الفصل الأول: تعريف الغلو وسد الشارع لطرق الغلو في حقه ﷺ
المبحث الأول: تعريف الغلو وموقف الشرع منه
المطلب الأول: المعنى اللغوي
المطلب الأول: المعنى اللغوي.
أما المعنى اللغوي للغلو: فجاء في مقاييس اللغة: الغين –واللام- والحرف المعتل -أصل صحيح يدل على ارتفاع ومجاوزة قدر. يقال: غلا السعر يغلو غلاء، وذلك ارتفاعه. وغلا الرجل في الأمر غلوا، إذا جاوز حده. وغلا بسهمه غلوا، إذا رمى به سهما أقصى غايته. وتغالى النبت ارتفع وطال. وتغالى لحم الدابة: إذا انحسر عنه وبره، وذلك لا يكون إلا عن قوة وسمن وعلو الخ ١ وفي التهذيب " غلا السعر غلاء ممدود. وغلا في الدين يغلو غلوا: إذا ب وز الحد " ٢.
وفي اللسان: " أصل الغلاء: الارتفاع ومجاوزة القدر في كل شيء. وغلا في الدين والأمر يغلو غلوا: جاوز حده.
وفي التنزيل: ﴿لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ ٣.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " الغلو: هو مجاوزة الحد بأن يزاد في حمد الشيء أو ذمه على ما يستحق ونحو ذلك " ٤.
_________________
(١) ١ معجم مقاييس اللغة (٤/ ٣٨٧، ٣٨٨) . ٢ تهذيب اللغة (٨/ ١٩٥، ١٩٢) . ٣ لسان العرب (١٥/ ١٣١، ١٣٢) مادة (غلا) . ٤ اقتضاء الصراط المستقيم (ص ١٠٦) .
[ ٢ / ٦٤٢ ]
المطلب الثاني: التعريف الشرعي للغلو وموقف الشرع منه
الغلو في الشرع: هو مجاوزة حدود ما شرع الله سواء كان ذلك التجاوز في جانب الاعتقاد أو القول أو العمل.
وقد جاء ذكر لفظ الغلو في القرآن الكريم في موضعين وكان الخطاب فيهما للنصارى باعتبارهم أكثر غلوا في الاعتقادات والأعمال من سائر الطوائف وأما الموضعان:
فأحدهما: في قوله تعالى ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ ١.
وا! لوضع الثافي: قوله تعالى ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ ٢.
قال ابن جرير الطري:
" يعني جل ثناؤه بقوله ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾: يا أهل الإنجيل من النصارى ﴿لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ يقول: " لا تتجاوزوا الحق في دينكم فتفرطوا فيه،
_________________
(١) ١ الآية (١٧١) من سورة النساء. ٢ الآية (٧٧) من سورة المائدة.
[ ٢ / ٦٤٣ ]
ولا تقولوا في عيسى غير الحق فإن قيلكم في عيسى إنه ابن الله قول منكم على الله غير الحق، لأن الله لم يتخذ ولدًا، فيكون عيسى أو غيره من خلقه ابنا ﴿وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ﴾ .
وأصل الغلو في كل شيء: مجاوزة حده الذي حده، ويقال منه في الدين قد غلا فهو يغلو غلؤا "١.
وقال في تفسير آية المائدة: وهذا خطاب من الله تعالى ذكره، لنبيه محمد ﷺ، يقول تعالى ذكره: قل يا محمد لهؤلاء الغالية من النصارى في المسيح ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ يعني بالكتاب الإنجيل ﴿لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ يقول لا تفرطوا في القول فيما تدينون به في أمر المسيح، فتجاوزوا فيه الحق إلى الباطل فتقولوا فيه: هو الله أو هو ابنه، ولكن قولوا: هو عبد الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ﴿وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ يقول لا تتبعوا أيضا في المسيح أهواء اليهود الذين قد ضلوا قبلكم عن سبيل الهدى في القول فيه كما قالوا وتبهتوا أمه كما يبهتونها بالفرية "٢.
وقال ابن كثير في تفسيره للآية الواردة في سورة النساء: " ينهي تعالى أهل الكتاب عن الغلو والإطراء وهذا كثير في النصارى فإنهم تجاوزوا الحد في عيسى حتى رفعوه فوق المنزلة التي أعطاه الله إياها فنقلوه من حيز النبوة إلى أن اتخذوه إلها من دون الله يعبدونه كما يعبدونه، بل قد غلوا في أتباعه وأشياعه ممن زعم أنه على دينه فادعوا فيهم العصمة واتبعوهم في كل ما قالوه سواء كان حقا أو باطلا، أو ضلالا أو رشادا، أو صحيحا أو كذبا ولهذا قال الله
_________________
(١) ١ تفسير الطري (٦/٣٤) . ٢ تفسير الطري (٦/٣١٦) .
[ ٢ / ٦٤٤ ]
تعالى ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ١ ٢.
وقال عند تفسير آية سورة المائدة: أي لا تتجاوزوا الحد في إتباع الحق ولا تطروا من أمرتم بتعظيمه فتبالغوا فيه حتى تخرجوه عن حيز النبوة إلى مقام الإلهية كما صنعتم في المسيح وهو نبي من الأنبياء فجعلتموه إلها من دون الله وما ذاك إلا لاقتدائكم بشيوخكم شيوخ الضلال الذين هم سلفكم ممن ضل قديما "٣.
والمتأمل للنصوص القرآنية يجد أن النصارى لم يكتفوا بالغلو في المسيح ورفعه إلى درجة الألوهية بل غلوا أيضا في حق أحبارهم ورهبانهم فأعطوهم حق التشريع والطاعة المطلقة والإتباع حتى فيما يخالف شرع الله وأحكامه. فكان الأحبار والرهبان يحرمون ما أحل الله ويحلون ما حرم الله ويقررون شرائع وأحكامًا ما أنزل الله بها من سلطان فتلقى النصارى ذلك كله بالقبول والطاعة.
قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ فهم اتبعوهم فيما حللوا وحرموا، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ أي الذي إذا حرم شيئا فهو الحرام وما حلله فهو الحلال وما شرعه اتبع، وما حكم به نفذ ﴿لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي تعالى وتقدس وتنزه عن الشركاء والنظراء والأعوان والأضداد والأنداد
_________________
(١) ١ الآية (٣١) من سورة التوبة. ٢ تفسير ابن كثبر (١/ ٥٨٩) . ٣ تفسير ابن كثير (٢/ ٨٢) .
[ ٢ / ٦٤٥ ]
والأولاد لا إله إلا هو ولا رب سواه"١.
ولم يقتصر غلو النصارى عند الحد، بل قدسوهم أمواتًا كما قدسوهم أحياءً فأقاموا على قبورهم الأضرحة وقدموا لهم القرابين فكان ذلك سببا في لعنهم قال ﷺ "لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"٢. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "والنصارى أشد غلوا في ذلك من اليهود كما في الصحيحين: " أن النبي ﷺ ذكرت له أم حبيبة وأم سلمة ﵄ كنيسة بأرض الحبشة، وذكرتا من حسنها وتصاوير فيها. فقال: إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح، فمات بنو على قبره مسجدا، وصوروا فيه تلك التصاوير، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة"٣.
والنصارى كثيرا ما يعظمون آثار القديسين منهم، فلا يستبعد أنهم ألقوا إلى بعض جهال المسلمين أن هذا قبر بعض من يعظمه المسلمون ليوافقوهم على تعظيمه.
فالذين يعظمون القبور والمشاهد لهم شبه شديد بالنصارى٤.
فالنصارى أمة ضلت وهلكت وكان سبب ضلالها وهلاكها غلوها وقد تجلى غلوها في عدة أمور منها:
١- غلوهم في نبي الله عيسى ورفعه إلى مكانة الألوهية.
٢- غلوهم في رهبانهم وصالحيهم وذلك بإعطائهم حق التشريع في التحليل
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير (٢/٣٤٩) . ٢ تقدم تخريجه ص ٥٨٨. ٣ تقدم تخريجه ص ٥٨٨. ٤ مجموع الفتاوى (٢٧/٤٦٠،٤٦١) .
[ ٢ / ٦٤٦ ]
والتحريم، والعكوف على قبورهم وتقديسها بعد موتهم.
٣- ابتداعهم الرهبانية.
والله ﷾ بذكره لأحوالهم في كتابه العزيز يحذرنا من الوقوع فيما وقعوا فيه، وفي هذا دعوة للاعتبار بالأم السابقة ومعرفة سبب هلاكها وضرورة اجتنابه قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الأَلْبَاب﴾ ١. والغلو عند النصارى هدم أصلي الدين: ١- التوحيد، ٢- الإتباع.
فهم هدموا الأصل الأول بجعلهم عيسى في مقام الألوهية. وهدموا الأصل الثاني بأن جعلوا لرهبانهم حق التشريع والتحليل والتحريم.
فانظر كيف كان الغلو سبيا لهدم الدين.
فإن المسيح قال لهم ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُم﴾ وقال ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ ٢ فلو امتثلوا أمره كانوا مطعين لرسول الله موحدين لله، ونالوا بذلك السعادة من الله في الدنيا والآخرة، ولكنهم غلوا فيه واتخذوه وأمه إلهين من دون الله، يستغيثون به وبغيره من الأنبياء والصالحين ويطلبون منهم ويشركون بهم، وكذبوا بالرسول الذي بشر به، وحرفوا التوراة التي صدق بها وظنوا في ذلك أنهم معظمون للمسيح وكان هذا من جهلهم وضلالهم، فإنهم لو أطاعوه فيما دعاهم إليه لكان له مثل أجورهم، وكانت طاعتهم له والإقرار بعبوديته وبما بشر به فيه له ولهم من الأجر ما لا يحصيه إلا الله،
_________________
(١) ١ الآية (١١١) من سورة الصف. ٢ الآية (٦) من سورة الصف.
[ ٢ / ٦٤٧ ]
ففوتوا هذا الأجر والثواب عليهم وعليه وله ولهم فيه الخير المستطاب واعتاضوا عن ذلك بما ضرهم في الدنيا والآخرة.
وإذا بين لهم قدر المسيح فقيل لهم ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾ ١.
قالوا: إن هذا تنقص بالمسيح وسب له واستخفاف بدرجته وسوء أدب معه، بل قالوا هذا كفر وجحد لحقه، وسلب لصفات الكمال الثابتة له.
وهذا في الحقيقة إنما هو نقص لما في نفوسهم من الغلو فيه لا نقص لنفس المسيح الموجود في نفس الأمر.
وفي ذلك من الحمد له والمدح وإعظامه والإيمان به وإعطائه الدرجة العلية ما ليس في الغلو فيه.
لأن في تقرير كمال عبوديته التي هي كمال الخلوق، وهذا هو الكمال فأما الغلو فيه إلى حد الربوبية فذاك خيال باطل لا كمال حاصل وفي إثبات العبودية له، إيمان به وموافقة لخبره وأمره، فيحصل له بذلك من الخير والرحمة ما لا يحصل له بالغلو فيه، الذي هو كذب فيه مكذوب عليه ومعصية له وإشراك بالله، وليس في ذلك ما ينفعه ولا ما يرفعه بل في ذلك ضرر على المشركين المفترين "٢.
ولم يقتصر الغلو على النصارى وحدهم بل كان واقعا في الأمم قبلهم فالغلو كان أول خطوات الإنحراف عن الدين القويم والوقوع في الشرك.
فقد روى الطبري بسنده عن عكرمة قال: "كان بين آدم ونوح عشرة قرون
_________________
(١) ١ الآية (٧٥) من سورة المائدة. ٢ الرد على البكري (ص ١٠٤- ١٠٥) .
[ ٢ / ٦٤٨ ]
كلهم على الإسلام "١.
فكان مبدأ الشرك في قوم نوح، وكان سببه غلوهم في الصالحين فقد روى البخاري في كتاب التفسير من صحيحه باب قوله تعالى ﴿وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ عن ابن عباس أنه قال: " أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا وسموها بأسمائهم ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت "٢.
فالغلو في الصالحين هو الطامة الكبرى والبلية العظمى التي جنحت بالبشرية عن جادة الحق والصواب إلى ظلمات الشرك والضلال باتخاذ أنداد لله من خلقه واعتقاد أنها تملك شيئا من خصائص الإلهية.
قال ابن القيم: " ومن أسباب عبادة الأصنام الغلو في الخلوق وإعطائه فوق منزلته، حتى جعل فيه حظ من الإلهية، وشبهوه بالله سبحانه.
وهذا التشبيه الواقع في الأم هو الذي أبطله الله سبحانه وبحث رسله وأنزل كتبه بإنكاره والرد على أهله٣.
ولهذا نهي الشارع الحكيم عن الغلو بشتى صوره وأشكاله وحذر منه وذلك لما له من آثار سيئة على الدين ولما فيه من منافاة لعقيدة التوحيد وهدم لأصليّ الدين: التوحيد، والإتباع.
ولقد حذر النبي ﷺ أمته من الغلو في الدين وأخبر أنه سببا لهلاك من قبلنا
_________________
(١) ١ تفسير الطري (٢٩/ ٩٩) . ٢ انظر فتح الباري (٨/ ٦٦٧) . ٣ إغاثة اللهفان (٢/ ٢٢٦) .
[ ٢ / ٦٤٩ ]
من الأم.
فعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "إياكم والغلو في الدين فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين" ١.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وقوله "إياكم والغلو في الدين عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأعمال" ٢.
وسبب قول النبي ﷺ لهذه العبارة أن النبي ﷺ قال لابن عباس غداة العقبة وهو على ناقته "القط لي حصى، فلقطت له سبع حصيات مثل حصى الخذف، فجعل ينفضهن في كفه ويقول أمثال هؤلاء فارموا، ثم قال: أيها الناس إياكم والغلو في الدين " الحديث.
فسبب ورود الحديث ينبهنا إلى أمر هام جدا وهو أن الغلو قد يبدأ بشيء صغير ثم تتسع دائرته فتهلك بذلك أمم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وسبب هذا اللفظ العام رمي الجمار وهو داخل فيه فالغلو فيه: مثل رمي الحجارة ونحو ذلك، بناء على أنه بالغ في الحصى الصغار، ثم علل ذلك بأن ما أهلك. كان قبلنا إلا الغلو في الدين كما تراه
_________________
(١) ١ أخرجه الأمام أحمد في المسند (١/ ٢١٥، ٣٤٧) . والنسائي في السنن (٥/ ٨ ا. ٢) كتاب مناسك الحج، باب التقاط الحصى. وابن ماجه في سننه، أبراب المناسك، باب قدر حصى الرمي (٢/ ١٨٣) ح ٣٠٦٤. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: رواه أحمد والنسائي وابن ماجة من حديث عوف بن ألي جميلة عن زيادة بن حصين عن ألي العالية عنه وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم. اقتضاء الصراط المستقيم (ص ١٠٦) . وذكره الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٣/ ٢٧٨) ح ١٢٨٣ وقال في تخريج السنة لابن ألي عاصم (١/٤٦) إسناده صحيح. وقد صححه ابن خزيمة والحاكم (١/٤٦٦) والذهبي والنووي وابن تيمية. ٢ اقتضاء الصراط المستقيم (ص ١٥٦) .
[ ٢ / ٦٥٠ ]
في النصارى١.
ولو لم يرد في السنة إلا هذا الحديث لكفى به زاجرا ورادعا للأمة عن الوقوع في الغلو، كيف والسنة مليئة بالأحاديث التي تحذر من الغلو وتبين خطره وهلاكه.
فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "هلك المتنطعون": قالها ثلاثًا٢.
قال النووي: "هلك المتنطعون": أي المتعمقون الغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم٣.
وقال أيضا: "المتنطعون: المتعمقون المشددون في غير موضع التشديد"٤، فهذا الحديث موافق لما جاء في الحديث السابق من الإخبار بهلاك أصحاب الغلو. وهناك أحاديث كثيرة نهي فيها النبي ﷺ أصحابه رضوان الله عليهم عن الغلو في جوانب معينة من الدين نذكر اثنين منها على سبيل المثال لا على سبيل الحصر.
فعن أنس بن مالك ﵁ قال: " جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ فلما أخبروا كأنهم تقالوها. فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ قال أحدهم: أما أنا فأنا أصلي الليل أبدا.
_________________
(١) ١ اقتضاء الصراط المستقيم (ص ١٠٦) . ٢ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب العلم، باب هلك المتنطعون (٨/٥٨) ٣ شرح النووي (١٦/٢٢٠) . ٤ رياض الصالحين باب الاقتصاد في الطاعة (ص ٨٨) .
[ ٢ / ٦٥١ ]
وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر. وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا. فجاء رسول الله ال فقال: " أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني " ١.
فسمى النبي ﷺ الغلو في جانب العبادات والسنن التي سنها لهم رغبة عن الشرع الذي جاء به، وتبرأ ممن هذه حاله، حتى وإن كان الدافع لذلك التقرب إلى الله تعالى ذلك لأن هذا الغلو فيه هدم للأصل الثاني من أصول هذا الدين ألا وهو الإتباع فنحن مأمورون بالاقتداء به ﷺ والأخذ بسنته. والغلو في هذا الجانب مناقض تماما لهذا الأصل، ولذلك فلا غرابة أن يتبرأ النبي ﷺ ممن غلا في جانب ما سنه وشرعه للأمة.
لأنه لو فتح هذا الباب وولجته الأمة لأصبحت عبادة الله مجالا لأهواء الناس وعقولهم وبذلك يتلاشى دينها وتنطمس معالمه فتستحق بذلك غضب الله ومقته فتهلك كما هلكت الأم السابقة.
وعن أنس ﵁ قال: دخل رسول الله ﷺ المسجد فإذا حبل ممدود بين الساريتين فقال " ما هذا الحبل؟ " قالوا: هذا حبل زينب فإذا فترت تعلقت به. فقال النبي ﷺ: " حلوه ليصل أحدكم نشاطه فإذا فتر فليرقد" ٢ وعند مسلم " حبل لزينب تصلي ".
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه. ٢ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التهجد، باب ما يكره من التشديد في العبادة. انظر: فتح الباري (٣٦١٣) ح ١١٥٠. وأخرجه مسلم في صحيحه كتاب المساجد ومراجع الصلاة، باب أمر من نعس في صلاته (٢/١٨٩) .
[ ٢ / ٦٥٢ ]
قال ابن حجر: "وفيه الحث على الاقتصاد في العبادة والنهي عن التعمق فيها "١.
وقد حذر النبي ﷺ أمته كذلك من الغلو في حقه ﷺ.
وذلك لما ينطوي عليه الغلو من الشر العظيم، ولما يعلمه ﷺ من منزلته في قلوب المؤمنين.
فقد خشي ﷺ أن يدفعهم حبهم وتعظيمهم له إلى رفعه فوق منزلته التي جعلها الله له وتشريكه مع الله في بعض ما هو حق لله.
فحذرهم من الغلو في شخصه بأساليب مختلفة وذلك حماية منه لجناب التوحيد وقطعا لذريعة الشرك.
وقد جاء تحذره تارة بأسلوب النهي الصريح.
وتارة بالتجائه إلى ربه ودعائه بأن لا يتحول قبره إلى وثن يعبد.
وتارة بلعنة الغلاة الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد.
فمما ورد عنه قوله ﷺ: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فانما أنا عبده، فقولوا عبد الله ورسوله"٢.
قال ابن حجر: "الإطراء: المدح بالباطل تقول أطربت فلانًا: مدحته فأفرطت في مدحه"٣.
فمعنى الحديث: أي لا تمدحوني فتغلوا في مدحي كما غلت النصارى في عيسى فادعوا فيه الربوبية، وإنما أنا عبد الله فصفوني بذلك كما وصفني به
_________________
(١) ١ فتح الباري (٣/ ٣٧) . ٢ تقدم تخريجه ص ٦٢٦. ٣ فتح الباري (٦/ ٤٩٠) .
[ ٢ / ٦٥٣ ]
ربى، وقولوا عبد الله ورسوله.
فأبى عباد القبور إلا مخالفة لأمره، وارتكابا لنهيه، وناقضوه أعظم المناقضة وظنوا أنهم إذا وصفوه بأنه عبد الله ورسوله، وأنه لا يدعى ولا يستغاث به، ولا ينذر له، ولا يطاف بحجرته، وأنه ليس له من الأمر شيء، ولا يعلم من الغيب إلا ما علمه الله، أن في ذلك هضما لجنابه وغضا من قدره، فرفعوه فوق منزلته، وادعوا فيه ما ادعت النصارى في عيسى أو قريبا منه، فسألوه مغفرة الذنوب، وتفريج الكروب وغير ذلك من الأمور١.
وقد ذكر شيخ الإسلام في كتاب تلخيص الاستغاثة٢ عن بعض أهل زمانه أنه جوز الاستغاثة بالرسول ﷺ في كل ما يستغاث فيه بالله، وصنف فيه مصنفا. وكان يقول أن النبي ﷺ يعلم مفاتيح الغيب التي لا يعلمها إلا الله. وحكي عن آخر من جنسه يباشر التدريس وينسب إلى الفتيا أنه كان يقول إن النبي ﷺ يعلم ما يعلمه الله ويقدر على ما يقدر الله عليه.
ومن هؤلاء من يقول في قول الله تعالى ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ إن الرسول ﷺ هو الذي يسبح بكرة وأصيلا.
ومنهم من يقول: نحن نعبد الله ورسوله فيجعلون الرسول معبودًا ويقول قائلهم:
فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم
فجعل الدنيا والآخرة من جوده، وجزم بأنه يعلم ما في اللوح المحفوظ٣.
_________________
(١) ١ تيسير العزيز الحميد (٢٧٢- ٢٧٣) . ٢ الرد على البكري (ص ٢١٨) . ٣ تيسير العزيز الحميد (٢٧٣) .
[ ٢ / ٦٥٤ ]
فانظر إلى ما أدى إليه هذا الإطراء من صرف أمور قد اختص بها الرب ﷿ فصرفت للنبي ﷺ.
ولكن ما على الرسول إلا البلاغ فقد سد النبي ﷺ كل ذريعة مؤدية إلى الغلو والشرك حتى يبقى هذا الدين وسطا صافيًا لا كدر فيه، وتبقى عقيدة التوحيد نقية قوية خالدة.
فلقد نهي الرسول الكريم عن المبالغة في مدحه لعلمه بأن هذه المبالغة بريد إلى الغلو ومدعاة للشرك والانحراف عن الطريق السوي.
وهذا من الحرص الكامل للرسول ﷺ على حماية التوحيد، فبهذا النهي الشديد سد الرسول ﷺ طريق الغلو.
والنهي عن المبالغة في الإطراء لا يعني التقليل من قدره وتوقيره فإن للتوقير والتعظيم وسائله المشروعة والتي سبق ذكرها.
ولكن هناك أناس شق عليهم التوقير المشروع فلجأوا إلى التوقير الممنوع فنسجوا قصائد مطولة أغرقوا فيها بالمديح المجاوز للحد والمنافي لقواعد التوحيد والذي لا يرضى به الله ورسوله بل جاء التحذير منه بنص القرآن والسنة المطهرة.
"ولقد كان النبي ﷺ أحرص الخلق على تجريد التوحيد حتى قطع أسباب الشرك ووسائله من جميع الجهات، حتى قال له رجل: ما شاء الله وشئت، قال: "اجعلتني لله ندا؟ بل ما شاء الله وحده "١.
ونهى أن يحلف بغير الله، وأخبر أن ذلك شرك.
ونهي أن يصلى إلى القبر أو يتخذ مسجدا أو عيدا أو يوقد عليه سراج،
_________________
(١) ١ أخرجه الإمام أحمد (١/ ٢١٤، ٢٢٤، ٢٨٣، ٣٤٧)، وأخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة ص ٥٤٥ ح ٩٨٧.
[ ٢ / ٦٥٥ ]
بل مدار دينه على هذا الأصل-أي تجريد التوحيد- الذي هو قطب رحا النجاة، ولم يقرر أحد ما قرره ﷺ بقوله وفعله وسد الذرائع المنافية له، فتعظيمه ﷺ بموافقته على ذلك لا مناقضته فيه١.
والغلو بشتى صوره وأشكاله مناف لأصلي التوحيد ويكفيك أن تعلم أن سبب عبادة الأصنام هو الغلو في المخلوق، وإعطاؤه فوق منزلته، حتى جعل فيه حظ من الإلهية، وشبهوه بالله سبحانه، وهذا هو التشبيه الواقع في الأم الذي أبطه الله سبحانه، وبعث رسله وأنزل كتبه بإنكاره والرد على أهله. فهو سبحانه ينفي، وينهي، أن يجعل غيره مثلا له، وندا له وشبها له. لا أن يشبه هو بغيره إذ ليس في الأمم المعروفة أمة جعلته سبحانه مثلا لشيء من مخلوقاته، فجعلت المخلوق أصلا وشبهت به الخالق، فهذا لا يعرف في طائفة من طوائف بني آدم.
وإنما الأول هو المعروف في طوائف أهل الشرك، غلوا فيمن يعظمونه، ويحبونه، حتى شبهوه بالخالق وأعطوه خصائص الإلهية، بل صرحوا أنه إله، وأنكروا جعل الألهة إلها واحدا وقالوا: ﴿وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ وصرحوا بأنه إله معبود، يرجى، ويخاف، ويعظم، ويسجد له ويحلف باسمه، وتقرب له القرابين إلى غير ذلك من خصائص العبادة التي لا تنبغي إلا لله تعالى. فكل مشرك فهو مشبه لإلهه ومعبوده بالله سبحانه، وإن لم يشبه من كل وجه٢.
فحقيقة الشرك هو التشبه بالخالق أو التشبيه للمخلوق به فالمشرك مشبه
_________________
(١) ١ تيسير العزيز الحميد ص ٢٧٤. ٢ إغاثة اللهفان (٢/ ٢٢٦) .
[ ٢ / ٦٥٦ ]
للمخلوق بالخالق في خصائص الإلهية.
فإن من خصائص الإلهية التفرد بملك الضر والنفع والعطاء والمنع، وذلك يوجب تعليق الدعاء والخوف والرجاء والتوكل به وحده.
فمن علق ذلك بمخلوق فقد شبهه بالخالق، وجعل ما لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا -فضلا عن غيره- شبيها لمن له الأمر كله، فأزمة الأمور كلها بيديه، ومرجعها إليه فما شاء كان وما لم يشاء لم يكن، لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، بل إذا فتح لعبده باب رحمته لم يمسكها أحد، وإن أمسكها عنه لم يرسلها إليه أحد.
فمن أقبح التشبيه: تشبيه هذا العاجز الفقير بالذات بالقادر الغني بالذات. ومن خصائص الإلهية: الكمال المطلق من جميع الوجوه الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه.
وذلك يوجب أن تكون العبادة كلها له وحده، والتعظيم والإجلال والخشية والدعاء والرجاء والإنابة والتوكل والاستعانة وغاية الذل مع غاية الحب، كل ذلك عقلا وشرعا وفطرة أن يكون له وحده، ويمنع عقلا وشرعا وفطرة أن يكون لغيره. فمن جعل شيئا من ذلك لغيره فقد شبه ذلك الغير بمن لا شبيه له ولا مثيل له ولا ند له، وذلك أقبح التشبيه وأبطله.
