محمد وأهل الكتاب- موقفه من النصارى- مجادلته إياهم- وحدة موقف محمد منهم- بعث علي بن أبي طالب إلى اليمن- دعوة محمد الناس للحج ومجيئهم إلى المدينة من كل صوب- مسيرتهم في نحو مائة ألف إلى مكة- مناسك الحج- خطبة محمد.
بعد حج أبي بكر بالناس
منذ تلا عليّ بن أبي طالب صدر سورة براءة على الحاجّ من مسلمين ومشركين حين حجّ أبو بكر بالناس، ومنذ أذّن فيهم بأمر محمد حين اجتمعوا بمنى أن لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عند رسول الله ﷺ عهد فهو له إلى مدّته، أيقن المشركون من أهل بلاد العرب جميعا أن لم يبق لهم إلى المقام على عبادة الأوثان سبيل، وأنهم إن يفعلوا فليأذنوا بحرب من الله ورسوله.
وكان ذلك شأن أهل الجنوب من شبه جزيرة العرب حيث اليمن وحضرموت؛ لأن أهل الحجاز وما والاها شمالا كانوا قد أسلموا واستظلّوا براية الدين الجديد. وكان الأمر في الجنوب مقسّما بين الشرك والمسيحية.
فأمّا المشركون فأقبلوا كما رأيت من قبل، يدخلون في دين الله أفواجا ويبعثون وفودهم إلى المدينة فيلقون من النبيّ كل حفاوة بهم تزيدهم على الإسلام إقبالا وتردّ أكثرهم إلى إمارته فتجعله أشدّ على دينه الجديد حرصا.
وأما أهل الكتاب من اليهود والنصارى فقد نزلت فيهم مما تلا عليّ من سورة التوبة هذه الآيات: (قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ)
«١» . إلى قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ. يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ) .
يقف كثير من المؤرخين، أمام هذه الآيات من سورة التوبة ختام ما نزل من القرآن، يسائلون أنفسهم.
هل أمر محمد ﵇ في شأن أهل الكتاب بغير ما أمر به من قبل أثناء سني رسالته؟ ويذهب بعض المستشرقين إلى القول بأن هذه الآيات تضع أهل الكتاب والمشركين فيما يشبه المساواة؛ وأن محمدا، وقد ظفر
_________________
(١) آية ٢٩ وما بعدها.
[ ٣٠١ ]
بالوثنيّة في شبه الجزيرة بعد أن استعان عليها باليهوديّة والمسيحية، معلنا خلال أعوام رسالته الأولى أنه إنما جاء مبشرا بدين عيسى وموسى وإبراهيم والرسل الذين خلوا من قبل، قد جعل وجهته إلى اليهود الذين بدؤه بالعداوة، وظلّ بهم حتى أجلاهم عن شبه الجزيرة، وأثناء ذلك كان يتودّد إلى النصارى وتنزل عليه الآيات تشيد بحسن إيمانهم وجميل مودّتهم، وينزل عليه قوله تعالى: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ) «١» .
وها هو ذا الآن يجعل وجهته إلى النصرانية يريد بها ما أراد باليهودية من قبل، فيجعل شأن النصارى كشأن الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، وهو يصل إلى ذلك بعد أن أجار النصارى من اتّبعه من المسلمين حين ذهبوا إلى الحبشة يستظلون بعدل نجاشيّها، وبعد أن كتب محمد لأهل نجران وغيرهم من النصارى يقرّهم على دينهم وعلى القيام برسوم عبادتهم. ويذهب أولئك المستشرقون إلى أن هذا التناقض في خطّة محمد هو الذي أدّى إلى استحكام العداوة بين المسلمين والنصارى من بعد، وأنه هو الذي جعل التقريب بين أتباع عيسى وأتباع محمد غير ميسور إن لم يكن في حكم المستحيل.
