدم ما يتخذ عليها من المساجد، وإن لم تزل الفتنة إلا بتعفية قبره وتعميته فعل ذلك كما فعله الصحابة بأمر عمر بن الخطاب في قبر دانيال١.
وأما كون ذلك أعظم لقدره وأعلى لدرجته: فلأن المقصود المشروع بزيارة قبور المؤمنين كأهل البقيع وشهداء أحد هو الدعاء لهم كما كان هو يفعل ذلك إذا زارهم وكما سنه لأمته.
فلو سن للأمة أن يزوروا قبره للصلاة عليه والسلام عليه والدعاء له، كما كان بعض أهل المدينة يفعل ذلك أحيانا وبين مالك أنه بدعة لم يبلغه عن صدر هذه الأمة ولا عن أهل العلم بالمدينة، وأنها مكروهة فإنه لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها لكن بعض الناس يزوره ثم لتعظيمه في القلوب وعلم الخلق بأنه أفضل الرسل وأعظمهم جاها وأنه أوجه الشفعاء إلى ربه، يدعو النفس إلى أن تطلب منه حاجاتها وأعراضها وتعرض عن حقه الذي هو له من الصلاة والسلام عليه والدعاء له.
فإن الناس مع ربهم كذلك إلا من أنعم الله عليه بحقيقة الإيمان، إنما
_________________
(١) ١ انظر: البداية لابن كثير (٢/ ٤٥- ٤٢) .
[ ٢ / ٦٢٢ ]
يعظمون الله عند ضرورتهم إليه كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الأِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ ١
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ ٢ز.
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الأِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ﴾ ٣ ونظائر هذا في القرآن متعددة.
فإذا كانوا إلا ما شاء الله، إنما يعظمون ربهم ويوحدونه ويذكرونه عند ضرورتهم لأغراضهم ولا يعرفون حقه إذا خلصهم فلا يحبونه ويعبدونه ولا يشكرونه ولا يقومون بطاعته فكيف يكونون مع المخلوق؟
فهم يطلبون من الأنبياء والصالحين أغراضهم وذلك مقدم عندهم على حقوق الأنبياء والصالحين فإذا أيقنوا أن في زيارة قبر نبي أو صالح تحصيل أغراضهم بسؤاله ودعائه وجاهه وشفاعته أعرضوا عن حقه واشتغلوا بأغراضهم كما هو الموجود في عامة الذين يحجون إلى القبور المعظمة ويفصدونها لطلب الحوائج.
فلو أذن الرسول لهم في زيارة قبره ومكنهم من ذلك لأعرضوا عن:
١- حق الله الذي يستحقه من عبادته.
٢- وعن حق الرسول الذي يستحقه من الصلاة والسلام عليه والدعاء له بل ومن جعله واسطة بينهم ويين الله في تبليغ أمره ونهيه وخبره.
فكانوا يهضمون حق الله وحق الرسول كما فعلت النصارى فإنهم بغلوهم
_________________
(١) ١ الآية (١٢) من سورة يونس ٢ الآية (٦٧) من سورة الإسراء. ٣ الآية (٨) من سورة الزمر.
[ ٢ / ٦٢٣ ]
في المسيح تركوا حق الله من عبادته وحده وتركوا حق المسيح، فهم لا يدعون له بل هو عندهم رب يدعى ولا يقومون بحق رسالته فينظرون ما أمر به وما أخبر به بل اشتغلوا بالشرك به وبغيره وطلب حوائجهم ممن يستضفعون به من الملائكة والأنبياء والصالحين عما يجب من حقوقهم.
وأيضا فلو جعلت الصلاة والسلام عليه والدعاء له عند قبره أفضل منها في غير تلك البقعة كما قد يكون الدعاء للميت عند قبره أفضل، لكانوا يخصون تلك البقعة بزيادة الدعاء له وإذا غابوا عنها تنقص صلاتهم وسلامهم ودعاؤهم له، فإن الإنسان لا يجتهد في الدعاء في المكان المفضول كما يجتهد في المكان الفاضل، وهم قد أمروا أن يقوموا بحق الرسول ﷺ في كل مكان، وأن لا يكون البعيد عن قبره أنقص إيمانا وقياما بحقه من المجاور لقبره، وقال لهم ﷺ "لا تتخذوا قبري عيدا وصلوا علي حيث كنتم فإن صلاتكم تبلغني"١. وقد شرع لهم أن يصلوا عليه ويسألوا له الوسيلة إذا سمعوا المؤذن حيث كانوا، وأن يسلموا عليه في كل صلاة، ويصلوا عليه في الصلاة، وأن يسلموا عليه إذا دخلوا المسجد واذا خرجوا منه.
