أن هناك كتابا منزلا تلقاه براهما من ربه، من غير نظر إلى كون ذلك الكتاب حرف فيه الكلم عن مواضعه كما حدث للتوراة والإنجيل، أم لم يحرف، والراجح أنه حرف لتقادم العهد، بدليل أنه وجد عندهم تشبيه ونحل لبراهما وصف فيها بالإله، لا وصف الرسول عند عامتهم.
كتبهم:
٩- للبراهمة كتب كما دلت على ذلك عبارات البيرونى، وأقدم ما عرف من كتبهم الفيدا، ولم يعرف المؤرخون عصره على وجه التحقيق والضبط، وأقصى ما تأكد لديهم أن الفيدا كانت موجودة قبل القرن الخامس عشر قبل ميلاد المسيح ﵇، فقد كانت مع الفاتحين الاريين على أنها من أصول ديانتهم..
والفيدا مجموعة من الأشعار ليس فى كلام الناس ما يماثلها فى نظرهم، ويقول جماهيرهم:
«إن البشر يعجزون عن أن يأتوا بمثلها» ويقول البيرونى أن خاصتهم يقولون أن فى مقدورهم أن يأتوا بمثلها ولكنهم ممنوعون من ذلك احتراما لها. ولم يبين البيرونى وجه المنع: أهو منع بمعنى التحريم، بمعنى أن فى استطاعتهم أن يأتوا بمثلها ويتجهوا إلى ذلك، ولكنهم كلفوا ألا يأتوا، أم أن هذا المنع إنما
[ ١ / ١٥ ]
هو صرف لهم عن أن يأتوا بمثلها، فهم قادرون على أن يأتوا، ولكنهم صرفوا عن ذلك كما يقول بعض الجهلاء فى إعجاز القران منحرفين فى دينهم؟ لم يبين لنا البيرونى أى الوجهين أراد بالمنع. لئن أراد الأول، وهو منع بالتحريم وذلك لا يقتضى الامتناع، فقد يكون من بعض المكلفين من يعصى، فيأتى بمثلها، أو يزيد عليها، لأن الناس ليسوا معصومين عن المخالفة، ولا أحد من البراهمة يعتقد جواز وجود أمثالها، ولذلك نرجح أن يكون الامتناع فى زعمهم بصرفه، ونكتفى من الإشارة إلى كتبهم بهذا القدر.
البوذية:
١٠- بعد أن حرفت البرهمية وجعل الناس فى عقيدتها طبقات كان لابد أن يكون من بينهم من يغيّر، ولا يرضى بهذه الطبقات، ولذلك ظهر من بينهم من لا يرضى وهو من رجال الطبقة الأولى، وبلغ أقصى الغاية فيها، وهو بوذا، الذى ولد سنة ٥٦٠ قبل المسيح ﵇، وكانت دعاية بوذا تخفيف ويلات الإنسانية التى أرهقها نظام الطبقات.
ولقد اتجه فى سبيل تخفيف ويلات الإنسانية إلى الدعوة لتخفيف الحاجات وكف النفس عن الشهوات، وهذه الشهوات هى التى تشقى، فإذا كانت ويلات الناس تجىء إليهم من ناحية أهوائهم وشهواتهم، واتساع مطالبهم، والرغبة فى المزيد منها، فإن تخفيف ويلات الحياة يكون بتربية النفس على الاستغناء عن أكثر مطالبها. والاكتفاء بالقليل ومجانبة الأهواء والشهوات. فإنها هى التى تجعل النفس طلعة، تحب اللذائذ وإن كانت عاقبتها سيئة، فكان من الواجب السيطرة على الأهواء.
وقد وضع منهاجا للتربية النفسية، الخط الأول منه يبدأ باجتناب الأهواء، والاتجاه إلى الأمور بقلب سليم منها، فإن النفس تشرق، ويكون إدراكها سليما، ثم يكون من بعد ذلك الاعتقاد سليما، ومن بعد الإدراك يكون النطق الصادق. ثم العمل القويم، ثم السلوك الحسن، ثم الجماعة التى تقوم على الأخلاق.
[مبادىء بوذا الخلقية]
ويقرر مبادىء خلقية، فهو يقول فى النهى عن أمور عشرة:
١- لا تقتل أحدا.
٢- لا تسرق ولا تغضب، ولا تأخذ ما لا لم يقدم إليك.
٣- لا تكذب، ولا تقل قولا غير صحيح.
٤- لا تشرب خمرا، ولا تتناول مخدرا.
٥- لا تزن ولا تأت بأى أمر يتصل بالحياة الجنسية يكون محرما.
[ ١ / ١٦ ]
٦- لا تأكل طعاما لم ينضج.
٧- لا تتخذ طيبا، ولا تكلل رأسك بالزهر.
٨- لا ترقص، ولا تحضر مرقصا، ولا حفل غناء.
٩- لا تقتن فراشا وثيرا، فلا تقتن أرائك وطنافس، ولا وسائد ولا حشايا رافهة.
١٠- لا تأخذ ذهبا ولا فضة.
وإن هذه المبادىء البوذية فيها عيب، وهى ناقصة.
أما عيبها، فإنها لا تعتمد على عقيدة موجهة، بل يروج عن بوذا أنه أنكر أن يكون ثمة إله منشىء للوجود، ولهذا شاعت عبادة الأوثان فيمن جاؤا بعده، فلم تنق قلوبهم، لأنه لم تسلم عقيدتهم، وكانت وهما من الأوهام ضل فيها العقل، ولم يهتد إلى سواء السبيل.
ويضاف إلى هذا عيب اخر، وهى أنها تزهد فى الحياة، وتمنع الانتفاع بخيراتها. فكأنما مباهج هذه الحياة، إنما خلقت لكى ترى وتشتاق النفوس لها، ثم تحرم على الإنسان.
وأما النقص فلأن فضائلها سلبية، هى نهى لا طلب، ومنع لا التزام، فالخير فيها لا يطالب به، ولكن يتجنب الشر.
إن الفضائل الإنسانية تتكون من عنصرين، عنصر إيجابى وهو تقديم النفع الإنسانى والقيام بحق الإنسان على أخيه الإنسان، والاتصال بالتعاون بين الناس بعضهم مع بعض، وذلك هو العنصر القوى فى الفضيلة، والعنصر الثانى الامتناع عن الإيذاء، وهذا هو العنصر السلبى، وهو الأدنى، والأول هو اللباب، وهو الخير الحقيقى، بل إنه يمنع غيره، فإن النفع يمنع بعض الأذى، فإذا اقتصرت البوذية على السلب نقص معنى الكمال فيها.
وإن تكاليف البوذية قد يستطيع تنفيذها الخواص، ولا يمكن أن يكون تنفيذها عاما، والمذاهب لا يلاحظ فى تطبيقها الخاصة، بل لابد أن يكون تطبيقها عاما، وهى كالمذاهب الصوفية يطبقها الشيوخ، ويقاربهم المريدون، ولا يمكن أن تكون نظاما عاما يطبقه الجميع.
[أقسام البوذيين]
ولهذا لم يطبقها الجميع، بل انقسم البوذيون أنفسهم إلى قسمين:
(أحدهما) البوذيون الذين أخذوا أنفسهم بالتعاليم السابقة
لا يحيدون عنها، وقيدوا أنفسهم بأنواع من الأطعمة، وحرموا غيرها، ولا يختارون للباسهم إلا الخشن من الثياب، لما راضوا أنفسهم عليه من ترك لذات الحياة لتكون الحياة تحت سيطرتهم، ولا يخضعوا لسلطانها.
