مهما يصادف فى ذلك من عقبات، وما يحتاج إليه العمل من خير له وللناس.
فكان قوى الإرادة ماضى العزيمة، متحملا أثر ما يقول.
ذكر علماء السيرة أنه ما كان له عند حفر زمزم إلا ولد واحد، وهو الحارث بن عبد المطلب، وكان العرب يعتزون بكثرة المال، وكثرة البنين، فكان يجرى على ألسنتهم فى مقام الفخر أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا «١» وإذا كان عبد المطلب قد قنع بما أعطاه الله تعالى من مال، وإن لم يكن كثيرا كغيره من أثرياء قريش وثقيف، فقد قنع به، لأنه كان يكفى لحفظ مروءته، وما كان حريصا على أن يجمع، بل كان حريصا على ألا يمنع، وحسبه ذلك شرفا.
ولقد كان له شوق إلى البنين ليكون أعز نفرا، والمال والبنون زينة الحياة الدنيا.
ولقد نذر نذرا فيه بقية من بقايا الجاهلية، وهو أنه إذا عاش له عشرة من البنين، لقدم أحدهم فداء عند الكعبة، وكأنه يريد أن تكون فيه قوة التقرب إلى الكعبة، كما تقرب جده إبراهيم بولده البكر إلى الله تعالي، ولكنه فعله نذرا من نفسه، ولم يفعله بأمر ربه، ولذلك كان استعداد إبراهيم قوة عبادة، ونذر عبد المطلب لا يخلوا من جاهلية، وهذا فرق ما بين أبى الأنبياء وخليل الله تعالي، وصفيه، ومن عاش فى جاهلية الوثنية، غير مستنكر لها، والله هو الذى يهب من يشاء الذكور، ويهب من يشاء الإناث، ويهب من يشاء الذكور والإناث.
اتجه الرجل القوى فى نفسه وعزمته إلى الوفاء بنذره، وقد بلغ عدد أولاده عشرة رجال، ولكن من يختاره لهذا الفداء، فأراد القرعة، فجمعهم، ودخل بهم فى جوف الكعبة، وأمرهم أن يأخذ كل واحد منهم ورقة، ويكتب فيها اسمه، وقد أخبرهم من قبل بنذره، فارتضوا طائعين غير منافرين، وبعد أن كتبوا أسماءهم وضع اسم كل واحد فى قدح، وأمر خبيرا فى القداح أن يسهم بينهم، فساهم، فكان القدح على عبد الله ابنه وأبى محمد ﷺ.
_________________
(١) سورة الكهف: ٣٤.
[ ١ / ٨٥ ]
ومع أن عبد الله كان أحب بنيه إليه، أخذ الشفرة يحدها ليذبح أحب ولده إليه، ولكن ترامى الخبر فى أندية قريش من أن عبد المطلب يحمل شفرته ليذبح ابنه، فجاؤا سراعا إليه، ورأوه حاملا شفرته ليذبح ولده الحبيب غير وان ولا مقصر، فصاحوا فيه: ماذا تريد يا عبد المطلب، قال: إنى أذبحه، فهال الأمر قريشا، وفزع إخوته، وقد ضعفت عزمتهم وطاعتهم الأولي، ومحبة أخيهما، ولكن لم تضعف عزمة الشيخ الفادى الوفى بنذره وإن كان الفداء أحب إليه منهم جميعا، ولكنها قوة الإرادة والعزيمة، والإيمان بما يعتقد، وإن كان باطلا.
أقسم الأبناء وقريش على ألا يذبحه، وبنوا ذلك على أنه ستكون مغبته سوا على قريش خاصة، وعلى العرب عامة، قالوا له: لا تذبحه أبدا حتى تعذر فيه، لئن فعلت هذا لا يزال الرجل يأتى بابنه ليذبحه، فما بقاء الناس على هذا؟!
وقالت له ابنة أخته: والله لا تذبحه حتى تعذر فيه (أى تبدى العذر عن النذر) فإن كان فداؤه فديناه بأموالنا.
ذهبوا إلى عرافة فى أرض الحجاز، فأشارت عليهم بأن يقدموا الدية وهى عشرة من الإبل ويقرع بينها وبين الذبيح، فإن كانت القرعة عليه زادوا فى الإبل، حتى تكون القرعة عليها.
أصاخوا إلى صوتها، وأجمعوا الأمر، ثم قربوا عشرا من الإبل وعبد الله الذبيح، فقرعوا بينها، فكان السهم على عبد الله، ثم زادوا حتى صارت عشرين، فكان القدح أيضا على عبد الله، فزادوا حتى صارت ثلاثين، ولكن خرج القدح على عبد الله أيضا، واستمرت الزيادة عشرة بعد عشرة حتى وصل العدد مائة من الإبل، ثم ضربوا القداح فخرج القدح على الإبل.
فقالت قريش: قد انتهى الأمر، ورضى ربك بالفداء يا عبد المطلب.
ولكن عبد المطلب يريد أن يستوثق من الرضا بالفداء، فزعم الرواة أنه ضرب مرة ثانية وثالثة، والقدح يخرج على الإبل، فنحرت الإبل، وتركت للناس لا يصد ولا يمنع إنسان.
٦٧- وإن دل هذا على صفة من صفات عبد المطلب، فهى تدل على صفة الرجل المريد لما يفعل، القوى فى عزمه، الصادق فى نفسه واختياره، وهو يدل على قوته فى البلاء، وتحمل الصبر على ما يكره، وإن تقاضاه الصبر ذبح أحب أولاده إليه، فاختبر، وابتلى فأحسن البلاء.
والرجل القوى ليس هو الذى يخضع إرادته لهواه، أو عزمته لشفقته، إنما القوى حقا وصدقا هو الذى يجعل الإيمان والإرادة يغلب الهوى والمحبة، وقد كان عبد المطلب القوي، ولا يمنع ذلك أن يكون
[ ١ / ٨٦ ]
شفيقا محبا، فإذا امن بفكرة نفذها بقلب قوى صابر، وبنفس مطمئنة راضية، ولو كان مصدر إيمانه باطلا.
وكان قوى الجنان ثابت الجأش لا يضطرب، ولا يهن ولا يضعف عند المفاجأة، ولا تذهب نفسه شعاعا، عندما يكون الأمر المخوف.
جاءت الحبشة بملكها، وأفيالها، وأقبل على مكة جيش لجب قوى مستند بأقوى العدد، وبأكثر العدد، فانخلعت القلوب واضطربت إلا قلب عبد المطلب كبير قريش، وسيد البطحاء، وكان يحسن القول، ويرهب بقوله فى هدأة من غير هوادة فى الحق.
جاء الجيش الحبشي، واستاق إبلا لأهل مكة، ومن بينها إبل لعبد المطلب، فذهب إلى لقاء أبرهة ملك الحبش وقائد جيشهم، ومعه الرهبة والطغيان، فما اضطرب قلب كبير البطحاء، بل ذهب إليه، وكانت فيه هيبة، وله سمت كريم يهابه من يلقاه، ويطمئن إلى سماحته، فعند اللقاء وقع فى قلب أبرهة هيبته فسأل عما جاء إليه، فسأله أن يرد الإبل، فقال إنه حسبه جاء يسأل عن الكعبة، وقال مستنكرا «أراك تسأل عن إبلك ولا تسأل عن الكعبة» فأجابه فى قوة أوقع الرعب فى قلبه بإجابته «أما الإبل فأنا ربها، وأما البيت فله رب يحميه» والجواب فيه إرهاب وتخويف، إذ أنه يقول له: لا تظن أنك منتصر، أو غالب، أو مقتلع البيت الذى جئت لهدمه، فإن ذلك فوق قدرتك، بل فوق طاقتك، لأنه بيت الله والله يحمى بيته، ولن تنتصر، فالله خاذلك. جواب مرهب مفزع، ولكن فى هدوء الحكيم، ورفق الذى يزن القول، ويعرف موقعه.
ولذلك كلام مفصل فى موضعه إن شاء الله تعالى.
عبد الله
٦٨- ذلك هو الجد القريب الذى تربى النبى ﵊ فى حضنه، والذى رأى أول ما رأى عزة الرجال، وحكمة الشيوخ، وعطف الأبوة التى عوضه بها عن أبيه الذى لم تكتحل عيناه برؤيته، ولابد أن نذكر كلمة عن الرجل الذى افتدته قريش كلها، وهو عبد الله أعز أولاد أبيه إليه، وأقربهم منه، لقد كان أحب أولاد عبد المطلب العشرة «١» وقد اتسم بالجمال فكان أجمل قريش وأحب الشباب إليها.
_________________
(١) العشرة هم الحارث والزبير وحمزة وضرار وأبو طالب واسمه عبد مناف، وأبو لهب، واسمه عبد العزي، وعبد الكعبة، والمغيرة، ونوفل، وعبد الله.
[ ١ / ٨٧ ]
وكان فى خلقه طيبة نفس، واطمئنان قلب، ورضا بما يجرى به القدر مع استعداد للفداء، إن كان ما يقتضيه، لم يتردد أن يقدم نفسه لأبيه ليوفى بنذره، فاستعد لأن يذبح، فكان الذبيح الثانى بعد جده العظيم إسماعيل، وإذا كان فداء إسماعيل بذبح عظيم كان من أمر الله تعالي، لأن الله تعالى اختبر إبراهيم بما رأى فى المنام، ومادام الاختبار، فالفداء يكون بأمر الله تعالى ونهيه. أما ذبح عبد الله، فكان بنذر من عبد المطلب، فكان الفداء برأى أهل مكة، فما كان من البشر يكون منهم، وما كان من الله تعالى، فالأمر إليه، وكان لجمال وجهه، ولطيب نفسه، موضع اجتذاب الناس، ومحبتهم، فلم يسلموه لأبيه، وقد أراد قتله، ونجوه من يد أبيه الشفيق الحازم المريد القوى فيما يريد، وإن كان شديدا عليه.
وكان موضع اجتذاب النساء لوسامته وجاذبيته، ولكنه كان العفيف الذى لا يريد إلا الحلال، ولا يبتعد عنه، وكأنه يبتعد عن الحرام مروءة، وكرامة نفس، لا لتنفيذ أوامر إلهية، بل أمر مروءته واحتفاظ كرامته يستجيب لهما، كأوامر المصادر الدينية.
تعرضت له امرأة، راقتها وسامته، وجذبتها طيبته، فأرادته لنفسها، وربما راودته عن نفسه، ولكنه العيوف الذى لا يشتار إلا عسلا يملكه حلالا نكاحا، ولا يريده نزوة أو سفاحا، فيردها الشاب القوى الذى لا يستهواه الهوى قائلا:
أما الحرام فالممات دونه والحل لا حل فأستبينه
فكيف بالأمر الذى تبغينه يحمى الكريم عرضه ودينه
صان الشاب نفسه، وصان أمانته، وصان خلقه وكرامته، فلم يتدل كما تدلى الشباب من قومه، لأنه أراد أن يعيش طاهرا كريما محبوبا، لينقل وديعة الله تعالى للإنسانية الذى ينقل رسالته ﷾ إلى خلقه وذلك بزواج طاهر حلال.
الأم:
٦٩- كل فتاة فى قريش كانت تتمنى أن يكون الشاب عبد الله بن عبد المطلب شيبة الحمد أن يكون لها زوجا، وأن يكون لأولادها أبا، وقد قارب العشرين أو يزيد من عمره، عفيفا، لم يزن بريبة، ولم يعرف عنه نزوع إلى شر، بل كان ينزع إلى الخير، ولا يزيد، ولأبيه عليه حق الطاعة فى غير معصية، إذ كان له ملازما، لا يستطيع له فراقا، ولا خلافا. لأنه حب أبيه، وصفيه المختار.
وقد اختار أبوه له زوجا امنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة أخى قصي، وابن كلاب، وكان أبوها سيد بنى زهرة، كما كان عبد المطلب سيد بنى قصي، ثم سيد مكة جميعها غير منازع، لأنه
[ ١ / ٨٨ ]
محمود النقيبة حكيما بين قريش لا يطيش، ولا يجبن، ولا يرهق أحدا، فكان السيد المطاع فى غير جبر، ولا إعنات، ولا تضييق، ولقد التقى الشاب مع أبيه فى الإصهار إلى بنى وهب بن زهرة، إذ أن عبد المطلب كان قد تزوج هالة بنت وهب بنت عم امنة، واختار لابنه امنة. وهى بنت عم لزوجته التى أنجب منها حمزة بن عبد المطلب «١» الذى صار فى جهاده للإسلام سيد الشهداء، وصفية أم الزبير بن العوام حوارى رسول الله ﷺ، وبذلك التقت فى حمزة بن عبد المطلب ثلاث صلات بالنبي، أولها أنه عمه، وثانيها أنه ابن بنت عم أمه، وثالثها أنه أخوه فى الرضاعة، وفوق ذلك أنه ثانى عميه اللذين تصديا للدفاع عن النبى ﵊ فى مواجهة قريش فى مكة، ولكنه الثانى الذى دافع عنه لا بمقتضى حكم القرابة القريبة الوثيقة، بل بذلك وبحكم الإيمان بالرسالة المحمدية، والجهاد فى سبيل الله، فكان سيد الشهداء حقا.
وكذلك كانت صفية بنت عبد المطلب لها بالرسول قرابتان: قرابة العصب، وقرابة الرحم، فهى عمته أخت أبيه، وهى ابنة هالة بنت عم أمه، وكانت معه فى الرخاء وفى الكريهة، وفيها شجاعة ال عبد المطلب.
وبنو زهرة مع التقائهم فى نسب النبى فى جده كلاب كما سماه العرب، وحكيم كما سماه التاريخ لما فيه من حكمة، لم يكونوا مع بنى هاشم فى خلاف، ولا منافسة جرت إلى عداوة فى جاهلية أو إسلام، بل كانوا لهم معاونين ومناصرين وموادين، لا بقضاء يسيطر على نفوسهم، ولكن مودة تربط على قلوبهم.
ولقد قالوا فى الأخبار كان كلابا ممن يؤمن بأنه سيكون نبى من قريش، وكان يخطب قومه كل جمعة ينبههم بذلك «٢» وإن صح ذلك الخبر فمؤداه أن كلابا هذا كان من أشد المستمسكين بإبراهيم، ونبى من بنى إسماعيل، ولا يمنعنا ذلك من أن نقول أنه تأشب إيمانه بالله تعالى بعض أثارة من الوثنية الجاهلية، فنحن لا ننفى هذا عن عقلاء العرب، وذوى الأخلاق والهمة فيهم كعبد المطلب، ومن بعده ابنه أبو طالب سيد مكة، وحامى الرسول، ومانعه من الأذى.
وامنة تلتقى مع النبى ﷺ من جهة أمها برة بنت عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصى جد النبى ﷺ.
_________________
(١) ابن كثير الجزء الثانى ص ٢٥١.
(٢) البداية والنهاية لابن كثير ج ٢ ص ٢٥٤.
[ ١ / ٨٩ ]
٧٠- وهنا يثور كلام يجيء فى أخبار عن عبد الله أبى رسول الله ﷺ أكانت له زوج غير امنة تزوجها قبلها أو بعدها وأن امنة إحدى اثنتين كانتا زوجين لعبد الله.
قال ابن إسحاق صاحب السيرة «فقد ذكر أن عبد الله إنما دخل على امرأة كانت له مع امنة بنت وهب وقد عمل فى طين له وبه اثار من طين، فدعاها إلى نفسه، فأبطأت عليه لما رأت به من أثر الطين فخرج من عندها فتوضأ، وغسل ما كان به من ذلك الطين»، ثم خرج عامدا إلى امنة فمر بالمرأة فدعته إلى نفسها، فأبى عليها، وعمد إلى امنة فدخل عليها عليها وأصابها، فحملت بمحمد (ﷺ) ثم مر بامرأته تلك، فقال لها: هل لك؟ قالت، لا، مررت بي، وبين عينيك غرة بيضاء فدعوتك فأبيت على، وذهبت إلى امنة، فذهبت بها» «١» .
وإنا نرد ذلك الخبر، ونؤمن بأن عبد الله ما تزوج إلا امنة أم محمد خير الخلق والنور المنبثق فى هذا الوجود، وإنما نقرر ذلك:
أولا:: لأنه خبر انفرد بذكره ابن إسحاق، ولم ينقله، ولم يأت فى كتب السنة الصحاح، ولو كان عبد الله له زوج أخرى لاشتهر ذلك، ولذكر فى الأخبار، كما ذكر خبر زواج عبد المطلب المتعدد، وأولاده من كل زوجة تزوجها وبيان نسبها، ومن تنتمى إليهم، وما كان عبد الله أبو سيد الخلق بأقل شأنا من أن يعرف زواجه الأول والثانى، من عبد المطلب إن كان قد عدد الأزواج، وقد علا شرف عبد الله بأبوته لمحمد، فليس بأقل من أبيه الكريم، والسيد العظيم.
وثانيا: أن هذه الزوج المزعومة لم تذكر متى كان زواجها منه، وما أحوال ذلك الزواج لو كان حقا، وما الذى انتهى إليه، ولماذا تزوج أخرى فى هذه السن المبكرة؟
إن عدم ذكر شيء من هذا فى ذلك الخبر يجعله غير قابل للتصديق، وهو غريب فى ذاته.
وثالثا: أن المذكور فى السير أن المرأة المشار إليها كانت قد طلبت أن يصيبها، ولم تذكر زواجا، وأنه أجابها بالاستنكار، وقال البيتين المشهورين عنه اللذين يفيدان أنه لا يقبل إلا الحلال الذى يسوغه له عرضه وكرامته، وشرف أسرته، وقد أشرنا إلى ذلك من قبل.
ورابعا: أن الخبر يحمل فى نفسه دليل بطلانه، لأنه يذكر أنه طلبها وهو مغبر بطين، فلم ترض، وكان المعقول وقد طلبها طلب الرجل لامرأته وأنها مانعته حتى يغتسل، وأنه اغتسل أن يذهب إليها،
_________________
(١) السيرة لابن هشام ج ١ ص ١٥٧ طبع الحلبى.
[ ١ / ٩٠ ]
وإذا عاد إليها بعد امنة وهى إحدى زوجتيه، فإنه ليس لها أن تمتنع عليه لأنها زوجه، فكيف يقال من بعد أنه رضيت به لغرة نور فى جبينه، ولو كان ذلك هو السبب، ما منعها عند إجابته وعلى ثيابه طين، لأن الأساس فى نظرها أن تصل إلى أن يكون النور فى رحمها لا يمنعها غبار طين أو نحوه.
فالخبر مضطرب فى مبناه متناقض مع العقل فى معناه، فيردّ جملة وتفصيلا.
صفات سامية فى امنة:
٧١- اتسمت امنة كما يبدو من أخبارها، أنها كانت صبورا، وكانت تشبه البتول فى سموها، وفى اصطفاء الله تعالى لها فى أن تكون أما لسيد البشر محمد ﷺ كما اصطفى مريم البتول لتكون أما للمسيح ﵇، ولكن امنة، ولدت محمدا وحملت به كسائر البشر.
وكانت شبيهة بالبتول فى الصبر، وفى خلاصها من فتن الزواج، وكونها حملت صاحب أكبر رسالة فى هذا الوجود.
إنها منحت زوجا مرموقا محبوبا تتمناه كل فتيات عصره، ولكنه سرعان ما غادرها بعد الزواج بمدة قصيرة، قدرها بعض الإخباريين بأنها ثلاثة أيام أو ثلاثة أشهر، سافر ليمتار لأهله من قريش تمرا، فذهب لأخوال أبيه بنى النجار، ومات هناك.
فهذه الأم الصبور على فراق زوجها الشاب، ولم تشتر عسل الزواج ورضيت الحرمان فى سبيل نفع قومها، إذ ذهب ليجلب لهم رزقا، والمرأة الفاضلة ترضى باغتراب من تحب إذا كان الاغتراب لنفع قومه، وإصلاح حالهم، وارتضت صابرة، أن يولد ولدها الحبيب فى غيبة زوجها الحبيب الذى لم تلبث أن نالته حتى بعد عنها، فكان الرضا بالانتساب إليه يغنى عن المتعة بقربه، واكتفت من متعة هذا الزواج الطاهر بمتعة قرة عينها ولدها الحبيب محمد ﷺ، وعاشت مطمئنة إلى أمل اللقاء، وأن يجمع الله تعالى الشمل المتفرق كما أراد رب العالمين، ولكن الله جلت قدرته أراد اختبارها فأفقدها زوجها فى غربته، فكانت الصابرة الكريمة القائمة على تربية ولدها، الراضية بأمر ربها من غير أن يعرف عنها تململ بحياتها وعيشها.
ولما استغنى ولدها عن المراضع شدت رحالها مع وليدها، وقطعت الفيا فى والقفار فى مشقة لا يقدر عليها إلا الصابرون، وذهبت إلى يثرب لترى قبر زوجها الذى اختيرت له وهو مرمى الأنظار
[ ١ / ٩١ ]
والحبيب فى مكة وأبى القدر الحكيم إلا أن ترى بعد ذلك رمسه المدفون فيه، وهى فى كل هذا الصبور المطمئنة إلى قدر الله تعالى العادل: لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ، وَهُمْ يُسْئَلُونَ «١» .
ومكثت هناك بجواره مدة لا تقل عن ثلاث سنين كان فيها متاع حسن بالنسبة لها، إذ كانت قريبة من زوجها الحبيب، وقد ارتضت ذلك واطمأنت نفسها، فهى الصابرة الامنة كاسمها، الشريفة كقومها، الكريمة كمحتدها.
ويظهر أنها لم ترد أن يبعد ابنها عن قومه، وهم أشراف مكة، ولم تكن التى تضن به على جده فهى تؤثره على نفسها دائما وقد احتملت المشقة وأخذت تقطع الفيافى والقفار، وليس معها إلا جارية تعينها على مشقة الطريق، وتكون لها رفيقة مع بعد الشقة، وتعاونها فى حضانة الغلام النورانى.
ولكن هذه المجاهدة فى سبيل الوفاء، والإخلاص للولد ولجده أجهدتها الرحلة فماتت، وهى عائدة إلى مكة ودفنت بالأبواء بين مكة والمدينة، وهى إذ أسلمت روحها، ودعت الدنيا تاركة عزيزها، كما ودعت أباه من قبله، ولكن وداعها الأول كان لعزيز إلى طريق الأبدية، أما وداعها من بعد، فكان لولدها العزيز، وتركه إلى طريق الحياة والجهاد فيها، ولكنها تركته إلى رعاية الله تعالى مع الجارية التى صحبتها، فرعاه الله تعالى وصنعه تعالى على عينه، حتى وصل إلى جده العظيم فى قومه فاحتضنه.
وهنا نقف وقفة قصيرة، لننظر إلى تلك المجاهدة الهادئة الصبور، فإذا قلنا إنها عاشت كالعذراء إذ لم يكن إلا أنها حملت سر هذا الوجود، وكأنها أودعت أمانة النبوة لتحتفظ بها، وكأنها كالبتول العذراء، بيد أن هذه لم تصطفها الملائكة، عزاء من رب العالمين، إذ اختارها وتعهدها نبى وأقامها فى المحراب وكانت فى رعاية ظاهرة، وأما امنة بنت وهب فقد خوطبت بلسان الفطرة المستقيمة، وعلمت بحكم الباعث فى نفس طاهرة أنها حملت أمانة، واستمرت الأمانة معها فى رعاية الله تعالي، وهى حاملة ما حملت غير وانية ولا مقصرة، ولا هادى يهديها إلا ما انبعث فى نفسها من نور الفطرة، والإحساس بعبء الأمانة.
_________________
(١) سورة الأنبياء: ٢٣.
[ ١ / ٩٢ ]
الجنين المبارك
٧٢- إن أحداث هذا الوجود تسير علي مقتضى ناموس كونى ثابت عند رب العالمين، قد أراده الله تعالى بحكمته وتخيره بإرادته، وأقامه بقدرته، وليس للمصادفة حكم عند الله، وإنما حكمها لا يتجاوز ما عند الناس، لأنهم يربطون الأسباب بمسببات بحكم العادة، ويطبقون عليها نظام قانونهم المحسوس المعلوم، فإذا خالفه قالوا إنه مصادفة، وهذا نظر الذين يدركون الماديات، ولا يدركون ماوراءها، ويحكمون بالمحسوسات، ولا يحكمون بأن ثمة سلطانا قاهرا لخالق الأسباب والمسببات، وأنها لا تقيد إرادته، بل هو الذى يقدرها بحكمته.
وقد صرح سبحانه بأن أهل القرى لو آمنوا واتقوا لأنزل لهم الرزق مدرارا، فقال تعالت كلماته، وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ «١» .
وصرح سبحانه بأنه أنزل الرجز على الذين ظلموا من ال فرعون، وقد ربط الله تعالى ذلك بعصيانهم، فقال تعالت كلماته فى قصصهم وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ. فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ، وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ، وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ. وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ. فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ. وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ. فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ. فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ. فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ «٢» .
وإن هذه النصوص الكريمة تدلنا دلالة قاطعة على أن الله ينزل البركات لمن استقاموا على الطريقة، إن سلكوا طريق الوصول إلى الخير وتوكلوا عليه سبحانه حق التوكل، وأنه يصيب الأقوام بالرجز والحرمان والبلايا إن هم طغوا وبغوا، فى ترتيب محكم سنه ﷾ وأراده، وإن خالف ما نعلم من الأسباب والمسببات.
لسنا نقول مقالة قدماء الصين من أن الكون يضطرب، وما فى السماء يختلف إذا عصى ابن الأرض وأفسد ولم يصلح، فإن ذلك كلام قوم وثنيين يؤمنون بالمحسوس، ولكنا نقول مقالة المؤمنين، إن
_________________
(١) سورة الأعراف: ٩٦.
(٢) سورة الأعراف: ١٣٠- ١٣٦.
[ ١ / ٩٣ ]
مدبر الكون يجرى الأمور على مقاديرها بما قدره سبحانه وأراده، وعلى ما ارتضاه من نظام لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ، وَهُمْ يُسْئَلُونَ «١» .
٧٣- سقنا هذا الكلام لتوضيح أن محمد بن عبد الله قد كان وجوده بركة على قومه من وقت أن علقت به أمه إلى أن قبضه الله تعالى إليه، وأن البركة التى اتاها الله تعالى لقومه مباشرة من وقت العلوق به فى بطن أمه، كانت خيرا على الإنسانية كلها، لأنها حمت البيت الذى كان أول بيت للناس، وهو كعبة المسلمين. وهو المكان المقدس الذى قدسته الأديان كلها كما أسلفنا من قبل.
وقد كان إنقاذ البيت، وهو فى بطن أمه، إذ أن أبرهة ملك الحبشة واليمن أراد اقتلاع البيت من مكة وهدمه، وأن يا بنى بدله فى اليمن ليكون ذلك البيت الجديد هو مزار العرب، ومثابتهم وأمنهم كما كان البيت، وفى ذلك مصادمة لدعوة إبراهيم ﵇، إذ يقول رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ، رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ، فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ، وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ «٢» .
وقد استعد بخيله ورجله من قبل الحمل بالنبى، وساور مكة وأمه حامل به، وقد ردهم الله مدحورين ببركة الجنين الذى بعثه الله تعالى برسالة تشرف البيت الحرام وتحميه، ولنعرج على ذلك بكلمة موضحة موجزة.
أصحاب الفيل
٧٤- ال أمر اليمن إلى رجل من الحبشة اسمه أبرهة، وصار لها حاكما بأمره، وبنى بها كنيسة فخمة بصنعاء سماها القليس، وأراد أن يحج إليها العرب، وخاصة النصارى منهم، فلم يؤثروها على البيت الحرام، ولم يستبدلوها به، وبعد بنائها بعث إلى النجاشى بالحبشة، وهو لا يزال يعتبر نفسه تابعا، وجاء فى هذا الكتاب «إنى بنيت لك أيها الملك كنيسة لم يبن مثلها لملك قبلك ولست بمنته حتى أصرف إليك حج العرب» .
ولكن رجلا من العرب أدرك هذا المراد. فأراد تحقيرها، وأحدث فيها شيئا استهانة وسخرية.
فلما رأى أبرهة احتقار العرب لها، واستمرارهم على الذهاب إلى البيت الحرام من غير وناء ولا تقصير لم يجد بدا لتنفيذ إرادته إلا أن يهدم البيت الحرام بجيش يسيره مجهزا بأعظم عدة، وخرج بالفيل الذى يستخدمونه فى الحرب مع الإبل والخيل.
_________________
(١) سورة الأنبياء: ٢٣.
(٢) سورة إبراهيم: ٣٧.
[ ١ / ٩٤ ]
أفزع ذلك العرب وأعظموه، ورأوا مدافعته حقا عليهم، فنفر منهم نفر بقيادة بعضهم وهاجموا أبرهة، ولكنه هزمهم، ومضى قاصدا البيت الحرام، لا يقاومه أحد من العرب إلا هزمه، واستمر سائرا لا يلوى على أحد من العرب إلا أخضعه.
وصل إلى الطائف، وقد رأوا ما حل بغيرهم فمالأوه، وخصوصا أنهم كانوا ينفسون على قريش ما كسبوه من شرف لقيامهم على سدانة البيت، وحاولوا أن يجعلوا مكان تقديسهم بيتا بنوه للات إلههم المزعوم.
أهم الأمر من بمكة من قريش وكنانة وهذيل، وسائر من كان بها، وعلموا أنه لا قبل لهم بمقاومته لما عنده من قوة، ولأن الانتصارات المتتالية فى طول طريقه إلى مكة زادته قوة، وزادتهم خوفا، فسكتوا حتى يكشف المخبوء فى قدر الله تعالى.
ولعل الفزع قد غلب عليه مما علم من منزلة للبيت فى الكتب المقدسة، ومنها كتب النصارى التى أشارت إلى ذلك، فلم يرد أن يستمكن من البيت عنوة، بل أراد أن يسلمه له أهله، لا ليزيد بناءه، بل ليهدمه، فإن فعلوا كان ذلك مبررا فى زعمه.
ومهما يكن فإنه قد تردد فى القتال، أو أراد أخذه بسلام، فأرسل رسولا إلى مكة، وقال له: سل من سيد أهل هذا البلد وشريفهم، ثم قل له «إن الملك يقول لكم إنى لم ات لحربكم، إنما جئت لهدم هذا البيت، فإن لم تعرضوا له بحرب، فلا حاجة لى بدمائكم: فإن هو لم يرض إلا حربى فأتنى به» .
ذهب الرسول إلى مكة، وعلم أن سيد البلد وشريف مكة هو عبد المطلب بن هاشم فبلغه الرسول، فأجابه عبد المطلب إجابة سليمة، ولكن فى طيها إيمان بالله رب البيت، وذلك لا يخلو من إرهاب بقوة الله.
قال عبد المطلب للرسول: «والله ما نريد حربه، وما لنا بذلك من طاقة، هذا بيت الله الحرام وبيت خليله إبراهيم، فإن يمنعه منه فهو بيته وحرمته، وإن يخل بينه وبينه فو الله ما عندنا دفع عنه» .
كان هذا الكلام السهل اللين يخفى فى نفسه إنذارا شديدا لرجل كتابى نصراني، لأنه بهذا الكلم اللين ينبهه إلى أنه لا يحارب أحدا من أهل مكة إنما يحارب الله، ويهدم بيتا بناه بأمر الله أبو الأنبياء إبراهيم ﵇، فهو مع هذا اللين يتضمن تهديدا يروّع من كان عنده اعتقاد بالله، وإيمان برسالته.
وقد كان بلا ريب لذلك الكلام وقعه، ومن الكلام الهادىء ما يفعل فى النفوس ما لا تفعله المقاومة بالسيوف، وخصوصا إذا كان الكلام لمن تعود الانتصار فى الحروب، وهزيمة من يدافعه، إذ فى هذا الكلام تهديد بحرب لم يألفها ولم يعرفها، وهى حرب الله، وحرب أبى الأنبياء.
[ ١ / ٩٥ ]
٧٥- استاق جيش أبرهة إبلا لعبد المطلب، وقد طلب هو لقاءه فلقيه ليؤكد ما قاله لرسوله بالقول المتضمن فعلا، إذ قرر أن يطالبه برد الإبل التى استاقها جيشه بعلمه أو بغير علمه.
التقى عبد المطلب المهيب غير المرهوب بعد أن علم أبرهة قوله.
ولقد كان عبد المطلب من أوسم الناس وأجملهم وأشدهم هيبة، فلما راه أبرهة أجله وأكرمه، فنزل عن سرير ملكه وجلس بجواره، ثم قال له بلسان الترجمان:
قل حاجتك. فقال للترجمان: حاجتى أن ترد لى إبلى، مائة بعير أصابها، فقال أبرهة: كنت أعجبتنى حين رأيتك، ثم زهدت فيك حين كلمتنى. أتكلمنى فى مائة بعير لك، وتترك بيتا هو دينك ودين ابائك قد جئت لهدمه لا تكلمنى فيه.
فقال عبد المطلب- يضع أبرهة أمام الله تعالى وجبروته الذى فوق كل جبروت: أنا رب الإبل، وإن للبيت ربا سيمنعه. قال أبرهة، وقد غلب عليه الفزع: ما كان ليمتنع منى. قال عبد المطلب: أنت وذاك.
لا شك أن عبد المطلب يهدده بالله، أولا بتأكيد أن الله مانع البيت، وثانيا بأن قال له أنت وذاك، كان التهديد واضحا، وإن كان هادئا، ولعل الذى قوى وقعه هدوءه، فالهدوء يخاطب النفس فتعتبر، وخصوصا لمن تعود الانتصار المادى الذى يكون فيه إيمان فى الجملة بالغيب، وأبرهة نصرانى.
عندئذ تحقق رجاء عبد المطلب فى ربه، وتحقق أمر الله ببركة الجنين الذى حله فى بطن أمه، وهو سيد الخلق محمد ﷺ.
أرادوا بالفيل أن يسير متجها إلى البيت الحرام، فوقف ولم يسر إليه وحبسه الله تعالى عنه، فوجهوه إلى اليمن، فاتجه، فوجهوه إلى الشام فاتجه، ثم أرادوا أن يوجهوه إلى البيت، فامتنع «١»، ولهذا كانت إرادة الله أن ينجو البيت ببركة الجنين المستكن فى الغيب المستور.
ولو أن أبرهة اعتبر واعتزم العودة إلى اليمن لرضى من الغنيمة بالإياب، ولكنه اعتزم تنفيذ نيته، فلم يبق إلا أن يأخذه الله تعالى أخذ عزيز مقتدر، فأرسل الله تعالى طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل، كما قال ﷾ فى سورة الفيل: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ. أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ. وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبابِيلَ. تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ.
فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ «٢» .
_________________
(١) الاكتفاء ج ١ ص ١- ٥. ١٣٢، ١٣٣، ١٣٤ ومن تاريخ البداية والنهاية لابن كثير.
(٢) سورة الفيل: ١- ٥.
[ ١ / ٩٦ ]
أتتهم رياح عاصفة، ومعها طير جاء جماعة بعد جماعة، ترميهم بحجارة صلبة شديدة قوية تنفذ فى الجسم، لا تبقى فى ظاهره، بل تدخل فى باطنه، وراء جلده، وقد جعلتهم كعصف مأكول، أى كبقل أكل لبه، وبقى قشره، وقد قال علماء الأخبار أن تلك الحجارة الصلبة التى أرسلها الله تعالى بريح عاصف كانت صغيرة تشبه حب العدس، وأن الطير كان يحملها فى منقاره، وفى رجليه.
ولقد قال بعض الكتاب إنهم أصيبوا بالجدرى قرح أجسامهم، ولعل جرثومة ذلك الداء الوبيل كانت فى الأحجار التى رمتها الطيور التى جاءتهم وباء وبلاء، وإهلاكا، وقد كادوا من الشر كيدهم، ودبروا بالفساد أمرهم، وتحدوا بيت الله وهو أول بيت وضع للعبادة، والذى كرمه الله وباركه.
وليس عندى ما يمنع أن يكونوا قد أصيبوا بالجدرى بما رماهم الله تعالى به، فقد قال ابن إسحاق فى سيرته «حدثنى يعقوب بن عيينة أنه أول ما رميت الحصبة والجدرى بأرض العرب كان فى ذلك العام» هذا كلام مقبول إذا قلنا أن الحجارة كانت تحمل معها جرثومة هذه الأمراض الفتاكة، ولكن ما لا يقبل هو القول بأن الطير هى جراثيم ذلك المرض، لأن هذا يكون مخالفا لنص الاية الكريمة، إذ أن نص الاية الكريمة يفيد أن الطير رمتهم بحجارة قوية شديدة.
٧٦- إن ذلك العذاب الأليم الذى أصابهم فى الدنيا، فبعد أن أرسل الله تعالى عليهم الطير الذى جاء جماعة بعد جماعة، ورماهم بالحجارة الجامدة التى كانت تنفذ إلى جسمهم، وتضع فيه جراثيم الأمراض الوبيلة كالحصبة والجدرى، وصاروا يتساقطون فى الطرق، ويهلكون كل مهلك، وقد وصف حالهم ابن إسحاق فقال: «خرجوا يتساقطون ويهلكون بكل مهلك على كل منهل، وأصيب أبرهة فى جسده، وخرجوا به معهم يسقط أنملة بعد أنملة، كلما سقطت أنملة أتبعتها منها مدة (صديد) تمت قيحا ودما، حتى قدموا به صنعاء، وهو مثل فرخ الطائر، فما مات حتى انصدع صدره عن قلبه فيما يزعمون» .
عاد من حيث خرج، ولكن فرق ما بين العودة والخروج، إنه فى الخروج، كان قويا فى بدنه مغرورا فى نفسه يصحبه جيش لجب، يحسب أن لن يغلبه أحد، وقد غلب من قاومه حتى إذا جاء إلى رحاب الله يتحدى الله تعالى فى بيته، ويريد هدمه، وقد جعله الله تعالى مباركا، عاد مذموما مدحورا، مقصوص الجناح، لا مجازا ولكن حقيقة، فقد تقرح جلده، وتساقط، وذهب تدبيره كله فى ضلال العماء.
وقد استجاب الله تعالى لعبد المطلب، وهو اخذ بحلقة باب الكعبة يقول:
لا هم أن العبد يمنع رحله فامنع رحالك
لا يغلبن صليبهم ومحالهم غدرا محالك
[ ١ / ٩٧ ]
كانت واقعة الفيل هذه وامنة الطاهرة كالبتول حاملة قد أودعها الله تعالى خير الخلق محمدا ﷺ فكان مباركا على العرب، وعلى الناس أجمعين من يوم أن حملت به أمه.
وما حملت به كرها، وما كان فصاله كرها، فما كانت تحس بشدة فى حمله، وما أحست بشدة فى فصاله، ولقد قالت السيدة امنة الطاهرة: «لقد علقت به، فما وجدت له مشقة حتى وضعته، فلما فصل منى خرج معه نور، ثم وقع على الأرض معتمدا على يديه» .
ولد الهدى
٧٧- سبقت محمدا فى الوجود بركاته، فقد ولد كما يقول أكثر الرواة بعد خمسين يوما من مغادرة الفيل وأصحابه مدحورين، بعد أن أباد الله تعالى أكثرهم، وقد ابتلعتهم الأرض، بعد أن غرهم الغرور.
وقبل أن نخوض بالقول فى مولده ﷺ، نقول أنه ولد وأبوه غائب، ذلك أننا ألمحنا فى القول أنه ترك زوجه وقد ذهب فى عير ليمتار لأهله، وليتجر فى كسب رزقه، فسافر فى عير لقريش، وكان الوفى الأمين، فانتهز فرصة ذهابه إلى يثرب، وزار قبر جده هاشم الذى كان يهشم الثريد، الذى يأكل منه الحجيج، ولكنه لم يعد من غربته، بل أصابه المرض فى بيت بنى النجار، وعاد العير الذى كان معه، وتركوه حزانى على تركه مدنفا بمرض عضال فى بيت بنى النجار أخوال أبيه، وأصهار جده الكريم، وعادوا إلى مكة، وأخبروا أباه الذى حدب عليه، وزوجه الصبور التى صبرت على غيبته، وجمل لها الصبر لأنها كانت ترجو لقاءه، ولكن حرمت من هذا، ففظع الأمر عليها، ولكنها الصبور مع رقة صباها.
وإن عبد المطلب أرسل إلى ابنه الحبيب كبير أولاده الحارث، فذهب إليه، وقد رأى فراق نفسه، وقيل أن الموت سرى إليه، ولم يجده أخوه إلا ميتا.
فإذا كان الأب قد ثكل ابنه الحبيب فتجلد، فقد فقدت الأم الزوج الحبيب، فكان منها الصبر المرير، ولكنه مع ذلك كان الصبر الجميل، وهو الصبر الحبيس الخالى من الضجر والأنين.
ولادته قبل وفاة أبيه:
٧٨- أكثر الرواة على أنه ولد ﷺ بعد وفاة أبيه عبد الله، ولكن روى أنه توفى بعد أن وضعت امنة حملها، ومنهم من أقصر المدة ومنهم من أطالها، حتى أوصلها إلى نحو ثلاث سنين، فقد قال ابن حزم الظاهرى ما نصه:
[ ١ / ٩٨ ]
«ولد ﷺ بمكة، إذ مات أبوه، وهو لم يستكمل ثلاث سنين، وماتت أمه، وهو لم يستكمل سبع سنين» .
وإن هذا القول يتقارب مع من يقول أن أباه ﵇ مات بعد ولادته ﵊ بنحو ثمان وعشرين شهرا، ولكن كلام ابن حزم يومىء إلى مدة أطول، لأن الثمانية والعشرين شهرا هى سنتان وثلث، ولا يقرب من ثلاث سنين.
فقد روى عن عوانة بن الحكم أنه قال هو وأبوه أن عبد الله توفى بعد ما أتى على رسول الله ثمانية وعشرون شهرا، وقد قيل: توفى بعد ولادته بسبعة أشهر.
وإننا نستبعد كل الاستبعاد أنه توفى والنبى عنده نحو ثلاث سنين، كما نستبعد أنه ولد من بعده، لإجماع الرواة على أنه ﵊ استرضع فى بنى سعد، وهو يتيم، ومن كان أبوه حيا لا يعد يتيما، وإذا كانت الرضاعة أقصى مدتها فى الغالب حولان كاملان لمن يريد أن يتم الرضاعة، وقد أرسل إلى المراضع فى أولها أو بعد مضى وقت قصير من الولادة، فلا يمكن أن يسمى عند أخذه وأبوه حى يتيما، وإجماع الرواة على وصفه باليتم عندما أخذته حليمة التى أرضعته.
وإن الذى رجحه الرواة- وعليه الكثرة الكاثرة- أن أباه توفى وأمه حامل به. وقد قال ابن كثير فى تاريخه «والمقصود أن أمه حين حملت به توفى أبوه عبد الله وهو حمل فى بطن أمه على المشهور» .
وقد روى ابن سعد عن عبد الرحمن بن أبى صعصعة، قال: «خرج عبد الله بن عبد المطلب إلى الشام فى عير من عيرات قريش، ففرغوا من تجارتهم، ثم انصرفوا فمروا بالمدينة، وعبد الله بن عبد المطلب يومئذ مريض، فقال: أتخلف عند أخوالى بنى عدى بن النجار، فأقام عندهم مريضا شهرا.. فبعث إليه عبد المطلب أكبر ولده الحارث فوجده قد توفى ودفن.. فوجد عليه عبد المطلب وإخوته وجدا شديدا، ورسول الله ﷺ حمل، ولعبد الله يوم توفى خمس وعشرون سنة» .
ويؤخذ من هذا الكلام أن رحلة عبد الله إلى التجارة كانت فور زواجه أو بعده بقليل كما توميء عبارة ابن كثير. وأن عمره يوم الوفاة كان خمسا وعشرين، وكانت رحلته بعد الزواج بقليل، ويستفاد من هذا أنّ الزواج كان بعد العشرين وقرب الخامسة والعشرين.
ولقد قال الواقدى فى وفاة عبد الله وكونه قبل ولادة ابنه الكريم: «هذا هو أثبت الأقاويل فى وفاة عبد الله عندنا» وهو المشهور، كما نقل الحافظ بن كثير رضى الله ﵎ عنه «١» .
_________________
(١) البداية والنهاية: ٢ ص ٢٦٢.
[ ١ / ٩٩ ]
ظواهر تعلن مكانته
٧٩- تكريم الله تعالى له ظهر وهو جنين كما رأيت. وظهر وأمه حامل به، وكأن وجوده على ظاهر الأرض كان أمرا خارقا للعادة، فى بركته على قومه برد أصحاب الفيل وكيدهم فى تضليل، وفى الحمل به، إذ لم يصبها شيء من أعراض الحمل الشاقة، وكأنه مر فى قلبها مرور الماء فى الميزاب، وإن طال حتى مدة الحمل.
ثم كانت الأمور تسير سيرا يدل على أمور ربانية أكنها الغيب لذلك المولود الجديد.
فأبوه يلقى وديعة الله فى امنة الصبور المطمئنة، وما كان الزواج إلا ليلقى هذه الوديعة، ويعزب عنها مسافرا مغتربا، وقبضه الله تعالى بعد أن ألقى هذه الوديعة، وكأنه خلق بما يشبه كلمة الله تعالى «كن فيكون» «١» .
وينزل من بطن أمه مكتملا، كأنه تجاوز السنة، وهو قد نزل فى المهد، لم يتناوله حجر النساء، فأمه الصادقة تقول أنه وقع على الأرض معتمدا على يديه كما نقلنا، وهو فى هذا شبه الساجد، وقال بعضهم أنه نزل جاثيا على ركبتيه.
وعندما ولد أرسلت أمه الكريمة إلى جده عبد المطلب تبشره بولد قد رزقه، فقالت فى رسالتها:
«قد ولد لك غلام فأت فانظر إليه» . وقد أضافته إليه مسرية له عن حزنه لموت ولده عبد الله الذى وجد عليه وجدا شديدا، فلما جاءها أخبرته بالولادة، وبرؤية صادقة تعددت روايتها مما يدل على مكانته، وبذلك سرّت عن نفس حميها، وهى الحزينة، ولكنها الصبور التى تواسى غيرها فى مصاب أبيه، ومصابها، وإن كان أعظم وأشق احتمالا ولكنه الان قد يسهل احتماله إذ وجد ما يعوض، وهو المولود الذى يسمو على كل الخليقة، وهو سيدها، وهو محمود الوجود، وهو حمد الكون وتسبيحه، وإذا كان الله تعالى قد أعطى به البركة على قومه، فقد كانت إرهاصات التكريم تبدو وهو جنين أيضا فى بطن أمه. لقد رأت أمه فيما يرى النائم رؤيا صادقة، والرؤيا إلهام من الله تعالى، أو توجيه منه سبحانه يشعر بها من تصفو نفسه، وله اتجاه روحى، ورأت حين حملت به كأنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام، وقد ورد ذلك فى حديث عن رسول الله ﷺ صحيح النسبة.
قد ذكر ابن إسحاق أن كانت تحدث أنها أتيت حين حملت به فقيل لها: «إنك حملت بسيد هذه الأمة، فاذا وقع إلى الأرض فقولى:
أعيذه بالواحد من شر كل حاسد «٢»
ثم سميه محمدا..
_________________
(١) سورة البقرة: ١١٧.
(٢) البداية والنهاية ج ٢ ص ٢٩٣.
[ ١ / ١٠٠ ]
وقد يقول قائل، وكيف نثبت التكريم بالرؤيا وقد تكون أضغاث أحلام، وهى لا تثبت شيئا، فنقول فى الإجابة عن هذا السؤال العارض، إن الرؤيا الصادقة تشبه الإلهام أو كأنها وحى، أو هى جزء من الوحى كما روى عن النبى ﷺ أنه قال: «الرؤيا الصادقة جزء من أربعة وأربعين جزا من النبوة» وثبت فى الصحاح أن أول ما جاءت به إرهاصات الوحى كانت الرؤيا الصادقة «فما كان يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح» .
هذا ما تقوله الحقائق الدينية فى الرؤيا الصادقة، ويقول الذين يتكلمون فى الأرواح فى هذا الزمان أن الرؤيا الصادقة سبحات روحية فى الملكوت الأعلى.
وإنه بلا ريب هناك فرق ثابت بين الرؤيا الصادقة وأخلاط الأحلام التى تكون صورة لحال مادية أو عصبية للنائم، كتخمة تصيبه من كثرة الطعام، أو أن يكون مخمورا، أو أن يكون مضطرب الأعصاب، أو مضطرب النفس، أو مشغولا بأمر من أمور المادة أو الشهوة، فإن هذا يكون أخلاطا لا تخبر عن شيء، ولا يصدق فى شيء، وهى التى تسمى أضغاث أحلام، والتى لا يكون لها تأويل، ولا يعبرها خبير.
وإذا كان من الناس من ينكر الرؤيا الصادقة، ويكذب الأحلام بإطلاق، ويقول أنها صورة للعقل الباطن، فذلك لأنه لا يمكن أن يدرك معنى الرؤيا الصادقة، إذ لم يجربها، لأن الله تعالى لم يؤته قوة روحية ولم يؤته طاقة نفسية يستطيع أن يتغلب بها على خواطر اللذات والشهوات وهو لا ينام إلا مخمورا، أو مبطونا، أو تكون نفسه واقعة فى الأهواء والشهوات، فيكون ليله كنهاره، ونومه كصحوه، وحياته كلها صورة للمادة فى النوم واليقظة على سواء.
٨٠- وترى من هذا الكلام الذى سقناه من بشارات التكريم فى منام أمه البتول الطاهرة الصبور أن تسميته محمدا ﷺ، كان بأمر من الاتى الذى أتاها فى هذه الرؤيا.
وقد توافقت مع رؤيا أخرى راها سيد قريش عبد المطلب الذى كان قد اشتهر بالنسك فى قومه، وإن لم يكن نسكا فيه حرمان، بل نسك فيه ما يجمل بالمروءة، وقد كان صادق الرؤيا، قيل لعبد المطلب:
لم سميته محمدا؟ فقال شيخ قريش الطيب: «أنه رأى فى منامه كأن سلسلة من فضة خرجت من ظهره لها طرف فى السماء، وطرف فى الأرض، وطرف فى المشرق وطرف فى المغرب، ثم عادت كأنها شجرة على كل ورقة منها نور، وإذا أهل المشرق والمغرب يتعلقون بها» .
[ ١ / ١٠١ ]
وأراد عبد المطلب أن يعرف مدى هذه الرؤيا التى راها، فسأل من يعبر له رؤياه، فقيل له إنه يكون مولود من صلبه يتبعه أهل المشرق والمغرب ويحمده أهل السماء والأرض «١» . اجتمعت رؤياه، ورؤيا الأم الرؤم التى قصتها على الجد الكريم عندما بلغت بالمولود الذى بلغته بأنه مولوده فارتضى الاسم الذى أفهمت به رؤيا الأم وهو محمد.
صلوا عليه وسلموا تسليما فالله قد صلى عليه قديما
وحباه بالخلق العظيم فأبشروا يا مادحين لذاته تكريما
لم يكن هذا الاسم معروفا عند العرب، ولقد ذكر علماء السيرة أنه لم يسم به أحد فى الجاهلية إلا ثلاثة تسموا بهذا الاسم فى عصر ولادة النبى ﵊.
وقد قال صاحب كتاب الروض الأنف فى ذلك: «لا يعرف من تسمى بهذا الاسم قبله ﷺ إلا ثلاثة طمع اباؤهم حين سمعوا بذكر محمد ﷺ وقرب زمانه، وأنه يبعث فى الحجاز أن يكون ولدا لهم. ذكرهم ابن فورك فى كتاب الفصول، وهم محمد بن سليمان بن مجاشع جد الفرزدق الشاعر، والاخر محمد بن أحيحة الجلاح، والاخر محمد بن حمران بن ربيعة. وكان اباء هؤلاء قد وفدوا على بعض الملوك، وكان عنده علم من الكتاب الأول، فأخبرهم بمبعث النبى ﷺ، وكان كل واحد منهم قد خلف امرأته حاملا، فنذر كل واحد منهم إن ولد له ولد سماه محمدا.
سقنا هذه القصة لنثبت منها ندرة الذين سموا ولدا لهم محمدا، إذ لم يكن معروفا ذلك الاسم عند العرب، ونكاد نوافق على حصر العدد فى ثلاثة، وإذا فرض وكان أكثر فإنه لا يتجاوزه بكثير، سواء أصح السبب الباعث على التسمية أم لم يصح، فإن تلك التسمية لم تعرف إلا قرب مولد النبى ﷺ، وإنا نميل إلى صدق هذا الباعث لأن التبشير برسول اسمه أحمد كان معروفا فى أوساط أهل الكتاب اليهود والنصارى، وإن أنكر أكثر اليهود رسالة محمد ﷺ ودعوته لهم: فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ «٢»، وَجَحَدُوا بِها، وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ «٣» .
وقد اختيرت هذه التسمية من الله تعالى، ولنذكر إشارة إلى ما فى هذه التسمية من معنى يفهم بمقتضى قراءة اللغة، ذلك إن صيغة التفعيل تدل على تجدد الفعل وحدوثه وقتا بعد اخر بشكل مستمر متجددا انا بعد ان، فيقال إذا تكرر ذلك الفعل. وعلى ذلك يكون محمد أى يتجدد حمده انا بعد ان بشكل مستمر حتى يقبضه الله تعالى إليه. وذلك لأنه تكون منه فعال الخير المتجددة وقتا بعد اخر، فهو
_________________
(١) الاكتفاء ص ١٦٨ من الجزء الأول.
(٢) سورة البقرة: ٨٩.
(٣) سورة النمل: ١٤.
[ ١ / ١٠٢ ]
لاينى عن فعل الخير الذى يقتضى ثناء وحمدا، ولا عن قول الصدق الذى يقتضيه، ولا عن الجهاد فى الحق الذى يستمر عليه إلى أن ينشر الحق وهو شرع الله تعالى ويخلد إلى يوم القيامة.
وكان من أسماء النبى ﷺ- أحمد- وهو الاسم الذى بشر به فى الإنجيل، وبشر به موسى ﵇، وهو أفعل تفضيل من الحمد والثناء، فهو كثير الحمد، وكثير الثناء والذكر لله تعالى.
ولعله لم يكن التبشير فى الإنجيل وعلى لسان موسى ﵇ إلا بأحمد، إلا لأنه اشتهر بذلك فى حياته وخصوصا بعد أن بعث، وكثرت دعوته، ولأنه اسم لا يشاركه فيه أحد، ولو نادرا، فيكون التبشير متجها إليه.
تاريخ مولده:
٨١- الجمهرة العظمى من علماء الرواية على أن مولده ﵊ فى ربيع الأول من عام الفيل فى ليلة الثانى عشر منه، وذلك لأن الفيل وجيشه ساروا إلى مكة فى المحرم، وولد النبى ﷺ بعد مقدم الفيل بخمسين يوما، وبذلك أجمع الأكثرون على أنه ولد بعد مساورة جيش أبرهة بخمسين يوما.
وقد وافق ميلاده بالسنة الشمسية نيسان (أغسطس) «١»، فقد ولد فى العشرين منه، وقد جاء ذلك فى الروض الأنف فقد قال: «ذكر أن مولده ﵊ كان فى ربيع الأول وهو المعروف، وقال الزبير كان مولده فى رمضان، وهذا موافق لمن قال أن أمه حملت به فى أيام التشريق، والله أعلم.
وذكروا أن الفيل جاء مكة فى المحرم، وأنه ﷺ ولد بعد مجيء الفيل بخمسين يوما، وهو الأكثر والأشهر وأهل الحساب يقولون وافق مولده من الشهور الشمسية نيسان (أى أغسطس) فكانت لعشرين مضت «٢» ويلاحظ هنا أمران:
أولهما: أن هناك رواية تقول أنه ولد فى رمضان، وأنه على مقتضى هذه تكون البعثة فى رمضان، وأول نزول القران، وأول نور الإسلام ظهر على وجه الأرض فيه بمولد محمد ﷺ، وفيه يوم الفرقان إذ جعل الله تعالى كلمة الشرك السفلى وكلمة التوحيد هى العليا، وفيه زوال دولة الأوثان ويأس الشيطان من أن يعبد فى هذه الأرض بفتح مكة المكرمة، وطرح الأوثان من فوق ظهرها، وحطمها.
ولولا أن هذه الرواية ليست هى المشهورة لأخذنا بها، ولكن علم الرواية لا يدخل الترجيح فيه بالعقل.
_________________
(١) نيسان فى السنة الشمسية هو شهر أبريل أما أغسطس فهو اب ولعل هذا سهو من صاحب الروض الأنف أو الناقل عنه.
(٢) الروض الأنف ج ١ ص ١٠٧ طبع المغرب.
[ ١ / ١٠٣ ]
ثانيهما: أن صاحب الروض الأنف يذكر فيما نقلنا أن الأشهر أنه ولد بعد خمسين يوما من قدوم جيش أبرهة، ولكن هناك قول اخر مشهور وهو أنه ولد بعد خمس وخمسين، كما فى رواية أبى جعفر محمد الباقر، إذ يذكر أن الفيل قدم فى النصف من المحرم، فيكون المناسب لليلة الثانية عشرة هو أن يكون قد مضى خمسة وخمسون ليلة «١» .
وإن ذلك يتفق من التقدير الشمسى بعشرين من نيسان، ولذلك نختار هذا إذا كانت روايته وثيقة، وإن ذلك الاختلاف اليسير فى ليلة مولده ﵊ لا يضر لأنه ﵊ وجد وشاهد الوجود الإنسانى وكان شهيدا على أمته حفيظا على شرعها، يشهد للمؤمنين بشرعه ويشهد على العصاة الخارجين، وأمته شاهدة على الناس بالحق، تبين للمنحرفين، وتهدى السالكين.
وروايات الميلاد جاءت على ألسنة من عاصروها، وما يعتمد على المشاهدة أو المعاصرة قد يختلف فيه العلم، فيذكر كل إنسان ما يعلم، وإن كانت الحقيقة لا تختلف، والمؤرخ يتعرفها من وراء الاختلاف اليسير، والله ﷾ هو العليم.
إرهاصات النبوة يوم مولده:
٨٢- وضعت امنة الطاهرة حملها الطاهر الذى لم يثقل، فأضاء الوجود ببزوغ شمس هذا الوجود، وقد ذكرت الروايات فى كتب السيرة أمورا كثيرة ظهرت غب ولادته، أو قارنت الولادة:
(أ) فقد قالوا أنه خرت الأصنام، وتزايلت عن أماكنها، وتمايلت على وجوهها، لأنه جاء هادمها، وليس ذلك منها بإرادة، ولكنها بإرادة القاهر الحاكمة على كل شىء.
(ب) ظهر النور حتى أضاء قصور الشام.
(ج) جاء فى سيرة ابن اسحق «كان هشام بن عروة يحدث عن أبيه عن عائشة قالت كان يهودى قد سكن مكة يتجر فيها، فلما كانت الليلة التى ولد فيها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، قال فى مجلس قريش: يا معشر قريش. هل ولد فيكم الليلة مولود، فقال القوم: والله ما نعلمه، فقال: الله أكبر أما إذا أخطأتم فانظروا واحافظوا ما أقول لكم، ولد هذه الليلة نبى هذه الأمة الأخير بين كتفيه علامة فيها شعرات متواترات» .
وروى ابن إسحاق عن حسان بن ثابت «قال إنى لغلام تبعة ابن سبع سنين أو ثمانى سنين، أعقل ما رأيت وسمعت، إذا بيهودى فى يثرب يصرخ ذات غداة يا معشر يهود فاجتمعوا إليه وأنا أسمع، قالوا: ويلك مالك، قال قد طلع نجم أحمد الذى يولد الليلة» .
_________________
(١) البداية والنهاية لابن كثير ج ٢ ص ٢٦٢.
[ ١ / ١٠٤ ]
وحسان بن ثابت قد ولد قبل النبى ﵊ بسبع سنين فإنه كانت سنه عند هجرة النبى ﵊ إلى يثرب ستين سنة، والنبى ﷺ كانت سنه ثلاثا وخمسين.
وهكذا تواردت أخبار من جهات مختلفة عن اليهود بأنهم أدركوا مطلع ولادة النبى ﵊، ونحن نؤمن بأن اليهود كان عندهم من علم التوراة ما يجعلهم يعلمون أن النبى الأمى سيبعث من العرب، وكانوا يستفتحون به على المشركين الذين كانوا يجاورونهم فى المدينة، فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ، فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ «١» .
(د) ذكر مخزوم بن هانيء المخزومى أن إيوان كسرى ارتجس ليلة مولد النبى ﷺ، وسقطت منه أربع عشرة غرفة، وخمدت نيران فارس التى يعبدها المجوس، ولم تخمد قبل ذلك بألف سنة.
ورأى أحد رجال كسرى فى منامه أن إبلا صعابا تقود خيلا عرابا قد قطعت دجلة والفرات فى بلاده، فلما قص الرؤيا على كسرى أفزعه، فتصبر وإن لم يصبر، فجمع كبار دولته وقال لهم: أتدرون فيم بعثت إليكم؟ قالوا: لا إلا أن يخبرنا الملك، فبينما هم كذلك إذ ورد إليهم كتاب بخمود النار، ثم أخبرهم بما رأى أحد رجاله وبما هاله وقد تأولوا هذه الرؤيا، وخمود النيران بأن حدثا يكون من بلاد العرب.
٨٣- ونقف وقفة قصيرة، أمام هذه الروايات التى تواردت من مزايلة الأصنام عن أماكنها وتمايل وجوهها، وإضاءة الضوء ساعة مولده، وارتكاس إيوان كسرى، وخمود نار فارس التى لم تخمد منذ ألف سنة، فنقرر أن العبرة فيها بصدق الرواية لا بكون هذه الأخبار مقبولة فى العقل فإن حكم مؤرخ بعدم صدق الرواية رددناها.
ونقول فى الرواية أن المحققين فى علم الرواية لم يجدوا مساغا لتكذيبها فإن الحافظ بن كثير يروى فى هذا روايات كثيرة يعلن شكه فى صدق بعضها، ويسكت عن سائرها، وقد نقلنا ما لم يشك فيه، فحق علينا أن نقبل منها ما قبل، ونرد منها ما ذكر أن فيه ريبا، وخبر الصادق يقبل، مادام لم يعرف عليه كذب، والأحكام تبنى على أخبار الصادقين، ولو كان فيها احتمال الكذب لأنه احتمال غير مبنى على دليل، ومجرد الاحتمال لا يمكن أن يكون سببا لرد أقوال الصادقين، وإلا ما حكم قضاء، ولا أدين متهم، ولا ثبت حق، ولا دفع باطل، ولذلك لا يسعنا الا أن نقبل ما لم يجر فيه طعن.
وأما من ناحية قبول العقل، فإنا قد بينّا أن خوارق العادات تجىء بتقدير الله تعالى الذى لا يتقيد بالعادات ولا بما يجرى بين الناس من أسباب ومسببات، فإنه خالق الأسباب والمسببات، فقد يكون الرجز والمحق والخسف والزلزال لفساد قام به بعض الخلق، وذكرنا الايات الدالة على أن الله تعالى يلقى
_________________
(١) سورة البقرة: ٨٩.
[ ١ / ١٠٥ ]
بالنعم على من يتقى ويعمل صالحا وقد تلونا من قبل قوله تعالى وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ «١» وذكرنا أن الرجز والعذاب قد يكون بسبب فساد ارتكبه بعض الأقوام، كما أنزل الله تعالى من الرجز على فرعون وملئه، بما كانوا يفسدون فى الأرض.
فالذين يدعون أن هذه الأخبار غير مقبولة فى العقل، إنما ينظرون إلى الأسباب والمسببات العادية التى تجرى فى أعمال بنى الإنسان، ولو علوا بأنظارهم إلى ما فى الكون من كسوف وخسوف وما فى الرياح من مثيرات، وما فى الأرض من زلزال وخسوف ما وجدوا لذلك تعليلا إلا أن تكون إرادة الحكيم العليم القاهر فوق كل شيء الذى لا يسأل عما يفعل، وأنه يفعل ما يفعل لحكم يريدها، ومصالح يقدرها، وقد ربطها بأمور يعلمها، وهو علام الغيوب، وتقديره هو تقدير العليم الخبير.
وإذا كان الله تعالى قد أراد الكرامة لمحمد ﷺ وأراد أن يعلم من يطيفون به من أهل وقوم ما كرمه الله تعالى به، وهو سينادى بالحق، فإن ذلك هو المعقول، وغيره هو المردود، لأنه مخالف لما قدره الله تعالى لهذا الإنسان الذى سيعلم الإنسانية كلها.
٨٤- ولا يصح لعاقل أن يقول أن هذه أوهام سيطرت، وخيالات خيلت، وظنون ظنت، لمجرد أنها خالفت مجارى العادات، وما ألف الناس فى كل مولود، فليس ككل مولود.
ومع ذلك فنحن نرجح صدقها، ولا نلزم الناس بالإيمان بها، فليس من الإيمان أن نؤمن بأن إيوان كسرى ارتجف، ولا النار خمدت، ولا أن الوجود قد استنار عند ما شرف هذا الوجود، لأن هذه الأمور ليست جزا مما دعا النبى ﷺ إلى الإيمان به، إذ أن ما يجب الإيمان به هو ما دعا إليه، وما تكلم به عن الله ﷾، وما نطق به القران الكريم، وحكم به الديان.
ولو رجعنا إلى ما كتبته الأناجيل الحاضرة فى مولد عيسى ﵇ وما ألزمت الأناجيل به النصارى الذين يؤمنون بهذه الأناجيل التى يزعمون صدقها- لوجدنا أن ما تذكره السيرة النبوية لا يعد شيئا كثيرا بالنسبة لما ذكرته الأناجيل وأوجبت الإيمان به، ولنقبض قبضة يسيرة مما جاء فى هذه الأناجيل وما زعمته بالنسبة لولادة المسيح ﵇:
(أ) جاء فى إنجيل متى فى الإصحاح الثانى أنه لما ولد يسوع المسيح ظهر نجمه فى المشرق، وبواسطة ظهور نجمه عرف الناس محل ولادته.
_________________
(١) سورة الأعراف: ٩٦.
[ ١ / ١٠٦ ]
(ب) وجاء فى إنجيل لوقا فى الإصحاح الثانى: لما ولد يسوع المسيح رتل الملائكة فرحا وسرورا، وظهر من السحاب أنغام مطربة.
(ج) وجاء فى ولادة المسيح أيضا فى أحد الأناجيل، لما ولد يسوع المسيح أضيء الغار بنور عظيم أعيا بلمعانه عينى القابلة، وعينى خطيب أمه يوسف النجار.
(د) وجاء فى إنجيل لوقا الإصحاح الثانى «وعرف الرعاة يسوع، وسجدوا له» .
(هـ) وجاء فى إنجيل متى الإصحاح الثانى أيضا «ولما ولد يسوع فى بيت لحم اليهودية فى أيام هيرودس الملك، إذ المجوس من الشرق قد جاؤا إلى أورشليم قائلين: أين هو المولود من اليهود» .
هذه قبضة مما عند النصارى فى أناجيلهم، ولا شك أن ما يذكر عند ولادة الرسول من أخبار صادقة هى دون ما يذكره هؤلاء عن مولد عيسى ﵇.
وإنه من الحق أن نقرر أن الفارق بين ما يقولون فى مولد عيسى ﵇ وما يقوله الرواة الصادقون من ناحيتين:
الأولى- أن ما يذكر فى الأناجيل عن حال عيسى ﵇ أكثر غرابة، وما يذكر لنبينا ﵇ أقل غرابة بكثير.
الناحية الثانية أننا لا يجب علينا دينا وإيمانا أن نذعن لهذه الأخبار وإن كانت صادقة، ولكن المسيحيين يعتقدون صدق ما فى أناجيلهم، من لم يصدقها يكون كافرا بها.
وإذا كان ذلك هو الحق الذى لا ريب فيه، فليس لأحد من الذين كتبوا فى النبى ﵊ أن يثيروا غبارا حول ما ذكر عند ولادته ﵊. وإلا فعليهم أن يثيروا عثيرا بل أكواما من التراب، حول ما قيل عند ولادة السيد المسيح ﵇، ولكن رضى الله عن عبد الله بن عباس الذى يقول: إن الإنسان يرى الشظية فى عين أخيه، ولا يرى الخشبة فى عينه هو، وما ذلك إلا لعدم الإنصاف.
[ ١ / ١٠٧ ]
إرضاعه صلى الله تعالى عليه وسلم
٨٥- الغذاء الأول للجنين بعد ولادته هو الرضاعة، والرضاعة تكون من الأم، لأن لبنها يسير مع نموه سيرا مطردا، فكلما كبر الغلام فى المهد كبرت دسامة اللبن، حتى يستغنى بالغذاء، ولذلك كانت الرضاعة من الأم أولى المطلوبات من الأمومة، فقد قال تعالى فيما شرع من أحكام: وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ «١» فكان بمقتضى الفطرة أن تكون امنة الأم الرؤم هى التى تتولى إرضاعه. ولكن كان لابد من وجود من يعينها بلبنه، فقد أرضعته معها ثوبية وهى جارية لأبى لهب عم النبى ﷺ، وقد ناوأه العداوة لما بعث رسولا ورحمة للعالمين، ولكن قد كان محبا لأخيه عبد الله، ولابنه النبى الكريم محمد، وكانت ثوبية أول من أعلم أبا لهب بولادة ابن أخيه محمد، فأعتقها لهذه البشرى الكريمة، وكان هذا له خيرا يحتسب، ولكن أخفاه كفره، وانضمامه إلى المخالفين المؤذين للنبى ﵊، وضعفاء المؤمنين.
أعانت ثوبية امنة فى إرضاعه، وقد أرضعت أيضا حمزة بن عبد المطلب، وقد كان هذا سببا من الأسباب التى من أجلها طلب عبد المطلب لمحمد المراضع.
وعلى ذلك نقول إن طلب المرضع للنبى ﵊ من مراضع البادية له أسباب ثلاثة:
أولها: عدم كفاية لبن أمه لتغذيته، ولعل من بعض أسباب ذلك ما نالها من حزن دفين عميق صبرت عليه من غير تصبر، وهو موت زوجها الحبيب الطيب، ولم يزله ألم قريش كلها لوفاته وأ لم أبيه وأ لم إخوته، وإن خففته فإن المشاركة فى الأسى تخففه ولا تزيله.
ثانيها: أنه كان من عادة أشراف قريش أن يعطوا أولادهم للمراضع فى البادية، ولا يرضع نساؤهم، كما هو ظاهر الان في كبراء الحضر أو ذوو اليسار فيهم، فإنه لا يرضع نساؤهم الأولاد، وإن كانوا لا يرسلونهم إلى الريف.
ثالثها: أن الغلمان إذا رضعوا فى البادية اكتسبوا غذاء طيبا، وهواء ليس معكرا بما فى جو المدر، فأهل الوبر أقرب إلى الهواء النقى النظيف من أهل المدر.
_________________
(١) سورة البقرة: ٢٣٣.
[ ١ / ١٠٨ ]
ولقد قال فى هذا صاحب الروض الأنف، وأما دفع قريش وغيرهم من أشراف العرب أولادهم إلى المراضع، فقد يكون ذلك لوجوه أحدها تفريغ النساء إلى الأزواج وقد يكون ذلك منهم لينشأ الطفل فى الأعراب، فيكون أفصح للسانه، وأجلد لجسمه وقد قال ﵊ لأبى بكر حين قال له: ما رأيت أفصح منك يا رسول الله، فقال: وما يمنعنى وأنا من قريش، وأرضعت فى بنى سعد. فهذا ونحوه كان يحملهم على دفع الرضعاء إلى المراضع الأعرابيات، ليتربوا على تحمل الأجواء، ويتنسموا نسيم البادية، ويعرفوا عاداتها، ويخشوشنوا بخشونتها، ولا ينشئوا فى حلية المدينة، غير متعرضين لما تقتضيه الحياة من تحمل الأعباء، وما تفرضه مقتضياتها من شدائد ليكون منها الأشداء.
٨٦- جاءت المراضع إلى مكة من بنى سعد بن بكر يردن الرضعاء يرضعنهم. وكان من عادة العرب ألا تأخذ المرضع أجرا على الرضاعة، وإن كن يقبلن من ال الطفل الهدايا والرعاية. فتسد بعض حاجاتهم، ويرين من العار أن يكون لهن أجر منتظم، وسرى بينهم المثل السائر «تموت الحرة، ولا تأكل من ثديها» .
ومنهم كما جاء فى الروض الأنف من كن يقبلن الأجرة، إذا ألحت بهن الحاجة.
ولقد كان محمد يتيما لم يترك أبوه شيئا يعد ثروة، فقد ترك خمسة جمال، وبعض الشياه، وأمة اسمها أم أيمن التى حضنته بعد وفاة أمه الكريمة فكان يتيما فقيرا.
وقد حضرت المراضع ترجو أن يعهد إليهن بمن يرضعنه راجيات من هذه الرضاعة الهدايا أو رضخا من المال، لا أجرة يؤجرن بها أثداءهن، فإذا كن يرجون، فإنهن لا يرضعن إلا أولاد ذوى اليسار، ولذلك أعرضن عن اليتيم الفقير، وبذلك خرج كل المرضعات بطفل من ذوى اليسار، إلا حليمة بنت أبى ذؤيب، وكان زوجها معها، واسمه الحارث بن عبد العزى بن رفاعة.
وكانت المرضعات كما قال الواقدى عشرا كلهن عاد بالأولاد إلا حليمة، فلما رأتهن جميعا أخذن أطفالا، ولم يبق إلا اليتيم الطاهر محمد بن عبد الله، أخذته راجية الخير، وإن لم ترج العطاء، ولنتركها تحدثنا كيف قبلته، فإنها تصور لنا طيب نفسها، وما أفاضه الله تعالى عليها من خير بسبب بركة اليتيم الكريم، فهى تقول:
[ ١ / ١٠٩ ]
٨٧- «فى سنة شهباء لم تبق لنا شيئا خرجت على أتان لى قمراء معها شارف «١» . كانت والله ما تبض «٢» . بقطرة، ولا ننام ليلتنا أجمع من صبينا الذى معنا من بكائه من الجوع، ما فى ثديى ما يغنيه، وما فى شارفنا ما يغذيه، ولكنا نرجو الغيث والفرج، فخرجت على أتانى تلك، فلقد أذمت «٣» بالركب، حتى شق ذلك عليهم، حتى قدمنا مكة نلتمس الرضعاء فما معنا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله ﷺ، فتأباه إذا قيل لها إنه يتيم، وذلك أننا إنما كنا نرجو المعروف من أبى الصبى، فكنا نقول ما عسى أن تصنع أمه وجده!!
فما بقيت امرأة قدمت معى إلا أخذت رضيعا غيرى.
فلما أجمعنا الانطلاق قلت لصاحبى: والله إنى لأكره أن أرجع من بين صواحبى ولم اخذ رضيعا، والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم، فلاخذنه.
قال: لا عليك أن تفعلى، عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة.
قالت: فذهبت إليه فأخذته، وما حملنى على أخذه إلا أنى لم أجد غيره.
فلما أخذته رجعت إلى رحلي، فلما وضعته فى حجرى أقبل عليه ثدياى بما شاء من لبن، فشرب حتى روى، وشرب معه أخوه حتى روى، حتى ناما، وما كنا ننام معه قبل ذلك.
وقام زوجى إلى شارفنا فإذا إنها لحافل.
فبتنا بخير ليلة، يقول صاحبى حين أصبحنا: تعلمى والله يا حليمة لقد أخذت نسمة مباركة.
قلت: والله إنى لأرجو ذلك، ثم خرجنا، وركبت أتانى وحملته عليها معي، فو الله لقطعت بالركب ما يقدر على شيء من حميرهم، حتى أن صواحبى ليقلن: يا بنت أبى ذؤيب ويحك، اربعى علينا، أليست هذه أتانك التى كنت خرجت عليها. فأقول لهن: بلى والله إنها لهى.
قالت: ثم قدمنا منازلنا من بنى سعد، ولا أعلم أرضا من أرض الله أجدب منها، فكانت والله، غنمى تروح عليّ حين قدمنا به معنا- شباعا لبنا، فنحلب ونشرب منها.. حتى كان الحاضرون من قومنا يقولون لرعيانهم، ويلكم اسرحوا حيث يسرح راعى بنت أبى ذؤيب، فتروح أغنامهم جياعا ما تبض بقطرة لبن، وتروح غنمى شباعا لبنا، فلم نزل نتعرف من الله الزيادة والخير.
_________________
(١) الأتان القمراء هى التى تميل إلى الخضرة، والشارف الناقة العجوز.
(٢) أى ما ترشح الناقة لنا بقطرة من اللبن نتغذى به لكبر سنها.
(٣) أى صارت مذمومة فى الركب.
[ ١ / ١١٠ ]
٨٨- إذا كان محمد قد أقدم باليمن والبركات على أهل مكة، يرد أبرهة وفيله، وجيش اليمن مدحورين، عادوا، فبركته بعد ولادته تسير معه حيث سار. لقد رضيت باليتيم، وصاحبها قبله، وكلاهما طيب النفس مطمئن القلب. مستعين بالله تعالى قانع بما يعطيه، فجزاها الله تعالى جزاء حسنا فأطعمهم من جوع، ودر عليهم الأثداء الجافة، فأضاف إلى لبنها لبنا كفاه هو وصبيها وأخصب كلؤهم بعد إجداب، وامتلأت أضراع غنمها، فكان الخير العميم والفضل العظيم.
وقد يسأل سائل: لم كان هذا، ويستغرب، ولكن لا غرابة لمن يؤمن بالله تعالى فإن له تقديرا فوق تقدير العباد، ونظاما فوق نظامهم، ولماذا يستغرب من لا يؤمن إلا بالمحسوس، ويربط بين الأسباب العادية ومسبباتها.
وإن الذى نقف عنده هو أن هذا الغلام الذى صنعه الله على عينه، ولد يتيما، ولكن لم يذق قهر اليتامي، ولا ذل اليتيم، بل كان بين أحضان من يحبونه، فأول حواضنه أم رؤم لم تر فى الوجود نورا إلا نوره، وغمرها حبه، وغمرته بعاطفتها، فكان كل حبها له، لم يشركه فيها زوج إذ فقدته فال حبه إليه، فكان له صفوا خالصا، لم يرنق بشركة، والتقى فى عاطفتها حب لزوج كريم لم تنعم برفقته، وابن حبيب محبب فيه كل ما فيه، وكانت الحاضنة الثانية أم أيمن التى كانت ميراثه من أبيه، أحبته كما تحب الأم ولدها وكانت له بعد أمه رفيقة به أضافت إليه من حنانها ما عوضه، وإن لم يكن العوض كالأصل، ولا البديل كالبدل.
ثم كانت الحاضنة الغربية التى صارت برضاعه أما كأمه، خلق فيها رب العالمين محبته، وجعله يمنا وبركة لترى فى محبته حب الله، ولترى فى عاطفتها عليه رزق الله تعالى.
والحواضن الطيبات الطاهرات هن اللائى يدر منهن العطف الإنسانى، فمنهن يتلقى العواطف الاجتماعية والأنس الإنسانى، ولذلك نشأ محمد ﵊ إنسانا محبا يألفه كل من يعرفه.
وإذا كان قد فقد الأب، فقد قيض له الجد، وإذا كان قد فقد الأم فى باكورته، فقد تغذى من عطف أم أيمن، واستقى منها أكرم العواطف، وهذا كله فوق ما أودعه الله إياه من خلق كريم عظيم.
٨٩- أخذت حليمة ترضعه حولين كاملين، وهو فى حضنها مع ولدها لا يفترقان، لا تضن عليه بعطف ولا محبة، ولا تخص ابنها بفضل منهما بل هما على سواء.
فما بلغ الحولين حتى استغنى عن اللبن وأخذ فى الغذاء حتى كان غلاما جفلا، أى قويا ممتلئا يستغنى بالطعام. ولم يذكر التاريخ أكانت تلتقى به أمه، أم تركته إلى البادية مطمئنة عليه!!، ولكن إذا كان
[ ١ / ١١١ ]
التاريخ لم يذكر أنها رأته، فلنفرض أنها كانت تراه من وقت بعد اخر، وإذا كان التاريخ لم يذكر الرؤية، فإن أقصى ذلك أنه لم يثبتها، ولم ينفها، فالفطرة والحنان يوجبانه، وهما أصدق خبرا، ولذلك نقرر أنها لابد كانت تراه من حين لاخر «١» .
وأنه بعد أن استغنى عن الرضاعة، وبلغ فيها حولين كاملين، يكون من الحق على المرضع أن ترده إلى أهله، وإذا كانوا يرون أن يبقى عندها فإنه يكون برجاء منها، ورضا منهم، وهذا ما فعلته، فقد قالت:
قدمنا به على أمه، ونحن أضن شيء به مما رأينا فيه من البركة، فلما رأته أمه، قلت لها: دعينا نرجع بابننا هذه السنة الاخرى، فإننا نخشى عليه وباء مكة. فو الله مازلنا بها، حتى قالت: نعم.
رأت الخير بين يديه، فأرادت أن تبقيه ليبقى الخير، ولأنه قد نال محبتها، وأصبحت لا تستطيع فراقه كأنها التى حملته، ولم ترض الأم التى حملت به أن تتركه لشوقها إليه، ولتضمه أحضانها، فلم تسلمها ولدها لأول طلب، بل مازالت بها حتى قبلت، ولعل قبولها سببه ما ذكرته من أنها تخشى عليه وباء مكة، وتريده أن يكون مستمتعا بجو الصحراء الصافى من حمل الأسقام والأوباء فهى قد رضيت إيثارا ومحبة.
اخبار شق الصدر
٩٠- عادت حليمة فرحة ببقاء الخير والبركة ببقاء محمد فى حضانتها، وإذا كانت من قبل مرضعا وحاضنة فهى الان حاضنة، وإن ذلك يحملها عبئا اخر، وهو صيانته وحفظه، إذ كان من قبل يلازم حجرها، أو يكاد، أما الان فإنه لا يلازم حجرها، بل يغادره ليلعب، ليروح ويغدو، هنا وهناك، وإن ذلك يحتاج إلى صيانة.
وكانت تتبعه وقد خرجت مرة لتبحث عنه مع أخته من الرضاعة، وكان الحر شديدا، فتقيل كلاهما، (أى استرخى فى القيلولة) فقالت الفتاة، إنه لا يحس بحر، لأن غمامة تسير حيث يسير، وتقف حيث لا تتركه.
ونقف وقفة قصيرة عند الأخبار الواردة فى شق صدره ﵊، فقد رويت فى ذلك أخبار بعضها فى خبر قصير، وبعضها فى خبر طويل، ولا تخلو من زيادة فى بعض، ونقص فى اخر، وإن كان المعنى الأصلى متفقا فى الجميع.
_________________
(١) الاكتفاء ص ١٧١- ج ١ «وسيرة ابن هشام» .
[ ١ / ١١٢ ]
ولنذكر واحدا منها، وهو ماروى وثبت فى صحيح مسلم عن طريق حماد وابن سلمة عن ثابت عن أنس بن مالك «أن رسول الله ﷺ أتاه جبريل ﵇، وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه وصرعه، فشق عن قلبه فاستخرج القلب، واستخرج منه علقه سوداء، فقال: هذا حظ الشيطان، ثم غسله فى طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه، ثم أعاده فى مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه يعنى، ظئره، فقالوا: إن محمدا قد قتل، فاستقبلوه، وهو ممتقع اللون. قال أنس: وقد كنت أرى ذلك الخيط فى صدره» وإننا نلاحظ فى ذلك الخبر أمرين:
أولهما: أن الخبر فيه أنه غسله بماء من زمزم، ويلاحظ أن الواقعة إن صحت كانت فى البادية فى مكان ناء عن زمزم، وإذا كان من ماء مع جبريل، فمن أين علم أنه من زمزم.
ثانيهما: أنه ذكر أنه كان يرى أثر الخيط فى صدره ﵊، وإذا صحت الواقعة فإن المعقول أنه عمل ملك، والملك لا يكون لعمله أثر محسوس.
ونحن نرى أن الأخبار بالنسبة للشق لا تخلو من اضطراب.
وعلى فرض أنها صحيحة، لا نقول أنها غير مقبولة، بل إنا نقبلها إن صحت، ولكن الاضطراب فى خبرها، يجعلنا نقف غير رادين، ولا مصادقين.
ومهما يكن الأمر فى قصة شق البطن، فإن الغلام الطاهر كانت تحوطه أمور خارقه للعادة لم تكن لتحدث للغلمان فى سنه عادة.
ولقد جاء فى الروض الأنف أن محمدا ﷺ عندما عادت به حليمة بعد أن حملت أمه على الرضا ببقائه عندها سنة أخرى أعادته بعد شهر أو ثلاثة خوفا عليه مما يجرى، ولقد ذكر الرواة حديث شق البطن، وأنها لما بلغها خافت على الغلام فردته إلى أمه.
قال ابن إسحاق أنها رأت أن بعض النصارى رأوه، ورأوا ما به من علامات النبوة، فطلبوا إلى حليمة أن يأخذوه عندهم فارتابت فى ذلك حليمة فردته إلى أمه خائفة عليه، ولتخلى نفسها من التبعة، وسنزيد من بعد الخبر بيانا.
٩١- هذا الكلام يدل على أنه ال إلى أمه بعد شهرين أو ثلاثة أشهر من السنة الثالثة، وهو معقول لأنه لا رضاعة من بعد ذلك، والأحوال كانت توجب هذا، لما كان يصيب أمه الرضاعية من خوف عليه، بسبب الإرهاصات التى كانت تحوم حوله مما أفزعها. ولكن جاء فى الروض الأنف ما نصه:
[ ١ / ١١٣ ]
«وكان رد حليمة إياه إلى أمه، وهو ابن خمس سنين وشهر فيما ذكر أبو عمرو، ثم لم تره بعد ذلك إلا مرتين إحداهما بعد تزوجه خديجة رضى الله تعالى عنها، جاءت إليه تشكو السنة، وإن قومها قد استنوا، فكلم لها خديجة فأعطتها عشرين رأسا من غنم وبكرين، والمرة الثانية يوم حنين» .
وإن هذين بلا شك خبران متناقضان: أحدهما يفيد أن أمه تسلمته عند بلوغه سنتين وشهرين أو ثلاثا، والثانى يقرر أنها تسلمته بعد خمس سنين وأشهر.
ولكن التوفيق بينهما ممكن بأن أخذها الأول لتضمه إليها، ويكون فى كنفها، ولا يمنع ذلك من أن تجئ حليمة إليه تأخذه عندها الفينة بعد الفينة، يستروح بنسيم الصحراء. وتتيمن به ظئره المخلصة العطوف، أما حد التسليم بخمس سنين، فهو عندما أخذته نهائيا أمه، ولم يذهب بعد إلى بنى سعد.
ولذلك قرروا أنها لم تره بعد ذلك إلا بعد أن اكتملت رجولته بتزوجه، وبعد أن أبلغ رسالته، وتذاكرت الركبان بنصرته فى يوم حنين، فقد دامت من بعد إقامته عند أمه، ورحلت به إلى يثرب لتريه قبر أبيه، ولتزوره هى وفاء لرجلها الطاهر الأمين.
لقد سلمته حليمة إلى أهله، وكان يتردد عليها برغبتها، وأجازه أهلها، وقد ذكر ابن إسحاق خبرين قد نوهنا إلى أحدهما، ولم نذكر الاخر، وقد كان السبب فى ألا يقيم عندها إقامة ممتدة، ولكن تأخذه الوقت بعد الاخر.
أولهما أن ابن إسحاق قدر أنه زعم الناس فيما يتحدثون أن حليمة ظئره لما قدمت مكة به ضلت وهى مقبلة به نحو أهله، فالتمسته فلم تجده، فأمّت جده، فقالت له إنى قدمت بمحمد هذه الليلة، فلما كنت بأعلى مكة أضلنى الناس فو الله ما أدرى أين هو؟ فقام عبد المطلب يدعو الله أن يرده، فوجده ورقة ابن نوفل بن أسد، ورجل اخر من قريش فأتيا به عبد المطلب، فقالا له: هذا ابنك وجدناه بأعلى مكة، فأخذه عبد المطلب، فجعله على عنقه، وهو يطوف بالكعبة يعوذه ويدعو له، ثم أرسل به إلى أمه امنة.
وقد ذكر هذا الخبر بن إسحاق، وصدره بكلمة زعموا مما يدل على شكه، ولكن لا موضع للشك فيه، فالخبر فى ذاته مقبول، وهو يدل على عظيم حدب جده عليه، وحرص حليمة، ومحبة قريش له.
ولكن هل هذا كان فى تسليمها الأول، أو فى تسليمه فى المرات التى كان يتردد عندها، تيمنا لجواره وقربه منها، وقبول أمه لذلك ليستروح هواء البادية، وتتقى أسقامه بها.
[ ١ / ١١٤ ]
الخبر الثانى قد أشرنا إليه من قبل، ورجحنا أنه السبب فى إعادته بعد شهرين من بلوغه حولين كاملين، وهذا نص كلام ابن إسحاق:
«حدثنى بعض أهل العلم: أن مما هاج أمه السعدية على رده إلى أمه مع ما ذكرت لأمه مما أخبرتها عنه أن نفرا من الحبشة نصارى رأوه حين رجعت به بعد فطامه، فنظروا إليه وسألوها عنه، وقلبوه ثم قالوا لها:
لنأخذن هذا الغلام، فلنذهبن به إلى ملكنا وبلدنا، فإن هذا غلام كائن له شأن، نحن نعرف أمره. فزعم الذى حدثنى أنها لم تكد تنفلت منهم حتى أرسلته إلى أمه» .
سفر أمه به إلى يثرب:
٩٢- كانت امنة مثالا للمرأة الكاملة، وهى بعد لم تتجاوز العشرين إلا بقليل، فقد رأت أن تزور يثرب وهو معها هو وأم أيمن حاضنته بعد أمه الكريمة، وذلك لأمرين:
أولهما: أن تزور مع ولدها قبر أبيه، وفى ذلك أجل الوفاء، وأكرمه، وكأنها ترى زوجها وديعته التى أودعها إياها.
وثانيهما- أن تعرفه بقرابته من ذوى الأرحام، وهم بنو النجار، إذ تزوج منهم جده هاشم، تزوج سلمى بنت زيد بن عمرو الذى ينتهى بنسبه إلى عدى من نبى النجار، وكان بالمدينة ذا شرف ومال.
وقد تحقق لها ما أرادت، ولعل هناك باعثا اخر، وهو أنها كانت تخشى على وليدها العزيز جو مكة، ووباءه، فأرادت أن تخرج به من ذلك الجو المزدحم الأهل بالسكان، لقد كانت حليمة تأخذه من وقت لاخر، فينقى جسمه من جو مكة المتكاثف، وينال من جو البادية ما ينعش جسمه ونفسه، ويكون إرادته، ويكون فيه متصلا بالكون لا يحجبه عنه حاجب، ولا يحول دونه باب، بل هو متصل بالسماء وزرقتها والنجوم ومدارجها، والقمر وانبلاجه، فيرى الشمس سراج الوجود، والقمر منيره من غير استتار يمنعه، أو حاجز، يرى الشمس فى مشرقها، وضحاها، وأصيلها وغروبها، وشفق القمر إذ يضئ، فيشق ضوءه الظلمات وينبلج نوره، ويتغنى به الشعر، وفى ظله يتسامر المدركون لجمال منظره، ودلالته على الخلاق العليم.
سافرت به أمه لتزور قبر أبيه، وأخواله، ولتخرج به من مزاحم مكة، ومحاجزها، وهى أحب أرض الله إليها، ولكنه الوفاء، ورعاية الوليد الطاهر فى جسمه ونفسه، وأهله، ولتريه ذوى رحمه كما رأى عصبته.
[ ١ / ١١٥ ]
والظاهر أنها خرجت به بعد أن أخذته من حاضنته ومرضعته بعد أن بلغ خمس سنين وأشهرا كما ذكرنا من قبل، أى أنه كان قد ابتدأ السادسة، وسار فيها أشهرا.
وقد زار أولئك الصفوة من الأخيار قبر عبد الله أبيه، والزوج الحبيب زوج امنة فعبرت العيون وسكنت الأصوات، وتناجت الأرواح على مشهد من الغلام المحس المدرك، فعرف أباه، وقد أرمس فى التراب، ورأى رمسه بنظره، وأدرك محبته من عبرات أمه، فكان منظرا مطبوعا فى نفسه، وهمسا مس قلبه ومشاعره، ولعله أول حزن مس قلبه الغض البريء.
أقام وأمه فى أطم بنى عدى بن النجار، وهو قصر بنى فى أكمة عالية كأنه الحصن، وقد كانت الأطم معروفة فى المدينة، ويظهر أن الإقامة لم تكن قصيرة، وربما كانت طويلة نسبيا، ومهما يكن فقد رسمت فى ذهن الغلام صورا وضحها الخيال ووسعها من غير مبالغة ولا إغراق عند ذكرها.
فيروى أنه قال، وقد راها بعد أن حمل أعباء الرسالة: «كنت مع غلمان من أخوالى نطير طائرا يقع عليه» (أى على أطم بنى النجار) . وقال فى الدار التى نزل بها هو وأمه: «ها هنا نزلت بى أمى، وفى هذه الدار قبر أبى عبد الله بن عبد المطلب» .
موت الطهور امنة:
٩٣- أقامت امنة بدار بنى النجار ما طابت لها الإقامة، ولم ترد الاستمرار بعيدة عن بنى هاشم وعن الجد الطيب عبد المطلب كافله، فكان لابد من العودة، فأخذت فى السير إلى مكة، ولكنها وهى عائدة إليها أدركها الموت بمكان اسمه (الأبواء)، وهو بين مكة والمدينة، وهو إلى المدينة أقرب، كما يقول صاحب الروض الأنف «١» . وبذلك صار محمد ﷺ يتيما من أبويه إذ ادخره الله تعالى للإنسانية هاديا بالحق، داعيا إلى الرحمة، فكان نبى الرحمة، لأن الرحمة بالناس تنبع من الالام الذاتية التى تعترض فى أثناء الحياة، فإنه لا تنبعث الرحمة بالضعفاء إلا ممن ذاق مرارة الضعف، وأى ضعف أشد من اليتم، وإن القسوة فى كثير من الأحيان تكون من الذين ينشئون فى الحلية فاكهين فى نعيم الحياة.
ولقد ماتت الأم الطاهرة، وهو يدرك الحياة، وقد ذاق حلاوة حنانها، ولطف عطفها، وهى التى كان هو لها كل الوجود، واستبشرت به، واتخذت حبه عوضا عن الحب الزوجى الذى فقدته فى باكورة زواجها، وإذا كان قد فقد أباه من قبل، فقد كان ذلك هو فى غيب الله المكنون، وقد عوضه جده
_________________
(١) يقول فيه صاحب الروض الأنف: وقيل سمى الأبواء، لأن السبل كان يبوء فيه.
[ ١ / ١١٦ ]
عطف الأب فلم يحس بألم الفقد، لأنه لم يعلمه، واستقبل الحياة بهذه الحال، ولم يجعله جده عبد المطلب يحس بالفقد الذى لم يعه، أما الأم فقد فقدها وهو فى وعى، وبعد أن ذاق حلاوة حنان الأم، وإنه لا شئ يعوض عطف الأم الرؤم، وهو حرمان من شئ موجود شعر به، وأصابته لوعته، علمته الصبر وعوده أخضر.
وزادت اللوعة، وزاد معها الصبر، أن الموت، وهما غريبان، وليس لهما إلا الصحراء، وطريق مدعثر، وشقة بعيدة، لابد من قطعها، فاجتمع ألم الغربة، وأ لم الفقد، وأ لم الانقطاع، وصار الركب فى رعاية الله تعالى الذى صنعه على عينه، وذلك ليحس مع الصبر واحتمال الالام كريم الرعاية الالهية، والعناية الربانية، ويكون له من هذا زاد نفسى يذكره عندما يلاقى الشدائد فى الدعوة إلى الحق، ومناوأة الشرك وتكاثف المشركين عليه، وتعرضه للأذى والتجائه إلى الله إذا أحس بالضعف.
وإن الذى حلمه، وحل محل أمه فى حضانته جارية حبشية، وإذا كانت لم تعطه حنان الأم، وعزة العطف، فقد كلأته وحمته.
وإن ارتباط حياته الطاهرة بأمة حبشية تزويد من الله تعالى له بزاد إنسانى. ليشعره بأن الناس سواسية، وأن كل الفضل فيمن يحسن فى عمله، لا فيمن يفاخر بنسبه، وإنها لحكمة عالية أن تكون الحاضنة التى لا يستغنى عنها محمد ﷺ أمة حبشية، لأنه تربية ربانية على المساواة الإنسانية، وأنه لا شرف إلا بالنفع، والعاطفة. لذلك لم يكن غريبا من الذى حضنته جارية حبشية أذاقته حب الأمومة. وإن كان دون حبها، وأوصلته إلى جده محوطا بعناية الله وعطفها- أن يكون نصير الأرقاء، والمانع للرق الإنسانى، فليس غريبا أن يغضب أشد الغضب، عندما يسمع بعض صحابته يعير اخر بقوله «يا ابن السوداء» ويقول فى قوة: «لقد طفح الكيل، لقد طفح الكيل، لقد طفح الكيل، ليس لابن البيضاء على ابن السوداء فضل إلا بالتقوى فمحمد ابن البيضاء حضنته السوداء فكان ابنا لهما معا» .
٩٤- ذاق حب الأم، وذاق لوعة فراقه، ولذلك زار قبرها، بعد أن بلغ أشده، وصار رجلا مكتملا سويا ورسولا نبيا، جاء فى الروض الأنف «وفى الحديث أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم زار قبر أمه بالأبواء. فبكى وأبكى» وهذا حديث صحيح، وفى الصحيح أيضا أنه قال: «استأذنت ربى فى زيارة قبر أمى، فأذن لى واستأذنته أن أستغفر لها فلم يأذن لى» وفى سند البزاز من حديث بريدة أنه صلى الله تعالى عليه وسلم حين أراد أن يستغفر لأمه ضرب جبريل ﵇ فى صدره، وقال له: لا تستغفر لمن كان مشركا، فرجع وهو حزين. وفى حديث اخر ما يصححه، وهو أن رجلا قال له: يا رسول الله أين
[ ١ / ١١٧ ]
أبى؟ فقال: فى النار، فلما ولى الرجل قال ﵇: إن أبى وأباك فى النار» وليس لنا أن نقول نحن هذا فى أبويه صلى الله تعالى عليه وسلم، لقوله ﵊ «لا تؤذوا الأحياء بسبب الأموات» وإنما قال النبى ﵊ لذلك الرجل ما قال، لأنه وجد فى نفسه، وقد قيل أنه قال أين أبوك أنت، فحينئذ قال، وقد رواه معمر بن راشد بغير هذا اللفظ، فلم يذكر أنه قال إنه قال إن أبى وأباك فى النار.
ولا شك أن الخبر الذى يقول أن أبا محمد ﵊ فى النار خبر غريب فى معناه، كما هو غريب فى سنده، لأن الله تعالى يقول: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا «١» وقد كان أبو محمد ﵊ وأمه على فترة من الرسل، فكيف يعذبون؟!! إن هذا مخالف للحقائق الدينية، لقد مات أحدهما قبل أن يبرز الرسول إلى الوجود، وماتت الاخرى وهو غلام لم يبعث رسولا، ولذلك كان الخبر الذى يقول أنهما فى النار مردودا لغرابة سنده، أولا، ولبعد معناه عن الحقيقة ثانيا.
ولعل نهى النبى ﵊ عن الاستغفار، لأن الاستغفار لا موضع له، إذ أنه لم يكن خطاب بالتكليف من نبى مبعوث، وليس كاستغفار إبراهيم لأبيه الذى نهى عنه، لأن أبا إبراهيم قد خوطب برسالة إبراهيم فعلا، فهو مكلف أن يؤمن بالله، ويكفر بالأوثان.
وفى الحق أنى ضرست فى سمعى وفهمى عندما تصورت أن عبد الله وامنة يتصور أن يدخلا النار؛ لأنه عبد الله الشاب الصبور الذى رضى بأن يذبح لنذر أبيه، وتقدم راضيا، ولما افتدته قريش استقبل الفداء راضيا، وهو الذى كان عيوفا عن اللهو والعبث، وهو الذى برزت إليه المرأة تقول هيت لك، فيقول لها أما الحرام فالممات دونه، ولماذا يعاقب بالنار، وهو لم تبلغه دعوة رسول، ونفى الله تعالى العذاب إلا بعد أن يرسل رسولا، ولما تكن الرسالة قد وجدت، ولم يكن الرسول قد بعث.
وأما الأم الرؤوم الصبور التى لاقت الحرمان من زوجها فصبرت، ورأت ولدها يتيما فقيرا، فصبرت، وحملته صابرة راضية فى الذهاب إلى أخواله، أيتصور عاقل أن تدخل هذه النار من غير أن يكون ثمة رسالة تهديها ودعوة إلى الواحدانية توجهها.
إنى ضرست لا لمحبتى للمصطفى الحبيب فقط وإن كانت كافية، ولكن لأن قصة امنة جعلتنى لا أستطيع أن أتصور هذه الصبور معذبة بالنار، وقد شبهتها بالبتول مريم العذراء لولا أن الملائكة لم تخاطبها.
٩٥- ويظهر أن النبى صلى الله عليه سلم كان كلما مر بقبر أمه غلبت عبراته، ولا عيب فى ذلك، فقد قال ﵊ أن البكاء من الرحمن والصراخ من الشيطان، ولقد ذكر الرواة أنه
_________________
(١) سورة الإسراء: ١٥.
[ ١ / ١١٨ ]
بكى عندما مر بالأبواء، وبكى من معه لتذكر أمه، ولقد قال القرطبى فى تذكرته «جزم أبو بكر الخطيب فى كتاب السابق واللاحق، والناسخ والمنسوخ، وأبو حفص عمر بن شاهين بإسناديهما عن عائشة ﵂، قالت: حج بنا رسول الله ﷺ حجة الوداع فمر على قبر أمه، وهو باك حزين مغتم، فبكيت لبكائه صلى الله تعالى عليه وسلم، ثم إنه نزل، فقال: يا حميراء استمسكى، فاستندت إلى بيت البعير، فمكث عنى طويلا، ثم عاد إلى وهو فرح مبتسم، فقلت: يأبى أنت وأمى يا رسول الله نزلت من عندى وأنت باك حزين مغتم، فبكيت لبكائك، ثم عدت وأنت فرح مبتسم، فيم ذا يا رسول الله، فقال «ذهبت لقبر امنة أمى، فسألت أن يحييها الله تعالى، فأحياها فامنت بى» .
روى فى إحياء أمه وأبيه خبر مثل ذلك بسند فيه مجهولون.
ونحن نرى أن توافر السند الصحيح فى هذه الأخبار غير ثابت، ولكن نقول ما قاله صاحب الروض الأنف- «الله قادر على كل شيء، ولا تعجز رحمته وقدرته عن أى شيء، ونبيه ﵊ أهل أن يخصه بما شاء من فضله، وينعم عليه بما شاء من كرامته صلوات الله تعالى وسلامه عليه» .
ولقد روى الحافظ ابن كثير أحاديث كثيرة فى هذا الباب، وذكر أن فيها غرابة، وذكر الخبر الذى سقناه عن عائشة رضى الله ﵎ عنها أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، سأل ربه أن يحيى أبويه فأحياهما وامنا به ثم قال فيه: «إنه حديث منكر جدا، وإن كان ممكنا بالنظر إلى قدرة الله تعالى- لكن الذى ثبت فى الصحيح يعارضه» «١» .
وخلاصة القول، وهو ما انتهينا إليه بعد مراجعة الأخبار فى هذه المسألة أن أبوى محمد صلى الله تعالى عليه وسلم فى فترة، وأنهما كانا قريبين إلى الهدى، وإلى الأخلاق الكريمة التى جاء به شرع ابنهما من بعد، وأنهما كانا على فترة من الرسل، ونعتقد أنه بمراجعة النصوص القرانية والأحاديث الصحيحة لا يمكن أن يكونا فى النار، فأمه المجاهدة الصبور، الحفية بولدها. لا تمسها النار. لأنه لا دليل على استحقاقها، بل الدليل قام على وجوب الثناء عليها هى وزوجها الذبيح الطاهر.
وما انتهينا إلى هذا بحكم محبتنا لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وإن كنا نرجوها ونتمناها، ولكن بحكم العقل والمنطق والقانون الخلقى المستقيم، والأدلة الشرعية القويمة، ومقاصد الشريعة وغاياتها.
_________________
(١) البداية والنهاية ج ٢ ص ٢٨١.
[ ١ / ١١٩ ]
فى حضن عبد المطلب
٩٦- عادت أم أيمن بركة الحبشية إلى مكة وسلمت الغلام الطاهر إلى جده عبد المطلب، وقد بلغ السادسة من عمره الكريم العامر بالخير، وعمل الصالحات، فأدناه إليه وقربه.
وفى البيت كان الصبية من أولاد عبد المطلب، والشباب من الرجال والنساء، كان فيه حمزة وكان فيه العباس، وكانت فيه هالة زوج عبد المطلب وابنة عم أمه، فهى ذات رحم، وما كان يمكن أن تنظر إليه، كما تنظر أزواج الاباء، إلى ذرية أزواجها، بل كانت تعد كخالته، لأنها ابنة عم أمه، وهى ربة البيت الراغبة لبيت زوجها الكريم، ولذريته الأطهار، فما كانت تنظر إليه شزرا، بل كانت تحبوه من عطفها ما تحبوه لولدها، فكان فى وسط مملوء بالعطف والصلاح، فما قهره يتمه، ولا أرهقه فقد أبويه، وإن لم يكن عزه كمثل عزهما، ولا عطفه كمثل عطفهما، ولكن من حواليه، لم يبقوا عطفا يستطيعونه إلا قدموه.
وكان جده عبد المطلب يرى فيه أعلى صورة للغلمان، والتقت فيه محبتان من عبد المطلب، إحداهما محبة أبيه الذى اهتصره الموت، وعوده أخضر، ومحبة الغلام الطاهر فى ذاته، فكان يدنيه إليه، وإذا كان اليتم بطبيعته يوجد انفرادا نفسيا، واعتزالا، فإن الجد العظيم خشى أن يكون لذلك أثره فى قلب هذا الغلام الحبيب، فكان يبالغ فى تقريبه منه حتى يأنس به دائما، جاء فى السيرة لابن إسحاق: «كان يوضع لعبد المطلب فراش فى ظل الكعبة وكان بنوه يجلسون حول فراشه ذلك حتى يخرج إليه لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالا له، فكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يأتى وهو غلام جفر حتى يجلس عليه، فيأخذه أعمامه ليؤخروه عنه، فيقول عبد المطلب إذا رأى ذلك منهم: «دعوا ابنى فو الله إن له لشأنا» ثم يجلسه معه على فراشه، ويمسح ظهره بيده، ويسره ما يراه يصنع» .
حباه عبد المطلب بالعطف الأبوى، فكان ينسبه إليه مباشرة فلا يقول ابن عبد الله، ولكن يقول ابنى، ليأتنس به ويؤنسه، ويمنع عنه الإحساس بغربته بين أولاده، ولكيلا يحس بأنه دونهم، ويفضله عليهم فى المجلس. ليمنع قهر اليتم، فألقى الله سبحانه محبة منه عليه.
إن أخشى ما يخشاه القوامون على اليتامى أن يحسوا بانفراد، فلا يألفوا الناس، فكان عبد المطلب الحكيم العطوف الكريم يبث روح الائتلاف فى هذا اليتيم.
وكأن فطرة عبد المطلب السليمة، وفراسته كانا يلهمانه أنه سيكون له شأن، وبدت إرهاصات ذلك فى منامه الذى ارتاه، ثم فى أحواله التى شاهدها، ثم فى الأخبار التى جاءت عنه وهو فى البادية عند حليمة
[ ١ / ١٢٠ ]
وزوجها، ولذلك كان يبدو على لسانه ما يدل على أنه يتوقع له خيرا عظيما، كما جاء فى الخبر الذى سقناه، وقد قال أيضا ابن اسحاق، مرويا بسنده، «لما توفيت امنة قبضة إليه جده عبد المطلب، وضمه ورق عليه رقة لم يرقها على ولده، وكان يقربه منه ويدنيه، ويدخل عليه إذا خلا، وإذا نام، وكان يجلس على فراشه، فيقول عبد المطلب إذا رأى ذلك: «دعوا ابنى إنه يؤسس ملكا» «١» .
وكان فى ذلك البيت قلب اخر منحه محبة الأم، ورأت فيه وجودها، تحنو عليه كأمه، وهى التى حضنته كأمه، واوت به من غربته وهى أم أيمن، وكان عبد المطلب يعتمد عليها إذا غاب عنه فى رعايته فكان يحثها على أن تبلغ أقصى الغاية فى العناية به، فيقول: لها «يا بركة لا تغافلى عن ابنى فإنى وجدته فى غلمان قريب من السدرة، وإن أهل الكتاب يزعمون أن ابنى نبى هذه الأمة» .
ولكمال عطفه، وإيناسه، وتأليفه بكمال حنوه كان لا يأكل طعاما إلا يقول على بابنى، فيؤتى به، ولكن الله تعالى يختبر نفس الغلام بحرمان ثالث، فقد اختطف الموت أباه ولم تكتحل عيناه برؤيته، واختبره ثانيا بأن اهتصر الموت عود أمه، وقد أدرك معنى حنو الأمهات، وراها كالعود الأخضر، يذبل، ويذوى، ثم اختبره ثالثة، وقد رأى جده الكريم يتركه، فقد الأبوة القريبة، والأبوة البعيدة، وقد أحس بعظم ما فقد عند سمع المراثى فيه، وهى تعلن مكانته، ومحبته وأنه قد ابتدأت، وهو لا يزال حيا، ولكن الموت يدنو منه.
وكانت الأشعار تجيء بالرثاء من بناته، ويقول ابن إسحاق «إنه لما أحس بذلك الموت أمر بناته أن يرثينه فكن يرثينه، وهو يسمع» .
وهذا الرثاء هو أبلغ النواح، وإن ذلك الخبر يدل على أنه كان فى وعى كامل، ولم يصبه خرق الشيخوخة.
فى كنف أبى طالب
٩٧- كان اليتيم الكريم يعيش فى عزة وعطف، ورفق فى أحضان أمه الطاهرة، وحاضته البرة أم أيمن بركة هذا البيت، وكنف الشريف فى قومه السيد فى قبيلته، لم يحس بالمهانة أو القهر، بل أحس بالشرف والكرم والرفق والعطف، واستمرت هذه حاله الى أن بلغ الثمانية.
وقد مات جده، وكافله فى الثامنة من عمره، ولكنه لم يفقد عطفه وهو يعالج سكرات الموت، بل استمر قائما بحقه عليه، ولذلك عندما أحس بالموت يدب فى جسمه دبيبا، أوصى أبا طالب بحفظ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وحياطته، وقد اختصه بهذه الوصية، لأنه كان فى قريش له مقام
_________________
(١) البداية والنهاية ج ٢ ص ٢٨٢.
[ ١ / ١٢١ ]
المطلب بعد أبيه، ولأنه أقرب كل بنيه إليه، لأنه ابن شقيقه، إذ أمهما واحدة، وهى فاطمة بنت عمرو بن عائذ من بنى مخزوم.
وقد قام أبو طالب بحق الوصية، فكان يرعاه حق الرعاية، فكان يصاحبه فى غدوه ورواحه ما أمكنت الصحبة. لأنه ابتدأ يتعود عادات الشباب، ولا يغنى عنه فى هذا الدور من حياته إلا الصحبة الموجهة، فكان يصحبه لهذا، ولمحبته الشديدة له، فكان يختصه بمحبة لا يحب أولاده بمثلها، فكان لا ينام إلا بجواره فى منامه، وقد لا حظ فيه يمنا لم يلاحظه من قبل، وكان مثله، كمثل حليمة وأولادهم، إذ حل فيهم فشبعوا بعد جوع، ودرت عليهم أخلاف ناقتهم بعد أن جفت.
كان أبو طالب فى بعض الأزمة المادية، فكان عياله إذا أكلوا لم يشبعوا وإذا أكل معهم محمد الميمون شبعوا، فكان أبو طالب إذا أراد أن يغذيهم قال لهم كونوا كما أنتم حتى يجيء ولدى، وهو محمد ﵊، فإذا جاء أكلوا معه، فكان الطعام يفضل منهم، وإذا لم يكن معهم لم يشبعوا فيقول أبو طالب: «إنك لبار» هذا ما قصه ابن إسحاق فى سيرته «١» .
وليس عندى ما يسوغ لنا أن ننقض ذلك الكلام، فهى قدرة الله تعالى على كل شيء، وإذا اختص الله بها محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم، فهى إرهاصات الرسالة وقد جرى على يديه وفى أحواله خوارق عادات أخري، أوضح وأظهر وأبين، فالضوء الذى صاحب ولادته، وارتجاس إيوان كسري، وتهدم غرفاته، وخمود نيران المجوس، والبركة التى حلت على حليمة وذريتها بقدومه، كلها أحوال خارقة للعادة هذا دونها فى الإرهاص.
ولكن جاء عن الحسن بن عرفة ما قد يوميء بالتعارض الظاهرى. فإنه روى عن ابن عباس أنه قال: كان أبو طالب يقرب إلى الصبيان صفحتهم، فيجلسون وينتهبون، ويكف رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فلا ينتهب معهم، فلما رأى ذلك عمه عزل له طعامه على حدة.
وهذا قد يوهم التعارض، وبفحص الخبرين يتبين أنه لا تعارض لأن الأول يتبين منه أن الشبع وفضول الطعام يكونان إذا كان بينهم، وليس معنى ذلك أن ينتهب كما ينتهبون، إنما معناه أن يأكل وقد عزل له طعام خاص، حتى لا يتسابق معهم فى الالتهام، إذ نفسه العفوف تأبى عليه أن يزاحم فى مد الأيدى إلى الطعام، فذلك من تأديب الله تعالى له، وما منحه عن عفة وابتعاد عن الجشع فى الطعام وغيره، كما يبدو من صفحة حياته.
وإنه يكفى أن يكون معهم فى الطعام لتكون البركة، ولعل البركة تزداد بهذا التخصيص الذى اختصه به أبو طالب فإن الله تعالى قابل ذلك التخصيص من عبده الكريم بفيض من فيضه العميم.
_________________
(١) البداية والنهاية ج ٢ ص ٢٨٢.
[ ١ / ١٢٢ ]
إلى العمل
٩٨- اتجه محمد صلى الله تعالى عليه وسلم إلى العمل، وقد شب عن الطوق، وإن كان لم يبلغ سن المراهقة، واتجه إلى العمل الذى يستدعى رفقا منه ورعاية، وفيه حنو على الضعفاء، اتجه إلى رعى الأغنام، وهو عمل فيه ثلاث مزايا:
إحداها: أن فيه سياسة لحيوان ضعيف يقتضى عطفا ورفقا فى سياسته.
والثانية: أنه يعاشر فيه الضعفاء من الغلمان الذين ليس فيهم استعلاء أهل الجاهلية الأولى الذين كانوا يستعلون بشرفهم.
والثالثة: أن فيه كسبا ماديا من عمل اليد، وأفضل الكسب ما كان عمل اليد.
وإنه كان يرعى الغنم فى بنى سعد، مع إخوته من الرضاعة أولاد حليمة، فكان يلهو معهم بذلك الرعى فى اخر أيام رضاعته، وأولى سنى حضانته، فكان لهوا مفيدا، وخير اللهو ما كان فيه مصلحة، وفائدة، وكان بلا شك ذلك النوع أجره فيه، إذ أنه لهو، وأجرته هى متعة اللهو الحلال المفيد.
وثبت أنه رعى الغنم فى مكة، وقد كان فى سن شب فيها عن الطوق كما أشرنا، وقد اتجه إليه غير لاه به، ولكنه عامل فيه ليكتسب حلالا، ويأكل طيبا.
ولقد ثبت فى الصحاح أنه كان يرعى الغنم فى مكة على قراريط، يأخذها من أهلها، والقراريط، هى حصته من اللبن فيما يظهر، فهو يرعاها على أن يكون له حصته من لبنها يناله، ولعله كان يتغذى بها مع أولاد أبى طالب، أو يأكل منها، ويتصدق، فينال خيرين: خير الكفاية، وخير الصدقة أو المودة.
ويظهر أن رعاية الغنم من تربية الله للنبيين، إذ تعودهم على الرفق، والعطف على الضعفاء، وحسن قيادة النافر، وتأليفه وتقريبه، وإدنائه من قطيعه.
ولقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم فيما ذكره ابن إسحاق بسنده: ما من نبى إلا وقد رعى الغنم، قيل: وأنت يا رسول الله! فقال نبى الرحمة: وأنا.
وقد روى فى بعض الأخبار أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قال: «بعث موسى ﵇ وهو راعى غنم، وبعث داود ﵇ وهو راعى غنم، وبعثت وأنا راعى غنم» .
[ ١ / ١٢٣ ]
وجاء فى الروض الأنف فى تعليل ذلك: «وإنما جعل الله تعالى هذا فى الأنبياء تقدمة لهم ليكونوا رعاة الخلق، ولتكون أمتهم رعاية لهم، وقد رأى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أنه ينزع عن قليب، وحوله غنم سود، وغنم عفر، قال ثم جاء أبو بكر رضى الله تعالى عنه فنزع نزعا ضعيفا، والله يغفر له، ثم جاء عمر، فاستحالت غربا، يعنى الدلو، فلم أر عبقريا يفرى فريه» فأولها الناس بالخلافة لأبى بكر وعمر ﵄، ولولا ذكر الغنم السود والعفر لبعدت الرؤيا عنهما «١» .
وإن هذه الرؤيا الصادقة أو مأت إلى الرعية، بأنها كالغنم العفر، للإشارة إلى أن الرعية يسوسها حاكمها بالرفق والعطف، والتوجيه من طلب الغذاء لها من غير إعنات، ينقلها من الخير إلى الخير من غير إرهاق ولا إكراه، ولا إيذاء، كما ينقل الراعى قطيعه من كلأ إلى كلأ، ومن ماء إلى ماء بالترغيب والتحبيب لا بالإيذاء والترهيب.
حماية الله تعالى
٩٩- حمى الله تعالى محمدا فى نشأته، فكفله محبوه، فلم ترهق أعصابه، ولم يرهق فى يتمه، فنبت نبتا حسنا محبوبا أليفا مألوفا، وحمى نفسه من أن تتردى فى مهاوى الانحراف.
لقد كانت طبيعة العمل الذى اختاره الرسول، لأنه أسهل الأعمال إليه أن يختلط بصبيان من طبقات مختلفة أكثرهم من طبقات الفقراء والخدم والعبيد، فأولئك الذين كانوا يؤجرون لهذا العمل الذى لا يعد من معالى الأعمال بل يعد من صغارها، ومع أنه كان مع الخدم والعبيد والغلمان، لم تنزل نفسه عن عزتها من غير استعلاء، فكان يجذبه إلى العلا شرف نسبه وطيب محتده، وما يراه فى أسرته من سمو وعلو وسيادة، وما يكمن فى طبعه الكريم من حب لمكارم الأخلاق من غير غطرسة، ولا كبرياء، ولا استهانة أو استصغار للضعفاء، ويجذبه إلى التطامن والرضا بالقليل صغر العمل فى ذاته من غير نظر إلى ثمراته، وأثره فى تربية النفس على حسن المعاملة، والرفق بالناس.
وكان الأحداث منهم خصوصا الذين انغمس ذووهم أو أولياؤهم فى الشهوات يستولى على قلوبهم حب اللهو البريء وغير البرىء، ومنهم ينزع إلى الشر من بعد، ويكون عنصر فساد فى المجتمع إذا شدا وترعرع وبلغ أشده، وإذا كان الضعف يثير الرحمة، ويدفع إلى الحب الخالص البريء، فهؤلاء يدفعون إلى المجون، والمجون يهدى إلى سيطرة الهوى وسيطرة الهوى تهدى إلى الفساد، والصحبة تجعل السقيم يعدى البرىء، وقد تعدى الصحاح مبارك الجرب، كما يقول الشاعر العربى الحكيم.
_________________
(١) الروض الأنف ج ١ ص ١١ طبع المغرب.
[ ١ / ١٢٤ ]
فكان أشد ما يخشى على محمد ﵊ فى صباه هو عدوى المجون، إذ هو محبب إلى نفوس الغلمان فى سن المراهقة، ومحمد ﵊ كان مراهقا فى هذه السن، ولكنه تربية الله فجنبه ذلك، وأبعده، ويحكى عن نفسه ﵊ والمجون يساوره، فيعصمه الله تعالى، فيقول، وهو الصادق الأمين ما روى البخارى عنه، أنه قال «ما هممت بشيء من أمر الجاهلية إلا مرتين» .
وقد ذكر ابن إسحاق أن إحدى المرتين كان فى غنم يرعاها هو وغلام من قريش، فقال لصاحبه اكفنى أمر الغنم حتى اتى من مكة، وكان بها عرس فيه لهو وزمر، فلما دنا من الدار ليحضر ذلك ألقى عليه النوم، فنام حتى ضربته الشمس عصمة من الله تعالي.
وفى المرة الاخرى قال لصاحبه مثل ذلك، وألقى عليه النوم كما ألقى فى المرة الأولى، وترى من هذا حماية الله تعالى له من الاسترسال فى الهوى، فهو فى الخطوة الأولى سد الطريق، لا بمجاهدة نفسية، لأن سنه لم تكن تقوى على المجاهدة النفسية، بل بأمر خارج عن إرادته، وهو النوم الغامر، وكان له نعمة، وتوالى ذلك النوم، حتى قويت إرادته، وكانت له عزيمة تمنع، وقوة إرادة، وبمقتضى النظام الفكرى، أنه لو لم يعصمه الله تعالى بالنعاس الذى منعه، ربما كان يسترسل فى اتباع الهوى، وبذلك تسيطر الشهوات، فكانت العصمة المانعة فى أول الخطوة، وأول الدفعة، وإنما الصبر عند الصدمة الأولى كما قال ﵊ من بعد أن منحه الله تعالى الرسالة.
إلى التجارة
١٠٠- اشتهرت قريش بين العرب بالتجارة، فكان سراتها تجارا، ذلك أنها لم تكن بلد زرع، بل كانت بواد غير ذى زرع ولم يكن فى العرب صناعة تكون موردا اقتصاديا، لأنها كانت مثابة أمن للناس بوجود البيت الحرام، فكان حجاح ذلك البيت يجيئون من كل فج عميق، وكانت الأسواق تقام فى الحج، كان فيها الاتجار، وفيها تعقد ندوات الشعر، والمسابقات البيانية، فكان مع تبادل البضائع تروج بضاعة البيان.
وكان كسب أغنياء قريش من التجارة، وأوساطهم فى المال كانوا يتجرون كل على حسب طاقته، وعلى حسب ما عنده من المال، وكبار التجار منهم كالعباس بن عبد المطلب، والوليد بن المغيرة وأبى بكر، كانوا يتجرون فى الجلب من اليمن والشام.
[ ١ / ١٢٥ ]
وكانوا ينقلون بضائع الفرس إلى الرومان عن طريق اليمن، وبضائع الرومان إلى الفرس عن طريق الشام، فكانت لهم رحلتان: إحداهما فى الصيف يذهبون فيها إلى الشام يجلبون إليها بضائع الفرس، ويحملون فيها بضائع الرومان، والاخرى فى الشتاء يحملون منها بضائع الفرس ويحملون إليها بضائع الرومان، فكانت التجارة الخارجية سبيل ثروة كبارهم، والتجارة الداخلية مرتزق أوساطهم، وأما فقراؤهم فكان مرتزقهم من النعم الإبل والبقر والغنم.
ولذلك كان من مقتضى هذه الحياة التجارية أن يتجه محمد ﵊ إلى التجارة، عمل الأغنياء ومرتزق الأوساط، وما من المعقول أن يستمر راعى أغنام، فإنها تناسبه وهو صغير السن، أما إذا كبر، فإنه لابد أن يتجه إلى التجارة الداخلية والخارجية، وأن يعرف الأسواق التى يكون منها الاستيراد، ويكون عن طريقها التصدير، ولابد حينئذ من أن يسافر، وقد ألهمه الله تعالى أن يطلب السفر مع قافلة قريش التى تحمل البضائع إلى الشام، وتجلب منها.
سفره مع عمه
١٠١- عندما بلغ سن المراهقة وشب عن الطوق كان لابد أن يتجه إلى مرتزق قومه وهو التجارة كما نوهنا من قبل، وجد القافلة وفيها كافله وولى نفسه، عمه أبو طالب، فابتغى أن يكون مع هذه القافلة، يسير بسيرها، ويجرب الحياة عن طريقها، ويدرس شئون التجارة التى يمارسها كبار التجار بمكة، ويتعرف الأحوال، ويكون على خبرة بالحياة وما يجرى فيها.
ويظهر أن عمه كان يستصغر سنه، ويرى أن تلك الرحلة الشاقة فوق طاقته، فوق أنه لا منفعة له فيها، إذ ليس فى القافلة مال له، حتى يتعرف حاله.
ولكن شدة رغبة النبى ﵊ جعلته يستجيب لطلبه ولقد عبرت كتب السيرة عن رغبة محمد ﵊ بقولها «صب به رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم- أى تعلق بالسفر- وأحب الصحبة فرق له أبو طالب وقال «لاخرجن به معى ولا يفارقنى، ولا أفارقه أبدا» .
ونقف هنا وقفة قصيرة، لماذا كان التعلق الشديد بذلك السفر؟ قد بينا ما فيه الجواب عن ذلك، وهو تعرفه التجارة وشئونها معرفة عيان لا معرفة إخبار، وأن يمهد لنفسه ممارستها، والاتجاه إليها بدل الاقتصار على رعى الغنم.
[ ١ / ١٢٦ ]
أما امتناع أبى طالب ابتداء كما يوهم القول، فسببه الخشية عليه من وعثاء الطريق، ولخشية الضيعة، ولذا عندما نزل على إرادته قال «لا يفارقنى ولا أفارقه» .