والأخذ بظاهر هذه الحجة قد يغري الذين يستمعون إليها إلى أنها تصف جانبا من الحقّ، إن لم تغرهم بتصديقها؛ فأما تتبع التاريخ والتدقيق في أحوال نزول الآيات وأسباب نزولها، فلا يدع محلا للريب البتة في وحدة موقف الإسلام وموقف محمد من الأديان الكتابية منذ بدء رسالته إلى ختامها. فالمسيح ابن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم. والمسيح بن مريم عبد الله آتاه الكتاب وجعله نبيّا وجعله مباركا وأوصاه بالصلاة والزكاة ما دام حيّا؛ ذلك ما نزل به القرآن منذ بدء الرسالة إلى ختامها. والله أحد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد؛ ذلك روح الإسلام وأساسه منذ اللحظة الأولى، وذلك روح الإسلام ما دام العالم. ولقد ذهب وفد من نصارى نجران إلى النبي يجادلونه في الله، وفي بنوة عيسى لله من قبل أن تنزل سورة التوبة بزمن طويل، ويسألون محمدا: إن عيسى أمه مريم فمن أبوه؟ وفي ذلك نزل قوله تعالى:
(إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ. فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ. إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ. قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) «٢» .
وفي هذه السورة، سورة آل عمران، يتوجّه الحديث حديثا معجزا إلى أهل الكتاب يعاتبهم لم يصدّون عن سبيل الله من آمن. ولم يكفرون بايات الله وهي التي جاء بها عيسى وجاء بها موسى وجاء بها إبراهيم، قبل أن تحرّف عن مواضعها وقبل أن يوجهها التأويل بما تهوى أغراض هذه الحياة الدنيا ومتاعها الغرور. وفي كثير من السور توجيه للحديث على النحو الذي وجه به في سورة آل عمران. ففي سورة المائدة يقول الله تعالى:
_________________
(١) سورة المائدة آية ٨٢.
(٢) سورة آل عمران الآيات من ٥٩ إلى ٦٤.
[ ٣٠٢ ]
(لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ. أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) «١» . وفي سورة المائدة كذلك يقول تعالى: (وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ) «٢» . إلى آخر الآيات التي نقلنا في تقديم هذا الكتاب: وسورة المائدة هي التي من بين آياتها الآية التي يحتج بها المؤرخون من النصارى، ويتّخذونها دليلا على تطوّر موقف محمد منهم لتطوّر أحواله السياسية؛ إذ يقول تعالى: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ) «٣» .
والآيات التي نزلت في سورة براءة وتحدّثت عن أهل الكتاب لم تتحدّث عنهم في إيمانهم بالمسيح بن مريم، وإنما تحدّثت عنهم وعن شركهم بالله وفي أكلهم أموال الناس بالباطل وفي كنزهم الذهب والفضة.
والإسلام يرى ذلك خروجا من أهل الكتاب على دين عيسى، يجعلهم يحلّون ما حرّم الله ويصنعون صنيع من لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر. وهو مع ذلك يجعل من إيمانهم بالله، على الرغم من ذلك كله، شفيعا لهم لا تجوز معه مساواتهم بالوثنيين، ويكفي معه، إن هم أصروا على أن يجعلوا الله ثالث ثلاثة وعلى أن يحلوا ما حرّم الله، أن يدفعوا الجزية عن يد وهم صاغرون.
كانت هذه الدعوة التي أذّن عليّ بها، يوم حجّ أبي بكر بالناس، آية إسلام الناس من أهل الجنوب في شبه الجزيرة ودخولهم في دين الله أفواجا. فقد توالت الوفود تترى على المدينة كما قدّمنا من قبل، ومن بينها وفود من المشركين ووفود من أهل الكتاب. وكان النبيّ يكرم كل وافد عليه ويردّ الأمراء مكرمين إلى إماراتهم. من ذلك ما سبق لنا ذكره في الفصل الماضي، ومنه أن الأشعث بن قيس قدم في وفد كندة في ثمانين راكبا، دخلوا المسجد على النبيّ وقد رجّلوا لممهم وتكحّلوا ولبسوا جبب الحبر بطّنوها بالحرير، فلما رآهم النبي قال: ألم تسلموا؟ قالوا: بلى. قال: فما هذا الحرير في أعناقكم، فشقّوه. وقال له الأشعث: يا رسول الله، نحن بنو آكل المرار وأنت ابن آكل المرار فتبسم النبيّ ونسب ذلك إلى العبّاس بن عبد المطلب وربيعة بن الحارث. وقدم وائل بن حجر الكنديّ مع الأشعث وكان أمير بلاد الشاطئ من حضرموت فأسلم، فأقره النبي في إمارته على أن يجمع العشر من أهل بلاده ليرده إلى جباة الرسول. وكلّف النبي معاوية بن أبي سفيان أن يصحب وائلا إلى بلاده. وأبي وائل أن يردفه أو أن يعطيه نعليه يتقي بهما حمّارّة القيظ مكتفيا بأن يدعه يسير في ظلّ بعيره. وقبل معاوية ذلك على مخالفته لما جاء به الإسلام من التسوية بين المسلمين ومن جعل المؤمنين إخوة، حرصا على إسلام وائل وقومه.
