ركب المسلمين إلى مكة- جلاء قريش عن مكة- نزول المسلمين بها- طواف محمد وهرولته- زواج محمد بن ميمونة- رغبته إلى قريش أن يعرس بمكة ورفضهم ذلك- إسلام خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة.
خروج المسلمين إلى مكة
استدار العام بعد الحديبية، وأصبح محمد وأصحابه في حلّ بعهدهم مع قريش من الدخول إلى مكة ومن زيارة الكعبة. لذلك نادى الرسول في الناس كي يتجهزوا للخروج إلى عمرة القضاء بعد أن منعوا من قبل منها. ومن اليسير عليك أن تقدّر كيف أقبل المسلمون يلبّون هذا النداء، ومنهم المهاجرون الذين تركوا مكة منذ سبع سنوات، ومنهم الأنصار الذين كانت لهم مع مكة تجارة وبهم إلى زيارة البيت الحرام هوى، لذلك زاد الركب إلى ألفين بعد أن كان ألفا وأربعمائة في العام الذي سبقه، وتنفيذا لعهد الحديبية لم يحمل أحد من هؤلاء الرجال سلاحا إلا سيفا في قرابه. ولكن محمدا كان يخشى الغدر دائما. فجهّز مائة فارس جعل على رأسهم محمد بن مسلمة، وبعثهم طليعة له على ألّا يتخطّوا حرم مكة، وأن ينحدروا إذا هم بلغوا مرّ الظّهران إلى واد قريب منها. وساق المسلمون الهدي أمامهم ستين ناقة وقد تقدّمهم محمد على ناقته القصواء، وساروا من المدينة يحدوهم شغف أيّ شغف بالدخول إلى أمّ القرى والطواف ببيت الله، ويرقب كل واحد من المهاجرين أن يرى البقعة التي ولد فيها، والبيت الذي شبّ عن الطوق بين جدرانه، والأصحاب الذين غادروا، وأن يتنسم عرف هذا الوطن المقدّس وأن يلمس في إجلال وإعزاز ثرى القرية المباركة الميمونة التي أنجبت الرسول والتي نزل فيها أوّل ما نزل من الوحي. وتستطيع أن تتصوّر هذا الجيش من المسلمين وعدتهم ألفان يغذّون سيرهم تطفر «١» أمامهم قلوبهم وترقص جذلا أفئدتهم؛ فإذا أناخوا جعل كلّ منهم يقصّ على أصحابه آخر عهده بمكة أو أيّام طفولته بها، أو يحدّث عن أصدقائه فيها، أو عن المال الذي ضحى به في سبيل الله عند هجرته منها.
تستطيع أن تتصور هذه المظاهرة الفذة من نوعها، يزجي سيرها الإيمان، ويجذب أصحابها إليه بيت جعله الله مثابة للناس وأمنا. إنك إذا لترى بعين بصيرتك أيّ طرب كان يستخفّ هؤلاء الذين حيل بينهم وبين هذا الفرض المقدّس إذ يسيرون إليه ليدخلوا مكة آمنين، ومحلّقين رؤسهم ومقصّرين، لا يخافون.
_________________
(١) الطفر: الوثوب.
[ ٢٥١ ]
إجلاء قريش عن مكة
وعرفت قريش بمقدم محمد وأصحابه، فجلت عن مكة، نزولا على صلح الحديبية، وصعدت في التلال المجاورة لها حيث ضربت الخيام، وحيث أوى منهم من أوى إلى فيء الشجر. ومن فوق أبي قبيس وحراء، ومن فوق كل مرتفع مطل على مكة، أطلّ هؤلاء المكّيون ينظرون بعيون كلها تطلع إلى الطريد وأصحابه داخلين بلد البيت الحرام لا يصدّهم عنه صادّ، ولا يحول بينهم وبينه حائل.