خرج محمد صلى الله تعالى عليه وسلم مع عمه للتجارة بالشام، فحلت القافلة بأرض مدينة بصرى، وبصرى كانت موطنا لصوامع الرهبان، يقيمون بها، منصرفين إلى عبادتهم، وتعرف الإنجيل والتوراة، وما يحتويان، فكان لهم مع الرهبنة والزهادة علم بالكتاب وإشارته، وتبشيراته.
ارهاص وبشارة بالنبوة:
١٠٢- قامت هذه الرحلة مشتملة على إرهاص كبير معلم بنبوة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وفيها إعلان عن البشارة بهذه النبوة والإعلام بأماراتها.
لقد كان ببصرى راهب فى صومعة، اسمه بحيرى، وكان على علم بالكتاب، وكان نزلاء هذه الصومعة ذوى علم بالتوراة والإنجيل، يتوارثون ذلك العلم كابرا عن كابر.
وكان من طبيعة بحيرى كما هو طبيعة كل الرهبان ألا يخرجوا للقاء القوافل ولا تعرف أحوالها، ولا استضافة من فيها، لأن الرهبنة تتقاضاهم العزلة وهم لا يخرجون عن سنتها، ولا ينحرفون بأنفسهم عن أحكامها، ويظهر أن قوافل العرب تعودت هذا وتعودوها من هذا الراهب خاصة ألا يلقاهم، ولا يلقوه.
ولكنه فى هذه المرة خرج من صومعته، إذ رأى من البينات ما يتفق وما عنده من التبشير برسول يأتى من بعد عيسى اسمه أحمد. فخرج من الصومعة ليلتقى بتلك القافلة ويعرف من تنطبق عليه تلك الأمارات، ويتحقق فيه التبشير. ذلك أنهم نزلوا قريبا من صومعته، وأنه رأى غمامة تظلهم تسير حيث يسيرون وتقف حيث يقفون، وأنهم إذا اووا إلى فيء شجرة، رأى أغصانها تتهصر، وتميل حتى تظل واحدا منهم هو رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وجد هذه العلامات، ويظهر أنه لم يتبين ذلك الصبى، أو تبينه وأراد أن يعرف أحواله، وبقية الأمارات الدالة على أنه المذكور فى الإنجيل.
ولذلك أراد أن يزيد تعرفه بالقوم، فاتجه إلى إكرامهم، فأقام لهم وليمة عامة تشمل صغيرهم وكبيرهم، لا يتخلف منهم أحد، وأرسل إليهم يدعوهم، وقال فى رسالته لهم: «إنى صنعت لكم طعاما يا معشر قريش، فأنا أحب أن تحضروا كلكم، كبيركم وصغيركم، وعيدكم وحركم» .
لم يكن العجب من الدعوة إلى الطعام، إنما كان العجب من أنه ترك صومعته، وخرج إليهم، ولذا قال رجل من قريش «والله إن لك يا بحيرى لشأنا اليوم، ما كنت تصنع هذا بنا، وقد كنا نمر بك كثيرا، فما شأنك اليوم» .
[ ١ / ١٢٧ ]
قال بحيرى: صدقت قد كان ما تقول، ولكنكم ضيف، وأحببت أن أكرمكم، وأصنع لكم طعاما تأكلون منه كلكم. فاجتمع القوم إليه، ولم يتخلف إلا محمد بن عبد الله رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لحداثة سنه، وبقى تحت الشجرة يرعى إبلهم ويحرسها، فلما راهم لم ير الصفة التى عرف بها الرسول المنتظر فى كتبهم، فذكر لهم أنه طلب ألا يتخلف أحد منهم عن طعامه، فقالوا: يا بحيرى ما تخلف أحد ينبغى له أن يأتى، إلا غلام وهو أحدثنا سنا، فتخلف فى رحالنا، قال: لا تفعلوا ادعوه، فليحضر هذا الطعام.
فقال رجل من قريش مع القافلة: واللات والعزى إن كان للؤم منا أن يتخلف محمد بن عبد الله ابن عبد المطلب عن طعام من بيننا. حضر محمد صلى الله تعالى عليه وسلم الوليمة، واختصه الرجل بفضل من العناية فاحتضنه وأجلسه.
أخذ بحيرى يلحظه لحظا شديدا، وينظر إلى أشياء من جسده، قد كان يجدها عنده من صفته.
حتى إذا فرغ القوم من طعامهم، وتفرقوا قال له: يا غلام أسألك بحق اللات والعزى إلا أخبرتنى عما أسألك. وإنما قال بحيرى ذلك، لأنه سمع قومه يحلفون بهما.
فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو غلام لم يبعث: لا تسألنى باللات والعزى شيئا، فو الله ما أبغضت شيئا قط بغضهما. عدل بحيرى عن استقسامه بهما، وقال: والله إلا أخبرتنى عما أسألك عنه، فقال ﵊: سلنى عما بدا لك.
جعل بحيرى يسأله عن رحلته وهيئته وأموره، ورسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يخبره، ويقول ابن إسحاق: فوافق ذلك ما عند بحيرى من صفته.
ثم نظر إلى ظهره، فرأى خاتم النبوة بين كتفيه، فى موضعه من صفته التى عنده.
فلما فرغ أقبل على عمه أبى طالب، فقال: ما هذا الغلام منك، قال: ابنى!! قال بحيرى: ما هو بابنك، وما ينبغى لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا. قال أبو طالب: فإنه ابن أخى. قال: فما فعل أبوه؟ قال:
مات وأمه حبلى به، قال: صدقت، ارجع بابن أخيك إلى بلده، واحذر من اليهود، فو الله لئن رأوه، وعرفوا منه ما عرفت ليبغنه شرا، فإنه كائن لابن أخيك شأن عظيم فأسرع به إلى بلاده.
فخرج به عمه أبو طالب سريعا، حتى أقدمه مكة، وأنجز تجارته «١» .
_________________
(١) البداية والنهاية لابن كثير، السيرة لابن هشام، الاكتفاء.
[ ١ / ١٢٨ ]
١٠٣- إن هذه رواية من الروايات التى رويت فى هذه الرحلة، والتقاء بحيرى الراهب. وليس فيما ذكره بحيرى، ولا فى أصل القصة غرابة؛ لأن التبشير بالنبى صلى الله تعالى عليه وسلم ثابت عند أهل الكتاب، وقد أشرنا إلى ذلك فى مقدمة كتابنا، وليس فى القصة أمر يستحيل تصديقه، أو يتعذر تصديقه، بل إنه خبر يتفق مع ابتداء نشأة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وإظلال الغمامة له ﵊، ليس فيه غرابة أو ما يظن أنه غريب فى زعم الذين يجحدون، ومن طبيعتهم جحود ما ليس ماديا ولا محسوسا، ولكن يرد عليهم جحودهم بأن شواهد الصدق فى الخبر قائمة، فخاتم النبوة كان أمرا ظاهرا في جسم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، راه الراؤن ووصفه الواصفون فإذا كانوا لا يؤمنون إلا بالمادى، فهذا أمر مادى ظاهر، وقد وجد فيه، ولم يوجد فى أحد من غيره، فكيف يمترون؟ وهناك شاهد اخر بالصدق، وهو وجود هذه الأوصاف المعروفة فى التوراة والإنجيل حتى بعد أن أصابها التحريف، وإذا كانوا قد نسوا حظا مما ذكروا به، وأفسدوا الباقى، فالبشارات تلوح معلنة وجودها، رغم أنف الجاحدين المستكبرين، فلا مجال لا رتياب مرتاب.
بقى فى كلام بحيرى أنه يخوف أبا طالب الكافل الكريم من اليهود، وفى بعض الروايات أنه يخوفه من الرومان لأنه يعرضه للأذى، والتخويف منهما معا جائز، وذلك لأن الرومان كانت الملكانية فى الطوائف المسيحية حريصة على معاداة العرب، وكل مذهب دينى غير الملكانية، ولذلك كانت العداوة شديدة اللدد بينهم وبين اليعقوبيين بمصر، وكان بينهما ما بين النصارى واليهود، بل كانوا أشد إيذاء، وحينما قربت العقيدة بين طائفتين كانت العداوة أحد، إذ كل حريص على أن يدمج الاخر فيه.
وأما اليهود فمع أنهم كانوا فى البلاد العربية يستفتحون فى يثرب على الذين كفروا بالنبى الذى ان أوانه، كانوا يكرهون أن يكون من بنى إسماعيل، لأن حسدهم يجعلهم يستكثرون أن يكون نبى من غير ذرية إسحاق ﵊.
وخاتم النبوة الذى كان فى ظهر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم هو لحم ناتيء بين كتفى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فى نسق ليس فيه تشويه للمنظر، قيل إنه كتفاحة، وقيل إنه كرقبة العنزة، وإن كثرة التشبيهات ممن رأوه فى جسم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ليست اختلافا فى أصله، ولكنه اختلاف فى عبارة الذين رأوا، والتشبيه من حيث حجمه، ونظر الذى وصفه. والرواية التى ذكرناها، هى أقصر الروايات عبارات.
وقد روى الترمذى رواية أخرى أطول، وقد جاء فيها أن بحيرى قال عندما أخذ بيد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم:
[ ١ / ١٢٩ ]
«هذا سيد العالمين، هذا رسول رب العالمين، يبعثه الله رحمة للعالمين. فقال أشياخ قريش: من أين علمك، قال إنكم حين أشرفتم لم يبق لشجر، ولا حجر إلا خر ساجدا، ولا تسجد إلا لنبى، وإنى أعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه، ثم رجع فصنع لهم طعاما» «١» .
١٠٤- عاد محمد صلى الله تعالى عليه وسلم من تلك الرحلة التى يبدو من ثناياها أن محمدا (﵊) أراد فيها أن يعرف الشام وأحواله، والتجارة، والصفق فى الأسواق، وبدت فيه تلك البشائر النبوية، وعلم الأشياخ من قريش مكانة ذلك الصبى، وهو المحبوب بينهم كثيرا كأبيه، حتى أنه لما نبههم بخيرى إلى أنه لم يكن بينهم ويجب أن يكون بينهم، تنبهوا، وقال قائلهم، إنه للؤم إذ لم يكن بيننا، وناداه واحتضنه، شعورا بالمحبة الشديدة المخلصة، وإشعارا بالندم على ما كان عندما رأوا هذه الحال.
وأخذ عمه أبو طالب بنصيحة الراهب، وقفل به راجعا مسرعا، خشية عليه مما خشى الراهب، من أن يغتاله اليهود، أو الرومان، فعاد به إلى قومه.
وإنه فى هذه الرحلة التجارية التى رغب فيها محمد ﷺ واستجاب له أبو طالب شفقة ورقة وملاطفة، وهو يحسب أنها من رغبات الصبيان، وأجابه محبة وتدليلا، يحسب أنه لا جد فيها، ولا غاية، ولكن الصبى يظهر أنه كان يريد منها الجد، فيريد منها الاستعداد لعمل يعتمد فيه على نفسه، ولا يكون كلا على عمه المحدود فى الرزق، فهو يريد الكسب من عمل يده.
وإذا كان اليتم لم يقهر محمدا ﷺ فى نفسه، إذ أعزه الله تعالى، وأكرمه، ولم يمكن أحدا من قهره فكان اليتيم العزيز المحبوب، فإن محمدا ﷺ استفاد من اليتم الجد فى طلب الرزق غير معتمد على أحد غير ربه، فنال من اليتم محاسنه، ولم ينل اليتم منه بمساوئه.
ذلك أن الثابت أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ابتدأ الاعتماد على نفسه من بعد، وقد رأينا أنه ابتدأ يرعى الغنم صبيا، فلما تجاوز الصبا إلى المراهقة اتجه إلى صناعة أشراف مكة، وهى التجارة، ولم يذكر التاريخ فى أى سن ابتدأ التجارة، ولكن الأمارات تصور لنا أنه ابتدأ فى سن مبكرة.
أولا- لأنه رغب رغبة شديدة فى أن يسافر إلى قافلة التجارة، ولا نفرض أنه طلب ذلك لمجرد متعة السفر، فإنه كان صبيا جادا، ولم يكن ممن يميلون إلى المتاع.
وثانيا: لأنه كان لا يمكنه أن يعتمد على ثراء أحد. إذ كان كافله الذى كفله، وهو أبو طالب فقيرا.
_________________
(١) الروض الأنف ج ١ ص ٢١٩.
[ ١ / ١٣٠ ]
محمد التاجر:
١٠٥- اتجه محمد صلى الله تعالى عليه وسلم إلى التجارة منذ بلغ البلوغ الطبيعى، وقد ثبت فى المصادر التاريخية أنه زاولها مع شريك أو شركاء، وقد ثبت أنه كان شريكا للسائب بنى أبى السائب، واستراح إلى شركته، ورأى فيه ما يمازج أخلاقه، وإن لم يسم إليها، ولكنه على أى حال رأى الشريك الأمين السمح فى معاملته، فكان التاجر لا يمارى ولا يجادل فى الشراء، ولا يخفى الخبيث من البضائع، ويظهر الطيب بلا مماراة فى تجارته.
وقد التقى به النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عند فتح مكة، فرحب به، ووفى له بحق الرفقة القديمة فى الاتجار، وتلقاه مستبشرا مرحبا، وقال له مذكرا بماضيه ليؤنسه فى حاضره: «مرحبا بأخى وشريكى، كان لا يشارى ولا يمارى» .
ولم يذكر فى التاريخ ما كان يتجر فيه، لأن كتاب السيرة لا يعنون فى حياة النبى ﷺ الإنسانية بمقدار عنايتهم فيما يتعلق بالرسالة، وإرهاصات النبوة، وخوارق العادة الصادقة التى أحاطت بحياته فى حله وترحاله، ووجهتهم فى ذلك أنهم يجعلون موضع الاهتمام فى دراستهم هو ما امتاز به من يدرسون حياته، ومثلهم فى ذلك أن من يكتب فى حياة رجل من النبغاء يعنى بجهة نبوغه، وموضع النبوغ، ولا يعنى بالنواحى الاخرى إلا لتصوير شخصه.
وكذلك الأمر بالنسبة لمحمد رسول الله تعالى، صلى الله تعالى عليه وسلم، وله ﵊ المثل الأعلى للإنسانية، كانت عناية كتاب سيرته الشريفة، بما يتصل بالرسالة مما سبقها ولحقها، وقليل منهم ما يكون اتجاهه إلى نواحيه المتصلة به كإنسان إلا أن يكون لذلك اتصال بموضوع الرسالة.
وقد كان محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، فى حياته الأولى راعيا للغنم، أو تاجرا مثالا للأمانة والصدق، وكان مرموقا من مكة، وأخص ما امتاز به فى حياته كلها الصدق والأمانة والوفاء بالعهد، ولطف العشرة وأنه موطأ الكنف يألف ويؤلف، يفتح قلبه لكل عمل كريم، ولا يضن على أحد بالمعونة إن لزمت.
كذلك كان فى كل أعماله فى الحياة، وكذلك كان فى تجارته، حتى سمى الأمين، وصار هذا اللقب علما له مع اسمه، فإذا أطلقت كلمة الأمين، لا تنصرف إلا إليه، إذ هى لا تطلق إلا عليه، وإن كل من يعمل بأمانة، ويقول بصدق دونه فى الأمانة والصدق، وكان لذلك فى مكان يعلو به على كل من فى مكة المكرمة من غير استعلاء ولا استكبار.
[ ١ / ١٣١ ]
ولكن ما الذى كان يتجر فيه؟ ما زال هذا السؤال يلح علينا ما دمنا لم نذكر مادة تجارته فيما ذكرنا، ولكن يصح أن نسد الفراغ فى هذا الجزء من تاريخه، ﵊، بأنه يتجر فى البضائع التى تتبادل داخل مكة المكرمة، ولا تذهب إلى خارجها، لأنه لم يعرف أنه خرج من مكة المكرمة مع قافلة التجار إلى اليمن أو الشام، فكانت تجارته ﵊، مع شريكه مقصورة على ذلك النطاق فى داخل المدينة، وما يفد إليها، وقد كانت فيها أسواق تمتليء بالتجار فى موسم الحج، وكون الحجيج يفدون من أقصى أرض العرب إلى أدناها لابد أن يجعل فيها بضائع ترد إليها مع الحجيج، ويأخذ الحجيج من بضائع فى مكة المكرمة يعودون بها إلى ديارهم.
وإذا كانت رحلة الشتاء والصيف لقريش فيها التجارة الخارجية التى ينقلون فيها بضائع الروم إلى الفرس وبضائع الفرس إلى الروم، فمكة المكرمة كان فيها الاتجار فى داخل البلاد العربية فى موسم الحج، ومنها بضائع الروم والفرس فى البلاد العربية، فكانت فيها الأسواق رائجة.
مشاركته فى الأمور الجامعة
١٠٦- لم ينقطع محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، عن قومه فى أعمالهم الجماعية، إذا كانت تتعلق بالتعاون على خير يقومون به، فإذا كانوا على أمر جامع ذهب إليه، وشارك فيه ما وسعه المشاركة، من غير أن يرضى بباطل، أو لا يبشر بحق، بل كان دائما مع الحق يستبشر به، وضد الباطل، ينغض رأسه به، من غير صخب ولا شحناء، فما كانت الشحناء من شأنه، ولا المباغضة من خلقه، بل هو فى كل أحواله الودود الحليم، والنفس الطيبة، وكان يحضر دار الندوة إذا انعقدت، ويستمع إلى كبراء العرب، فما يرضيه من قول الحق يستشرف إليه، ويستبشر به، وما لا يكون حقا، يبدو نفوره منه، ولا يرتضيه.
جاء فى كتاب زهر الاداب أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فى صباه حضر ندوة قريش، وقد حضر من اليمن كبارهم فنظر إليه قيل من أقيالهم، ورأى فيه نظرات قوية أحيانا، وهادئة مستبشرة أحيانا أخرى، فقال:
مالى أرى هذا الغلام تارة ينظر إليكم بعينى لبؤة، وأخرى بعينى عذراء خفرة، والله لو أن نظرته الأولى كانت سهاما لانتظمت أفئدتكم، فؤادا فؤادا، ولو أن نظرته الثانية كانت نسيما لأنشرت أموآتاكم.
لم يكن منقطعا عن الحياة الجماعية، إذ أنه رسول الرحمة والمحبة وتأليف الجماعات، فلابد أن يكون بينهم فى الكريهة والرخاء، لا يفترق عنهم إلا إذا كان الإثم، فإنه يجانبه من غير مباغضة لأهله، بل
[ ١ / ١٣٢ ]
يهداهم إلى الحق واجتناب الاثام، فمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم، ليس من طبعه الاعتزال، بل من طبعه الاتصال بالناس، ليعرف مواطن الصحة ومواطن المرض، فاعتزال الحياة والأحياء ليس من الطبع القوى، بل هو من الضعف العصبى، إلا أن يكون لعبادة، فإنه إن اعتزل الناس استأنس بالله، فيقدم من بعد ذلك على الناس، وقد ادخر لنفسه قوة يسير بها فى الحياة.
حرب الفجار
١٠٧- الفجار مصدر فاجر، فمصدر فاعل فعالا أو مفاعلة، كقتال ومقاتلة، ونقاش ومناقشة، والفجار معناه تبادل الفجور، أى وقع فيه كل من المتحاربين، وكان الفجور الذى تبادله الفريقان، هو أنهما أقدما على القتال فى الشهر الحرام، وابتداء القتال فيه كان حراما فى الجاهلية، ولعله بقية من بقايا إبراهيم ﵇، ولذلك جاء الإسلام بتحريم ابتداء القتال فيه أو السير بالقتال فيه إلا لضرورة، ولقد قال الله تعالى: «إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا فى كتاب الله يوم خلق السموات والأرض، منها أربعة حرم، ذلك الدين القيم، فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين كافة، كما يقاتلونكم كافة، واعلموا أن الله مع المتقين» «١» .
والأشهر الحرم كما روى عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم هى «ذو القعدة وذو الحجة، والمحرم، ورجب الذى بين جمادى وشعبان» وكان القتال فيها حراما ليكون الأمن والاطمئنان فى الحج إلى البيت والعودة منه، وكان رجب محرما فيه القتال، لأنه شهر عمرة مضر.
وقصة هذه الحرب، التى انتهك فيها الشهر الحرام كما جاءت فى كتب السيرة، أن رجلا من بنى هوازن اسمه عروة الرجال أجار عيرا للنعمان بن المنذر فيها تجارة وطيب وحرير، ومعنى إجارتها منع أى أحد من أن يعتدى عليها، ويقال إنها فى جواره، وتسمى هذه العير اللطيمة.
فلما كانت هذه الإجارة كبر على بعض رجال كنانة وهو البراض بن قيس، فقال غاضبا:
أتجيرها على كنانة، فقال عروة: نعم وعلى الخلق كله.
فسار الرجلان، وقد غافل البراض الكنانى عروة، وقتله، فقامت الحرب بين القبيلتين وانضمت قريش إلى كنانة، والتقت كنانة وقريش مع هوازن، واقتتلوا أربعة أيام، حضر النبى ﵊ رابعها. وكان اليوم الذى حضره النبى صلى الله تعالى عليه وسلم هو أشدها.
_________________
(١) سورة التوبة: ٣٦.
[ ١ / ١٣٣ ]
وقد توادع الفريقان على أن يستأنف القتال بينهما من العام القادم فى عكاظ.
فلما توافقوا فى الميعاد ركب عتبة بن ربيعة جمله، ونادى:
«يا معشر مضر علام تقاتلون؟ فقالت هوازن: ما تدعو إليه؟ قال: الصلح، قالوا: كيف؟ قال فدى قتلاكم (أى ندفع الدية عليها) ونرهنكم رهائن عليها، ونعفو عن دياتنا، قالوا: ومن لنا بذلك قال: أنا. قالوا:
ومن أنت؟ قال: أنا عتبة بن ربيعة. فدفع الصلح على ذلك. وبعثوا إليهم أربعين رجلا، فيهم حكيم بن حزام، فلما رأوا الرهائن من الرجال بين أيديهم عفوا عن ديانهم، وانقضت حرب الفجار بصلح كريم» .
١٠٨- وهنا نسأل: ماذا كانت سن النبى ﷺ فى هذه الحرب؟ وماذا كان عمله فيها؟ وما الذى حمله على الذهاب اليها؟
أما من ناحية سنه، فنقول: إن ابن هشام يقول فى سيرته: «إن سنه كانت بين الرابعة عشرة والخامسة عشرة» ويقول ابن إسحاق: إنه كان فى العشرين من عمره الكريم.
ولا نجد لإحدى الروايتين ترجيحا على الاخرى، إلا أن يكون سند ابن إسحاق أقوى، فلقد قال الشافعى ﵁ «الناس فى السيرة عيال على ابن إسحاق» ولعله يكون مما يقوى خبر ابن هشام من السيرة أن أعمام النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أخذوه فى هذا اليوم، فهذا يدل على أنه لا يزال حدثا، ومن بلغ العشرين يكون رجلا.
ومهما يكن فإنا نرى أنه كان ابن عشرين، كما يدل على ذلك ما يجىء فى حلف الفضول.
ومع أنه بلغ العشرين لم يقدم على القتال، لأنها ليست حربا عادلة، وفطرة محمد السليمة ما كانت لتسمح له بأن يقاتل فى حرب فاجرة انتهكت فيها الحرمات من الجانبين، فكلاهما اثم، فكيف يشترك الطاهر المطهر الذى رباه الله تعالى على عينه في حرب خالطها الإثم. فى سببها وفى زمانها، وفى وقائعها؟
لم يكن للنبى فى هذه الحرب إلا أنه شهدها بعد أن حمى وطيسها، وكان ذلك بسبب أعمامه الذين اشتركوا فيها، ولعله كان يود مشاهدتها، لأن له قلبا طاهرا، لا يسكن والناس فى كرب، فكان يشاهد، وإن لم يقم بعمل فيه حرب، ولقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم فى عمله الدافع للأذى، وليس فيه أحداث: «كنت أنبل على أعمامى» أى أمنع النبل عن أعمامى، فهو كان درعا واقية لأعمامه، فلم يغمس يده فى حرب إلا أن يكون واقيا لذوي رحمه كالئيه الذين رعوه حق الرعاية.
[ ١ / ١٣٤ ]
ومهما يكن الأمر فى شهوده تلك الحرب الاثمة، حتى فى نظر الذين أشعلوها، فقد كان من النظارة، ولم يشترك إلا أن يكون وقاية لذوى رحمه.
حلف الفضول
١٠٩- عاش النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فى مطلع حياته مع قومه يشاركهم وجدانهم، إذ كان يتجه إلى الخير، ويتجنب الشر ولا ينغمس، فهو يفعل ما يتفق مع الفطرة المستقيمة التى فطره الله تعالى عليها، والمنهاج القويم الذى هداه الله تعالى إليه وأدبه بأدبه.
ومن ذلك حلف الفضول الذى قال فيه ابن كثير إنه كان أكرم حلف وأشرفه فى العرب وقد كان ذلك الحلف، والنبى ﵊ قد بلغ العشرين، وقد أجمع الرواة على ذلك، وقالوا إنه كان بعد حرب الفجار. كان حلف الفضول فى شهر ذى القعدة، وكان الفجار قبله بأربعة أشهر، أى أن الفجار كان فى شهر رجب وهو من الأشهر الحرم، ولم يذكروا أن حرب الفجار كان والحج قائم، وشهر رجب ليس من أشهر الحج، وإن كان من الأشهر الحرم.
وقالوا أن سببه أن رجلا من زبيدة قدم مكة ببضاعة، فاشتراها منه العاص بن وائل، فحبس عنه حقه، فاستعدى عليه بنى عبد الدار، ومخزوما وجمح، وغيرهم، فلما رأى الرجل أن حقه ضائع، وبدا القعود فيمن استعان بهم علا جبل أبى قبيس عند طلوع الشمس، وقريش فى أنديتهم حول الكعبة المشرفة فنادى بأعلى صوته منشدا:
يا ال فهر لمظلوم بضاعته ببطن مكة نائى الدار والنفر
ومحرم أشعث لم يقض عمرته يا للرجال، وبين الحجر والحجر
إن الحرام لمن تمت كرامته ولا حرام لثوب التاجر الغدر
فالرجل يثير فيهم الحمية بذكر الظلم الواقع عليه، وأنه واقع ببطن أرض الله، وبجوار البيت المقدس الذى لا تخطف فيه الأموال وتضيع الحقوق، وأن الظلم بين الحجر، وبين الحجر الأسود الذى يقدسونه، ويشير إلى أنه محرم للعمرة
كان أول من استجاب لنداء الله، وتقدم لإغاثته بنو عبد المطلب، فقام فى ذلك الزبير بن عبد المطلب، وقال: ما لهذا مترك أى لا يصح أن يترك.
[ ١ / ١٣٥ ]
اجتمعت لهذا بطون بنى هاشم، وزهرة، وتيم بن مرة فى دار عبد الله بن جدعان، وكان جوادا، فصنع لهم طعاما، وكان ذلك فى ذى القعدة الشهر الحرام.
تعاقدوا وتحالفوا ليكونن على الظالم، حتى يؤدى إليه حقه، ما بل بحر صوفة، وما رسا ثبير وحراء مكانهما، وعلى الناس فى المعاش، فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول «١» .
وقد نفذ ذلك الحلف فور انعقاده، فقد مشى المتعاهدون إلى العاص بن وائل فانتزعوا منه سلعة الزبيدى فدفعوها إليه، وقد قال الزبير بن عبد المطلب معتزا به:
إن الفضول تعاقدوا وتحالفوا ألا يقيم ببطن مكة ظالم
أمر عليه تعاقدوا وتوافقوا فالجار والمعتر فيهم سالم
ولقد سر النبى ﵊ لشهوده ذلك الحلف، وأعلن أنه ينفذه فى الإسلام: «لقد شهدت فى دار عبد الله بن جدعان حلفا ولو دعى به فى الإسلام لأجبت تحالفوا على أن يردوا الفضول إلى أهلها» .
وروى أنه ﵊ قال: «ولقد شهدت فى دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لى به حمر النعم، ولو دعى به فى الإسلام لأجبت» .
ولقد نفذ الحلف قبل بعثة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فيروى أن رجلا من خثعم قدم حاجا أو معتمرا ومعه ابنته من أوضأ الناس جمالا، فأخذها عنوة منه نبيه بن الحجاج وغيبها، فقال الخثعمى: من يعدينى على هذا الرجل؟ فقيل له: عليك بحلف الفضول، فوقف عند الكعبة المشرفة، ونادى: يا ال حلف الفضول، فإذا هم يفيضون إليه من كل جانب، وقد انتضوا أسيافهم يقولون جاءك الغوث، مالك، فقال إن نبيها ظلمنى فى بنتى، وانتزعها منى قسرا، فساروا معه، حتى وقفوا على باب داره، فخرج إليهم، وما زالوا به حتى عادت الفتاة إلى أبيها.
وإن ذلك الحلف كان لازما، لأن مكة كانت بلد العرب، وثمرات العرب تجيء إليها فلا بد أن يستقر فيها الأمن، ويكون بلد الاطمئنان والمحافظة على الحقوق، ولا يكون فيها اعتداء حتى يجيء الناس إليها.
_________________
(١) قيبل إنما سمى حلف الفضول، لأنه أشبه حلفا تحالفته جرهم على مثل هذا من نصر المظلوم على ظالمه، وكان الداعى إليه ثلاثة من أشرفهم اسم كل واحد منهم فضل، وهم الفضل بن فضالة، والفضل بن الحارث، والفضل بن وداعة، وذكره ابن قتيبة، وقيل: سمى حلف الفضول، لأن أصحابه دخلوا فى فضل من الأمر التزموا به، وقيل إن الفضول معناها الحقوق، وتحالفوا على ردها.
[ ١ / ١٣٦ ]
ولأنها يحج إليها الناس من كل فج عميق، فلا بد أن يتعاون أهلها على جعلها مكانا تقدس فيه الحقوق كما يقدس البيت، ولأنها أرض البيت الذى جعله الله تعالى مثابة للناس وأمنا، فلا يكون الأمن للأرواح فقط، بل يكون للأرواح، وللأموال، ولكل ما يحتاج اليه اطمئنان النفس.
الزواج
١١٠- بلغ محمد صلى الله تعالى عليه وسلم سن الزواج، ولكنه لم يتزوج فى سن مبكرة، كغيره من الشباب، بل استمر لا يتجه إلى الزواج، أو لا يفكر فيه، حتى بلغ الخامسة والعشرين، كما سنبين.
ولماذا لم يعرف أنه فكر فى الزواج من قبل هذه السن، لقد كان عفا كريما، لم يقع منه فى طفولته ما يشين الكرام، وقد عصمه الله تعالى يوم هم، وهو طفل، أن يلهو بالوقوف عند عرس لا يغشى حراما، ولكن ربما يرى فيه حراما، فصانه الله تعالى بأن ضربه فنام، فنام الليلة كلها، حتى أيقظته الشمس فى ضحاها.
وهو ليس حصورا، كما دلت على ذلك حياته من بعد، وما كان خاملا في قومه، بل هو الذى إذا خطب لا ترد خطبته، وكان فيه خلق قويم يجعل القلوب تهفو إليه، وفيه جمال يجعل الأنظار تتعلق به، وتشرئب الأعناق إليه، وقريش كلها تحبه، وترضاه صهرا.
أكان فقيرا لا يجد ما يبوء به على أهله؟ نعم إنه لم يكن غنيا، ولكنه تعود منذ نعومة أظفاره أن يكون عاملا، فرعي الغنم، ثم اتجر، وإذا كان الاتجار لم يأته موفور يرفعه إلي الثراء، فقد كان فيه الاكتفاء، فلماذا إذن تأخر فى الزواج.
إن الذى نلمسه من تاريخ حياته فى ابتدائها، حتى صار شابا ممتليء الشباب أنه ما كان يعير شهوات البدن اهتماما، فليس للنساء موضع فى تفكيره، إنما يشغل النساء والطعام القلب الفارغ، وما كان محمد صلى الله تعالى عليه وسلم فى أى دور من أدوار حياته مما يشغل قلبه لذات الجسم، وشهوات النفس، لاعن ضعف فى النفس، ولكن عن قوة فيها، وهمة عالية تتجه إلى معالى الأمور، وعزيمة صادقة، وإرادة قوية، لا تجعل للهو سلطانا عليها، بل تجعل كل العواطف تحت سلطانها، والغايات العليا هى التى تجذبها، فلا تجذبه امرأة مهما يكن فيها من جمال، ولا تستولى على نفسه غاية يتغياها تتعلق بالبدن، ولا مطلب من مطالب الجسد، وإن لم يتجه إلى الحرمان فى ذاته.
[ ١ / ١٣٧ ]
وكأنه لا يعيش إلا فى حياة روحية من غير حرمان، فليست نفسه مثقلة بهموم الجسد، وإن شئت تقول أنه الملك المريد المكلف الذى لا يعصى الله، لأنه يريد ألا يعصى، فهو لا يعصى لا متناع المعصية عليه، بل لأنه يكف النفس عنها، فله فى الكف فضل، وليس كالملك يمتنع عليه العصيان.
خديجة:
١١١- لم يعرف أن محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم، يتكلم فى صغره، ولا فى باكورة شبابه فى أمر الزواج إلا بعد أن نبه إليه، وصار مطلوبا، ولم يكن طالبا، ولنذكر الأخبار كما جاءت فى كتب السيرة فيما يتعلق بزواجه من سيدة قريش، كيف ابتدأت بالمشاركة فى التجارة، ثم بالمشاركة فى الحياة.
اشتهر محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، بالأمانة والخلق الكريم، وتحدثت بأمانته الجماعات المكية فى سمرها وفى مجالسها، وكان قد مارس التجارة فى دائرة محدودة فى داخل مكة على قدر طاقته، وما يملك، وإنه لقليل.
وكان لخديجة مال كثير، حتى إن عيرها التى تحمل بضائعها، كانت تعادل عير قريش كلها فى حجمها، ونفاسة ما اشتملت عليه من بضائع التجار.
وكانت حكيمة شريفة فى قومها، تحتفظ بجمال، وشباب، وكانت أرملة زوجا لرجلين قد ماتا، وما كانت تتولى تجارتها بنفسها، لأن ذلك لم يكن شأنا من شئون النساء، بل السفر والترحال للاتجار كان من شئون الرجال، لصعوبة السفر فى هذا الإبان، وكما وصف السفر عبد الله بن عباس: لولا الأثر لقلت إن العذاب قطعة من السفر وليس هو قطعة من العذاب.
كانت خديجة مع قوة شخصيتها لهذه الاعتبارات لا تذهب بتجارتها إلى الشام، وكانت تسلك إحدى طريقتين- إحداهما- أن تؤجر ناسا يكونون وكلاء عنها فى التجارة على أجر معلوم تعطيهم إياه، على مقدار ما يبذلون من جهد فى الرحلة، يبيعون ويشترون باسمها، ولا شأن لهم فى كسب التجارة، وإنما لهم أجر معلوم يأخذونه كسدت التجارة أو ربحت، وأجرهم مقدر بالأمن أو بالعمل أو بهما معا.
الثانية: طريقة المضاربة الشرعية، وذلك بأن يتجروا فى المال بعقد بينها وبينهم على أن يكون الربح بينها وبينهم، مقسوما بحصص شائعة كالربع أو الثمن أو السدس، أو نحو ذلك، وملكيتها قائمة، وإذا خسرت التجارة تكون الخسارة عليها واحدها، لأن المال باق على ملكيتها، ويسمى هذا العقد المضاربة أو القراض.
[ ١ / ١٣٨ ]
ولا شك أن الطريقتين كانتا تحتاجان إلى أمانة كاملة، فكانت تتحرى فى أولئك العاملين لها الأمانة، لأنهم فى عملهم ينوبون عنها، ولا تلقاهم إلا فى ذهابهم ومجيئهم وكانت مع ذلك ترسل من قبلها من يكون معهم كميسرة مولاها.
ولما كان محمد صلى الله تعالى عليه وسلم يعمل فى تجارة محدودة، وقد بلغها أمانته، وشرفه، وعفته واستقامة نفسه، اتجهت إليه، وكان هو فى مطارح أنظارها، والظاهر أنه بمجرد أن خطر على خاطرها، لم ترض غيره بديلا، لأنه لم يكن له نظير بين العرب، فى أمانته وعفته وشرف نفسه، وخلقه الكريم، وبعده عن التدلى إلى مهوى الرذيلة.
١١٢- بينما هى تفكر فى اختياره وكيلا عنها فى رحلة القافلة التى تحمل عيرها مع غيرها كان أبو طالب عم النبى ﵊ يفكر فى أن يعرض محمدا، صلى الله تعالى عليه وسلم، عليها للعمل فى تجارتها وكيلا، ليبعد عن محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، جهد السنين الشديدة التى كانت فى الأسرة.
ويظهر أنها كانت تبحث عمن تراه كفئا لحمل العبء، ويتهافت عليها الطالبون، فأشار أبو طالب على محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، القوى الأمين، بأن يعرض نفسه مسارعا إلى ذلك خشية أن يسبقه غيره، ولكن محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم، يرى فى العرض ذلة لا يرضاها الكريم، ومثار اتهام لا يرضاه الأمين، فهو يريد عزة المطلوب، لا ذلة الطالب، ولننقل للقارئ الكريم المجاوبة التى كانت بين العم وابن الأخ:
قال أبو طالب: يا ابن أخى أنا رجل لا مال لى، وقد اشتد الزمان علينا، وألحت علينا سنون منكرة، وليس لنا مادة ولا تجارة، وهذه عير قومك قد حضر خروجها إلى الشام، وخديجة بنت خويلد تبعث رجالا من قومك، يتجرون فى مالها، ويصيبون منافع، فلو جئتها لفضلتك على غيرك، لما يبلغها عنك من طهارتك، وإن كنت أكره أن تأتى إلى الشام، وأخاف عليك من يهود، ولكن لا نجد بدا من ذلك.
فيقول محمد الأمين صلى الله تعالى عليه وسلم: لعلها ترسل إلى فى ذلك.
فقال أبو طالب: أخاف أن تولى غيرك «١» .
_________________
(١) المناقشة فى شرح المواهب اللدنية.
[ ١ / ١٣٩ ]
ونرى من تلك المناقشة كيف لا يعرض شرفه وأمانته، وتكونان محل قبول أو رفض لأن الأمين حقا وصدقا، لا يجعل الأمانة ولا الشرف متجرا يتجر به، ولكن الشرف فى ذاته مطلوب، والأمانة سجية، لا يتخذها سبيلا للكسب، وليس هو غايتها، لا تطلب إلا له، ولكن تكون ثمرة طيبة، كما تثمر الأرض الطيبة، والشجرة اليانعة.
قيل أنها بلغتها هذه المحاورة بين العم وابن الأخ فطلبته، وأنها كانت تعرف صدقه وأمانته وكرم أخلاقه. وأنها ما كانت تعلم أنه يريد هذا.
وعندى أنها كانت تفكر فيه، وأن رغبتها تلاقت مع رغبة عمه سواء أعلمت بالمحاورة أم لم تعلم، وإذا أراد الله تعالى أمرا تهيأت أسبابه، وكان التوفيق بنجاحه.
أرسلت خديجة إلى محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، تطلبه وقالت له:
«دعانى إلى البعثة إليك ما بلغنى من صدق حديثك، وعظم أمانتك، وكرم أخلاقك، وأنا أعطيك ضعف ما أعطى رجلا من قومك» .
إننا نلمح من ثنايا السطور أنها كانت راغبة فى أن تعهد إليه بتجارتها من ذات نفسها أو أنها لرغبتها أعطته ضعف ما كانت تعطى غيره، ولماذا ضاعفت الأجر؟ الجواب عن ذلك أنها وقع فى نفسها أن التجارة ستكون رابحة بفضل الأمانة، ولتشجعه على الحرص، وربما تكون رغبة خفية، جعلتها تعامله بما لم تعامل به غيره، وأخفت ما لا تبديه مما جرى من خير بعد ذلك.
ولقد سارع محمد ﵊، إلى عمه الحبيب يخبره بما جرى، لأنه طلبته، فسر عمه، وقال له «إن هذا رزق ساقه الله تعالى إليك» .
[ ١ / ١٤٠ ]
ارهاصات الرحلة
١١٣- فصلت العير، وفيها خير خلق الله تعالى، تكلؤها عنايته ﷾، ولم تكن سفرا قاصدا بل كان فيها مشقة، وإن لم يكن فيها عنت فوق الطاقة، وكانت عير خديجة واحدها، تبلغ عير قريش كما أشرنا، حتى بلغت سوق بصرى التى بلغتها القافلة الأولى التى كان فيها محمد ﷺ مع عمه أبى طالب، وهو فى الثانية عشرة من عمره.
وروى أنه وصل إلى سوق «حباشة» وهى أرض بتهامة، ولكن الرواية الأولى هى المشهورة وهى أقرب إلى التصديق، أو هى الصادقة، لأن تهامة من أرض العرب، والرحلة كانت إلى الشام، إذ كانت العير حاملة البضائع إلى الشام، لا إلى العرب.
وكان معه ميسرة مولى خديجة، لا ليرقبه، فما كان يتصور منها ذلك بالنسبة للنبى ﵊، ولكن ليخدمه وليعينه فى حله وترحاله.
وكان خروج العير أو وصولها لأربع عشرة بقيت من ذى الحجة «١»، وله ﵊ خمس وعشرون سنة.
وكأن هذه العير خرجت بعد قيام الأسواق التى تقام فى مكة أيام الحج، عكاظ، وذى المجاز، ومجنة، وهذا يوميء إلى أنها حملت من بضائع هذه الأسواق التى تجيء من اليمن وسائر نواحى العرب، قاصيها ودانيها، وذهبت إلى الشام محملة بها، وكانت البضائع تباع فى مكة، لتنقل من بعد إلى الشام، أو إلى اليمن.
ولما وصلت العير إلى بصرى كان السير قد بلغ منه الجهد فاوى إلى شجرة قريبة من صومعة راهب هو نسطورا، وهو غير راهب الرحلة التى كانت مع عمه، إذ الأول اسمه بحيرى، وهذا اسمه نسطورا وقد مضى على الأولى نحو ثلاث عشرة سنة، ربما يكون الأول قد مات، أو غير صومعته.
التقى الراهب بميسرة غلام خديجة، الذى كان فى معونة محمد ﵊ وخدمته، وقال له: من هذا الرجل الذى نزل تحت هذه الشجرة؟ قال: هذا رجل من قريش من أهل الحرم، قال الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة إلا نبى. وكأن هذه الشجرة منذ القدم هى منزل الأنبياء ينزلون فى ظلها وغيرهم ينصرفون، ولا يلوون عليها، وقد استبعد بعض كتاب السيرة هذا المعنى، لبعد العهد بين محمد ﵊، وعيسى ﵇، والشجرة فى نظر هؤلاء المستبعدين لا تعمر فى العادة هذا العمر الطويل، وليس من المعقول أن تخلو شجرة من أن ينزل فيها السيارة فى الطريق الطويل وفيه الظل
_________________
(١) المواهب اللدنية للعسقلانى وشرحها ج ١ ص ١٩٨.
[ ١ / ١٤١ ]
والحرور، اللهم الا إن يقال إن هذه خصوصية للأنبياء، ينصرف عن الإيواء إليها غيرهم، ويجيء إليها النبيون كأنهم مأمورون بالإيواء» .
ولهذا الاستبعاد فسر الأكثرون كلام الراهب بأنه ما نزل الان فى هذه الساعة تحت هذه الشجرة إلا نبى فهو يخص محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم، بوصف النبوة باعتبار أنه هو الذى نزل الان، لأمارات عنده.
وربما نميل إلى ذلك التفسير، لأنه لا دليل على تخصيص الأنبياء بشجر أو منزل أو نحو ذلك، وإنما التخصيص فى الإكرام الشخصى. والأمارات الظاهرة فيه. «١»
وقد قيل فى هذه الرحلة إنه كلما اشتد الحر، كان ميسرة يرى ملكين يظلانه من الشمس، وبعيره يحمله.
وليس لنا أن ننفى ذلك الخارق للعادة إذا روى بسند صحيح، لا مجال للريب فيه، ولكن فى رواية ذلك كلام.
أقام محمد ﵊ فى الشام حتى باع أحمال العير الخاص بخديجة، ثم بثمن ما باع اشترى بضائع من الشام، وقفل راجعا بها إلى مكة.
والربح يتعرف بمقدار الثمن الذى تبيع به لينقله التجار فى قافلة تذهب إلى اليمن. وقد باع كل البضائع التى اشتراها فى مكة، فكان الثمن ضعف رأس المال الذى كانت المتاجر التى ذهب بها محمد ﷺ فكأن الكسب كان مثل رأس المال.
وإن ذلك بفضل أمانة محمد ﵊، وحرصه فى التجارة، وبفضل ما هو أعظم من ذلك وهو البركة التى فاضت على محمد ﷺ فيما يعمل.
الإملاك:
١١٤- إن ميسرة مولى السيدة خديجة أخبرها بما رأى من طيب نفسه، ومن لطف عشرته، ومن حسن معاملته ومن سماحته، ومن أنه موطأ الكنف يألف ويؤلف، مع شرف محتده، ومكارم
_________________
(١) يروى أن الراهب لما راه دنا إليه وقبل رأسه وقدميه، وقال له: امنت بك وأشهد أنك الذى ذكره الله تعالى فى التوراة، فلما رأى الخاتم قبله، وقال: أشهد أنك رسول الله تعالى النبى الأمى الذى بشر بك عيسى.. إلى اخر ما قال. ويروى أنه فى أثناء تجارته اختلف على بعض معامليه فقال الرجل: أحلف باللات والعزى فقال: ما حلفت بهما، قال: القول قولك.
[ ١ / ١٤٢ ]
أخلاقه العامة والخاصة، ولعله أخبرها أيضا بما كان من لقاء الراهب، ومن إكرام الله تعالى فى الحر، وما حسبه ملكين يظلانه فى الحرور إذا اشتد، وغير ذلك من ارهاصات.
ثم ما كانت ترى من مكانة له فى قريش، ومحبة غامرة له من كل من يلقاه، فهو المحبوب المألوف.
كل هذا أوجد فيها طموحا لأن تكون زوجا له، وأن تكون أما لأطهر الأولاد من أطهر الرجال، ورغبت فى ذلك أشد الرغبة، وهى التى بعد هلاك زوجيها الأولين اللذين كان لها منهما الولد- كثر طلاب يدها من أشراف مكة، ولكنها العزوف العيوف التى ردت كل طلب مع كثرة من طلب، وعلو أقدارهم المادية فى نظر الناس، والنسبية فى نظر ذوى الأنساب.
ولكنها وجدت فى الشاب الهاشمى محمد ﷺ ما ليس فى الرجال شيبا وشبابا- فرغبت فى الإملاك منه فى غير عشق ولا هيام، ولا رعونة وطيش، ولكن فى إرادة مقدرة، وتفكير فى الماضى والحاضر والقابل، فقد علت خديجة عن حال العشاق، ولم يكن سنها، ولا شرفها، ولا مكانتها فى قريش لتسمح أن يغريها من الصفات ما يغرى الغريرات من النساء.
ولكن محمدا (﵊) هل طمع فى الزواج منها أو من غيرها؟ أو هل حدثته نفسه بمعنى من هذه المعانى، أو هاجسة من هذه الهواجس؟ إنه لم يثبت شيء من ذلك لأن محمدا ﵊ ما خلب كبده أمر من أمور اللذائذ والشهوات وما يتصل بها، ولكنه إذا نبه يتنبه، فكان لابد من منبه.
١١٥- أدركت بفطنتها وغريزتها أنه لابد من أن ينبه، فتولت هى ذلك الأمر وللنساء فيه قدرة، وإن كانت من مثل خديجة فيه مواجهة واحتشام من غير إسفاف.
أرسلت نفيسة بنت منية لتنبه محمدا ﵊ ولتجس نبضه. وقد فعلت، ولنترك الكلمة لها:
قالت: كانت خديجة امرأة حازمة جلدة شريفة مع ما أراد الله بها من الكرامة والخير، وهى أوسط قريش نسبا، وأعظمهم شرفا، وأكثرهم مالا، وكل قومها كان حريصا على نكاحها، لو قدر على ذلك، طلبوها، وبذلوا لها الأموال فأرسلتنى دسيسا إلى محمد صلى الله تعالى عليه وسلم بعد أن رجع فى عيرها من الشام، فقلت: يا محمد﵊- ما يمنعك أن تتزوج.. قال: «ما بيدى ما أتزوج به، قلت: فإن كفيت ذلك ودعيت إلى المال والجمال والشرف والكفاءة، ألا تجيب. قال: فمن هى؟ قلت: خديجة. قال: وكيف لى بذلك، فذهبت فأخبرتها فأرسلت إليه أن ائت لساعة كذا» ذهب محمد ﵊ للقائها، فواجهته بالأمر، وخاطبته بعد أن استوثقت من أنه لا يردها،
[ ١ / ١٤٣ ]
فقالت «يا ابن عم إنى قد رغبت فيك لقرابتك وسطتك «١» فى قومك، وأمانتك، وحسن خلقك، وصدق حديثك» وعند هذا العرض الكريم أعلن القبول، وإن لم يكن ذلك القبول فى عقد، بل هو خطبة.
والسيدة الكريمة الحازمة لم تترك الأمر بينها وبينه، بل لابد من تلاقى الأسرتين بعد، وتلاقى الإرادتين، وتوافق الرغبتين، لأن الزواج اتصال أسرتين لا مجرد اتصال فردين.
ولذا قالت لمحمد ﵊: اذهب إلى عمك، فقل له عجل إلينا بالغداة.
جاء إليها أبو طالب، فقالت له: يا أبا طالب اذهب إلى عمى، فقل له: يزوجنى من ابن أخيك.
فوافق أبو طالب على أصل الزواج، وعلى أن يقوم من جانبه، وقال: «هذا صنع الله» .
١١٦- تمت الخطبة، وتراضت الأسرة، وكان يوم الزواج، وكان الصداق اثنتى عشرة أوقية من ذهب ونصف أوقية.
اجتمع رؤساء مضر، وكبراء مكة وأشرافها لإتمام العقد، وكان وكيل الزوج عمها، وأبو طالب كان المتكلم باسم محمد ﵊، وقف أبو طالب خطيبا، وقال:
الحمد لله الذى جعلنا من ذرية إبراهيم، وزرع إسماعيل، وضئضيء معد «٢» وعنصر مضر، وجعلنا حضنة بيته، وسواس حرمه، وجعل لنا بيتا محجوجا، وحرما امنا، وجعلنا الحكام على الناس، ثم إن ابن أخى هذا محمد بن عبد اللهﷺ- لا يوزن برجل إلا رجح به، وإن كان فى المال قلا فإن المال ظل زائل، وأمر حائل، ومحمد صلى الله تعالى عليه وسلم- من قد عرفتم قرابته، وقد خطب خديجة بنت خويلد، وقد بذل لها من الصداق ما اجله وعاجله اثنتا عشرة أوقية ذهبا ونشا «٣»، وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم، وخطر جليل.
وقد وقف بعد ذلك ورقة بن نوفل «٤»، ويظهر أنه كان له ما يسوغ أن يعقد من قبلها وخطب قائلا فقال:
الحمد لله الذى جعلنا كما ذكرت، وفضلنا على ما عددت، فنحن سادة العرب وقادتها، وأنتم أهل ذلك كله لا تنكر العشيرة فضلكم، ولا يرد أحد من الناس فخركم ولا شرفكم، وقد رغبنا فى
_________________
(١) أى توسطك وكونك من أوسط قومك أى أعلاهم نسبا.
(٢) ضئضئ معناها أصل.
(٣) أى نصف أوقية.
(٤) كان ابن عمها.
[ ١ / ١٤٤ ]
الاتصال بحبلكم، وشرفكم، فاشهدوا يا معشر قريش بأنى قد زوجت خديجة بنت خويلد من محمد بن عبد الله- صلى الله تعالى عليه وسلم-
ولكن أبا طالب أراد أن يتكلم عمها بالقبول، لأنه أقرب إليها من ورقة فقال: قد أحببت أن يشركك عمها» فقال عمها: «اشهدوا يا معاشر قريش أنى قد أنكحت محمد بن عبد الله- صلى الله تعالى عليه وسلم- خديجة بنت خويلد، وشهد على ذلك صناديد قريش»، ومن هذا كله يتبين أن الذى تولى تزويجها عمها عمرو بن أسد، وشركه ابن عمه ورقة بن نوفل «١» .
والمشهور بين العلماء وأصحاب السير والتاريخ أن سنه ﵊ فى وقت الزواج كانت خمسا وعشرين سنة، وكانت هى فى الأربعين من عمرها.
ولقد كانت أقوال أخرى فى سنهما عند الزواج، ولم يبلغ واحد منها مرتبة الشهرة، فقيل أن سنه ﵊ كانت الحادية والعشرين، وقيل كانت التاسعة والعشرين، وقيل كانت الثلاثين، وقال ابن جريج كانت السابعة والثلاثين.
وهذه أقوال ليس لها سند، والمشهور هو المعتمد، حتى يقوم الدليل على خلافه، وذلك فوق أن بعضها لا يتلاقى مع النسق التاريخى، ذلك أن المتفق عليه أن الزواج لم يكن فور حرب الفجار، بل كان بعده بمدة، ولو كان فى الحادية والعشرين، لكان فوره، والتقدير بالسابعة والثلاثين بعيد التصديق لأن مؤاده أن محمدا ﵊ عاش راهبا إلى أن بلغ السابعة والثلاثين، وأن بناته غير فاطمة تزوجن قبل الهجرة، وبعضهن تزوجت وطلقت ثم تزوجت، ولو كان زواجه فى السابعة والثلاثين
_________________
(١) ننبه هنا إلى أمرين- أولهما- أننا اعتمدنا فى تقدير المهر على ما جاء فى خطبة أبى طالب، وجاء فى بعض كتب السيرة أنه أمهرها عشرين بكرا، أى أنه ذكر أن المهر كان بالنوق، وقد جمعوا بين التقديرين بأن الثانى كان قد زاده النبى ﵊، لأن الكرام يزيدون على ما هو مفروض. وقد يقال أن المذكور من الذهب هو تقدير للقيمة. الأمر الثانى- أن المشهور المعروف أن الذى زوجها هو عمها عمرو وهو المشهور. وقيل أخوها عمرو بن خويلد، والأول هو الذى عليه المعول، ولا التفات لغيره. وما ذكره ابن إسحاق من أن الذى زوجها أبوها خويلد غير صحيح، لأن خويلد قد مات قبل حرب الفجار، وذلك ثابت مشهور، ولأن الخبر الذى يقول أن الذى زوجها هو أبوها تضمن ما يدل على كذبه. فقد قال رواته أن أباها كان سكران من الخمر. وكلمه وهو سكران فألقت عليه حلة وضمخته بالطيب، فلما استفاق، قال: ما هذه الحلة والطيب، فقالت: قد أنكحت منى محمدا، فأنكر، ثم لما رأى محمدا- صلى الله تعالى عليه وسلم- وافق. وإن احتمال أن يعقد رجل من أشراف العرب عقد زواج وهو سكران يستنكره العرف والعقل، ولا يمكن أن يقدم عليه أبو طالب، وهو كبير ومسن، ووكيل للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم فى الزواج.
[ ١ / ١٤٥ ]
ما كن بلغن سن الزواج قبل الهجرة، وخصوصا أنه ما كان أول أولاده من أم المؤمنين خديجة أنثى، بل ولده القاسم الذى كان يكنى به، ثم ابنه الطيب ثم الطاهر، وهكذا نرى أن السياق التاريخى لا يتسق إلا مع المشهور، وهو ذو السند، ولا سند لغيره.
وأما سنها، فقد كان المشهور أربعين وقيل كانت فى الخامسة والثلاثين، وقيل كانت فى الخامسة والعشرين، ولا سند لهذه الأقوال، ولكن التاريخ يعتمد دائما على المشهور الذى له سند يعتمد عليه، ولا خلاف بين كتاب السيرة فى أن سنها رضى الله تعالى عنها، وجزاها عن الإسلام خيرا كانت أربعين، وغيرها أقوال منثورة لم يؤيدها كتاب السيرة والمحققون.
ولسنا من الذين يتجهون إلى الإغراب، لأن الإغراب إن كان سائغا فى بعض العلوم، فهو لا يسوغ قط فى التاريخ، لأن تتبع الإغراب فى التاريخ إنكار لما اشتهر، وارتضاء بما لم يشتهر من غير سند.
إن الحقائق هى الأمور المشهورة، ورد ما عداها، إلا إن قام الدليل المكذب للمشهور بما لا يقل عنه قوة، والله تعالى أعلم.
أغناه الله وواساه
١٠٧- ولد محمد ﵊ يتيما، وعاش يتيما، ثم اتاه الله تعالى اليسر العامل، وكفاه العيش الكادح، رعى الغنم ودبر التجارة، ثم بسط الله تعالى له الرزق، واتاه الزوج الوفية الرضية، فأكمل الله بها إنسانيته، وأكمل لها أمومتها، وتوافقا فى قطع فيافى هذا الوجود، وكمل كل منهما ما ينقصه بما عند الاخر، هى امرأة شريفة، ذات ثراء، وهو رجل مكتمل عامل قوى أمين، فأغناها بأمانته، وكفلها برجولته، ووجه مالها إلى الخير، بحسن نيته وطيب طويته.
وقد كان يعمل لها فى المال من قبل بأجر مضاعف، تطيب به نفسها، ويكسب مالها على يديه أضعاف ما ينتج غيره، وكان عبدا شكورا، ولو استمر فى هذه الطريق يعمل فى مالها ومال غيرها، لأدر الله تعالى عليه أخلاف الرزق، ولو كان يبتغى المال وأعراض الدنيا هذه، لنال الشباب والمال معا.
ولكنه رأى أن يعمل فى مالها بغير أجر، وأن يضاعفه بغير ثمن، وأن تكون أم ولده، لطيب عرقها وشرف نفسها، وقد تخير لنطفته، فاختار أكمل امرأة فى قريش، وأعلاها فى المكرمات كعبا، وقد اختارها الله تعالى لتكون له ردا فى شدائده، تواسيه بالكلام والعطف والحنان، فى وقت اشتد فيه
[ ١ / ١٤٦ ]
البلاء، وعظم الابتلاء، فأعنته المخالفون، وكان عزيزا عليه أن يعنتهم. فكان فى حاجة إلى من يأوى إليه، كما هو فى حاجة إلى من يذود عنه.
وإذا كانت امرأة نوح وامرأة لوط قد تخاذلتا عن معاونة النبيين الصالحين، فامرأة محمد ﵊ أعلت شأن النساء قاطبة، فكانت الزوج الملهمة المواسية، الودود العطوف الولود، يلقى قريشا وصدودها، وعداوتها وجفوتها، فإذا اوى إلى بيته وجد بردا وسلاما.
وإذا كان قد فقد عطف الأم الرؤم فى صدر حياته فى وقت الحاجة، فقد عوضه الله تعالى فى خديجة زوجا وأما ورفيقة الحياة.
١١٨- أغنى الله اليتيم، كان عائلا فأغنى، فهل طغى واستغنى، هل عبث وتلهى، هل اتخذ الحياة لهوا ولعبا، هل أخذ فى التكاثر، والمكاثرة! لا شيء من ذلك، إنما يفعل ذلك من اتخذ المال غاية، ولم يتخذه سبيلا للخير وعون الإنسان لأخيه الإنسان.
ومحمد ﵊ ما اتخذ المال بغية يبتغيها، ولا غاية يتطلع إليها، فما أراد التكاثر، وما عرفه فى أى دور من أدوار حياته.
إنما اتخذه وسيلة للمكرمات يقوم بها، وللخير يسديه، فكان يطعم الكل، ويعين على نوائب الدهر، ولا يجد ذا حاجة إلى العون إلا أعانه، ولا ذا خصاصة إلا سدها، ولا ذا مسغبة إلا أشبعه، ولا ذا متربة إلا رفعه، كان يبحث عن مواضع الحاجة، فيرأب ثلمتها.
تلفت فيمن حوله، فرأى كافله وحبيبه أبا طالب فى ضيق، وعيلة، فجاء إلى عمه العباس وكان ذا ثراء، وقال له: هلا أخذنا بعض ولد أبى طالب ليتخفف من ضيق، فعرضا عليه الأمر فقال اتركا لى عقيلا، وخذا من شئتما، فأخذ صلى الله تعالى عليه وسلم، عليا، وأخذ العباس جعفرا، فكان على ولده الذى تربى فى مهد النبوة.
وكل من حول محمد صلى الله تعالى عليه وسلم كانوا ممدودين بعونه وفضله، وخلقه، فكأنه استولى على مال خديجة ليوزع فى الخير ثمراته وليكون خيره عميما، وفضله كثيرا.
وبينما كانت قريش تكسب بالربا والبيع الحلال، وتشبه أحدهما بالاخر، فتقول البيع مثل الربا، كان محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، يتجر فى الحلال، ولا يكسب من إثم، ويعين ويغيث به الملهوف، والكسب مع ذلك وفير.
[ ١ / ١٤٧ ]
وهنا يسأل سؤال: لماذا ابتدأ بالقل وانتهى بالكثر! والجواب أن حياة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم فيها قبل البعثة البشرية الكاملة فى كل أحوالها فى سرائها وضرائها، فى كريهتها، ومنشطها، فى ضيقها ورخائها، فلم يتربه الفقر ولم يذله القل، بل صبر عزيزا، وقنع كريما، وجد ليكسب قوته، وحاول أن يخرج من ضيق الفقر بقوة العمل، من ضنك العيش ببحبوحة النفس، وغناها، فكان الفقير العزيز الكريم العامل المكتسب المبين، فلم يقل فى فقره ربى أهانن، وعاش مع الضعفاء شاعرا بضعفهم، وبإحساسهم، لا يسير وراء الأمانى والأحلام.
ثم اختبره الله تعالى بالمال، فكان الشاكر، الذى يفيض بالخير على غيره، ويعلم حق المال فى مورده، ومصرفه معا، فلا يكسب إلا من طيب، ولا ينفقه إلا فى طيب، وهو فى كسبه وإنفاقه لا يكون إلا نافعا، فكسبه طيب، وصرفه طيب.
وثبت من النظر الاجتماعى أن الكسب الطيب هو الذى يكون بطريق فيها نفع عام، فالزراعة كسب طيب، لأن فيها تقديم الغذاء والكساء مما تخرج الأرض من زروع وأثمار، والعمل باليد فيه كسب طيب، لأن فيه نفعا عاما بالصناعات النافعة، والاتجار كسب طيب، لأن فيه الجلب للناس من أماكن لا يخرجون إليها وفيه توزيع خيرات الأرض على أهل الأرض لا يحرم منها إقليم ولا يستطيل بالقوة المادية فيها طاغ.
وأخيرا محمد بن عبد الله (صلى الله تعالى عليه وسلم) ضرب للناس فى بشريته قبل البعثة أعلى مثل للفقير الصابر العامل فى فقره، والغنى الشاكر الذى عاش كالضعفاء فى غناه، فكان غنى النفس فى الحالين.
١١٩- وإن محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم، بعد أن استقامت لديه أسباب الرزق لم يتجه إلى اللذات يشتار عسلها ويترع منها، بل كان الزاهد فى غير الحلال المعروف الذى لا يتنافى مع المروءة ومكارم الأخلاق، بل كان زاهدا غير محروم، وطالبا للطيبات غير مبتغيها، لأن الابتغاء قد يدفع إلى اشتهائها.
وهناك أمر اخر، كان يجعل المال غير ذى شأن إلا بالقدر الذى يعين على مكارم الأخلاق، والنفع لبنى الإنسان، وهو ابتعاده عن كل أوهام الجاهلية، وأحقادها، ومنازعاتها.
وفى وسط بحبوحة العيش، ومن غير ترفه، قد أخذ يدرس الكون وما فيه ومن فيه، ما وراء الكون من أسرار الوجود، مبتعدا عن الوثنية، وما حولها، مستنكرا عبادتها، غير مستسلم لتوهم أن فيها تأثيرا فى الإنسان.
[ ١ / ١٤٨ ]
فما سجد لصنم قط، وما أغواه شر قط بل كان الطيب الوادع الأمين.
وكان قويا فى بدنه، غير مسترخ فى عضله، فهو يصارع ركامة أقوى أهل مكة فيصرعه من غير اعتداء، ما عرف عنه قبل البعثة أنه اعتدى على إنسان، وما تناول بيده مخلوقا قط، فما عرف أنه دخل فى شحناء، لأنها لم تكن من شأنه، وما أشر، وما تكبر، وما طغى.
وإذا كان موسى القوى قد أثر أنه وكز مصريا اضطهد إسرائيليا فقتله، لاعتدائه على أحد من شيعته، ولم يكن ظالما، فما عرف عن محمد أنه تناول إنسانا عدوا أو وليا بأذى قط، ولكل فضل، وقد فضل الله تعالى بعض النبيين، فما كانت قوة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم على أحد، بل كانت قوته لله تعالى، وللإنسانية، ثم لقومه من غير اعتداء.
إعادة بناء الكعبة
١٢٠- ما من أمر جامع فيه خير فى ذاته، وللناس كافة، إلا اشتراك فيه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بفضل من المال والعمل، وإن قريشا، بل العرب أجمعون كان يربطهم رباط لا يهى ولا ينقطع، لأنه يتجدد انا بعد ان، وهو يتكون من عنصرين: أحدهما الكعبة المكرمة التى بناها أبو الأنبياء الخليل إبراهيم صلى الله تعالى عليه وسلم، وهى أول بيت وضع للناس، والحج إليها، وإقامة المناسك فيها.
ثانيهما- اعتقادهم أن الله ﷾ خالق السموات والأرض، وقد كانوا حريصين على تلك الرابطة، لا يتركونها، ولا يقطعونها، وخصوصا قريشا، إذ وجدوا فيه عزهم الذى يعتزون، وشرفهم الذى يتنافرون به أمام العرب جميعا، ويجعل لهم سيادة وحكما، وحسبهم أن العرب يتقاتلون إلا فى أرضهم، فإذا جاؤا إليهم كانوا فى حرم امن، كما من الله ﷾ عليهم، فقال تعالت كلماته: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا، وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ، أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ «١» .
وقد أصاب الوهن بناء الكعبة المشرفة، فأرادت قريش أن تجدد بناءها، وكان ذلك بعد عشر سنين من تزوج محمد بن عبد الله صلى الله تعالى عليه وسلم من أم المؤمنين خديجة رضى الله تعالى عنها وكان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قد بلغ الخامسة والثلاثين، رجلا سويا.
ولم يكن قبل تزوجه كما توهم بعض الرواة من غير سند صحيح.
وبذلك كان بناء الكعبة المشرفة قبل مبعث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بخمس سنين إذ أن البعث كان فى الأربعين، وتجديد البناء كان فى الخامسة والثلاثين من عمره الشريف.
_________________
(١) سورة العنكبوت: ٦٧.
[ ١ / ١٤٩ ]
وكان التجديد ليكون على ما بناه إبراهيم ﵊، وإن قريشا أخذت لهذا البناء أهبته، واتفقت على ألا يكون البناء إلا من مال طيب لا خبث فيه، وأن يكون العمل بنية طيبة خالصة.
وقد قال فى ذلك ابن كثير: «كانت الكعبة المشرفة حرزهم ومنعتهم من الناس، وشرفا لهم» لذلك أرادوا بناءها لما خشوا عليها من التهدم، وقد قال أحد كبراء بنى مخزوم، عندما هموا ببنائها:
«يا معشر قريش لا تدخلوا فى بنائها من كسبكم إلا طيبا، لا يدخل فيها مهر بغى، ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد من الناس» «١» .
١٢١- هذا السياق يدل على مدى تأثرهم بالكعبة المكرمة وتعظيمهم لها، ومكانتها عندهم، ويدل أيضا على أن الكعبة الشريفة واتصالها بالخليل إبراهيم جعلت حبلهم موصولا به، وأوجد ذلك فيهم نوعا من الوجدان الحى، كان هو النبت الذى صار زرع الإيمان والتوحيد من بعد ذلك.
وإن ذلك يستدعينا أن نرجع إلى الخليل إبراهيم لنرى كيف كان البناء الأول للبيت، ثم تنزل من بعد ذلك إلى ما كان من بعد.
إن إبراهيم أول من بنى البيت، ولا يذكر التاريخ الراجح الصدق ما يشير إلى أنها قد بنيت من قبل إبراهيم ﵊، وقد قال فى ذلك ابن كثير ﵁:
«لم يجيء فى خبر صحيح عن معصوم أن البيت كان مبنيا قبل الخليل ﵇، ومن تمسك بهذا بقوله تعالى «مكان البيت»، فليس بناهض ولا ظاهر، لأن المراد مكانه المقدر له فى علم الله المقرر فى قدره المعظم عند الأنبياء موضعه من لدن ادم إلى زمان إبراهيم » .
ثم يقول عما قيل من أن ادم عندما نزل إلى الأرض نصب قبته فيها، وأن الملائكة قد قالوا: طفنا قبلك بهذا البيت، وأن سفينة نوح طافت به أربعين يوما: «ولكن كل هذه الأخبار عن بنى إسرائيل، وقد قررنا أنها لا تصدق، ولا تكذب» وينتهى من هذا ابن كثير إلى أن التاريخ الإسلامى لا يعرف بانيا للكعبة قبل إبراهيم ﵊، وإننا نقف حيث وقف ولا نسير وراء أوهام أو أساطير لم يوجد من التاريخ الصادق ما يوثقها، ولا من الكتب الدينية الثابتة الصحيحة ما يؤيدها، فلا نهيم فى ظنون وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا «٢» .
_________________
(١) البداية والنهاية لابن كثير ج ٢ ص ٣٠١.
(٢) سورة النجم: ٢٨.
[ ١ / ١٥٠ ]
وقد بينّا أن البقعة فى ذاتها قبل البناء عليها كانت معروفة فى التواريخ القديمة، وقد أكد هذا المعنى ابن كثير، فقال إن بقعة البيت الحرام كانت معظمة من قبل بناء إبراهيم، فقال: «وكانت بقعته معظمة قبل ذلك معتنى بها، مشرفة فى سائر الأعصار والأوقات» .
وإن ذلك كلام حق إذ أن نص القران الكريم يوميء إلى أن البيت كان له مكان مقدر قبل أن يبنيه خليل الله تعالى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم السلام، وقد قال تعالى: وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ «١» فكلمة بوأنا توميء إلى ان الله تعالى قدر لهذا البيت مكانا من قبل، وهدى إليه إبراهيم ﵊.
وإننا إذ انتهينا إلى ما قرره ابن كثير وغيره من أن مكان البيت كان معتنى به، وكان معظما ومشرفا، قبل إبراهيم ﵊، فإنا قد نحسب أن تكون بناية قد أقيمت حوله للعناية به، ولحفظه من أن يضيع فى غيره، ولكن من هم الذين بنوه، وما مدى ما فعلوا؟ إن ذلك هو المسكوت عنه، والبحث عنه من غير وسائل معرفة من كتاب معصوم، أو تاريخ وثيق، رجم بالغيب وتظنن فى غير مظنة.
ولعل فضول العلم تجعلنا نتساءل أيهما بنى أولا، البيت الحرام أم المسجد الأقصي، فنجيب أنه من المؤكد أن البيت الحرام الذى بناه هو إبراهيم، وقيل إن الذى بنى بيت المقدس هو يعقوب حفيد إبراهيم، وقيل بنى من بعد ذلك، وقد ثبت فى الصحيحين عن أبى ذر: قلت: يا رسول الله، أى مسجد وضع أول: قال المسجد الحرام، قلت: ثم أى؟ قال: المسجد الأقصى» .
ولابد أن نتصور أنه بعد أن بناه إبراهيم خليل الله تعالي، قد جرت فيه إصلاحات كثيرة، فما كان بناء إبراهيم ﵊ ليستمر قائما غير قابل للتهدم أكثر من ألفى سنة، فلم يكن كالأهرام بناه فرعون الذى اغتصب كل القوى فى بنائه، ولكن بناه إبراهيم الخليل هو وابنه الذبيح من غير أن يجرى فيه غصب حجر أو مدر أو وبر، أو قوة أى إنسان.
_________________
(١) سورة الحج: ٢٦.
[ ١ / ١٥١ ]
بناء قريش
١٢٢- اتجهت قريش بعزمة ماضية، وإن شئت فقل مخلصة طاهرة، إلى بناء البيت بجهود أبنائها، وأموالهم الطيبة التى لا خبث فيها، فليس فيها ثمن دم مغصوب، ولا ربا، ولا مهر بغى، ودخلوا غير متنازعين، ولا متخاصمين، ولا متخاذلين، أعدوا لذلك العمل الخطير فى معناه، وإن لم يكن البناء كبيرا فى ذاته بين الأبنية التى كانت تجرى فى إرم ذات العماد، وفرعون ذى الأوتاد، ولكنها أقدس ما بنى البشر، وما أقام أهل الحضر والمدر والوبر، لأنها الكعبة، أول بيت وضع للناس مباركا.
تقدموا للهدم ثم البناء، ويظهر أن قدم العهد بالبناء والأحجار، قد جعل بعض الهوام يعيش على مقربة منه، فقد زعموا أنهم قد رأوا حية قد أحاطت بالبيت رأسها عند ذنبها، فأشفقوا منها إشفاقا شديدا وخشوا أن يكونوا قد وقعوا منها فى هلكة، ووقفوا حيارى لا يقدمون، فلما سقط فى أيديهم، والتبس عليهم الأمر، حسبوا أن يكون ذلك لتأثمهم عند البناء بإثم، أو ليس فى مالهم طهر، أو فى العمل الذى أعدوه خبث، أو أن فى النفوس شيئا، عندئذ وقف المغيرة المخزومى، ينصح لهم بعدم التحاسد والتشاجر، وأن يقتسموا، ثم جددوا العزيمة. وقد جاء فى تاريخ الحافظ ابن كثير أنهم لما عزموا ذهبت الحية، وتغيبت عنهم، ورأوا أن ذلك من الله ﷿.
وإن خبر الحية إن صح نقول إما أن تكون قد ركنت إلى بعض أحجار الكعبة، ويصح أن المولى ﷻ سيرها إليهم لا من السماء، ولكن من مكان اخر، ليفزعوا، ولتتطهر قلوبهم من رجس الجاهلية عند بنائها، فهى بيت الله الذى بناه بأمر نبيه إبراهيم ﵊، فلابد أن يا بنى بأطهار على الأقل فى ساعة بنائه، وقد قاموا بتطهير أنفسهم، وتطهير أموالهم، وتولوا بأنفسهم إقامة البناء.
«اقتسموا البناء أرباعا، فكان الربع الأول الذى فيه شق الباب لبنى عبد مناف وزهرة، وبنو مخزوم لهم ما بين الركن الأسود والركن اليمانى، ومعهم بطون من قريش إنضموا إليهم، وظهر الكعبة لبنى جمح وسهم، وكان شق الحجر لبنى عبد الدار بن قصى وبنى أسد بن عبد العزى وبنى عدى، وهو الحطيم» «١» .
وبعد أن قسموا هذا التقسيم، وارتضته القلوب كان يجب أن يبتدئ العمل بالهدم أولا، ثم البناء ثانيا، ولكن لهيبة الكعبة فى نفوسهم، ولعجزهم عن أن يعرفوا أهذه إرادة الله رب البيت وحاميه، أم هى أهواؤهم الدافعة إلى أن يفعلوا- هابوا أن يهدموا. عند هذا التردد والتلكؤ تقدم الوليد المخزومى، وحمل
_________________
(١) البداية والنهاية ج ٣ ص ٣٠٣.
[ ١ / ١٥٢ ]
المعول، وقال: أتقدمكم، وهو يقول: اللهم إنا لا نريد إلا الخير، ثم هدم ناحية من الركنين (الركن الأسود والركن اليمانى) وهما حصة بنى مخزوم، ومع ذلك لم يتقدم كل ذى حصة من حصته ليهدمها.
أصبح الوليد معتزما من غداته متمما ما بدأ بمعوله، فأخذ يهدم الناس معه، كل يهدم ما فى حصته، وأخذوا يهدمون، حتى رأوا أساس البناء الذى وضعه خليل الله ﵊.
ومن مقتضى الفطرة التى لم يأت بها رسول أن تجرى أوهام كثيرة، وأن تروى أخبار حول هذه الأوهام، وإنا نضرب عن كل ذلك صفحا.
١٢٣- وإنهم قد أخذوا من بعد ذلك فى إقامته، ويظهر أنه قد عاونهم فى الرسم والبناء رجل قبطى اسمه باقوم، فهو الذى وضع هندسة البناء، وكان مولى لبنى أمية.
وقد قام كل فريق بحصته فى البناء، وقد اشترك النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وكان زميلا فى العمل لعمه العباس بن عبد المطلب، وقد روى الشيخان (البخارى ومسلم) فى ذلك عن جابر أنه لما بنيت ذهب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، والعباس ينقلان الحجارة، فقال العباس للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم: «اجعل إزارك على رقبتك يقيك من الحجارة ففعل فخر إلى الأرض، وطمحت عينه إلى السماء، ثم أفاق، فقال إزارى إزارى، فشد عليه إزاره، فما رؤى بعد ذلك عريانا» .
هذا حديث صحيح، روى عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم سقناه لبيان أن محمدا ﵊ اشترك فى أشرف عمل قامت له قريش، وهو فى شرخ الشباب، وحمل الحجارة، وأنه لم يأخذه الترف قط، وأنه لم يفكه فى نعيم المال، فكانت حياته حياة الأقوياء، وإن الخبر يدل على أن الله تعالى كان يرعاه، وقد رباه على عينه، فلما أخذ بنصيحة عمه العباس، ووضع بعض ثوبه على رقبته انكشف بعض عورته، فطمحت عينه إلى السماء وأصابته غشية اتصال بالملأ الأعلى، وسترت عورته، فقد كان فى حراسة الله ﷾، وحياطته.
ولا نرد الخبر لما فيه من غرابة، فقد رواه الشيخان البخارى ومسلم بسند صحيح، وما يروى بسند صحيح لا يرد لمجرد غرابته على الحس والأسباب والمسببات، إنما يرد لوجود دليل يثبت أن ذلك مستحيل، والأمر فى قدرة الله ﷾ خالق الأسباب والمسببات، ومانح كل ما فى الوجود نعمة الوجود.
[ ١ / ١٥٣ ]
لقد أتموا بناء البيت الحرام، وكان ارتفاعه الذى بنوه ثمانية عشر ذراعا وأخرجوا منه الحجر، وهو ستة أذرع، أو سبعة من ناحية الشام، لأنهم قد قصرت نفقتهم، فلم يتمكنوا أن يبنوه على قواعد إبراهيم.
وقد يسأل سائل، إن المفروض أن قريشا كانوا من أغنياء العرب، وبجوارهم ثقيف، وهم أغنياء، وكان ممكن أن يعلنوا اكتتابا عاما يجمعون به ما يريدون، فكيف تقصر بهم النفقة عن البناء.
والجواب عن ذلك أنهم لم يشركوا العرب فى بنائهم ليبقى لهم الاختصاص بسدانته وبشرفه، وبإنشائه، وفوق ذلك هم أرادوا ألا ينفقوا منه إلا بمال مكسوب من طيب حلال، وليس بمكسوب مما يجرى فيه كسب خبيث أو فيه شبهة خبث قط، ويظهر أن الطيب من المال عندهم لم يكن كثيرا، إذ كثر فيهم الربا والميسر، ومن الصعب إخراج الطيب، من بين هذا كله.
ولقد جعلوا للكعبة بابا واحدا من ناحية الشرق، ويقول ابن كثير: جعلوه مرتفعا لئلا يدخل إليها كل أحد، فيدخلوا من شاؤا، ويمنعوا من شاؤا.
وإن النبى ﵊ كان يريد أن يعيد البيت إلى ما كان على بناء إبراهيم ﵊، لولا أنه يخشى عليه كثرة الهدم والبناء، فقد ثبت فى الصحيحين عن عائشة رضى الله ﵎ عنها أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال لها: «ألم ترى أن قومك قصرت بهم النفقة، ولولا حدثان قومك بكفر لنقضت الكعبة، وجعلت لها بابا شرقيا، وبابا غربيا وأدخلت فيها الحجر» .
١٢٤- تم بناء البيت الحرام، ولم يختلفوا فى شيء عند إقامته، لأن كل قسم منه اختصت به بطن من بطون قريش، ولكن أمرا لا يقبل القسمة اختلفوا فيه، وهو الحجر الأسود، اختلفوا فيمن الذى يضعه فى موضعه من هذه البنية.
تجادلوا فيمن يضعه، وتخالفوا، وكان الخلاف شديدا، وكادت الدماء تسيل لتلغ فيها السيوف، أراد بنو عبد الدار أن يضعوه، بما أعطاهم من قبل قصى من سدانة البيت، وقربوا جفنة مملوءة دما، ثم تعاقدوا هم وبنو عدى بن كعب بن لؤى على الموت وأدخلوا أيديهم فى الدم المملوءة به الجفنة.
ومكثت قريش على تلك الحال التى تأزمت حلقاتها أربع ليال سويا.
ثم اجتمعوا بعدها فى المسجد الحرام، وتشاوروا فى هدأة، وأخفيت جفان الدم أو جفان الموت، وتناصفوا فى القول، وأخفوا نوازع الشر، أو استلوها من الأضغان، وأن القصد الطيب يكف فى كثير من الأحيان نوازع الشر، فيفتح فى وسط الخصام، نورا من الوئام، وقد كانت الجلسة الهادئة سبيل ذلك، ببركة بيت الله الحرام.
[ ١ / ١٥٤ ]
لقد وقف أسن قريش يدعوهم إلى السلام وإنهاء الخصام، فقال:
«يا معشر قريش اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول من يدخل من باب هذا المسجد يقضى بينكم: فارتضوا ذلك، وعلموا أنه توفيق الله تعالى عندما ظهر أول داخل، فإذا هو محمد بن عبد الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال كبيرهم: هذا الأمين رضينا به حكما.
وكان محمد صلى الله تعالى وسلم يسمى الأمين، وقد اختص بهذا الاسم، بحيث اذا أطلق لا ينصرف إلا إليه، وقد أشرنا إلى ذلك، وكلما مضى فى عمره الكريم زادوا استيثاقا من أمانته وصدقه وحكمته وعدالته.
لذلك طابت نفوسهم جميعا عندما علموا أنه سيكون الحكم بينهم الذى يرد القضب إلى أجفانها.
انتهى إليهم وأخبروه الخبر، فطابت نفسه وقرت عينه، إذ قرت به القلوب المضطربة وقال: هلم إلى ثوبا فأتى به، فأخذ الحجر فوضعه فيه بيده، ثم قال: «لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب، ثم ارفعوه جميعا، ففعلوا، حتى اذا بلغوا موضعه، وضعه بيده الشريفة، ثم بنى عليه» «١» .
هذه حكمة بالغة، انحل بها الخلاف، وانتهى إلى وفاق من أن تمشق السيوف، ويستعدوا للحتوف، وهكذا كانت النفحة المباركة من محمد بن عبد الله ﵊ وقد بدت بوادر النبوة، وظهرت إرهاصاتها.
١٢٥- قامت الكعبة الشريفة متجهة إلى السماء، واستمرت على ذلك فى عهد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وكان يود أن يعيدها ﵊ إلى ما كانت عليه فى عهد إبراهيم ﵊، ولكنه قدر أن قريشا قريبو عهد بكفر، فلم يزعجهم.
وبعد عصر الراشدين، ثم عهد معاوية، ثم جاء عهد يزيد بن معاوية، وخرج عليه الخارجون من أهل الإيمان، وكان ممن خرج عليه عبد الله بن الزبير، وقد قوى أمره بعد أن قتل الإمام الحسين بن على، تلك القتلة الفاجرة، وقد بايع الكثيرون ابن الزبير.
ثم تجرد له عبد الملك بن مروان، وكانت المغالبة، وحوصرت مكة التى كان بها ابن الزبير، ورميت الكعبة بالمنجنيق، وتهدمت، فاتجه ابن الزبير إلى إقامتها على قواعد إبراهيم، فأعاد طولها، وأدخل من الحجر الأذرع التى كانت قد نقصت منها لضيق المال الحلال الذى كان بيد قريش، وجعل لها بابا اخر، وكان قد سمع عن طريق خالته أم المؤمنين التى روت حديث النبى ﵊ الذى ذكرناه انفا.
_________________
(١) سيرة ابن هشام.
[ ١ / ١٥٥ ]
لم يستمر الأمر لابن الزبير، بل قتل، واستمكن الأمر للحجاج بن يوسف الثقفى المسلط من قبل عبد الملك، فشاور عبد الملك فى الأمر الذى غيره عبد الله بن الزبير فى بناء الكعبة، وإعادتها إلى قواعد إبراهيم فكتب إليه: «أما ما زاده طولا، فأقره، وأما ما فى الحجر، فرده إلى بنائه، وسد بابه الذى فتحه، ففعل ذلك، ويروى أن عبد الملك ندم على ما أذن، ولعن الحجاج.
ولقد فكر المهدى فى أن يعيد البناء على قواعد إبراهيم فناشده الإمام مالك، وقال: أخشى أن يصير ملعبة للملوك، فترك الأمر.
الحمس:
١٢٦- من هذا نرى أن قريشا كانت حريصة على البيت الحرام، تعليه، لأنها ترى فيه علوها وشرفها، وشددت فى القيام عليه، وابتدعوا فى ذلك بدعة تخالف ما كان عليه إبراهيم فى قيامه بمناسك الحج، وعظموا الحرم تعظيما زائدا، حتى لفرط تحمسهم له التزموا ألا يخرجوا من جواره ليلة عرفة، ولذلك سموا الحمس.
كانوا يقولون نحن أبناء الحرم، وقطان بيت الله، فكانوا لا يقفون بعرفات، مع علمهم أنها من مشاعر إبراهيم ﵊، ويقول فى ذلك الحافظ ابن كثير فى تعليل فعلهم، وتكميل الكلام فيه:
«حتى أنهم لا يخرجون عن نظام ما كانوا قرروه من البدعة الفاسدة، وكانوا لا يدخرون من اللبن أقطا ولا سمنا، ولا يسلون شحما وهم حرم، ولا يدخلون بيتا من شعر، ولا يستظلون إن استظلوا إلا ببيت من أدم، وكانوا يمنعون الحجيج والعمار ما داموا محرمين- أن يأكلوا إلا من طعام قريش، ولا يطوفون إلا فى ثياب قريش، فإن لم يجد أحد منهم ثوب أحد من الحمس وهم قريش وما ولدوا، ومن دخل معهم من كنانة وخزاعة طاف عريانا، ولو كانت امرأة؟؟ ولهذا كانت المرأة إذا اتفق طوافها لذلك وضعت يدها على فرجها، وتقول: «اليوم يبدو بعضه أو كله، وبعد هذا اليوم لا أحله» .
فإن تكرم أحد ممن يجد ثوب أحمسى، فطاف فى ثياب نفسه، فعليه إذا فرغ من الطواف أن يلقيها فلا ينتفع بها بعد ذلك، وليس له ولا لغيره أن يمسها، وكانت العرب تسمى تلك الثياب «اللقى» «١» .
_________________
(١) البداية والنهاية ص ٣٠٥.
[ ١ / ١٥٦ ]
١٢٧- هذا بعض مما كان يجرى من قريش تعصبا للبيت، فهم اعتبروا الحج عندهم هو زيارة البيت الحرام. وهذا من التعصب له، حتى نسوا شريعة إبراهيم فى الحج، وهو اعتبار الحج عرفة، والطواف ركنا من الأركان، وليس له وقت محدود طول السنة.
وإنه لمن إرهاصات النبوة أن محمد بن عبد الله ﵊ قبل أن يبعث رسولا نبيا، كان لا يتمسك بتقاليد قريش وأعمالها، بل كان يقف بعرفة، وإن ذلك بلاريب، توفيق من الله تعالى، وإلهام الله تعالى له بأن يقيم الحج على ما كان يقيمه إبراهيم.
ولم يسر على ما سار عليه العرب، بل كان يطوف بالبيت كما يطوف.
ويلاحظ أن الناحية التجارية فى قريش قد بدت واضحة فى أمرين:
أحدهما- أن الحجيج لا يأكلون من الطعام إلا ما يكون من قريش، فهو ترويج لتجارة قريش، وكذلك الأمر فى الثياب.
وثانيهما- ما كان يقام من المتاجر فى الأسواق التى كانت تجاور مكة.
وإنه بلا ريب كانت تلك التقاليد فيها فحش فى العمل، إذ كان بعض القبائل، إذا لم يجدوا ثيابا من ثياب الحمس، يطوفون عراة، وفيهم النساء، حتى أنهن كن يسترن عوراتهن الغليظة بأيديهن.
وإن هذه الأحكام يحسبون أنهم مأمورون بها، ولقد أنكرها الإسلام، فقد قال الله تعالى:
وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا، وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ، أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ. قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ، وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ، وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ. فَرِيقًا هَدى، وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ، إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ. يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ، وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ. قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ، وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ، قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ، كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ، وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ «١» .
_________________
(١) سورة الأعراف: ٢٨- ٣٣.
[ ١ / ١٥٧ ]
وإن محمدا ﵊ من قبل أن ينزل جبريل ﵇ كان ينفر من كل أرجاس الجاهلية، ولو كانوا يدعون أن الله تعالى أمر بها.
لم يسجد لصنم قط، ولم يرتكب فحشاء ولا لهوا، ولم يترد فيما كان يتردى فيه شباب الجاهلية، ولم يتناول خمرا قط، ولم يلعب ميسرا.
ولقد يستنكر فى صمت المؤمن بالحق، كل ما كانت تقع فيه قريش.
وقبل أن نتقدم للمبعث المحمدى، وقد جاء إبانه، وحان حينه، إذ أنه ﵊ كان قد بلغ الخامسة والثلاثين، وقارب البعث، فقارب الأربعين، وهى السن التى بعث فيها رحمة للعالمين.
وقبل أن نتقدم لمقام الرسالة المقدس، والمبعث النبوى الأقدس، يجب أن نتكلم فى أمرين:
أولهما: تكامل صفات الرسول، وبيان ما كان عليه من خلق كامل، هو مثال للأخلاق الإنسانية العالية، فهو قبل أن يكون رسولا مبعوثا من الله ﷾، كان كالملائكة فى أخلاقه، بيد أنه كانت له إرادة، وكان مكتمل الجسم الإنسانى، والحياة الإنسانية، وقد رباه الله ﷾ ليكون النبى المختار الذى ولد فى الأميين، وكان منهم.
ثانيهما: أحواله فى تأملاته، وعبادته قبل الرسالة، والله أعلم حيث يجعل رسالته «١» .
_________________
(١) سورة الأنعام: ١٢٤.
[ ١ / ١٥٨ ]
خاتم النبيين
التكامل الإنسانى فى محمد ﷺ
[ ١ / ١٥٩ ]
التكامل الإنسانى فى محمد [ﷺ] ١٢٨- نتقدم بهذا الباب من القول بين يدى المبعث المحمدي، لنتعرف من اختاره الله تعالى من بين خلقه رسولا للعالمين، وكيف قد أدبه الله تعالى بتأديبه الكريم، وخلقه كاملا، لأن رسالته دعوة إلى الكمال، فهو الكمال المطلق فى التكوين البشري، ونحن نريد أن نقدم ما كان من خلق فطري، لم يكسبه من الوحى الإلهي، وإن كان متطابقا مع ما جاء به الوحي، وما أدبه به القران، حتى كان خلقه المتين.
وكان كما قالت عائشة رضى الله تعالى عنها «خلقه القران»، وما كان خلقيا بمقتضى التكوين كان متفقا مع ما جاء به الوحي، وما دعا إلى خلقه، وقاربوا فيه، ولم يصلوا إلى ما وصل إليه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم.
جاء فى كتاب الشفاء للقاضى عياض فى مقدمة كلامه فى أوصاف محمد بن عبد الله صلى الله تعالى عليه وسلم إن خصال الجمال والكمال فى البشر نوعان: ضرورى دنيوى اقتضته الجبلة، وضرورة الحياة الدنيا، ومكتسب ديني، وهو ما يحمد فاعله، ويقرب إلى الله تعالى زلفي، ثم هى على فئتين أيضا، منها ما يتخلص لأحد الوصفين، وما يتمازج ويتداخل.. فأما الضرورى المحض، فما ليس للمرء فيه اختيار، ولا اكتساب، مثل ما كان فى جبلته ﵊ من كمال خلقته، وجمال صورته، وقوة عقله، وصحة فهمه، وفصاحة لسانه، وكرم أرضه، ويلحق به ما تدعوه ضرورة حياته إليه من غذائه ونومه وملبسه ومسكنه ومنكحه وماله وجاهه.
وأما المكتسبة الاخروية، فسائر الأخلاق العلية والفضائل الشرعية من الدين، والعلم والحلم، والصبر والشكر، والعدل، والزهد، والصمت والتؤدة والوقار والرحمة وحسن الخلق، والمعاشرة وأخواتها، وهى التى جماعها حسن الخلق» .
ونرى من هذا أن القاضى عياض قد قسم الأوصاف التى تحلى بها النبى ﵊ قسمين: أحدهما- كان بالفطرة الإنسانية وهى كمال الفطرة، ويلحق بها أوصافه الجسمية صلى الله تعالى عليه وسلم- وثانيهما ما اكتسبه بمقتضى التعاليم الشرعية، وذكر منها التواضع والحلم، والصبر والشكر، وحسن المعاملة. وبشكل عام ما يتعلق بحسن الأخلاق الذى هو جماع الفضائل الإنسانية، ويذكر أن من هذه الصفات المكتسبة بحكم الشرع الشريف والوحى إليه مما تلتقى فيه الفطرة المستقيمة مع الوحي، فالجود والتواضع والصبر والفصاحة، والتأني، وحسن التأتى للأمور، والرفق فى القول والعمل، ولين الجانب من غير ضعف، والقول الحق من غير عنف، كل هذه الصفات كانت فى محمد بن عبد الله صلى الله تعالى عليه وسلم. كانت فيه بفطرته المستقيمة، وبتهيئة الله تعالي، قبل الرسالة، إعدادا لهذا المنصب الخطير، وهو رسالة الله تعالى إلى خلقه.
[ ١ / ١٦١ ]
وإنا لنذكر فى هذا الباب من الكتاب، ما كان فيه بمقتضى الطبع الإنسانى السامى الذى فطره الله تعالى عليه. وما كان من صفات تتعلق بالمعاملات، والعلاقات الانسانية والمودة والرحمة والرفق، والفصاحة، وغيرها مما كانت مهيئة للرسالة، وتحمل الأعباء، والقيام بحق هذه الرسالة والدعوة إليها بما يزكيها وينميها، وإذا كانت قد استمرت فيه بعد البعثة، فإنها ثمرة الله فى غرسه، وتناول الناس أكله، وإذا كنا نستشهد على هذه الصفات بما جاء من أقوال أصحابه من بعد البعثة، فليس ذلك لأن البعثة هى التى أوجدتها، بل لأنها الأقوال الناطقة المؤيدة لذلك، فقد أوجدها فيه العلى القدير.
وقدمناه على الرسالة لأن الله تعالى أعدها فيه ليكون كاملا، وليقوم بأعبائها.
١- وفور عقله
١٢٩- لم يتوافر العقل فى إنسان كما توافر فى محمد بن عبد الله ﵊ ولو لم ينزل عليه الوحى ويخاطب من السماء لكان عقله واحده كافيا لأن ينشيء دولة، ويقيم مجتمعا طيبا فاضلا. ولكن أتم الله تعالى عليه نعمته، فجعله نبيا مرسلا، فاجتمع له الكسب الذاتى بالإدراك بالفطرة الإنسانية العالية المكتملة بالتكوين الإنسانى والرسالة الإلهية الهادية المرشدة، وكانت الأولى مقدمة للثانية، وما كانت إحداهما لتغنى عن الاخرى. فما كانت الرسالة تجىء لغير عقل كامل، وفكر مدرك، وشخصية كريمة اختارها الله تعالى لموضع رسالته وحمل أمانته. وما كانت الكفاية العقلية فى أسمى علوها بمغنية عن الرسالة، لأن العقل لا يمكن أن يكون واحده كافيا فى تدبير الحاضر والقابل إلى يوم الدين، إنما العقل يدبر ما يحيط به، وهو من غير هداية الوحى لا يفكر فيما بين يديه، ولا يخترق الحجب والأستار إلى ماوراء ما لديه، فلابد من علم الله يمده بعلم القابل، وهو عالم الغيب والشهادة، فمهما تكن قوة العقل، فإنه لا يستطيع أن يصلح غير زمانه، وكل شيء عند ربك بمقدار.
منذ نشأ محمد بن عبد الله صلى الله تعالى عليه وسلم والعقل المكتمل حليته العليا التى سما بها على الغلمان أترابه، فمنذ استوى غلاما، والعقل يزينه، ولقد بدا ذلك لجده عبد المطلب الذى أخذه ليعوده أخلاق الرجال المكتملين.
ولما ذهب إلى بيت عمه أبى طالب بعد وفاة جده القريب، كان الغلام الرزين المكتمل وسط أولاد أبى طالب، لا يسبق الأيدى إلى الطعام، ولا يدخل فى زحمة الاغتراف، بل يتريث غير نهم ولا جشع ولا طامع، بل الهاديء الرزين، قد يكتفى بالقليل أو ما دونه حتى يتنبه إليه عمه الشفيق فيقرب إليه ما يبعد، ويخصه بما يكفيه مئونة المزاحمة، حتى إذا بلغ قدرا يستطيع فيه الاكتساب عمل على رعى الأغنام ليأكل من عمل يده، ولينال من خير الدنيا بمقدار ما قدم فيه من نفع غير مؤثل ولا مقصر.
[ ١ / ١٦٢ ]
وعقله المدرك لمصيره بقابل حياته فى قابل عمره، فهو يعد نفسه للتجارة عمل قومه، ومكتسب أرزاقهم ومنشط قواهم، فألح على عمه أبى طالب أن يأخذه معه إلى الشام فى قافلة تجارة قريش، ليكون على خبرة بالصفق فى الأسواق، وليتعلم المصادر والموارد، وذلك وهو فى الثانية عشرة من عمره حتى إذا عاد من هذه الرحلة المباركة عاد وقد امتلأ عقله تجربة، فيمارس التجارة صغرت بضاعته أو كبرت، وهو على بينة من أمرها، عليم بأسواقها، والرائج منها والكاسد.
ولكمال عقله كان الشاب التاجر يحضر مجتمعات قريش، فهو يحضر ندوتها فاحصا ما يقال فيها من حق يرضاه، وباطل يجفوه ولا يقره، ويحضر حلف الفضول، ويرى لعقله الكامل المدرك أنه لا يسره به حمر النعم، ولا يرى نصرة للحق أقوى منه، ولو دعى به فى الإسلام بعد أن عم الحق، لأجاب تكريما له وإعلاء لقدره.
وهكذا نراه قد أوتى عقلا مدركا، وعمل على تغذيته بالتجارب والاتصال بالمجتمع ليعرف خيره وشره، ويعمل على علاج أدوائه، إن واتاه الله تعالى بفضل من عنده.
وإننا ونحن نتكلم على قوته العقلية النافذة إلى الحقائق، لا إلى الظاهر نتعرض لنفوره من التقليد من غير دليل، فهو قد نفر من عادات الجاهلية التى كانت تحرم وتحلل من غير بينة ولا علم قائم على الحقائق المقررة الثابتة. فلم نره يسجد لصنم قط، لأن حكم العقل يتقاضاه ألا يسجد لمن لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، ويكره ذكر الأصنام، وعبادتها. فيستحلفه الراهب باللات والعزى فيقول الغلام: ما كرهت شيئا كما كرهتهما.
ويختلف مع تاجر، فيستحلفه التاجر باللات والعزى، فيمتنع، فيسلم له التاجر بحقه من غير حلف لأمانته.
وأى عقل أكمل من أن يرى قومه ينحرفون عن إبراهيم فى حجه، ويذهب فرط حرصهم واعتزازهم بالبيت ألا يقفوا بعرفات فيجيء الرجل العاقل المكتمل محمد بن عبد الله ﵊ ويتعرف مناسك إبراهيم، فيقف بعرفات فى ميقاته، إن ذلك كله لا يكون إلا من رجل عاقل يعمل عقله فى هدأة من غير مجادلة، لأن المجادلة تحدث المنازعة، وحيث كانت المنازعة كان الريب، وتبددت الحقائق بين المتنازعين.
لقد علمت قريش كلها بكمال عقله، وقوة إدراكه، فرضيت به حكما، ساعة أن احتدم الجدل، وكادت السيوف تمتشق، والمعارك أن تنصب، فلما نادته القرعة أن أقدم، وافصل بين الناس بالحق، رضوا بحكمه، لأنه سيكون حكم العقل والحق، وأى شخص غير عاقل وحكيم كان يهتدى
[ ١ / ١٦٣ ]
إلى الحكم الذى يرضيهم جميعا، فيشركهم جميعا فى فضل حمل الحجر الأسود إلى موضعه من غير مشاحة ولا خصومة ولا تفاضل بينهم. ويحمله هو بيده ابتداء فلا ينازعونه لفضل عقله، ثم يحمله هو واحده انتهاء ويضعه فى موضعه بيديه الكريمتين، فيرضون ما يفعل.
ولكمال عقله لم يخض مع الخائضين فى العصبية الجاهلية، فلم ينطق بها، ولم يجادل حولها، وكان يحب الوئام والسلام، ولا يحب الحرب والخصام، ولذلك لم يشارك فى حرب الفجار، إلا بتنضيل السهام عن أعمامه حماية لهم ورحمة بهم، بموجب الرحم الواصلة، لا بموجب الحرب التى أحلت فيها الحرمات والأشهر الحرم.
وإنه من المؤكد أن محمد بن عبد الله ﵊ كبح جماح هواه طول حياته قبل البعثة، فلم يفعل ما يفعله الغلمان وهو غلام، ولا ما يفعله الشبان فى باكورة شبابه ولا بعد أن صار رجلا سويا. اكتملت أخلاقه كما اكتمل جسمه، فكان القوى الذى يسيطر على أهوائه، فلا ينحرف مع هوى ولا تجمح به شهوة، وأنه إذا ضعف سلطان الهوى قوى سلطان الحق، وإذا قلت حدة الشهوة، استقام حكم العقل، فالعقل حكمه يناقض حكم الهوى والشهوة، والعاقل السيد هو الذى يسيطر على أهوائه وشهواته ويكون عقله هو المسيطر، وما تضل العقول إلا إذا داخلت النفوس الأهواء وعكرت صفاءها، فمحمد بن عبد الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان أعقل قريش لأنه هو الذى لم يسيطر عليه هوى كسائر سادات مكة.
وقد قال القاضى عياض فى فضل عقله ﵊، واثاره فى الإسلام:
«وأما وفور عقله، وذكاء لبه، وقوة حواسه، وفصاحة لسانه، واعتدال حركاته، وحسن شمائله، فلا مرية أنه كان أعقل الناس وأذكاهم، ومن تأمل تدبيره أمر بواطن الخلق وظواهرهم، وسياسة العامة والخاصة، مع عجيب شمائله، وبديع سيره، فضلا عما أفاضه من العلم وقرره من الشرع، دون تعلم سبق، ولا ممارسة تقدمت، ولا مطالعة للكتب منه، لم يمتر فى رجحان عقله، وثقوب فهمه، لأول بديهة، وهذا مما لا يحتاج إلى تقريره لتحققه.. ولقد قال وهب بن منبه: قرأت فى أحد وسبعين كتابا، فوجدت فى جميعها أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أرجح الناس عقلا، وأفضلهم رأيا. وفى رواية أخرى: فوجدت فى جميعها أن الله لم يعط جميع الناس من بدء الدنيا إلى انقضائها من العقل فى جنب عقله صلى الله تعالى عليه وسلم إلا كحبة رمل من بين رمال الدنيا» «١» .
_________________
(١) الشفاء الجزء الأول ص ٤٣، طبع الحلبى.
[ ١ / ١٦٤ ]
ويقول ابن كثير: «معلوم لكل ذى لب أن محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم من أعقل خلق الله تعالي، بل أعقلهم وأكملهم على الإطلاق فى نفس الأمر» «١» .
وإن مظاهر عقله بدت واضحة بعد البعثة فى سياسة رعيته، فقد كان الله يوحى إليه بالأحكام الشرعية، وما يجب من الرفق بالرعية، والأخذ على يد الظالم، وحماية الحق من الباطل، ويترك الرسول ﵊ أن ينفذ الحق فى رعيته، بالمسلك الذى يسلكه مختارا، مسددا، فإن تبين خطأ نبهه ﷾ عليه إذا كان أمرا متصلا ببيان الشريعة وأحكامها.
وإنه فى الأمر الذى تركه ﷾ له بدا عقل النبى ﵊ فى إحكام التدبير وكياسة الحكيم.
اشتد أمر النفاق والمنافقين، وكثرت أضرارهم، فطلب عمر رضى الله تعالى عنه من محمد ابن عبد الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن يقتلهم، فقال ﵊ «لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه» ثم اشتد النفاق، حتى هم أهل كل بيت فيه منافق أن يقتله، فقال ﵊: أين عمر، لو قتلتهم حين رأى قتلهم لأرعدت لهم أنوف هى اليوم تريد قتلهم.
فبهذا العقل الحكيم استقبل رسالة ربه، وبهذا العقل الحكيم أدار المدينة الفاضلة التى قامت على حكم الله تعالى وأمره ونهيه، ونفذت فيها النظم الاسلامية.
٢- بلاغته
١٣٠- كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قرشيا قد نشأ فى قريش، وهى أفصح اللهجات العربية، وكان يحضر أسواق مكة فى موسم الحج، ويتذوق ما ينشد فيها من شعر، وقد تفصح فى بنى سعد بهوازن، وهوازن من أفصح العرب، فالتقى فى بيانه لغة العقل والحضارة النسبية فى مكة المكرمة، وسذاجة البداوة مع حلاوة اللفظ وسهولته فى لهجة أفصح أهل البادية.
ولذلك كان النبى محمد بن عبد الله صلى الله تعالى عليه وسلم أفصح الناس منطقا، ينطق بالحكمة وفصل الخطاب، فهو إذا أرشد كانت ألفاظه كالجوهر تنثر بين الناس من غير بهرجة، وفيها جوامع الكلم وفصل الخطاب.
وإذا تحدث فى معاملات الناس وفى سمرهم الذى لا مجون فيه كان كلامه النمير العذب يسرى فى النفوس سريان النسيم العليل، والماء العذب، ينعش القلوب، ويروى ظمأ النفوس.
_________________
(١) البداية والنهاية ج ٦ ص ٦٥.
[ ١ / ١٦٥ ]
وقد وصفت حديثه أم معبد بعد البعثة فقالت: «إذا صمت فعليه الوقار، وإذا تكلم سما وعلاه البهاء، حلو المنطق، فصل لا نزر ولا هذر، وكأن منطقه خرزات نظم يتحدرن» .
هذا وصف لكلام النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بعد أن بعثه الله تعالي، وهو غاية ما كان منه قبل البعثة، فحال ما قبل البعثة ابتداء، وما بعدها هو الانتهاء، وهو اصطفاء الله تعالى ليكون موضع رسالته، ومبلغ وحيه، كان يجمع بين الإيجاز والوضوح، فألفاظه قليلة، ومعانيه كثيرة من غير تعقيد ولا اعظال، بل هو السهل الذى لا توعر فيه، ترى فى كلامه ﵊ جمال الألفاظ من غير تكلف، وحلاوة اللفظ من غير تحسين ولا تزيين، فهو الجمال الطبعى الذى لا طراوة فيه، ولا جفوة، ولا خشونة.
وكان فيه معانى الإلهام، وجمله الله تعالى بالصفاء، لأنه خرج من نفس صافية، وقلب مفعم بالإيمان والصدق، فكان صافيا كنفسه، خاليا من الشوائب خلو نفسه منها.
وقد وصفه الجاحظ، فقال: «الكلام الذى قل عدد حروفه، وكثر عدد معانيه، وجل عن الصفة، ونزه عن التكلف، استعمل المبسوط فى موضع البسط، والمقصور فى موضع القصر، وهجر الغريب الوحشي، ورغب عن الهجين السوقي، فلم ينطق إلا عن ميراث حكمة، ولم يتكلم إلا بكلام حف بالعصمة، وشد بالتأييد، ويسر بالتوفيق، وهذا الكلام الذى ألقى الله تعالى المحبة عليه، وغشاه بالقبول، وجمع له بين المهابة والحلاوة، وبين حسن الإلهام، وقلة عدد الكلام، وهو مع استغنائه عن إعادته، وقلة حاجة السامع إلى معاودته. لم تسقط له كلمة، ولا زلت له قدم، ولا بارت له حجة، ولم يقم له خصم، ولا أفحمه خطيب، بل يبدأ الخطب الطوال بالكلام القصير، ولا يلتمس إسكات الخصم إلا بما يعرفه الخصم، ولا يحتج إلا بالصدق، ولا يطلب الفلج إلا بالحق، ولا يستعين بالخلابة، ولا يستعمل المواربة، ولا يهمز ولا يلمز، ولا يبطئ ولا يعجل ولا يهب، ولا يحصر، ثم لم يسمع الناس بكلام قط أتم نفعا، ولا أصدق لفظا، ولا أعدل وزنا، ولا أجمل مذهبا، ولا أكرم مطلبا، ولا أحسن موقعا، ولا أسهل مخرجا، ولا أفصح فى معناه، ولا أبين عن فحواه، من كلامه صلى الله تعالى عليه وسلم» .
وإنه قد اجتمع له ﵊ مع سلامة المعانى حسن اختيار الألفاظ المناسبة فى الحال المناسبة من غير أن يقرع الأسماع، بكلام له رنين، بل بكلام يدخل على القلوب فى أناة ورفق فينساب فيها انسياب النمير العذب، ويكون ثمة تناسق بين المعنى الكريم، واللفظ الجميل من غير إعنات للأفهام، ولا إرهاق للأسماع.
[ ١ / ١٦٦ ]
وكان فى منطقه حلاوة، فيخرج اللفظ من لسان واضح بين، تخرج الحروف من مخرجها، وتقع فى مواضعها، والسامع مشدوه من حلاوة الكلمة، وحلاوة اللفظ، والمعانى الأبكار، فى أسلوب لا توعر فيه، ولا تكلف. ولقد قالت عائشة رضى الله تعالى عنها فى وصف كلامه «ما كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يسرد الكلام كسردكم هذا «١» . ولكن كان يتكلم بكلام بين فصل يحفظه من جلس إليه» .
فكان كلامه صلى الله تعالى عليه وسلم يكون بأناة، غير مندفع فى القول، ولا متابع له فى استعجال، حتى إن عائشة رضى الله تعالى عنها تروى أن حديثه لو عد السامع حروفه عدا لأحصاها.
وإن ذلك هو أفصح النطق، وأبلغ الإلقاء، ذلك لأن الإمهال فى القول يجعل السامع يتذوق جمال الألفاظ، ويتأمل المعاني، ويستحفظ ما قال القائل، ويتابعه فى أفكاره من غير إعنات لنفسه، ولا ملال، وإن الملل يعترى السامع، إذا فاته تتبع المعانى، وإدراك المرامى والغايات.
١٣١- ومنطق النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كان خاليا من الفأفأة والتمتمة، وكل عيوب الكلام فى صوت هاديء عميق يجمله الصدق ويدخله فى مداخل النفس، ويوجه الرشد إلى الحق، ونغمات صوته هادئه قوية فى صوت غير أجش، ولا جفوة، ولكن التقى فيه عمق النغم الفطرى بجمال الصوت، وجهارته فى غير ضجيج ولا صخب.
ولقد روى أن الحسن بن على أحد السبطين الكريمين قد سأل هند بن أبى هالة ربيب النبى ﵊ من خديجة أم المؤمنين، وكان هند رجلا وصافا، سأله حب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال: قلت صف لى منطقه، قال: «كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، متواصل الأحزان، دائم الفكر ليس له راحة، ولا يتكلم فى غير حاجة، طويل السكوت، يفتتح الكلام ويختتمه بأشداقه «٢» . ويتكلم بجوامع الكلم، فضلا، لا فضول فيه، ولا تقصير، دمثا ليس بالجافى ولا المهين. يعظم النعمة وإن دقت، لا يذم شيئا، لم يكن يذم، ولا يمدحه، ولا يقام لغضبه إذا تعرض أحد للحق بشىء حتى ينتصر له، إذا أشار فبكفه كلها، وإذا تعجب قلبها، وإذا تحدث اتصل بها فضرب بإبهامه اليمنى راحته اليسري، وإذا غضب أعرض وأشاح، وإذا فرح غض طرفه، جل ضحكه التبسم، ويفتر عن مثل حب الغمام» .
_________________
(١) السرد هو متابعة الكلام من غير تمهل، بل على الولاء والاستعجال فلا يعطى السامع فرصة تذوق الألفاظ والمعانى.
(٢) أى يستعمل جميع فمه عند الكلام، فلا يتكلم بطرف اللسان، بل يقبل على القول إقبال المهتم به.
[ ١ / ١٦٧ ]
وإنه مهما يقل الرواة فى بلاغة كلمه، وفصاحة لفظه وجمال نطقه، لا نصل إلى حقيقة بلاغته، فإن المأثور الذى نقرؤه، نجد فيه العلم المجتمع، والعبارات التى يستطيبها كل مستمع، يجد فيها نفاذ الإلهام، وتناسق الألفاظ، وترى فيه الحكم، وحسن المأخذ، والجمع بين الأطراف فى لين ويسر، فلا لفظ جاف، ولا معنى مستخف بل كل الكلام فى معناه وخواطره، وماخذه، يدخل إلى القلوب، فيجد مساكنه، وإن المستشهد بقوله يردده أمام العامة، فليقفونه، وأمام الخاصة فيهضمونه، يفهمه كل إنسان مهما تكن طاقته، لا يتخير غريبا لغرابته ولا لفظا لحلاوته، ولكن كل ذلك يجىء فى رفق، بل هى السليقة الكاملة تنطق، والفصاحة الفطرية تتكلم، وليس ذلك قولنا للمحبة فقط، ولكن للحقيقة وحق علينا أن نقول مقالة الجاحظ بعد وصف كلامه، وخشى على نفسه أن يقال أنه انبعث من المحبة، فقد قال: ولعل من لم يتسع فى العلم، ولم يعرف مقادير الكلام يظن أننا تكلفنا له من الامتداح والتشريف ومن التزيين والتجويد ما ليس عنده، ولا يبلغه قدره، كلا والذى حرم التزيد عند العلماء، وقبح التكلف عند الحكماء، وبهرج الكذابين عند الفقهاء، لا يظن هذا إلا من ظل سعيه.
كبرت كلمة من يقول أننا تجاوزنا الحد فى وصفنا لبلاغة خطاب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وكمال تحديثه، وبلوغه من البيان الإنسانى أعلى مراتبه الذى لا يبلغ شأوه أحد، بل هو الحق الذى لا امتراء فيه، إننا لم تتجاوز الحد، ولكن لم نبلغه ولم نصل إليه.
١٣٢- وأنه من الحق علينا أن ننقل إلى القارئ ما قاله القاضى عياض فى وصف فصاحة محمد ﵊ وبلاغته، فقد قال رضى الله تعالى عنه: «وأما فصاحة اللسان وبلاغة القول، فقد كان صلى الله تعالى عليه وسلم من ذلك بالمحل الأفضل، والموضع الذى لا يجهل، سلامة طبع، وبراعة منزع، وإيجاز مقطع، ونصاعة لفظ، وجزالة قول، وصحة معان، وقلة تكلف، أوتى جوامع الكلم، وخص ببدائع الحكم، وعلم ألسنة العرب، فكان يخاطب كل أمة بلسانها، ويحاورها بلغتها، ويباريها فى منزع بلاغتها، حتى كان كثير من أصحابه يسألونه فى موطن عن شرح كلامه وتفسير قوله ومن تأمل حديثه وسيره علم ذلك وتحققه، وليس مع قريش والأنصار وأهل الحجاز، ونجد كلامه مع وطيفة الهندى وقطن بن حارثة العليمى والأشعث بن قيس، ووائل بن حجر الكندى وغيرهم من أقيال حمير، وملوك اليمن» «١» .
وإن هذا يدل على أنه ﵊ كان يعلم كل لهجات العرب، وقد أتاه ذلك من إقامته بمكة المكرمة التى كان يلتقى فيها بقبائل العرب، فى موسم الحج، مع حرص على تعرفها، وذكاء
_________________
(١) الشفاء ص ٤٤٧.
[ ١ / ١٦٨ ]
مدرك لها، وتحصيل واع لكل ما يسمع، وحفظ لكل ما يجرى حوله. ولقد ذكر بعض الرواة أنه كان يعرف ألفاظا كثيرة من الفارسية، والرومانية، وإن لذلك شاهدا من كتبه للرومان، فقد جاء فى ذلك الكتاب:
«أسلم تسلم، وإلا فعليك إثم البريسيين»، وهذا لفظ رومانى استعمل فى معناه الدقيق، وهم العامة والزراع وغيرهم من الدهماء.
وإن تعلمه لهجات العرب وفوارق لغاتهم يدل على أن الله تعالى كان يعده لهذه الرسالة الإلهية العامة، ولقد ساق القاضى عياض شواهد من كتبه ﵊ إلى همذان، ووائل بن حجر، ووازنها بكلام قريش فى الصدقات.
ثم يقول القاضى عياض فى الشفاء:
«وأما كلامه المعتاد وفصاحته المعلومة، وحكمه المأثورة، فقد ألفت فيها الكتب، ومنها ما لا يوازى فصاحة، ولا يبارى بلاغة كقوله: «المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم»، وقوله: «الناس كأسنان المشط» . «والمرء مع من أحب» . «ولا خير فى صحبة من لا يرى لك ما ترى له»، «الناس معادن» «وما هلك امرؤ عرف قدره» . «والمستشار مؤتمن» .. «ورحم الله عبدا قال خيرا فغنم أو سكت فسلم» وقوله «أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين» وقوله: «إن أحبكم إلى وأقربكم منى مجالس يوم القيامة أحسنكم أخلاقا، الموطؤون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون» . وقوله: «ولعله كان لا يتكلم بما لا يعنيه، ولا يبخل بما لا يغنيه» وقوله: «ذو الوجهين لا يكون عند الله وجيها»، ونهيه عن قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال، ومنع وهات، وعقوق الأمهات، ووأد البنات» وقوله: «اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن»، و«خير الأمور أوسطها»، وقوله: «أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما» وقوله: «الظلم ظلمات يوم القيامة»، وقوله فى بعض دعائه: «اللهم إنى أسألك رحمة من عندك تهدى بها قلبى وتجمع بها أمرى، وتلم بها شعثى، وتصلح بها غائبي، وترفع بها شاهدى، وتزكى بها عملي، وتلهمنى بها رشدي، وترد بها ألفتي، وتعصمنى بها من كل سوء، اللهم إنى أسألك الفوز عند القضاء، ونزل الشهداء، وعيش السعداء، والنصر على الأعداء» . هذا ما روته الكافة عن الكافة من مقاماته ومحاضراته، وخطبه، وأدعيته ومخاطباته» «١» .
ولقد ذكر من بعد ذلك القاضى عياض عهوده ﵊ التى كان يعاهد بها القبائل، والهدنات التى يهادن بها، فإنها بلغت من إحكام المواثيق، ودقة الشروط ما لا يصل إليها تحرير كاتب، ولا توثيق معاقد، فإنها بلغت مرتبة لا يقاس عليها، ولا تحاكي، وسبق فيها سبقا بعيدا لا يقدر قدره.
_________________
(١) الشفاء ج ١ ص ٤٦.
[ ١ / ١٦٩ ]
وذكر أن لمحمد بن عبد الله ﵊ عبارات لم يسبق بها، فقال رضى الله تعالى عنه:
وقد جمعت من كلماته التى لم يسبق إليها، ولا قدر أحد أن يفرغ فى قالبه عليها، كقوله:
حمى الوطيس، ومات حتف أنفه، ولا يلدغ المؤمن من جحر مرتين، السعيد من وعظ بغيره» «١» .
وهكذا يثبت القاضى عياض فصاحة الكلم النبوي، والبلاغة المحمدية، بما ساق من عبارات جامعة، ومعان رائعة، وألفاظ ينبثق منها النور، وتضبط بها حقائق هذا الوجود.
١٣٣- وإننا إن تركنا أقوال الذين شاهدوا وعاينوا من صحابته والذين رووا المنقول فى سيرته، وعمدنا إلى الأحاديث المدونة الصادقة النسبة، والتى رواها العدول طبقة بعد طبقة، وأردنا أن نتعرف نسق بيانه من عباراتها، ومحكم معانيها من ألفاظها، لو جدنا من بعض ما يتبين فى ذلك النسق:
(١) أن اللفظ يجيء سهلا، نجد فيه الجمال الطبعي، نجد الألفاظ متناسقة يأخذ بعضها بحجز بعض، مع الإيجاز، وإحكام المعني، والاتجاه إلى مقصد القول، وتصوره، أحيانا بالحقيقة، ويكون لها جمال كجمال الطبيعة، اقرأ إن شئت قوله ﵊، فى الدعوة إلى القناعة، والرضا بالقليل، وعدم اللجاجة التى تؤذى. «ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس» وقوله فى الدعوة إلى ضبط النفس: «ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد من يملك نفسه عند الغضب» وهكذا التعبير السهل العميق فى معناه يسرى فى كلام رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فى كل توجيهاته، ولذلك سرعان ما تحفظ، فهو كلام يقال ليحفظ.
(ب) وإن من خصائص البلاغة النبوية أنها لا تعلو على العقول الفطرية، فهى تدركها فى أيسر كلفة مع جلال المعنى وعمقه وقوة نفوذه فى النفوس، والخاصة يجدون فيه علم ما لم يعلموا، انظر إلى قوله ﵊ فى بيان واحدة الأمة الإسلامية وما ينبغى لتعاونها: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا» وقوله: «مثل المؤمنين فى توادهم وتراحمهم، كمثل الجسد إذا اشتكى عضو منه تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» واقرأ قوله ﵊ فى المعاهدات التى تعهد والنفوس على أحقادها ولا تستل منها سخائمها: «هدنة على دخن» فإن كل إنسان يفهم أن القلوب فاسدة، وأن الصلح الظاهرى لا يصيب الأحقاد التى طويت عليها القلوب. ومثل قوله ﵊ فى فضل العمل، وأن يكفى كل إنسان مئونة نفسه، ويستعد لمعونة غيره للاستعانة به «اليد العليا خير من
_________________
(١) الكتاب المذكور ص ٤٦.
[ ١ / ١٧٠ ]
اليد السفلى» وقوله فى الأمر لا يختلف فيه «ولا ينطح فيه عنزان» وقوله ﵊ فى توزيع خيرات الله تعالى فى أرض الله، كل أرض بحصتها من الرزق: «كل أرض بسمائها» وقوله فى الرفق بالنساء وقد سار السائق يسوق رحالهن بعنف: «رويدك رفقا بالقوارير» .
وإن هذه التعابير جلها جديد فى العربية لم يسبق بها فى قول قائل، وهى واضحة المعنى بينة المقصد، لا تعلو على العامة، ولا تجفو عنها اذان الخاصة، بل كل الناس يجد فيها علما لم يكونوا به عالمين.
(ج) أن كلامه ﵊ من جوامع الكلم، فيه حكمة، وفيه ألفاظ قليلة ومعان جديدة لم تكن معروفة. انظر إلى قوله ﵊، وقد سئل: أنحاسب على ما تنطق به ألسنتنا. فقد قال ﵊ مجيبا، «وهل يكب الناس على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم» وقوله فى صلة الرحم عند المنابذة والقطيعة: «ليس الواصل بالمكافيء، إنما الواصل من يصل رحمه عند القطيعة»، ومثل قوله: «رحم الله عبدا قال فغنم أو سكت فسلم» .
(د) وإنه من الظواهر العامة فى كلامه ﵊ أنه يخاطب العقل والوجدان من غير استكراه للألفاظ أو تكلف فى المعاني، بل كل ذلك يجرى سهلا طيبا قيما. فيه إرشاد وتوجيه، اقرأ قوله ﵊ يدعو المؤمنين إلى أن يكونوا إيجابيين فى أقوالهم وأفعالهم، لا يتبعون من غير تفكير:
«لا يكن أحدكم إمعة يقول إن أحسن الناس أحسنت وإن أساؤا أسأت، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس تحسنوا، وإن أساؤا فتجنبوا الإساءة» .
(هـ) خلو كلامه ﵊ من الصناعة البديعية، فهو بديع فى ذاته من غير صناعة، وقد يجيء أحيانا فى كلام الرسول بعض السجع، ولكنه سجع غير مقصود، بل هو من إحكام القول، فمثلا قوله ﵊: «رحم الله عبدا قال فغنم أو سكت فسلم» لا شك أن فيه سجعا، أو ما يقرب منه، ولكن التكلف غير موجود، وإن كل لفظ منه موضوع فى معناه، لو أردت أن تغيره ما طاوعك المعني، فهل يمكن تغيير كلمة غنم مع ما فيها من ثروة فى المعانى بغيرها يؤدى مؤداها، ويكون فى إيجازها، ونسقها، وكذلك الأمر إذا أردت استبدال سلم مع ما يرمى إليه من سلامة العرض واللسان عن لغوه، وتوفير العقل، والابتعاد عن لجاجة القول، فهو ﵊، لا يقول إلا حكما، ولا ينطق إلا فصلا، وتلك غاية قوله، فإن كانت حلية، فهى الحلية التى لا تكلف فيها، ولا استكراه فى نسقها، أو محاولة الصناعة التى تغطى الكلام الفطري، وتغشاه بغواش من ضجيج الأوزان.
[ ١ / ١٧١ ]
وإن الجمال الفطرى فى القول، والحسن اللفظى من غير تحسين، بل السجع الذى يكون كسجع الحمام. يأتى من غير إعمال ولا قصد إليه، حتى فى بيان الحقائق الشرعية، ودقيق المعانى الفقهية، ففى بيان الشروط الباطلة المقترنة بالعقود، وأساس البطلان فيها، يقول ﵊ «ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست فى كتاب الله. ما كان من شرط ليس فى كتاب الله تعالى فهو باطل، وإن كان مائة شرط، قضاء الله حق، وشرط الله تعالى أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق» .