وحدة العرب في ظل الإسلام
ولما انتشر الإسلام في ربوع اليمن، أوفد النبي معاذا إلى أهله يعلّمهم ويفقههم وأوصاه قائلا: «يسّر
_________________
(١) الآيات من ٧٣ الى ٧٥.
(٢) آية ١١٦.
(٣) آية ٨٢.
[ ٣٠٣ ]
ولا تعسّر. وبشر ولا تنفر. وإنك ستقوم على قوم من أهل الكتاب يسألونك: ما مفتاح الجنّة؟ فقل:
شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له» . وذهب معاذ ومعه طائفة من المسلمين الأولين ومن الجباة يعلّمون الناس ويقضون بينهم بقضاء الله ورسوله. وبإنتشار الإسلام في ربوع شبه الجزيرة من شرقها إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها، أصبحت أمة واحدة يظلها لواء واحد هو لواء محمد رسول الله ﷺ، وتدين كلها بدين واحد هو الإسلام، وتتجه قلوبها جميعا إلى عبادة الله وحده لا شريك له؛ هذا بعد أن كانت إلى قبل عشرين سنة قبائل متنافرة، تشن إحداها الغارة على غيرها كلما وجدت في ذلك مغنما. وبإنضوائها تحت لواء الإسلام طهرت من رجس الوثنية واستراحت إلى حكم الواحد القهار. وبذلك هدأت الخصومات بين أهلها، فلم يبق لغزو أو خصومة موضع، ولم يبق لأحد أن يستل سيفه من قرابه إلا أن يدافع عن وطنه أو يدفع المعتدي على دين الله.
إسلام أهل الكتاب
على أن جماعة من نصارى نجران احتفظوا بدينهم، مخالفين في ذلك الأكثرين من قومهم بني الحارث الذين أسلموا من قبل. إلى هؤلاء وجّه النبي خالد بن الوليد يدعوهم إلى الإسلام كي يسلّموا من مهاجمته ولم يلبثوا حين نادى فيهم خالد أن أسلموا؛ فبعث خالد وفدا منهم إلى المدينة لقيه النبي فيها بالترحيب والمودة. ثم إن جماعة من أهل اليمن عز عليهم أن يخضعوا للواء الإسلام، لأن الإسلام ظهر بالحجاز، ولأن اليمن اعتادت أن تغزو الحجاز فلم يغزها الحجاز من قبل قط. إلى هؤلاء أرسل النبي عليّ بن أبي طالب يدعوهم إلى الإسلام، وقد استكبروا أول الأمر وقابلوا دعوة عليّ بمهاجمته،؛ فلم يلبث عليّ أن شتتهم على صغر سنه وإن لم يكن معه إلا ثلثمائة فارس. وارتدّ المنهزمون ينظمون من جديد صفوفهم. بيد أن عليّا أحاط بهم وأوقع في صفوفهم الرعب، فلم يجدوا من التسليم بدّا، وسلّموا وأسلموا وحسن إسلامهم، وأنصتوا إلى تعاليم معاذ وأصحابه، وكان وفدهم آخر وفد إستقبله النبي بالمدينة قبل أن ينتقل إلى الرفيق الأعلى.