المسلمون أمام البيت الحرام والطواف بالكعبة
وانحدر المسلمون من شمال مكة وقد أخذ عبد الله بن رواحة بخطام القصواء، وأحاط كبار الصحابة بالنبيّ ﵇. وسارت الصفوف من خلفهم ما بين راجل ومقتعد غارب بعيره. فلما انكشف البيت الحرام أمامهم، انفرجت شفاه المسلمين جميعا عن صوت واحد منادين: لبّيك لبّيك! متوجهين بالقلوب والأرواح إلى وجه الله ذي الجلال، محيطين في هالة من رجاء وإكبار بهذا الرسول الذي بعثه الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله. والحق أنه كان مشهدا فذّا من مشاهد التاريخ التي اهتزت لها أرجاؤه، والتي جذبت إلى الإسلام قلوب أشد المشركين صلابة في وثنيته وفي عناده. وعلى هذا المشهد الفذّ كانت تقع عيون أهل مكة. وهذا الصوت المنبعث من القلوب يدوّي: لبّيك! لبّيك، كان يخترق آذانهم فيهزّ قلوبهم هزّا. ولما بلغ الرسول المسجد إضطجع «١» بردائه وأخرج عضده اليمنى ثم قال: اللهم ارحم امرآ أراهم اليوم من نفسه قوّة. ثم استلم الركن عند الحجر الأسود وهرول وهرول أصحابه معه، فلمّا استلم الركن اليمانيّ مشى حتى استلم الحجر الأسود مهرولا من جديد ثلاثة أطواف ومشى سائرها. والألفان من المسلمين يهرولون كلما هرول، ويمشون كلما مشى. وقريش تنظر من فوق أبي قبيس، فيأخذها لهذا المنظر البهر «٢» من كل مكان، وتشهد أنها، وكانت تحدّث عن محمد وأصحابه أنهم في عسر وشدّة وجهد، قد رأت ما يمحو من أفئدتها كل وهم بوهن محمد وأصحابه. وفي حماسة هذه الساعة أراد عبد الله بن رواحة أن يقذف في وجه قريش بصيحة حرب؛ فصدّه عمر، وقال له الرسول: «مهلا يابن رواحة وقل لا إله إلا الله وحده، نصر عبده وأعزّ جنده. وخذل الأحزاب وحده» أو كما قال؛ فنادى بها ابن رواحة بأعلى صوته، وردّدها المسلمون من بعده، فتجاوبت بأصدائها جوانب الوادي، وارتفعت رهبتها إلى قلوب الذين تسنّموا الجبال حوله.
ولما أتمّ المسلمون الطواف بالكعبة انتقل محمد على رأسهم إلى الصفا والمروة فركب بينهما سبعا، كما كان يفعل العرب من قبل، ثم نحر الهدي عند المروة وحلق رأسه وأتمّ بذلك فرائض العمرة. ولما كان الغد دخل محمد إلى الكعبة وبقي بها حتى صلاة الظهر. ولقد كانت الأصنام ما تزال تعمرها. مع ذلك علا بلال سقفها وأذّن في الناس لصلاة الظهر عندها. وصلى النبي يومئذ بألفين من المسلمين صلاة الإسلام عند البيت الذي كان يصدّ من سبع سنين عن الصلاة عنده. وأقام المسلمون بمكة ثلاثة الأيام المفروضة في عهد الحديبية، وقد خلت أمّ القرى من أهلها. فجلس المسلمون خلالها لا يصيبهم فيها أذى ولا يعترضهم أحد بسوء.
والمهاجرون منهم يزورون دورهم ويزيرون أصحابهم من الأنصار إيّاها، وكأنما هم جميعا أصحاب هذا البلد الأمين؛ وكلهم يسير سيرة الإسلام يؤدّي إلى الله كل يوم صلواته فيقتل في نفسه غرورها، ويعين قويهم
_________________
(١) الإضطجاع: أن يأخذ الإنسان الإزار أو البرد فيجعل وسطه تحت إبطه الأيمن ويلقي طرفيه على كتفه اليسر من جهتي صدره وظهره.