فهذا الذي أمروا به عام في كل مكان، وهو يوجب من القيام بحقه ورفع درجته وإعلاء منزلته ما لا يحصل لو جعل ذلك عند قبره أفضل، ولا إذا سوي بين قبره وقبر غيره.
بل إنما يحصل كمال حقه مع حق ربه، بفعل ما شرعه وسنه لأمته من واجب ومستحب: وهو أن يقوموا بحق الله، ثم بحق رسوله حيث كانوا من
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه ص ٥٨٠.
[ ٢ / ٦٢٤ ]
المحبة والمولاة والطاعة وغير ذلك من الصلاة والسلام والدعاء وغير ذلك. ولا يقصدون تخصيص القبر لما يفضي إليه ذلك من ترك حق الله وحق رسوله.
فهذا وغيره مما يبين أن ما نهي عنه الناس ومنعوا منه، وكان السلف لا يفعلونه من زيارة قبره، وإن كانا زيارة قبر غيره مستحبة، فهو أعظم لقدره وأرفع لدرجته وأعلى في منزلته، وأن ذلك أقوم بحق الله وأتم وأكمل في عبادته وحده لا شريك له وإخلاص الدين له، ففي ذلك تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله.
وإن أهل البدع الذين فعلوا ما لم يشرعه الله بل ما نهي عنه وخالفوا الصحابة والتابعين لهم بإحسان فاستحبوا ما كان أولئك يكرهونه ويمنعون منه، هم مضاهؤون للنصارى، وإنهم نقصوا من تحقيق الإيمان بالله وبرسوله، والقيام بحق الله وحق رسوله بقدر ما دخلوا فيه من البدعة التي ضاهوا بها النصارى فهذا هذا، والله أعلم.
وأيضا فإنه إذا أطيع أمره وأتبعت سنته كان له من الأجر بقدر أجر من أطاعه واتبع سنته لقوله ﷺ: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيئا" ١.
وأما البدع- التي لم يشرعها بل نهي عنها، وإن كانا متضمنة للغلو فيه والشرك به والإطراء له كما فعلت النصارى، فإنه لا يحصل بها أجر لمن عمل بها فلا يكون للرسول فيها منفعة، بل صاحبها إن عذر كان ضالا لا أجر له
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه ص ٣٩٧.
[ ٢ / ٦٢٥ ]
وإن قامت عليه الحجة استحق العذاب.
وقد قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: "لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله"١.
فإن قال هؤلاء الذين قاسوا زيارة قبره على زيارة سائر القبور: إن الناس منعوا من الوصول إليه تعظيما لقدره، وجعل سلامهم وخطابهم له من الحجرة لأن ذلك أبلغ في الأدب والتعظيم.
قيل: فهذا يوجب الفرق فإن الزيارة المشروعة إن كان مقصودها الدعاء له فكون ذلك قريبا من الحجرة أفضل منه في سائر المساجد والبقاع، فالذي يدعو له من داخل الحجرة أقرب، وإن كان القرب مستحبا فكلما كان أقرب كان أفضل كسائر القبور.
وإن كان مقصودها أي الزيارة- ما يقوله أهل الشرك والضلال من فى عائه ودعاؤه من القرب أولى، فينبغي أن يكون من داخل الحجرة أولى.
ولما ثبت بالنص والإجماع أن هذا القرب من القبر ممنوع منه، وهو أيضا غير مقدور عليه، علم أن القرب من ذلك ليس بمستحب. بخلاف زيارة قبر غيره والصلاة على قبره- أي قبر ذلك الغير- فإن القرب منه مستحب إذا لم يفض إلى مفسدة من شرك أو بدعة أو نياحة فإن أفضى إلى ذلك منع من ذلك. ومما يوضح هذا: أن الشخص الذي يقصد أتباعه زيارة قبره يجعلون قبره بحيث يمكن زيارته فيكون له باب يدخل منه إلى القبر ويجعل عند القبر مكان للزائر إذا دخل بحيث يتمكن من القعود فيه بل يوسع المكان ليسع الزائرين.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾ فتح الباري (٦/ ٤٧٨) ح ٣٤٤٥.