[ ١ / ١٧ ]
(ثانيهما) البوذيون المدنيون، وأولئك لم يطبقوا المنهاج الشاق
، فاختاروا لأنفسهم طريقا وسطا ليس فيه إفراط فى اللذائذ، ولا شدة فى تركها.
أخذوا ببعض الأخلاق البوذية من تواضع وصدق وأمانة، ونالوا بعض الملاذ التى لا تعقب ألما، ولم يندفعوا فى اجتراح الشهوات، حتى لا يصابوا بالام الحرمان إن لم يستطيعوا.
وخلاصة القول أنهم أخذوا من المبادىء السلبية المبادىء الخمسة الأولى، وهى ألا يقتلوا، ولا يسكروا، ولا يكذبوا، ولا يزنوا، وتركوا الباقيات من المنهيات، فلم يحرموها على أنفسهم.
ولقد كان ذلك الانقسام سبيلا لأن يكثر المدنيون، ولأن يوجد فريق لا يأخذون بشىء من هذه المبادىء بل يتركونها وراءهم ظهريا. وبذلك ضعف العقل واحده عن أن ينشىء دينا امرا وناهيا.
الكونفوشيوسية:
١١- وإن البوذية التى ولدت فى الهند كان أكثر تابعيها فى الصين لا فى الهند، وقد انتقلت إليها وثنية، كما كانت فى الهند، واقترن بها ما ليس منها، وانحرفت العقول.
ولكنها إذا انتقلت إلى الصين قد احتضنتها بيئة امتازت من بين البيئات بالوثنية والتمسك بكثير من المبادىء العملية التى تتفق مع قانون الأخلاق إلى حد كبير، ولكن لعدم اعتمادها على عقيدة قوية، كانت فى قلوب شاغرة، وإذا سكنت المبادىء فى قلوب شاغرة عن الإيمان جف عودها، ولم تقو على البقاء.
كان فى الصين فيلسوف يسمى فى لغة الفرنجة كونفوشيوس، وهو تحريف لاسمه الأصلى فى الصين، وهو «كونج فوتس»، وقد أخذ ذلك الفيلسوف بالمذهب البوذى، ولكنه أخذ بمبدأ البوذيين المدنيين، وكان مذهبه ليس دينا يتبعه، ولكنه إصلاح يدعو إليه.
ومع وجود المنهج العلمى فى إصلاح كونج فوتس نجد بجواره فيلسوفا كان أسنّ من كونج فوتس إذ أن هذا ولد سنة ٥٥١ قبل الميلاد، أى أنه يعاصر بوذا، والفيلسوف الاخر واسمه لوتس، كان يكبر الأول بنحو خمسين عاما، ومذهبه هو الاعتزال أو أن ينجو بنفسه ومن يتابعه من المفاسد.
وقد التقى الفيلسوف الشاب كونفوشيوس الذى يرى أن مبادىء الأخلاق يكون أساسها النفع الإيجابى، لا الاعتزال السلبى، بالشيخ لوتس الذى لا يرى إلا الاعتزال السلبى، فتحاورا.
[ ١ / ١٨ ]
قال الشيخ للشاب: «إن الخير ليس في محاولة إصلاح المجتمع الفاسد بالعمل والاختلاط، إذ أن الاختلاط يفسده، بل الخير كل الخير في الزهادة والقناعة والاعتزال، والتسامح، ومقابلة السيئة بالحسنة، وهي العفو» .
قال الشاب للشيخ: «إذا كان واجب كل شخص من احاد الأمة أن يعتزل في كهف من الكهوف فمن الذي يبقي في المدن يعتمرها، وفي الأرض يفلحها ويزرعها، وفي الصنائع يمهر فيها، ومن الذي ينسل ويعمل ليبقي الكون عامرا ببني الإنسان؟ وإذا كان الاعتزال مقصورا علي الحكماء، والفضلاء، فمن الذي يربي الإنسان ويؤدبه، أم يترك الناس حائرين بائرين لا هادي ولا مرشد» .
عقيدة الصين القديمة:
١٢- ومهما تكن اراء كونغ فوتس من الحكمة والصواب فقد اختلط بها ما ليس سائغا، فقد كان يعتقد بالهة، وبأن السماء مرتبطة بالأرض، فيصلح الكون إذا صلح الإنسان، ويفسد بفساده، لقد كان كونج فوتس يعتقد ما يعتقده الصينيون القدماء.
وأساس هذا الاعتقاد أنهم يعبدون ثلاثة أشياء: السماء، والأرواح المسيطرة على ظواهر الأشياء، (الملائكة)، وأرواح الاباء.
والسماء التى يعبدونها لا يقصدون بها تلك القبة الزرقاء، بل يقصدون الأفلاك ومداراتها، والقوى المسيطرة التى تسيطر عليها وتسيرها فى مدارتها. وباتصالها بالأرض والرياح والأمطار تنبت الأرض، وكانت عبادتهم للسماء لاعتقادهم أنها عالم حى يتحرك حسب نظام دقيق محكم، وللسماء السلطان الأكبر على العالم، إذ أن كل ما فيه من قوى مسيرة خاضع لسلطان السماء.
وظاهر كلامهم أنهم لا يفرضون للكون- سمائه وأرضه- قوة منشئة مغايرة هى المدبرة والتى تحفظ العالم، وتحول قواه، فهم بذلك يعدون منكرين لله الواحد الأحد الفرد الصمد، وعلى ذلك يكون الأساس الذى بنيت عليه عقيدتهم باطلا.
وهم يعتبرون التحول والتغير فى الكون على حسب مداركهم، وعلى أساس عقيدتهم السقيمة، فهم يرون أن العالم قسمان مادى وروحى وأن الروحى، هو الذى يسير المادي، فهم بهذا يرون أن المنشيء من ذات الكون لا من قوة فوقهم، وبذلك يتقاربون من الفلسفة الأيونية.
ومع أنهم لا يؤمنون بالواحد الأحد المنفرد بذاته عن المشابهة يؤمنون بالقضاء والقدر، ويرون أن السماء هى التى تقدر وتقضي، فلا مفر من حكمها فى زعمهم، ولا خلاص من سلطانها فى اعتقادهم.
[ ١ / ١٩ ]
ويؤمنون بأن الأحكام القدرية مرتبطة هى والأمور الكونية، بالأخلاق الإنسانية، فإذا كانت الأخلاق مستقيمة استقام الكون، وإذا فسدت اضطرب، فكلما كان الاعتدال والانسجام والعدالة بين الناس استقام الكون ولا يضطرب. وما الزلازل وما خسف الأرض وكسوف الشمس وخسوف القمر إلا من فساد الأخلاق، وعدم استقامتها. وهى أمارات على ذلك، وإذا كان السلوك غير القويم يحدث الاضطراب، فالسلوك القويم يجلب الخير، والبركات، ويجعل كل ما فى الكون يجيء على ما يحبه الإنسان ويرضاه.
وعلى ذلك يكون المؤثر فى الكون ثلاثة:
أولها: السماء بسلطانها، والأرض بقبولها لحكم السماء، والإنسان بإرادته الخلقية. فإن اختار خير الأخلاق وأفضلها واتجه إليها فإن مظاهر الكون تكون لخير الإنسان. فالجو يمتليء بالنسيم العليل، والحرارة المنعشة غير اللافحة، والغيث المحيى لموات الأرض من غير أن يخرب العمران، ويصير غيثا، وتكون الشمس المشرقة، والنهار المبصر والليل الساجى.