(٢) البهر: العجب.
[ ٢٥٢ ]
ضعيفهم، ويبرّ غنيهم فقيرهم؛ والنبي ينتقل بينهم أبا محبّا محبوبا يبتسم لهذا، ويمزح مع ذاك، ثم لا يقول إلّا حقّا. وقريش وسائر أهل مكة يطلون من منازلهم فوق السفوح على هذا المشهد الفذّ في التاريخ، يرون رجالا هذه أخلاقهم، لا يشربون خمرا، ولا يأتون معصية، ولا يغريهم الطعام ولا الشراب، ولا تفتنهم في الحياة فتنة، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. أيّ أثر يترك هذا المنظر الذي سما بالإنسان إلى ما فوق أسمى مراتب الإنسان؟! من اليسير عليك أن تقدّره حين تعلم أن محمدا عاد بعد ذلك بشهور ففتح مكة على رأس عشرة آلاف من المسلمين.
تزوج محمد بميمونة وخروج المسلمين إلى المدينة
كانت أمّ الفضل، زوج العبّاس بن عبد المطلب عم النبيّ، موكّلة من أختها ميمونة في تزويجها، وكانت ميمونة في السادسة والعشرين من عمرها، وكانت خالة خالد بن الوليد. وأقامت أمّ الفضل زوجها العبّاس مقامها في تزويج أختها. ولما رأت ميمونة ما رأت من أمر المسلمين في عمرة القضاء هوت إلى الإسلام نفسها، فخاطب العبّاس ابن أخيه في أمرها وعرض عليه أن يتزوّجها. وقبل محمد وأصدقها أربعمائة درهم.
وكانت ثلاثة الأيام التي نص عهد الحديبية عليها قد انقضت، لكن محمدا أراد أن يتخذ من زواجه ميمونة وسيلة لزيادة في التفاهم بينه وبين قريش. فلما جاءه سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزّى من قبل قريش يقولان لمحمد: «إنه انقضى أجلك فاخرج عنا»، قال لهما: «ما عليكم لو تركتموني فأعرست بين أظهركم وصنعنا لكم طعاما فحضرتموه» قال محمد ذلك وهو يعلم ما تركت عمرة القضاء في نفوس أهل مكة من أثر، كيف سحرتهم وسكّنت من خصومتهم، ويعلم أنهم إن قبلوا دعوته إلى الطعام فتحدّث إليهم وتحدثوا إليه فتحت مكة أمامه أبوابها طائعة. وهذا ما خشي سهيل وحويطب؛ لذلك كان جوابهما: «لا حاجة بنا إلى طعامك فاخرج عنّا» . ولم يتردّد محمد في النزول على رأيهما تنفيذا لعهده مع قومهما، فأذّن في المسلمين بالرحيل، وخرج والمسلمون من ورائه. وخلّف أبا رافع مولاه على ميمونة حتى أتاه بها بسرف «١» فبنى بها.
وميمونة أمّ المؤمنين آخر أزواج النبيّ، عمّرت بعده خمسين سنة، ثم طلبت أن تدفن حيث بنى بها رسول الله.
وحمل محمد أختي ميمونة: سلمى أرملة عمه حمزة، وعمارة البكر التي لم تتزوج.
وبلغ المسلمون المدينة وأقاموا بها، ومحمد لا يشكّ في عظم ما تركت عمرة القضاء من أثر في نفوس قريش وفي نفوس أهل مكة جميعا، ولا يشك فيما سينشأ عنها من آثار سريعة خطيرة.