ألا ترى أنه كلام جميل جاء فى نسق محكم، والحسن فيه باد من غير تحسين، والجمال فيه بارز من غير تجميل، وهو مع كل هذا فقه عميق، يدرك مغزاه الفقهاء، ويعرف معناه من لم يبلغوا فى الفقه شأوا.
وإنه لواضح كل الوضوح أنه جاء عفو الخاطر، ولم يكن بإجهاد فكر، وتجميع ألفاظ وتنسيق كلمات، إنما كان المعنى الجيد القاصد فى اللفظ المحكم المصور الواضح.
(و) وإنه أحيانا يجيء كلامه القصصى الذى يحكى قصة فى أسلوب تصويري، تنطق فيه حقائق القصة وأبواب العبرة فى كلام مرسل سهل، يمكن القارىء أو السامع من أن يصل إلى غايتها، ويدرك معانى هدفها الصادق من غير إسراف فى اللفظ، ولا نقص فى الأداء، ولكن وفاء وكمال فى غير حشو، ولا لغو، وإليك قصة أصحاب الغار، كما روى البخارى وغيره: «بينما ثلاثة نفر يمشون فأخذهم المطر، فاووا إلى غار فى جبل، فانحطت على فم غارهم صخرة من الجبل، فانطبقت عليهم، فقال بعضهم لبعض: انظروا أعمالا عملتموها صالحة لله، فادعوا الله تعالى بها لعل الله يفرجها عنكم، فقال أحدهم. اللهم إنه كان لى والدان شيخان كبيران، وامرأتي، ولى صبية صغار أرعى عليهم، فإذا رحت عليهم حلبت فبدأت بوالدىّ فسقيتهما قبل بني، وإنه نأى بى ذات يوم الشجر، فلم ات حتى أمسيت فوجدتهما قد ناما، فحلبت كما كنت أحلب فجئت بالحلاب، فقمت عند رؤسهما، أكره أن أوقظهما من نومهما، وأكره أن أسقى الصبية قبلهما والصبية يتضاغون عند قدمى، فلم يزل ذلك دأبى ودأبهم حتى طلع الفجر، فإن كنت تعلم أنى فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرج لنا منها فرجة نرى منها السماء.
ففرج الله منها فرجة، فرأوا منها السماء.
وقال الاخر اللهم إنه كانت لى ابنة عم أحببتها كأشد ما يحب الرجال النساء، وطلبتها فأبت، حتى اتيها بمائة دينار فتعبت حتى جمعت لها مائة دينار فجئتها بها، فلما وقعت بين رجليها قالت يا عبد الله اتق
[ ١ / ١٧٢ ]
الله، ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فقمت عنها، فإن كنت تعلم أنى فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرج لنا منها فرجة، ففرج لهم.
وقال الثالث: اللهم إنى كنت استأجرت أجيرا بفرق أرز «١»، فلما قضى قال أعطنى حقي، فعرضت عليه فرقه، فرغب عنه، فلم أزل أزرعه، حتى جمعت منه بقرا ورعاءها، فقال: اتق الله تعالي، ولا تظلمنى حقى. قلت: اذهب إلى تلك البقر ورعائها، فخذها، فقال: أتهزأ بي، اتق الله ولا تستهزىء بى فقلت انى لا أستهزيء بك خذ ذلك البقر ورعاءها، فأخذه فذهب.
فإن كنت تعلم أنى فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فرج لنا ما بقي، ففرج الله ما بقي.
وإننا نقف عند القصة الصادقة، فإنا نجد العبارات السهلة المستقيمة، وبجوارها التصوير للأفعال التى تنبعث من القلوب، ويقصد بها فاعلها وجه الله تعالي، والحديث واضح فيه مع صدق القصة العبر والمعانى التى ذكرها الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم ومنها يبرز:
أولا: أن الأعمال بالنيات، وأن الله تعالى لا يقبل إلا الطيب من الأعمال، ولا يكون العمل طيبا إلا إذا قصد به وجه الله، وابتغاء ما عنده لا يريد جاها، ولا شرفا ولا مالا، إنما يريد الله تعالي، كما قال ﵊: «لا يؤمن أحدكم، حتى يحب الشئ، لا يحبه إلا الله» .
وثانيا: أن قدر الله تعالى يسير على نظام محكم فى عمله، وبحكمة بالغة يقدرها، وأنه ﷾ ينزل الفرج، لمن يتجه إليه، وأنه يجيب دعوة المكروب، لخير قدمه، ولإخلاص قلبه، وابتغاء ما عند ربه، كما قال ﷾: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ «٢»:
ويدل ثالثا: على أن الله ﷾ يجازى المؤمن بالفعال التى يتجه فيها إلى العمل الإيجابى الذى ينفع الناس، وخصوصا الأقربين، كما رأيت فى الخبر الذى قدمه الرجل الأول، من إحسان إلى أبويه، وتقديمهما على أولاده الصبية الصغار، وتركهم يتضاغون، ولا يزعج أبويه، وأن ذلك الإيثار لأن الأولاد قطعة منه فتقديمهم تقديم لنفسه، فتقديمهم أثرة، وتقديم أبويه إيثار، فهو ممن ينطبق عليه قول الله تعالى وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ «٣» .
_________________
(١) جاء فى القاموس المحيط: الفرق بسكون الراء وفتحها وفتح الفاء مكيال بالمدينة ثلاثة أوسق، ستة عشر رطلا، وجمعه فرقان، والخلاصة أنه وعاء لكيل الحب من أرز وغيره.
(٢) سورة الحشر: ٩٦.
(٣) سورة الحشر: ٩.
[ ١ / ١٧٣ ]
ويدل رابعا: على أن الكف عن الشر بعد أن تتوافر دواعيه وتهجم أسبابه هو من الأعمال الإيجابية التى يثاب عليها المرء، فالفضيلة إيجابية، وليست سلبية.
ويدل خامسا: على أن الوفاء بالحق فضيلة الإسلام، وأنه ليس بقريب من الله من أكل حقوق غيره، وأقرب الناس من أعطى كل ذى حق حقه، وتدل القصة فى ضمن ذلك على أن أجر العامل يجب أن يوفي، وأن يعطى العامل أجره قبل أن يجف عرقه، فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا.
(ز) هذا وإن إحكام القول ليبلغ فى الأخلاق والمعاهدات التى عقدها النبى ﵊ أعلى البلاغة، فهو يعقد المعاهدات، لا يترك فيها حقا إلا سجله فى عبارات واضحة مانعة من الجهالة التى تفضى إلى نزاع فى فهمها، ولا يترك فيها واجبا عليه إلا دونه فى عبارات صريحة لا التواء فيها ولا تحيف، بل هى صريحة كاملة الشروط، لأن مقاطع الحقوق عند الشروط.
ولو أن ساسة هذا العصر درسوا مخلصين وثائق المعاهدات التى أملاها النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وأرادوا متجهين إلى الحق أن يحرروا معاهدات خالصة لوجه الحق، لا يجدون ثروة يأخذون منها إلا معاهدات النبى الأمى، وسيكون لذلك فضل من الكلام عند التعرض لسياسته إن شاء الله ﷾.
٣- الخلق الكامل
[أ] الرفق
١٣٤- قال الله سبحانه وتعالي لنبيه الكريم: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ولقد قال صلي الله تعالي عليه وسلم فيما رواه الإمام أحمد في مسنده: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» ولقد قال ﵊: «أدبنى ربى فأحسن تأديبى» .
وكمال الخلق لفظ قصير يتناول في معناه كثيرا، فهو يشمل حب الفضيلة والتمسك بها والقيام بحقها، ويشمل حسن العشرة ولطف المودة، ويشمل صلة الرحم والإحسان إلي الجار القريب والبعيد، ويشمل حب الناس والرفق بهم، ويشمل التواضع، وتوطئة الكنف لهم، ويشمل البشر، ولقاء الناس به، ويشمل الأناة والحلم، ومنع الجفوة، ويشمل كظم النفس واجتناب الغيظ، ويشمل الحياء وإقراء السلام علي من عرف ومن لم يعرف، ويشمل الجود بما عنده، والزهد فيما ليس عنده، ويمنع الغلظ والفظاظة، ويشمل العفو عن المسىء، وإقالة عثرته، ويشمل الرد علي المسيء بالإحسان، ويشمل تخليص القلب من الإحن، ويشمل الإعراض عن الجاهلية، وترك المهاترة، والمماراة والمجادلة، ويشمل التيسير، وترك التعسير، والتبشير، دون التنفير.
[ ١ / ١٧٤ ]
وفى الجملة الخلق الحسن يشمل تهذيب النفس، وتربية الوجدان، والتالف مع الناس، والقرب إليهم، وتوطيء الكنف لهم، والتواضع، والرفق بالضعفاء، والقرب منهم، والألم لالامهم، والسرور لسرورهم، والاندماج فيهم من غير تأثم، ولا تجانف لإثم.
وإن الخلق الحسن يؤثر فى الدعوة إلى الحق، بما لا يؤثر البرهان وضروب الأقيسة.
وإنه من أوصاف النبوة، ولقد قال الله تعالى فى ثمرات الخلق المحمدى فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ، وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ، فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ، فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ «١» .
[ب] العفو:
١٣٥- ولقد هيأ الله تعالى محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم ليكون الهادى إلى الحق، وإلى صراط مستقيم، فوهبه الخلق الكامل، الذى يؤلف القلوب، ويجمع النفوس، إلا من طغى واستكبر، واثر الهوى على الحق، وكان قبل البعثة يحب العشير، ويقرب الصديق، ولا يعنت أحدا بعداوة، بل كان الملاك الطاهر بينهم، يعف عن قول الخنا وفعله، ويبتعد عن الهوى وجموحه، لا يعادى، ولا يصخب، ولا يفحش فى قول أو عمل، وهو الصادق، وهو الأمين، وهو الذى يعين الكل، ويغيث الضعيف، ويعين على نوائب الدهر، يعفو عمن ظلمه إلا أن يكون فى ذلك انتهاك لحرمة من حرمات الله، أو اعتداء على فضيلة.
واذا كان المسيح عيسى بن مريم قد كان خلقه السماحة يعفو عن المسيء كذلك خلق النبيين عامة، وخلق محمد بن عبد الله صلى الله تعالى عليه وسلم خاصة، وكان ذلك إيجابيا، وليس سلبيا، يفعل الخير ويجتنب الشر، وكان التاجر السمح الصبور، حتى إنه يروى بعض القرشيين أنه بايع النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بياعة قبل البعثة، وبقى شيء لم يأخذه من محمد، فانتظره النبى ﵊ ثلاث ليال، وكان يذهب فيقيم فى مكانه الذى غادره فيه، حتى لا يضل فلا يهتدى إليه، فيضيع حقه الثابت له.
ولقد امتدت هذه الأخلاق إلى ما بعد النبوة، فكانت دعامة الدعوة، فسار بسنة العفو عن الإساءة، والإعراض عن الجاهلية استجابة لقوله ﷾: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ «٢»، وقد كان ذلك الخلق يجذب الناس إلى الايمان من غير دليل ولا برهان، وإن كان الحق واضحا فى ذاته، وزاده وضوحا خلق النبى الكريم صلى الله تعالى عليه وسلم، ولنذكر واقعة كان العفو فيها داعية الإسلام.
_________________
(١) سورة ال عمران: ١٥٩.
(٢) سورة الأعراف: ١٩٩.
[ ١ / ١٧٥ ]
تصدى غورث بن الحارث ليفتك برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وهو نائم تحت شجرة قائلا، والناس قائلون، فلم ينتبه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلا وهو قائم، والسيف مصلت على رأسه فى يد الرجل، وهو يقول: من يمنعك منى؟. فقال ﵊ بقلب مؤمن ولسان صادق: «الله»، فسقط السيف من يد الرجل. فأخذه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وقال:
«من يمنعك منى»، قال: كن خير اخذ، فتركه وعفا عنه. فدنا قلب الرجل بعد نفور، وصار داعية لمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم بعد أن كان يريد قتله، فقد ذهب الرجل إلى قومه يحببهم فى محمد ﵊ ودينه، يقول: «جئتكم من عند خير الناس» . ولقد قال فى مجمل أقواله هند بن أبى هالة، وهو ابن أم المؤمنين خديجة من غير النبي.
كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «يخزن لسانه. إلا بما يعنيهم ويؤلفهم ولا ينفرهم، ويكرم كريم كل قوم، ويوليه عليهم، ويحذر الناس، ويحترس منهم، من غير أن يطوى عن أحد منهم بشره، ويتفقد أصحابه، ويسأل الناس عما فى الناس، وبحسن الحسن ويقويه، ويقبح القبح ويوهيه، معتدل الأمر غير مختلف، لا يغافل مخافة أن يغافلوا أو يميلوا، لكل حال عنده عتاد، لا يقصر عن الحق، ولا يجوزه، الذين يلونه من الناس خيارهم، أفضلهم عنده أعمهم نصيحة، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة «١» .
وقال هند هذا فى مجلسه: كان إذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهى به المجلس، ويأمر بذلك، ويعطى كل جلسائه نصيبه، لا يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه، من جالسه، أو قاوله فى حاجة، صابره، حتى يكون هو المنصرف. ومن سأله حاجة لم يرد إلا بها أو بميسور القول، وقد وسع الناس بسطه وخلقه، وصاروا عنده فى الحق سواء.
مجلسه مجلس حكم وحياء وصبر وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا تؤبن فيه الحرم، ولا تغشى فيه فلتاته، متعادلين يتفاضلون بالتقوى، متواضعين يوقرون فيه الكبير، ويرحمون الصغير، يؤثرون ذا الحاجة، ويحفظون الغريب «٢» .
ويقول: «كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، دائم البشر سهل الخلق لين الجانب ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب ولا فحاش ولا عياب ولا ممزاح، يتغافل عما لا نشتهى، ولا يوئس منه راجيه، ولا يخيب فيه. قد ترك نفسه من ثلاث: المراء والإكثار وما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث: كان لا يذم أحدا، ولا يعيره، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثواب، إذا تكلم أطرق
_________________
(١) البداية والنهاية ج ٦ ص ٣٣.
(٢) البداية والنهاية ج ٦ ص ٣٣.
[ ١ / ١٧٦ ]
جلساؤه، كأنما على رؤوسهم الطير، فإذا سكت تكلموا ولا يتنازعون عنده، يضحك مما يضحكون منه، ويتعجب مما يتعجبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة فى منطقه ومسألته، حتى أن أصحابه يستحلمونه فى المنطق «١» . إذا رأيتم طالب حاجة فارفدوه، ولا يقبل الثناء إلا من مكافيء، ولا يقطع على أحد حديثه، حتى يجوز، فيقطعه بانتهاء أو قيام.. ويقول: كان سكوته على أربع: الحلم، والحذر، والتقدير، والتفكر. فأما تقديره، ففى تسويته النظر والاستماع بين الناس، وأما تفكره، ففيما يبقى ويفنى، وجمع له الحلم والصبر، فكان لا يغضبه شىء ولا يستفزه.
[ج] اخلاقه خارقة للعادة:
١٣٦- ولنقف وقفة فى تجزئة ذلك القول البليغ، ودلالته على ما وراءه مما ينبغى أن تكون عليه أخلاق الداعى إلى الحق، وصاحب الرسالة التى حمله الله تعالى إياها، وأثر هذه فى الإجابة.
لقد قال بعض الكتاب معددا الخوارق التى صاحبت الدعوة المحمدية، قال إن من أعظم الخوارق التى كانت لمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم أخلاقه، فكانت فى ذاتها أمرا خارقا للعادة بين بنى الإنسان، فهى أعلى من أخلاق الملائكة، لأن الملائكة حسنت أخلاقهم بمقتضى كونهم: «لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون» «٢» وليس فيه روحانية عيسى ﵇ المجردة بل كانت فيه الروحانية الإنسانية، بما فى الإنسان من مطالب الجسم، وتجرد الروح، فمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم بين الناس الإنسان الذى تتجلى فيه الإنسانية الكاملة، وفى طبعه روحانية إرادية، فكل ما فيه من أخلاق للتربية والإرادة دخل فى تكوينه، فهو ليس حصورا، ولكنه عفيف لم يتدل إلى خنا قط، ففضيلته كف الشر، وتجنب له، والعفة من حصور، ليست كالعفة ممن له شهوات تغالبه، وأهواء تعانده، وبمعركة بين القوتين تكون النصرة للعفة، والغلب للفضيلة، وما يكون الوصول إليه بغلاب يكون أعلى وأنفس، مما يجيء رخيصا سهلا.
(١) وإن من أول صفات محمد بن عبد الله ﷺ الذى ذكره ربيبه هند، أنه يخزن لسانه، أى يكون لسانه كأنه فى خزانة قد ستر لا يظهر إلا لخير يرتجيه. فلا يشجع على نفرة، بل إنه لا ينطق إلا فيما يعنى الذين يخاطبهم، ويفيدهم، ويكون فيه تأليف لقلوبهم وتقريب لنفوسهم، وتأنيس غريبهم، ويأمر بإعطاء ذى الحق، ولا يتكلم فى مراء، ولا يذم أحدا ولا يكثر فى قول، خشية سقط اللسان، لا يعيب الحرمات، ولا يقطع على أحد حديثه حتى يشبع نهمة القول، فإذا تكلم هو كان كلامه فصلا، وكان قوله حكما.
_________________
(١) الكتاب المذكور وابن الحرم معناها إلمامه بها، لا يغشى فلتاته لا تستر.
(٢) سورة التحريم: ٦.
[ ١ / ١٧٧ ]
وجملة القول فى ذلك أنه قد استولى على لسانه، فلا يتكلم إلا اذا لزم الكلام لرفع حق، أو خفض باطل، أو تأليف، أو زرع مودة، أو إسداء معروف، فلسانه ليس خارجا على إرادته، ولكنه مكملها، ويسير تحت سلطانها وإرادته للحق.
(٢) والصفة الثانية من أخلاقه أنه يتألف مع أصحابه، ويمتزج إحساسه الفاضل بإحساسهم لينساب إلى نفوسهم ويكرم كريمهم، ويرفع خسيسة صغيرهم، حتى يحس بأنه منه، ويوزع محبته بينهم، ويعطى نفسه لكل واحد منهم حتى أنه يظن كل واحد منهم أنه موضع الرعاية منه، وإذا رأى أمرا حسنا أعلن حسنه، وإن رأى قبيحا نبه إليه فى رفق الهادى الأمين الذى يؤلف، ولا ينفر، ويقرب، ولا يبعد، لا يسكت عن باطل. وهو بينهم اليقظ الذى لا يغافل مخافة أن يغافلوا أو يميلوا، لا يطوى نفسه لأحد على شر، وينقذهم، وكان حريصا يحذر من يتوهم منه شرا، ويحترس منه من غير تقطيب وجه، أو غلظة فى قول، بل هو فى كل أحواله الأليف المألوف. يقتح قلبه لهم، ليقول خيارهم ما تنطوى عليه نفوسهم، ويستحيى غيرهم من أن يظهر خبيئة نفسه، بل يبقى حبيسا لا يظهر، وربما خبا فيزول، ويستقيم أمره، فإن بعد الرذيلة عن النور والماء يذبلها، بل يذهبها.
(٣) والصفة الثالثة التواضع الكريم الذى لا ضعة فيه ولا ذلة، فهو إذا دخل على جماعة جلس حيث ينتهى المجلس وحث أصحابه على ذلك، ويتطامن لهم فى المجلس؛ ويمسهم بجناح الرحمة، ويسوى بينهم، وبشره مستمر، يلين جانبه لهم، ويغض الطرف عما لا يحسن إلا أن يكون فى السكوت ترك لواجب الإرشاد. وإن أرشد ففى رفق يكتفى بالإشارة. فإن لم يكف كان التعرض، فإن لم يكف كان التنبيه فى تعميم، فإذا رأى بعض الناس يسيء لا يواجهه بالإساءة، بل يقول: ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا، ولا شك أنه إذا كان التوبيخ فيه معنى العموم كان ألطف، وكان مع ذلك أفعل، وأبلغ أثرا.
ولا يمزح إلا قليلا، وإن مزح فبعبارة فيها حكمة، ولا تخلو من بيان كقوله لعمته صفية:
«لا يدخل الجنة عجوز» فبكت، فقال ﵊، تكنّ «كواعب أترابا» ألا ترى فى هذا مداعبة لطيفة تخبر عن حال من أحوال الاخرة.
(٤) الصفة الرابعة بعده عن الغلظة والجفوة، ليس بفظ ولا غليظ، ولا عياب، ولا متتبع العورات ولا صخاب ولا فحاش فى القول، وإن كان صادقا فإن النطق بهجر القول، ولو كان وصفا صادقا لمن يرمى به فإنه لا يصح النطق به إلا إذا ترتب عليه ضياع حق أو نصرة باطل، فإنه يذكر موضوعه، ومن غير تخير للفاحش.
[ ١ / ١٧٨ ]
(٥) الصفة الخامسة: الامتناع عن الذم امتناعا مطلقا، إلا أن يضطره الحق اضطرارا، فإنه يتكلم بالكناية، ولا يرضى للعبارة سترا، وإبعادا عن الفحش فلا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه، وما يجلب خيرا للناس.
(٦) والصفة السادسة: التى يدل عليها هذا الكلام من ذكر أخلاقه، أنه ﵊ كان يلتزم السكوت كما أشرنا، ولكن ليس سكوت العيىّ الحصر، بل سكوت من يفكر فى القول قبل أن ينطق، ومن يحذر من أن يشيع عنه ما لا يليق بمثله، وهو يقدر، وقد يكون سكوته حلما وعقلا وإغضاء وعفوا عمن يكون فى قوله سوء.
(٧) والصفة السابعة: أنه لا يغضب لشيء يتصل بذاته، ولا يستفزه شيء يتعلق به، بل لا يغضب إلا لله أن تنتهك حرماته، فإذا كان ذلك لا يسكت حتى يقام حد الله.
١٣٧- هذا ما وصفه به هند بن أبى هالة، وقد كان رجلا وصافا للرجال، لا تفوته اللمحات، ولا تخفى عليه النظرات، وتنكشف دخائل النفوس من العبارات، وقد لخصنا لك بعض ما تنبئ عنه الكلمات.
ولننقل بعضا من قول من عاشروه وخالطوه، لتعرف كيف كان عشيرا، وفيا، وذا خلق هنيء، لا جفوة، ولا جفاء.
لقد روى عروة بن الزبير عن خالته أم المؤمنين عائشة، وهى التى عاشرته، وهو يحمل أعباء الإنسانية كلها ويخوض الحروب ويتنقل بين ميادينها- أنها قالت فى أخلاق محمد صلى الله تعالى عليه وسلم: «ما ضرب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بيده خادما قط، ولا امرأة، ولا ضرب بيده شيئا إلا أن يكون إثما، ولا انتقم لنفسه من شىء يؤتى إليه، حتى تنتهك حرمات الله، فينتقم لله ﷿» .
ولقد وصف أبو هريرة صاحبه، فقال:
كان يقبل جميعا، ويدبر جميعا، بأبى وأمى، لم يكن فاحشا ولا متفحشا، ولا صخابا فى الأسواق.
وإن هذا الوصف لذلك الصحابى الجليل، ينبيء عما كان ﵊ من معاملة للناس، وقد وصفه فى هذا بثلاث صفات:
أولا: أنه فى لقائه يقبل بنفسه كلها على من يلقاه، فلا يلقاه لقاء جانبيا أو يكلمه بطرف من لسانه، أو يستقبل استقبال المستهين، بل هو واضح فى إقباله، كما هو واضح فى إدباره، فإن تركه لا يتركه إلا بعد أن يتم حديثه، وعندئذ يتركه، فلا يبقى حديثا لم يستمع إليه، ولم يستمع إليه وهو يولى مدبرا.
[ ١ / ١٧٩ ]
والصفة الثانية- أنه لم يكن يجبه الناس بفحش، أو بخروج القول عن جادته، وقد أشرنا إلى هذا فى وصف ربيبه هند بن أبى هالة.
الصفة الثالثة- أنه لا يصخب، ولا يغاضب، ولا يجادل فى الأسواق، بل كان كل شيء فيه على سمت حسن وجلال.
وقد أشرنا إلى أنه ﵊ كان كما يستفاد من وصف ربيبه له متواضعا أبلغ ما يكون التواضع، ولقد خير ﵊ بين أن يكون نبيا ملكا، أو نبيا عبدا، فاختار أن يكون نبيا عبدا.
هذا هو النبى ﷺ الذى بعثه الله تعالى رحمة للعالمين، وقد بعثه فى قوم شمس، فيهم عنجهية جاهلية وغطرسة نسبية، يخير نبيهم المبعوث لهم بين جبروت الملك، ورق العبد، فيختار رق العبد، لأنه يريد أن يقرب من النفوس، لا أن يعلو عليها، فالرشاد يجيء من القريب منهم، ويبتعد عمن يستعالى عليهم.
روى أبو أمامة رضى الله تعالى عنه قال: «خرج علينا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم متوكئا على عصا، فقمنا له، فقال: لا تقوموا كما يقوم الأعاجم يعظم بعضهم بعضا، وقال: إنما أنا عبد اكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد» .
وقد جاء فى كتاب الشفاء للقاضى عياض: وفى حديث عمر رضى الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: «لا تطرونى كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله» . وعن أنس ﵁ أن امرأة كان فى عقلها شيء، جاءته، فقالت: إن لى إليك حاجة. قال ﷺ «اجلسى يا أم فلان فى أى طرق المدينة شئت أجلس إليك، حتى أقضى حاجتك» «١» .
ولقد كان رسول الله ﵊ فى أهله موطأ الكنف، يعين أهله فى مهنة البيت، ولا يستنكف، يغسل ثوبه ويحلب شاته، ويرقع ثوبه، ويخصف نعله، ويخدم نفسه، ويعقل البعير، ويعلف ناضحه، وبأكل مع الخادم، ويحمل بضاعته.
وكانت الأمة من إماء المدينة إذا احتاجت إلى من يعينها من الرجال، ولقيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أعانها فى حاجتها، حتى تقضيها، ثم ينصرف عنها موفورا غير منقوص.
_________________
(١) الشفاء ج ١ ص ٧٦.
[ ١ / ١٨٠ ]
هيبة:
١٣٨- ومع هذا التواضع الكريم غير الذليل، كانت هيبته فى القلوب أشد ما تكون هيبة الرجل الذى اختاره الله تعالى رسولا للعالمين، وما كان تواضعه إلا لما يعلمه من فرط هيبته، فيلطفها بذلك التواضع، بل إنهما نبعا من هيئة واحدة، فهما متاخيتان، بل إنه لا يتواضع هذا التواضع من غير إن يتضع، إلا من يكون قويا فى نفسه، لا يحس بأنه ينزل إلى المهانة فيما يفعل، وفيما يدع.
ولقد وصف الواصفون مجلس النبى ﵊ بين صحابته بما يدل على عظيم مهابته، وقوة وقاره، وسمته، فقد كان مجلسه ﵊ يحفه الوقار، لا يتكلمون إلا إذا أذن فى القول، فإذا صمت صمتوا، لا يخرجون عن قوله، ولا يبعدون عن إرادته.
ولكن فى تواضع واطمئنان.
وقد كان أحيانا يحرص على أن ينزل ثم ينزل ليقرب منه الذين يحدثهم، ويريد هدايتهم، وأحيانا كان النساء يسترسلن فى القول فى مجلسه من غير أن يكون منه جفاف القول، وهو قادر على إسكاتهم بنظراته، ولكنه لا يرمضهن، ولا يمنعهن.
وقد كان يرشد بعض النسوة، فكن يتسابقن فى سؤاله، فتصايحن عليه، فدخل عمر رضى الله ﵎ عنه، وهن يتصايحن فى تسابق إلى السؤال، فسكتن: فابتسم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حتى بدت سنه، فقال عمر: أضحك الله سنك يا رسول الله، ما الذى أضحكك؟
فقال الرسول الكريم الرؤف الرحيم: هؤلاء النسوة كن يتصايحن على، فلما رأينك سكتن، فقال عمر:
أى عدوات أنفسهن أتهبننى ولا تهبن رسول الله. فقالت إحداهن: ولكنك أفظ وأغلظ. فأسكتها الرسول وقال القوى المهيب، نافيا الغلظة عن صاحبه: «لا، إن الشيطان لا يسير فى فج يسير فيه عمر «١»» .
ولم يكن عمر أشد هيبة من النبى بل النبى المهيب المحبوب، ولكنه يتطامن ليصل إلى القلوب، وهو لا يترك هيبته ترهب، ولكنها هيبته ما كانت إلا لترشد، فالإرشاد غايته فى حاليه مهيبا ومتواضعا.
وان أخبار هيبته فى مبدأ البعث لها صور ووقائع، ولكن ما كان ﵊ يسلط هذه الهيبة التى تفرض صاحبها إلا نادرا، لتكون استجابة الدعوة عن الاقتناع المجرد الذى لا يدخله رهبة ولا ترغيب إلا ما يكون من رضا الله تعالى يوم القيامة.
_________________
(١) الشفاء ج ١ ص ٧٦.
[ ١ / ١٨١ ]
ولكن إن كانت المواجهة بينه وبين زعماء الشرك وجها لوجه، ورأى فيهم استهزاء مقيتا، وانفرد بهم، بيّن بأس الله تعالى عليهم، وقوته، وما وهبه الله تعالى من هيبة ربانية، ولنذكر من ذلك واقعتين.
إحداهما- أنه يروى عمرو بن العاص أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كان يطوف بالبيت، والملأ من قريش جالسون فى فنائه، فكلما مر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم غمزوا بالقول، فيبدو ذلك فى وجهه، وكرروا ذلك حتى أتم الطواف سبعا، ثم التفت إليهم، ووقف وقال لهم فى قوة المؤمن، وعزمة الصادق، وهيبة القائل: يا معشر قريش شاهت الوجوه، وأرغم الله هذه المعاطس؛ لقد جئتكم بالذبح، أو كما قال ﵊، فراعهم قوله وأفزعهم، فما كان منهم أحد إلا كان يرفوه بأحسن القول، ويقول: اذهب أبا القاسم موفورا. ما علمنا عليك شراقط.
ولا شك أن الهيبة الإنسانية التى منحها إياه رب العالمين كانت هى الفاصلة فى هذا، وما كان النهديد الذى ساقه ﵊ له الأثر النفسى، إلا لصدوره عن مهيب قوى.
الثانية- أن أشد الناس طغيانا على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عمرو بن هشام الذى سماه التاريخ الإسلامى بحق أبا جهل فقد كان فاجرا، لا شرف فى القول يقيده، ولا خلق كريم يمنعه، بل كان الحقد الدفين يدفعه، وكان النبى ﵊ يصابره ليثير عطف الناس على الدعوة المحمدية، يترك هذا الطاغوت فى اندفاعه إلى الشر وصبره له. ولقد كان لبعض العرب دين عليه، فماطله، ثم امتنع عن السداد فرأى أن يستعين ببعض زعماء مكة ممن هم على شاكلته ليستأدوه دينه، فأحالوه تهكما- على محمد بن عبد الله ﷺ- فذهب إليه الرجل يستعين به، فذهب النبى ﵊ إلى بيت أبى جهل الطاغية، وطرق الباب، فخرج إليه، وفرائصه ترتعد، من هول العزمة المحمدية، فقال له النبى ﵊: أد للرجل دينه، فذل كبرياؤه كبرياء الجاهلية، وأحضر المال وسدد الدين صاغرا، وصار هو أضحوكة الجاهليين أشباهه.
وكان ﵊ يخفف من جأش من تناله هيبته ﵊. دخل عليه رجل، فأصابته من هيبته ﵊ رعدة، فقال ﵊: «هون عليك، فإنى لست بملك، انا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد» .
وروى أبو هريرة: دخلت السوق مع النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فاشترى سراويل، وقال للوزان: وأرجح أى (أوف الميزان)، فيثب التاجر إلى يد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يقبلها، فجذب يده، وقال: هذا ما يفعله الأعاجم بملوكها، ولست بملك إنما أنا رجل منكم. ثم أخذ السراويل، فذهبت لأحملها، فقال ﷺ: «صاحب الشيء إحق بشيئه أن يحمله» .
[ ١ / ١٨٢ ]
وقليل من الناس من يلتقى فيه التواضع والهيبة، وإن محمد بن عبد الله ﷺ قد وصل إلى أسمى درجات الهيبة، ونزل من التواضع إلى درجة يقرب فيها من كل ذى حاجة وذى ضعف، يأنس به الضعيف ويرجوه ذو الحاجة فى حاجته.
إن أكثر الذين يستكبرون ممن يحسون يضعف فى نفوسهم، ولا يجدون فى أنفسهم قدرة شخصية تفرض هيبتهم فيستعينون بالكبرياء وغمط الناس والتسامى عليهم، ليعوضوا النقص، ويخففوا الضعف، أو يخلقوا هيبة صناعية: مصدرها مال، إن ذهب فقد ذهبوا، أو منصب يتعالون به إذا ألقوا عنه أصيبوا بالصغار والضياع، أما ذو الشخصية المهيبة بتكوين الله تعالى، وبما منحه الله تعالى من علم وفضيلة وقوة نفس. فإنها لا تحتاج إلى المهابة الصناعية والغطرسة والاستعلاء بها على الناس، والاستهانة بهم، واستصغار أمورهم.
والمهابة الفطرية التكوينية المستمدة من العلم والخلق والفضيلة هى والتواضع صنوان ينبعان من معين واحد، فهما لا يفترقان، لأن المهابة الفطرية ليست فى حاجة إلى غذاء صناعى، بل إن المهابة توجب التواضع ليكون التالف والتكامل الجماعى.
العفو والتسامح:
١٣٩- ينبعان من قلب سليم وخلق كريم، ولقد قالت عائشة رضى الله ﵎ عنها وعن أبيها فى خلق النبى ﷺ: «كان خلقه القران»، فهو يأخذ بهديه، ويتبع منهاجه من غير عوج، ولا التواء، والله تعالى يأمره بقوله: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ «١» واستمع إلى قوله تعالى: وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ، ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ «٢» .
وقد هيأه الله تعالى قبل البعثة، ليكون العفوّ عن هفوات الناس، المتجاوز عن أخطائهم، وإن العفو والسماحة لا يسكنان إلا قلبا خاليا من الأحقاد والأضغان، ومن يعمل ليقود الخلق إلى الحق لابد أن يكون نظره إلى ما هو أمامه ولا ينظر إلى الوراء، والأحقاد والأضغان، ومحاسبة كل امريء عليه ما كان منه، إنما هى تشد صاحبها إلى الوراء، فلا يكون تفكيره إلى ما يجب عليه القيام به فى المستقبل، بل يكون تفكيره فى شفاء غيظ من أسقامه التى كانت فى الماضى، ومن يأتى برسالة داعيا إلى الحق، لا يكون دبرى النفس يشغله الماضى عن الحاضر، بل يكون عاملا للمستقبل.
_________________
(١) سورة الأعراف: ١٩٩.
(٢) سورة فصلت: ٣٤.
[ ١ / ١٨٣ ]
محمد بن عبد الله ﵊ الذى أدبه ربه فأحسن تأديبه، والذى خلقه ليحمل أقوى رسالة، وأعظم هداية، رباه ربه على الصفح الجميل، ليكون قلبه متجها دائما إلى ما هيأه الله تعالى له، من حمل الدعوة إلى الحق، متفرغا لها، فما كان من إحن يضعها دبر أذنه، وما كان من واجب تفرغ له ليبلغ الرسالة على أكمل وجه، فلا يشغل نفسه حقد، ولا تملؤها إحن، فحسك الصدور يشغل عن العمل، ويفسد الصلات، ويغرى بالعداوة، ونبى الله تعالى فوق أن يشغله ضغن.
ولقد كان النبى ﵊ كذلك قبل أن يبعثه الله تعالى، فلم يعلم فى تاريخ حياته أنه شغل نفسه بأحقاد الجاهلية وما كانت تبثه من عداوات، بل إنه فى اخر الرسالة يعلن الصفح الكامل، فيقول في قوة ذى العزم من الرسل، «ألا إن دم الجاهلية موضوع، وأول دم أبدأ به دم عمى الحارث بن عبد المطلب» .
ولقد كان بعد البعثة حريصا على سد كل مسام الأحقاد والأضغان، وذلك بمنع النميمة، ولو كان ما ينقل صدقا، فقد ثبت فى الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال «لا يبلغنى أحد عن أحد شيئا إنى أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر «١»» .
ولمحبته للعفو الكريم والصفح الكريم ما كان يوجه لوما على عمل عمل مادام يخص نفسه، يقول أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «والله ما قال لى لشيء صنعته لم صنعت هكذا، ولا لشيء لم أصنعه لم لم تصنع»
ويقول ذلك العشير الذى خدمه فى السفر والحضر: «كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من أحسن الناس خلقا، أرسلنى لحاجة، فقلت: - لا أذهب- وفى نفسى أن أذهب لما أمرنى به رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فخرجت حتى أمر على صبيان، وهم يلعبون فى السوق، فإذا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، قد قبض بقفاى من ورائى قال: فنظرت إليه وهو يضحك، فقال يا أنس، ذهبت حيث أمرتك؛. فقلت: نعم أنا أذهب يا رسول الله» ومضى أنس خادم رسول الله ﷺ إلى حيث أمره أو طلب إليه من حاجة «٢» .
هذا خبر يبدو صغيرا فى مقام أخبار النبوة المحمدية، ولكنه كبير فى مغزاه، وفى معناه، وقد بدت السماحة وسماحة الأخلاق، أولا- فى أنه عفا وسامح خادمه وهو يعانده، ويرد قوله ظاهرا، فما لامه، ولا عتب عليه، ولا احتسبها عليه، ولكنه تركه لتقديره، وقبل ألا يذهب إلا مختارا غير مأمور.
_________________
(١) البداية والنهاية ص ٦ ص ٢٦.
(٢) الكتاب المذكور.
[ ١ / ١٨٤ ]
وثانيا: تتبعه ليعرف ماذا أجدى الصفح الجميل، وعلاج شماس النفوس بالتسامح والتساهل، والإخاء من غير إعنات ولا استكراه فى إغلاق وإغضاب، أو مغاضبة.
وثالثا: لم يكتف بألا يغضب، بل إنه يداعبه مع ذلك، فيقبض عليه من قفاه، ثم يناديه مداعبا ضاحكا يا أنيس، يد لله بتصغيره، وهو الذى عانده، ورد إرادته.
ثم يقول معلنا انتصار السماحة والعفو، وعدم المؤاخذة على ظواهر الأفعال «ذهبت حيث أمرتك» هذا كمال النبوة وخلق النبى الذى يدعو النفوس الشاردة فيروضها على الحق، ويؤنسها فى عفو وسماحة، وصفح جميل، بل إن الإشارة لا تعلو قط، حتى تكون أمرا.
وقال أنس هذا «كنت أمشى مع النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وعليه برد غليظ الحاشية، فأدركه أعرابى فجبذ بردائه جبذا شديدا، حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله ﷺ. فإذا به قد أثرت فيه حاشية البرد من شدة جبذته، ثم قال: «يا محمد مر لى من مال الله تعالى الذى عندك» فالتفت إليه رسول الله ﷺ فضحك، ثم أمر له بعطاء» .
وإن هذه السماحة، وذلك العفو خلقه قبل البعثة، وكان خلقه عندما اشتد الأذى، فهو يعالج عنف قريش بالرفق فى القول، ويعالج الإيذاء بالصفح الجميل، الذى لا يمن به، ولكنه يهدى به من شاء الله تعالى، ولو لم يكن العفو أساسا، لطلب من الله تعالى كما قال تعالى عن نبيه نوح: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ، دَيَّارًا. إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِرًا كَفَّارًا «١» ولكن الله فضل بعض النبيين على بعض، ولكل أمة رسول تكون أخلاقه على ما يكون سبيلا لهدايتها ولإرشادها.
روى أنه لما كذبت قريش النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وبالغت فى الأذى، ولما لجأ إلى ثقيف فى الطائف وأغروا سفهاءهم. أتاه جبريل ﵇ فقال له: «إن الله تعالى قد سمع قول قومك لك، وما ردوا به عليك، وقد أمر ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم- فناداه ملك الجبال وسلم عليه وقال:
مرنى بما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين (الجبلين اللذين يحيطان بمكة المكرمة) قال النبى السمح الكريم «الهم اغفر لقومى فإنهم لا يعلمون» .
وذكر ابن المنكدر أن جبريل ﵇ قال للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم: «إن الله تعالى أمر السماء والأرض والجبال أن تطيعك، قال: أؤخر عن أمتى، فلعل الله تعالى أن يتوب عليهم» .
وإن سماحته ﵊ وعفوه ليبدوان فى عفوه عمن عادوه واذوه وقاتلوه، ولم يتركوا بابا من أبواب الأذى والقتل والقتال إلا سلكوه، وما تركوا كيدا إلا كادوه له، ثم ال الأمر إلى أن ينتصر عليهم نصرا مؤزرا.
_________________
(١) سورة نوح: ٢٦، ٢٧.
[ ١ / ١٨٥ ]
عندما فتح الله تعالى له مكة المكرمة، نادى الملأ من قريش، ولم يفكر فيما كانوا يصنعون به وبأهل الإيمان إن كان لهم النصر، ولكنه فكر فيما ينبغى لمثله معهم، وتطييب قلوبهم، وإزالة الأحقاد من نفوسهم، فقد قال لهم فى ود راه فى موضعه: ما تظنون أنى فاعل بكم، قالوا أخ كريم وابن أخ كريم، ما نظن إلا خيرا. قال أقول لكم ما قاله أخى يوسف لإخوته: «لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم، وهو أرحم الراحمين» اذهبوا فأنتم الطلقاء، وبذلك أنهى الأحقاد، ووضعها دبر أذنه ليستقبلوا عهدا جديدا فى الإسلام.
إن الداعى بدعاية الحق، يجب عليه أن يطهر نفسه من أمرين: أحدهما أدران التألم من الناس لأذى سبقوا به، أو لحسك الصدور، أو لفحش كان منهم، فإنه جاء لهدايتهم، لا لمقابلة إساءة بمثلها، ولا ليشغل نفسه بالنقمة بهم، وإن كانت حقا أو أخذ حق، ولا علاج لذلك إلا بأن يجعل نسيان الماضى، والتسامح، هو السبيل لهذا النسيان، والعفو عما سلف من سيئات هو الذى يمكن الداعى من الخلاص إلا من الحق.
ثانيهما: أن يبعد الأثرة عن نفسه، فلا يفكر فى العمل لنفسه، وذلك يقتضى الإيثار، والفناء فى دعوته التى يدعو إليها، وإن تطهير النفس من الأثرة، إنما يكون بتغليب ترك الحقوق إذا لم يكن فى تركها إقامة لباطل، أو خفض لحق، أو سكوت عن حق عام، فالداعى ينسى حقوقه الشخصية، بل يهملها من غير تهاون، ولا يترك حقا عاما، ولا أمرا من موجبات دعايته فإن تساهل فى حقوقه، فلكى يتفرغ بكله للحقوق العامة.
وإذا كان ذلك ما ينبغى أن يكون عليه دعاة الحق، والناصرون له من الناس، فكيف يكون الشأن ممن هو رسول لرب العالمين، إنه ينسى حقوق نفسه، فيعفو عنها، ويذكر حقوق الناس فلا يفرط فى أى جزء منها.
ولقد قالت عائشة أم المؤمنين ﵂ فى وصف النبى صلى الله تعالى عليه وسلم «لم يكن فاحشا، ولا متفحشا، ولا صخابا فى الأسواق، ولا يجزى بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح» .
وفى الجملة ما كان يحمل إلا الخير، وينفى عن نفسه كل ما يثيرها على أحد، فلا يكون منه إلا النفع، ولا يحمل نفسه عناء البغض والكراهة إلا أن يكون لله.
حياؤه:
١٣٩- الحياء صفة نفسية يظهر أثرها فى العمل على ألا يفاجيء الشخص الناس بما ينفرهم، أو بما لا يألفون، لا يظهر منه ما يخالف الفضيلة، فلا يعلن رذيلة، ولا أمرا لا يتلقاه الناس بالقبول، ويعمل
[ ١ / ١٨٦ ]
على إرضاء النفس الجماعية ما لم يكن إثما، وهناك صفات تلتبس مع الحياء. أو يبدو بادى الرأى أنها تعارضه.
فقد ظن بعض الناس أن الحياء ضعف نفسى، وأنه قد يكون السكوت فيه نوع من الرياء، وذلك باطل، لأن الحياء الحقيقى ليس ضعفا، ولا ينشأ عن ضعف، إنما ينشأ عن الكمال لأن من عنده الحياء لا يحب أن يظهر منه إلا ما هو كامل ذاته، وألا يظهر منه ما هو مرذول فى ذاته أو يعده الناس مرذولا، وذلك ليس ضعفا، ولكنه نقاء وصفاء للمجتمع من أن ترنقه مظاهر الانخلاع من القيود الاجتماعية، والتحلل من الروابط الإنسانية التى تربط الاحاد ربطا نفسيا.
والشجاعة والحياء يتلاقيان، بل إن تلاقيهما هو ذروة الكمال، فإن قول الحق فى موضعه، وفى وقته المناسب يتلاءم مع الحياء، والسكوت عن النطق بالحق فى وقت الحاجة إليه، لا يعد حياء، بل إنه استخذاء، والحياء حماية للفضيلة، وتضييق على الرذيلة من أن تظهر، وإذا كان للحياء أثر فى شجاعة قول الحق، فانه يحمل القائل على الدعوة إليه فى رفق من غير عنف، فيكون أجدى، وأشد تثبيتا، وأهدى سبيلا، وإن اقتضى الحق مجاهرة به تأخذ وصف القوة، لا يمنعها الحياء.
ولا يظن أحد أن فى الحياء رياء، إنما الحياء ألا تنطق إلا بالحق، أو لا تغمطه، أو تغمض العين على الباطل، إنما الحياء يمكن صاحبه من أن يسوس الحق سياسة المستمسك من غير هوادة إلا أن تكون رفقا.
ولقد ذكر القاضى عياض فى الشفاء فى بيان الحياء: وأما الحياء والإغضاء، فالحياء رقة تعترى وجه الإنسان، عند فعل يتوقع كراهيته، أو ما يكون تركه خيرا من فعله، والإغضاء هو التغافل عما يكره الإنسان بطبيعته، وكان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أشد الناس حياء، وأكثرهم عن العورات إغضاء. قال الله تعالى إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ، فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ.. «١» الاية عن أبى سعيد الخدرى رضى الله تعالى عنه قال: «كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أشد حياء من العذراء فى خدرها» «٢»
وإن مظاهر حياء النبى صلى الله تعالى عليه وسلم تبدو فى عامة أحواله، نذكر بعضا منها يدل على سائرها:
(أ) أن بعض أصحابه كانوا لفرط كرمه يتناولون الطعام، ثم يأخذون فى الحديث، فكان هذا يؤذى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وقد يكون منه اضطراب فى بيته، وإقلاق لراحة أهله، وضيق فى ذات نفسه، ولكن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كان يستحيى من أن يأمرهم بالخروج، أو يطلبه إليهم،
_________________
(١) سورة الأحزاب: ٥٣
(٢) الشفاء ج ١ ص ٦٨.
[ ١ / ١٨٧ ]
أو يشير به بأي نوع من أنواع الإشارة، حتى تولى الله تعالى تعليم المؤمنين الأدب فى هذا المقام، وأعفى رسوله من أن يخالف قانون حيائه، فقال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ، إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ، وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا، فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ، إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ، وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ، وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعًا فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ، ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ، وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ، وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا
«١» .
(ب) ومن مظاهر حيائه، وعدم المجابهة من غير ضياع للحق، أنه إذا كان قد بلغه عن أحد ما يكرهه، لا يجابهه بأنه فعل ما يكره فى الشرع، ولا يجبه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، بل كان يقول: «ما بال أقوام يصنعون كذا أو يقولون كذا.» فينهى عن العمل ويستنكره ولا يسمى فاعله.
وإن ذلك فوق أنه مظهر من مظاهر الحياء، فإنه أولا يجعل النهى عاما، والاستنكار شاملا لكل من يحتمل أن يقع منه هذا العمل، وفوق ذلك إن ذلك التعميم على قبح الفعل فى ذاته من غير تعلقه بشخص بعينه، فالاستنكار للفعل من غير نظر إلى فاعله، ومع كل هذا فإن ذلك هو الحكمة، لأن المجابهة للفعل فيه خزيه، وقد يجر تكرار اللوم إلى المجاهرة والاستمرار، وإن تكرار الخزى إعانة للشيطان، كما قال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لقوم قالوا لمحدود فى شرب خمر: أخزاك الله، فقال لهم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم «لا تعينوا عليه الشيطان» .
(ج) ومن مظاهر حيائه صلى الله تعالى عليه وسلم، أن الفعل إذا كان يندر وقوعه، فإذا وقع لا يجابه صاحبه بالنهي، بل يحث أصحابه على أن ينبهوه، دخل عليه مرة رجل عليه ثياب معصفرة زاهية تبهر الأنظار مما رأى أنه لا يليق أن يكون لبسة الكاملين، فلم ينبهه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، بل بعد أن خرج أمر بعض صحابته أن ينبهه، وقد دفع إلى ذلك حياء النبى ﵊ أولا- والرفق بالرجل من مرارة الإعلان ثانيا، ومنعه من أن يقع عليه خزى ثالثا.
(د) ومن مظاهر حيائه، ولطف مودته ﵊ أنه كان إذا لقى الرجل بوجه لا يتجه بصفحة وجهه إلى جانب اخر، حتى يكون محدثه هو الذى ينصرف عنه روى أنس خادم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أنه كان إذا استقبل أحدا بوجهه لا يصرفه عنه حتى يكون الرجل ينصرف عنه.
وروى أنس أيضا أنه كان إذا صافح الرجل أو صافحه لا ينزع يده منه، حتى يكون الرجل هو الذى ينزع يده، وإذا أراد رجل أن يسر إليه حديثا فى أذنه، فيحنى رأسه له، ويستمر حانيا رأسه، حتى يكون الرجل هو الذى ينحيه.
_________________
(١) سورة الأحزاب: ٥٣.
[ ١ / ١٨٨ ]
وقد يقول قائل ما للحياء والشمائل النبوية التى من شأنها أن تسهل دعوة الرسول ﵊، إنه أدب شخصى ليس له صلة بالدعاية أو تبليغ الرسالة؟!!
ونقول إن خلق الداعى يجذب إلى موضوع الدعوة، فلو كان الداعى فحاشا، أو صخابا، أو يغلب عليه أن يلوم وتقرع عباراته لنفر منه الناس، وما استجاب له إلا أهل الحق الصرف الذين لا يهمهم لون الدعوة، بمقدار ما يهمهم لبها.
وإذا كان الخلق الطيب يجذب النفوس، ويوجهها نحو الحق، فإن الحياء أشد الأخلاق اجتذابا للنفوس، فإن الحياء، يجعل صاحبه لا يفجأ الناس بما لا يسرهم، بل يجيء إليهم من جانب ما يألفون، فلا تنفر النفوس، ولا تنشعب عن الحق، وإن عنف الداعي، وتفحش قوله يعوق دعوته، ويكون استثقاله مؤديا إلى رده.
وإذا كان مع الحياء لين فى الطبع من غير ضعف، وقوة فى الحق وصل إليه فى مداخل سهلة لينة، ولقد قال فى وصفه على بن أبى طالب أنه كان أوسع الناس صدرا، وأصدق الناس لهجة. وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة.
ولقد كان لالتقاء الخلق الحسن اللطيف المعشر مع الحياء، والاستمساك بالحق مزيج من أخلاق كريمة، جعله لا يترك التنبيه إلى الحق فى رفق، وجعله يصل إلى ما يريد من إيغاله فى القلوب.
ذكر بعض الذين أدركوه قصة تدل على جمع النبى ﵊ بين لطف العشرة، والحياء، والتأديب اللطيف.
قال ذلك العربي، وهو ابن جبير: نزلت مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مر الظهر، فخرجت من جناني، فإذا نسوة يتحدثن، فأعجبنني، فرجعت، فأخرجت حلة حبرة فلبستها، ثم جلست إليهن، وخرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من قبته، فقال: يا أبا عبد الله ما يجلسك إليهن، فهبت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله، جمل لى شرود أبتغى له قيدا، قال:
فمضى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وتبعته فألقى رداءه ودخل الأراك فقضى حاجته وتوضأ، ثم جاء فقال يا أبا عبد الله، ما فعل شراد جملك، ثم ارتحلنا، فجعل لا يلحقنى فى منزل إلا قال:
لى السلام عليك يا عبد الله، ما فعل شراد جملك.
فتعجلت إلى المدينة، فاجتنبت المسجد، ومجالسة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فلما طال ذلك تحينت ساعة خلو المسجد، فجعلت أصلي، فخرج رسول الله ﷺ من بعض حجره، فجاء صلى
[ ١ / ١٨٩ ]
الله تعالى عليه وسلم، فصلى ركعتين خفيفتين، ثم جاء فجلس، فطولت رجاء إن يذهب، ويدعني، فقال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: طول يا أبا عبد الله ما شئت فلست بقائم حتى تنصرف.
فقلت والله لا عتذرت إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ولأبردن صدره، قال فانصرفت، فقال: السلام عليك يا أبا عبد الله، ما فعل شراد جملك، فقلت: يا رسول الله والذى بعثك بالحق ما شرد ذلك منذ أسلمت، فقال ﵊: رحمك الله مرتين أو ثلاثا، ثم أمسك عنى فلم يعد «١» .
انظر أيها القاريء الكريم للتأديب النبوى لأصحابه من غير أن يكون فحشا، وفى حياء المؤمن، وأدب الهدى المحمدي، لقد لا حظ رجلا يرى جمعا من النسوة يعجبنه، فيلبس أحسن ثيابه، ويجلس إليهن، فيسأله فيكذب، فيراه يخطئ خطأين:
أولهما- أن يخرق حجاب الحياء فيجلس فى مجلس النساء، وذلك خدش لحيائهن، وتهجم عليهن، واختراق لحجاب الحياء فى ذات نفسه، ثم يكذب على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ويلح النبى ويوميء من طرف خفى إلى أنه لم يقل الحقيقة. فيكرر له ما اعتذر به وقتا بعد اخر بأناة، وذلك ليحمله على التوبة والاستغفار، إنه يريده على التوبة عن أصل ما ارتكب ثم عن الكذب، فأخذ يكرر السؤال فى شبه مداعبة، وهو يقصد اللوم، إنه ما انتهى من تكرار القول. وهو يعرف مداه من القلب، حتى أقر بما ارتكب، وبأنه قد كذب على الرسول صلوات الله تعالى وسلامه عليه، والإقرار بالذنب أول أبواب التوبة، وقد ندم على ما فعل بدليل تهربه من مواجهة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم.
جوده ﵊:
١٤٠- الجود إذا لم يقصد به التفاخر، كان بابا من أبواب الخير الذى يكون بالعطاء لذى الحاجة الذى لا يمتن فيه ولا يستكثر، بل يبذل سدا لحاجة محتاج، أو لإعانة مستعين، أو ليتصدق يرجو ما عند الله تعالى، لا يرجو من الناس جزاء ولا شكورا، وهو بهذا خلق جماعى يربط المودة بين احاد الجماعة، ولقد عد الحكماء أن الفضائل أربعة جعلوا منها الحكمة والشجاعة، والعفة والسخاء، فهو فضيلة عامة، لا تصدر إلا عمن يحس بحق الجماعة عليه.
ولقد كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم جوادا يعطى ما فى يده ولو كان فى حاجة إليه، فهو علم المؤمنين أن يؤثروا على أنفسهم، ولو كان بهم خصاصة.
_________________
(١) الوفا بأخبار المصطفى لابن الجوزى ج ٣ ص ٤٤٩
[ ١ / ١٩٠ ]
ولقد ذكر ابن عباس فقال: «كان أجود الناس بالخير، وأجود ما يكون فى شهر رمضان، وكان إذا لقيه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة» .
فالجود صفة ملازمة له تعلو ولا تنزل، تعلو فى رمضان، ويسمو علوها فى العشر الأخيرة من رمضان عندما يذاكره جبريل القران.
وقد كان الجود خلقه قبل البعث، كما استمر من بعد البعث، إذ كل شيء فيه قد ازداد خيرا، ولقد قالت له خديجة ﵂: «إنك تحمل الكل، وتكسب المعدوم» .
وقد جاء فى كتاب الشفاء أنه رد على هوازن سباياها، وكانت ستة الاف، وأعطى إليه العباس من الذهب ما لم يطق حمله، وحمل إليه تسعون ألف درهم، فوضعت على حصير، ثم قام إليها فقسمها.
فكان من كرمه صلى الله تعالى عليه وسلم أن يوزع كل ما يجيء إليه من غنائم، ولا يبقى منها لنفسه شيئا، إلا ما يكفيه.
وما كان يرد طالب حاجة قط، حتى كان يبلغ به الجود (أن يجود بالموجود كله) بل إنه إذا لم يكن الوجود حمل عبء الدين ليسد الحاجات، جاءه رجل يسأله حاجة، فقال: ما عندى شئ، ولكن ابتع على، فإذا جاءنا شيء قضيناه. ولقد قال عمر رضى الله تعالى عنه، وقد رأى محمد بن عبد الله صلى الله تعالى عليه وسلم يتحمل ثمن البياعات، ليؤديه إذا لم يكن معه- قال له: «ما كلفك الله تعالى ما لا تقدر عليه» فكره النبى صلى الله تعالى عليه وسلم من صاحبه ووزيره عمر الفاروق ذلك، لأنه لا يريد أن يحول أحد بينه وبين سجيته التى فطره الله تعالى عليها، والتى جعلته فوق الكرماء والأجواد.
ولقد لاحظ ذلك أنصارى كان فى حضرة الرسول وصاحبه فقال يا رسول الله، أنفق ولا تخش من ذى العرش إقلالا، فتبسم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بعد إذ كره، وعرف البشر فى وجهه، وقال: بهذا أمرت. وذكر الخبر الترمذى.
ولقد كان جوده من فرط اعتماده على الله تعالى مع اتخاذ الأسباب، ولأنه يؤثر على نفسه، ولأنه حمل نفسه سد حاجة أى محتاج، فهو جود من قبيل تحمل الأعباء، لا من قبيل السخاء المجرد، لقد قال ﵊، وصدق فعله قوله «من ترك مالا فلورثته، ومن ترك عيالا فإلىّ وعلىّ» .
فمال الناس لأنفسهم إلا ما يفرض من زكوات عليهم، وأما الذين لا يستطيعون أن يعولوا أنفسهم، فهم يكونون فى عياله، وعليه واحده تحمل أعبائهم، ذلك أن الفقراء عيال الله، ويحملهم رسول الله.
يقول أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. «كان رسول الله لا يدخر شيئا» .
[ ١ / ١٩١ ]
وعن أبى هريرة أن رجلا جاء يسأل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ولم يكن مع الرسول مال فاستلف رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم.
وإن جود رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ليزيد؛ حتى إنه يخلع ثيابه لمن يطلبها، فقد روى الطبرانى عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم رأى صاحب بز، فاشترى منه قميصا بأربعة دراهم، فخرج وهو عليه فإذا رجل من الأنصار، يقول: يا رسول الله اكسنى قميصا، كساك الله تعالى من ثياب الجنة، فنزع القميص فكساه إياه، ثم رجع إلى صاحب الحانوت، فاشترى منه قميصا بأربعة دراهم، وبقى معه درهمان، فاذا بجارية فى الطريق تبكى، فقال: ما يبكيك فقالت يا رسول الله دفع إلى أهلى درهمين أشترى بهما دقيقا فهلكا، فدفع إليها رسول الله الدرهمين الباقيين ثم انقلب، فإذا هى تبكي، فدعاها، فقال لها ما يبكيك، وقد أخذت الدرهمين، فقالت أخاف أن يضربونى فمشى معها إلى أهلها، فسلم فعرفوا صوته ثم قالوا ما أشخصك بأبينا وأمنا، فقال: أشفقت هذه الجارية أن تضربوها، فقال صاحبها: هى حرة لوجه الله تعالى لمشاك معها، فبشرهم رسول الله بالخير والجنة.
ولقد كانت عشرة دراهم مباركة ذكر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بركتها فقال: «لقد بارك الله تعالى فى العشرة كسا الله نبيه قميصا، ورجلا من الأنصار قميصا، وأعتق الله تعالى منها رقبة، وأحمد الله هو الذى رزقنا بقدرته» «١» .
وكان ﵊ ينفق ماله، ويحرض الناس على الإنفاق، وكان فى كرمه كثير الاعتماد على الله تعالى فى رزقه، فهو يقول لبلال «أنفق بلال. ولا تخش من ذى العرش إقلالا» ويقول ﵊ «ما من يوم يصبح إلا وملكان يقول أحدهما اللهم أعط منفقا خلفا ويقول الاخر اللهم أعط ممسكا تلفا» .
وإن ذلك الكرم لم يكن بعد البعثة المحمدية، بل كان قبلها، ويقول فى ذلك ابن كثير:
«ثم كان قبل البعثة، وبعدها، وقبل هجرته ملجأ الفقراء والأيتام والضعفاء والمساكين» .
وهنا نقول إن جود محمد بن عبد الله ﷺ ليس جود من يعرض عن المال فلا يطلبه، أو جود من يجرد نفسه من أسباب الحياة، فلا يترك المال إذا جاء، بل يطلبه من أسبابه الحلال، الطيبة التى لا خبث فيه قط، ولكن ليمر على يده مرورا، ليصل إلى الضعفاء واليتامى والأرامل والمساكين، فهو يعبر من يده الطاهرة الأمينة إليهم.
لقد كان تاجرا يكسب من التجارة لنفسه، ولزوجه الطاهرة الأمينة خديجة وتدر عليه الدر الوفير،
_________________
(١) راجع البداية والنهاية ج ٦ ص ٦٥، وقد ذكر أن فى بعض رواته من يضعفه بعض الرواة.
[ ١ / ١٩٢ ]
وكان يستخدم كل خبرته التجارية التى أفادها من بيئة مكة التجارية، ولكنه ما كان يفعل ذلك لنفسه ولا لزوجه، ولكن ليعطى هو وهى الفقراء والضعفاء كسبهما الطيب الذى لا خبث فيه.
لقد ذكر عن عيسى ﵇ الزهادة فى المال، وأنه لم يعمل على كسبه، بل تجرد منه، ومحمد بن عبد الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان يعيش ويكسب ويتجر فى صدر حياته ليحصل على المال، وينفق ما حصل عليه على الضعفاء، فهو قد سخر نفسه عاملا
وفى كل فضل، ولكن زهادة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم إيجابية، إذ أنها تكسب المال من الكسب الطيب، وذلك الكسب فيه نفع عام، لأنه إما زرع يأكل منه الإنسان، وإما عمل وكدح ينمى ثروة الجماعة، وإما نقل خيرات الأرض التى تفيض من إقليم إلى إقليم اخر بالتجارة، وفى ذلك نفع عميم.
ثم إن الكسب لا يبقى فى يد الجواد، بل يفيض به على غيره، فهى زهادة إيجابية كادحة عاملة.
الشفقة والرأفة والرحمة:
١٤١- وصف رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بأنه رؤف رحيم، والرأفة والشفقة متقاربتان فى المؤدى، وقد قال تعالى فى ذلك الوصف: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ، حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ «١»، وقال تعالى وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ «٢»
ونحن فيما كتبنا من بحوث تتصل بهذا المقام قررنا أن الرحمة تكون اثارها عامة، وقد أشار إلى ذلك النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فقد كان صلى الله تعالى عليه وسلم يكثر من الحث على الرحمة، فقال بعض أصحابه: «يا رسول الله أكثرت من ذكر الرحمة ونحن نرحم أزواجنا وذرياتنا. فقال ﵊ «ما هذا أريد، إنما أريد الرحمة بالكافة» .
والشفقة وأختها الرأفة تكون فى النواحى الخاصة، والنبى ﵊ كان فيه الرحمة بالكافة، وكان فيه الرأفة الخاصة ما لم تتعارض مع الرحمة بالكافة، وذلك يكون فى الرأفة بالاثمين الظالمين الذين يرتكبون ما يوجب حدا من حدود الله، ولذلك يقول ﷾: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ، وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ «٣» .
_________________
(١) سورة التوبة: ١٢٨
(٢) سورة الأنبياء: ١٠٧
(٣) سورة النور: ٢.
[ ١ / ١٩٣ ]
وإنه ﵊ كان يعالج النفوس الشاردة بالرأفة التى تؤنس هذه النفوس، فتقرب بعدها، وتستأنس بعد جفوتها.
ويروى فى ذلك أن أعرابيا جاء يطلب منه شيئا، فأعطاه، ثم قال له أأحسنت إليك؟ قال الأعرابى:
ولا أجملت. فغضب الحاضرون من المسلمين، وقاموا إليه، فأشار الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم اليهم أن كفوا، ثم قام ﵊ ودخل منزله، وأرسل صلى الله تعالى عليه وسلم إلى الرجل، وزاد شيئا، ثم قال: أأحسنت إليك؟ قال: نعم فجزاك الله تعالى من أهل وعشيرة خيرا، فقال ﵊: إنك قلت ما قلت، وفى نفس أصحابى من ذلك شيء، فإن أحببت، فقل أمامهم ما قلته بين يدى، حتى يذهب ما فى صدورهم عليك. قال: نعم، فلما كان الغد أو العشى جاء فقال صلى الله تعالى عليه وسلم: «إن هذا الأعرابى قال ما قال فزدناه، فزعم أنه رضى بذلك، قال الأعرابى نعم فجزاك الله تعالى من أهل وعشيرة خيرا» . فقال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم «مثلى ومثل هذا مثل رجل له ناقة شردت عليه، فاتبعها الناس فلم يزيدوها إلا نفورا، فناداهم صاحبها: خلوا بينى وبين ناقتي، فإنى أرفق بها منكم وأعلم، فتوجه لها بين يديها، فأخذها من قمام الأرض، فردها حتى جاءت إليه، واستناخت، وشد عليها رحلها، واستوى عليه. وإنى لو تركتكم، حيث قال الرجل ما قال فقتلتموه دخل النار» «١» .
إن ذلك الحديث، ينبيء عن حكمة الدعوة والإرشاد والهداية إلى الحق، يقرب الشارد، ولا يعاقبه، يدنيه إلى الحق، ولا يهلكه، وإنه يسوس النفوس ويتجه إلى الجادة من غير عنف.
وفيه الشفقة الكاملة، وأنها علاج النفوس، وليس العنف علاجا، ولكنه قمع فى غلظة، وقد يؤدى إلى الإصرار على الشر، والامتناع عن الخروج عن دائرته.
وفى ذلك كمال التبليغ للرسالة الإلهية، وتعليم الراعى كيف يسوس الرعية، ويأخذها إلى مواطن الحق، وحمايته.
وإن شفقته الشخصية على المتصلين به لتبدو فى معاملته لأهله من أزواج وأقارب سواء أكانوا أقربين أم كانوا غير ذلك ممن لهم رحم موصولة.
ولقد امتنع عليه النوم عندما أسر عمه العباس بن عبد المطلب فى غزوة بدر، فكان يبكى لأنينه، وهنا فى هذه القضية، يبدو أمران يظهران متناقضين- أولهما- ألمه لأن عمه وحبيبه العباس قد أسر، ويذوق مرارة الأسر يشفق عليه، ويشتد الأسى عليه- وثانيهما- العدالة المقررة الثابتة التى تسوى بين الناس فى النتائج، إذا تساووا فى الأسباب الموجبة لهذه النتائج المؤدية إليها، وإن الجمع بين دواعى الشفقة، وموجبات العدل عسير على محمد ﵊.
_________________
(١) الشفاء: ج ١ ص ٧٢.
[ ١ / ١٩٤ ]
وإن الشفقة ودواعيها، والحرص على الواجب والعدل، ليتجلى فى أمر زوج ابنته، فإنه كان أسيرا فى غزوة، فلم يعفه من واجب الفداء ورفض أن يفك أسره إلا بفداء، فأرسلت زوجه زينب بنت محمد ﵊ إلى أبيها تفدى زوجها بحلية عندها كانت أهدتها إليها فى عرسها أمها خديجة أعز النساء على محمد بن عبد الله ﵊، عندئذ التقت أمور كلها تؤثر فى القلب الشفيق فى الرجل العادل، ففيه الشفقة على ابنته، وفيه الذكرى، لأوفى النساء له وأبرهن به، وأحناهن عليه، وأعزهن عنده، وفيه ما يجب عليه من عدل غير مفرق بين أسير وأسير، فهنا التكليف الشاق، والإحساس القوى، فمحمد يبكى من فرط ما جاش فى نفسه من ذكري، وما يدعوه الواجب، فيجمع أصحاب الحق فى الفداء، وهم الغزاة المجاهدون، ويعرض عليهم النظر فى واجبه، والرفق بإحساسه، وما هو بالذى يفرض عليهم الرأى. فيكون الرأى من أصحاب الحق فيه أن يعيدوا الحلية إلى صاحبتها.
وهنا نجد محمدا ﵊ يجمع بين شفقة الأبوة وذكرى الزوج البارة، الحانية العطوف، والواجب العادل الذى عليه أن يؤديه.
وإن شفقته الأبوية التى لا تتعارض مع الواجب، أولا يعارضها واجب من العدالة، والتسوية بين الناس لتبدو فى شفقته، على ابن زينب، وهو يحتضر، فقد أرسلت إلى أبيها نبى هذه الأمة، ولكن الرجل الشفيق خشى من ضعف الشفقة أن يرى حفيده يحتضر، فأرسل إليها ﵊ يقول لها:
«إن لله ما أخذ وما أعطي، وكل شيء عنده مسمي، فلنحتسب لنعتبر» ولكنها تصر على أن يحضر، وتقسم عليه، فقام إليها النبى، وقام معه من بحضرته من صحابته، فوضعه ﵊ فى حجره، ونفسه تخرج، ففاضت عين محمد بن عبد الله ﵊ فقال له سعد بن أبى وقاص:
«ما هذا يا رسول الله، قال الرسول: هذه رحمة وضعها الله فى قلوب من شاء من عباده، ولا يرحم الله من عباده إلا الرحماء» .
ولقد كانت الشفقة مع القيام بالواجب، تتجلى فى موت ولده إبراهيم الذى وهبه الله تعالى على الكبر، ثم استرد الوديعة، فما رؤى رسول الله ﷺ فى حزن الأبوة، كما رؤى فى وفاة إبراهيم، إذ بكى من عبء ما أصيب به، كان ثقيلا، ولما رأى أسامة بن زيد محمدا ﷺ يبكى صرخ، فنهاه ﷺ وقال له يا أسامة: «البكاء من الرحمن، والصراخ من الشيطان» .
[ ١ / ١٩٥ ]
ولقد كان وهو يبكى يقول: «الموت حق. وإن القلب ليحزن، والعين لتدمع، وإنا لفراقك يا إبراهيم المحزونون» وفى هذا اليوم كسفت الشمس، فقال المحبون، إن الشمس كسفت لإبراهيم، ولكن نبى العقيدة الصحيحة البعيدة عن الأوهام، نسى حزنه، أو غلب واجبه على حزنه، كما هو شأنه دائما، فوقف خطيبا، وقال صلوات الله وسلامه عليه.
«إن الشمس والقمر ايتان من ايات الله لا تكسفان لموت أحد، ولا لحياة أحد» .
وأم الناس، وصلى بهم صلاة الكسوف.
وهكذا كان محمد بن عبد الله ﷺ الشفيق الرفيق الودود المحب دائما، ولكن عاطفته الإنسانية لا تتغلب على واجبه، بل الواجب أولي، وأحرى بأن يؤثره على غيره.
وإن شفقته تعم، فتكون رحمة، لا تختص بالاحاد، بل أحيانا يغضب ولا يغضب إلا للحق، ولكن قلبه التقى الخالى من كل سوء بالناس، تغلب عليه الرحمة العامة دائما، فيقول فى ضراعة لربه الرحيم:
«اللهم إنى بشر من البشر، أغضب كما يغضب البشر، فأيما رجل دعوت عليه، فاجعل ذلك له زكاة ورحمة، وصلاة وطهورا، وقربة تقربه إليك، يوم القيامة» .
وإن مظاهر حياته كلها شفقة، فامرأة فى عقلها شيء يقف معها فى جانب من الطريق يستمع إلى حاجتها، ويلقى فى قلبها الطمأنينة.
وجارية يضيع منها ثمن دقيق، فيدفعه لها، وتبكى خشية أن يضربها مالكوها، فيسير معها إليهم ليمنعهم من ضربها، وأحد السبطين يركب على ظهره، وهو ساجد، فيطيل السجود، حتى لا يزعجه، ويستمر مرتحلا ظهر جده الرؤف الرحيم، حتى يتركه.
وكان يسمع بكاء الطفل وهو يصلى فيخفف فى صلاته، ليكون بجوار الطفل من يرحم بكاءه، وهكذا. وقد يقول قائل: إن شفقة النبى ﵊ أمر ثابت، وهل لهذه الشفقة صلة بالرسالة، وولايته لأمر المؤمنين.
إن شفقة المسيح ﵇ كانت لروحانيته، وأنه لم يكن منشيء دولة.
ونقول فى الإجابة عن ذلك: إن عيسى ﵇ كان صاحب رسالة، وكان من مقتضى هذه الرسالة أن يكون بالذين يدعوهم رؤفا، فالشفقة من مقتضيات الرسالة والدعوة فإن الدعوة من الشفيق الرفيق تكون مستجابة من القلوب الطيبة المؤمنة المطمئنة؟ إن الرحمة هى التى تجذب الناس إلى الداعى، وليست القسوة، إن النفوس التى تدعى إلى الحق منها ما يفتح الله قلبه للحق بقوة إيمان الداعى وشفقته،
[ ١ / ١٩٦ ]
واجتذابه إليه بالحق ومنهم من يحتاج إلى البينات والأدلة، وهؤلاء هم أهل البرهان والدليل ومع الأنبياء معجزاتهم، ومنهم من يكون على قلوبهم غشاوة، وهؤلاء يدعون بالبرهان والحق، وتكرر الدعوة إليهم فإن اعتدوا رد كيدهم فى نحرهم.
وإن من مقتضى الولاية الشفقة، ولقد دعا رسول الله ﷺ الولاة إلى الرفق بالرعية، ودعا لهم إن رفقوا بها، وأشفقوا ولم يرمضوهم بقسوة أو ظلم أو استكراه، أو إضعاف للنفوس، ولقد قال ﵊ فى ذلك: «اللهم من ولى من أمر أمتى شيئا فرفق بهم، فارفق به، ومن ولى من أمر أمتى شيئا فشق عليهم فاشقق عليه» .
ولقد أدرك هذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه بهدى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم واتخاذه له قدوة فكان لا يولى إلا من يشعر منه بأنه يكون فى ولايته شفيقا رحيما إلا إذا وجب حد، فإنه لا شفقة، والرحمة بالكافة تقتضى إقامته.
ولقد دخل على عمر ﵁ رجل، وكان عمر قد اعتزم أن يوليه ولاية، فرأى عمر يقبل بعض ولده، فقال الرجل أو تقبل ولدك يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم، وأنت ألا تقبل ولدك؟ قال:
لا، فقال الفاروق: وأنا لا أوليك، من لم يرحم ولده لا يرحم رعيته.
صدقه وأمانته وعفته ﷺ:
إن حديث صدق الرسول ﵊ يعد من نافلة القول فى هذا المقام، وكذلك أمانته وعفته، فهو الصادق الذى عرف بالصدق من منذ أن وعى إلى أن قبضه الله تعالى إليه، فما عرفت عليه كذبة قط فى حياته كلها صلى الله تعالى عليه وسلم.
وإن الكذب لم يكن من أخلاق كبراء العرب، فإن الحرية التى كانت لهم بمقتضى قيامهم فى بلاد لا يسيطر فيها طاغ يتحكم فى عقولهم ونفوسهم، وألسنتهم وتفكيرهم، ولم يكن عندهم الملق الذى يجعلهم يدهنون فى القول رجاء خير يبتغونه، وإنه حيث يحكم الملك العضوض، وتسيطر أهواء الحكام توجد صفتان متلازمتان، إحداهما النفاق، وثانيتهما الكذب، لأن النفاق فى ذاته كذب، والكذب لازمة من لوازمه، ولذا أثر عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: «اية المنافق ثلاث إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان» ولم يظهر في العرب نفاق أو كذب إلا ما كان يصاقب حواضر البلاد التى يحكمها ملوك أو أمراء كالملوك أو حكام مستبدون بشكل عام، كأراضى العرب التى كانت تجاور النعمان، أو الغساسنة فى الشام، فإنه يجوز أن يكون فيها النفاق والكذب والملق، ووراءهما خيانة الأمانات.
[ ١ / ١٩٧ ]
وإن التاريخ ليروى أن أبا سفيان، وقد كان زعيم الشرك فى الوقت الذى جرى فيه حديث بينه وبين هرقل ملك الروم عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وقد سأله عن نسبه الكريم، فقال إنه من أوسطنا نسبا، وعمن يتبعونه، وعن أسئله كثيرة تتعلق بأخلاق النبى ﵊، أجابه بالصدق غير مائن فيما يقول، ولقد قال، وهو محنق من أثر الحقائق التى ذكرها لهرقل: «لولا أنى أخشى أن يحفظ عنى كذبة فى العرب لكذبت» .
فعرب مكة والمدينة ووسط الصحراء لم يكن الكذب سائغا بينهم.
وكذلك النفاق، ولم يعرف النفاق فى أوساط المسلمين الذين استجابوا إلا من اليهود ومن يجاورونهم من مشركى المدينة، فقد ظهر فيهم النفاق مقترنا بقوة المسلمين.
إذن لم يكن غريبا أن يكون محمد صلى الله تعالى عليه وسلم صادقا بين الصادقين.
ولكن صدق محمد ﷺ ليس كصدق غيره من أهل مكة المكرمة ومن حولها، ولكنه صدق من أعده الله تعالى ليكون رسولا للعالمين، فأخلاقه صلى الله تعالى عليه وسلم كانت من إرهاصات النبوة. فلم يكن صلى الله تعالى عليه وسلم صادق القول فقط، بل كان صادق القول، وصادق الحس، وصادق النفس. ونقصد بصدق الحس بأن يكون نظره إلى الأشياء والأشخاص صادقا فى وصفها، مستبطنا من وراء الظاهر، ما يعرف حقائق استبطنها، ثم صادق فى النظر إلى نفسه، فيعرف مواضع الخير، فيفعلها، ويعرف مواضع الشر فيجتنبها، وهو صادق فى مقاصده، وصادق فى غاياته، يخلص فى إدراك الحقائق، والاتجاه اليها اتجاها مستقيما لا عوج فيه. فيستقيم إدراكه، ويصدق فى كل أمر يتصل بالقلب والضمير.
ولأن الإيمان أساسه الإخلاص فى العمل والقول والإذعان، لا يتصور إيمان مع كذب، ولقد سئل من بعد نبوته، أيكون المؤمن جبانا، فقال ﵊ يجوز، وسئل أيكون بخيلا قال قد يكون بخيلا، وسئل أيكون المؤمن كذابا: قال: لا يكون المؤمن كذابا، إذ الكذب والإخلاص فى الاتجاه والقول والعمل نقيضان لا يجتمعان.
وأما الأمانة فحسبنا أن نعلم أن ذلك أمر رأته قريش كلها، وامنت به، حتى سمى بالأمين، كان يعرف بالأمانة، وينادى بالأمين، وإن الأمانة والصدق صنوان متلازمان، فلا أمانة من غير صدق، والصدق يقتضى كل الفضائل والكذب عش الرذائل.
[ ١ / ١٩٨ ]
وعفة محمد بن عبد الله ﵊ كانت صيانة من الله تعالى صانه عن أن يلهو، ولا يمكن أن تكون الشهوات وانحرافها، إلا ومعها اللهو بكل ضروبه، وقد صانه الله لا عن الأهواء والشهوات المنحرفة، بل صانه عن مقدماتها، وعن أخذ أسبابها، فصانه عن اللهو ولو كان بريئا.
وقد ذكرنا من قبل كيف انساق وهو غلام إلى الرغبة فى أن يحضر عرسا فيه لهو، فإنه عندما ذهب إليه ضرب الله ﷾ على ذاته بنعاس أصابه من غير غم، وما استيقظ من نعاسه حتى أيقظته الشمس فى ضحاها، وكذلك كان الأمر فى ليلة أخرى، حين استوى عوده، وكانت له إرادة مسيطرة على نفسه، كان عزوفه عن اللهو بإرادة مهدية مدركة، ولم يكن بنوم يصيبه الله تعالى به، ولذلك استعصم، ولم يحدث منه قط ما يكون انسياقا وراء هوى جامح، أو شهوة مسيطرة. حتى كان الزواج، فكان الحلال الذى لا مرية فيه.
الوفاء ورعاية العهد:
١٤٢- إنه يستدل على سجايا الرجل بمقدار رعايته لمن كان لهم به صلة، وممن كانوا معه على عشرة طيبة، فيوفى بحق هذه العشرة، يرعاها حق رعايتها، يصلها ولا يقطعها، يذكرها ولا ينكرها، فالوفاء خلة الرجل الكريم، وبمقدار وفائه يكون مقدار ما اتاه الله تعالى من خلق سمح، ونفس مؤمنة بالخير، معترفة به لأهله.
وإن وفاء النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لمن مضى من معاشريه يسترعى أنظار من قرأوا سيرته الطاهرة:
(أ) وأوضح مثل، وفاؤه لأم المؤمنين خديجة، يود صديقاتها، ويصل صلاتها، يذكرها بالخير والاعتراف بالجميل، حيث جاء ذكرها، حتى إن أم المؤمنين عائشة حبّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم تقول: «ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة، لما كنت أسمعه صلى الله تعالى عليه وسلم يذكرها، وإن كان ليذبح الشاة، فيهديها إلى خلائلها. استأذنت عليها أختها فارتاح إليها ودخلت عليه امرأة، فبش لها وأحسن السؤال عنها، فلما خرجت قال: إنها كانت تأتينا أيام خديجة» .
وإن الوفاء لحسن العهد من الإيمان، وناهيك بأعظم من فى الوجود، فلابد أنه كان أوفاهم، ومما يتصل بوفائه لزوجه البارة خديجة أن عائشة من كثرة ثنائه عليها قالت له مرة: هل كانت إلا عجوزا بدلك الله خيرا منها» فقال ﵊: لا والله ما أبدلنى خيرا منها امنت بى إذ كفر الناس، وصدقتنى إذ كذبنى الناس، وواستنى بمالها إذ حرمنى الناس، ورزقنى الله منها الولد دون غيرها من النساء» .
[ ١ / ١٩٩ ]
وكان لفرط وفائه إذا رأى أحدا من أولادها من غيره فاض عليه بالعطف والحنان، إذ قد سمع صوت ابنها هالة قد جاء إليه، فخرج إليه مناديا فى لهفة فرح: هالة، هالة.. وأكرمه، وبالغ فى إكرامه.
(ب) ومن أوضح وفائه ﵊ وعرفانه للجميل ما روى عن أبى قتادة أنه لما جاء وفد النجاشى ملك الحبشة الذى اوى أهل الهجرة إلى الحبشة وأكرمهم- قام النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يخدمهم بنفسه، فقال له أصحابه: نكفيك يا رسول الله خدمتهم. فقال محمد ﷺ الوفى العارف للجميل: «إنهم كانوا لأصحابنا مكرمين، وأحب أن أكافئهم» .
نعم إن محمدا ﵊ يجازى الإحسان بمثله، وإلا ضاع العرف بين الناس، وهو أسوتهم.
(ج) ومن كريم وفائه، ولطف مودته وعدم نسيان من ارتبط معهم برباط من مودة وعشرة مهما يتباعد زمانها، فإن الكريم لا ينسى عشرة من عاشرهم ضعفوا أو علوا، قدم عهداهم، أو قرب، وقد وجد أختا له من الرضاع اسمها الشيماء من سبايا هوازن، فتعرفت له، فلما عرفها، بسط لها رادءه، وقال لها إن أحببت أقمت عندى مكرمة محببة، أو متعتك ورجعت إلى قومك، فاختارت قومها، فأرسلها.
وعن عمرو بن السائب أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان جالسا يوما، فأقبل أبوه من الرضاعة فوضع له بعض ثوبه، فقعد عليه، ثم أقبلت أمه، فوضع لها شق ثوبه من الجانب الاخر فجلست عليه، ثم أقبل أخوه من الرضاعة، فقام صلى الله تعالى عليه وسلم فأجلسه بين يديه.
(د) وأنه ليوفى حتى لمن فرح بولادته، فقد كانت جارية لأبى لهب قد أرضعت النبى ﵊ أول ولادته، وخرجت فبشرت أبا لهب بالولادة، وأعتقها أبو لهب لهذه البشارة. فكان محمد صلى الله تعالى عليه وسلم يبعث إليها بصلة مستمرة موصولة ما كانت حية، فلما ماتت سأل عمن بقى من ذوى قرابتها، قيل: لا أحد.
ولقد كان فى جملة أخلاقه أنه يصل رحمه، ولو لم يكونوا له نصراء وأولياء، فهو لا يصل رحمه مكافئا، ولكن يصلهم راحما، وقد روى أنه ﵊ قال عن بعض ذوى رحمه: «ليسوا لى بأولياء غير أن لهم رحما سأبلها ببلالها» «١» .
_________________
(١) الشفاء ج ١٨ ص ٧٤، ٧٥.
[ ١ / ٢٠٠ ]
العابد
عبادته قبل البعثة:
١٤٣- تحير إبراهيم ﵊ فى تعرف ربه الذى يستحق العبادة واحده ولا يشركه فى العبادة وثن، ولا شجر، ولا شيء من المخلوقات، وحكى الله تعالى حيرته فى كتابه الكريم، إذ حكى عنه أنه ابتداء أنكر أن تكون الأصنام الهة، واستنكر على أبيه عبادتها، وقال تعالى فى قصته: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنامًا آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ. وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ. فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ. فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغًا قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ. فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي، هذا أَكْبَرُ، فَلَمَّا أَفَلَتْ، قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ. إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ «١» .
ونرى من هذا أن الخليل ﵇ ابتدأ فى الخروج من الضلال الذى كان فى قومه فبين أن الوثن لا يصلح ربا لأنه لا يضر ولا ينفع، وقام لديه الدليل بإزاله ما يعلق بها من أوهام، فحطمها،. وتأكد بتحطيمها أنها لم تضره، وأنها لا قوة فيها، لا ظاهرة ولا باطنة.
ثم أخذ يختبر الالهة التى كانت شائعة بين أقوامه، فجاء إلى النجوم، وكان من سكان العراق الذين عرفهم من كان يعبد النجوم، فاتجه إلى النجوم يعرف سر كنهها عساه يجد قوة فيها تسوّغ تألهّها، فوجدها تأفل، فليس لها بقاء ذاتى مستمر. ومثلها لا تصلح للألوهية، ثم اتجه إلى القمر باعتباره كوكبا كبيرا، فوجده مثل سائر الكواكب، ثم اتجه إلى الشمس، وكان المصريون يزعمون أن فيها الهتهم، وقد زار مصر، ولكن وجدها لا تصلح للألوهية، لأنها أفلت، وهكذا نراه متحيرا، حتى هداه ربه، فكان أبا الأنبياء، فمن ذريته الأنبياء الذين جاؤا بعده، وذكرهم القران الكريم، ثم كانت الهداية بعد الحيرة، والاطمئنان واليقين، بعد الشك المحير.
ونبينا محمد بن عبد الله صلى الله تعالى عليه وسلم خطا خطوة إبراهيم الأولي، وهى إنكار عبادة الأوثان فقد أنكرها ابتداء، ولم يعترف لها بوجود، فما سجد لصنم قط، وما قدس صنما قط، وإذا استقسمه أحد، لا يقسم بها، ولما أراد بحيرى الراهب أن يستحلفه باللات رده، وقال أنه يكره ذكرها، وما كره ذكر شيء كما كره ذكرها، فأدرك محمد (﵊) حفيد إبراهيم ما أدركه إبراهيم، وعلم بالعقل السليم وفطرة الله تعالى ما علمه جده الأكبر إبراهيم.
_________________
(١) سورة الأنعام: ٧٤- ٧٩.
[ ١ / ٢٠١ ]
ولكن الخطوات الاخرى التى خطاها إبراهيم فى معرفة ربه لم يخطها فلم يخط خطوة تعرف الله فى النجوم ولا فى الشمس، بل وقف عند عبادة الله، وإدراك عظيم قدرة الله سبحانه، واستحقاقه واحده للعبادة.
والسبب فى أن محمدا ﷺ لم يخط الخطوات التى خطاها خليل الله إبراهيم، أن إبراهيم رأى فعلا من عبد مع الأوثان الكواكب، وعبد الشمس، ولم يكن فى الأقوام الذين بعث فيهم من يذكرون الله كثيرا، ولو على انحراف فى الاعتقاد، أما العرب، فكانوا يعرفون الله تعالى ببقايا ديانة إبراهيم، وكانوا يذكرون الله فى الحج بقية إبراهيم فى العبادة، فهم يعرفون الله على انحراف، لم يكونوا يجهلونه، بل كانوا فى مناسك الحج يذكرون الله كثيرا، فى تلبيتهم ووقوفهم فى مناسكه، والضلال فى إشراكهم بالله، بينما الظاهر من تاريخ الكلدان والمصريين، أنهم ما كانوا يذكرون الله تعالى فى عبادة قط، فلما نشأ محمد ﵊ فى قوم يعرفون الله ويشركون معه فى العبادة أوثانهم، ترك ما ابتدعوه، وأنكره وبالغ فى إنكاره، وأبقى من بقايا إبراهيم الاعتراف بالله، ثم كان إيمانه بربوبيته واحده، واستحقاقه واحده للعبادة والألوهية.
وقد يقول قائل: إن الله تعالى وصفه بأنه كان ضالا فهدى، إذ قال تعالي: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى. وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى «١» فإن هذا يدل على أنه كان ضالا فى العبادة، ومن يعرف الله تعالى لا يضل فى عبادته. ونقول فى الجواب عن ذلك: إن محمد بن عبد الله ﵊ كان يعرف الله تعالي، ويؤمن به، ويكفر بالأوثان، وينكر أن تكون مستحقة لأى نوع من التقديس لها، كما رأى جده الأكبر إبراهيم أنها لا تضر ولا تنفع. ولكنه كان حائرا فى الطريقة التى يعبد الله تعالى بها، فهو متجه باستقامة نفسه وقلبه إلى الله تعالي، وعبادته واحده، ويريد أن يقوم بحق الله، وكانت ديانة إبراهيم قد جهلت، ولا يعرف من طريقتها إلا قليلا، فكان لابد من أن تصيبه حيرة، حتى يهديه الله تعالى إلى شيء مما بقى من دين إبراهيم، وهذا هو مؤدى قوله تعالى: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ، وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا «٢» .
١٤٥- وإن محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم نشأ عابدا منذ أدرك سن التمييز، فكان عقله فى الله تعالى يفكر كيف يعبده، ثم يجد فى التفكير فى خلق الله تعالى عبادة، وإذا كان إبراهيم ﵇ قد أراه الله تعالى ملكوت السموات والأرض ليصل إلى إدراك ربه، فقد كان محمد بن عبد الله صلى الله تعالى عليه وسلم منذ كان غلاما زكيا يرى فى خلق السموات والأرض والشمس والقمر، والنجوم المسخرات بين السماء والأرض عبادة، لا ينظر إلى السماء وأبراجها وزينتها، والشمس وضحاها، والليل إذا
_________________
(١) سورة الضحى: ٣، ٧.
(٢) سورة الشورى: ٥٢.
[ ١ / ٢٠٢ ]
يغشاها، لا ينظر إلى كل ذلك على أنها مناظر جميلة، وزينات باهرة، بل ينظر فى دلالتها على الخالق، ولا ينظر إليها متعرفا سر الإضاءة فى الشمس، وإنما يتعرف منها سر الدلالة على المنشيء، والأرض والماء والزرع، والشجر والثمار. كل ذلك كان يستغرق تفكيره لا ليعلم كيف خلق، ولكن ليعلم من الذى خلق، وكلما أمعن بفكره تعرفا للخالق، واستدلالا عليه ازداد إيمانا به، وطلبا لرضوانه، واطمئنانا لنفسه.
اتجه إلى معرفة الخالق، وما يرضيه عاكفا على ذلك عكوف العابد فى صومعته، لا يطلب إلا إرضاء ربه، ولكنه لم يعلم ما يرضيه، ولا ما يكون نسكا له إلا ما توارثه العرب من حج البيت ومناسكه التى بقيت من عصر إبراهيم ﵇، ونزهت نفسه وقلبه ولسانه، حتى صار ربانيا بفطرته المستقيمة وقلبه السليم.
وكانت كل أعماله لإرضاء الله تعالي، فهو يخالق الناس بخلق حسن، لا يكذب، ويتصدق ويقدم للناس الخير، لأنهم عيال الله، وقد صار كل شيء فيه لله تعالي، وقد صار قلبه المعلق بالله تعالى الخاضع الخانع، لا يرى فى الوجود إلا الله تعالي، ولا يحسب أنه إلا القانت له، الخاضع، ولكنه يجهل الشكل الذى يرتضيه لعبادته، فصار كله لعبادته، قلبا ولسانا وعملا وخلقا.
وزهده فى الاختلاط كان يريه من الناس إفكا من عبادتهم للأوثان، ومن خمر يعاقرونها وميسر يلعبونه، وخصومات يفجرون فيها، وشحناء ليست من شأنه، ومجادلات ليست من غايته، وشعر يتبعه الغاوون، والكبر الأثيم الذى لا إثم فوقه، تقديسهم للأحجار، واتجاههم إلى تقديسها بدل تقديس الديان، كل هذا زهده فى الاختلاط.
ولذلك كان محمد بن عبد الله ﵊ قبل أن يبعث عزوفا عن أن يغشى مجالس قريش فى سمرها، أو ما يزجون به فراغهم، إلا أن يكون جدا يوجب الخلق الكريم مشاركتهم فيه كما شاركهم فى بناء الكعبة المكرمة، وكما كان يحضر فى ندوتهم إذا جد الجد، وكما حضر حلف الفضول.
والسبب فى عزوفه عنهم أنه يبتعد عن مواضع يعزب فيها عن ذكر الله ويبتعد عن التفكير فى ذاته تعالت عن الشبيه، وتنزهت عن المثيل، وأنه يريد أن ينصرف الفكر فيه، والتفكير فى ذاته وإرضائه، خيرا من عبادة الحركات والمظاهر، فكانت حياته كلها لله تعالى.
ما كان يخرج من خلوته إلا لإسداء معروف، أو إطعام مسكين، أو إغاثة ملهوف، أو لإقراء ضيف عز عليه إقراء، وإن ذلك كله عبادة، لأنه ما يقصد إلا وجه الله تعالى، وإرضاءه لله تعالى، وأى عبادة أعلى من ذلك شأنا.
[ ١ / ٢٠٣ ]
كل شيء فى الوجود يذكره بالله، فكلما رأى الخلق كان منه ما يدل على الخالق. كلما رأى النعم فى الوجود تذكر الخالق.
ولقد دعا بعد بعثته إلى التفكير فى الله تعالي، فكان يقول «تفكروا فى الاء الله أى فى نعمه» وحكى عن ربه أنه قال: «كنت كنزا مخفيا، فأحببت أن أعرف، فخلقت الخلق. فبى عرفونى»
ولقد كان محمد بن عبد الله ﵊ يعلن أن التفكير فى الله والائه وخلقه أساس العبادة، وأنه لا عبادة من غير معرفة الله سبحانه وتعالي، ولقد قال على بن أبى طالب صفى رسول الله، وحبيبه المجتبى: «سألت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عن سنته (أى طريقته) فقال: المعرفة رأس مالى. والحب أساسي، والشوق مركبي، وذكر الله أنيسي، والثقة بالله كنزي، والحزن رفيقي، والعلم سلاحي، والصبر ردائي، والرضا غنيمتي، والعجز فخري، والزهد حرفتي، واليقين قوتي، والصدق شفيعي، والطاعة حسبي، والجهاد خلتي، وقرة عينى فى الصلاة» ورويت زيادة، وهى: «وثمرة فؤادى فى ذكره، وعملى لأجل أمتى، وشوقى إلى ربى ﷿» «١» .
١٤٦- قد كان من أحوال محمد بن عبد الله صلى الله تعالى عليه وسلم الاعتزال إلا فى مكرمة تؤثر، أو صلة رحم، أو إغاثة ملهوف، أو تحمل للكل. فعندئذ يتصل بالناس لينفعهم، ويتقرب منهم، ولا ينقطع حتى وهو فى عزلته، لأنه ما جاء إلا لخيرهم، فهى عزلة يسكن فيها إلى الله تعالى خالق الناس.
وكلما كانت تتقدم به السن تزداد عزلته، ويزداد تفكيره فى إرضاء الله تعالي، وتعرف صفاته، والوصول إلى عمل ما يرضيه، ويرى فيه ما تقر به عينه، وتطمئن إليه نفسه، ولا يريد غير الله.
وقد صارت العزلة خلوة يخلو فيها للعبادة، فقد ذكر الرواة أنه كان يتحنث (أى يتعبد) فى غار حراء، الليالى ذوات العدد، واستمر يزداد فى الخلوة والعبادة، وقال الرواة كان يتعبد شهرا كل عام، حتى كانت البعثة وهو فى خلوته فى غار حراء.
وكان ﵊ يتزود لذلك، ويمكث فيه الشهر للعبادة، وذكر الله تعالى وقد تكلم العلماء فى المنهاج الذى كان ﵊ يتبعه فى عبادته، أكان على شريعة من الشرائع السماوية السابقة.
_________________
(١) الشفاء ج ١ ص ٨٦.
[ ١ / ٢٠٤ ]
جاء فى كتاب البداية والنهاية لابن كثير ما نصه:
اختلف العلماء فى تعبده ﵊ قبل البعثة، هل كان على شرع أم لا، وما ذلك الشرع، فقيل شرع نوح، وقيل شرع إبراهيم، وهو الأقوى، وقيل موسي، وقيل كل ما ثبت أنه شرع عنده اتبعه وعمل به «١» .
هذا ما قاله ابن كثير، وقبل أن نأخذه مأخذ التسليم مع تردد الأقوال بين نوح وإبراهيم وموسى ننبه إلى أمرين من الضرورى التنبيه إليهما فى هذا المقام.
أولهما- أن الثابت من سيرة النبى ﵊ ومن تقرير القران أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كان أميا لا يقرأ ولا يكتب، وأنه لم يكن على علم بكتب الديانات القديمة، فلم يعرف التوراة، ولا الإنجيل، وإن كانت فيهما بشارات برسول يأتى من بعدهما اسمه أحمد، ولم يكن بمكة المكرمة التى كانت محل إقامته مدارس للاهوت الموسوى أو المسيحيي.
ولما ذكر القران أخبار اليهود والأنبياء السابقين قالوا يعلمه بشر هو شخص رومي، فرد الله تعالى عليهم بقوله تعالى: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ، وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ «٢» . وبذلك يثبت أنه ﵊ لم يكن على علم بالشرائع السابقة، وذلك هو الحق، وهو يتفق مع إعجاز القران فى أنه أتى بالصادق من أخبار السابقين بوحى من الله تعالي، إذ لم يكن عنده علم بها.
ثانيهما- أنه كان بمكة المكرمة نفر قليل أنكروا عبادة الأوثان، ولم يعبدوها، وسموا حنفاء، وقالوا إنهم كانوا يتعبدون على بقايا من ديانة إبراهيم ﵊، ولذلك سموا حنفاء.
وروى أن النبى ﷺ كان يتحنف فى غار حراء- بدل يتحنث- وإنا نسوق ذلك لبيان أنه كانت هناك بقايا من ديانة إبراهيم ﵊، فقد بقى منها بيقين بقية فى الحج وبقاء جزء قد ينبيء عن إمكان تعرف ما جهل.
وإنا لذلك نقرر أنه عرفت عقيدة إبراهيم ﵊، وربما تعرفت بعض الشرائع التفصيلية عنده من أركان الصلاة ونحوها. وإنا مع تقديرنا لهذا نرجح أن عبادة النبى ﵊ كانت بإلهام من الله تعالى من غير وحى، وقد كان دائم التفكير دائم الخشوع دائم التأمل فى الكون، فهو ابتدأ العبادة الفكرية، وربما عرف بعضا من صلاة إبراهيم. كما عرفت بعض مناسكه.
_________________
(١) البداية والنهاية ج ٣ ص ٦.
(٢) سورة النحل: ١٠٣.
[ ١ / ٢٠٥ ]
هذا وإن محمدا ﵊ كانت رؤياه صادقة كل الصدق، فقد قال ﵊ إن أول الوحى كان بالرؤيا الصادقة، فكان إذا رأى رؤيا جاءت مثل فلق الصبح، أى أنها تكون واضحة، فلعله فى وسط تعرفه لصلاة إبراهيم جاءته رؤيا بها مثل فلق الصبح.
ومهما يكن من الروايات، فإن الثابت المؤكد، أنه كان يتحنف فى غار حراء الليالى ذوات العدد، وكان يتزود بالزاد لخلوته هذه، وكانت الإلهامات تفيض عليه فى المدة التى كانت قبل البعثة، وأنه كان يرى الرؤيا مثل فلق الصبح، وأنه منذ بلغ سن إدراك المعانى الدينية كان دائم التفكير والتدبر لمعرفة الله تعالى ومحاولة إرضائه، ونرجح بهذا أنه كان يتعبد على ديانة إبراهيم، وأنه وصل إلى بعض أجزائها بالإلهام وبالرؤيا الصادقة وبالتعرف، وإنا نستبعد كل الاستبعاد أنه أخذ من التوراة والإنجيل، فما كان له علم بهما.
عبادته بعد البعثة:
١٤٧- هذه صورة صادقة أو مقربة من عبادته ﵊ قبل البعثة، وهى تدل على أنه كان قواما لله تعالى طالبا مرضاته، وإذا كان لم يعرف شريعة إبراهيم على وجه الكمال، فقد عرف ما يكفيه لأن يكون عابدا يطلب رضا الله تعالي، وقد صفت نفسه فأدركت، وخلص قلبه فألهم. وعلم أن ملة إبراهيم كانت الفطرة المستقيمة والحنيفية السمحة، فاختارها، وسلك سبيلها.
فالعبادة المتجهة إلى الله تعالى كانت فى قلبه ونفسه، وكيانه وخلقه، قبل أن ينزل عليه كتاب هاد، قد أذهب حيرته، ووجد الكتاب ينير له السبيل، ويفصل الأحكام، ولا شك أنها تكون أهدى بعد هذا التنزيل، وأن العبادة فى الجاهلية قبل البعثة كانت فى قلبه بذرة صالحة نمت لأنها كانت فى أرض طاهرة خصبة، ولم يكن لها سقى ولا رعي، ومع ذلك اتت أكلها، فبعد البعثة المحمدية جاءها السقى والرعى فأربت ونمت، وازدهرت فى قلب مخلص مدرك، وصار قريبا من الله تعالى بقلبه الطيب المخلص، وبمعرفة شرعه تعالي، وباتصال الوحى به دوما من غير انقطاع، فكان بذلك أعبد خلق الله تعالي، وكلما ازداد علما بالله وشرعه، ازداد عبادة، وخوفا من الله، وإرضاء له، ولقد روى أبوذر عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: «إنى أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطّت السماء،. وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربعة أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدا لله، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا» . رواه الترمذى.
ولقد سئلت أم المؤمنين عائشة رضى الله تبارك عنها عن عبادة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقالت الصديقة بنت الصديق: «كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يصوم، حتى نقول:
[ ١ / ٢٠٦ ]
لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، وكان لا تشاء تراه من الليل قائما إلا رأيته، ولا تشاء تراه نائما إلا رأيته»، وقد روى فى الصحيحين البخارى ومسلم «أن رسول الله ﷺ قام حتى تورمت قدماه، فقيل له: أليس الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال ﵊: أفلا أكون عبدا شكورا» . ولقد ثبت فى الصحيحين عن أبى الدرداء أنه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فى شهر رمضان فى حر شديد. وما فينا صائم إلا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وعبد الله بن رواحة، وفى الصحيحين أيضا عن علقمة قال: سألت عائشة هل كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يخص شيئا من الأيام، قالت: لا، وكان عمله ديمة وأيكم يستطيع ما كان رسول الله ﵊ يستطيعه» .
ومعنى الديمة فى الحديث أنه يحب الدوام على العبادة، ولا يحب الانقطاع عنها، وكان هو يستديم العبادة ولو كان فيها ما يشق، ولكنه لا يطلب من المؤمنين إلا الاستدامة فى العبادة، وإن قلت، ولذا يقول ﵊: «أحب الأعمال إلى الله أدومه، وإن قل» .
وذلك لأن استدامة العبادة ولو قليلة تجعل المؤمن فى ذكر دائم لله تعالي، لا يغيب عنه سبحانه، فهو فى قلبه دائما، ويتحقق فيه قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: «اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» ومن ذلك قوله ﵊: «إن الله تعالى يحب الديمة من الأعمال» .
ولقد كان رسول الله ﷺ يدعو المؤمنين إلى التخفيف من الصلاة، والقراءة، وأن يصلوا بصلاة أضعفهم، حتى لا يكون فى الصلاة إرهاق، ورأى بعض أصحابه يصلى بالناس فأطال القراءة، مما شق على الناس، فقال: «فتان أنت؟» لأن التطويل يؤدى إلى فتنة من لا طاقة لهم على الإطالة.
ولكنه ﵊ فى قيامه الليل كان يختار لنفسه الأشق، لأنه ﵊ يطيق ما لا يطيقه عامة المؤمنين، فيختار لهم ما لا يشق عليهم، ولقد قال عوف بن مالك: «كنت مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فاستاك، ثم توضأ، ثم قام يصلي، فقمت معه، فاستفتح بالبقرة، فلا يمر باية رحمة، إلا وقف فسأل، ولا يمر باية عذاب إلا وقف فتعوذ، ثم ركع، فمكث بقدر قيامه، يقول: سبحان ذى الجبروت والملكوت، والكبرياء والعظمة. ثم سجد، وقال مثل ذلك» «١» .
وهكذا نرى عبادته ﵊ فيها ذكر دائم، وتلاوة للقران دائمة، وكان يحرض أصحابه على أن يقرأوا وهو يسمع، فإذا ذكروه بأن القران نزل على قلبه، قال لهم إنه يحب أن يسمعه من غيره.
_________________
(١) الشفاء ج ١ ص ٨٥.
[ ١ / ٢٠٧ ]
ومع دوامه على العبادة التى وصفها القران، ودعا إليها، وبينها ﵊، كان إذا سكت عن القيام بصلاة، أو إرشاد عام، دائم التفكير فى الاء الله، والتأمل فى خلقه، ليدرك عظمته، وكمال سلطانه. فلم ينقطع عن عبادة التفكير التى ابتدأ بها قبل أن يوحى إليه، ولقد قال هند بن أبى هالة ابن خديجة «كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم متواصل الأحزان دائم الفكرة ليست له راحة» وكان كثير الاستغفار، لأن الاستغفار عبادة فى ذاته، لأنه إحساس بوجوب الالتجاء إلى الله، وفيه إحساس بقصور ما يؤدى العبد من العبادة، واستصغار العمل إحساس بالحاجة إلى الله والقرب منه، وعظمته، وجلاله، وشعور بأن عمله مهما يكن كبيرا صغير بالنسبة لله تعالي، ومن يستكثر حسناته، كأنه يمن على الله تعالى فى هذه العبادة، وإن الشعور بالاستغفار والالتجاء إليه بعد عن المن، وإن الصوفية يمقتون الاستكثار ولو من الطائعين، ومنهم من يفضل المعصية التى تحدث ذلا وطلبا للاستغفار على الطاعة التى يصحبها الاستكثار، ويقول حكيمهم: «إن معصية أورثت ذلا وانكسارا خير من طاعة أورثت ذلا وافتخارا» «١» .
ولقد كان سيد العابدين يحصن عبادته بالاستغفار، حتى لا يكون منه من الاستكثار، صلى الله تعالى عليه وسلم.
الزاهد
زهده قبل البعثة:
١٤٦- نشأ محمد بن عبد الله ﵊ يتيما فقيرا، واجه الحياة بيتمه وفقره، ماتت أمه بالأبواء، بعد أن ولد يتيما من أبيه فأودع جده عبد المطلب فكفله بالرعاية، ولم يكن فى سن من يتحمل التبعة، ويقدر لمستقبله وإن كان يحس بالفقر، وإذا كان جده قد كلأه، وكفاه حاجته، وأغدق عليه بما يستطيع من خير، وأفاض عليه بمحبته التى تغذى عاطفته، ويجعله يعيش موادا غير مباغض، ولكنه عاش معه أمدا قصيرا، إذ توفى بعد سنتين من كفالته.
وبعد ذلك أخذ يواجه الحياة مع ضعف الصغر، ومع الفقر المرير، ذلك أن عمه أبا طالب الذى الت إليه كفالته كان ذا عيال، وكان مقترا عليه فى رزقه، وإن هذا الغلام الذى يعلو عقله على سنه، وإحساسه قوى يدرك ما حوله قد أدرك ما عليه حال عمه كافله ورفيقه وحبيبه، الذى أفاض عليه بمحبة غذت نفسه، فكان لابد أن يعمل عملا إن لم يغنه عن عمه، فإنه يعينه إلى حد.
_________________
(١) الشفاء ج ١١ ص ٨٥.
[ ١ / ٢٠٨ ]
اتجه ابتداء إلى رعى الغنم الذى تعوده وراه وهو فى بنى سعد، فرعى الغنم لبعض أهل مكة على أجرة يأخذها من لبنها، قراريط معلومة كخمس ما قدر أو نحو ذلك، وبها يستعين ويعين.
ثم كان من بعد ذلك يتجر فى قليل من المال، أو فى مال غيره حتى اشتهرت أمانته، ثم اتجر فى مال خديجة، وضاعفت له الأجر لما اشتهر به من أمانة وصدق، ولأن الربح تضاعف على يديه.
ثم كان الزواج، وكان المال الوفير، ولكنه لم يكن جماعا للمال كانزا له، فلم يعرف أنه تكونت له ثروة قط تقدر رأس مال، بل كان ينفق ما يدخر فى أوجه الخير، من صلة رحم، وإعانة محتاج، وإغاثة ملهوف، ومشاركة لذوى الحاجات فى شدائدهم ومعاونتهم على نوائب الدهر.
وبذلك يضرب محمد بن عبد الله ﵊ الأمثال فى الزهد الإيجابي، وليس الزهد السلبى الذى هو زهد المحرومين، بل زهده هو زهد القادرين الذين يتخذون أسباب الكسب الطيب، ثم يزهدون فى ادخار المال إلا لحاجة بعد جمعه. وبذلك سار قبل البعثة، على ما بعثه الله تعالى من بعد ذلك بالنسبة للمال.
وبذلك نرى محمد بن عبد الله ﷺ لا ينسى العمل الصالح فى طلب الرزق الحلال وفيرا، ولكنه لا يلهو به ولا يلعب، ولا يكنز الذهب والفضة، ولا يتفاخر بالخيل المسومة والأنعام والحرث، ولكنه ينفقها فى مصارفها من غير عبث ولا استعلاء، ولا تكاثر.
وإذا قيل أنه لم تعرف له أبواب النفقات فى حياته قبل البعثة نجيب عن ذلك بأن الكريم ينفق سرا، ولا ينفق علنا، وإن ذلك القدر المجمل عرف من ناحيتين: - إحداهما- قول خديجة أم المؤمنين فى خطابها له مطمئنة: «إنك تحمل الكل وتقرى الضيف، وتعين على نوائب الدهر، وتغيث الملهوف» وحسبنا ذلك لبيان هذا الإجمال.
الثانية- أنه لم يعرف له مدخر قط مع الاستقامة، والبعد عن الزخارف، مع كثرة الكسب، وما يدر عليه من مال خديجة أجرا له على استغلاله فى التجارة.
وإنه بهذا يتبين أن زهده قبل البعثة هو زهده من بعدها، طلب الكسب الحلال، لا ليدخر ويستكثر، بل لينفق منه فى مكارم الأخلاق، وإعانة الضعفاء، فهو يطلب ليعطى، ويكثر ليطعم غيره، وهو لا ينفق على نفسه وعلى أهله إلا القليل بالمعروف من غير خصاصة واضحة، ولا حرمان ظاهر، بل يتناول الحلال ويكتفى بأقله، ولا يحرم مما هو طيب حلال، وكذلك كانت الحال بعد أن بعثه الله تعالى نبيا.
[ ١ / ٢٠٩ ]
١٤٩- إن زهد محمد بن عبد الله ﵊ الذى وصل إليه بفطرته السليمة فى وسط الجاهلية هو أعلى درجات الزهد، ولنستعرض بعض كلام الصوفية فى الزهد الصوفى لنتعرف مقام زهد محمد بن عبد الله ﵊ قبل أن ينزل كتاب يرشده ويهديه، لقد قال ابن عطاء الله السكندرى فى حكمه: «للزاهد فى الدنيا علامتان: علامة فى فقدها (أى أسباب الشهوات) وعلامة فى وجودها، فالعلامة التى فى وجودها الانصراف عنها، والعلامة التى فى فقدها وجود الراحة منها، فالإيثار شكر لنعمة الوجدان، ووجود الراحة منها شكر لنعمة الفقدان» .
وزهد محمد ﷺ قبل البعثة، كان أعلى من إيثار غيره بها عند وجودها، والراحة من فقدها، لأنه كان زهد العامل للحصول على أسباب اللذائذ، فإذا حصل عليها لا يختص بها، بل يؤثر غيره بها، ولا يتأتى زهد فقدانها، لأنه لا ينتظرها وجودا وفقدا، ولكن يعمل لوجودها لينفق على الفقراء وليمتاع غيره، فهو زهد إيجابى عامل، كما نوهنا. فليس زهد الحرمان الذى جاء من فلسفة الهنود، ولكنه زهد الكاسب الذى يكسب لغيره.. ويبقى لنفسه القليل الذى يقيم أوده، ويمكنه من استمرار الكسب لغيره. ولقد رتب الإمام أحمد رضى الله ﵎ عنه مراتب الزهد أدنى مراتبه ترك الحرام، والمرتبة الثانية ترك فضول الحل، بل يفطم نفسه عن بعضه، فهو يمنع عن نفسه بعض الحلال من غير تحريم، ولكن ليعودها احتمال الحرمان إن لم يجد بعض الحلال، فهو تهذييب وتربية، والمرتبة الثالثة وهى العليا ألّا يشغل نفسه عن ذكر الله تعالى بالاشتغال بالدنيا، واستغراقها لنفسه، وهو زهد العارفين.
ومحمد بن عبد الله ﵊ قبل البعثة كان زهده أعلى من ذلك، لأنه كان مشغولا بذكره دائما فى كل عمل يعمله، وكل عبادة يؤديها، وكل فكرة يتفكر بها، وما كان يعمل لتعود ثمرة عمله على نفسه، بل لتعود على نفع غيره، فهو العابد فى كل حياته، ولا يعمل إلا الله، وإذا كان شغل النفس بذكر الله تعالى هو زهد العارفين، فزهد محمد ﷺ أعلى منه.
زهده بعد البعثة:
١٥٠- كان زهد محمد بن عبد الله صلى الله تعالى عليه وسلم امتدادا لزهده قبل البعثة، ولكنه بعد البعثة أخذ صورة أجل وأعظم، لأنه حمل أعباء الرسالة، فكان زهدا فى الاستعلاء بالسلطان، وزهدا معروفا عند كافة المؤمنين، ليكون أسوة حسنة فيما يطيقونه من زهده ﵊، وكان زهد العامل الذى يعمل فى كل ميادين الحياة، لا زهد من يعكف فى الصوامع، وكان يبث ذلك فى المؤمنين ويدعو إليه.
[ ١ / ٢١٠ ]
ولعل أظهر مظهر للزهد رفضه أن يكون ملكا كداود وسليمان وبعض الأنبياء، فقد روى ابن عباس أن الله تعالى أرسل إلى نبيه ملكا من الملائكة معه جبريل، فقال الملك لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «إن الله يخيرك بين أن تكون عبدا نبيا، وبين أن تكون ملكا نبيا» فقال رسول الله ﵊: «بل أكون عبدا نبيا» (رواه البخارى) .
وكانت أوامر القران تدعو إلى الزهد فى الحرام ومنعه عن أمته كلها، ولكن الخطاب كان موجها ابتداء إليه ﵊، ولقد جاء فى كتاب البداية والنهاية لابن كثير:
«قال الله تعالى: وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى «١»، وقال تعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ، وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا، وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا، وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطًا «٢» وقال تعالى: فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا، وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا. ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ «٣» وقال تعالى:
وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ. لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ، وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ «٤» والايات كثيرة.» . «٥» .
وإن هذه النصوص كلها الخطاب فيها للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ولكنه موجه إلى كل المؤمنين، ولا يختص به واحده، وهو يدل على أمرين: أولهما: الامتناع عن الحرام، وهذا زهد العوام ولذلك طولب به الناس جميعا. وثانيهما: أن الامتناع عن الحرام لا يكون بمجرد الامتناع المادى الواقعي، بل إنه لابد من البعد النفسى وتجنب أسبابه، ولذلك كان النهى متجها إلى الأسباب النفسية، فقال تعالت كلماته: لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وكأن الدعوة إلى ملازمة الذين ينصرفون عن الشهوات إلى الله ﷾ والاتجاه إليه، وألا يخالط الذين يجترحون الشهوات، فقال تعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ، يُرِيدُونَ وَجْهَهُ فعشرة الذين يتجهون إلى الله تعالى فى غدوهم ورواحهم، وفى غدوتهم وعشيتهم تربى فى النفس معنى الاستبعاد عن الحرام والاتجاه إليه ﷾.
وإننا نجد زهد محمد ﵊ يشتد كلما تمكن من المال، وكلما اتسع سلطانه، وكلما كثرت تكليفاته وكلما أقدم على الشدائد، لأنه يرى أن تحمل مصائب الحرب وشدائدها إنما يكون ابتداء بتربية للنفس وحملها على ترك اللذائذ، أو القدرة على تركها، وما كان يدعو أمته بذلك
_________________
(١) سورة طه: ١٣١.
(٢) سورة الكهف: ٢٨.
(٣) سورة النجم: ٢٩، ٣٠.
(٤) سورة الحجر: ٨٧، ٨٨.
(٥) البداية والنهاية ج ٦ ص ٤٨.
[ ١ / ٢١١ ]
بلسان القول، بل كان يدعو بلسان الفعل، ولسان الفعل فى هذه الحال أجدى فإنه لا يصح أن تكون الدعوة إلى التقشف اتية ممن يرفل فى الدمقس والحرير، إذ تكون حاله مناقضة لمقاله، فلا يسمع له قول، ولا يقبل منه كلام.
١٥١- إن النبى ﵊ قبل الهجرة كان يحمل كل ضعفاء المؤمنين، فما يكون له من كسب من تجارته فى مال أم المؤمنين خديجة ينفقه على الضعفاء من المؤمنين، وهم أول من اتبع النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وقد امتنع المشركون عن إطعام الضعفاء وخصوصا الذين يؤمنون، بل أرهقوهم عذابا وعسفا وهوانا، وكان يواسيهم بالعطاء وطلب الصبر، والفرج القريب إن شاء الله تعالى، لا يألو جهدا إلا بذله، وهو يكتفى بالقليل من العيش الذى يقيم أوده، ليتحمل عبء الدعوة، والقيام بحقها.
ولما هاجر إلى المدينة، وانشغل بالإسلام عن التجارة التى كانت المرتزق له، ويظهر من مجرى التاريخ أنه قد أنهاها قبل الهجرة، وربما يكون قد صفاها بعد وفاة أم المؤمنين خديجة رضى الله ﵎ عنها، وصار رزقه من بيت المال الذى يعمل فيه، إذ هو العامل الأول، وله الاستيلاء على خمس الغنائم بمقتضى الولاية العامة الإسلامية كما قال تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ، فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ، وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى، وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ، وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ، وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ «١» .
عندما صارت نفقته من بيت المال، أو من الغنائم، وإنها لتكون بأشق جهد يبذله وأعظمه. علا زهده ﵊ فى المال والعيش الرغيد، ولولا قيام الأود، وأنه لابد من لقيمات يقمن صلبه، لزهد حتى فى اللقمة القفار.
كان ﵊ ينام على الحصير، حتى يؤثر فى بدنه الكريم، ويروى عن ابن مسعود أنه قال: «إنه ﵊ نام على حصير، فأثر الحصير بجلده، فجعلت أمسحه، وأقول ألا اذنتنا فنبسط لك شيئا يقيك تنام عليه، فقال ﵊: «مالى وللدنيا، ما أنا والدنيا إلا كراكب استظل تحت ظل شجرة، ثم راح وتركها» .
وكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يتوسد بحشية من ليف، وراه عمر بن الخطاب، وهو على مثل هذه الحال، فبكي، فقال له النبى الزاهد: وما يبكيك؟ فقال عمر: ومالى لا أبكى، وكسرى وقيصر يعيشان فيما يعيشان فيه من الدنيا، وأنت على هذه الحال التى أرى، فقال محمد ﷺ: يا عمر، أما ترضى أن تكون لهم الدنيا، ولنا الاخرة، قال: بلى، قال: هو كذلك.
_________________
(١) سورة الأنفال: ٤١.
[ ١ / ٢١٢ ]
قوت الزاهد:
١٥٢- فى الصحيحين البخارى ومسلم أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قال: «اللهم اجعل رزق ال محمد قوتا» هذه دعوة محمد ﵊ إلى ربه، ولا ندرى أهى دعوة الاستجابة لها توفير القوت لال محمد ﵊، أم هى دعوة للاقتصار على القوت الضروري، وتحمل ال محمد ﵊ ذلك، والصبر عليه والرضا به، والقناعة الراضية الكافية التى لا يطلب معها غيرها؟ أجيب أن الاستجابة تكون بهما، أى بتوفير القوت الضرورى وأن يلقى الله تعالى فى قلوب ال محمد ﵊ من الأزواج الطاهرات، ومن يلوذ به من أسرته الرضا به، والصبر عليه، وأن تكون الأسرة كلها فى زهد ربها، تحتمل ما يحتمل، وتصبر على ما يصبر، لتكون أسوة لغيرها، ولكيلا يكون من بعضهن من يطمع فى المال الذى يساق، ويكون تصرف رب هذه الأسرة الزاهد كذلك.
ولقد كان كذلك، فقد روى الإمام أحمد أن أبا هريرة يقول: «ما شبع نبى الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأهله ثلاثة أيام تباعا من خبز حنطة، حتى فارق الدنيا» أى أن محمدا ﵊ كان يرى أن من التنعم أن يأكل من خبز القمح ثلاثة أيام متتابعة، بل كان الشعير غالب طعامه ﵊، وقد يكون معه التمر.
ولقد قالت أم المؤمنين عائشة: «ما شبع ال محمد ﵊ من خبز، حتى قبض، وما رفع من مائدته كسرة قط» . ومن هذا الخبر يستفاد أنه ما كان يقدم له على مائدته إلا ما يكفى بلا زيادة تفضل عنه.
ولقد كان لا ينفى عن الخبز نخالته، بل كان يأكله من غير نخل، فقد قالت الصديقة بنت الصديق: «والذى بعث محمدا بالحق: ما رأى منخلا، ولا أكل خبزا منخولا قط منذ بعثه الله تعالى ﷿، إلى أن قبضه» .
وما كانوا يأدمون الطعام دائما، بل كانوا يأكلون فى كثير من الأحيان الخبز قفارا غير مأدوم، وقد قالت أم المؤمنين عائشة: فيما رواه الشيخان البخارى ومسلم عن عروة بن الزبير أنها قالت: «إن كنا ال محمد ليمر بنا الهلال ما نوقد نارا، إنما هما الأسودان التمر والماء، إلا أنه كان حولنا أهل دور من الأنصار يبعثون إلى رسول الله بلبن منائحهم، فيشرب، ويسقينا من ذلك اللبن» .
وهكذا نجد استجابة الله تعالى لرسوله الكريم محمد صلى الله تعالى عليه وسلم فجعل رزقه واله قوتا، ولكنه من أدنى القوت ليكون قدوة للمسلمين، وليكون غذاء لفقرائهم، ولكيلا ترمض نفس بحرمان، ولكيلا يأسوا على ما يفوتهم من وفرة الرزق، وأسباب النعيم والعيش الرافغ فى هذه الحياة.
[ ١ / ٢١٣ ]
ولكن يلاحظ أنه لم يحرم على نفسه صنفا من فاكهة، أو طعاما من أطعمة أهل الترفه والنعيم، بل يقبل كل الحلال، ولكنه يكتفى بالأدنى دائما فاطما النفس عن أهوائها وملاذها، تقوية لها، ولتكون الإرادة الحاكمة بسلطان العقل هى المسيطرة، ولا تكون النفس أمة ذلولا للأهواء والشهوات بل تكون سيدة مطاعة، حاكمة عليها غير محكومة بها.
١٥٣- ومع هذه الزهادة التى التزمها، وأخذ نفسه بها ما كان يدعو الناس إليها، لأنهم لا يطيقونها، ولأنه الذى أمر المؤمنين بألا يفعلوا إلا ما يطيقون غير مسرفين على أنفسهم، إذ يقول: «إن هذا الدين لن يشاده أحد إلا غلبه ولكن سددوا وقاربوا» .. فهو ﵊ يأخذ نفسه بزهد لا يأخذ به غيره لكيلا يرمض فقير بفقر، ولا ذو قل بقله.