١٣- وبذلك نجد أن العقيدة الصينية فاسدة، والخلق الصينى قوي، والإرادة الصينية قويمة ولكنها قائمة على عقائد فاسدة، وما يقوم على الفاسد لابد أن ينهار، إذ هو قائم على شفا جرف هار، غير مستقر ولا ثابت الدعائم.
وإذا كانت الفلسفة اليونانية ووليدتها الرومانية قد عجزتا عن تكوين حكم خلقى له مقياس ثابت لا يتغير بتغير الأعراف ولا بتغير الأماكن والأزمان، فإن الصين قد وصلت إلى حكم عملى حسن فى جملته يتجه إلى الخير فى غايته. ولكنه لم يقم على دعائم ثابتة من إيمان، خالية من الأوهام، وعقيدة بعيدة عن الأخيلة غير المحققة ولا الثابتة.
إن العقيدة الصالحة هى التى توجد الأخلاق الثابتة، وهى التى توجد المجتمع الفاضل الذى يريد الخير بدافع من إيمان ثابت الدعائم قوى الأركان.
١٤- وننتهى من هذا السياق الذى انتقلنا فيه من اليونان والرومان سائرين إلى الشرق الأدنى فالشرق الأقصى- إلى أن العالم كله فى الفترة التى كانت قبل المسيح وخاتم النبيين محمد ﷺ، كان يموج فى مضطرب فسيح من الاراء والمنازع المتناحرة.
وإنه فى الوقت الذى كانت الوثنية تضيق فيه ذرعا بالواحدانية التى جاء بها موسى وخلائفه، وجاء بها عيسى وحملها حواريوه- كان الشرق الأقصى بعيدا عن هذه الدعوات إلى الواحدانية، فكانت فيه
[ ١ / ٢٠ ]
مجوسية الفرس، ووثنية الهندوس، وظلم الطبقات، ثم كان من وراء ذلك عبادة الأفلاك والنجوم والأرواح فى الصين.
كان العالم إذن يموج بفساد الفكر، وفساد العمل، واضطراب الحكم، وانقطاع الصلة بين الحاكم والمحكوم، وسيطرة الأقوياء على الضعفاء، وقد اشتد الطغيان.
وثنية اليونان والرومان:
١٥- وبجوار تلك كانت أوروبا تعيش فى ظلمات الوثنية، وكان غربها من الوندال والسكسون قبل المسيح يعيشون فى جاهلية عمياء، لم يكن فيها هاد ولا مرشد، كما تعيش بعض القبائل فى مجاهل أفريقية، ولا فرق بينهم إلا فى اللون، فأولئك بيض وهؤلاء سود ولكن الفعل واحد، والوحشية متقاربة، ولعل البيض أغلظ أكبادا، وأقسى قلوبا.
١٦- ولما جاءت المسيحية جاءت إليهم بعد أن شاهت، واعتراها التغيير والتبديل، وذلك لأن الفلسفتين اليونانية والرومانية من بعدها عجزتا عن إصلاح الأخلاق، وبث الاطمئنان فى القلوب، والرضا فى النفوس، فكان لابد من دين يقود العقل إلى ما فيه خير العباد.
وقد فقدت الأوثان قوة تأثيرها فى الجماعات، إذ أن الفلسفة قد أيقظت العقول، وإن لم تهدها، وحركت الأفهام ودفعتها إلى التفكير، وإن لم تهدها إلى الصراط السوى الذى يسلكه من يستضيء بنورها واحدها، فكان لابد من دين بجوارها، وخصوصا أن المدائن الرومانية لم يكن فيها التناسق الاجتماعى الذى يجعل كل إنسان يرضى بما قسم له من حظ.
إن التاريخ يحكى أن توزيع الثروة فى الدولة الرومانية لم يتحقق فيه العدل الاجتماعي، فبينما ترى الترف فيمن أفاءت عليهم الدولة بالغنائم والأسلاب من الفتوح الرومانية ترى ألوف الألوف من الناس قد حرموا ما يتبلغون به فى حياتهم، فاستولى عليهم الإحساس بالظلم، والناس لا يشقون بالام ذاتية وحرمان ذاتى بمقدار ما يشقون لسعادة غيرهم التى امتنعت عليهم، وكذلك كانت الالام فى سواد الرومان، ولولا بقايا من الصبر عندهم لانفجروا فى ثورات ما حقة لا تبقى ولا تذر.
مزج الفلسفة بالدين:
١٧- وفى هذا الوقت أرادوا أن يمزجوا الفلسفة بالدين أو يحلوا الفلسفة محل الدين، إذ أخذت التماثيل تفقد قوتها، ولم يعد لها سلطان فى التأثير فى نفوس الشعوب، وفقدت معابد الأوثان ما كان لها من روعة، ولقد كان يعتور النفس الرومانية حينئذ عاملان قويان كلاهما فيه شدة وبأس، فشعورهم بالبأساء
[ ١ / ٢١ ]
والالام يجعلهم فى حاجة إلى عزاء من الدين، وسلوى بالجزاء فى يوم اخر غير يوم الشقاء الذين يعيشون فيه، والعامل الثانى الذى أضعف هذه السلوى هو أن الالهة التى تمثلوها فى الأوثان فى زعمهم قد فقدت قوة تأثيرها.
وقد أرادت الفلسفة أن تحل محل الأديان، ولكنها لم يكن لها تأثيرها، فاتصلت بالأديان والتقت بها التقاء تعاون، وليس التقاء تخاصم وتناحر، كما كان الشأن بينهما.
جاء فى كتاب (المباديء الفلسفية) «إن الفلسفة استخدمت نظريات علوم اليونان لتهذيب الاراء الدينية، وترتيبها والتقدم بها إلى الشعور الدينى اللجوج بفكرة فى العالم قد تقنعه. فأوجدت نظما دينية تتفق مع الأديان فى النظر فيما وراء المادة اتفاقا يختلف قلة وكثرة» .
وهنا نجد الفلسفة اليونانية التى تسمى الأفلاطونية الحديثة تحاول الالتقاء بالديانتين اللتين كانتا بارزتين فى ذلك الإبان، وقد تخاذلت وثنية اليونان والرومان عن أن تقف واحدها فى الميدان، فأتى باراء فى خلق العالم تقرر أن منشيء الكون الجدير بالعبادة فى نظرها يشتمل على ثلاثة أمور:
أولها- أن الكون صدر عن منشيء أزلى دائم لا تدركه الأبصار ولا تحده الأفكار ولا تصل إلى معرفة كنهه الأفهام.
ثانيها- أن جميع الأرواح شعب لروح واحدة، وتتصل بالمنشيء الأول بواسطة العقل الذى صدر عن المنشيء صدور المعلول عن علته، فهما متلاقيان فى القدم. ويصبح التعبير عن المنشيء الأول بالاب وعن العقل بالابن، وإن كان أحدهما ليس متخلفا عن الاخر فى الزمان.
ثالثها- أن العالم فى تدبيره وتكوينه خاضع لهذه الثلاثة.