إسلام خالد بن الوليد
وصدّقت الأيام تقديره؛ فإنه ما كان يتحمّل راجعا إلى المدينة حتى وقف خالد بن الوليد، فارس قريش المعلم وبطل أحد يقول في جمع منها: «لقد استبان لكل ذي عقل أن محمدا ليس بساحر ولا شاعر، وأنّ كلامه من كلام رب العالمين. فحقّ على كل ذي لبّ أن يتبعه» . وقد فزع عكرمة بن أبي جهل لما سمع، فرد قائلا:
لقد صبؤت يا خالد. ودار بينهما الحديث الآتي:
خالد- لم أصبؤ ولكني أسلمت.
عكرمة- والله إن كان أحق قريش ألا يتكلم بهذا الكلام لأنت.
خالد- ولم؟
_________________
(١) سرف: موضع قريب من مكة، اختلف في تقدير ما بينهما بين ستة أميال واثني عشر ميلا.
[ ٢٥٣ ]
عكرمة- لأن محمدا وضع شرف أبيك حين جرح، وقتل عمك وابن عمك ببدر. فو الله ما كنت لأسلم ولأتكلّم بكلامك يا خالد. أما رأيت قريشا يريدون قتاله؟!
خالد- هذا أمر الجاهليّة وحميّتها. لكني والله أسلمت حين تبين لي الحق.
وبعث خالد إلى النبي بأفراس وبعث إليه بإقراره بالإسلام وعرفانه. وبلغ إسلام خالد أبا سفيان، فبعث في طلبه وسأله: أحقّ ما بلغه عنه؟ ولمّا أجابه خالد أنه حقّ، غضب وقال: «واللّات والعزّى لو أعلم أن الذي تقول حقّ لبدأت بك قبل محمد» . قال خالد: «فو الله إنه لحقّ على رغم من رغم» . فاندفع أبو سفيان في غضبه نحوه؛ فحجزه عنه عكرمة وكان حاضرا وقال: «مهلا يا أبا سفيان فو الله لقد خفت للذي خفت أن أقول مثل ما قال خالد وأكون على دينه. أنتم تقتلون خالدا على رأي رآه وقريش كلها تبايعت عليه! والله لقد خفت ألّا يحول الحول حتى يتبعه أهل مكة كلهم» . وخرج خالد من مكة إلى المدينة، فانضم إلى صفوف المسلمين.
إسلام عمرو بن العاص وعثمان بن طلحة
وأسلم من بعد خالد عمرو بن العاص، وحارس الكعبة عثمان بن طلحة. وقد أسلم بإسلام هؤلاء كثير من أهل مكة واتّبعوا دين الحق. وبذلك قويت شوكة الإسلام، وأصبح فتح مكة أبوابها لمحمد أمرا لا محلّ لريبة فيه.
[ ٢٥٤ ]
اتجاه نظر محمد إلى الشام- توجيهه ثلاثة آلاف لغزوها- لواؤهم لزيد بن حارثة، فإن أصيب فلجعفر بن أبي طالب، فإن أصيب فلعبد الله بن رواحة- الروم في مائة ألف أو مائتي ألف- التقاء الجيشين بمؤتة- موت الثلاثة أصحاب اللواء على التعاقب- الراية لخالد بن الوليد- مداورته وانسحابه.
مناوشات صغيرة
لم يكن محمد يستعجل فتح مكة وهو يعلم أن الزمن في صفه، كما أن عهد الحديبية لم يكن قد مضى عليه غير عام واحد، ولم يكن قد جدّ ما يوجب نقضه. ومحمد رجل وفاء لا ينقض كلمة قال ولا عهدا عقد. لذلك ذهب إلى المدينة فأقام بضعة أشهر لم تقع خلالها غير مناوشات صغيرة؛ كإرسال خمسين رجلا إلى بني سليم ليدعوهم إلى الإسلام وغدر بني سليم بهم وقتلهم إيّاهم بغيا بغير حق، حتى لم ينج رئيسهم إلا بمحض المصادفة؛ وكغزو جماعة من بني اللّيث والظفر بهم والغنم منهم؛ وكمعاقبة بني مرّة على ما غدروا من قبل؛ وكإرسال خمسة عشر رجلا إلى ذات الطّلح على حدود الشام يدعون إلى الإسلام دعوة كان جزاؤهم عنها القتل لم ينج منه إلا رئيسهم. وقد كانت ناحية الشام وهذه الجهات الشمالية متّجه نظر النبيّ منذ أمن الجنوب بعهده مع قريش وبإذعان عامل اليمن لدعوته. ذلك أنه كان يتوسّم طريق انتشار دعوته إلى الإسلام أوّل مغادرتها حدود شبه الجزيرة، فيرى الشام والبلاد المجاورة هي المنفذ الأوّل لهذه الدعوة. لذلك لم تمض أشهر على مقامه بالمدينة بعد عوده من عمرة القضاء حتى وجّه ثلاثة آلاف هم الذين قاتلوا في مؤتة مائة ألف في رواية؛ ومائتي ألف في رواية أخرى.