ولقد روى أبو داود فى سننه أن سائلا سأل بلالا مؤذن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قائلا: حدثنى كيف كانت نفقة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال: ما كان له شيء من ذلك إلا أنا الذى كنت ألى ذلك منه منذ بعثه الله تعالى إلى أن توفي، فكان إذا أتاه المسلم فراه عائلا يأمرنى فأنطلق، فأشترى له البردة، والشيء فأكسوه وأطعمه، حتى اعترضنى رجل من المشركين، فقال لى: «إن عندى سعة، فلا تقترض إلا منى ففعلت، فلما كان ذات يوم توضأت ثم قمت لأؤذن بالصلاة، فإذا المشرك فى عصابة من التجار، فلما رانى قال لى «يا حبشى» قلت: يا لبيه، فتجهمني، وقال قولا عظيما غليظا، وقال: أتدرى كم بينك وبين الشهر! قلت: قريب. قال إن بينك وبينه أربع ليال، فاخذك بالذى لى عليك، فإنى لم أعطك الذى أعطيتك من كرامتك، ولا من كرامة صاحبك، وإنما أعطيتك لتصير لى عبدا، فأذرك ترعى فى الغنم كما كنت قبل ذلك. قال بلال: فأخذنى فى نفسى ما يأخذ أنفس الناس، فانطلقت، فناديت بالصلاة حتى إذا صليت العتمة، ورجع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى أهله، فاستأذنت عليه فأذن لى فقلت يا رسول الله بأبى أنت وأمى، إن المشرك الذى ذكرت لك أنى كنت أتدين منه قال كذا وكذا، وليس ما يقضى عنى ولا عندى وهو فاضحي، فأذن لى أن اتى بعض هؤلاء الأحياء الذين قد أسلموا حتى يرزق الله تعالى رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم ما يقضى به عني، فخرجت حتى أتيت منزلى، فجعلت سيفى وحرابى ورمحى ونعلى عند رأسى، فاستقبلت وجهى الأفق، فكلما نمت انتبهت، فإذا رأيت رجلا نمت حتى اتسق عمود الصبح الأول. فأردت أن أنطلق، فإذا إنسان يدعوني، يا بلال أجب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فانطلقت حتى اتيه، فإذا أربع ركائب عليهن أحمالهن، فأتيت رسول الله ﵊ فاستأذنت، فقال لى رسول الله: أبشر فقد جاءك الله بقضاء دينك فحمدت الله وقال: ألم تمر على الركائب المناخات الأربع قلت: بلي، قال:
فإن لك رقابهن وما عليهن. فإذا عليها كسوة وطعام أهداهن إليه صاحب فدك، قال: فاقبضهن إليك، ثم اقض دينك، ففعلت فحططت أحمالهن، ثم علقتهن ثم عمدت إلى تأدية صلاة الصبح، حتى إذا صلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم خرجت إلى البقيع، فجعلت أصبعى فى أذنى فقلت: من
[ ١ / ٢١٤ ]
كان يطلب من رسول الله ﵊ دينا، فليحضر، فمازلت أبيع وأقضي، وأعرض حتى لم يبق على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم دين فى الأرض حتى فضل عندى أوقيتان، أو أوقية ونصف، ثم انطلقت إلى المسجد، وقد ذهب عامة النهار، فإذا رسول الله ﵊ قاعد فى المسجد واحده، فسلمت عليه، فقال لى: ما فعل الله قبلك؟ قلت: لقد قضى الله كل شيء كان على رسول الله ﵊، فلم يبق شيء. قال: فضل شئ قلت نعم ديناران، قال: انظر أن تريحنى منهما، فلست بداخل على أحد من أهلى حتى تريحنى منهما فلم يأتنا أحد، وظل فى المسجد حتى اليوم التالي، حتى إذا كان اخر النهار جاء راكبان، فانطلقت بهما فكسوتهما، وأطعمتهما، حتى إذا صلى العتمة دعاني، فقال: ما فعل الله تعالى قبلك؟. قلت: قد أراحك الله تعالى منهما- فكبر وحمد الله تعالى شفقا من أن يدركه الموت وعنده ذلك، ثم اتبعته حتى جاء أزواجه فسلم على امرأة امرأة حتى أتى مبيته» «١» .
١٥٤- سقنا هذا الخبر مع طوله، لأنه يدل أولا: على زهادة محمد بن عبد الله ﷺ المطلقة التى لا يدخر فيها فى بيته. ويدل ثانيا: على أن محمدا ﵊ كان يحمل أعباء العائلين من صحابته، يعينهم حتى يبعد عنهم ذل الحاجة، ويحميهم من رق الدين، ويدل ثالثا على أنه إذا لم يستطع أن يعطى أمرهم بأن يستدينوا عليه.
ويروى فى ذلك الترمذى بسنده أن رجلا جاء إلي رسول الله ﷺ فسأله أن يعطيه. فقال: ما عندي ما أعطيك، ولكن اذهب فابتع علي شيئا، فإذا جاءني شيء قضيته، فقال عمر بن الخطاب، يا رسول الله ما كلفك الله تعالي ما لا تقدر عليه، فكره النبي ﵊ قول عمر. فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله أنفق، ولا تخش من ذي العرش إقلالا، فتبسم رسول الله صلي الله عليه وسلم وعرف التبسم في وجهه لقول الأنصارى.
ولقد كان ما يجرى علي النبي ﵊ يجرى على نسائه، فيتحملن راضيات فى أكثر الأحيان.
ويروي أن امرأة من الأنصار دخلت علي أم المؤمنين عائشة ﵂، فرأت علي فراش رسول الله صلي الله تعالي عليه وسلم عباءة فانطلقت لتبعث إلي بفراش حشوه الصوف، فدخل عليها رسول الله ﷺ فقال: ما هذا يا عائشة؟ قلت: يا رسول الله فلانة الأنصارية دخلت علي فرأت فراشك، فذهبت، وبعثت بهذا، فقال: رديه، فلم أرده، وأعجبني أن يكون في بيتي، حتي قال ذلك ثلاث مرات قالت فقال: رديه يا عائشة فو الله لو شئت لأجري الله معى جبال الذهب والفضة.
_________________
(١) تاريخ الحافظ ابن كثير نقلا عن الشمائل لأبى داود ص ٥٦ ج ٦.
[ ١ / ٢١٥ ]
ولم يكن ﵊ يدخر لغده شيئا يسارع إليه الفساد، وقد روى الإمام أحمد أنه أهديت لرسول الله ﷺ هدية فأطعم خادمه طائرا، والظاهر أنه أكل هو طائرا، وبقى طائر، فلما جاء الغد أتى به، فقال لأنس خادمه: «ألم أنهك أن تبقى شيئا لغد» .
ولما أفاء الله على رسوله نخيل بنى النضير، كان يدخر منها فكان يعزل لأهله من تمرها، ما يكفى سنة، ثم يكون الباقى مما ينفق فى الخيل والجمال مما يعد للحرب، وفى السلاح الباقي، صلى الله تعالى عليه وسلم.
وكان ﵊ لا يدخر ذهبا ولا فضة حتى أنه كان وهو مريض مرض الموت عنده سبعة دنانير أو ستة، فما زال بأهله حتى تخلص منها. وروى أنه كان له فى مرض موته قطعة ذهب صغيرة عبروا عنها بأنها ذهبية، فتصدق بها رسول الله ﷺ، حتى يخرج من الدنيا، وليس له شيء، ولا عليه شيء، ولذا قال ﵊: «نحن معشر الأنبياء لا نورث» .
١٥٥- كان ال رسول الله ﷺ من أزواجه يحملهن ما يحتمل، لأنهن اله، والسعة عليهن قد تعود بالسعة عليه، فسدا للذريعة كن يتحملن ما يتحمل.
ولكن يظهر أنهن طالبنه مرة بما ليس عنده، وضاق بهن ذرعا، فالى عليهن بأن حلف ألا يدخل عليهن شهرا، واعتزل عنهن، وسكن علية من داره، فدخل عليه عمر، وإذا هو مضطجع على حصير، قد أثر فى جسمه ﵊، فهملت عينا عمر، فقال ﵊: مالك، فقال:
أنت صفوة الله تعالى من خلقه وكسرى وقيصر فيما هما عليه، فجلس ﵊ محمرا وجهه فقال: «أو فى شك أنت يا ابن الخطاب، أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم فى حياتهم الدنيا، أما ترضى أن تكون لهم الدنيا، ولنا الاخرة»
وقد عتب الله تعالى على نبيه أن حرم عليه أزواجه شهرا، فقال تعالي: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ، وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ. وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثًا، فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ، فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ. إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما، وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ، وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ.
عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وَأَبْكارًا «١» .
_________________
(١) سورة التحريم: ١- ٥.
[ ١ / ٢١٦ ]
ولقد كانت شكواهن من أن محمدا رسول الله ﷺ قد أخذهن بما أخذ به نفسه، وإن كان أخف ولكنه فى كلتا الحالتين دعا ربه أن يكون رزق ال محمد ﷺ قوتا، لا يتجاوزه إلى رافغ الحياة وفاكهها، ولذلك حلف بما حلف تأديبا وتجربة، ومحبة أيضا، وبعد أن مضى الشهر الذى حلف ألا يقربهن فيه، لم يعد إليهن إلا بعد تخيير صريح يقبلن فيه أن يكون رزقهن قوتا لا نعيم فيه، إلا بالحلال، وبين أن يسرخهن بالمعروف، وذلك بأمر صريح من الله ﷾ إذ قال سبحانه:
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها، فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ، وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلًا. وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ، فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا. يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ، وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا. وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحًا، نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ، وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقًا كَرِيمًا. يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ، إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ، فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا. وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا. وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ، إِنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفًا خَبِيرًا
«١» .
نفذ محمد رسول الله صلى الله تعالى عليه أمر ربه بالتخيير ليخترن، وابتدأ بأحب نسائه إليه ابنة صديقه وصفيه أبى بكر الصديق ﵁، عائشة، فقال لها: إنى ذاكر أمرا، فلا عليك أن تعجلى حتى تستأمرى أبويك، وتلا عليها هذه الايات فقالت: أفى هذا أستأمر أبوىّ، فإنى أختار الله ورسوله والدار الاخرة، وكذلك قال سائر أزواجه ﵊، وبذلك اخترن عيشة النبى ﵊ الزاهدة، فكن جديرات بمحمد ﷺ خاتم النبيين، وسيد الزاهدين.
الصابر المصابر
١٥٦- إن نشأة محمد بن عبد الله ﵊ الأولى من شأنها أن تربى فيه خصلة الصبر، وحاله فى شبابه الباكر تربى فيه الصبر واستمساكه بالفضائل فى وسط الرذائل التى كانت تكثر فى قومه لا يقوى عليه إلا بالصبر وضبط النفس، واجتنابه للأهواء والشهوات التى كانت تسيطر في مكة، لا يقوى عليه إلا الصابر الذى يقمع دواعى الشهوات بين جنبيه، ويقذعها عن متابعة الأهواء ومنازع
_________________
(١) سورة الأحزاب: ٢٨- ٣٤.
[ ١ / ٢١٧ ]
الشيطان، إن ضبط النفس أقوى مظاهر الصبر، والناظر إلى حياة محمد بن عبد الله ﵊ يراه منذ نشأته إلى بلوغه سن الشباب، إلى اكتمال رجولته يرى فيه إصرارا على خلق واحد، وعقيدة واحدة، يتزلزل كل شيء حوله، ولا يتزلزل، ولا يكون ذلك إلا من صبور.
لا تغريه جدة، ولا يجزعه فقر، لا يدفعه التكاثر حول تقديس الأوثان إلى الميل نحوها، ولا يحرضه التقليد للأقوياء على أن يخضع لصنم أو يقر له بسلطان، بل يدافع الاعتقاد فى الأصنام، يدافعه فى نفسه، ويدافعه فى مجتمعه، ويدافعه فى كل مظاهر حياته، غير متجانف لإثم، ولا راض عمن يخضعون به.
إن كل ذلك يحتاج إلى ضبط نفس، وضبط فكر، واستقامة نظر، وصبر عميق يتغلغل فى أطواء النفس، وثنايا الفؤاد، وكل هذا لا يكون إلا من صابر مصابر، يغالب الأحداث بالصبر، ويغالب الأعداء بعدم الفزع، إن الصبر أقسام يختلف كل قسم باختلاف موضوعه، والصدمات التى يلقاها الصبور.
[أقسام الصبر]
أولها- الصبر على النوازل
تنزل به، ومن نوازله نازلة الفقر، لا ترمض نفسه به، ولا يذل، ولا يخنع لذل الحاجة، بل يرضى بالقليل صابرا ساعيا جادا فى جلد ودأب حتى يمنعه الفقر من أن يتسرب لنفسه بالإحساس بالذل، أو بأن تذهب قوى النفس شعاعا من الاحتياج، وإن ذلك النوع من الصبر كان فى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فما ظهر منه ذل الاحتياج، بل كان حتى عندما تمد موائد الطعام، لا يكون أول من يمد ولا أكثر الغلمان تزاحما فيه، ولا تسابقا إليه، بل كان حريصا على ألا يفعل، ولو فاته الطعام.
القسم الثانى: الصبر على الحرمان من الأهواء والشهوات وقمعها.
وعلى دفع الخواطر الفاسدة، وعلى مقاومة ما تدعو إليه أحوال عبدة الأوثان لتحريم أمور حلال كتحريم السائبة والوصيلة والحامي، وكاستباحة المختنقة والموقوذة والنطيحة، وما كان منه شرب الخمر، وملاعبة بالميسر، واستقسام بالأزلام، فكل ذلك امتنع عنه محمد بن عبد الله ﵊، قبل أن يبعثه الله تعالي، وذلك من تحصين نفسه بالصبر، وما منحه الله تعالى من قوة احتمال.
القسم الثالث: الصبر على ما ينزل من نوازل
، وقد جاء محمد ﷺ فى الحياة ليكون صبورا وشكورا.
أول ما أدرك الحياة مميزا ماتت أمه وحملته حاضنته الحبشية إلى جده، ثم لم يلبث أن فقد الجد، وقد بلغ سن التمييز الذى يعرف الحامي، وانتقل إلى بيت عمه، وكان محدود الرزق كثير العيال، فتعلم كيف يكون الصبر حيث التزاحم، فما كان يمد يده فى زحمة الغلمان على الطعام.
[ ١ / ٢١٨ ]
ثم كان الصابر فى رعى الغنم، ثم كان الصابر فى كسب القوت، وهكذا كان الصبر عدته التى يعدها لنوائب الدهر، وملمات الزمان، وأخذ يحمل واحده أعباء حياته جلدا صبورا.
وإذا كان قد صابر النوازل والقل واحتمل، فقد احتمل نعمة الكثر من المال كما احتمل القل، فلم يطغ إذ جاءه المال الموفور عندما اتجر فى مال خديجة التى صارت من بعد زوجه وأم المؤمنين، فاحتمل النعمة كما احتمل النقمة، وضبط نفسه فى نعمته؛ كما ضبطها فى نقمته، فلم يكن فى الأولى جازعا؛ ولم يكن فى الثانية فرحا فخورا. وقد بين الله تعالى فى كتابه أن الذى لا ييأس فى الحرمان؛ ولا يطغى عند الجدة هو المؤمن الصابر، فقد قال سبحانه: وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً؛ ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ، إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ. وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ. إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ، أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ «١» .
والصبر فى هذا المقام أجل أنواع الصبر، لأنه هو الذى يكون فى أعاظم الرجال الذين أوتوا القدرة على تحمل الأعباء. لا يأشرون ولا يبطرون فى سرائهم فيكونوا صابرين، ولا يجزعون ويهلعون فى شدائدهم فيذلوا.
وكذلك كان محمد بن عبد الله ﵊ قبل أن يبعثه الله تعالى نبيا، فكان مهيأ لأعظم رسالة فى الوجود.
١٥٧- بهذا الخلق الصابر يختار الله تعالى محمد بن عبد الله ﵊ ليكون رسوله الذى يدعو الناس إلى التوحيد فى وسط قوم صلاب شداد غلاظ، فالدعوة فيهم تحتاج إلى عزم الأمور، والصبر من عزم الأمور، بل إن عزم الأمور يحتاج إلى صبر شاق مرير، لا يتحمله إلا أولو العزم من الرجال، وأولو العزم من الرسل، كما قال تعالى مخاطبا محمدا ﷺ الصبور، والمكاره تحيط به إحاطة الدائرة بقطرها: فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ، وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ، كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ، بَلاغٌ، فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ «٢» .
كان لابد بعد البعثة من أن يكون علاج الأمور كلها بالصبر، صبر على المشركين فى أوهامهم، وصبر عليهم فى دعوتهم منه إلى الحق، وقد أصروا على الباطل، وصبر على سفهائهم، وصبر على أذاهم المستمر، الذى أقدم عليه ذوو الحقد والعصبية، ولم يستنكره كبراؤهم، وصبر فى الدعوة إلى الإسلام، وما يكأد طريقها، ويعرقل سيرها. ولذلك جعل الله تعالى أقوى أوصاف المؤمنين الصبر. فقال تعالى وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ. الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ «٣» .
_________________
(١) سورة هود: ٩: ١١.
(٢) سورة الأحقاف: ٣٥.
(٣) سورة البقرة: ١٥٥، ١٥٦.
[ ١ / ٢١٩ ]
ولقد كان النبى ﵊ الصابر حقا وصدقا ودعا إلى الصبر، فقد أثر عنه أنه قال: «ما من أحد تصيبه مصيبة، فيقول إنا لله وإنا إليه راجعون؛ أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة، وأولئك هم المهتدون، اللهم أجرنى فى مصيبتى، وأخلف لى خيرا منها، إلا اجره الله تعالى فى مصيبته وأخلف له خيرا منها»
وإن فضيلة الصبر الجميل، وهو الصبر من غير تململ، بل فى ثبات جأش واطمئنان قلب وتحمل، هى قوة لصاحبه، فوق أن فيها تفويضا لله تعالى مع العمل من غير تخاذل، فالمفوض الصابر يؤمن بقدرة الله تعالى حق الإيمان، وأنه المغير، ولذلك طلب الرسول الصابر ﷺ ممن يصاب أن يدعو الله تعالى، ويفوض إليه أمره، فإن ذلك يعطيه جلدا واحتمالا. ولقد قال ابن القيم فى علاج النفس بحملها على الصبر بالتفويض.
«وهذه الكلمة أى التى قالها محمد ﵊ فى العلاج بالصبر، وهذه الكلمة من أبلغ علاج المصاب وأنفعه فى عاجلته واجلته، فإنها تتضمن أمرين عظيمين إذا تحقق العبد بمعرفتها تسلى عن مصيبته. أحدهما أن العبد وأهله وماله ملك لله ﷿ حقيقة، وقد جعله عند العبد عارية، فإذا أخذه منه، فهو كالمعير يأخذ متاعه من المستعير، وأيضا فإنه محفوف بعدمين: عدم قبله، وعدم بعده، وملك العبد له منحة معارة فى زمن يسير، وأيضا فإنه أليس أوجده من عدمه حتى يكون ملكه حقيقة، ألا هو الذى يحفظه من الافات بعد وجوده، وألا يبقى عليه وجوده، فليس له فيه تأثير، ولا ملك حقيقي، وأيضا فإنه متصرف فيه بالأمر تصرف العبد المأمور المنهي، وتصرف الملاك، ولهذا لا يباح له من التصرفات فيه إلا ما وافق أمر مالكه الحقيقى » .
والثانى: أن مصير العبد ومرجعه إلى الله تعالى مولاه الحق، ولابد أن يخلف الدنيا وراء ظهره، ويجيء ربه فردا، كما خلقه أول مرة بلا أهل ولا مال ولا عشيرة، ولكن بالحسنات والسيئات، فإذا كانت هذه بداية العبد وما حوله ونهايته، فكيف يفرح بموجود أو يأسى على مفقود، ففكره فى مبدئه ومعاده من أعظم علاج هذا الداء، ومن علاجه أن يعلم علم اليقين أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، قال تعالى: ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ. لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ، وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ «١» .
_________________
(١) زاد المعاد فى هدى خير العباد والايات من سورة الحديد: ٢٢، ٢٣.
[ ١ / ٢٢٠ ]
١٥٨- كان محمد بن عبد الله ﵊ صبورا أبلغ ما يكون الصبور، فقد كان قبل البعثة الصابر فى المنشط والمكره، والصابر فى الفقر والغني، والصابر فى العجز والمقدرة، ثم كان بعد البعثة الصابر فى أداء الرسالة، وتبليغها والدعوة إليها، صابر المشركين عند الدعوة، صابر قومه الذين جفوه، ونكروه وهم يعرفونه، وكذبوه، وهو الصادق الأمين، ورموه بالسحر كذبا، والجنون افتراء، وقالوا ما قالوا فيه وفى رسالته، وقد وسع صبره كل افترائهم، فما وهن فى دعوته، ولا يئس من إجابته، وكان يرضى فى أن يصدع بأمر ربه وهو يصبر على إنكارهم من غير أن ييأس من إيمانهم، ويدعو عليهم، فلم يقل كما قال نوح: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّارًا. إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ، وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِرًا كَفَّارًا «١» بل قال: «إن قومى لا يعلمون» وقال: «إنى أرجو أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله»، ولكل نبى من أنبياء الله تعالى فضل، وقد فضل بعض النبيين على بعض.
ولقد اذوه، واذوا أصحابه، وهو القادر على أن يقمعهم، أو يدعو عليهم بالمقت، ويسخط عليهم، وإنزال غضب الله تعالى عليهم، بل إنه كان يتلقى كل ذلك بالرجاء والاطمئنان إلى أنه مبلغ رسالة ربه، غير وان ولا مقصر، مدركا أن الله تعالى بالغ أمره، وأن العاقبة للمتقين.
كان طاغيتهم يلقى عليه فرث الجزور، وهو يصلي، فما يغضب، ولا يثور، لأن الغضب يفقد الحق قوته، والثورة تطيش حولها أحلام من يدعوهم، وهو حريص على أن يترك لهم حرية الاختيار، وتقدير الأمر فى أناة، وهدأة مدركة، والغضب يدفع إلى الملاحاة والمنازعة، وهو يريد أن ينزع من قلوبهم سخيمة الحقد الملاحي، بل يضع فى قلوبهم قوة الحقيقة تسرى فى قلوبهم، وتنساب فى نفوسهم، وهم مطمئنون من جانبه غير منزعجين.
يصبر ﵊ صبر الطبيب يعالج المريض، وقد هاج هياجه، وأرغى زبده، فيأخذه فى حكمة، عالما أن المقاومة من المرض ذاته، وأن غايته معافاة المريض، فليصبر، حتى يصل إلى هذه الغاية غير منزعج، ولا مخاصم، ولا معاند.
ولقد صبر ﵊ على استهزائهم وعلى سخريتهم، وهو اخذ نفسه بأنهم كلما سخروا منه زادت عنايته بالدعوة، وزادت قوته فى الاحتمال ورغبته فى المصابرة، غير متحمل ولا ييئس، فإن
_________________
(١) سورة نوح: ٢٦، ٢٧.
[ ١ / ٢٢١ ]
الصبر يبعد اليأس ويقرب الرجاء، ويهدى للتى هى أقوم، ويوقظ الضمائر إن كانت فيها قوة الحياة، وإن الصبر للذى تشمس نفسه يكون كالسقى والرعى يحيى ولا يميت، والملاحاة تشغل النفس عن الحق، وتوجب انحياز كل إلى جانبه، فلا يرى إلا ما عنده، ويعمى عما فى الجانب الاخر، فتكون النظرة الجانبية، والنظرة الجانبية لا تفيد صاحبها.
وصبر ﵊ على الأذى ينزل بجسمه، وبأهله، ألم تره صبر على الحرمان هو وبنو هاشم عندما قاطعتهم قريش ثلاث سنين دأبا. لاقوا فيها العنف من قومهم، فما أسلموا محمدا ﵊ لأعدائه.
فكان صبر محمد ﵊ صبرين، صبر الداعى إلى الحق يحمل فى أثنائه ما يلاقى من جفوة قاطعة لما أمر الله تعالى به أن يوصل، وصبرا على أذى القريب الواصل الذى يرى أنه كان سببا فى أنه ذاق اله وأحبابه مرارة الحرمان والقطيعة.
وصبر ﵊ يوم ذهب إلى ثقيف يطلب منهم الإيمان، فاذوه، وأغروا به سفهاءهم وغلمانهم يقذفونه بالحجارة حتى أسالوا دمه الكريم، وكان الصابر الكريم عندما عرض عليه جبريل أو ملك الجبال أن يطبق الأخشبين عليهم، فطلب من ربه أن يستأنى بهم، ويقرر فى اطمئنان الصابر أنه لا يبغى إلا رضاه، فيقول لربه: إن لم يكن بك غضب علىّ فلا أبالى.
١٥٩- ولما رأى الأذى الشديد ينزل ببعض من أسلموا، أذن لهم فى الهجرة إلى الحبشة، وهو المقيم الصابر، لا يتخلى عن دعوته، ولا يفر ممن يدعوهم، بل يصابرهم، ويلقاهم بالرفق، ولطف المعاملة، وإن لم يقابلوه بمثلها، بل يجافونه ويعادونه.
وإذا كان قد خرج من مكة المكرمة مهاجرا، فليس ذلك لأجل الخوف، أو نفاد الصبر، بل لأن الدعوة استوجبت الهجرة بعد أن استمكن لها فى يثرب، وهو إذ يخرج كان صابرا، إذ أنه يخرج من مكة المكرمة، وهى أحب أرض الله إليه، ولولا أن أهلها لم يستجيبوا واذوه ما خرج منها، فكان الصابر فى خروجه، ولم يكن خروجه جزعا وفرارا.
ولما هاجر كان المجاهد الصبور، ولقد صابر وصبر فى ثلاثة ميادين من الجهاد.
صابر فى محاربة الأهواء والشهوات، وسمى ذلك الجهاد الأكبر، ودعا المؤمنين إلى متابعته فيه.
[ ١ / ٢٢٢ ]
وصابر فى ميدان الحرب، فكان المجاهد الثابت الذى لا تزلزله قوة، ولا يذهب تفكيره شعاعا ولو تألب عليه العرب جميعا، كما فى غزوة الأحزاب، وقد جاء المشركون من الخارج واليهود من الداخل إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا. هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا «١»، ونجد النبى ﵊ كان فى هذه المعركة، الصابر، المصابر، الذى لم يذهب ساعة من نهار الرجاء منه، وإن كانت الشديدة قد بلغت أقصاها. وصابر ﷺ فى الداخل طوائف ثلاثا فأخذ بالرفق الضعفاء، فكان يبث فيهم روح الإيمان، وكان الضعف يبدو أحيانا منهم فى وقت يحتاج فيه إلى الجلد وقوة العزيمة، والثبات فى البأساء والضراء، وحين البأس.
وصابر المنافقين الذين كانوا يظهرون الإيمان، ويبطنون الكفر، ويلقون باليأس والهزيمة، ويدعون إلى التردد فى صفوف المؤمنين، ويستجيب لهم بعض الضعفاء من المؤمنين، ويصبر ﵊ على ما يثيرونه حول شخصه واله، كما خبوا ووضعوا فى الحديث الذى أشاعوه عن أم المؤمنين عائشة.
ويشير عمر بقتل كبيرهم، فيرده محمد ﷺ بأنه لا يريد أن يتحدث الناس أن محمدا ﷺ يقتل أصحابه، ويستمر صابرا حتى ينهى الشر نفسه.
وكان اليهود فى المدينة، فكان يصابرهم حتى ينكشف فسادهم، فإذا انكشف أخذهم ببعض ذنوبهم صابرا مصابرا، وإن الصبر فى الشدائد هو صبر العافى المدرك بأن غايات الأمور لا تدرك إلا بالصبر المرير، وكان إذا ادلهم الأمر لا يجزع، ولا يفزع، بل يتأنى الأمور، ويصطبر لها، معالجا أمرها فى أناة وحكمة، ويقول ﵊: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى» فإذا دهمه الأمر لا ينزعج ولا يضطرب، ولا يذهب لبه وتفكيره، بل يسيطر على نفسه، ويدبر الأمر من غير هلع ولا جزع، وكان يرى أن الصبر من الإيمان.
وإن الشدائد النفسية تحتاج إلى الصبر أكثر من الشدائد المادية، وانظر إلى موقفه الصابر عندما أشاعوا قالة السوء عن حبّه أم المؤمنين عائشة، فقد تلقى الخبر، وساوره الظن، وبدا فى بعض عمله، وفى ملامح وجهه، ولكنه كان المثل الكامل فى الثبات، وتقدير الأمر، ودعا بعض خاصته للاستشارة فى هذا الإفك، وليتعرف مقدار الحق فيه، فمنهم من نفى الوقوع وأكد النفى كعمر ﵁، ومنهم من دعا إلى التحرى بسؤال جاريتها وهو علي، وقد رأى النبى ﷺ فى هدأة الصابر أن ذلك هو الأسلم والأحزم،
_________________
(١) سورة الأحزاب: ١٠.
[ ١ / ٢٢٣ ]
فسلكه فانتهى إلى البراءة، وما كان ذلك ليكون إلا من صبور حكيم متدبر يغلّب العقل والفكر فى وقت تطيش فيه الأفهام، وتجيش فيه العواطف، ولكن النفس، نفس محمد رسول الله ﷺ، تسيطر عليها الحكمة دائما. وإن صبر النبى ﷺ فى البأساء والضراء وحين البأس، كان صبر من يتوقع البلاء قبل أن يقع، فعبّد نفسه لقوة الاحتمال، وقد أخبره الله تعالى بما سينزل به وبالمؤمنين ليصبروا فقال تعالى:
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ. الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ «١»
ولقد قال تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ «٢»
وقال تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ، وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ «٣» .
وقال ﷾: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا، وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ «٤» .
فكان الصبر الاختيارى من غير شكوى ولا أنين عدته فى تبليغ رسالة ربه، وقد تربى عليها قبل البعثة، وكان قوته بعدها.
العادل
١٦٠- الأمانة والعدل صنوان متلازمان، فلا يمكن أن يكون الأمين غير عادل، ولا أن يكون العادل غير أمين، لأن الأمانة مراعاة الإنسان لحق غيره، لا ينكره ولا يجحده، والعدالة، تبتديء من انتصاف الإنسان من نفسه، ولذلك قرن الله ﷾ طلب أداء الأمانات بالعدالة فى الحكم، فقال تعالى:
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها، وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ، إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ، إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعًا بَصِيرًا «٥» .
_________________
(١) سورة بالبقرة: ١٥٥، ١٥٦.
(٢) سورة البقرة: ٢١٤.
(٣) سورة ال عمران: ١٤٣.
(٤) سورة ال عمران: ٢٠٠.
(٥) سورة النساء: ٥٨.
[ ١ / ٢٢٤ ]
ولقد اشتهر محمد بن عبد الله ﷺ بالأمانة، حتى صار اسمه «الأمين» ولما حكّموا أول من يدخل البيت فى أمر الحجر الأسود، وكان هو الداخل الأول ارتضوه حكما، وفرحوا به، وقالوا إنه الأمين، وكان فى معاملاته كلها عدلا، لا يغبن، ولا يخدع، وكان ينتصف من نفسه فى كل ما يتعلق به، كان ذلك قبل البعثة.
أهدت إليه أم المؤمنين خديجة قبل البعثة زيد بن حارثة، فكان مولى له، ولما عرفه أهله، وجاؤا إليه يريدون أن يفتدوه بثمنه، أعطاهم الرجل العدل، الحق فى أخذه، ولم يمارهم فى حقهم، بل إنه زاد فى العدل والإحسان، فقال: خذوه من غير ثمن إذا أراد الذهاب معكم، ولكن زيدا رفض أن يترك محمد بن عبد الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وقبل أن يبقى فى قربه مولى، ولم يقبل الذهاب مع أسرته، وهنا يتحرك العدل مرة أخرى فى قلب محمد بن عبد الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فيتخذه له ولدا، وقد كان سائغا عند العرب، كما كان سائغا عند الرومان، ويلحق المتبنى بنسب من تبناه، فكان يقال له زيد ابن محمد ﷺ، وكان بمقتضى هذا الإلحاق قرشيا، وتزوج على أنه قرشى، حتى نزل من بعد البعثة تحريم التبنى، وعدم إلحاق الدعىّ بنسب من تبناه. وكان قد أراد محمد بن عبد الله العادل ﵊ أن يعوضه عن ترك أسرته بذلك التعويض الكريم.
ولقد كان الخصماء يتحاكمون إليه ﵊ قبل بعثته، فقد روى أن الربيع بن خيثم كان يتحاكم إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فى الجاهلية قبل الإسلام، وذلك لما عرف به من الصدق والأمانة والاستقامة، وكونه لا ينطق إلا بالحق، ولا يتجه إلى غيره، ولا يرضى بالباطل أبدا.
بعد البعثة:
١٦١- لقد كان ﵊ يوزع الغنائم، فيعطى كل ذى حق حقه، لا يلتفت إلى ما وراء ذلك، فلا غاية يطلبها إلا تحقيق العدل وإرادته، يعطى الرجل من الغنيمة بمقدار جهاده، وقد يعطى من يريد تأليف قلبه، وقد أسلم على حرف، فهو يعطى لعاعة من المال لمن يريد أن يتألفه، كما كان يعطى بعض القرشيين الذين أسلموا عند الفتح تأليفا لقلوبهم وليستمروا على دينهم الذى دخلوه طوعا من غير إكراه، ولكن لكثرة معاندتهم من قبل تألفهم النبى ببعض من الصدقات.
[ ١ / ٢٢٥ ]
ولقد حدث أن قال بعض الذين فى قلوبهم ضعف إيمان للرسول ﵊:
اعدل، فرد عليه النبى ﵊ «ويلك فمن ذا الذى يعدل عليك بعدى» ولنذكر الخبر، كما فى كتب الحديث، فقد روى قتادة أن رجلا من أهل البادية حديث عهد بالإسلام أتى النبى ﷺ، وهو يقسم الغنائم فقال: «يا محمد، والله لئن أمرك الله أن تعدل ما عدلت، فقال النبى ﵊: ويلك، فمن ذا الذى يعدل عليك بعدى، ثم قال: نبى الله: احذروا هذا وأشباهه، فإن فى أمتى أشباه هذا يقرأون القران لا يتجاوز حناجرهم، فإن خرجوا فاقتلوهم، ثم إذا خرجوا فاقتلوهم» وروى مثل هذا فى الصحيحين مسلم والبخارى.
وإن هذا الكلام يدل على عدالة النبى ﵊ المطلقة فقد سمع القول من المعترض من غير أن يمنعه من الاعتراض، ولكن بين له أنه العادل، وأنه سيكون إرهاق من بعده، فمن عدل كعدله نجا، ومن لم يعدل فقد انحرف إلى الهاوية.
ويدل ثانيا على أن أمثال هذا ممن يرون العدل غير عدل ويحكمون بهواهم، أو بنظرهم بادى الرأى سيكونون شوكة فى جنب الحكم الإسلامي، وأن سلامة الحكم فى ردعهم ولو بالقتل وتكراره، وذلك عقابهم إذا خرجوا على الحاكم العدل وإلا لا يقتلوا، كما قال على «من طلب الحق فأخطأه ليس كمن طلب الباطل فأصابه» .
ثم إن النبى ﵊ أردف فى هذه الواقعة ما يؤكد عدله المطلق القائم على أمانته، فقال: «والذى نفسى بيده ما أعطيكم شيئا، ولا أمنعكم إنما أنا خازن» .
وإن النبى العادل كان ينفذ الحق فى نفسه، إن ظن أنه اعتدي، كان يقسم الغنائم مرة، وبعض أعراب المسلمين يلاحيه، فرده بعود فى يده، فشكا الألم فأعطاه الرسول الأمين العادل، ليقتص منه، فعفا الرجل، واستحيا أن يفعل.
ولقد كان يخشى لفرط إحساسه بالعدالة، ألا يلقى الله خالصا من حقوق العباد، فقام، وهو مريض مرض الموت، وقد بلغ به الإعياء أشده وقال: «أيها الناس من كنت جلدت له ظهرا، فهذا ظهرى فليستقد منه، ومن كنت شتمت له عرضا، فهذا عرضى فليستقد منه، ومن أخذت منه مالا، فهذا مالي، فليأخذ منه، ولا يخش الشحناء فإنها ليست من شأنى، ألا وإن أحبكم إلى من أخذ منى حقا، إن كان له، أو حللنى، فلقيت ربى وأنا طيب النفس» .
ولقد كان محمد ﵊ ينهى عن الظلم بكل ضروبه، وأكل أموال الناس، وينهى عن معاونة الظالمين بكل أسباب المعاونة، وإنه يشدد فى ذلك، فهو يقول: «اتقوا دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب» وقال ﵊ «من مشي مع ظالم فقد سعى إلى النار، أو كما قال عليه
[ ١ / ٢٢٦ ]
الصلاة والسلام، ونهى المحكومين عن أن يسكتوا عن ظلم الحاكمين، لأنه معاونة، فقال ﵊: «لا يأخذ الله تعالى العامة بظلم الخاصة إلا إذا رأوا ولم ينكروا» وأوجب حمل الظالم على العدل، وحث على ذلك فى قوة، فقال ﵊: «والله لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يدى الظالم، ولتأطرنه على الحق أطرا، أو ليضربن الله قلوب بعضكم ببعض، ثم تدعون فلا يستجاب لكم» .
وإن هذه الأحاديث تدل على أمرين عظيمين: أولهما- شدة تمسك النبى ﵊ بالعدل والدعوة إليه والتشدد فيه، والاستمساك به، لأنه كمال فى ذاته، ويدل على استقامة النفس، حاكما كان أو محكوما، فهو الكمال المطلق إن كان- وثانيهما- أنه يدعو إلى العدل الجماعي، لأنه هو الذى يستقيم به أمر الجماعة، فلا يظلم الرجل أهله، ولا يظلم الزوج زوجه، ولا القريب قريبه، ولا الرئيس مرؤسه، ولا الحاكم محكومه، ولا المولى مولاه، وإنه ﵊ يقول فى حديث قدسى عن ربه: «يا عبادى إنى كتبت العدل على نفسى فلا تظالموا» .
١٦٢- ولقد كان ﵊ يتولى الفصل فى خصومات المسلمين فى خاصها وعامها، ويأتى فى فصله بحكم الله تعالى الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فكانت أقضيته تقصد القضاء بحكم الله تعالي، وتنفيذ ما أمر الله تعالى به من أمر وما نهى عنه، وكانت أحكامه عادلة، لا يحابى قويا، ولا يهضم حق ضعيف.
ولما سرقت فاطمة المخزومية، وأهم قريشا أن يقطع محمد ﷺ يدها ذهب إليه حبه أسامة بن زيد فتشفع له فى ألا يقيم الحد عليها بقطع يدها، فنهره ﵊ قائلا له مستنكرا: أتشفع فى حد من حدود الله، ثم وقف خطيبا يقول:
«ما بال أناس يشفعون فى حد من حدود الله، إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه وإذا سرق الضعيف قطعوه، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» .
فكان العدل الذى لا يمارى ولا يحابى فى حكم من أحكام الله تعالى.
وكان ﵊ ينظر فى الأمر عند الاختصام إلى لب القضية، فيتعرف المعتدي، فيحكم عليه، ولا ينظر فقط إلى المظهر، ويروى فى الصحيحين (البخارى ومسلم) أن رجلا عض يد رجل اخر، فنزع المعضوض يده من فم الاخر، فوقعت ثناياه، فاختصموا إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ويظهر أن الذى رفع الأمر من عض أخاه، فقال النبى ﵊، منحيا باللائمة على العاض مهدرا دية أسنانه: «يعض أحدكم أخاه كما يعض الفحل لا دية لك» .
[ ١ / ٢٢٧ ]
وهو بهذا ينظر نظر الأريب إلى موضوع القضية، ليتعرف موضوع الاعتداء، ومن الذى كان السبب، ثم فيه إشارة إلى من دفع عن نفسه الظلم، وتعين عليه ألا يدفع الظلم إلا بأذى ينزل بالاخر، فهو بريء مما يترتب على فعله، والمتسبب هو الذى يبوء بالاثم ولو كان هو الذى نزل به الأذى.
وكان ﵊ يلاحظ فى قضائه ثلاثة أمور:
أولها- العدل بين الناس والمساواة بينهم فى تنفيذ أحكام الله تعالى لا فرق بين أمير وسوقة، ولا بين شريف وضعيف، بل الجميع أمام القانون سواء. وفى المأثور «الناس سواسية كأسنان المشط» .
ثانيهما- أنه يلاحظ الأثر إلاجتماعى لحكمه، فهو يغلظ العقاب على من يكثر فساده، حماية للجماعة المسلمة من شره.
ثالثها- أنه لفرط إيمانه بالعدل يخشى أن يقع منه ظلم لأحد، بسبب من يدلون بالحجة فى فصاحة منهم وعجز غيرهم، فقد قال ﵊ وهو العدل الأمين: إنكم تختصمون إلى، ولعل بعضكم ألحن بحجته من الاخر، فمن قضيت له بحق أخيه، فإنما أقتطع له قطعة من النار» .
وفى الحق أن النبى ﵊ كان عدلا فى ذات نفسه، وعدلا فى كل ما يقوم به، وعدلا فى أحكامه، ويغلب المساواة فى كل شيء حتى فى الهدايا تهدى إليه باعتباره كبير المؤمنين، ويقول فى ذلك ابن القيم فى زاد المعاد فى هدى خير العباد. وقد جاء فى صحيح البخارى أن النبى ﵊ أهديت إليه أقبية من ديباج مزررة بالذهب، فقسمها فى ناس من أصحابه، وعزل منها واحدا لمخرمة ابن نوفل، فجاء ومعه المسور ابنه، فاستقبله، وقال يا أبا المسور خبأت لك هذا.
وهكذا نرى العدل يعم ولا يخص، وإنه كما ثبت من تاريخه قبل البعثة وبعدها لم يظلم، ولم يضيّع حقا لأحد، بل كان الحريص على حق غيره الحفيظ عليه.
وكان يعوض من يهدى من أصحابه إن تمكن من التعويض، ويهادى من يهاديه، لأن الهدية محبة، وهو ﵊ يبادل المحبة بالمحبة فهو عادل حتى فيما تبعثه العاطفة، ويدعو إليه الود.
[ ١ / ٢٢٨ ]
الشجاع
١٦٣- يذكر بعض العلماء الشجاعة بأنها منبعثة من القوة الغضبية، ولكنها خاضعة لحكم العقل، وللحكمة، وللمعرفة، وهى السبيل إلى دفع الأذى، وإلى والنفع للجماعة، وليست مرادفة للتهور، وإن كان منبعثهما واحدا، وهى القوة الغضبية الدافعة عن النفس فى موقف التعرض للأذى، بيد أن التهور اندفاع غير محكوم بالعقل والحكمة، ولا خاضع للمعرفة، أما الشجاعة فإنها لا تصدر إلا عن تفكير سليم، ودواعى الحكمة المستقيمة.
وليست الشجاعة منافية للحذر، بل إنه مسيطر عليها، فهو يدفعها، وهو يحكمها، وقد يكون الخوف مع الشجاعة، لأن الشجاع يتردد قبل أن يقدم فيوازن بين العمل ونتائجه، والإقدام وغاياته، وهل يتعين الضرب بالسيف، وإن ذلك كله قد يصحبه، فليس الشجاع هو الذى لا يخاف قط، إنما الشجاع من يتغلب على بواعث، ويتقدم فى تدبير محكم، وصبر وقوة احتمال، ولا تتصور الشجاعة إلا مع التدبر والصبر والإحكام وتعرف الغايات والمقاصد.
والشجاعة قد تكون معنوية، وليس لها مظهر حسي، وقد تكون حسية بدافع معنوي، ورغبة فى رفع حق، وخفض باطل، والنبى ﵊ قبل البعثة كان المثل الكامل للشجاعة المعنوية، التى لا تهاب المخالفة فى الحق، فقريش كلها كانت تسجد للصنم، ومحمد ﵊ لم يسجد لصنم قط، وكان يجابه بذلك قريشا، ولا يبالي، وكانوا يحلفون باللات والعزى ومناة الثالثة إلى اخر الأسماء التى سموها، وما أنزل الله تعالى بها من سلطان، وكان هو يرد من يطلب منه الحلف بها، فيقول إنه يكرهها وما يكون ذلك إلا من شجاع قوى الإيمان بما يعتقد ويؤمن، فيختلف مع بائع فى الثمن، فيطلب منه الحلف باللات والعزي، فيرد محمد بن عبد الله ﵊ ردا قويا، بأنه يكره هذه الأسماء، فيقبل الرجل قوله من غير يمين لروعة إيمانه وشجاعته فى هذا الإيمان.
وإنه فى رحلته إلى الشام وهو فى الخامسة والعشرين كان شجاعا فى نفسه وفكره وقلبه عندما منع رجال القافلة التى أعطته زمامها من أن يسابقوا رجال قافلة أخري، واجه من معه بذلك المنع غير هياب ولا وجل، ثم خالف طريق الاخري، وسار فى طريق أخرى ليمر بقبر أمه بالأبواء، ويستعبر عليه العبرات، إذ كان لأول مرة زاره، وكان فى وعى عند موتها، إذ كان فى السادسة من عمره، ومع ذلك وصل قبل القافلة، وكان قد اختار الطريق الذى ظنه من معه وعرا، وظنه هو مسلوكا، وكان مستقيما، لأنه وصل قبل القافلة المسرعة من غير مسابقة.
[ ١ / ٢٢٩ ]
وإن هذا الخبر فى ذاته يدل على قدرة تدبير للأمور، وتعرف لأقرب الطرق للوصول إلى الهدف، ويدل على رفق بمن معه، والابتعاد عن المسابقات غير المثمرة إلا التعب، وعلى كمال الرفق بمن فى صحبته، كما يدل على شجاعة نادرة، وقوة احتمال كاملة.
ولقد كان شجاعا فى أقصى درجات الشجاعة عندما قبل أن يكون الحكم بين قبائل العرب فى وضع الحجر الأسود، فقد تقدم وهو يعلم أن الحاكم لا يرضى كل من يحكمونه، ولكنه بتوفيق الله تعالى أرضاهم جميعا.
وهكذا كان محمد ﵊ شجاعا قبل البعثة يقول الحق ولا يخشى لومة لائم، ويجاهر به غير مستهين بمن يقاومه، بل راض بأن ينطق بالحق، وحسبه ذلك وكفى.
بعد البعثة
١٦٤- بعد أن بعثه الله تعالى بدت شجاعته كاملة، والبعثة من أول أدوارها، وفى أثنائها، وفى نهايتها تحتاج إلى شجاعة، وعندما التقى ﵊ بورقة بن نوفل ابن عم خديجة، قال له: «ما أتى أحد بمثل ما أتيت به إلا عودى» . ولقاء أعداء الفكرة يحتاج إلى شجاعة وثبات جأش، وقوة احتمال، «والله أعلم حيث يجعل رسالته» فما يختار رسولا خوارا، ولا رسولا ضجرا، ولا رسولا يعتريه اليأس فى أول الصدمة، بل يستمر مصابرا مستعدا للصدمات، واحدة بعد أخري، وأحيانا تجيء متكاثفة غير متفرقة، بل مجتمعة صلبة غير متكسرة، فكان لا يتلقاها إلا شجاع النفس ذو العزمة الصادقة فى هدأة المؤمن المطمئن القلب.
لقد كان أبو جهل يرعد ويبرق، ويعمل فى إيذاء مستمر، عسى أن يجبن محمد صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه عن دعوة الحق المستمرة غير الوانية، بل كلما اشتدت وسائل الإيذاء وتعددت وتجمعت، ازداد ﵊ عملا، ما هاب وما مل، بل كان يصدع بالحق فى اطمئنان وشجاعة.
ولقد كان من أعدائه ذو البطش الشديد فما هابه ولا خافه، وإن رفق إليه فى القول، فذلك شأنه والواجب عليه، ليقرب من القلوب ولكى لا يكون فظا غليظ القلب، فبنفض الناس من حوله.
وعندما أقبل على المسلمين عمر بن الخطاب وكان جبارا مرهوبا فى دار الأرقم بن أبى الأرقم، وهو لا يزال على الشرك فزع المسلمون إلا رجلين- أحدهما- حمل سيفه ليقتله به إن أراد شرا وهو أسد الله تعالى وسيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ومحمد بن عبد الله رسول الله صلى الله تعالى عليه
[ ١ / ٢٣٠ ]
وسلم فما فزع، بل رجا، وما اضطرب بل اطمأن، فقال: أدخلوه، فدخل والنبى الأمين ثابت مطمئن هاديء هدوء المؤمن الشجاع، فلبب عمر بقوة، حتى استكان ثم دعاه إلى الإسلام، فأسلم.
ومحمد بن عبد الله ﷺ كان شجاعا يستمر فى دعوته، وهو يعلم أن الملأ يأتمرون به ليقتلوه. فما وهن لائتمارهم وللأذى ينزل به، وبضعفاء صحابته.
وكان الشجاع الثبت، وهو مهاجر، وقد اوى إلى غار ثور، والقوم قد أحاطوا به حاملين سيوفهم، بل كان الشجاع، وهو يقول لصاحبه الخائف على النبى ﷺ لما عساه يصيبه: «لا تحزن إن الله معنا» .
وعندما لاقى اليهود فى يثرب، وهو يعلم مكايد اليهود وإيذاءهم، ومكرهم الخبيث الذى لا يمتنعون فيه عن الغدر، وقد هموا به، وأرادوا قتله غيلة برمى حجر عليه من عل، وبدس السم فى طعامه، وما جبن، ولا سكت عن الدعوة، بل استمر يدعوهم إلى الحق وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ.
وإن الشجاعة المعنوية بين المنافقين كانت سياسته، فهو يصدع بالحق بينهم، كما صدع به بين أصحابه، فهو فى معاملة المنافقين يسوسهم يريد عمر أن يقتل عبد الله بن أبي، فيمنعه فى قوة غير ابه لاعتراضه ومكانة عمر فى أهل الإيمان، ويقول له مرشدا، «لا أقتلهم حتى لا يتحدث العرب أن محمدا ﷺ يقتل أصحابه» . وكان أبعد نظرا من عمر، لأنه بعد ذلك برم أهل كل منافق به واستأذنوا النبي ﵊ فى قتل من فيهم من أهل النفاق، حتى طلب ابن عبد الله بن أبى من النبى ﵊ أن يأذن له بقتله، فلم يأذن، وقال: «أين عمر، لو قتلتهم يوم طلب عمر أن أقتلهم، لأرعدت لهم أنوف تريد إليوم قتلهم» .
وكان ﵊ شجاعا كريما، عندما قبل أن يكتب صلح الحديبية كما أملى المشركون، وقد اشتد الأمر على المؤمنين، لما قالوا من يخرج من المشركين مسلما بغير رضا وليه ردوه، ومن خرج من عند محمد ﷺ مرتدا إلى مكة المكرمة لا يردوه، وغضب عمر وكثرة من المؤمنين، وقال قائلهم: لماذا نقبل الدنية فى ديننا، واشتد غضبهم عندما جاء أحد المسلمين من قريش مكبلا بالحديد فرده.
كان شجاعا وهو يعلم أنهم على خطا المخلصين، وردهم، ثم تبين بعد ذلك ما كان عليه النبى ﵊ من حكمة، عندما طلبوا هم عدم التمسك بهذا الشرط، وإلغاءه، لأنه لم يرتد أحد
[ ١ / ٢٣١ ]
من المسلمين، ومن خرجوا مسلمين من قريش، ولم يقبلهم ترصدوا المشركين فى متاجرهم، فأذاقوهم الويل والثبور، وقتلوا منهم، واستولوا على غنائم كثيرة من أموالهم على ما سنبين إن شاء الله تعالى.
شجاعة النبى ﵊ فى ميدان القتال:
١٦٥- كتب القتال على محمد ﵊ ومن معه، وهو كره لهم، لأن الدعوة الإسلامية لابد أن تأخذ طريقها، وأن ترد الاعتداء حتى يكون الدين لله، وتستقيم القلوب، ولا تكون الفتنة، والإكراه على ترك الهداية، والوقوع فى الغواية، بعد أن من الله تعالى عليهم بالحق، والإيمان وما كان أهل الإيمان ليستخذوا ويستكينوا ويهنوا عن نصرته، ولذلك أذن لهم فى القتال، كما قال تعالي:
أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا، وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ. الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ، وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا، وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ «١» .
كان لابد من القتال جهادا فى سبيل الله، ولنصرة الحق، وكان لابد أن يكون محمد ﵊ الموجه له فى كل ميادينه، والموجه له فى كل نواحيه وضروبه، ما كان محمد ﵊ القائد الذى يحارب بغيره، فيوجه إلى الميدان، ولا يتوجه هو إليه، بل كان يتجه هو إليه ليكون القدوة الحسنة فى كل أمر يدعو إليه، لا يضن بنفسه، ولا يستأثر بالراحة، ويترك غيره يعمل، بل يكون فى أول العاملين المتقين.
وكان على رأس المجاهدين، جاء فى كتاب الشفاء للقاضى عياض ما نصه: «قد حضر ﵊ المواقف الصعبة، وفر الكماة الأبطال عنه غير مرة، وهو ثابت لا يبرح، ومقبل لا يدبر، ولا يتزحزح، وما من شجاع إلا وقد أحصيت له فرة، وحفظت عنه جولة سواه ﵊» «٢» .
ولقد فهم بعض الناس من قوله تعالى: فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ «٣» أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مأمور بأن يقاتل المشركين إذا واجهوه ولو كان واحده، وذلك الأمر الخاص به الذى كلفه، وقد فهمه أولئك المفسرون من قوله تعالى: لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ.
_________________
(١) سورة الحج: ٤٠.
(٢) الشفاء ج ١ ص ٦٦.
(٣) سورة النساء: ٨٤.
[ ١ / ٢٣٢ ]
ومهما تكن دلالة ذلك النص فإن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم حمل عبء الجهاد ودخول الميدان بنفسه من غير ضن بها وكان أصبر أصحابه فى الجهاد، فما فر قط من صفوف القتال، وما يختاره فى موضع أمن، ولو تولى عنه كل من حوله.
ولقد روى عن فارس الإسلام على بن أبى طالب كرم الله وجهه أنه قال: «إنا كنا إذا حمى البأس، واحمرت الحدق اتقينا برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه، ولقد رأيتنى يوم بدر، ونحن نلوذ بالنبى صلى الله تعالى عليه وسلم. وهو أقربنا إلى العدو، وكان من أشد الناس بأسا»
وكان ﵊ هو العلم الذى نهتدى به فى الميدان، أشجع المجاهدين وأصبرهم صلى الله تعالى عليه وسلم.
ويقول عبد الله بن عمر الذى شاهد الحرب، ما رأيت أشجع ولا أنجد ولا أجود ولا أرضى من رسول الله ﷺ، فهو الشجاع الرضى الكريم الصبور، الذى يقف فى الهيجاء، ويحمل سيفه، ليجيب كل هيعة.
وإنه ﵊ كان قوى الاحتمال مع شجاعة، ورباطة جأش، لقد جرح فى يوم أحد، واشتدت جراحه، وأنزفت دمه، ومع ذلك دوام على الحرب، ولم يهن ولم يستكن.
ولقد أريد قتله ﵊ فى هيجاء أحد، واضطرابها، فجاء أبى بن خلف يريد قتله، وقد أعد لذلك عدته منذ بدر الكبرى، إذ كان فى الأسرى، فلما كان أحد، ولم يكن للمسلمين جاء وقد ادرع بالحديد، لا يرى منه إلا عينه، حتى لا يصيبه سيف أو رمح، وهو يقول: أين محمد ﷺ؟ لا نجوت إن نجا محمد، فاعترضه رجال من المسلمين، فقال محمد ﷺ الذى أنزف من دمه ما أنزف، خلوا طريقه، وتناول الحربة من الحارث بن الصمة، وحملها، وانتفض بها انتفاضة تطايروا تطاير الشعراء عن ظهر البعير إذا انتفض، فطعنه ﵊ فى عنقه طعنة تدأدأ منها من فرسه مرارا، وقيل بل كسر ضلعا من أضلاعه، فرجع إلى قريش يقول: قتلنى محمدﷺ- وهم يقولون: لا بأس عليك. فقال: لو كان يجمع الناس لقتلهم، أليس قد قال أنا أقتلك، والله لو بصق على لقتلنى، فمات فى سرف فى قفولهم إلى مكة المكرمة «١» . وإنه فى حرب هوازن ثبت واحده، وذلك كاف لبيان مدى شجاعته وصبره.
_________________
(١) الشفاء ج ١ ص ٦٨.
[ ١ / ٢٣٣ ]
١٦٦- هذه شجاعته ﵊ فى الجهاد بالسيف، وقد ذكرنا شجاعته المعنوية فى السلم، وكيف كان لا يخشى فى الحق لومة لائم، ولا يلاحظ فى أفعاله البيئة وتقاليدها، ولو كانت مستنكرة، ولو كان منشأ هذه التقاليد أنهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون، بل ما يكون معروفا يعرفه، وما يكون نكرا ينكره، وهو فى ذلك قبل البعثة وبعدها على حال واحدة، ولا يهاب الرجال، بل يهاب الله تعالى واحده، ويرفق بالرجال ما كان الرفق سبيلا للهداية، فهو الهادى المرشد الداعى إلى الحق فى كل أحواله.
وهو يستجيب لداعى النجدة. حيث تكون الاستجابة واجبة، والنجدة لازمة، وحيث يكون ملهوف يغاث، لقد فزع أهل المدينة وتصايحوا لمخوف ألم، فانطلق ناس قبل الصوت، يتعرفون مكان الاستغاثة، وكل يعتقد أنه الذى سبق، ولكنهم وجدوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قد سبقهم إلى الصوت، ولقوه قافلا وقد سبقهم، وقد سارع إلى الصوت على فرس لأبى طلحة ركبه النبى ﷺ الشجاع القوى الأمين، والفرس عار، لا سرج عليه، وقد سبق ﵊ والسيف فى عنقه، وقال لهم، وهو راجع: لن تراعوا» .
وهكذا كانت شجاعة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كاملة فى كل ضروب الشجاعة.
وإذا كان الحق يتكلم، ولا يجمجم، وفى الميدان يتقدم كل الصفوف، ولا يحجم، وفى النجدة هو السباق إلى مواطن الإغاثة فهو فى كل أحواله الشجاع، ولكن فى غير خيلاء، ولا مفاخرة، ولا استعلاء، بل هو فى هذه الداعى إلى الحق، وإلى صراط مستقيم.
وقد روى عن أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: «فضلت الناس بشدة البطش» والمراد البطش بالظالم، وأخذه بالقوة بعد ألا تجدى الموعظة، ويخرج من طور الجاحد، المجرد إلى طور المعتدى الأثيم، الذى يحاول أن يفتن الناس فى دينهم والفتنة أشد من القتل.
الرجل
١٦٧- إن سمات الرجال الخلقية والعقلية ينبيء عنها أو توميء إليها صفاتهم الجسمية، فأولئك الشواذ فى تكوينهم النفسى أو العقلى يبدو شذوذهم فى أجسامهم بضمور واضح مثلا فى عضلات الوجوه، أو اعوجاج فى بعض أجزاء جسومهم، واضطراب فى عيونهم، أو انحراف فى بعض الملامح، وإن ذلك يتضح كاملا، لأهل العلم بالأعصاب، والنفوس، والمتتبعين للمرضى من الشواذ.
وإن اعتدال الجسم، وتناسب أجزائه يدل فى الجملة على استقامة العقول والنفوس، وإن المزاج النفسى يصحبه غالبا مزاج جسمى كامل، متناسق فى تركيبه الظاهر والداخل. فالعناصر المؤثره كلها متناسقة منسجمة انسجاما لا شذوذ فيه، ويكون معه انسجام نفسى كامل، وعقل كامل وخلق كامل.
[ ١ / ٢٣٤ ]
ولقد وصف النبى صلى الله تعالى عليه وسلم النبيين فى حديث المعراج بما يدل على كمالهم الجسمى. وهو كمال فيه جمال. لا يكون ما يسوغ النفرة منهم أبدا. فقد روى سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وصف لأصحابه إبراهيم وموسى وعيسى. فقال: «أما إبراهيم فلم أر رجلا قط أشبه بصاحبكم. ولا صاحبكم أشبه به منه. وأما موسى فرجل ادم طويل ضرب جعد أقنى كأنه من رجال شنوءة «١» . وأما عيسى ابن مريم فرجل أحمر بين القصير والطويل سبط الشعر. كثير خيلان الوجه، كأنه خرج من ديماس. تخال رأسه يقطر ماء. وليس به ماء، أشبه رجالكم به عروة بن مسعود» .
وإن هذه الأوصاف لأولئك الأنبياء الثلاثة، وهم من أولى العزم من الرسل، تدل على كمال التناسق الجسمى فيهم مع اختلاف فى الأوصاف الجزئية. واتفاقهم فى أصل التنسيق، وقد روى الدارقطنى من حديث أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن النبى ﵊ قال: «ما بعث الله تعالى نبيا إلا حسن الوجه حسن الصوت. وكان نبيكم أحسنهم وجها وأحسنهم صوتا» (صلى الله تعالى عليه وسلم) .
لم يكن بدعا من الأنبياء أن يكون كل ما عليه محمد، صلى الله تعالى عليه وسلم من الخلق والتكوين مسترعيا للأنظار، هو جميل فى جسمه، كما هو جميل فى خلقه، وإنه عندما تحدى قريشا بالقران الكريم، وعاب الهتهم، وبين بطلان عبادتها، ورأوا أبا طالب عمه فكلموه. وهو يحميه دونهم.
أتوا بفتى نهد هو أجمل قريش فى زعمهم، ليكون ولدا لأبى طالب، ويسلم لهم محمد بن عبد الله ﵊ ليقتلوه، فرفض تلك المساومة على ابن أخيه، وقال فى تهكم لاذع «تعطونى ولدكم أغذوه لكم، وأعطيكم ولدى تقتلونه» وهذا الخبر يدل على أن محمد بن عبد الله ﷺ قد بلغ الكمال الجسمى، إذ سواه الله تعالى فأحسن خلقه.
ولا شك أن ذلك التناسق الجسمى له أثره فى الدعوة، والاستجابة لها إذ كان مصحوبا بإشراق روحي، وإنه مما يروى فى ذلك أنه بعد أن تجاوبت الدعوة المحمدية فى الأصداء، وعرفت فى أرجاء الجزيرة العربية، وشاع خبر المكاذبين وهم الكثرة، كالشأن فى كل دعوة جديدة تجيء على لسان رجل يأتيهم بجديد لم يألفوه، فى هذه الأثناء قابل أعرابى محمد بن عبد الله ﵊ فراعه منظره، وإشراق وجهه، وتلألؤ النور فى جبينه، فسأله: من أنت؟ فقال: محمد بن عبد الله- صلى الله عليه
_________________
(١) الضرب الخفيف اللحم، والجعد المنكسر الشعر، والأقنى المرتفع قصبة الأنف، وشنوءة من الأزد، والادم ذو الحمرة المشرب بسمرة.
[ ١ / ٢٣٥ ]
وسلم- فقال الرجل فى إيمان مدرك: أأنت الذى تقول عنه قريش إنه كذاب!! فقال الرسول الكريم:
نعم. فقال الرجل: ليس هذا بوجه كذاب، ما الذى تدعو إليه؟ فذكر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم حقيقة الإسلام، فأعلن الأعرابى إيمانه.
ولقد أكثر الواصفون لتكوين النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وجاء من طرق أنه كان فيه جمال يتلألأ وجهه إشراقا، ونختار من هذه الروايات وصفين جامعين: أحدهما وصف هند بن خديجة رضى الله تعالى عنه، وكان رجلا وصافا فيه دقة ملاحظة، وإدراك للصفات- وثانيهما- لأم معبد، ولنختر هذين الخبرين ففيهما الغناء.
١٦٨- حديث هند بن أبى هالة ربيب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم رواه الحسن بن على ﵄، فقد قال الحسن أول سيدى شباب أهل الجنة:
سألت خالى هند بن أبى هالة عن حلية رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وكان وصافا، وأنا أرجو أن يصف لى شيئا منه أتعلق به، فقال: «كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فخما مفخما يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر «١» أطول من الربوع «٢» وأقصر من الشذب «٣»، عظيم الهامة، رجل «٤» الشعر، إن انفرقت عقيقة «٥» فرق، وإلا لا يجاوز شعره شحمة أذنه، ذا وفرة. أزهر «٦» اللون، واسع الجبين، أزج الحواجب سوابغ فى غير قرن بينهما عرق يدره الغضب، أقنى «٧» العرنين، له نور يعلوه يحسبه من لم يتأمله أشم، كث اللحية، سهل الخدين، ضليع «٨» الفم أشنب، مفلج الأسنان، دقيق المسربة، كأن عنقه جيد دمية فى صفاء الفضة معتدل الخلق باديا متماسكا، سواء البطن والصدر، فسيح الصدر، بعيد ما بين المنكبين، ضخم الكراديس أبذر المتجرد، موصول ما بين اللبة والسرة بشعر يجرى كالخط، عارى الثديين والبطن مما سوى ذلك، أشعر الذراعين والمنكبين وأعالى الصدر، طويل الزندين، رحب الراحة شسن الكفين «٩» والقدمين، سائل الأطراف سبط العضب خمصان «١٠»
_________________
(١) وخيلان جمع خال، وهو شام الوجه الذى يعطيه حسنا، فى الماء السائل.
(٢) أى أنه ربعة من الرجال أقرب إلى الطويل منه إلى القصير.
(٣) الشذب البائن الطول.
(٤) الشعر الرجل المرسل كأنه مشط.
(٥) العقيقة شعر الرأس.
(٦) الأزهر النير.
(٧) الأقنى السائل الأنف.
(٨) الضليع الواسع والمشنب رواق الأسنان، والمسربة، خيط الشعر بين الصدر والسرة، وسواء معناه سوى.
(٩) شسن الكفين والقدمين، أى أنهما ذواتا لحم، فليسا معروقين. والزندان عظما الذراعين، سائل الأطراف، أى أن أطرافه ﵊ فخمة لا تعوج، بل إنها مستقيمة، ورحب الراحة أى واسع اليد.
(١٠) خمصان الأخمصين: الأخمص وسط القدم الذى ينزل إلى الأرض، ولا تمسه، وخمصانهما أنه طويل، أى أنهما متباعدان.
[ ١ / ٢٣٦ ]
الأخمصين، مسبح للقدمين، ينبو عنهما الماء. إذ زال تعلقا «١»، ويخطو تكفؤا، ويمشي هونا، ذريع المشية، إذا مشى كأنما ينحط من صبب، وإذا التفت التفت جميعا، خافض الطرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، جل نظره الملاحظة، يسوق أصحابه، ويبدأ من لقيه بالسلام» .
وإن هذا يدل على الجمال والكمال، جمال الرجولة، وكمال الإنسان، فكل ما فيه يسترعى الأنظار، ولا تنصرف عنه، ولذلك من لقيه ممن هو خالى الذهن، لا يتجه اليه بحقد أو حسد، أو ضغن يلتفت إليه، ويجد فيه مثلا كاملا للرجل، ومكانة عالية فى الخلق، والإشعار بالمودة، فهو لا يتقدم مباهيا، ولا يسبق معتزا، ولكن يسير وراءه متواضعا، متطامنا، ويلقى السلام على كل من يلقاه إشعارا له بالمودة والمحبة، حتى لا تسبق الجهامة، والمنافرة، فهو جميل التكوين والتنسيق فى جسمه مرضى اللقاء، بل محبوب اللقاء فى خلقه، وما قام بينه وبين أحد فى الجاهلية عداء، ولا كانت شحناء بينه وبين أحد منهم، ولا ملاحاة فى عصبية أو ما يشبهها من المشادات الجاهلية، بل كان الأليف المألوف، القريب إلى النفوس خصوصا النفوس المستقيمة التى لا التواء فيها ولا منافرة.
وذلك فوق ما خصه الله تعالى به من جاذبية شديدة تعلن الطيبة، وتكشف عن خبيئة نفسه الطاهرة المسالمة التى لا تنافر ولا تغاضب، ولا تصخب.
ولنقرأ وصفا، لامرأة مر عليها عابرا فى هجرته من مكة إلى المدينة، فقد قالت واصفة له. وقد سئلت عنه أم معبد:
لقد مر محمد بن عبد الله صلى الله تعالى عليه وسلم ومعه أبو بكر الصديق رضى الله تعالى عنه، ومولاه عامر بن فهيرة ودليلهم عبد الله بن أريقط الديلمي، فسألوها هل عندها لبن أو لحم يشترونه منها، فلم يجدوا عندها شيئا، وقالت: لو كان عندنا شيء ما أعوزكم القري، وكانوا ممحلين، فنظر ﵊ إلى شاة فى كسر خيمتها فقال ما هذه الشاة يا أم معبد، فقالت: نحلها «٢» الجهد، فقال ﵊ أنأذنين لى أن أحلبها، فقالت إن كان بها حلب فاحلبها، فدعا بالشاة فمسحها، وذكر اسم الله، فكان فى حلبه منها ما كفاهم أجمعين، ثم حلبها، وترك عندها إناءها ملان. فلما جاء بعلها استنكر اللبن، وقال: من أين لك هذا يا أم معبد، ولا حلوبة فى البيت والشاء عازب!!.
فقالت: لا، والله مر بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت وكيت، فقال صفيه، فو الله إنى لأراه صاحب قريش الذى تطلب!!.
_________________
(١) التقلع، رفع الرجل بقوة، والتكفؤ، التزام طريقة الشئ، والقصد فيه، والهون الرفق.
(٢) المحل الجدب، ونحل يعنى ضعف وهزل.
[ ١ / ٢٣٧ ]
فقالت: رأيت رجلا، ظاهر الوضاءة «١» حسن الخلق، مليح الوجه، لم تعبه ثلجة، ولم تزر به صلعة، قسيم وسيم، فى عينيه دعج، وفى أشفاره وطف، وفى صوته صحل، أحور أكحل، أزج أقرن فى عنقه سطح، وفى لحيته كثافة اذا صمت فعليه الوقار، واذا تكلم سما، وعلاه البهاء، حلو المنطق، فصل لا نزر ولا هذر، كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن، أبهى الناس وأجملهم من بعيد، وأحلاهم وأحسنهم من قريب، ربعة لا تشنؤه عين من طول، ولا تقتحمه عين من قصر، غصن بين غصنين «٢»، فهو أنضر الثلاثة منظرا، وأحسنهم قدا، له رفقاء يحفون به، وإن قال استمعوا لقوله، وإن أمر تبادروا إلى أمره محفود، محشود، لا عابس ولا مفند «٣» .
١٦٤- هذا وصف من رأوه، وهو يدل على ثلاثة أمور:
[أمور]
أولها: جمال تكوينه الجسمانى
، وكمال التنسيق بين أعضائه، حتى انه لو أراد مصور أن يضع صورة لرجل مكتمل الجسم، منسق الخلق، ما وجد خيرا من هذه الصورة التى يصورها من رأوها، وكان لها روعة عند كل من رأوها، يستوى فى ذلك من خالفه وعانده، ومن أطاعه وصدقه، فهى صفات لها أثرها عند الناظر إليه، وهى تزيدا لموافق تصديقا، وتثير الحقد والحسد، ومحبة الأذى عند من يعانده استكبارا، فإن المكابر يزداد إعناتا، كلما رأى عوامل التأييد لنقيض رأيه تزداد وضوحا وإعلاما، وخصوصا إذا كان صدقا ثابتا بالمعاينة، وليست خبرا يقبل الإنكار.
وإن قريشا كانت تعلم فيه ذلك التكوين، ولذلك لما أرادت أن تعوض أبا طالب عن ابن أخيه قدمت له أنهد فتى فى قريش، ولكن أنى يكون من محمد بن عبد الله صلى الله تعالى عليه وسلم نور الإنسانية ورسولها.
الأمر الثانى- أن قلبه الطاهر كان يشع على وجهه بالنور
، فهو إذ يمشى يحف به النور الذى أضفاه الله تعالى عليه بتطهير قلبه، وتنوير نفسه بالخير، فكان كما قالت أم معبد «وضاء الجبين متلألئا بالنور، من غير استكبار ولا استعلاء، بل كان بين الناس متطامن النفس، دان إليهم، وهو فيهم كأحدهم، لولا فضل الرسالة، وما جعله الله تعالى له من مكان ليصل القول الطيب إلى أمته» .
الأمر الثالث- شدة جاذبيته صلى الله تعالى عليه وسلم
مع الهيبة التى تفرض قولها على الناس، ومع كمال المحبة واستشراف النفس المحبة إليه، أو النفس الخالية من ضغن أو حقد، أو إعنات فى المخالفة، فإن النفس التى تكون على هذه الشاكلة توجد فيها مقاومة للتأثير النفسى الذى يتجه إلى البراءة، وإنها
_________________
(١) الوضاءة الجمال، وأبلج الوجه معناه مشرق، والثلجة كبر البطن، والصعلة صغر الرأس، والقسيم والوسيم من سلامة التكوين، والدعج شدة سواد حبة العين، والوطف طول رمش العينين، والصحل بحة يسيرة تجعل للصوت تأثيرا.
(٢) غصنان هما الاثنان اللذان يحيطان به أبو بكر، والدليل.
(٣) محفود أى مخدوم، ومحشود معناه أن من معه يحيطون به، ومعنى عير مفند لا يجابه غيره بالتخطئة والمخالفة.
[ ١ / ٢٣٨ ]
تكون مدنسة بالشر قد سكنها الشيطان وغلبت عليها وساوسه، فالقلب لا يصدق، ويكون ممن جحدوا بها، واستيقنتها أنفسهم، ولقد كان المشركون يعرفون قوة تأثيره الشخصية، فوق ما معه من حق وبينات تثبت صدق ما يأتي، ولذلك كانوا يسبقون إلى قبائل العرب ينفرونهم، لكيلا يؤثر فيهم بشخصه وقوله، وبينات الله تعالى التى أجراها على يديه، ونزل بها الوحى الإلهى.
ومع كبر ما صنعوا، لم ينفر الناس من الاستماع إليه، والانعطاف، لأن الحق بين، والحجة قائمة، والداعى تنجذب إليه النفوس، وتصغى إليه أفئدة طلاب الحق الذى لا يمتارون فيه إن وجه إليهم ودعوا إليه.
١٧٠- وكان كل شيء فى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يعلن قوته وجماله وكماله، فكان فى شكله الشاب وقد تجاوز الستين من عمره، لم يكن فيه شيب. بل كان أسود الشعر، حتى عد الذين خالطوه من صحب وخدم شعرات شيبه فذكروا أنه لم يشب فى لحيته ورأسه إلا عشرون شعرة، وعدها خادمه أنس ﵁ بأنها إحدى عشرة، حتى أنه كان يوصف بالشاب. وقد تجاوز الستين فى أصح الروايات عن سنه، وإذا كان تغيير فى بعض شعره ظن خضابا فإنه لم يكن خضابا، وإنما كان من كثرة ما يضمخ به شعره من مسك، فقد كان يحب الطيب، وقد روى عنه ﵊ أنه قال: «حبب إلى من دنياكم ثلاثة: النساء، والطيب، وجعلت قرة عينى فى الصلاة» .
ونرى أنه ﵊ جعل الصلاة من الدنيا، إذ وصفها مما حبب إليه من شئون الدنيا، لأن الصلاة مع جانبها الروحاني، ومع أن فيها ذكر الله تعالي، هى تصلح الدنيا، لأن الصلاة تربى الضمير، وترهف الوجدان، فتنهى عن الفحشاء والمنكر، وبذلك تصلح شئون الدنيا والاخرة معا.
وإنه صلى الله تعالى عليه وسلم كان حريصا على الطيب يتطيب به دائما، حتى أنه كان ينبعث عرف الطيب فى مجلسه، ولقائه، وفى مظاهر حسه، وكان إذا مس رأس طفل استمر العرف الطيب فى رأسه، وإنه ليعرف أن الرسول مر فلمس طفلا بالريح الطيب.
ولا شك أن العرف الطيب تستروح به النفس، ويقبل معها الجليس، وتنجذب إليها النفوس، وإن الرائحة الكريهة تنفر، وتبعد.
وكان ﵊ يعنى بالنظافة فى المظهر، كما عنى بتطهير المخبر، كان يعنى بنظافة الحس، كما عنى بنظافة النفس، ولنترك الكلمة للقاضى عياض يبين ذلك.. فقد قال:
وأما نظافة جسمه وطيب ريحه وعرفه، ونزاهته عن الأقذار، وعورات الجسد، فقد خصه الله تعالى بخصائص لم توجد فى غيره، ثم تممها بنظافة البشرة وخصال الفطرة وقال: «بنى الدين على النظافة..»
عن أنس خادم رسول الله «ما شممت عنبرا قط، ولا مسكا ولا شيئا أطيب من ريح رسول الله
[ ١ / ٢٣٩ ]
صلى الله تعالى عليه وسلم» . وعن جابر بن سمرة أنه صلى الله تعالى عليه وسلم مسح خده قال فوجدت ليده بردا وريحا، كأنما أخرجها من جونة عطار، قال غيره مسها بطيب. أولم يمسها.. يصافح المصافح فيظل يومه يجد ريحها، ويضع يده على رأس الصبى، فيعرف من بين الصبيان بريحها، ونام رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فى دار أنس، فعرق، فجاءت أمه بقارورة تجمع فيها عرقه، فسألها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عن ذلك، فقالت نجعله فى طيبنا، وهو من أطيب الطيب. وذكر البخارى فى تاريخه الكبير عن جابر: لم يكن النبى ﵊ يمر فى طريق، فيتبعه أحد، إلا عرف أنه سلكه من طيبه، وذكر إسحاق بن راهواه أن تلك كانت رائحته بلا طيب، صلى الله تعالى عليه وسلم، وروى المزنى عن جابر: «أردفنى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم خلفه، فالتقمت خاتم النبوة بفمى، فكان ينم على مسكا» «١» .
وهنا ننظر نظرة فيما رواه إسحاق بن راهواه، أو ذكره من غير رواية، وهو أن رائحته ﵊ التى كانت طيبة كانت من غير تطييب، وإن ذلك بلا ريب جائز وممكن، فليست أمرا مستحيلا فى العقل ولا فى الشرع، فقد اختصه الله تعالى بخواص ليست فى كل الناس، والله أعلم حيث يجعل رسالته.
ولكن ثبت بالرواية الصحيحة أنه ﵊ كان يتضمخ بالطيب، وليس ذلك مما يعيبه، بل هو من المستحسن، وثبت أنه ﵊ كان يقول أنه فيما حبب إليه من شئون الدنيا الطيب.
ومهما يكن فإن محمدا ﵊ كان حريصا على أن يكون ريحه طيبا، لكيلا يكون منه ما ينفر جليسه، بل يجذبه ويحببه.
خاتم النبوة:
١٧١- هذه الصفات الجسدية كلها صفات كمال وجمال، وقد يشاركه بعض الناس فى بعضها، ولكن لا يشاركونه فى كلها، فلديه صلى الله تعالى عليه وسلم صفة جسمية لا يشاركه فيها أحد، وهو جزء بارز بين كتفيه، وهو من نوع جسمه، وإن كان بارزا فيه، ويظهر من مجموع الروايات أنه كان صغيرا بحيث لا يظهر من وراء الثوب ناتئا نتوا واضحا، فقيل إنه كبيضة الحمام، وقيل إنه كالتفاحة، ولا بد أن يكون كالتفاحة الصغيرة، وقد قال سلمان الفارسي، أتيت النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فرأيت الخاتم بين كتفيه مثل بيضة الحمامة، وقد تكاثرت الروايات فى ذلك، حتى بلغ الخبر فى ذلك حد
_________________
(١) الشفاء ج ١ ص ٤٠.
[ ١ / ٢٤٠ ]
المشهور المستفيض، وكأنه وصف جسدى معلم للرسالة، لا يمارى فيه من راه، ولله تعالى ايات فى خلقه.
تقدمة صفات النبى ﷺ.
١٧٢- المنهاج الذى يسلكه الكتاب فى السيرة العطرة، سيرة الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم أن يكتبوا صفاته صلى الله تعالى عليه وسلم فى اخر سيرته الطاهرة، فلا يكتبوها قبل البعثة المباركة، ولكن يكتبونها بعد أن بلغ الرسالة، ومضى إلى لقائه الكريم.
ونحن قد اخترنا أن نكتب تلك الصفات قبل تكليفه أداء الرسالة، لأنا رأينا- ونرجو من الله التوفيق أن نكتبها قبل البعثة، ليعلم القارىء من الذى كلفه الله أداء الرسالة، ومن الذى اختاره ليكون بشيرا ونذيرا للناس كافة عربهم وعجمهم، وليعلم الناس أنه لم يكن فى مجموع صفاته وكمالاته كسائر الناس، وإن كان من الناس، وأنه ليس ككل واحد من البشر بجموع أخلاقه وتكوينه؛ وإن كان منهم، فهو من الناس، ولكنه فى أعلى كمال الناس، وإذا كان ليس من الملائكة، فهو أعلى من الملائكة، أليق بالرسالة، وأجدر بها من الخلق أجمعين.
وإنه بعد معرفة هذه الصفات وتعرفها، وانفراده بها من بين جيله، بل من بين الأجيال كلها، لا يستطيع أحد أن يقول: لماذا اختاره ربه دون عمرو بن هشام (أبى جهل) أو دون عمر بن الخطاب وهو من الأبرار، أو دون الصديق، وهو من الأطهار، أو دون علي، وهو من الأشداء الأبذال، لا يستطيع أحد أن يسأل: لم اختير دون هؤلاء أو غيرهم، لأن هذه الصفات الخلقية والجسمية لم تكن لأحد من هؤلاء، ولا من غيرهم، ولم يكن ذلك الإشراق المتلأليء الوضاء فى واحد منهم ولا من غيرهم، ولم يعرف لأحد من الناس الكمال فى الأخلاق إلا محمد بن عبد الله صلى الله تعالى عليه وسلم.
وإذا كانت تلك الصفات، وما اتاه الله تعالى من فضل، وما اختصه من رحمة هى التى جعلته مستأهلا لأن يحمل أمانة الرسالة دون غيره، فإنها تكون مقدمة للرسالة، ولا تكون نتيجة لها، والمقدمة بمقتضى المنطق والعقل تسبق النتيجة، وتمهد لها، والتمهيد لا يكون بعد المقصد، بل إنه يرشح له، وينيره، ويهدى إليه.
وقد يقول قائل: إنك فى سبيل بيان صفاته الكريمة قد أتيت بأخبار عنها من بعد بعثه، واستشهدت له بعد إرساله رحمة للعالمين، وبذلك تقع فيما خالفته، وهو أنك ذكرت الصفات بعد البعثة، وموضعها قبلها على ما ذكرت من منطق!!
[ ١ / ٢٤١ ]
ونقول فى الإجابة عن ذلك: «إننا استعنا بالأخبار التى وردت عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بعد الرسالة لأنها وضحت صفاته قبل الرسالة، ولأنها ذكرها من شاهد وعاين من بعد الرسالة، وهذه الصفات التى عاينها الذين آمنوا بمحمد صلوات الله وسلامه عليه، صفات ذاتية، لم تجيء بالرسالة، ولكنها كانت قائمة بذاته الطاهرة من قبلها، فما وصفه الجسدى حادثا بعد الرسالة، ولكنه كان من قبلها، واستمر بعدها، وما كان ما اتصف به من الأمانة والصدق، والعفة، والحلم، والعفو، بأخلاق عرضت له، ولكنها كانت ككل الملكات الذاتية لا تكون عارضة، ولكن تكون مستكنة تامة، وإن أخبار النبى ﵊ ما كانت لتقوم عليها البينات النيرة الواضحة قبل الرسالة، وهو لم يكن له أصحاب يتبعون سيرته، ويدونون خليقته، ويهتمون بما كان عليه، وما كان من الممكن أن يتكشف للناس أمر هذه السجايا إلا بعد أن يختلط بهم، ويتقدم للدعوة لربه، ويلتقى بالقبائل، ويقرب المرافقين ويدنيهم، ويوجههم ويهداهم، ويصبر للمخالفين، ولا يلاحيهم، ويجادلهم بالتى هى أحسن، ويوطيء أكنافه لهم، وهو ليس فظا ولا غليظ القلب، فالأخبار التى استشهدنا بها لإثبات صفاته، وما كان عليه من خلق ذاتي، ما كانت الرسالة منشئة لها، ولكنها كاشفة الغطاء عنها، معرفة لها، وهى ذاتية قد هيأته لأن يكون المبعوث رحمة للعالمين، يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ، وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ «١» .
البشارات بالنبى المنتظر
١٧٣- كان العالم يموج بفتن مادية، فالحرب كانت قائمة على قدم وساق بين الفرس والرومان، ومن قبل عصر نبوة عيسى انسابت الجيوش اليونانية بقيادة الإسكندر المقدونى وراء فارس، حتى وصلت إلى الصين، وقد كان العصر من بعد عيسى عصر الاضطهاد الديني، اضطهد النصارى ابتداء، ومكث اضطهادهم زهاء ثلاثة قرون لقوا فيها من الرومان واليهود أشد ما يلاقى ذو اعتقاد فى اعتقاده، وذو إيمان فى إيمانه، حتى أن نيرون أحد أباطرة الرومان كان يطليهم بالقار، ويشعل النار فيهم، ويسير فى موكبه تحيط به تلك المشاعل الإنسانية لهؤلاء المؤمنين الصادقين فى إيمانهم الذين لم يغيروا ولم يبدلوا، وقبلوا العذاب الهون، وتوقعوه، ورفضوا أن يغيروا فى سبيل دنيا يصيبونها، أو دفع عذاب ليتقوه.
وكانت مصر من أول البلاد التى دخلت فى النصرانية الأولي، ولم يغيروا ولم يبدلوا، ولذلك كانوا أشد البلاد تعرضا لأذى الرومان الذين كان سلطانهم مفروضا عليها وعلى الشام، وجاء إليهم العذاب الشديد فى عهد دقلديانوس، وذبحت فيهم مذابح سجلها التاريخ، وأرخ بها التاريخ القبطى مسجلا تلك المذابح، يذكر الرومان بما يعود عليهم بالخزى والعار، ويذكر المصريين الأولين بالافتخار، ويذكر المتأخرين من الأقباط بالاعتبار.
_________________
(١) سورة ال عمران: ٧٤.
[ ١ / ٢٤٢ ]
ولما دخل قسطنطين إمبراطور روما فى النصرانية فى الثلث الأول من القرن الرابع، كان ذلك سبيلا لسيطرة الانحراف فيها، وانتقل الاضطهاد من النصارى إلى اليهود فأذيقوا من العذاب كئوسا وشربوا منه، ثم جاء من بعد ذلك لون اخر من الاضطهاد، ذلك أن كنيسة روما خالفت كنيسة مصر فى بعض جزئيات عقائد النصرانية بعد أن انحرفت من الواحدانية إلى التثليث وانقلب الاضطهاد إلى داخل النصارى أنفسهم، فكان منهم الملكانيون الذين تتمثل فيهم عقيدة روما، واليعقوبيون الذين تتمثل فيهم عقيدة المصريين.
وكان ذلك الاضطراب فى العقيدة النصرانية التى حرفت، ثم انتهاؤه إلى أمر غير معقول فى ذاته، من قيل أن المسيح ابن الله، وأنه نزل إلى السموات العلا حيث الله أبوه، وتجسد إلى الأرض لتغفر خطيئة ادم لعصيانه ربه وأكله من الشجرة، فكان غريبا أن يكون تكفيرا للمعصية الأولى بالأكل بمعصية أشد وأوغل، هى قتلهم ولد الله فى زعمهم، والعقل لا يعلم ولا يدرك أن معصية أشد فى حق الله تكون تكفيرا لمعصية أقل، بل لخطأ جاء تضليلا من عدو أثيم.
ومن غرائب تلك العقيدة أنها تحاول الجمع بين الواحدانية والتثليت فيصعب التصوير، ولكن مع ذلك يصدقون على ريب من مفكريهم، وتسليم من عوامهم.
١٧٤- والعرب كانوا فى حيرة أشد، وإن كانت حياتهم لا تمكنهم من التأملات فى العقائد، ولعلهم لو تأملوا، ولم يغلب الاتباع، وقولهم إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ، وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ «١» لكانوا قادرين على الوصول إلى الصواب، أو على الأقل منهم من يصل، كما فعل الحنفاء، وأنهم كانوا قبل البعثة عددا محدودا.
لقد كانت حياتهم مضطربة بين توحيد جزئي، ووثنية جانبية، لقد كانوا يتبعون إبراهيم ويعتقدون أن الله واحده هو خالق الكون ومنشئه ومدبره، فاعترفوا بذلك بواحدانية الخلق والتكوين، ولكن مع ذلك أشركوا معه فى العبادة أحجارا لا تنفع ولا تضر، يزعمون أن العبادة لها تجعل منها شفعاء يشفعون.
ثم كانت البشائر بأن نبيا سيبعث كان يتردد فى البلاد العربية، كان يجرى على ألسنة بعض العرب، كما يروى عن قس بن ساعدة الإيادى أنه ذكر فى إحدى خطبه أن نبيا قد أدركهم زمانه، وان اوانه.
وأن البلاد العربية، وخصوصا الحجاز كانت يتجاوب فيها ذكر احتمال رسول مبعوث، تذاكره كثيرون ممن كانت لهم دراسات للديانات، مثل ما جاء على لسان قس بن ساعدة الانف الذكر، ولعله يوميء إلى أن له صلة بالنصرانية وخصوصا أنه ثبت فى القران، أن التبشير بالنبى محمد الأمى ﵊ مذكور فى التوراة والإنجيل، كما قال الله تعالى: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ «٢» .
_________________
(١) سورة الزخرف: ٢٣.
(٢) سورة الأعراف: ١٥٧.
[ ١ / ٢٤٣ ]
وقال تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ، رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانًا، سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ، ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ، وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ «١» .
وقال تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ، قالَ: أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي، قالُوا أَقْرَرْنا، قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ «٢» .
وقال تعالى فى بشارة عيسى ﵇ بمحمد النبى الأمين ﷺ: وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ، مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ، وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ «٣» .
وهكذا نجد النصوص القرانية الكثيرة التى جاء فيها أن محمدا ﵊ ذكر فى التوراة والإنجيل، وقد أشرنا إلى ذكره فى كل الديانات القديمة قبل تحريفها، حتى البراهمة والزرادشتية قبل التغيير والتبديل فيها.
ويهمنا أن نعرف ذكر التوراة لمحمد ﵊.
١٧٥- وقد وجدنا النصوص فى التوراة حتى بعد تحريفها، وبعد أن نسوا حظا مما ذكروا به توميء أو تشير بإشارة واضحة تكاد تكون عبارة لا إشارة- مبشرة بنبى الله تعالى محمد بن عبد الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وإليك ذلك النص الذى يكاد يكون صريحا، ولكنه نص فى دلالته، سواء أكان بالإشارة أم بالعبارة:
«جاء الله من سينا، وأشرق من ساعير، واستعلن من فاران (أى مكة المكرمة) . وقد فسر ابن ظفر من كتاب المسلمين فى السيرة الطاهرة، معنى النص فقال: مجيئه من سينا تكليمه لموسي، وإشراقه من ساعير- وهى جبال فلسطين إنزاله الإنجيل على عيسي، وبالقرب من هذه الجبال قرية الناصرة، حيث ولد عيسى ﵊، واستعلن من جبال فاران وهى جبال مكة، إنزال القران «٤»» .
_________________
(١) سورة الفتح: ٢٩.
(٢) سورة ال عمران: ٨١.
(٣) سورة الصف: ٦.
(٤) خبر البشر، لابن ظفر ص ٩.
[ ١ / ٢٤٤ ]
ونرى من هذا أن الرموز كانت للأماكن، وبتبيين الرسل الذين بعثوا فيها، ومجيء الرب بالبداهة هو مجيء رسالاته، فإن الله تعالى لا ينزل بذاته انما تنزل هدايته، ويجيء أمره ونهيه على ألسنة رسله، وقد ذكرت أماكن ثلاثة هى سينا، وقد جاء من طريقها كليم الله تعالى موسى ﵊ ومجيء رسالة الله تعالى إلى فلسطين حيث ولد سيدنا عيسى ﵇ بالناصرة، من فلسطين انبعث نور رسالته ﵇، ومجيء رسالة الله من فاران حيث مكة المكرمة زاد الله تعالى نبيها تشريفا وتعظيما.
كانت هى ما نزل على محمد بن عبد الله صلى الله تعالى عليه وسلم.
ويقول صاحب كتاب خير البشر فى بيان تبشير التوراة بالنبى محمد ﵊:
قرأت فى ترجمة للتوراة لموسى ﵇، جاء فيها، والله ربك مقيم نبيا من إخوتك، فاستمع له كالذى سمعت ربك فى حوريب يوم الاجتماع حين قلت: «لا أعود أسمع صوت ربى لئلا أموت، فقال الله تعالى لى. نعم ما قالوا. وسألتم لهم نبيا من إخوتهم، وأجعل كلامى فى فمه، فيقول لكم كل شيء امره به وأيما رجل لم يطع من تكلم باسمى فإنى أنتقم منه» .
ونلاحظ هنا أنه ذكر أن الرسول سيكون من إخوة بنى إسرائيل، لا منهم، ولا تكون هذه الأخوة إلا من بنى إسماعيل، أخى إسحاق الأكبر، فإن هؤلاء هم الذين يقال لهم إخوة، وعيسى ومن قبله داود، وسليمان وغيرهما، لا يقال لهم إخوة بنى إسرائيل إنما يقال عنهم أبناء إسرائيل، لأنهم من يعقوب ابن إسحاق، ويقول صاحب كتاب (خير البشر) «قوله أجعل كلامى فى فمه، واضح فى أن المقصود به محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، لأن معناه أن الله تعالى يوحى إليه بكلامه (أى الله) فينطق به، أى يوحى إليه بالقران فينطق به» «١» .
١٧٦- وإذا كانت هذه الإشارات الواضحة في التوراة، فإن في الإنجيل مثلها، بل ما هو أكثر وضوحا منها، فقد ورد التبشير، بالبارقليط في الإنجيل، وإن الترجمة الحرفية لهذه الكلمة العبرية هي أحمد، فهو مطابقة من حيث المعني التبشيرى بأحمد، وقد جاء القران الكريم بالذي بشر به عيسي ﵇ اسمه أحمد، إذ قال سبحانه: «ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد» وقد جاء في الأناجيل علي لسان عيسي ﵇: «إن أجبتموني فاحافظوا وصيتي، وأنا أطلب إلى أبي فيعطيكم بارقليط اخر يكون معكم الدهر كله» .
_________________
(١) راجع السيرة العطرة- للأستاذ عبد العزيز خير الدين، وخير البشر لابن ظفر ص ١١.
[ ١ / ٢٤٥ ]
فهذا النص يبين أن الله تعالى سيبعث من بعده رسولا هو أحمد، يقوم بتبليغ رسالة ربه، كما يقوم عيسى ﵇، وأن شريعته باقية مع الدهر، أى أنها خالدة لا شريعة بعدها، وأن صاحبها هو خاتم النبيين.
والتعبير بالأب من تحريف النصارى لمعنى الله بعد أن غيروا وبدلوا فهو مأخوذ من الإنجيل بعد أن حرفت الديانة عن موضعها، ومع ذلك فإن كثيرين كانوا يفسرون البنوة بأنها بنوة النعمة والمحبة، كما يقول اليهود نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ «١» .
وقد جاء فى الأناجيل بعد تحريف الديانة النصرانية «إن هذا القول الذى سمعتموه ليس هو لى بل للاب الذى أرسلنى لكم بهذا، وأنا معكم، فأما البارقليط روح القدس الذى يرسل أبى باسمى، فهو يعلمكم كل شيء، ويذكركم جميع ما أقول لكم» .
ولعل الغرابة فى أن تسمى رسالة محمد بن عبد الله ﵊ أنها باسم المسيح، وأنها محرفة بلا ريب، ومهما يكن فليس المراد بالاسمية أن تكون دعوة محمد ﷺ صورة كاملة لدعوة المسيح، إنما المراد الموافقة فيما يكون دعوة للمسيح بالواحدانية، وأن دعوة محمد ﵊، هى ما كان يدعو إليه، وما يتفق مع قوله، كما قال الله تعالى: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ، ما وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ، وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ، وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ. كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ «٢» وروى أن عيسى ﵇ قال فى «البارقليط الذى أرسل إليكم من عند أبى روح الحق الذى يخرج من الأب فهو يشهد لى، وأنتم تشهدون لى أيضا لكينونتكم معى من أول أمرى» وهذا صريح فى أن محمدا ﵊ يشهد الكتاب الذى أنزل عليه وهو القران بأنه مصدق لما بين يديه من التوراة والإنجيل، وقد سمى القران بحق روح الحق، وقد سمى كذلك كما قال الله تعالى: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنا «٣» .
وجاء فى الأناجيل أيضا: «البارقليط لا يجيئكم ما لم أذهب، فإذا جاء وبخ العالم على الخطيئة، ولا يقول من تلقاء نفسه، ولكنه يسمع ما يكلمهم به، ويسوسهم بالحق، ويخبرهم بالحوادث والغيوب «٤»» .
_________________
(١) سورة المائدة: ٨١.
(٢) سورة الشورى: ١٣.
(٣) راجع السيرة العطرة ونهاية الأرب ج ١٦ ص ١١٠، وخير البشر. ر الاية من سورة الشوري: ٥٢.
(٤) نهاية الأرب، والسيرة العطرة.
[ ١ / ٢٤٦ ]
وأن فى هذا النص وصفا للنبى ﵊ بعينه من بين الرسل، وذلك الوصف هو قوله: «ويسوسهم بالحق» ولا شك أن رسالة محمد ﵊، لم تقتصر على بيان الحقائق الإلهية التى بعث بها ﵊، بل ساس الناس لتطبيقها، فأنشأ دولة، وطبق النظم القرانية تطبيقا دقيقا سليما، وإن هذه صفة كاملة لرسالة محمد ﵊، وعمله.
وإن كلمة البارقليط التى جاءت فى هذه النصوص قال علماء العبرية أن ترجمتها الحرفية كما أسلفنا أحمد، وهى فى معناها الذى يعرف السر، والحكمة، وهو قد بلغ أقصى الحمد لهذا.
١٧٧- ولقد نقل بعض الكتاب الفضلاء «١» عبارات من كتب العهد القديم، عن الزبور الذى جاء به داود ﵇، وأشعياء، وشمعون، وحزقيل.
(أ) ومما جاء فى مزامير داود «اللهم اجعل جاعل السنة يحيا» .
وجاء فيه، «إنه اذا جاءت الرحمة على شفتيك من أجل ذلك أبارك عليك إلى الأبد، فتقلد السيف، فإن بهاءك وحمدك الغالب، واركب كلمة الحق، فإن شرائعك مقرونة بهيبة يمينك، والأمم يخرون تحتك» .
ولا شك أن دلالة هذه النصوص على التبشير بمحمد ﵊ وليست هذه الإشارة بينة، كبيانها فى النقول السابقة عن توراة موسى، وإنجيل عيسى ﵉، ولكنها قد تدل بالاقتضاء، لا بالإشارة المجردة، لأن الذى أحيا السنة وهى عبادة الله تعالى واحده، إذ هى الطريقة القويمة هو محمد ﵊، بعد أن حرفت النصرانية، إلى انحراف التثليث.
وفى النص كانت الدلالة بالتضمين أيضا، إذ وصف فيه من يباركه الله تعالى بأن شريعته تقرن بهيبة يمينه، وإن شريعة محمد ﵊ تأمر بدفع الباطل بما تحمله اليمين وهو السيف، ولم تكن شريعة عيسى ﵇ كذلك، إنما كان يغلب التسامح، ولم يحمل سيفا، ولم يدع الحواريين إلى حمل السيف، بل الذى حمل السيف الذى يشير إليه نبى الله داود، ووضع الباطل تحت الأقدام، وخر الجبابرة تحت الشريعة الإسلامية في عهده، وعهد الحواريين من أصحابه هو محمد ﵊.
ولقد جاء فى الزبور عبارة لعلها أصرح من هذه العبارة فى سلطان شريعة محمد ﵊، وهذا نصها «فإذا جاز من البحر إلى البحر، ومن عند الأنهار إلى منقطع البر، وخر أهل الجزائر على وجوههم كبهم ولحس أعداؤه التراب، وجاءته الملوك بالقرابين، ودانت له الأمم بالطاعة، لأنه يخلص
_________________
(١) هو ابن ظفر فى كتابه خير البشر- ص ١٤ و٩٦.
[ ١ / ٢٤٧ ]
الضعيف المغلوب البائس، ويقوى الضعيف الذى لا ناصر له، ويرحم المساكين، ويصلى، ويبارك عليه فى كل وقت، ويدوم ذكره إلى الأبد» .
وقد كان ذلك الكلام عن رجل يجيء فى المستقبل ولا شك أن هذه الأعمال لم يعملها بعد داود وسليمان إلا محمد سيد البشر ﵊، فهو ذكر هنا ﵊ بالوصف، لا بالاسم كما جاء فى الإنجيل.
١٧٨- وجاء فى كتاب أشعياء ﵇ قوله: «عبدى الذى سرت به نفسى أنزل عليه وحيى، فيظهر فى الأمم عدلى، ويوصيهم بالوصايا، لا يضحك، ولا يسمع صوته فى الأسواق، يفتح العيون العور، والاذان الصم، ويحيى القلوب الغلف، وما أعطيه لا أعطى أحدا مشقح «١» بحمد الله حمدا جديدا، يأتى من أقصى الأرض تفرح البرية وسكانها، يهللون الله على كل شرف، ويكررونه على كل رابية، لا يضعف ولا يغلب، ولا يميل إلى الهوى، ولا يذل الصالحين الذين هم كالقصبة الضعيفة، بل يقوى الصديقين، وهو نور الله الذى لا يطفأ، على كتفيه علامة النبوة» .
ويلاحظ على هذه البشارة أن الوصف فيها يكاد يكون عينيا، لا فى شريعته فقط بل فى أخلاقه وسيرته ﵊، فهو يذكر أعمال النبى ﵊، وسجاياه، كأنه راها، ثم يصف جسمه فيذكر علامة النبوة بين كتفيه، وهو خاتم النبوة الذى ذكرناه انفا.
ثم هو يذكر الاسم النبوى بما يقرب من البارقليط، فهو يقول مشقح، ومعناها محمد ﷺ، كما أن معنى البارقليط أحمد وكلاهما من أسمائه ﵊.
وجاء فى كتاب شمعون «جاء الله تعالى بالبينات من جبال فاران، وامتلأت السموات والأرض من تسبيحه وتسبيح أمته»
وهنا تعيين له بالمكان، فجبال فاران هى جبال مكة، ولم يكن بعد إبراهيم فى مكة المكرمة وبين جبالها سوى محمد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو تعريف ليس بالاسم ولا بالوصف، ولكن بتعريف المكان.
ما كان يروج بين العرب من اخبار نبي يرسل
١٧٩- راجت فى البلاد العربية، وخصوصا حول مكة المكرمة والمدينة المنورة أقوال تذكر أن نبيا يبعث فى هذا الزمان، وروج ذلك النصارى الذين كانوا منبثين فى الجزيرة العربية، ويقيم كثيرون منها فى أطرافها، وكانوا يتناقلونها من الشام فى رحلتهم إليها تجارا، إذ يرون الرهبان منبثين فى الأديرة، ويلتقون بهم الفينة بعد الفينة.
_________________
(١) المشقح فى لغة العبرانيين: الحمد.
[ ١ / ٢٤٨ ]
واليهود فى المدينة كانوا يذكرون ذلك متحدين به الوثنيين الذين يجاورونهم، وكانوا يستفتحون به المشركين، زاعمين أنه سينصره عليهم، ويؤيد دينهم الذى يذكرون ذلك اخذيه من إشارات كتبهم. التى كانت مفسرة عندهم، حتى صارت علما توارثوه عن أسلافهم، وهو فى مطوى التركة التى أخذوها عنهم، مع أن اليهود عرفوا بأنهم يكتمون ما أنزل الله تعالى عليهم ليكون العلم حكرا عليهم، ويمكنهم من أن يكذبوا على الناس مدعين أنهم أبناء الله تعالى وأحباؤه، مع هذا يتناثر من أقوالهم ما يدل على أن نبيا من أبناء عمهم إسماعيل ﵇ سيبعث.
وإذا كانت الأثرة هى التى حملتهم على كتمان ما أنزل الله تعالى عن غيرهم، فالأثرة أيضا هى التى حملتهم على التحدث بخبر النبى المنتظر المكتوب عندهم فى التوراة، لأنهم كانوا فى حرب مع الأوس والخزرج الذين يجاورونهم، فكانوا يذكرون أمر النبى لهم لا ليعلنوا الحقائق، ولكن ليتغلبوا عليهم بما يسمى فى عصرنا الحرب النفسية التى تقارن الحرب المادية، لينالوا الفوز والغلب، وليتم لهم التعالى عليهم، وإعلان الاستهانة بهم ولإنذارهم بأن المستقبل معهم، وفى ذلك إلقاء بالرعب.
وقد حكى القران الكريم عنهم ذكرهم لمن كانوا يجاورونهم أمر النبى المنتظر، فقال الله تعالى:
وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا، فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ، فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ. بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ، فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ، وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ «١» .
ولقد كانت نجران مملوءة بالنصارى ويظهر أنهم لم يكونوا كنصارى أوربا فى الماضى أو الحاضر، بل كانت فيهم بقية من نصرانية المسيح، ولقد كانوا بعد البعث المحمدى أقرب إلى المسلمين من اليهود والمشركين، فقد قال تعالى فيهم: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى، ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ. وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ، يَقُولُونَ: رَبَّنا آمَنَّا، فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ. وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ، وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ «٢» .
كان ينبعث من بين هؤلاء صوت قوى يخبر بأن نبيا قد ان أوانه، والناس يعيشون فى زمانه، ويظهر أنهم كانوا من بقايا المواحدين الذين لم يثلثوا، فإنه على تعاقب الأزمان كان ثمة مواحدون، وإن كانوا
_________________
(١) سورة البقرة: ٨٩، ٩٠.
(٢) سورة المائدة: ٨٢- ٨٤.
[ ١ / ٢٤٩ ]
يتناقصون قرنا بعد قرن، إن عبارات القران الكريم تنبيء عن ذلك فى قصة النصارى الذين حكم سبحانه بأنهم أقرب الناس مودة للذين آمنوا بجوار العداوة المستحكمة التى أعلنها المشركون، واليهود الذين كانوا أعداء للناس جميعا.
وإنه ليروى التاريخ فى أخباره المتضافرة، والسيرة الطيبة الطاهرة، أنه لما كان اضطهاد المشركين للمؤمنين عقب مجاهرة النبى ﵊ بدعوة الحق كانت الهجرة إلى الحبشة. وقد لقى المسلمون ترحابا وإكراما من ملكها.
ولقد ثبت أن النجاشى ملك الحبشة كان مواحدا، وأنه يرى فى عيسى ابن مريم وأمه، ما نص عليه القران الكريم، وأنهما لم يكونا إلهين من دون الله.
١٨٠- ولقد سرت فكرة التنبؤ برسول قريب زمانه إلى قريش وما حول مكة المكرمة، ولقد وجد أربعة من قريش أنكروا تأثير الأوثان بالنفع والضرر، واستنكروا عبادتها وثبت أن هؤلاء الأربعة، منهم ورقة بن نوفل وعبد الله بن جحش، وعثمان بن الحويرث، وزيد بن عمرو بن نفيل.
وقد خلصوا نجيا من عبادة الأوثان، وقد قال بعضهم لبعض: «تعلموا والله، ما قومكم على شيء. لقد أخطأوا دين إبراهيم، ما حجر نطيف به، لا يسمع ولا يبصر، ولا يضر ولا ينفع، يا قوم التمسوا لأنفسكم دينا، فإنكم والله ما أنتم على شيء» .
وقد دخل المسيحية اثنان منهم هما ورقة بن نوفل، وعثمان بن الحويرث، وقد قصد إلى قيصر فتنصر، وكانت له منزلة حسنة عنده.
وأما عبد الله بن جحش، فقد بقى محيرا ملتبسا عليه، حتى جاء الإسلام.
وزيد بن عمرو بن نفيل برم بمكة المكرمة وأهلها، وأخذ يتنقل فى بلاد العرب متعرفا دين إبراهيم، وأخيرا أخذ ينتظر النبى كما أخبره بعض النصارى، وفى سيرة ابن هشام ما نصه:
«خرج (أى زيد بن عمرو) يطلب دين إبراهيم ﵇، ويسأل الرهبان والأحبار حتى بلغ الموصل والجزيرة كلها، ثم أقبل فجال الشام كله حتى انتهى إلى راهب بميفعة من أرض البلقاء «١» كان ينتهى إليه علم أهل النصرانية فيما يزعمون، فسأل عن الحنيفية، دين إبراهيم، فقال إنك لتطلب دينا ما أنت بواجد من يحملك عليه اليوم، ولكن قد أظل زمان نبى يخرج من بلادك التى خرجت منها يبعث بدين إبراهيم الحنيفية، فالحق بها، فإنه مبعوث الان، هذا زمانه، وقد كان شام اليهودية والنصرانية، فلم يرض شيئا منهما، فخرج سريعا حين قال له الراهب ما قال يريد مكة المكرمة، حتى إذا توسط بلاد لخم عدوا عليه فقتلوه.
_________________
(١) الميفعة: المرتفع من الأرض، والبلقاء كورة بجوار دمشق.
[ ١ / ٢٥٠ ]
وقد رثاه رفيقه ورقة بن نوفل «١» بقصيدة جاء فيها:
رشدت وأنعمت ابن عمرو وإنما تجنبت تنورا من النار حاميا
بدينك ربا ليس رب كمثله وتركك أوثان الطواغى كما هيا
وإدراكك الدين الحنيف، طلبته ولم تك عن توحيد ربك ساهيا
فأصبحت فى دار كريم مقامها تعلل فيها بالكرامة لاهيا
هذا بعض رثاء ورقة بن نوفل فى القصيدة المنسوبة إليه فى أصح الروايات، وهى تدل على أن ورقة وصاحبه كانا مع إنكار هما للوثنية يؤمنان بالبعث ويوم القيامة.
١٨١- وإن ورقة بعد أن دخل فى النصرانية، وعلم علمها، وأسرار كتبها، ودرس الأديان، ووازن بين حقائقها كان يعرف أن الزمان الذى كان يعيش فيه هو زمن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، بل إنه حكم بأن محمدا ﷺ هو النبى المنتظر، واستبطأ ظهوره.
وقد روى فى ذلك ابن إسحاق أن خديجة بنت خويلد ذكرت لورقة بن نوفل الذى كان نصرانيا وكان قد تتبع الكتب، وعلم من علم الناس ما ذكر لها غلامها ميسرة من قول الراهب نسطورا الذى ذكر أن أوصاف النبى ﵊ تبين أنه تبين أنه النبى المنتظر، فقال لها ورقة: لئن كان هذا حقا يا خديجة إن محمدا ﷺ لنبى هذه الأمة، وقد عرفت أنه كان لهذه الأمة نبى ينتظر هذا زمانه، فجعل ورقة يستبطىء الأمر، ويقول: حتى متى؟
وقد قال فى ذلك قصيدة جاء فيها:
لججت وكنت فى الذكرى لجوجا لهم طالما ما بعث النشيجا
ووصف من خديجة بعد وصف فقد طال انتظارى يا خديجا
سطن المكتين على رجائى حديثك أن أرى منه خروجا
ويظهر فى البلاد ضياء نور يقوم به البرية أن تموجا
فيلقى من يحاربه خسارا ويلقى من يسالمه فلوجا
فيا ليتنى اذ ما كان ذاكم شهدت وكنت أولهم ولوجا
«٢»
هذا كلام ورقة عندما خبرته ابنة عمه خديجة عن حال محمد بن عبد الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وكان ذلك عقب إخبار ميسرة غلامها عندما صاحبه فى رحلته إلى الشام فى التجارة فى
_________________
(١) سيرة ابن هشام ج ١ ص ٢٣٢.
(٢) البداية والنهاية ح ٢ ص، ٢٩٧.
[ ١ / ٢٥١ ]
مال خديجة. وكان ذلك قبل أن يتم الزواج بينهما، بل كان والزواج يساور فكرتها ولم يمتد إلى تفكيره هو إلا من بعد ذلك.
علم النبوة عند سلمان الفارسى قبل أن يلقاه:
١٨٢- وإن ما تضافرت الصحاح عليه فى قصة إسلام سلمان الفارسى، وكيف علم بأمر بعث النبى ﵊ قبل أن يلقاه، وكان إذ لقيه لا غاية له إلا أن يعرفه بالأوصاف التى ذكرت له قبل أن يلقاه، بل قبل أن يبعث صلى الله تعالى عليه وسلم، وخلاصة القصة كما جاءت فى الصحاح أن سلمان رضى الله ﵎ عنه كان فارسيا من أهالى أصبهان، كان أبوه دهقان القرية «١»، وكان أثيرا عند أبيه حريصا عليه، وقد درس المجوسية حتى كان خادم نارها الذى يوقدها، ولا يتركها، وكان أبوه ذا ضيعة عظيمة ويقول ﵁: «فخرجت أريد ضيعته التى بعثنى إليها، فمررت بكنيسة من كنائس النصارى، فسمعت أصواتهم فيها وهم يصلون، وكنت لا أدرى ما أمر الناس، فلما سمعت أصواتهم دخلت عليهم أنظر ماذا يصنعون، فلما رأيتهم أعجبتنى صلاتهم، ورغبت فى أمرهم، وقلت:
هذا والله خير من الدين الذى نحن فيه، فو الله ما برحتهم حتى غربت الشمس، وتركت ضيعة أبى، فلم أذهب إليها ثم قلت لهم: أين أصل هذا الدين؟ قالوا: بالشام، فرجعت إلى أبى وقد بعث فى طلبى، وشغلته عن عمله كله، فلما جئته قال: أى بنى أين كنت؟ فقلت له: يا أبت مررت بأناس يصلون فى كنيسة لهم، فأعجبنى ما رأيت من دينهم فو الله مازلت عندهم حتى غربت الشمس. قال:
يا بنى، ليس فى ذلك الدين خير، ودينك ودين ابائك خير منه، قلت له: كلا والله إنه لخير من ديننا. قال فخافنى فوضع فى رجلى قيدا، ثم حبسنى فى بيته» ويظهر أن سلمان استطاع أن يخلص نجيا من قيده، فقد قال: «بعثت إلى النصارى، فقلت لهم إذ اقدم عليكم ركب من الشام، تجار من النصارى، فأخبرونى بهم إذا قضوا حوائجهم، وأرادوا الرجعة إلى بلادهم فاذنونى بهم، فلما أرادوا الرجعة ألقيت الحديد من رجلى، ثم خرجت معهم، حتى قدمت الشام، فلما قدمتها قلت: من أفضل أهل الدين علما؟ قالوا الأسقف فى الكنيسة. فجئت إليه فقلت له إنى قد رغبت فى هذا الدين فأحببت أن أكون معك، أخدمك فى كنيستك وأتعلم منك وأصلى معك، فدخلت. ويذكر سلمان أنه كان رجل سوء يأمر بالصدقة ويرغب فيها، ثم يكتنز ما يجمعه لنفسه ولا يعطيه المساكين، حتى جمع سبع قلال من الذهب، وأنه يبغضه بغضا شديدا لصنعه، ولما مات واجتمع النصارى ليدفنوه ذكر لهم سلمان ما صنع، ودلهم على مكان كنزه، فصلبوه، ورموه بالحجارة.
_________________
(١) الدهقان هو شيخ القرية العارف بأمور وأمور زراعها.
[ ١ / ٢٥٢ ]
انتقل من بعد ذلك سلمان إلى خدمة أسقف صالح، كان يدأب على العبادة ليلا ونهارا، فأقام معه زمنا طويلا، ولما حضرته الوفاة استوصاه سلمان وقال له: «إلى من توصى بى، وبم تأمرنى؟ قال: بنى والله ما أعلم أحدا على ما كنت عليه فقد هلك الناس وبدلوا، وتركوا أكثر ما كانوا عليه إلا رجلا بالموصل فالحق به» .
لحق سلمان بصاحبه بالموصل، فوجده على خير عظيم، ولما حضرته الوفاة قال له: «إلى من توصى بى وبم تأمرنى: قال: يا بنى والله ما أعلم رجلا على ما كنا عليه إلا رجلا بنصيبين «١»» .
ولما ذهب إلى رجل نصيبين وحضرته الوفاة دله على رجل بعمورية سافر إليه، ووجده خير رجل وأقام عنده خير إقامة، واتجه إلى الاكتساب فاكتسب بقرات وغنما، ولما حضرته الوفاة قال له بمن توصى بى وبم تأمرنى. «قال أى بنى، والله ما أعلم أحدا أصلح على مثل ما كنا عليه من الناس امرك أن تأمنه ولكنه أظل زمان نبى، وهو مبعوث بدين إبراهيم ﵇، يخرج بأرض العرب، مهاجره إلى أرض بين حرتين «٢» بينهما نخل به علامات لا تخفى، يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة، وبين كتفيه خاتم النبوة، فإن استطعت أن تلحق به بتلك البلاد فافعل» .
وقد شد سلمان رحيله إلى وادى القرى، ثم إلى المدينة، إذ مر به نفر من تجار كلب، فقال لهم احملونى إلى أرض العرب، وأعطيكم بقراتى وغنيمتى هذه، فرضوا بهذه الصفقة، ولكنهم مكروا به وغدروا فما أن بلغوا به وادى القرى حتى ظلموه، وباعوه على أنه عبد إلى رجل يهودى، ولكنه أسلم نفسه لربه الذى طوف فى الافاق يبتغى الدين الحق الذى يريد أن يعبد الله تعالى على مقتضى شريعته، وترك العيش الرافغ فى ظل أبيه، وسار فى المهامه والقفار طالبا الهداية.
رأى النخلات التى وصفها له أسقف عمورية، وفرح إذ بيع من اليهودى الذى اشتراه إلى عم له من بنى قريظة، فحمله إلى المدينة.
وفى هذه الأثناء حيث كان يقيم هو بالمدينة كان محمد بن عبد الله صلى الله تعالى عليه وسلم قد بعثه الله تعالى نبيا، وما كان يعلم سلمان رضى الله تعالى عنه من أمر ذلك شيئا، لأنه شغله الرق عن أن يتتبع أخبار من بشرت به الكتب، ونقله الأساقفة، وتحدث به الرهبان.
وقد هاجر محمد بن عبد الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وبينا هو فى رأس عذق «٣» لمالكه يعمل به بعض العمل، إذ أقبل ابن عم لهذا المالك فوقف عليه يسب أهل المدينة من الأوس والخزرج، ويقول: «والله إنهم الان لمجتمعون بقباء على رجل قدم عليهم من مكة المكرمة اليوم، يزعمون أنه نبى» «٤» .
_________________
(١) مدينة فى طريق القوافل من الموصل إلى الشام.
(٢) الحرة أرض ذات حجارة سود من أثر احتراق بركانى.
(٣) العذق هو النخلة.
(٤) سيرة ابن هشام ج ١ ص ٢١٩
[ ١ / ٢٥٣ ]
ويستمر سلمان فى قصته، فيذكر أنه أصابته رعدة حماسة للذهاب إلى قباء حيث سمع أن المجتمعين بقباء فيهم من يقول أنه نبى، وقد بين له أسقف عمورية أن مهاجر النبى المنتظر سيكون بهذه الأرض، فأخذ الأهبة، وذهب إلى قباء ومعه مال قليل، وهنا يلتقى العيان بالخبر، لقد أخبر فى غيبة محمد بن عبد الله ﵊ أنه نبى وسلك الفيافى والقفار ليلقاه وهو يعلم بنبئه، وجرى الحديث بينهما. يختبر به حاله، لقد رأى المكان، كما أخبر الأسقف، ولم يبق إلا أن يختبر، لقد قيل أنه يقبل الهدية ولا يقبل الصدقة، وأن بين كتفيه خاتما.
عند اللقاء قال سلمان: «إنه قد بلغنى أنك رجل صالح، ومعك أصحاب لك غرباء ذوو حاجة، وهذا شيء كان عندى للصدقة، فرأيتكم أحق بها من غيركم» .
لم يأكل منها النبى ﷺ، وقال لأصحابه، كلوا وأمسك يده «وبهذا تبين الوصف الذى علمه من قبل، وقال سلمان فى نفسه: هذا واحدة» فأراد أن يختبر أيقبل الهدية ليتكامل الوصف.
جمع شيئا مما يهدى، وتحول إلى رسول الله ﷺ فى المدينة، وجاءه، وقال له:
«إنى قد رأيتك لا تأكل الصدقة، وهذه هدية أكرمتك بها» فأكل منها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وأكل معه أصحابه.
قال سلمان فى نفسه: هذه الثانية.
وسلمان علم من وصف أسقف عمورية، أن بين كتفى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم خاتم النبوة، فأراد أن يعرفه ولم يبق إلا ذلك ليستوثق من تحقق الخبر مع الخبر.
يقول ﵁: «سلمت عليه أى على الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم ثم استدرت أنظر إلى ظهره، هل أرى الخاتم الذى وصف لى صاحبى، فلما رانى رسول الله ﵊ استدبرته عرف أنى أستثبت من شيء، وصف لى، فألقى رداءه عن ظهره. فنظرت إلى الخاتم فعرفته فأقبلت عليه أقبله، وأبكى، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: تحول، فتحولت، فجلست بين يديه» «١» .
كان سلمان فى الرق، فشغله عن أن يلازم النبى ﵊، حتى أنه لم يستطع أن يحضر غزوة بدر، وأشار عليه النبى من بعد بأن يعقد عقد مكاتبة مع مالك رقبته، أى يتعهد له بمال أو بمنفعة يقدمها فى نظير عتقه، ففعل، وعاونه الصحابة فى تنفيذ عقده، وصار من بعد حرا.
١٨٣- سقنا ذلك الخبر بعد اختصاره، وهو مع الاختصار طويل، سقناه لأمرين.
_________________
(١) الكتاب المذكور ص ٢٢٠.
[ ١ / ٢٥٤ ]
أولهما- كيف يرضى طالب الحق بالتعب فى سبيل طلبه، هذا شاب صغير يكاد يكون غلاما، يعيش فى ظل أبيه فى عيش رافغ، وهناءة من الرزق، يرى كنيسة فيها عباد لا يعبدون النار الذى كان سادنا لها، فتستهواه عبادتهم، فيتقدم لأبيه برغبته فى أن يكون نصرانيا فيكبله أبوه بالحديد، فلا ينثنى، ويجتهد فى أن يفك أغلاله، ويلحق بهم فيكون له ما يريد، ثم يحمل نفسه عناء الانتقال من إقليم إلى إقليم حتى يصل إلى الحق الذى يريده، ويصاب بالرق فيصبر، ولا ينثنى عن غايته، ويقبل أن يعيش مظلوما فى قيد الرق صابرا محتسبا، حتى يصل إلى غايته، وهو التقاؤه بمن يطلبه حتى وجده، وكان العون من الله فى فك رقبته، إنه العابد الصابر حقا، من يوم فك قيود أبيه، فقد فك معها قيود عقله، ونفسه، وصار ديانا لله ﷾، لا يبغى إلا رضاه، وإذا كان قد غادر أباه فقد انتهى إلى حضن رسول الحق فاحتضنه هو، وقال ﵊: سلمان منا ال البيت.
الأمر الثانى: وهو الجوهرى فى القضية أن أمر نبى منتظر كان معروفا بين العرب فى عصر النبى ﵊، وهو المقصد الأصلى من سوق القصة مع طولها، فالعرب كانت أسباب العلم برسالة النبى ﷺ معلومة عندهم، علمها طلابها، والذين صفت نفوسهم وجهلها الأكثرون لعدم الاتجاه إلى تعرفها، ولم يكن عندهم الاتجاه الدينى ليعرفوا ما لم يعرفوا من شئون الدين فى قابل حياتهم، حتى جاءهم البشير النذير يقرع بالحجة القاطعة مسامعهم، ليكون من بعد ذلك العقاب أو الثواب، قال تعالى: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ.
يهود تخبر عن النبى [ﷺ] المنتظر:
١٨٤- قد ذكرنا فيما مضى إشارة إلى أن اليهود كانوا يستفتحون على الذين كفروا من الوثنيين بنبى مرسل يكون لهم، ويكون على الوثنيين، ينصر اليهود، ذكرنا بالإشارة، ولكن فى هذا المقام لا تغنى الإشارة عن العبارة، فلابد من أن نذكر بعض الإيضاح ليتبين الباحثون من معرفة أن العصر كانت فيه البيانات الكافية التى تبين أن رسولا من قبل الله تعالى وشيك أن يظهره الله تعالى بينهم مصحوبا بحجته، مبينا باياته ودعوته.
ولم يكن ذكر النبى ﵊ لمن عاصروه من الأوس والخزرج فقط، بل كان من قبل أن تقع الحروب بين اليهود وبينهم.
فقد ثبت فى التاريخ أن تبعا أبا كريب اليمنى جاء إلى يثرب وأحنقه أن بعض أهلها قتل رجلا من رجاله، فقاتلهم، وبينا تبع على ذلك من قتالهم إذ جاءه حبران من أحبار اليهود من بنى قريظة، وهما عالمان بأصول الديانة اليهودية ومصادرها، والمخبوء من وثائقها، وقالوا له:
[ ١ / ٢٥٥ ]
«أيها الملك لا تفعل، فإنك إن أبيت إلا ما تريد، حيل بينك وبينها، ولم نأمن عليك العقوبة» فقال لهما: ولم ذلك: قالا: «هى مهاجر نبى يخرج من هذا الحرم من قريش تكون داره وقراره» «١» .