[ ٢ / ٦٢٦ ]
ومن اتخذه مسجدا جعل عنده صورة محراب أو قريبا منه، وإذا كان الباب مغلقا جعل له شباكا على الطريق ليراه الناس فيه فيدعونه.
وقبر النبي ﷺ بخلاف هذا كله لم يجعل للزوار طريق إليه بوجه من الوجوه ولا قبر في مكان كبير يسع الزوار، ولا جعل للمكان شباك يرى منه القبر بل منع الناس من الوصول إليه والمشاهدة له.
ومن أعظم ما من الله به على رسوله ﷺ وعلى أمته واستجاب فيه دعاءه أن دفن في بيته بجانب مسجده.
فلا يقدر أحد أن يصل إلا إلى المسجد والعبادة المشروعة في المسجد معروفة بخلاف ما لو كان القبر منفردا عن المسجد.
والمسافر إليه إنما يسافر إلى المسجد وإذا سمى هذا زيارة لقبره فهو اسم لا مسمى له إنما هو إتيان إلى مسجده، ولهذا لم يطلق السلف هذا اللفظ"١
فالزيارة المعهودة من القبور ممتنعة فيه قبره فليست من العمل المقدور ولا المأمور، فامتنع أن يكون أحد من العلماء يقصد بزيارة قبره هذه الزيارة، وإنما أرادوا السفر إلى مسجده والصلاة والسلام عليه والثناء عليه هناك لكن سموا هذا زيارة لقبره كما اعتادوه، ولو سلكوا مسلك التحقيق الذي سلكه الصحابة ومن اتبعهم لم يسموا هذا زيارة لقبره وإنما هو زيارة لمسجده وصلاة وسلام عليه ودعاء له وثناء عليه في مسجده سواء كان هناك القبرأو لم يكن٢.
فمجرد زيارة قبره كالزيارة المعروفة للقبور غير مشروعة ولا ممكنة ولو كان في زيارة قبره عبادة زائدة للأمة لفتح باب الحجرة ومكنوا من فعل تلك العبادة
_________________
(١) ١ الرد على الأخنائي (ص ١٥١- ١٦٠) بتصرف. ٢ الصارم المنكي (ص ٨٥، ٨٦) .
[ ٢ / ٦٢٧ ]
عند قبره، وهم لم يمكنوا إلا من الدخول إلى مسجده١
والله سبحانه قد فرق بين قبر رسوله ﷺ وقبر غيره فإنهم دفنوه بالحجرة ولم يبرزوا قبره كما كانوا يزورون قبورهم خوفا أن يتخذ مسجدا.
ثم انهم منعوا الناس من زيارته كما يزورون القبور، فلم يكونوا يمكنون الناس من الدخول لزيارته. ثم إنهم سدوا باب الحجرة وبنوا عليها حائطا آخر فلم يبق أحد متمكنا من زيارته كما تزار القبور.
ولهذا لم يعرف عن أحد من الصحابة أنه تكلم بهذا الاسم في حقه فقال تستحب زيارة قبره أو لا تستحب أو نحو ذلك ولا علق بهذا الاسم حكما شرعيا وقد كره من كره من العلماء التكلم به، وذلك اسم لا مسمى له ولفظ لا حقيقة له وإنما تكلم به من تكلم من المتأخرين ومع هذا فلم يريدوا ما هو معروف من زيارة القبور"٢.
فتبين أنه ليس في الشريعة عمل يسمى «زيارة لقبره» وأن هذا الاسم لا مسمى له، والذين أطلقوا هذا الاسم إن أرادوا به ما يشرع فالمعنى صحيح لكن عبروا عنه بلفظ لايدل عليه.
وإن أرادوا ما لا يشرع فذاك المعنى خطأ مفهوم ومع هذا فليس هو زيارة.
فخلاصة ما يمكن حصره من مسائل وأقوال في مسألة السلام على النبي ﷺ ما يلى:
١- أن السلام عليه ﷺ عند دخول مسجده وسائر المساجد في سائر البقاع مشروع بالكتاب والسنة والإجماع وقد تقدم ذكر الأدلة في ذلك.
_________________
(١) ١ الصارم المنكي (ص ١١٢) . ٢ الرد على الأخنائي (ص ٢٥- ٢٦) .
[ ٢ / ٦٢٨ ]
٢- أما السلام عليه عند قبره من داخل الحجرة فهذا كان مشروعا لما كان ممكنا بدخول من يدخل على عائشة.
٣- أما تخصيص هذا السلام أو الصلاة بالمكان القريب من الحجرة فهذا محل النزاع.