التثليث فى الفلسفة:
١٨- وخلاصة القول أن المنشيء الأول هو مصدر كل شيء، وإليه معاده لا يتصف بوصف من أوصاف الحوادث، فليس بجوهر، ولا بعرض، فليس بفكر كفكرنا، ولا إرادة كإرادتنا، ولا وصف له إلا أنه واجب الوجود، يتصف بكل ما يليق به، يفيض على كل الأشياء بنعمة الوجود، ولا يحتاج هو إلى موجد له.
وأول شيء صدر عن هذا المنشيء فى نظر صاحب تلك المدرسة- وهو أفلوطين- هو العقل، صدر عنه كأنه متولد منه، ولهذا العقل قوة الإنتاج، ولكن ليس كمن تولد عنه.
[ ١ / ٢٢ ]
ومن العقل انبثقت الروح التى هى واحدة الأرواح، وعن هذا الثالوث يصدر كل شيء، ومنه يكون التدبير والخلق.
ويلاحظ أمران:
أولهما- أنه التقت الأفلاطونية الحديثة مع الدين
، وصارا يضربان على نغمة واحدة هى نغمة ذلك التثليث، وهو ما اشتملت عليه النصرانية التى حالت إليها المسيحية التى تزعمها من تركوا ما دعا إليه المسيح ﵇.
وبها تلتقى الفلسفة مع ذلك الدين، وتلتقى الوثنية التى تتعدد فيها الالهة وتكوّن منهما تلفيق متناسق أو غير متناسق، من غير نظر إلى كون هذا الامتزاج مزيجا قد اختفت فيه ظواهر العناصر الممتزجة فى مزاج واحد، أم لم تختف.
الأمر الثانى- أن شيخ هذه المدرسة هو أمنيوس المتوفى سنة ٢٤٢ ميلادية
، اعتنق الديانة المسيحية الأولى التى جاء بها أتباع المسيح ﵇ فيما نظن، ثم ارتد عنها إلى وثنية اليونان الأقدمين.
وجاء من بعده أفلوطين المتوفى سنة ٢٧٠ م. وقد تعلم فى مدرسة الإسكندرية أولا، ثم رحل إلى فارس والهند، وهناك استقى ينابيع الصوفية الهندية واطلع على اراء بوذا ومذهبه، وبراهمة الهند وديانتهم، وعرف اراء البوذيين فى بوذا، وقد رفعوه إلى مرتبة الإله، والبراهمة فى كرشنة، وقد رفعوه أيضا إلى مرتبة الإله، وقد عاد من بعد هذه الرحلة التى تزود منها بالزاد البرهمى والبوذى إلى الإسكندرية التى كانت مهد مدرسته المثلاثة على النحو الذى بيناه.
١٩- فى هذه الموجة الفكرية كان يعيش العالم فى القرن الثالث من مولد المسيح ﵇، وقد استمر ذلك الاضطراب الفكرى أمدا بعده، حتى جاء القرن السادس، وقد زادت المنازع وتخالفت المناهج، وانحل الفكر انحلالا شديدا فيما يتعلق بالاعتقاد.
وانشقت النصرانية التى انحرفت عن تعاليم المسيح عيسى بن مريم على نفسها، فكان منها الملكانية وكان منها اليعقوبية، واشتد الخلاف بينهما، حتى انتقل الخلاف إلى عداوة فكرية ثم إلى عداوة تشبه العداوة الجنسية، وأغرى الله تعالى بينهم بالعداوة والبغضاء، وتفرقت النفوس والأفكار، وضعف الاعتقاد، وانحل الإيمان، فإنه كلما انتقلت العقائد إلى أن تكون موضع مجادلات تضعف، ويعرض لها الشك، وينتهى اليقين، وكذلك كان الأمر فى الأرض التى كانت تعتنق النصرانية فى القرن السادس، فى البلاد التى كانت تجاور الجزيرة العربية وفى الجزيرة نفسها.
[ ١ / ٢٣ ]
٢٠- فالمسيحية إبان القرن السادس الميلادى قد ضعف الإيمان بها، لكثرة الجدل فيها، ولم تكن قد استقرت الأفكار حولها، واقتصرت على اتجاه معين من اتجاهاتها.
فابتدأت أولا باضطهاد الوثنية لها، وتجسس اليهود على النصاري، واختفى المسيحيون فى أكنان من أرض الروم وفلسطين مستسرين بعقائدهم. وكلما ظهر فريق منهم قوبل بالاضطهاد، والأذى المرير، وتبارى فى ذلك ملوك الرومان، وقد جعلوا عمل أمرائهم الذين يرسلونهم هو ذلك الأذى ليئدوا ذلك الدين الجديد فى مهده، ويقبروه فى حجر ولادته.
وقد تكاثرت المصادر الدالة على ذلك الاضطهاد، وقد جاء فى كتاب (تاريخ الحضارة) ما نصه «قد كتب بلين وكان واليا فى اسيا إلى الإمبراطور تراجان كتابا يدل على الطريقة التى كان يعامل بها المسيحيين قال: «جريت مع من اتهموا بأنهم نصارى على الطريقة الاتية، وهو أنى أسألهم إذا كانوا مسيحيين، فإذا أقروا أعيد عليهم السؤال ثانية وثالثة مهددا بالقتل، فإن أصروا أنفذ فيهم عقوبة الإعدام مقتنعا بأن غلطهم الشنيع، وعنادهم الشديد يستحقون بهما هذه العقوبة، وقد وجهت التهم إلى الكثيرين بكتب لم تذيل بأسماء من كتبوها، فأنكر المتهمون أنهم نصاري، وكرروا الصلاة على الأديان الذين ذكرت أسماءهم أمامهم، وقدموا الخمور والبخور لتمثال أتيت به عمدا مع تماثيل الأديان، بل إنهم شتموا المسيح، ويقال إنه من الصعب إكراه النصرانى الحقيقى على شتم المسيح، ومنهم من اعترفوا بأنهم نصاري، وكانوا يقرون بأنهم يجتمعون فى بعض الأيام قبل طلوع الشمس على العبادة، وعلى إنشاد الأناشيد إكراما للمسيح، وتعاهدوا بينهم لا على ارتكاب جرم بل على ألا يسرقوا ولا يقتلوا ولا يزنوا وأن يوفوا بعهداهم، ورأيت من الضرورى أن أعذب امرأتين ذكرتا أنهما خادمتا الكنيسة، بيد أنى لم أقف على شيء سوى خرافة سخيفة» .
وقد كثر الاضطهاد، وكان نيرون يجعل من النصارى مشاعل تسير فى موكبه، إذ يطليهم بالقار، ويشعل فيهم النار. وتسير تلك الشعلة فى احتفاله بنفسه.
وأوقع دقلديانوس بنصارى مصر أشد الاضطهاد، وأنزل بهم العذاب، وقتل فى مصر المسيحية التقتيل الذربع الماحق، حتى أنه اعتبر تاريخ ذلك العذاب هو ابتداء التاريخ القبطى.
٢١- وبعد زوال الاضطهاد ظهرت الخلافات على أشدها، فكانت بقايا الواحدانية تظهر على لسان أريوس، ومعه أكثر كنائس الشرق، وأكثر الكنائس فى فلسطين، وكثير من كنائس مصر.
ولما أراد قسطنطين أن يدخل فى النصرانية جمع مجمع نيقية سنة ٣٢٥ م وأعلن ثمانية عشر وثلاثمائة من المجتمعين ألوهية المسيح، فأخذ بقولهم مع أن المجتمعين ابتداء فى المجمع كانوا يبلغون ٢٠٤٨ أو يزيدون، ولكن أراد أن تتغير المسيحية إلى ما يقرب من الفلسفة والوثنية على أن يبقى اسم المسيحية وإن خلت من لبها، وهى الواحدانية التى تحارب الوثنية.