ولقد كانت أخبار اليهود بنبى يجيء تشيع فى يثرب، وتنتقل إلى أهلها طبقة بعد طبقة، وكان من أسباب مسارعة الأنصار للاستجابة للنبى ﵊، وكان لهم بذلك علم بالكتاب أتى إليهم من اليهود، وقد ذكر قتادة عن رجال قومه، والسبب فى مسارعتهم إلى إجابة النبى ﵊ إلى النصرة والإيمان فقال:
«إن مما دعانا إلى الإسلام مع رحمة الله، وهداه لنا لما كنا نسمع عن رجال يهود، وكنا أهل شرك وأوثان، وكان عندهم علم ليس لنا، وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور، فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون، قالوا لنا إنه قد تقارب زمان نبى يبعث الان نقاتلكم معه قتل عاد وإرم، فكنا كثيرا ما نسمع ذلك منهم، فلما بعث الله رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم أجبناه حين دعانا إلى الله تعالى، وعرفنا مما كانوا يتوعدوننا به، فبادرناهم إليه، فامنا به وكفروا» «٢» .
ولم يكن اليهود يذكرون خبر النبى ﵊ مقتصرين على الخبر، بل يذكر مع ذلك الإيمان باليوم الاخر، والجزاء بالنعيم المقيم، أو بالجحيم، ويظهر أنهم لم يكونوا من الذين ينكرون البعث، ففيهم من يصدقه، ومنهم من يكفر به.
ولقد ذكر بعض من الأنصار، وهو سلمة بن سلام، فقال:
«كان لنا جار من يهود بنى عبد الأشهل، فخرج علينا من بيته، حتى وقف على بنى عبد الأشهل؛ فذكر القيامة والبعث والحساب والميزان، والجنة والنار. فقالوا له: ويحك، أو ترى هذا كائنا: أن الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار، يجزون فيها بأعمالهم!! قال نعم، والذى يحلف به فقالوا له: ويحك، فما اية ذلك! قال: نبى مبعوث نحو هذه البلاد، وأشار بيده إلى مكة المكرمة واليمن، فقالوا:
ومتى نراه، قال سلمة: فنظر إلى وأنا من أحدثهم سنا فقال: «إن يستنفد هذا الغلام عمره يدركه» «٣» .
قال سلمة: «فو الله ما ذهب الليل والنهار، حتى بعث الله محمدا رسول الله، ﷺ وهو حى بين أظهرنا، فامنا به، وكفروا به بغيا وحسدا» .
ولقد عرف بعض اليهود وصف النبى ﵊ وفيه إنه يسبق حلمه جهله، فهو لا يحمق.
_________________
(١) البداية والنهاية ج ٢ ص ١٦٤.
(٢) سيرة ابن هشام ج ١ ص ٢١١.
(٣) سيرة ابن هشام ج ١ ص ٢١١.
[ ١ / ٢٥٦ ]
ولقد روى عن عبد الله بن سلام الصحابى أنه قال: لما أراد الله تعالى هدى زيد بن سمية، قال:
لم يبق شيء من علامات النبوة إلا عرفتها فى وجهه صلى الله تعالى عليه وسلم حين نظرت إليه إلا اثنتين، لم أخبرهما منه، يسبق حلمه جهله، ولا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلما، فكنت أتلطف له لأن أخالطه، فأعرف حلمه وجهله» فذكر قصة إسلافه للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم مالا فى ثمرة.
قال: فلما حل الأجل أتيته، فأخذت بمجامع قميصه وردائه، وهو فى جنازة مع أصحابه، ونظرت إليه بوجه غليظ، وقلت: يا محمد، ألا تقضينى حقى، فو الله علمتكم يا بنى عبد المطلب لمطل. فنظر إلى عمر، وعيناه تدوران فى وجهه كالفلك المستدير، ثم قال: يا عدو الله أتقول لرسول الله ﵊ ما أسمع، وتفعل ما أرى، فو الذى بعثه بالحق لولا ما أحاذر لومه لضربت بسيفى رأسك، ورسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ينظر إلى عمر فى سكون وتؤدة، وتبسم ثم قال: أنا وهو كنا أحوج إلى غير هذا منك يا عمر: أن تأمرنى بحسن الأداء، وتأمره بحسن الطلب، اذهب به يا عمر، فاقضه حقه وزد عشرين صاعا من تمر، فأسلم» .
١٨٥- هذه نقول تاريخية ثابتة تبين أن العصر الذى بعث فيه ﵊ كان عصرا يدور فيه كلام حول نبى يرسل، وقد كان لهذا الكلام مصدران:
أولهما- ما كان يحاوله الذين أرادوا إحياء ملة إبراهيم ﵇، فقد كان بعض من أهل مكة المكرمة يؤمنون بضرورة إحياء ملة إبراهيم الحنيفية السمحة، وقد وجدوا بفطرتهم أن الله لا يدع ذربة إبراهيم بورا لا هادى يهداهم، ولا مرشد يرشدهم. وقد رأيت من خرجوا على أقوامهم، واطمأن بعضهم إلى النصرانية فدخلوها، وبعضهم أخذ يطوف فى الأرض حيث يبحث عن عقائد سليمة لا تدخلها الوثنية، ومات شهيدا فى طلب الحقيقة، وذكر محمد ﷺ من بعد بعثته أن الله تعالى سيبعثه أمة واحده، فرضى الله تعالى عنه.
ثانيهما- الكتب السابقة، وأقوال الأحبار والرهبان، وعلماء الأخبار من اليهود والنصارى، فبحيرى الراهب كان قد لقى محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم غلاما، وطبق الأوصاف التى لديه، ونسطورا الراهب قد لقيه وهو شاب، كانت أخبار اللقاءين تذيع وتشيع عند العرب، وفوق ذلك كان نصارى نجران وغيرهم يذكرون للناس ترقبهم لنبى منتظر، كانت أوصافه لديهم وكان محمد أكثر ذكرا، لا أنهم يريدون إعلان حقيقة، أو ابتغاء هداية، بل شفاء غيظهم، وإطفاء نار حقدهم أو التمادى فيه، فقد كانوا يعلنون ذلك عندما تحز فى أجسامهم سيوف الوثنيين، فيذكرون خبره، ويقولون: سنقتلكم معه، كما قتل عاد وإرم.
[ ١ / ٢٥٧ ]
بهذا انتشر خبر مجيء النبى ﵊، وتوقع المفكرون مجيئه وأن زمانه قد حان، فجاء مصدقا لما بين يديه من الكتب التى لم تحرف، رحمة للعالمين، وهاديا للحق، ونصيرا له، وقد أيده الله تعالى بالحجة الباهرة.
أخبار الكهان:
١٨٦- تذكر كتب السيرة أن الكهان قد بشروا بالنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وقد كان فى نيتنا أن نعرض عن ذلك الكلام، لأنه فتح لباب الأوهام فى سيرة سيد الأنام، نبى الحق والعقل وبعث المدارك نحو الحقيقة، من غير أن يسيطر عليها وهم، أو يتغلغل فيها خرافة ليست قائمة على حكم العقل، أو الخبر الصادق المنقول باسناد صحيحة.
ولأن هذه الأخبار عن الكهان ليست ثابتة بسند صحيح يطمأن إليه، ولأنه لم يثبت أن النبى ﵊ قبل البعثة كان يلجأ إلى الكهان، أو يطمئن إلى أقوالهم، ولأنه إذا كان الكهان قد قالوا شيئا فى البشارة بالنبى صلى الله تعالى عليه وسلم وكانت صادقة، فإن ذلك قد يكونون علموه من الكتب السابقة أو أصحابها، وقد كانوا قبل البعثة علماء العرب، وربما يكونون قد أخذوا يبثون ما عندهم فى شكل الكهانة، وفى سجع الكهان الذى نهى عنه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بعد بعثته.
كنا نوينا ترك الكلام فى الكهانة، لأن الضرر فى ذكرها أكبر من نفعها.
ولكنا حملنا على الكتابة فيها.. أولا- لأن بعض كتاب السيرة من المحدثين تعرضوا لها مصادقين، وأن المستشرقين قد اتخذوها ذريعة لربط الدعوة المحمدية بالكهان، وللربط بين القران المنزل رحمة للعالمين وسجعهم، ولأن بعض الكاتبين توهم تبعا لهم أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كان يديم السماع للكهان قبل البعثة. فوجب التصدى.
١٨٧- ونبتديء من الكلام في أخبار الكهان بخبر نسب إلي سيف بن ذي يزن الحميري، وقيل إنه من هواتف الجان فقد جاء في كتاب هواتف الجان، وإليها تنسب كهانة الكهان، جاء في هذا الكتاب ما نصه بعد أن التقي بعبد المطلب: «أيهم المتكلم؟ قال: أنا عبد المطلب بن هاشم «١» قال: نعم. ادن مني، فأدناه ثم أقبل عليه وعلى القوم: قال «مرحبا وأهلا، وناقة ورحلا، ومستناما سهلا، وملكا ربجلا، يعطى عطاء أهل الليل والنهار، ولكم الكرامة ما أقمتم، والحباء اذا ظعنتم» .
_________________
(١) لأن أم عبد المطلب من بنى النجار وأصلهم من اليمن- الرحل كثير العطاء.
[ ١ / ٢٥٨ ]
بعد هذا مكثوا شهرا لا يصلون إليه، ولا يأذن لهم بالانصراف، ثم انتبه انتباهة، فأرسل إلى عبد المطلب فأدنى مجلسه وأخلاه ثم قال: «يا عبد الله إنى مفض إليك من سر علمى ما لو يكون غيرك لم أبح به، ولكنى رأيتك معدنه، فأطلعتك طليعة، فليكن عندك مطويا، حتى يأذن الله تعالى فيه، فإن الله تعالى بالغ أمره. إنى أجد فى الكتاب المكنون، والعلم المخزون الذى اخترناه لأنفسنا، واحتجّناه دون غيرنا، خبرا عظيما، وخطرا جسيما، فيه شرف الحياة، وفضيلة الوفاء للناس عامة، ورهطك كافة ولك خاصة» .
فقال عبد المطلب: مثلك سر وبر، فما هو فداؤك أهل الوبر زمرا بعد زمر.
قال سيف بن ذى يزن ساجعا سجع الكهان: «إذا ولد بتهامة، غلام به علامة، بين كتفيه شامة، كانت له الإمامة وله به الزعامة إلى يوم القيامة» .
قال عبد المطلب: - أبيت اللعن- لقد أتيت بخبر ما اب به وافده، ولولا هيبة الملك وإجلاله وإعظامه لسألته من بشارته إياى ما أزداد به سرورا.
قال ابن ذى يزن.: «هذا حينه الذى يولد فيه، أوقد ولد. اسمه محمد ﷺ يموت أبوه وأمه، ويكفله جده وعمه، وقد تاه مرارا؛ والله باعثه جهارا، وجاعل منا أنصارا يعزيهم أولياءه، ويذل بهم أعداءه، ويضرب بهم الناس من عرض، ويستبيح بهم كرائم الأرض، يكسر الأوثان، ويخمد النيران، يعبد الرحمن، ويدحر الشيطان، قوله فصل، وحكمه عدل، يأمر بالمعروف ويفعله، وينهى عن المنكر ويبطله.
قال عبد المطلب: عز جدك وعلا كعبك، ودام ملكك، وطال عمرك، فهذا نجارى، فهل الملك سار لى بإفصاح، فقد أوضح لى بعض الإيضاح.
قال ابن ذى يزن «والبيت ذى الحجب، والعلامات على النقب، إنك يا عبد المطلب لجده غير كذب» .
فخر عبد المطلب ساجدا، فقال: ارفع رأسك، ثلج صدرك، وعلا أمرك، فهل أحسست شيئا مما ذكرت لك.
قال عبد المطلب: كان لى ابن، وكنت به معجبا، وعليه رفيقا، فزوجته كريمة من كرائم قومه، امنة بنت وهب. فجاءت بغلام سميته محمدا، فمات أبوه وأمه، وكفلته أنا وعمه» .
قال ابن ذى يزن: «إن الذى قلت لك كما قلت، فاحتفظ بابنك، واحذر عليه اليهود، فانهم له
[ ١ / ٢٥٩ ]
أعداء، ولن يجعل الله لهم عليه سبيلا، واطو ما ذكرت لك دون هؤلاء الرهط الذين معك، فإنى لست امن أن تدخل عليهم النفاسة من أن تكون لكم الرياسة، فيطلبون الغوائل، وينصبون له الحبائل، فهم فاعلون أو أبناؤهم، ولولا أنى أعلم أن الموت مجتاحى قبل مبعثه، لسرت بخيلى ورجلى حتى أصير بيثرب دار مملكته، فإنى أجد فى الكتاب الناطق، والعلم السابق، أن بيثرب استحكام أمره، وأهل نصرته، وموضع قبره، ولولا أنى أقيه الافات وأحذر عليه العاهات لأعلنت على حداثة سنه أمره، ولأوطأت أسنان العرب عقبه، ولكنى صارف ذلك إليك عن غير تقصير لمن معك» «١» .
١٨٨- هذا كتاب ما فيه بلا ريب حق من حيث البشارة بالنبى صلى الله تعالى عليه وسلم ولعله إن صدقت النسبة إلى سيف بن ذى يزن يكون مصدره ما وصل إليه من علم، فقد كان نصرانيا متعرفا، ولم يكن وثنيا أميا. ولا يمكننا أن نقول أن ابن ذى يزن من الكهان، وإن وجد الموضوع فى كتاب هواتف الجان، ويقال إن الكهان كانوا يخاطبون بهواتف الجان، ونقول إن فيه سجع الكهان، وإن لم يستغرقه، بل كان فيه بعضه، ولعل هذا من صنيع الكهان، وقد أرادو أن يجعلوه من الكهان بعبارات السجع فيه أولا، وجعله فى كتاب هواتف الجان ثانيا.
وفى الواقع أن الحديث كما ذكر ممن له علم بالكتاب وكان مستفيضا مشهورا.
ومن ذلك ما روى بالأسانيد الصحيحة عن بعض المضريين قال:
شارفنا الشام، ونزلنا على غدير به شجرات، فسمع كلامنا راهب، فأشرف علينا فقال: «إن هذه لغة ما هى بلغة هذه البلاد، فقلنا: نعم. نحن قوم من مضر، قال: من أى مضر؟ قلنا: من خندف.
قال: أما إنه سيبعث وشيكا نبى خاتم النبيين، فسارعوا إليه، وخذوا بحظكم منه ترشدوا، فقلنا ما اسمه، قال اسمه محمد ﷺ «٢»
وإنه بلا ريب نرى هذا الخبر الذى سقناه يتلاقى مع خبر ابن ذى يزن، بيد أنه لا سجع فيه، ولا ينسب إلى هواتف الجان بل ينسب لراهب من الرهبان نسبه إلى ما عندهم من كتب، لا إلى هواتف من الجان.
١٨٩- فنحن إذا وجدنا فى عبارات الكهان ما يوميء إلى ذكر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فليس من هواتف الجان، أو من علم الكهان وليس مصدره الكهانة، ولكنهم علموه مما يجرى على ألسنة الرهبان، وما تنطق به كتبهم. وما عرف من علم.
_________________
(١) البداية والنهاية لابن كثير ج ٢ ص ٣٣٠.
(٢) الكتاب المذكور ص ٣٣١.
[ ١ / ٢٦٠ ]
ومن ذلك مثلا قول سطيح الكاهن: إذا كثرت التلاوة، وغاضت بحيرة ساوة، وجاء صاحب الهراوة مع غيره.
وقال ابن كثير إنه يعنى النبى ﵊، ونرى أولا- أن النبى ما جاء بالهراوة بل جاء برد اعتداء الباطل على الحق بالسيف لا بالهراوة، وثانيا- أنه على فرض أن المراد النبى ﵊ فذلك مما شاع بين العرب من أنه سيكون نبى منتظر، وأن أهل الكتاب يذكرونه بينهم خاصة، ويعلنونه عند الاقتضاء للعامة، سواء فى ذلك اليهود والنصارى وإن كان إعلان النصر أوضح وأبين، واليهود يعلنونه عند الشديدة تنزل بهم فى حروبهم مع الوثنيين، يعلنون مجيء النبى ﵊ كما جاء فى كتبهم تثبيتا لأنفسهم وتخذيلا لخصومهم وتعلقا بالرجاء، وتشفيا من الأعداء بالمستقبل، فكان السبق لأعدائهم، والتخلف لهم، فكان به المال لغيرهم والحال عليهم، وهم الأخسرون دائما إن شاء الله.
هل كان محمد ﵊ يسمع اخبار الأحبار والرهبان والكهان
١٨٩- إن محمدا ﵊ كان يعيش فى مكة المكرمة وهى مدينة أمية لا تقرأ كتابا، ولا تتدارس علما، وكان كأهلها، لا يجلس إلى درس ولا إلى معلم، وإذا كان بعض أهله يعلم القراءة والكتابة، فما كان محمد صلي الله عليه وسلم يعلمها، وما يمتاز به على أهل مكة المكرمة هو خلقه وقوة إدراكه وابتعاده عن عبادة الأوثان واستنكارها، وكراهية الأوثان والحلف بها، من غير أن يكاره قومه، ويعلن بغضهم، بل ما كان يبغض غير قومه، بل كان الودود الألوف، وإن كان لا يسايرهم فيما يفعلون، بل كان ينكر ويستنكر، ولا يلاحى ولا يغاضب، ولا ينافر.
وإن أقصى ما كان يريد معرفته من الديانات هو ديانة إبراهيم، لأن اثاره قائمة بينة؛ وبعض الديانة كان يتبع مع انحراف فى بعضها، وهو الحج، وكانوا يتفاخرون بانتسابهم إلى إبراهيم، وهو يعلم أنه جدهم ونبى مرسل، ويريد محمد ﷺ مع تركه الأوثان أن يعرف ما كان يأمر به إبراهيم عن ربه، وقد علم هو أنه الواحد الأحد الفرد الصمد الذى ليس بوالد، ولا ولد.
أما غيره من الأنبياء كموسى وعيسى وداود وسليمان، وخصوصا ما كان من دقائق علمهم كالنص على رسول يجيء من بعد موسى وعيسى، وكونه من جبال فاران، أى جبال مكة المكرمة، كما تعبر كتبهم، أو تشير إليه من غير إيضاح واضح، وخصوصا عندما عراها التحريف ونسوا حظا مما ذكروا به.
[ ١ / ٢٦١ ]
وإن النبى ﵊ كان يتحدث عنه، ولا يتحدث هو معهم، وإنه عندما التقى ببحيرا الراهب صغيرا كان قومه يتحدثون عنه، ولم يعرف التاريخ أنهم ذكروا له ما حدث به الراهب.
وكذلك الأمر فى رحلته الثانية بعد أن صار شابا سويا، كان الحديث عنه، ولم يثبت أن الحديث كان معه.
وهكذا إذا كان يتلقى الكلام فى نبى منتظر، فإنه يتلقاه كما يتلقى قومه، ولم يعرف أنه كانت له عناية خاصة بتاريخ النصارى؛ ولا بأخبار اليهود ولا بشيء من ذلك، بل عنايته فى مطلع حياته بكسب الرزق؛ وفى شبابه الأول بالتجارة، ثم بعد أن توافر له الرزق انصرف إلى العبادة والتحنف الليالى والشهور، وفى كل أحواله كان كثير التأمل، يدرس الخالق من خلقته، والمنشيء مما أنشأه.
ولكن كتاب الفرنجة يدعون أن محمدا ﵊ كان قبل البعثة يتتبع أخبار اليهود، ويستمع إلى ما يحدث به أحبار اليهود، ورهبان النصارى، وأنهم يرمون بهذا إلى أمرين:
أحدهما: إثبات أن محمدا ﵊ ما وصل إلى ترك الأوثان إلا بتعاليم اليهود والنصارى، وأنه ما وصل إليها بمنطقه وفطرته وبقايا ديانة إبراهيم ﵇، وكأنهم يريدون أن يصوروا ما كان دون زيد بن نفيل وورقة بن نوفل، وقد ثبت أنه كان يكره اللات والعزى وهو فى الثانية عشرة من عمره، وقد ثبت ذلك فى أخبار بحيرا الراهب.
وثانيهما: ادعاء أن القران الكريم أخذ أخبار النبيين وقصصهم من التوراة والإنجيل، وأن العلم بهذا علم تلق، وليس بوحى من الله تعالي، مع أنه من الثابت أن قصص الأنبياء فى القران هو الصادق الذى لا يمترى فيه، وغيره فيه الفساد والضلال كخبر سكر لوط، ومواقعته ابنتيه، وكزنى داود بامرأة قائد جيشه فهى أكاذيب ليست فى القران الكريم.
وقد تبعهم بعض المغترين بهم من الكتاب عن نية حسنة، ولم يدركوا خبيئة نفوسهم، وخبث تفكيرهم.
ألا فليتركوهم واستنباطهم، وليتتبعوا أخبار النبى ﵊ من كتب السيرة الدقيقة البعيدة عن الأوهام، وليتركوا اتباع الاستنباط الفاسد، من غير خبر تاريخى يؤيده، ولا سند صادق يزكيه.
وليعلموا أن النبى ﵊ كان بعيدا عن الأحبار والرهبان، وما كان يصدق كهانة الكهان، ونهى بعد البعثة عن الاستماع إلى الكهان، وكان يستنكر سجع الكهان، ويستنكر تصرف من يحاكيهم.
[ ١ / ٢٦٢ ]
خاتم النبيين
البعثة المحمدية
[ ١ / ٢٦٣ ]
التجلى الأعظم
[التزام النبي ص بأمرين قبل أن يبعث]
١٩١- كان محمد ﷺ قبل أن يبعثه الله رحمة للعالمين ملتزما أمرين:
أولهما-
أنه لم يكن صاحب لهو ولا عبث، كان كذلك غلاما، ثم شاديا، ثم بعد ذلك عاكفا زاهدا، منصرفا عن الناس إلا ما يوجبه حق المجتمع عليه، من عطاء يقدمه لمحتاج، أو معاونة لمستعين، أو إغاثة لملهوف، أو حمل لكل، أو قرى لضيف، أو صلة لرحم، وغير ذلك. فكان المتحمل للواجبات، المعتزل، الذى يؤثر العزلة عن الاندماج فى غمار الناس، حتى لا يصيبه شيء مما يخبثون به، لأنه الطاهر الذى أدبه ربه فأحسن تأديبه، فكانت حياته الأولى مرشحة لحياته الثانية، واية على أنه ذلك الرجل الذى يستنكر المنكر، ولا يفاحش أو يخاصم أو يجادل، اية على أنه الرسول المنتظر، والنبى المرتقب، وهو فى أحواله فى اختلائه واجتماعه- الأليف المحبوب، الذى قدرته قريش كلها حق قدره.
الأمر الثانى-
أنه قد اتخذ منسكا ينسك فيه، وهو غار حراء، بعد أن أكثر من العبادة، والعكوف على عبادة الله، وقد رأى قريشا يعكفون على أصنام لهم.
وإن الظاهر من حال قريش الذين استمرؤا عبادة الأوثان أنه لم يكن فيهم غير الحنفاء- من يتفكرون فى عبادة، أو يختلون ليعبدوا أوثانهم، فإن ذلك لم يثبت تاريخيا، ولم تذكر واقعة له تنبئ عن ذلك، وإن ما يحيط بهم، وما يثبت من حالهم يدل على أنهم لم يعملوا التفكير فى أمر عبادة، بل كانوا يتبعون ما وجدوا عليه اباءهم من غير تفكير ولا تدبر، ولو أن بعضهم كان يعمد إلى الاختلاء والاعتزال لكان كثيرون منهم يخرجون عن عبادة الأوثان إلى عبادة الديان، إذ أن تأملا يسيرا كان يخرجهم من الظلمات إلى النور، ومن ضلال الوثنية إلى هداية الواحدانية، ولكنهم قوم ماديون، يقولون إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ «١»، ويقولون: ما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ، وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ «٢» .
وإذا كان قد جرى على بعض الأقلام أن الاختلاء للعبادة كان نسكا عندهم يعبدون فيه الأوثان وينفردون لذلك، فإنما هو كلام من قوم لا يريدون بالإسلام إلا خبالا، ولا يريدون بمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم علوا، ولا يذكرون فيه قول الحق خالصا، بل يموهون فيه ويلبسون الحق بالباطل.
_________________
(١) سورة المؤمنون: ٣٧.
(٢) سورة الجاثية: ٢٤.
[ ١ / ٢٦٥ ]
١٩٢- كان محمد بن عبد الله ﷺ يجتهد فى العبادة، ومن وقت أن اطمأن إلى رزقه، ونظم تجارته فى مال خديجة بأن يعمل غيره تحت إشرافه، ولم يكن ثمة حاجة إلى خروجه بنفسه للتجارة، فلم يذكر أنه خرج بنفسه، بعد خروجه وهو فى الخامسة والعشرين من عمره.
وكلما تقدمت به سن الشباب ازداد نسكا واختلاء وانصرافا عن الملاذ والشهوات فى غير تحريم الحلال، أو إبعاد لطيب من طيبات، بل كان يأكل ويشرب فى غير سرف ولا مخيلة، كما بيّن فى شريعته التى أرسل بها رحمة للعالمين.
وقد اتخذ لنفسه شهرا من أشهر السنة يختلى فيه بغار حراء، وكان حراء نسكا للعرب فى جاهليتهم، كما جاء فى البداية والنهاية لابن كثير، فقد قال «وكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يخرج إلى حراء فى كل عام شهرا ينسك فيه، وكان من نسك قريش فى الجاهلية» «١» أى أنه كان من الأماكن التى تعتبرها قريش من النسك فى الجاهلية، ولعلهم كانوا يضيفونها إلى نسك الحج، وقد رأى محمد ﷺ أن هذا خير مكان لعبادته، لأنه لا يطرق طول العام، ولم يكن كالبيت الحرام، إذ يطاف بالكعبة المشرفة فيه كل يوم، ويظهر أنه بمضى الزمان قد هجر اتخاذه نسكا، ولعله كان مما أضيف إلى مناسك من غير شريعة إبراهيم ﵇، وليس بحث هذا ذا جداء فى موضوعنا.
جاءت الصحاح بأنه كان ﵊ يتحنث (أى يتعبد على الحنيفية السمحة) الليالى ذوات العدد، وكان يتخذ دائما شهر رمضان من كل عام يتزود لذلك، ويبتدى بالذهاب إلى البيت الحرام يطوف به، ويتصدق بالصدقات العظيمة ويطعم الطعام، ثم يذهب إلى غار فى جبل حراء، لم يكن فى سفحه، بل كان أعلى من ذلك. ولا يصل إليه قاصده إلا بمرتقى صعب، وليس بالسهل، والناظر إليه الان لا يجد الوصول إليه بغير شق النفس مما يدل على أن الله تعالى أعطى محمد بن عبد الله ﵊ بسطة فى الجسم، وقوة احتمال، ورغبة صادقة فى العبادة، لا يقوى عليها إلا أولو العزم من العباد.
حتى إذا أتم الشهر وهو رمضان عاد إلى بيته، وقبل أن يأوى إليه يمر بالبيت الحرام، فيطوف، ويتصدق بما بقى معه من زاد، ويطعم الطعام مما بقى له، ثم يأوى إلى خديجة زوجته الطاهرة.
_________________
(١) البداية والنهاية ج ٣ ص ٥.
[ ١ / ٢٦٦ ]
وإن السياق فى كل الصحاح من أخبار السيرة يستفاد منها أنه كان يتزود بالزاد، ويذهب منفردا ليتم له الاعتكاف بعيدا عن الأهل والصحاب، ولا يكون إلا فى حضرة الحبيب الذى لا شريك له وهو الله ﷾.
هذا هو المستفاد من معنى الاختلاء والاعتكاف، ولأنه كان يصرح بأنه يغدو صادرا عن أهله فى الشهر، ويعود دائما إلى أهله بعد أن ينقضى الشهر.
ولكن روى عن ابن إسحاق فى سيرته عبارة تفيد أنه كان يذهب إلى الغار بأهله، وإليك عبارة ابن إسحاق «كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يجاور ذلك الشهر من كل سنة، يطعم من جاءه من المساكين، فإذا قضى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم جواره من شهره ذلك كان أول ما يبدأ به إذا انصرف من جواره للكعبة الشريفة قبل أن يدخل بيته، فيطوف بها سبعا أو ما شاء الله تعالى من ذلك. ثم يرجع إلى بيته، حتى إذا كان الشهر الذى أراد الله تعالى به ما أراد من كرامته، من السنة التى بعثه الله تعالى فيها، وذلك الشهر شهر رمضان خرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى حراء كما كان يخرج لجواره ومعه أهله» «١»، وإن هذا الكلام يدل على أن الإيحاء. وهو كان فى الليله التى كانت فيها البعثة النبوية- لم يكن أهله معه، وفيما قبل ذلك كان يكون أهله معه، إذ أنه يصرح بأنه كان يخرج لجواره، ومعه أهله، ولكن لا تجد هذه العبارة فى غير ما نقله ابن إسحاق بل إن معنى الاختلاء والاعتكاف ربما لا يكون متناسقا مع وجود أهله معه، إذ أن معنى الاعتكاف للعبادة يقتضى الابتعاد عن الأهل، والاتجاه إلى الله تعالى واحده.
ولهذا نحن نميل إلى رد ما قاله ابن إسحاق، وإن لم يكن ثمة ما يسوغ لنا أن نقول أنه ربما كان يذهب مع أهله ولا يبقون معه، بل يذهبون فى صحبته، ثم يتركونه من بعد فى واحدته وعبادته.
١٩٣- والان نسوق الخبر، كما جاء فى صحيح البخارى وغيره من صحاح السنة.
يروى البخارى عن عروة بن الزبير عن خالته أم المؤمنين عائشة رضى الله ﵎ عنها أنها قالت: «أول ما بديء به الوحى الرؤيا الصادقة فى النوم، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه الليالى ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة، فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو فى غار حراء» «٢» .
_________________
(١) سيرة ابن هشام نقلا عن ابن إسحاق ج ١ ص ٢٣٦.
(٢) البداية والنهاية: ج ٣ ص ٢.
[ ١ / ٢٦٧ ]
وهذه الرواية التى ساقها البخارى عن حب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم للخلوة أقرب الروايات، وهى أرجحها وأصدقها، وهى تدل على أمور ثلاثة:
أولها- أن الوحى جاء إليه وهو فى غار حراء، ولم يكن معه أهله، وأنه كان يتزود، ولم تذكر أنه كان يصاحبه أهله.
وثانيها- أنه كانت تصفو نفسه وروحه.. وتخلص لله.
وثالثها- أن صفاء النفس أدى إلى صدق رؤياه.
وهنا يثار أمران:
أولهما- من أى وقت ابتدأت ملازمة الخلوة شهرا من كل عام.
ثانيهما- بأى شيء ابتدأ الوحى، ونزول الروح القدس عليه صلى الله تعالى عليه وسلم، أكانت مواجهته له صلى الله تعالى عليه وسلم بالرؤيا الصادقة أم المشاهدة فى الصحو، لا فى المنام، لذلك موضع من البيان، نوجزه ولا نفصله.
أما أولهما- وهو من أى وقت ابتدأت خلوته صلى الله تعالى عليه وسلم. فإنا نقول فى ذلك أنه من المتفق عليه أنه صلى الله تعالى عليه وسلم نشأ وهو متجه إلى ربه لا يعبد سواه، وأنه التزم أن يكون عابدا من وقت أن بلغ سنا يدرك فيها معنى العبادة، ويعرف فيها حق الخالق على المخلوق، وقد كان يعبد الله تعالى بالتأمل فى خلقه، والتدبر فى ملكوته، واهتدى إليه، وأن يهتدى ابتداء إلى طريق عبادته، فإن ذلك فوق طاقة المعقول، ولابد فيه من المنقول، وقد أشرنا إلى أنه كان يحاول معرفة ديانة إبراهيم التى كانت بقاياها فى البلاد العربية، وخصوصا فى مكة المكرمة، حيث بيت الله الحرام الذى هو أول بيت وضع للناس، وبناه إبراهيم بمكة مباركا وهدى للعالمين فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ، وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِنًا «١» .
ورجحنا فى صدر كلامنا أن يكون قد وصل بالصفاء النفسى، وربما بالرؤيا الصادقة إلى صلاة إبراهيم، فلا عبادة من غير صلاة، فما دامت هناك عبادة لمحمد ﵊، صارت رتيبة له، فلابد أن يكون قد اهتدى لصلاة إبراهيم.
_________________
(١) سورة ال عمران: ٩٧.
[ ١ / ٢٦٨ ]
وإنه إذا كان قد سار فى طريق التأمل والعبادة، وفى وسط ذلك الديجور المظلم من عبادة الأوثان، لابد أن يختلى محمد ﷺ عنهم لينصرف إلى ربه، ولكيلا يكون فى قلبه غيره، ولكى يعبده كأنه يراه، وقد وصل بقلبه المشرق إلى درجة الإحسان، فالاختلاء إذن كان أمرا لابد منه، ليكون لله واحده.
ولكن ذلك النظام الرتيب الذى التزمه، بأن يعبد الله منفردا بعبادته طول العام، ثم يختلى خلوة العابد شهرا من كل عام، هو شهر رمضان، فى أى وقت ابتدأ؟ الظاهر من عبارات الصحاح من الأخبار أن ذلك لم يكن فقط عام البعث المحمدى، بل ذلك العام اختتم بأن الحق نزل عليه، وجاءه روح القدس رسولا من عند ربه، فلابد أن يكون قبل ذلك النظام الرتيب، ونحسب أنه قبله بأعوام، لا نستطيع أن نحدس بها، وإن كان يتسابق إلى عقولنا، أنها مدة لا تقل عن خمس سنين، من وقت تمام بناء البيت الحرام، ووضعه الحجر الأسود بيده الكريمة، وإن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين.
١٩٤- بقى أن ننظر فى الأمر الثانى، وهو بأى شيء ابتدأ الوحى، لقد قالت أم المؤمنين عائشة رضى الله ﵎ عنها «إن الوحى ابتدأ بالرؤيا الصادقة، فكان لا يرى الرؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح» وإن ذلك لا يدل على أن ابتداء إنباء الله تعالى لمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم كان بالرؤيا الصادقة.
ولكنه يدل على أن ابتداء الإشراق الإلهى، والاتصال الربانى كان بالرؤيا الصادقة، والرؤيا الصادقة، وإن كانت جزا من الإلهام الإلهى، وليست هى الوحى الذى يقام عليه التكليف بالنسبة للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فقد قال ﵊: «الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزا من الوحى» فليست بالنسبة للنبى ﵊ هى الوحى، وإن كانت بالنسبة لإبراهيم ﵇ كانت وحيا كاملا، وبالبناء عليها هم بأن يذبح ولده إسماعيل ﵇، حتى هداه رب العالمين، كما قال تعالى:
وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ «١» فكانت الرؤيا إنباء.
إن المقرر لدى المؤرخين للسيرة الطاهرة أن الوحى ابتدأ بخطاب روح القدس جبريل ﵇، ولكن جاء فى سيرة ابن إسحاق أن أول خطاب لجبريل لمحمد ﵊ كان برؤيا صادقة فى المنام، ثم صحا يحفظها ﵊.
فقد جاء فى سيرة ابن هشام: «وجاء جبريل ﵇ بأمر الله تعالى، قال رسول الله ﷺ، فجاءنى وأنا نائم بنمط «٢» من ديباج فيه كتاب، فقال: اقرأ. قلت: ما أقرأ. قال: فغتنى به،
_________________
(١) سورة الصافات: ١٠٧.
(٢) النمط وعاء.
[ ١ / ٢٦٩ ]
حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلنى، فقال اقرأ فقلت ماذا أقرأ، فغتنى به. حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلنى، فقال اقرأ قال فقلت ماذا أقرأ ما أقول ذلك الا افتداء لى أن يعود لى بمثل ما صنع بى. فقال:
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ. الَّذِي عَلَّمَ. بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ «١» قال فقرأتها، ثم انتهى فانصرف عنى وهببت من نومى، فكأنما كتبت فى قلبى كتابا، فخرجت حتى إذا كنت فى وسط الجبل، سمعت صوتا من السماء يقول: يا محمد، أنت رسول الله، وأنا جبريل، قال: فوقفت أنظر إليه، وما أتقدم وما أتأخر، وجعلت أصرف عنه وجهى فى افاق السماء فلا أنظر فى ناحية فيها إلا رأيته كذلك، فمازلت واقفا ما أتقدم أمامى، وما أرجع ورائى، حتى بعثت خديجة رسلها فى طلبى، فبلغوا أعلى مكان، ورجعوا إليها وأنا فى مكانى ذلك، ثم انصرف عنى» .
وإنه لا شك ثمة فرق جوهرى فى الخبرين:
١٩٥- فالخبر الذى جاءت به الصحاح يفيد بأن الالتقاء بالأمين جبريل ﵇ كان فى صحو لا فى منام، والثانى يفيد أن الالتقاء كان فى المنام، لا فى الصحو، وإن كانت رؤيا كأنها الصحو، لأنه بعد أن استفاق من نومه تذكر كل ما قال لم ينس منه حرفا واحدا، فكان وحيا بلا ريب، والاختلاف بين الخبرين فى الرواية لا فى أصل المعنى، فهما متلاقيان غير متخالفين.
ومع هذا التلاقى فى المعنى، فإن هناك اختلافا فى الواقعة، أكانت فى نوم، أم كانت فى يقظة، وإن الكثيرين من العلماء قالوا مادام المعنى واحدا فى الروايتين وليستا متعارضتين، فإن التوفيق يكون بتكرار الواقعة، وقعت فى النوم، ووقعت فى اليقظة، فهى قد ابتدأت اللقاات بين محمد ﷺ وروح القدس فى المنام، ثم كانت فى اليقظة والمنام، كان تمهيدا للمجاهرة فى اليقظة.
وقد وفق ذلك التوفيق ابن كثير فى البداية والنهاية وبناه على أن قول أم المؤمنين فى رواية للبخارى أول ما بديء به الوحى بالرؤيا الصادقة، فقد قال:
«فقول أم المؤمنين عائشة أول ما بديء به الوحى الرؤيا الصادقة، فكان لا يروى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، يقوى ما ذكره ابن إسحاق: ابن يسار عن عبيد بن عمر الليثى أن النبى صلى الله تعالى عليه
_________________
(١) سورة العلق: ١- ٥.
[ ١ / ٢٧٠ ]
وسلم قال: «فجاءنى جبريل وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب، فقال اقرأ، فقلت ما أقرأ، فغتنى حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلنى وذكر نحو حديث عائشة سواء، فكان هذا كالتوطئة، لما يأتى بعده من اليقظة، وقد جاء مصرحا بهذا فى مغازى موسى بن عقبة عن الزهرى أنه رأى فى المنام، ثم جاءه الملك فى اليقظة. وقد جاء فى كتاب دلائل النبوة لأبى نعيم الأصبهانى أن ذلك شأن الأنبياء جميعا يأتيهم الوحى ابتداء فى المنام، حتى اذا تهيئوا للقاء الوحى عيانا، جاء إليهم. فقد نقل عن علقمة بن قيس أنه قال:
«إن أول ما يؤتى به الأنبياء فى المنام، حتى تهدأ قلوبهم، ثم ينزل الوحى» «١» .
وهكذا ننتهى إلى حقيقة ثابتة متفقة مع مجموع النقول، وتتلاقى مع العقول، وهى أن الالتقاء بالروح القدس ابتداء فى المنام، ثم لما ألف محمد ﵊ الرؤيا المنامية الصادقة، ويظهر أنها فى وضوحها وجلائها تشبه رؤية اليقظة إذ كانت تجىء مثل فلق الصبح كما أخبرت أم المؤمنين عائشة، حتى إذا كان الأنس بروح القدس، وامتلاء النفس بالروحانية كانت المشاهدة فى اليقظة، لأن ذلك مقام خطير عظيم، لا تقوى عليه النفوس إلا بعد أن تصقل صقلا روحيا.
وقد يقول قائل: إن كلام أم المؤمنين عائشة يستفاد منه أن الميل إلى الاختلاء للعبادة كان بعد الرؤيا الصادقة، وقد يوهم ما قلنا بأن الصفاء النفسى بالعبادة قد سبق الرؤيا الصادقة.
ونقول فى الإجابة عن ذلك بأن الصفاء الروحى كان فى قلب النبى ﵊ من يوم مولده، وهو فى المهد صبيا؛ فإذا كان عيسى ﵇ تكلم فى المهد صبيا، فإن محمدا ﵊ قد أدرك فى المهد صبيا، وإن الصفاء الروحى قد لازمه طول حياته، فقد كان فى صفاء ولابد أن يستمر إلى شبابه الباكر، ثم إلى ما بعده، فالرؤيا الصادقة كانت من إرهاصات الرسالة، وكانت من الوحى، ثم كانت فى المرحلة الأخيرة منها، وحيا بما يراه من خطاب الوحى بالأمين جبريل، وهى ما ذكره ابن إسحاق.
وإذا كان لنا أن نستفيد من تقديم الرؤيا الصادقة على الخلاء، فكان تحبيب الخلاء له ثمرة لرؤيا صادقة تكررت حتى كان منه الاختلاء بنفسه.
ولقد قلنا من قبل أنه كان يتعرف البقية من ديانة إبراهيم ليصلى، ونحن فى هذا الموضوع من بحثنا عثرنا على الضوء الذى نهتدى به فى تعرفه للصلاة على ديانة إبراهيم، وظننا من قبل احتمال أن يكون
_________________
(١) سيرة ابن هشام ج ١ ص ٢٣٨.
[ ١ / ٢٧١ ]
ذلك بالرؤيا الصادقة، وظننا ذلك ظنا، والان ندركه راجحا رجحانا يقرب من اليقين، فصلى الله تعالى على محمد العابد صبيا وكهلا، ومن الصالحين.
التقى بالروح القدس:
١٩٦- روح القدس هو جبريل ﵇، كما قال تعالى: وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ، وكما قال تعالى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ. عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ «١» .
لقد جاء إليه جبريل ﵇، وهو فى غار حراء «٢» يتعبد الله تعالى، حيث علا قلبه إلى المقام القدسى، فارتفع من الأرض، إلى ملكوت الله تعالى، فصارت نفسه صالحة لتلقى نور السماء، فنزل رسول أمين من رب العالمين. إلى رسول الخلق أجمعين ليحمل رسالة ربه، ويبلغها للعالمين، من رب غفور، وقد توالى النزول.
ولكن متى ابتدأ؟ قالوا إنه فى الأربعين من عمر محمد بن عبد الله ﷺ، وهى أشد العمر، وهى سن النضج فى الروح، وفى البدن، وفى العقل، فهى سن القدرة على الاحتمال، وقد قال الله تعالى فى هذه السن حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ، وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ، وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ «٣» وإذ قد بلغ محمد بن عبد الله ﷺ هذه السن، فقد أوزعه الله ﷾ إليه، وجعله له خالصا، وقد تهيأ لذلك، وأنشأه صفوة خلقه، وجعله نبيا رسولا.
_________________
(١) سورة الشعراء: ٩٣، ٩٤.
(٢) غار حراء كهف صغير بأعلى حراء، جبل فى الشمال الشرقى من مكة، يبعد عنها بما يقرب من ثلاثة أميال، وهذا ليس بذى زرع ولا غرس، بل هو مملوء بالصخور لا عمران فيه ولا يأوى الناس إليه، ولا يستأنسون به، يمشى الماشى فى طريق مدعثر، لا يصل إليه إلا فى مقدار من الزمن قد يسير فى طريق غير معبد إلى نحو الساعتين، فإذا وصل إلى سفح الجبل بعد هذه المدة لا يرتفع إلى الغار إلا فيما يقرب من ساعة، وإذا ارتفع وجده موحشا يحس فيه الداخل برهبة، وهو أعلى الجبل، فيزداد المقبل عليه عزلة عن الناس، بل عن الأرض وما فيها، ويكون الغار من وراء صخرتين كبيرتين تعترضان داخله، قد ضيق الله ما بينهما، وإذا تجاوزهما، ودخل الغار أحس بأنه قد صار معزولا عن العالم عزلة كاملة. وإن اختيار محمد بن عبد الله ذلك المكان، لأن فيه العزلة الكاملة عن الناس، والوحشة من كل شىء إلا الأنس بالله واحده، وكان اختياره بإلهام الله تعالى ليكون مقدمة جهاده، ويعيش فيه حياتين، أولاهما- رهبة، والثانية صعبة، وإن كانت نهايتها سعيدة.
(٣) سورة الأحقاف: ١٥.
[ ١ / ٢٧٢ ]
كان الالتقاء بالروح القدس على مرتين أولاهما تمهيد لاخراهما، كانت الأولى، وهى كاملة، وإن كانت فى منام هو كالصحو، إذ لا يقل عنه وضوحا، وقد تلقى فيه أول القران الكريم فوعى ما وعى، وحفظ ايات ربه الأولى، ولما ذهب عنه النوم الصافى كان يحفظ كل ما حفظ، لا ينسى منه شيئا.
ولما رأى الوجود ببصره، كما كان فيه ببصيرته التقى بالذى راه فى منامه، راه وهو شهيد، وقد استأنس بالرؤيا التى صدقها، وخاطبه مرة أخرى فى عالم الشهادة، ولولا أنه قد استأنس به ابتداء فى الرؤيا الصادقة، لعظمت المشقة عليه، وهنا فى هذه المرة أدرك أنه ينادى بالرسالة من قبل الله تعالى، وأنه شرفه بها، وكان ﵊ فى هذين اللقاءين محفوفا بالنور القدسى، وإن كان شديدا على النفس البشرية التى عاشت فى الأرض، ولو كانت بصفائها متطلعة إلى النور الربانى الذى يملأ أطوارها، ويحيط بثناياها.
وفى هذا اللقاء النورانى نزل أول القران الكريم، وكانت ليلته ليلة القدر التى فرق فيها الأمر وأبرم برسالة محمد بن عبد الله صلى الله تعالى عليه وسلم، كما قال ﷾: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ. وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ. لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ. تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ. سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ «١» على كلام فى ذلك سنتصدى لبيانه.
ويقول الرواة أن ذلك كان فى الليلة السابعة والعشرين من رمضان بعد أربعين سنة من عام الفيل، وقيل أنها كانت الرابعة والعشرين من ذلك الشهر المبارك، ومهما يكن اختلاف الرواة فى تعيينها فإنها كانت فى رمضان كما قال تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ، هُدىً لِلنَّاسِ، وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ «٢» على كلام فى ذلك أيضا.
قلق الزوجة الصالحة:
١٩٧- بإلهام المرأة الصالحة الذكية القلب، الطاهرة النفس أحست خديجة زوج محمد بن عبد الله ﷺ بما فيه زوجها من مشقة، فانزعجت عليه على غير عادة، وقد ألفت منه الغيبة فى شهر رمضان، وكانت هى التى تزوده بزاد المادة، والله تعالى يزوده بزاد التقوي، انزعجت، فأخذت تسأل عنه، وهى تعلم أنه فى غار حراء، لأنها أحست أنه فى جهاد روحى، جهاد من ينزع من الأرض، ليتصل بالسماء.
_________________
(١) سورة القدر كلها.
(٢) سورة البقرة: ٨٥.
[ ١ / ٢٧٣ ]
وبينا هى قلقة مضطربة لغيبته على غير عادة إذ هو مقبل قد تغير لونه، يرجف فؤاده، فزال قلقها، وان استغربت حاله- وقالت:
يا أبا القاسم، أين كنت، فو الله لقد بعثت رسلى فى طلبك، حتى بلغوا مكة المكرمة ورجعوا لى.
وقد حدثها بما رأى فى رؤياه، وما شاهد فى عيانه، وفؤاده يرجف وهو يقول: «زملونى» فزملوه حتى ذهب منه الروع، وهو يقول «خشيت على نفسى» .
وعندئذ جاء دور الزوجة الرفيقة الصالحة فى القول، فقالت بمنطق الفطرة، وهو أن من أحسن لا يجازى إلا إحسانا «كلا، والله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتقرى الضيف، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الدهر» رأت فى زوجها الأمين الطاهر كل هذا، وبإحساس الفطرة، رأت أنه لا يمكن أن يكون ثمر الطيب إلا طيبا. ويقول ابن إسحاق، إنها قالت بعد أن علمت الخبر، وقالت ما قالت: «أبشر يابن عم، واثبت فو الذى نفس خديجة بيده، إنى لأرجو أن تكون نبى هذه الأمة» وما قالت ذلك إلا وقد تواردت الأخبار بأن نبيا سيبعث فى هذا الزمان.
إلى ورقة بن نوفل:
١٩٨- لا أدرى أهى فرحة بما توقعته من خير عظيم يجيء لزوجها ونور عميم ينبثق من بيتها، أم هى فرحة اللقاء دائما يدفع إلى الحركة، ومهما يكن فقد وجدت منها رغبة إلى العمل فى الموضوع الذى طرأ، وتوقعت منه أن يغير مجرى حياتها، قامت فجمعت ثيابها، ثم انطلقت مع محمد بن عبد الله عليه أفضل السلام وأتم السلام إلى ورقة بن نوفل، وكان من الحنفاء الذين هجروا عبادة الأوثان واختاروا أن يعبدوا الله.
واختار النصرانية، إذ كان يعرف العبرانية، فدرسها منها، ودرس التوراة، فعلم الديانتين من الينابيع الأصلية، ويظهر أنه علمها ديانة واحدانية لا ديانة تثليث، لأنه دخيل عليها، ولأن نصرانية الشرق التى كانت فى العراق وأطراف الجزيرة العربية كانت تتبع نسطورس الذى أنكر أن يكون المسيح إلها أو ابن الله، إذ كان يعتقد أن عبارة الابن التى وردت فى بعض كتبهم أضلتهم، وإن ماضى حياته ما كانت تسمح لنا أن نقول أنه مثلث، لأنه ترك عبادة أحجار لا تضر ولا تنفع، فكيف يعتنق تثليثا غير متصور فى العقل.
لقد بلغ علم الرجل بالعبرية أنه كان يكتب بها ويقرأ ويدرس، فكان على علم بالبشارات التى جاءت فى التوراة والإنجيل بالنبى ﵊. وهى تبشر برسول اسمه أحمد.
[ ١ / ٢٧٤ ]
وقد بلغ الشيخوخة فنضج فكره، وقد جاءت إليه ابنة عمه خديجة بنت خويلد. وكان بصره قد كف، قالت خديجة فى هذا اللقاء: يابن عم اسمع من ابن أخيك. فأخبر النبى ﵊ ورقة بما رأى وعاين. قال ورقة: هذا الناموس الذى كان ينزل على موسى، يا ليتنى كنت فيها جذعا، ليتنى أكون حيا إذ يخرجك قومك، قال محمد بن عبد الله ﷺ متعجبا، كيف ينطق بالحق، ويخرجوه؟ قال: «أو مخرجى هم» . وتلك هى براءة الفطرة، قبل أن يمرسه الله تعالى بشدائد الدعوة، وقبل أن يلقى الباطل فى طغواته بالحق فى نوره.
قال ورقة الذى علم أخبار النبيين، وما لقوا من بأساء وضراء وشدائد: «نعم (أى هم مخرجوك) لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودى، وإن يدركنى يومك هذا أنصرك نصرا مؤزرا» .
إن هذه كلمة ورقة، وهى ثمرة الدراسة المبينة لتجارب الأنبياء.
وهنا قد يسأل سائل: لماذا ذكر موسى ﵇، وهو التوراة، ولم يذكر الإنجيل الذى نزل على عيسى ﵇؟ والجواب عن ذلك أن التوراة كانت فيها شريعة قائمة عمل بها النبيون من بعد موسى ﵇،. وجاء عيسى لإحيائها بعد أن أهمل اليهود تعاليمها، ولم يطبقوها لغلظ رقابهم، فجاء عيسى لإعلان حقائقها، وروى عنه أنه قال: «جئت لإحياء الناموس»، ولقد جاء النص فى كتب النصارى أنه يؤخذ بشريعة التوراة، ما لم يجيء نص فى الإنجيل يخالفها.
ولم يكتب الله تعالى للشيخ ورقة بن نوفل أن يحضر المعركة التى قامت بين الحق والباطل، فلم يلبث أن توفى ولم يحضر الدعوة المحمدية، إذ أنه قد مكث مدة، حتى أمر محمد ﷺ بتبليغ رسالة ربه، وأن يصدع بما يؤمر.
فترة غياب روح القدس:
١٩٩- علم النبى ﵊ أنه يحمل تكليفا كبيرا، وأنها منزلة كبيرة يعلو فيها بإنسانيته، فأصبح المرهوب محبوبا مرغوبا، بعد أن خشى من لقاء روح القدس، جبريل ﵇، صار يتمنى أن يلقاه. ليلقى أمر الله تعالى، ويستجيب له، ويحمل الأمانة التى اختاره الله تعالى لها.
لقد كان يتوقع أنه سيراه بعد أن يعود إلى الغار، لكنه لم يجيء إليه وفتر عنه، فظن فى نفسه الظنون، ولعله ظن أن ما اعتراه من خوف فى اللقاء الأول نحى تكليفه القيام برسالة، ولقد كان حريصا على الاستجابة للدعوة إلى الحق، والحريص على القيام بأمر يستعجله، ويستبطيء غيابه، ولعله خشى أن يكون ما أخبره به العالم الخبير ورقة بن نوفل لم يصادف الحق، ولعله تكون الرؤيا التى راها، والمشاهدة التى عاينها
[ ١ / ٢٧٥ ]
تشبه ما يدعى للكهان، وهى أمر يبغضه، ويستنكره. لعل هذه الخواطر وغيرها أقلقته فاستبطأ الوحي، وتمناه، وعلم أنه لا يستقر مرة إلا إذا عاد الوحى إليه، شق ذلك الانقطاع على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، خشية على النعمة التى توقع أن ينعم الله تعالى به عليها.
ويقول فى ذلك ابن إسحاق «ثم فتر الوحى فتر من ذلك، حتى شق عليه صلى الله تعالى عليه وسلم فأحزنه» .
ذكر البخارى فى صحيحه أنه كان يذهب إلى غار حراء ينتظر حيث ينزل عليه الروح القدس جبريل ويقول فى ذلك «ثم فتر الوحى، حتى حزن النبى ﵊ فيما بلغنا حزنا غدا منه مرارا كى يتردى من رؤس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة لكى يلقى نفسه تبدى له جبريل، فقال:
يا محمد إنك رسول الله حقا، فيسكن جأشه، وتقر نفسه فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحى غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل، فقال مثل ذلك» وهكذا حتى انتهت فترة الانقطاع.
وقد جاء فى الصحيحين عن جابر بن عبد الله «سمعت رسول الله ﷺ يقول: بينما أنا أمشى سمعت صوتا من السماء فرفعت بصرى، فإذا الملك الذى جاءنى بحراء قاعد على كرسى بين السماء والأرض فجنبت منه فرقا حتى هويت إلى الأرض، فجئت أهلى فقلت زملونى» فأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنْذِرْ. وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ. وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ. وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ «١» ثم حمى الوحى وتتابع «٢» .
وإن هذا يدل على أن الفترة التى انقطع فيها جبريل عن محمد بن عبد الله ﵊ شوقا لأن يعود الوحى، وإن شوقه إلى تلقى الوحى بعد هذه الفترة جعله محبوبا مرهوبا، أو على الأقل لا يكون فزعه منه، كفزعه الأول الذى كان عقب الرؤيا بالمعاينة لجبريل ﵇.
مدة الفترة:
٢٠٠- لقد اختلفت الروايات فى مدة الفترة التى انقطع فيها الوحى، ما بين رواية تذكرها طويلة، وأخرى تذكرها قصيرة. فقد جاء فى المواهب اللدنية أنها بلغت ثلاث سنين، ولا شك أن هذه مدة طويلة نستبعدها، وإن كانت قد ذكرت فى كتب السيرة، والسبب فى استبعادنا لها- أنها لا تتفق مع كون النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كان فى مشقة شديدة من تلك الغيبة حتى إنه كان يرتفع إلى شواهق الجبال ليتردى من أعلاها، وكان يتكرر ذلك، وإن الله تعالى أجل من أن يلقى بمن اختاره رحمة للعالمين
_________________
(١) سورة المدثر: ١- ٥.
(٢) البداية والنهاية لابن كثير ج ٣ ص ١٦.
[ ١ / ٢٧٦ ]
يعيش فى ذلك القلق والاضطراب تلك المدة الطويلة من غير أن يعرف له غاية ينتهى عندها، وفوق ذلك، فإن الاستعداد لأمر خطير لا يستمر تلك المدة الطويلة، بل هى قد تحمل على النسيان بين اللقاءين، وإن المصادر الأصلية، والأحاديث لم تذكرها، فلم يذكرها ابن اسحاق، ولم يروها البخارى.
ولقد قال السهيلى إن المدة سنتان ونصف، وقيل إنها سنتان، وقيل فيها مدد مختلفة أقلها ثلاثة أيام وأكثرها أربعون، وقد روى أن ابن إسحاق جزم بأن الذين قالوا ثلاث سنين أو سنتين قولهم وهم.
وإن الذين قالوا إنها ثلاث سنين استندوا إلى ما جاء فى تاريخ الإمام أحمد، ويعقوب بن سفيان عن الشعبى أنه قال: «الفترة وهو ابن أربعين سنة، فقرن بنبوته إسرافيل ثلاث سنين، وكان يعلمه الكلمة» .
وهذه الرواية لا نحسب أنها عالية مما يوجب الريب، فأولا: نذكر أن إسرافيل هو الذى كان يعلمه فى مدة ثلاث السنين، ولم يثبت ذلك، بل الثابت أنه من أول تلقى نور السماء اتصل به جبريل الأمين روح القدس، وثانيا: أن الشعبى تابعى ولم يذكر من الذى نقل له هذا من الصحابة، وقد أنكره كثير من الرواة، فقد قال الواقدى إنه لم يكن من الملائكة من قام بالاتصال بالنبى ﵊ إلا جبريل ﵇.
وفى الجملة أنه بعد ذلك البيان نرى أن تقدير مدة الفترة بالسنين أيا كان مقدارها غير معقول ولا مقبول، وليس له سند صحيح حتى يكون منقولا، حجته النقل. وإنما الذى نعتقده أن المدة لابد أن تكون فى دائرة الأشهر، ولعلها خمسة أشهر وبعض، على ما نشير من بعد.
٢٠١- إلى هنا ذكرنا اللقاء الأول للوحى النبوى، الذى أفاض الله به تعالى على محمد بن عبد الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ولكن لا ننتهى من هذا الجزء، وننتقل إلى ابتداء التبليغ، والقيام بعبء الدعوة، والجهاد فى سبيلها، من وقت أن صدع بأمرها، قبل أن نحقق الأمر، فى ثلاثة أمور تحدث العلماء فى أمرها:
أولها: الشهر الذى نزل فيه الوحى، أهو رمضان، وهو ما ذكرته كتب السيرة وما رجحناه وانتهينا إليه، وسقنا سيرة الرسول ﵊ الطاهرة عليه، وكان يصح ألا نذكر سواه، ولكن لم نرد أن نترك أمرا اختلف فيه العلماء من غير تمحيص، وبيان الصادق منها، وقد قيل إنه ربيع الأول، وقيل إنه رجب، فلابد من إزالة الشبه من حول الحق الصريح.
[ ١ / ٢٧٧ ]
ثانيها: أول نزول القران الكريم، أهى اية: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ «١» أم هى قوله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنْذِرْ «٢» . وسننتهى ان شاء الله تعالى بالتوفيق.
ثالثها: أنواع الوحى الذى خوطب به النبى صلى الله تعالى عليه وسلم.
الشهر الذى نزل فيه الوحى:
٢٠٢- جاء فى كتاب (زاد المعاد فى هدى خير العباد)، للإمام ابن القيم ما نصه:
«لما كمل له أربعون أشرقت عليه أنوار النبوة، وأكرمه الله تعالى برسالته، وبعثه إلى خلقه، واختصه بكرامته، وجعله أمينه بينه وبين عباده، ولا خلاف أن مبعثه صلى الله تعالى عليه وسلم كان يوم الاثنين، واختلف فى شهر المبعث، فقيل لثمان مضين من ربيع الأول سنة إحدى وأربعين من عام الفيل، هذا قول الأكثرين، وقيل: بل كان ذلك فى رمضان؛ واحتج هؤلاء بقوله تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ «١» قالوا أول ما أكرمه الله تعالى بنبوته وأنزل عليه القران فى رمضان جملة واحدة فى ليلة القدر إلى بيت العزة، ثم أنزل منجما بحسب الوقائع فى ثلاث وعشرين سنة » .
وإن هذا الكلام يستفاد منه بصريح اللفظ أن النبى ﵊ بعث فى سنة ٤١ من عام الفيل عند الأكثرين، وإذا كان النبى ﵊ قد ولد باتفاق المؤرخين فى عام الفيل، فيكون النبى ﵊ قد بعث بعد أن بلغ الأربعين وتجاورها بسنة، ولكن يظهر أن أنوار النبوة كما قال ابن القيم أشرقت عليه قبل أن يبلغ الحادية والأربعين، وتكون أنوار النبوة سابقة على البعث، ببضعة أشهر، إذ أن كلامه يفيد بصريحه أن أنوار النبوة جاءت فى الأربعين، لا بعد مرور سنة الأربعين كاملة.
والمشهور الذى عليه الجمهور هو أنه بعث فى سنة الأربعين فى رمضان فى اليوم السابع والعشرين من رمضان، وهذا هو المشهور، وهو الراجح، وقيل فى السابع، وقيل فى الرابعة والعشرين.
وإننا نستطيع التوفيق بين هذه الروايات، فنقول:
إن أول مجيء الوحى كان فى السابعة والعشرين من رمضان سنة ٤٠، ولكن التكليف بالتبليغ كان فى شهر ربيع فى الثامن من ربيع، ويكون الفارق الزمنى بين الأمرين هو أربعة أشهر (شوال وذو
_________________
(١) سورة العلق.
(٢) سورة البقرة: ١٨٥.
[ ١ / ٢٧٨ ]
القعدة وذو الحجة، والمحرم، وسبعة أيام من ربيع)، أى أربعة أشهر وبعص الشهر، وإن ذلك يهدينا إلى مدة الفترة التى انقطع فيها الوحى النبوى، والتى كانت شاقة، وقد جاء هذا بالإشارة لا بالعبارة فى شرح المواهب اللدنية، فقد جاء فيها ما نصه: «وجمع بين النقلين» أى النقل بأنه بعث فى رمضان، والنقل الذى يقول إنه فى ربيع، بما ما فى ذلك حديث عائشة «أول ما بديء به الوحى الرؤيا الصادقة» فيكون نبيء فى شهر ربيع بالرؤيا الصادقة، ثم أتاه جبريل فى رمضان «١» .
ونرى أن صاحب المواهب نقل عن ابن حجر فى فتح البارى ذلك التوفيق، ولكنا نوافقه فى أصل التوفيق، ونخالفه فى استنباطه فى القول بالرؤيا الصادقة كان فى ربيع سنة ٤١ ونزول جبريل كان فى رمضان سنة ٤١ أيضا، وذلك لأن الذين قالوا إن النزول كان فى رمضان، قالوا وقد بلغ النبى صلى الله تعالى عليه وسلم الأربعين لا الحادية والأربعين، وللتوفيق الكامل نقول أنه كان فى رمضان سنة ٤٠ كانت الرؤيا الصادقة، التى أعقبها لقاء جبريل، وقد ذكره بما رأى وكان تصديقه بالمعاينة ثم فتر الوحى من بعد ذلك فترة شقت على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وكان نزول القران الكريم وتتابعه، وهذا يعطينا بيان مدة الفترة، الذى ذكرناه ظنا، ونراه الان رواية صادقة، وأنه ملتقى الروايات التى يبدو فيها تضارب، ولكنه يتكشف بهذا أنه لا تضارب، بل تلاق بين النصوص.
أول ما نزل من القران الكريم:
٢٠٣- إن السياق الذى ذكرناه انفا وهو الذى أجمع عليه رواة السيرة، أن جبريل روح القدس ﵇ خاطب محمد بن عبد الله صلى الله تعالى عليه وسلم بعد رؤياه الصادقة بما جاء فى وحى الرؤية تماما، فقال له اقرأ، فقال لا أقرأ.. إلى اخر المذاكرة الروحية بينهما، التى انتهت بأن نقل عن ربه قوله تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ «٢» .
وإذا كانت هذه من القران الكريم، ومن ينكر ذلك فعليه أن يتوب، فإنها بلا ريب أول القران الكريم نزولا، واذا كنا قد انتهينا إلى أن أول القران الكريم نزولا كان فى رمضان، وأن أول الوحى كان فى رمضان، فرمضان شهر القران الكريم، كما هو شهر الوحى، وكما قال الله تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ «٣» .
_________________
(١) شرح المواهب اللدنية ج ١ ص ٢٠٧
(٢) سورة العلق: ١- ٥.
(٣) سورة البقرة: ١٨٥.
[ ١ / ٢٧٩ ]
هذه حقائق سائغة، لا ريب فيها، ولا اختلاف، ولا تثير ريبا ولا خلافا.
ولكن الروايات تجىء بما يفيد ظاهرها المعارضة بينها وبين ذلك الحق الصادق الذي لا ريب فيه، ولا مجال للريب فيه، ولنذكر بعض هذه الروايات لنبين أنه لا تعارض فى حقيقة الأمر.
لقد ثبت فى الصحيحين البخارى ومسلم عن يحيى بن أبى كثير قال سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن: أى القران أنزل قبل غيره فقال: «يا أيها المدثر» فقلت: واقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ؟
فقال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: فنوديت فنظرت من بين يدى وخلفى وعن يمينى وعن شمالى، فلم أر شيئا، ثم نظرت إلى السماء، فإذا هو على العرش فى الهواء، فأخذتنى رعدة، أو قال وحشة، فأتيت خديجة، فأمرتهم فدثرونى فأنزل يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنْذِرْ. وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ. وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ وفى رواية أخرى ما يشير بأن هذه الاية ليست الأولى، وليس ما فيها أن رؤية جبريل روح القدس الأولى، فقد قالت: فإذا الملك الذى جاءنى بحراء جالس على كرسى بين السماء والأرض «١» فجنبت منه فرقا- إلخ، وهو ذكر لما تضمنه الضمير فى الرواية الأولى التى تقول: «فإذا هو على العرش فى الهواء» .
وإن هذا يفيد بلا ريب أن الوحى جاء ابتداء فى غار حراء، وفيها نزل اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ثم جاء ثانيا وليس أولا كما توهم أبو سلمة نزول الوحى «يا أيها المدثر» .
وإن نظرة فاحصة تبين لنا أن أول القران الكريم نزولا هو اقرأ، كما هو الأصل الذى لا مراء فيه، ولكن فترة الوحى هى خمسة أشهر وبعض الشهر، ثم جاء فيها الوحي: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وقد انتهينا إلى أن الفترة ابتدأت بعد أن نزل قوله تعالى اقْرَأْ فى رمضان من سنة ٤٠ هـ، وانتهت الفترة فى ربيع سنة ٤١ هـ من عام الفيل.
والحق أن الروايات غير متضاربة للمتأمل البصير، فإن أول ما نزل بالقران الكريم لم يكن فيه الأمر بالتبليغ، بل كان فيه اللقاء بروح القدس، والإعلام بالقران الكريم، ويمغزاه الأول، وهو تعليم الخلق، وبيان الحق، وأنه كتاب الله تعالى، يقرأ باسمه ويعرف به ذكره، أما تكليف القيام بالتبليغ، فقد جاء فى قوله تعالي: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنْذِرْ. وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ.
وإلى هذا أشار ابن كثير، فقال فى الرواية التى جاءت فى البخارى عن عبد الرحمن بن أبى سلمة: «لا ينفى هذا تقدم إيحاء جبريل إليه أولا: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ثم التقى به جبريل بعد نزول قوله تعالي: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنْذِرْ. وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ. وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ. وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ، ثم حمى الوحى وتتابع- أى تدارك شيئا بعد شيء- وقام حينئذ رسول الله صلى الله تعالى
_________________
(١) البداية والنهاية ج ٣ ص ١٧.
[ ١ / ٢٨٠ ]
عليه وسلم فى أداء الرسالة أتم القيام، وشمر عن ساق العزم، ودعا إلى الله تعالى القريب والبعيد، والأحرار والعبيد، فامن به حينئذ كل لبيب نجيب سعيد، واستمر على مخالفته وعصيانه كل جبار عنيد.
مراتب الوحى وشكله:
٢٠٤- نتكلم فى هذا الجزء من البحث عن الوحى الذى كان ينزل على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، والذى ابتدأ بالرؤيا الصادقة وتتابع، وجاء شيئا فشيئا، حتى تم القران الكريم نزولا، فى مدى ثلاث وعشرين سنة كاملة.
لقد جاء النص القرانى بطرق خطاب الله تعالى لأنبيائه، فقال تعالى: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ، أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا «١» .
ولا شك أن هذه طرق لحصر خطاب الله تعالى لمن يختارهم من خلقه لخطابه، فمن أى كان الخطاب لمحمد بن عبد الله ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم؟ ونجيب فى هذا المكان؛ لأننا فى مقام أول نزول الوحى، فلنسر فى مداه إلى نهايته.
يذكر ابن القيم فى كتابه (زاد المعاد) أن للوحى سبع مراتب، فلنعرج على كل واحدة بكلمة موضحة فى إيجاز، وربما نجد المقسم لا يشمل ذلك العدد، لأن بعضها يدخل فى بعضه، فالحدود فى الأقسام غير فاصلة.
المرتبة الأولى:
الرؤيا الصادقة: وقد كانت تلك المرتبة قائمة عند النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، حتى إذا كان البعث المحمدى كانت الرؤيا الصادقة هى أول ما نزل به القران الكريم، كما جاء فى سيرة ابن إسحاق، ثم تأكدت الرؤيا بمخاطبة روح القدس جبريل ﵊، فكانت مصدقة بالخطاب.
وقد كانت هذه الرؤيا توجب التكليف أحيانا، كما جاء فى قصة خليل الله تعالى إبراهيم ﵇ فى قصة الفداء، إذ قال تعالى حكاية عن قول إبراهيم: رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ.
فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ. فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ، قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى، قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ، سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ. فَلَمَّا أَسْلَما، وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ. وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ. قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا، إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ. إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ. وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ «٢» .
_________________
(١) سورة الشورى: ٥١.
(٢) سورة الصافات: ١٠٠- ١٠٧.
[ ١ / ٢٨١ ]
ونرى من هذا أن خليل الله تعالى إبراهيم ﵇، فهم من هذه الرؤيا تكليفه ذبح ابنه، فقبل التكليف صابرا، محتملا، وهو ابنه البكر، واستجابة دعوته ﵇، وكان ذلك البلاء المبين حقا، فقد استجاب للطلب إبراهيم، وقبل الاستجابة إسماعيل صابرا، فكانا من المحسنين، ونعم الصابرون.
والمرتبة الثانية،
عبر عنها ابن القيم بأنها ما كان يلقيه الملك فى روعه وقلبه، وهذا التعبير يستفاد منه أن الملك هو الوسط بين الله ورسوله، فهو ينفث فى روع الرسول، وبأمر الله تعالى، فكان بذلك وحيا، وكان بطريق الملك، ولقد مثل له ابن القيم بقوله ﵇: «إن روح القدس نفث فى روعى أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها فاتقوا الله وأجملوا فى الطلب» والفرق بين الوحى بهذا المعنى والوحى بلقاء جبريل وروح القدس، أن لقاء جبريل عيانا فى حال المخاطبة. إنما فى هذه الحال، فاللقاء فى النفس وفى القلب والعقل، وربما نعد حينئذ أن يكون هذا من إرسال رسول، ولو كان بإلهام الله تعالى المجرد، وهو ما نميل إليه إذا استيقن الرسول أن ذلك إلهام من الله تعالى، فإنه كلام الله تعالى بالوحى المجرد من غير توسط رسول.
المرتبة الثالثة:
مخاطبة الملك، حتى كان يتمثل رجلا، فيخاطبه حتى يعى عنه ما يقول له، فقد كان يأتيه متمثلا فى رجل يظنه النبى ﷺ من الإنس لا من الملائكة. فقد كان يأتيه فى صورة دحية الكلبى، كما روى ذلك النسائى بسند صحيح من حديث ابن عمر، ولقد قيل أن مجيء جبريل على صورة دحية الكلبى كان بعد بدر، ويقول ابن القيم وكان دحية رجلا وسيما، إذا قدم لتجارة خرجت الظعن «١» لتراه، وإن مجيء جبريل فى صورة رجل، ليس معناه أن جبريل الأمين نزع من روحانيته، أو ذهبت عنه الروحانية، إنما هو لا يزال روحا، والذى ظهر به هو ظهور للروح فى صورة جسدية، ومعانى الملك لا تزال ثابتة قائمة، ولا يوجد ما يمنع عقلا أن تظهر الروح فى صورة إنسان له جسد.
ودحية لا شأن له فى هذا التغير الصورى، بل هو حى فى جسده يأكل ويشرب، ويمارس الحياة الإنسانية كاملة.
وكون روح القدس جبريل يظهر فى جسد لا يقتضى أن يتحول الجسد إلى ملك، ولا أن يتحول الملك إليه، وهى روح ليست حيوانية، ولا ثمرة للحيوية الإنسانية، حتى إذا تركت الجسد لا تفارقه الحياة، لأنها ليست أمرا عضويا، ولكنها روح ملك تفيض فى جسم يخلقه، أو تظهر فى جسم يخلقه الله تعالى، وهو الخلاق العليم، فإذا غاب الملك غاب معه الجسد الإنسانى.
_________________
(١) الظعن بضم الظاء والعين جمع ظعينة، وهى المرأة الجميلة.
[ ١ / ٢٨٢ ]
المرتبة الرابعة:
أنه كان روح القدس جبريل يأتيه مخاطبا له مثل صلصلة الجرس، ويقول ابن القبم كان أشده عليه، ويقول فى وصفه ابن القيم: «فيلتبس به الملك، حتى أن جبينه ليتفصد عرقا فى اليوم الشديد البرد، وحتى إن راحلته لتبرك به إلى الأرض، إذا كان راكبها، ولقد جاء الوحى مرة كذلك، وفخذه على فخذ زيد بن ثابت، فثقلت عليه، حتى كادت ترضها» .
وقد روى البخارى عن زيد: أرسل الله على رسوله، وفخذه على فخذى، فثقلت علي، حتى خفت أن ترض فخذى. وقد جاء فى الصحيحين والموطأ عن عائشة أن الحارث بن هشام سأل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: كيف يأتيك الوحى، قال: أحيانا يأتينى مثل صلصلة الجرس، وهو أشدها على، فيفصم عنى وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانا يتمثل لى الملك رجلا، ليكلمنى، فأعى ما يقول.
قالت عائشة: ولقد رأيته ينزل عليه الملك فى اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه، وإن جبينه ليتفصد عرقا «١»
ولا نريد أن نحاول توضيح هذه المرتبة، فإن تلك مراتب روحية لا نسمو إلى إدراك حقيقتها، ولكن نحاول أن نتصورها فقط، من غير تعرفها كاملا، فلا يعرفها إلا من عالجها، ولم يعالجها إلا المصطفون الأخيار الأبرار.
إن الذى فهمناه من ذكر فى هذه الحال أن روح القدس الطاهر يختلط بالنبى ﵊ ويمازج روحه وجسده، ويخاطبه بصوت قوى صارخ، فيه عنف كعنف صلصلة الجرس، يسمعه ﵊، ولا يسمعه غيره، ويحس فى نفسه، ولا يحس غيره، ويكلمه بكلام مفهوم، وإن كان فى صوت قوى، وكل ما فيه من خطاب قوى، ويكون باختلاطه بروح النبى، وبممازجته جسمه محدثا ثقلا جسميا ضاغطا على ما يكون رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم جالسا عليه، وإن الرسول ليعرف ما يقول، ويحفظه ويعيه ولا يجلهه، حتى إن انفصل عنه لا ينفصل إلا وقد وعى كل ما أراد أن يبلغه عن الله تعالت قدرته، وعظمت منته.
وقد روى العسقلانى فى المواهب أحاديث موضحة وشاهدة لهذه المرتبة من الوحى.
ومنها روى الطبرانى عن زيد بن ثابت قال كنت أكتب الوحى لرسول الله صلى تعالى عليه وسلم وكان إذا نزل عليه أخذته برحاء شديدة، وعرق عرقا شديدا مثل الجمان «٢»، ثم سرى عنه، وكنت أكتب، وهو يملى على، وربما وضع فخذه على فخذى حال الكتابة، فما أفرغ حتى تكاد رجلى تنكسر حتى أقول لا أمشى على رجلى، ولما نزلت عليه سورة المائدة كاد ينكسر عضد ناقته «٣» .
_________________
(١) شرح المواهب اللدنية ج ١ ص ٢٩.
(٢) الجمان: صغار اللؤلؤ، والبرحاء الحمى.
(٣) كان الكلام فى نزول اية: «اليوم أكملت لكم دينكم» لا فى سورة المائدة.
[ ١ / ٢٨٣ ]
وذكرت الناقة هنا لأن النبى ﵊، خطب خطبة الوداع فى عرفة وهو واقف، ونزلت اية الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي، وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا «١» فى هذا اليوم، وكان راكبا على الناقة.
المرتبة الخامسة:
قال فيها ابن القيم: «أنه يرى الملك فى صورته التى خلق عليها، فيوحى إليه ما شاء أن يوحيه» وهذا وقع له مرتين كما ذكر الله تعالى فى سورة النجم.
يشير إلى قوله تعالى: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى. ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى. وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى. عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى. ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى. وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى. ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى. فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى. فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى. ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى. أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى. وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى «٢»
فيفسر ابن القيم تلك الرؤية الروحية بأنها رؤية جبريل بحقيقته، وهى فيما أحسب رؤية بنور البصيرة، وبقوة الروح، لا بنور البصر، ولا بشكل جسمى، لأن جبريل روح، فكيف يراه إلا أن يكون محسوسا، وبذلك لا تفترق هذه الحال عن الرؤية المشخصة مع أنها غيرها.
ولقد قال عبد الله بن مسعود: لم ير الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم جبريل على صورته التى خلق عليها إلا مرتين، أما واحدة فإنه سأله أن يريه نفسه، فسد الأفق، وأما الاخرى فليلة الإسراء عند سدرة المنتهى.
المرتبة السادسة:
ما أوحاه الله تعالى إليه وهو فوق السموات ليلة المعراج من فرض الصلاة وغيرها. ومؤدى كلام ابن القيم أن هذه المرتبة من الوحى هى التلقى عن الله ﷾ مباشرة، لا بطريق الرؤيا الصادقة فى المنام، ولا يقتضى ذلك رؤية، لأنه قد يكون الله يكلم العبد المختار للرسالة من عباده من وراء حجاب، ليكون الكلام مع الله تعالى من غير رؤية لذاته العلية، فقد سئل ﵊:
هل رأيت ربك، «فقال إنه نور، فأنّى أراه» وإن هذا التفسير الذى اخترناه يتلاقى مع المرتبة السابعة التى سنذكرها، وإذا أردنا التمييز فإننا نقول إن هذه هى من الله مباشرة من غير توسط، وهو ما كان ليلة المعراج، فالذى نتصور على مقدار ما يقرر ابن القيم، أنه ليس بكلام تكلمه رب العالمين، ولكن وحى مباشر.
المرتبة السابعة:
هى الكلام من وراء حجاب، وقد قال فيها ابن القيم: «كلام الله إليه أى الرسول ﷺ بلا واسطة ملك، فكلم الله تعالى موسى بن عمران، وهذه المرتبة ثابتة
_________________
(١) سورة المائدة: ٣.
(٢) سورة النجم: ١- ١٣.
[ ١ / ٢٨٤ ]
لموسى قطعا بنص القران الكريم، وثبوتها لنبينا صلى الله تعالى عليه وسلم فى حديث الإسراء، وبهذا التفسير يتبين أن السابعة داخلة فى السادسة، وليست كل واحدة منهما مرتبة قائمة بذاتها «١» .
وفى الحق فإن هذه المراتب متداخلة، والمراتب كلها مذكورة فى القران الكريم، فى قوله تعالى: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ «٢» .
دعوة الحق
٢٠٥- بعد أن فتر الوحى نحو ستة أشهر أو دون ذلك قليلا، جاء التكليف بالتبليغ،. وتحمل عبء الرسالة الإلهية إلى الخلق أجمعين ناداه ربه بالأمر بأن يرفع من ثيابه ما كان يجر، ولا يكتفى بالتعبد فى غار حراء، وإن كان ذلك كافيا لتهذيب نفسه، وتصفية روحه، وأن يكون متصلا بربه خفية وتضرعا. فإنه لا يكفى لرسول أمين، بل لابد أن يتكلم عن ربه أمام العالمين، وتكون معه العبادتان:
العبادة الفردية بتهذيب ذاته وتقوية روحه، وتوجيه نفسه إلى الله واحده الذى لا يغيب عنه شيء فى السماء ولا فى الأرض، والعبادة الجماعية بأن يتقدم لدعوة الحق ودعوة الناس إلى الانصراف لعبادة الله واحده.
وإصلاح الخلق، والسير بهم فى المحجة الواضحة التى ليلها كنهارها. وهذه غاية الرسالة الكبرى التى حملها خاتم النبيين محمد بن عبد الله ﵊.
أمره الله تعالى بعد أن ناداه النداء المؤكد: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنْذِرْ. وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ. وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ. وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ. وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ «٣» .
تضمنت هذه الايات الكريمات، الإنذار بالعذاب الشديد إن استمروا، وبالدعوة إلى عبادة الله تعالى، وتطهير الثياب ظاهرا وباطنا، وبترك الفساد وهجر الشر، وعبادة الله تعالى هى السبيل لدفع الشر، ومنع الأذى، وفى الجملة هذه الايات التى تعد أول طلب لتبليغ الدعوة تشتمل على ثلاثة أمور هى خلاصة الدعوة المحمدية، أو ترمز لكل نواحيها التكليفية. أولها- الإيمان بالعقاب والحساب، وقد أشار إليها ﷾ بالأمر بالإنذار ففيه إشارة إلى اليوم الاخر وما يكون فيه من حساب وجزاء إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. والأمر الثانى تربية النفس الإنسانية بالعبادة والصبر، وتطهير القلوب بالخلوص لله ﷾، وتكبيره واحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وقد أشار إلى ذلك بقوله تعالى
_________________
(١) المراتب مذكورة فى زاد المعاد ج ١ ص ٢٥، وفى المواهب اللدنية وشرحها ج ١ ص ٢٢٥ وما بعدها.
(٢) سورة الشورى: ٥١.
(٣) سورة المدثر: ١- ٧.
[ ١ / ٢٨٥ ]
وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ. وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ، والأمر الثالث- إماطة الأذى عن الجماعة التى يعيش فيها.
ونفعها، وقد أشار سبحانه إلى ذلك بقوله: وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ، وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ.
وبذلك يتبين أن الايات الكريمات رمزت إلى خلاصة الحقائق الإسلامية التى يقام عليها الإسلام، وهى الواحدانية والإيمان باليوم الاخر وتطهير النفوس ودفع الفساد، وجلب النفع.
مراتب الدعوة:
٢٠٦- ذكر ابن القيم فى زاد المعاد أن مراتب الدعوة خمس مراتب:
الأولى النبوة:
فلا يدعو إلى الحق الذى نزل من عند الله تعالى إلا نبى وقد اعتبرها ابن القيم المرتبة الأولى، ونحن لا نعتبرها كذلك، إنما نعتبرها كيان الدعوة، فلا دعوة إلى الإيمان برسالة إلا من نبى مرسل، فهى دعامة، وليست مرتبة يبتدأ بها، بل هى الأصل ولب الدعوة.
المرتبة الثانية: إنذار العشيرة الأقربين
، وقد أمر الله تعالى بذلك فقال سبحانه وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ. وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ «١» وقد بدأ النبي ﵊ دعوة عشيرته، فدعا بنى عبد مناف وقال لهم: أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادى تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقى؟ قالوا: ما علمنا منك كذبا، فقال ﵊: «إنى رسول الله إليكم بين يدى عذاب شديد، وإنها للجنة أبدا وللنار أبدا. أو كما قال صلى الله تعالى عليه وسلم.
والمرتبة الثالثة: إنذار قومه
، وقد سلك محمد ﵊، ذلك المنهاج الذى انتقل فيه من الحيز الضيق إلى ما هو أوسع، ثم إلى ما هو أعم، فانتقل من إنذار عشيرته الأقربين إلى قومه من قريش قريبهم وبعيدهم.
وقد أنذر ﵊ فى هذه المرتبة سكان مكة المكرمة وما حولها.
المرتبة الرابعة: عبر عنها ابن القيم بقوله،
إنذار قوم ما أتاهم من نذير من قبله إلا كانوا به مؤمنين، وهؤلاء هم العرب فى الجزيرة العربية قاصيهم ودانيهم، سكان المدر منهم وسكان الوبر، وبذا عمت دعوة كل من ينطق بالعربية من غير تفرقة بين قريب وبعيد.
والمرتبة الخامسة: تبليغ الدعوة إلى غير العرب
من الرومان والفرس والشام ومصر والحبشة برسل أرسلهم وبكتب كتبها، ثم بث الدعاة، وجهز الجيوش التى تدافع من هجموا أو حاولوا
_________________
(١) سورة الشعراء: ٢١٤- ٢١٥.
[ ١ / ٢٨٦ ]
الهجوم، أو حاجزوا بين الإسلام ودعوته، وحالوا بين الشعوب ومعرفته، فكان الجهاد ليتبين الرشد من الغىّ، والهدى من الضلال، ومن بعد ذلك يختارون عن بينة، فقد قال تعالى: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى، لَا انْفِصامَ لَها، وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ «١» .
وقد سلك النبى ﵊ تلك المراتب، وإن كانت التفرقة بين الرتبة الثانية والثالثة دقيقة إذ لا تكادان تنفصلان، والمرتبة الأولى لا تعد مرتبة للدعوة، ولكنها مرتبة التهيئة لها، ولعله يريد منها ما كان من نزول قوله تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ إلى اخر الايات الكريمات، التى نزلت فى أول لقاء النبى ﷺ بروح القدس جبريل ﵊، إلى نهاية الفترة التى قدرناها بما دون ستة الأشهر وتنتهى عند نزول قوله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنْذِرْ. وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ. وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ «٢»
٢٠٧- وقد كانت الدعوة من بعد ذلك خفية، يلتقى بالأولياء والأصدقاء المقربين، والصفوة المختارة من الصحب الأبرار، وهذه هى المرتبة الثانية.
وإنما كانت الدعوة ابتداء خفية لتتكون خلية الإسلام، وإن الخلايا يكون بذر البذور فيها بالكتمان لأن الجهر يبددها قبل أن تتكون حتى ينمو عودها وتتكون سوقها.
فكل فكرة جديدة لابد أن يلتقى حولها قلوب مؤمنة بها ويتولى من بعد ذلك إعلانها والمجاهرة بها، ثم لابد من تكوين من يتقدمون الدعوة، ومثل الدعوة الخفية، كمثل تكوّن الجنين فى بطن أمه، فإنه لا يظهر للوجود حيا حياة كاملة، صالحا لأن يقاوم دواعى الفناء، والأخذ من عناصر البقاء والتغذى بكل أسباب القوة، فكذلك الدعوة إلى كل فكرة، تقتضى التدبير الخفى، ثم الإعلان الجلى.
ولذلك كانت الدعوة الأولي، ثم كانت المراتب التى تليها.
ولقد يقول الرواة إن الاستخفاء كان نحو ثلاث، كانوا يستخفون بها فى العبادة والمذاكرة، وقالوا إنها كانت فى دار الأرقم بن أبى الأرقم.
ولكن يجب أن نعلم أن الاستخفاء فى هذه الفترة ليس الاستخفاء بالدعوة، فقد كان النبى ﵊ يعلن ما جاء به من نذير، وما فى جعبته من تبشير، ولكن الذى يستخفى به هو إقامة العبادة التى دعا إليها رب العالمين، ولذلك كان اضطهاد المؤمنين من الضعفاء واضطهاد النبى ﵊ قبل أن يسلم حمزة وعمر، وخروج المسلمين صفوفا معلنين الإسلام مجابهين المشركين متحدّين قوة الشرك بقوة الله تعالى وقوة الحق، والصبر المستعذب، وإن كان مريرا.
_________________
(١) سورة البقرة: ٢٥٦.
(٢) سورة المدثر: ١- ٤.
[ ١ / ٢٨٧ ]
ثم من بعد ذلك كانت المجاهرة الكاملة التى تشق الصفوف المشركة بنور الحق، وإشراق الإخلاص، إذ أمر الله تعالى أمرا جازما قاطعا إذ قال تعالت كلماته فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ «١» .
وقد أخذ ﵊ من بعد نزول هذه الاية يجاهر المشركين، ويجادلهم بالقران الكريم، ويصابرهم فى اطمئنان المؤمن بالحق فيما يدعو إليه، يجادلهم بالقران الكريم يتلوه عليهم، ويتحداهم أن يأتوا بمثله، وهم يتهددونه وينذرونه وأهله، ويقاطعون بنى هاشم، إلى اخر ما سنقرر من بعد.
وبنو هاشم ما عدا أبا لهب ومعهم بنو المطلب يسيرون معه صفا واحدا اعتبارا للقرابة عند الأكثرية منهم ولأجل الحق عند غيرهم.
حتى إذا مات أبو طالب الذى كان عالى الصوت باسم القرابة والمحبة، أخذ محمد ﵊ يدعو القبائل فى مواسم الحج، وفى وفودها، حتى إذا صار للإسلام الكلمة العليا فى الجزيرة العربية فاضت الواحدانية بالنور على من وراء البلاد العربية إلى الأقاليم التى تصاقبها إقليما بعد إقليم.
أول من أسلم
٣٠٨- اتجه محمد ﵊ إلى تكوين الخلية الأولى للإسلام، فاتجه إلى الذين يعاشرونه ابتداء،. وكان يعاشره ثلاثة: أولهم أم المؤمنين خديجة، السكن، والمواسية، والحانية، والرقيقة، وأم أولاده، والرفيقة الرؤم، والثانى على بن أبى طالب، وقد كان فى كلاءة النبى ﵊ وكفالته، وهو له المؤدب والمربي، ذلك أن أبا طالب كان كثير العيال قليل المال، وعند ابن أخيه محمد ﵊ فضل يسار ومال من عمله فى التجارة فى مال خديجة، وعند العباس عمه مال وفير، إذ كان من أثرياء قريش.
ولقوة إحساس محمد ﷺ وصلة رحمه وما عنده من مودة فى القربى ذكر حال عمه للعباس واقترح أن يأخذ كل منهما ولدا من أولاد أبى طالب يكفله، فكان من نصيب محمد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على كرم الله وجهه، وعندما جاءت الدعوة الإسلامية، ونزل الوحى الإلهى كان على فى العاشرة.
وثالث الثلاثة زيد بن حارثة بن شرحبيل، وكان عربيا من بنى كلب.
_________________
(١) سورة الحجر: ٩٤.
[ ١ / ٢٨٨ ]
كان الرق قد جرى عليه بالطريقة الجاهلية، إذ قد أخذته جماعة من الفرسان وهو ابن ثمانى سنوات، وباعوه فى سوق من الأسواق، وال أمره إلى خديجة أم المؤمنين، ثم وهبته لرسول الله ﷺ، فكان عبدا له على مقتضى ما كان عليه الناس إبان ذاك.
وقد جزع أبوه عليه جزعا شديدا، وبكى لفقده، وقد قال فى ذلك شعرا جاء فيه:
بكيت على زيد وما أدرى ما فعل أحى فيرجى أم أتى دونه الأجل
فو الله ما أدرى وإنى لسائل أغالك بعدى السهل أم غالك الجبل
ويا ليت شعرى هل لك الدهر أوبة فحسبى من الدنيا رجوعك لى بجل «١»
تذكرنيه الشمس عند طلوعها وتعرض ذكراه إذا غربها أفل «٢»
وإن هبت الأرواح هيجن ذكره فياطول ما حزنى عليه وما وجل
سأعمل نص العيس فى الأرض جاهدا ولا أسأم التطواف أو تسأم الإبل «٣»
حياتى أو تأتى على منيتى فكل امرئ فان وإن غره الأمل «٤»
أخذ يبحث عنه فى طول بلاد العرب، حتى عثر عليه عند رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قبل البعثة، ومحمد بن عبد الله ﷺ عدو الرق بفطرته لم يرد أن يحتجنه عنده غير مختار، فخيره بين أبيه والمقام عنده، وقال: إن شئت فأقم عندي، وإن شئت فانطلق مع أبيك.
ولكن الشاب قد اختار له، فاختار أن يقيم مع محمد ﷺ وهو يلمح نور النبوة عن الحرية مع أبيه واله، ولكن أباه أخذ يلومه، فقال له: «يا زيد تختار العبودية على أبيك وأمك» فقال ابن الكريم. «إنى قد رأيت من هذا الرجل شيئا، وما أنا بالذى أفارقه أبدا» .
عند ذلك الوفاء أخذ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بيده، وقام إلى الملأ من قريش، فقال:
اشهدوا أن هذا ابنى وارثا ومورثا.
رأى أبوه ذلك فطابت نفسه، وكان يدعى زيد بن محمد، فلما ألغى التبنى وقال تعالى فى المتبنين:
ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ، فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ «٥» .
_________________
(١) بجل بمعني حسم أي حسم الشئ وأنهاه.
(٢) الأرواح جمع ريح، والوجل الخوف.
(٣) النص السير الكثير الشديد.
(٤) الشعر في سيرة ابن هشام ج ١ ص ٢٤٨.
(٥) سورة الأحزاب: الاية ٥.
[ ١ / ٢٨٩ ]
الإسلام فى بيت النبوة:
٢٠٩- كان أول الإسلام فى بيت النبوة، وأول الدعوة كانت فى بيت محمد ﵊، وقد كان الذين يكونونه، وبلغوا حد الإدراك المميز للحقائق الدينية فى الجملة، هم هؤلاء الثلاثة خديجة بنت خويلد الزوجة الطاهرة الوفية الأمينة الحانية على زوجها وثانيهم على بن أبى طالب الذى كان فارسا، وهو الذى رباه النبى ﵊، وثالثهم المولى المخلص الذى أزال محمد بن عبد الله ﷺ عنه الرق، ورفعه إلى شرفه من ذؤابة قريش، حتى كان يقال زيد بن محمد حتى ألغى الله تعالى التبني، ولكنه ألغاه وزيد شريف بالإسلام والإيمان، وشريف بحريته واحترام نسبه الأصلي، الذى لم يرنق برق.
لقد امنت خديجة منذ أن التقى محمد بن عبد الله ﷺ بروح القدس، جبريل ﵇، وعاد إليها يرجف فؤاده، وأخبرها ورقة بن نوفل بمكانة محمد ﵊، وأنه رسول هذا الزمان، وأنه لا نبى بعده.
امنت به منذ الابتداء، وكان إيمانها أمنا وسلاما، فقد كانت هى السكن الذى يأوى إلى ما فيه من رحمة وسط عنف المعارضة، وشدة المقاومة، وكما قال ابن هشام فى سيرته: «وازرته على أمره، وكانت أول من امن بالله وبرسوله، وصدق بما جاء به، فخفف الله تعالى بذلك عن نبيه صلى الله تعالى عليه وسلم، لا يسمع شيئا مما يكرهه من رد عليه وتكذيب له، فيحزنه ذلك، إلا فرج الله تعالى عنه بها إذا رجع إليها، تثبته وتخفف عليه، وتصدقه وتهون عليه أمر الناس» رضى الله ﵎ عنها.
وإنها بذلك صارت لها منزلة فوق منزلة نساء الأنبياء أجمعين، بل صارت لها منزلة فى الذروة بين نساء العالمين حتى صارت ثالثة بين فضليات النساء فى الخليقة، وهى مريم العذراء التى خاطبتها الملائكة من السماء، وبضعة رسول الله ﷺ وبضعتها، فاطمة الزهراء.
وقد أرسل الله تعالى لها تحية طيبة مباركة من السماء، فقد أمر الله تعالى نبيه أن يخبرها على لسان جبريل بأن الله تعالى يقرئها السلام، وروى عبد الله بن جعفر بن أبى طالب أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أمر بأن يبشر خديجة ببيت من قصب (والقصب هو اللؤلؤ المجوف) لا صخب فيه ولا نصب.
إنها أقامت بيتا للنبى ﵊ فيه الهدوء والبركة والأمن والسلام يلقى فى خارجه غبار الصخب، وعناء النصب، فكتب الله تعالى لها بيتا فيه الراحة التامة، وفيه الرونق، وفيه الجمال، فيلتقى فيه جمال المنظر، بلطف الهدوء بعد اللغوب.
[ ١ / ٢٩٠ ]
ولقد أحست بمنزلتها عند الله تعالي، وخصوصا عندما أقرأها السلام بذاته الكريمة فقد ردت التحية فقالت مقال المؤمنة «الله السلام، ومنه السلام، وعلى جبريل السلام» فالتقى الإيمان الصادق، بالتنزيه لله، فجعلت الرد على جبريل، أما الله فهو السلام، وهو واهب السلام، فتعالت ذاته، ويقول فى التعليق على ردها شارح المواهب اللدنية «هذا من وفور فقهها، حيث جعلت مكان رد السلام على الله تعالى الثناء عليه، ثم غايرت بين ما يليق وما لا يليق» ومع كون هذا إدراكا سليما أقول إنه إحساس عميق وإيمان صادق بالله.
إسلام على:
٢١٠- كان على رضى الله تعالى عنه فى العاشرة من عمره، وقد تجاوز سن التمييز الأولى، وصار له إدراك فى المعانى الدينية. وذلك هو نظر علماء الإسلام من بعد. إذ أنهم اتفقوا على صحة إسلام الصبى المميز. واعتبار إسلامه وإن اختلفوا فى اعتبار ردته إذا تقرر إسلامه ابتداء. أو بوراثته للإسلام.
كان على رضى الله تعالى عنه وكرم الله وجهه فى سن التمييز عند بعثة النبى ﵊. وفيه ذكاء يسبق به أقرانه ومن فى سنه، وهو فوق ذلك فى مهبط الوحي، ومنزل النبوة، وما لا يصل إليه بالإدراك يصل إليه بالمحاكاة والقدوة الصالحة، وقبس النبوة يهديه. ونورها يسطع فيما حوله.
ولقد قالوا إنه ابتدأ نور الهداية باتخاذه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أسوة حسنة يقلدها ويحاكيها، ويتبع اثارها، ويقتفى مسالكه صلى الله تعالى عليه وسلم.
قال ابن إسحاق: «ذكر بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان إذا حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكة المكرمة. وخرج معه على بن أبى طالب مستخفيا من أبيه أبى طالب، ومن جميع أعمامه، وسائر قومه فيصليان الصلوات فيها، فإذا أمسيا رجعا، فمكثا كذلك ما شاء الله تعالى أن يمكثا.
ولكن عين أبى طالب كانت تتلفت حول ابنه وابن أخيه وحبيبه محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، ولذلك؛ رمقتهما- وهما يصليان، فاتجه إلى محمد ﵊، فقال له: يابن أخى ما هذا الدين الذى أراك تدين به. فقال: أى عم هذا دين الله ودين ملائكته، ودين رسله، ودين أبينا إبراهيم بعثنى الله به رسولا إلى العباد، وأنت أى عم: أحق من بذلت له النصيحة، ودعوته إلى الهدى، وأحق من أجابنى إليه وأعاننى عليه» .
دعاه محمد ﵊ إلى أمرين: أولهما الإيمان بهذا الدين. وثانيهما إعانة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم. وقد أجابه فى الثانية ولم يجبه فى الأولى فقد قال له: أى ابن أخي، إنى لا أستطيع أن أفارق دين ابائى وما كانوا عليه. ولكن والله لا يخلص إليك شىء تكرهه.
[ ١ / ٢٩١ ]
هذا ما كان بينه وبين ابن أخيه. وهو ينبيء عن نخوة كريمة، وتعصب لما كان عليه اباؤه تعصبا غير حسن فى ذاته. ولا من مثله من كبر عقله، وقوة نفسه. ولكن ذلك ما أراد الله تعالى لحكمة، ليرى الناس مثلا من أقوياء الرجال، يكون عظيما فى ذاته، ويكون مع ذلك مشركا، فهو عال فى نفسه، ليس كبيرا فى اعتقاده.
أما ما كان من أمره مع ابنه، فقد اتجه إليه يقول له: «أى بنى ما هذا الدين الذى أنت عليه. فقال له: يا أبت، امنت بالله وبرسول الله، وصدقت بما جاء به، وصليت معه لله واتبعته» .
وهنا نجد أبا طالب الحر الكبير فى نفسه فى معاملة ابنه، كما رأيناه مع ابن أخيه، فقد قال غير مضيق ولا متزمت، ولا ضائق الصدر، أما إنه لم يدعك إلا إلى خير فالزمه.
وروى ابن إسحاق مع ما ذكر رواية فيها زيادة إذ قال:
«إن على بن أبى طالب رضى الله ﵎ عنه جاء بعد ذلك بيوم أو يومين وهما يصليان (أى خديجة والرسول) فقال: أيا محمد ما هذا! قال النبى ﵊: دين الله تعالى الذى اصطفى لنفسه بعث به رسله، فأدعوك إلى الله تعالى واحده لا شريك له، وإلى عبادته، وأن تكفر باللات والعزي، فقال على: هذا أمر لم أسمع به قبل اليوم، فلست بقاصد أمرا حتى أحدث به أبا طالب، فكره رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن يفشى عليه سره قبل أن يستعلن أمره، فقال ﵊ له: «يا على إذا لم تسلم، فاكتم» فمكث على تلك الليلة، ثم إن الله أوقع فى قلب على الإسلام، فأصبح غاديا إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، حتى جاءه، فقال: «ماذا عرضت على يا محمد» فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «تشهد ألاإله إلا الله واحده لا شريك له وتكفر باللات والعزى وتبرأ من الأنداد» ففعل على ذلك وأسلم، ويروى أنه كتم إيمانه عن أبى طالب، ولكنه لما علم قال له: «وازر ابن عمك وانصره» .
هذه زيادة ذكرها ابن اسحاق فى رواية أخري، وهى لا تتعارض مع الرواية الأولي، ولكن تزيد عليها، فمؤداها أن على بن أبى طالب، كشأن من يكون فى سنه رأى أن يعرض الأمر على أبيه كالشأن فى كل أمر ذى شأن يعرضه الصبى على أبويه قبل أن يقدم عليه، ثم وقع فى قلبه الإيمان بما جاء به ابن عمه، طيب النفس رضيا، وكان أن تبعه فى صلاته فى شعاب مكة المكرمة.
أول أسرة فى الإسلام:
٢١١- أسلم من بعد ذلك أو مقارنا لذلك مقارنة زمنية «زيد بن حارثة، وهو الذى اختار محمد ابن عبد الله ﵊ على أبيه واختار أن يعيش فى كنف محمد ﵊ رقيقا،
[ ١ / ٢٩٢ ]
على أن يعيش فى أسرته حرا طليقا، فلابد أن يكون من أول الناس إسلاما، فانضم إلى الأسرة النبوية غير متلكيء، ولا متلعثم، ولا مضطرب، بل دخل مسرعا، غير متلوم.
اجتمع شمل الأسرة الكريمة على الإيمان، ولازم محمد ﷺ فى صلاته أم المؤمنين خديجة، وصفيه المجتبى على بن أبى طالب، ولقد جاء تاجر زائرا مكة المكرمة، ولنترك له الكلمة يقص ما رأى:
عن يحيى بن عفيف قال: «جئت زمن الجاهلية إلى مكة، فنزلت على العباس بن عبد المطلب، فلما طلعت الشمس وحلقت فى السماء وأنا أنظر إلى الكعبة. أقبل شاب، فرمى ببصره إلى السماء. ثم استقبل الكعبة. فقام يستقبلها. فلم يلبث حتى جاء غلام فقام عن يمينه. فلم يلبث حتى جاءت امرأة.
فقامت خلفهما، فخر الشاب ساجدا. فسجدا معه. فقلت: يا عباس. أمر عظيم. فقال: أتدرى من هذا؟ فقلت: لا. فقال: هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ابن أخى. أتدرى من هذا الغلام؟
قلت لا. قال: هذا على بن أبى طالب. أتدرى من هذه المرأة التى خلفهما؟ قلت: لا أدرى! قال:
هذه خديجة زوج ابن أخى. وهذا حدثنى أن ربك رب السموات والأرض أمر بهذا الذى تراهم عليه.
وأيم الله ما أعلم على ظهر الأرض كلها أحدا على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة، وكانوا الثلاثة المطهرين السابقين إلى الإسلام، ومعهم زيد بن حارثة فكان الرابع.
ويلاحظ فى هذه الأخبار الصادقة أن أولئك أسلموا من غير أن يطالبوا بدليل، بل كانوا المصادقين لما عرفوا من الحق فى ذاته. فأى قلب خال من شوائب الهوى والغرض يسوى بين الإيمان بحجر لا ينفع ولا يضر والإيمان بالواحد الأحد الفرد الصمد، الذى ليس بوالد ولا ولد، ثم مع ذلك الحق الذى يدرك بأدنى تأمل من قلب سليم- ما عرف به الداعى من خلق صادق. وفضل كبير، وعقل مدرك سليم، ثم لا يكون فى كلامه ارتياب مرتاب.
فالذى دفع إلى إيمان تلك الأسرة الطيبة إدراك للحق فى ذاته، وإيمان بصدق ربها، ومن بعد ذلك صفاء فى نفوس أهلها، وأنّى يكون قلب أصفى من قلب أم المؤمنين خديجة، وعلى بن أبى طالب.
النور يشرق من بيت النبوة
٢١٢- فاض النور من بيت محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، وانبثق البثق الكبير خارج البيت، ولكنه لم يكن بعيدا عن محمد ﵊، فقد ذهب يضيء قلوب أصدقائه، والذين وصلت نفوسهم بنفسه، وإن لم يكونوا له أقرباء قرابة بعيدة أو قريبة، ولكنهم كانوا من قبيله وقومه، ثم كانت
[ ١ / ٢٩٣ ]
اية الله الكبرى أن عارضه أقرباؤه الأدنون، كأبى لهب، ولم يتبع دينه أولم يظهره حتى أحباؤه من ذوى قرباه كأبى طالب الذى رباه، وكان حبيبا إلى نفسه، وعمه العباس وغيره.
وكانت تلك اية كبيرة تدل على نزاهة الإسلام من أن تقيمه عصبية، أو يتبع للعصبية، إنما هو دين الله جاء لمحو العصبية الجاهلية، ولم تكن عموم دعوته فيها أى استجابة لعصبية، أو موالاة قبلية كما سيتبين ذلك فى القصص النبوي، فلا يقال إن أسرة كانت تطمع فى السلطان. فاستعانت بسلطانها لنبوة كانت فيها. وخصوصا أن بنى هاشم كانت فيهم رياسات بالكعبة الشريفة توارثوها كابرا عن كابر، وكان اخرهم أبو طالب الذى عاصر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم.
وإذا كان بنو هاشم لم يكونوا أول الناس إسلاما، فقد كانوا بلا ريب أولهم نصرة، وكانوا نصراء النبى ﵊ عصبية لا إسلاما، إذ كان ذلك عادة العرب يعيش كل شخص فى حماية عصبية، لا يسلمونه، ويعدون تسليمه ذلا، والتهاون فى نصرته قهرا وهوانا، وخصوصا أن محمدا ﵊ كان معتدى عليه. وليس معتديا. والإيذاء ينصب عليه انصبابا.
ومن أجل ثبوت أن معاونتهم له فى شدته كانت عصبية، أنهم لم يؤازروه بعد أن صار قويا، بل إن العباس عمه، وهو الذى كان يعد كبير بنى هاشم بعد أبى طالب خرج مقاتلا فى جيش المشركين فى بدر لجيش محمد ﵊ ابن أخيه، وأسر من بين من أسر من المشركين، ولم يخرجه محمد ﵊، إلا بفدية افتدى بها نفسه.
إسلام أبى بكر:
٢١٣- لا نريد أن نخوض فى أوليته، وسبقه فى الإسلام على ابن أبى طالب ﵁ أو سبق على عليه. فتلك مسألة طائفية يثيرها الطائفيون فى الإسلام. فالشيعة يعدون عليا أسبق والأمويون والناصبيون «١» يخالفون، وما لنا أن نخوض فى ذلك. وكل فريق يذكر أن معه من الصحابة فريقا.
وكان يمتاز من بين قريش، بأنه عالم بالأنساب، فكان نسابة العرب، وكان له علم بأخبار الأولين، وكان تاجرا معروفا بالأمانة والصدق، وإن لم يكن كمعرفة محمد ﵊ بذلك، ولعل الأمانة قد سرت من صديقه محمد ﵊ فقد كانا صديقين وتربين لتوافق مشاربهما فى الجملة، وإن كان أبو بكر لم تكن عنده نزاهة محمد ﵊ حبيبه وخليله فى البعد عن الأوثان، فالفرق بينهما كالفرق بين من يصنعه الله تعالى على عينه ليكون رسولا نبيا، وبين من خلقه الله تعالى صاحبا برا تقيا.
_________________
(١) الناصبية والناصبيون الذين يناصبون عليا وأولاده العداوة.
[ ١ / ٢٩٤ ]
وإنما الذى نقرره أن كليهما أسبق الذكور إلى الإسلام، أبو بكر وهو رجل مكتمل يقارب الأربعين. وعلى فى العاشرة من عمره، لم يبلغ حد المراهقة، ولكنه كان مميزا فاهما، أسلم متفكرا متدبرا مدركا، وقد ذكرنا أن فقهاء المسلمين يعتبرون إسلام الصبى المميز صحيحا وإن اختلفوا فى اعتبار ردته مستحقة للعقاب.
بادر أبو بكر بالإسلام عندما علم بالبعثة المحمدية، واسمه عتيق، أو عبد الكعبة المكرمة، وسماه النبى ﵊ عبد الله. وقالوا أن أمه كان لا يعيش لها أولاد ذكور، فلما رزقته وعاش سمته عتيقا لأنه عتق من الموت، وقيل سمته عبد الكعبة «المكرمة» لأنها نذرت أن تسميه عبد الكعبة. ثم اختار له صديقه محمد ﵊ أن يكون عبد الله.
كانت الصحبة تجعلهما كالمتعاشرين فى كمال الخلق، حتى أنه عندما بدت إرهاصات النبوة، وابتدأ البعث، كانت تسأله خديجة عن صاحبه إذا غاب وهو يحضر إليها عندما تقلق عليه، وتقول له:
«يا عتيق أين ذهب» .
يقول الرواة أن أبا بكر أسلم قبل أن يطلب إليه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم. إذ أنه قد كان يتوقع ظهور نبوة صديقه محمد ﵊، لأنه قد سمع كلام ورقة، وعلم من خديجة حديثه لها، وكان يوما عند حكيم بن حزام، إذ جاءت مولاة له، فقالت: إن عمتك خديجة تقول فى هذا اليوم أن زوجها نبى مرسل مثل موسي، عندئذ أدرك أبو بكر أن ما توقعه قد وقع، وأن النور أشع، ولم يبق إلا أن يستضيء به ويعشو إليه، فانسل إلى النبى ﵊، فأسلم إذ طلب إليه النبى ﵊، وما كان طلبا لجاهل. بل كان طلبا ممن عرف ولم ينكر واستسلم وأذعن لله تعالى «١» .
ولذلك روى ابن إسحاق فى سيرته أنه بلغه أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قال: «ما دعوت أحدا إلى الإسلام، إلا كانت عنده كبوة، ونظر وتردد إلا ما كان من أبى بكر ما عكم «٢» عنه حين ذكرت» .
فنفس أبى بكر كانت سائغة إلى الإسلام قبل دعوته، لما رأى من إرهاصات النبوة، ولما علم من كلام ورقة، ولأنه كان الصديق الوفى والحبيب الولى لمحمد ﵊.
ولقد كان لإشراق نفسه، ولصغوة فؤاده إلى الحق، والاتجاه إليه أنه كان يرى الرؤى التى يكون تأويلها تبشيره بالإيمان.
_________________
(١) شرح المواهب اللدنية ج ١ ص ٢٤٠.
(٢) عكم عنه: أى تردد وفكر وانتظر.
[ ١ / ٢٩٥ ]
جاء فى الروض الأنف «من أسباب توفيق الله له (أى لأبى بكر) أنه رأى القمر نزل مكة المكرمة، ثم تفرق على جميع منازلها وبيوتها، فدخل فى كل بيت منه شعبة، ثم كان جمعه فى حجره، فقصها على بعض الكتابيين، فعبرها له بأن النبى المنتظر الذى قد أظل زمانه يتبعه فيكون أسعد الناس به، فلما دعاه صلى الله تعالى عليه وسلم أجاب» .
دخل أبو بكر فى الإسلام فاستأنس به النبى ﵊ بأبلغ مما كان واشتدت بينهما الصحبة، فبعد أن كانت الصحبة مبنية على مجرد الاستئناس النفسى والخلقي، صارت الأنسة بالإيمان بالله واحده، وبالمؤازرة فى شدائد الحياة، واتخذ محمد بن عبد الله ﵊ من مكانة أبى بكر، وأنس الناس ومكانته عندهم قوة لدعوة الحق يدعو بها، فوق ما كان له هو ﵊ من قوة نفس، ومكانة عند الله وعند الناس.
تتابع المخلصين:
٢١٤- بإسلام أبى بكر تجاوز الإسلام حجرات بيته، لقد كان فيها مقصورا على إسلام الثلاثة الذين يعاشرون النبى ﵊ وهم زوجه الكريم، وربيبه الأمين علي، وعشيرة الوفى زيد، ولسنا نذكر فى ذلك ترتيبا، وإن كنا نؤكد فى غير تلبث ولا مواربة أن أولهم بإجماع المسلمين الطاهرة التى ازرت النبى ﵊ قبل البعثة، ووقت انبلاج فجر البعثة، وبعد الأمر بالتبليغ، وكان فضلها عند الله عظيما.
بعد إسلام أبى بكر تتابع الإسلام فى نفر ممن لهم بالنبى ﵊ مودة سابقة، أو لهم بالصديق صداقة، وكان فيهم استعداد، كان أول من أسلم بعد بيت النبوة وأبى بكر عثمان بن عفان، وقد كانت له بالصديق صداقة، وله بالنبى محبة، ويريد أن يتصل به بنسب، كان يريد أن يكون له صهر، فإنه عندما بلغه أن محمدا ﷺ أنكح ابنته رقية عتبة أصابته حسرة، ولنترك له الكلمة. فهو يقول:
كنت بفناء الكعبة فقيل أن محمدا ﷺ أنكح عتبة ابنته رقية فدخلتنى حسرة ألا أكون قد سبقته إليها فانصرفت إلى منزلي، لأجد سعدى بنت كريز، فأخبرتنى أن الله أرسل محمدا ﷺ وقال أنها حثته على اتباعه، وإن لم تكن قد ذكرت لمحمد ﷺ إسلامها. ثم قال: «وكان لى مجلس من الصديق، فأصبته فيه واحده» (فحثه الصديق على الإيمان) قال ومر النبى ﷺ، ثم أقبل على، فقال أجب الله تعالى إلى جنته، فإنى رسول الله تعالى إليك وإلى جميع خلقه، فو الله ما تمالكت حين سمعته أن أسلمت، ثم لم ألبث أن تزوجت رقية.
[ ١ / ٢٩٦ ]
وكان زواجه برقية الأمنية التى كان يتمناها من قبل، وأصابته حسرة لسبق عتبة بن أبى لهب إليها، وذلك لأن أبا لهب بلغت به الجاهلية العمياء أن حمل ابنه على تطليق رقية عندما دعا محمد ﷺ عشيرته للإسلام فوجد عثمان طلبته قد هيأها الله تعالى له، فاجتمع عنده الخير العظيم بالإسلام، وأعلنوا إسلامهم ومؤازرتهم.
وأسلم من بعد هؤلاء أبو عبيدة عامر بن الجراح، وأبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد، وهو زوج أم سلمة التى تزوجها النبى ﵊ بعد موته، والأرقم بن أبى الأرقم، وعثمان بن مظعون وأخواه قدامة وعبد الله، وعبيد بن الحارث بن المطلب وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل الذى كان أبوه من الحنيفيين الذين نفروا من عبادة الأوثان، وزوجه فاطمة ابنة الخطاب، وهكذا أخذ الجمع يكثر واحدا بعد اخر.
وكانوا يستخفون فى صلاتهم، وقبل أن نسير فى بقية درجات الدعوة والاستجابة نسارع إلى الصلاة نبين وقت فرضيتها.
فرضية الصلاة
٢١٥- عندما نزل قوله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنْذِرْ. وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ. وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ. وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ. وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ. وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ «١» . كان التكليف لتبليغ الرسالة والدعوة إلى أمر الله ودينه، ولا دين بغير صلاة، بل لابد لكل دين من صلاة، لأنه لابد لكل دين من عبادة، ولا عبادة من غير الصلاة، فهى عمود الدين، وركنه الركين.
ولذلك اقترن التبليغ بفرضية الصلاة اقترانا زمنيا، لأن الصلاة مقترنة بكل دين اقترانا عمليا.
ولقد قال الرواة أن الصلاة فرضت ركعتين بمجرد البعثة المحمدية وكانت تصلى مرتين، أولاهما فى الصباح، والثانية فى المساء، وفرضت ركعتين فى كل منهما، ولقد قال فى ذلك المزنى من أصحاب الشافعى ﵁، إن الصلاة كانت مفروضة قبل الإسراء، كانت صلاة قبل غروب الشمس وصلاة قبل طلوعها، ويشهد لهذا قول الله تعالى: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ «٢» .
ولقد قالت عائشة رضى الله ﵎ عنها فيما رواه ابن أختها عروة بن الزبير، فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، ثم أيد الله تعالى أنها فى الحضر أربع وأقرها على فرضها فى السفر ركعتين، وبهذا يتبين أن الصلاة كانت مفروضة من أول الإسلام، وظاهر المروى أنها فرضت ركعتين، وفى وقتين اثنين وهما فى العشى والإبكار، قبل طلوع الشمس وقبل غروبها.
_________________
(١) سورة المدثر: ١- ٧.
(٢) غافر اية: ٥٥.
[ ١ / ٢٩٧ ]
هذا هو المفروض على الكافة ممن يسلمون، أما التطوع فبابه مفتوح والنبى مأمور بكثرة الصلاة، وقد قال تعالى مشيرا إلى طلب الصلاة الكثيرة من النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ. قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا. نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا. أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا. إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا. إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا. إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحًا طَوِيلًا «١» .
وذكر الرواة أن جبريل روح القدس هو الذى علم النبى ﵊ الوضوء، فقد ذكروا أن جبريل ﵇ نزل عليه، وهو بأعلى مكة المكرمة فهمز له بعقبه فى ناحية الوادى، فنبع الماء، فتوضأ جبريل، وعلم النبى ﵊ بذلك الوضوء قبل الصلاة.
وقد روى كتاب السيرة ذلك الخبر بسند غير متصل، ولكن روى متصلا عن زيد بن حارثة رضى الله تعالى عنه.
وبهذا يتبين أن الوضوء فرض لكل صلاة، وكانت فرضيته وهو ﵊ فى مكة المكرمة، وقد استمر من بعد ذلك، وكان والصلاة ركعتان مرتين واستمر وقد صارت أربعا فى الظهر والعصر والعشاء، وثلاثا فى المغرب وركعتان فى الصبح، وذلك غير السنن على ما هو مبين فى فقه العبادات.
ولكن ذكر العلماء أمرا لا جدوى فيه من حيث العمل، وهو أن فرضية الصلوات المكتوبة والتى فرضت فى المعراج قبل الهجرة بسنة على ما سنحقق إن شاء الله تعالى، فقالوا أن الصلوات المكتوبة قد نسخت الاكتفاء بصلاتين، وأن ذلك ثابت بعمل النبى ﵊ عملا متواترا، وانعقد عليه الإجماع، وصار معلوما من الدين بالضرورة بحيث من ينكره يكون كافرا.
وقد أشار القران الكريم إلى مواقيت هذه الصلوات الخمس، فقد قال تعالى: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى «٢»، وقد قالوا إن الصلاة الوسطى هى صلاة العصر، ولا يمنع أن يراد الصلاة المثلى.
وقال تعالى مشيرا إلى أوقات الصلوات كلها: فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ. وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ «٣» .
_________________
(١) سورة المزمل: ١- ٧.
(٢) سورة البقرة ٢٣٨.
(٣) سورة الروم: ١٧، ١٨.
[ ١ / ٢٩٨ ]
فقد أتى بصلاة الصبح مشيرا بقوله تعالى حِينَ تُصْبِحُونَ وبصلاة العصر مشيرا بقوله تعالى حِينَ تُمْسُونَ وبصلاة المغرب والعشاء مشيرا بقوله تعالى وَعَشِيًّا فهما العشاان، حتى قال بعض الفقهاء إن وقت المغرب والعشاء واحد، يصلى أسبقهما أولا وثانيهما اخرا، وأتى بصلاة الظهر بعبارة تكاد تكون صريحة وهى قوله تعالى وَحِينَ تُظْهِرُونَ.
وأنذر عشيرتك الأقربين واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين «١»
٢١٦- دخل عدد من كبار قريش الإسلام، وإن كان قليلا، ولكن تسامع الناس بالدعوة المحمدية التى جاءت برسالة إلهية، حتى كان علمها قد سرى سريان النور إلى داخل البيوت، حتى قيل ما من بيت من بيوت قريش إلا علم بالإسلام ودعوة محمد ﷺ وأنه يخاطب من السماء، فالأخبار فى خفاء وقد تعلم، وإن لم يكن دعا إليها، ولم يحرك ذلك عنادا، ولا خصاما ونزالا، لأنها ما أصابت اهتماما إلا ممن كان لهم صفاء نفسى لم يعكره تعصب، أو لجاجة فى عناد، فكان الأمر بين متبع وإن كان عدده قليلا، وغير مهتم، وإن كان كانوا الأكثرين.
وفى هذه الأثناء دخل الضعفاء، وهم دائما نفوسهم أصفى وأكثر إنصافا، وإدراكا، لأنهم يحسون بالظلم، ويرجون التغيير، فإذا جاء نور يكونون أول من يعشو إليه، ويذهب فى استجابة ضارعة، مع رجاء الإنقاذ ولو فى المال، فما كانت حالهم صالحة لأن تبقى، ولا يمكن أن يرضى الحق بقاءها، لأن حالهم شقاء ولا يزيدهم إذا كان الخير مرجوا، وتغيير الباطل مأمولا، فصادق يفتح باب الأمل ويغلق باب اليأس، يكون فى رجاء التغيير سلوان وإن كانت الحال مؤلمة أسيفة.
لذلك دخل الضعفاء والعبيد فى الإسلام أمثال عمار بن ياسر وأبيه وأمه وخباب بن الأرت، وبلال الحبشى وغيرهم كثير، والدعوة بينهم، يستطيبون سماعها، ويصدقون الاستجابة لها ويستعذبون كل عذاب فى سبيلها.
وكانت الاستجابة للدعوة لا تعتمد على معجزة ولا دليل يتحدى به، بل يرون الحق سائغا، وهو يدعو إلى نفسه وما نزل من القران الكريم يستجيبون له، لأنهم يرونه الحق الواضح، وفى الداعى وهو محمد ﷺ الصادق الأمين، وإنما يقدم الدليل للمرتاب، ويوضح إذا كان الحق يحتاج إلى مقدمات ونتائج، فإن النبى هو الأمين، وإن الذى يسمعون هو القران الكريم، وإن الذين استجابوا من الكبراء هم فضلاء الجماعة وأمناؤها.
_________________
(١) سورة الشعراء: ١٤، ١٥.
[ ١ / ٢٩٩ ]
والدعوة تسرى سريان الماء العذب فى خفاء العشب الأخضر والزهر الأنضر، ولكن لابد أن تستعلن ليعلمها القريب، وتكشف فى وضح النهار المشرق، ويسرى علمها، فالخفاء مهما يكن لا يخلو من إبهام.
ولذلك لما سرت الدعوة المختفية المتربية فى خلية نمائها، طلب الله تعالى إلى رسوله أن يعلنها، فقال امرا له وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ. وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ. وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ «١» .
تقدم النبى محمد ﵊ وجمع بنى هاشم وبنى عبد مناف، وغيرهم من بطون قريش، جمعهم فى الصفا، وقال لهم: أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادى تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقى؟ قالوا: نعم ما جربنا عليك كذبا، ثم ساق لهم ما يدعوهم إليه، ولنترك الكلمة لرواية البخارى فى صحيحه عن ابن عباس ﵄، فقد قال: لما نزلت الايات وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ.
وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ صعد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم على الصفا، فجعل ينادى، يا بنى فهر، يا بنى عدى، لبطون قريش حتى اجتمعوا فجعل الذى لم يستطع أن يخرج يرسل رسولا، لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش، فقال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادى تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقى؟ قالوا: نعم، ما جربنا عليك كذبا. قال: فإنى نذير لكم بين يدى عذاب شديد. فقال أبو لهب: تبا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا، فنزل قوله تعالى:
تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ. وهذا يدل على أن كبير المعارضة فى تلك الدعوة المباركة هو أبو لهب عم النبى ﵊، لكيلا يعلم الناس أنها عصبية أسرة أو بطن من قبيلة، إنما هى رسالة الله تعالى إلى خلقه.
وروى مسلم عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ حين نزل عليه قوله تعالى:
وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ.. الايات وقف وقال: يا معشر قريش، اشتروا أنفسكم، لا أغنى عنكم من الله شيئا، يا بنى عبد المطلب لا أغنى عنكم من الله شيئا، يا صفية عمة رسول الله لا أغنى عنك من الله شيئا، يا فاطمة بنت رسول الله سلينى ما شئت من مال، لا أغنى عنك من الله شيئا. وهذا الحديث مخرج على شرط البخارى، وروى مثله الإمام أحمد فى مسنده.
٢١٧- ولقد جاء فى التاريخ الكبير لابن الأثير: لما أنزل الله تعالى على رسوله وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ اشتد ذلك على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وضاق ذرعا، فجلس فى بيته كالمريض،
_________________
(١) سورة الشعراء: ٢١٤- ٢١٧.
[ ١ / ٣٠٠ ]
فأتته عماته يعدنه، فقال: ما اشتكيت شيئا، ولكن الله أمرنى أن أنذر عشيرتى، فقلن له: فادعهم ولا تدع أبا لهب فيهم، فإنه غير مجيبك.