وللعلماء في ذلك ثلاثة أقوال:
القول الأول: منهم من ذكر استحباب السلام أو الصلاة والسلام عليه إذا دخل المسجد، ثم بعد أن يصلي في المسجد استحب أيضا أن يأتي إلى الحجرة ويصلي ويسلم كما ذكر ذلك طائفة من أصحاب مالك والشافعي وأحمد.
القول الثاني: ومنهم من لم يذكر إلا النوع الثاني فقط أي أنه يأتي إلى الحجرة ويصلي ويسلم.
القول الثالث: ومنهم من لم يذكروا إلا النوع الأول فقط أي السلام أو الصلاة والسلام عليه عند دخول المسجد، وفي التشهد في الصلاة وهذا ما ذكره كثير من السلف١.
فهذا النوع الأول- أي السلام عند دخول المسجد- هو المشروع لأهل البلد وللغرباء في هذا المسجد وغير هذا المسجد
وأما النوع الثاني- أي السلإم عليه عند الحجرة- فهو الذي فرق من استحبه بين أهل البلد والغرباء سواء فعله مع الأول أو مجردا عنه فاستحبوه للغرباء دون أهل البلد، محتجين على ذلك بفعل ابن عمر ﵄.
_________________
(١) ١ الرد على الأخنائي (ص ١٤٢) .
[ ٢ / ٦٢٩ ]
وفي هذا الاستحباب نظر "لأن الأمر إذا فعله من الصحابة الواحد والاثنان والثلاثة وأكثر، دون غيرهم كان غايته أن يثبت به التسويغ بحيث يكون هذا مانعا من دعوى الإجماع على خلافه، بل يكون كسائر المسائل التي يساغ فيها الاجتهاد، أما أن يجعل من سنة الرسول وشريعته وحكمه ما لم تدل عليه سنته لكون بعض السلف فعل ذلك فهذا لا يجوز١.
فالأولى في هذه المسألة أن يقال: إن فعل ابن عمر إنما يدل على التسويغ بحيث يكون فعل من فعل ذلك اقتداء بفعل بعض الصحابة لم يبتدع شيئا من عنده.
أما أن يقال إن فعل هذا عبادة وطاعة يشرع فعلها احتجاجا بفعل بعض الصحابة- ولا سيما إذا عرف أن جمهور الصحابة لم يكونوا يفعلون ذلك- فلا يكفي الإحتجاج بفعل بعض الصحابة على استحبابه بل الأمر يحتاج إلى دليل شرعي.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما أن يقال إن الرسول ندب إلى ذلك ورغب فيه وجعله عبادة وطاعة يشرع فعلها، فهذا يحتاج إلى دليل شرعي ولا يكفي في ذلك فعل بعض السلف.
ولا يجوز أن يقال إن الله ورسوله يحب ذلك أو يكرهه، وإنه سن ذلك وشرعه، أو نهي عن ذلك وكرهه، ونحو ذلك إلا بدليل يدل على ذلك لا سيما إذا عرف أن جمهور أصحابه لم يكونوا يفعلون ذلك.
فيقال: لو كان ندبهم إلى ذلك وأحبه لهم لفعلوه فإنهم كانوا أحرص الناس
_________________
(١) ١ الرد على الأخنائي (ص ١٧٧- ١٧٨) .
[ ٢ / ٦٣٠ ]
على الخير، ونظائر هذا متعددة والله أعلم"١.
وفي الوقت ذاته لا يقال: انعقد إجماعهم٢ على تركه فيبدع من فعله مع أنه قد ثبت فعله من بعض الصحابة كما ثبت من فعل ابن عمر ﵄.
هذا فيما يتعلق بالسلام عليه عند حجرته للقادم من السفر.
أما الشخص المقيم فلم يستحب أحد من علماء السلف أن يأتي أحد إلى الحجرة للسلام أو الصلاة، بل هو منهي عنه لأن في تخصيص الحجرة للصلاة والسلام بهذه الصورة جعلا لها عيدا، وكذلك فإن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان لم يكونوا يفعلون ذلك. وقد تقدم نقل كلام الإمام مالك في هذه المسألة بعينها وكيف أنه كره ذلك لأن السلف لم يكونوا يفعلون ذلك وقال ﵀: "لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح أولها".