تجهز النبي للحج
بينما كان عليّ يتأهب للعودة إلى مكة كان النبي يتجهز للحج ويأمر الناس بالتجهز له. ذلك أن أشهر السنة استدارت وأقبل ذو القعدة وأوشك أن يولي ولم يكن النبي قد حج الحج الأكبر وإن يكن قد اعتمر فأدى الحج الأصغر قبل ذلك مرتين. وللحج مناسك يجب أن يكون ﵇ قدوة المسلمين فيها. وما كاد الناس يعرفون ما صحّ عليه عز النبيّ ودعوته إيّاهم للحج معه حتى انتشرت الدعوة في كل ناحية من شبه الجزيرة.
وحتى أقبل الناس على المدينة ألوفا ألوفا من كل فج وحدب: من المدائن والبوادي، من الجبال والصحاري، من كل بقعة في هذه البلاد العربية المترامية الأطراف، التي استنارت كلها بنور الله ونور نبيه الكريم. وحول المدينة ضربت الخيام لمائة ألف أو يزيدون جاؤا تلبية لدعوة نبيّهم رسول الله عليه أفضل الصلاة وأتمّ السلام. جاؤا إخوة متعارفين تجمع بينهم المودّة الصادقة والأخوّة الإسلامية، وكانوا إلى سنوات قبل ذلك أعداء متنافرين. وجعلت هذه الألوف المؤلّفة تجوس خلال المدينة، وكلّ باسم الثغر، وضّاح الطلعة، مشرق الجبين، يصف اجتماعهم انتصار الحق وانتشار نور الله انتشارا ربط بينهم وجعلهم جميعا كالبنيان المرصوص.
مسيرة المسلمين إلى الحج
وفي الخامس والعشرين من ذي القعدة من السنة العاشرة للهجرة سار النبيّ وأخذ نساءه جميعا معه، كلّ
[ ٣٠٤ ]
في محقّتها. سار وتبعه هذا الجمع الزاخر، يذكر طائفة من المؤرّخين أنه كان تسعين ألفا، ويذكر آخرون أنه كان أربعة ومائة ألف: ساروا يحدوهم الإيمان وتملأ قلوبهم الغبطة الصادقة لسيرهم إلى بيت الله الحرام يؤدون عنده فريضة الحجّ الأكبر. فلمّا بلغوا ذا الحليفة نزلوا وأقاموا ليلتهم بها. فلما أصبحوا أحرم النبيّ وأحرم المسلمون معه، فلبس كلّ منهم إزاره ورداءه وصاروا ينتظمهم جميعا زيّ واحد هو أبسط ما يكون زيّا، وقد حققوا بذلك المساواة بأسمى معانيها وأبلغها. وتوجّه محمد بكل قلبه إلى ربه ونادى ملبّيا والمسلمون من ورائه: «لبيك اللهم لبّيك لا شريك لك لبيك. الحمد والنعمة والشكر لك لبّيك. لبّيك، لا شريك لك لبيك» . وتجاوبت الأودية والصحاري بهذا النداء تلبي كلها وتنادي بارئها مؤمنة عابدة. وانطلق الركب بألوفه وعشرات ألوفه يقطع الطريق بين مدينة الرسول ومدينة المسجد الحرام، وهو ينزل عند كل مسجد يؤدّي فيه فرضه، وهو يرفع الصوت بالتلبية طاعة لله وشكرا لنعمته، وهو ينتظر يوم الحج الأكبر نافذ الصبر مشوق القلب ممتلئ الفؤاد لبيت الله هوى ومحبة، وصحاري شبه الجزيرة وجبالها وأوديتها وزروعها النضرة في دهش مما تسمع وتتجاوب به أصداؤها مما لم تعرف قطّ قبل أن يباركها هذا النبيّ الأمّي عبد الله ورسوله.
الاحلال بالعمرة
فلما بلغ القوم سرفا، وهي محلّة في الطريق بين مكة والمدينة، قال محمد لأصحابه: من لم يكن منكم معه هدي فأحبّ أن يجعلها عمرة فليفعل، ومن كان معه هدي فلا.