ولشدة قبحه وتضمنه غاية الظلم أخبر سبحانه عباده أنه لا يغفره مع أنه كتب على نفسه الرحمة.
ومن خصائص الإلهية: العبودية التي قامت على ساقين لا قوام لها بدونهما: غاية الحب، مع غاية الذل، هذا تمام العبودية، وتفاوت منازل الخلق فيها بحسب تفاوتهم في هذين الأصلين.
[ ٢ / ٦٥٧ ]
فمن أعطى حبه وذله وخضوعه لغير الله فقد شبهه في خالص حقه وهذا من المحال أن تجئ به شريعة من الشرائع، وقبحه مستقر في كل فطرة وعقل، ولكن غيرت الشياطين فطر أكثر الخلق وعقولهم، وأفسدتها عليهم واجتالتهم عنها. ومضى على الفطرة الأولى من سبقت له من الله الحسنى فأرسل إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه بما يوفق فطرهم وعقولهم فازدادوا بذلك نورًا على نور ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ ١.
إذا عرف هذا فمن خصائص الإلهية السجود، فمن سجد لغيره فقد شبه المخلوق به.
ومنها المتوكل، فمن توكل على غيره فقد شبهه به.
ومنها التوبة، فمن تاب لغيره فقد شبهه به.
ومنها الحلف باسمه تعظيما وإجلالا له، فمن حلف بغيره فقد شبهه به. هذا في جانب التشبيه.
وأما في جانب التشبه به: فمن تعاظم وتكبر ودعا الناس إلى إطرائه في المدح والتعظيم والخضوع والرجاء، وتعليق القلب به خوفا ورجاء والتجاء واستعانة فقد تشبه بالله ونازعه في ربوبيته وإلهيته، وهو حقيق بأن يهينه الله غاية الهوان، ويذله غاية الذل، ويجعله تحت أقدام خلقه.
وفي الصحيح عنه ﷺ قال: "يقول الله ﷿: العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحدا منهما عذبته" ٢.
وإذا كان المصور الذي يصنع الصورة بيده من أشد الناس عذابا يوم القيامة
_________________
(١) ١ الآية (٣٥) من سورة النور. ٢ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة، باب تحريم الكبر (٨/٣٦) .
[ ٢ / ٦٥٨ ]
لتشبهه بالله في مجرد الصنعة، فما الظن بالتشبه بالله في الربوبية والإلهية؟ ففي الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: " قال الله ﷿: ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقا كخلقي، فليخلقوا ذرة، فليخلقوا شعيرة" ١. فنبه بالذرة والشعيرة على ما هو أعظم منها وأكبر وقال ﷺ: "أشد الناس عذابا ئرم القيامة المصورون يقال لهم أحيوا ما خلقتم" ٢ ٣.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في صحيحه كتاب التوحيد باب قول الله تعالى ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ فتح الباري (١٣/ ٥٢٨) ح ٧٥٥٩. وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب اللباس والزينة، باب لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة (٦/ ١٦٢) . ٢ أخرجه البخاري في صحيحه، كناب اللباس، باب عذاب المصورين يوم القيامة. فتح الباري (١٠/٨٢-٨٣) ح ٤٩٥٠-٤٩٥١، وأخرجه مسلم في صحيحه، كثاب اللباس والزينة، باب لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولاصورة (١٦١١٦) . ٣ الجواب الكافي (ص ١٥٩- ١٦١) .
[ ٢ / ٦٥٩ ]
المبحث الثاني: الفرق بين ما هو حق لله وحده لا يشركه فيه غيره وبين ما هو حق للرسول
المبحث الثاني: الفرق بين ها هو حق لله وحده لا يشركه فيه غيره وبين ما هو حق للرسول
بعث الله جميع الرسل وأنزل جميع الكتب بالدعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له، والنهي عن دعاء ما سواه -لا دعاء عبادة ولا دعاء مسألة-. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ٤.
فدين الحق دين الإسلام هو عبادة الله وحده لا شريك له وتصديق رسله كما يدل عليه قولنا: "أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله".
_________________
(١) ١ الآية (٢٥) من سورة الأنبياء. ٢ الآية (٣٦) من سورة النحل. ٣ الآية (٤٥) من سورة الزخرف. ٤ الآيتان (٧٩، ٨٠) من سورة آل عمران.
[ ٢ / ٦٦٠ ]
فهذان الأصلان:
١- توحيد الرب بالعبادة، ٢- الإيمان برسله.
لابد منهما، ولهذا لا يدخل أحد في الإسلام حتى يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.
ذلك لأن دين الإسلام مبني على هذين الأصلين ومن خرج عن واحد منهما فلا عمل له ولا دين.
فلا إله إلا الله معناها أن نعبد الله وحده ولا نشرك به شيئا.
فإن الإله: هو الذي تألهه القلوب عبادة واستعانة ومحبة وتعظيمًا وخوفًا ورجاءً وإجلالًا وإكرامًا.
وهو سبحانه له حق لا يشركه فيه غيره، فلا يعبد إلا الله ولا يدعى إلا الله ولا يخاف إلا الله ولا يطاع إلا الله.
وأما شهادة أن محمدًا رسول الله فهي تعني ألا نعبد الله إلا بما شرعه على لسان رسول الله ﷺ فهو المبلغ عن الله طاعته وأمره ونهيه وتحليله وتحريمه، فهو الواسطة بين الله وبين خلقه في تبليغ أمره ونهيه ووعده ووعيده.
وليس للرسول واسطة في إجابة الدعاء، وكشف البلاء، والهداية، والإغناء ونحو ذلك.
فالله تعالى هو المتفرد بذلك فهو سبحانه الذي يسمع ويرى ويعلم السر والنجوى وهو القادر على إنزال النعم وإزالة الضر من غير احتياج منه إلى أن يعرفه أحد أحوال عباده أو يعينه على قضاء حوائجهم.
والأسباب التي بها يحصل ذلك هو خلقها ويسرها، فهو مسبب الأسباب التي يحصل بها ذلك ولهذا فرض سبحانه على المصلى أن يقول في صلاته
[ ٢ / ٦٦١ ]
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ١.
فالله سبحانه أجل وأعظم وأغني وأعلى من أن يفتقر إلى شيء، بل هو الأحد الصمد وكل ما سواه مفتقر إليه، وهو مستغن عن كل ما سواه. وعن أبي هريرة ﵁ قال: " قام فينا النبي ﷺ فذكر الغلول وعظم أمره قال: " لا ألفين أحدكم يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة، يقول: يارسول الله أغثني فأقول: لا أملك لك شيئا قد أبلغتك، وعلى رقبته بعير له ركاء، يقول يارسول الله أغثني فأقول: لا أملك لك شيئا، قد أبلغتك" الحديث٢.
فهؤلاء الذين بلغهم أخبر أنهم إذا استغاثوا به يوم القيامة وسألوه الشفاعة يقول لهم لا أملك لكم من الله شيئا قد أبلغتكم٣.
فعلى المسلم أن يفرق لأن ما هو حق لله وحده وبين ما هو حق لرسله.
فالله أمرنا أن نؤمن بالأنبياء وما جاؤا به وفرض علينا طاعة الرسول الذي بعث إلينا ومحبته وتعزيره وتوقيره والتسليم لحكمه.
وأمرنا أيضا أن لا نعبد إلا الله وحده لا نشرك به شيئا ولا نتخذ الملائكة والنبيين أربابًا.
وفرق بين حقه الذي يختص به الذي لا يشركه فيه لا ملك ولا نبي.
وبين الحق الذي أوجبه علينا لملائكته وأنبيائه عمومًا ولمحمد ﷺ خاتم الرسل
_________________
(١) ١ الآية (٥) من سورة الفاتحة. ٢ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد، باب الغلول. انظر: فتح الباري (٦/١٨٥) ح ٣٠٧٣. وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب غلظ تحريم الغلول (٦/١٠) . ٣ انظر: الرد على البكري (ص ٥٢- ٥٤) بتصرف.
[ ٢ / ٦٦٢ ]
وخير مرسل الذي جاءه بالوحي خصوصا، فإن الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس، فاصطفي من الملائكة جبريل لرسالته واصطفي من البشر محمدا ﷺ، وأخبر أن هذا القرآن الذي نزل به هذا الرسول إلى هذا الرسول مبلغا له عن الله قال تعالى ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ١، وقال تعالى ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ ٢.
فالله أوجب علينا الإيمان بمحمد ﷺ خصوصا وبالملك الذي جاءه بالقرآن. وأمرنا بالإيمان بالأنبياء كلهم وبجميع ما أوتوا كما قال تعالى ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ ٤.
وقال تعالى ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ الآية (٩٧) من سورة البقرة. ٢ الآيات (١٩٢ إلى ١٩٥) من سورة الشعراء. ٣ الآية (١٣٦) من سورة البقرة. ٤ الآية (١٧٧) من سورة البقرة. ٥ الآية (٢٨٥) من سورة البقرة.
[ ٢ / ٦٦٣ ]
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا﴾ ١.
فالأنبياء وسائط بين الله ﷿ وبين عباده في تبليغ أمره ونهيه ووعده ووعيده، وما أخبر به عن نفسه وملائكته وغير ذلك مما كان وسيكون. وسائر الأنبياء علينا أن نؤمن بهم، مجملا وذلك بأن كل ما أخبروا به عن الله فهو حق وأن طاعتهم فرض على من أرسلوا إليهم.
أما محمد ﷺ فهو الذي أرسل إلينا وإلى جميع الخلق وقد ختم الله به الأنبياء وآتاه من الفضائل ما فضله به على غيره وجعله سيد ولد آدم وخصائصه وفضائله كثيرة وعظيمة لا يسعها هذا الموضع.
وقد أوجب الله علينا أن نطيعه في كل ما أوجبه وأمر به وأن نصدقه في كل ما أخبر به، كما سبق ذكر ذلك في الباب الأول من هذه الرسالة.
وهو سبحانه مع هذا كله نهانا عن الشرك بهم والغلو فيهم، وميز بين حقه تعالى وحقهم.
فقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ٢ فهذا بيان أن اتخاذ الملائكة والنبيين أربابا كفر مع وجوب الإيمان بهم ما لم يحصل بعبادة الأوثان، فإن الأوثان
_________________
(١) ١ الآية (١٣٦) من سورة النساء. ٢ الآيتان (٧٩، ٨٥) من سورة آل عمران.
[ ٢ / ٦٦٤ ]
تستحق الإهانة وأن تكسر كما كسر إبراهيم الأصنام وكما حرق موسى العجل ونسفه وكما كان نبينا ﷺ يكسر الأصنام ويهدم صوتها وقد قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ ١ فإهانتها من تمام التوحيد والإيمان.
والملائكة والأنبياء بل الصالحون يستحقون المحبة والموالاة والتكريم والثناء. مع أنه يحرم الغلو فيهم والشرك بهم، فلهذا صار بعض الناس يزيد في التعظيم على ما يستحقونه فيصير شركا، وبعضهم يقصر عما يجب لهم من الحق فيصير فيه نوع من الكفر.
والصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وهو القيام بما أمر الله به ورسله في هذا وهذا.
والله تعالى يميز حقه من حق غيره ففي الصحيحين عن معاذ بن جبل أن النبي ﷺ قال له: "يا معاذ أتدرى ما حق الله على العباد"
قلت: الله ورسوله أعلم.
قال: "أن يعبدوه ولا شركوا به شيئا، أتدرى يا معاذ ما حقهم عليه إذا فعلوا ذلك؟ " قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "أن لا يعذبهم" ٢. وقد قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ الآية (٩٨) من سورة الأنبياء. ٢ تقدم تخريجه. ٣ الآيتان (٧٤-٧٥) من سورة القصص.
[ ٢ / ٦٦٥ ]
فالرسل كلهم نوح وهود وصالح وشعيب وغيرهم يبينون أن العبادة والتقوى حق لله وحده، وحق الرسل طاعتهم.
قال نوح ﵇ ﴿يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ ١.
وكذلك قال هود وصالح وشعيب وغيرهم ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ٢.
وقال تعالى ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ ٣.
وكذلك قال سائر الرسل هود وصالح وشعيب كل يقول ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ ٤.
وكذلك في رسالة محمد ﷺ قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ ٥.
فجعل الطاعة لله والرسول. وجعل الخشية والتقوى لله وحده.
وقال تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ ٦.
فالإيمان بالله والرسول، والتعزير والتوقير للرسول، وتعزيره، نصره ومنعه.
_________________
(١) ١ الآيتان (٢- ٣) من سورة نوح. ٢ الآيات (٦٥- ٧٣- ٨٥) من سورة الأعراف. ٣ الآيات (من ١٠٥ إلى ١٠٨) من سورة الشعراء. ٤ الآيات (١٢٦- ١٣١- ١٤٤- ١٦٣- ١٧٩) من سورة الشعراء. ٥ الآية (٥٢) من سورة النور. ٦ الآية (٩) من سورة الفتح.
[ ٢ / ٦٦٦ ]
والتسبيح بكرة وأصيلا لله وحده، فإن ذلك من العبادة لله وحده والعبادة هي لله وحده.
وقال تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ ١ فأنكر سبحانه أن يتقى غيره كما أمر أن لا يرهب إلا إياه.
وقال تعالى: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ ٣. فقد أمر الله تعالى في غير موضع بأن يخشى ويخاف ولا يخشى ويخاف غيره. وقال تعالى ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ ٤.
ففي الإيتاء قال ﴿مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ كما قال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ لأن الحلال ما حلله الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله.
فما أعطاه الرسول للناس فهو حقهم بالقول والعمل كالفرائض التي قسمها الله وأعطى كل ذي حق حقه وكذلك من الفيء والصدقات ما أعطى فهو
_________________
(١) ١ الآيتان (٥١، ٥٢) من سورة النحل. ٢ الآية (١٥٠) من سورة البقرة. ٣ الآية (١٨) من سورة التربة. ٤ الآية (٥٩) س سورة التوبة.
[ ٢ / ٦٦٧ ]
حقه، وما أباحه له فهو مباح، وما نهاه عنه فهو حرام عليه فلهذا قال تعالى ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ ولم يقل هنا ورسوله لأن الله تعالى وحده حسب عبده أي كافيه. لا يحتاج الرب في كفايته إلى أحد لا رسول ولا نبي، ولهذا لا تجئ هذه الكلمة إلا الله وحده كقوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ ٢.
وقال تعالى ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ ٣ إلى قوله ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٤ أي حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين كما قاله جمهور أهل العلم. ومن قال إن الله ومن اتبعك حسبك فقد غلط، ولم يجعل الله وحده حسبه بل جعله وبعض المخلوقين حسبه، وهذا مخالف لسائر آيات القرآن.
وقال تعالى ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ ٥ فهو وحده كاف عبده، وقال تعالى ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ ٦.
_________________
(١) ١ الآية (١٧٣) من سورة آل عمران. ٢ الآية (١٢٩) من سورة التوبة. ٣ الآية (٦٢) من سورة الأنفال. ٤ الآية (٦٤) من سورة الأنفال. ٥ الآية (٣٦) من سورة الزمر. ٦ الآية (٣) من سورة الطلاق.
[ ٢ / ٦٦٨ ]
فلهذا قال تعالى ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ ولم يقل ورسوله ثم قال ﴿إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ ولم يقل ورسوله بل جعل الرغبة إلى الله وحده كما قال ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ ١.
فالرغبة تتضمن التوكل وقد أمر أن لا نتوكل إلا عليه كقوله ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾ ٢ وقوله ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ٣.
فالتوكل على الله وحده، والرغبة إليه وحده، والرهبة منه وحده.
ليس لمخلوق لا الملائكة ولا الأنبياء في هذا حق كما ليس لهم حق في العبادة ولا يجوز أن نعبد إلا الله وحده ولا نخشى ولا نتقى إلا الله وحده كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ٤.
فإذا قال القائل لا يجوز التوكل إلا على الله وحده، ولا العبادة إلا لله وحده ولا يتقى ولا يخشى إلا الله وحده لا الملائك ولا الأنبياء ولا غيرهم كان هذا تحقيقا للتوحيد.
ولم يكن، هذا سبًا لهم ولا تنقصًا بهم ولا عيبًا لهم وإن كان فيه بيان نقص درجتهم عن درجة الربوبية فنقص المخلوق عن الخالق من لوازم كل مخلوق. ويمتنع أن يكون المخلوق مثل الخالق.
_________________
(١) ١ الآيتان (٧- ٨) من سورة الشرح. ٢ الآية (٢٣) من سورة المائدة. ٣ الآية (٩٩) من سورة النحل. ٤ الآية (٢) من سورة الأنفال.
[ ٢ / ٦٦٩ ]
والملائكة والأنبياء كلهم عباد الله يعبدونه كما قال تعالى ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ ١.
وقال تصالى ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ ٢.
فإذا نفي عن مخلوق ملك أو نبي أو غيرهما ما كان من خصائص الربوبية وبين أنه عبد الله كان هذا حقا واجب القبول، وكان إثباته إطراء للمخلوق فإن دفعه عن ذلك كان عاصيا بل مشركا.
ولهذا قال النبي ﷺ "لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم فإنما أنا عبد الله فقولوا عبد الله ورسوله ".
فالله تعالى قد وصفه بالعبودية حين أرسله، وحين تحدى، وحين أسرى به فقال تعالى ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ ٣.
وقال تعالى ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ ٤.
وقال تعالى ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ ٥.
وأهل الباطل يقولون لمن وصفهم بالعبودية إنه عابهم وسبهم ونحو ذلك.
_________________
(١) ١ الآية (١٧٢) من سورة النساء. ٢ الآيات (٢٦، ٢٧، ٢٨، ٢٩) من سورة الأنبياء. ٣ الآية (١٩) من سورة الجن. ٤ الآية (٢٣) من سورة البقرة. ٥ الآية (١) من سورة الإسراء.
[ ٢ / ٦٧٠ ]
ولهذا لما سأل النجاشي١ جعفر بن أبي طالب٢ رضي لله عنه ما تقول في المسيح عيسى؟ فقال: هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه رفع النجاشي عودًا وقال: ما زاد المسيح على ما قلت هذا العود فنخرت بطارقته٣. فقال: وإن نخرتم"٤.
فهم يجعلون قول الحق في المخلوق سبًا له، وهم يسبون الله ويصفونه بالنقائص والعيوب كما في الحديث عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "يقول الله: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك. أما تكذبه إياي أن يقول: إني لن أعيده كما بدأته، وأما شتمه إياي أن يقول: اتخذ الله ولذا، وأنا الصمد الذي لم ألد ولم أولد ولم يكن لي
_________________
(١) ١ أصحمة بن أبحر النجاشي -ملك الحبشة- واسمه بالعربية عطية والنجاشى لقب، أسلم على عهد النبي ﷺ ولم يهاجر إليه، وكان ردءا للمسلمين نافعا، وقصته مشهورة في المغازى في إحسانه للمسلمين الذين هاجروا إليه في صدر الإسلام، توفي في عهد النبي ﷺ وصلى عليه صلاة الغائب. الإصابة (١/ ١١٧) . ٢ جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب، ابن عم النبي ﷺ وأحد السابقين للإسلام، هاجر إلى الحبشة، فأسلم النجاشى ومن تبعه على يديه، ئم قدم المدينة والنبي ﷺ بخيبر، واستشهد في مؤتة سنة ثمان من الهجرة. الإصابة (١/٢٣٩-٢٤٠) . ٣ أي تكلمت، وكأنه كلام مع غضب ونفور. النهاية (٥/٣٢) . ٤ أخرجه الإمام أحمد في المسند (١/٢٠١-٢٠٣) (٥/٢٩٠-٢٩٢) . قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/٢٤-٢٧) رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. وأخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٢٩٣-٢٩٥) . وهو في سيرة ابن هشام (١/٢٨٩-٢٩١) .
[ ٢ / ٦٧١ ]
كفوا أحد " ١.
فقد أخبر سبحانه أن هؤلاء يسبونه، وقد كان معاذ بن جبل يقول عن النصارى: لا ترحموهم فقد سبوا الله سبة ما سبه إياها أحد من البشر. وهذا نظير ما ذكره الله تعالى عن المشركين بقوله ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ ٢.
فكانوا ينكرون على محمد ﵇ أن يذكر آلهتهم بما تستحقه وهم يكفرون بذكر الرحمن ولا ينكرون ذلك كما قال تعالى ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ٣.
وهكذا من فيه شبهه من اليهود والنصارى والمشركين تجده يغلو في بعض المخلوقين من المشايخ والأئمة والأنبياء وغيرهم وإذا ذكروا بما يستحقونه أنكر ذلك ونفر منه وعادى من فعل ذلك وهو وأصحابه يستخفون بعبادة الله وحده وبحقه وبحرماته وشعائره ولا ينكر ذلك. ويحلف أحدهم بالله ويكذب ويحلف بمن يعظمه ويصدق ولا يستجيز الكذب إذا حلف به. وهؤلاء من جنس النصارى والمشركين وكذلك قد يعيبون من نهي عن شركهم كالحج إلى القبور التي يحجون إليها عادة وهم يستخفون بحرمة الحج إلى بيت الله
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في قوله تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ الآية (٦/٢٨٧) ح ٣١٩٣ وكذلك في كتاب التفسير، تفسير سورة الإخلاص. انظر فتح الباري (٨/٧٣٩) ح ٤٩٧٤، ٤٩٧٥. ٢ الآية (٣٦) من سورة الأنبياء. ٣ الآية (١٠٨) من سورة الأنعام.
[ ٢ / ٦٧٢ ]
ويجعلون الحج إلى القبور أفضل منه. وقد ينهون عن الحج اعتياضا إلى القبور ويقولون هذا الحج الأكبر.
ويرون النهي عن الحج إلى قبور الأنبياء والصالحين إخلالا بحقهم ومعاداة لهم ونحو ذلك.
وهم لا يرون الشرك بالله ودعاء غيره واتخاذ عباده من دونه أولياء إخلالا بحقه ومعاداة له.
ومعلوم أن المشركين من أعظم أعداء الله ﷿ قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ ١ فأمر بالتأسي بإبراهيم ومن معه لما تبرءوا من المشركين وما يعبده المشركون، وأظهروا لهم العداوة والبغضاء حتى يؤمنوا بالله وحده. فالمشرك والآمر بالشرك والراضي به معاد لله، ومن عادى الله فقد عادى أنبياءه وأولياءه.
_________________
(١) ١ الآيات (١-٤) من سورة الممتحنة.
[ ٢ / ٦٧٣ ]
وأما من أمر بما جاءت به الرسل فلم يعادهم ولم يعاندهم قال تعالى ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ ١.
وهنا موضع يشكل على بعض الناس وذلك أنه قال ﵇ في الحديث الصحيح: " أصدق كلمة قد قالها شاعر كلمة لبيد
ألا كل شيء ما خلا الله باطل٢.
وذلك مثل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِل﴾ ٣.
فالمراد بالباطل: ما لا ينفع، وكل ما سوى الله لا تنفع عبادته، وهذا يدخل فيه كل ما عبد من دون الله من الملائكة والأنبياء وهؤلاء قد سبقت لهم من الله الحسني فكيف يدخلون في الباطل؟.
وكذلك قوله: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ ٤.
فيقال: إن المراد عبادتهم والعمل لهم باطل، وقد يقال عن الشيء أنه لا شيء لانتفاء المقصود منه ليس بشيء وكما قال ﷺ عن الكهان لما سئل عنهم فقال: "ليسوا بشيء" فقالوا إنهم يحدثون أحيانًا الشيء يكون حقا، فقال
_________________
(١) ١ سورة الكافرون. ٢ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب مناقب الأنصار باب أيام الجاهلية فتح الباري (٧/١٤٩) ح ٣٨٤١. وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الشعر (٧/٤٩) . ٣ الآية (٦٢) من سورة الحج. ٤ الآية (٣٢) من سورة يونس.
[ ٢ / ٦٧٤ ]
رسول الله ﷺ: "تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقرها في أذن وليه قر الدجاجة فيخلطون فيها أكثر من مائة كذبة"١. فهم ليسوا بشيء: أي لا ينتفع بهم فيما يقصد منهم، وهو الاستخبار عن الأمور الغائبة لأنهم يكذبون كثيرًا فلا يدرى ما قالوه أهو صدق أم كذب. وهم مع ذلك موجودون يضلون ويضلون.
فقوله: "ليس بشيء" مثل قوله: "ألا كل شيء ما خلا الله باطل" وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِل﴾ فهو من جهة كونه معبودًا باطل لا ينتفع به ولا يحصل لعابده مقصود العبادة وإن كان من جهة أخرى هو شمس وقمر ينتفع بضيائه ونوره وهو يسجد لله ويسبحه. وكذلك الملائكة والأنبياء إذا نفي عنهم كونهم آلهة معبودين وتبين أن عبادتهم عمل باطل لا ينتفع به، لم ينف ذلك ما يستحقونه من الإجلال والإكرام وعلو قدرهم عند الله تعالى.
والتبري من عبادتهم وكونهم معبودين، لا من موالاتهم والإيمان بهم وقولهم ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي ومن عبادتهم ومن كونهم معبودين كما قال الخليل ﵇: ﴿يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ ٢ فهو بريء من كل شريك لله من جهة كونه جعل شريكا وندًا لله ولم يبرأ منه من جهات أخرى.
فإبراهيم لم يبرأ من الشمس والقمر والكواكب من جهة كونها مسخرة لمنافع العباد وكونها تسجد لله وتسبحه وكونها من آياته العظيمة بل من جهة كونها
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم في صحيحه، كناب السلام، باب تحريم الكهانة وإتيان الكهان (٧/٣٦) . ٢ الآية (٧٨) من سورة الأنعام.
[ ٢ / ٦٧٥ ]
شركاء لله. أما الأوثان ونحوها فتعادى مطلقا. والشمس والقمر والملائكة والكواكب تعادى عبادتها وكونها آلهة معبودة فتبغض من هذه الجهات وتعادى، مع وجوب الإيمان بالملائكة وإذا قيل للنصارى نحن براء من شرككم ومما تعبدون من دون الله. وقد قال تعالى: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ١ هذا بعد قوله: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾ ٢.
فالبراءة من كل معبود سوى الله كالبراءة من كل إله سوى الله، وذلك براءة من الشرك ومن كل ما سوى الله معبودا، وليس هو براءة من المسيح من جهة كونه رسولًا كريما وجيها عند الله، بل براءة مما قيل فيه من الباطل لا من الحق. والمسيح والملائكة وغيرهم يتبرؤن ممن عبدوهم ويعادونهم ولا يوالونهم قال الله تعالى ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ ٤.
_________________
(١) ١ الآية (٧٦) من سورة المائدة. ٢ الآية (٧٥) من سورة المائدة. ٣ الآيتان (٤٥-٤١) من سورة سبأ. ٤ الآية (١٧-١٨) من سورة الفرقان.
[ ٢ / ٦٧٦ ]
وقال تعالى ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي﴾ ١ وقال تعالى ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٢.
وقال تعالى ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا﴾ ٣.
وهو سبحانه لم ينه عن موالاتهم فمن أحبهم ووالاهم فهو موحد ومن جعلهم أندادًا أحبهم كما يحب الله نهو مش يث.