[ ١ / ٢٤ ]
ثم توالت بعد ذلك المجمع الذى مال بالمسيحية عن معناها مجامع أخري، وأول مجمع عام انعقد بعد ذلك كان المجمع القسطنطينى الأول سنة ٣٨١ ميلادية وفيه أضيفت إلى مناصب الألوهية روح القدس لتتم عناصر الأفلاطونية الحديثة التى أشرنا إليها انفا.
ولكن يظهر أن ألوهية المسيح التى قررها مجمع نيقية لم تكن قد استقرت فى الأذهان، فقد جاء من بعد ذلك نسطورس، واعتقد أن المسيح ابنا للإله بالحقيقة، إنما البنوة مجازية، إذ هو ابن بالنعمة والمحبة، لا بالألوهية، فاجتمع مجمع أفسس الأول سنة ٤٣١، ليبطل قوله، ويكفروه كشأنهم فى كل من يجهر برأى.
توالت من بعد ذلك الخلافات المفرقة، فمنهم من قرر أن مريم ولدت المسيح الإنسان ثم فاضت عليه البنوة الإلهية التى هى اللاهوت، فيقولون أن فى المسيح صفتين هما اللاهوت والناسوت، أو الإنسان والإله، والابن هو مجموع الاثنين، وهو الأقنوم.
والاخرون يقولون إنه طبيعة واحدة تجسد فيها العنصر اللاهوتي، ومريم ولدت الناسوت واللاهوت معا، فقد ولدت الإنسان والإله.
وقد اعتنقت الكنيسة المصرية واحدة الطبيعتين وولادة مريم لهما معا.
وكان الخلاف الشديد بينهما، وكان النزاع وكان الجدل، وكل جدل يحل الاعتقاد، ويضعف قوته، ويخضد شوكته، ولا يجعل له قوة دافعة مانعة.
وقد اشتد ذلك كله فى القرن الخامس والسادس.
وبذلك نقول مقررين أمرين:
أولهما
- أن القرن السادس كانت العقائد فيه غير قارة فى النفوس، والاراء تخلق وتعتنق ثم يتعصب لها، وليس التعصب دليلا على قوة الاعتقاد، بل التعصب دليل على الانحراف النفسي، والنظر الجانبي، وكذلك كان تعصب الملكانيين ضد اليعقوبيين، إذ كان فى جملته إدراكا جانبيا منحرفا.
العصبية هى المسيطرة فيه، وليست قوة اليقين هى المسيطرة.
ثانيهما
- أن النفوس فى القرن السادس كانت مهيأة للعقيدة الصحيحة تعتنقها إذا ظهرت بيناتها، وقام الاستدلال المنطقى عليها، وخصوصا أن الأفكار المرددة كانت أوهاما، أو أقوالا غير متميزة تميزا عقليا، ولم تكن قد استقرت استقرارا يجعل التعصب لها يشبه الطائفية، كما حدث من بعد بين النصاري، وبين اليهود.
[ ١ / ٢٥ ]
وهكذا نرى المسيحية التى خلفت المسيحية الحقيقية التى جاء بها المسيح رسول الله ﷺ، جاءت إلى النفوس قلقة غير مستقرة، بل إنها مضطربة غير ثابتة.
فإذا كانت أوثان الرومان قد فقدت قوة تأثيرها، وحل فى ربوع الوثنية ديانة تأخذ من اليهودية طرفا بأخذها بأحكام التوراة إلا ما خالف الأناجيل، وتأخذ من الوثنية بأطراف، ولا تكاد تأخذ من الدين الحقيقى شيئا- فإن ذلك المزيج الجديد لم يستقر، بل جاء مضطربا واهنا حتى نهاية القرن السادس الهجري، فكانت النفوس مهيأة لدين جديد هو الدين الحق.
العرب
٢٢- طفنا بتفكيرنا حول العالم من غربه القريب والبعيد، إلى شرقه الأدنى والأوسط والأقصي، ولم نعرج على البلاد العربية، ونحسب أنها القلب، وأنها ذؤابة الفكر الأدبي، فإليها تأرز الحقائق الدينية قديما وحديثا، ومنها خرجت أصوات الأنبياء، خرجت ابتداء من أطرافها، ثم ختمت الرسالة الإلهية فى قلبها، ولقد هاجر إبراهيم أبو الأنبياء إلى بلاد العرب وولد فيها ولده إسماعيل الذى كان أول البشرى وحمد الله على ولادته ومن بعده إسحاق، والأول من جاريته هاجر. والثانى من زوجته سارة، وقال من بعدهما الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ.
وقد كان من ولده اسماعيل قريش الذين كانوا ذؤابة العرب، ولهم مكانة الزعامة فيهم، كما سنبين عند الكلام عن الكعبة المكرمة، فإليهم يأرزون، وإلى تلك البنية يحجون.
وكانت قريش ومن يتبعونها على الدين الذى جاء به أبو الأنبياء إبراهيم ﵊، فكانوا فى أصلهم مواحدين لا يعبدون غير الله تعالي، فلا يعبدون صنما، ولا حجرا، ولا حيوانا، وليس فيهم ألوهية لمخلوق إلا ما كان ممن وفدوا إليهم من النصارى كنصارى نجران ونصارى تغلب وغيرهم.. وقد كان يقوى توحيدهم صلتهم بإبراهيم ﵇، وشرفهم فى الانتساب إليه عن طريق ولده إسماعيل ﵇، ولكن طرأ عليهم ما حالت به أحوالهم، وتغيرت بسببه عقائدهم، وذلك لتقادم الزمن بينهم وبين إسماعيل ﵇ حتى نسوا ما عرفوا.
دخول الوثنية أرض العرب:
٢٣- تواردت عبادة الأوثان على النفس العربية، والتفكير العربى من نواح ثلاث:
أولاها- أن بقايا من الديانات القديمة كانت فيها وثنية، وإن لم تكن سائدة فى البلاد، فقوم نوح كان فيهم وثنية، وقيل إنه كان عربيا، أو خاطب العرب، وقد قص الله خبر أوثانهم فقال تعالى:
[ ١ / ٢٦ ]
وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا، وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا «١» .
ولا شك أن هذه الأثارة من بقايا الوثنية تبقي، وإن لم تكن سائدة مسيطرة، وإنك لترى أن بعض المتدينين بديانات سماوية يبقى فى نفوسهم بعد اعتناقها بقايا أشربت بها نفوسهم، وتجرى اثارها فى بعض ارائهم، وإذا لم تصل إلى أن تكون رأيا يقنع، فإنها قد تكون تقليدا يتبع.
الثانية من جيرانهم الرومان. فإن الوثنية الرومانية كانت على مقربة من العرب من قبل المسيح ومن بعده، فعدوى العقائد تسرى كعدوى الأمراض، ومن الاختلاط الذى كان بين بعض العرب والرومان فى الاتجار كانت العقائد الدينية تجيء إليهم، وخصوصا أن دولة الرومان كانت أقوى سلطانا من الجماعات العربية، وأن بعض القبائل العربية كانت تخضع لسلطان الروم، كالغساسنة، فإنهم كانوا تحت سلطان الرومان، وكانت لهم تبعية للرومان، ووراء هذه التبعية الاختلاط، ووراء الاختلاط العدوى.