غزوة مؤتة
ويختلف الرواة في سبب غزوة مؤتة هذه؛ فيذهب بعضهم إلى أن قتل أصحابه في ذات الطّلح كان سبب الغزو لتأديب هؤلاء الغادرين، ويذهب آخرون إلى أن النبيّ أرسل رسولا من رسله إلى عامل هرقل على بصرى وأن أعرابيّا من غسّان قتل هذا الرسول باسم هرقل، فبعث محمد بالذين قاتلوا في مؤتة لتأديب العامل ومن ينصره.
وكما كان عهد الحديبية مقدمة عمرة القضاء ففتح مكة، كانت غزوة مؤتة مقدمة تبوك وما كان بعد وفاة النبيّ من فتح الشام. وسواء أكان السبب الذي أدّى إلى غزوة مؤتة هو قتل رسول النبيّ إلى عامل بصرى أم
[ ٢٥٥ ]
قتل رجاله الخمسة عشر في ذات الطّلح، فإنه ﵇ دعا إليه، في جمادي الأولى من السنة الثامنة للهجرة (سنة ٦٢٩ م)، ثلاثة آلاف من خيرة رجاله، واستعمل عليهم زيد بن حارثة وقال: «إن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس، وإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة على الناس» . وخرج هذا الجيش وخرج معه خالد بن الوليد متطوّعا ليدلّ بحسن بلائه في الحرب على حسن إسلامه. وودع الناس أمراء الجيش والجيش، وسار محمد معهم حتى ظاهر المدينة، يوصيهم ألّا يقتلوا النساء ولا الأطفال ولا المكفوفين ولا الصبيان، ولا يهدموا المنازل ولا يقطعوا الأشجار. ودعا ﵇ ودعا المسلمون لهذا الجيش قائلين: صحبكم الله ودفع عنكم وردّكم إلينا سالمين! وكان أمراء الجيش كلهم يفكرون في أخذ القوم من أهل الشام على غرّة منهم، على عادة النبي في سابق غزواته، فيسرع إليهم النصر ويعودون بالغنيمة. وسار القوم حتى بلغوا معان من أرض الشام وهم لا يعلمون ما هو ملاقيهم. لكن أنباء مسيرتهم كانت قد سبقتهم. فقام شرحبيل عامل هرقل على الشام فجمع جموع القبائل ممن حوله، وأوفد من جعل هرقل يمدّه بجيوش من الإغريق ومن العرب. وتذهب بعض الروايات إلى أن هرقل نفسه تقدم بجيوشه حتى نزل ماب من أرض البلّقاء على رأس مائة ألف من الروم، كما انضم إليه مائة ألف أخرى من لخم وجذام والقين وبهراء وبليّ. ويقال إن تيودور أخا هرقل هو الذي كان على رأس هذه الجيوش لا هرقل نفسه. وبلغ المسلمين وهم بمعان أمر هذه الجموع، فأقاموا بها ليلتين يفكرون ماذا يصنعون أمام هذا العدد الذي لا قبل لهم به. قال قائل منهم: نكتب إلى رسول الله ﷺ فنخبره بعدد عدوّنا؛ فإما يمدّنا بالرجال، وإما أن يأمرنا بأمره فنمضي له. وكاد هذا الرأي يسود لولا أن تقدم عبد الله بن رواحة، وكان إلى جانب شهامته وفروسيته شاعرا، فقال: يا قوم، والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون: الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، وما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به؛ فانطلقوا، فإنما هي إحدى الحسنيين: إمّا ظهور وإمّا شهادة. وامتدّت عدوى النخوة من الشاعر الشجاع إلى الجيش كله؛ فقال الناس: فو الله صدق ابن رواحة! ومضوا، حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء لقيتهم جموع هرقل من الروم والعرب بقرية يقال لها مشارف. فلما دنا العدو انحاز المسلمون إلى قرية مؤتة أن رأوها خيرا من مشارف لتحصّنهم بها. وفي مؤتة بدأت المعركة حامية الوطيس بين مائة أو مائتي ألف من جيوش هرقل وثلاثة آلاف من المسلمين.