فالحب لله توحيد وإيمان. والحب كما يص جا الله شرك وكفر.
وكذلك الشفاعة قال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ﴾ ٤. وقال تعالى ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ ٥.
فتبين أنه لا تنفع شفاعة الملائكة والأنبياء ولا غيرهم إلا لمن أذن له حتى "إذا قضى بالأمر ضربت الملائكة بأجنحتها خضعازا لقوله تعالى كأنه سلسلة على صفوان"٦ وصعقوا فلا يعلمون ما قال: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ٧.
_________________
(١) ١ الآية (١٠٢) من سورة الكهف. ٢ الآية (٩) من سورة الشورى. ٣ الآية (١٤) من سورة الأنعام. ٤ الآية (٤) من سورة السجدة. ٥ الآية (٢٥٥) من سورة البقرة. ٦ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، تفسير سورة سبأ، باب (حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلى الكبير) . فتح الباري (٨/ ٥٣٧-٥٣٨) ح ٤٨٠٠ ٧ الآية (٢٣) من سررة سبأ.
[ ٢ / ٦٧٧ ]
فحينئذ يعلمون ما قضى به، فكيف يضفعون بدودت إذنه؟
قال الله تعالى: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ ١ وقال تعالى ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ﴾ ٢.
وأوجه الشفعاء وأول شافع يوم القيامة محمد ﷺ وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أحاديث الشفاعة أن الناس يوم القيامة إذا ذهبوا إلى آدم ليشفع لهم يردهم إلى نوح ونوح إلى إبراهيم وإبراهيم إلى موسى وموسى إلى المسيح والمسيح إلى محمد صلى الله عليهم وسلم أجمعين فيقول اذهبوا إلى محمد فإنه عبد غفر له الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر قال ﷺ "فيأتوني فأذهب إلى ربي فإذا رأيت ربي خررت ساجدا وأحمد ربي بمحامد يفتحها عليَّ لا أحسنها الآن وحينئذ فيقول الله تعالى "أي محمد ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعطه واشفع تشفع" قال فأقول: أي رب أمتى فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة" وكذلك ذكر في الثانية والئالثة٣.
وفي صحيح البخاري عن أدي هريرة ﵁ قلت: يارسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ " الحديث إلى أن قال ﷺ: "أسعد الناس بشفاعتى من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه" ٤.
فقد بين أوجه الشفعاء أنه إذا أتى يبدأ بالسجود لله والحمد لله لا يبدأ
_________________
(١) ١ الآيتان (٢٦،٢٧) من سورة الأنبياء. ٢ الآية (٤٣) مت سورة الزمر. ٣ تقدم تخريجه ص ٤٥٨. ٤ تقدم تخريجه ص ٤٩.
[ ٢ / ٦٧٨ ]
بالشفاعة حتى يؤذن له فإن أذن له فحينئذ يشفع، فإذا شفع حد له حدًا فيدخلهم الجنة، وبين أن أولى الناس بشفاعته من كان أعظم إخلاصا وتوحيدًا لا من كان سائلا وطالبا منه أو من غيره. فالأمر كله لله وحده لا شريك له هو الذي يأذن في الشفاعة وهو الذي يقبل شفاعة الشفيع فيمن يختار قال تعالى ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ١.
فالذين يخالفون شريعة الأنبياء ويغلون فيهم ويقولون إنهم يحبونهم ويوالونهم ويعظمونهم بذلك، فالأنبياء يتبرءون منهم، ومحمد ﷺ بريء من عمل يخالف أمره وسنته قال الله تعالى ﴿فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ ٢.
ولا ينفع من عصى الرسول أن يقول قصدي تعظيمهم فإنه إنما أمر بطاعتهم ولم يأمر أن يعبد الله بالظن وما تهوى الأنفس، قال الله تعالى ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ ٣.
فقد أخبر أنه لم يقل لهم إلا ما أمره الله به أن يعبدوا الله وحده وكذلك سائر الانبياء قال الله تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ
_________________
(١) ١ الآية (٦٨) من سورة القصص. ٢ الآية (٢١٦) من سورة الشعراء. ٣ الآيتان (١١٦، ١١٧) من سورة المائدة.
[ ٢ / ٦٧٩ ]
لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ١.
وهو سبحانه انما يعبد بما شرع من الدين، لا يعبد بما شرع من الدين بغير إذنه فإن ذلك شرك قال الله تعالى ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ ٣ والدين الذي شرعه اما واجب أو مستحب فكل من عبد عبادة ليست واجبة في شرع الرسول ولا مستحبة كانخا من الشرك والبدع، وكلما تدبر الإنسان ما أمر به وشرعه تبين له أنه جمع في شرعه بين كمال توحيد الرب واخلاص الدفى له.
وبين كمال طاعة الرسل وتعزيرهم ومحبتهم وموالاتهم ومتابعتهم فأسعد الناس في الدنيا والآخرة أتبعهم للرسول باطنا وظاهرًا ﷺ تسليما٤.
فهذا هو صراط الله المستقيم قال تعالى ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ٥.
ولما أمرنا الله أن نسأله في كل صلاة أن يهدينا الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين المغايرين للمغضوب
_________________
(١) ١ الآية (٢٥) من سورة الأنبياء. ٢ الآية (٢١) من سورة الشورى. ٣ الآية (١٣) من سورة الشورى. ٤ الرد على الأخنائي (٣٣٣- ٣٨٨) بتصرف. ٥ الآية (١٥٣) من سورة الأنعام.
[ ٢ / ٦٨٠ ]
عليهم وللضالين. كان ذلك مما لحين أن العبد يخاف عليه أن ينحرف إلى هذين الطريقين١. والمغضوب عليهم هم اليهود والضالون هم النصارى٢.
وقد افترق اليهود والنصارى في شأن الأنبياء، فاليهود جفوا عنهم فكذبوهم وقتلوهم كما أخبر الله عنهم بقوله ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ ٣، والنصارى غلوا فيهم فأشركوا بهم حتى كفروا بالله تعالى قال تعالى ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ ٤.
فبالإيمان بهم وتصديقهم وطاعتهم يخرج المسلم عن مشابهة اليهود وبعبادة الله وحده والاعتراف بأنهم عباد الله لا يجوز اتخاذهم أربابا إلا اك ك بهم والغلو فيهم يخرج عن مشابهة النصارى.
فإن اتخاذهم أربابا كفر تال الله تعالى ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ٥ والنصارى يشركون
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى (١/ ٦٥) . ٢ كتاب الله يدل على ذلك فقد قال الله في حق اليهود ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ . وقال النصارى ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ . ٣ الآية (٨٧) من سورة البقرة. ٤ الآية (١٧١) من سورة النساء. ٥ الآية (٨٠) من سورة آل عمران.
[ ٢ / ٦٨١ ]
بمن دون المسيح من الأحبار والرهبان قال تعالى ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ١ فمن غلا فيهم واتخذهم أربابا فهو كافر.
ومن كذب شيئا مما جاؤا به أو سبهم أو عابهم أو عاداهم فهو كافر.
فلابد من رعاية هذا الأصل٢.
وكان السلف يرون أن من انحرف من العلماء عن الصراط المستقيم ففيه شبه من اليهود كما ئرى في أحوال منحرفة أهل العلم من تحريف الكلم عن مواضعه، وقسوة القلوب، والبخل بالعلم وغير ذلك.
ومن انحرف من العباد ففيه شبه من النصارى كما ئرى في منحرفة أهل العبادة من الغلو في الأنبياء والصالحين وغير ذلك٣.
والغلو في هذه الأمة وقع في طائفتين:
الطائفة الأولى: طائفة من ضلال الشيعة الذين يعتقدون في الأنبياء والأئمة من أهل البيت الألوهية.
الطائفة الثانية: طائفة من جهال المتصوفة يعتقدون نحو ذلك في الأنبياء والصالحين٤.
فمن توهم في نبينا أو غيره من الأنبياء شيئا من الألوهية والربوبية فهو من جنس النصارى.
وإنما حقوق الأنبياء ما جاء به الكتاب والسنة عنهم قال تعالى في خطابه لبني
_________________
(١) ١ الآية (٣١) من سورة التوبة. ٢ الرد على الأخنائي (٣٢٤-٣٢٥) . ٣ مجموع الفتاوى (١/٦٥) بتصرف. ٤ انظر الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (١/٩٢) والرد على البكري (ص ١٠٥، ١٠٦)
[ ٢ / ٦٨٢ ]
إسرائيل ﴿وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ ١.
والتعزير: النصر والتوقير والتأييد.
وقال تعالى ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ ٢ فهذا في حق الرسول، ثم قال في حق الله تعالى ﴿وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ ٣.
وقال تعالى ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٤.
وقال تعالى ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ ٥.
وقال تعالى ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ ٦ وذكر طاعة الرسول في أكثر من ثلاثين موضعا.
وقال تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ٧.
وقال تعالى ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ
_________________
(١) ١ الآية (١٢) من سورة المائدة. ٢ الآية (٨، ٩) من سورة الفتح. ٣ الآية (٩) من سورة الفتح. ٤ الآية (١٥٧) من سورة الأعراف. ٥ الآية (٣١) من سورة آل عمران. ٦ الآية (٣٢) من سورة آل عمران. ٧ الآية (٥٦) من سورة الأحزاب.
[ ٢ / ٦٨٣ ]
اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا﴾ ١ فقد بين الله في كتابه حقوق الرسول من الطاعة له، ومحبته، وتعزيره، وتوقيره، ونصره، وتحكيمه، والرضى بحكمه، والتسليم له واتباعه والصلاة والتسليم عليه، وتقديمه على النفس والأهل والمال، ورد ما يتنازع فيه إليه وغير ذلك من الحقوق.
وأخبر أن طاعته طاعته فقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ ٢ ومبايعته مبايعته فقال ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ ٣.
وقرن بين اسمه واسمه في المحبة فقال ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ٤ وفي الأذى فقال ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ٥ وفي الطاعة والمعصية فقال ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ٦٧. وفي الرضا فقال ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ ٨.
فهذا ونحوه هو الذي يستحقه رسول الله بأبي هو وأمي.
فأما العبادة والاستعانة فلله وحده لا شريك له كما قال ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ ٩.
_________________
(١) ١ الآية (٢٤) من سورة التوبة. ٢ الآية (٨٠) من سورة النساء. ٣ الآية (١٠) من سورة الفتح. ٤ الآية (٢٤) من سورة التوبة. ٥ الآية (٥٧) من سورة الأحزاب. ٦ الآية (١٣) من سورة النساء. ٧ الآية (١٤) من سورة النساء. ٨ الآية (٦٢) من سورة التوبة. ٩ الآية (٣٦) من سورة النساء.
[ ٢ / ٦٨٤ ]
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ١.
﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ ٢.
وقد جمع منهما في مواضع كقوله ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ ٣.
وقوله ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ ٤.
والدعاء لله وحده سواء كان دعاء عبادة أو دعاء المسألة والاستعانة كما قال تعالى ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا﴾ ٥.
وتوحيد الله وإخلاص الدين له في عبادته واستعانته في القرآن كثير جدًا، بل هو قلب الإيمان، وأول الإسلام وآخره.
كما قال النبي ﷺ " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله" ٦.
وقال ﷺ "من كان آخر كلامه لا إلى إلا الله دخل الجنة" ٧.
_________________
(١) ١ الآية (٥) من سورة الفاتحة. ٢ الآية (٥) من سورة البينة. ٣ الآية (١٢٣) من سورة هود. ٤ الآية (٥٨) من سورة الفرقان. ٥ الآيات (من ١٨ إلى ٢٠) من سورة الجن. ٦ تقدم تخريجه ص ٤٥. ٧ أخرجه الإمام أحمد في المسند (٥/٢٣٣) . وأخرجه أبر داود في السنن، كتاب الجنائز، باب في التلقين (٣/٤٨٦) ح ٣١١٦ وأخرجه الحاكم في المستدرك (١/٣٥١) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وحسنه الحافظ في تخريج الأذكار -كما في الفتوحات الربانية (٤/١٠٩-١١٠) وذكر له شواهد.
[ ٢ / ٦٨٥ ]
وهو قلب الدين والإيمان، وسائر الأعمال كالجوارح له.
فالعبادة والإستعانة وما يدخل في ذلك من الدعاء والاستغاثة والخشية والرجاء والإنابة والتوكل والتوبة والاستغفار كل، هذا لله وحده لا شريك له. فالعبادة متعلقة بألوهيته، والاستعانة متعلقة بربوبيته، والله رب العالمين لا إله إلا هو، ولا رب لنا غيره، لا ملك ولا نبي ولا غيره، بل أكبر الكبائر الإشراك بالله وأن تجعل له ندا وهو خلقك، والشرك أن تجعل لغيره شركا أى نصيئا في عبادتك، وتوكلك، واستعانتك كما قال من قال ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ١
وأصناف العبادات: الصلاة بأجزائها مجتمعة، وكذلك أجزاؤها التي هي عبادة بنفسها من السجود والركوع والتسبيح والدعاء والقراءة والقيام لا يصلح إلا لله وحده.
ولا يجوز أن يتنفل عن طريق العبادة إلا لله وحده، لا الشمس ولا القمر ولا الملك ولا لنبي ولا صالح ولا قبر نبي ولا صالح، وهذا في جميع ملل الأنبياء وقد ذكر في شريعتنا حتى نهي أن يتنفل على وجه التحية والإكرام للمخلوقات، ولهذا نهي النبي ﷺ معاذًا أن يسجد له وقال: "لو كنت آمرًا أن يُسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها" ٢.
_________________
(١) ١ الآية (٣) من سورة الزمر. ٢ أخرجه الإمام أحمد في المسند (٤/٣٨١) من حديث عبد الله بن أبي أوفى (٥/٢٢٧-٢٢٨) من حديث معاذ (٦/٧٦) من حديث عائشة. وأخرجه أبو داود في السنن، كتاب النكاح، باب حق الزوج على المرأة (٢/٦٠٤-٦٠٥) ح ٢١٤٠ من حديث قيس بن سعد وأخرجه الترمذي في السنن، كتاب الرضاع، باب ما جاء في حق الزوج على المرأة (٤٦٥١٣) ح ١١٥٩ من حديث أبى هريرة وقال: وفي الباب عن معاذ بن جبل وسراقة بن مالك وعائشة وابن عباس وعبد الله بن أبي أوفى وطلق بن على وأم سلمة وأنس وابن عمر. انتهي كلامه. وأخرجه ابن ماجه فى السنن كتاب النكاح، باب حق الزوج على المرأة (١/٣٤١-٣٤٢) ح ١٨٥٧ من حديث عائشة، و١٨٥٨ من حديث عبد الله بن أبي أوفى. وأخرجه ابن حبان فى صحيحه. انظر موارد الظمآن (ح ١٢٩٠) من حديث عبد الله بن أبي أوفى.
[ ٢ / ٦٨٦ ]
وكذلك الزكاة العامة من الصدقات كلها والخاصة لا يتصدق إلا لله كما قال تعالى ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى﴾ ١.
فلا يجوز فعل ذلك عن طريق الدين لا لملك ولا لشمس ولا لقمر ولا لنبي ولا لصالح، كما يفعل بعض السوال والمعظمين كرامة لفلان وفلان، يقسمون بأشياء إما من الأنبياء وإما من الصحابة وإما من الصالحين.
وكذلك الحج لا يحج إلا إلى بيت الله، فلا يطاف إلا به، ولا يحلق الرأس إلا به، ولا يوقف إلا بفنائه، ولا يفعل ذلك بنبي ولا صالح ولا بقبر نبي ولا صالح، ولا بوثن.
وكذلك الصيام لا يصام إلا عبادة لله، فلا يصام لأجل الكواكب والشمس والقمر، ولا لقبور الأنبياء والصالحين ونحو ذلك.
وهذا كله تفصيل الشهادتين: اللتين هما أصل الدين "شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدًا عبده ورسوله".
والإله: من يستحق أن يألهه العباد ويدخل فيه حبه وخوفه.
فما كان من توابع الألوهية فهو حق محض لله.
_________________
(١) ١ الآية (٩) من سورة الإنسان.
[ ٢ / ٦٨٧ ]
وما كان من أمور الرسالة فهو حق الرسول١.
ونصوص القرآن والسنة مليئة بتقريرهذا الأمر ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى (١/ ٦٦، ٧٦) بتصرف يسير. ٢ الآية (٤٢) من سورة الأنفال.
[ ٢ / ٦٨٨ ]
المبجث الثالث: بيان توسط السلف في حق النبي ﷺ
إن مما امتاز به اتباع هذا الدين: الوسطية في كل شيء فلا إفراط ولاتفريط قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ ١ قال ابن كثير: "والوسط هنا المراد به الخيار والأجود كما يقال قريش أوسط العرب نسبا أي خيرها.
ولما جعل الله هذه الأمة وسطا خصها بأكمل الشرائع وأقوم المناهج وأوضح المذاهب"٢.
ومن الأمور التي توسطت بها هذه الأمة توسطها في شأن الأنبياء بين اليهود والنصارى.
فقد افترق اليهود والنصارى في الأنبياء: فاليهود جفوا عنهم فكذبوهم وقتلوهم. والنصارى غلوا فيهم فأشركوا بهم حتى كفروا بالله.
أما هذه الأمة فقد توسطت بين الطائفتين فأمنت وصدقت بأنبياء الله ولم يتتخذهم أربابا من دون الله.
فالسلف من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين ساروا في هذا الشأن وفق نصوص القرآن والسنة الصحيحة شأنهم في ذلك شأنهم في سائر أمور هذا الدين الاتباع وترك الابتداع.
فما نص عليه القرآن يجب الأخذ به والعمل به والحال نفسه ينطق على ما
_________________
(١) ١ الآية (١٤٣) من سورة البقرة. ٢ تفسير ابن كثير (١/١٩٠) .
[ ٢ / ٦٨٩ ]
نصت عليه السنة.
فقد نصت النصوص على أمور متعددة فيما يتعلق بشأن نبينا ﷺ وسائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
فمن أخذ بهذه الأمور جميعها وأمن بها فقط توسط ومن أخل بشيء منها فهو لا محالة واقع في أحد حالين إما الغلو أو التنقص.
ولما كان حال الغلو هو الأكئر خطرا على اتباع الرسل، فقد جاء التنبيه والتأكيد على بشريتهم في مواطن متعددة في كتاب الله العزيز منها:
١- التأكيد على بشرية الرسول وعبوديته لله تعالى:
قال تعالى ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ١.
وقال تعالى ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ ٢.
وقال تعالى ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاَّ بَشَرًا رَسُولًا﴾ ٣.
وقال تعالى ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ ٤.
وقال تعالى ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ ٥.
وقال تعالى ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ ٦.
_________________
(١) ١ الآية (٧٩) من سورة آل عمران. ٢ الآية (٩١٠) من سورة الكهف. ٣ الآية (٩٣) من سورة الإسراء. ٤ الآية (١) من سورة الإسراء. ٥ الآية (٢٣) من سورة البقرة. ٦ الآية (٤١) من سورة الأنفال.
[ ٢ / ٦٩٠ ]
وقال تعالى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا﴾ ١
وقال تعالى ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ ٢
وقال تعالى ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ ٣.
وقال تعالى ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ ٤.
وقال تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ﴾ ٥.
٢- التأكيد على أن الرسل لا يملكون شيئا من خصائص الألهية والربوبية
قال تعالى ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ ٦.
وقال تعالى ﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ﴾ ٧.
وقال تعالى ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ
_________________
(١) ١ الآية (١) من سورة الكهف. ٢ الآية (١) من سورة الفرنان. ٣ الآية (١٠) من سورة النجم. ٤ الآية (٩) من سورة الحديد. ٥ الآية (٢٠) من سورة الفرقان. ٦ الآية (٥٠) من سورة الأنعام. ٧ الآية (٥٨، ٥٩) من سورة الأنعام.
[ ٢ / ٦٩١ ]
مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ١.
وقال تعالى ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ ٢.
وقال تتعالى ﴿وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ﴾ ٣.
وقال تعالى ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا﴾ ٤.
وقال تعالى ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ ٥.
وقال تعالى ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعًا إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ ٦.
وقال تعالى ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ﴾ ٧
٣- التنبيه على ما كان من حال النصارى هع عيسى ﵇ وبيان كفرهم في ذلك:
قال تعالى ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ ٨.
وقال تعالى ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ
_________________
(١) ١ الآيتان (١٨٧، ١٨٨) من سورة الأعراف. ٢ الآية (٢٠) من سورة يونس. ٣ الآية (٣١) من سورة هود. ٤ الآية (٢١) من سورة الجن. ٥ الآية (١٢٨) من سورة آل عمران. ٦ الآية (٤٩) من سورة يونس. ٧ الآية (٩) من سورة الأحقاف. ٨ الآية (١٧) من سورة المائدة.
[ ٢ / ٦٩٢ ]
الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرائيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ ١.
٤- بيان كفر من رفعهم إلى درجة الربوبية:
قال تعالى ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ٢.
وبجانب هذا التأكيد على بشرية الرسل والتحذر من رفعهم فوق مكانتهم التي أعطاهم الله إياها ووصفهم بما ليزر لهم حق فيه.
أكد الإسلام وجوب الإيمان بهم وإكرامهم ورفع درجتهم وجعلهم في مكانة ومنزلة سامية. فأوجب الإيمان بهم.
قال تعالى ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا
_________________
(١) ١ الآيات (من ٧٢- ٧٧) من سورة المائدة. ٢ الآية (٨٠) من سورة آل عمران.
[ ٢ / ٦٩٣ ]
غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ ١.
قال ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: "فالمؤمنون يؤمنون بأن الله واحد، فرد صمد، لا إله غيره ولا رب سواه.
ويصدقون بجميع الأنبياء والرسل والكتب المنزلة من السماء على عباد الله المرسلين والأنبياء لا يفرقون بين أحد منهم فيؤمنون ببعض ويكفرون ببعض بل الجميع عندهم صادقون بارون راشدون مهديون هادون إلى سبيل الخير، وإن كان بعضهم ينسخ شريعة بعض بإذن الله حتى نسخ الجميع بشرع محمد ﷺ خاتم الأنبياء والمرسلين الذي تقوم الساعة على شريعته، ولا تزال طائفة من أمته على الحق ظاهرين"٢.
وفي مقابل ذلك فقد عد تكذيب واحد منهم كفرًا ولو ادعى الإيمان بالله ورسله جميعا إلا ذلك، فإيمان من هذا حاله إيمان زائف لا وزن له ولا خير فيه وصاحبه موسوم بالكفر.
قال تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ ٣.
قال ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: "والمقصود أن من كفر بنبي من الأنبياء فقد كفر بسائر الأنبياء، فإن الإيمان واجب بكل نبى بعثه الله إلى أهل الأرض فمن رد نبوته للحسد أو العصبية أو التشهي تبين أن إيمانه بمن آمن به
_________________
(١) ١ الآية (٢٨٥) من سورة البقرة. ٢ تفسير ابن كثير (١/٣٤٢) . ٣ الآيتان (١٥٠، ١٥١) من سورة النساء.
[ ٢ / ٦٩٤ ]
من الأنبياء ليس إيمانًا شرعيًا إنما هو عن غرض وهوى وعصبية"١.
وبهذه الوسطية تمسك السلف الصالح ومن سار على نهجهم فالأنبياء وعلى رأسهم نبينا صلوات الله عليهم أجمعين بشر مثلنا فضلهم الله واصطفاهم واختارهم وشرفهم بحمل الرسالة وتبليغها إلى الناس، وأوجب علينا لهم من الحقوق ما سبق ذكره، وكذلك جعل لنا عليهم من الأمور والحقوق التي تطلب منهم، "فالأمور نوعان:
النوع الأول: نوع يطلب لنبينا منا ويجب له علينا.
والنوع الثاني: نوع يطلب لنا منه سواء أوجب عليه أو لم يجب. فالواجب له علينا من الحقوق بعد الموت الإيمان به ومحبته ونصره وتعزيره وتوقيره وطاعة أمره واتباع سنته وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه.
هذا بالنسبه لما يتعلق بالنوع الأول. أما ما يتعلق بالنوع الثاني: فتحقيق ذلك أن الله أمره بأشياء منها ما هو حق لله. ومنها ما هو حق للناس.
والأمر تارة يكون أمر إيجاب، وتارة أمر استحباب.
وكل ما أمر به مما فيه نفع للخلق ففيه حق لهم عليه كتبليغهم وتعليمهم والبيان لهم وأمرهم بكل معروف ونهيهم عن كل منكر، وحضهم على كل ما يقربهم إلى الجنة ونهيهم عن كل ما يبعدهم عنها وتبيين كل ما يحتاجون إليه وأمثال ذلك.
وقد فعل ذلك وتركهم على البيضاء ليلها كنهارها، وما طائر يقلب جناحيه إلا ذكر لهم منه علما بأخباره وأوامره ونواهيه.
_________________
(١) ١ تفسير ابن كئبر (١/٥٧٢) .
[ ٢ / ٦٩٥ ]
وكذلك كان يقوم بأخذ الصدقة من أغنيائهم وردها على فقرائهم، وإنصاف مظلومهم من ظالمهم، وإطعام جائعهم، وعيادة مريضهم، والصلاة على ميتهم، وأمثال ذلك من أنواع إحسانه إليهم في جميع مصالح الدنيا وا لآخرة.
فاجتمعت له صفات الكمال المتفرقة في غيره من الرسل والأنبياء وولاة الأمر وغيرهم.
وكان له من خصائص النبوة والرسالة ما لم يشركه فيه أحد بعده، وكان يقوم بالإمامة في الصلاة والإمارة في الغزو وإرسال البعوث وعقد الألوية والشعائر في الحروب وإقامة الحدود وايصال الحقوق وقسم المواريث والمغانم والفيء والصدقات، وتعليمهم ما يؤمرون به مما في القلوب من المعارف والأحوال، أو ما يقوم بالأبدان من الأقوال والأعمال، وأفتاهم فيما ينوبهم من المسائل، والحكم بينهم فيما يتنازعون فيه من القضايا، وتعبير الرؤيا وما كان وما يكون من أمر الدنيا والآخرة، وصفات الرب، وملائكته، وأمر الآخرة والجنة والنار إلى غير ذلك. فهذه الأمور التي كان مأمورًا بها أمر إيجاب أو أمر استحباب وكانت حقا عليه للخلق انتهت بموته فلم يبق عليه منها شيء.
كما أدّى حق الله الذي أمره به، فلم يبق عليه منه شيء، فجاهد في الله ونصح الأمة، وعبد ربه حتى أتاه اليقين.
وأما ما كان حقا له على الأمة ومنفعته في الحقيقة تعود عليهم، والله تعالى يثيبه بما يعملون به من طاعته مثل ثوابهم، يستجيب فيه صالح دعواهم فهو في الحقيقة حق الله وان كان فيه حق للرسول فإن الله هو الذي أمرهم به الرسول، ومن يطع الرسول فقد أطاع الله.
[ ٢ / ٦٩٦ ]
فكل ما أمرهم به الرسول من واحب ومستحبا فالله آمرهم به.
وإذا أطاعوا الله ورسوله فأجرهم على الله.
وإذا عصوا الله ورسوله فحسابهم على الله.
قال تعالى ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ ١.