فوقوف أهل المدينة بالقبر من البدع التي لم يفعلها الصحابة، وهذه الزيارة منهي عنها لقوله ﷺ: "لا تتخذوا قبري عيدا وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني" وروي مثل ذلك في السلام عليه، فعلم أنه يكره تخصيص تلك البقعة بالصلاة والسلام بل يصلى ويسلم في جميع المواضع وذلك واصل إليه فمثل هذه الزيارة بدعة منهي عنها.
والذين أجازوا السلام عليه عند الحجرة للغرباء اختلفوا كيف يسلم عليه هل تستقبل الحجرة أم القبلة؟ على قولين:
_________________
(١) ١ الرد على الأخنائي (ص ١٧٩) . ٢ قال شيخ الإسلام ابن تيمية وإذا فعله من الصحابة الواحد والاثنان والثلاثة وأكثر دون غيرهم كان غايته أن يثبت به التسويغ بحيث يكون مانما من دعوى الإجماع.
[ ٢ / ٦٣١ ]
القول الأول: فالأكثرون يقولون يستقبل الحجرة كمالك والشافعي وأحمد.
القول الثاني: وأبو حنيفة يقول يستقبل القبلة ويجعل الحجرة عن يساره في قول وخلفه في قول.
لأن الحجرة النبوية لما كانت خارجة عن المسجد لم يكن يمكن أحدا أن يستقبل وجهه ﷺ، ويستدبر القبله، كما صار ذلك ممكنا بعد دخولها في المسجد، بل كان إن استقبل القبلة صارت عن يساره، وحينئذ فإن كانوا يستقبلونه ويستدبرون الغرب فقول الأكثرين أرجح وإن كانوا يستقبلون القبلة حينئذ ويجعلون الحجرة عن يسارهم فقول أبي حنيفة أرجح"١. والسلف كلهم متفقون على أن الزائر لا يسأله شيئا ولا يطلب منه ما يطلب في حياته ويطلب منه يوم القيامة لا شفاعة ولا استغفار ولا غير ذلك
وإنما كان نزاعهم في الوقوف للدعاء له والسلام عليه٢.
فقد تكلم السلف في الدعاء للرسول ﷺ عند قبره
١- فمنهم من نهي عن الوقوف للدعاء له دون السلام عليه.
٢- ومنهم من رخص في الدعاء له والسلام عليه.
٣- ومنهم من نهي عن الدعاء له والسلام عليه٣ (أي عند قبره) .
ولا يجوز السجود للحجرة ولا الطواف بها بل هو كفر بإجماع المسلمين٤ بل ولا الصلاة إليها لما ثبت في صحيح مسلم من أبي مرثد الغنوي أنه قال
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى (٢٧/ ٣٣٠) . ٢ الرد على الأخنائي (ص ١٦٦) . ٣ الرد على الأخنائي (ص ١٦٣) . ٤ الرد على الأخنائي (ص ١٧٧، ٢١٥) .
[ ٢ / ٦٣٢ ]
ﷺ: "لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها" ١.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والصلاة إلى الحجرة والتمسح بها وإلصاق البطن بها وغير ذلك مما يفعله الجهال منهي عنه باتفاق المسلمين"٢.
قال أبو بكر الأثرم٣ قلت لأبي عبد الله- يعني أحمد بن حنبل: قبر النبي ﷺ يلمس ويتمسح به؟ فقال: ما أعرف هذا. قلت لأبي عبد الله: إنهم يلصقون بطونهم بجدار القبر. وقلت له: ورأيت أهل العلم من أهل المدينة لا يمسونه، ويقيمون ناحية فيسلمون. فقال أبو عبد الله: نعم، وهكذا كان ابن عمر يفعل. ثم قال أبو عبد الله: بأبي وأمي ﷺ"٤.
أما السفر إلى «زيارة قبره» فهذا اللفظ فيه إجمال٥.