استشهاد زيد بن حارثة
يا لجلال الإيمان وروعة قوّته! حمل زيد بن حارثة راية النبيّ واندفع بها في صدر العدو وهو موقن أن ليس من موته مفرّ. لكن الموت في هذا المقام هو الاستشهاد في سبيل الله! وليس إلا الاستشهاد دون النصر والظفر مكانا.
استشهاد جعفر بن أبي طالب وابن رواحة
وحارب زيد حرب المستميت حتى مزّقته رماح العدوّ فتناول الراية من يده جعفر بن أبي طالب، وهو يومئذ في الثالثة والثلاثين من عمره، وهو شاب تعدل وسامته شجاعته. وقاتل جعفر بالراية، حتى إذا أحاط العدوّ بفرسه اقتحم عنها فعقرها، واندفع بنفسه وسط القوم منطلقا انطلاقة السهم يهوي سيفه برؤسهم حيثما وقع. وكان اللواء بيمين جعفر فقطعت، فأخذه بشماله فقطعت، فاحتضنه بعضديه حتى قتل. يقال إن رجلا من الروم ضربه يومئذ ضربة قطعته نصفين. فلمّا قتل جعفر أخذ ابن رواحة الراية، ثم تقدم بها وهو على فرسه؛ فجعل يستنزل نفسه ويتردد بعض التردد ثم قال:
[ ٢٥٦ ]
أقسمت يا نفس لتنزلنّه لتنزلنّ أو لتكرهنّه
إن أجلب الناس وشدّوا الرّنّة مالي أراك تكرهين الجنّة
ثم أخذ سيفه فتقدّم فقاتل حتى قتل.
هؤلاء زيد وجعفر وابن رواحة استشهدوا ثلاثتهم في سبيل الله في موقعة واحدة. لكن النبيّ لمّا علم بخبرهم كان على زيد وجعفر أكبر أسى، وقال: لقد رفعوا إلىّ الجنة فيما يرى النائم على سرر من ذهب، فرأيت في سرير عبد الله بن رواحة ازورارا عن سرير صاحبيه؛ فسأل: لم هذا؟ فقيل: مضيا، وتردّد عبد الله بعض التردد ثم مضى. أترى إلى هذه العبرة والموعظة الحسنة! فإنما معناها أن المؤمن لا يجوز له أن يتردد أو يخاف الموت في سبيل الله؛ بل يجب عليه، كلما مضى في أمر يؤمن بأنه لله والوطن، أن يحمل حياته على كفّه، وأن يلقى بها في وجه من يقف في سبيله؛ فإما فاز وظفر فبلغ ما يؤمن به من حق الله والوطن، وإمّا استشهد فكان المثل الحيّ لمن بعده والذكر الباقي لروح عظيم عرف أن قيمة الحياة ما يضحّى بالحياة في سبيله، وأن الإمساك على الحياة في مذلة إهدار للحياة، فما يستحق صاحبها بعد ذلك في الحياة ذكرا؛ وأن الرجل يلقي بيديه إلى التهلكة إذا هو عرّض حياته تعريضا تذهب معه ضحية غرض وضيع، وأنه كذلك يلقي بيديه إلى التهلكة إذا هو أمسك على حياته حين يدعوه داعي الحق جلّ شأنه ليقذف بها في وجه الباطل ليستحقه، فيواريها هو بالحجاب ويخاف عليها الموت خوفا هو شرّ من الموت. وإذا كان التردّد القليل من ابن رواحة مع إقدامه بعد ذلك واستشهاده، قد جعله