وقال تعالى ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ إِلاَّ مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأَكْبَر إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ ٢ وقال تعالى ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ ٣ ثم قال ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ٤ فأمر بطاعته وطاعة رسوله لأن طاعته طاعة لله.
وأمرهم بالتوكل عليه وحده، وطاعة الرسول هي عبادة لله وحده والأمر والمعنى المتقدم من أن الرسول ليس عليه إلا ما أمر به من البلاغ والبيان والجهاد وليس عليه جزاء العباد ولا حسابهم ولا هدايتهم قد كرر في القرآن في مواضع. والحق الذي لله وللرسول باق بعد موت الرسول، وكذلك ما كان من حقوقه التي يمكن بقاؤها كالصلاة عليه والتسليم والتعزر والتوقير والمحبة وغيرها فهي لم تنقص بعد موته بل توكدت وقويت، بل حقوقه عليها بعد موته أكمل منها في حياته.
فمن ذلك أن من تنقصه في حياته أوسبه فإنه كان له ﷺ يعفو عن حقه.
_________________
(١) ١ الآية (٤٠) من سورة الرعد. ٢ الآيات (من ٢١- ٢٦) من سورة الغاشية. ٣ الآية (١٢) من سورة التغابن. ٤ الآية (١٣) من سورة التغابن.
[ ٢ / ٦٩٧ ]
فأما بعد موته فليس لأحد أن يعفو عن حقه ولا يسقط وكذلك في مغيبه. فعلينا أن نقوم بحقوقه الواجبة علينا في حال مماته ومغيبه أكثر مما علينا أن نقوم بها في محياه وحضوره.
وتلك الحقوق علينا له، وإذا فعلناها كانت عبادة منا لله، أجرنا فيها على الله وهي مما يزيده الله بها من فضله من جهة امتثالنا لما أمرنا به، وهو داعينا، وكلما أطعنا كان له مثل أجورنا، ومن جهة ما يصل إليه من الرحمة باستجابة الله دعاء الأمة، مع ما يزيده الله إياه من فضله. وهذه الحقوق الثابتة بعد موته هي تبع لرسالته فإنه هو السفير والواسطة بيننا ولون الله تعالى في تعليمنا وانتفاعنا بما علمنا من علم الله وخبره، وفي أمرنا وإرشادنا إلى ما أمر الله به وأحبه ورضيه وبذلك حصل لمن آمن به واتبعه سعادة الدنيا والآخرة.
بل أعظم نعمة أنعم الله بها على المؤمنين أن أرسله إليهم وأنزل عليه الكتاب، ومنَّ عليهم باتباعه. فليس في الدنيا خير أعظم من هذا١.
وبعد فهذا أنموذج من فهم السلفي لنوع العلاقة التي تربط الأمة بنبيها وهو فهم أوجبته النصوص الشرعية وأكدته وأوا فمحته ورسمته، فليس لنا أن نحيد عنه أو نبدل فيه.
وهو فهم أعطى لكل ذى حق حقه كما أوجب ربنا وشرع في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ فحق الله هو توحيده، تجريد العبادة له ﵎.
وحق الرسول الإيمان به وطاعته ومحبته وتعزيره وتوقيره والصلاة والسلام عليه إلى غير ذلك مما سبق ذكره.
_________________
(١) ١ الرد على البكري (ص ١٠٨- ١١٢) بتصرف يسير.
[ ٢ / ٦٩٨ ]
وعن هذا التوازن في وضع الأمور في نصابها الذي أوجبه الله تعالى علينا يقول ابن القيم: "والفرق بين تجريد التوحيد وبين هضم أرباب المراتب أن تجريد التوحيد أن لا يعطى الخلوق شيئا من حق الخالق وخصائصه، فلا يعبد، ولا يصلى له، ولا يسجد ولا يحلف باسمه، ولا ينذر له، ولا يتوكل عليه، ولا يؤله ولا يقسم به على الله، ولا يعبد ليقرب إلى الله زلفى، ولا يساوى برب العالمين في قول قائل: ما شاء الله وشئت، وهذا منك ومن الله، وأنا بالله وبك، وأنا متوكل على الله وعليك، والله لي في السماء وأنت لي في الأرض، وهذا من صدقاتك وصدقات الله، وأنا تائب إلى الله وإليك، وأنا في حسب الله وحسبك، فيسجد للمخلوق كما يسجد المشركون لشيوخهم يحلق رأسه له، ويحلف باسمه، وينذر له، ويسجد لقبره بعد موته، ويستغيث به في حوائجه ومهماته، ويرضيه بسخط الله، ولا يسخطه في رضا الله، ويتقرب إليه أعظم مما يتقرب إلى الله ويحبه ويخافه ويرجوه أكثر مما يحب الله ويخافه ويرجوه أو يساويه.
فإذا هضم الخلوق خصائص الربوبية، وأنزله منزلة العبد المحض الذي الأ يملك لنفسه فضلًا عن غيره ضرًا ولا نفغا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا لم يكن هذا تنقصًا له ولا حطًا من مرتبته ولو رغم المشركون.
وقد صح عن سيد ولد آدم صلوات الله وسلامه عليه أنه قال: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبد الله فقولوا عبد الله ورسوله" ١.
وقال ﷺ: "لا تتخذوا قبرى عيدا " ٢.
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه ص ٦٢٦. ٢ تقدم تخريجه ص ٥٨٠.
[ ٢ / ٦٩٩ ]
وقال ﷺ: "اللهم لا تجعل قبرى وثنا يعبد" ١.
وقال ﷺ: "لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان" ٢.
وعن عدى بن حاتم أن رجلًا خطب عند النبي ﷺ فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، فقال رسول الله ﷺ: "بئس الخطيب أنت قل ومن يعص الله ورسوله " ٣.
وقال له رجل: ما شاء الله وشئت. فقال: "أجعلتني لله ندا؟ "٤.
وقال له رجل قد أذنب: الله إني أتوب إليك ولا أتوب إلى محمد. فقال: "عرف الحق لأهله"٥.
وقد قال الله له: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ ٦.
وقال: ﴿قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ ٧.
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه ص ٥٩١. ٢ أخرجه الإمام أحمد في المسند (٥/ ٣٨٤، ٣٩٤، ٣٩٨) . وأخرجه أبو داود في السنن، كتاب الأدب، باب لا يقال خبئت نفس (٥ ١ ٢٥٩) ح ٤٩٨٠. وأخرجه أبر داود في السنن، كتاب الأدب، باب لا يقال خبثت نفس (٥/٢٥٩) ح ٤٩٨٠. وأخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة، باب النهي أن لا يقال خبثت نفس (٥/٢٥٩) ح ٤٩٨٠. وأخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة، باب النهي أن يقال ما شاء الله وشاء فلان (ص ٥٤٤) ح ٩٨٥. وقال النووي: رواه أبو داود بإسناد صحيح. رياض الصالحين (ص ٦١١) . ٣ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطة (٣/١٢-١٣) . ٤ تقدم تخريجه ص ٦٥٥. ٥ أخرجه الإمام أحمد في المسند (٣/ ٤٣٥) . ٦ الآية (١٢٨) من سورة آل عمران. ٧ الآية (١٥٤) من سورة آل عمران.
[ ٢ / ٧٠٠ ]
وقال: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعًا إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ ١.
وقال: ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ ٢ أي لن أجد من دونه من ألتجئ إليه وأعتمد عليه. وقال لابنته فاطمه وعمه العباس وعمته صفية٣: "لا أملك لكم من الله شيئا" ٤ وفي لفظ: "لا أغني عنكم من الله شيئا" ٥.
فعظم ذلك على المشركين بشيوخهم وآلهتهم، وأبوا ذلك كله، وادعوا لشيوخهم ومعبوديهم خلاف هذا كله، وزعموا أن من سلبهم ذلك فقد هضمهم مراتبهم وتنقصهم، وقد هضموا جانب الألهية غاية الهضم وتنقصوه فلهم نصيب وافر من قوله تعالى ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ٦ ٧.
_________________
(١) ١ الآية (٤٩) من سورة يونس. ٢ الآيتان (٢١، ٢٢) من سورة الجن. ٣ صفية بنت عبد المطب بن هاشم القرشية الهاشمية عمة رسول الله ﷺ، والدة الزبير بن العوام، وهي شقيقة حمزة، أسلمت وهاجرت مع ولدها الزبير وروت وعاشت إلى خلافة عمر. الإصابة (٤/٣٣٩-٣٤٠) . ٤ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المناقب، باب من انتسب لآبائه في الإسلام والجاهلية. فتح الباري (٦/٥٥١) ح ٣٥٢٧، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الأيمان، باب في قوله تعالى ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ (١/١٣٣) . ٥ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوصايا، باب هل يدخل النساء والولد في الأقارب. انظر فتح الباري (٥/٣٨٢) ح ٢٧٥٣، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب في قوله تعانى ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ (١/١٣٣) . ٦ الآية (٤٥) من سورة النور. ٧ الروح لابن القيم (٢/٧٦٦، ٧٦٧) .
[ ٢ / ٧٠١ ]
وقال أيضا ﵀ في قصيدته النونية المسماة بالكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية:
يامن له عقل ونور قد غدا يمشي به في الناس كل زمان
لكننا قلنا مقالة صارخ في كل وقت بينكم بأذان
الرب رب والرسول فعبده حقا وليس لنا إله ثان
فلذاك لم نعبده مئل عبادة الرحـ ـمن فعل المشرك النصراني
كلا ولم نغلوا الغلو كما نهي عنه الرسول مخافة الكفران
لله حق لا يكون لغيره ولعبده حق هما حقان
لا تجعلوا الحقين حقا واحدا من غير تمييز ولا فرقان
فالحج للرحمن دون رسوله وكذا الصلاة وذبح ذي القربان
وكذا السجود ونذرنا ويميننا وكذا مثاب العبد من عصيان
وكذا التوكل والإنابة والتقى وكذا الرجاء وخشية الرحمن
وكذا العبادة واستعانتنا به إياك نعبد ذاك توحيدان
وعليهما قام الوجود بأسره دنيا وأخرى حبذا الركنان
وكذلك التسبيح والتكبير والتهليل حق آلهنا الديان
لكنما التعزير والتوقير حق للرسول بمقتضى القرآن
والحب والإيمان والتصديق لا يختص بل حقان مشتركان
هذى تفاصيل الحقوق ثلاثة لا تجهلوها يا أولى العدوان
حق الإله عبادة بالأمر لا بهوى النفوس فذاك للشيطان
من غير إشراك به شيئا هما سببا النجاة فحبذا السببان
ورسوله فهو المطاع وقوله المقبول إذ هو صاحب البرهان
[ ٢ / ٧٠٢ ]
والأمر منه الحتم لا تخيير فيه عند ذي عقل وذي إيمان
من قال قولا غيره قمنا على أقواله بالسير والميزان
إن وافقت قول الرسول وحكمه فعلى الرؤوس تشال كالتيجان
أو خالفت هذا رددناها على من قالها من كان من إنسان
أو أشكلت عنا توقفنا ولم نجزم بلا علم ولا برهان
هذا الذي أدى إليه علمنا وبه ندين الله كل أوان
فهو المطاع وأمره العالى على أمر الورى وأمر ذى السلطان
وهم المقدم في محبتنا على الأهلين والأزواج والولدان
وعلى العباد جميعهم حتى على النفس التي قد ضمها الجنبان
ونظير هذا قول أعداء المسيح من النصارى عابدى الصلبان
انا تنقصنا المسيح بقولنا عبد وذلك غاية النقصان
لو قلتم ولد إله خالق وفيتموه حقه بوزان
وكذاك أشباه النصارى مذغلوا في دينهم بالجهل والطغيان
صاروا معادين الرسول ودينه في صورة الأحباب والإخوان
فانظر إلى تبديلهم توحيده بالشرك والإيمان بالكفران
وانظر إلى تجريده التوحيد من أسباب كل الشرك بالرحمن
واجمع مقالتهم وما قد قاله واستدع بالنقاد والوزان
عقل وفطرتك السليمة ثم زن هذا وذا لا تطغ في الميزان
فهناك تعلم أى حزبينا هو المتنقص المنقوص ذو العدوان
رامي البريء بدائه ومصابه فعل المباهت أوقح الحيوان
كمعير للناس بالزغل الذي هو ضربه فاعجب لذا البهتان
[ ٢ / ٧٠٣ ]
يا فرقة التنقيص بل يا أمة الدعوى بلا علم ولا عرفان
والله ما قدمتم يوما مقالته على التقليد للانسان
والله ما قال الشيخ وقال إلا كنتم معهم بلا كتمان
والله أغلاط الشيوخ لديكم عين الصواب ومقتضى البرهان
ولذا قضيتم بالذي حكمت به جهلا على الأخبار والقرآن
والله إنهم لديكم مثل معصوم وهذا غاية الطغيان
تبا لكم ماذا النقص بعد ذا لو تعرفون العدل من نقصان
والله ما يرضيه جعلكم له ترسًا لشرككم وللعدوان
وكذاك جعلكم المشايخ جنة لخلافه يشهده أولو الايمان
والله ما عظمتموه طاعة ومحبة يافرقة العصيان
أني وجهلكم به وبدينه وخلافكم للوحي معلومان
أوصاكم أشياخكم بخلافهم لوفاقه في سالف الأزمان
خالفتم قول الشيوخ وقوله فغدا لكم خلفان متفقان
والله أمركم عجيب معجب ضدان فيكم ليس يتفقان
تقديم آراء الرجال عليه مع هذا الغلو فكيف يجتمعان؟
كفرتم من جرد التوحيد جهلا منكم بحقائق الإيمان
لكن تجردتم لنصر الشرك والبدع المضلة في رضى الشيطان
والله لم نقصد سوى التجريد للتوحـ ـيد ذاك وصية الرحمن
ورضى رسول الله منا لا غلـ ـو الشرك أصل عبادة الأوثان
والله لو يرضى الرسول دعاءنا إياه بادرنا إلى الإذعان
والله لو يرضى الرسول سجودنا كنا مخر له على الأذقان
[ ٢ / ٧٠٤ ]
والله ما يرضيه منا غير إخـ ـلاص وتحكيم لذا القرآن
ولقد نهي ذا الخلق عن إطرائه فعل النصارى عابدي الصلبان
ولقد نهانا أن نصير قبره عيدا حذار الشرك بالرحمن
ودعا بأن لا يجعل القبر الذي قد ضمه وثنا من الأوثان
فأجاب رب العالمين دعاءه وأحاطه بثلاثة الجدران
حتى اغتدت أرجاؤه بدعائه في عزة وحماية وصيان
ولقد غدا عند الوفاة مصرحا باللعن يصرخ فيهم بأذان
وعني الألى جعلوا القبور مساجدا وهم اليهود وعابدوا للصلبان
والله لولا ذاك أبرز قبره لكنهم حجبوه بالحيطان
قصدوا إلى تسنيم حجرته ليمتنـ ـع السجود له على الأذقان
قصدوا موافقة الرسول وقصده التجريد للتوحيد للرحمن١.
_________________
(١) ١ انظر: توضيح المقاصد وتصحيح القواعد في شر تصيدة ابن القيم (٢/٣٤٦-٣٥٤) .
[ ٢ / ٧٠٥ ]
الفصل الثاني: بيان الأمور التي حصل فيها غلو في حقه ﷺ وحكم الشرع فيها
المبحث الأول: نماذج من الغلو الحاصل في شأن النبي ﷺ
تمهيد:
قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ ٤.
وقال تعالى: ﴿وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ﴾ ٥.
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ٦.
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا إِلاَّ بَلاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ ٧.
برغم هذه الآيات البينات والبراهين الواضحات التي تبين وتفصل بين ما هو
_________________
(١) ١ الآية (٤٠) من سورة الرعد. ٢ الآية (٩) من سورة الأحقاف. ٣ الآية (١١٠) من سورة الكهف. ٤ الآية (١٢٨) من سورة آل عمران. ٥ الآية (٣١) من سورة هود. ٦ الآية (١٨٨) من سورة الأعراف. ٧ الآيات (٢٠- ٢٣) من سورة الجن.
[ ٢ / ٧٠٩ ]
حق للرسول وما ليس له بحق، وما يملكه الرسول وما لا يملكه وأمثالها في القرآن الكريم كثير جدا.
يأبى أناس إلا معصية الله ورسوله ومخالفة ما جاءت به النصوص؛ إتباعا لأهوائهم وسلوكا لسبيل الشيطان، فقد غلوا في حق النبي ﷺ وتنوع غلوهم وتفاوت حتى وصل في كثير من أنواعه إلى درجة الإشراك بالله تعالى.
وسأذكر في هذا الفصل نماذج من هذا الغلو الحاصل مع الإشارة إلى وجه مخالفتها للنصوص الشرعية والرد عليها.
[ ٢ / ٧١٠ ]
المبحث الأول: نماذج من الغلو الحاصل في شأن النبي ﷺ
أ- ما يسمى بـ (الحقيقة المحمدية):
وهي أسطورة من أساطير الصوفية، نسجها خيالهم المريض، وأوهامهم الفاسدة، فهي كذبة ليس لها رصيد من الواقع، بل هي مناقضة تمامًا لما أخبر به الله تعالى وقرره في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ. أما عن فحوى هذه الأسطورة فيقول قائلهم:"اعلم أنه لما تعلقت إرادة الحق تعالى بإيجاد خلقه أبرز الحقيقة المحمدية من أنواره ثم سلخ منها العوالم كلها علوها وسفلها ثم انبخست منه ﷺ عيون الأرواح فهو الجنس العالي على جميع الأجناس والأب الأكبر لجميع الموجودات"١.
ويقول آخر: "اعلم أن أنوار المكونات كلها من عرش وفرش وسماوات وأراضين وجنات وحجبا وما فوقها وما تحتها إذا اجتمعت كلها وجدت بعضا من نور النبي، وأن مجموع نوره لو وضع على العرش لذاب، ولو وضع على الحجب السبعين التي فوق العرش لتهافتت، ولو جمعت المخلوقات كلها ووضع ذلك النور العظيم عليها لتهافتت وتساقطت"٢.
وفي هذا يقول شاعرهم:
أنشاك نورا ساطعا قبل الورى فردا لفرد، والبرية في عدم
ثم استمد جميع مخلوقاته من نورك السامي، فيا عظم الكرم
_________________
(١) ١ الأنوار المحمدية (ص ٩) . ٢ هذه هي الصوفية (ص ٨٧) .
[ ٢ / ٧١١ ]
فلذا إليك الخلق تفزع كلهم في هذه الدنيا، وفي اليوم الأهم
وإذا دعتهم كربة فرجتها حتى سوى العقلاء في ذاك انتظم١
وهذا الزعم الباطل تضمن ثلاث دعاوى كلها كذب وافتراء.
الدعوى الأولى: دعوى أن النبي ﷺ خلق من نور رب العالمين.
الدعوى الثانية: أنه وجد قبل خلق آدم.
الدعوى الثالثة: أن الأشياء خلقت منه.
وكل دعوى من هذه الدعاوى هي أكذب من أختها، وقد قال بها جميعًا بعض الغلاة المنتسبين إلى الإسلام مضاهاة لقول النصارى في عيسى، ويروون في ذلك أحاديث، وكلها كذب، فمن هؤلاء الغلاة من يروى عن النبي ﷺ أنه قال: "من قال إني كلى بشر فقد كفر، ومن قال لست ببشر فقد كفر" وهذا الحديث كذب باتفاق أهل العلم بالحديث٢.
ومنهم من يروى عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: "قلت يا رسول الله بأبي أنت وأمي أخبرني عن أول شيء خلقه الله تعالى قبل الأشياء؟ قال: يا جابر إن الله تعالى خلق قبل الأشياء نور نبيك من نوره، فجعل ذلك النور يدور بالقدرة حيث شاء الله تعالى ولم يكن في ذلك الوقت لوح ولا قلم ولا جنة ولا نار ولا ملك ولا سماء ولا أرض ولا شمس ولا قمر ولا جني ولا إنسي، فلما أراد أن يخلق الخلق قسم ذلك النور أربعة أجزاء فخلق من الجزء الأول القلم، ومن الثاني اللوح، ومن الثالث العرش، ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء فخلق
_________________
(١) ١ الأبيات لأحمد بن عبد المنعم الحلواني من قصيدته المستجيرة (نقلا عن كتاب هذه الصوفية) (ص ٨٧) . ٢ الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (٢/ ٢٠٠- ٢٠١) بتصرف.
[ ٢ / ٧١٢ ]
من الجزء الأول حملة العرش، ومن الثاني الكرسي ومن الثالث باقي الملائكة، ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء، فخلق من الأول السموات، ومن الثاني الأراضين ومن الثالث الجنة والنار، ثم قسم الرابع أربع أجزاء فخلق من الأول أبصار المؤمنين ومن الثاني نور قلوبهم وهي المعرفة بالله تعالى ومن الثالث نور أنسهم وهو التوحيد لا إله إلا الله محمد رسول الله"١.
وهذا الحديث باطل قال عنه السيوطي: "ليس له إسناد يعتمد عليه"٢.
ولا يخفي على من له أدني معرفة بنصوص القرآن والسنة ما في هذا الخبر المكذوب من المخالفات والمغالطات، ولا يشك طالب علم في وضعه واختلاقه. وكذلك مما يرونه "كنت نبيًا ولا آدم ولا ماء ولا طين".
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "هذا مما لا أصل له لا من نقل ولا من عقل فإن أحدًا من المحدثين لم يذكره، ومعناه باطل فإن آدم لم يكن بين الماء والطين قط فإن الطين ماء وتراب، وإنما كان بين الروح والجسد.
ثم هؤلاء الضلال يتوهمون أن النبي ﷺ كان حينئذ موجودا وأن ذاته خلقت قبل الذوات، ويستشهدون على ذلك بأحاديث مفتراة مثل حديث فيه "أنه كان نورًا حول العرش، فقال: يا جبريل أنا كنت ذلك النور"٣.
ومن العجيب أن كثيرا من الناس صاروا يتناقلون مثل هذه الأخبار المفتراة حتى أصبحت عندهم عقيدة راسخة في قلوبهم.
ومما يبين كذب هذه الدعاوى ويظهر زيفها مخالفتها لنصوص الكتاب
_________________
(١) ١ الأنوار المحمدية (ص ١٣) . ٢ الحاوي للفتاوى (١/ ٣٢٥) . ٣ الرد على البكري (ص ٨- ٩) .
[ ٢ / ٧١٣ ]
والسنة.
فقد أخبرنا ﷿ عن أصل ما خلق منه الإنس والجن فقال تعالى ﴿خَلَقَ الأِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ ١.
والنبي ﷺ بشر خلق مما خلق منه باقي البشر فلا ميزة له في هذا الشأن عن باقي البشر قال تعالى ﴿سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاَّ بَشَرًا رَسُولًا﴾ ٢ وقال تعالى ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ ٣.
والآيات في هذا الشأن، وفي شأن خلق السموات والأرض وكذا الأحاديث الثابتة كثيرة وكلها تخالف هذا الخبر المذكور وتبين زيفه وبطلانه٤.
ب- دعوى أن الدنيا خلقت من أجل النبي ﷺ:
وفي هذا يقول قائلهم
وكيف تدعو إلى الدنيا ضرورة من لولاه لم تخرج الدنيا من العدم٥
وقول الآخر ممن هو من نقطة وشكله
لولاه ما خلقت شمس ولا قمر ولا نجوم ولا لوح ولا قلم٦
ويستند هؤلاء على أحاديث موضوعة وأخبار مكذوبة منها حدثا "لولاك
_________________
(١) ١ الآيتان (١٤- ١٥) من سورة الرحمن. ٢ الآية (٩٣) من سورة الإسراء. ٣ الآية (٩) من سورة الأحقاف. ٤ انظر في هذا الشأن رسالة تنبيه الحذاق على بطلان ما شاع بين الأنام من حديث النور المنسوب لمصنف عبد الرزاق. ٥ ديوان البوصيري (ص ٢٤٠) . تنبيه الحذاق (ص ٢٧) . ٦ تنبيه الحذاق (ص ٢٧) .
[ ٢ / ٧١٤ ]
ما خلقت الأفلاك" وهو موضوع١.
وعن ابن عباس ﵄ قال: أوحى الله إلى عيسى يا عيسى آمن بمحمد وأمر من أدركه من أمتك أن يؤمنوا به فلولا محمد ما خلقت آدم ولولا محمد ما خلقت جنة ولا نار "٢.
وهذه الأحاديث الموضوعة وأمثالها لا يمكن أن يعول عليها في إثبات أمر شرعي كهذا.
أضف إلى ذلك مخالفتها للشرع فالذي تدل عليه النصوص الشرعية أن الله ﷿ إنما خلق الجن والإنس لغاية ذكرها في القرآن الكريم حيث قال ﷿ ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ ٣.
قال ابن كثير: "ومعني الآية أنه ﵎ خلق العباد ليعبدوه وحده لا شريك له فمن أطاعه جازاه أتم الجزاء ومن عصاه عذبه أشد العذاب"٤. وقال تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ
_________________
(١) ١ قاله الصغاني في الأحاديث الموضوعة (ص ٧)، وانظر الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة للشوكاني (ص ٣٢٦) وسلسلة الأحاديث الضعيفة للألباني رقم ٢٨٢. ٢ لا أصل له مرفوعًا إنما أخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٦١٤، ٦١٥) من طريق عمرو بن أوس الأنصاري ثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن ابن عباس قال: فذكره موقوفا وقال: "صحيح الإسناد" وتعقبه الذهبي بقوله "أظنه موضوعًا على سعيد". وقد قال الذهبي في الميزان (٣/ ٢٤٦) عند ترجمته لعمرو بن أوس الذي روى هذا الحديث عن سعيد ما نصه: "عمرو بن أوس يجهل حاله أتى بخبر منكر، أخرجه الحاكم في مستدركه، وأظنه موضوعًا من طريق جندل بن والق" ثم ذكر نص هذا الحديث. ووافقه ابن حجر في اللسان (٤/ ٣٥٤) . ٣ الآية (٥٦) من سورة الذاريات. ٤ تفسير ابن كثير (٤/ ٢٣٨) .
[ ٢ / ٧١٥ ]
عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ ١.
وقال تعالى ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ ٢.
وقال تعالى ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ ٣.
فصرح جل وعلا في هذه الآيات المذكورة بأن حكمة خلقه للخلق هي اختبارهم وابتلاؤهم ليجزى المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.
فهذه هي الحكمة من خلقهم أولًا وبعثهم ثانيًا٤.
والنصوص من آيات وأحاديث كلها تؤكد هذا الأمر وتدل عليه، وفي الوقت نفسه تبطل ما زعمه الغلاة من أن الغاية من خلق الخلق هي من أجل محمد ﷺ.
فهذه الدعاوى يعرف بطلانها من له أدني بصيرة في نصوص الشرع والنبي ﷺ قد أعطاه الله خصائص وفضائل كثيرة تدل على فضله ومكانته، فليس هو بحاجة إلى أن ترفع مكانته ويبين شرفة بمثل هذه الأخبار الباطلة الموضوعة.
ج- دعوى الغلاة: جواز صرف بعض جوانب العبادة له ﷺ:
وقد تفنن الغلاة في هذا
"فمن قائل يقول إنه يستغاث به في كل يستغاث فيه بالخالق بمعني أنه يطلب منه كما يطلب من الخالق.