والناحية الثالثة ذكرها ابن إسحاق صاحب السيرة فقال:
«يزعمون أن أول ما كانت عبادة الأحجار في بني إسماعيل أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن منهم حين ضاقت والتمسوا الفسيح في البلاد إلا حمل معه حجرا من حجارة الحرم تعظيما للحرم، فحيثما حلوا وضعوه وطافوا به كطوافهم بالكعبة، حتي أدي ذلك إلي أن كانوا يعبدون ما استحسنوه من الحجارة وأعجبهم، حتي خلفت من بعدهم خلوف ونسوا ما كانوا عليه واستبدلوا بدين إبراهيم وإسماعيل غيره، فعبدوا الأوثان، وصاروا أبعد ما كانت عليه الأمم من الضلالات» .
ويذكر الحافظ ابن كثير في تاريخه أن ابن هشام قال: «حدثني أهل العلم أن عمرو بن لحي خرج من مكة إلي الشام، فلما قدم ماب من أرض البلقاء وبها يومئذ العماليق راهم يعبدون الأصنام فقال لهم: ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدون؟ قالوا له: هذه أصنام نعبدها، فتمطرنا، ونستنصر بها فتنصرنا. فقال لهم: ألا تعطونني منها صنما، فأسير به إلي أرض العرب فيعبدونه، فأعطوه صنما يقال له هبل، فقدم به مكة ونصبه وأمر الناس بعبادته» .
وعمرو بن لحي هذا كان سيد خزاعة، وكانت لخزاعة سدانة البيت الحرام، فكان لها بهذا سلطان في التوجيه. يعظمون ما تعظمه.
وإن هذا يدل علي مقدار العدوي التي جاءت من الرومان، فما كان في الشام إنما هو من أثر وثنية الرومان، وإن ذلك يؤكد أن وثنية العرب كان للعدوى أثر فيها وإن كان ثمة أسباب قوتها.
ومهما تكن الأسباب فقد توافرت، حتى دخلت الوثنية الأرض العربية، وبين ذرية إبراهيم حاطم الأوثان الذي جعلها جذاذا.
_________________
(١) سورة نوح: ٢٤.
[ ١ / ٢٧ ]
وقد سيطرت الوثنية على أعمالهم حتى لقد ورد عن أبى رجاء العطاردى أنه قال: «كنا فى الجاهلية إذا لم نجد حجرا جمعنا حثية من التراب فحلبنا عليها ثم طفنا بها» .
لم ينسوا الله فى وثنيتهم:
٢٤- لقد أغرم العرب بعبادة الأوثان إغراما شديدا، حتى صارت جزا من مداركهم وعقولهم، وأصبحوا يستنصرون بالأحجار، ويظنون أنها تجيب سؤلهم، ولكنهم مع ذلك لم ينسوا الله تعالى خالق هذا الوجود ومنشئه، وكانوا كما قال تعالى عنهم: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ «١» .
وهنا تفترق الوثنية الرومانية واليونانية عن وثنية العرب، إذ أن وثنية العرب فيها إيمان بالله، وإن لم يكن واحدانية، بل كانوا يشركون مع الله تعالى غيره، أما الاخرون فقد كانت نظرية الحلول تسرى فيهم، ولا يجيء فى وثنيتهم ذكر الله تعالى قط.
والسبب الجوهرى فى هذه التفرقة أن الأصل عندهم هو التوحيد، كما تلقوه عن إسماعيل وإبراهيم ﵉، فكان بقية مما وصى به إبراهيم بنيه ويعقوب، كما قال تعالى فى كتابه الكريم وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ، فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ «٢» .
الأمر الثانى- هو احترام الكعبة والبيت الحرام، وهو ما ورثوه عن إبراهيم ﵇، فقد كانوا مع وثنيتهم فيهم بقايا من عهد إبراهيم من تعظيم البيت والطواف والحج والعمرة والوقوف على عرفات والمزدلفة وهدى البدن، والإهلال بالحج والعمرة مع إدخالهم فيه ما ليس منه، ويقول ابن إسحاق فى سيرته: كانت كنانة قريش إذا أهلوا قالوا: لبيك اللهم لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك. فيواحدونه بالتلبية، ثم يدخلون معه أصنامهم، ويجعلون ملكها بيده، ويقول تعالى لمحمد وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ. «٣»
ومن أجل أن العرب كانوا يحاولون الجمع بين إيمانهم بالله تعالى وإيمانهم بالأوثان نقول أن إيمانهم بالأوثان لم يكن قويا مستغرقا كما ال إليه أمرها عند الرومان، وخصوصا قبل البعث المحمدي، كما أن إيمانهم بالله تعالى لم يكن صحيحا، لأن الإيمان بالله لا يتحقق إلا إذا كان المؤمن يؤمن بواحدانيته لا يشرك به أحدا فى ذاته ولا فى الخلق والتكوين، ولا فى العبادة، فلا عبادة إلا لله تعالى واحده.
_________________
(١) سورة لقمان: ٢٥.
(٢) سورة البقرة: ١٣٢.
(٣) سورة يوسف: ١٠٦.
[ ١ / ٢٨ ]
ولكن الذى يدل عليه الجمع بين الإيمان بالله تعالي، والإيمان بالأوثان هو أن اعتقادهم فى الأوثان لم يكن قويا مكينا، بل هو اضطراب فى الاعتقاد، ولا استقرار فيه، بحيث تستقر النفس وتطمئن، وكيف يستقر عقل، يجمع قبضة من التراب أو يقتطع قطعة من الحجر يجعله معبوده، ويعبده أطراف النهار وزلفا من الليل، وهو مع ذلك يجزم بأنه ليس بخالق، ولكنه مخلوق.
وإذا كانت الوثنية قد ضعفت فى اخر أمرها قوة الأوثان، فإن أوثان العرب خلقت فكرتها ضعيفة يوجد ما ينازعها، أو يجعلها قلقة غير مستقرة إذ هى فى نفسها تحمل عوامل ضعفها وردها، ولكنه التقليد الأعمي، الذى سد مسالك الإدراك على العقل.
القلوب فارغة من إيمان:
٢٥- إن الذى ذكرناه أن القلوب والعقول كانت فارغة تحتاج إلى ما يملؤها ويسد فراغها، ولا يتركها شاغرة فى شرق الأرض وغربها، يستوى فى ذلك قاصى الأرض ودانيها، فالشرق الأقصى كما يعبر رجال السياسة لم يكن فيه إيمان بشيء، وقد كانت الأوهام هى التى تسيطر، والأوهام وإن استحكمت فى نفوس من تسيطر عليهم غير صالحة للبقاء، إنما الذى يصلح للبقاء مما يسيطر على النفوس هو ما يكون متفقا مع حكم العقل، والتفكير السليم. والأوهام وإن قويت لا تستطيع مقاومة العقل، ومثل الأوهام كمثل الضباب يبدده ضوء الشمس، فكذلك العقل يبدد ضباب الأوهام، ويشكف عن المدارك غمتها.
والهنود تسيطر عليهم أوهام أشد، وظلم اجتماعى غير صالح للبقاء، والفرس ظهر عندهم مذاهب هدامة تهدم الإنسانية. فتجتثها من جذورها أو تهدم أخلاقها التى يتماسك بها احادها.
والرومان وما كان تحت ظلهم قد فقدوا الإيمان، فاستبدلوا بالوثنية النصرانية التى ابتدعوها، ولكن لم يثبت بها إيمان إلى القرن السادس.