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه ص ٥٨٩. ٢ الرد على الأخنائي (ص ٢٢٩) . ٣ أحمد بن محمد بن هانئ الطائي ويقال الكلبي، أبو بكر الأثرم ثقة حافظ، صاحب تصانيف، روى عن أحمد بن حنبل وتفقه عليه، وسأله عن المسائل والعلل، توفي سنة ٢٦١ هـ، وقيل بعدها. تهذيب التهذيب (١/ ٧٨- ٧٩) . ٤ الرد على الأخنائي (ص ١٧٨) . ٥ قال شيخ الإسلام ابن تيمية: هذا الموضع مما يشكل على كثير من الناس، فبنبغى لمن أراد أن يعرف دين الإسلام أن يتأمل النصوص النبوية ويعرف ما كان يفعله الصحابة والتابعون وما قاله أئمة المسلمين ليعرف المجمع عليه من المتنازع فيه. فإن في الزيارة مسائل متعددة تنازعوا فيها، لكن لم يتنازعوا في استحباب السفر الى مسجده واستحباب الصلاة والسلام عليه ونحو ذلك مما شرعه الله في مسجده، ولم يتنازع الأئمة الأربعة والجمهور في أن السفر إلى غير الثلاثة ليس بمستحب لا لقبور الأنبياء والصالحين ولا لغير ذلك، فإن قول النبي ﷺ: "لا تشد الرحال" حديث متفق على صحته وعلى العمل به، عند الأئمة المشهوون وعلى أن السفر إلى القبور داخل فيه. الرد على الأخنائي (ص ٢٧٠- ٢٧١) .
[ ٢ / ٦٣٣ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: لفظ اتيان القبر، وزيارة القبر والسفر إلى القبر ونحو ذلك، يتناول من يقصد المسجد وهذا مشروع.
ويتناول من لم يقصد إلا القبر وهذا منهي عنه كما دلت عليه النصوص وأنه مالك وغيره. فمن نقل عن السلف أنهم استحبوا السفر لمجرد القبر دون المسجد ولا الصلاة فيه، بل إنما يقصد القبر كالصورة التي نهى عنها مالك فإذا لا يوجد في كلام أحد من علماء السلف استحباب ذلك فضلا عن إجماعهم عليه. وهذا الموضع يجب على المسلمين عامة وعلمائهم تحقيقه ومعرفة ما هو المشروع والمأمور به الذي هو عبادة الله وحده وطاعة له ولرسوله وبر وتقوى وقيام بحق الرسول.
وما هو شرك وبدعة وضلالة منهي عنها لئلا يلتبس هذا بهذا فإن السفر إلى مسجد المدينة مشروع باتفاق المسلمين لكن إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى.
وقد تقدم عن مالك وغيره أنه من نذر إتيان المدينة إن كان قصده الصلاة في المسجد يوفي بنذره، وإلا لم يوف بنذره.
وأما إذا نذر اتياه المسجد لزمه لأنه إنما يقصد الصلاة.
فلم يجعل إلى المدينة سفرا مأمورا به إلا سفر من قصد الصلاة في المسجد وهو الذي يؤمر به الناذر بخلاف غيره لقولى ﷺ "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى" ١.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة. فتح الباري (٣/ ٦٣) ح ١١٨٩. وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد (٤/ ١٢٦) .
[ ٢ / ٦٣٤ ]
وجعل من سافر إلى المدينة أو بيت المقدس لغير العبادة الشرعية في المسجدين سفرا منهيا عنه، لا يجوز أن يفعله وإن نذره، وهذا هو قول جمهورالعلماء.
فمن سافر إلى مدينة الرسول أو بيت المقدس لقصد زيارة ما هناك من القبور أو من آثار الأنبياء والصالحين كان سفره محرما عند مالك والأكثرين وقيل إنه سفر مباح ليس بقربة كما قاله طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد، وهو قول ابن عبد البر.
وما علمنا أحدا من علماء المسلمين المجتهدين الذين تذكر أقوالهم في مسائل الإجماع والنزاع ذكر أن ذلك مستحب.
فدعوى من ادعى أن السفر إلى مجرد القبور مستحب عند جميع علماء المسلمين كذب ظاهر وكذلك ان ادعى أن هذا قول الأئمة الأربعة أو جمهور أصحابهم أو جمهور علماء المسلمين فهو كذب بلا رلمجا وكذلك ان ادعى أن هذا قول عالم معروف من الأئمة المجتهدين.
وإن قال ان هذا قول بعض المتأخرين أمكن أن يصدق في ذلك وهو بعد أن يعرف صحة نقله، نقل قولا شاذا مخالفا لإجماع السلف مخالفا لنصوص الرسول ﷺ، فكفي بقول فسادا أن يكون قولا مبتدعا في الإسلام مخالفا للسنة والجماعة ولما سنه الرسول ولما اجتمع عليه سلف الأمة وأئمتها، والنقل عن علماء السلف يوافق ما قاله مالك، فمن نقل عنهم ضد ذلك فقد كذب"١.
_________________
(١) ١ الرد على الأخنائي (ص ٢١٩- ٢٢١) .
[ ٢ / ٦٣٥ ]