في غير مكانة زيد وجعفر اللذين اقتحما صفوف الموت اقتحاما وطارا للاستشهاد فرحا، فما بالك بالذي ينكص على عقبيه طمعا في جاه أو مال أو غرض من أغراض الحياة! إنه إذا للحشرة الحقيرة وإن عرض عند السواد جاهه، وإن بزّ مال قارون ماله. وهل لنفس إنسانية أن تغتبط حقّا لشيء اغتباطها للتضحية في جانب ما تؤمن بأنه الحقّ، حتى تنتهي من ذلك إلى الاستشهاد في سبيل الحق، أو إلى تمليك الحق الحياة!
مداورة خالد بن الوليد
قتل ابن رواحة بعد تردد ثم إقدام، فأخذ الراية ثابت بن أرقم أحد بني العجلان، فقال: يا معشر المسلمين، اصطلحوا على رجل منكم. قالوا: أنت. قال: ما أنا بفاعل. فاصطلح الناس على خالد بن الوليد. فأخذ خالد الراية مع ما رأى من تفرّق صفوف المسلمين وتضعضع قوتهم المعنوية. وكان خالد قائدا ماهرا ومحرّكا للجيوش قلّ نظيره. لذلك أصدر أوامره، فداور بالمسلمين حتى ضم صفوفهم، ووقف من محاربة العدو عند مناوشات امتدّت به حتى أرخى الليل سدوله، ووضع الجيشان السلاح إلى الصباح. أثناء ذلك أحكم خالد تدبير خطّته، فوزّع عددا غير قليل من رجاله في خط طويل من مؤخّرة جيشه أحدثوا، إذا أصبح الناس، من الجلبة ما أدخل في روع عدوّه أن مددا جاءه من عند النبي. وإذا كان ثلاثة آلاف قد فعلوا بالروم الأفاعيل في اليوم الأوّل وقتلوا منهم خلقا كثيرا، وإن لم يستطيعوا أن يثبتوا، فما عسى أن يصنع هذا المدد الذي جاء لا يدري أحد عدّته!! لذلك تقاعس الروم عن مهاجمة خالد وسرّوا بعدم مهاجمته إيّاهم، وكانوا أكثر سرورا بانسحابه ومن معه راجعين إلى المدينة، بعد معركة لم ينتصر بها المسلمون وإن كان حقّا كذلك أن عدوّهم لم ينتصر عليهم فيها.
[ ٢٥٧ ]
بكاء محمد المستشهدين
لذلك ما كاد خالد والجيش معه يدنون من المدينة حتى تلقّاهم محمد والمسلمون معه. وطلب محمد فأتى بعبد الله بن جعفر فأخذه وحمله بين يديه. أما الناس فجعلوا يحثون على الجيش التراب ويقولون: يا فرّار، فررتم في سبيل الله! فيقول رسول الله: ليسوا بالفرّار، ولكنهم الكرّار إن شاء الله. ومع هذه التأسية من محمد للعائدين من مؤتة فقد ظلّ المسلمون لا يغفرون لهم انسحابهم وعودهم، حتى كان سلمة بن هشام لا يحضر الصلاة مع المسلمين خشية أن يسمع من كل من رآه: يا فرّار فررتم في سبيل الله. ولولا ما كان بعد ذلك من فعال هؤلاء الذين حضروا مؤتة، ومن فعال خالد بنوع خاص، لظلّت مؤتة معتبرة بعض ما لطّخ به إخوانهم في الدين جبينهم من عار الفرار.