فهؤلاء جعلوا الرسول ﷺ يطلب منه الناس ما يطلبونه من الله تعالى.
فآذوا الرسول وأساؤا في حقه إذ سألوه ما لا يقدر عليه مخلوق وسووه برب
_________________
(١) ١ الآية (٧) من سورة هود. ٢ الآية (٢) من سورة الملك. ٣ الآية (٧) من سورة الكهف. ٤ انظر أضواء البيان (٧/ ٦٧٣- ٦٧٧) .
[ ٢ / ٧١٦ ]
العالمين وسلطوا عليه العامة، فهذا يطلب منه إنزال المطر، وهذا يطلب منه غفران الذنوب، وهذا يطب منه النصر على الأعداء، وهذا يطلب منه أن يتزوج، وهذا يطلب منه الولد.
وهذا يطلب منه المعيشة وهذا يطلب منه الملك، وهذا يطلب منه الولاية، وهذا يطلب منه قضاء دينه، وهذا يطلب منه شفاء مريضه إلى غير ذلك من الأمور فنزلوا المخلوق منزلة الإله وطلبوا منه من جلب المنافع ودفع المضار ما لا يقدر عليه إلا الله"١.
ومن نظم بعضهم في هذا قوله:
يا أكرم الرسل ما لي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم
ولن يضيق رسول الله جاهك بي إذا الكريم تجلى باسم منتقم
فإن لي ذمة منه بتسميتي محمدًا وهو أوفى الخلق بالذم
إن لم يكن في معادى آخذا بيدي فضلًا وإلا فقل يا زلة القدم ٢
فنفى أن يكون له ملاذ إذا حلت به الحوادث، إلا النبي ﷺ وليس ذلك إلا لله وحده لا شريك له، فهو الذي ليس للعباد ملاذ إلا إياه ﷾.
ودعاه وناداه بالتضرع وإظهار الفاقة والاضطرار إليه وسأل منه هذه المطالب التي لا تطلب إلا من الله، وذلك الشرك في الإلهية٣.
ومن شعر بعضهم قوله:
ماذا تعامل يا شمس النبوة من أضحى إليك من الأشواق في كبدي
_________________
(١) ١ الرد على البكري (ص ٣٣٥، ٣٣٦) بتصرف. ٢ ديوان البوصيري (ص ٢٤٨) . ٣ تيسير العزيز الحميد (ص ١٨٧) .
[ ٢ / ٧١٧ ]
فامنع جناب صريع لا صريخ له نائي المزار غريب الدار مبتعدي
حليف ودك واه الصبر منتظر لغارة منك يا ركني ويا عضدي
أسير ذنبي وزلاتي ولا عمل أرجو النجاة به إن أما لم تجد
وجرى في شركه والى أن قال:
وحل عقدة كربي يا محمد من هم على خطرات القلب مطرد
أرجوك في سكرات الموت تشهدني كيما يهون إذ الأنفاس في صعد
وإن نزلت ضريحا لا أنيس به فكن أنيس وحيد فيه منفرد
وارحم مؤلفها عبد الرحيم ومن يليه من أجله وانعشه وافتقد
وإن دعا فأجبه واحم جانبه من حاسد شامت أو ظالم نكد
وقوله من أخرى:
يا رسول الله يا ذا الفضل يا بهجة الحشر جاها ومقاما
عد على عبد الرحيم الملتجى بحمى عزك يا غوث اليتامى
وأقلني عثرتي يا سيدي في اكتساب الذنب في خمسين عاما
وقوله:
يا سيدي يا رسول الله يا أملي ويا موئلي يا ملاذي يوم يلقاني
هبني بجاهك ما قدت من زلل جودا أو رجح بفضل منك ميزاني
واسمع دعائي واكشف ما يساورني من الخطوب ونفسه كل أحزاني
فأنت أقرب من ترجى عواطفه عندي وإن بعدت دارى وأوطاني
إني دعوتك من نيابتي برع وأنت اسمع من يدعوه ذو شأن
فامنع جنابي وأكرمني وصل نسبى برحمة وكرامات وغفران
لقد أنسانا هذا ما قبله، وهذا بعينه هو الذي ادعته النصارى في عيسى
[ ٢ / ٧١٨ ]
﵇، إلا أن أولئك أطلقوا عليه اسم الإله، وهذا لم يطقه ولكن أتى بلباب دعواهم وخلاصتها، وترك الاسم، إذ في الاسم نوع تمييز، فرأى الشيطان أن الإتيان بالمعني دون الاسم أقرب إلى ترويج الباطل، وقبوله عند ذوى العقول السخيفة، إذ كان من المتقرر عند الأمة المحمدية أن دعوى النصارى في عيسى ﵇ كفر، فلو أتاهم بدعوى النصارى اسما ومعنى لردوه وأنكروه، فأخذ المعنى وأعطاه البرعى وإضرابه، وترك الاسم للنصارى وإلا فما ندرى ماذا أبقى هذا المتكلم الخبيث للخالق تعالى وتقدس من سؤال مطلب أو تحصيل مأرب، فالله المستعان١.
ويقول صاحب المواهب اللدنية: وينبغي للزائر -لقبره- أن يكثر من الدعاء والتضرع والاستغاثة والتشفع والتوسل والتوجه به لا فجدير بمن استشفع به أن يشفعه الله تعالى فيه فإن كلا من الاستغاثة والتوسل والتشفع والتوجه للنبي ﷺ واقع في كل حال كل خلقه وبعده في مدة حياته في الدنيا وبعد موته في مدة البرزخ وبعد البعث في عرصات القيامة٢.
ومن هؤلاء من يرى أن زيارة قبر النبي ﷺ أفضل من الحج إلى الكعبة وأن دعاء النبي ﷺ والاستغاثة به أفضل من الاستغاثة بالله تعالى ودعائه٣.
ومنهم من يظن أن الرسول يعلم ذنوبه وحوائجه وإن لم يذكرها وأنه يقدر على غفرانها وقضاء حوائجه ويقدر على ما يقدر عليه الله ويعلم ما يعلمه الله"٤.
_________________
(١) ١ تيسير العزيز الحميد (١٨٩، ١٩٠) . ٢ انظر الأنوار المحمدية (ص ٦٠٤) . ٣ الرد على البكري (ص ٣٤٩) . ٤ الرد على البكري (ص ٣٠) .
[ ٢ / ٧١٩ ]
ومنهم من يقول "إن النبي ﷺ لا يخلو منه زمان ولا مكان" يريدون بذلك أنه ما من زمان إلا وهو فيه موجود، ولا من مكان إلا هو فيه موجود١.
ومنهم من يقول: "إنه يحضر في كل مجلس أو مكان أراد بجسده وروحه وأنه يتصرف حيث شاء في أقطار الأرض وفي الملكوت، وهو بهيئته التي كان عليها قبل وفاته"٢.
ومنهم من يقول في قوله تعالى ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ ٣.
يقول: إن الرسول هو الذي يصبح بكرة وأصيلا.
ومنهم من يقول: اسقط الربوبية وقل في الرسول ما شئت.
دع ما ادعته النصارى في نبيهم واحكم بما شئت مدحا فيه واحتكم
وانسب إلى ذاته ما شئت من شرف وانسب إلى قدره ما شئت من عظم
فإن فضل رسول الله ليس له حد فيعرب عنه ناطق بفم
لو ناسبت قدره آياته عظما أحيا اسمه حين يدعى دارس الرم٤.
ومنهم من يقول نحن نعبد لله ورسوله فيجعلون الرسول معبودا٥.
بل لم يكتف غلاة الصوفية بهذا القدر حتى اعتقدوا أنه هو الله سبحانه ذاتًا وصفة٦.
_________________
(١) ١ غاية الأماني (١/ ٤٨) . ٢ هذه هي الصوفية (ص ٨١) . ٣ الآيتان (٨، ٩) من سورة الفتح. ٤ ديوان البوصيري (ص ٢٤١) . ٥ الرد على البكري (ص ٢١٩) . ٦ هذه هي الصرفية (ص ٧٤- ٧٥) .
[ ٢ / ٧٢٠ ]
وكتب أصحاب البدع وعباد القبور مملؤة بالكثير من أنواع هذا الغلو وألوانه والذي لا يشك الموحد بكذبه وبطلانه.
وسأتطرق في المباحث القادمة للرد على أشهر تلك الأنواع، فنسأل الله الإعانة على ذلك.
[ ٢ / ٧٢١ ]
المبحث الثاني: حكم التوسل والاستغاثة والاستشفاع بالنبي ﷺ
المطلب الأول: الكلام على مسألة التوسل
تمهيد:
قبل التعرض لبيان حكم الشرع في هذه المسائل يجدر التنبيه على نقطة هامة جدا تتعلق بالمعاني التي استعملت فيها هذه الألفاظ في هذه المواضع. ذلك أن كل من لفظ "التوسل" و"الشفاعة" و"الاستغاثة" قد ورد ذكرها في القرآن والسنة وكلام الصحابة واستعملت لمعاني معينة.
ولكن الذي حدث بعد ذلك أن أهل البدع والأهواء أحدثوا اصطلاحات ومعاني لهذه الألفاظ خلافا لما كانت تستعمل فيه من معان في خطاب الشرع وعرف الصحابة أنذاك، قاصدين بذلك استعمال الأدلة الشرعية بما يوافق أهوائهم وأغراضهم، ومن ثم لبسوا على الناس وأفهموهم أن تلك الألفاظ لم ترد إلا لتلك المعاني التي أحدثوها هم، وهذا التلاعب بمعاني تلك الألفاظ هو الذي سهل على أهل البدع استعمال تلك النصوص في حججهم وسهل على عامة الناس تقبل تلك البدع لظنهم أن تلك النصوص دالة على تلك المعاني الباطلة.
ولذا كان من الواجب عند بيان الحق في هذه المسائل أن نبين المعني الشرعي لتلك الألفاظ ونحذر من المعاني المبتدعة المحدثة (فالألفاظ الضرعية لها حرمة، ومن تمام العلم أن يبحث عن مراد الشارع بها ليثبت ما أثبته وينفي ما نفاه من المعاني) ١ ويجب على كل مؤمن أن يقر بموجب ذلك، فيثبت ما أثبته الله ورسوله وينفي ما نفاه الله ورسوله.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ومن لم يعرف لغة الصحابة التي يتكلمون
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى (١٢/ ١١٤) .
[ ٢ / ٧٢٣ ]
بها ويخاطبهم بها النبي ﷺ وعادتهم في الكلام وإلا حرف الكلم عن مواضعه.
فإن كثيرا من الناس ينشأ على اصطلاح قوم وعادتهم في الألفاظ ثم يجد تلك الألفاظ في كلام الله أو رسوله أو الصحابة فيظن أن مراد الله أو رسوله أو الصحابة بتلك الألفاظ ما يريده بذلك أهل عادته واصطلاحه ويكون مراد الله ورسوله والصحابة خلاف ذلك.
وهذا واقع لطوائف من الناس من أهل الكلام والفقه والنحو والعامة وغيرهم.
وآخرون يتعمدون وضع ألفاظ الأنبياء وأتباعهم على معان أخر مخالفة لمعانيهم، ثم ينطقون بتلك الألفاظ مريدين بها ما يعنونه هم، ويقولون إنا موافقون للأنبياء"١.
ولفظ "التوسل" و"الاستشفاع" ونحوهما دخل فيها من تغيير لغة الرسول وأصحابه، ما أوجب غلط من غلط عليهم في دينهم ولغتهم٢.
وبناء على ما تقدم فإني أجد لزامًا علي في هذا المقام أن أبين مراد الشارع بألفاظ التوسل والشفاعة والاستغاثة ليتضح ما أثبته الشارع من المعاني ومما نفاه وذلك حتى يستنير الحق لطالبه.
فهذه النقطة هي موضع اللبس عند كثير من الناس، فمتى ما وضحت زالت الغشاوة عن الأفهام، وأمكن بالتالي فهم النصوص وفق مراد الشارع وأمره فهنا مكمن الداء والدواء. وأول ما نشرع به من هذه الألفاظ لفظ "التوسل".
_________________
(١) ١ قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص ١٥٢- ١٥٣) . ٢ قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص ١٥٨) .
[ ٢ / ٧٢٤ ]
المطلب الأول: الكلام على مسألة التوسل
التوسل في اللغة: التقرب
والوسيلة: هي ما يتقرب به إلى الشيء١ وتطلق على غير ذلك.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "لفظ الوسيلة" و"التوسل" فيه إجمال واشتباه يجب أن تعرف معانيه ويعطى كل ذي حق حقه.
فيعرف ما ورد به الكتاب والسنة من ذلك ومعناه.
وما كان يتكلم به الصحابة ويفعلونه ومعني ذلك.
ويعرف ما أحدثه المحدثون في هذا اللفظ ومعناه.
فإن كثيرًا من اضطراب الناس في هذا الباب هو بسبب ما وقع من الإجمال والاشتراك في الألفاظ ومعانيها حتى تجد أكثرهم لا يعرف في هذا الباب فصل الخطاب.
فلفظ الوسيلة مذكور في القرآن في قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ ٢.
وفي قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ ٣.
_________________
(١) ١ لسان العرب (١١/ ٧٢٤) مادة "وسل". ٢ الآية (٣٥) من سورة المائدة. ٣ الآيتان (٥٦، ٥٧) من سورة الإسراء.
[ ٢ / ٧٢٥ ]
فالوسيلة التي أمر الله أن تبتغى إليه وأخبر عن ملائكته وأنبيائه أنهم يبتغونها إليه هي ما يتقرب به إليه من الواجبات والمستحبات.
فهذه الوسيلة التي أمر الله المؤمنين بابتغائها تتناول كل واجب ومستحب، وما ليس بواجب ولا مستحب لا يدخل في ذلك سواء كان محرما أو مكروها أو مباحا.
فالواجب والمستحب: هو ما شرعه الرسول فأمر به أمر إيجاب أو استحباب وأصل ذلك الإيمان بما جاء به الرسول.
فجماع الوسيلة التي أمر الله الخلق بابتغائها هو التوسل إليه باتباع ما جاء به الرسول، لا وسيلة لأحد إلى الله إلا ذلك.
والثاني: لفظ "الوسيلة" في الأحاديث الصحيحة كقوله ﷺ "سلوا الله لي الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت له الشفاعة"١.
وقوله "من قال حين يسمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وبعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة"٢.
فهذه الوسيلة للنبي ﷺ خاصة، وقد أمرنا أن نسأل الله له هذه الوسيلة، وأخبر أنها لا تكون إلا لعبد من عباد الله وهو يرجو أن يكون ذلك العبد.
وهذه الوسيلة أمرنا أن نسألها للرسول وأخبر أن من سأل له هذه الوسيلة فقد
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه ص ٣٦٩. ٢ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأذان، باب الدعاء عند الأذان. فتح الباري (٢/٩٤) ح ٦١٤.
[ ٢ / ٧٢٦ ]
حلت عليه الشفاعة يوم القيامة لأن الجزاء من جنس العمل، فلما دعوا للنبي ﷺ استحقوا أن يدعو هو لهم، فإن الشفاعة نوع من الدعاء كما قال: "إنه من صلى عليه مرة صلى الله عليه بها عشرا" ١.
وأما التوسل بالنبي ﷺ والتوجه به في كلام الصحابة فيريدون به التوسل بدعائه وشفاعته، وهذا كان في حياته ويكون يوم القيامة يتوسلون بشفاعته "والتوسل به في عرف كثير من المتأخرين يراد به الإقسام به والسؤال به كما يقسمون ويسألون بغيره من الأنبياء والصالحين ومن يعتقدون فيه الصلاح. وحينئذ فلفظ التوسل به يراد به ثلاث معان.
يراد به معنيان صحيحان باتفاق المسلمين ويراد معنى ثالث لم ترد به السنة. فأما المعنيان الأولان الصحيحان باتفاق العلماء.
فأحدهما: هو أصل الإيمان والإسلام والدين وهو التوسل بالإيمان به وطاعته وهذا فرض لا يتم الإيمان إلا به، ولا ينكره أحد من المسلمين.
وهو المراد بقوله تعالى ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ أي القربة إليه بطاعته، وطاعة رسوله طاعته قال تعالى ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ ٢.
والثاني: التوسل بدعائه وشفاعته، وهذا كان في حياته ويكون يوم القيامة يتوسلون بشفاعته. ومن هذا قول عمر بن الخطاب: "اللهم إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا"٣.
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه. ٢ الآية (٨٠) من سورة النساء. ٣ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاستسقاء، باب سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا حديث (١٠١٠) وكتاب فضائل الصحابة باب ذكر العباس بن عبد المطب ﵁ حديث (٣٧١٥) .
[ ٢ / ٧٢٧ ]
أي بدعائه وشفاعته.
فإنه توسل بدعائه لا بذاته، ولهذا عدلوا عن التوسل به إلى التوسل بعمه العباس ولو كان التوسل هو بذاته لكان هذا أولى من التوسل بالعباس، فلما عدلوا عن التوسل به إلى التوسل بالعباس علم أن ما يفعل في حياته قد تعذر بموته، بخلاف التوسل الذي هو الإيمان به والطاعة له فإنه مشروع دائمًا.
وأما المعني الثالث الذي لم ترد به سنة فهو: التوسل به بمعنى الإقسام على الله بذاته والسؤال بذاته فهذا هو الذي لم يكن الصحابة يفعلونه في الاستسقاء ونحوه لا في حياته ولا بعد مماته، لا عند قبره ولا غير قبره، ولا يعرف هذا في شيء من الأدعية المشهورة بينهم.
وإنما ينقل شيء من ذلك في أحاديث ضعيفة مرفوعة وموقوفة أو عمن ليس قول حجة١.
وليس في الأحاديث المرفوعة في ذلك حديث في شيء من دواوين المسلمين التي يعتمد عليها في الأحاديث -لا في الصحيحين ولا كتب السنن ولا المسانيد المعتمدة كمسند الإمام أحمد وغيره- وإنما يوجد في الكتب التقى عرف أن فيها كثيرا من الأحاديث الموضوعة المكذوبة التي يختلقها الكذابون٢.
والأحاديث التي تروى في هذا الباب -وهو السؤال بنفس المخلوقين- هي من الأحاديث الضعيفة الواهية بل الموضوعة ولا يوجد في أئمة الإسلام من احتج بها ولا اعتمد عليها٣.
_________________
(١) ١ قاعدة جليلة في الترسل والوسيلة (ص ٧٩، ٨٠) بتصرف يسير. ٢ قاعدة جليلة في الترسل والوسيلة (ص ١٦٠) . ٣ قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (١٦٤) .
[ ٢ / ٧٢٨ ]
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة١ عددا من الأحاديث والآثار التي استدل بها من أجاز التوسل بالذوات وبين ضعف حججهم وقال: "ليس في هذا الباب حديث واحد مرفوع إلى النبي ﷺ يعتمد عليه في مسألة شرعية، باتفاق أهل المعرفة بحديثه، بل المروى في ذلك إنما يعرفه أهل المعرفة بالحديث أنه من الموضوعات، إما تعمدًا من واضعه وإما غلطًا منه"٢.
ويتضح من النقول السابقة أن التوسل ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: التوسل الشرعي الذي دلت عليه النصوص الشرعية.
القسم الثاني: التوسل البدعي الذي لم يثبت به نص شرعي.
والتوسل الشرعي الذي جاءت به النصوص على نوعين:
النوع الأول: التوسل إلى الله تعالى بالأعمال الصالحة، أو بتعبير آخر التقرب إلى الله بطاعته.
النوع الثاني: التوسل بدعاء الأحياء الصالحين للغير.
فالتوسل الشرعي في النوع الأول: "هي الوسيلة التي أمرنا الله أن نبتغيها إليه قال تعالى ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ وهي التقرب إلى الله بطاعته وهذا النوع يدخل فيه كل ما أمرنا الله به ورسوله، وهذه الوسيلة لا طريق لنا إليها إلا باتباع النبي ﷺ وطاعته.
وهذا النوع من التوسل فرض على كل أحد ٣، ويكون مراد التوسل به أحد أمرين:
_________________
(١) ١ انظر (ص ١٦٤ إلى ٢٣٠) . ٢ قاعدة جليلة (ص ١٨٠) . ٣ قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص ١٥٩) .
[ ٢ / ٧٢٩ ]
١- أن يتوسل بذلك إلى إجابة الدعاء وإعطاء السؤال، كحديث الثلاثة الذين أووا إلى الغار، فإنهم توسلوا بأعمالهم الصالحة ليجيب دعاءهم ويفرج كربتهم، وسيأتي بيان ذلك.
٢- التوسل بذلك إلى حصول ثواب الله وجنته ورضوانه، فإن الأعمال الصالحة التي أمر بها الرسول ﷺ هي الوسيلة التامة إلى سعادة الدنيا والآخرة١.
والأعمال التي يتوسل ويتقرب بها إلى الله أنواع منها:
١- التوسل إلى الله تعالى بالإيمان به وبرسوله ﷺ وبكل ما أمر به:
مثال ذلك ما حكاه الله سبحانه عن المؤمنين في قوله تعالى ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ ٢. وقوله تعالى ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ﴾ ٣ فهم قدموا ذكر الإيمان قبل الدعاء.
وكذا التوسل بالإيمان بالرسول ﷺ كأن يقول العبد اللهم إني أسألك بإيماني برسولك محمد ﷺ أن تعطني كذا، أو تدفع عني كذا.
وكذا التوسل باتباعه وطاعته ﷺ فيما جاء به من ربه ﷿.
وهذا التوسل بالإيمان به وطاعته فرض على كل أحد في كل حال باطنًا وظاهرًا، في حياة رسول الله ﷺ وبعد موته، في مشهده ومغيبة، ولا يسقط التوسل بالإيمان به وبطاعته عن أحد من الخلق في حال من الأحوال
_________________
(١) ١ قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص ٢٤٠، ٢٤١) . ٢ الآية (١٠٩) من سورة المؤمنون. ٣ الآية (١٩٣) من سورة آل عمران.
[ ٢ / ٧٣٠ ]
-بعد قيام الحجة عليه- ولا بعذر من الأعذار، ولا طريق إلى كرامة الله ورحمته والنجاة من هوانه وعذابه إلا التوسل بالإيمان به وبطاعته١.
فإذا توسلنا إلى الله بإيماننا بنبينا ومحبته ومولاته واتباع سنته فهو من أعظم الوسائل.
فالأعمال الصالحة سبب لثواب الله لنا، فإذا توسلنا إلى الله بالأعمال الصالحة كنا متوسلين إليه بوسيلة كما قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ فالوسيلة هي الأعمال الصالحة.
أما سؤال الله بمجرد ذات النبي فغير مشروع، لأننا إذا توسلنا إلى الله بنفس ذاته لم يكن في نفس ذاته سبب يقتضى إجابة دعائنا ولهذا لم يكن هذا منقولا عن النبي ﷺ نقلا صحيحًا ولا متواترًا ولا مشهورًا عن السلف. فنحن إنما ننتفع باتباعنا له ومحبتنا له، وهو له عند الله من الدرجة والمنزلة أمر يعود نفعه إليه، فالتوسل به من غير متابعة له في الأعمال لا يجوز أن يكون وسيلة٢.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولا يتوسل إلى الله بمجرد ذات أحد من خلقه من غير دعاء من المتوسل به ولا طاعة من المتوسل".
والداعي إنما ينتفع من وجهين:
إما بدعاء الرسول له. أو بإيمان الداعي به وطاعته وجه حبته.
فأن إذا كان الرسول ﷺ لم يدع له، وهو لم يؤمن به، لم ينتفع بالرسول ﷺ. فأبو طالب مع كفره لما كان يحوط الرسول ويمنعه شفع فيه حتى خفف
_________________
(١) ١ قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص ٣- ٤) . ٢ الرد على البكري (ص ٤٠) بتصرف.
[ ٢ / ٧٣١ ]
عنه العذاب، وقد كان في غمرة من النار، فلما شفع فيه صار في ضحضاح من النار، وفي رجليه نعلان من النار يغلي منهما دماغه، ولولاه لكان في الدرك الأسفل من النار هكذا رواه مسلم في صحيحه١ فانتفع به مع كفره في تخفيفه عذابه بأن شفع فيه.
والإيمان به نافع لمن آمن وإن لم تحصل معه شفاعة.
فهذان السببان هما اللذان ينفعان العبد من سيد الخلق ﷺ.
وأما مجرد توسل العبد بذاته أو إقسامه به بدون هذين السببين فلا ينفعه أصلا"٢.
فالوسيلة لون العباد وبين ربهم ﷿ هي الإيمان بالرسل وطاعتهم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ ٣ وقال تعالى ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ ٤ فالله تعالى يحب أن نتوسل إليه بالإيمان والعمل والصلاة والسلام على نبيه ﷺ ومحبته وطاعته وموالاته.
٢- التوسل إلى الله بعبادته وطاعته:
فالتوسل إلى الله بعبادته وطاعته من أعظم القربات التي يحبها الله ويرضاها من عبده ويثيبه عليها.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب شفاعة النبي ﷺ لأبي طالب والتخفيف عنه بسببه (١/ ١٣٤- ١٣٥) . ٢ الرد على البكري (ص ٦١) . ٣ الآية (٦٩) من سورة النساء. ٤ الآية (٢٣) من سورة الجن.
[ ٢ / ٧٣٢ ]
ففي الحديث القدسي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله قال: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما يرال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه ". الحديث١.
فيستفاد منه: أن أداء الفرائض أحب الأعمال إلى الله، وأن العبد إذا أدى الفرائض وداوم على إتيان النوافل من صلاة وصيام وغيرهما أفضى به ذلك إلى محبة الله تعالى ولا يكون التقرب بالنوافل إلا بعد أداء الفرائض.
فالتوسل إلى الله بعمل صالح يفعله العبد خالصًا لله تعالى، من أنواع التوسل المشروع.
وذلك كما في قصة أصحاب الغار كما يرويها عبد الله بن، عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ أنه قال "بينما ثلاثة نفر يتمشون أخذهم المطر فأووا إلى غار في جبل، فانطبقت عليهم غارهم صخرة من الجبل، فانطبقت عليهم، فقال بعضهم لبعض انظروا أعمالا عملتموها صالحة لله، فادعوا الله تعالى بها لعل الله يفرجها عنكم.
فقال أحدهم: اللهم إنه كان لي والدان شيخان كبيران، وامرأتي ولي صبية صغار أرعى عليهم فإذا أرحت عليهم حلبت فبدأت بوالديّ فسقيتهما قبل بني
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الرقاق، باب التواضع. انظر: فتح الباري (١/٣٤٠، ٣٤١) ح ٠٢ ٦٥.
[ ٢ / ٧٣٣ ]
وأنه نأى لي ذات يوم الشجر، فلم آت حتى أمسيت، فوجدتهما قد ناما فحلبت كما كنت أحلب، فجئت بالحلاب فقمت عند رؤسهما أكره أن أوقظهما من نومهما، وأكره أن أسقي الصبية قبلهما، والصبية يتضاغون عند قدمي فلم يزل ذلك دأبي ودأبهم حتى طلع الفجر، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فأفرج لنا منها فرجة نرى منها السماء.
ففرج الله منها فرجة فرأوا السماء.