وبلغ الحجيج مكة في اليوم الرابع من ذي الحجّة، فأسرع النبيّ والمسلمون من بعده إلى الكعبة، فاستلم الحجر الأسود فقبّله، وطاف بالبيت سبعا هرول في الثلاث الأولى منها على نحو ما فعل في عمرة القضاء. وبعد أن صلى عند مقام إبراهيم عاد فقبّل الحجر الأسود كرة أخرى، ثم خرج من المسجد إلى ربوة الصّفا، ثم سعى بين الصفا والمروة. ثم نادى محمد في الناس أن لا يبق على إحرامه من لا هدي معه ينحره.
وتردّد بعضهم، فغضب النبيّ لهذا التردّد أشد الغضب وقال: ما آمركم به فافعلوه. ودخل قبّته مغضبا.
فسألته عائشة. ما أغضبك؟ فقال: ومالي لا أغضب وأنا آمر أمرا فلا يتّبع!. ودخل أحد أصحابه وما يزال غضبان، فقال: من أغضبك يا رسول الله أدخله الله النار. فكان جواب الرسول: أو ما شعرت أني أمرت الناس بأمر فإذا هم يتردّدون! ولو أني استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي معي حتى أشتريه، ثم أحل كما حلّوا. كذلك روى مسلم. فلما بلغ المسلمين غضب رسول الله حلّ الألوف من الناس إحرامهم على أسف منهم، وحلّ نساء النبيّ وحلّت ابنته فاطمة مع الناس، ولم يبق على إحرامه إلا من ساق الهدي معه.
عودة عليّ من اليمن
وبينما المسلمون في حجّهم أقبل عليّ عائدا من غزوته باليمن وقد أحرم للحج لمّا علم أن رسول الله حج بالناس. ودخل على فاطمة فوجدها قد حلّت إحرامها. فسألها فذكرت له أن النبي أمرهم أن يحلوا بعمرة.
فذهب إلى النبي فقصّ عليه أخبار سفرته باليمن. فلما أتمّ حديثه، قال له النبي: انطلق فطف بالبيت وحلّ كما حلّ أصحابك. قال عليّ: يا رسول الله، إنني أهللت كما أهللت. قال النبي: إرجع فأحلل كما حلّ أصحابك. قال عليّ: يا رسول الله إني قلت حين أحرمت: اللهم إني أهدل بما أهلّ به نبيك وعبدك ورسولك محمد. فسأله النبيّ: أمعه هدي؟ فلما نفي عليّ أشركه محمد في هديه، وثبت عليّ على إحرامه وأدّى مناسك الحج الأكبر.
[ ٣٠٥ ]
أداء مناسك الحج
وفي الثامن من ذي الحجة يوم التروية ذهب محمد إلى منى، فأقام بخيامه فيها وصلى فروض يومه بها وقضى الليل حتى مطلع الفجر من يوم الحج، فصلى الفجر وركب ناقته القصواء حين بزغت الشمس ويمّم بها جبل عرفات والناس من ورائه. فلمّا ارتقى الجبل أحاط به ألوف المسلمين يتبعونه في مسيرته، ومنهم الملبّي ومنهم المكبّر، وهو يسمع ذلك ولا ينكر على هؤلاء ولا على هؤلاء. وضربت للنبي قبة بنمرة، (قرية بشرق عرفات)، وكان ذلك بعض ما أمر به. فلمّا زالت الشمس أمر بناقته القصواء فرحلت، ثم سار حتى أتى بطن الوادي من أرض عرنة، وهناك نادى في الناس وما يزال على ناقته بصوت جهوريّ كان يردّده مع ذلك من بعده ربيعة بن أميّة بن خلف وهو يقف بين عبارة وأخرى قائلا بعد أن حمد الله وأثنى عليه:
خطبة الرسول الجامعة
«أيها الناس: اسمعوا قولي فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا.
«أيها الناس، إنّ دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا، وكحرمة شهركم هذا.
«وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم وقد بلّغت.
«فمن كانت عنده أمانة فليؤدّها إلى من ائتمنه عليها.