وليس فقد الإيمان كان خاصا بالعقيدة فيما وراء الطبيعة، بل كان مفقودا فى القيم الإنسانية الخلقية كما هو مفقود فى العبادة والألوهية، فلم يكن ثمة خلق إنسانى سليم، بل كان كل شعب ينظر إلى الاخر نظرة العداء، وأصبح التفكير الخلقى مقصورا على معاملة أبناء الوطن الواحد، لا أبناء الإنسانية عامة. وعم ذلك ولم يخص، حتى كان الفلاسفة لا يؤمنون بحق الشعوب، فأفلاطون قد كان يعتبر ما عدا اليونان من الناس برابرة، وكل من يبعد عن وطنه فرسخا أو دونه يسترقه من يلقفه من غيره، وقد وقع الرق على أفلاطون نفسه، حتى افتدى، وهكذا قد فقد الإيمان بالقيم الإنسانية كما فقد الإيمان بالألوهية.
[ ١ / ٢٩ ]
فكانت أماكن الإيمان شاغرة من القلوب، فلابد أن يكون من يملؤها، لابد من محمد رسول الله رب العالمين، ولابد أن يقوم فى وسط الأرض يدعو أهل الأرض فى الأرض النبوة الأولي.
أرض النبوة الأولى
٢٦- قرأت لبعض كتاب الفرنجة كلاما يتحدث فيه عن أورشليم وبيت المقدس، يقول فيه إن أورشليم وما حولها البقعة المباركة كانت مدرسة الأنبياء، ففى وسطها تربى الأنبياء، وعلت أصواتهم بالرسالة، وأنه لا مدرسة للنبوة غير هذه المدرسة، ففيها ظهر داود وسليمان وعيسي، وهى التى أرادها موسي، ودعا بنى إسرائيل لأن يدخلوها، فقالوا إِنَّ فِيها قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها «١» .
وذلك القول فيه حق، وفيه باطل، أما الحق فهو ما ينبيء عنه من مكانة أورشليم التى بها المسجد الأقصى مسرى النبي، وثالث المساجد التى تشد إليها الرحال، والتى كان منها المعراج، والقبلة الأولى للإسلام، وهى بهذا وبغيره سميت فى القران الكريم والمصادر الدينية السماوية الأرض المقدسة.
أما الباطل فى كلام ذلك الكاتب فهو:
أولا- فى قصره النبوة على أورشليم وما حولها، فإن القصر ليس بسليم، فإنه ما من أمة إلا خلا فيها نذير، وبعد أن قص الله تعالى قصص عدد من الأنبياء قال تعالى فى كتابه الكريم: مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ «٢» وإننا لا نذهب بعيدا عن أورشليم فإنه بجوارها الجزيرة العربية وأطرافها كان فيها الأنبياء أصحاب الرسالات التى جاءت بها كتب سماوية وذكرتها التوراة والقران، مما سنذكره فى هذا الموضوع قريبا إن شاء الله تعالي.
ثانيا- لأنه فهم أن للنبوة مدرسة يتربى فيها الأنبياء، وذلك باطل لأن النبوة رسالة من الله تعالى لخلقه، لا تكون بمدرسة يتخرج فيها الأنبياء، ولكن تكون بوحى من الله تعالي، وتكليف منه سبحانه وتعالي، سواء أكان ذلك الوحى بخطاب أوحى به إليه، أو بكلام الله تعالى من وراء حجاب، كما كان الشأن بالنسبة لموسى ﵇، أو برسول من الملائكة ينقل عن الله تعالى لمن اصطفاه من خلقه نبيا أو رسولا، فاعتبار أورشليم مدرسة للنبوة كلام ليس دينيا وليس علميا، ولا يتفق مع تاريخ الأنبياء المرسلين عليهم الصلاة والسلام.
٢٧- وإذا سأل سائل: لماذا بعث محمد ﷺ فى الجزيرة العربية وفى الحجاز منها، ولم يبعث فى أورشليم كما بعث داود وسليمان وعيسى عليهم الصلاة والسلام؟
_________________
(١) سورة المائدة: ٢٢.
(٢) سورة غافر: ٧٨.
[ ١ / ٣٠ ]
نقول فى الجواب عن ذلك: إن أكثر الأنبياء وخصوصا أصحاب الرسالات كموسى وإبراهيم ونوح وإسماعيل وإسحاق لم ينشئوا بأورشليم كما توهم ذلك الكاتب الفرنجى الذى لم يعرف معنى الرسالة والرسل، ولم تكن الجزيرة العربية خالية، بل هى كانت مبتعث الأنبياء أصحاب الرسالات من القديم، والذين كانوا فى أورشليم إن استثنينا عيسى ﵇ وداود وسليمان لم يكونوا أصحاب كتب يعمل بها أقوامهم وإنما كان يعمل أكثرهم بكتب نزلت على غيرهم، وأكثرهم كان يعمل على إقامة توراة موسي.
أما الرسل الذين جاؤا فى الجزيرة العربية فقد كانوا أصحاب رسالات، ينفذونها بأنفسهم، ولم يكن عملهم مقصورا على بيان الرسالات لمن سبقوهم، ولقد بين الله واحدة الرسالة الإلهية التى اختلفت كتبها، ولم يختلف معناها، فذكرها فى قوله تعالى شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحًا، وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ، وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ، كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ، اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ «١» .
وأولئك هم أولو العزم من الرسل، ولم ينشأ فى أورشليم منهم إلا عيسى ﵇، والاخرون كانوا تابعين من البلاد العربية، أو مما حولها من أرض كنعان، أو من أطراف الجزيرة كأرض سيناء.
فالبلاد العربية هى موطن الرسالات الأولي، بها ابتدأت الرسائل الإلهية، وبها ختمت، فلم يكن غريبا أن يبعث محمد ﷺ فى تلك البلاد، وينبثق نوره فى الافاق من أهل المدر، وأهل الوبر فيها.
هذا إجمال نعرج إليه ببعض التفصيل:
إدريس عربى:
٢٨- إن الحقيقة أن البلاد العربية كانت مهد النبوة، فإدريس ﵇ الذى رفعه الله تعالى مكانا عليا، والذى تقول الأخبار، أنه كان فى البطن الثالث لادم أبى الخليقة، قالوا أنه كان عربيا وفى أرض العرب، وليس لدينا دليل يجعلنا نؤمن بأنه البطن الثالث لادم، ولذلك نطرح القول فى ذلك غير مكاذبين ولا مصادقين، ولا نحسب أنه من أساطير الأولين.
وإنما الذى نتمسك به هو أنه صديق من الأنبياء الذين وصفهم الله تعالى بذلك الوصف الكريم.
فقد قال تعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا. وَرَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا «٢»، فهو صديق، وهو رفيع المكانة عند الله تعالي، لأنه سبحانه رفعه مكانا عليا.
ويغلب على الظن أنه لم تكن نشأته بأورشليم، لأن أورشليم أنشأها يعقوب بن إسحاق عليهما الصلاة وأتم التسليم.
_________________
(١) سورة الشورى: ١٣.
(٢) سورة مريم: ٥٦.
[ ١ / ٣١ ]
وقد جاء فى كتاب قصص الأنبياء لأبى الفداء أن إدريس فى سلسلة نسب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فقد جاء فيه ما نصه:
«إدريس ﵇ قد أثنى الله تعالى عليه بالنبوة والصديقية وهو فى عمود نسب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم» .