فدعاهم ومعهم نفر من بنى المطلب بن عبد مناف، فكانوا خمسة وأربعين.
فبادرهم أبو لهب فقال: هؤلاء عمومتك، وبنو عمك، فتكلم ودع الصبأة، واعلم أنه ليس لقومك بالعرب قاطبة طاقة، وأنا أحق من أخذك فحبسك، وإن أقمت على ما أنت عليه فهو أيسر عليهم من أن يثب بك بطون قريش وتمدهم العرب، فما رأيت أحدا جاء على بنى أبيه بشر مما جئتهم به.
فسكت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ولم يتكلم فى هذا المجلس، وإن هذا من حكمة البيان، فقد بادر أبو لهب بخلق جو عنيف من الاعتراض الشديد، والإنذار والوعيد، وبذلك يشجع كل معارض، ولو كان فى الأصل مترددا، فزال التردد إلى حال معترضة، ولذا أجل قوله إلى مجلس اخر، حتى يزول غبار الاعتراض الذى أثاره أبو لهب.
ويقول ابن الاثير: دعاهم مرة ثانية، ووقف فقال:
«الحمد لله أحمده وأستعينه، وأثق به، وأتوكل عليه، وأشهد ألاإله إلا الله واحده لا شريك له» ثم قال: «إن الرائد لا يكذب أهله، والله الذى لا إله إلا هو إنى لرسول الله إليكم خاصة، وإلى الناس كافة، والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتحاسبن بما تعملون، وإنها للجنة أبدا، أو للنار أبدا» .
وفى هذه المرة لم يبادر أبو لهب، بل بادر أبو طالب حبيب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وإن لم يتبع، فقال غير موافق، ولكن يعاون، وغير متبع ولكن من غير معاداة.
قال أبو طالب: «ما أحب إلينا معاونتك، وأقبلنا لنصيحتك وأشد تصديقا لحديثك!!، وهؤلاء بنو أبيك مجتمعون، وإنما أنا أحدهم، غير أنى أسرعهم إلى ما تحب فامض لما أمرت به، فو الله لا أزال أحوطك وأنفعك، غير أن نفسى لا تطاوعنى على فراق دين عبد المطلب.
ولم يسكت أبو لهب، (والباطل لجوج دائما) بل قال: هذه والله السوءة خذوا على يديه قبل أن يأخذه غيركم.
فقال أبو طالب (مصرا): والله لنمنعنه ما بقينا.
[ ١ / ٣٠١ ]
بين أبى طالب وأبى لهب:
٢١٨- إن موقف أبى طالب لا يحتاج إلى تعليل، لأنه موقف الشفيق على من كفله ومن رباه، فقد كان كافله بعد جده عبد المطلب، واختاره عبد المطلب دون بقية بنيه، ولم يكن أسنهم، فكان يمنع النبى مستجيبا لداعى الشفقة والمحبة، ومستجيبا لوصية أبيه بأن يحفظه ويحوطه، فقام بحقها، حتى بعد أن صار محمد ﷺ شابا سويا قويا، ووجد أن الحياطة تكبر بكبر الموصى به فتكون معاونة بعد أن كانت وصاية، وتكون مدافعة بعد أن كانت رعاية.
إنما الذى يحتاج إلى تعليل هو موقف أبى لهب، فما أعلن ما توجبه القرابة بل ما توجبه العصبية التى تجعله مع محمد ﷺ عصبته وقريبه القريب، وأن عليه أن يحميه، لم يفعل ذلك، ولم يسكت مفوضا الأمر إلى أبى طالب أخيه، كما سكت حمزة والعباس، ولم يكونا قد دخلا فى الإسلام، لم يفعل ذلك أبو لهب.
ولعلنا لو أشرنا قليلا إلى طبيعته، وما أحيط به لسهل علينا تفسير موقفه، أو أدركنا فعله لهذا الموقف الذى عادى محمدا ﵊ وخالف قرابته مسلمهم وكافرهم على سواء.
لقد كان عبد العزى (أبو لهب) طبيعة غير طبيعة إخوته، فإخوته يطلبون السيادة والشرف والعزة بالخلق العربى الصميم، وهو يطلب المال والدنيا، وفيه أثرة، وحب الذات، ومن يكون كذلك يميل دائما إلى الابتعاد عما يثير المتاعب، ويؤثر فى المال ويوجد اضطرابا، وبذكائه الشديد أدرك أن دعوة محمد ﵊ تقدمة لمتاعب لمن يعتنقها أو يحميها، فقاومها، وشدد فى المقاومة، وطبيعته المادية جعلته لا يفكر فى أى أمر معنوى، ولا فى رجاء لنصرتها، وطبيعة الأثرة فيه جعلته لا يفكر فى إحساس غيره، ولا فى معاونة من يحتاج إلى معاونة طويلة مديدة من أسرته.
وتلك الطبيعة التى لا تريد إلا استقرارا لأجل المال، وما يتصل به من متاع تكره تغيير ما كان عليه الاباء، بل ترغب فى أن تسير الحياة نمطية، لا تغيير فيها ولا اضطراب.
ولعل هذه الطبيعة هى التى جعلته لا يخرج مع قريش فى غزوة بدر الكبرى، وخرج العباس وإن كان كارها محرجا، وهناك عامل ثان، فوق ذلك العامل النفسى، وهو زوجه أم جميل الأموية أخت أبى سفيان، فقد كانت عاملا مذكيا لتلك الطبيعة المعاندة، كانت تكره رسول الله محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم، وتكره زوجه أم المؤمنين خديجة، والتقى كرههما فى قرن واحد من يوم زواجهما الميمون الطاهر، ولا ندرى أكان الزواج هو السبب أم كان غيره.
[ ١ / ٣٠٢ ]
وبهذه الكراهة كانت تحرضه، وتوججه إذ تصورت أن نيران العداوة قد تطفئها القرابة، وعلو شأن محمد ﷺ فى دعوته وجهاده، وذكر اسمه فى كل بلدان العرب، وتجاوز ذلك إلى البلدان المصاقبة، كالرومان والشام ومصر.
ولقد كانت تتردد أخت أبى سفيان فى أن تقرض الشعر ذما للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وتسميه مذمما ولا تسميه محمدا، فقد قالت فى ذلك:
مذمما قلينا ودينه أبينا وأمره عصينا
ولقد تلقى شعرها هذا بالاستضحاك، وعد ذلك ليس شتما له، لأنها لم تذكر اسمه فى شتمها، فقال ﵊: «انظروا كيف يصرف الله تعالى عنى شتمهم ولعنهم، ويشتمون مذمما، ويلعنون مذمما، وأنا محمد»، وكان فيها مع ذلك صفة السفيهات من النساء، إنها كانت تمشى بالنميمة.
فتوقد نيران العداوة، وقد قال الله ﵎ فيها تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ. ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ. سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ. وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ. فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ «١» .
هذا هو أبو لهب، وهذا هو السر فى عداوته للحق، ولمحمد ﵊ مع قرب رحمه، ومع أنه سرّ لولادته وقت أن ولد.
٢١٩- هذا أبو لهب، وذلك موقفه من دعوة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم التى كرهته فيه بعد ود، أو إن شئت فقل محبته له فى صباه حتى بدا ما يتخالف فيه الطبعان، طبع العم المادى، وطبع ابن أخيه الروحى الذى لا يحرص على المال.
أما أبو طالب، فلم يكن عدوا لدعوة محمد ﵊، وعباراته توميء بأنه لا يعاندها، وما عند أبى لهب من صفات تناقضها، صفات أبى طالب توافقها فى أصلها، فأبو طالب لم يكن أثرا يحب المال، بل كان فيما يبدو من خلق يجعله يميل إلى الإيثار بالمحبة، فاثر التعب على الراحة فى مناصرة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وبينما أبو لهب يؤثر الدعة والاستقرار على أى صورة كانت، كان أبو طالب شيخ البطحاء لا يؤثر الدعة والاستقرار مع الضيم، بل يقاوم الضيم راضيا بملاقاة أسباب الإرغام بقلب صابر قوى.
_________________
(١) سورة المسد كلها.
[ ١ / ٣٠٣ ]
وبينما كان أبو لهب محبا للمال مؤثرا له على كل شيء من أسباب الحياة الكريمة كان أبو طالب يكتفى من المال بالقليل من غير أن يبذل مروءته فى سبيل طلبه، فالمروءة عنده أولى بالطلب من الاستكثار من المال، ولذلك كان محدودا، ولم يكن مجدودا، ولكل هذا قبل أبو طالب أن يكون لمحمد ﵊ نصيرا، لأن الشفقة والمروءة، والمناصرة العربية الكريمة تقاضته، فاستجاب لسجيته له، وما وهن ولا استكان، ولا ولى، بل استمر مناصرا فى كل الشدائد، حتى قبضه الله تعالى.
وليست الغرابة فى نصرته للنبى ﵊، إنما الغرابة فى أنه لم يدخل فيما يدعو إليه!! ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ «١» وقد ذكرنا من قبل أن ذلك دفع لوهم يقوله بعض الواهمين، إن دعوة محمد ﵊ كانت عصبية جاهلية.
ولقد ذكر ابن كثير أنه لو أسلم كما كان يظهر من لحن قوله أنه يميل إلى الإسلام، إذ يقول:
لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتنى سمحا بذاك مبينا
لو أسلم لكان المشركون له أعداء كما عادوا محمدا ﵊، وقد كان عندهم من قبل ذلك الأمين المحبوب الذى يسمع قوله ويطمأن إلى حكمه، ولكن أراد الله تعالى أن يبقى على دين قومه، لكى يكون ردا للنبى وعضدا فى وسط المدلهمات، وقال ابن كثير فى ذلك: «وكان رسول الله أحب خلق الله تعالى إاليه (أى إلى أبى طالب)، وكان يحنو عليه، ويحسن إليه، ويدافع عنه، ويحامى، ويخالف قومه فى ذلك مع أنه على دينهم، وعلى خلتهم، إلا أن الله تعالى قد امتحن قلبه بحبه حبا طبيعيا لا شرعيا، وكان استمراره على دين قومه من حكمة الله تعالى، ومما صنعه لرسوله من الحماية، إذ لو أسلم أبو طالب، لما كان له عند مشركى قريش وجاهة، ولا كلمة، ولا كانوا يهابونه ويحترمونه، ولا جترؤا عليه، ولمدوا أيديهم وألسنتهم بالسوء إليه، وربك يخلق ما يشاء ويختار، وقد قسم خلقه أنواعا وأجناسا «٢» .
٢٢٠- كانت دعوة محمد ﷺ ابتداء سرية يدعو من يعرف من أصدقائه وأوليائه الذين كانوا كنفسه، ثم يدعو كل من ذاق بشاشة الإسلام وخالطت نفسه من أصدقائه وأحبابه، فكانت تصغى إاليه الأفئدة طالبة الحق، بقوة المحبة للخل الوفى، وللحق البدى، من دعوة علنية، ولكن الأمر النورانى لا يخفى طويلا، فعلم وإن كان فى أضيق دائرة.
وكان لابد أن يتولى النبى ﵊ الإعلان، والجهر، وكما بدأ بدعوة أهل بيت النبوة، الذين أشرق الوحى عليه، وهو بينهم، فقد أخذ بأمر الله تعالى يعلنه بين ذوى قرابته يؤمن من يؤمن، ويكفر من يكفر.
_________________
(١) سورة يس ٣٨.
(٢) البداية والنهاية ج ٣ ص ٤١
[ ١ / ٣٠٤ ]
ولعله يبدو بادى الرأى واضحا جليا أن أكثرهم قد رد من عشيرته، ولم يستجب إلا بعض نساء العشيرة الطاهرة كصفية، وفاطمة امرأة أبى طالب، وكان من هذه العشيرة أول من جاهر بالعداوة، وهو قريبه القريب عمه أبو لهب، وفى هذا دليل مادى على أن الدعوة ما كانت من انبعاث قبلى، بل كانت استجابة لدعاء رباني.
كان إعلان الدعوة للعشيرة الأقربين، إعلانا للعرب أجمعين، فقد كانت بأعلى الصفا، وتسامع بها الناس، وإذا كان الخطاب للعشيرة خاصة، فقد كان الإعلام لقريش، ثم إظهارا لنبى بعث رحمة للعالمين، تسامعت به الركبان، وتذاكر فى دعوته الذين يغشون مكة المكرمة من غير أهلها، وبذلك انتشرت الدعوة المحمدية بتبليغ رسالة ربه الذى كلفه بإبلاغها فى غير معاندة للمشركين، ولا مجابهة لهم، ولا تحد لملتهم.
ولقد كانت تسير فى استخفاء، كما يسرى الماء العذب فى أرض مغطاة بالأعشاب، ولكنه يثمر، وينبت، وينمو ولو كان مستخفيا، وكان الذين ارتضوا الإسلام دينا يستخفون بعبادتهم ولا يظهرونها، ويذهبون إلى شعاب مكة المكرمة يصلون فيها، وما عرف أنهم كانوا يذهبون إلى الكعبة الشريفة مجاهرين متحدين، ولكن كانوا يستخفون بهذه العبادة.
ولقد روى إسلام كثيرين فى ذلك وهم علية الصحابة الذين بنيت دعوة الإسلام عليهم، وكانوا الدعامة الأولى فى قواعد البلاغ المحمدى.
فاصدع بما تؤمر
٢٢١- نزل فى تدرج الدعوة قوله تعالى: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ.
إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ. الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ. فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ. وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ. فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ.
وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ «١» فكانت هذه الايات الكريمة دعوة إلى أن تبلغ الدعوة أقصى مراتبها، وأبعد تكليفاتها أثرا فى التكليف، وتأثيرا فى النفوس.
ومن كتاب السيرة من يرى أن التكليف الكامل بدعوة الناس أجمعين قد ابتدأ من نزول قوله تعالى: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ومن هؤلاء ابن كثير، فقد قال فى نزول هذه الايات الكريمات ما نصه، بعنوان «أمر الله ورسوله ﵊ بإبلاغ الرسالة.) قال الله تعالى: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ. وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا
_________________
(١) سورة الحجر: ٩٤- ٩٩.
[ ١ / ٣٠٥ ]
تَعْمَلُونَ. وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ. الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ. وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ. إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وقال تعالى: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ «١» وقال تعالى: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ «٢» أى أن الذى فرض عليك، وأوجب عليك تبليغ القران لرادك إلى دار الاخرة ليسألك عن ذلك، كما قال تعالى:
فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ «٣» والايات والأحاديث فى هذا كثيرة جدا «٤» .
ونرى من هذا التقرير أن الإمام الحافظ ابن كثير لا يرى أن ثمة تدرجا فى الدعوة، وأنه من وقت أن أمر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بإنذار عشيرته الأقربين كانت الدعوة عامة، وأن الاقتصار فى الاية على ذكر العشيرة الأقربين لا يفيد قصر الدعوة فى هذه الاية عليهم، بل يفيد الابتداء بهم، أو مواجهتهم، مع مخاطبة غيرهم، ولا يفيد قصر الدعوة عليهم، لأن الرسالة المحمدية يخاطب بها الأحمر والأبيض والأسود والعبيد والأحرار.
ونحن نوافق على عموم الرسالة المحمدية، وأنها ليست بمقصورة على قرابة قريبة أو بعيدة، ولكن هذا تدرج فى الدعوة والخطاب، وأن ذلك يتضمن دعوة غيره من المكلفين، بلا فرق بين قريب وبعيد، فالجميع مكلفون بالاستجابة من غير تفريق، ونحسب أن قوله تعالى: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الخطاب فيها مقصور على العشيرة، ولذلك لم يدع محمد ﵊ إلى الاجتماع بهم الذى كان فى الصفا غيرهم، وليس من المعقول أن يكلف العامة بخطاب طائفة من الخاصة، بل لابد من توجيه الخطاب إليه، فجاء فى قوله تعالى: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ. وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إلى اخر الايات.
ويزكى هذا ما جاء عن ابن إسحاق، فقد جاء ما نصه: ثم أمر الله تعالى رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم بعد ثلاث سنين من البعثة أن يصدع بما أمر، وأن يصبر على أذى المشركين، وكان أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا صلوا ذهبوا فى الشعاب، واستخفوا بصلاتهم من قومهم، فبينا سعد بن أبى وقاص فى نفر يصلون فى شعاب مكة المكرمة، إذ ظهر عليهم بعض المشركين، فناكروهم، وعابوا عليهم ما يصنعون، حتى قاتلوهم، فضرب سعد رجلا من المشركين بلحى جمل فشجه، فكان أول دم أريق فى الإسلام «٥» .
وقد قال ابن إسحاق فى موضع قبل هذا:
_________________
(١) سورة الزخرف: ٤٤.
(٢) سورة القصص: ٨٥.
(٣) سورة الحجر: ٩٢.
(٤) البداية والنهاية، ج ٣ ص ٣٨.
(٥) سيرة ابن هشام طبع الحلبى ج ١ ص ٢٦٣.
[ ١ / ٣٠٦ ]
دخل الناس فى الإسلام أرسالا من الرجال والنساء، حتى فشا ذكر الإسلام بمكة المكرمة، وتحدث به، ثم إن الله ﷿ أمر رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم أن يصدع بما جاء به، وأن يبادى الناس بأمره، وكانت المدة بين ما أخفى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم واستتر بها إلى أن أمره الله تعالى بإظهار دينه- ثلاث سنين فيما بلغنى من مبعثه، ثم قال تعالى: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ.
ومن ذلك نستطيع أن نقول إن الدعوة المحمدية في مدة ثلاث السنين تدرجات في ثلاث مراحل، أشار إليها من قبل الإمام ابن القيم في زاد المعاد إذ ابتدأت الدعوة من النبي ﵊، ومن بيت النبوة سرت إلى من يتصل بهم من أصدقاء وخلان، فكان من النبي ﵊ إلي صديقه الأول أبي بكر عتيق بن أبي قحافة، ومن عتيق سرت إلى أصدقائه كعثمان بن عفان وطلحة بن عبيد الله، ومن بيت النبوة سرت إلى صفية والزبير، وغيرهم من عشيرة النبي ﵊ وأقربائه الأدنين، وهذه هي مرتبة الدعوة الأولي التي أشار إليها ابن القيم فى ترتيب مراتب الدعوة.
ثم كانت المرتبة الثالثة من بعد ذلك، وهي مرتبة الدعوة العامة في قريش ومجابهتهم بدعوة الحق، من غير أن تكون مقصورة علي بيت النبوة، أو علي أقرباء النبي ﵊.
وهي في كل مرتبة لا تقف عند الحدود التي ابتدأت فيها، بل تسرى إلي غيرها، سريان النور إلي الظلام، وفى مرتبة العشيرة الأقربين خرجت إلى قريش كلها، فما كان يدعو عشيرته من ال عبد المطلب وبنى هاشم فى كن مستور من الأرض، بل كان يدعوهم جهرة فى غير مواربة.
وقد يسأل سائل، ما الدليل الذى كان يسوقه النبى فى هذه الدعوة، فقد كان الذى نزل من القران الكريم قليلا، وتوالى نزوله بعد ذلك، ولم يذكر أن أحدا جادل حول القران الكريم، أو طلب دليلا واستدل به، فما الذى كان يهداهم إلى الاتباع من غير أن يعرفوا دليلا قدم، وبرهانا أقيم.
والجواب عن ذلك أن الاستجابة كانت للحق فى ذاته، ولما عرف من تاريخ النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إذ كان الصادق الذى لم يعرف كذبه قط، والأمين الذى لم يقترن عمل له بريبة قط، والصفى فى نفسه، والمحبوب لمكارمه، والعاقل الذى لم يعرف فيه انحراف فكرى، بل هو المدرك المستقيم الإدراك فى كل معاملاته، وكل ما اتصل به من أعمال.
[ ١ / ٣٠٧ ]
ثم كان هذا القران الكريم الذى ابتدأ يتلوه عليهم ببيانه الذى فاق كل بيان، وعلا عن أن يتسامى إليه أى إنسان، وإن إشراق نفوس هؤلاء، وحيرتهم فى الأوثان، إذ يرون الأوثان تفقد قوتها فى نفوسهم، وتنهار مكانتها فى قلوبهم، وبقايا الأديان السماوية تتورد على عقولهم، وبعض سنن إبراهيم وماثره يزاولونها فى حجهم، وبنسبته إليهم يعتزون ويفاخرون ولم تسبق إلى نفوسهم نزعة حسد، أو حقد، أو منافسة مقيتة، مما عوق غيرهم.
كانت نفوس الذين اتبعوا الرسول والذين آمنوا معه نفوسا صافية، وما علاها من غبار الوثنية زال وشيكا، فكان الحق واحده هو الذى لمع نوره وجذبه إليهم، فوق ما كان مع محمد صلى الله تعالى عليه وسلم من بينات.
[أقسام القلوب]
ولقد قسم الباحثون فى أخلاق الناس القلوب عند تلقى الحق، إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: القريب إلى الهداية
هو من يقتنع بالحق بمجرد بيانه، فبيانه واحده يهداهم إلى سواء الصراط، ولا يحتاجون إلى دليل غير سراج الحق المزهر، وأولئك هم الذين ينظرون إلى الحق، وقد خلت قلوبهم من هوى اللذات والشهوات، فأشرقت بالحكمة وصفت، فدخل نور الهدى فنطقوا به، وعملوا به، وساروا على منهاجه، وأولئك لا يطالبون حامل الحق الداعى إليه ببرهان يقدمه، فالحق واحده يحمل فى نفسه دليل صدقه، إذ اشرأبت إليه النفوس، ومن هذا القسم أولئك الذين اتبعوا محمدا ﷺ فى أول الدعوة.
القسم الثانى: قوم امتلأت عقولهم بمعلومات سابقة
، أو اختلطت فى نفوسهم نوازع الحق، ونوازع الباطل، وفيهم إدراك يميزون به بين الحق والباطل، وأولئك يحتاجون إلى دليل، لينفوا به خبث الفكر الذى خالط قلوبهم، وأثر فى نفوسهم، فالبرهان يعينهم، وينير السبيل لهم، وذات الحق لا يكفى بيانه لكى يستولى عليهم، ويسيرهم إلى الهدي، فلابد من دليل يرجح نوازع الهداية على غيره.
والقسم الثالث قسم غلبت عليه الضلالة
، وغلبت عليه شقوته، فلا يتبع الحق لذات الحق، ولا يزهر فى قلبه، وليس له بصيرة مخلصة فى طلب الحق، وفى الوقت ذاته قد طمس على بصيرته، فختم على قلبه، وكان على إدراكه غشاوة، وهؤلاء هم المعاندون المكابرون الذين جعلهم الله أعداء للحق، وهؤلاء يكون موقفهم معاداة أصحابه، وموقف أصحابه مدافعته، فلا تكون العلاقة إلا ممانعة، يمنعون الحق من أن ينتشر، ويمانعهم هؤلاء ليدفعوا الأذى، ولذلك لا يكون بينهم إلا السيف.
ولقد قال الغزالى إن قوله تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ، وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ، وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ، إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ «١» .
_________________
(١) سورة الحديد: ٢٥.
[ ١ / ٣٠٨ ]
وكان المؤمنون الأولون خديجة وأبو بكر وعلى وزيد، وعثمان والزبير ومن معهم من السابقين الأولين من الصنف الأول، ثم جاء من بعدهم، من خاطبهم القران الكريم بالإعجاز وتحداهم، فمنهم من اهتدى وأبصر، ومنهم من ضل وغوى، فكان المعتدى الأثيم. وكان الجهاد، فكانوا أهل السبق، وما كان لصاحب دعوة خالدة أن يترك الشر يسيطر، والحق يستخذى.
استجابة محمد ﷺ لأمر ربه
٢٢٢- استجاب محمد ﷺ لأمر ربه، وبعد أن كان يدعو من يدعوه فى مناجاة، ثم اقتصرت الدعوة العلنية على عشيرته الأقربين، بعدئذ أخذ يدعو كل من يلقاه، وأخذ يغشى الأسواق التى حول مكة المكرمة يدعو إلى دينه، وتبليغ رسالة ربه، غير مدخر جهدا فى الدعوة إلى الحق والواحدانية بعبادة الله تعالى واحده، لا شريك له، ويقول فى ذلك ابن كثير:
«المقصود أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم استمر يدعو إلى الله تعالى ليلا ونهارا، وسرا وجهارا، لا يصرفه عن ذلك صارف ولا يرده عن ذلك راد، ولا يصده عن ذلك صاد، يتبع الناس فى أنديتهم، ومجامعهم ومحافلهم، وفى المواسم ومواقف الحج، يدعو من لقيه من حر وعبد، وضعيف وقوى، وغنى وفقير، جميع الخلق فى ذلك شرع سواء، وتسلط عليه وعلى من اتبعه من احاد الناس من ضعفائهم الأشداء الأقوياء» «١» .
وكان أشدهم إغلاظا عليه عمه عبد العزى (أبو لهب)، وثانيهم عمرو بن هشام الذى لقبه التاريخ الإسلامى بحق بلقب أبى جهل، أما الأول فلم يكن منه أذى بدنى أو قولى للنبى ﵊، ولكن مبالغة فى مقاومة دعوته، ولا يكتفى بالقعود عن حمايته، وأما ثانيهما فقد كان فاجرا فكانت معاندته للنبى ﵊ فجورا في القول والعمل، وللضعفاء إعناتا وبغيا، وسنخصه بالقول في حركة الاضطهاد، والبواعث التى دفعته إلى هذا الموقف الذى جره إلى ذلك البغى المرذول الذى لا يقع من كريم.
وأبو لهب كان موقفه موقف محاربة الدعوة، فكان يتبع محمدا ﵊ فى التقائه بالقبائل العربية فى موسم الحج، فكلما ذهب إلى محفل أو ندى يدعو فيه ناكره، ودعا السامعين إلى ألا يستجيبوا.
_________________
(١) البداية والنهاية لابن كثير ج ٣ ص ٤٠.
[ ١ / ٣٠٩ ]
وروى الإمام أحمد عن أبى الزناد عن أبيه، قال: أخبر رجل يقال له ربيعة بن عباد قال: «رأيت رسول الله ﷺ فى سوق ذى المجاز، وهو يقول: «يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا» والناس مجتمعون عليه، ووراءه رجل وضيء الوجه يقول: إنه صابيء كاذب، يتبعه حيث ذهب، فسألت عنه، فقالوا: هذا عمه أبو لهب.
وروى البيهقى مثل ذلك مع بعض الزيادة عن ربيعة هذا الذى ذكرناه أنه قال: رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بذى المجاز وهو يتبع الناس فى منازلهم يدعوهم إلى الله، ووراءه رجل أحول تقد وجنتاه، وهو يقول: «أيها الناس لا يغرنكم هذا عن دينكم ودين ابائكم، قلت: من هذا؟
قيل: أبو لهب عمه» .
ونرى من هذا أن أبا لهب قبل أن يكون هو المثبط، ولعله اختار ذلك لنفسه أو اختاره المعارضون للدعوة المحمدية، فيكون أدعى إلى تصديقه، إذ هو قريبه القريب فمع أنه أقرب رحما كذبه، فهذا ترشيح لصدقه ﵊. وأنساه الحقد والضلال أن الحق ذاته له نور ساطع، لا يحاجز دونه هذا وأشباهه، ولكنه الأفن يتولد من ضيق العطن، وغلبة الهوى، وسيطرة المارب المادية.
ومهما يكن فقد حمل محمد ﵊ عبء الجهاد من حين نزل قوله تعالى:
فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ، وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ «١» وتقدم بمن هداهم الله تعالى به من صحب كرام اشتروا الهدى بالضلال، والحق بالباطل، واشترى منهم أنفسهم، فكانوا السابقين، ولنشر بكلمة إلى من سبقوا، وإن كانوا عددا قليلا.
_________________
(١) سورة الحجر: ٩٤.
[ ١ / ٣١٠ ]
السابقون السابقون
٢٣٠- أشرنا إلى سبق الأربعة الكرام خديجة أم المؤمنين، سكن الرسول التى جعلت بيته روضة الاطمئنان، ويسكن إليها بعد معاناة عداوة الأعداء، والمناضلة فى سبيل الله تعالى،. فيجد المواساة، ويجد القلب الحبيب الودود، وما أكرم الوداد، إذ يذهب ببرحاء العداء، ويجعل الروح والريحان بعد ملاقاة الكذب والبهتان.
ثم ذكرنا أبا بكر الصديق الولى الوفى، والصديق الذى خلص قلبه لله تعالى، وإذا كان إبراهيم أبو الأنبياء خليل الله، فالصديق كبير المصادقين خليل محمد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وقد أشرنا إلى أنه ما عتم أن أسلم، بل إنه سعى إلى الإيمان بمحمد ﵊ عندما علم من حكيم بن حزام بأمر ما جرى بين النبى ﵊ وورقة بن نوفل وزوجه خديجة من مذاكرة فى أمر الرسالة المحمدية.
وذكرنا إسلام على بن أبى طالب الذى صدق ابن عمه بعد تفكير وهو ابن عشر سنين، وكان قد هم باستشارة أبيه، ولكنه فكر وقدر واحده، فعاد إلى ابن عمه يعلمه بإيمانه، فكان المؤمن باقتناع مع الصغر وغضاضة الإهاب.
وذكرنا إيمان زيد بن حارثة الذى اثر جوار محمد ﵊ قبل أن يبعث على أن يعود إلى أبيه وأمه حرا، فاختار الرق مع محمد بن عبد الله ﷺ على الحرية مع أبويه، فجعله محمد ﷺ الكريم ابنا له وحرا، فكان وارثا ومورثا.
ثم إن إسلام أبى بكر جعل بعض أصدقائه ومن يألفونه يستأنسون بالإسلام، فقد كان ألوفا محبوبا.
قال فيه محمد بن إسحاق: «كان أبو بكر مألفا لقومه، محبا سهلا، وكان أنسب قريش لقريش، وأعلم قريش بما كان فيها من خير وشر، وكان رجلا تاجرا ذا خلق معروف، وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه لغير واحد من الأمر؛ لعلمه وتجارته وحسن مجالسته، فجعل يدعو إلى الإسلام من وثق به من قومه ممن يغشاه ويجلس إليه، فأسلم على يديه فيما بلغنى الزبير بن العوام، وعثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبى وقاص، وعبد الرحمن بن عوف رضى الله تعالى عنهم أجمعين» «١» .
وقد قدم هؤلاء للنبى ﷺ، وأخذ أبو بكر يبث الدعوة لأصدقائه وخلانه، وعارفيه، ثم ذهب بطائفة أخرى إلى النبى ﵊ منهم عثمان بن مظعون، وأبو عبيدة عامر بن الجراح، وأبو سلمة بن عبد الأسد، والأرقم بن أبى الأرقم.
_________________
(١) سيرة ابن هشام. والبداية والنهاية ج ٣ ص ٢٩.
[ ١ / ٣١١ ]
أخذ العدد ينمو بفضل الله، وإخلاص صفوة مختارة ممن صفت نفوسهم، واستقامت قلوبهم حتى بلغ العدد ثمانية وثلاثين، ومنهم نساء دخل الإسلام قلوبهن، ومنهم أم جميل أخت عمر بن الخطاب، وزوجها زيد بن نفيل كان من السابقين الأولين.
وقد أراد أبو بكر أن يخرج المسلمون مجاهدين بالدعوة إلى الإسلام قبل أن يتكاثر الجمع، ولكن محمدا ﵊ صاحب الدعوة والتبليغ رأى التريث، حتى يكون الجمع أوفر وأكثر عددا، لأنه مع العدد عزة الكثرة النسبية، وإن كانوا فى الحقيقة عددا قليلا، ولكن الصديق مازال بمحمد ﵊ حتى قبل أن يخرجوا من الاستخفاء إلى الإعلان، ويظهر أن الدعوة قد أعلنت بإنذار العشيرة الأقربين، وتذاكر الناس أمرها، ولكن يندر فيهم من يتقبلها، ويكثر فيهم من يعارضها، ومنهم من لم يعرف لهم موافقة ولا مناوأة.
ومهما يكن فقد خرج أبو بكر، ومحمد ﵊ قام بعمل جليل قبل ذلك الخروج، فقد انبعث كل رجل إلى عشيرته يدعو إلى الإسلام فيها، وخرج محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ومعه أبو بكر إلى المسجد الحرام، ثم قام أبو بكر خطيبا، ورسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم جالس. وقال ابن كثير فى روايته ما نصه: كان أول خطيب دعا إلى الله وإلى رسوله (أى بعد النبى ﷺ)، وثار المشركون على أبى بكر وعلى المسلمين فضربوه فى نواحى المسجد ضربا شديدا، ووطيء أبو بكر، وضرب ضربا شديدا «١» .
بعد ذلك، وخصوصا بعد إعلان الإسلام فى مخاطبة بنى هاشم، وبنى عبد المطلب عند الصفا، أخذ الإسلام ينتشر انتشار الضوء فى الظلام، فأسلم بنو مظعون من أولاد كعب بن لؤى، وأسلم عبيدة بن الحارث بن المطلب وسعيد بن زيد بن نوفل، وامرأته فاطمة، أخت عمر بن الخطاب، وعمير بن أبى وقاص، وعبد الله بن مسعود الهذلى، وأسماء بنت أبى بكر- وهكذا غيرهم من أهل مكة الأحرار، وإن لم يكونوا ذوى مال وذوى رياسة.
ومن الضعفاء، وقد كانوا أسبق إلى الإسلام عامر بن فهيرة مولى أبى بكر الصديق، وهو مولى لأسد اشتراه أبو بكر ﵁.
ومنهم صهيب بن سنان، ويقال أنه مولى عبد الله بن جدعان، ويقال أنه رومى، ونسب إلى الروم، لأنه كان أسيرا فى أرض الروم.
_________________
(١) البداية والنهاية لابن كثير ج ٣ ص ٣٠.
[ ١ / ٣١٢ ]
ومنهم بلال الحبشي، وكان مولى لبعض المشركين عذبوه، حتى اشتراه أبو بكر وأعتقه.
ومنهم ياسر وعمار ابنه، وأمه، وقد كان ياسر من عرب قحطان من مذحج، وعمار ابنه كان مولى لبنى مخزوم، لأن أمه سمية كانت مولاة لهم، فولدته على الرق، والمولود على الرق يتبع أمه فى رقها، ولا يتبع أباه فى حريته، وكذلك كان نظام الرومان فى الرق الذى سرى إلى العرب.
ومنهم خباب بن الأرت، وغيره من الضعفاء الذين سارعوا إلى الإسلام وقد سارعوا إلى خير الدنيا وخير الاخرة، وإذا كانوا قد أوذوا ابتداء، فقد نالوا الخير انتهاء، وكما قال الله تعالى وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ، وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ «١» .
وقد دخل الإسلام بيوتا كثيرة فما من بيت إلا علم بأمر دعوة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، وإذا كان العدد قليلا فى ذاته، فإنه ما خلا بيت من بيوت مكة المكرمة من مسلم، أو من قلب مال إليه، وأحس أهل الشرك بأن دولة الأوثان تؤتى من قواعدها، وأن الأحجار أخذت تفقد سيطرتها. ومن استمر متمسكا فعن أرب يريده باسمها، لا عن إيمان بها، فإنه كان يكفى أن يدعو محمد ﷺ إلى الحى القيوم الذى لا شريك له، حتى تزايلت الأوثان عن مكانتها، وما هو إلا تفكير يسير حتى زالت الأوهام، وصارت أحجارا لا تتجاوز أنها أحجار، ومن تمسك بها فهو غير مؤمن أو سادر فى غلواثه.
الاسلام يخرج إلى القبائل:
٢٢٤- من وقت أن أمر الله نبيه بأن يصدع بأمر به، وقد أخذ يلتقى بالجموع، فيغشى الأسواق داعيا، ويدخل النوادى صادعا بأمر ربه، ويقف فى مناسك الحج داعيا القبائل عندما يجد سميعا، والاحاد يذاكرهم، يسألونه فيجيبهم بما يوحى به الله تعالى فى سماحة صاحب الدعوة، وبإشراق نور النبوة حتى أصبح حديث القبائل التى تفد إلى بيت الله تعالى حجيجا أو معتمرين، أو تجارا مضاربين، ووجد من القبائل من صغت أفئدتهم إلى الإسلام، يستمعون دعوته، ويؤمنون بواحدانيته، ولعل من أدلة وصول الدعوة إلى القبائل إسلام أبى ذر الغفارى، وإسلام ضماد من أزد شنوءة.
روى البيهقى فى إسلام أبى ذر الغفارى أنه قال (أى أبو ذر): أتيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقلت: السلام عليك يا رسول الله أشهد ألاإله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فرأيت الاستبشار فى وجه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم.
_________________
(١) سورة القصص: ٥.
[ ١ / ٣١٣ ]
ويظهر أن ذلك نتيجة لوقائع سابقة من مقتضاها أن خبر الإسلام سرى إلى بنى غفار، وأن دعوة النبى ﵊ قومه قد وصلت إليهم فبعثت أبا ذر على البحث عنها، حتى عرف صدق النبى ﵊ قبل أن يجيء إليه.
وروى البخارى بإسناده عن ابن عباس قال: «لما بلغ أبا ذر مبعث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال لأخيه اركب إلى هذا الوادى فاعلم لى علم هذا الرجل الذى يزعم أنه نبى يأتيه الخبر من السماء، فاسمع من قوله، ثم ائتنى، فانطلق الاخر حتى قدمه وسمع من كلامه، ثم رجع إلى أبى ذر، فقال: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق، وكلاما ما هو بالشعر، فقال: ما شفيتنى، فأتى المسجد، والتمس رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وهو لا يعرفه، وكره أن يسأل عنه، حتى أدركه بعض الليل، فاضطجع، فراه على بن أبى طالب فعرف أنه غريب، فدعاه إلى ضيافته، فتبعه، ولم يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء حتى أصبح، ثم احتمل قربته وزاده إلى المسجد وظل ذلك اليوم، ولا يراه النبى حتى أمسى، فعاد إلى مضجعه، فمر به على فقال: أما ان للرجل أن يعلم منزله. فأقامه فذهب به معه لا يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء، حتى إذا كان اليوم الثالث، فعاد على مثل ذلك فأقام معه، فقال: ألا تحدثنى بالذى أقدمك، قال إن أعطيتنى عهدا وميثاقا لترشدنى قلت، فأخبره قال: فإنه حق، وإنه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فإذا أصبحت فاتبعنى، فإنى إن رأيت شيئا أخاف عليك قمت كأنى أريق الماء، وإن مضيت فاتبعنى، حتى تدخل مدخلى، ففعل فانطلق يقفوه، حتى دخل على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ودخل معه، وسمع من قوله وأسلم مكانه، فقال له النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: «ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمرى» فقال: والذى بعثك بالحق لأصرحن بها بين ظهرانيهم، فخرج حتى أتى فنادى بأعلى صوته: أشهد ألاإله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فضربوه، حتى أضجعوه «١» .
فأتى العباس، فأكب عليه، فقال: ويلكم ألستم تعلمون أنه من غفار، وأنها طريق تجارتكم إلى الشام، فأنقذه منهم ثم عاد من الغد بمثلها فضربوه، وأثاروا عليه فأكب العباس ثانيا.
ومن هذا نرى أن الإسلام قد أخذ يذيع نبؤه خارج مكة المكرمة، ويقول الرواة إن غفار أسلمت تابعة أبا ذر، ولم يكن أمر الإسلام ليصل فقط إلى من هم على مقربة من مكة المكرمة، بل وصل خبره إلى أزد شنوءة فأسلم رجل منهم اسمه ضماد كما أشرنا.
_________________
(١) البداية والنهاية لابن كثير ج ٣ ص ٣٤.
[ ١ / ٣١٤ ]
وضماد هذا كان رجلا يقول للعرب أنه يرقى من به مس من جنون أو سحر، فيشفى، فأراد سفهاء مكة المكرمة، أن يحسنوا النكاية بمحمد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فجاء سفهاء من مكة المكرمة، ودعوه ليعرضوا عليه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وقالوا له إنه مجنون.
جاء ضماد فقال: أين هذا الرجل الذى تقولون عنه إنه مجنون لعل الله تعالى أن يشفيه على يدى.
لقى محمدا ﷺ فقال: له إنى أرقى من هذه الرياح، وإن الله يشفى على يدى من شاء فهلم إلى.
فقال محمد ﷺ: «إن الحمد لله نحمده ونستعينه، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، أشهد ألاإله إلا الله واحده لا شريك له» ثلاث مرات.
قال ضماد متأثرا وقد فتح الله قلبه للإيمان «والله لقد سمعت قول الكهنة، وقول السحرة، وقول الشعراء، فما سمعت مثل هؤلاء الكلمات، فهلم يدك أبايعك على الإسلام» فبايعه على الإسلام، ويروى أنه عندما سمع كلام النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قال له «أعد علىّ كلماتك هؤلاء فقد بلغن السحر» .
تلك كانت أحوال من يدخلون فى الإسلام، كانوا فرادى ولم يكونوا جماعات إلا ما قيل عن بنى غفار، وكانوا قليلا ولكنهم كانوا يزيدون ولا ينقصون، وكانوا من بيوت مختلفة، وشعب متفرقة، وتجاوزوا حجزات مكة المكرمة. فماذا تصنع قريش؟
المناوأة
٢٢٥- توقع ورقة بن نوفل معركة تقوم بين محمد بن عبد الله ﷺ وقومه بسبب ما أوحى الله تعالى إليه والقيام بأداء الرسالة التى كلفه ربه أن يقوم بها، لأنه ما من أحد جاء قومه بمثل ما جاء به إلا عودى، وقد كان محمد ﷺ كريما عند قومه، حبيبا إليهم يألفونه، ويثقون به الثقة المطلقة، حتى خاطبهم بما اتاه الله تعالى، فانقلب أكثر من بمكة المكرمة مخالفين، ثم مناوئين لدعوته، مستنكرين لها ابتداء، ومقاومين ومعادين، ومضطهدين فى الجملة لمن اتبعوه.
وذلك لأنهم فوجئوا بهذه الدعوة إلى الحق، ولم يكونوا متوقعين لها، ومن محمد بن عبد الله ﵊، والمفاجأة بتغيير أمر مألوف تولد الإنكار ما لم يكن ثمة أمر متوقع يقع.
وإن أمر رسول الله يجئ فى بنى إبراهيم وكان ذكره خارج مكة المكرمة، ولم يكن يتردد كثيرا بين أهلها، وأهلها قوم ماديون، لا يعنيهم إلا أمر التجارة، وأمر الحج، ولعل الحج لا يعنيهم إلا لما يعلون به من
[ ١ / ٣١٥ ]
شرف بين العرب، واستعلاء عليهم، وشعور بأن العرب لهم تبع، وهم السادة فى بلاد تصعب السيادة فيها، وبين أقوام لا يعترفون برياسة إلا ما يكون من قبل ذلك البيت المعظم، الذى كرمه الله تعالى، وجعله حرما امنا تجبى إليه ثمرات كل شيء.
ولا يهمهم من جوار البيت إلا ذلك الشرف الذى يكتسبونه من الجوار وأنه محل تجارة العرب، كما هو محل نسكهم، وأمنهم، إذ الناس فى خوف وتقاتل، فكانوا بالإقامة فى البيت امنين من ناحية المال إذ هو سبيل تجارتهم، وهو مأمنهم، كما قال الله تعالى: لِإِيلافِ قُرَيْشٍ إِيلافِهِمْ. رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ. فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ. الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ، وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ «١» .
وإذا كانت المفاجأة التى لم يكونوا متوقعين لها قد دفعتهم إلى المبادرة بالإنكار، فقد ساروا فى طريقه، وانتقلوا من الإنكار إلى الاستنكار، وهو مرتبة أعلى من الإنكار المجرد،، لأن الإنكار المجرد أمر سلبى، قد يجيء من بعده الإيمان إذا جاء الدليل، أما الاستنكار فهو عمل إيجابى معناه أنه ينكر الحق، ويستنكر الدعوة إليه، ثم اندفعوا من بعد الاستنكار إلى المناوأة، وكل ذلك من المفاجأة، وقد تدفع المناوأة إلى الجحود، ويدفع الجحود إلى الكفر ثم الايذاء.
٢٢٦- والدعوة المحمدية التى فوجئوا بها هى تغيير لما هم عليه، ألفوا عبادة الأوثان من غير إيمان قوى بها، ولكن كانت عباراتهم تتلوى بتقديسها يتوهمون فيها أوهاما، وبسيطرة هذه الأوهام يشركونها فى عبادة الله تعالى، وهم يعلمون أن الله تعالى خالق السماوات والأرض.
والذين يميلون إلى المال، ومجرد الاستعلاء بين الناس لا يحبون التغيير بل يحبون الحياة الرتيبة السهلة التى لا تبديل فيها، ولا انقلاب ولا تقلب فى المذاهب والأفكار، وليس فيهم شاغل بهذا، ولذلك كان جوابهم عندما يدعوهم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ «٢»، ويحكى ﷾ عنهم فيقول تعالت كلماته: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا، أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ «٣» .
ألفوا الشرك، ولم يألفوا التوحيد، ولو كان الحق ساطعا، والبرهان قائما، واستمسكوا بالأصنام، وهم لا يؤمنون بها، يحطمونها ويعبدونها، ويغيرون حجرا بحجر،. وإن كانت الأسماء لا تتغير، ولكنهم لا يتركونها إلى غير ما يألفون، ولقد توقعوا ما عرفوا من أخلاق محمد بن عبد الله ﵊،
_________________
(١) سورة قريش: ١- ٤.
(٢) سورة البقرة: ١٧٠.
(٣) سورة لقمان: ٢١.
[ ١ / ٣١٦ ]
ومن معاملاته أنه سيدعوهم إلى تحريم الخمر، وهم يعاقرونها، لأنه لم يذقها فى الجاهلية، وقد جاء القران الكريم بأنها ليست رزقا حسنا وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا «١» فجعل الرزق الحسن مقابلا للسكر، فكانت إشارة إلى قبحه، والربا كان جزا من تجارتهم، وعلموا من تجارة محمد ﷺ أنه لا يزاوله ولا يرتضيه، والقران الكريم يتلى بينهم بالإشارة إلى تحريمه، إذ يقول سبحانه: وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ، وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ «٢» .
فدل هذا بصريح العبارة أن هذا الدين الجديد الذى جاء به محمد ﵊ عليهم سيزعج الربويين الذين يستغلون أموالهم بالربا، يدفعونه دينا ويأكلون من ثمرات تجارة غيرهم ربا، وكان فيهم كبراء أثروا من هذا الباب، وحسبوه كالبيع، وقالوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا «٣» .
وهكذا حسبوا أن ذلك الدين سيقلب عامة أمورهم، فعاجلوه بالإنكار، ولقد صور هذا الحال جعفر بن أبى طالب فى حديثه مع النجاشى، وإليك القصة كما جاءت فى الصحاح فى المجاوبة بين مهاجرة الحبشة، ولسانهم الناطق جعفر.
قال النجاشى:
«ما دينكم؟ أنصارى أنتم؟ قالوا: لا. قال: أفيهود أنتم؟ قالوا: لا، قال: فعلى دين قومكم؟ قالوا: لا، قال: فما دينكم، قالوا الإسلام. قال. فما الإسلام؟ قالوا: نعبد الله لا نشرك به شيئا. قال. من جاءكم بهذا؟ قالوا جاءنا به رجل من أنفسنا، قد عرفنا وجهه ونسبه، بعثه الله تعالى إلينا كما بعث الرسل إلى من قبلنا، فأمرنا بالبر والصدق والوفاء وأداء الأمانة، ونهانا أن نعبد الأوثان، وأمرنا بعبادة الله تعالى واحده لا شريك له، فصدقناه وعرفنا كلام الله تعالى، وعلمنا أن الذى جاء به هو من عند الله، فلما فعلنا ذلك عادانا قومنا، وعادوا النبى الصادق وكذبوه، وأرادوا قتله، وأرادونا على عبادات الأوثان، ففررنا إليك بديننا ودمائنا من قومنا» .
هذا الكلام يصور بعض التصوير التغيير الذى رأوه فى عاداتهم، فتجردوا لمناوأته، وأخذ الطريق عليه إن استطاعوا.
ومما دفع إلى مبادرتهم بالإنكار غرابة الأمر فى ذاته عليهم، ما كانوا يؤمنون بأن هناك يوما اخر يحاسب فيه المحسن على إحسانه والمسيء على إساءته، وأنها للجنة أبدا أو للنار أبدا، ولقد أكد ذلك النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عندما وقف لينذر قومه بعد أن أمره ربه، فقد جاء فى تلك الخطبة تأكيد لليوم
_________________
(١) سورة النحل: ٦٧.
(٢) سورة الروم: ٣٩.
(٣) سورة البقرة: ٢٧٥.
[ ١ / ٣١٧ ]
الاخر، لأنه ﵊ يعلم أنهم عنه غافلون «والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتجزون بالإحسان إحسانا، وبالشر شرا، وإنها للجنة أبدا أو للنار أبدا، وإنكم لأول من أنذر بين يدى عذاب شديد» .
إن المشركين من العرب كانوا قوما ماديين لا يؤمنون إلا بالحس، يعرفون الله، ولكن يصورون حجارة ليعبدوها فلا يعبدونه سبحانه، وهو غيب عنهم، فكان كل هذا غريبا، ومن يستغرب من غير دليل، ينكر، ثم يستنكر من غير دليل أيضا، ولقد حكى الله تعالى عنهم فى إنكار اليوم الاخر وما يكون:
وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ، أَإِذا كُنَّا تُرابًا، أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ. أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ، وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ، وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ «١» .
ويقول ﷾ فى استغرابهم الخلق من جديد: وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ. قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ «٢» .
ولجهلهم بالنبوات أثار عجبهم، والغرابة فى نفوسهم أن جاءهم بالرسالة عن الله تعالى رجل منهم يدعو إلى الله سبحانه، ولو كانوا يعلمون أن الرسول لا يكون إلا رجلا يمشى بين الناس ما ثار عجبهم لكونه رجلا، ولقد قال قائلهم فى الدعوة إلى التمسك بالحجارة: وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ، إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ. ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ، إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ. أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا، بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي، بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ «٣»، وهكذا كانت من أسباب غرابتهم بشرية الرسول، لأنهم أميون لم يعرفوا الرسالة، ولم يدركوها من قبل.
ولقد قال الله تعالى عنهم: وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ، لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ، فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا. أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ، أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها، وَقالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا «٤» .
فجهلهم بالنبوات والرسلات، وعدم وجود أنبياء بينهم علموا منهم رسالات الله تعالى إلى خلقه، وأن الرسل قوم من البشر، جعلهم يستغربون أن يكون الرسول بشرا سويا يأكل مما يأكلون، ويشرب مما يشربون، وإذا كان الأمر غريبا عليهم، فقد كان حقا عليهم أن يتعرفوا الحقائق لتزول الغرابة عنهم، ويستأنسوا بنور النبوة، ولكنهم عاندوا فلج بهم العناد، فكان منهم الجحود والكفران.
_________________
(١) سورة الرعد: ٥.
(٢) سورة يس: ٧٨.
(٣) سورة ص: ٦، ٧.
(٤) سورة الفرقان: ٧، ٨.
[ ١ / ٣١٨ ]
٢٢٧- وإن محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم بهذه الدعوة التى تسوى بين الغنى والفقير، وتوجب حقا للفقير فى مال الغنى- قد مس كبرياءهم وهز مراكزهم هزا عنيفا، وأحسوا بالأرض تميد من تحتهم إذ أن ذوى الأنساب منهم يستعلون بأنسابهم، ويحسبون أنهم الأشراف واحدهم، والناس دونهم، وهم الأعلون وغيرهم الأدنى، فكان لابد أن يقاوموا ذلك الداعى الجديد الذى يقول بلسان المقال وبلسان الفعال «لا فضل لعربى على أعجمى إلا بالتقوى، وأن الجنة لمن أطاع، ولو كان عبدا حبشيا، والنار لمن عصى، ولو كان شريفا قرشيا» فهو يأخذ بنواصى الأقوياء ليضعها بجوار رؤس الضعفاء، وقد لمحوا ذلك فى أتباعه، فقد رأوا أبا بكر نسابة العرب ومألف قريش، يكون بجوار بلال وعبيد أبى بكر نفسه، لا يفرق بينهما إلا فضل الإيمان، فهو مقياس الشرف والضعف، والإكبار والإصغار.
بلا شك هذه مباديء اجتماعية لا يقبلها شرفاء مكة ورؤساؤها، ومحمد ﵊ لابد منفذها، لأنه كان ينفذها قبل أن يكون نبيا رسولا، فكيف لا ينفذها، وقد نزل الوحى عليه، وجعلها هو نظاما واجب الاتباع، من لم ينفذه إن لم يعاقب اليوم فالنار الموقدة تلقاه يوم القيامة، ويلقى به فى السعير.
وقد قوى هذا أن الضعفاء أقبلوا على ما يدعو إليه محمد صلى الله تعالى عليه وسلم غير نافرين منه، بل كانوا مستجيبين أشد الاستجابة، وابتدأ الأقوياء الذين دخلوا فى الإسلام يعاملون الرقيق، كما يعاملون الأحرار.
إذن لابد من مقاومة ذلك التيار الذى جاء مع الدعوة، ولا يتركونه حتى ينمو، ويستغلظ ويستوى على سوقه، ويكون قوة تقوض ما تحت أيدى قريش من شرف وهمى، وسلطان استمدوه من ذلك الشرف الواهن فى بنيانه.
ثم إنهم كانوا الرؤساء الأعلون، ولهم شبه سلطان، وإنه إذا ذاع دين محمد ﵊، وصار السلطان للحق واحده، وحكمت المساواة، وذهبت المنازعات القبلية، فمحمد ذو السلطان، ويسلب كل ما لهم من سلطان، وما بنوه من مجد طريف وتالد ينهدم بين أيديهم، لأنهم يبنون سلطانهم على أنهم ذرية إسماعيل وضئضيء إبراهيم وها هو ذا يدعوا إلى ديانة إبراهيم، ويقول فى غير عوجاء ولا لو جاء، هذه ملة إبراهيم حنيفا، وما كان من المشركين، فأنى يكون لهم من بعد ذلك، لابد إذن من اقتلاع دعوة محمد ﵊ من جذورها، والقضاء عليها فى مهدها.
ثم إن بعض الكبراء منهم كانوا ينفسون على محمد بن عبد الله ﵊، ويتسائلون لماذا كانت له تلك المنزلة علينا، ونحن أولى بها منه.
وقد ذكر ذلك الوليد بن المغيرة، وادعى أنه أولى بالنبوة وأنه أكثر مالا وأعز نفرا، ومثل ذلك عروة ابن مسعود الثقفى، ونزل فيهما قوله تعالى: وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ
[ ١ / ٣١٩ ]
الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ. أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ. وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ. وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوابًا وَسُرُرًا عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ. وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ «١» .
٢٢٨- وفوق ما ذكرنا كله- العصبية العربية الجاهلية التى كانت مستمكنة فى النفس العربية يتوارثونها جيلا بعد جيل، فالعرب تنفس على قريش مكانتها، وقريش تنفس على بنى قصى ما لهم من مكانة، وبنو قصى وغيرهم ينفسون على بنى عبد مناف، وبنو أمية ينفسون على بنى هاشم رياستهم للعرب، وكونهم فى المكانة العليا من سدانة البيت والقيام عليه، فهاشم ورث الرياسة من عبد مناف، وعبد المطلب أخذها عن هاشم، وأبو طالب ورثها عن عبد المطلب.
فالدعوة الإسلامية تعرضت لعداوة من عادوا قصيا، وتعرضت لمن عادوا عبد مناف، ثم تعرضت لمن كانوا أعداء لبنى هاشم، ومن كل هؤلاء تكونت المقاومة، ولعل أمثل صورة لهذه العداوات مجتمعة هو عمرو بن هشام الذى اشتهر فى الإسلام باسم أبى جهل، وهو به جدير. فقد كان فرعون هذه الأمة، وإن لم يكن فرعون فى مثل سفهه وحنقه ورعونته.
لعن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أبا جهل فناداه بكنيته أبا الحكم قائلا له: «هلم إلى الله وإلى رسوله أدعوك إلى، فقال أبو جهل: يا محمد، هل أنت منته عن سب الهتنا، هل تريد إلا أن نشهد أنك قد بلغت، فنحن نشهد أنك قد بلغت، فو الله لو أنى أعلم أن ما تقوله حق لا تبعتك» .
مناقشة هادئة، كلها حكمة من محمد ﵊، إذ أنه يناديه بكنيته يا أبا الحكم، وهى عجرفة من جانب عمرو بن هشام (أبى جهل) فبينما النبى ﵊ يناديه بكنيته، لا يناديه بمثلها، بل يقول فى جفوة يا محمد.
وليس هذا هو المهم، إنما المهم أنه قال لمحدثه بعد انصراف النبى صلى الله تعالى عليه وسلم.
«والله إنى لأعلم أن ما يقول حق، لكن يمنعنى شيء، إن بنى قصى قالوا: فينا الحجابة، فقلنا:
نعم، ثم قالوا: فينا السقاية، فقلنا: نعم، ثم قالوا: فينا الندوة، فقلنا نعم، ثم قالوا: فينا اللواء، فقلنا نعم، ثم أطعموا وأطعمنا، حتى إذا تحاكت الركب قالوا منا نبى، والله لا أقبل» «١» .
_________________
(١) البداية ج ٣ ص ٦٥.
[ ١ / ٣٢٠ ]
كانت قبائل قريش تأخذ على بنى قصى أنهم جمعوا فى أيديهم الحجابة للبيت الحرام، والقيام على شئونه، وذلك شرف ليس فوقه شرف، وسقاية الحجيج، وذلك يذيع ذكرهم ويعلن اسمهم، والندوة، وهى شورى العرب، فكانوا بذلك رؤساءهم، وهم الذين يحملون لواء قريش، وهذا كله إثارة للعرب عليهم، ثم انحدرت هذه المنافسة إلى معاداة الحق الذى يأتى به أولاد قصي، وبنو هاشم على رأسهم، وقد ورثوا عنه بعض ما أخذه من قريش.
وإذا كانت قريش كلها تنفس على بنى قصى ما أخذوا أو يحسدونهم فبنو عبد مناف كانوا من بينهم يختصون بالحقد عليهم لأنهم الذين ورثوا شرف قصى، وما كان معه، ولقد ظهر ذلك على لسان فرعون هذه الأمة أبى جهل.
لقد سمعوا القران الكريم سرا، وكانوا هم الأعداء الذين قد أصيبوا بلدد الخصومة، ثم تذاكروا بعد السماع وقد تأثروا، وقد قال أحدهم لأبى جهل: يا أبا الحكم، ما رأيك فيما سمعت من محمد، فقال حانقا: «ماذا سمعت، تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا وأعطوا فأعطينا، حتى تحاذينا على الركب، وكنا كفرسى رهان، قالوا: منا نبى يأتيه الوحى من السماء، فمتى ندرك مثل هذه، والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه «١» .
وإذا كان أبو جهل يمثل أعنف وأحمق معارضة للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فهو فى معارضته أوضح صورة للعصبية الجاهلية، التى تضع على البصائر غشاوة، فتعمى عن الحق، ولا تدركه، بل تدركه، ولا تذعن له، وترضى بالرديء الوبيء عن الحق الصادق المريء.
نسوق هذه الأمور، لا لنبرر بها ذلك الموقف الجاهلى الذى وقفه أعداء النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، أو إن شئت فقل خصومه الذين حاربوه وأعنتوه فى الخصومة والمعاندة، ثم عادوه، وكانوا شياطين الإنس الذين ذكروا فى القران الكريم على أن الله تعالى يجعل لكل نبى يبعثه عدوا من شياطين الإنس، ليكتب الله تعالى له ثواب الجهاد والمصابرة..
ولكن سقناه لنعلل الوقائع بأقرب أسبابها، ولكى تزول كل غرابة فى معاداتهم للحق، وقد بدا وضحه، وليعرف الباحث البواعث الحقيقية لتلك اللجاجة فى العداوة التى ذهبت بهم إلى الإيذاء، وأسرفوا بها فى القول، وأثاروا نيران البغضاء، والواقع أن البغضاء للدين كانت مستكنة فى نفوسهم، واستيقظت بقوة دعوة محمد بن عبد الله ﵊.
_________________
(١) سيرة ابن هشام ح ١ ص ٣١٦ طبعة الحلبى.
[ ١ / ٣٢١ ]
وإن إسناد الأمور لأسبابها لا يعد تبريرا لها، ولكن يكون تبيانا للوقائع، وإن الأسباب فى ذاتها إثم، والإثم لا يولد إلا إثما، واللجاجة لا تولد إلا فجورا واثاما.
لقد يعجب الناس كيف يمارى أولئك وفيهم عقل فى الواحدانية، ويجادلون فى الله تعالى وهم يعلمونه، وهو شديد المحال، كيف يقف أمثال الوليد بن المغيرة وهو من أذكياء العرب، والنضر بن الحارث موقف المعارضة، وفيهم إدراك سليم، ولكن عميت عليهم الأمور بسبب ما ذكرنا فكانوا فى حيرة بين ماض ألفوه، وألفوا معه الدعة والمال والجاه والسيطرة، وحاضر قد أدركوه، ورأوا نور الحق الذى ساروا فيه، ولكن ما أن يبرق عليهم نوره ويمشوا فيه، حتى تكون غاشية المال، وغاشية الجاه، وغاشية الاستعلاء، وغاشية التعصب القبلى المردى.
ومنهم من كان يرد النور إلى قلبه رويدا رويدا، فكان فى وسط ذلك الأتون من العداوة نور يهدى إلى التى هى أحسن، والله عليم بذات الصدور.
تلقى الناس للدعوة
٢٢٩- تلقى الناس فى مكة المكرمة دعوة النبى ﵊ بعد أن أعلنها على الصفا، مخاطبا عشيرته الأقربين أولا، ثم مخاطبا العرب أجمعين ثانيا، حين صدع بأمر ربه، تلقوها مشدوهين لغرابة الجديد، فقسم صغى قلبه إليها، وأولئك السابقون الأولون الذين اصطفاهم الله تعالى لحمل دعوته، ومعاونة النبى ﵊ فى تبليغ رسالته، ونشرها فى الأرض ومجاوزتها الأقطار من بعده.
وكان من هؤلاء الضعفاء الذين حرموا السلطان ومتعة الحياة، ورأوا فى دعوة محمد ﷺ أملا مرجى فى الاخرة وإذ لم يكونوا فى حال مرضية البقاء، بل هى مرجوة الإنهاء، فأوجد فيها الإسلام الأمل فى إنهائها، فسارعوا إليها، وذاقوا العذاب فى سبيلها، فصبروا من غير انزعاج أو ارتداد، بل مضوا فى الطريق حاملين البؤس والبأساء، فى جلد وصبر وإيمان، وقد مكن الله تعالى لهم، ووفاهم صبرهم وإِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ «١» .
والقسم الثانى أعلن العداوة للنبى منذ ابتدائها، وشنوا غارة على الذين يؤمنون، وعلى رأس هؤلاء أبو لهب عم النبى ﵊، ومن هؤلاء من ذهبت غلواؤهم فى العداوة، ولجاجتهم فى الخصومة إلى إيذاء المؤمنين، وتعذيب الضعفاء من العبيد والفقراء، ومن لا حول لهم ولا طول من عشيرة تحميهم، وعزة من النفر يدافعون عنهم، وكثير ممن دخلوا فى الإسلام كانوا على ذلك النحو، إذ لم يجدوا جوارا من أحد يدفع عنهم الأذى وعلى رأس المؤذين أبو جهل.
_________________
(١) سورة الزمر: ١٠.
[ ١ / ٣٢٢ ]
والقسم الثالث وسط بين هؤلاء، فلم يعتنق الإسلام، ولم يكن من السابقين الأولين، بل وقف وقفة المنتظر، أو وقفة من رد الدعوة من غير معاداة، ولا مناوأة، وكان من هؤلاء أكثر بنى هاشم، وبعض بنى أمية، وبعض القرشيين، وكان فى كل عشيرة بعض من هؤلاء، كما كان فى كل عشيرة بعض ممن أسلم.
ومن هذا القسم من كان يشرح الله تعالى صدره للإسلام، فيدخل فى صفوف المسلمين مجاهدا صابرا، متحملا الأذى، وأقله السخرية والاستهزاء، فقد كان الإسلام ينمو من هؤلاء، بل إنه كان ينمو أيضا من المعذبين المؤذين، وحسبنا عمر بن الخطاب، كان من المؤذين، حتى هم فيما يقول الرواة بقتل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ولكن تداركته رحمة الله تعالى، فشرح الله تعالى صدره للإسلام، فكان له عزا، وكتب الله تعالى الحق على قلبه ولسانه.
أخذ النبى ﵊ يدعو، ولا ينى عن دعوته، ولا يلين ولا يخفف من دعوته الإعراض مهما يكن مقدار المعرضين ولا الأذى ينزل به وبكبراء صحابته، ولا الاضطهاد يشتد على ضعفاء أتباعه، ولكنه يأسى ويحزن على ما ينزل بهم ويواسيهم ويدعوهم إلى الصبر، ويصبر هو ليتأسوا به، ويعينهم بالمال إن احتاجوا، ويعينهم كبار الذين آمنوا على فك رقابهم.
وكلما ازداد عدد المؤمنين، ازداد الأذى وازدادت المعارضة، فإنه كلما قوى الحق ونما أهله، يئس المخالفون من أن يطفئوا نور الله تعالى الذى انبثق فى مكة المكرمة. ولكن بوادر اليأس كانت تزيده حجة ولجاجة فى الباطل، وكل يسير فى طريق التمسك بالباطل، ففريق الذين ارتضوا لأنفسهم أن يكونوا سوط عذاب يستمرون فى غيهم يعمهون، والذين ارتضوا المعارضة من غير إيذاء، والمقاومة من غير إعنات لمن جاؤا بالدين الجديد، ساروا فى طريقهم ومنهاجهم، يدعون النبى ﵊ لأن يكف عن دعوته، ويجادلونه، ويعرضون عليه ما يرونه مغريا بالإعراض عن دعوته، على حسب تفكيرهم، وعلى مقتضى ما يسول لهم شيطان المادة.
٢٣٠- ويذكر الأكثرون من الرواة أن النبى ﵊ كان يلقى منهم مسالمة، ودفاعا عن عقائدهم بالتى هى أحسن، أو عدم اهتمام بعضهم بمقاومته عندما كان يدعو من غير أن يذكر الهتهم بسوء، أو يسفه أحلامهم، وأحلام ابائهم، فلما أخذ يسب الهتهم، ويسفه أحلامهم، انتقلوا إلى مقاومة عنيفة، أخذت صورة الإيذاء من بعضهم والاستنكار المرير من بعض اخر، ثم تطورت الأمور إلى العداوة والإغراء بالبغضاء وقطع الأرحام الموصولة.
[ ١ / ٣٢٣ ]
وفى الحق أننا لا نرى فارقا زمنيا، بل نجد أن دعوة التوحيد وتحريم عبادة الأوثان، والإشراك بالله ابتدأت منذ جاء ﵊، ومنذ أعلن عشيرته باستنكار عبادة الأصنام، فقال عقب الإنذار بالبراءة منهم إن عصوا، فقال الله تعالي: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ. وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ. وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ «١» .
وجاء مثل ذلك عند الأمر بالجهر بالدعوة، وإعلان قريش خاصة والعرب عامة، إذ قال الله تعالى:
فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ. إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ. الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ «٢» .
وإذا كنا لا نجد فارقا زمنيا يحد ما بين الدعوتين، وإذا كانت الايات التى نزلت فى أول الدعوة بمكة المكرمة تتشابه فى معانيها من ناحية الأوثان مع الايات التى نزلت فى اخر مقامه ﵊ بمكة المكرمة. فإن من الحق علينا أن نقول إننا لا نجد تفريقا بين حال لم تذكر فيها أوثانهم بسوء وحال قد ذكرت فيها بسوء.
وإن الذى نجده أو نظنه ظنا أن مقاومتهم ابتدأت بحال دهشة مما فوجئوا به، وتساؤل فيما بينهم، ما شأن هذا الذى جاء به محمد ﵊ وهم بين من علم أن محمدا ﵊ دعا إلى هذه الدعوة، وبين متشكك فى نسبة القول إليه، وبينما هم يتسائلون كانت الدعوة تسرى فى الأوساط، وتجد لها من بينهم مصادقين ما بين سادة وعبيد، وأشراف وضعاف، فتنبهوا حينئذ للمقاومة، لأمر وجدوه جدا لا هزل فيه، وقويا لا ضعف يعتريه، وإذا كان الذين يتبعونه قليلا، فهم يزيدون وسيكونون كثيرا ولابد أن يأخذوا الأهبة لمدافعة هذا الواقع، وهو لا يزال نبتا، قبل أن يستغلظ سوقه.
٢٣١- وعلى ذلك نقرر أن المقاومة كانت تتزايد فى الشدة كلما تزايدت الدعوة عموما، وتكاثر المستجيبون لها، فهم كلما رأوها تنمو ولو قليلا يحسون بالخطر شديدا، وكلما أحسوا بالخطر ازدادوا لجاجة وعنفا، لأنهم يرون الخطر على سيادتهم، ونظمهم الاجتماعية، والأرض تنهار من تحتهم شيئا فشيئا، فتزداد المقاومة بصورها المختلفة، وكل يعمل على شاكلته، وعلى الطريقة التى يرضاها خلقه، ففريق بالايذاء، وفريق بالاستهزاء، وفريق بالشكوى لأبى طالب حاميه، ويتلاقى الجميع على أمر يكون متلاقيا مع كل طبائعهم هكذا.
_________________
(١) سورة الشعراء: ٢١٤- ٢١٧.
(٢) سورة الحجر: ٩٤.
[ ١ / ٣٢٤ ]
وإن اعتراضهم أخذ ثلاث صور، الصورة الأولى محاولة حمل النبى ﵊ على ترك الدعوة التى يقوم بها، وينشر الإسلام عن طريقها ويحارب الوثنية بكل ضروبها.
الصورة الثانية- المجادلة ومحاولة إحراج النبى ﵊ بمطالب هى غير معقولة فى ذاتها، بقصد تعجيزه، وإظهار عجزه أمام الناس أجمعين عسى أن يكون فى ذلك صد الناس عنه.
الصورة الثالثة- الإيذاء فى صوره المختلفة، بالإيذاء الفعلى الاحادى للنبى ﵊ خاصة، وللذين يؤمنون من الناس، ولم يخلص منهم كبراؤهم، ووقع شديد على ضعفائهم، ثم كان من ذلك إيذاء جماعى، أنزل من قريش كلها على بنى هاشم كلهم وإخوانهم بنى المطلب، وقد تلقوا جميعا مقاطعة قريش لهم، ولم يقبل دنية الافتراق عن أسرته إلا أبو لهب، أما الباقون فتحملوه صابرين مشاركين معاونين، واستوى فى ذلك مؤمنو بنى هاشم وبنى المطلب على سواء.
وقد لوحظ أن الإيذاء كان يجعل الإيمان يذيع وينمو، لأن الناس تنفطر نفوسهم لألم المتألمين، ويدفع حمية الذين لهم صلة بمن يؤذون، فتدفع المروءة إلى مشاركتهم فى سبب الإيذاء تحديا ومقاومة لذلك الشر، فقد دفع الإيذاء للنبى ﵊ حمزة بن عبد المطلب لأن يعلن إسلامه، ثم يعلن إيمانه، كما سنبين إن شاء الله تعالى فى إسلام حمزة.
وقد يكون اندفاع المؤذى فى إيذائه مفرطا فيه دافعا لأن ينفطر قلبه، فيجد سبيلا للإيمان، كما كان الشأن فى إيمان عمر بن الخطاب، فقد كان الدم الذى انبثق من شج أخته إيذاء لها على إيمانها سببا فى أن فتح الله تعالى قلبه لأنه استمع إلى الايات التى تتلى، فرحمه الله تعالت كلماته بأن فتح صدره للإيمان فامن.
وكان الإيذاء سببا فى الهجرة إلى الحبشة، وفى الهجرة إليها شاع اسم الإسلام فى ربوعها، وإن لم يتبعه إلا ملكها، وسنذكر بعون الله تعالى تلك الصور المختلفة للمقاومة بعد أن نتكلم فى درجات الدعوة، والجهر بها.
الذين استجابوا لله والرسول
٢٣٢- سرى الإسلام إلى النفوس من أول نزوله، وإذا كان الذين سارعوا إلى الدخول فيه عددا قليلا، فذلك شأن كل دعوة تعتمد على الحق المجرد، فإنها تدخل فى قلوب الجماعات فى ريث من غير تعجل، ولا انسياق من غير تفكر وتدبر، ولكنها صارت كالجبال.
[ ١ / ٣٢٥ ]
وقد يقول قائل إن دعوة محمد ﵊ كانت ثورة فكرية واعتقادية واجتماعية واقتصادية وإنسانية بشكل عام، ومن شأن الثورات أن تجتذب الجماهير فتندفع فى نصرتها والأخذ بها، ونقول فى الإجابة عن ذلك أن ما أتى به محمد ﵊ كان فى نتيجته وغايته أعظم ثورة إنسانية راها التاريخ الإنسانى، فى نتيجتها وثمراتها وغاياتها، لا فى وقائعها وأشكالها، فإن الثورات الجامحة انفعالات للجماهير تكون كانفعال الأشخاص لا تلبث أن تنطفئ، إذ ذلك شأن الانفعالات دائما، لا فرق بين أن تكون فى الاحاد وأن تكون فى الجماعات، واعتبر ذلك بالثورات الأوربية، فأعظمها مظهرا الثورة الفرنسية، انفعلت بها فرنسا انفعالة شديدة، ثم لم تلبث حتى أخذت تأكل نفسها، وكثرت ثورات زعمائها على أنفسهم جماعة بعد جماعة حتى رسبت فى اخر الأمر فى حكم يشبه حكم القياصرة، كما كان فى عهد نابليون الذى نال الكمثرى فيها بعد أن نضجت.
أما دعوة محمد ﵊، فقد كانت نابعة من أحكام المنطق وأحكام العقل، والإمداد الإلهى بروح القدس، وما كانت انفعالة، بل كانت نفوسا مطمئنة راضية مرضية امنت بالحق وأخذت به، دخلها الإيمان ولم يخرج منها. وهذا يكون من شأنه الدوام والاستقرار فى النفوس التى يدخلها، فإذا أشرق فيها إشراق لا ينطفيء، فلا يشبه نار الهش من الأحطاب الذى ينطفيء بأقل الرياح، بل يشبه الماء العميق البعيد الغور الذى لا تهزه الرياح، فلا تعبث به الأهواء.
لذلك كان الذين يدخلون قليلا قليلا من غير طفرة، وانتقال انفعالى.
٢٣٣- ولقد اختبرت قلوبهم من أول دخولهم- لقد ابتدأ الإسلام يسرى كالنور فى الظلام، فأشرقت به قلوب مؤمنة، فدخلها واستقر بها فى وسط لجاجة الشرك وعوجاء أهله، أسلم قوم مؤمنون، ولكن منعوا من أن يقيموا شعائر دينهم، فكانوا ابتداء لا يصلون فى المسجد الحرام، بل كانوا يذهبون للصلاة فى شعاب مكة المكرمة مستخفين بدينهم، لا يجهرون بقراءة القران الكريم بين ظهرانيهم، ولقد كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يفعل ذلك، ومكانته بين قريش مكانته، وجاء أبو جهل الذى اشتهر بذلك الاسم فى الإسلام واستحقه بعمله، وقال فى تبجح ظاهر للنبى ﵊: «ألم أنهك يا محمد عن الصلاة هنا» فلم يلتفت إليه النبى ﵊، لأنه يعلم أن أدب الإسلام أنه إذا مر باللغو مر كريما ولم يلتفت.
وكان المسلمون الأولون لا يستطيعون أن يجتمعوا ليتعلموا من الرسول دينهم، بل كانوا يجتمعون خفية فى دار الأرقم بن أبى الأرقم، قالوا إنه يجتمع فى هذا البيت الطاهر نحو تسعة وثلاثين كانوا هم المجتمعين عندما أسلم عمر رضى الله ﵎ عنه، وليس معنى ذلك أن الذين أسلموا كانوا هذا العدد
[ ١ / ٣٢٦ ]
فقط، فقد كان ثمة عبيد آمنوا، وكانوا فى مهنة مالكى رقابهم، ومنهم من كان يعذب العذاب الأليم ليفتن عن دينه، ويكره على الخروج منه.
ومن المؤمنين من كان يؤمن، ويخفى إيمانه عن أهله. أبيه وأمه وأخيه فرارا بدينه من أن يمنى بملام أو تعذيب، فقد كان أهل كل بيت كان فيه من دخل فى الإسلام، يأخذ ذلك المسلم بالتأنيب واللوم الزاجر، ثم ينتقل الأمر من اللوم إلى التعذيب، إن استرسلوا فى غوايتهم، ولم يكن ما يمنعهم من رحم شفيقة، أو قوة عزيمة ممن منحه الله تعالى الإيمان، واعتصم ببرد اليقين.
ولم يكن المسلمون يجهرون بقراءة القران الكريم خوف الأذى إلا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقد كانت دعوته وتبليغ رسالة ربه توجبان عليه أن يجهر مهما يكن الأذى الذى ينزل به. فإن الله تعالى عاصمه من الناس، وما كانت قريش تستطيع دفعه، بل إنهم كانوا يتناهون فيما بينهم أن يسمعوه، ولكنهم يذهبون خفية ليسمعوه، يذهب كل واحد مختفيا عن جماعته ثم يلتقون فى الاستماع إليه، وقد تناهوا، ولكن كل واحد خالف ما اتفق عليه معهم، ويحسب أنه المخالف واحده، وإذا هم جميعا مختلفون وإذا هم جميعا ناقضون لما اتفقوا.
ويذكر الرواة أن أول من جهر بالقران الكريم بعد النبى ﵊، يروى ابن إسحاق عن عروة بن الزبير عن أبيه الزبير بن العوام أنه قال: كان أول من جهر بالقران الكريم بعد رسول الله ﷺ بمكة المكرمة عبد الله بن مسعود رضى الله تعالى عنه قال: «اجتمع يوما أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقالوا: والله ما سمعت قريش هذا القران يجهر لها به قط، فمن رجل يسمعونه؟ قال عبد الله بن مسعود: أنا أسمعهم، قالوا إنا نخشاهم عليك، إنما نريد رجلا له عشيرة يمنعونه من العدو إذا أرادوه. فقال: دعونى، فإن الله تعالى سيمنعنى، فعاد ابن مسعود حتى أتى المقام فى الضحى وقريش فى أنديتها، حتى قام عند المقام ثم قرأ رافعا صوته.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. الرَّحْمنُ. عَلَّمَ الْقُرْآنَ. خَلَقَ الْإِنْسانَ. عَلَّمَهُ الْبَيانَ «١» ثم استقبلهم يقرؤها، قال فتأملوه فجعلوا يقولون ماذا قال ابن أم عبد، ثم قالوا إنه ليتلو بعض ما جاء به محمد. فقاموا إليه، فجعلوا يضربونه فى وجهه، وجعل يقرأ، حتى بلغ منها ما شاء الله تعالى أن يبلغ، ثم انصرف إلى أصحابه، وقد أثروا فى وجهه، فقالوا له: هذا الذى خشينا عليك، فقال: ما كان أعداء الله أهون على منهم الان، ولئن شئتم لأعاودنهم بمثلها غدا، قالوا: حسبك حسبك أسمعتهم ما يكرهون
_________________
(١) سورة الرحمن: ١- ٤.
[ ١ / ٣٢٧ ]
٢٣٤- وإن هذا كله يدل على ثلاثة أمور:
أولها: الاستخفاء بالعبادة إلا ما كان من أمر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فقد كان حريصا على أن يجهر بصلاته ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وأن يجهر بالقران الكريم ما وسعه ذلك، غير ممتنع، ولا متردد، لأن الأمر جاء إليه بذلك، وهو يبلغ الرسالة، ويظهر إن المشركين، وإن كانوا يتضايقون من ذلك، لم يكونوا يمنعونه، وإن حاولوا المنع لم يجدوا مستجيبا لما يدعون، فكانوا يعمدون إلى الاستهزاء به انا وإيذائه انا، والإعراض عنه دائما، وفى كل وقت، لأنهم قد جعلوا فى قلوبهم وقرا، فلا يستمعون، وقد كان المشركون يشتدون فى أذاهم.
الأمر الثانى: أن الأذى الذى كانوا ينزلونه بالمؤمنين لم ينهنه من عزمهم، ولم يضعف أنفسهم، فهذا عبد الله بن مسعود يضربونه، فيستمر فى قراءته، وهم يستمرون فى ضربه حتى يبلغ ما شاء الله تعالى أن يبلغه، غير ملق اهتماما إلى ضربهم.
وإن حال الايذاء فى أثناء قراءته يصور حال المؤمنين مع إيذاء الكافرين، ومع الإيمان استمروا فى الإيذاء، واستمر الإسلام فى ازدياد.
الأمر الثالث: أن المشركين حين كانوا يسمعون القران الكريم من النبى ﷺ يتميز غيظهم، وإن كان الغيظ ثابتا، إذ يتبعه إيذاء أحيانا، ولكنهم يتميزون غيظا عندما يسمعونه من غيره، لأنهم بذلك يعلمون سريان الدعوة، وزيادة الأتباع حينا بعد حين، فليس غيظهم فقط من سماع القران الكريم، بل إنه منه، ومن نمو عدد المستجيبين، فالأمر إذا كان يزيد ولو بقدر ضئيل يبشر أصحابه ببلوغ الغاية، وينذر أعداءه بالعاقبة المريرة.
إسلام حمزة
٢٣٥- ويلاحظ أن الأذى لم يمنع الاستجابة للدعوة، بل زيادتها، ومن المؤمنين الذين كان لهم فى الإسلام قدم ثابتة من كان الإيذاء هو السبب الواضح فى إسلامهم.
ولنذكر فى هذا المقام إسلام حمزة بن عبد المطلب، ولنذكر قصته كاملة كما رواها ابن إسحاق:
قال ابن إسحاق: «حدثنى رجل من أسلم كان واعية أن أبا جهل مر برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عند الصفا فاذاه وشتمه، ونال منه ما يكره من العيب لدينه، والتضعيف لأمره، فلم يكلمه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ومولاة لعبد الله بن جدعان فى مسكن تسمع ذلك فلم يلبث أن أقبل حمزة متوشحا قوسه، راجعا من قنص له، وكان صاحب قنص يرميه، ويخرج له، وكان إذا رجع من
[ ١ / ٣٢٨ ]
قنصه لم يصل إلى أهله حتى يطوف بالبيت، وكان إذا فعل ذلك لم يمر على ناد من قريش إلا وقف، وتحدث معهم، وكان أعز فتى فى قريش. وأشد شكيمة، فلما مر بالمولاة (التى سمعت سب أبى جهل) قالت له: يا أبا عمارة، لو رأيت ما لقى ابن أخيك محمد انفا من أبى الحكم بن هشام، وجده هاهنا جالسا، فأذاه وسبه، وبلغ منه ما يكره، ثم انصرف عنه، ولم يكلمه محمد صلى الله تعالى عليه وسلم. فاحتمل حمزة الغضب لما أراد الله به من كرامة. فخرج يسعى؛ ولم يقف على أحد عامدا لأبى جهل إذا لقيه أن يوقع به، فلما دخل المسجد نظر إليه جالسا فى القوم، فأقبل نحوه، حتى إذا قام على رأسه رفع القوس فضربه بها فشجه شجة منكرة، ثم قال: أتشتمه وأنا على دينه، أقول ما يقول، فرد ذلك على إن استطعت، فقام رجال من بنى مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل، فقال أبو جهل: دعوا أبا عمارة، فإنى والله قد سببت ابن أخيه سبا قبيحا، وتم حمزة على إسلامه، وعلى ما تابع عليه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم» «١» .
وفيما ذكره ابن إسحاق هنا ما يوهم بأنه أعلن إسلامه، وكان ذلك الإعلان هو دخوله فى الإيمان، ولكن ذكر فى البداية عن ابن إسحاق أيضا أن حمزة إذ أعلن ذلك أنه أتبع محمد بن عبد الله ﵊ ما كان ينطق بها إلا عن حمية العصبية، ولكنه فكر بعد ذلك فى مخرج منها، أو سير فى طريق الإيمان، ولننقل لك حديثه فى نفسه كما جاء على لسانه، وكما نقل ابن إسحاق:
«أقبل حمزة على نفسه، وقال ما صنعت، اللهم إن كان خيرا، فاجعل تصديقه في قلبى، وإلا فاجعل لى مما وقعت فيه مخرجا. فبات بليلة لم يبت بمثلها من وسوسة الشيطان، حتى أصبح، فغدا على رسول الله ﷺ، فقال يا ابن أخى، إنى قد وقعت فى أمر ولا أعرف المخرج منه، وإقامة مثلى على ما لا أدرى ما هو!! أرشد أم هو غىّ شديد، فحدثنى حديثا، فقد اشتهيت يا ابن أخي أن تحدثنى، فأقبل رسول الله ﷺ، فذكره ووعظه، وخوفه وبشره، فألقى الله تعالى فى قلبه الإيمان بما قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال: أشهد أنك الصادق، فأظهر يا ابن أخى دينك، فو الله ما أحب أن لى ما أظلته السماء وأنى على دينى الأول. فكان حمزة ممن أعز به الدين. وروى البيهقى مثل ذلك «٢» .
ويظهر من هذا الكلام، وما قبله أن حمزة رضى الله ﵎ عنه كانت له نزعة دينية كانت على الباطل، ثم كانت على الحق. كان فى جاهليته، إذا جاء من صيده وقنصه لا يغشى ناديا إلا إذا طاف بالبيت، والمتدين فى طبعه إذا رأى وضح الحق سار فيه ولصدق إدراكه عندما أعلن الإسلام فى غضبة
_________________
(١) سيرة ابن هشام ج ١ س ٢٩٢.
(٢) البداية ج ٣ ص ٣٣.
[ ١ / ٣٢٩ ]
عنيفة قوية، أراد أن ينعم النظر فيما عرض له من حال؟ أيخرج منها، وما السبيل؟ أم يمضى، فاعترته حيرة، كانت هادية موجهة، إذ هداه الله تعالى إلى الإسلام.
اسلام عمر
٢٣٦- كان الإسلام ينمو ويزيد، وإذا كان قد ابتدأ بالضعفاء، وقل فيه الكبراء فقد أخذ عدد الأقوياء يكبر، وإن كان العدد فى ذاته لا يزال قليلا، فقد دخل أقوياء، يرفعون العبء قليلا عن الضعفاء.
دخل أولا حمزة، ولأول مرة فى تاريخ الإسلام يضرب أبو جهل فوق رأسه حتى يشج، ويثور له بعض قبيله، فيتصدى لهم رجل قوى الشكيمة عزيز الجانب، حتى يتعلم أبو جهل الحكمة ساعة من زمان، فيدعوهم إلى أن يتركوا حمزة، ولعله دعاهم إلى أن يقوا أنفسهم شر ضربات حمزة.
لم يذكر كتاب السيرة تاريخ إسلام حمزة، وإن ادعى بعضهم أنه كان قريبا من اسلام عمر أى أن إسلام عمر كان بعده بقليل، واسلام عمر كان فى السنة السادسة من البعثة! لأنه كان بعد الهجرة إلى الحبشة. وإن كتاب السيرة كانوا يعنون بذكر الوقائع بروايات صحيحة، وإن كانوا لا يذكرون تاريخها إلا إذا اقترنت بواقعة مشهورة، كما اقترنت واقعة خروج المؤمنين هاربين بدينهم إلى الحبشة بإيمان عمر بن الخطاب.
كان عمر فاروق الإسلام شديدا علي المسلمين قبل إسلامه، لا يجد سبيلا لإيذائهم إلا سلكه، ولكنه في طبيعته إدراك صحيح إن ضل يرشده، وفيه طبع رحيم إن قسا، فظهر الألم يؤذيه ذلك كما يؤذي من نزل به.
ولعل أقوى حادثة هزته، أنه رأى المؤمنين يهاجرون فرارا بدينهم من إيذائه هو وأشباهه، فلفتته هذه الهجرة عما كان فيه من غى، وما عليه المؤمنون من رشاد.
روى ابن إسحاق عن بعض اللائى أخذن الأهبة للهجرة وهى أم عبد الله بن خثعمة أنه راها عمر بن الخطاب، فسألها عن مخرجها، فقال اسفا: إنه للانطلاق يا أم عبد الله. قالت: نعم والله لنخرجن فى أرض الله، اذيتمونا، وقهرتمونا، حتى يجعل الله لنا مخرجا، فقال.. صحبكم الله، قالت:
ورأيت والله فيه رقة لم أكن أراها، ثم انصرف وقد أخذنا فيما رأى خروجنا، فجاء عامر ابنها، فقالت له: لو رأيت عمر انفا ورقته، وحزنه علينا، قال: أطمعت فى إسلامه قلت نعم، قال لا يسلم إلا اذا أسلم حمار الخطاب، وما قال ذلك إلا يأسا لما كان يرى من غلظته.
[ ١ / ٣٣٠ ]
ومن هنا يستفاد أن عمر ﵁ كلما رأى فريقا من قومه يخرج فارا بدينه من ظلمهم يناله ألم، والعدالة فى طبعه، وإن كان التعصب لما عليه اباؤه وأجداده فى جنب منه.
ويظهر أن ذلك الألم من خروج بعض قومه مقهورين لم يمنعه من إنزال بعض الأذى لمن يعلم إسلامه من أهل بيته وذوى قرابته، ولقد هزته أخرى ففتحت قلبه للإسلام؟
وخلاصته أن فاطمة بنت الخطاب أخته قد أسلمت هى وزوجها، وأخفيا إسلامهما خشية بطشه، وبطش ذوى قرباهما، وقد أسلم أيضا نعيم بن عبد الله، وكان ثلاثتهم يستخفون، ويتلون القران الكريم فى منزل سعيد بن زيد زوج فاطمة، وكان خباب بن الأرت يجئ إليها ويقرئها القران الكريم فخرج عمر متوشحا سيفه يريد رسول الله ﷺ، ورهطا من أصحابه، وهم قريب من أربعين ما بين رجال ونساء، فلقيه بعض قريش، فقال له أين تريد يا عمر؟ فقال له: أريد محمدا هذا الصابيء الذى فرق أمر قريش، وسفه أحلامها، وعاب دينها، وسب الهتها فأقتله، فقال له: والله لقد غرتك نفسك من نفسك يا عمر، أترى بنى عبد مناف تاركيك تمشى على الأرض وقد قتلت محمدا؟ أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم. قال: وأى أهل بيتى، قال ختنك ابن عمك سعيد بن زيد بن عمرو، وأختك فاطمة بنت الخطاب، فقد والله تابعا محمدا على دينه، فعليك بهما.
ولا تناقض بين هذين الخبرين، خبر أم عبد الله، لأنه عندما رق للذين يهاجرون لم يكن رقة رغبة للإسلام، ولكن كان ألما لفراق قومه، وسولت له نفسه غير المؤمنة، بأن محمدا ﷺ سبب ذلك الفراق، وكان يتنازعه حال من الإيمان، ووسوسة من الكفر.
ذهب عمر إلى أخته، وكان يستخفى فى بيتها ثلاثة: صاحبها الذى امن وزوجها، وخباب يعلّم الجميع القران الكريم، ومعه صحيفة فيها سورة طه، فلما سمعوا صوت عمر، تغيب خباب فى مخدع لهم، أو فى بعض البيت، وأخذت فاطمة بنت الخطاب الصحيفة، فجعلتها تحت فخذها، وقد سمع عمر حين دنا إلى البيت قراءة خباب عليهما، فلما دخل قال ما هذه الهيمنة التى سمعت؟ قالا له:
ما سمعت شيئا، قال بلى والله لقد أخبرت أنكما اتبعتما محمدا على دينه، وبطش بختنه سعيد بن زيد، فقامت إليه أخته فاطمة بنت الخطاب لتكفه عن زوجها، فضربها، فشجها، فلما فعل ذلك قالت له أخته وختنه: نعم قد أسلمنا، وامنا بالله ورسوله، فاصنع ما بدا لك. فلما رأى عمر ما بأخته من الدم ندم على ما صنع، فارعوى وقال لأخته: أعطينى هذه الصحيفة التى سمعتكم تقرأونها انفا أنظر ما هذا الذى جاء به
[ ١ / ٣٣١ ]
محمد. وكان عمر كاتبا. فلما قال ذلك قالت له أخته: إنا نخشاك عليها!! قال: لا تخافى، وحلف بالهته ليردنها إذا قرأها. فلما قال ذلك طمعت أخته فى إسلامه، فقالت له يا أخى إنك نجس على شركك، وإنه لا يمسها إلا الطاهر، فقام عمر فاغتسل فأعطته الصحيفة فقرأها، فلما قرأ منها صدرا قال ما أحسن هذا الكلام وأكرمه، فلما سمع ذلك خباب خرج إليه، فقال له: يا عمر، والله إنى لأرجو أن يكون الله قد خصك بدعوة نبيه صلى الله تعالى عليه وسلم، فإنى سمعته أمس، وهو يقول: اللهم أيد الإسلام بأبى الحكم بن هشام، أو بعمر بن الخطاب، فالله الله يا عمر فقال عمر عند ذلك: فدلنى يا خباب على محمد ﷺ حتى اتيه فأسلم. فقال له خباب: هو فى بيت عند الصفا فى نفر من أصحابه.
فأخذ عمر سيفه فتوشحه، ثم ذهب إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه معه فضرب عليهم الباب، فلما سمعوا صوته قام رجل من أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فنظر من خلل الباب، فراه متوشحا سيفه، فرجع إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو فزع، فقال يا رسول الله هذا عمر بن الخطاب متوشحا السيف.
فقال حمزة بن عبد المطلب: فائذن له، فإن كان يريد خيرا بذلناه له، وإن كان يريد شرا قتلناه بسيفه، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ائذن له، فأذن له الرجل، ونهض إليه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، حتى لقيه فى الحجرة، فأخذ حجزته أو بمجمع ردائه، ثم جبذه جبذه شديدة وقال: ما جاء بك يابن الخطاب، فو الله ما أدرى حتى ينزل الله بك قارعة.
فقال عمر: يا رسول الله جئتك لأومن بالله وبرسوله، وبما جاء من عند الله، فكبر رسول الله تكبيرة عرف أهل البيت من أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن عمر قد أسلم.
وإنك لترى أن عمر بن الخطاب جاء إسلامه من نبع قلب يؤمن بالعدل، ويؤمن بالرحم، وإن كان قد غشاهما غشاء من مألوف الجاهلية وما كان عليه قومه، دفعته عصبيته قبل أن يدرك الإسلام لأن يناويء محمد بن عبد الله، إذ أنه توهم أن ذلك يفرق كلمتهم، ويذهب بمكانتهم عند العرب، وهو فى هذا مخطيء، فتفرق بسبب نور الحق بين مؤمن وكافر خير من إجماع على باطل، وذلك ما خفى على عمر ابتداء، وأشفق على الذين يخرجون من أرضهم من قومه، ثم كان التنبيه القارع عندما رأى الدم يسيل من أخته، فزالت عنه الغشاوة، فكان عمر الشفيق العدل المدرك إذ أزال الله تعالى عنه غشاوة الباطل.
[ ١ / ٣٣٢ ]
بين عهدين
٢٣٧- كان إسلام حمزة، ومن بعده إسلام عمر ابتداء عهد جديد للإسلام. كان المسلمون فى الأول مستضعفين يرامون بالسوء، ولا يدفعون السيئة بمثلها ولا يستطيعون أن يدفعوا عن أنفسهم، ولا يرقب فيهم أعداؤهم ذماما، ولا مراعاة لحسن جوار، أو لمودة، أو لقربى، بل يسومونهم العذاب، ويريدونهم على الهوان من غير أن يتوقعوا دفعا، وذوو المروات من المشركين إن تابوا عن الأذى فلأنهم لا يريدون أن يرتكبوا نذلة فى إيذاء عبد أو ضعيف، أو من لا يملك ردا.
ولما أسلم حمزة ابتدأ كبير الأنذال فيهم أبو جهل يحس بالضربات تقمع رأسه، وبالدم يسيل منه، فإن تخفف له نصراء من قومه خشى من المعركة، وأن يكون ابتداؤها هذا وهو يخاف نهايتها، كشأن كل من يكون ناقص المروءة، يستعدى على الضعفاء، ويخاف الأقوياء.
فلما أسلم عمر، كانت الكارثة على الشرك، وتكامل كيان العهد الجديد، عهد الاعتزاز بالإسلام. واستعلانه بعد استخفائه. ووقوف المسلمين صفوفا مجتمعين، بعد أن كانوا فرادى متفرقين.
التقى عمر عند إسلامه فى بيت الأرقم بن أبى الأرقم فى الصفا، وعدد المسلمين يقارب الأربعين، فقام عمر ﵁، فقال: يا رسول الله علام نخفى ديننا ونحن على الحق، ويظهرون دينهم، وهم على الباطل.
قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إنا قليل وقد رأيت ما لقينا.
قال عمر: والذى بعثك بالحق لا يبقى مجلس جلست فيه أنادى بالكفر، إلا أظهرت فيه الإيمان، ثم خرج فطاف بالبيت، ثم مر بقريش، وهى تنتظره، وقد تسامعوا بإسلامه، فقال أبو جهل:
يزعم فلان أنك صبوت، فقال جاهرا: أشهد ألاإله إلا الله واحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، فوثب المشركون إليه يريدون أن يصرعوه، وكان على رأسهم عتبة بن ربيعة الذى كان إلبا على المسلمين وكان قد صرع أبا بكر وضربه، حتى أثخنه، فكأنه كان طلبة عمر، فوثب عمر عليه، وصرعه، وبرك عليه كما يبرك البكر الراغى وجعل يضربه، وأدخل اصبعه فى عينيه، فجعل عتبة يصيح، فتنحى الناس، فقام عمر عنه، فاشتفى للمسلمين عامة ولأبى بكر خاصة.
[ ١ / ٣٣٣ ]
وكان عمر رضى الله تعالى عنه حفيا بألا يضرب إلا أشراف قريش ليعرفوا حرارة الضربات فصك وجوههم صك الجندل، فما كان فى هذه المعركة التى أثارها يدنو منه شريف إلا أخذه بالضرب الشديد حتى أعجز الناس، ثم أتبع المجالس التى كان يجلس فيها، فيظهر الإيمان «١»، فيلاقونه ويذيقهم من إسااتهم كؤوسا.
عاد إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ومعه المسلمون يدعوهم إلى أن يظهروا مجتمعين، وألا يبقوا متفرقين، فتجمعوا وخرجوا ليصلوا فى الكعبة الشريفة مجتمعين، وساروا على صفين على رأس أحدهما حمزة أسد الله وسيد الشهداء، وعلى رأس الثانى عمر رضى الله ﵎ عنهم.
وتحدوا بجموعهم قريشا أن تمنعهم، ولم يجدوا جوابا لهذا التحدى العملى، لأن أبا جهل داعية الشر تذكر قوس حمزة تقمع رأسه، وتذكر عتبة بن ربيعة صرع عمر، ووضع أصابعه فى عينيه.
ظهر الإسلام، فظهر النور، وسارت الركبان، بما اعتز به الإسلام، وانخذل الشرك، وتحول الاضطهاد من الاحاد إلى الجماعات على ما سنبين فى الاضطهاد، الذى نؤجل الكلام فيه، لأنه استمر طول مدة الدعوة فى مكة المكرمة، وانتهى بالهجرة.
وأخذ المشركون يسلكون ثلاثة مسالك مع الاضطهاد:
أولها: محاولة استمالة النبى ﵊ ليمنعوه من الجهر بدعوته.
وثانيها: مجادلته لإعجازه أو إظهار ضعفه فى زعمهم.
وثالثها: الشكوى منه لعمه أبى طالب.
محاولة كفه عنهم بالاستمالة
٢٣٨- يئس الكفار من النبى ﵊، اذوا أنصاره فثبتوا، واذوه وتهكموا به فما نالوا، وكلما زادوا إيذاء سرى الإيمان فى القلوب، فبإيذائهم للنبى ﷺ هدى الله حمزة للإيمان فكان إلبا عليهم، وبسبب إيذاء عمر لختنه ولأخته، ولرؤيته المؤمنين يهاجرون رق قلبه، فامن، وكان إيمانه كارثة كرث الله ﷾ بها الشرك وأهله، فكان القوة الفارقة بين استخفاء المسلمين، وإعلان الإسلام، والمجاهرة بالعبادة، وإظهار صوت الحق يرن فى جوف المسجد الحرام.
_________________
(١) البداية ج ٣ ص ٣١، ٧٩
[ ١ / ٣٣٤ ]
وإذا كانوا هم يؤذون فالنبى صلى الله تعالى عليه وسلم يسالم ويدعو بالحكمة والموعظة الحسنة، لا يقطع، ولا يكف عن الدعوة، بل إنه يألم لألمهم، ويواسيهم فى أزماتهم.
حتى أنه نزل بأهل مكة المكرمة قحط، فدعا صلى الله تعالى عليه وسلم لهم بإنزال المطر، فنزل، ويظهر أن ذلك كان فى الفترة التى عاشها النبى ﵊ بين أهل مكة المكرمة بعد وفاة أبى طالب إلى أن هاجر، ولذلك روى أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بعد أن استجابت دعوته ود لو كان أبو طالب حيا رجاء إيمانه، ورجاء أن يعلم أن دينه أى محمد ﷺ خير لقومه، ويروى أن هذا الاستسقاء كان ومحمد ﵊ بالمدينة، فقال: لو أدرك أبو طالب هذا الاستسقاء ونصره «١» .
ولقد كان من المشركين من يعتريهم ما يفيد قبول ما جاء به محمد ﵊ أو على الأقل عدم المبادرة بتكذيبه والتريث فى ذلك، حتى ينظر أتعم دعوته، وتستجاب، أم تضعف وترد.
قال النضر بن الحارث: «يا معشر قريبش، إنه والله قد نزل بكم أمر ما أتيتم له بحيلة بعد، قد كان محمد فيكم غلاما حدثا- أرضاكم فيكم، وأصدقكم حديثا، وأعظمكم أمانة، حتى إذا رأيتم فى صدغه الشيب وجاءكم بما جاءكم به، قلتم ساحر، والله ما هو بساحر، لقد رأينا السحرة ونفثهم وعقدهم، وقلتم كاهن، والله ما هو بكاهن، لقد رأينا الكهنة وتخالجهم وسمعنا سجعهم. وقلتم شاعر: لا والله ما هو بشاعر، لقد رأينا الشعر، وسمعنا أصنافه كلها، هزجه ورجزه، وقلتم مجنون وما هو بمجنون، فما هو بخنقه، ولا وسوسته، ولا تخليطه. يا معشر قريش، فانظروا فى شأنكم، فإنه والله لقد نزل بكم أمر عظيم» «٢» .
_________________
(١) المذكور في رؤية أبي طالب لاستسقاء النبي صلي الله تعالي عليه وسلم أنه راه في حياة عبد المطلب، روي أن رقية بنت أبي أصفي بن هاشم قالت: «تتابعت علي قريش سنو جدب، قد أقحلت الظلف، وأرقت العظم، فبينا أنا راقدة للهم إذا أنا بهاتف يصرخ بصوت صحل: يا معشر قريش إن هذا النبي المبعوث منكم، هذا إبان نجومه، فحيهلا بالحيا والخصب، ألا فانظروا منكم رجلا طوالا أبيض أشم العرنين ألا فليحضر هو وولده، وليدلف إليه من كل بطن رجل وليمسوا من الطيب، وليطوفوا بالبيت سبعا، وفيهم الطيب الطاهر لذاته، فليدع الرجل وليؤمن القوم قالت فأصبحت مذعورة قد قف جلدي ووله عقلي واقتصصت رؤياي فقالوا هو شيبة الحمد: وعبد المطلب، فتتابعت عنده قريش، وانفض إليه الناس من كل بطن رجل فمسوا واستلموا وطوفوا، ثم ارتقوا أبا قبيس، وطفق القوم يدقون حوله ما إن يدرك سعيهم. مهلة، حتي قروا بذروة الجبل، واستكفوا جنابيه فقام عبد المطلب، فاعتضد ابن ابنه محمدا صلي الله تعالي عليه وسلم فرفعه علي عاتقه وهو يومئذ غلام قد أيفع، ثم قال: «اللهم ساد الخلة، وكاشف الكربة، أنت عالم غير معلم، ومسئول غير مبخل وهذه عبداؤك وإماؤك.. يشكون إليك سنتهم، فاسمعن اللهم وأمطرن عليهم غيثا مغدقا، فما راموا حتي انفجرت السماء بمائها وكظ الوادي بثجيجه» هذا ما جاء في الروض الأنف، والله أعلم بصدق الرواية.
(٢) سيرة ابن هشام ج ١ ص ٢٨٩.
[ ١ / ٣٣٥ ]
لقاء أهل مكة المكرمة به لاستمالته:
٢٣٩- عن جابر بن عبد الله فقالوا: انظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر، فليأت هذا الرجل الذى فرق جماعتنا، وشتت أمرنا، وعاب ديننا، فليكلمه ولينظر ماذا يريد عليه، فقالوا فيما بينهم: ما نعلم أحدا غير عتبة بن ربيعة، فندبوه لذلك، وقالوا له أنت يا أبا الوليد، وكان بينهم سيدا حليما، ويروى أنه هو الذى عرض عليهم أن يذهب للقاء النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال لهم: يا معشر قريش:
ألا أقوم إلى هذا الرجل، فأعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضها، ويكف عنا؟ قالوا: بلى يا أبا الوليد.
وسواء أكان هو الذى انتدب لهذا أم ندبوه فقد ذهب إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وعرض عليه ما يظنه كافا له عن متابعة الدعوة إلى الحق.
قال عتبة: يا ابن أخى، إنك منا حيث قد علمت من السّطة فى العشيرة، والمكان فى النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت به جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت الهتهم ودينهم، وكفرت به من مضى من ابائهم، فاسمع منى حتى أعرض عليك أمورا تنظر فيها، لعلك تقبل منها بعضا.
فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: قل يا أبا الوليد أسمع.
قال ربيعة: يا ابن أخى. إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا، حتى تكون أكثرنا مالا.
وإن كنت تريد شرفا سودناك علينا، حتى لا نقطع أمرا دونك.
وإن كنت تريد ملكا ملكناك علينا.
وإن كان هذا الذى يأتيك رئيا تراه، لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا، حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل، حتى يتداوى منه.
فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بعد أن فرغ عتبة: «أفرغت يا أبا الوليد» قال: نعم.
قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: اسمع مني. قال: أفعل، فتلا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حم. تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ «١» ومضى رسول الله ﷺ يقرؤها مرتلا تاليا.
_________________
(١) سورة فصلت: ١- ٣.
[ ١ / ٣٣٦ ]
لما سمع عتبة أنصت لها، وألقى بيديه خلف ظهره معتمدا عليها ليسمع منها، حتى انتهى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى اية السجدة فى السورة، فسجدها، ثم قال: سمعت يا أبا الوليد؟ قال:
سمعت. قال الرسول: فأنت وذاك.
ثم قام عتبة إلى أصحابه فقال بعضهم لبعض: لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذى ذهب به، فلما جلسوا إليه قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد.
قال عتبة: ورائى أنى والله قد سمعت قولا ما سمعت مثله قط، والله، ما هو بالشعر ولا بالكهانة يا معشر قريش أطيعونى، واجعلوها لى، خلوا بين هذا الرجل وما هو فيه واعتزلوه، فو الله ليكونن لقوله الذى سمعت نبأ فإن تصبه العرب، فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب، فملكه ملككم، وعزه عزكم. وكنتم أسعد الناس به.
قالوا غير مجيبين نصيحته: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه.
قال الناصح، وكان فى ذلك الوقت أمينا فى نصحه: «هذا رأيى، فاصنعوا ما بدالكم» «١» .
٢٤٠- أعجزهم الإيذاء المستمر عن أن يحولوا محمدا ﷺ وأصحابه عن الإيمان، بل إن التعذيب الشديد، والإيلام المستمر كان يزيد المؤمنين إيمانا، واستمساكا بما يعتقدون، وترتب على الإيذاء أن امن مثل حمزة وعمر كما ذكرنا، وأخذ المؤمنون يردون الإيذاء بمثله. فعرف أبو جهل كيف يكون شج الرأس من القوى العادل لمثله الفاجر، والمهم عمر ﵁ القوى، كيف يكون الضرب للشرير العصى.
أخذوا يجربون من ذلك طريق العلاج باللين، وعرض ما يحسبون أنه يقرب النبى إليهم من غير أن يتقربوا هم من الإيمان، عرضوا عليه مايلين أمثالهم، وما هو منطقهم، وعرضوا عليه الشرف فيهم ليكون السيد المطاع، وعرضوا عليه الملك ليكون ملكهم، وعرضوا عليه الأموال ليكون أكثرهم مالا، فلما رفض كل هذا، ولا يحسبون أن يرفضه إلا من يكون قد إيف عقله، وذلك لمنطقهم المادى الذى لا يحسبون العلو فيه إلا بالمال والسيادة والملك، عرضوا عليه أن يعرضوه على نطس الأطباء ليعالجوه ولكنه بدل أن يجيب بلا أو نعم تلا عليهم القران الكريم ليعلموا أن ما عنده خير مما يقدمون، بل لا يعد ما يقدمونه شيئا مذكورا بجوار ما عنده وهو خير وأبقى.
_________________
(١) البداية والنهاية لابن كثير ج ٣ ص ٦٤.
[ ١ / ٣٣٧ ]
ضاقوا ذرعا بمحمد ﵊ وأتباعه، وزيادتهم انا بعد ان، عالجوه بالاضطهاد فما أجدى، وعالجوه برشوة المال والسيادة فما أجدى، فماذا هم صانعون؟ لم يبق إلا أن يدخلوا معه فى جدل ليبين عجزه أمام الناس، فلا يزيد أتباعه.
جدلهم مع الرسول ﷺ
٢٤١- أعادوا على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عرض ما عرضه عتبة، ولكنهم فى هذه المرة يعرضونه مجتمعين توثيقا لإرادتهم، ورغبة فى الإعذار ثم يجادلونه بعد الرفض.
اجتمع الملأ من المعاندين له ﵊ من بطون مختلفة، فكلما تكامل جمع منهم قال بعضهم لبعض ابعثوا إلى محمد فكلموه، وخاصموه حتى تعذروا فيه.
فبعثوا إليه: إن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك.
فجاءهم رسول الله ﷺ سريعا، وهو يظن أنه قد بدا لهم فى أمره بداء، وكان عليهم حريصا يحب رشدهم، ويعز عليه عنتهم، حتى جلس إليهم.
قالوا: يا محمد إنا قد بعثنا إليك لنعذر فيك، وإنا والله ما نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك، لقد شتمت الاباء، وعبت الدين، وسفهت الأحلام، وشتمت الالهة، وفرقت الجماعة، فما بقى من قبيح إلا وقد جئته فيما بيننا وبينك، فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت إنما تطلب الشرف فينا سودناك علينا، وإن كنت تريد ملكا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذى يأتيك رئيا من الجن، فربما كان ذلك، بذلنا أموالنا فى طلب الطب، حتى نبرئك منه أو نعذر فيك.
قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «ما بى ما تقولون، ما جئتكم بما جئت أطلب أموالكم، والشرف فيكم؛ ولا الملك عليكم، ولكن بعثنى الله إليكم رسولا، وأنزل علىّ كتابا، وأمرنى أن أكون لكم بشيرا، ونذيرا، فبلغتكم رسالات ربى، ونصحت لكم، فإن تقبلوا منى ما جئتكم به، فهو حظكم فى الدنيا والاخرة. وإن تردوا علىّ أصبر لأمر الله، حتى يحكم الله بينى وبينكم» .
قالوا: يا محمد، فإن كنت غير قابل ما عرضنا عليك، فقد علمت أنه ليس أحد من الناس أضيق منا بلادا، ولا أقل مالا ولا أشد عيشا، فاسأل لنا ربك الذى بعثك بما بعثك به، فليسير عنا هذه الجبال
[ ١ / ٣٣٨ ]
التى قد ضيقت علينا، وليبسط لنا بلادنا؛ وليفجر فيها أنهارا كأنهار الشام والعراق، وليبعث لنا من مضى من ابائنا، وليكن فيمن يبعث منهم قصى بن كلاب فإنه كان شيخا صدوقا، فنسألهم عما تقول أحق هو أم باطل، فإن فعلت ما سألناك وصدقوك صدقناك؛ وعرفنا منزلتك عند الله، وأنه بعثك رسولا، كما تقول.
مؤدى هذا الكلام أنهم يطلبون ايات أخرى، والله عليم بالقلوب، فقد جاء عيسى لأمثالهم بما هو أشد من ذلك، من إحياء الموتى وإبراء الأكمه، والله ﷾ هو الذى يختار أنبياءه وهو أعلم بمن يؤيد رسالته.
قال لهم رسول الله رادا عليهم قولهم: ما بهذا بعثت، إنما جئتكم من عند الله بما بعثنى به، فقد بلغتكم ما أرسلت به إليكم، فإن تقبلوه فهو حظكم فى الدنيا والاخرة، وإن تردوه على، أصبر حتى يحكم الله بينى وبينكم.
قالوا: فإن لم تفعل هذا فخذ لنفسك، فسل ربك أن يبعث لنا ملكا يصدقك بما تقول، ويراجعنا عنك، وتسأله فيجعل لنا جنانا وكنوزا وقصورا من ذهب وفضة، ويغنيك عما نراك نبتغى، فإنك تقوم فى الأسواق، وتلتمس المعايش، كما نلتمس، حتى نعرف فضل منزلتك من ربك إن كنت رسولا كما تزعم.
قال لهم الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم: ما أنا بفاعل، وما أنا بالذى يسأل ربه هذا، وما بعثت إليكم بهذا، ولكن الله تعالى بعثنى بشيرا ونذيرا، فإن تقبلوا ما جئتكم فهو حظكم فى الدنيا والاخرة، وإن تردوه على أصبر حتى يحكم الله بيننا.
قالوا: فأسقط علينا كسفا من السماء، كما زعمت أن ربك إن شاء فعل، فإنا لا نؤمن بك إلا أن تفعل.
قال لهم الرسول الصادق الأمين صلى الله تعالى عليه وسلم: «ذلك إلى ربى إن شاء فعل بكم ذلك» .
قالوا: يا محمد ما علم ربك أننا سنجلس معك ونسألك عما سألناك ونطلب منك ما نطلب، فيقدم إليك، ويعلمك ما تراجعنا به، ويخبرك ما هو صانع فى ذلك بنا إذا لم نقبل ما جئتنا به، فقد بلغنا أنه إنما يعلمك هذا رجل باليمامة يقال له الرحمن، وإنا والله لا نؤمن بالرحمن أبدا، فقد أعذرنا إليك يا محمد، أما والله لا نتركك وما فعلت بنا، حتى نهلكك أو تهلكنا.
[ ١ / ٣٣٩ ]
وقال قائل منهم: نحن نعبد الملائكة، وهى بنات الله، وقال قائل منهم: «لن نؤمن لك حتى تأتينا بالله والملائكة قبيلا» .
تقاولوا طالبين ايات حسية، ومستعجلين العذاب، ثم قال عبد الله بن أبى أمية بن المغيرة ابن عمته عاتكة بنت عبد المطلب «يا محمد عرض عليك قومك ما عرضوا، فلم تقبله، ثم سألوك أمورا ليعرفوا بها منزلتك من الله فلم تفعل، ثم سألوك أن تعجل ما تخوفهم من العذاب، فو الله لا أومن لك أبدا، حتى تتخذ إلى السماء سلما ثم ترقى منه وأنا أنظر، حتى تأتيها وتأتى معك بنسخة منشورة، ومعك أربعة من الملائكة يشهدون أنك كما تقول: «وأيم الله لو فعلت ذلك لظننت أنى لا أصدقك» «١» .
٢٤٢- طلبوا ما طلبوا لا ليؤمنوا، ولكن ليحرجوا النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وليعلنوا قوة جدالهم، وهم قوم خصمون كما قال الله تعالى، ولعل الذى يفضح حقيقة نياتهم قول الهاشمى ابن عاتكة بنت عبد المطلب: وأيم الله لو فعلت ذلك لظننت أنى لا أصدقك، فكأنه يصرح بأن التكذيب سابق للدليل، وأنه راكز فى النفوس لا يخرج منها، حتى بعد تلك الايات التى طلبوها، فلو استجيبت مازادوا إلا إعناتا، وكانوا كما حكى الله ﷾ عنهم: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ.
وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ.
وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ «٢» .
ومطالبهم التى قدمت كانت للتعنت لا طلبا للدليل، فإن ما جاء به محمد ﷺ حق واضح فى ذاته، تبعه مؤمنون لما فيه من الحق، وقد صحبه الدليل الذى يثبت أنه من عند الله قرانا غير ذى عوج يهدى الضال، ويرشد السارى فى الظلام، وهو المصباح المزهر، الذى يعجز العرب وغير العرب عن أن يأتوا بمثله: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ، وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا «٣» .
وخلاصة هذه المطالب أنهم:
١- يطلبون أدلة مادية، طلبوا منه أن يوسع عليهم أرضهم، وأن يبعث أمواتهم.
٢- وطلبوا أن يبعث لهم ملكا يشهد لنبوته.
_________________
(١) راجع ابن جرير فى تفسير سورة الإسراء، وابن كثير كذلك، وراجع سيرة ابن هشام، والبداية والنهاية لابن كثير.
(٢) سورة الأنعام: ١٠٩- ١١١.
(٣) سورة الإسراء: ٨٨.
[ ١ / ٣٤٠ ]
٣- وطلبوا منه أن يجعل أرضهم القاحلة جنات، وفيها كنوز، وفيها قصور من ذهب وفضة، واتهموه كذبا بأنه يعلمه رجل من اليمامة.
٤- وطلبوا أن يسقط عليهم من السماء كسفا.
٥- وطلبوا منه أن يحضر سلما يرقى فيه إلى السماء، وأن ينزل ومعه كتاب فى قرطاس.
طلبوا ذلك لا ليؤمنوا ولكن ليحرجوه ﵊، ولو كانوا طلاب إيمان ما طلبوا أن ينزل عليهم كسفا من السماء، لأن ذلك يبيدهم، ولا إيمان بعد هذا الإنزال.
ولقد كان صادقا عبد الله بن أبى أمية بن المغيرة بن عمته عاتكة بعد أن طلب ما طلب أنه لم يعد بالإيمان إن جاء بما طلب، بل ختم القول بأنه لا يظن أنه سيصدق إن جاء.
وإن النبى ﵊ لم يطلب إلى الله تعالى أن يجيبهم فيما طلبوا، بل رد طلبهم لأنه ﷾ يعلم أنهم إن أجيبوا ولم يؤمنوا، فالهلاك كما هلكت عاد وثمود، والنبى ﷺ يعلم أن شريعته باقية خالدة، وأن لها معجزة خالدة باقية بخلودها، فلا تناسبها معجزة تحدث ثم تنتهى.
وقد حدثوا أنهم لما سألوا النبى ﵊ تلك الأسئلة وطلبوا تلك المطالب أوحى إليه «إن شئت أن تستأنى بهم وإن شئت أن تؤتيهم الذى سألوا، فإن كذبوا هلكوا كما أهلكت من قبلهم» فقال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: «بل أستأنى بهم» .
ولقد روى أنهم قالوا للنبى ﵊، ادع ربك أن يجعل لنا الصفا ذهبا ونؤمن لك، قال ﵊: وتفعلون ذلك، قالوا: نعم، فدعا، فأتى جبريل فقال: «إن ربك يقرأ عليك السلام، ويقول لك إن شئت أصبح الصفا لهم ذهبا، فمن كفر منهم بعد ذلك أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين، وإن شئت فتحت لهم باب الرحمة والتوبة، قال الرؤف الرحيم صلوات الله وسلامه عليه: بل التوبةو الرحمة» .
وإن مطالبهم والرد عليها قد سجلها القران الكريم فقد قال الله تعالى وهو أصدق القائلين:
وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا. أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ، فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا. أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا، أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا. أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ، أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ، وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ، قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا «١» .
_________________
(١) سورة الإسراء: ٩- ٩٣.
[ ١ / ٣٤١ ]
وقد أشار ﷾ إلى هذه المطالب فى ايات أخرى، وبين أنهم لو جاءتهم لا يؤمنون فقال تعالت كلماته: وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ. فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ. أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ، مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ، وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا، وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ، فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ، وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ. وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ، لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ. وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ. وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا، وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ «١» .
طلبوا كل هذا لا ليؤمنوا، فقد سبق القول بالكفر، وإذا سبق الاعتقاد الباطل فى أمر فإن كل الاتجاهات لإثبات هذا البطلان، بالسلب إذا لم يأت لهم الدليل الذى يريدونه، وبالإيجاب بالإنكار وعدم الإقرار، فإن التعنت لا تزيده قوة الدليل إلا إصرارا، وكثرة الأدلة إلا لجاجة فى الإنكار.
وإن الله تعالى قد اختار لهم القران دليلا، ليعطيهم فرصة للتفكير، وهو يخاطبهم فى أمر الدعوة، وقد تتولد التوبة والغفران، أما الأدلة الحسية، فإنها تجيء دفعة، فإما العقاب وإما الإيمان، وفى الماضى عبرة فما جاءت اية من نوع ما يطلبون إلا كانت النتيجة هلاكا، ولم تكن إذعانا، لأنهم ما كانوا ليذعنوا بالحق، بل قد سبق التكذيب، وقد قال تعالى يشير إلى ذلك: وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ، وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً، فَظَلَمُوا بِها، وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفًا «٢» .
٢٤٣- ما كانت هذه الأسئلة، إلا لإظهار النبى ﵊ بمظهر العاجز، وإذا ظهر عجزه فى زعمهم اتخذوا من ذلك ذريعة لمنع الناس عن اتباعه، وللوقوف ضد ينبوع الإيمان الذى يسرى، ولا ينقطع، ولكن هل تحقق ما أرادوا، لقد ثبت بذلك صدقه، وأنه لا يريد إلا الحق، والأتباع يزيدون ولا ينقصون ولا يرتد أحد، بل يزدادون إيمانا. وإنهم يحيلون موضع الجدل ايات، والقضية توحيد أو تعدد.
فهل يجادلون فى الله، وهو شديد المحال.
_________________
(١) سورة الأنعام: ٤- ٩.
(٢) سورة الإسراء: ٥٩.
[ ١ / ٣٤٢ ]
الاستعانة باهل الكتاب
٢٤٤- سبق المشركون إلى الإنكار، فكذبوا بالحق لما جاءهم وسدوا مداخل الإيمان إلى قلوبهم، والناس رجلان: رجل يدرك الحق بعقله وقلبه فيدركه بمجرد سماعه، وهذا يطلب الدليل ليطمئن قلبه، وليزداد إيمانا، فالدليل لا ينشيء الإيمان فى قلبه ولكنه يزيده تثبيتا. هؤلاء هم الذين قال الله تعالى فيهم: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيمانًا «١» .
واخر يسارع إلى الكفر، ويسابق بالإنكار، فيكون قلبه أغلف قد سدت مداخل الإيمان إليه، وهم الذين قال الله تعالى فيهم: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ، وَعَلى سَمْعِهِمْ، وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ «٢»، وأولئك لا يطلبون الدليل ليسيروا فى نوره، بل يطلبونه ليعجزوا من يخاصمهم، وينحرف بهم القول، وانظر ما قاله تعالى فى شأن عتاة المشركين الذين كانوا يقاومون النبى ﵊،، فهو يقول تعالت كلماته: وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ. وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ «٣» .
أحس المشركون بعد المطالب التى قدموها أن أحدا لم يفقد الثقة بمحمد ﷺ، بل كانت دليلا على حمقهم، وانهوائهم فى هاوية من التفكير ليس معها رشاد، إذ كيف الدليل الذى لو نفذ لماتوا قبل أن يستجيبوا، كإنزال مطر من حجارة أو عذاب أليم.
عجزوا عن الاستدلال الذى كشف جهالتهم، فعمدوا إلى الاستدلال الإضافى بالاستعانة بأهل الكتاب عساهم أن يعينوهم، على وقف التيار العذب الذى يدخل به الناس فى الإيمان.
٢٤٥- روى عن ابن عباس ﵄ أن قريشا بعثت النضر بن الحارث وعقبة بن أبى معيط إلى أحبار يهود بالمدينة فقالوا: سلوهم عن محمد ﷺ، بعد أن تصفوا لهم صفته، وأخبراهم بقوله: إنهم أهل الكتاب الأول وعندهم ما ليس عندنا من علم الأنبياء.
خرجا حتى قدما المدينة، فسألا أحبار يهود عن رسول الله ﷺ، ووصفا لهم أمره، وبعض قوله، وقالا: إنكم أهل التوراة، وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا.
فقالت لهم أحبار يهود: سلوه عن ثلاث نأمركم بهن، فإن أخبركم بهن فهو نبى مرسل، وإن لم يفعل فهو رجل متقول، فروا فيه رأيكم:
_________________
(١) سورة التوبة: ١٥٤.
(٢) سورة البقرة: ٧.
(٣) سورة الأنفال: ٣٢، ٣٣.
[ ١ / ٣٤٣ ]
(أ) سلوه عن فتية ذهبوا فى الدهر الأول ما كان أمرهم، فإنه قد كان لهم حديث عجيب.
(ب) وسلوه عن رجل طواف: طاف مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبؤه.
(ج) وسلوه عن الروح ماهى.
فإن أخبركم بذلك فاتبعوه، وإن لم يخبركم، فإنه رجل متقول، فاصنعوا فى أمره ما بدا لكم.
فأقبل النضر وعقبة حتى قدما على قريش فقالا:
يا معشر قريش قد جئناكم بما يفصل ما بينكم وبين محمد: قد أمرنا أحبار يهود أن نسأله عن أمور، فأخبراهم بها، فجاؤا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فسألوه عما أمر أحبار يهود.