وقال الآخر: اللهم إنه كانت لي ابنة عم أحببتها كأشد ما يحب الرجال النساء وطلبت إليها نفسها فأبت حتى آتيها بمائة دينار فتعبت حتى جمعت مائة دينار فجئتها بها، فلما وقعت بين رجليها قالت يا عبد الله اتق الله ولا تفتح الخاتم إلا بحقه فقمت عنها فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج لنا منها فرجة ففرج لهم.
وقال الآخر: اللهم إني كنت استأجرت أجيرًا بفرق أرز فلما قضى عمله، قال أعطني حقي فعرضت عليه فرقه فرغب عنه، فلم أزل أزرعه حتى جمدت منه بقرا ورعاءها، فجاءني فقال: اتق الله ولا تظلمني حقي فقلت اذهب إلى تلك البقر ورعائها فخذها، فقال: اتق الله ولا تستهزئ بي، فقلت: إني لا أستهزئ بك خذ ذلك البقر ورعائها فأخذه فذهب به، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج لنا ما بقي ففرج الله ما بقى" ١ فهؤلاء الثلاثة سألوا الله وتوسلوا إليه بأعمال البر.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب إجابة دعاء من بر والدية. انظر فتح الباري (١٥/ ٤٠٤) . وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الرقاق، باب قصة أصحاب الغار الثلاثة والتوسل بصالح الأعمال (٨/ ٨٩) واللفظ له.
[ ٢ / ٧٣٤ ]
٣- التوسل بالاستغفار والتسبيح والدعاء:
وهذا من أفضل ما يتوسل به العبد إلى ربه فقد أثنى الله على المستغفرين من ذنوبهم التائبين إليه كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ ١.
وكان ﷺ يكثر من الاستغفار وحث أمته عليه، وأرشدهم إلى ملازمته لما فيه من إظهار العبودية لله والافتقار إليه والذل والخشوع له ولا شك أن حاجة الأمة إلى الاستغفار والتوبة أشد من احتياجه ﷺ لذلك.
فقد قال ﷺ: "يا أيها الناس توبوا إلى الله فإني أتوب في اليوم إليه مائة مرة" ٢.
وعنه ﷺ أنة قال: "إنه ليغان على قلبي وإني لاستغفر الله في اليوم مائة مرة" ٣. والغين هو ما يتغشى القلب٤.
وأما الدعاء فإنه أقوى وسائل التقرب إلى الله وأفضل ما يتقرب به العبد إلى مولاه فالدعاء مخ العبادة.
قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ ٥.
وقال تعالى ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا
_________________
(١) ١ الآية (١٣٥) من سورة آل عمران. ٢ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار باب استحباب الاستغفار والاستكثار منه (٨/ ٧٢، ٧٣) . ٣ أخرجه مسلم في صحيحه، كناب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار باب اسثحباب الاستغفار والاستكثار منه (٨/ ٧٢، ٧٣) . ٤ شرح النووي (١٧/ ٢٣) ٥ الآية (٦٠) من سورة غافر.
[ ٢ / ٧٣٥ ]
دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ ١.
والآيات القرآنية التي فيها الأمر بالتوجه إلى الله وحده بالدعاء كثيرة جدًا.
ويدخل في هذا النوع التوسل إلى الله بدعائه باسم من أسمائه الحسنى أو بصفة من صفاته العليا: كأن يقول المسلم في دعائه: اللهم إني أسألك بأنك أنت الرحمن الرحيم، اللطف الخبير أن تعافيني.
أو يقول: أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن ترحمني وتغفر لي.
ومثله قول القائل: اللهم إني أسألك بحبك لمحمد ﷺ.. فإن الحب من صفاته تعالى.
قال الله ﷿ ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ ٢ والمعني ادعوا الله متوسلين إليه بأسمائه الحسني، ولاشك أن صفاته العليا داخلة في هذا الطلب لأن أسمائه الحسني صفات له، خصت به تبارك وتعالى٣.
ومن ذلك ما ذكره تعالى من دعاء سليمان ﵇ حيث قال ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ ٤.
وأما النوع الثاني: من أنواع التوسل المشروع فهو: التوسل بدعاء الأحياء الصالحين للغير.
كأن يطلب العبد ممن يظن فيه الصلاح والتقوى والعلم بالكتاب والسنة أن يدعو له لما يريده من أمور الدنيا والآخرة.
_________________
(١) ١ الآية (١٨٦) من سورة البقرة. ٢ الآية (١٨٠) من سورة الأعراف. ٣ كتاب التوسل أنواعه وأحكامه (٢٩، ٣٠) . ٤ الآية (١٩) من سورة النمل.
[ ٢ / ٧٣٦ ]
فهذا النوع من أنواع التوسل إجازته الشريعة المطهرة وأرشدت إليه.
فعن أنس بن مالك ﵁ أن رجلا دخل يوم الجمعة من باب كان وجاه المنبر ورسول الله ﷺ يخطب، فاستقبل رسول الله ﷺ قائما فقال: يا رسول الله هلكت المواشي وانقطعت السبل فادع الله يغيثنا.
فال: فرفع رسول الله ﷺ يديه فقال: "اللهم اسقنا، اللهم اسقنا".
قال أنس: ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة ولا شيئا، وما بيننا وبين سلع١ من بيت ولا دار. قال: فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت. قال والله ما رأينا الشمس سبتا.
ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ورسول الله ﷺ قائم يخطب فاستقبله قائما فقال: يا رسول الله، هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يمسكها. قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه ثم قال: "اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب والأودية ومنابت الشجر
قال: فانقطعت، وخرجنا نمشى في الشمس"٢.
وعن أنس ﵁ "أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا قحطوا استقى بالعباس بن عبد المطلب، فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا.
قال: فيسقون"٣.
_________________
(١) ١ سلع (بالفتح ثم السكون آخره عين مهملة) جبل معروف بالمدينة. وفاء الوفاء (ص ١٢٣٥) . ٢ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاستسقاء، باب الاستسقاء في المسجد الجامع. انظر: فتح الباري (٢/ ٥٠١) ح ١٠١٣ ٣ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاستسقاء، باب سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا انظر فتح الباري (٢/ ٤٩٤) ح ١٠١٠
[ ٢ / ٧٣٧ ]
وهكذا يتضح لنا جليا أن التوسل المشروع الذي دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، وجرى عليه عمل السلف الصالح وأجمع عليه المسلمون هو:
١- التوسل إلى الله بالأعمال الصالحة وعلى رأسها:
أ- التوسل بالإيمان بالله وبرسوله وبكل ما أمر به.
ب- التوسل إلى الله بعبادته وطاعته.
ج- التوسل إلى الله بالاستغفار والتسبيح والدعاء.
٢- التوسل بدعاء الأحياء الصالحين للغير.
وأما ما عدا هذه الأنواع فهي توسلات بدعية، وذلك كالتوسل بذوات المخلوقين، أو جاههم فيما لا يقدر عليه إلا الله، وسواء كانوا أحياء أم أمواتًا، وسواء كانوا أنبياء أم صالحين أم كانوا من عامة المؤمنين والذي نعتقده وندين الله به أن هذا غير جائز ولا مشروع، لأنه لم يرد فيه دليل تقوم به الحجة.
ولا يجوز للمسلم أن يتقرب إلى الله ويتوسل إليه بغير ما شرعه في كتابه أو على لسان رسوله.
وفيما شرعه الله ورسوله الغنية عن غيره من التوسلات البدعية والشركية.
[ ٢ / ٧٣٨ ]
المطلب الثاني: الكلام على مسألة الشفاعة
أ- أما الشفاعة فمعناها في اللغة:
قال صاحب اللسان: "شفع لي يشفع، شفاعة، وتشفع: طلب.
وروي عن المبرد وثعلب١ أنهما قالا في قوله تعالى ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ ٢ قالا: الشفاعة الدعاء ههنا.
والشفاعة كلام الشفيع للملك في حاجة يسألها لغيره.
وشفع إليه: في معنى طلب إليه.
والشافع: الطالب لغيره يتشفع به إلى المطلوب.
يقال: تشفعت بفلان إلى فلان فشفعني فيه.
واسم الطالب: شفيع.
واستضفعته إلى فلان: أي سألته أن يشفع لي إليه.
وتشفعت إليه في فلان: فشفعني فيه تشفيعًا"٣.
ويتضح من النقل السابق ما يلي:
١- أن معنى الشفاعة في اللغة: الدعاء والطلب.
_________________
(١) ١ واسمه أحمد بن يحيى بن زيد الشيباني بالولاء، أبو العباس المعروف بثعلب، إمام الكوفيين في النحو واللغة، كان راوية للشعر، ثقة حجة، مات ببغداد سنة ٢٩١هـ. الأعلام (١/٢٦٧) . ٢ الآية (٢٥٥) من سورة البقرة. ٣ لسان العرب (٨/ ١٨٤) مادة شفع.
[ ٢ / ٧٣٩ ]
٢- أن الشفاعة لها أركان أربعة:
١- الطلب ٢- المشفع فيه أي صاحب الحاجة، ٣- الشافع أو الشفيع، ٤- المشفوع إليه.
وهذه الأركان الأربعة مذكورة في كلام صاحب اللسان حيث قال:
"الشفاعة، كلام الشفيع للملك في حاجة يسألها للغير" فهناك:
١- شفيع، ٢- ملك، ٣- حاجة، ٤- وغير.
٣- أن الشفاعة في لغة العرب لابد فيها من طلب الشافع للسائل، فيطلب له ما يطلب من المسئول المدعو المشفوع إليه.
قال صاحب اللسان: "الشافع الطالب لغيره، واسم الطالب: شفيع. وهذا لا يكون إلا بوجود الشافع وحضوره. وأما الاستشفاع بمن لم يشفع للسائل ولا طلب له حاجة ليس هذا استشفاعا في اللغة".
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "كثير من العامة يقولون لمن توسل في دعائه بنبي أو غيره: قد تشفع به. من غير أن يكون المتشفع به شفع له ولا دعا له، بل قد يكون غائبا لم يسمع كلام ولا شفع له. وهذا ليس هو لغة النبي ﷺ وأصحابه وعلماء الأمة بل ولا هو لغة العرب. فان الاستشفاع: طلب الشفاعة. والشافع: هو الذي يشفع للسائل فيطلب له ما يطلب من المسئول المدعو المشفوع إليه. وأما الاستشفاع بمن لم يشفع للسائل ولا طلب له حاجة بل وقد لا يعلم بسؤاله، فليس هذا استشفاعا لا في اللغة ولا في كلام من يدري ما يقول. نعم هذا سؤال به، ودعاؤه، ليس هو استشفاعا به"١.
_________________
(١) ١ قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص ١٥١- ١٥٢) .
[ ٢ / ٧٤٠ ]
فالشفاعة في لغة العرب ولغة النبي ﷺ وأصحابه رضوان الله عليهم، لابد فيها من "طلب الشافع" وهذا لا يكون إلا بوجوده وحضوره.
وأما توسل الشخص في دعائه بنبي أو غيره، وتسمية بعض المبتدعة لهذا استشفاعا أي سؤالا بالشافع، وصاروا يقولون: استشفع به فيشفعك، أي يجيب سؤالك به، فهذا من تغيير معني الشفاعة في اللغة والشرع، وأصحابه أرادوا أن يغيروا اللغة كما غيروا الشريعة.
ب- معنى الشفاعة في خطاب الشارع:
معنى الشفاعة في استعمال الشارع هو الدعاء كما ورد في وضع اللغة فمما ورد في ذلك مما رواه أبو هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في صلاته على الجنازة: "اللهم أنت ربها وأنت خالقها وأنت هديتها للإسلام، وأنت قبضت روحها، وأنت أعلم بسرها وعلانيتها جئنا شفعاء فاغفرلها"١.
وعن أنس وعائشة عن النبي ﷺ قال: "ما من ميت يصلى عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه" ٢.
هذا وقد جاءت النصوص الشرعية بذكر نوعين من الشفاعة:
النوع الأول: الشفاعة المنفية.
النوع الثاني: الشفاعة المثبتة.
أما النوع الأول: أي الشفاعة المنفية.
فإنه لما كان المشركون في قديم الزمان وحديثه إنما وقعوا في الشرك لتعلقهم
_________________
(١) ١ أخرجه الإمام أحمد في المسند (٢/ ٣٤٥، ٣٦٣) . ٢ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنائز، باب من صلى عليه مائة شفعوا فيه: (٣/٥٢، ٥٣) .
[ ٢ / ٧٤١ ]
بأذيال الشفاعة كما قال تعالى ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٢.
فقد نفي الله هذه الشفاكة رنزه نفسه عنها، ونفي أن يكون للخلق من دونه من ولى أو شفيع كما قال تعالى ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ ٤.
وهذه الشفاعة المنفية هي الشفاعة المعروفة عند الناس عند الإطلاق وهي أن يشفع الشفيع إلى غيره ابتداء فيقبل شفاعته"٥.
وأصحاب هذه الشفاعة المنفية جعلوا وسائط بين الله وبين خلقه -كالحجاب الذي لن الملك ورعيته- بحيث يكون أولئك الوسائط هم الذين يرفعون إلى الله حوائج خلقه، فهم يعتقدون أن الله إنما يهدي عباده ويرزقهم بتوسطهم، فالخلق يسألونهم وهم يسألون الله كما أن الوسائط عند الملوك: يسألون الملوك
_________________
(١) ١ الآية (١٨) من سورة يونس. ٢ الآية (٣) من سورة الزمر. ٣ الآيتان (٤٣، ٤٤) من سورة الزمر. ٤ الآية (٤) من سورة السجدة. ٥ مجموع الفتاوى (١/ ١١٨) .
[ ٢ / ٧٤٢ ]
حوائج الناس، لقربهم منهم، والناس يسألونهم أدبًا منهم أن يباشروا سؤال الملك أو لأن طلبه من الوسائط أنفع لهم من طلبهم من الملك لكونهم أقرب إلى الملك من الطالب للحوائج.
فمن أثبتهم وسائط على هذا الوجه: فهو مشرك، يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل.
وهؤلاء مشبهون لله، شبهوا المخلوق بالخالق، وجعلوا لله أندادًا وفي القرآن الكريم من الرد على هؤلاء ما لا يتسع المجال لذكره ههنا.
ومعلوم أن الوسائط التي بين الملوك وبين الناس، يكونون على أحد وجوه ثلاثة:
١- إما لإخبارهم من أحوال الناس مما لا يعرفونه.
أو أن يكون الملك عاجزا عن تدبير رعيته ودفع أعدائه إلا بأعوان يعينونه، فلابد له من أنصار وأعوان لذله وعجزه.
٢- وإما أن يكون الملك ليس مريدا لنفع رعيته، والإحسان إليهم ورحمتهم إلا بمحرك يحركه من خارج.
فإذا خاطب الملك من ينصحه، ويعظمه، أو من يدل عليه، بحيث يكون يرجوه أو يخافه: تحركت إرادة الملك وهمته في قضاء حوائج رعيته إما لما حصل في قلبه من كلام الناصح الواعظ المشير، وإما لما يحصل من الرغبة أو الرهبة من كلام المدل عليه.
وكل هذه الأمور ممتنعة في حق الله تعالى.
فمن قال إن الله لا يعلم أحوال عباده حتى يخبره بذلك بعض الملائكة أو الأنبياء أو غيرهم فهو كافر.
بل هو سبحانه يعلم السر وأخفي، ولا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في
[ ٢ / ٧٤٣ ]
السماء وهو السميع البصير.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ﴾ ٢. والله سبحانه ليس له ظهير، ولا ولى من الذل.
قال تعالى ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ ٣.
وقال تعالى ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ ٤.
وكل ما في الوجود من الأسباب فهو خالقه، وربه ومليكه، فهو الغني عن كل ما سواه، وكل ما سواه فقير إليه، بخلاف الملوك المحتاجين إلى ظهرائهم وهم في الحقيقة شركاؤهم في الملك.
والله تعالى ليس له شريك في الملك، بل لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
وهو سبحانه رب كل شيء ومليكه، وهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها، وكل الأشياء إنما تكون بمشيئته فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.
وهو سبحانه لا يرجو أحدا ولا يخافه، ولا يحتاج إلى أحد بل هو الغني قال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ
_________________
(١) ١ الآية (٥) من سورة آل عمران. ٢ الآية (٣٨) من سورة إبراهيم. ٣ الآية (٢٢) من سورة سبأ. ٤ الآية (١١١) من سورة الإسراء.
[ ٢ / ٧٤٤ ]
مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ ١.
فالمشركون يتخذون شفعاء من جنس ما يعهدونه من الشفاعة عند ملوكهم.
قال تعالى ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٢.
وقال تعالى ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ٣.
وأخبر عن المشركين أنهم قالوا ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٤ ٥ فالمشرك يقصد فيما يشرك به:
١- أن يشفع له عند الله.
٢- أن يتقرب بعبادته إلى الله.
وهذا بعينه هو ما يوجد عند عباد القبور نعوذ بالله من حالهم.
وأما الشفاعة المثبتة: فهي الشفاعة الشرعية المخالفة لما عليه المشركون.
وهي التي أخبر الله تعالى أنها لا تنفع إلا بشرطين:
الأول: إذنه سبحانه للشافع أن يشفع.
الثاني: رضاه سبحانه عن المشفوع له.
_________________
(١) ١ الآية (٦٦) من سورة يونس. ٢ الآية (١٨) من سورة يونس. ٣ الآية (٢٨) من سورة الأحقاف. ٤ الآية (٣) من سورة الزمر. ٥ مجموع الفتاوى (١/ ١٢٦- ١٢٩) بتصرف.
[ ٢ / ٧٤٥ ]
قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ ٤.
وهذه الشفاعة منها ما هو في الدنيا. ومنها ما هو في يوم القيامة. والشفاعة كما سبق وأن ذكرنا هي: الدعاء.
ولا يرب أن دعاء الخلق بعضهم لبعض نافع والله قد أمر بذلك.
فمشروع أن يدعو الأعلى للأدنى والأدنى للأعلى.
ولقد كان الصحابة يستشفعون بالنبي ﷺ في الاستسقاء ويطلبون منه الدعاء، بل وكذلك بعده استسقى عمر والمسلمون بالعباس عمه، وهذا من الشفاعة في الدنيا.
وفي يوم القيامة يطلب الناس الشفاعة من الأنبياء ومحمد ﷺ وهو سيد الشفعاء، وله شفاعات يختص بها.
ولكن لابد في هذه الشفاعة من الشرطين السابقين أي إذن الله للشافع ورضاه عن المشفوع له.
_________________
(١) ١ الآية (٢٥٥) من سورة البقرة. ٢ الآية (٢٦) من سورة النجم. ٣ الآية (٢٨) من سورة الأنبياء. ٤ الآية (١٠٩) من سورة طه.
[ ٢ / ٧٤٦ ]
فالداعي الشافع ليس له أن يدعو ويشفع إلا بإذن الله في ذلك، فلا يشفع شفاعة نهي عنها: كالشفاعة للمشركين والدعاء لهم بالمغفرة قال تعالى ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ ١.
وقال تعالى في حق المنافقين ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ ٢.
وقال تعالى ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ٣.
وشرط الرضي غير متحقق في المشفوع له مع أن الشافع هنا هو خير الخلق وأعظمهم قدرا عند الله تعالى. وقد قال تعالى ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ ٤ أي المعتدين في الدعاء.
ومن الاعتداء في الدعاء: أن يسأل العبد ما لم يكن الرب ليفعله مئل: أن يسأله منازل الأنبياء وليس منهم، أو مغفرة المشركين ونحو ذلك، أو يسأله ما فيه معصية الله كإعانته على الكفر والفسوق والعصيان.
فالشفيع الذي أذن الله له في الشفاعة: شفاعته في الدعاء الذي ليس فيه عدوان.
والأنبياء لو سأل أحدهم دعاء لا يصلح له لا يقر عليه، فإنهم معصومون أن
_________________
(١) ١ الآية (١١٣) من سورة التوبة. ٢ الآية (٦) من سورة المنافقون. ٣ الآية (٨٠) من سورة التوبة. ٤ الآية (٥٥) من سورة الأعراف.
[ ٢ / ٧٤٧ ]
يقروا على ذلك.
كما قال نوح ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ ١ قال تعالى ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ ٢.
﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٣.
وكل داع شافع، دعا الله سبحانه وشفع: فلا يكون دعاؤه وشفاعته إلا بقضاء الله وقدره ومشيئته، فهو الذي يجيب الدعاء من جملة الأسباب التي قدرها الله ﷾.
وإذا كان كذلك: فالالتفات إلى الأسباب بالكلية شرك في التوحيد ومحو الأسباب أن تكون أسبابًا نقص في العقل.
والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع، بل العبد يجب أن يكون توكله ودعاؤه وسؤاله ورغبته إلى الله ﷾ والله يقدر له من الأسباب من دعاء الخلق وغيرهم ما شاء.
فالدعاء للغير، ينتفع به الداعي، والمدعو له، وإن كان الداعي دون المدعو في الدرجة والمنزلة.
فدعاء المؤمن لأخيه ينتفع به الداعي والمدعو له.
فمن قال لغيره أدع لي وقصد انتفاعهما جميعا بذلك كان هو وأخوه
_________________
(١) ١ الآية (٤٥) من سورة هود. ٢ الآية (٤٦) من سورة هود. ٣ الآية (٤٧) من سورة هود.
[ ٢ / ٧٤٨ ]
متعاونين على البر والتقوى. فهو نبه المسئول وأشار عليه بما ينفعهما، بمنزلة من يأمر غيره ببر وتقوى، فيثاب المأمور على فعله، والآمر أيضا يثاب مثل ثوابه لكونه دعا إليه. وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: "دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملك موكل كلما دعا لأخيه قال الملك الموكل به آمين ولك بمثل" ١.
وعند النظر في نصوص الشرع الواردة في شفاعة النبي ﷺ نجد أن هناك شفاعة أخروية له في يوم القيامة، وشفاعة دنيوية في حياته.
أما الشفاعة الأخروية: فقد أجمع المسلمون على أن النبي ﷺ يشفع للخلق يوم القيامة بعد أن يسأله الناس ذلك، وبعد أن يأذن الله له في الشفاعة.
ثم إن أهل السنة والجماعة متفقون على ما اتفق عليه الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، واستفاضت به السنن من أنه ﷺ يشفع لأهل الكبائر من أمته ويشفع لعموم الخلق.
فله ﷺ شفاعات يختص بها لا يشركه فيها أحد، وشفاعات فيها وغيره من الأنبياء والصالحين سواء، ولكن ما له فيها أفضل مما لغيره، فإنه ﷺ أفضل الخلق وأكرمهم على ربه ﷿، وله من الفضائل التي ميزه الله بها على سائر النبيين ومن ذلك المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون، وأحاديث الشفاعة كثيرة متواترة منها في الصحيح أحاديث متعددة، وفي السنن والمسانيد مما يكثر عدده.
أما الشفاعة الدنيوية (التي كانت في حياته)، فقد أجمع أهل العلم على أن
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل الدعاء للمسلمين بظهر الغيب (٨/ ٨٦) .
[ ٢ / ٧٤٩ ]
الصحابة كانوا يستشفعون به ويتوسلون به في حياته بحضرته. كما ثبت في أحاديث الاستسقاء، وهذا الاستشفاع هو طلب للدعاء منه، فإنه كان يدعو للمستشفع والناس يدعون معه، كما جاء في الحديث الثابت في الاستسقاء أن المسلمين لما أجدبوا على عهد النبي ﷺ دخل عليه أعرابي فقال: يا رسول الله هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا.
فرفع النبي ﷺ يديه وقال: "اللهم أغثنا اللهم أغثنا اللهم أغثنا" ١.
فهذا يبين أن معنى الاستشفاع بالنبي ﷺ هو استشفاع بدعائه وشفاعته. وهذا ما فهمه الصحابة وعملوا به بعد وفاة النبي ﷺ فعمر بن الخطاب استسقى بالعباس بن عبد المطلب وقال "اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا" ٢. وكذلك معاوية بن أبي سفيان -لما أجدب الناس بالشام- استسقى بيزيد بن الأسود الجرشي٣ فقال: "اللهم إنا نستشفع ونتوسل بخيارنا، يا يزيد ارفع يديك "فرفع يديه ودعا، ودعا الناس حتى سقوا"٤.
فهم لم يستسقوا ولم يتوسلوا ولم يستشفعوا في هذه الحال بالنبي ﷺ لا
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه ص ٧٣٧ ٢ تقدم تخريجه ص ٧٣٧ ٣ يزيد بن الاسود الجرشي أبو الأسود، من سادة التابعين أسلم في حياة النبي ﷺ، وكان من العباد الخشن وقصته مع معاوية تدل على فضله وصلاحه، توفي سنة ٧١ هـ. الإصابة (٣/٦٣٤) وسبر أعلام النبلاء (٤/ ١٣٦- ١٣٧) . ٤ أورده ابن حجر في الإصابة (٣/ ٦٣٤) وقال: "أخرجه أبو زرعة الدمشقي ويعقوب بن سفيان في تاريخيهما بسند صحيح" وأورده الذهبي في سير أعلام النبلاء (٤/١٣٧) وابن كثير في البداية (٨/ ٣٢٤) .
[ ٢ / ٧٥٠ ]
عند قبره ولا غير قبره، بل عدلوا إلى البدل كالعباس وكيزيد.
فجعلوا هذا بدلا عن ذلك لما تعذر أن يتوسلوا به على الوجه المشروع الذي كانوا يفعلونه.
وقد كان من الممكن أن يأتوا إلى قبره فيتوسلوا ويستشفعوا به ويقولوا في دعائهم في الصحراء بالجاه ونحو ذلك من الألفاظ التي تتضمن القسم بالمخلوق على الله ﷿ أو السؤال به، فيقولون نسألك أو نقسم عليك أو نستشفع عليك أو نستشفع بنبيك أو جاه نبيك، ونحو ذلك مما يفعله بعض الناس.
ولكنهم لم ينقل عنهم أنهم توسلوا أو استشفعوا بمثل هذه العبارات فهذا يؤكد ويبرهن على أن التوسل بالذات في حضور الشخص أو مغيبة أو بعد موته أمر لم يشرعه لهم الشارع ولم يكن معروفا عندهم.
[ ٢ / ٧٥١ ]
المطلب الثالث: الكلام على مسألة الاستغاثة
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " الاستغاثة: طلب الإغاثة والتخليص من الكربة والشدة. والنبي ﷺ في حياته يجوز أن يستغاث به، فيطلب منه أن ينصر المظلوم، ويطعم الجائع، ويسقى الظمآن، ويخلص الأسرى، ويقضي الدين عن المدين، ويبين الدين، ويزيح شبهات المعارضين ويجب السائلين ونحو ذلك.
ومعلوم أن نبينا ﷺ أفضل الناس عملًا، وأعظمهم حرصًا على البر والتقوى، بل كل خير في الوجود فهو معين عليه بل له مثل أجر كل عامل خير من أمته فإنه هو الذي دعا إلى ذلك "من دعا إلى الهدى كان له مثل أجور من تبعه من غير أن يتقص من أجورهم شيئا" ١ ٢.