وقد بلغ الألم من نفس محمد منذ علم بقتل زيد وجعفر، وحزّ الأسى في نفسه من أجلهما. لمّا أصيب جعفر ذهب محمد إلى منزله ودخل على زوجه أسماء بنت عميس، وكانت قد عجنت عجينها وغسلت بنيها ودهنتهم ونظفتهم، فقال لها: ائتيني ببني جعفر. فلما أتته بهم تشمّمهم وذرفت عيناه الدمع. قالت أسماء في لهف وقد أدركت ما أصابها: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي ما يبكيك؟ أبلغك عن جعفر وأصحابه شيء؟
قال: نعم أصيبوا هذا اليوم! وإزدادت عيناه بالدمع تهتانا. فقامت أسماء تصيح حتى اجتمع النساء إليها.
أمّا محمد فخرج إلى أهله فقال: لا تغافلوا آل جعفر من أن تصنعوا لهم طعاما فإنهم قد شغلوا بأمر صاحبهم.
ورأى ابنة مولاه زيد قادمة فربّت على كتفيها وبكى. وأظهر بعضهم دهشة لبكاء الرسول على من استشهد؛ فقال ما معناه: إنما هي عبرات الصديق يفقد صديقه.
وفي رواية أن جثّة جعفر حملت إلى المدينة ودفنت بها بعد ثلاثة أيام من وصول خالد والجيش إليها. ومن يومئذ أمر الرسول الناس أن يكفوا عن البكاء، فقد أبدل الله جعفرا من يديه اللتين قطعتا جناحين طار بهما إلى الجنة.
غزوة ذات السلاسل
أراد محمد بعد أسابيع من عود خالد أن يستردّ هيبة المسلمين في شمال شبه الجزيرة، فبعث عمرو بن العاص يستنفر العرب إلى الشام، ذلك أن أمّا له كانت من قبائل تلك النواحي، فكان من اليسير عليه أن يأتلفهم. فلما كان على ماء بأرض جذّام يقال له السلسل، خاف فبعث إلى النبيّ ﵇ يستمدّه. فأمدّه بأبي عبيدة بن الجرّاح في المهاجرين الأولين فيهم أبو بكر وعمر. وخاف محمد أن يختلف عمرو، وهو حديث عهد بالإسلام، مع أبي عبيدة من المهاجرين الأولين؛ فقال لأبي عبيدة حين وجهه: لا تختلفا. وقال عمرو لأبي عبيدة: إنما جئت مددا لي فأنا على قيادة الجيش. وكان أبو عبيدة رجلا لينا سهلا هيّنا عليه أمر الدنيا، فقال لعمرو: لقد قال رسول الله: لا تختلفا، وإنك إن عصيتني أطعتك. وصلى عمرو بالناس، وتقدّم بالجيش فشتّت جموع أهل الشام الذين أرادوا محاربته، وأعاد بذلك هيبة المسلمين في تلك الناحية.
وفي هذه الأثناء كان محمد يفكر في مكة ومالها. لكنه، كما قدّمنا، كان وفيّا بعهد الحديبية، فأقام ينتظر انقضاء السنتين. وجعل أثناء ذلك يبعث السرايا ليسكن بها ثائرة القبائل التي تحدّثها نفوسها بالثورة. على أنه كان في غير حاجة إلى كبير عناء من هذه الناحية؛ فقد بدأت الوفود ترد إليه من مختلف النواحي تعلن إليه طاعتها وإذعانها. وإنه لكذلك إذ حدث ما كان مقدّمة لفتح مكة، ولاستقرار الإسلام بها استقرارا أسبغ عليها إلى أبد الدهر أعظم التقديس.
[ ٢٥٨ ]