ويظهر أنهم ظنوا أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم سيردهم بتكرار دعوة الحق لهم كما فعل أول الأمر. ولكن خاب ظنهم. فقد أمهلهم، ولم يردهم لأن ذلك مما يمكن أن تشمل معجزته الكبرى، وهى القران الكريم،. ولذا وعدهم بالإجابة إن أجلوه، لأنه يتكلم من عند الله، فلا علم له إلا من عند الله العلى القدير. فقال لهم: أخبركم غدا بما سألتم عنه، ولم يستثن أى لم يعلق الإجابة على مشيئته الله.
انصرفوا عنه ومكث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم خمس عشرة ليلة، لا يحدث له فى ذلك وحى، ولا يأتيه جبريل، حتى أرجف أهل مكة المكرمة وقالوا: وعدنا محمد غدا، واليوم خمسة عشر قد أصبحنا فيها لا يخبرنا فيها بشيء مما سألناه، وحتى أحزن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مكث الوحى عنه، وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة المكرمة ثم جاء جبريل.
لماذا تأخر الوحى هذه المدة، ونجيب عن ذلك بجوابين:
أولهما: أنه لم يستثن عندما قرر أنه سيجيب غدا، فلم يقل إن شاء الله تعالى: وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ «١» .
وثانيهما: أن مجيء الإجابة بعد طول انتظارها، وإرجافهم نحوها، وإشاعتهم عجز محمد ﵊ عن الإجابة، تكون للاجابة فائدة أنها تكون أوقع، إذ تكون فى وقت الحاجة إليها، فيكون فضل تمكين فى النفس، ويكون التحدى أشد تثبيتا فى النفس وأقوى لتكذيبهم ورد كيدهم فى نحرهم، إذ يكونون قد تقاولوا فى ذلك، فيكون ردهم قد علمه كل من أشاعوا بين يديه عجز محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، فتكون دعوة التصديق للنبى ﵊.
_________________
(١) سورة الكهف: ٢٢، ٢٣.
[ ١ / ٣٤٤ ]
وفوق ما تقدم فى الأمرين أن التأخير يدل على أن محمدا ﵊ لا يأتى بهذا الكتاب من عنده، وإنما يأتيه عن الله تعالى علام الغيوب الذى يعلم ما خلق وهو السميع البصير.
٢٤٦- أجيبوا عن الأسئلة الثلاثة- أجيبوا عن السؤال الأول بأن أولئك الفتية هم أهل الكهف الذين ذكروا فى السورة التى سميت بأسمائهم- ولننقل جزا من هذه السورة، فقد قال تعالت كلماته:
أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَبًا. إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَدًا. فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا. ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَدًا.
نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً. وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهًا لَقَدْ قُلْنا إِذًا شَطَطًا. هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ، فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا. وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ، وَما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ، وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا. وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَتَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ، وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ، ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا «١» إلى اخر القصة التى تختم بقوله تعالى:
وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ، لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ، وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا.
هذه إجابة السؤال الأول، وهو شطر من سورة الكهف، وتلاوته تسمعهم القران الكريم، وإسماعهم القران الكريم فى ذاته دعوة إلى الحق، وإلى صراط مستقيم، وبتلاوته يدركون معنى الإعجاز.
وأما الإجابة عن السؤال الثانى، وهو الرجل الطواف، فقد جاءت فى اخر سورة الكهف، إذ يقول تعالت كلماته وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ، قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا. إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ، وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا. فَأَتْبَعَ سَبَبًا. حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ، وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ، وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْمًا، قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ، وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا. قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذابًا نُكْرًا. وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا، فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى، وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْرًا.
_________________
(١) سورة الكهف: ٩- ١١.
[ ١ / ٣٤٥ ]
ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا. حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْرًا. كَذلِكَ وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْرًا. ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا. حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْمًا لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا إلى اخر القصة التى تختتم بقوله تعالى وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ، وَنُفِخَ فِي الصُّورِ، فَجَمَعْناهُمْ جَمْعًا «١» .
وكانت الإجابة عن السؤال الثالث فى سورة الإسراء بقوله تعالى:
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي، وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا «٢»
جاءت الردود ايات تتلى ويسمعها كل الذين أرجفوا بعجز محمد ﷺ فى تحديهم، فقرأوها، أو سمعوها، فكانت تتلى فيهم فى ضمن ما يتلوه النبى ﵊ عليهم، ولا شك أن لذلك أثرا قويا فيهم. وفيمن علم أمر المحاجة بينهم وبين الرسول ﷺ، وفى مقدمة ما سرى فيهم من روح القران الكريم ودلائل إعجازه، فهل آمنوا؟ من المؤكد زادوا إيمانا بعد ذلك.
إسماعهم القران الكريم
٢٤٧- عندما ذهب عتبة بن ربيعة يتودد للنبي صلي الله عليه وسلم باسم قريش، وعرض عليه السيادة فيهم، أو الملك، أو المال الوفير، أو أن يحضروا له طبيبا يعالجه من الرئي إن كان عنده رئي، فقرأ عليه النبي ﵊ بعد مجاوبة ترد ما يعرضون قوله تعالي: حم. تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إلى اخر الايات، فأتي أصحابه، فقال لهم: «يا قوم أطيعونى في هذا الأمر اليوم، واعصوني فيما بعد، فو الله لقد سمعت من هذا الرجل كلاما، ما سمعت أذناي كلاما مثله وما دريت ما أرد عليه» .
كان المشركون حريصين علي أن يستمعوا للقران الكريم بعد أن عرفوا تأثيره، لا ليؤمنوا، ولكن ليعرفوه، وليعدوا العدة، ولأن بعضهم مع عناده، وجحوده وإصراره كان يخاف تهديده وإنذاره، بل كان يخاف مجرد تهديد من النبى صلى الله تعالي عليه وسلم.
يروى أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قال لأبى جهل «يا أبا الحكم فو الله لتضحكن قليلا ولتبكين كثيرا» فأخذ التهديد قلبه المتحجر وألانه لحظة من الزمان، فقال متلطفا مع النبى ﷺ: «بئسما تعدنى يابن أخى من نبوتك» .
_________________
(١) سورة الكهف: ٨٣- ٩٩.
(٢) سورة الإسراء: ٨٥.
[ ١ / ٣٤٦ ]
ونراه أحسن الخطاب بذكر رابطة وثيقة من القرب فى القبيلة، وذلك ما لم يؤلف من قبل.
كان كبراء قريش يجذبهم القران الكريم لاستماعه، وإن لم يؤمنوا، لقد سمعه الوليد بن المغيرة، فقال لقريش فى وصفه «إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه ليعلو، ولا يعلى عليه، ما يقول هذا بشر» ولقد نفى أن يكون شعرا، ودفعته لجاجته فى الإنكار إلى أن يقول إنه سحر، وإن لم يرض بذلك الوصف القران الكريم ابتداء.
وإذا كان المؤمنون قد جذبهم القران الكريم ومحبة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وإخلاصهم، وإشراق قلوبهم بالإيمان، فالمشركون لعلمهم ببليغ القول، وشغفهم به، قد شغفهم القران الكريم، ولكن حالت بينهم وبين الإيمان ظلمات اعترت قلوبهم، خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ «١» .
ولقد شغفوا بسماع القران الكريم، لا فرق بين صغير وكبير، والصغير يؤمن والمتعنت لا يزيده السماع إلا كفرا وإعناتا، فإن قوة الدليل تملأ قلب المخلص إيمانا، وقلب الحقود الحسود كفرانا، ولجاجة، وكلما لج فى عناده زاد بغضا لمحمد رسول الله ﷺ ودعوته، والمستجيبين لها.
٢٤٨- ولقد روى ابن إسحاق عن ابن شهاب الزهرى أنه حدث أن أبا سفيان بن حرب وأبا جهل عمرو بن هشام والأخنس بن شريق بن وهب الثقفى حليف بنى زهرة خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو يصلى من الليل فى بيته، فأخذ كل رجل منهم مجلسا يستمع فيه كل لا يعلم بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق، فتلاوموا، وقال بعضهم لبعض: لا تعودوا فلوراكم بعض سفهائكم لأوقعتم فى نفسه شيئا. ثم انصرفوا حتى إذا كانت الليلة الثانية عاد كل رجل منهم إلى مجلسه فباتوا يستمعون له. حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أول مرة ثم انصرفوا، حتى إذا كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل مجلسه، فباتوا يستمعون له، حتى اذا كان الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض لا نبرح حتى نتعاهد ألا نعود.
وقد تعاهدوا على ذلك، وقد قال الله فيهم: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ «٢» .
وكانوا بعد سماع القران الكريم يتذاكرون فيما بينهم ما سمعوا، فقد سأل الأخنس بن شريق الثقفى أبا سفيان عن رأيه فيما سمع، فقال: «أخبرنى أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد؟
_________________
(١) سورة البقرة: ٧.
(٢) سورة فصلت: ٢٦.
[ ١ / ٣٤٧ ]
فقال: يا أبا ثعلبة، والله لقد سمعت أشياء أعرفها، وأعرف ما يراد بها، وسمعت أشياء ما عرفت معناها، ولا ما يراد بها. وقال الأخنس: وأنا كذلك، وذهب الأخنس من عند أبى سفيان، وأتى أبا جهل فقال:
يا أبا الحكم، ما رأيك فيما سمعت من محمد، فقال: ماذا سمعت، تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشريف، أطعموا، فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتنى تحاذينا على الركب وكنا كفرسى رهان قالوا منا نبى يأتيه الوحى من السماء فمتى ندرك مثل هذا؟ والله لا نؤمن أبدا، ولا نصدقه» وقد نقلنا ذلك الجزء من قول أبى جهل.
٢٤٩- والمقصود من ذلك الخبر أنهم كانوا ينجذبون نحو سماع القران الكريم، كما يتجه إلى السماع والتلاوة المؤمنون، بيد أن الفرق بينهما، كالفرق بين من يستمع طالبا الحق مذعنا له، ومن يطلب غير الحق، ولكن يجذبه إليه حلاوته وطلاوته.
ولذلك ما كانوا يؤمنون، وكأن الله تعالى مقلب القلوب جذبهم إليه ليعرفوا البينات، والأدلة القائمة ليهتدوا، فإن كفروا من بعد ذلك فعن بينة وسماع، ومعرفة بالدليل، ثم الإعراض.
وقد كان الإعراض شأن من كتب عليهم الضلال، ولا معذرة لهم لأنهم اشتروا الضلالة، ورغبوا عن الهداية، ومع أنهم كانوا يتهافتون على سماعه فى جنح الليل البهيم، وكلما تواعدوا ألا يفعلوا نكثوا فى عهودهم كان النبى ﵊ إذا تلا عليهم القران الكريم جهارا نهارا استهزؤا، ولم ينصتوا خشية أن يكثر أتباع النبى ﵊، وكانت دعوته قذى فى عيونهم، وغصة فى حلوقهم.
قال ابن إسحاق: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا تلا عليهم القران الكريم ودعاهم إليه، قالوا يهزؤن: قلوبنا فى أكنة مما تدعونا إليه، وفى اذاننا وقر، ومن بيننا وبينك حجاب، فاعمل إننا عاملون.
فحكى الله تعالى عنهم قولهم: وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا. وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ، وَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا، وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُورًا. نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ، وَإِذْ هُمْ نَجْوى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا. انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا. وَقالُوا أَإِذا كُنَّا عِظامًا وَرُفاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا. قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيدًا. أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ، فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ «١» .
_________________
(١) سورة الإسراء: ٤٥- ٥١.
[ ١ / ٣٤٨ ]
وهذه الايات الكريمة مع ما ذكر من حرص عتاة الكفار على سماع القران الكريم تدل على ثلاثة أمور:
أولها: أن القران الكريم كان يجذبهم إلى الاستماع إليه، لما فيه من بلاغة تجذب أهل البيان لاستماعه وتعرف منزلته، وبهذا يدركون الفرق بين كلامهم وكلامه، ويذكرون الفرق بين البيان البشرى، وكلام رب العالمين حجة الله تعالى البالغة إلى يوم الدين، وإذا كانت الايات الحسية تبهرهم وتقرع أسماعهم، فيراها أكثرهم بينة، فكذلك تلك الاية المعنوية تجذب قلوبهم وتسترعى أسماعهم، فيعلم بها الذين لم يدخل الإيمان قلوبهم، وبذلك تقوم الحجة، وتقوم البينة، ولا حجة لهم فى الجهل، ولا فى الاعتذار.
ثانيها: أنهم مع عدم المطالبة بأن يأتوا بمثله قد أحسوا بالعجز عن أن يأتوا بمثله، كما رأوا فيه من بيان لا يصلون إليه، وروعة بلاغة لم يستمعوا إليها، حتى يقول قائلهم، وقد استمر على كفره وضلاله:
«إنه يعلو ولا يعلى عليه، ما يقول هذا بشر» فهم أذعنوا لبلاغته، ولم يذعنوا لدعوته، فاستحبوا الكفر على الإيمان، مع قيام الدلائل.
ثالثها: إن إنكارهم سبق الرغبة فى طلب الحقيقة، ومن كان كذلك لا يهديه دليل، ولا تقنعه حجة، لأنه حينئذ لا يطلب حقا، فلا يحاول أن يتعرف الطريق الذى يتأدى به إلى الإيمان، لأن من سلك طريقا معوجا غير موصل إلى المطلوب للحق، لا يصل إليه، وكلما أمعن فيه بعد عن الهداية كلما أوغل ازداد نكرا، ومهما يناده رائد الحق لا يستمع إليه، لأنه بعد عنه وإن يسمع لا يكن جواب من قلبه.
ومن سلك الطريق المستقيم وصل إلى الحق، لأن الأمارات والظواهر هادية قائمة، والطريق المستقيم هو الإخلاص فى طلب الحق غير مربد قلبه بهوى أو شهوة، أو أثرة ما حقة للخير مغلقة على النفس أبوابه.
الايذاء والفتنة
٢٥٠- منذ جاءت الدعوة المحمدية، وقد حاول أهل العصبية الجاهلية الذين ينفسون على البيت الهاشمى مكانته، والذين من دأبهم أن يحسدوا الناس على ما اتاهم الله، والذين ألفوا رجس الجاهلية من عبادات، وتحريم الطيبات من الرزق، وقد حاول كل أولئك مجتمعين ومنفردين الوقوف فى وجهها، وهى تنمو وتزيد، تسعى قدما، ولا تتأخر. وإذا كان السير بطيئا، فهو متواصل من غير وناء ولا قصور، وكلما انبلج نوره واتسعت دائرته، ظنوا أنها دعوة قابلة للإنطفاء، فحاولوا إطفاءها بالحيلة والعرض الذى يشبه
[ ١ / ٣٤٩ ]
الرشوة، فما أجدى ذلك فتيلا، وحاولوا الإعجاز بالجدل فارتدوا على أدبارهم خاسئين وقامت الحجة عليهم وحاولوا أن يهوشوا على القران الكريم وهو يتلي، وتعاهدوا أن يلغوا فى القران الكريم والنبى ﷺ يتلو.
حاولوا كل هذا، ولم يجد شيء منه، والإسلام سائر فى طريقه، وإن كانت العقبات، فهى لا تعوق السير، وإن أبطأته، ولم يجدوا سبيلا الا إلى أمرين:
أحدهما الإيذاء المستمر لمن لا حول له ولا قوة، ولمن اثر السلام والعافية، وهذب قلبه الإيمان فاعتقد أن الإيمان يوجب عليه الصبر على البلاء، وألا يقاوم السيئة بمثلها ولو قدر عليها، وعلى رأس هذا الفريق صاحب الرسالة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، ومعه صديقه أبو بكر، ومع هؤلاء العبيد والفقراء الذين لا يملكون سطوة ولا عشيرة لهم.
ثانيهما: الاستعانة بمن يحسبون أن له سلطانا أدبيا على محمد ﵊ وهو أبو طالب، لأنه عمه الذى كفله صغيرا وهو رأس بنى هاشم وهو الذى يحميه كبيرا.
فلما لم يجدوا واحدا من الأمرين زادوا فى الإيذاء وجعلوه جماعيا، ولم يجعلوه أحاديا فقط، ووجدوا بنى هاشم مؤمنهم وكافرهم مع محمد ﵊ يحميه بأنفة العشيرة، إلا من كتب الله تعالى عليه أن يكون لهبا فى جهنم وهو أبو لهب، فقد كفر بالله، وكفر بالقرابة، وكفر بالحمية، حمية العشيرة والنصرة، وأسلم ابن أخيه، فضلّ ضلالا بعيدا.
ايذاء الضعفاء:
٢٥١- قال ابن اسحاق: أنهم عدوا على من أسلم، واتبع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من أصحابه فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين، فجعلوا يحسبونهم، ويعذبونهم بالضرب، وبرمضاء مكة المكرمة إذا اشتد الحر، ممن استضعفوا منهم يفتنونهم عن دينهم، فمنهم من يفتن من شدة البلاء الذى يصيبه، ومنهم من يثبت ويعصمه الله تعالى منهم.
وقد كان المؤمنون الصادقون يعينون العبيد من المؤمنين الذين سارعوا إلى الإيمان فى أول الدعوة، ويعينون الفقراء ليصابروا الذين يؤذونهم، والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم قد جعل كل ما كان يملكه من مال هو وزوجه خديجة لهؤلاء الضعفاء، وابتدأ محمد ﵊ يخرج من المال والنشب، لكيلا يحاجزه عن الدعوة حاجز، وليكون ما عنده عونا لأهل الإيمان المستضعفين منهم.
إذن لقى العبيد أشد العنت عندما اعتنقوا دين الحرية.
[ ١ / ٣٥٠ ]
بلال ﵁ واخوانه:
٢٥٢- كان من أول الناس إسلاما بلال بن رباح، كان رقيقا عند أمية بن خلف، كان يخرجه عند الظهيرة فى الحر الشديد فيطرحه على ظهره فى بطحاء مكة المكرمة. ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره؛ ثم يقول له: لا تزال على ذلك حتى تموت أو تكفر بمحمد، وتعبد اللات والعزى، فيحتمل البلاء على أن يكفر بمحمد ﷺ، وأن يعود إلى الشرك فيقول ملهوفا:
أحد- أحد-؛ وتأويلها الله أحد. يلفظها فى عجلة لشدة البلاء وللمسارعة بإثبات الصبر، وعدم الاستجابة لما يطلبونه، ولو لاقى أشق البلاء.
ولكن ذا المروءة المؤمن مر عليه وهو فى هذا العذاب، فكان له غوثا- وهو أبو بكر الصديق، عتيق النار ومعتق أهل الإيمان. فقال لأمية: ألا تتقى الله تعالى فى هذا المسكين، حتى متى؟.
قال أمية: أنت الذى أفسدته فأنقذه مما ترى.
قال الرجل الكريم أبو بكر: أفعل، عندى غلام أسود أجلد منه وأقوى على دينك أعطيكه به.
قال أمية: قد قبلت. وحسب أن صفقته رابحة، لأنه أخذ عبدا قويا هو أملك لعنانه.
وأخذ أبو بكر بلالا فرحا بما أعطاه الله تعالى وأعتقه، وكان مؤذن الإسلام من بعد.
وقد أعتق أبو بكر مع بلال ستة اخرين. فكانت العدة سبعة.
وهؤلاء الذين من الله تعالى عليهم بالحرية فداء لهم من العذاب على يد أبى بكر صديق هذه الأمة.
عامر بن فهيرة الذى كان فى الجهاد فى غزوة بدر وغزوة أحد، وأم عبيس، وزنيرة النهدية وبنتها؛ وكانتا لامرأة من بنى عبد الدار فمر بهما وقد بعثتهما سيدتهما بطحين لها وهى تقول: والله لا أعتقكما أبدا. فقال أبو بكر ﵁: حلى (أى تحللى من يمينك) .
فقالت له: حل أنت، أفسدتهما، فأعتقهما.
قال: فبكم هما؟
قالت بكذا وكذا. قال أبو بكر قد أخذتهما، وهما حرتان، أرجعا إليها طحينها.
قالتا ﵄: أو نفرغ منه يا أبا بكر، ثم نرده إليها؟ قال الصديق: وذلك لكما إن شئتما.
[ ١ / ٣٥١ ]
ومر بجارية وكان عمر فى أيام شركه معذبها لتترك الإسلام، فيضربها حتى يمل. فيتركها ملالة لا شفقة. فابتاعها أبو بكر وأعتقها «١» .
ويروى أنه نزلت فيه هذه الايات: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى. وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى.
فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى. وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى. وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى. فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى.
وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى. إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى. وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى. فَأَنْذَرْتُكُمْ نارًا تَلَظَّى. لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى. الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى. وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى. الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى. وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى. إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى.
وَلَسَوْفَ يَرْضى «١» .
ال ياسر ﵃ وغيرهم:
٢٥٣- هو بيت أسلم كله، وامن بالله ﷾، وفيه ضعف من المال والجاه وناله ضعف الرق. فرأس الأسرة ياسر، وهو أبو عمار، عذب، وأمه سمية، عذبت، وذهب الفجور بأبى جهل إلى أن يضربها برمح فى بطنها فماتت. فكانت أول شهيد فى الإسلام مات فداء لدينه.
وحمل عمار أشد العذاب، وقبله طيبا راضيا، ولقد مر به النبى ﵊ وهو يعذب، فقال: صبرا أبا اليقظان، ثم قال: اللهم لا تعذب أحدا من ال عمار بن ياسر.
وكان ال مخزوم يعذبونهم اذا حميت الظهيرة، يعذبونهم برمضاء مكة المكرمة، وقد مر النبى ﵊ بهم، وهم يعذبون، فقال ﵊: صبرا ال ياسر، فإن موعدكم الجنة.
ولقد كانوا أحيانا ينالون منهم حتى يفتنوهم عند دينهم، فينطقون بكلمة الكفر تحت ضغط العذاب، ولقد شددوا العذاب على عمار، وما تركوه حتى نال من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وذكر ذلك لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم؛ فبين له ﵊ ألامؤاخذة على من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان.
ولقد ذكر سعيد بن جبير أنه سأل عبد الله بن عباس: أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ما يعذرون به فى ترك دينهم، قال: نعم، إنهم كانوا يضربون أحدهم ويجيعونه ويعطشونه حتى ما يقدر أن يستوى جالسا من شدة الضرب الذى نزل به حتى يعطيهم ما سألوه
_________________
(١) أخبار عتق هؤلاء بعمل الصديق أخذناه من سيرة ابن هشام ج ١ ص ٣١٧، ٣١٨، ٣١٩
[ ١ / ٣٥٢ ]
من الفتنة. وحتى يقولوا له اللات والعزى إلهان من دون الله. فيقول: نعم افتداء. منهم بما يبلغون من جهداهم.
ويقول ابن كثير: «وفى مثل هذا أنزل الله تعالى: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ، إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ، وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا، فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ. ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ. أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ. لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ «١» فهؤلاء كانوا معذورين بما حصل لهم من الإهانة والعذاب البليغ، أجارنا الله تعالى من ذلك بحوله وقوته» «٢» .
التهديد بالتشنيع:
٢٥٤- تفننوا فى الإيذاء، فمن لم يكن له من يحميه من أهل وعشيرة يؤذونه بالتعذيب، والضرب الشديد، ولقد بلغت النذلة بأبى جهل اللعين أن يضرب امرأة بالرمح فى موضع عفتها، حتى ماتت، من غير أى تحرج من أدب إنسانى، أو عروبة نبيلة، هذا شأن من لم تكن له عشيرة تذود عنه، أو تمنعه.
ومن كان له عشيرة أخذوه بالتشنيع عليه، وكان يتولى ذلك أبو جهل سفيههم. وشيخ أراذلهم، وقد حكى ابن إسحاق فى سيرته ذلك، فقال: «كان أبو جهل الفاسق الذى يغرى بهم فى رجال قريش إذا سمع بالرجل قد أسلم له شرف ومنعة أنبه وأخزاه، وقال له: تركت دين أبيك، وهو خير منك، لنسفهن حلمك، ولنفيلن رأيك، ولنضعن شرفك، وإن كان تاجرا قال: والله لنكسدن تجارتك، ولنهلكن مالك، وإن كان ضعيفا ضربه وأغرى به» «٣» .
ولقد كان الكافرون من كبرائهم إن أسلم واحد منهم، لم يمنعوا أمثال أبى جهل من لومهم. وإن كانوا يمنعونه وأشباهه من قتلهم، حتى لا تأخذهم معرة عصبية جاهلية.
لقد أسلم رجال، فأراد بنو مخزوم قبيل أبى جهل، أن يلوموهم على الطريقة التى أشرنا إليها من تسفيه أحلامهم ولكنهم خشوا شر قومهم فاستأذنوهم وأذنوا، قالوا إنا أردنا أن نعاتب هؤلاء الفتية على هذا الدين الذى أحدثوا، فإنا نأمن بذلك غيرهم.
_________________
(١) سورة النحل: ١٠٦- ١٠٩.
(٢) سيرة ابن هشام ج ١ ص ٣٢١.
(٣) سيرة ابن هشام ج ١ ص ٣٢١.
[ ١ / ٣٥٣ ]
قالوا ذلك لهشام بن الوليد حين أسلم أخوه فى النفر الذين أشرنا إليهم، فقال لهم: هذا لكم فعليكم به فعاتبوه، وإياكم ونفسه، احذروا على نفسه، فأقسم بالله لئن قتلتموه لأقتلن به أشرفكم رجلا، فقالوا فى أنفسهم اللهم العنه، فو الله لو أصيب فى أيدينا لقتل أشرفنا رجلا، فتركوه، ونزعوا عنه «١» .
ومن كان له دين لا يعطونه، ويمطلونه إذا أسلم، بل لا يؤدون الدين.
ومن هؤلاء خباب بن الأرت، كانوا يعذبونه، وينزلون به الأذي لأنه لم يكن ذا عشيرة تحميه، ومع ذلك كانوا يحاربونه في صناعته، فلا يعطونه أجر ما صنع.
روى البخارى عن خباب بن الأرت قال «كنت رجلا قينا «٢» . فعملت للعاص بن وائل سيفا فجئت أتقاضاه، فقال لا والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد، فقلت لا والله لا أكفر بمحمد، حتى تموت ثم تبعث، قال فإنى إذا مت ثم بعثت جئتنى ولى ثم مال وولد. فأعطيك، فأنزل الله تعالى:
أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا، وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَدًا. أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْدًا. كَلَّا سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا. وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ وَيَأْتِينا فَرْدًا «٣» .
مصابرة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم:
٢٥٥- كان النبى ﵊ يلقى فى قلوبهم ببيان أن الإيمان يوجب تحمل المشاق، وأن ثواب الاخرة ثمنه تحمل ما يقتضيه الحق فى الدنيا، وببيان أن الله تعالى ناصر عباده المؤمنين بعد أن يبلو إيمانهم ويظهر صبرهم.
روى البخارى عن خباب بن الأرت أنه قال: «أتيت النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو متوسد ببردة وهو فى ظل الكعبة الشريفة، وقد لقينا من المشركين شدة، فقلت: ألا تدعو الله؛ فقعد؛ وهو محمر وجهه. فقال: قد كان من قبلكم ليمشط بأمشاط الحديد مادون عظامه من لحم وعصب، ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه، فيشق باثنتين ما يصرفه ذلك عن دينه، وليتمن الله هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، ما يخاف إلا الله ﷿ ولكنكم تستعجلون» .
شكا المؤمنون إلى النبى ﵊ من حر الرمضاء، واستنصروا فطالبهم النبى ﷺ بالصبر، فلا إيمان من غير صبر، وكأنه ينبئهم بما أنبأ القران الكريم من بعد، وهو أن الجنة جزاء الصبر، وأنه لابد من الابتلاء:
_________________
(١) سورة النحل: ١٠٦- ١٠٩.
(٢) القين الحداد.
(٣) سورة مريم: ٧٧- ٨٠.
[ ١ / ٣٥٤ ]
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا، حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ، أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ «١» .
هذا ولأن النبى ﷺ لو دعا عليهم لا جتثهم الله تعالى من فوق الأرض، وما وجد للإسلام أحد يحمل دعوة الرسول ﵊ من بعدهم، ولذلك كانت إجابة النبى ﵊ لما أخبره بأن الله يطبق عليهم الأخشبين (جبلى مكة) قال خاتم النبيين ﵊: «إنى لأرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله تعالى» وقد حقق الله تعالى رجاءه، فكان منهم من يعبد الله تعالي، بل كان منهم من حمل السيف مجاهدا فى سبيل الله، وكان من أصلابهم من حملوا النور، إلى مشارق الأرض ومغاربها.
الاذى ينزل بشخص النبى ﵊:
٢٥٦- لقد كان لأذى الضعفاء أنين، وشكوى، وسمع النبى ﵊ أنينهم، فكان له ألما ممضا، وشكوا إليه فأشكاهم بالصبر وبشرهم بالجنة، وما كان ليكون نبى الرحمة إذا لم يذق من الكأس الدهاق من الالام التى يتجرعونها، وما كان ليدعو إلى المساواة فى السراء والضراء، إذا لم يشاركهم فيهما.
كان بنو هاشم يمنعونه من أن يقتل، ولكنهم ما كانوا ليمنعوه من أن يسفه ويستهزأ به ويؤذى بغير القتل، بل كان يتجرأ على ذلك سفهاؤهم من أمثال أبى جهل، بل من أمثال عمه أبى لهب الذى سلط ابنه اللعين ابن اللعين من أن يتفل فى وجه النبى ﵊ فى حضرة كبير البطحاء أبى طالب الكريم ابن الكريم.
وإنه يروى البخارى بسنده عن عروة بن الزبير عن عمرو بن العاص، قال: بينما النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يصلى فى حجر الكعبة الشريفة إذ أقبل عقبة بن أبى معيط فوضع ثوبه على عنقه فخنقه خنقا شديدا فأقبل أبو بكر ﵁، حتى أخذ بمنكبيه ودفعه عن الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم، وتلا قوله: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ، وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ، وَإِنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ، وَإِنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ، إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ «٢» .
_________________
(١) سورة البقرة: ٢١٤.
(٢) سورة غافر: ٢٨.
[ ١ / ٣٥٥ ]
بل إن أبا جهل لعنه الله ليرمى فرث الجزور عليه، وهو يصلى صلوات الله تعالى وسلامه عليه، والنبى ساجد فتجيء فاطمة الزهراء وهى صغيرة، فتلقيه عن ظهر أبيها وهى تلعنهم.
وإن الفجر ليصل بأبى جهل اللعين إلى أن يهم بقتل النبى ﵊ غير عابيء بأن يتحرك بنو هاشم للأخذ بثأره، وأنه لن ينجو من يد أبى طالب وسيف الله حمزة، فيجتمعوا فى ثأره، وإن تفرقوا فى اتباعه فى دينه، ولكنه الحقد الدفين يعمى ويصم، فلا يفكر الأحمق فى مغبة عمله، ولكن يفكر فقط فى شفاء غيظ نفسه الذى لا يكظمه.
حدث ابن إسحاق بسنده أن أبا جهل شيخ السفهاء من قريش وقف بينهم يقول:
يا معشر قريش، إن محمدا أبى إلا ما ترون من عيب ديننا، وشتم ابائنا، وتسفيه أحلامنا، وسب الهتنا؛ وإنى أعاهد الله لأجلسن له غدا بحجر فإذا سجد فى صلاته فضخت به رأسه، فليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم. فلما أصبح أبو جهل لعنه الله أخذ حجرا ثم جلس لرسول الله ينتظره، وغدا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقام يصلى، وقد غدت قريش فجلسوا فى أنديتهم. فلما سجد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم احتمل أبو جهل الحجر، ثم أقبل نحوه، حتى إذا دنا منه رجع منبهتا ممتقعا لونه مرعوبا قد يبست يداه على حجره، حتى قذف الحجر من يده وقام إليه رجال من قريش فقالوا: ما بك يا أبا الحكم، قال: قمت لأفعل ما قلت لكم البارحة، فلما دنوت منه عرض لى دونه فحل من الإبل، والله ما رأيت مثل هامته، ولا قصرته، ولا أنيابه لفحل قط؛ فهم أن يأكلنى» «١» .
وقد روى مثل ذلك البيهقى والإمام أحمد. وإن كان ما روى عن أحمد موجزا عن ذلك.
مهابة محمد ﵊:
٢٥٧- هذا بعض ايذاء النبى صلى الله تعالى عليه وسلم من المشركين، دع استهزاءهم إذا سار أو تكلم، ودع رميهم له بأنه ساحر ومجنون، ودع معاندتهم له، وهو يدعو القبائل إلى الاسلام، فهل كان ذلك سببه أن محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم لم يكن المهيب، وأنه كان الهزيل الذى يجترأ عليه؟
والجواب عن ذلك أن محمدا ﵊ كان المهيب فى شخصه، والقوى فى ذات نفسه، والذى اتاه الله تعالى القوة الإنسانية الكاملة، فهو المرهوب المحبوب الذى لم يرد أن يكون مرهوبا، وإن أراد الرهبة كانت، والله تعالى يعصمه من الناس؛ ولكن الحمقى والسفهاء يغرون بالكرماء، وكان محمد ﵊ كريما، ولم يرد أن يكون مخوفا مفزعا، بل أراد أن يكون أليفا قريبا دانيا، ليستطيع أن يتألف الناس ولا يرهبهم.
_________________
(١) الهامة الرأس والقصرة الرقبة- راجع الخبر فى البداية والنهاية لابن كثير ج ٣ ص ٤٣
[ ١ / ٣٥٦ ]
وقد كان ﵊ يفرض الرهبة فى قلوب المشركين إن كان لذلك موضع، ولنذكر موضعين كانت فيهما مهابة الرسول فاصلة، قاطعة حاسمة:
أولهما: ما روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنه قال: «رأيتهم وقد اجتمع أشرافعهم يوما فى الحجر، فذكروا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط، سفه أحلامنا وشتم اباءنا، وعاب ديننا، وفرق جماعتنا، وسب الهتنا، وصرنا منه على أمر عظيم.
فبينما هم في ذلك، إذ طلع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فأقبل يمشى، حتى استلم الركن، ثم مر بهم طائفا بالبيت فغمزوه ببعض القول فعرفت ذلك فى وجه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فمضى، فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها، فعرفتها فى وجهه، فمر بهم الثالثة، فغمزوه بمثلها فقال لهم:
أتسمعون معشر قريش، أما والذى نفسى بيده لقد جئتكم بالذبح. فأخذت القوم كلمته، حتى ما منهم من رجل إلا وكأنما على رأسه طائر وقع، حتى إن أشدهم فيه قبل ذلك ليرفوه، حتى إنه ليقول: انصرف يا أبا القاسم راشدا فما كنت بجهول.
إن هذا الذى أفزعهم عزمة محمد ﷺ، وقد أخذتهم الدهشة، وأرعبتهم الهيبة، وإذا كانوا بعد ذلك تكاتفوا واعتزموا أن يؤذوه فى مكانه هذا، فإن هذا لا يمنع تأثير مهابته فيهم، وما استطاعوا لها ردا إلا بعد طول مؤامرة ومجاوبة، وإصرار على مقاومة الهيبة، ولو أرادها فى الثانية لكان أفزع لهم، وأروع، ولكنه كان يميل إلى اللين دائما.
الثانى: ما كان فى قصة الأراشى، فقد قدم رجل من أراش بإبل له إلى مكة المكرمة، فابتاعها منه أبو جهل فمطله بأثمانها، فأقبل الأراشى، حتى وقف ينادى فى قريش، ورسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم جالس فى ناحية المسجد، فقال الأراشي: «يا معشر قريش من رجل يعدينى على أبى الحكم بن هشام، فإنى غريب وابن سبيل، وقد غلبنى على حقى» .
فقال من بالمجلس من قريش مستهزئين بالنبى صلى الله تعالى عليه وسلم: ترى ذلك الجالس، مشيرين إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لما يعلمون من عداوة أبى جهل للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم: «اذهب إليه فهو يعديك عليه» .
أقبل الأراشى حتى وقف على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: فذكر له ذلك، فقام محمد ﷺ العظيم معتزما إنصاف الغريب، ولا سلطان معه إلا شخصه، وعون الله تعالى.
فلما رأى المجلس القرشى المشرك قالوا لرجل ممن معهم اتبعه فانظر ماذا يصنع.
[ ١ / ٣٥٧ ]
خرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حتى جاء إلى دار أبى جهل، فطرق الباب طرقة من اعتزم أن يملى إرادته على هذا الطاغوت الفاجر.
قال: من هذا؟ قال: محمد (ﷺ)، فاخرج.
خرج إليه وما فى وجهه قطرة دم، وقد امتقع لونه.
قال له رسول الله ﷺ بعزمة مرهبة لمثل أبى جهل: أعط هذا الرجل حقه.
قال الطاغوت المتخاذل: لا تبرح حتى أعطيه الذى له، فدخل فخرج إليه بحقه، فدفعه إليه.
انصرف رسول الله ﷺ، وقد أحق الله الحق، بهيبة محمد رسول الله ﵊، وقال للأراشى: الحق لشأنك. وأقبل الأراشى على المجلس الذى وقف يدعو ناديه لينصروه، فقال عن النبى ﵊: جزاه الله خيرا فقد أخذت الذى لى.
وقال الرجل الذى أرسلوه مراقبا للواقعة: «رأيت عجبا، والله ما هو إلا أن ضرب عليه بابه فخرج وما معه روحه» .
جاء أبو جهل فقالوا له: «ويلك مالك، فو الله ما رأينا مثل ما صنعت؟ فقال: ويحكم، والله ما إن طرق على بابى، وسمعت صوته، فملئت رعبا، ثم خرجت إليه، وإن فوق رأسه لفحلا من الإبل ما رأيت مثل هامته، ولا قصرته وأنيابه لفحل قط، فو الله لو أبيت لأكلنى» .
لماذا لم يرهبهم ﷺ بهيبته:
٢٥٨- لقد كان المشركون يريدون بأذاهم المؤمنين، ويختصون من لهم حلم ومروءة، ولا عنف فيهم، ولا يتوقعون مقاومة كأبى بكر وعثمان وجعفر بن أبى طالب، وعلى رأس هؤلاء محمد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وينالون الضعفاء الذين لا حول لهم ولا قوة يقاومون بها.
ولكن لم يعرف أنهم نالوا من عنده قوة بطش، ويذيقهم الكأس أكؤسا، فلم يعرف أنهم نالوا بالأذى حمزة بن عبد المطلب، لأنهم يتوقعون منه المقاومة، ولا يأمنون مغبتها، فقد علم ذلك أبو جهل اللئيم بموضعها من رأسه، ولم ينالوا بالأذى عمر بن الخطاب الذى شوه وجوههم، وأرغم معاطسهم، وطاح بهم مجتمعين، ولم ينالوه بالأذى لذلك، فقد كانوا يخافونه ويرهبونه.
وما كان محمد ﵊، دون عمر مهابة، بل أعلى من ذلك كثيرا، ولا دون حمزة قوة نفس، ولا قوة بدن ولكنهم نالوا منه، فلماذا لم يستخدم مهابته وقوة نفسه وشخصه، مثل ما أجازه
[ ١ / ٣٥٨ ]
لعمر وعمه حمزة، إذن لارعوى مثل أبى جهل فى نذلته، ولكنه لم يفعل، وتحمل الأذى فى سبيل الدعوة ولم يرهب ولم يفرغ، بل رضى بالبلاء ينزل به وبأصحابه الضعفاء.
وإن ذلك هو عمل النبوة، إنه ﵊ ما جاء مسيطرا، ولكن جاء مبلغا، وما جاء متحكما، ولكن جاء داعيا مقنعا، فلو استخدم هيبته وأظهر الرهبة لتبعه الناس خائفين غير مقتنعين بذات الحجة، ولبدا النفاق فى الذين يجيبون دعوته، وليس الدين بقائم على المنافقين غير المؤمنين.
إن الرسول الأمين يريد مؤمنين يدخلون فى الإسلام رغبا لا رهبا، ولا يكون عن خوف أيا كانت صورة الخوف. إن الإسلام الذى جاء به محمد صلى الله تعالى عليه وسلم جاء ليحمله الذين شاهدوا وعاينوا إلى الأخلاف من بعده، لأنه دين الخليقة كلها لا دين جيل من أجيالها، فلابد أن يحمله مؤمنون لا مجرد تابعين. ولا يكون ذلك إلا إذا كان الإيمان القوى الذى يصبر صاحبه ويصابر فى حضرة النبى ﵊، وينزل به البلاء فى حضرته فيحس ﵊ بقوة احتمالهم، ليطمئن من بعده بقوة التبليغ بالرسالة فى مشارق الأرض ومغاربها.
إن الذين يدخلون فى الإسلام بهيبة النبى ﵊ سرعان ما يتركونه إذا غاب عنهم، واعتبر ذلك بحال المؤمنين فى المدينة فإنه لم يكن فيهم نفاق، حتى صار لأهل الايمان قوة يسيطرون بها، فكان النفاق، والذين دخلوا فى الإسلام تابعين غير مؤمنين إيمان الصابرين المصابرين.
وكان من المسلمين بالاتباع بالإيمان المجاهد الصابر، وكان منهم الأعراب الذين ساروا مع القوى، وقال فيهم الله تعالي: الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفاقًا، وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ «١» وهم الذين ارتدوا بعد موت محمد ﷺ، إن الله تعالى أمر رسوله بالدعوة بالحكمة، فقال تعالي: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ «٢» وإن ذلك يقتضى أن يكون موطأ الكنف وديعا فى دعوته متطامنا لمن يخاطبهم، ليس فظا ولا غليظ القلب، ولا مرهبا ولا مفزعا.
وإن تطامن النبى ﵊ كما جرأ عليه الأقوياء الذين يؤذون الحق إذا بدا وضحه المبين، قد قرب إليه الضعفاء وبهم كانت الدعوة الأولى وقوة الحق من غير سيطرة ولا تحكم.
وإن تطامن النبى ﵊ والاعتداء عليه قرب بعض الأقوياء ولم يبعدهم. ألم تر أن كثيرين كانوا يسلمون لأنهم يرون أن محمدا ﵊ بماضيه الكريم، وحاضره العظيم
_________________
(١) سورة التوبة: ٩٧.
(٢) سورة النحل: ١٢٥.
[ ١ / ٣٥٩ ]
ما كان ليسمح لأحد أن يؤذيه إلا لطيب نفسه، فيكون الإيذاء جاذبا للأنظار مسترعيا للذين يعرفون ما ينبغى للأحرار، فيدعوهم ذلك إلى التفكير فى الذى يدعو إليه من غير تمييز لهم، ويكفى ذلك للدخول فى الإسلام مناصرا غير محارب ولا مجاهل.
من أجل ذلك، ولأن الله أعلم حيث يجعل رسالته، وحيث يثبتها وينشرها ويذيعها اختار لنبيه ﵊ أن يتأتى للأمور بيسر وبرفق من غير عنف أو رهبة، ولو كان بقوة النفس لا بقوة السيف.
الهجرة إلى الحبشة
٢٥٩- عدد الذين اتبعوا محمدا ﷺ، وتابعوه فى الصبر على الأذى يزيد ويكثر، ولم يقتصر على الضعفاء. بل دخل فيهم أشراف من مكة المكرمة، وبتزايد العدد يتزايد الاضطهاد ويكثر ويتنوع. فمن إيذاء بالأيدى والسياط، والإلقاء فى الرمضاء فى الحرور، ومن أفعال لا تصدر إلا عن السفهاء الأنذال. كما فعل أبو جهل مع النبى ﵊ وغيره، ومن استهزاء وسخرية، ومن منع من العبادة. ويجدون فى ذوى الكرامات مرتعا خصيبا للنيل من كراماتهم.
أصبح الإيذاء عاما ولا مناص من التخلص منه، وهم بمكة المكرمة وما حولها فلابد من الهجرة، وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً «١» وإلى أى أرض يهاجرون.
لابد من أرض تتوافر فيها الحرية، وتكون بعيدة عن سطوة مكة ومن فيها قريش. ولهم مكانة فى القبائل، وتكون تحت سلطان حاكم فيه طيبة لا يؤذى ولا يمكن أحدا من الإيذاء. حتى يكونوا فى بعد عن الاضطهاد واحتماله.
وذلك فى أرض الحبشة. فهى بعيدة عن سطوة قريش. وهى لا تدين لقريش بالاتباع كغيرها من قبائل. وفيها حاكم طيب عرف بذلك واشتهر، فأشار النبى ﵊ بالهجرة إليه. وقال ﵊ لأصحابه وقد رأى البلاء ينزل بهم. وهو لا يقدر على منعه عنهم: «لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد، وهى أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه» .
كانت أول زمرة من الهجرة إلى الحبشة فى السنة الخامسة من مبعث النبى صلى الله تعالى عليه وسلم.
ولا شك أن الهجرة لها ثمرة أخرى غير دفع الأذى، والاعتصام منه ومنع الفتنة التى أرهقوا بها عسرا، وهذه الثمرة هى التعريف بالإسلام، وبالمباديء الإسلامية، فقد وقف جعفر بن أبى طالب
_________________
(١) سورة النساء: ١٠٠.
[ ١ / ٣٦٠ ]
المتحدث باسم المهاجرين أمام النجاشى يبين الحقائق الإسلامية، وما يدعو إليه دين الواحدانية من صلة الأرحام، والحث على مكارم الأخلاق، وما يمنعه من فساد الجاهلية والعصبية المغرقة. وقد نقلنا ذلك من قبل.
وهناك ثمرة أخرى أن الهجرة إلى الحبشة تعرف النصارى بالإسلام، وما قاله فى عيسى ﵇. فهى تزرع الإسلام فى أرض غير أرض مكة وتباينها، كما أن الهجرة من بعد ذلك إلى المدينة كان فيها تعريف اليهود بالإسلام ودعوتهم إليه. فأسلم من أسلم وكفر وقاوم وعاند من كفر: فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ، وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها «١» .
وقد هاجروا زمرا، وكان فى أول زمرة عثمان بن عفان ومعه رقية بنت محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، والتى تزوجها ذو النورين عثمان بن عفان بعد أن تركها وأختها ابنا أبى لهب اللعين، وكانت عدة الزمرة الأولى نحو عشرة من الرجال والنساء. ثم توالت الهجرة بعد ذلك.
ويقول ابن إسحاق: كان جميع من لحق بأرض الحبشة وهاجر إليها من المسلمين سوى أبنائهم الذين خرجوا بهم صغارا، أو ولدوا بها ثلاثة وثمانين» «٢» .
وقد ناقش هذا الرقم ابن كثير، وانتهى إلى أن الشك فى كون الزائد عن الثمانين ثلاثة وروى عن الإمام أحمد عن ابن مسعود أنه قال: «بعثنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ونحن نبلغ نحوا من ثمانين» «٣» .
٢٦٠- وأبو بكر لم يكن من الذين هاجروا، ولكن قدر الله تعالى شرف الهجرة فى صحبة أكرم خلق الله محمد بن عبد الله ﷺ وذلك أنه كما روى ابن إسحاق والبخارى عن عروة بن الزبير عن عائشة قالت «حين ضاقت عليه (أبى بكر) مكة، وأصابه فيها الأذى، ورأى تظاهر قريش على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه ما رأى استأذن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فى الهجرة فأذن له، فخرج رضى الله تعالى عنه مهاجرا إلى الحبشة، حتى إذا سار من مكة يوما- أو يومين- لقيه ابن الدغنة أخو بنى الحارث بن أبى بكر، وهو سيد الأحابيش، فقال: إلى أين يا أبا بكر؟ قال: أخرجنى قومى، واذونى وضيقوا على. قال: ولم؟ فو الله إنك لتزين العشيرة، وتعين على النوائب، وتفعل المعروف، وتكسب المعدوم، ارجع فإنك فى جوارى. فرجع معه، حتى إذا دخل
_________________
(١) سورة الإسراء: ١٦
(٢) البداية والنهاية ج ٣ ص ٦٩.
(٣) روى هذا الخبر البخارى فى صحيحه.
[ ١ / ٣٦١ ]
مكة قام معه ابن الدغنة، فقال: يا معشر قريش إنى قد أجرت ابن أبى قحافة، فلا يعرض له أحد إلا بخير، فكفوا عنه.
أقام أبو بكر فى منزله، وكان له مسجد عند باب داره فكان يصلى فيه، وكان رقيقا، إذا قرأ القران استبكى، فيقف عليه الصبيان، والعبيد والنساء يعجبون لما يرون من هيبته، فيمشى رجال قريش إلى ابن الدغنة، فقالوا: يا ابن الدغنة إنك لم تجر هذا الرجل ليؤذينا، إنه رجل إذا صلى وقرأ ما جاء به محمد يرق وله هيبة، ونحن نتخوف منه على صبياننا ونسائنا وضعفائنا أن يفتنهم فأته فمره بأن يدخل بيته فليصنع ما شاء، فمشى ابن الدغنة إليه، فقال يا أبا بكر إنى لم أجرك لتؤذى قومك، وقد كرهوا مكانك الذى أنت به وتأذوا بذلك منك فادخل بيتك فاصنع فيه ما أحببت. قال أبو بكر: أو أرد عليك جوارك وأرضى بجوار الله. قال: فاردد على جوارى. قال: قد رددته عليك. فقام ابن الدغنة. فقال: يا معشر قريش، إن ابن أبى قحافة قد رد على جوارى، فشأنكم بصاحبكم» «١» .
رضى أبو بكر بالبقاء فى العذاب أو الإيذاء، وهو يصلى مجاهرا بصلاته أمام داره، أو فى فنائها غير معتمد إلا على الله تعالى، ورضى بأن يكون قريبا من النبى متعرضا لما يتعرض له ﵊، مطمئنا إلى الأذى راضيا بذلك الجوار الكريم.
متابعة الأولياء ومتابعة الأعداء:
٢٦١- سافر أولئك المهاجرون إلى أرض الحبشة فرارا بدينهم من أن يفتنوا فيه، وفرارا بأنفسهم من المهانة والاستهزاء والسخرية، فوجدوا حاكما طيبا، أكرم مثواهم، وتركهم فى أرضه أحرارا مطمئنين، ولقد رق أبو طالب لفراق ابنه جعفر، وما نزل بالمسلمين من أبناء مكة حتى فروا فأرسل إلى النجاشى يوصيه بهم.
والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم أرسل إليه كتابا يشير فيه إلى البر بهم ويأمر بالإسلام معا، وهذا نص كتابه ﵊ كما جاء فى رواية البيهقى.
بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى النجاشى الأصحم ملك الحبشة:
«سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الملك القدوس المؤمن المهيمن، وأشهد أن عيسى روح «٢» الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطاهرة الطيبة الحصينة فحملت بعيسى، فخلقه الله من روحه ونفخته، كما خلق ادم بيده ونفخه.
_________________
(١) روى هذا الخبر النحاس في صحيحة.
(٢) كان خلقه بنفخة من روح القدس جبريل، وولد بكلمته.
[ ١ / ٣٦٢ ]
وإنى أدعوك إلى الله واحده لا شريك له، والموالاة على طاعته، وأن تتبعنى فتؤمن بى وبالذى جاءنى، فإنى رسول الله، وقد بعثت إليك ابن عمى جعفرا، ومعه نفر من المسلمين، فإذا جاؤك فأقرهم، ودع التجبر، وإنى أدعوك وجنودك إلى الله ﷿، وقد بلغت ونصحت، فاقبلوا نصيحته والسلام على من اتبع الهدى» .
هذا كتاب فيه متابعة لأمرين:
أولهما- أنه يدعو إلى الإسلام، فهو يتابع دعوته حيث تجد المناسبة والرجل المناسب، وقد وجد فيه قلبا مفتوحا يدخل فيه الحق مزدلفا، لأن العادل يستمع إلى الحق، وهو يكون ممن يستمعون إلى الحق فيتبعون أحسنه، وقد استجاب لدعائه، وامن بمحمد ﷺ ورسالته، وقد أجاب دعوة النبى ﵊ إلى الإسلام وكتب إليه ﵊ يقول:
بسم الله الرحمن الرحيم إلى محمد رسول الله ﷺ من النجاشى الأصحم بن أبجر سلام عليك يا نبى الله من الله، ورحمة الله وبركاته، لا إله إلا هو الذى هدانى إلى الإسلام فقد بلغنى كتابك يا رسول الله، فيما ذكرت من أمر عيسى، فو رب السماء والأرض إن عيسى ﵇ ما يزيد على ما ذكرت، وقد عرفنا ما بعثت به إلينا، وقربنا ابن عمك وأصحابه، فأشهد أنك رسول الله صدقا ومصدقا، وقد بايعتك، وبايعت ابن عمك، وأسلمت على يديه لله رب العالمين، وأرسلت إليك بأريحا بن الأصحم ابن أبجر، فإنى لا أملك إلا نفسى، وإن شئت أن اتيك فعلت يا رسول الله، فإنى أشهد أن ما تقول حق» .
ونرى من هذا أنه أرسل ابنه فى وفد من الحبشة للالتقاء بالنبى ﵊، وبيان الخضوع لطاعة الله ورسوله.
الأمر الثانى- هو متابعته العطف على الذين هاجروا، فقد دعاه ﵊ إلى الإحسان إليهم فى إقامتهم وألا يرهقهم بتجبر ذوى السلطان.
وإنه لفرط محبته ﵊ للذين هاجروا، ولإحساسه بوجوب الوفاء، وشكر من يستحق الثناء، والمقابلة الحسنة بمثلها على الأقل فإن النبى ﵊ عندما جاء الوفد الذى بعثه، كان ﵊ يقوم بخدمته بنفسه، فقد روى البيهقى بسنده عن أبى أمامة قال: «قدم وفد النجاشى على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقام يخدمهم ﵊، فقال أصحابه: نحن نكفيك يا رسول الله، فقال إنهم كانوا لأصحابى مكرمين، وإنى أحب أن أكافئهم» .
[ ١ / ٣٦٣ ]
٢٦٢- هذه متابعة لأصحابه الذين هاجروا إلى النجاشى، وهى متابعة الرحيم الحانى الذى يريد الاطمئنان على أصحابه الذين هاجروا إلى تلك الأرض النائية، ومازال بملكهما حتى صار فى صفهم، وطابت إقامتهم، وكرمهم تكريم الإخوة، لا تكريم العادل فقط.
هذه متابعة الأولياء، أما متابعة الأعداء، فقد كانت على النقيض من ذلك، لم يكتفوا بأن أخرجوهم من ديارهم وأموالهم، بل أرادوا النكاية بهم، وأن يجعلوا المهجر يلفظهم، كما لفظوهم لأنهم رأوهم ينشرون الإسلام ويمدون ظلاله الوارفة، فدفعتهم العصبية الجاهلية لأن يفسدوا عليهم طيب الإقامة، والقرار، واستقامة أمورهم، فأرسلوا من يحاول إفساد النجاشى عليهم.
قال ابن إسحاق: لما رأت قريش أن أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قد استقروا واطمأنوا بأرض الحبشة، وأنهم قد أصابوا بها دارا وقرارا ائتمروا بينهم أن يبعثوا فيهم منهم رجلين من قريش جلدين إلى النجاشى فيردهم عليهم، ليفتنوهم فى دينهم، ويخرجوهم من الأرض التى اطمأنوا بها، وآمنوا فيها، فأرسلوا عبد الله بن أبى ربيعة وعمرو بن العاص «١»، وأرسلوا معهم هدايا يدفعونها للنجاشى ليغروه بها.
ولقد أزعج المهاجرين الأبرار. روى عن أم سلمة أنها قالت: لما نزلنا أرض الحبشة، جاورنا بها خير جار النجاشى أمينا على ديننا، وعبدنا الله تعالى، ولا نسمع شيئا نكرهه، فلما بلغ ذلك قريشا ائتمروا بينهم أن يبعثوا إلى النجاشى فينا رجلين منهم جلدين، وأن يهدوا النجاشى هدايا مما يستطرف من متاع مكة
فجمعوا أدما كثيرا، ولم يتركوا من بطارقته بطريقا إلا أهدوا له هدية، ثم بعثوا بذلك عبد الله بن ربيعة وعمرو بن العاص، أمروهما بأمرهم، وقالوا لهما: ادفعا إلى كل بطريق هديته، قبل أن تكلما النجاشى فيهم، ثم قدما إلى النجاشى هداياه، ثم سلاه أن يسلمهم إليكما قبل أن يكلمهم فخرجا حتى قدما على النجاشى ونحن عنده بخير دار، عند خير جار «١» .
لقد نفذ الرسولان ما أوصاهما به قومهما، وقدموا لكل بطريق هديته وذكروا عند إعطاء كل واحد هديته، أنه جاء إليهم غلمان من سفهائهم فى زعمهم، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا فى دينكم، وجاؤا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم ليردوهم، فإذا تكلم الملك فيهم فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم، فإن قومهم أعلى بهم عينا، وأعلم بما عابوا عليهم، فوعدهم البطارقة بما طلبوا.
مهدوا للقاء الملك ذلك التمهيد القائم على رشوة البطارقة، ثم التقوا بالنجاشى، وقدموا هداياهم قبل أن يتكلموا، ثم تكلموا فى غيبة المهاجرين، فقالوا:
_________________
(١) سيرة ابن هشام ج ١ ص ٣٣٤.
[ ١ / ٣٦٤ ]
«أيها الملك انه قد ضوى «١» إلى بلدك منا سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا فى دينك، وجاؤا بدين ابتدعوه، لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من ابائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم إليهم، فهم أعلى «٢» بهم عينا، وأعلم بما عابوا عليهم، وعاتبوهم فيه.
عندئذ تكلم البطارقة، وحركت الهدايا لهواتهم، فقالوا: صدقا، أيها الملك، قومهم أعلى بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم، فأسلمهم إليهما، ليرداهم إلى بلادهم.
أحس النجاشى بالحملة الباطلة، فرد الكيد ردا حاسما وقال: لا أسلمهم إليهم ولا يكاد قوم جاورونى، ونزلوا بلادى واختارونى على من سواى، حتى أدعوهم فأسألهم عما يقول هذا فى أمرهم، فإن كانوا كما يقولون أسلمتهم إليهما ورددتهم إلى قومهم، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما، وأحسنت جوارهم ما جاورونى.
ذلك هو القول الحق من حاكم عادل، ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله ليواجههم الرجلان، جاؤا، ودعا الأساقفة.
قال لهم: ما هذا الدين الذى فارقتم به فيه قومكم، ولم تدخلوا به فى دينى (وكان لا يزال نصرانيا) ولا فى دين أحد من هذه الملل؟.
فرد عليه جعفر بن أبى طالب قائلا: أيها الملك كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأتى الفواحش ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوى منا الضعيف، فكنا على ذلك، حتى بعث الله إلينا رسولا نعرف نسبه وصدقه، وأمانته، وعفافه، فدعانا إلى الله لنواحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن واباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور فعدد عليه أمور الإسلام. ثم قال: فصدقناه وامنا به، واتبعناه على ما جاء به من الله، فعبدنا الله واحده، فلم نشرك به شيئا وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا، فعذبونا وفتنونا عن ديننا، ليردونا إلى عبادة الأوثان وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادك واخترناك على من سواك، ورغبنا فى جوارك، ورجونا ألا نظلم عندك.
قال النجاشى- متعرفا دارسا-: هل معك مما جاء به عن الله شيء «٣» .
_________________
(١) ضوي معناها لجأ.
(٢) أي أبصر بهم
(٣) الخبر بطوله روته أم المؤمنين أم سلمة، وقد تصرفنا في بعض الكلمات تصرفا لا يخرج الخبر عن ألفاظه.
[ ١ / ٣٦٥ ]
قال له جعفر: نعم. فقال له النجاشى: هات ما عندك. فقرأ عليه صدرا من كهيعص.
تأثر النجاشى من وضوح الحقائق بين يديه، وكان فيما قرأه خبر زكريا وما وهبه الله تعالى من يحيى، ثم جاء فى حمل مريم إذ جاء الملك، وقال لها إنى رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا ثم ولادة عيسى ﵇.. إن النجاشى كان مؤمنا يدرك الحق إذا ألقى عليه، وكان عادلا، وكان صادق النظر لإيمانه وعدله.
فبكى من فرط تأثره، وإدراكه الحق حتي اخضلت لحيته، وقالوا إن أساقفته وافقته ابتداء حين سمعوا ما تلي عليهم.
قال النجاشي: إنه والذي جاء به عيسي ليخرج من مشكاة واحدة.
ثم قال للاثنين اللذين بعثهما القرشيون: انطلقا، فو الله لا أسلمهم إليكما ولا يكادون.
٢٦٣- هذه هي الجولة الأولي في الكيد الذي يكيد الباطل لأهل الحق، وقد كانت النتيجة إحقاق الحق، ولكن عمرو بن العاص لا يقف عند الهزيمة الأولي في الكيد، فهو واسع الباع فيه، فكانت المجاوبة بينه وبين صاحبه الذي هو أنقي نفسا.
قال عمرو لصاحبه: والله لاتينه غدا بما أستأصل به خضراءهم.
فقال له صاحبه: لا تفعل، فإن لهم أرحاما، وإن كانوا قد خالفونا.
قال عمرو الماكر: والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى بن مريم عبد.
جاء الغد، والتقى عمرو بالنجاشى، ومعه صاحبه عبد الله بن ربيعة.
قال عمرو: أيها الملك، إنهم يقولون فى عيسى بن مريم قولا عظيما، فأرسل إليهم، فسلهم عما يقولون فيه. فأرسل إليهم وقد وقعوا فى حيرة وخوف، فقال بعضهم: ما تقولون فى عيسى بن مريم، ولكن الذين تحملوا أذى قومهم على استعداد لأن يتحملوا غيره، ولذا قالوا مصممين: نقول والله ما قال نبينا كائنا فى ذلك ما هو كائن، فلما دخلوا على النجاشى قال لهم: ماذا تقولون فى عيسى بن مريم؟.
قال جعفر: نقول فيه الذى جاءنا به نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم يقول هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول.
[ ١ / ٣٦٦ ]
عندما سمع النجاشى هذا ضرب بيده على الأرض، فأخذ منها عودا، ثم قال: والله ما عدا عيسى ابن مريم مما قلت هذا العود.
والبطارقة حاضرون فتنافروا حوله حين قال ما قال: فقال: وإن نخرتم.
ثم التفت إلى المسلمين من أصحاب محمد بن عبد الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال ما معناه: اذهبوا فأنتم الامنون، من سبكم غرم، من سبكم غرم، من سبكم غرم، ما أحب أن لى جبلا من ذهب وأنى اذيت رجلا منكم.
انتصر النجاشى الهمام للحق وأهله- ودخل فى الإسلام- كما تدل على ذلك مكاتبته للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم التى نقلناها من قبل، وقد رد على قريش هديتها، كما رد مكيدتها فى قومها وعشيرتها.
ولكن الهدية فعلت فعلها فى البطارقة، ويظهر أنهم بعد إسلامه تامروا مع بعض رجال الحبشة، فخرج عليه رجل منهم فكان المسلمون فى فزع، وتقول السيدة أم المؤمنين أم سلمة: «فو الله ما علمنا حزنا أحزننا قط كان أشد علينا من حزن حزناه عند ذلك تخوفا أن يظهر ذلك الرجل على النجاشى، فيأتى رجل لا يعرف من حقنا ما كان النجاشى يعرفه» .
وقد أخرجت أم سلمة والزبير بن العوام الذى كان من المهاجرين، وقد عاد الزبير يحمل البشرى بانتصار النجاشى على خصمه، ففرح المهاجرون فرحة ما فرحوا مثلها.
٢٦٤- استقام الأمر للمهاجرين فى الحبشة، ولم يذكر التاريخ أكانوا يتولون عملا فيها أم كانوا فى ضيافة النجاشى، لم يذكر التاريخ شيئا من ذلك، لأن مؤرخى السيرة النبوية الطاهرة ما كانوا يعنون إلا بحال المسلمين. وحال الإسلام، وتحمل المسلمين للأذى فى سبيل عقيدتهم، يفصلون فى ذلك ما يشاء طالب الحقيقة أن يعرفه، ولكنهم ما كانوا يعنون بالأعمال المادية من صناعة ومكاسب! ولكن أردنا أن نعرف ما طواه التاريخ ولم يذكره، نتعرفه من صور الرجال الذين هاجروا، فلابد أن نتصور من صورهم أحوالهم.
لقد كان من بينهم ذو النورين عثمان التقى الطاهر، وهو مع ذلك التاجر الماهر، وقد خرج ومعه بعض ماله غالبا، وما كان ليترك عمله فى التجارة حتى تأكل النفقة ماله، ولم يثبت فى التاريخ أنهم كانوا فى ضيافة النجاشى، لأنهم كانوا يتزايدون فى الهجرة ولا ينقصون، وإذا كان لابد من فرض فى هذا، فهو أننا نتصور أنه كان يعينهم ليتمكنوا من أعمالهم الكاسبة التى تدر عليهم ما يكفيهم بالمعروف من غير إسراف، ولا تقتير.
[ ١ / ٣٦٧ ]
ونتصور حينئذ أمرين نفرضهما فرضا:
أولهما- أن يكونوا قد قاموا بما يكسبهم القوت، ولا يعيشون كلا على غيرهم فليس ذلك من مكارم الأخلاق فى الإسلام.
ثانيهما- أن نفرض التعاون الكامل بينهم، يعين غنيهم فقيرهم، والقادر منهم العاجز، وإذا كانت المؤاخاة قد نظمت العلاقات بين المهاجرين والأنصار، وبين الأوس والخزرج بما فعله النبى صلى الله تعالى عليه وسلم. فإن التعاون أو المؤاخاة الطبيعية فرضت نفسها فى أرض الحبشة بحكم الاغتراب أولا، وبحكم الحاجة إليه ثانيا، وبحكم الخلق الإسلامى الذى يوجب التراحم والتعاطف ثالثا، وقد كان التعاطف امتدادا لما كان فى مكة من حماية ضعفاء المسلمين من أقويائهم، كما يفعل أبو بكر من شراء العبيد المسلمين وإعتاقهم من غير منّ ولا أذى.
خديعة:
٢٦٥- خديعة أو انخداع على حسب تقدير الأسباب.
لقد فشل الرسولان اللذان ذهبا إلى النجاشى ليحرضاه بالهدية الراشية، وبالقول المعسول، وبالإيقاع المفسد فى أن يحملاه على إخراج من حلوا فى داره، واستظلوا بعدالته، وخرجا مذمومين مدحورين.
ولكن أحدهما عمرو بن العاص داهية قريش وماكرها، أشاع الشائعات بأن قريشا امنت بمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم، وأن هذه الشائعات تجاوبت أصداؤها، حتى وصلت إلى المؤمنين فى هجرتهم بالحبشة، فاطمأن إلى صدقها بعض المهاجرين، وطاهر القلب ينخدع، وقد خدع إبليس من قبل أبانا ادم الطاهر.
عاد من عاد منهم حاسبين صدق الشائعة، وكانت عدتهم نحو ثلاثة وثلاثين، ولكنهم ما إن شارفوا مكة حتى وجدوا الأذى والاستهزاء والسخرية تستقبلهم، فمنهم من دخل فى جوار بعض كبراء المشركين، ومنهم من استقبل الأذى صابرا، ومنهم من حسبه ذوو قرابته.
واستطاع الماكرون بذلك أن يعيدوا بعض المهاجرين إليهم ليتحكموا فيهم، ولكن لم تتم بغيتهم، لأنه بقيت الكثرة فى أرض الحبشة لم تغتر بهذه الشائعة الكاذبة التى دفعتها فرية خبيثة ماكرة.
وقد يقول قائل: هل لك من سند يؤيد فرض الشائعة، وخصوصا أنه تذكر أسباب لهذه الشائعة غير ما ذكرت وبينت، وهى قصة المشركين مع النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عندما مجد اللات والعزى كما يزعمون وكما جاء فى صحيح البخارى.
[ ١ / ٣٦٨ ]
ونحن نجيب عن ذلك بما تقتضيه الفروض التاريخية من تعليل لأسباب الوقائع باقترانها بالوقائع الزمنية التى قارنتها، لقد كانت تلك الشائعة الغريبة وكانت فى أعقاب واقعة حقيقية ثبتت، وهى طرد النجاشى الرسولين اللذين جاا ليحملاه على الإيقاع بالمؤمنين ليخرجهم، ويستمكنوا من رقابهم، وحرياتهم، وليفتنوهم عن دينهم، ويفسدوا رجال محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، والعقل بلا ريب يربط بروابط منطقية بين الأمرين، كما اقترنا فى الزمن.
ولا يمكننا أن نفرض السبب الذى يذكره مؤرخو السيرة، وهو سجود النبى ﵊ للات والعزى ومناة الثالثة الاخرى، ولابد أن نعرج عليه بالقول، ولو كانت الرواية فى كتب الحديث، ونبين استحالة قبوله.
جاء فى كتاب البداية والنهاية لابن كثير ما نصه فى بيان سبب الشائعة:
«كان له سبب، وهو ما ثبت فى الصحيح وغيره أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حبس يوما مع المشركين، وأنزل الله تعالى عليه: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى. ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى «١»
يقرؤها عليهم، حتى ختمها وسجد، وسجد من هناك من المسلمين والمشركين والجن والإنس، وكان لذلك سبب ذكره المفسرون عند قوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ، فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ، ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ «٢» وذكروا قصة الغرانيق، وقد أحببنا الإضراب عن ذكرها صفحا. لئلا يسمعها من لا يضعها فى مواضعها إلا أن أصل القصة فى الصحيح. قال البخارى: «حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا أيوب عن عكرمة عن ابن عباس قال: سجد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بالنجم، وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس» . انفرد به البخارى دون مسلم، وقال البخارى حدثنا محمد بن بشار حدثنا غندر، حدثنا شعبة عن أبى إسحاق سمعت الأسود عن عبد الله قال قرأ النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، والنجم بمكة، فسجد فيها وسجد من معه غير شيخ أخذ كفا من حصى أو تراب فرفعه إلى جبهته، وقال: يكفينى هذا رواه مسلم «وأبو داود، والنسائي، وروى مثله أحمد فى سنده» «٣» .
إننا نقرر أن تلك القصة مكذوبة على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وذلك لما يأتى:
_________________
(١) سورة النجم: ١، ٢.
(٢) سورة الحج: ٥٢.
(٣) البداية والنهاية ج ٣ ص ٩٠.
[ ١ / ٣٦٩ ]
أولا: أن مقتضاه أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو يقرأ قوله تعالى: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى. وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى زاد بتأثير الشيطان «تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى» فلما أتم السورة تلاوة ووصل إلى قوله تعالى: أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ. وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ. وَأَنْتُمْ سامِدُونَ. فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا سجد سجدة التلاوة فسجدوا معه.
وذلك باطل بلا ريب ومستحيل أن يقع لأن الشيطان لا يتسلط على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وفى شأن التنزيل والقران الكريم، وإلا جاء الشك الباطل فى شأن القران الكريم، وجوز الفاسقون على مقتضاه أن يكون القران قد اعتراه التغيير والتبديل، والزيادة، وتجويز أن يكون النبى ﷺ وهو مبلغ الرسالة قد اعتراه خرف، وابتعاد عن مؤداه، وذلك باطل فما يؤدى إليه باطل بلا ريب.
وثانيا: أن هذه الأخبار لم يسند فيها القول إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ولكن كلها مرسلات، فلا يلتفت إليها.
وثالثا: أن الذين يقولون هذا القول يسندونه إلى تفسير قوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ، ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ «١» فزعموا أنه ألقى فى أمنيته صلى الله تعالى عليه وسلم زيادة تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى، ثم نسخت تلك الزيادة التى ألقاها الشيطان فى أمنيته وأحكم الايات، وذلك من شأنه أن يشكك فى أصل القران الكريم، ويا بنى عليه المفترون قولهم أن فى القران الكريم زيادة ونقصا، وذلك قول قائله كافر، لأنه ينكر ما جاء به القران الكريم من أنه محفوظ إلى يوم القيامة تصديقا لقوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ، وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ «٢» .
وقد يقول قائل، وكيف نفسر قوله تعالي: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ، وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ، ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ «٣» نقول إن التمنى هو ما يتعلق بما يتمناه الإنسان بمقتضى غريزته، فالأنبياء ليسوا معصومين بمجرد غريزتهم من التمني، ولكن الشيطان يجيء من جهة الأمانى، ويزين الأهواء ويحسنها، فينسخ الله
_________________
(١) سورة الحج: ٥٢
(٢) سورة الحجر: ٩.
(٣) سورة الحجر: ٥٢.
[ ١ / ٣٧٠ ]
تعالى أى يزيله من قلب النبى ﵊ ويحكم ﷾ آياته الظاهرة والباطنة على النبوة والرسالة والحق، وبذلك تنزه قلوبهم.
وقد يقال: وماذا نصنع فى الروايات التى قد رويت عن البخارى كما ذكر ابن الأثير؟ ونحن نقول أنها رواية أمر يستحيل على الله تعالى وعلى رسوله ﷺ الأمين، ومثل هذه الرواية ترد مهما يكن الراوى، أنقول أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم سحر، وزاد فى القران ما يكون شركا، والرواية مهما تكن رواية احاد، ولو طبقنا قاعدة الشافعى الذى يقرر فيها أن من ينكر حديث خبر الاحاد، أو خبر الخاصة لا يقال له تب أى لا يكفر، فكان المؤدى أن نكون بين أمرين أحدهما أن ننكره ولا نكفر، والثانى أن نقول ما يشكك فى الرسالة والقران الكريم فنكفر! إن الاحتياط لديننا، ولقران ربنا، وعصمة نبينا أن ننكر نسبة تلك الأخبار لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وصحتها، ونؤمن بالقران الكريم والنبى ﵊ بل أن نؤمن بالله تعالى.
وإننا ننتهى من هذا إلى أن نقرر أن سبب إشاعة إسلام أهل مكة المكرمة ليس هو تلك الرواية غير الصادقة التى تفتن الناس عن دينهم، وتشككهم فى القران الكريم والنبى ﷺ. إنما لسبب مما استنبطناه من سياق التاريخ وارتباط وقائعه واقترانها وهو إشاعة إسلام أهل مكة المكرمة ليعود الذين فروا بدينهم، فينالهم المشركون بأيديهم وألسنتهم.
[ ١ / ٣٧١ ]
النبي صلي الله عليه وسلم يناضل ويصابر فى مكة المكرمة
٢٦٦- نعود إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لنرى جهاده بالمصابرة ولنرى ما تفعله قريش معه، ومع بنى هاشم الذين أبت مروءتهم أن يسلموا محمدا لقريش يؤذونه أو يقتلونه أو يحبسونه، وأبو طالب كبيرهم واقف كالطود يحمى محمدا ﷺ، ويأبى أن يتركه، وخديجة فى البيت تواسيه، فيعود إليها مكدودا من قومه، ويخرج من عندها مجددا عزمه، وقد خلع وعثاء النضال ليجدد النضال، ويتقدم ثابت القدم قوى الإرادة، وقد تزود منها ومن عمه بزاد الإيناس بالتأييد: ومن الله تعالى بالنصرة.
وقريش قد بالغت فى الإيذاء ولكنها تحس بأن الأرض تميد من تحتها، وقد ازداد عنادها وازدادت لجاجتها وعنفوانها كلما رأوا دعوة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم تجد مستجيبا، وخصوصا أن بعض الأقوياء ذوى الشكيمة قد دخلوا فى الدين الجديد، فقد دخل عمر فى السنة التى كانت فيها الهجرة إلى الحبشة.
وهم فى هذه الشديدة التى وضعوا أنفسهم فيها عدوانا وظلما أرادوا أن يسكتوا محمدا ﵊ عن طريق عمه الذى لا يزال على دينهم وهو شيخ البطحاء، ولهم عليه حق الرعاية، كما لابن أخيه عليه حق الحماية.
لقاؤهم بأبى طالب:
٢٨٧- دبروا أمرهم، وجمعوا ممن لهم مكانة فيهم وفدا ذهب إلى أبى طالب بعد أن رأوا أنه لا يجيبهم فرادى فأرادوا أن يذهبوا إليه جماعة، والرسول سائر فى طريقه، لا يعوقه عائق من أذى أو استهزاء أو سفاهة حمقاهم، فهو ماض فى الطريق الذى رسمه الله تعالى له يدعو بالتى هي أحسن، من غير أن ينكص على عقبيه، لذلك تركوه مليا فلم يجادلوه، وإن كان الأذى مستمرا؟
ذهب وفدهم إلى أبى طالب، فقال قائلهم:
يا أبا طالب، إن ابن أخيك قد سب الهتنا، وعاب ديننا، وسفه وضلل أحلامنا، فإما أن تكفه عنا، وإما أن تخلى بيننا وبينه، فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه، فنكفيكه.
فقال لهم أبو طالب الكيس قولا رقيقا، وردهم ردا جميلا، فانصرفوا عنه.
ورسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ماض على ما هو عليه، ويظهر دين الله تعالى من غير مواناة ولا تقصير، والمسلمون يزيدون، ولا يقلون، والأمر قد خرج إلى القبائل وإلى الحبشة.
[ ١ / ٣٧٢ ]
ازداد غيظهم، واشتد الأمر عليهم بسبب حقدهم، وتضاغنوا فيما بينهم، وتذمروا، وتحاضوا على وجوب إيذائهم، ورأى أهل الروية منهم أن يذهبوا إلى أبى طالب مرة أخرى، ولكن بوجه أعنف، وبلسان أجف.
اجتمعوا فقال قائلهم: «يا أبا طالب إن لك سنا ومنزلة وشرفا فينا، وإنا قد استأنيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا، وإنا والله لا نصبر علي هذا من شتم ابائنا وتسفيه أحلامنا، وعيب الهتنا حتى تكفه عنا أو ننازله وإياك فى ذلك، حتى يهلك أحد الفريقين.
فى هذه المرة كان التهديد لأبى طالب بإعلان عداوتهم، وقد أزالوا كل الحجز فى القول، ولم يراعوا سنا ولا شيخوخة، ولا شرف منزلة كما ذكروا فى الأولى، ولا شك أن تغير لهجة القول كان له أثر فى نفس أبى طالب، وأحس بضيق فى الأمر، وإن لم يتبرم من حماية حبيبه ابن أخيه محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، ولكنه أراد أن يعرض عليه ما أصابه من ضيق، ويشركه فى أمر قومه الذى تفاقم، فقال له: يابن أخى إن قومك قد جاؤنى، فقالوا كذا وكذا فأبق على وعلى نفسك، ولا تحملنى من الأمر مالا أطيق.
لم تضعف عزيمة محمد ﷺ المؤيد من الله تعالى والذى لا يرجو النصرة إلا منه، وإن كان يرغب فى أن يشعر بأنه فى عزة من أهله، تألم، لا خوفا من الأذى، ولكن لظنه تخلف عمه الحبيب عن نصرته، وهو فى ميدان الجهاد والمناضلة إذ ظن أنه خاذله ومسلمه، وعلم أنه ضعف عن نصرته.
عندئذ قال مقالة أولى العزم من الرسل: «يا عم والله لو وضعوا الشمس فى يمينى والقمر فى يسارى على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله تعالى أو أهلك فيه ما تركته» ثم استعبر فبكى ثم قام، وما كان استعباره ضعفا، ولكن لأنه يرجو من عمه وحبيبه ألا يسلمه ولا يخذله.
أدرك أبو طالب الكريم أنه أسرف على ابن أخيه فى ذكر ما كان من قول وفد قريش، وأنه كرثه بذلك. فلما ولى ناداه: أقبل يا ابن أخي، فأقبل عليه رسول الله ﷺ، فقال أبو طالب العظيم: «اذهب يا ابن أخى، فقل ما أحببت، فو الله لا أسلمك لشيء أبدا» .
تواردت الأخبار على قريش، وعلموا أنه لا سبيل لأن يصلوا إلى محمد ﵊ ليقتلوه أو يحبسوه أو يخرجوه وأبو طالب مانعه، ولكن حيلتهم لم تنته، والرغبة ولو اثمة لا تسكت عند الصدام، ففكروا، وانتهوا إلى أمر غريب، وإن لم يكن ظاهر الغرابة عند العرب فى جاهليتهم.
[ ١ / ٣٧٣ ]
ذلك أن التبنى بكل ضروبه كان أمرا معروفا عند العرب، أخذوه من جيرانهم الرومان، فكان من الممكن تبادل الأبناء، ويمكن تبادل الإخوة، وأبناء الإخوة فى نظرهم.
ذهبوا إلى أبى طالب يعرضون عليه أن يسلمهم ابن أخيه فى نظير أن يعطوه فتى من قريش يكون ابن أخيه بدل محمد ﵊، وكأن المحبة سلعة تقبل المبادلة، والانتقال من شخص ليحل محله شخص اخر.
قال قائلهم لأبى طالب الجليل: يا أبا طالب، هذا عمارة بن الوليد، أنهد فتى فى قريش، وأجمله، فخذه، فلك عقله ونصره «١»، واتخذه ولدا فهو لك، وأسلم إلينا ابن أخيك هذا الذى قد خالف دينك ودين ابائك، وفرق جماعة قومك وسفه أحلامنا، ونقتله، فإنما هو رجل برجل.
لا شك أنها فكرة سخيفة يعطيهم ابن أخيه ليقتلوه، ويأخذ ولدهم ليحميه، وقد سارع إليهم الرجل العظيم ليبدى سخفها.
قال لهم أبو طالب: والله لبئس ما تسوموننى، أتعطونى ابنكم أغذوه لكم. وأعطيكم ابن أخى لتقتلوه، هذا والله ما لا يكون أبدا.
قال المطعم بن عدى من بني عبد مناف: والله يا أبا طالب لقد أنصفك قومك، وجاهدوا على التخلص. فقال: أبو طالب للمطعم لائما أو عاتبا: يا مطعم، والله ما أنصفونى، ولكنك قد أجمعت خذلانى، ومظاهرة القوم على، فاصنع ما بدا لك.
وإن القوم قد اشتدوا فى ذلك، وكما قال ابن كثير: حقب الأمر، وحميت الحرب، وتنابذ القوم، ونادى بعضهم بعضا «٢» .
٢٦٨- لقد صار أبو طالب فى أمر مرير، وشدة من قومه، وهو لا يريد أن يتخلى عن ابن أخيه مهما تكن الأحوال، ومهما تكن الشديدة، فشيخ البطحاء ابن عبد المطلب يتحمل كل شيء فى سبيل مروءته وهمته، وعزمته الهاشمية، ولقد أدنى ذلك مؤقتا أبا لهب إلى أخيه رحمة به وشفقة عليه، فغضب على قريش لأنها أحرجت شيخها، وجعلته من الأمر فى عسر، وخصوصا أنه أراد أن يجعل ابن أخته أبا سلمة فى جواره، كما أن محمدا فى حمايته، فقالوا: يا أبا طالب، أنت منعت ابن أخيك محمدا (عليه
_________________
(١) العقل دفع الدية أى يدفع عنك الدية، وتدفع عنه، وينصرك وتنصره.
(٢) البداية والنهاية لابن كثير ج ٣ ص ٤٨
[ ١ / ٣٧٤ ]
الصلاة والسلام) فمالك ولصاحبك (أى أبى سلمة) تمنعه، فقال: إنه استجار بى، وهو ابن أختى، وإن أنا لم أمنع ابن أختى لا أمنع ابن أخى.
أخذت الحمية أبا لهب من طول المضايقة لأخيه فقال مهددا:
يا معشر قريش، أكثرتم على هذا الشيخ، ما تزالون تتواثبون عليه فى جواره من بين قومه، والله لتنتهن أو لنقومن معه فى كل ما قام فيه، حتى يبلغ ما أراد.
كان أبو لهب فى صفهم، وخشوا أن ينحاز إلى محمد ﷺ كما انحاز أخ له من قبل فدخل فى الإسلام وهو حمزة بسبب ما فعله أبو جهل مع محمد ﵊.
ولذا سارعوا إلى إرضائه فقالوا: بل ننصرف عما تكره يا أبا عتبة. وكان لهم وليا وناصرا.
بهذه الوقفة القوية طمع أبو طالب أن يكون معه فى نصرته لمحمد ﵊، لتكون الأسرة كلها فى حماية أفضلها وأكرمها، ولكن هذه الوثبة كانت ومضة برق لم تلبث أن انطفأت، أو كانت كقدر من الماء لا يكفى لانطفاء الحقد والغيظ، واستمر أبو لهب فى لهب، فقد استمر فى عداوته للنبى ﵊، وموالاته لأعدائه، يشترك فى فتنهم وإيذائهم، لا تحركه مروءة، ولا شفقة على ابن أخيه، ولا أخيه الشيخ.
المقاطعة
٢٦٩- برمت قريش بالنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وبرمت ببنى هاشم الذين يحمونه، ويدافعونهم عن نفسه أن ينالوا منها، وخصوصا أبا طالب الذى ضاعت عنده الحيل والتهديدات، وهو مرتفع شامخ كالطود تنسال عنده التهديدات، ولا تقف عنده، لا يضعف ولا يهن، ولا يصيبه خور فى عزمته.
ولما وصل بهم الأمر إلى هذا الحد، اعتزموا الشطط، وأن يركبوا مركبا صعبا، وهو قتل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ولا يبالون أبا طالب، وبنى هاشم معه.
علم أبو طالب بما بيتوا وما دبروا فنادى بنى عبد مناف أن يناصروه فى منع النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ولم يجبه من بنى عبد مناف إلا بنو المطلب الذين كانوا مع بنى هاشم جاهلية وإسلاما، وبنو هاشم مع أبى طالب إلا أبا لهب الذى أبى إلا أن يكون مع قريش فى غلوائها وفيما أرادت ابن أخيه، ولنترك الكلمة لما روى عن الزهرى:
[ ١ / ٣٧٥ ]
«إن المشركين اشتدوا على المسلمين أشد ما كانوا، حتى بلغ المسلمين الجهد، واشتد عليهم البلاء، وجمعت قريش فى مكرها أن يقتلوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم علانية. فلما رأى أبو طالب جمع بنى المطلب وهاشم، وأمرهم أن يدخلوا رسول الله ﷺ شعبهم، وأن يمنعوه ممن أرادوا قتله.. فاجتمع على ذلك مسلمهم وكافرهم، فمنهم من فعله حمية، ومنهم من فعله إيمانا ويقينا. فلما عرفت قريش أن القوم قد منعوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأجمعوا على ذلك اجتمع المشركون من قريش، فأجمعوا ألا يجالسوهم، ولا يبايعوهم، ولا يدخلوا بيوتهم حتى يسلموا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم.. وكتبوا فى مكرهم صحيفة، وعهودا ومواثيق، ألا يقبلوا من بنى هاشم صلحا أبدا، ولا يأخذهم بهم رأفة حتى يسلموه للقتل» .
«لبث بنو هاشم فى شعبهم ثلاث سنين واشتد عليهم البلاء والجهد، وقطعوا عنهم الأسواق، فلا يتركوا لهم طعاما يقدم مكة المكرمة، ولا بيعا إلا بادروهم إليه فاشتروه، يريدون بذلك أن يدركوا سفك دم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم» .
«وكان أبو طالب إذا أخذ الناس مضاجعهم- أمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فاضطجع على فراشه، حتى يرى ذلك من أراد به مكرا واغتيالا له» .
«وكان أحيانا يأمر أحد بنيه أو إخوته أو بنى عمه، فاضجعوا على فراش رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأن يأتى بعض فرشهم فينام عليه» .
وهكذا كان العم العظيم يحتاط للغيلة أن يصيبوا بها محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم فينيمه فى منامته، متعرضا للغيلة بدله وهو الشيخ الفانى. ويغير مكان الرسول من وقت لاخر، فيجعل مكانه بعض بنيه هو أو إخوته أو بنى عمه من بنى المطلب أو غيره، وبدون ذلك كان يفى للعصبية، ولكنها الشفقة والمحبة والرأفة التى ألقاها الله تعالى فى قلب أبى طالب العظيم.
اشتد البلاء على المؤمنين، وبنى هاشم وبنى المطلب، حتى كان الأطفال يتضاغون من شدة الجوع، وقد كانت المقاطعة كما روى ابن إسحاق كاملة، فقد كانت تشمل المناكحة، لا ينكحونهم، ولا ينكحون منهم.
الأرضة تمنع اسم الله تعالى من مواثيقهم:
٢٧٠- مكث بنو هاشم وبنو المطلب وعلى رأسهم أبو طالب، والنبى ﵊ معهم فى هذه القطيعة ثلاث سنين دأبا، وهم يرون صبيانهم يعضهم الجوع، ولكن الكبار لا يذهب بهم
[ ١ / ٣٧٦ ]
الفزع، فيستجيروا لأنفسهم أو أن يسلموا محمدا ﷺ ليقتلوه، فألقى الله تعالى بالصبر فى قلب المؤمن والكافر معا ولقد أظهر الله تعالى آياته فى أمرين:
أولهما: أن الأرضة جاءت وأكلت كل كلمة فيها اسم الله تعالى أو صفاته التى عاهدوا الله تعالى عليه أن تكون القطيعة دائمة، وكأن الله تعالى ألهم الأرضة أن تعلمهم أن اسم الله تعالى لا يصح أن يكون فى وثيقة ظلم وفسق عن أمر ربهم، وقد أطلع الله تعالى محمدا ﷺ الصادق المصدق على ما فعلته الأرضة بإلهام من رب العالمين، تعالت قدرته، وعظمت منته.
الأمر الثانى: أنه تشققت الرحمة من قلوب هؤلاء الذين تعاهدوا على الظلم والعدوان، كما تنفجر الأنهار من بعض الأحجار، فإنه على رأس السنين الثلاث التى مرت ببنى هاشم تلاوم رجال من بطون قريش، من بنى عبد مناف، وقصى، ورجال من قريش، قد ولدوا من نساء من بنى هاشم، رأوا أنهم قد قطعوا الرحم، واستخفوا بالحق، واجتمع أمرهم على نقض الصحيفة، والبراءة مما جاء فيها، وقيل أنها كانت معلقة بسقف البيت.
بينا هذا التفكير قد سيطر على الملأ من قريش ذهب أبو طالب إليهم يخبرهم بأن الأرضة أخلت من صحيفتهم اسم الله، وأبقت فيها الظلم والفسق الذى دونوه، وتعاهدوا عليه.
انطلق الرجل العظيم أبو طالب، ومعه العصبة من بنى عبد المطلب، فقال فى جمع حافل من قريش:
قد حدثت أمور بينكم نذكرها لكم، فأتوا بصحيفتكم التى تعاهدتم عليها فعلّه أن يكون بيننا وبينكم صلح.
فطمعوا أن يسلم بنو هاشم محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم، فأتوا بالصحيفة معجبين بها، لا يشكون أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم سيدفع إليهم، فوضعوها بين أيديهم، وقال قائلهم:
قد ان لكم أن تقبلوا وترجعوا إلى أمر يجمع قومكم، فإنما قطع بيننا وبينكم رجل واحد، جعلتموه خطرا لهلكة قومكم.
فقال أبو طالب: إنما أتيتكم لأعطيكم أمرا لكم فيه نصف، إن ابن أخى أخبرنى، ولم يكذبنى أن الله بريء من هذه الصحيفة، ومحا كل اسم هو له فيها، وترك غدركم، وقضيتكم إيانا، وتظاهركم علينا بالظلم، فإن كان الحديث الذى قال ابن أخى كما قال، فأفيقوا، فو الله لا نسلمه أبدا، حتى يموت من عندنا اخرنا، وإن كان الذى قاله باطلا رفعناه إليكم، فقتلتموه أو استحييتم.
قالوا: رضينا بالذى تقول. وكأنهم فهموا أن النتيجة أن يسلمهم لوثوقهم من صحيفتهم.
[ ١ / ٣٧٧ ]
فتحوا الصحيفة فوجدوها كما قال الصادق المصدق، وسنبين بعض الصحيفة من البيان، ومن دعا إليه ولم يذعنوا للحق إذ جاءتهم بيناته، بل أصروا على الكفر والعناد، وقالوا مقالة الكفر، وقالوا إن هذا إلا سحر من صاحبكم، وارتكسوا، وعادوا بشر مما كانوا عليه من كفرهم والشدة على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فزادتهم الاية كفرا.
فقال قائل للنفر من بنى عبد المطلب الذين كانوا فى صحبة أبى طالب: إن غيرنا أولى بالكذب والسحر، فكيف ترون، فإنا نعلم أن الذى اجتمعتم عليه من قطيعتنا أقرب إلى الجبت والسحر، ولولا أنكم اجتمعتم على السحر لم تفسد صحيفتكم، وهى فى أيديكم، طمس ما كان فيها من الحنث، وما كان من اسم الله، أفنحن السحرة أم أنتم؟
كانت كلمات أبى طالب ومن معه من أسرته ان لم تكن قد شقت قلوبهم لقبول الحق، فقد شقت صفوفهم التى كانت مجمعة بالباطل. فظهر النفر من بنى قصى وبنى عبد مناف، وغيرهما وكانوا قد تلاوموا من قبل على الصحيفة وأمرها، وفيهم من كانت الصحيفة عنده، وجاهروا بما فى نفوسهم وقالوا حاسمين قاطعين، غير مترددين، ولا ناكصين. قالوا فى حزم: نحن براء مما فى هذه الصحيفة.
وقال أبو جهل الخبيث فى ذات نفسه، والضال فى فكره وعقله: وهذا أمر قضى بليل «١» .
٢٧١- كان النتيجة التى تستخلص من هذه القصة أن قريشا بلغت بهم لجاجة الكفر أن يحاولوا قتل محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، وأن يندفعوا فى ذلك، لا ينظرون فيه إلى عاقبة من تصدى بنى هاشم لهم، للأخذ بثأره منهم، ولعله كان قد ابتدأ التفكير عندهم فى تفرق دمه فى القبائل، بحيث يضربونه ضربة رجل واحد، فلا يكون لبنى هاشم قبل بالثأر فيقبلوا وتتم الراحة لهم فى زعمهم، إذ يستأصلون الدعوة من جذورها، إذ يقتلون صاحبها، ومحمد ﷺ يستقبل ذلك التدبير اللئيم استقبال من يستعين بالله، ولا يستعين بغيره.
ولكن عمه العظيم يحمل العبء، ويتحمل الأذى، ويحاول وقاء محمد ﵊ بكل الأسباب، حتى أنه ينيمه فى مضجعه متحملا ما وراء ذلك ويستعد لفدائه بنفسه، وهو لا يزال على دينهم. ولم يخرج إلى الدين الجديد، وإن كان يظهر أنه فى دخيلة نفسه كان يعتقد صحته وقد بدا ذلك فى بعض شعره.
_________________
(١) أخذ ملخص القصة من كتاب سيرة بن هشام، ج ١ ومن كتاب البداية والنهاية ج ٣ ص ٨٤، ٨٥ وما فيها.
[ ١ / ٣٧٨ ]
وإنه يبدو من نهاية القصة أنه كان فى قريش من تألم من الأمر الذى نزل بإخوانهم، ولعله كان فيهم ميل لتصديق محمد ﵊، ولذلك دخل الأكثرون منهم من بعد فى الإسلام.
وإن نهاية الخبر تدل على أن بعض قريش، وإن دخلوا فى الحلف طائعين كانوا لنتائجه كارهين، فلم يستطيعوا تحمل نتائج ما عقدوا عليه حلفهم بعد أن رأوه واقعا، وأنهم كانوا يرونه تهديدا، ولا يرونه أمرا صالحا للنفاذ، وقد عظم عليهم عندما رأوه نافذا.
ولقد كان منهم من يرسل الطعام سرا، ومن يعلم ذلك من ذوى الصلة منهم لا يستنكره. يروى فى ذلك أن حكيم بن حزام بن خويلد، ابن أخى خديجة ذهب ومعه غلام يحمل قمحا يريد عمته خديجة بنت خويلد وهى عند رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فى الشعب، فتعلق به أبو جهل، وقال: أتذهب إلى بنى هاشم، والله لا تذهب أنت وطعامك، حتى أفضحك بمكة.
عندما قال أبو جهل ذلك تعرض له أبو البخترى بن هشام بن الحارث بن أسد وقال له: مالك وله؟ فقال: يحمل الطعام إلى بنى هاشم. فقال له أبو البخترى منكرا عليه فعله: طعام كان لعمته عنده بعثت به إليه أتمنعه؟ رجل يأتيها بطعامها، خل سبيل الرجل.
أبى أبو جهل أن يخلى سبيل حكيم بن حزام وتلاعنا، ونال كل من صاحبه، ولم يكن لأبى جهل أن يعامل إلا بالضرب، فأخذ أبو البخترى لحى بعير، فضربه وشجه، ووطأه وطئا شديدا.
وحمزة بن عبد المطلب يرى، وهم يكرهون أن يبلغ ذلك رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وبنى هاشم فيشمتون بهم، وهكذا كانت الأطعمة تذهب إليهم. وكان من كتاب الصحيفة من لم يرض بتنفيذها، وكان يرجو إنهاءها، ولكن ذلك لم يمنع المشقة الشديدة التى لقيها بنو هاشم وبنو المطلب من قومهم، والرسول ﷺ أشدهم مشقة واحتمالا.
الرسول ﷺ مستمر فى دعوته
٢٧٢- إذا كانت المقاطعة قد ضيقت على الرسول ﵊ وأسرته أسباب العيش السهل، وضيقت عليهم السبل فى الرزق، فإنها لم تمنعه من دعوته، فهو قائم بالليل، والإقامة فى ضيق الرزق، ولكنه ليس برما ولا متململا، مادام يستجيب لأمر الله تعالى فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ فأعرض عنهم واستمر فى دعايته، والله تعالى يمده بالعون والتأييد بنصره، فهو فى أنس من ربه، وإن كان فى وحشة من قومه، ولكن شعاره دائما: «اللهم اغفر لقومى، فإنهم لا يعلمون» «وإنى أرجو أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله تعالى» . والجدل مستمر بينه وبين احادهم يدعوهم إلى الحق، فيصدون بالباطل.
[ ١ / ٣٧٩ ]
ولقد وصل التهافت بأبى جهل أن يكفر بملته كلها، فيسب الله تعالى، وفى ديانتهم أن الله هو خالق السموات والأرض وإن كانوا يشركون الأنداد معه، لقد قالوا للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم «لتتركن سب الهتنا أو لنسبن إلهك» ولأن أبا جهل ومن على شاكلته لا دين لهم إلا العصبية الجاهلية، ولا يؤمنون بشيء لا يتوقع منه أن يسب الله تعالى ولكنه سبه فنزل النهى عن سب الأحجار والأوثان، وتكون الدعوة إلى التوحيد المجرد، وبطلان عبادة الأوثان، فقال تعالى: وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ.
ولقد كان منهم من يحسب أنه يحاكى القران الكريم، فيأتى بقصص من أخبار الفرس وحروبهم يسلى الناس عن القران الكريم ويبعدهم، ثم يقول للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم: يا قوم والله ما محمد بأحسن حديثا منى، وما حديثه إلا أساطير الأولين، أكتبها، كما اكتتبها، فيحكى عنهم رب العالمين قولهم، ويرده عليهم بالقران الكريم يتلي، فيقول الله تعالى: وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ، اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا. قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا. وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا «١» .
هم يكذبون القران الكريم، ويعبثون بحقائقه، وهم الذين يفرون من سماعه، فإذا تهكموا عليه انتظروا ما يقال فى تهكمهم فيهجم القران الكريم على مسامعهم، ولا يستطيعون منه فرارا، ولا ينفكون عن سماعه.
ومنهم من كان يحسب أنه يناقض معانى القران الكريم بحقائق من الأديان السابقة أو بما حسبه كذلك. ورسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يجلس بينهم، ويتلقى مجادلتهم، ويدعوهم بالتى هى أحسن، غير مدخر بابا من أبواب الإقناع بالحق إلا سلكه، يروى ابن إسحاق فى السيرة ما يأتى:
جلس رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فيما بلغنا يوما مع الوليد بن المغيرة فى المسجد، فجاء النضر بن الحارث، حتى جلس معهم، وفى المجلس غير واحد من رجال قريش، فتكلم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فعرض له النضر بن الحارث، فكلمه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حتى أفحمه، ثم تلا قوله تعالى: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ.
لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ. لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ «٢» .
_________________
(١) سورة الفرقان: ٥- ٧.
(٢) سورة الأنبياء: ٩٨- ١٠٠.
[ ١ / ٣٨٠ ]
ثم قام رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وأقبل عبد الله بن الزبعرى السهمى حتى جلس، فقال الوليد بن المغيرة: والله ما قام النضر بن الحارث وما قعد، وقد زعم محمد أنا وما نعبد من الهتنا هذه حصب جهنم. فقال عبد الله بن الزبعرى؛ أما والله لو وجدته فخصمته، فسلوا محمدا أكل من نعبد من دون الله حصب جهنم مع من عبده، فنحن نعبد الملائكة، واليهود تعبد عزيرا، والنصارى تعبد عيسى، فعجب الوليد ومن كان معه في المجلس من قول ابن الزبعرى، ورأوا أنه قد احتج وخصم، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال النبى ﷺ الحكيم: كل من أحب أن يعبد من دون الله فهو مع من عبده فى النار.. فنزل قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى، أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ. لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها، وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ «١»
أى عيسى وعزير ومن عبد الأحبار والرهبان الذين مضوا على طاعة الله تعالى. ونزل فيما يذكرون أنهم يعبدون الملائكة، وأنها بنات الله تعالى: وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَدًا سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ.
لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ. يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ. وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ «٢» .
وقال تعالى فى إعجاب المشركين بقول ابن الزبعري: وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا، إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ. وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ، ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ.
٢٧٣- إن هذه الأخبار التى كان فى القران الكريم رد عليها، تدل على أمور ثلاثة:
أولها: أن هؤلاء كانوا يجادلون النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وأنهم كانوا يستعينون بما عند غيرهم من علوم، كانوا يذهبون إلى اليهود يستعينون بهم يسألونهم أن يدلوا بشيء يحتجون به على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وقد لقنوهم الأسئلة عن أهل الكهف وعن الروح، وعن ذى القرنين، ونزل القران الكريم بما فيه إشباع النفوس طالبة الحق المريدة له، ولكنهم لم يؤمنوا، بل أصروا إصرارا، وأنغضوا رؤسهم علوا واستكبارا.
وها هم أولاء الان يدرسون أخبارا من الديانات، مع أنهم أميون، لم يكن لهم كتاب يقرؤنه ولا علم دونوه، ومع ذلك حاولوا أن يعرفوا شيئا مما عند اليهود والنصارى، لا ليؤمنوا به، أو ليستعينوا به لمعرفة الحق والوصول إليه، بل ليجادلوا ويختصموا النبى ﵊، ولذلك كشف الله تعالى حالهم. يقول
_________________
(١) سورة الأنبياء: ١٠١، ١٠٢.
(٢) سورة الأنبياء: ٢٦- ٢٩.
[ ١ / ٣٨١ ]
تعالت كلماته مبينا أنهم لا يريدون إيمانا بل يريدون إعناتا، فقال تعالي: وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ، ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا، بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ أى يريدون أن يلتمسوا الحجة من أى ناحية.
ثانيها: أنهم كانوا يعتقدون فى ذات أنفسهم أن محمدا ﷺ على الحق، وأن القران الكريم هو الذى لا يحاكى، ولكنهم يمارون فى الحق بعد ظهوره، ولذلك ما كانوا يسكتون، عند إفحامهم، أو إفحام بعضهم بل إنهم إذا أفحموا بحثوا عما هو أشد لجاجة، وأقوى محاجة فى الظاهر، ولذلك لما أفحم النضر بن الحارث بين أيديهم لم يسلموا بالحق، وقد بدت بيناته، بل قالوا معاندين: وما قام وما قعد. حتى جاء ابن الزبعرى، فأتى بما يظنه مفحما لمحمد ﵊، بل كان سبيلا لمعرفة الحق، إن أرادوا رشادا، ولكن ما أرادوه.
ثالثها: أنه فى أثناء الحصار والمقاطعة والقطيعة، ما ونى محمد ﵊ عن دعوته حتى يئسوا هم، ولم ييأس هو ومن معه من المؤمنين الأشداء الأقوياء، ولو كانوا المعذبين المضطهدين.
وإنه فى أثناء ذلك ما ونى، وما ضعف ولا استكان، ولا وهنت نفسه.
وإن ابن إسحاق قد أتى بأخبار كثيرة عن النبى ﵊ مع قومه، وقد أفرغوا من الأذى كل ما فى جعبتهم من سهام مريشة، ممزقة جارحة، ولقد قال ابن كثير فى تاريخه بعد ذكر أخبار المجادلة:
كل هذه القصص ذكرها ابن إسحاق معترضا بها بين تعاقد قريش على بنى هاشم، وبنى المطلب، وكتابتهم عليهم الصحيفة الظالمة، وحصرهم إياهم فى الشعب، وبين نقض الصحيفة، وما كان من أمرها وهى أمور مناسبة لهذا الوقت، ولهذا قال الشافعى رحمه الله تعالى: «من أراد المغازى فهو عيال على ابن إسحاق» .
إذن، فالنبى ﵊، مواصل دعوته، صادع بأمر ربه لا ينى ولا يقصر، فما نهنهت من عزمته المقاطعة، ولا إرادة الجوع والعرى، بل استمر، وهو يقول فى قوة وعزم: «أنا النذير العريان» .
واذا كانت قريش قد بلغت أقصى الإيذاء، وانتقلت من الإيذاء الأحادى إلى الإيذاء الجماعى، ومن إيذاء المؤمنين واحدهم، إلى إيذائهم مع من يوالونهم من أقارب، وأولياء ونصراء، إذا كانت قد بلغت ذلك، فمحمد ﵊ لم يعبأ، لأنه مؤيد من رب العالمين.
[ ١ / ٣٨٢ ]
سعى فى نقض الصحيفة
٢٧٤- أقصى درجات الشدة قد يفضى إلى نوع من الشفقة، فإن المظلوم الصابر الداعى إلى الحق الذى لا يوجد سبب لإنزال الظلم الصارخ به قد يفتح ينابيع من الشفقة، وقد تنفتح هذه الينابيع من نفس الظالم أو من باشر الظلم.
لقد ظلمات قريش أبناء عمومتها من بنى هاشم وبنى المطلب الذين ارتضوا أن يقاسموا بنى عمومتهم من ذرية هاشم ضراءهم، لأنه كان ينالهم شرفهم، فألزموا أنفسهم بمقاسمتهم الضر، كما انتفعوا من شرف هذه العمومة.
وإننا لا نفرض أن قريشا كلها قد أجمعت على القطيعة من مداخل شعورها، فما انقطعت كل المودات، ومازالت كل الصلات، وإذا كان قد دعا داع فى وقت المباغضة، والمخالفة والحفاظ المخطيء على ما كان عليه الاباء، فاستجابوا أو جلهم تحت تأثير الحمية الوثنية حمية الجاهلية، فليس معنى ذلك أنهم صغت قلوبهم جميعا إلى الداعى الأثيم، بل ربما أجاب من أجاب بظاهر من القول، أو تحت تأثير فورة قد تتبدد، ويبقى الصافى بعدها، أو فى حال نسيان لأصل المودة الموصولة، والمحبة الرابطة، وإن اختلفت النحلة، وتباعد الاعتقاد، فالصلات تقرب البعيد، وتمنع الجفوة المستمرة.
وإن تلك القطيعة فطرت قلوبا مشفقة نحو الإسلام، وأوضحت ظلم الباطل لأهل الحق، وأنهم إذا أعياهم البرهان، بالغوا فى الإعنات، وإن الناس فى البلاد العربية إذ يتسامعون بهذه القطيعة سيتعرفون سببها، ويتذاكرون أمرها، ويحكمون بالشطط على مرتكبيها، فتشيع حقيقة الإسلام ويفشو بين الناس، والنبى ﵊ لا ينى عن بيان، وتلاوة القران الكريم المشرق بنوره وحججه، وشرف نسبته إلى الله تعالى الذى يخاطب به الخليقة وينادى به الفطرة المستقيمة.
لذلك لابد من نقض الصحيفة، لأنها لم تؤد إلى غرض مقصود، ولو كان مثل غرض أبى جهل، ولم تمنع الدعوة من أن تذيع بين العرب الأدنين منهم والبعيدين عنهم، فكلما كانت محاولة كتم الدعوة، كان بزوغها وظهورها، وانبثاق معينها، وإشراق نورها.
٢٧٥- أشرنا إلى أنه يبدو من حقائق الأمور، ودخائل النفوس، وبعض مظاهرها أنه لم تكن الموافقة على القطيعة الجماعية كاملة، وإذا كانت بظاهر من العمل، فالقلوب لا تؤيدها، ولا تعاضدها.
وقد قصصنا عليك أيها القارئ الكريم قصة حكيم بن حزام الذى كان يذهب بالبر إلى عمته خديجة وزوجها الطاهر ومن معه من بنى هاشم، واعتراض أبى جهل عليه، وتصدى أبى البخترى لأبى جهل يلومه على أن منع حكيما من أن يوصل القمح لعمته، فتلاحيا، وأخذ أبو البخترى لحى بعير وأعمله فى رأس أبى جهل حتى شجه.
[ ١ / ٣٨٣ ]
ويظهر أنه كان يقع ذلك من القرشيين، انعطافا على المظلومين، وإكراما للقرابة، ويقول فى ذلك ابن إسحاق: «ولم يبل أحد أحسن من بلاء هشام بن عمرو بن الحارث وكان ذا شرف فى قومه، فكان فيما بلغنى يأتى بالبعير، وبنو هاشم وبنو المطلب فى الشعب- ليلا قد أوقره طعاما، حتى إذا بلغ فم الشعب خلع خطامه من رأسه، ثم ضربه على جنبيه فدخل الشعب، ثم يأتى به قد أوقره، فيفعل مثل ذلك» .
وهكذا يتكرر منه العمل، ويتكرر منه التزويد، وهذا لا يدل على خيانة عهد، فليس للاثمين عهد يراعى، ولكنه كان استجابة لصلة القرابة، وإحساسا بظلم تلك الفعلة التى فعلها قومه.
وإذا كان لهشام هذا ذلك الشرف الذى كان يعاون به المحاصرين من قومه، فإنه صاحب الفضل الأول فى ترتيب نقض الصحيفة، من جانب المشركين، وقد ذكرنا من قبل كيف أخبر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بأن الأرضة أكلت ما فيه اسم الله وعهده، وأبقت لهم إثمهم البغيض، وكيف انتهت بنقضها، ولكن الان نبين كيف ابتدأ الانتقاص فى جموعهم.
تولى هذا العمل ابتداء هشام بن عمرو بن الحارث، ولنذكر ترتيبه الحكيم، كما جاء فى البداية والنهاية.
مشى هشام إلى زهير بن أمية بن المغيرة، وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب، فقال له: أقد رضيت أن تأكل الطعام، وتلبس الثياب، وتنكح النساء، وأخوالك حيث علمت لا يبتاعون، ولا يبتاع منهم، ولا ينكحون ولا ينكح إليهم، أما إنى أحلف بالله لو كانوا أخوال أبى الحكم بن هشام (أى أبى جهل) ثم دعوته إلى مثل ما دعاك إليه منهم، ما أجابك إليه أبدا.
قال زهير: ويحك يا هشام، فماذا أصنع؟ إنما أنا رجل واحد، والله لو كان معى رجل اخر لقمت فى نقضها.
قال هشام: لقد وجدت رجلا. قال من هو؟ قال: أنا، قال هشام: ابغنا ثالثا.
ذهب هشام الكريم إلى المطعم بن عدى، فقال: يا مطعم أقد رضيت أن يهلك بطنان من بنى عبد مناف، وأنت شاهد على ذلك موافق لقريش فيه، أما والله لئن أمكنتموهم من هذا لتجدنهم إليها منكم سراعا. قال: ويحك فماذا أصنع إنما أنا رجل واحد. قال قد وجدت ثانيا. قال فمن هو؟ قال أنا، قال ابغنا ثالثا. قال قد فعلت. قال من هو؟ قال زهير بن أبى أمية، قال: أبغنا رابعا. فذهب هشام إلى أبى البخترى (صاحب اللحى التى ضرب بها أبا جهل) ابن هشام، فقال نحو ما قال للمطعم بن عدى، فقال
[ ١ / ٣٨٤ ]
وهل تجد أحدا يعين على هذا؟ قال: نعم. قال: من هو؟ قال زهير بن أبى أمية، والمطعم بن عدى وأنا معك. قال: ابغنا خامسا.
ذهب هشام إلى زمعة بن الأسود. فكلمه وذكر له قرابتهم وحقهم. فقال له: وهل على هذا الأمر الذى تدعو إليه من أحد. قال: نعم.
اجتمع أولئك الخمسة الكرام، واتعدوا بأعلى مكة. وتعاقدوا على الدعوة لنقض الصحيفة، ووقف زهير، فكان أول المتكلمين كما كان أول الداعين.
طاف بالبيت سبعا ثم قال وقد أقبل على الناس: يا أهل مكة أنأكل الطعام ونلبس الثياب، وبنو هاشم هلكى لا يبتاعون ولا يبتاع منهم، والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة.
قال أبو جهل: والله لا تشق.
قال زمعة بن الأسود: أنت والله أكذب، ما رضينا كتابتها، حين كتبت.
قال أبو البخترى: صدق زمعة ما نرضى ما كتب فيها ولا نقربه.
قال المطعم بن عدى: صدقتما وكذب من قال غير ذلك، نبرأ إلى الله منها، ومما كتب فيها.
قال أبو جهل: هذا أمر قد قضى بليل تشوور فيه بغير هذا المكان.
٢٧٦- من هذا الكلام يستفاد أن كبار الذين لا ضغن عندهم على بنى هاشم، وإن لم يذعنوا لدعوة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لم يكونوا راضين بهذه القطيعة التى لم يكن لها جدوى إلا إثارة العطف على محمد ﵊ وعشيرته ودعوته وإنما كانوا مورطين.
ولقد جرت هذه المناقشة وأبو طالب العظيم مستمع وجالس فى ناحية من المسجد، كأن القول لا يهمه، وكأنه المعنى بالأذى.. هو وعشير من أمثال اللئيم أبى جهل، والمعنى بالمودة من كرام قومه.
ولكنه عندما وجد القوم قد اعتزم خيارهم الأمر، وأرادوا قطعها، قال لهم مقالة الحق التى أخبره بها النبى صلى الله تعالى عليه وسلم.
يا معشر قريش إن ابن أخى قد أخبرنى بأن الأرضة أكلت الظلم والقطيعة والبهتان، ولم تدع فيها اسما لله إلا أثبتته فهلم إلى صحيفتكم، فإن كانت كما قال، فانتهوا عن قطيعتنا، وانزلوا عندها، وإن كان كاذبا دفعت إليكم ابن أخى.
عندئذ نقضت قريش الصحيفة رغم أنف أبى جهل وأشباهه.
[ ١ / ٣٨٥ ]
نقض الصحيفة فعلا
٢٧٧- نقضت الصحيفة المشئومة، ولا شك أنه فى وسط الجاهلية العمياء وجد بصر رجح داعى المروءة، وصلة الرحم، وأكثرهم كانوا ذوى نسب أو صهر بنى هاشم أو قرب نسب من البطون، أو سبب الأنكحة، ومنهم من حركتهم المروءة والنخوة، واحترام الأرومة، وترجيح الشرف مع اختلاف الدين على الضعف بسببه. وقاوموا نذلة أبى جهل، ودقوا أنفه، وقال قائلهم: لو كان فيهم ذو رحم بأبى جهل ما ارتضى تلك القطيعة.
وقد قدر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لذوى المروات مروءتهم، وأكثرهم دخل فى الإسلام وحسن إسلامه، وكان خيرا فى جاهليته وخيرا فى إسلامه فاجتمعت له الحسنيان، ونال الشرفين شرف الهمة والمروءة وشرف الإيمان.
ومنهم من لم يدخل فى الإسلام، ولكن محمدا ﵊ عرف له مروءته، وقدرها له حق قدرها.
ومن هؤلاء أبو البخترى فهو الذى ضرب أبا جهل بلحى البعير ووطأه وطئا شديدا عندما منع حكيم ابن حزام من توصيل القمح لخديجة وزوجها خاصة وبنى هاشم عامة.
وأبو البخترى هذا كان أحد الخمسة الذين نادوا حول الكعبة الشريفة بوجوب خرق الصحيفة ونقض ما فيها، وأصر على ذلك إصرارا جعل أبا جهل وأشباهه يخرجون مذمومين مدحورين.
عرف النبى صلى الله تعالى عليه وسلم تلك السابقة المكرمة، ومحمد ﵊ لا ينسى السابقات المكرمات، واعتزم أن يجزيه على موقفه الجزاء الموفور، فالوفاء خلق محمد ﵊، وخلق الإسلام.
ولقد كان يتمنى ﵊ أن يسلم، ليكون كإخوانه الذين أسلموا، ونالوا الحسنيين ولكنه لم يسلم، بل استمر على شركه، وبلغه ﵊ أنه خرج مقاتلا فى صفوف المشركين فى غزوة بدر الكبرى، فأوصى المسلمين ألا يقتله أحد منهم إذا لقيه وتمكن منه.
فلقيه أحد المجاهدين ومعه صاحب له من المشركين، فذكر له وصية النبى ﵊، فدفعته مروءته أيضا إلى ألا ينفرد بالنجاة، ويقتل صاحبه، فقال إما نقتل معا، وإما أن ننجو معا، فقتلهما المجاهد معا، وليته لم يفعل.
[ ١ / ٣٨٦ ]
إنى أحسب أنه خالف وصية النبى ﷺ، فهو أمر ألا يتعرض له وألا يقتله وما كان ثمة من مانع من أن ينجيهما، بل إنى أحسب أنه كان من المستحسن أن ينجيهما؛ لأن الإسلام ينهى عن القتل إلا للضرورة وقد كانت مندوجة، ونحسب أنه لو عاش لكان من المؤمنين، فخيار قريش فى الجاهلية خيارهم فى الإسلام إن آمنوا، وإن فى نفسى حسكة تشك قلبى إذا تذكرت أن أبا البخترى قتلته السيوف الإسلامية بغير إرادة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم.
انطلاق الدعوة الاسلامية:
٢٧٨- كانت تلك القطيعة التى أحدثتها النفس الوثنية الحانقة سببا فى ذيوع الإسلام، وأمر دعوة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم.
فقد رأى العرب مقاطعة قريش لذؤابتها من بنى هاشم، وهم يجيئون إلى مكة المكرمة حاجين ومعتمرين ومتجرين يغشون الأسواق ويجدون سادة العرب ممنوعين من غشيانها، والدعوة إلى مقاطعتهم قائمة على قدم وساق، فلابد أن يسألوا لم كان هذا، وأن يتعرفوا دعوة الحق، وما ينادى به محمد ﵊، فتصل إلى أسماعهم، فمنهم من يؤمن، ومنهم من يستمر فى ضلاله.
ولذلك كانت هذه المقاطعة سببا فى أن تسامع العرب بالإسلام ودعوته، وأن تصل الدعوة المحمدية إلى القبائل فى أماكنهم، فمن اهتدى فقد اهتدى لنفسه، ودعا غيره بالهداية، ومن لم يؤمن تحدث مع غيره بما كفر به، فتكون الدعوة قد علم بها من ارتضاها، ومن لم يرتضها، لقد حملها جميعهم، ورب حامل فقه لا فقه له، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه.
جاء الناس إلى مكة المكرمة يستمعون إلى النبى ﷺ، ممن صفت قلوبهم للإيمان، وقريش لهم بالمرصاد يحاولون أن يصدوهم عن سبيل الله تعالى، ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.
وأولئك الذين وضع الله تعالى فى قلوبهم الميل إلى الإسلام يسيرون إلى الحق لا يعوقهم عائق، ولا يردهم راد، ولنذكر لك قصة رجل حاول أن يدخل فى الإسلام بناء على ما سمع فى القبائل من أخبار محمد ﵊ ودعوته إلى الواحدانية، وما معه من كتاب أوحى به يتلوه عليهم، ويرونه عجبا لم يكونوا قد سمعوا مثله، ولا قريبا منه، وقريش تترصد الرجل وأمثاله الذين يجيئون إلى الرسول يستمعون إليه، وتحاول تنفيرهم منه، فلا ينفرون، بل يزيدون رغبة وإمعانا فى الطلب.
وهذا الرجل الطفيل بن عمرو الدوسى، وكان سيدا مطاعا شريفا فى قبيلة دوس، وكان قد قدم مكة المكرمة، فاجتمع به كبراء المشركين من قريش، وحذروه من النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ونهوه أن يجتمع به ويستمع إليه.
[ ١ / ٣٨٧ ]
وما زالوا به حتى اقتنع بألا يستمع، وحشا أذنه قطنا لكيلا يسمع، ولكنه غدا إلى الكعبة الشريفة، فرأى على البغتة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وحاول لما أوصاه رجال قريش ألا يسمع، ولكنه بما وهب الله تعالى رسوله الأمين من طيبة ظاهرة تجذب إليه القلوب الصافية أبى إلا أن يسمع بعض ما يقرأ به ﵊، ولنترك الكلمة للرجل ليخبر عن نفسه، فالقول قوله فى شأنها، والإخبار عنها، قال ﵁: قلت فى نفسى، واثكل أمى، والله إنى لرجل لبيب شاعر، ما يخفى على الحسن من القبيح، فما يمنعنى أن أسمع من هذا الرجل ما يقول، فإن كان الذى يأتى به حسنا قبلته، وإن كان قبيحا تركته، فمكثت حتى انصرف رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى بيته، فدخلت عليه، فقلت: يا محمد (ﷺ) إن قومك قالوا: لى كذا وكذا. فو الله ما برحوا يخوفوننى أمرك حتى سدوا أذنى بكرسف (قطن) لئلا أسمع قولك، ثم أبى الله تعالى إلا أن يسمعنى قولا حسنا، فاعرض على أمرك، فعرض علىّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الاسلام، وتلا علىّ القران الكريم، فلا والله ما سمعت قولا أحسن منه، ولا أمرا أعدل، فأسلمت وشهدت شهادة الحق.
وكان الطفيل هذا رجلا مسموع الكلمة فى قومه شريفا بينهم لم يعرف بقول الزور ولا الباطل فدعاهم إلى الإسلام، فأسلموا طائعين، وكانت دوس على الإسلام إلى أن جاء عصر الجهاد بالسيف، فجاهدت مع المجاهدين وحاربت المشركين فى عصر النبى ﷺ، وحاربت المرتدين من بعده، وكان لها قدم ثابتة فى الإسلام.
ولم يجد منع قريش، فالنور لا يقع فى قبضة أحد، بل إنه يسرى شعاعا مضيئا هاديا مهما تكن الظلمات المتكاثفة، هذا الرجل الأول الذى جعلناه مثلا لشيوع أمر الرسالة المحمدية بعد القطيعة وفى أثنائها، فكان كل ما عمل ضد محمد ﵊، وما قام به يكون فى نتيجته خيرا لدعوة التوحيد، ونداء الحق البين.
من هذه القصة وأشباهها، وإنها لكثيرة نجد أن الإسلام أخذ يسرى إلى الجزيرة العربية قاصيها ودانيها، والنبى ﵊ قطب دعوة التوحيد مقيم فى مكة المكرمة مثوى العرب أجمعين، لا يسكت ولا ينى، بل يستمر فى دعوة الحق، يستمع إليه الضعفاء وبعض الأقوياء بينهم بصلواته يجهر بها ولا يخافت، والمشركون يستهزئون ظاهرا، وهم مأخوذون بها باطنا، بقدر حملتها على الشرك الذى يستمسكون به ويلاحون عنه بظاهر من عصبية، وحقدا وحسدا، لا إيمانا ويقينا، ولكنهم قوم فى ذات أنفسهم مترددون، والمترددون يثير حنقهم وغضبهم المستيقنون المؤمنون، وكذلك كانت المعركة بين حق لائح مبين، وباطل متردد فى ذاته.
[ ١ / ٣٨٨ ]
عام الحزن
٢٧٩- هذه تسمية رسول الله ﷺ للعام الذى توفى فيه شيخ البطحاء أبو طالب ابن عبد المطلب، وأم المؤمنين خديجة رضى الله تعالى عنها، وقد كانت أبر زوج لأكرم زوج، فسمى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ذلك العام عام الحزن، لأنه فقد فيه حبيبين، ولم ير بعد موتهما من يعوضه عنهما من ذوى قرابته وصهره.
فقد كانا يواسيانه، ويشدان أزره، ويمنعان عنه الأذى أن يؤثر فى نفسه، ويرى فيهما المثابة إلى الاطمئنان والسكن، فأبو طالب ينصره، ويذود عنه، ويتحمل الأذى فى سبيل مرضاته، ويعمل على أن تقر عينه دائما، وقريش تضايق العم الشيخ فيتحمل ضيق قومه على أن يكون منه ما يجعل ابن أخيه فى ضيق، ويتحمل الملامة هو على أن توجه ملامة لابن أخيه، وأشهد ويشهد كل قارئ لسيرة الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم أنه ما وجد أب أحنى على ولده من أبى طالب على ابن أخيه، وهو يخالفه فيما يدعو إليه، ولا يستجيب لما ينادى به، كما يقولون خشية سبة قريش، وإن ذلك الأمر يعلمه الله تعالى، وهو فى جملته يتعلق بالدعوة المحمدية المواحدة، وتخفيف الأذى عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ومن امن معه.
ونحسب أن أبا طالب لو امن بالدعوة المحمدية كما امن حمزة، وعلى وعثمان، وغيرهم من بنى عبد مناف ما استطاع أن يذود عن محمد ﷺ وصحبه، كما ذاد عنهم، ولا أن يصد قريشا كما صدهم، إذ أنهم يدخلونه فى ضمن من يناوئون، وحينئذ يفقد سلطانه الكامل على البطحاء إذ ينكرون سيادته، فلا يستطيع أن يكفكف حدتهم، ولا أن يكون الدرع الواقية، كما كان الأمر فى ذلك وهو على دينهم ظاهرا، أما الباطن فعلمه عند الله تعالى.
ولو أن لنا أن نأخذ بالقرائن أو بالأمارات على ما يستكن فى القلوب، لقلنا إنه مؤمن، وليس بكافر، ولكن يعارض هذه الظواهر أنه دعى إلى الإيمان بالقول فلم يستجب، ومهما يكن فهو فى الحالين عظيم حتى فى شركه.