واستغاثة الصحابة به في القحط، إنما به استغاثوا به ليدعو لهم كما يستغيث الناس به يوم القيامة ليشفع لهم.
والاستغاثة بالمخلوق ليدعو للعبد أو ليعينه بما يقدر عليه ليس بممنوع منه. وإنما الممنوع أن يستغاث به فيما لا يقدر عليه، وأن يقسم على الله به ولاسيما إذا كان المخلوق ميتًا أو غائبًا فلا يجوز أن يستغاث به فيما يقدر عليه حيًا، ولا فيما لا يقدر عليه.
(وأما قول من يقول إن الاستغاثة به بعد موته ثابتة ثبوتها في حياته فهو كلام
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه ص ٤٤٥. ٢ الرد على البكري (ص ٨٨) بتصرف.
[ ٢ / ٧٥٢ ]
باطل قطعا لأنه يلزم من ذلك أن يطلب منه أن يخرج إلى الغزوات ويقيم الحدود ويعود المريض فاعلًا ذلك ببدنه كما كان يفعل ذلك في حياته فهل يقول هذا إنسان؟ أو يحتاج رد هذا إلى برهان"١.
فليس عليه بعد الموت فعل من الأفعال لا واجبًا ولا مستحب كما ليس ذلك على غيره من الناس، بل الموت ينتهي به التكليف الثابت في الحياة بإجماع الخلق، فليس على نبي ولا غيره بعد موته أن يفعل ما كان يؤمر به في حال الحياة من واجب ومستحب.
ولا يستطع أحد أن ينقل عن أحد من الصحابة ولا من السلف أنهم بعد موته طلبوا منه إغاثةً ولا نصرًا ولا إعانة ولا استسقوا بقبره ولا استنصروا به كما كانوا يطلبون ذلك منه في حياته"٢.
ويفهم من كلام شيخ الإسلام المتقدم أن الاستغاثة بالنبي ﷺ فيها تفصيل. فهناك استغاثة جائزة مشروعة وهي:
١- إما بالطلب منه في حياته فيما يقدر عليه وهذه لم ينازع فيها أحد.
٢- وإما بالطلب منه في عرصات يوم القيامة أن يشفع لهم وهذه ما دلت عليه النصوص الثابتة.
وهناك استغاثة غير مشروعة بل هي شركية وهي عائدة إلى شيئين:
١- الاستغاثة به بعد موته.
٢- أن يطلب منه ما لا يقدر عليه.
وكلا الأمرين يجتمعان فيمن استغاث به بعد موته.
_________________
(١) ١ الرد على البكري (ص ٩٠) . ٢ الرد على البكري (٩٠، ٩١) بتصرف.
[ ٢ / ٧٥٣ ]
ومن تلفظ بهذه العبارة من المبتدعة فهو يريد بها أحد أمرين إما أن يطلب الإغاثة من الرسول نفسه لاعتقاده أن له تصرفا في هذه الأمور وقدرة على تحصيلها وهذا هو اعتقاد كثير من العوام وهو ما يدل عليه استعمال الكلمة في لغة العرب.
وإما أن يكون مراده بهذه العبارة الطلب من الله بواسطة الرسول أي أنه متوسل به إلى الله تعالى وهذا المعني يأباه استعمال العرب لهذه اللفظة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ومن ظن أن الباب في التوسل كالباب في الاستغاثة فقد أخطأ فالمستغاث به هو المسئول.
وأما المتوسل به فهو الذي يتسبب به إلى المسئول١.
(والفرق واضح بين السؤال بالشخص والاسغاثة به.
وأريد أن أُعرف من أين دخل اللبس على هؤلاء الجهال، فإن معرفة المرض وسببه يعين على مداواته وعلاجه، ومن لم يعرف أسباب المقالات وإن كانت باطلة، لم يتمكن من مداواة أصحابها، وإزالة شبهاتهم، فوقع لي أن سبب هذا الضلال والاشتباه عليهم أنهم عرفوا أين يقال سألت الله بكذا كما في الحديث "اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان"٢.
ورأى أن الاستغاثة تتعدى بنفسها كما يتعد السؤال كقوله ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ ٣.
وقوله ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ الرد على البكري (٢٦١، ٢٦٢) . ٢ أخرجه النسائي في سننه، كتاب السهو، باب الدعاء بعد الذكر (٣/ ٥٢) . ٣ الآية (٩) من سورة الأنفال. ٤ الآية (١٥) من سورة القصص.
[ ٢ / ٧٥٤ ]
فظنوا أن قول القائل استغثت بفلان كقوله، سألت بفلان.
والمتوسل إلى الله بغائب أو ميت تارة يقول: أتوسل إليك بفلان، وتارة يقول أسألك بفلان.
فإذا قيل ذلك بلفظ الاستغاثة فإما أن يقول أستغيثك بفلان، أو أستغيث إليك بفلان. ومعلوم أن كلا هذين القولين ليس من كلام العرب.
وأصل الشبهة على هذا التقدير، أنهم لم يفرقوا بين الباء في استغثت به التي يكون المضاف بها مستغاثا مدعوًا مسؤلًا مطلوبًا منه.
فإذا قيل توسلت به، أو سألت به، أو توجهت به فهي الاستغاثة كما تقول كتبت بالقلم. وهم يقولون استغيثه به من الإغاثة كما يقولون استغثت الله واستغثت به من الغوث، فالله في كلا الموضعين مسؤول مطلوب منه.
وإذا قالوا لمخلوق استغثته واستغثت به من الغوث كان المخلوق مسؤلًا مطلوبًا منه.
وأما إذا قالوا استغثت به من الإغاثة فقد يكون مسؤلًا وقد لا يكون مسؤلًا.
وكذلك استنصرته، واستنصرت به، فإن المستنصر يكون مسؤلًا مطلوبًا.
وأما المستنصر به فقد يكون مسؤلًا وقد لا يكون مسؤلًا. فلفظ الاستغاثة في الكتاب والسنة وكلام العرب إنما هو مستعمل بمعنى الطلب من المستغاث به.
وقول القائل: استغثت فلانا واستغثت به بمعنى طلبت منه الإغاثة لا بمعنى توسلت به.
فلا يجوز للإنسان الاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله"١.
فإذا كان معنى الاستغاثة هو الطلب منه، فما الدليل على أن الطلب منه ميتًا
_________________
(١) ١ الرد على البكري (ص ٨٠- ٨٢) .
[ ٢ / ٧٥٥ ]
كالطلب منه حيًا.
ولا يمكن لأحد أن يذكر دليلا شرعيًا على أن سؤال الموتى من الأنبياء والصالحين وغيرهم مشروع. بل الأدلة على تحريم ذلك كثيرة جدًا، فهذه الاستغاثة وتوجه القلب إلى المسئول بالسؤال والإنابة محظورة على المسلمين لم يشرعها لأحد من أمته رسول رب العالمين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "سؤال الميت والغائب نبيًا كان أو غيره من المحرمات المنكرة باتفاق أئمة المسلمين لم يأمر الله به ولا رسوله ولا فعله أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان، لا استحبه أحد من أئمة المسلمين.
وهذا مما يعلم بالاضطرار من المسلمين أن أحدا منهم ما كان يقول إذا نزلت به نازلة أو عرضت له حاجة لميت يا سيدي فلان أنا في حسبك أو اقضي حاجتي، كما يقول بعض هؤلاء المشركين، لمن يدعونهم من الموتى والغائبين.
ولا أحد من الصحابة ﵃ استغاث بالنبي ﷺ بعد موته ولا بغيره من الأنبياء لا عند قبورهم، ولا إذا بعدوا عنها، وقد كانوا يقفون تلك المواقف العظام في مقابلة المشركين في القتال ويشتد البأس بهم ويظنون الظنون ومع هذا لم يستغث أحد منهم بنبي ولا غيره من المخلوقين ولا أقسموا بمخلوق على الله أصلا ولا كانوا يقصدون الدعاء عند قبور الأنبياء ولا قبور غير الأنبياء ولا الصلاة عندها.
وقد كره العلماء كمالك وغيره أن يقوم الرجل عند قبر النبي ﷺ يدعو لنفسه وذكروا أن هذا من البدع التي لم يفعلها السلف.
وأما ما يروى عن بعضهم أنه قال: قبر فلان الترياق المجرب، وقول بعضهم فلان يدعى عند قبره، وقول بعض الشيوخ لمريده: إذا كانت لك حاجة
[ ٢ / ٧٥٦ ]
فاستغث بي، أو قال: استغث عند قبري، ونحو ذلك فإن هذا قد وقع فيه كثير من المتأخرين وأتباعهم.
وكثير من هؤلاء إذا استغاث بالشيخ رأى صورته، وربما قضى بعض حاجته فيظن أنه الشيخ نفسه، أو أنه ملك تصور على صورته، وأن هذا من كراماته فيزداد به شركا وفيه مغالاة، ولا يعلم أنا هذا من جنس ما تفعله الشياطين بعباد الأوثان، حيث تتراءى أحيانا لمن تعبدها وتخاطبهم ببعض الأمور الغائبة وتقضي لهم بعض الطلبات.
لكن هذه الأمور كلها محدثة في الإسلام بعد القرون الثلاثة المفضلة.
وكذلك المساجد المبنية على القبور التي تسمى المشاهد محدثة في الإسلام والسفر إليها محدث في الإسلام لم يكن شيء من ذلك في القرون الثلاثة المفضلة، بل ثبت في الصحيح عنه ﷺ قال: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يحذر ما فعالوا قالت عائشة ﵂: "لولا ذلك لأبرز قبره ولكن كره أن يتخذ مسجدًا"١.
وثبت في الصحيح عنه أنه قال قبل أن يموت بخمس "إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا االقبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك"٢.
ولما أجدبوا في خلافة عمر ﵁ استسقى عمر بالعباس وقال: "اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك نبينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا"٣.
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه ص ٥٨٨ ٢ تقدم تخريجه ص ٥٨٩ ٣ تقدم تخريجه ص ٧٣٧
[ ٢ / ٧٥٧ ]
فلم يذهبوا إلى القبور، ولا توسلوا بميت ولا غائب، بل توسلوا بالعباس كما كانوا يتوسلون بالنبي ﷺ، وكان توسلهم به توسلهم بدعائه كالإمام مع المأموم، وهذا تعذر بموته.
فأما قول القائل عند ميت من الأنبياء والصالحين: اللهم إني أسألك بفلان أو بجاه فلان أو بحرمة فلان، فهذا لم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة ولا عن التابعين، وقد نص غير واحد من العلماء أنه لا يجوز.
فكيف يقول القائل للميت أنا أستغيث بك، وأستجير بك وأنا في حسبك وسل لي الله ونحو ذلك، فتبين أن هذا ليس من الأسباب المشروعة ولو قدر أنَّ لما يفعلونه تأثيرا، فليس هو من الأسباب المشروعة، ولا له تأثير صالح بل مفسدته راجحة على مصلحته كأمثاله من دعاء غير الله تعالى، وذلك أن من الناس الذين يستغيثون بغائب ميت من تتمثل له الشياطين، وربما كانت على صورة ذلك الغائب، وربما كلمته، وربما قضت له أحيانا بعض حوائجه كما تفعل شياطين الأصنام بعبادها، وهذا مما قد جرى لغير واحد فينبغي أن يعرف هذا"١.
وقال أيضا: "وسؤال الخلق هو في الأصل محرم لأن فيه أنواع الظلم الثلاثة:
١- الظلم في حق الله بالشرك.
٢- الظلم للمسؤول، فإن فيه إيذاء له.
٣- وظلم الإنسان نفسه لما فيه من تعبيدها لغير الله.
وقد ألح من ذلك من سؤال الحي ما دل الشرع على إباحته وأما سؤال الميت والغائب فلم يأذن الله به قط.
_________________
(١) ١ الرد على البكري (ص ٢٣١- ٢٣٣) بتصرف يسير.
[ ٢ / ٧٥٨ ]
ومن عدل عما أمر به الرسول من عبادة الله وحده والتوكل عليه والرغبة إليه وطاعته فيما أمر به من الإحسان والخير الذي ينتفع به هو وهم وغيره من المخلوقين، فإن العبد كلما عمل بما أمرت به الرسل كان لهم مثل أجره وحصل له هو من الخير من إجابة دعائه ونفعه وغير ذلك.
فمن عدل عن هذه الرحمة والخير وسعادة الدنيا والآخرة إلى أن يفعل ما لم تأمر به الرسل بل اتخذهم أربابا يسألهم ويستغيث بهم في مماتهم ومغيبهم وغير ذلك كان مثله مثل النصارى فإن المسيح قال لهم: ﴿عْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ ١ وقال ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ ٢.
فلو امتثلوا أمره كانوا مطعين لرسل الله موحدين لله، ونالوا بذلك السعادة من الله تعالى في الدنيا والآخرة.
ولكنهم غلوا فيه واتخذوه وأمه إلهين من دون الله، يستغيثون بهم، وكذبوا بالرسول الذي بشر به، وحرفوا التوراة التي صدق بها، فظنوا في ذلك أنهم معظمون للمسيح، وكان هذا من جهلهم وضلالهم"٣.
فخلاصة القول: إن دعاء النبي ﷺ بعد موته وسؤاله والاستغاثة به وغير ذلك مما يفعل عند قبره أو بعيدًا عنه هو من الدين الذي لم يشرعه الله في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ ولا فعله أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولا أمر به إمام من أئمة المسلمين٤.
_________________
(١) ١ الآية (٧٢) من سورة المائدة. ٢ الآية (٦) من سورة الصف. ٣ الرد على البكري (ص ١٠٣) . ٤ مجموع الفتاوى ١١/ ١٥٩) بتصرف.
[ ٢ / ٧٥٩ ]
وأما ما يحتج به أهل البدع الذين يفعلون مثل هذه الأمور ويدعون الناس إليها فشبههم لا تخرج عن أحد الأمور التالية:
١- إما آيات وأحاديث صحيحة يتأولونها ويتعسفون في تفسيرها حتى توافق ما جاءوا به من الباطل مع أنه ليس فيهات دلالة على ما يزعمون ويدعون.
٢- وإما أحاديث واهية أو موضوعة لا يحتج بها ولا يعتمد عليها بل هي مخالفة لأهم قواعد هذا الدين المبنية على الآيات والأحاديث الثابتة الصحيحة.
وهذا الصنف هو أغلب بضاعتهم، بل وأكثر ما يستدلون به عند عرض بدعههم، إما جهلا منهم بحكم هذه الأحاديث، أو لعلمهم بأن هذا النوع من الأدلة هو مما يسهل ترويج باطلهم عند العوام الذين لا يستطيعون أن يميزوا لون الصحيح والضعيف من الأحاديث.
٣- وإما بحكايات مكذوبة منسوبة لبعض أئمة هذا الدين الذين لهم في نفوس الناس منزلة ومكانة.
وتلك الحكايات مروية بأسانيد مظلمة عن رجال مجهولين وهي مردودة بما اشتهر عن أولئك الأئمة من أقوال ذكرت في كتبهم أو رويت عن طريق تلاميذهم بأسانيد صحيحة تؤكد زيف تلك، الحكايات المنسوبة إليهم وتبرهن على بطلانها.
٤- أو بمنامات لا تخلو من أحد أمرين إما كذب صاحبها أو تلبيس الشياطين عليه، ويشهد لهذا ويؤكده مخالفتها لقواعد هذا الدين وأصوله.
ويا سبحان الله كيف يتصور أن يترك ا، وسلم شرع الله من أجل أحلام ومنامات.
٥- أو أقوال من تكلم في الدين بلا علم، وليس معه فيما يقول ويدعى دليل
[ ٢ / ٧٦٠ ]
شرعي، ويجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير.
٦- أو بحجج هي من جهة الرأي والذوق هي أوهن من بيوت العنكبوت ولا يخفى ضعفها وفسادها ومخالفتها لقواعد هذا الدين وأصوله إلا على الجهلة وأصحاب الهوى أتباع كل ناعق الذين لم يستضيئوا بنور العلم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما أولئك الضلال أشباه المشركين والنصارى فعمدتهم: إما أحاديث ضعيفة أو موضوعة، أو منقولات عمن لا يحتج بقوله إما أن يكون كذبا عليه وإما أن يكون غلطا منه إذ هي نقل غير مصدق عن قائل غير معصوم، وإن اعتصموا بشيء مما ثبت عن الرسول ﷺ حرفوا الكلم عن مواضعه وتمسكوا بمتشابهه وتركوا محكمه كما يفعل النصارى"١.
والمقام هنا لا يتسع لعرض تلك الشبه والرد عليها، فمن أراد الاستزادة في هذا الشأن فعليه بمظان ذلك في كتب علماء السلف٢.
_________________
(١) ١ الرد على البكري (ص ٣٥٢) . ٢ انظر: أ- قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة لشيخ الإسلام ابن تيمية. ب- الرد على الأخنائي لشيخ الإسلام ابن تيمية. ج- الرد على البكري لشيخ الإسلام ابن تيمية. د- صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان للشيخ محمد بشير السهسواني. هـ- الصواعق المرسلة الشهابية للشبح سليمان بن سحمان. وغاية الأماني في الرد على النبهاني للشيخ محمود شكري الألوسي.
[ ٢ / ٧٦١ ]
المبحث الثالث: حكم ما يفعل عند حجرته التي دفن فيها من الأمور المبتدعة
ومن ذلك سؤاله الاستغفار والشفاعة والتوسل والاستغاثة والسجود إلى حجرته والطواف بها والتمسح بالجدران المحيطة بها وإلصاق البطن بها.
وجميع هذه الأمور وما شاكلها هي أمور مبتدعة أحدثها بعض المتأخرين ولم يفعلها أحد من سلف الأمة وأئمتها، بل هي منهي عنها.
وقد سبق بيان حكم دعائه واستغاثته والاستشفاع والتوسل به وأما السجود للحجرة والطواف بها فهو محرم أو كفر.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وزاد بعض جهال العامة ما هو محرم أو كفر بإجماع المسلمين كالسجود للحجرة والطواف بها وأمثال ذلك"١.
"فلا يجوز لأحد أن يطوف بحجرة النبي ﷺ، وليس في مسجد النبي ﷺ شيء يطاف به، ولا فيه ما يتمسح به، ولا ما يقبل.
بل ليس في الأرض مكان يطاف به إلا الكعبة، ومن اعتقد أن الطواف بغيرها مشروع فهو شر ممن يعتقد جواز الصلاة إلى غير الكعبة"٢.
وقال أيضا: "وقد اتفق المسلمون على أنه لا يشرع الطواف إلا بالبيت المعمور، فلا يجوز الطواف بصخرة بيت المقدس ولا بحجرة النبي ﷺ ولا غير ذلك. وكذلك اتفق المسلمون على أنه لا يشرع الاستسلام ولا التقبيل إلا للركنين اليمانيين، فالحجر الأسود يستلم ويقبل، واليماني يستلم. وقد قيل
_________________
(١) ١ الرد على البكري (ص ٢١٥) . ٢ مجموع الفتاوى (٢٧/ ١٠) .
[ ٢ / ٧٦٢ ]
إنه يقبل وهو ضعيف. وأما غير ذلك فلا يشرع استلامه ولا تقبيله، كجوانب البيت، والركنين الشاميين، ومقام إبراهيم، والصخرة والحجرة النبوية وسائر قبور الأنبياء والصالحين١.
فالطواف بغير الكعبة لم يشرعه الله بحال٢ ولا يفعل في مسجد النبي ﷺ إلا ما يفعل في سائر المساجد٣. وكذا الحال بالنسبة للسجود للحجرة، فلقد نهي النبي ﷺ عن السجود له في حياته.
فعن عبد الله بن أبي أوفى قال: قدم معاذ اليمن أو قال الشام فرأى النصارى تسجد لبطارقتها وأساقفتها فرأى في نفسه أن رسول الله ﷺ أحق أن يعظم فلما قدم قال يا رسول الله رأيت النصارى تسجد لبطارقتها وأساقفتها فرأيت في نفسي أنك أحق أن تعظم. فقال: "لو كنت آمرا أحذا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها " الحديث.
وفي رواية: "فقلت لأي شيء تصنعون هذا؟ قالوا هذا كان تحية الأنبياء قبلنا. فقلت: نحن أحق أن نصنع هذا بنبينا.
فقال نبي الله ﷺ: "إنهم كذبوا على أنبيائهم كما حرفوا كتابهم إن الله ﷿ أبدلنا خيرًا من ذلك السلام تحية أهل الجنة" ٤.
وعن قيس بن سعد٥ قال: أتيت الحيرة فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى (٤/ ٥٢١) . ٢ مجموع الفتاوى (٢٧/ ١١) . ٣ مجموع الفتاوى (٢٦/ ١٥٠) . ٤ تقدم تخريجه ص ٦٨٦. ٥ قيس بن سعد بن عبادة الخزرجي الأنصاري، صحابي جليل، شهد المشاهد مع رسول ﷺ وكان أحد الفضلاء الجلة من دهاة العرب، مات في آخر خلافة معاوية بالمدينة. الإصابة (٣/ ٢٣٩) .
[ ٢ / ٧٦٣ ]
فقلت: رسول الله أحق أن يسجد له، قال: فأتيت النبي ﷺ فقلت: إني أتيت الحيرة فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم، فأنت يا رسول الله أحق أن نسجد لك.
قال: "أرأيت لو مررت بقبري أكنت نسجد له؟ " قال: قلت: لا. قال: "فلا تفعلوا، لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت النساء أن يسجدن لأزواجهن، لما جعل الله لهم عليهن من الحق" ١.
فتأمل وجوب الصحابي عندما قال له النبي ﷺ: "أرأيت لو مررت بقبري أكنت تسجد له؟ فقال: لا فالسجود حق لله تعالى، وما كان حقا خالصا لله لم يكن لغيره فيه نصيب" ٢.
ونبينا ﷺ نهى عن الشرك دقه وجله وحقيرة وكبيره فالسجود حق للواحد المعبود خالق السموات والأرض ﷾.
وكذا الحال بالنسبة للتمسح بالجدران المحيطة بالحجرة وإلصاق البطن بها فليس شيء من هذا من الدين الذي بعث الله به محمدًا ﷺ باتفاق المسلمين.
ومن اعتقد أن هذا من الدين وفعله وجب أن ينهى عنه، ولم يستحب هذا أحد من الأئمة الأربعة، ولا فعله أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان. والأجر والثواب إنما يكون على الأعمال الصالحة، والأعمال الصالحة هي ما أوجبه الشارع أو استحبه، وهذه الأمور من جملة ما نهي عنه من أسباب الشرك
_________________
(١) ١ أخرجه أبو داود في سننه، كتاب النكاح، باب في حق الزوج على المرأة (٢/ ٦٠٤، ٦٠٥) ح ٢١٤٠ ٢ مجموع الفتاوى (٢٧/ ٩٣) .
[ ٢ / ٧٦٤ ]
ودواعيه وأجزائه١ وقد قال ﷺ: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد" ٢ وقال ﷺ: "لا تتخذوا قبري عيدا" ٣.
فالتمسح بالقبر -أي قبر كان- وتقبيله وتمريغ الخد عليه منهي عنه باتفاق المسلمين، ولو كان ذلك من قبور الأنبياء؛ ولم يفعل هذا أحد من سلف الأمة وأئمتها بل هذا شرك"٤.
فإن كان هذا حكم من تمسح بالقبر فمن تمسح بالجدران المحيطة من باب أولى.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى (١٥٨، ١٠١) بتصرف. ٢ تقدم تخريجه ص ٥٩١. ٣ تقدم تخريجه ص ٥٨٠ ٤ الجامع الفريد (ص ٤٤٤) .
[ ٢ / ٧٦٥ ]
المبحث الرابع: حكم الحلف بالنبي ﷺ
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "تنازع الناس هل يحلف بالنبي ﷺ؟ مع اتفاقهم بأنه لا يحلف بشيء من المخلوقات المعظمة كالعرش والكرسي والكعبة والملائكة. فذهب جمهور العلماء كمالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد في أحد قوليه إلى أنه لا يحلف بالنبي ﷺ، ولا تنعقد اليمين، كما لا يحلف بشيء من المخلوقات، ولا تجب الكفارة على من حلف بشيء من ذلك وحنث. فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت" ١.
وفي رواية: " ألا من كان حالفا فلا يحلف إلا بالله " ٢. وقال: "من حلف بغير الله فقد أشرك" ٣. وفي رواية: "فقد كفر".
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأيمان والنذور، باب لا تحلفوا بآبائكم حديث (٦٦٦٤٦) انظر فتح الباري (١١/ ٥٣٠) . وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الأيمان، باب النهي عن الحلف بغير الله تعالى (٥/ ٨٠) . ٢ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب مناقب الأنصار، باب أيام الجاهلية. انظر فتح الباري (٧/ ٤٨ ١) ح ٣٨٣٦ واللفظ له. أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الأيمان باب النهي عن الحلف بغير الله تعالى (٥/ ٨١) . ٣ أخرجه الإمام أحمد في المسند (٢/ ٣٤، ٨٦، ٢٥ ١) . وأخرجه الترمذي في سننه، كتاب النذور والأيمان، باب ما جاء في كراهية الحلف بغير الله وقال: حديث حسن (٤/ ١١٠) ح ١٥٣٥، وأخرجه أبو داود في السنن، كتاب الأيمان والنذور، باب في كراهة الحلف بالآباء (٣/ ٠ ٥٧) ح ١ ٣٢٥ وأخرجه ابن حبان كما في الموارد (ص ٢٨٦) ح ١١٧٧ والحاكم في المستدرك (١/ ١٨) كتاب الأيمان (٤/٢٧٩) كتاب الأيمان والنذور وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ووافق الذهبي".
[ ٢ / ٧٦٦ ]
وعن أحمد بن حنبل رواية: أنه يحلف بالنبي ﷺ لأنه يجب الإيمان به خصوصًا، ويجب ذكره في الشهادتين والأذان فلإيمان به اختصاص لا يشركه فيه غيره، واختار هذا طائفة من أصحاب الإمام أحمد كالقاضي أبي يعلى١ وغيره خصوا ذلك بالنبي ﷺ.
وقال ابن عقيل٢: بل هذا كونه نبيًا وطرد ذلك في سائر الأنبياء.
والصواب: قول الجمهور وأنه لا تنعقد اليمين بمخلوق لا بنبي ولا غيره، بل ينهى عن الحلف به. وإيجاب الكفارة بالحف بمخلوق وإن كان نبيًا قول ضعيف في الغاية مخالف للأصول والنصوص. فالذي عليه عامة علماء المسلمين سلفهم وخلفهم أنه لا يحلف بمخلوق، لا نبي ولا غير نبي، ولا ملك من الملائكة، ولا ملك من الملوك، ولا شيخ من الشيوخ. والنهي عن ذلك نهي تحريم عند أكثرهم. وروي عن عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر: لئن أحلف بالله كاذبًا أحب إلي من أحلف بغير الله صادقًا٣ وذلك لأن الحلف بغير الله شرك، والشرك أ-تظم من الكذب٤.