ومادام فى عمود نسب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يعد عربيا، ولا يعد من أورشليم، ولا شك أن الحكم فى هذه المسألة الموغلة فى التاريخ لا يعد حكما قاطعا، ولكنه حكم راجح، وأكثر مسائل التاريخ الحكم فيها ظنى لا قطعى.
نوح عربى:
٢٩- تضاربت الروايات عن منشأ نوح ﵇ أكان ببابل أم كان بالجزيرة العربية، ولكن الثابت أنه من البلاد العربية، وذكروا أن سفينته مرت فى مقابل الكعبة أربعين مرة، ولقد أكد ابن كثير أنه دفن فى البلاد العربية، فقد قال ابن كثير فى قبره: وأما قبره ﵇، فروى ابن جرير والأزرق عن عبد الرحمن بن ساباط مرسلا أن قبر نوح بالمسجد الحرام أى بالموضع الذى بنى فيه المسجد الحرام.
ويقول ابن كثير: «وهذا أقوى وأثبت من الذى يذكره كثير من المؤرخين من أنه ببلدة بالبقاع تعرف اليوم (أى فى القرن الثامن الهجري) بكرك نوح، وهناك جامع قد بنى بسبب ذلك» .
والحق أنا نميل إلى أنه طوف بالافاق. فإذا كان منشؤه ببابل، فهو قد اوى إلى بلاد العرب حصن الديانات الأولي، ومنابع النبوة.
هود نبى الله كان عربيا:
٣٠- هود أقدم من إبراهيم ﵇، كان من قوم عاد، وكانوا عربا يسكنون بالأحقاف، وكثيرا ما كانوا يسكنون الخيام ذوات الأعمدة الضخام.
ويذكر ابن كثير أنه يقال إن هودا أول من تكلم بالعربية، ويقول ابن كثير.. «وزعم وهب بن منبه أن أباه (أى أبا هود) أول من تكلم بها، وقال غيره: أول من تكلم بها نوح ﵇، ويقال للعرب الذين كانوا قبل إسماعيل العرب العاربة، وهم قبائل كثيرة منهم عاد، وثمود وجرهم، وغيرهم، وأما ولد إسماعيل، فيسمون العرب المستعربة.
[ ١ / ٣٢ ]
وقد قالوا إن هودا كان أول نبى بعد نوح ﵇، وربما يوميء إلى ذلك ما حكاه الله تعالى فى خطابه لقومه: وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً، فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. قالُوا أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ، وَنَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ «١» .
ونرى من هذا النص أنه يوميء إلى أن هودا جاء من بعد نوح، وأن قومه كانوا خلفاء من بعد نوح ثم يؤتى بالإشارة من جهة أخرى أن قوم نوح كانوا فى أرض العرب، كما كان خلفاؤهم، والله أعلم.
وإن عادا كانوا من أقوى قبائل العرب منعة، وأقواها شكيمة، ولكن كانوا أشدها غرورا، كما قال الله تعالى عنهم: فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً، أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً، وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ. فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ «٢» .
وهكذا نرى هودا ﵇ يجادل قومه بالحسنى أو التى هى أحسن، وهم يجادلونه بالعنف أو الطغيان حتى أهلكهم الله تعالى بريح صرصر عاتية.
صالح عربى:
٣١- صالح ﵇ هو نبى ثمود، وكانوا عربا من العاربة يسكنون الحجر الذى بين الحجاز وتبوك، وقد مر بديارهم رسول الله محمد صلى الله تعالى عليه وسلم وهو ذاهب إلى تبوك فى الغزوة التى قد غزاها.
كان يدعوهم إلى التوحيد، وكانت بينته ناقة لا يمسوها بسوء، وإلا كانوا خاسرين كما قال تعالى حكاية عن سيدنا صالح وقومه: وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحًا، قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ، قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ، هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً، فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ «٣»
ولقد كان قوم صالح من بعد عاد قوم هود. إذ كانوا خلفاءهم، وكانوا أقوى وأكثر عددا كما قال تعالى: وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ، وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُورًا، وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتًا، فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ «٤» .
_________________
(١) سورة الأعراف: ٧٠.
(٢) سورة فصلت: ١٦.
(٣) سورة الأعراف: ٧٣.
(٤) سورة الأعراف: ٧٤.
[ ١ / ٣٣ ]
ولكن ثمود بعدت عن أمر ربها، واعتدوا على صالح، فنزل عليهم عذاب واصب وأبادهم.
ويروى أن المسلمين رأوا البئر التى كانت تشرب منها الناقة، وذلك فى غزوة تبوك، فقد روى عن ابن عمر قال: لما نزل رسول الله ﷺ بالناس على تبوك نزل بهم الحجر عند بيوت ثمود، فاستقى الناس من الابار التى كانت تشرب منها ثمود، فعجنوا منها وملأوا القدور، ثم ارتحل بهم حتى نزل بهم على البئر التى كانت تشرب منها الناقة.
إبراهيم أبو العرب المستعربة وإسماعيل:
٣٢- لقد ولد إبراهيم فى أرض الكلدانيين يعنون أرض بابل. وقيل إن إبراهيم ولد بغوطة دمشق فى قرية يقال لها برزة فى جبل يقال له جبل قايسون، ولكن ابن عساكر راوى الخبر يقول «والصحيح أنه ولد ببابل» .
ولكن إبراهيم لم يستقر فى بابل، بل كان ينتقل فى الأقاليم، فارتحل إلى كنعان حيث أرض فلسطين، ثم ارتحل إلى حران، والجزيرة، والشام.
وكانت عبادة الكواكب سائدة فى البلاد التى نزل بها. وكان هو يدعو إلى عبادة الله تعالى الواحد القهار، ولقد حطم الأوثان وجعلها جذاذا، وقد حاول المشركون أن يحرقوه بالنار لما فعل بالهتهم، فألقوه فى النار، وهو لا يعتمد إلا على الله تعالي، وقال حسبنا الله ونعم الوكيل، فاستجاب الله لدعائه، وجعل النار بردا وسلاما عليه، فقال سبحانه: قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلى إِبْراهِيمَ. وَأَرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ «١» . أرادوا أن يغلبوا فغلبوا، فهم أرادوا الأذى لإبراهيم، وأراد الله الخير له، فكان كيدهم شرا، وأراد إحباط ما صنعوا وكانوا الأخسرين، لأنه لم يتم لهم مأرب، وحقق لإبراهيم الغاية.
ولم يجد إبراهيم مهاجرا إلا فى بلاد العرب، هاجر إليها بعد أن طوف ما طوف، إذ أن أم ولده إسماعيل هاجرت بولدها إلى مكة فرارا به، وطمأنينة عليه، وكان معها إبراهيم، أو هو الذى أخذها إليه.
هربت بابنها إسماعيل إلى موضع مكة. ومعها أبوه خليل الله.
وقد أصابها العطش، فأخذت تسعى إلى الماء بين الصفا والمروة حتى رأت عينا ثرة، فملأت سقاءها وشربت هى وولدها.
ولقد شب إسماعيل عن الطوق، وتعلم العربية، ورزقه الله هو وأمه رزقا حسنا، كان يأتيهما من غير حساب، وكان الخليل يزورهم الوقت بعد الاخر.
_________________
(١) سورة الأنبياء: ٦٩.
[ ١ / ٣٤ ]