«وإنّ كل ربا موضوع «١»، ولكن لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون.
«قضى الله أنه لا ربا، وأن ربا عبّاس بن عبد المطلب موضوع كلّه.
«وأن كل دم كان في الجاهلية موضوع، وأن أوّل دمائكم أضع دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب
«أمّا بعد أيها الناس، فإن الشيطان قد يئس من أن يعبد بأرضكم هذه أبدا. ولكنه إن يطع فيما سوى ذلك فقد رضي به مما تحقرون من أعمالكم، فاحذروه على دينكم.
«أيها الناس، إنّ النسىء زيادة في الكفر يضلّ به الذين كفروا يحلّونه عاما ويحرّمونه عاما ليواطئوا عدّة ما حرم الله فيحلّوا ما حرم الله ويحرّموا ما أحل الله.
«وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، وإن عدّة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم، ثلاثة متوالية ورجب مفرد الذي بين جمادي وشعبان.
«أمّا بعد، أيها الناس، فإن لكم على نسائكم حقّا ولهن عليكم حقّا، لكم عليهن ألّا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، وعليهن ألّا يأتين بفاحشة مبيّنة. فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تهجروهن في المضاجع وتضربوهن ضربا غير مبرّح. فإن انتهين فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف. واستوصوا بالنساء خيرا فإنهن عندكم عوان «٢» لا يملكن لأنفسهن شيئا. وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمات الله.
«فاعقلوا أيها الناس قولي فإني قد بلّغت، وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا أمرا بينا: كتاب الله وسنّة رسوله.
_________________
(١) أي مهدر.
(٢) عوان: أسرى أو كالأسرى، الواحدة عانية.
[ ٣٠٦ ]
«أيها الناس، اسمعوا قولي واعقلوه. تعلّمنّ أنّ كل مسلم أخ للمسلم، وأن المسلمين إخوة فلا يحلّ لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفسي منه، فلا تظلمنّ أنفسكم.
«اللهم هل بلغت!» .
كان النبي يقول هذا وربيعة يردّده من بعده مقطعا مقطعا، ويسأل الناس أثناء ذلك ليحتفظ بيقظة أذهانهم. فكان النبيّ يكلّفه أن يسألهم مثلا: إن رسول الله يقول. هل تدرون أي يوم هذا؟ فيقولون: يوم الحج الأكبر. فيقول النبي: قل لهم إن الله قد حرّم كلامه وقال: اللهم هل بلّغت، أجاب الناس من كل صوب. نعم. فقال: «اللهم اشهد» .
اليوم أكملت لكم دينكم
ولما أتم النبي خطابه نزل عن ناقته القصواء، وأقام حتى صلى الظهر والعصر ثم ركبها حتى الصّخرات، وهناك تلا ﵇ على الناس قول الله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا «١» .
فلما سمعها أبو بكر بكى أن أحس أن النبي وقد تمت رسالته قد دنا يومه الذي يلقى فيه ربه.
وترك النبي عرفات وقضى ليله بالمزدلفة، ثم قام في الصباح فنزل بالمشعر الحرام؛ ثم ذهب إلى منى وألقى في طريقه إليها الجمرات، حتى إذا بلغ خيامه نحو ثلاثا وستين ناقة، واحدة عن كل سنة من سني حياته، ونحر عليّ ما بقي من الهدي المائة التي ساق النبي منذ خروجه من المدينة. ثم حلق النبيّ رأسه وأتم حجه. أتم هذا الحج الذي يسميه بعضهم حجّة الوداع، وآخرون حجّة البلاغ، وغيرهم حجّة الإسلام.
وهي في الحق ذلك كله؛ فقد كانت حجة الوداع، رأى فيها محمد مكة والبيت الحرام للمرة الأخيرة. وكانت حجة الإسلام، أكمل الله فيها للناس دينه وأتم عليهم نعمته. وكانت حجة البلاغ، أتم النبي فيها بلاغه للناس ما أمره الله ببلاغه. وما محمد إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون.
_________________
(١) سورة المائدة آية ٣.
[ ٣٠٧ ]