_________________
(١) ١ هو: محمد بن الحسين بن محمد بن خلف الفراء،؟ أبو يعلى عالم عصره في الأصول والفروع وأنواع الفنون، ومن كبار الحنابلة ولد سنة ٣٨٠ هـ، وتوفي سنة ٤٥٨ هـ. الأعلام (٦/٩٩ - ١٠٠) . ٢ هو: على بن عقيل بن محمد بن عقيل البغدادي، عالم العراق وشيخ الحنابلة ببغداد في وقته، ولد سنة ٤٣١هـ وتوفي سنة ٥١٣ هـ. الأعلام (٤/ ٣١٣) . ٣ أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٨/ ٤٦٩) . وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ١٧٧) وقال رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح وهو في الطبراني (٩/٠٥ ٢) ح ٨٩٠٢ ٤ انظر قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص ٨٤- ٨٦) ومجموع الفتاوى (٢٧/٣٤٩) والرد على الأخنائي (١٠٦، ١٠٧) .
[ ٢ / ٧٦٧ ]
المبحث الخامس: حكم الاحتفال بمولده
المطلب الأول: حكم فعل المولد
المطلب الأول: حكم فعل المولد
إن من جملة ما نهي النبي ﷺ أمته عنه، وحذرهم منه:
١- الابتداع في الدين.
٢- التشبه باليهود والنصارى.
والمقيم للمولد والمشارك فيه واقع في المحظورين معا.
فإقامة المولد من الأمور المحدثة المبتدعة التي لم يشرعها النبي ﷺ لأمته، ولم يفعله أصحابه من بعده بل ولا أهل القرون المفضلة.
فما ظنك بعمل لم يأمرنا النبي ﷺ بفعله، ولا حث عليه ولا رغب فيه، وهو المشهود له بأنه ما ترك أمر خير إلا وحث الأمة عليه ورغبهم فيه.
وما ظنك بعمل لم يفعله سلف الأمة، "ولو كان خيرًا محضًا، أو راجحًا لكانوا رضوان الله عليهم أحق منا به، فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله ﷺ وتعطشا له منا، وهم على الخير أحرص"١.
وما أحسن أن يستشهد المرء هنا بقول الإمام مالك رحمه الله تعالى "من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدًا ﷺ خان الرسالة، لأن الله يقول ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ ٢ فما لم يكن يومئذ دينًا، فلا يكون اليوم دينًا"٣.
_________________
(١) ١ اقتضاء الصراط المستقيم (ص ٢٩٥) . ٢ الآية (٣) من سورة المائدة. ٣ تقدم تخريجه.
[ ٢ / ٧٦٩ ]
وقال أيضا: "قبض رسول الله ﷺ وقد تم هذا الأمر واستكمل فإنما ينبغي أن نتبع آثار رسول الله ﷺ ولا نتبع الرأي"١.
هذا وإن أصل الاحتفال بالمولد يرجع إلى العبيدين٢ الذين يتسمون (بالفاطميين) فهم أول من أحدث هذه البدعة في الأمة وما كانت الموالد تعرف في دولة سلام قبل هؤلاء.
فقد جاء في كتاب الخطط المسمى كتاب المواعظ والاعتبار والآثار تحت عنوان (ذكر الأيام التي كان الخلفاء الفاطميون يتخذونها أعيادًا ومواسم ) .
قال: " كان للخلفاء في طول السنة أعيادًا ومواسم:
رأس السنة، وموسم أول العام، ويوم عاشوراء، ومولد النبي ﷺ"٣.
فكانت الموالد من الآثار التي خلفها هؤلاء العبيديون الباطنيون مع غيرها من البدع والمنكرات التي ما أنزل الله بها من سلطان.
قد حمل راية هذه البدعة من بعدهم المتصوفة، الذين وجدوا في إحياء هذه البدعة متنفسًا لنشر باطلهم وبدعهم، وما الطقوس التي تعمل أثناء إقامة المولد إلا أكبر شاهد على حمل الصوفية لراية هذه البدعة
فقد وجدوا في هذه البدعة مرتعًا خصبًا لنشر غلوهم ورقصهم وطقوسهم
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه ص ٢٤٧. ٢ العبيديون ص م أبناء عبيد الله بن ميمون بن ديصان المشهور بالقداح اليهودي قامت دولتهم في مصر (٣٦٢- ٥٦٤ هـ) وكانوا من أجرأ الناس على استحداث البدع والمنكر كتاب ولا سنة. انظر كتاب قصة نسب الفاطميين للدكتور عبد الحليم عويس، والبداية والنهاية لابن كثير (١٢/ ٢٦٧) . ٣ المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار (١/٤٩٠) .
[ ٢ / ٧٧٠ ]
وشطحهم وذلك تحت ستار ما يدعونه من محبة النبي ﷺ ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ ١.
وقد كان أول تأكد رسمي ناله المتصوفة لإحياء هذه البدعة على يد الملك المظفر ملك إربل، الذي كان يحتفل بالمولد احتفالا هائلًا ينفق فيه ثلاثمائة ألف دينار، ويعمل فيه للصوفية سماعًا من الظهر إلى الفجر، ويرقص بنفسه معهم٢.
وفد استمرت هذه الاحتفالات بهذه البدعة إلى زماننا هذا وحسبك ببدعة أنشأها ملاحدة باطنيون معروفون بالبدع والمنكرات، وتولاها من بعدهم متصوفة ضالون مضلون لم يتركوا شيئا من باطلهم وبدعهم إلا وأدخلوه فيما يسمى بالمولد النبوي.
ولا عجب في اتفاق الطائفتين على هذا الأمر فهم يجمعهم مشرب واحد إذ الكل يزعم أن الشريعة لها ظاهر وباطن.
فمما لا شك فيه أن فعل ما يسمى بالمولد بدعة من البدع التي لا أساس لها في القرآن ولا في السنة ولا في عمل السلف الصالح وهي بالإضافة إلى ذلك لا تحقق المراد من حب الرسول ﷺ فتحقيق محبته وتعظيمه كما سبق وأن بينا، هو في متابعته وطاعته واتباع أمره وإحياء سنته باطنا وظاهرا ونشر ما بعث به والجهاد في ذلك بالقلب واليد واللسان، فهذه هي طريقة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان.
ويضاف إلى كون فعل هذا الأمر من البدع التي نهى الشارع عنها ما فيه
_________________
(١) ١ الآية (٧٩) من سورة البقرة. ٢ البداية لابن كثير (١٣/ ١٣٧) .
[ ٢ / ٧٧١ ]
كذلك من مضاهاة ومشابهة للنصارى في ميلاد عيسى ﵇ فإن النصارى تحتفل بيوم مولد عيسى ويتخذونه عيدا وذلك بإيقاد الشموع وصنع الطعام وارتكاب المحرمات وفعل الموبقات من شرب للخمور وفعل الفواحش وغير ذلك من المهازل والقبائح، وفي هذا يقول بعضهم معللا مشروعية الاحتفال بفعل المولد "إذا كان أهل الصليب اتخذوا ليلة مولد نبيهم عيدًا أكبر فأهل الإسلام أولى بالتكريم وأجدر"١.
ونسى هذا القائل أو تناسى تحذير النبي ﷺ من مشابهة اليهود والنصارى فقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: "لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا شبرا وذراعًا ذراعًا حتى لو دخلوا حجر ضب تبعتموهم" ٢.
قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟
قال: "فمن" ٣ أي فمن هم غير أولئك.
_________________
(١) ١ التبر المسبوك للسخاوي (ص ١٤) . ٢ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة باب قول النبي ﷺ "لتتبعن سنن من كان قبلكم". انظر: فتح الباري (٣ ١/٣٠٥) ح ٠ ٧٣٢، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب العلم، باب اتباع سنن اليهود والنصارى (٨/٥٧) . ٣ هو: محمد بن سعيد بن حماد البوصيري، شاعر صوفي غال، له عدد من القصائد في المدائح النبوية، وقد عرف عنه قلة علمه، وسلاطة لسانه، وتكففه للناس وقد ذكر محقق ديوانه عددا من الخصال التي تدل على حقيقة الرجل وقدره. انظر: مقدمة ديوان البوصيري بتحقيق محمد سيد كيلاني.
[ ٢ / ٧٧٢ ]
المطلب الثاني: بيان ما يفعل في الموالد من الغلو والمنكرات
لقد اتخذ أصحاب الطرق الصوفية من المولد ستارا لترويج باطلهم ونشر بدعتهم عند الجهلة من عوام الناس.
فهم باسم محبة الرسول ﷺ يقيمون مثل هذه الاحتفلات، وبذكر شيء من سيرته يفتتحونها، ولكن سرعان ما يظهر الباطل وتنجلي الغشاوة فيرى صاحب البصيرة ألوانًا وأشكالًا من الغلو والبدع المنكرة تظهر من خلال ما يتلفظ به من أقوال، وما ينشد فيه من أشعار، وما يقام من حركات وأفعال، مبدية بذلك الوجه الحقيقي والهدف الرئيسي من إقامة مثل هذه الموالد.
ومن عجيب حال هؤلاء أنهم سموا كل اجتماعاتهم التي تقام فيها هذه الأباطيل مولدا مع أن التسمية لا تساعدهم على هذا الإطلاق، وما ذاك إلا أنهم عرفوا أن رواج باطلهم لا يتحقق إلا تحت هدا الستار ليروج أمرهم على خفافيش الأبصار إتباع كل ناعق.
فمن البدع والمنكرات التي تقام في هذه الموالد -وما أكثرها- ما يحصل من الغلو في حق النبي ﷺ وذلك من خلال القصائد التي يطلقون عليها اسم المدائح النبوية، والتي لا تخلوا من ألفاظ الغلو في شخص الرسول ﷺ والتجاوز عما حدده الشارع مما يليق بمقامه الكريم من الإجلال والتقدير.
فالمتأمل لتلك القصائد يجدها مرصوفة بعبارات التوسل والاستشفاع والاستغاثة، وجعل النبي ﷺ هو المتصرف في هذا الكون وجعله أول الموجودات والقطب الذي تدور عليه الأفلاك، وجعله الغاية التي من أجلها
[ ٢ / ٧٧٣ ]
وحد هذا الكون إلى غير ذلك الافتراءات والأباطيل التي شحنت بها تلك القصائد.
وهذه مقتطفات من بردة البوصيري١ تمثل جانبا من مظاهر الغلو التي يتردد في عبارات ما يسمونه بالمدائح النبوية:
وكيف تدعو إلى الدنيا ضرورة من لولاه لم تخرج الدنيا إلى العدم
دع ما أدعته النصارى في نبيهم واحكم بما شئت مدحا فيه واحتكم
لو ناسيب ت قدره آياته عظما أحيا اسمه حين يدعى دارس الرم
وكل آي أتى الرسل الكرام بها فإنما اتصلت من نوره بهم
وكلهم من رسول الله ملتمس غرفا من البحر أو رشفا من الديم
لا طيب يعدل تربا ضم أعظمه طوبى لمنتشق منه وملتئم
أقسمت بالقمر المنشق أن له من قلبه نسبة مبرورة القسم
ما سامني الدهر ضيما واستجرت به إلا ونلت جوارا منه لم يضم
ولا التمست غني الدارين من يده إلا استلمت الندى من خير مستلم
يا خير من يمم العافون ساحته سعيا وفوق متون الأينق الرسم
خدمته بمديح استقيل به ذنوب عمر مضى في الشعر والخدم
إن آت ذنبا فما عهدي بمنتقض من النبي ولا حبلى بمنصرم
فإن لي ذمة منه بتسميتى محمدا وهو أوفى الخلق بالذم
_________________
(١) ١ هو: محمد بن سعيد بن حماد البوصيري، شاعر صوفي غال، له عدد من القصائد في المدائح النبوية، وقد عرف عنه قلة علمه، وسلاطة لسانه، وتكففه للناس وقد ذكر محقق ديوانه عددا من الخصال التي تدل على حقيقة الرجل وقدره. انظر: مقدمة ديوان البوصيري بتحقيق محمد سيد كيلاني.
[ ٢ / ٧٧٤ ]
إن لم تكن في معادى آخذا بيدي فضلا وإلا فقل يا زلة القدم
حاشاه أن يحرم الراجي مكارمه أو يرجع الجار منه غير محترم
ومنذ ألزمت أفكاري مدائحه وجدته لخلاصي خير ملتزم
ولن يفوت الغني منه يدا تربت إن الحيا ينبت الأزهار في الأكم
يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به سواك عند حدوث الحادث العمم
ولن يضيق رسول الله جاهك بي إذا الكريم تجلى باسم منتقم
فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم١.
فتأمل هذه الأبيات وما فيها من غلو وإطراء ومظاهر شركية تجاوز فيها الشاعر كل الحدود.
حيث جعل الرسول ﵊ هو الغاية في خلق الدنيا وعلة وجودها "وجعله بمنزلة الإله فهو يغني ويفقر ويغفر الذنوب ويقيل العثرات وهو الملاذ والملجأ في الدنيا والآخر بل انتهى به الأمر إلى أن جعل تصريف الكون كله بيد رسول الله ﷺ"٢.
فماذا أبقى للخالق ﷿ وخاصة عند قوله:
فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم
"فإذا كانت الدنيا وضرتها من جود الرسول ﷺ ومن بعض علومه علم اللوح والقلم، لأن "من" للتبغيض، فماذا للخالق جل وعلا"٣.
فهذا هو بعينه الغلو والإطراء الذي حذر النبي ﷺ أمته منه.
_________________
(١) ١ ديوان البوصيري (ص ٢٤٠- ٢٤٨) وهذه الأبيات منتقاة من قصيدته المعروفة بالبردة.. ٢ تنبيه أولى الأبصار (ص ٢٤٩) . ٣ منهج القرآن في الدعوة إلى الإيمان (ص ١٦٣) .
[ ٢ / ٧٧٥ ]
وبالإضافة إلى ألفاظ الشرك وعبارات الغلو التي تحملها جل القصائد والمدائح "فإن الاحتفال عادة ما يختم بدعوات تحمل ألفاظ التوسلات المنكرة والكلمات الشركية المحرمة، لأن جل الحاضرين عوام أو غلاة في حب التوسلات الباطلة التي نهى عنها الشارع"١.
أضف إلى ذلك ما يدعونه من أن النبي ﷺ يحضر هذه الموالد إما بجسده كما يدعيه بعضهم أو بروحه كما يدعيه البعض الآخر منهم، وسوف أتعرض لهذه النقطة في المبحث القادم بإذن الله.
هذا فيما يتعلق بما يحصل في هذه الموالد من غلو في حق ﷺ.
ويضاف إلى هذا الأمر ما قد يحصل في بعض الموالد من منكرات وبدع أخرى كالرقص الصوفي، والذكر البدعي، وضرب الدفوف، والتزمير بالمزامير٢.
وقد يحصل فيها اختلاط الرجال بالنساء وشيء من الفجور وشرب الخمور ولكن لا يطرد لا في كل البلاد ولا في كل الموالد ٣.
فنعوذ بالله من حال أهل الزيغ والضلال.
_________________
(١) ١ الإنصاف فيما قيل في المولد من الغلو والإحجاف (ص ٣١) . ٢ الإنصاف فيما قيل في المولد من الغلو والإحجاف (ص ٢٨) . ٣ الإنصاف فيما قيل في المولد من الغلو والإحجاف (ص ٢٨) .
[ ٢ / ٧٧٦ ]
المبحث السادس: حكم القول بحضوره في مجالس المحتفلين ورؤيته بالعين الباصرة
إن من يتأمل في كلام الصوفية فيما يتعلق بشأن غلوهم في حق النبي ﷺ بما في ذلك التوسل والاستشفاع والاستغاثة وطلب تفريج الكروب ومغفرة الذنوب وغير ذلك مما تقدم الإشارة إليه يجد أن محور دعواهم يقوم على دعوى أن النبي ﷺ حي بجسده وروحه١ وأنه يتصرف ويسير حيث شاء في أقطار الأرض وفي الملكوت، وهو بهيئته التي، كان عليها قبل وفاته لم يتبدل منه شيء، وأنه مغيب عن الأبصار كما في ببت الملائكة -مع كونهم أحياء بأجسادهم- فإذا أراد الله تعالى رفع الحجاب عمن أراد إكرامه برؤيته رآه على هيئته التي هو عليها، لا مانع من ذلك٢.
والصوفية ليسوا على رأي واحد في هذا االأمر بل هم مختلفون مضطربون وفي حالهم هذا يتذكر المرء قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ ٣.
فهم مختلفون في حقيقة المرئي:
فقال بعضهم المرئي ذات المصطفى بجسمه وروحه كما تقدم في النقل السابق.
_________________
(١) ١ لا يقصد هؤلاء بالحياة هنا الحياة البرزخية وهذا يتضح من سياق العبارات التالية لهذه العبارة، فهم يرون أن النبي صلى اله عليه وسلم يخرج من قبره وله التصرف الملكوت العلوي والسفلي. ٢ غاية الأماني في الرد على النبهاني (١/ ٥٢) . ٣ الآية (٨٢) من سورة النساء.
[ ٢ / ٧٧٧ ]
وبعضهم يقول ليس المراد أنه يرى جسمه وبدنه، بل مثالا له، وصار ذلك المثال آلة يتأدى بها المعنى الذي في نفسه.
وقالوا: والآلة تارة تكون حقيقة، وتارة تكون خيالية، والنفس غير المثال المتخيل، فما رآه في الشكل ليس هو روح المصطفى ﷺ ولا شخصه، بل هو مثال له على التحقيق.
وفصل بعضهم فقال: رؤية١ النبي ﷺ بصفته المعلومة إدراك له على الحقيقة. ورؤيته على غير صفته إدراك للمثال٢.
وقال بعضهم: ومنهم من يرى روحه في اليقظة متشكلة بصورته الشريفة.
ومنهم من يرى حقيقة ذاته الشريفة وكأنه معه في حياته ﷺ، وهؤلاء هم أهل المقام الأعلى في رؤيته صلى الله عليه وسلم٣.
وأعجب من ذلك كله ما ذكر عن بعضهم من أنه رأى السماء والأرض والعرش والكرسي مملوءة من رسول الله ﷺ.
وزعم من زعم أن السؤال عن كيفية رؤية المتعددين له ﵊ في زمن واحد في أقطار متباعدة ينحل به، ولا يحتاج معه إلى ما أشار إليه بعضهم وقد سئل عن ذلك فأنشد
كالشمس في كبد السماء وضؤها يغشى البلاد مشارقا ومغاربا٤
_________________
(١) ١ لا يقصدون هنا الرؤيا المنامية وإنما يقصدون رؤية اليقظة فهم يقولون: إن رؤيته أكثر ما تقع بالقلب ثم يترقى الحال إلى أن يرى بالبصر على ما زعموا. ٢ غاية الأماني (١/٥١) . ٣ التيجانية (ص ١٢٧) . ٤ غاية الأماني (١/٥٢) .
[ ٢ / ٧٧٨ ]
فانظر إلى هذا الغلو عندهم، نعوذ بالله من حال أهل الزيغ والضلال.
ويحسن قبل الشروع في تفنيد هذا الباطل وكان فساده أن أشير إلى الوجه الآخر لهذه الدعوى.
فهذه الطائفة لم تكن لتدعى هذه الدعوى إلا لما فيها من المكاسب والأهداف والغايات التي يتحصلون عليها كل من وراء ذلك.
فمنهم من يستغل هذه الدعوى ليحصل على إجازة من الرسول ﷺ للطريقة التي ابتدعها والأذكار والأوراد التي اخترعها لتصبح بعد ذلك شرعا لأتباعه.
ومنهم من يستغل ذلك لإيهام الناس بأن ذلك من كراماته ليحظى لديهم بالمنزلة والمكانة إلى غير ذلك من الغايات والمأرب.
هذا وإن لموضوع رؤية النبي ﷺ جوانب متعددة بخصنا منها ما يتعلق بعنوان المبحث وهو دعوى رؤيته يقظة بعيني الرأس.
فهذه الدعوى مخالفة للشرع والعقل.
أما من جهة الشرع فليس هناك دليل شرعي يثبت حصول ذلك وغاية ما دلت عليه النصوص إمكانية الرؤيا المنامية، فحملها أهل الباطل على الرؤية البصرية، ومما يؤكد فساد هذا التأويل للرؤيا واقع القرون المفضلة المشهود لهم بالخيرية من المصطفى ﷺ، فلم ينقل عن أحد من أهل هذه القرون الثلاثة أنه رأى النبي ﷺ يقظة بعد موته.
مع أنه قد حدثت في أزمانهم حوادث كان الحاجة إلى ظهوره شديدة جدا لو كان ذلك ممكنا.
فالصحابة قد وقع بينهم اختلاف في عدد من المسائل الدينية والدنيوية وفيهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، ولم يبلغنا أنا أحدا منهم ادعى أنه رأى في
[ ٢ / ٧٧٩ ]
اليقظة رسول الله ﷺ وأخذ عنه ما أخذ، وكذا لم يبلغنا أنه ﷺ ظهر لمتحير في أمر من أولئك الصحابة الكرام فأرشده وأزال تحيره.
"وقد قال ابن عبد البر لمن ظن أن الرسول ﷺ قد كلم بعض الناس بعد وفاته عند حجرته.
فقال له ابن عبد البر: ويحك هذا أفضل من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار؟ فهل من هؤلاء من سأل النبي ﷺ فأجابه؟
وقد تنازع الصحابة في أشياء، فهلا سألوا النبي ﷺ فأجابهم، وهذه بنته فاطمة تنازع في ميراثه فهلا سألته فأجابه؟ ١.
وأما من جهة العقل فلما يترتب على هذه الدعوى من اللوازم الباطلة فليزم منها:
١- أن يخلو قبره من جسده فلا يبقى في قبره منه شيء فيكون من يزوره في ذلك الوقت يزور مجرد القبر ويسلم على الغائب.
٢- أن يحيا الآن ويخرج من قبره ويمشي في الأسواق ويخاطب الناس ويخاطبوه.
٣- أن يكون الشخص الذي رأه يقظة له حكم الصحابة رضوان الله عليهم.
٤- أن يكون الكلام الذي تكلم به النبي ﷺ تشريعًا جديدًا لهذه الأمة وهذا لاشك فيه، طعن في كمال هذا الدين وكونه عرضة للتبديل والتغيير.
وهذه الجهالات لا يلتزم بها من كان له أدنى مسكة عقل.
ومن ظن أن جسد رسول الله ﷺ المودع في المدينة خرج من القبر وحضر في المكان الذي رآه فيه فهذا جهل لا جهل يشبهه.
_________________
(١) ١مجموع الفتاوى (١٠/ ٤٠٧) .
[ ٢ / ٧٨٠ ]
فقد يراه في وقت واحد ألف شخص في ألف مكان على صور مختلفة. فكيف يتصور هذا في شخص واحد؟ " ١.
هذا وأن الذي يعتقده علماء السلف هو أن الأنبياء أحياء في قبورهم حياة برزخية الله أعلم بكيفيتها، وقد حرم الله على الأرض أن تأكل أجسادهم، وأن هذه الأجساد لا تخرج من القبور حتى يبعث الله الخلائق كما في الحديث عنه ﷺ "فإن الناس يصعقون فأكون أول من تنشق عنه الأرض" ٢.
وعنه ﷺ أنه قال: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر" الحديث٣.
فالرسول ﷺ لا يخرج من قبره قبل يوم القيامة ولا يتصل بأحد من الناس. بل هو منعم في قبره وروحه في أعلى عليين عند ربه في دار الكرامة.
والله الموفق وهو الهادي إلى سواء السبيل.
_________________
(١) ١ صيد الخاطر (ص ٤٢٩) . ٢ أخرجه بهذا اللفظ البخاري في صحيحه، كتاب الخصومات، باب ما يذكر في الأشخاص والخصومة بين المسلم واليهودي. انظر: فتح الباري (٥/٧٠) . ٣ تقدم تخريجه (ص ٤٥٧) .
[ ٢ / ٧٨١ ]
الخاتمة
جريا على عادة الباحثين في ذكر النتائج التي توصلوا إليها في نهاية أبحاثهم ونظرا لأهمية ذلك في الرسائل العلمية فإني ألخص أهم النتائج التي توصلت إليها في بحثي بما يلي:
١- هذه الحقوق المذكورة في ثنايا هذه الرسالة تشكل بمجموعها أحد أصلي الدين، وهي معني "شهادة أن محمدا رسول الله".
٢- هذه الحقوق لا يدخل فيها ما هو حق خالص لله ﷿ من أمور الألوهية أو الربوية.
فما كان حقا لله ﷿ فلا يجوز صرفه لغير الله لا للنبي ﷺ ولا لغيره، وهذا ما أكدته نصوص القرآن والسنة.
٣- أن أمور هذا الدين لا تقوم على التحلي والتمني والدعاوى الزائفة وإنما تقوم على الاعتقاد الصحيح الذي يصدقه قول اللسان وعمل الجوارج.
٤- أن النصوص من آيات وأحاديث وآثار قد وضحت ما يجب على هذه الأمة في هذا الجانب فقد أرشدت ودلت وبينت وفصلت وهذا هو الشأن في جميع جوانب هذا الدين، فقد أكمل الله ﷿ لنا هذا الدين، وقد بلغ رسوله ﷺ ما أوحي إليه من رب العالمين البلاغ المبين.
فلسنا في حاجة بعد ذلك إلى من يزيد على هذه الحقوق أو ينقص منها، وإنما علينا أن نتبع ونقتدي ولا نبتدع.
٥- أن على الأمة أن تعرف ما أوصى الله عليها من حقوق تجاه نبيها ﷺ فذلك عقد من عقود الإيمان لا يتم إيمان العبد إلا به.
وعلى المسلم بذل الوسع في تعلم هذه الحقوق وتعليمها ونشرها بين الناس.
[ ٢ / ٧٨٥ ]
٦- وجوب الإيمان بالنبي ﷺ وأنه لا يتم الإيمان بالله بدون الإيمان به، كما لا تحصل نجاة ولا سعادة بدون الإيمان به، لأنه هو الطريق إلى الله ﷾ ولذلك كان أول أركان الإسلام "شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدا رسول الله".
٧- أن برهان الإيمان بالنبي ﷺ ومحبته وتعظيمه يرتكز على محور الاتباع والتأسي، ولذلك كان السلف من الصحابة والتابعين وتابعيهم ومن سار على نهجهم أشد الناس حرصا على ذلك.
٨- خص الله ﷿ نبيه محمدًا ﷺ بحقوق مما يزيد على لوازم الرسالة تفضلا من الله ﷿ وتكريما فعلينا حفظ تلك الحقوق والقيام بها.
٩- على الأمة أن تحفظ حرمة النبي ﷺ بعد وفاته في خاصة نفسه وفي آله وأزواجه أمهات المؤمنين وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين، وفي كل ما له صلة بأمر هذا الدين.
١٠- على المسلم أن يحذر أشد الحذر من مخالفة هدي النبي ﷺ لما في ذلك من الهلاك والخسران في الدنيا والآخرة.
١١- الغلو في حقه ﷺ لا يزيد إلا بعدا عن شرع المصطفى ﷺ، ولا يحقق لصاحبه محبة ولا تعظيمًا.
وفي الختام أسأل الله ﷿ أن يرزقنا حسن التأسي والاقتداء والثبات على الحق، وأن يحشرنا في زمرة نبيه ﷺ إنه جواد كريم وعلى كل شيء قدير. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
[ ٢ / ٧٨٦ ]