هذه إشارات إلى ما كان من أبى طالب فى حمايته للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، حتى أنه ﵊ ليقول: إن قريشا ما نالت منى فى حياة أبى طالب ما نالته من بعده.
وأما خديجة أم المؤمنين، والزوجة الحانية كالأم أو أشد، فقد كانت السكن إذا ادلهمت الأمور، ولقى من مناوأة قومه أشد ما يلاقى داع إلى الحق، يشتد الكفر وتشتد العداوة، ثم يعود إلى بيته مجهودا
[ ١ / ٣٨٩ ]
مشنوا، فيلاقى الزوج البرة، ولسان حالها يقول له، كما قالت أولا: «والله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم وتحمل الكل، وتعين على نوائب الدهر، فيطمئن فؤاده، وتسكن جوارحه، وتقر نفسه الجائشة» .
وإن عاطفة الزوج المخلصة تلهمها بأطيب القول وأحكمه فى أشد الأوقات التى تتضافر فيها أسباب الضيق النفسى والقلق، وهى بحق التى تسمى السكن، وكما قال الله تعالى: وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً «١» .
هذا العام كان قبل الهجرة بثلاث سنين، كما يحقق الرواة، وهو قبل فرض الصلوات الخمس، كما يقول المحققون، وهو بناء على ذلك قبل الإسراء والمعراج، ولذلك ذكرنا عام الحزن قبلهما، للترتيب الزمنى أولا- ولأن الإسراء والمعراج، كانا لمواساة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وأنسه بربه، ولأنهما فيما يظهر لنا فيهما إذهاب للوحشة التى نالت قلب الرسول ﵊ الكريم بفقد حبيبين. فبين الله تعالى بهذا الإسراء أن الله هو الحبيب الأعظم، وهو الحامي واحده ولا حماية لأحد تقارب أو تدانى حمايته.
وإن الأكثرين ممن كتبوا فى السيرة النبوية يقدسون الكلام فى الإسراء والمعراج، لأن فيهما تكميلا لبيان الفرائض الإسلامية التى تتعلق بالتوحيد وهى الصلاة.
ويقول فى ذلك ابن كثير فى تاريخه الكبير: «قال البيهقى، وزعم الواقدى أن خديجة وأبا طالب ماتا قبل الهجرة بثلاث سنين، عام خرجوا من الشعب، وأن خديجة توفيت قبل أبى طالب بخمس وثلاثين ليلة. وروى عن الزهرى أنه قال: توفيت خديجة بمكة المكرمة قبل خروج رسول الله ﷺ إلى المدينة المنورة وقيل قبل أن تفرض الصلاة قلت: مرادهم قبل أن تفرض الصلوات الخمس ليلة الإسراء، وكان الأنسب أن نذكر وفاة أبى طالب وخديجة قبل الإسراء كما ذكر البيهقى وغير واحد.
أبو طالب، وإيمانه
٢٨٠- مما لا شك فيه، ولا يمارى فيه مؤمن أن أبا طالب كان له موقف فى الدعوة الإسلامية، وهو موقف من يحمى الحق ويدافع عنه، ويتحمل الضيق فى سبيله، وقد رضى أن يعيش ممنوعا، هو وبنو هاشم وبنو المطلب، مضيقا عليهم فى الرزق، وكل أسباب الحياة، وذلك عندما قاطعه قومه هو وبنى هاشم، ومن انضم إليهم من بنى عبد مناف، واستوى فى ذلك مؤمنهم وكافرهم، وعلى رأسهم كبيرهم أبو طالب، وقد كان المحرك لهم.
_________________
(١) سورة الروم: ٢١.
[ ١ / ٣٩٠ ]
وكما كان منه هذا الموقف المشرف الرافع للحق لم يدخل فى دين الله، أو على الأقل لم يدخل فى دين الله ظاهرا، واستمر على ذلك، لا يدخل فيما يدعو إليه محمد ﷺ، ولا يمتنع عن الدفاع.
والقارئ لسيرته يعتقد أن ذلك لمجرد العصبية الجاهلية، ولفرط محبته لمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم، وأن المحبة كانت هى الدافع لا للعصبية واحدها.
فما كان ليرضى أن يغضب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ولا أن يكون منه مالا تقر به عين حبيبه وابن أخيه محمد صلى الله تعالى عليه وسلم.
وهنا يرد سؤال، وهو: أمات أبو طالب بعد هذا البلاء فى حماية الدعوة الإسلامية على الشرك، ولم يخالط الإيمان بشاشة قلبه؟
يقول إخواننا الشيعة إنه مات مؤمنا، وأن الله تعالى أجرى على لسانه كلمة الحق: لا إله إلا الله محمد رسول الله.. ولهم فى ذلك روايات أسندت إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم.
ويقول جماعة أهل السنة، ومعهم الكثرة الكاثرة من علماء الفقه والحديث أنه مات على الشرك، وأنه من أهل النار، وأن الله تعالى يخفف عنه عذاب جهنم، فيكون فى ضحضاح من النار.
ويردون كلام الأولين بأنه من فرط التشيع لعلى، فقد جرهم هذا التشيع لعلى إلى أن يحكموا بإيمان أبيه أبى طالب، ثم يذكرون ضعفا فى إسناد الأخبار التى روت إسلامه، ونطقه بالشهادتين، ويذكرون أن الأخبار الصحاح ذكرت أنه ما نطق بشهادة ألاإله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويذكرون أنه فى الخبر الذى صح عندهم عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ذكر أنه يكون فى ضحضاح من النار، وأن ذلك استجابة لدعوة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بالتخفيف عنه. لما كان له من مناصرة له ﵊.
وإنه من الحق علينا أن نذكر أمره عندما حضرته الوفاة.
٢٨١- ونقول أن كتب الصحاح من السنة كما تذكر أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كان فى خوف من نتيجة مرضه، كان مشركو قريش فى فزع من موته، لأنه كما كان حاميا للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم كان كهفا لقريش يشكون أمر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إليه، ليرجو أن يخفف عنهم، ولنترك الكلمة للمؤرخ المحدث الحافظ بن كثير فى كتابه البداية والنهاية «١» .
_________________
(١) البداية والنهاية ج ٣ ص ١٢٧- بتصرف قليل فيه تقديم وتأخير مناسب، ليتسق المنقول.
[ ١ / ٣٩١ ]
«قال ابن إسحاق: ولما اشتكى أبو طالب، وبلغ قريشا ثقله قالت قريش بعضها لبعض: إن حمزة وعمر قد أسلما وقد فشا أمر محمد فى القبائل فانطلقوا بنا إلى أبى طالب، فليأخذ لنا على ابن أخيه، وليعظه، فإنا والله لا نأمن أن يبتزونا أمرنا. قال ابن إسحاق: وحدثنا العباس عن عبد الله بن معبد، عن بعض أهله عن ابن عباس قال: لما مشوا إلى أبى طالب وكلموه، وهم أشراف قومه: عتبة بن ربيعة، وشيبة ابن ربيعة، وعمرو بن هشام (أبو جهل) وأمية بن خلف، وأبو سفيان بن حرب، فى رجال من أشرافهم فقالوا:
يا أبا طالب، إنك منا حيث قد علمت، وقد حضرك ما ترى، وتخوفنا عليك، وقد علمت الذى بيننا وبين ابن أخيك فادعه، فخذ لنا، وخذ له منا، ليكف عنا، ولنكف عنه، وليدعنا وديننا، ولندعه ودينه.
فبعث إليه أبو طالب فجاءه، فقال: يا بن أخى، هؤلاء أشراف قومك قد اجتمعوا إليك، ليعطوك وليأخذوا. فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: يا عم، كلمة واحدة تعطونها تملكون بها العرب، وتدين لكم بها العجم. فقال عمرو بن هشام (أبو جهل): نعم وأبيك وعشر كلمات. ثم قال: تقولون لا إله إلا الله، وتخلعون ما تعبدون من دونه. فصفقوا بأيديهم، ثم قالوا: يا محمد، تريد أن تجعل الالهة إلها واحدا. إن أمرك لعجب، ثم قال بعضهم لبعض، إنه والله ما هذا الرجل بمعطيكم شيئا مما تريدون، فانطلقوا وامضوا على دين ابائكم، حتى يحكم الله بينكم وبينه، ثم تفرقوا.
فقال أبو طالب: والله يابن أخى ما رأيتك سألتهم شططا، فطمع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فيه، فجعل يقول له: «أى عم، فقلها أستحل لك بها الشفاعة يوم القيامة» فلما رأى حرص رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: يا ابن أخى، والله لولا مخافة السبة عليك، وعلى بنى أبيك من بعدى، وأن تظن قريش أنى قلتها جزعا من الموت لقلتها، لا أقولها إلا لأسرك بها، فلما تقارب من أبى طالب الموت نظر العباس إليه يحرك شفتيه، فأصغى إليه بأذنه
قال العباس: يابن أخى، لقد قال أخى الكلمة التى أمرته أن يقولها.
فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «لم أسمع» «١» .
هذا الخبر، يدل على ثلاثة أمور:
أولها: أن قريشا ترى فى بقاء أبى طالب ضمانا لأمنهم، واتصالهم بالنبى صلى الله تعالى عليه وسلم للتأثير فيه بعمه شيخ مكة المكرمة.
_________________
(١) ج ٢ ص ١٢٣.
[ ١ / ٣٩٢ ]
ثانيها: عظم محبة أبى طالب صلى الله تعالى عليه وسلم، إذ أنه ينطق بها محبة للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم.
ثالثها: أن الرواية تدل على أنه يصدق دعوة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وذلك من ناحيتين:
أولاهما: أنه قال: «ما رأيتك سألتهم شططا» أى أنه سألهم معقولا، وهو: لا إله إلا الله.
والثانية: أنها تدل على أن أبا طالب نطق بكلمة الإيمان، كما قال العباس.
وقد رد الذين أنكروا إيمان أبى طالب:
أولا: بأن السند فيه تجهيل، لأنه قال عن بعض أهله، فلم يعرف من الراوي، وما حاله.
وثانيا: بأن الإمام أحمد روى هذا السياق، ولم يذكر كلمة العباس، وكذلك الترمذى والنسائى وابن جرير.
وروى البخارى فى سياق هذا الخبر أن عمرو بن هشام (أبا جهل) وعبد الله بن أمية، عندما سأل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عمه أن يقول لا إله إلا الله، قالا له: يا أبا طالب أترغب عن ملة: عبد المطلب؟ فلم يزالا يكلمانه، حتى قال اخر ما تكلم به: «على ملة عبد المطلب» .
وهكذا غيرها من روايات الصحاح تدل على أنه لم يقلها، وأن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قال: «لأستغفرن لك ما لم أنه عنك» .
٢٨٢- وإن الذى ننتهى إليه أن هناك أمورا ثلاثة، تحققت منها اثنتان، والثالثة موضع نظر:
الأولى: أن أبا طالب حامى على الإسلام، بالدفاع عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وبالدفاع عن المسلمين، وما قاله من المدح لدعوة النبى ﷺ والثناء عليها، وما أظهره له ولأصحابه من المودة والمحبة والشفقة فى أشعاره، وما تضمنه كلامه من العيب والتنقيص لمن خالف وكذبه بتلك العبارات الفصيحة البليغة الهاشمية المطلبية التى لا تدانى ولا تسامى، ولا يمكن عربيا مقاربتها ولا معارضتها، وهو فى ذلك كله يعلم أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم صادق راشد «١» .
الثانية- ثبت أنه عندما حضرته الوفاة كان يزكى مطالب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وأنه ما عرف عنه بعد الدعوة المحمدية أن زكى الأوثان قط، ولا فضل تقديسهم عن دعوة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وأنه تحمل الأذى مع النبى صلى الله تعالى عليه وسلم.
_________________
(١) البداية والنهاية لابن كثير ج ٣ ص ١٢٦.
[ ١ / ٣٩٣ ]
ويضاف إلى ذلك هذه المحبة الظاهرة، والشفقة الواضحة التى كانت للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم.
الثالثة- النطق بكلمة «لا إله إلا الله محمد رسول الله» فقد جاءت رواية بأنه نطق بها، وقالها، وهذه رويت عن العباس، وتطاول بعضهم على مقامه، فقال إنه قالها قبل أن يسلم، وكأن القائل يرمى العباس بالكذب، قبل الإسلام، ومعاذ الله أن يكذب العباس بن عبد المطلب، ولو قبل إسلامه، لأنه من ذؤابة قريش وأشرافهم، والعربى لا يكذب، وانظر إلى ما رواه البخارى عن محادثة هرقل ملك الروم مع أبى سفيان، فقد صدقه القول عن النبى ﵊ وبينهما عداوة قال: «لولا أنى أخشى أن تحفظ عنى كذبة فى العرب لكذبت» فهل يعد العباس أقل من أبى سفيان شرفا وهمة؟ كلا إنه القرشى الهاشمى، وعم النبى ﵊ قبل الإسلام وبعده.
٢٨٣- وإننا ننتهى من هذا العرض الذى تحرينا فيه صدق التلخيص أن أبا طالب لم يكن مكذبا للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ولم يكن مقاوما معاندا، فهل كان من المسلمين؟.
ويقول ابن كثير فى هذا: «وهو فى هذا كله يعلم أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم صادق راشد، ولكن مع هذا لم يؤمن قلبه، وفرق بين علم القلب وتصديقه» «١» .
وكأنه بهذا يشبهه بعلم اليهود بالنبى ﷺ إذ كانوا كما قال الله ﵎ عنهم:
«يعرفونه كما يعرفون أبناءهم» «٢» ولكنهم لم يذعنوا لما يقضى علمهم، فهم يعلمون ولا يذعنون.
وإنى أسمح لنفسى أن أخالف الحافظ بن كثير فى قوله هذا، أو انطباقه على أبى طالب، وأحسبه هو قد وجد فارقا بين معرفته لله تعالى ولدعوة الرسول ﵊ واليهود، وأقول أن علم أبى طالب قد صحبه ما يدل على التصديق والإذعان، فهو علم مقترن باليقين والإذعان، كما دلت عباراته، وكما دافع عن الإسلام، فإذا كان ثمة نقص بالنسبة لأبى طالب. فهو أنه لم ينطق بموجب التصديق والاذعان، وإنى لذلك أقول أنه لا يمكن أن يكون مشركا قط.
أولا: لأنه استنكر أقوال قريش وأيد دعوة التوحيد.
وثانيا: لأنه دافع عن التوحيد وأهله، وتلقى الأذى كما تلقى المؤمنون الصادقون.
وثالثا: لأنه صرح بأن محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم صادق راشد.
_________________
(١) البداية والنهاية ج ٣ ص ١٢٦ الكتاب المذكور ص ١٢٧.
(٢) البقرة: ١٤٦.
[ ١ / ٣٩٤ ]
وإن وجد من يتردد فى إدخاله فى زمرة المسلمين، ولو كانوا ضعافا، فإننا لا نتردد فى إخراجه من زمرة المشركين، وإذا كان قد نسب إليه، أنه قال وهو فى سكرات الموت: على ملة عبد المطلب استجابة لأحد الأشياخ من قريش، فإنا لا نحسب أن هذه الكلمة تعارض كل ما كان منه من دفاع عن الإسلام، وتصريحات كثيرة له بأن دعوة محمد ﵊ صادقة راشدة قالها وهو صحيح معافى. ونختم كلامنا فى هذا بما قاله الحافظ بن كثير فى أبى طالب فقد قال ﵁:
«أبو طالب كان يصد الناس عن أذية رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وعن أصحابه بكل ما يقدر عليه من فعال ومقال، ونفس ومال، ولكن مع هذا لم يقدر الله تعالى له الإيمان، لما له تعالى فى ذلك من الحكمة العظيمة، والحجة القاطعة البالغة الدامغة التى يجب الإيمان بها والتسليم لها، ولولا ما نهانا الله تعالى عنه من الاستغفار للمشركين، لاستغفرنا لأبى طالب وترحمنا عليه» «١» .
ونحن نقول فيما استنبطنا، إنه ليس بمشرك قط، لأن المشرك من يعبد الأصنام، ويشركها مع الله تعالي، وأفعاله وأقواله، ومواقفه تدل على أنه يرى عبادة الأصنام أمرا باطلا، ولذلك أميل إلى أن أستغفر له، إن كنت من أهل هذا المقام، وأرى أنه ليس بكافر أصلا، والله ﷾ هو العليم بذات الصدور، وما تخفى الأنفس.
خديجة ﵂
٢٨٤- كانت خديجة هى الفقيد الثانية التى أدخل موتها الحزن فى قلب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وكان قطعة من نفسها، وهى التى أذهبت عنه الرعب يوم جاءها يرجف فؤاده من أول لقاء بالوحى الإلهى، وهى التى كانت تأسو جراح قلبه، كلما لقى من قومه صدودا وأذى، وهى التى شاركته فى حمل ضرائه، وكانت لها المنزلة الأولى بين نسائه.
ولمكانتها فى نفسه لم يتزوج فى حياتها غيرها قط معها، ولكن تزوج من بعدها، وعدد الأزواج، وكان الحل لمقاصد، ليس منها الشهوة، بل ليؤلف بينه وبين قبائل العرب وليولى أصحابه المحبة، ويدنيهم منه وليؤدى أزواج من يموتون من أصحابه. أو يقتلون، ويتركون أزواجهم من غير عائل يعولهم ليحقق بالعمل قوله ﵊: «من ترك مالا فلورثته، ومن ترك ضياعا، فإلى، وعلى» .
وإنها لعظم منزلتها من النبى ﵊، وفى الاسلام، بشرت ببيت فى الجنة من قصب.
_________________
(١) البداية والنهاية ١٢٦ ج ٣.
[ ١ / ٣٩٥ ]
روى البخارى بسنده عن أبى هريرة قال: «أتى جبريل إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، هذه خديجة قد أتت بإناء، فيه إدام- أو طعام أو شراب- فإذا هى أتتك فاقرأ ﵍ من ربها، ومنى، وبشرها ببيت فى الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب» والقصب المراد به اللؤلؤ.
وقد قال السهيلى «إنما بشرها ببيت فى الجنة من قصب يعنى قصب اللؤلؤ، لأنها حازت قصب السبق إلى الإيمان، ولا صخب فيه ولا نصب، لأنها لم ترفع صوتها على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ولم تتعبه فى الدهر، فلم تصخب عليه يوما، ولا اذته أبدا» .
ولقد كان يذكرها دائما بالخير، يحب من كانت تحبه، ويواد من كانت توده، حتى كان ذكرها الدائم يثير غيرة بعض نسائه، حتى لقد قالت أم المؤمنين عائشة: «ما غرت من امرأة للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ما غرت من خديجة، لما كنت أسمعه يذكرها، وأمره الله تعالى أن يبشرها ببيت فى الجنة من قصب، وإن كان ليذبح الشاة فيهدى فى خلائلها منها ما يسعهن «١»» .
وكان مع ذكرها يكرم ذكراها، ومن يذكره بها، ولقد استأذنت عليه هالة بنت خويلد أختها، فعرف استئذان خديجة، فارتاح، فقال: «اللهم هالة» .
وروى الإمام أحمد عن عائشة رضى الله تعالى عنها قالت: «كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إذ ذكر خديجة أثنى عليها بأحسن الثناء فغرت يوما، فقلت: «ما أكثر ما تذكرها حمراء الشدقين، قد أبدلك الله خيرا منها» قال: ما أبدلنى خيرا منها، وقد امنت بى إذ كفر بى الناس، وصدقتنى إذ كذبنى الناس، واستنى بمالها، إذ حرمنى الناس، ورزقنى الله ولدها إذ حرمنى أولاد النساء» .
وواضح أن ذلك قبل أن يهب الله تعالى له إبراهيم من مارية القبطية.
وإننا نرى من هذا الكلام كله مكانة أم المؤمنين خديجة فى نفس النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وكيف كانت المواسى، إذا ادلهمت الأمور، واشتد البلاء، وكيف كانت المؤنس إذا استوحش من الناس، وكيف كانت الهدأة والسكن إذا ارتاع من هول ما يفعل الناس، فكان حقا ﵊ أن يسمى عام وفاتها ووفاة عمه الكريم عام الحزن، وقد فقد فيه الحبيبين، الحامى المكافح، والمؤنس المواسى.
وقد مات أبو طالب قبل خديجة على أصح الروايات، وقيل: كانت وفاته قبلها بثلاث ليال. ويذكر بعض الرواة أن وفاتها كانت قبل وفاته بنحو من خمس وثلاثين ليلة وأن الراجح أن وفاته كانت قبل وفاتها، ومهما يكن الأمر فى المقدم والمؤخر، فإن وفاتهما أورثت حزنا شديدا للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم.
_________________
(١) البخارى- البداية والنهاية ص ١٨ ج ٣.
[ ١ / ٣٩٦ ]
ما كان بعد موت أبى طالب
٢٨٥- قال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم «ما نالت منى قريش شيئا أكرهه، حتى مات أبو طالب» ولقد لزم محمد صلى الله تعالى عليه وسلم الحبيبين، الحامى المكافح، والمؤنس المواسى.
ثم لما خرج وباشر الدعوة وبلغ رسالة ربه، كلبت عليه قريش، حتى كانوا يؤذونه فى بيته، فكان جيرانه جيران سوء، ومنهم أبو جهل، والحكم بن أبى العاص بن أمية، وعقبة بن معيط وعدى بن الحمراء، وابن الأصداء الهذلى، وكان أحدهم يطرح عليه رحم الشاة وهو يصلى.
وقد روى مسلم عن ابن مسعود قال. «بينما رسول الله ﷺ يصلى عند البيت، وأبو جهل وأصحابه جلوس، وقد نحرت جزور بالأمس، فقال أبو جهل: أيكم يقوم إلى سلا «١» جزور بنى فلان، فيأخذه فيضعه بين كتفى محمد إذا سجد، فانبعث أشقى القوم. فأخذه، فلما سجد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وضعه بين كتفيه فاستضحكوا، وجعل بعضهم يميل على بعض، وأنا نائم أنظر والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم ساجد ما يرفع رأسه.. حتى ذهب إنسان فأخبر فاطمة، فجاءت، وهى جويرية فطرحت عنه، ثم أقبلت عليهم تشتمهم، فلما قضى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم صلاته، رفع رأسه، ثم دعا عليهم، وكان إذا دعا، دعا ثلاثا وإذا سأل، سأل ثلاثا، ثم قال. اللهم عليك بقريش ثلاث مرات، فلما سمعوا صوته ذهب عنهم الضحك، وخافوا دعوته، ثم قال: اللهم بأبى جهل ابن هشام، عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عقبة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبى معيط، فو الذى بعث محمدا ﵊ بالحق، لقد رأيت الذين سمى صرعى يوم بدر» .
اشتد أذى قريش للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ويظهر أن أكثر الأذى الذى نال شخص النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كان بعد وفاة أبى طالب.
ولقد قال ابن كثير فى ذلك:
«وعندى أن غالب ما روى مما تقدم من طرحهم سلا الجزور بين كتفيه، وهو يصلى كما رواه ابن مسعود.. وكذلك ما أخبر به عبد الله بن عمرو بن العاص من خنقهم له صلى الله تعالى عليه وسلم خنقا شديدا وكذلك عزم أبى جهل.. لعنه الله على أن يطأ عنقه وهو يصلى فحيل بينه وبين ذلك، وما أشبه ذلك- ذلك كله كان بعد وفاة أبى طالب والله أعلم، فذكره هاهنا أشبه وأنسب» .
_________________
(١) السلا، أحشاء وخلاص الناقة، وهى الجزور.
[ ١ / ٣٩٧ ]
وإن هذا الكلام له وجاهته، وعلى ذلك نذكر أن أذى المشركين أخذ دورين.
الدور الأول: ما كان قبل وفاة أبى طالب، وقد كان أذى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كان بالاستهزاء والسخرية والسب، ولا ينالون منه بغير ألسنتهم، ويقوم بذلك سفهاؤهم كأبى الحكم بن هشام (أبى جهل) وعقبة بن أبى معيط، وغيرهما من سفهاء القوم.
وكان مع ذلك التعذيب والإيذاء البدنى للضعفاء، وغير النبى صلى الله تعالى عليه وسلم مما أدى إلى الهجرة إلى الحبشة مرتين، وكان فيهم كبراء كجعفر بن أبى طالب، وعثمان بن عفان، ولعل هجرتهم كانت لأذى القول والسخرية والاستهزاء.
الدور الثانى: كان بعد وفاة أبى طالب، وهنا اشتد الأذى، وكان الاعتداء بالقول والفعل حتى اضطر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إلى أن يطلب الجوار ليدخل مكة المكرمة، فأجاره مطعم بن عدى.
وإذا كان قد فقد حماية أبى طالب، فقد عوضه الله تعالى بحمايته.
حماية الله تعالي
٢٨٦- روى البخارى بسنده عن ابن عباس، قال: «مر أبو جهل بالنبى صلى الله تعالى عليه وسلم وهو يصلى، فقال: ألم أنهك أن تصلى يا محمد لقد علمت ما بها أحد أكثر ناديا منى، فانتهره النبى ﷺ، فنزل قوله الله تعالى: فَلْيَدْعُ نادِيَهُ. سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ «١»، والله لو دعا ناديه لأخذته زبانيه العذاب.
وروى ابن جرير الطبرى بسنده عن أبى هريرة: هل يعفر محمد ﵊ وجهه بين أظهركم؟ قالوا: نعم: قال: فو اللات والعزى عندما رأيته يصلى كذلك لأطأن على رقبته، ولأعفرن وجهه بالتراب، فأتى رسول الله ﷺ وهو يصلى ليطأ على رقبته، فما فجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه، ويتقى بيديه فقيل له: مالك!! قال إن بينى وبينه خندقا من نار وهولا وأجنحة، فقال رسول الله ﷺ. «لو دنا منى لا ختطفته الملائكة» .
ولقد حدث عكرمة عن ابن عباس ﵄ أنه جرت بين النبى ﷺ ومشركى مكة المكرمة، والرسول ﵊ يدعوهم إلى الله تعالى، ويبين لهم أن الأحجار لا تنفع ولا تضر، وأنها لا تغنى من الله تعالى شيئا، ثم غادر مكانهم، فقام أبو جهل بن هشام فقال:
_________________
(١) سورة العلق: ١٨.
[ ١ / ٣٩٨ ]
«يا معشر قريش، إنه قد أبى إلا ما ترون من عيب ديننا، وشتم ابائنا، وتسفيه أحلامنا وسب الهتنا، وإنى أعاهد الله لأجلسن له غدا بحجر، فإذا سجد فى صلاته، فضخت به رأسه فليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم.
فلما أصبح أبو جهل أخذ حجرا، ثم جلس لرسول الله ﷺ ينتظر، وغدا رسول الله ﷺ وكانت قبلته للشام، فكان إذا صلى، صلى بين الركنين الأسود واليمانى، فجعل الكعبة الشريفة بينه وبين الشام فقام يصلي.
وقد غدت قريش فجلسوا فى أنديتهم ينتظرون، فلما سجد رسول الله ﷺ احتمل، ثم أقبل نحوه، حتى إذا دنا منه رجع منبهتا ممتقعا لونه، مرعوبا، قد يبست يداه على حجره، حتى قذف الحجر من يديه.
رأى رجال قريش الذين غدوا ليروا ما يفعل وما كان به، فقالوا له: ما بك يا أبا الحكم!! فقال:
قمت إليه لأفعل ما قلت لكم البارحة، فلما دنوت منه عرض لى دونه فحل من الإبل، والله ما رأيت مثل هامته ولا قصرته ولا أنيابه لفحل قط، فهم أن يأكلني» .
هذه أخبار رواة ثقات بأسناد صحيحة قوية، وإذا كان فى بعض أسنادها ضعف فالقوى يرفع الضعيف، وحسبنا رواية القوى.
ونحن نرجح ما راه ابن كثير من أن ذلك بعد وفاة أبى طالب، وإن كتب السيرة والأحاديث التى رويت بأسناد صحيحة لا تذكر زمان الوقائع، ولكن تعنى بصدق الوقائع بروايتها عن ثقات أثبات، وإذا كان الزمان غير ثابت، فمن حق المؤرخ الفاحص أن يذكر الأحداث مرتبطة بما يناسبها، وهو الوقت الذى خلا فيه النبى ﷺ من نصرة النسيب القريب الذى الهمه الله تعالى المحبة والذود عن نبيه، ولو كان فى أكثر حياته لم يعلن اتباع النبى ﷺ، حتى إذا قبضه الله تعالى إليه، كانت النصرة لله تعالى واحده الذى لم يضيع عبده ورسوله ساعة من زمان.
المهابة مع المحبة
٢٨٧- كانت حماية الله تعالى لرسالته التى بلغها محمد صلى الله تعالى عليه وسلم قد اقترنت بما أفاض الله عليه من مهابة كانت تظهر فى أوقاتها حيث كان الأذى يشتد، والاستهزاء يكثر، فيذكرهم الله تعالى بأنه لم يترك نبيه لسخريتهم واستهزائهم، فتظهر المهابة الرادعة القاطعة فى وسط سخريتهم، وتطاولهم على مقام النبوة.
[ ١ / ٣٩٩ ]
ولنذكر فى ذلك واقعتين تبينت فيهما مهابة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم التى ألقاها الله تعالى عليه مع محبته ورحمته.
الأولى: قصة الأراشى، وخلاصتها كما روى محمد بن إسحاق بسنده عن عبد الملك بن أبى سفيان الثقفى قال: قدم رجل من أراش بإبل له إلى مكة المكرمة، فابتاعها أبو جهل بن هشام فمطله بأثمانها، فأقبل الأراش حتى وقف على نادى قريش، ورسول الله ﵊ جالس فى ناحية المسجد فقال:
يا معشر قريش هل من رجل يعدينى على أبى الحكم بن هشام، فإنى غريب وابن سبيل، وقد غلبنى على حقي؟
فقال أهل المجلس: ترى ذلك. ويشيرون إلى رسول الله ﵊، يهزؤن به لما يعلمون ما بينه وبين أبى جهل من العداوة. اذهب إليه فهو يعديك عليه.
فأقبل الأراشى، حتى وقف على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فذكر ذلك. فقام معه، فلما رأوه قام معه قالوا لرجل ممن معهم: اتبعه فانظر ماذا يصنع. فخرج رسول الله ﷺ حتى جاءه فضرب عليه بابه. فقال: من هذا؟ قال: محمد فاخرج، فخرج إليه، وما فى وجهه قطرة دم، وقد امتقع لونه، فقال له ﵊: أعط الرجل حقه. قال: لا تبرح حتى أعطيه الذى له،، فخرج إليه بحقه فدفعه إليه، ثم انصرف رسول الله ﷺ، وقال للرجل: ارحل لشأنك. فأقبل الأراشى حتى وقف على ذلك المجلس، فقال: جزاه الله خيرا، قد أخذت الذى لى.
جاؤا إلى الرجل الذى بعثوه معه فقالوا: ويحك ماذا رأيت؟ قال: عجبا من العجب، والله ما هو أن ضرب عليه بابه، فخرج وما معه روحه، فقال: أعط هذا الرجل حقه، فقال: نعم لا تبرح حتى أخرج إليه حقه، فدخل فأخرج إليه حقه.
لم يلبث أن جاء أبو جهل إلى المجلس، فقالوا: ويلك، والله ما رأينا مثل ما صنعت. فقال: ويحكم، والله ما هو أن ضرب على بابى، وسمعت صوته، فملئت رعبا، فخرجت إليه، وإن فوق رأسه لفحلا من الإبل ما رأيت مثل هامته ولا قصرته، ولا أنيابه لفحل قط، فو الله لئن أبيت لأكلنى» .
وإن هذه الواقعة تدل أولا على هيبة النبى ﷺ يستعين بها إذا أراد فى إقامة حق وخفض باطل، ولا يستعين بها فى الدعوة إلى الله تعالى دائما، حتى يكون دائما رؤفا رحيما، والرأفة تلين
[ ١ / ٤٠٠ ]
القلوب، والهيبة إذا استخدمت باستمرار أرهقتها، وأرهبتها، والرسالة تستدعى تأليف القلوب دائما واللين دائما، ولقد قال الله تعالى فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ، وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ «١» .
وتدل ثانيا: على أن أشد الناس سفها، وتهجما على الناس، واستهانة بحقوقهم، وهو فى وسط الجموع هو أشدهم خوفا، وهلعا وفزعا إذا انفرد فهو جبان رعديد، إذا لاقى خصمه وجها لوجه، وإنك لترى الذين يبالغون فى الإيذاء من الحكام وغيرهم أشدهم فزعا، إذا أحسوا بأنهم مرام مقصود، وانفردوا.
فالتهجم من فرط الاندفاع، وهو لا يتنافى مع الجبن، بل إنه يلازمه إذا لاقى الأقوياء.
هذه هى الواقعة الأولى التى أردناها. أما الواقعة الثانية: فهى ما رواه البيهقى بسنده عن عروة بن الزبير قال: قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص: ما أكثر ما رأيت من قريش وما أصابت النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فيما كانت تظهره من عداوة؟ فقال: رأيتهم، وقد اجتمع أشرافهم يوما فى الحجر، فذكروا رسول الله ﷺ، فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط، سفه أحلامنا، وشتم اباءنا، وعاب ديننا، وفرق جماعتنا، وسب الهتنا، وصرنا معه على أمر عظيم.
قال: فبينما هم فى ذلك طلع رسول الله ﷺ، فأقبل يمشى حتى استلم الركن. ثم مر بهم طائفا بالبيت، فغمزوه ببعض القول، فعرفت ذلك فى وجه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فمضى، فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها، فعرفتها فى وجهه صلى الله تعالى عليه وسلم، فمضى فمر بهم الثالثة فغمزوه بمثلها. فقال: «أتستمعون يا معشر قريش، أما والذى نفسى بيده، لقد جئتكم بالذبح» .
فأخذت القوم كلمته، حتى ما منهم من رجل إلا وكأنه على رأسه طائر وقع، حتى إن أشدهم فيه قبل ذلك ليرفؤه، حتى إنه ليقول: «انصرف أبا القاسم راشدا فما كنت بجهول»
انصرف رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، حتى إذا كان الغد اجتمعوا فى الحجر، وأنا معهم (أى عبد الله بن عمرو) قال بعضهم لبعض: ذكرتم ما بلغ منكم، وما بلغكم عنه، حتى إذا بدأكم بما تكرهون تركتموه.
فبينما هم على ذلك طلع رسول الله ﷺ فوثبوا إليه وثبة رجل واحد، فأحاطوا به يقولون: أنت الذى تقول كذا، وكذا، وكذا، لما كان يبلغهم من عيب الهتهم ودينهم، فيقول رسول الله
_________________
(١) سورة ال عمران: ١٥٩.
[ ١ / ٤٠١ ]
ﷺ «نعم أنا الذى أقول ذلك» ولقد رأيت رجلا منهم أخذ بمجامع ردائه، وقام أبو بكر دونه ويقول:
«ويلكم أتقتلون رجلا أن يقول ربى الله» ثم انصرفوا عنه، فإن ذلك لأكبر ما رأيت قريشا بلغت منه قط «١» .
وإن هذه الواقعة تدل أيضا على هيبة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وطاقته النفسية، ولا ينافى هذه الهيبة ما ارتكبوه بعد ذلك من إثم، فإن الهيبة تفرض نفسها عند أول الصدمة، ولا تتنافى مع التدبير لمقاومتها، فقد لقوه فى المرة الأولى. وواجههم بما يكف ألسنتهم عن الغمز والاستهزاء، ويلقى فى قلوبهم الرعب، فأثمر ذلك في نفوسهم، ولما استرجعوا أنفاسهم، واستردوا تفكيرهم الاثم بعد الصدمة التي أوجدتها الهيبة دبروا أمرهم، ثم كانت تلك الحركة التى أخذ فيها بعضهم بمجامع ردائه، وإن ذلك لا ينافى الهيبة التى كانت للنبى ﷺ عندما يعتزم القول وإلقاء المجابهة فى القلب.
ولننزل عن مقام النبى ﷺ إلى من دونه.
فقد كان عمر ﵁ من ذوى الهيبة، ولم تمنع هيبته تدبير اغتياله، وعلى كان على قدر من الهيبة عظيم، بل كان المهوب المرهوب، ولذلك لما دبروا قتله. انتدب له اثنان أنفسهما، وغذى السيف بالسم شهرا ومع ذلك لم تمنع هذه الهيبة، وتلك الرهبة، التدبير والإقدام.
وهكذا نرى أن النبى ﷺ قد حماه ربه من قريش بما منع به شر الأشرار، وبما منحه الله تعالى من قوة نفس، وعزم وصدق.
محمد ﵊ فى الطائف
٢٨٨- ذاق محمد ﷺ ما ذاق من أهل مكة المكرمة من صد عن سبيل الله ومقاومة، وإيذاء له ولأصحابه، وقد بلغ الدعوة فيهم، وكلبوا عليه، ولكن دعوته عامة، وليست لقريش واحدهم بل هى للناس أجمعين، وقد علمها أهل مكة المكرمة، وقاوموها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، ولله فى ذلك حكمة، ولو كانوا أول من يطيعه لقيل أنهم يريدون بذلك السلطان على الناس.
لقد اتجه النبى ﷺ فى سبيل توسيع نطاق الدعوة إلى الطائف التى تقرب من مكة المكرمة، ولها من القوة والسلطان والثروة من الثمار والتجارة ما لمكة المكرمة، وربما يرى فيهم نصرة لم يرها من قريش.
وله فى الطائف نوع رحم، لأنه رضع فى بنى سعد، وهم قريبون من الطائف، ففيهم مراضعه، وحواضنه، وذلك فوق القرب النسبى، فقد كان الطائف بينها وبين مكة المكرمة نحو ١٢٠ (عشرين ومائة) ميلا، وذلك ليس ببعيد فى الشقة فى عرف أهل البلاد الصحراوية.
_________________
(١) البداية والنهاية لابن كثير ج ٣ ص ٤٦.
[ ١ / ٤٠٢ ]
ذهب إلى الطائف فى أخريات شوال من السنة العاشرة، ذهب إلى الطائف ليس لمجرد اشتداد قربه منه كما تذكر كتب السيرة، ولكن ذلك قد يكون بعض الأسباب، وليس أقواها، وإنما لذلك، ولأنه اعتراه ما يشبه اليأس من إيمان قريش، أو من بقى منهم، وما كان له أن يضرب فى حديد بارد، أو أن يقصر دعوته عليهم، وقد غلب عليهم الجدل بالباطل من غير أن يتجهوا إلى الاقتناع، فلا يشغل نفسه بهم، واتجه إلى بلد غير بعيد، وهو الطائف، يرجو منهم الاتباع ومن وراء الاتباع النصرة.
ذهب ﷺ إلى الطائف سعيا على قدميه مع أن المسافة كما قلنا تبلغ نحو عشرين ومائة ميل، ولم يكن معه إلا مولاه زيد بن حارثة الذى أعتقه من قبل، وقد صار له حبيبا ودودا، فلم يكن له خادما، بل كان معينا، وقد ذهب راجلا كما ذكر، قيل لأنه لم يرد أن يعلم أحد بذهابه، وقد يكون ذلك بعض السبب، ولكن نقول إنه كان يجاهد فى سبيل الدعوة، ويبلغ به الجهد والجهاد أقصاهما.
قال ابن إسحاق فى سيرته بسنده لما انتهى رسول الله ﷺ إلى الطائف عمد إلى نفر من ثقيف هم يومئذ سادة ثقيف وأشرفهم، وهم إخوة ثلاثة. عبد ياليل بن عمرو بن عمير، ومسعود بن عمرو بن عمير وحبيب بن عمرو بن عمير، وابن عوف بن عقدة بن عوف بن ثقيف» «١» .
التقى بهؤلاء الذين كانوا يعدون من أشرافهم، لمكانة أبيهم فى ثقيف.
وقد كانت هذه الرحلة النبوية إلى ثقيف غير محققة الاستجابة، ولكنها كانت جهادا فى سبيل الدعوة من صاحبها.. ولنذكر لك المجاوبة التى كانت بين النبى ﵊ ومن تحدث إليهم من أولاد عمرو بن عمير.
جلس رسول الله ﷺ إلى أولاد عمرو بن عمير، فدعاهم إلى الله تعالى، وبما جاءهم له من نصرته ﵊، والقيام معه على من خالفه من قومه، فأجابوه بنكر من القول.
قال أحدهم: وهو يمرط ثياب الكعبة الشريفة، (أى أنه ينزع كساء الكعبة) إن كان الله تعالى أرسل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ينزع ثياب الكعبة الشريفة. وكأنه يسخر بالرسول ﵊، ويعلق علي إرسال النبى ﷺ من الله تعالى أن ينزع هو ثياب الكعبة الشريفة، وذلك مستحيل لقدسيتها.
وقال الثانى: أما وجد الله أحدا يرسله غيرك!!
وكأنه يستنكر أن يكون هو الرسول ﵊.
_________________
(١) سيرة ابن هشام ج ١، ٢ ص ٤١٩.
[ ١ / ٤٠٣ ]
وقال ثالثهم: لئن كنت رسولا من الله، كما تقول لأنت أعظم خطرا من أن أرد عليك، وإن كنت تكذب على الله ما ينبغى لى أن أكلمك.
كان الرد كله تهكما واستهزاء، فرأى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أنه لا استجابة منهم، ويئس منهم وأنهم اشتروا الضلالة بالهدى.
وإذا كانوا غير مستجيبين لدعوة الله تعالى فإنه قد يكون فيهم مروءة. فرأى ﵊ أن يخفوا مجيئه إليهم، وكره أن يبلغ قومه فيدثرهم أى يثيرهم، ولكنهم للؤمهم لم يخفوا أمره، بل أعلنوه، بل أغروا بالنبى صلى الله تعالى عليه وسلم سفهاءهم، وعبيدهم، يسبونه ويتصيحون به، حتى اجتمع الناس عليه.
وقد روى موسى بن عقبة أنه قعد له أهل الطائف صفين على طريقه، فلما مر جعلوا لا يرفع رجليه ولا يضعهما إلا رضخوهما بالحجارة، حتى أدموه، فمضى، وهما يسيلان دما» «١» .
عاد النبى صلى الله تعالى عليه وسلم من تلك الرحلة الشاقة لقوم لئام، لم يذوقوا معنى المروءة، ولم يعرفوا الكرامة الإنسانية فى أى صورة من الصور الادمية.
أشد البلاء ما يثير عطف العدو اللدود، وقد أثار ما فعل أولئك اللئام عطف ابنى ربيعة عتبة وشيبة اللذين اشتركا من قبل فى إيذاء النبى صلى الله تعالى عليه وسلم. فقد كان لهما بستان قريب من الطائف، قد اوى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إلى ظل شجرة من أشجاره.
لقد تحركت الرحم فى ابنى ربيعة، فبعثا غلاما لهما يقال له عداس بقطف من العنب للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ليتبلغ به، وذلك من الكرم القرشى.
عداس والنبى ﷺ:
٢٨٩- كان عداس نصرانيا، فذهب بالقطف الذى كان فى طبق، وقدمه للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم فابتدأ صلى الله تعالى عليه وسلم أكله بقوله: «باسم الله» فنظر إليه عداس، وتفحص فى وجهه ثم قال: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد. فقال له النبى صلى الله تعالى عليه وسلم:
ومن أى البلاد أنت عداس وما دينك؟ قال: نصرانى، ومن أهل نينوى، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: من قرية الرجل الصالح يونس بن متى. فقال عداس: وما يدريك ما يونس بن متى!؟ فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ذلك أخى، كان نبيا وأنا نبى.
_________________
(١) البداية والنهاية ج ٣ ص ١٣٦.
[ ١ / ٤٠٤ ]
أكب عداس بن مالك على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقبل رأسه ويديه وقدميه.
رأى ابنا ربيعة ما كان من الفتى النصرانى. فلم يلن ذلك قلبهما للإسلام، فقال أحدهما لصاحبه:
أما غلامك فقد أفسده عليك.
لما عاد إليهما عداس قالا له: ويلك يا عداس، مالك تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه؟!
قال: يا سيدى، ما فى الأرض شيء خير من هذا، لقد أخبرنى بأمر لا يعلمه إلا نبى.
قالا له: ويحك يا عداس لا يصرفنك عن دينك، فدينك خير من دينه.
كانت العاطفة الكريمة، ومعها ذلك الضلال المبين، وإن كان الحق واضحا، جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم، فكان الطغيان، وكان الكفران وكان الضلال.
دعاء، وعفو، وإجارة:
٢٩٠- أحس الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم بالجفوة، ومرارة الأذى من هؤلاء اللؤماء، وبما أرادوا له من مهانة، فلم يجد مثابة إلا فى أن يلجأ إلى ربه ضارعا، فقال دعاءه لربه وكان بعد أن غادر ابنى ربيعة، ورأى ما رأي من عداس بن مالك، واطمأن قال:
«اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهوانى على الناس يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربى، إلى من تكلني، إلى بعيد يتجهمنى، أم إلى عدو ملكته أمرى، إن لم يكن بك غضب على فلا أبالى، ولكن عافيتك هى أوسع لى، أعوذ بنور وجهك الذى أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والاخرة من أن تنزل بى غضبك، أو يحل على سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك» .
دعاء منبعث من نفس مكلومة ولكنها راضية، لأنها تقوم بأعظم دعوة فى الوجود، فيهون فى سبيلها كل أمر مهما يكن عنيفا، وكل شديدة مهما تكن بالغة، فهو يقبل ما قدره الله تعالى وما يرضاه، ولا يهمه إلا غضب الله تعالى عليه وما دونه يهون.
استجاب الله تعالى لدعائه ﵊، وبين له أنه معه، وقد ثبت فى الصحيحين أن أم المؤمنين عائشة حدثت أنها قالت لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: هل أتى عليك يوم كان أشد عليك من يوم أحد؟ قال: ما لقيت من قومك إذ عرضت نفسى على ابن عبد ياليل.. فلم يجبنى إلى ما أردت، فانطلقت، وأنا مهموم، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسى، فإذا أنا بسحابة قد أظلتنى، فنظرت، فإذا فيها جبريل ﵇ فنادانى، فقال. «إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا به
[ ١ / ٤٠٥ ]
عليك، وقد بعث لك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، ثم نادانى ملك الجبال، فسلم على ثم قال:
يا محمدﷺ- قد بعثنى الله، إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال قد بعثنى إليك ربك لتأمرنى ما شئت، إن شئت فأطبق عليهم الأخشبين (جبلين بمكة المكرمة) فقال رسول الله ﷺ «أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله» «١» .
استجاب الله تعالى لدعاء نبيه، وقد ذكر فى دعائه ضعف قوته، فبين الله تعالي بأنه يضع في يده كل القوى، وأنه لا يمكن أن يهون عند الناس، والله تعالى معه، وأنه لم يتركه لعدو، ولا ولى، بل إن أمره ﵊ إلى الله سبحانه. وهو القاهر فوق عباده. فمن كان مع الله تعالى لا يهون أبدا.
سماع الجن له:
٢٩١- كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم حفيا بأن يتبع الناس دعوة الحق، ويؤمنوا بالله ورسوله ويتركوا عبادة الأوثان، وكما قال الله تعالى مخاطبا نبيه الكريم لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ «٢» ولقد شكا أن قومه لا يتبعون، وأن غيرهم كمثلهم، فبين الله تعالى أنه إذا كان الذين اتبعوه من قومه عددا قليلا، فإن له أتباعا من الجن، فبين الله تعالى أن بعض الجن قد استمعوا، واستجابوا ولم يكفروا فقال تعالى مخبرا عن سماعهم فيما يروى الرواة بعد خروجه من الطائف، وما نزل به، قال الله ﷾: وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ. قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ. يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ. وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ، وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ «٣» .
وقال الله تعالى فى سورة الجن: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا. يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَدًا. وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَدًا. وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا. وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا. وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقًا «٤» .
_________________
(١) البداية والنهاية: ٣ ص ١٣٧.
(٢) سورة الشعراء: ٣.
(٣) سورة الأحقاف: ٢٩- ٣٢.
(٤) سورة الجن: ١- ٦.
[ ١ / ٤٠٦ ]
والجن كما تدل ظواهر القران الكريم وما روى من أخبار عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم جنس يقابل الإنسان، فليس الجن من الأناسى، ولا يتفق مع القران الكريم قول من يقول إنهم طائفة من الناس غيبوا فى الأرض، أو بعدوا فيها. ولقد أخطأ وجانب الصواب من يقول أنهم الأنصار فذلك كلام باطل بالبداهة، ولكن تبع الغربيين بعض الذين ليس لهم استقلال فكرى أمام ما يقوله الغربيون، وليست عندهم طاقة يستطيعون بها تمييز ما هو حق وما هو باطل، وما هو خطأ وما هو صواب.
إن كل عبارات القران الكريم تصرح بأنهم جنس مقابل للإنس، وايات الكتاب الكريم فى ذلك كثيرة، من ذلك قوله الله تعالى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا، يا مَعْشَرَ الْجِنِّ، قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ، رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ، وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا، قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ، إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ.
وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ. يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي، وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا، قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ «١» .
وإن هذه الايات الكريمات تدل بصريحها على أن الجن جنس، والإنس جنس اخر.
ويقول الله تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ، وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا «٢» .
واقرأ قوله الله تعالى: يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا، لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ «٣» .
وإننا نأخذ من صريح هذه النصوص اختلاف الجنسين، فليس الإنس من الجن، ولا الجن من الإنس، وإن الواجب أن نأخذ بظواهر الألفاظ إلا إذا قام الدليل على أن الكلام على ظاهره مناقض لحقيقة شرعية قد علمت من الدين بالضرورة، أو أمر عقلى مستحيل مخالفته.
وأولئك الذين يريدون أن يخرجوا لفظ الجن عن ظاهره فى القران الكريم هم من أولئك الذين لا يفكرون فى غير المحسوس، فلا يؤمنون إلا بالمادة، ولا يؤمنون بالغيب، وهو الركن الأول للإيمان، ولذلك كان أول وصف للمؤمنين هو الإيمان بالغيب، إذ يقول الله ﷾: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وفيصل التفرقة بين الإيمان والزندقة الإيمان بالغيب.
وبعد ذلك نتساءل: ما حقيقة الجن؟ والجواب عن ذلك أننا نميل إلى ما يقرره المسلمون. وهو أن الجن من نار، واعتمدوا فى ذلك على نص القران الكريم، لا على الأوهام، وذلك لأن الله تعالى قال
_________________
(١) سورة الأنعام: ١٢٨- ١٣٠.
(٢) سورة الإسراء: ٨٨.
(٣) سورة الرحمن: ٣٣.
[ ١ / ٤٠٧ ]
عن إبليس اللعين كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ولما أبى واستكبر ولم يسجد لادم، قال فيما حكى الله ﷾ عنه: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ «١» وبالتقاء النصين الكريمين يثبت أن إبليس بصريح اللفظ كان من الجن، وأن الجن خلق من نار.
هذا كما يدل عليه صريح القران الكريم.
وإن سماع الجن وإيمان بعضهم تسلية للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، إذ فيه بيان أنه إذا كان قد بطؤت الإجابة فى الإنس فقد سارعت الجن إلى الإجابة فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ «٢» .
فى جوار المطعم بن عدى
٢٩٢- كان لابد أن يعود النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إلى مكة المكرمة مهبط الوحى، ومجتمع العرب فى موسم الحج، لأن الخطة التى رسمها وابتدأ بها فى الطائف تقتضى العودة إلى مكة المكرمة، وتلك الخطة أن يتصل بالقبائل العربية فى أثناء اجتماع وفود القبائل فى الحج إلى بيت الله الحرام.
هم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بالرجوع إلى مكة المكرمة، وهو عند حراء، وكان معه زيد بن حارثة الذى صحبه فى هذه السفرة فخشى على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وطلب بألا يرجع إلا فى جوار أحد من سادة مكة المكرمة المشركين، حتى لا يضار.
فنزل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عند مشورته، فأرسل إلى الأخنس بن شريق أن يجيره بمكة المكرمة. فقال إنه حليف قريش لا يجير على صحيحها.
ثم بعث الرسول ﵊ إلى سهيل بن عمرو ليجيره، فقال: إن بنى عامر بن لؤى لا تجير على كعب بن لؤى.
ثم بعث الرسول ﵊ إلى المطعم بن عدى ليجيره، فقال للرسول: نعم، قل له فليأت، فذهب إليه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فبات عنده تلك الليلة.
ثم لما أصبح خرج معه وبنوه ستة- أو سبعة- على اختلاف الرواية- متقلدو السيوف جميعا، فدخلوا المسجد، فقال لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: طف. واحتبى هو وأولاده بحبائل سيوفهم فى المطاف.
كان ذلك إعلانا قويا بهذا الجوار الكريم، فجاء أبو سفيان بن أمية بن عبد مناف، وأقبل على مطعم بن عدى فقال: أمجير أم تابع؟ قال: بل مجير، فقال: إذن لا تخف.
_________________
(١) سورة الأعراف: ١٢.
(٢) سورة المائدة: ٢٦.
[ ١ / ٤٠٨ ]
وكأن أبا سفيان بهذا السؤال يشير إلى أنه إن كان تابعا فهو حرب مع النبى ﵊ ينال ما نال أتباع النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وإن كان مجيرا فإنه تحفظ ذمته، لأنه منهم، ولا يفرضون فيه العداوة أو الخصومة.
ومن هذا تعرف رحمة الله تعالى فى أن أبا طالب لم يعلن إسلامه مع حمايته للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، إذ أنه لو أعلن الإسلام لحاربوه مع من اذوا من أتباع النبى صلى الله تعالى عليه وسلم الذين لم يرعوا فيهم إلا ولا ذمة.
انشقاق القمر
٢٩٤- قلنا إن الأمور التى كانت بعد الدعاء المحمدى كانت استجابة لهذا الدعاء وإبعادا للوحشة عن قلبه الطاهر، فمجيء ملك الجبال كان لإشعاره ﵊ بالقوة، وقد شكا ضعف قوته، وسماع الجن للقران الكريم وإيمان بعضهم كان لإيناسه ﵊ بكثرة الأتباع، ثم كان تسهيل الجوار ليدخل مكة المكرمة ويكمل دعوته، فيه إثبات سعة الحيلة للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، هداه الله تعالى إليها لكى يذهب بقلة حيلته التى شكاها رسول الله ﵊.
وكانت من بعد ذلك الايات الحسية، التى كان منها انشقاق القمر، والإسراء والمعراج. لبيان أن الله تعالى لم يتركه ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى «١» .
وقد ذكرنا أن كتاب السيرة لم يذكروا الأخبار مرتبة بترتيب الوقائع، وقد ذكروا انشقاق القمر بعد الإسراء والمعراج، ونحن قد رجحنا كما رجح ابن كثير أن الإسراء كان بعد وفاة أبى طالب وخديجة أم المؤمنين ﵄، إذ أنها توفيت قبل أن تفرض الصلوات الخمس والصلوات لم تفرض خمسا إلا فى المعراج.
وقد ذكر بعد المعراج انشقاق القمر، وإن المناسبة تزكى ذلك الترتيب فإن ذلك تقوية للاستدلال على صحة الرسالة، وإن كان القران الكريم هو المعجزة الكبرى التى تحدى بها النبى صلى الله تعالى عليه سلم، وعده ﵊ المعجزة.
ولندخل من بعد للموضوع، وهو انشقاق القمر. لقد قال الله تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ «٢»، ويقول فى ذلك ابن كثير: «وقد أجمع المسلمون على وقوع ذلك فى زمنه عليه
_________________
(١) سورة الضحى: ٣.
(٢) سورة القمر: ١.
[ ١ / ٤٠٩ ]
الصلاة والسلام، وجاءت بذلك الأحاديث المتواترة من طرق متعددة تفيد القطع عند من أحاط بها ونظر فيها، ونحن نذكر من ذلك ما تيسر إن شاء الله تعالى، وبه الثقة وعليه التكلان، ويذكر من بعد ذلك الحافظ الحجة ابن كثير الأخبار الصحاح الواردة فى ذلك.
وقبل أن نختار من هذه الصحاح ما نراه أوضح من غيره دلالة، نقول إن انشقاق القمر ثبت بلفظ الماضى مما يدل على حكاية الواقع، لا ذكر المتوقع، فإن اللفظ القرانى يؤخذ بظاهره ما لم توجد قرينة من حقيقة ثبتت بالإجماع والعلم الضرورى، أو من قضايا العقل المبثوثة التى لا مجال للريب فيها، أما تأويل القران الكريم، وإخراجه عن ظاهره باستبعاد بعض ذوى العقول المأفونة أو المتأثرة بالمألوف بين الناس، وتنكر ما عداه، ولا تعلم أن هناك قوة مغيرة محدثة منشئة هى قدرة الله تعالى وإرادته التى توجب الإيمان بالله تعالى فعالا لما يريد، مختارا فيما يفعل، وأنه واحده خالق كل شيء، خلق الأسباب والمسببات، لا توجب إرادته أسبابا عادية لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ «١» .
وعلى ذلك نقرر أنه وقع فى الماضى فى عصر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، لأن قول الله تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ عبر عن انشقاق القمر بلفظ الماضى الدال على الوقوع فى زمن مضي، وتخريجها على أن الماضى أريد به المضارع، وأنه سينشق، تخريج للفظ بغير ظاهره الذى دل عليه القران الكريم بظاهره، لابد له من مسوغ يوجب ذلك التخريج، ويكون قرينة دالة على أن اللفظ أريد به غير ظاهره.
٢٩٤- هذا ما يدل عليه ظاهر القران الكريم، وهو فى ذاته حجة دالة على الوقوع لا يحتاج إلى حجة أخرى تؤيده فهو يؤيد غيره، ولا يستمد التأييد من غيره، ولكن السنة تبين لنا كيف وقع لا أصل الوقوع، فنحن نرجع إلى السنة لبيان شكل الوقوع.
لقد ذكر الحافظ ابن كثير أن الوقوع، أو شكل الوقوع يثبت بعدة طرق عن كثيرين من الصحابة، فروى عن أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وجبير بن مطعم، وحذيفة، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس رضى الله تعالى عنهم أجمعين.
روى البخارى ومسلم أن أهل مكة المكرمة سألوا النبى صلى الله تعالى عليه وسلم اية فانشق القمر، فانشق القمر بمكة مرتين، وفى رواية لمسلم عن قتادة عن أنس بن مالك أن أهل مكة المكرمة سألوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن يريهم اية فأراهم القمر شقتين، رواه البخارى، وزادت روايته حتى رأوا حراء بينهما.
وبذلك تفسر كلمة مرتين بأنه صار فرقتين.
_________________
(١) سورة الأنبياء: ٢٣.
[ ١ / ٤١٠ ]
وروى الإمام أحمد عن جبير بن مطعم قال: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله تعالي عليه وسلم، فصار فرقتين، فرقة على هذا الجبل، وفرقة على هذا الجبل، فقالوا: سحرنا محمد، وقالوا إن كان سحرنا، فإنه لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم.
وروى البخارى عن ابن عباس، قال إن القمر انشق فى زمان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وقد قال البخارى قد مضى ذلك كان قبل الهجرة انشق القمر، حتى رأوا شقيه.
ويقول ابن عباس فيما روى عنه أبو نعيم بسنده: «اجتمع المشركون إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم منهم الوليد بن المغيرة وأبو جهل بن هشام، والعاص بن وائل، والعاص بن هشام
ونظراؤهم فقالوا للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم: إن كنت صادقا فشق لنا القمر فرقتين، نصفا على أبى قبيس، ونصفا على قيقعان، فقال لهم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم تؤمنون؟ قالوا نعم، فسأل الله ﷿ أن يعطيه ما سألوا، وكانت ليلة بدر، فأمسى القمر قد شق نصفا على أبى قبيس، ونصفا على قيقعان» .
وهكذا تضافرت الروايات، وهذا بعضها يدل على أن القمر شق، وكان شقين، وكان القمر بدرا، وعينت بعض الروايات أنه كان فى الليلة الرابعة عشرة، وليس لأحد أن يشك في هذه الروايات التى يسند بعضها بعضا، حتى ادعى ابن كثير أن أخبار انشقاق القمر فى عصر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بلغت حد التواتر، وأنه لم يعد ثمة مساغ لمستريب، ولا مجال للتكذيب، وخصوصا أن الأصل ثابت بظاهر القران الكريم الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولكن الذين ينكرون يستغربون ثم يؤولون، إن كان للإيمان بالقران بقية فى قلوبهم.
٢٩٥- إن الذين يستغربون، ثم ينكرون، ويؤولون إن كانوا مسلمين يردون أن ذلك لو حصل وهو أمر كونى لكان مرئيا فى كل بقاع العالم. ولم يختص العرب برؤيته، بل تعم ولا تخص، وقد ردد ذلك النصارى من كتاب المشرقيات ونقله عنهم الذين يتعرفون أمور الإسلام من هؤلاء.
ونقول لعلماء الغرب الذين يشككون فى القران الكريم: لقد صدقتم ما هو أشد من ذلك غرابة، فإن الأناجيل التى يصدقونها، ويؤمنون بكل ما فيها يقولون فى ميلاد المسيح ﵇ أنه علم ميلاده عند المجوس بنجم أعلمهم، وأنهم جاؤا من بلادهم، والنجم يسير أمامهم، حتى علموا مكانه عن طريق النجوم، فهل كان الناس كلهم قد رأوا ذلك، كما تطالبون المسلمين بأن يثبتوا أن الناس جميعا قد رأوا انشقاق القمر، وإلا فهم فى حل من أن يكذبوا القران الكريم: كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ، إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا «١» .
_________________
(١) سورة الكهف: ٥.
[ ١ / ٤١١ ]
ومع ذلك فإننا نقبل الاعتراض، وإن كانوا غير مخلصين، ولا مؤمنين بما يقولون. ونقول فى رده إن العرب المشركين عندما رأوا القمر قد انشق، لم يؤمنوا وقالوا: سحرنا محمد- وحكى الله تعالى عنهم ذلك، فقد قال الله تعالى في واقعة انشقاق القمر: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ. وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا، وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ «١» .
وبعضهم أراد أن يتعرف، وانتهى تعرفه بأن الناس الذين علموا أمره من غير المقيمين قد رأوه منشقا.
فقد روى الإمام أحمد، والشيخان البخارى ومسلم عن ابن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقالت قريش: هذا سحر ابن أبى كبشة، فقالوا: انظروا ما يأتيكم به السفار، فإن محمدا لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم.
وروى البيهقى مثل ذلك عن عبد الله بن مسعود أيضا، فقد قال: انشق القمر بمكة المكرمة حتى صار فرقتين، فقال كفار قريش لأهل مكة المكرمة: هذا سحر سحركم به ابن أبى كبشة، انظروا السفار، إن كانوا رأوا ما رأيتم فقد صدق، وإن كانوا لم يروا مثل ما رأيتم، فهو سحر سحركم به، قال فسئل السفار ومن قدموا من كل وجهة، فقالوا: رأينا.
من هذه الصحاح يتبين أن الرؤية كانت عامة، ولم تكن مختصة بإقليم ولا ببلد، وقد تحرى أهل الفحص والنظر فرأوا أن قد رؤى فى كل الأماكن التى كانت تجاورهم. أو أتى فيهم السفر بخبره، فدل هذا على أن الرؤية كانت عامة، والقران الكريم صادق وأخبار النبى صلى الله تعالى عليه وسلم صادقة من كل الوجوه ولا سبيل لإنكارهم بتوهم متوهم، أو استغراب مستغرب، فأمارات الصدق قائمة بينة، ولا يرد الأمر البين بتوهم واهم، أو استغراب مستغرب، أو إنكار كافر جحود.
وفوق ذلك، فإنه جاءت الأخبار بأن انشقاق القمر قد رؤى فى الهند، قال المؤرخ ابن كثير:
ومع ذلك فقد شوهد ذلك فى كثير من بقاع الأرض. ويقال: إنه أرخ بذلك فى بعض بلاد الهند. وبنى بناء فى تلك الليلة، وأرخ بليلة انشقاق القمر «٢» .
_________________
(١) سورة القمر: ١، ٢.
(٢) البداية والنهاية لابن كثير ج ٣ ص ١٢٠.
[ ١ / ٤١٢ ]
الإسراء والمعراج
٢٩٦- كان الإسراء فى السنة التى كانت قبل الهجرة، وروى البيهقى عن ابن شهاب الزهرى أنه كان فى السنة التى قبل الهجرة، وروى الحاكم أن الإسراء كان قبل الهجرة بستة عشر شهرا.
واختلف على ذلك فى الشهر الذى أسرى به فيه، فالسدى قال أنه فى ذى القعدة، والزهرى قال فى ربيع الأول.
وروى عن جابر وابن عباس أنهما قالا: ولد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ليلة الاثنين الثانى عشر من شهر ربيع الأول، وفيه بعث، وفيه عرج إلى السماء، وفيه هاجر، وفيه مات.
وفى رواية أن الإسراء كان فى ليلة السابعة والعشرين من شهر رجب، ويقول ابن كثير: «وقد اختاره الحافظ بن سرور المقدسى، وقد أورد حديثا لا يصح سنده كما ذكرنا فى فضائل شهر رجب، وأن الإسراء كان فى ليلة السابعة والعشرين من رجب والله أعلم. ومن الناس من يزعم أن الإسراء كان فى أول ليلة جمعة من شهر رجب، وهى ليلة الرغائب التى أحدثت فيها الصلاة المشهورة، ولا أصل لذلك، والله أعلم.
وقد جاء في نهاية الأرب أن الإسراء كان في ليلة السبت، ليلة سبع عشرة من رمضان، قبل الهجرة بثمانية عشر شهرا، وقد أسرى ﷺ به وسنه إحدى وخمسون سنة وتسعة أشهر!!
وننتهي من هذا إلى أن علماء السيرة النبوية مختلفون في تعيين اليوم الذي كان فيه الإسراء، ولكن الواقعة ثابتة. وقد اتفقوا علي أنها كانت بعد ذهاب النبي صلي الله عليه وسلم إلى الطائف، وردهم له الرد المنكر، وأن كونها فى ليلة السابع والعشرين من رجب ثبتت بخبر لم يصح سنده في نظر الحافظ المحدث ابن كثير، وقال من بعد ذكره: والله ﷾ أعلم.
وقد وجدنا الناس قبلوا ذلك التاريخ، أو تلقوه بالقبول، وما يتلقاه الناس بالقبول ليس لنا أن نرده، بل نقبله، ولكن من غير قطع ومن غير جزم ويقين.
واتفقت الروايات أيضا علي أن الإسراء كان قبل الهجرة بسنة على الأقل، ويظهر أنها كانت فى السنة التى قبل الهجرة فى ثلثها الأول أو الأخير. والله ﷾ أعلم.
[ ١ / ٤١٣ ]
ومن سياق التاريخ ومناسبات الحوادث نرى أن الإسراء كان بعد انشقاق القمر.
٢٩٧- وهنا قد يسأل السائل: ما المناسبة لمسألة الإسراء والمعراج، وتعيين الله تعالى لزمانها، والله ﷾ حكيم عليم، يضع الأمور بموازينها وفى أوقاتها، وأجلها المعلوم، ولنا أن نتعرف حكمة الله تعالى من غير أن نقطع بأن هذا هو مراد الله تعالي، فهو العليم الخبير الذى لا تخفى عليه صغيرة أو كبيرة فى السماء أو فى الأرض.
ونجيب عن هذا التساؤل بما قررنا، وهو أن الله ﷾ استجاب لنبيه صلى الله تعالى عليه وسلم فى ضراعته بالدعاء الذى دعا ربه عقب خروجه من الطائف، وشكا ضعف قوته، أمده الله تعالى بالقوة، وقلة الحيلة فأمده بحسن التدبير لدخول مكة المكرمة امنا مطمئنا، وأيده باية حسية من نوع ما يطلبون، وإذا كانوا لم يستجيبوا لداعى الله تعالى، فلأن المعاند لا يقنعه الدليل، ولو كان حسيا، فقالوا:
سحرنا، مع أن انشقاق القمر رأته الركبان فى أسفارها، ثم كان من بعد ذلك الأنس بلقاء الله تعالى فى المعراج، سواء أقلنا أن لقاءه بالله تعالى، كان بالروح فى الرؤيا، أم كان بما هو أكثر من الرؤيا «١»؟.
لقد أحس النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بالوحشة بعد وفاة الحبيبين، خديجة العطوف، وأبى طالب الشفيق. فقال الله تعالى له بالفعل: أنس الله أكبر، ورحمته أعظم، وحياطته أكرم، وإن عنايته بك وبرسالتك هى التى ستبلغك أمرك، وتحقق لك شأوك، وتصل بك إلى غايتك، وهو المهيمن الرؤف الرحيم، لذلك كان الإسراء، ومن بعده عروجه إلى السماء.
٢٩٨- والان ننتقل إلى الايات الكريمات التى صرحت بالإسراء، ثم كانت الإشارة الواضحة إلى المعراج، قال الله تعالي: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا. إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ «٢» . ففى هذا النص ذكر الإسراء صريحا، وكانت الإشارة إلى المعراج بقوله تعالى: لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا.
وقال الله تعالى: وَإِذْ قُلْنا لَكَ: إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ، وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ، وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيانًا كَبِيرًا «٣»
فقد ذكر المفسرون أن الرؤيا هى المعراج.
وقال الله تعالى فى سورة النجم: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى. ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى.
وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى. عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى. ذُو مِرَّةٍ
_________________
(١) السيرة العطرة للأستاذ عبد العزيز خير الدين، ونهاية الأرب ج ١٦ ص ٢٨٣، ٢٨٤.
(٢) سورة الإسراء: ١.
(٣) سورة الإسراء: ٦٠.
[ ١ / ٤١٤ ]
فَاسْتَوى. وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى. ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى. فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى. فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى. ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى. أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى، وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى. عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى. عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى. إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى. ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى. لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى «١» . ولقد قرر المفسرون أن هذه الايات نزلت فى المعراج، وإن ذلك لواضح، وإذا كانت العبارات السابقة لم تصرح بالعروج إلى السموات العلا فإن الإشارات واضحة تكاد تكون تصريحا، والإشارات الواضحة فى قوة الدلالة تكون كالألفاظ الصريحة.
وقد قال بعض علماء السيرة أن الإسراء بالنبى صلى الله تعالى عليه وسلم ابتدأ من شعب أبى طالب، وإن كان السند فى ذلك صحيحا، فإنه يشير إلى أن أبا طالب قد مات، وأن مهمته قد انتهت، وأن الله تعالى وهو الباقى الدائم. الأول الاخر والظاهر والباطن به تكون النصرة الدائمة المتجددة فى الشدائد ولكن الثابت فى البخارى أنه ابتدأ من الحطيم بالمسجد الحرام.
الإسراء بالجسم:
٢٩٩- إن ظاهر الاية القرانية التى أثبتت الإسراء وهى قوله تعالى: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أن الإسراء كان بالجسد والروح، وذلك لأنه ﷾ قال أسرى بعبده، والعبد هو الروح والجسد، ومادام الظاهر لا دليل يناقضه من عقل أو نقل، فإنه يجب الأخذ به فإنه من المقررات أن الألفاظ تفسر بظاهرها إلا إذا لم يمكن حملها على الظاهر للمعارض، ولا معارض.
وفوق ذلك فإن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عندما أعلن خبر الإسراء بين قريش ففتن بعض الذين أسلموا وارتد من ارتد، ويقول فى ذلك ابن كثير فيما رواه عن قتادة «انصرف رسول الله ﷺ إلى مكة المكرمة، فأصبح يخبر قريشا بذلك، فذكر أنه كذبه أكثر الناس. وارتدت طائفة بعد إسلامها، وبادر الصديق إلى التصديق، وذكر أن الصديق سأله عن صفة بيت المقدس، وقال إنى لأصدقه فى خبر السماء بكرة وعشيا، أفلا أصدقه فى بيت المقدس، فيومئذ سمى أبو بكر الصديق.
وأنه روى أنه عند مروره صلى الله تعالى عليه وسلم على عير لقريش فند بعير لهم نافرا، فأرشدهم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إلى مكانه، وقد أخبروا أهل مكة المكرمة بذلك «٢»» .
وانه روى أن أهل مكة المكرمة الذين ردوا القول استوصفوه عيرا لهم فوصفها، وقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم فى إخبارهم، والاستدلال على صدقه: «واية ذلك أنى مررت بعير بنى فلان بوادى كذا وكذا، فأنفرهم حس الدابة «٣» فند لهم بعير، فدللتهم عليه، وأنا متوجه إلى الشام، ثم أقبلت، حتى
_________________
(١) سورة النجم: ١- ١٨.
(٢) الروض الأنف ح ١ ص ٢٤٤.
(٣) هى البراق الذى سنذكر الروايات عنه من بعد.
[ ١ / ٤١٥ ]
إذا كنت بضحنان مررت بعير بنى فلان، فوجدت القوم نياما، ولهم إناء فيه ماء، قد غطوا عليه بشيء، فكشفت غطاءه، وشربت ما فيه، ثم غطيت عليه كما كان، واية ذلك أن عيرهم تصوب الان من ثنية التنعيم «١» البيضاء يقدمهم جبل أورق عليه غرارتان، إحداهما سوداء، والاخرى برقاء، فابتدر القوم الثنية..
وسألوهم عن الإناء وعن العير فأخبروهم، كما ذكر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم.
وإن هذا كله يدل على أن الإسراء كان بالروح والجسد، فإنه تلاقى مع المارين بين مكة المكرمة والشام وأخبر عن التلاقى، وصدق خبره ﵊، وإذا كانت بعض هذه الروايات فى إسنادها كلام، فإن بعضها يقوى الاخر، ونص القران الكريم ظاهر فى تأييد الدعوى، بل لا يدل على غيرها حتى يقوم الدليل.
ولو كان الإسراء بالروح أو الرؤيا الصادقة ما كانت ثمة غرابة تمنع التصديق، ولبادر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بإخبارهم أن ذلك رؤيا فى المنام، أو هذا وحى أوحى به إليه.
ولقد كان بجوار هذا القول الذى تنطق به الاية الكريمة قول اخر، روى عن أم المؤمنين عائشة رضى الله ﵎ عنها وعن أبيها الصديق ﵁، وروى أيضا عن معاوية بن أبى سفيان، وقد كان إبان ذلك هو وأبوه من المكاذبين الذين يناوئون الدعوة، ولكن لعله نقل عن غيره ممن شاهدوا، وعاينوا، كما نقلت عائشة عن غيرها، وما كانت فى ذلك الإبان قد زفت إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم.
وقد كان معاوية مسلما من بعد أم المؤمنين عائشة ﵂ وعن أبيها الصديق، واحتج بقول عائشة هذا، وقد أثر عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أنه أمر بأن يؤخذ الدين عن عائشة.
ولكن الخبر عنها يحمل فى نفسه ما يوهم عدم صدقه عنها، ففيه: أنها قالت: «لم تفقد بدنه» وأن ذلك يوهم أنها كانت معه فى مبيت واحد، مع إجماع المؤرخين والمحدثين على أنه لم يبن بها إلا فى المدينة.
وقد استدل أصحاب هذا القول بما روى الحسن البصرى عن أن قول الله تعالى: وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ «٢» وقالوا إن الرؤيا هى ما كان فى ليلة المعراج، والرؤيا هى ما يكون فى المنام، كما حكى عن سيدنا يعقوب: أنه قال لابنه يوسف بعد أن قص عليه ما راه فى المنام: لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ.
_________________
(١) هو مكان فى مدخل مكة.
(٢) سورة الإسراء: ٦٠.
[ ١ / ٤١٦ ]
وجاء فى كتاب البصائر للفيروزبادى: «الرؤيا ما رأيته فى منامك، والجمع رؤى كهدى، وقد تخفف الهمزة من الرؤيا، فيقال بالواو» «١» وهذا وغيره نصوص صريحة فى أن الرؤيا منامية.
ولكن أهى كانت فى الإسراء أم كانت فى المعراج؟ إن رواية الحسن ﵁ تقول: هى ما كان فى ليلة المعراج، نعم أن الليلة كانت واحدة، ولكن النص على ليلة المعراج يدل على أن كلام الحسن ومن معه فى المعراج لا فى الإسراء.
ويستدل أصحاب هذا القول، وهو أن الإسراء كان بالروح بحديث البخارى عن أنس بن مالك قال: ليلة أسرى برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من مسجد الكعبة جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه، وهو نائم فى المسجد الحرام. فقال أولهم أيهم هو، قال أوسطهم هذا، وهو خيرهم، فقال اخرهم:
خذوا خيرهم فلم يرهم حتى أتوه ليلة أخرى فيما يرى قلبه، وتنام عينه ولا ينام قلبه، وكذلك الأنبياء تنام أعينهم، ولا تنام قلوبهم، ولم يكلموه حتى احتملوا فوضعوه عند زمزم، فتولاه منهم جبريل والحديث طويل وقال فى اخره واستيقظ وهو فى المسجد الحرام، ويرى صاحب الروض الأنف أنه نص لا إشكال فيه.
ونرى أن فيه إشكالا، لأنه نص فيه على أنه كان قبل أن يوحى إليه، ونرى أنه لم يتعرض لذكر الإسراء والمعراج، ولعلها كانت إذا صحت الرواية فى موضوع اخر.
ويرى صاحب الروض الأنف أن الأدلة قد تعارضت بالنسبة للإسراء وأنه يوفق بينها بأن الإسراء كان مرتين: إحداهما بالروح والاخرى بالجسد والروح.
ونحن نرى أن الأدلة لم تتعارض، بل الأدلة على أن الإسراء كان بالجسد والروح هى التى لا ريب فيها، ولا يمكن أن يعارض الضعيف القوى.
ولذا نرى أن الإسراء كان بالجسد والروح، ولا نجد فيما استدل به ما يدل على أنه كان بالروح فقط، وإن الاية: وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ لا نرى أن موضوعها هو الإسراء، بل إن موضوعها هو المعراج.
ولا غرابة فى أن ينقل الله تعالى نبيه ﷺ من مكة المكرمة إلى بيت المقدس وأن يعود به فى ليلة واحدة، فإن هذا ليس ببعيد على الله ﷾، لأن المسافات فى الزمان والمكان، إنما هى بالنسبة للعبيد، لا تكون قط بالنسبة لله ﷾ وهو القادر على كل شيء، وهو خالق الأماكن والأزمان.
_________________
(١) بصائر ذوى التمييز فى لطائف الكتاب العزيز ٣ ص ١٧٧.
[ ١ / ٤١٧ ]
المعراج بالروح
٣٠٠- إن الأكثرين من العلماء على أن المعراج كالإسراء كان بالجسد والروح، وأخذوا ذلك من ظواهر الأحاديث الصحيحة التى روتها السنة، ففيها التصريح بأنه لقى ادم فى سماء، وإبراهيم فى مثلها، وإدريس وعيسى ويحيى وموسى، وهذه الظواهر اثروا الأخذ بها.
ولكن أولئك الأكثرين وقفوا عند رؤية الله ﷾، فقال فريق منهم أنه رأى ربه وخاطبه، وكان ذلك تكريما له لمخاطبة الله ﷾ اختص به محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم تعظيما وتقريبا له، وهو فوق المذكور فى قول الله سبحانه وتعالي وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا «١» وليس من هذه الثلاثة رؤية الله ﷾، وتلقى الرسول منه مباشرة من غير حجاب.
وقد رأى ذلك الرأى الامام أحمد بن حنبل وقاله أيضا أبو الحسن الأشعرى وقالت طائفة أخرى لم يقع ذلك لحديث مسلم عن أبى ذر رضى الله ﵎ عنه: «قلت يا رسول الله هل رأيت ربك، فقال ﵊ إنه نور أنى أراه» وفى رواية رأيت نورا.
والذين قالوا إن الإسراء كان بالروح وفى رؤيا صادقة قالوا ذلك فى المعراج، بل هو أولى، فالرحلة كلها كانت رؤيا صادقة. وقد بينا القول فى أدلة هذا الرأى بالنسبة للإسراء من قبل.
وقد انضم إليهم غيرهم ممن يرون ان الإسراء كان بالجسد والروح، فمنهم من قال إن المعراج كان بالروح وليس فى الموضوع نص قرانى يدل بظاهره على أنه كان بالجسد والروح، حتى لا يكون مناص من اتباعه أو تأويله، بل نجد الألفاظ تقبل أن يكون المعراج بالروح، وبالظاهر المتبادل، لا بالتأويل المنتزع انتزاعا.
ولننظر فى الايات الكريمات الدالة على المعراج:
دلالة اية الإسراء على المعراج بالإشارة لا بالعبارة، وذلك فى قوله ﷾ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا فتلك الايات التى أراها الله عبده هى المعراج وإمامة الأنبياء السابقين.
والايات الاخرى التى دلت على المعراج، كانت ألفاظها لا تدل على المعراج إلا بالإشارات البيانية، ولننظر فيها عبارة عبارة، وكلها من السمو البيانى فى السماك الأعزل الذى لا يصل إليه بيان قط.
عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى. ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى «٢» فقد قالوا إنه جبريل ﵇، وإذا كان ﷾، فتعليمه لا يكون بالتلقين بل يكون بالإرشاد والإيحاء.
_________________
(١) سورة الشورى: ٥١.
(٢) سورة النجم: ٥- ٦.
[ ١ / ٤١٨ ]
وقوله ﷾: وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى يراد جبريل ﵇ ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى أى نزل وقرب من النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى
عن طريق جبريل، وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى وهو جبريل أيضا وقوله ﷾ ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى توميء إلى أن الايات الكبرى التى راها كانت بفؤاده لا ببصره، وقوله ﷾: ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى أى ما كل وما تجاوز حده، والنفى فيه ما قد يكون لأنه لم تكن رؤية بالبصر. حتى يكل المبصر أو يتجاوز حده، وقد يكون لبيان أن البصر لم يتجاوز حده ليطغى، ويحاول أن يرى ما لا يمكن أن يراه، ويزيغ بأن يكل ويمل، ويلقى فى النفس ما لم ير.
وإننا عند هذا النظر الفاحص ننتهى إلى أن الإسراء إذا كان بالجسد والروح، فإن المعراج كان بالروح فقط، وأنه كان رؤيا صادقة، وقد اتجهنا إلى ترجيح ذلك لما يأتي: (أ) أنه ذكر فى المعراج أنه التقى بالأنبياء ادم وإبراهيم وموسى ويحيى، وغيرهم، والباقى منهم هو أرواحهم، وأجسامهم سيبعثها الله تعالى يوم البعث والنشور، وفرض أنه بعثها ثم أفناها فرض بعيد لم يذكر فى حديث من الأحاديث، ولا خبر من الأخبار، ولو ضعيفا، وكل فرض فى أمر غيبى لا دليل عليه من المنقول فهو رد على قائله إلا أن يكون أمرا يؤدى إليه البرهان العقلى، ولا يوجد شيء من المنقول ولا المعقول يقرر إعادة أجسام الأنبياء الكرام أحياء، ثم إعادتها إلى الفناء.
(ب) إن العبارات القرانية الكريمة الواردة فى المعراج توميء بل تصرح بأن الأمر فى هذه الرحلة السماوية كان روحيا وأن الإدراك لم يكن بالحس، بل كان بالقلب والفؤاد، فالله تعالى يقول:
ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى. أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى فالحديث القرانى كله كان فى إثبات رؤية الفؤاد، وأنه لا تجوز المماراة فيما رأى الفؤاد الذى لا يكذب، وذلك لا يتحقق إلا بأن تكون الرؤية روحية، لأن رؤية القلب لا تكون إلا روحية، وأنه عندما ذكرت حاسة البصر ذكرت بالنفي، لا بالإيجاب، وقد بينا مؤدى النفى فى هذا.
(ج) أن أخبار المعراج تصرح بأنه رأى ربه، والرؤية القلبية ممكنة باستحضار عظمته، وبالسبحات الروحية المتجهة إلى الله ﷾ وأن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قد قرر أنه لم ير ربه فى حديث أبى ذر الغفارى، فقد قال ﵊ فى إجابة سؤال الصحابى الجليل أبى ذر: «إنه نور، فأنى أراه» .
وإننا لا نتعرض فى ذلك لكون رؤية الله تعالى يوم القيامة ممكنة، أو غير ممكنة، فذلك يوم القيامة بعد البعث والنشور، وذهاب أهل الجنة إليها، وإبقاء أهل النار فيها، فإن الكلام فيها غير الكلام فى الدنيا، ونحن نحس ونرى، فإن كانت رؤية الله تعالى الان فهى بالعين الفانية، ورؤية أهل الجنة عند من يثبتونها تكون بالعين الباقية، والله أعلم كيف يرى.
[ ١ / ٤١٩ ]
وننتهى من هذا إلى تقرير حقيقتين نراهما:
الأولى: أن الإسراء كان بالجسد والروح بظواهر النصوص المثبتة، ولا معارض لها.
الثانية: أن المعراج كان بالروح فقط لعدم وجود الأدلة المثبتة أنه كان بالجسد والروح من القران الكريم، ولوجود المعارض من النقل والعقل.
والان نعود إلى قصة الإسراء والمعراج كما هى فى الصحاح على أن نفسر الألفاظ على ضوء هاتين الحقيقتين اللتين قررناهما.
الاسراء والمعراج فى صحاح السنة
٣٠١- كان من الممكن أن نقف بالنسبة للإسراء والمعراج عند هذا الذى قررناه، ولكن يجب أن نستأنس بالمنقول عن الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم على أساس أن كل ما ذكر فى المعراج أنه بالروح.
وقد رويت روايات مختلفة تتعلق بواقعة الإسراء ثم العروج، نختار منها رواية البخارى.
روى البخارى بسنده عن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة، أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم حدثهم عن ليلة أسرى به قال:
«بينما أنا فى الحطيم، وربما قال فى الحجر- مضطجعا إذ أتانى ات، وسمعته يقول: فشق ما بين هذه إلى هذه، فقلت (أى الراوى) للجارود وهو إلى جنبى ماذا يعنى به، قال من نقرة شعره إلى شعرته، وسمعته يقول من قصة إلى شعرته. فاستخرج قلبى، ثم أتيت بطشت من ذهب مملوء إيمانا فغسل قلبى، ثم حشى، ثم أعيد ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض، فقال الجارود، وهو البراق: قال أنس: نعم. يضع خطوه عند أقصى طرفه، فحملت عليه، فانطلق بى جبرائيل، حتى أتى السماء الدنيا، فاستفتح قيل من هذا؟ قال جبرائيل قال ومن معك! قال محمد قيل أوقد أرسل إليه؟ قال نعم قيل مرحبا به. فنعم المجيء جاء. ففتح، فلما خلصت فإذا ادم، فقال هذا أبوك ادم، فسلم عليه فرد السلام فقال مرحبا بالابن الصالح، والنبى الصالح، ثم صعد بى إلى السماء الثانية، فاستفتح، قيل من هذا قال جبرائيل، قيل ومن معك؟ قال محمد، قيل أوقد أرسل إليه قال نعم قيل مرحبا به، فنعم المجيء جاء.
ففتح، فلما خلصت، إذا بيحيى وعيسى وهما ابنا خالة، قال هذا يحيى وعيسى فسلم عليهما فسلمت عليهما فردا ثم قالا: مرحبا بالأخ الصالح والنبى الصالح.
[ ١ / ٤٢٠ ]
ثم صعد بى إلى السماء الثالثة. فاستفتح جبرائيل، قيل من هذا؟ قال جبرائيل. قال ومن معك؟
قال محمد، قيل أوقد أرسل إليه! قال نعم قيل مرحبا به فنعم المجيء، ففتح، فلما خلصت إذا يوسف. قال هذا يوسف فسلم عليه، فسلمت عليه فرد، ثم قال مرحبا بالأخ الصالح والنبى الصالح.
ثم صعد بى إلى السماء الرابعة فاستفتح، قيل من هذا؟ قال جبرائيل قال ومن معك؟ قال محمد، قيل أوقد أرسل إليه قال نعم قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء فلما خلصت إذا إدريس، قيل فسلم عليه، فسلمت عليه فرد، ثم قال مرحبا، بالأخ الصالح والنبى الصالح.
ثم صعد بى حتى أتى السماء الخامسة فاستفتح، قيل من هذا؟ قال جبرائيل، قيل ومن معك قال محمد، قيل أوقد أرسل إليه! قال نعم، قيل مرحبا به، فنعم المجيء جاء، فلما خلصت إذا بهارون، قال هذا هارون فسلم عليه فسلمت عليه، ثم قال مرحبا بالأخ الصالح، والنبى الصالح.
ثم صعد بى حتى أتى السماء السادسة، فاستفتح، فقيل من هذا؟ قال جبرائيل، قيل ومن معك؟ قال محمد. قيل أوقد أرسل إليه؟ قال نعم، قيل مرحبا به فنعم المجىء جاء، فلما خلصت إذا موسى، قال هذا موسى فسلم عليه، فسلمت عليه فرد ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبى الصالح، فلما تجاوزت بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال أبكى، لأن غلاما بعث بعدى يدخل الجنة من أمته أكثر ممن دخلها من أمتى.
ثم صعد بى إلى السماء السابعة، فاستفتح جبرائيل، قيل من هذا؟ قال جبرائيل. قيل ومن معك؟ قال محمد، قيل أوقد بعث إليه؟ قال نعم. قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء، فلما خلصت، إذا إبراهيم قال هذا أبوك إبراهيم فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد، ثم قال: مرحبا بالابن الصالح والنبى الصالح.
ثم رفعت إلى سدرة المنتهى، وإذا أربعة أنهار، نهران ظاهران، ونهران باطنان، فقلت ما هذا يا جبرائيل؟ قال أما الباطنان فنهران فى الجنة وأما الظاهران، فالنيل والفرات، ثم رفع لى البيت المعمور. يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، ثم أتيت بإناء من خمر، وإناء من لبن، وإناء من عسل، فأخذت اللبن. قال هى الفطرة التى أنت عليها وأمتك.
ثم فرض على الصلوات، خمسون صلاة كل يوم، فرجعت فمررت على موسى، فقال بم، أمرت؟ قلت أمرت بخمسين صلاة كل يوم قال إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كل يوم، وإنى والله قد جربت الناس قبلك، وعالجت بنى إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك، فسله التخفيف لأمتك فرجعت، فوضع عنى عشرا، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فوضع عنى عشرا، فرجعت إلى موسى، فقال مثله، فرجعت فأمرت بعشر صلوات كل يوم، فقال مثله، فرجعت فأمرت بخمس
[ ١ / ٤٢١ ]
صلوات كل يوم، فرجعت إلى موسى، فقال بم أمرت، فقلت بخمس صلوات كل يوم. قال أمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم، وإنى قد جربت الناس قبلك، وعالجت بنى إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فسله التخفيف لأمتك، قال: سألت ربى حتى استحييت، ولكنى أرضى وأسلم، قال فلما جاوزت نادانى مناد: أمضيت فريضتى وخففت عن عبادى» .
وفى رواية البخارى فى كتاب التوحيد أنه بعد أن راجع ربه بمشورة موسى ﵊، وجاء فى مراجعة الخامسة أنه قال لربه: «يا رب إن أمتى ضعفاء، وأجسادهم وقلوبهم وأسماعهم وأبصارهم واذانهم، فخفف عنا، فقال الجبار ﵎: يا محمد، قال: لبيك وسعديك. قال: إنه لا يبدل القول لدى، كما فرضت عليك فى أم الكتاب لكل حسنة بعشر أمثالها. فهى خمسون فى أم الكتاب هى خمس عليك» «١» .
وإنه من المتفق عليه بين العلماء أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم أمّ الأنبياء أجمعين، وعلى مقتضى الذين قالوا إن الإسراء كان بالروح تكون الإمامة روحية ثبتت بالرؤيا الصالحة، وكذلك يرى الذين قالوا إن المعراج كان روحيا.
ولكن من الرواة ما يدل سياق روايته على أن صلاة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بالأنبياء إماما كانت عند مقدمه إلى المسجد الأقصى، ومن الرواة ما يدل سياق الرواية على أن الإمامة كانت وهو يعرج إلى السموات العلا.
واختار ابن كثير فى تاريخه أن إمامته ﵊ للأنبياء كانت بعد أن نزل من العروج، ويقول فى ذلك:
«وهبط رسول الله ﷺ إلى بيت المقدس، والظاهر أن الأنبياء هبطوا معه تكريما له وتعظيما، عند رجوعه من الحضرة الإلهية العظيمة، كما هى عادة الوافدين، لا يجتمعون بأحد قبل الذين طلبوه إليه، ولهذا كان كلما سأل على واحد منهم يقول له جبريل: هذا فلان فسلم عليه، فلو كان قد اجتمع بهم قبل صعوده ما احتاج إلى تعرفه بهم مرة ثانية، ومما يدل على ذلك أنه قال ﵊ «فلما حانت الصلاة أممتهم، ولم يجيء وقت إذ ذاك إلا صلاة الفجر، فتقدمهم إماما بهم عن أمر جبريل فيما يرويه عن ربه ﷿» «٢» .
_________________
(١) البداية والنهاية ج ٣ والتفسير لابن كثير أول سورة الإسراء.
(٢) البداية والنهاية ج ٣ ص ١٣.
[ ١ / ٤٢٢ ]
وإن هذا الكلام يدل على أن إمامة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم للأنبياء كانت بعد أن تنزل من الأفق الأعلي، وأن المعراج كما انتهينا كان بالروح، وكانت رؤيا صادقة.
هذه قصة الإسراء والمعراج، كما نص عليها فى القران الكريم، وكما جاءت بها السنة الصحيحة، وقد ذكرناها بشيء من الإطناب، لكثرة الكلام حولها، ولاختلاف الروايات، فكان لابد من أن نصفى القول فيها. وخصوصا أنها وانشقاق القمر أعظم خوارق العادات الحسية التى كانت فى حياة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ومع ذلك لم يتحد بها كما تحدى بالقران الكريم لأن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إنما تحدى بما يتناسب وخلود شريعته، ودوام رسالته وهو ما يبقى مخاطبا الأجيال كلها إلى يوم الدين، وهو القران الكريم.
انتشار الاسلام في البلاد العربية
٢٠٣- اختار الله ﷾ أن تكون مكة المكرمة مهبط الوحى، ومنزل الدعوة الإسلامية الأولى، لأنها مطمح أنظار العرب، ولأنها مثابة الناس وأمنهم، تعد مصدر المعرفة العربية على قدر ما عند العرب، وبها حج بيت الله الحرام، وبها ملتقى العرب فى موسمهم وبها أسواق الأدب والمتاع، ففى موسم الحج يلتقى العرب من كل فج عميق، وفى الأسواق التى تقام فى الموسم يتبارى الشعراء والخطباء فى عكاظ، وذى مجاز ومجنة.
وإذا كانت مكة المكرمة لها تلك المكانة فى بلاد العرب، فإن كل ما يكون فيها من أحداث تنتقل أخباره إلى بلاد العرب، فإذا كانت الأحداث منها رسالة رسول يدعو إلى هدم الأوثان وعبادة الله ﷾ واحده، فإنه لابد أن يسير بخبرها الركبان.
ومن العرب من لا يعيرها اهتماما، ومنهم من يلتفت إليها، ويهتم لها، معاندا مع العاندين، أو طالبا للحق، فيبتغيه.
وكذلك كان الأمر، فإن أخبار النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ودعوته إلى الحق، وإلى صراط مستقيم كانت تتجاوب أصداؤها فى البلاد العربية، ومن العرب من كان يجيء إلى مكة المكرمة متعرفا أمر ذلك الرسول الكريم ﷺ، ومنهم من يرسل إليه من يتعرف دعوته، ويدرسها، كما فعل أكثم بن صيفى حكيم العرب، إذ أرسل بنيه إلى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يتعرف ما يدعو إليه، فلما حضروا وسألوا النبى صلى الله تعالى عليه وسلم تلا عليهم قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ
[ ١ / ٤٢٣ ]
وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ «١» فلما بلغه ما تلا عليهم الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم. قال: إنه إن لم يكن دينا فهو فى خلق الناس أمر حسن، يا بنى كونوا فى هذا الأمر أولا، ولا تكونوا اخرا.
وقد أسلم أبو ذر الغفارى بهذا العلم العام الذى شهرت به دعوة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم.
وكذلك أسلم على هذا النحو الطفيل بن عمرو، فقد أسلم إذ جاءه الخبر بدعوة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وكان رجلا شريفا شاكرا، وقد حضر إلى مكة المكرمة ليتعرف خبره وما يدعو إليه، ولنتركه يقص علينا قصة إيمانه، إذ يحدث أنه قدم مكة المكرمة، فمشى إليه رجال من قريش فقالوا:
يا طفيل إنك قدمت بلادنا، وهذا الرجل بين أظهرنا قد أعضل بنا (أى ظلمنا)، وقد فرق جماعتنا وشتت أمرنا، وإنما قوله سحر، يفرق بين الرجل وبين بنيه، وبين الرجل وبين أخيه، وبين الرجل وبين زوجته، وإننا نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا، فلا تكلمنه ولا تسمعن منه شيئا.
ويقول الطفيل: «فو الله ما زالوا حتى أجمعت ألا أسمع منه شيئا ولا أكلمه حتى حشوت فى أذنى حين غدوت إلى المسجد كرسفا خوفا من أن يبلغنى شيء من قوله، وأنا لا أريد أن أسمعه، فغدوت إلى المسجد. فإذا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قائم يصلى عند الكعبة الشريفة، فقمت منه قريبا.
فأبى الله تعالى إلا أن يسمعنى بعض قوله، فسمعت كلاما حسنا. فقلت فى نفسى: واثكل أمى! والله إنى لرجل لبيب شاعر ما يخفى على الحسن من القبيح، فما يمنعنى أن أسمع من هذا الرجل ما يقول، فإن كان الذى يأتى به حسنا قبلته، وإن كان قبيحا تركته.
ولما انصرف النبى ﵊ من صلاته إلى بيته تبعه الطفيل وقد مال إلى الإسلام فدخل على النبى ﵊ وقال له:
«يا محمد، إن قومك قد قالوا كذا وكذا، فو الله ما برحوا يخوفوننى أمرك حتى سددت أذنى بكرسف لئلا أسمع، ثم أبى الله تعالى إلا أن يسمعنى قولك، فسمعته قولا حسنا فاعرض على أمرك.
قال فعرض على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وتلا على القران الكريم، فو الله ما سمعت قولا قط أحسن منه، ولا أمرا أعدل منه، فأسلمت وشهدت شهادة الحق، وقلت: يا رسول الله إنى امرؤ مطاع
_________________
(١) سورة النحل: ٩.
[ ١ / ٤٢٤ ]
فى قومى، وأنا راجع إليهم وداعيهم إلى الإسلام، فادع الله أن يجعل لى اية تكون لى عونا عليهم فيما أدعوهم إليه.
عاد طفيل إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام الذى انبعث نوره من مكة المكرمة، زاد الله البيت الحرام تكريما وتعظيما» .
وفد نصارى نجران:
٣٠٣- وممن أسلموا عندما علموا دعوة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وفد نجران وهم عشرون رجلا، أو قريب من ذلك، من النصارى، عندما علموا أمر الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم من الحبشة، ولنترك الكلمة لابن إسحاق فهو يقول:
قدم على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو بمكة المكرمة عشرون رجلا أو قريب من ذلك من النصارى حين بلغهم خبره من الحبشة، فوجدوه فى المسجد فجلسوا إليه وكلموه وسألوه، ورجال من قريش فى أنديتهم حول الكعبة الشريفة، فلما فرغوا من مساءلة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عما أرادوا دعاهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى الله ﷿، وتلا عليهم القران الكريم، فلما سمعوا القران الكريم فاضت أعينهم من الدمع، ثم استجابوا لله وآمنوا به وصدقوه، وعرفوا منه ما كان يوصف لهم فى كتابهم من أمره.
لما قاموا عنه مؤمنين اعترضهم أبو جهل فى نفر من قريش فقالوا قولا اثما، قالوا لهم: خيبكم الله من ركب، بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتدون لهم لتأتوهم بخبر الرجل، فلم تطمئن مجالسكم عنده، حتى فارقتم دينكم، وصدقتموه فيما قال، ما نعلم ركبا أحمق منكم، أو كما قالوا «فقالوا لهم سلام عليكم لا نجاهلكم، لنا ما نحن عليه، ولكم ما أنتم عليه، لم نأل أنفسنا خيرا» .
وقد ذكر الله سبحانه وتعالي خبر هؤلاء في القران الكريم مبينا له بالإشارة في وصف عام لبعض أهل الكتاب، فقال الله تعالي: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ. وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ، إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا، إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ. أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ. وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ، سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ.
إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ، وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ «١» .
_________________
(١) سورة القصص: ٥٢- ٥٦.
[ ١ / ٤٢٥ ]
وقد رجح الأكثرون أن هذه الايات نزلت في نصاري نجران الذين ذكرنا لك الخبر عنهم، ولم تكن الايات في النجاشي وأتباعه، ويقول ابن إسحاق إن الذى نزل في النجاشي وأصحابه من النصاري هو ما جاء في سورة المائدة، إذ يقول الله سبحانه وتعالي: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا، وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى، ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبانًا، وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ. وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ، يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ.
وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ.
فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ، خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ «١»
عرض الرسول ﵊ نفسه على القبائل
٣٠٤- يئس الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم من أن يؤمن قومه فى هذا الوقت، ورحمة الله تعالى قد تحملهم على الإيمان، ولكن بعد أدوار من الزمان والأحوال، فإذا كان قد يئس من إيمانهم فى ذلك الوقت، فهو لم ييأس من إيمانهم بعد تعاقب الأحداث، لأن الله تعالى لم يقل له، كما قال لنوح ﵇: أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ «٢» .
وإذا كان محمد صلى الله تعالى عليه وسلم لم يجد من قومه إلا الأذى فى هذه الجولة، فإنه وجد فى بعض الذين يفدون إلى الحج، أو يفدون إليه من يجد قول الحق إلى قلوبهم سبيلا، وقد رأينا كيف كان نور الإسلام ينبعث خارج مكة المكرمة فيجيء احاد من القبائل العربية، ويستمعون القران الكريم وهم ممن يستمعون القول، فيتبعون أحسنه، فإذا تلى عليهم القران الكريم خروا لله ساجدين، ثم يدعون من بعد أقوامهم.
وقد رأى النبى صلى الله تعالي عليه وسلم أن يقدم إلى القبائل فى موسم الحج يدعوهم فى منازلهم التى ينزلونها فى منى يذهب إليهم قبيلة قبيلة، يدعوهم إلى الحق، ويتلو عليهم القران الكريم، وقد أحست قريش بذلك، فانبرى الذين يلجون فى عداوة الحق ليصدوا عن سبيل الله، وعلى رأسهم أبو جهل، وأبو لهب، فكانا يتحريان أن يتبعاها، وإذ يدعو النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إلى الله تعالى
_________________
(١) سورة المائدة: ٨٢- ٨٥.
(٢) سورة هود: ٣٦.
[ ١ / ٤٢٦ ]
بقوله: «يا أيها الناس، قولوا لا إله إلا الله تفلحوا» يتصدى أبو جهل وأبو لهب وهما يتناوبان فيقول: «يا بنى فلان، إن هذا إنما يدعوكم إلى أن تسلخوا اللات والعزى من أعناقكم، إلى ما جاء من البدعة والضلالة، فلا تطيعوه، ولا تسمعوا منه» .
وهكذا كانت الدعوة المحمدية تأخذ طريقها، والذين يصدون عن سبيل الله يدعثرونها، ولكن نور الحق لا تطفئه الضلالة، ولا تعمى عنه الأبصار، والنبى صلى الله تعالى عليه وسلم دائب على الدعوة، اتبعوه أو فارقوه، وربما وجد غفلة عن اتباعه، فانتهزها. ومهما يكن مقدار الاستجابة، فإن إعلام الناس بعقيدة التوحيد ينبه الأذهان إلى التفكير فى الأوثان، ومجرد التفكير فيها يحبطها.
ولقد روى عن ابن شهاب الزهرى أنه قال: «كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يعرض نفسه على قبائل العرب فى كل موسم، ويخاطب أشرافهم، ويكلم كل شريف قوم، لا يسألهم مع ذلك إلا أن يؤووه ويمنعوه، ويقول «لا أكره أحدا على شيء، من رضى منكم بالذى أدعو إليه، فذلك، ومن كره، لم أكرهه، إنما أريد أن تحرزونى (أى تمنعونى) فيما يراد لى من القتل، حتى أبلغ رسالة ربى، وحتى يقضى الله تعالى لى، ولمن صحبنى بما شاء» .
ونرى من هذا أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يدعوهم بالحكمة، فهو يأتيهم من قبل ما شهر عن العرب بحبهم للنجدة، ولا يأتيهم ابتداء بمحاربة تدينهم، كما قال الله تعالى ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ «١» .
وكان أكثر الجماعات لا يحبون دعوة الحق، ومنهم من يحسن الرد، ومنهم من كان يقول:
الحق بقومك. ولكن بعض الاحاد كانت تصغى أفئدتهم، وإن لم يستطع الكثيرون أن يخرجوا من ربقة ما هم عليه دفعة واحدة.
جماعات تقبل الواحدانية:
٣٠٥- ومع الصدود من الجماعات، والصد من بعض الاحاد، والميل من اخر كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ماشيا فى الاتجاه إلى القبائل فى موسم الحج، وهو يتوسم الناس، ويتعرف الوجوه والأشراف ومعه أبو بكر الصديق، وهو من أعلم الناس بأحوال العرب.
وكان بجوار القبائل التى أعرضت، كانت جماعات قد أقبلت على الاستماع، وبدت منها الاستجابة، حتى كانت قبيلتا الأوس والخزرج، على ما سنبين، ولنذكر لك خبرا عن بعض الجماعات
_________________
(١) سورة النحل: ١٢٥.
[ ١ / ٤٢٧ ]
التى مالت ابتداء، قبل اللقاء بأهل يثرب، وسنجد فى كلامهم مجاوبة تدل على قدرتهم على المنعة، وقوة تفكيرهم.
روى أبو نعيم أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم صحب فى إحدى مرات عرضه نفسه الكريمة على القبائل على بن أبى طالب وأبا بكر رضى الله تعالى عنهما، وكان بين أبى بكر، وبين قبيلة من شيبان بن ثعلبة صلة ومودة، ثم جرى بينهم وبين النبى صلى الله تعالى عليه وسلم حديث طويل.
قال أبو بكر مخاطبا القوم: ممن القوم؟ قالوا: من بنى شيبان بن ثعلبة.
فالتفت إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وقال: بأبى أنت وأمى ليس بعد هؤلاء من عز فى قومهم، وهؤلاء غرر فى قومهم، وغرر الناس، وكان فى القوم مفروق بن عمرو، وهانيء بن قبيصة؛ والمثنى بن حارثة، والنعمان بن شريك، وكان أقرب الناس إلى أبى بكر مجلسا مفروق بن عمرو وكان قد غلب عليهم بيانا ولسانا فقال له أبو بكر: كيف العدد فيكم؟
فقال له مفروق بن عمرو: إنا لنزيد على ألف، ولن نغلب من قلة.
فقال له أبو بكر: فكيف المنعة فيكم؟
فقال مفروق: علينا الجهد، ولكل قوم جد.
فقال أبو بكر: فكيف الحرب بينكم وبين عدوكم،
فقال مفروق: إنا أشد ما نكون لقاء حين نغضب، وإنا لنؤثر الجياد على الأولاد، والسلاح على اللقاح، والنصر من عند الله يديلنا مرة ويديل علينا، لعلك أخو قريش (أى النبى ﷺ) .
فقال أبو بكر: إن كان قد بلغكم أنه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فها هو ذا.
فقال مفروق: بلغنا أنه يقول ذلك. ثم التفت إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مخاطبا له، فجلس، وقام أبو بكر يظله بثوبه. فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم:
أدعوكم إلى شهادة ألاإله إلا الله واحده لا شريك له، وأنى رسول الله وأن تؤوونى وتنصرونى حتى أؤدى عن الله تعالى الذى أمرنى به، فإن قريشا تظاهرت على أمر الله، وكذبت رسوله، واستغنت بالباطل عن الحق، والله هو الغنى الحميد.
[ ١ / ٤٢٨ ]
فقال مفروق: وإلام أيضا يا أخا قريش.
فتلا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قول الله تعالى: قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا، وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ، وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ، وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ، لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ. وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ، وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ، لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها، وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا، وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى، وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا، ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ، ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ «١» .
فقال مفروق، وإلام تدعو أيضا يا أخا قريش؟ فو الله ما هذا من كلام أهل الأرض، ولو كان كلامهم لعرفناه.
فتلا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قول الله تعالي: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى، وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ «٢» .
فقال مفروق: دعوت والله يا أخا قريش إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، ولقد أساء قوم كذبوك، وظاهروا عليك.
وكأنه أحب أن يشركه فى الكلام هانيء بن قبيصة، فقال: وهذا هانيء بن قبيصة شيخنا وصاحب ديننا.
فقال هانيء: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش، وصدقت قولك. وإنى أرى إن تركنا ديننا، واتبعناك على دينك لمجلس جلسته إلينا.. لم نتفكر فى أمرك، وننظر فى عاقبة ما تدعو إليه- زلة فى الرأى، وطيشة فى العقل، وقلة نظر فى العاقبة، وإنما تكون الذلة فى العجلة، وإن من ورائنا قوما نكره أن نعقد عليهم عقدا، ولكن نرجع وترجع، وننظر وتنظر.
وكأنه أحب أن يشركه فى الكلام المثنى بن حارثة، فقال: وهذا المثنى شيخنا وصاحب حربنا.
فقال المثنى: قد سمعت مقالتك، واستحسنت قولك يا أخا قريش، وأعجبنى ما تكلمات به، والجواب هو جواب هانيء بن قبيصة. وتركنا ديننا واتباعنا إياك لمجلس جلسته إلينا، وإنا إنما نزلنا بين حيزين:
أحدهما اليمامة، والاخر السماوة.
_________________
(١) سورة الأنعام: ١٥١- ١٥٣.
(٢) سورة النحل: ٩٠.
[ ١ / ٤٢٩ ]
فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: وما هذان الحيزان.
فقال له المثنى: أما أحدهما فطفوف البر، وأرض العرب، وأما الاخر فأرض فارس وأنهار كسرى، وإنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى: لا نحدث حدثا ولا نؤوى محدثا، ولعل الأمر الذى تدعونا إليه مما يكرهه الملوك. فأما ما كان مما يلى العرب، فذنب صاحبه مغفور، وعذره مقبول، وأما ما كان يلى بلاد فارس، فذنب صاحبه غير مغفور، وعذره غير مقبول؛ فإن أردت أن تنصرف ونمنعك مما يلى العرب فعلنا.
فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ما أسأتم الرد، إذ أفصحتم بالصدق، إنه لا يقوم بدين الله إلا من حاطه من جميع جوانبه.
ثم قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: مخاطبا: «أرأيتم، إن لم تلبثوا، إلا يسيرا، حتى يمنحكم الله بلادهم وأموالهم، ويغريكم بهم أتسبحون الله وتقدسونه؟ فقال النعمان بن شريك: «اللهم إن ذلك لك يا أخا قريش» .
فتلا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قول الله تعالي: إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا. وَداعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ، وَسِراجًا مُنِيرًا «١» .
ثم نهض رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قابضا على يدى أبى بكر.
يقول ابن كثير فى البداية والنهاية بعد أن ساق الخبر: هذا حديث غريب جدا، كتبناه لما فيه من دلائل النبوة، ومحاسن الأخلاق ومكارم الشيم، وفصاحة العرب» «٢» .
وفى الخبر أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم تنبأ لهم أنهم سينصرون على فارس قريبا، وقد انتصروا فعلا، وأعلن ذلك النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فقد قال لأصحابه: «احمدوا الله كثيرا، فقد ظفر أبناء ربيعة بأهل فارس» وإن هذا الخبر الطويل يدل على أمور:
(أ) منها أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كان دائبا على بث الدعوة بين القبائل فى موسم الحج، سواء أكانوا من القبائل المتاخمة لفارس، أم المتاخمة للروم فى الشام، وأنه كان يلقى تأييدا على حسب البعد.
(ب) ومنها- أنه كما كان يلقى صدودا، كان يلقى أيضا حسن تفهم، وإن كان ثمة تمرد، ومنشؤه أنهم لا يريدون أن يتركوا ما هم عليه ليغيروا بمجرد مجلس.
_________________
(١) سورة الأحزاب: ٤٥، ٤٦.
(٢) البداية والنهاية لابن كثير ج ٣ ص ١٤٤، ١٤٥.
[ ١ / ٤٣٠ ]
ومنها- أن المنافسة وحب السيطرة بالشرف، هى التى أضلت قريشا وحيث لا تكون منافسة يكون التدبر والتفكير.
ومنها تنبؤ النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بما يكون بإذن الله تعالى وعلمه.
ما بين الروم والفرس:
٣٠٦- ولمناسبة ما تنبأ به النبى صلى الله تعالى عليه وسلم من هزيمة الفرس فى جوار البلاد العربية، ووقوع الأمر كالنبأ نذكر تنبؤ القران الكريم المنزل من رب العالمين من غلبة الفرس للروم، وأن الفرس سيغلبون من بعد فى قول الله تعالى: «الم. غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ، وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ. فِي بِضْعِ سِنِينَ، لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ، وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ «١» .
ولقد ذكر علماء السيرة والمؤرخون أن كسرى قاد الفرس إلى قتال الروم، فانتصروا عليهم، وهم من عبدة النار؛ فهم كعبدة الأوثان، ويصدران عن ضلال واحد، فكان المشركون يعتزون بهذا النصر، أنهم لا محالة سينتصرون على المسلمين، لأنهم أميون، وليسوا أهل كتاب، والمسلمون أهل كتاب، والنصارى أهل كتاب، فكانت المفاخرة ممن يقاربونهم، ويستطيلون بهم للإيهام بأنهم سينتصرون على المسلمين، فنزل قول الله تعالي الم. غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ، وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ إلى اخر الايات الكريمات.
وقد قال بعض المشركين إن الروم لن يغلبوا، وقال له أبو بكر الصديق: سيغلبون فى بضع سنين فتراهنا على عدد من الإبل، فى تسع سنين، إن انتصر الروم فيها خسر الشرك الرهان، وإن لم ينصر الروم فيها كان أبو بكر عليه أن يدفع ما تراهنا عليه.
وقد انتصر الروم فى هذه المدة، فكان الرهان لأبى بكر، ويظهر أن ذلك النصر كان بعد أن هاجر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم إلى المدينة.
والحافظ ابن كثير يذكر فى هذه ذلك الخبر، فيقول:
«المشهور أن كسرى غزاه (أى هرقل) بنفسه فى بلاده، فنهره، وكسره، حتى لم يبق معه (أى هرقل) إلا مدينة القسطنطينية، فحاصرها كسرى مدة طويلة، حتى ضاقت عليه.. ولم يقدر على فتح البلد. لحصانتها، لأن نصفها من ناحية البر ونصفها الاخر من ناحية البحر، فكانت تأتيهم (أى
_________________
(١) سورة الروم: ١- ٥.
[ ١ / ٤٣١ ]
الروم) الميرة من هناك، فلما طال الأمر، دبر قيصر مكيدة فطلب من كسرى أن يقلع من بلاده، على مال يصالحه عليه، وبشترط ما شاء فأجابه إلى ذلك وطلب منه أموالا عظيمة لا يقدر عليها أحد من ملوك الدنيا، من ذهب، وجواهر، وأقمشة، وجوار؛ وخدام، وأصناف كثيرة، فطاوعه قيصر، وأوهمه أن عنده جميع ما طلبه! وسأل كسرى أن يمكنه من الخروج إلى بلاد الشام، وأقاليم مملكته، ليسعى فى تحصيل ذلك من ذخائره وحواصله.
فخرج من القسطنطينية فى جيش متوسط وكسرى مخيم على القسطنطينية ينتظره ليرجع، فذهب قيصر من فوره وسار مسرعا، حتى انتهى إلى بلاد فارس فعاث فيها فسادا وقتلا فى رجالها، ومن كان بها من المقاتلة، وقد كان أكثرهم مع كسرى ولم يزل يقتل، حتى انتهى إلى المدائن، وفيها كرسى مملكة كسرى، فقتل من بها، وأخذ جميع حواصله وأمواله، وأسر نساءه، وحلق رأس ولده، وأركبه على حمار، وبعث الأساورة من قومه فى غاية الهوان والذلة، وكتب إلى كسرى يقول: هذا ما طلبت فخذه
أصاب العمى كسرى، واشتد حنقه على البلد (القسطنطينية) فجد فى حصارهم فلم يقدر على شيء.
عاد كسرى إلى بلده بعد أن حزب بمكيدة قيصر مكيدة بعد مكيدة، وبذلك غلب الفرس فى أدنى الأرض كما غلبوا الروم من قبل، ولله الأمر من قبل ومن بعد «١» .
وقد ذكر ذلك الخبر فى هذا المقام، لأن ذكره امتداد لما انتصر به بنو شيبان على كسرى، كما تنبأ النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ولسنا مقحمين له فى غير موضعه، لأن وقائعه كانت قبل الهجرة، وامتدت إلى ما بعدها، ولأنه إيذان بنصر الإسلام فى فارس من بعد.
ولنعد بعد ذلك إلى التقاء النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بالقبائل، وما كان قبل الهجرة من تمهيد لها.
_________________
(١) تفسير ابن كثير ج ٢ ص ٤٢٤، و٤٢٥.
[ ١ / ٤٣٢ ]
التقاؤه ﷺ بالأوس والخزرج
٣٠٧- أخذ النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يعرض نفسه على القبائل كما أسلفنا من القول، وما علم فى موسم الحج أن ملأ من قبيل قد جاء إلى مكة المكرمة إلا عرض عليه الدعوة الإسلامية، وإلى التوحيد، والإيمان بالله، وبأنه صلى الله تعالي عليه وسلم رسول الله. وما علم بوجود كبير فى قومه يقول فيتبع إلا عرض الإسلام عليه.
وقد التقى بكثيرين من شمال البلاد العربية وجنوبها ممن جاوروا الروم، وممن جاوروا الفرس، وعقب أن لقى من ربيعة التى تجاور فارس من رأى فيهم من أشراف العرب من كان فيهم نخوة، ومعرفة وإدراك الواجب التقى ببعض رجال من يثرب.
التقى أولا بجماعات منهم، ثم كان الاتفاق على التأييد والنصرة بعد الاتباع على الإيمان، وهدى من الله ﷾.
وكانت يثرب بأحوالها، وما فيها الأرض التى تقبل الدعوة المحمدية، ذلك لأن أهلها كان اليهود يحاربونهم ولم يكونوا معهم على وفاق، كشأن اليهود حيثما كانوا، وأينما ثقفوا، وكان أهل المدينة وثنيين، واليهود أهل كتاب، فكانو يذكرون لهم أنه الان نبى مبعوث ينصر اليهود على الوثنيين، وكما قال الله تعالى: وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ، فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ «١»
وبذلك كانت بين أيديهم معرفة للنبوة، وإدراك للبعثة المحمدية.
وفوق ذلك كان أهل يثرب ينتمون إلى قبيلتى الأوس والخزرج، وكان الخلاف بينهم شديدا، وكانوا يتقاتلون، وربما كان خلافهم بعمل يهودى، كشأنهم فى تفريق الجماعات، وإلقاء بذور الفتن فى أى مجتمع يعيشون فى ظله. فكان التنافر بين الأوس والخزرج قبيلتى يثرب مستمرا، والحرب تقع من وقت لاخر، وفيهم من يهم بالاستنصار بقريش على الاخرين، فكانوا فى حاجة أو نصرة من الخارج، ولتوالى التناحر، وكانوا يرحبون بمن يؤلف بينهم، فكان محمد صلى الله تعالى عليه وسلم هو الجامع بينهم، والله تعالى المؤلف بين قلوبهم، كما قال تعالى: وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً، فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ، فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوانًا، وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها.
_________________
(١) سورة البقرة: ٨٩.
[ ١ / ٤٣٣ ]
ابتداء الاتصال بأهل يثرب:
٣٠٨- ابتدأ الاتصال بأهل يثرب من الأوس والخزرج بالاحاد، ثم سار فى طريق النمو، حتى صار الاتصال بالجماعات، ثم كانت البيعة، وتكررت مرتين.
يروى ابن إسحاق أنه قدم سويد بن الصامت وهو من بنى عوف مكة المكرمة حاجا، وكان رجلا شريفا، ونسبه رفيعا يسمى فى قومه الكامل، لجلده وشرفه، وكان شاعرا وله صوت مسموع فى قومه.
فتصدى له النبى صلى الله تعالى عليه وسلم حين سمع به، فالتقى به ودعاه إلى الإسلام.
فكانت بينهما مجاوبة لأنه لم يكن أعرابيا ليس على علم، بل كان على علم يمهد له العلم بالنبوات.
دعاه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال سويد: فلعل الذى معك مثل الذى معى. فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: وما الذى معك؟ قال مجلة لقمان- يعنى حكمة لقمان- فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: اعرضها على. فعرضها عليه، فقال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: «إن هذا الكلام حسن: والذى معى أفضل منه، هذا قران أنزله الله تعالى على هدى ونور، ثم تلا صلى الله تعالى عليه وسلم القران الكريم، ودعاه إلى الإسلام، فلم يبعد منه وقال: إن هذا القول حسن. ثم انصرف عنه إلى المدينة، وقدم على قومه فلم يلبث أن قتله الخزرج. وكان قتله قبل واقعة بعاث التى كانت بين الأوس والخزرج.
ولقد كان رجال من قومه يقولون إنا لنراه قتل مسلما، وإن مقدمات الإسلام كانت معه فى لقائه بالنبى صلى الله تعالى عليه وسلم، إذ قال فى القران الكريم: «إن هذا القول حسن» وهذا يدل على أن قلبه قد فتح للإيمان، وإن كان وصف القران الكريم أعلى من ذلك، ولقد جاء من بعد ذلك جماعات من الأوس على رأسهم أنس بن رافع، يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من الخزرج، أى ليعقدوا حلفا مع قريش لينصروهم من الخزرج.
سمع بهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فأتاهم، فجلس إليهم، فقال: هل لكم فى خير مما جئتم له؟ قالوا: وما ذاك؟ فقال: «أنا رسول الله تعالى إلى العباد، أدعوهم إلى أن يعبدوا الله، ولا يشركوا به شيئا، وأنزل على الكتاب» ثم ذكر لهم الإسلام، وتلا عليهم القران الكريم.
وكان فيهم شاب مدرك وهو إياس بن معاذ، فقال لهم: يا قوم هذا والله خير مما جئتم له. فنهره رئيس الجماعة وقال له: دعنا عنك، فلعمرى لقد جئنا لغير هذا. فصمت إياس بن معاذ، وعادوا إلى
[ ١ / ٤٣٤ ]
المدينة، ثم مات إياس، وقد قال من حضر موته من قومه إنهم لم يزالوا يسمعونه يهلل لله ويكبره ويسبحه ويحمده، فما كانوا يشكون فى أنه مات مسلما، وإن الله تعالى قد أنار بصيرته، وأعطاه الله نفسا طيبة تدرك الحق عند أول سماعه، وتؤمن به إذ خلصت لله تعالى.
يوم بعاث:
٣٠٩- بعاث موضع بالمدينة المنورة، تقاتل فيه الأوس والخزرج، وكانت بينهم مقتلة عظيمة، قتل فيها خلق كثير من أشراف الأوس والخزرج وكبرائهم، ولم يبق كما يقول ابن كثير من شيوخهم إلا القليل، فعضتهم الحرب عضا شديدا بنابها، وكان ذلك غب عودة الأوس من مكة المكرمة، وعرض النبى صلى الله تعالى عليه وسلم نفسه عليهم، وأجابه شاب منهم، ونهره رئيس الوفد.
وإن الشدة فى كثير من الأحيان توجد فى القلب نورا، وكأن الأحياء فى تناحرهم يحدث من التحامهم نور يضيء كالنور الذى يحدث من احتكاك شيئين أحدهما موجب والاخر سالب.
فقد كانت واقعة بعاث هذه بعد دعوة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم داعية أهل يثرب للتفكير فيما جاء به ﵊، وعندهم معرفة عارضة ببعثه صلى الله تعالى عليه وسلم، فإنه كان ابتداء لدخول الناس من يثرب فيه جماعات، بعد أن كانوا يدخلون احادا.
وقد روى البخارى فى صحيحه بسنده عن عائشة أم المؤمنين رضى الله تعالى عنها، أنها قالت:
«كان يوم بعاث يوما قدمه الله تعالى لرسوله» . قدم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى المدينة المنورة، وقد افترق ملؤهم، وقتل سراتهم.
لقد اكتووا بنار الحرب، ومن اكتوى بها، طلب برد السلام والاطمئنان، وفتح قلبه لنعمة الله تعالى.
بدء إسلام الأنصار
٣١٠- قلنا إن دخول الإسلام يثرب بالاحاد، يدخلون فيه فرادى ثم جاء من بعد ذلك من يدخلون فى دين الله تعالى أفواجا أفواجا.
وإن أولئك الاحاد كانوا يذكرون نعمة الإسلام فى عشائرهم، فيستأنسون به، ولم تكن لهم بأسرة النبى ﵊ عداوة، حجبتها المنافسة، أو الحسد، أو أثارها الحقد على بيته الكريم صلى الله تعالى عليه وسلم، فوجدت بينهم معرفة الحق، وموجبات اتباعه، من غير أن تكون الموانع التى تصد عن
[ ١ / ٤٣٥ ]
سبيل الله تعالى، والتى تغلف القلوب بغلاف من العداوة والبغضاء، فتمنع نور الحق من أن يدخل إليها، فينيرها.
فى الموسم الذى كان عقب بعاث والنبى ﵊ يعرض الإسلام على القبائل بمنى، يذهب إلى منازلهم بها، فى هذا الموسم التقى برهط من الخزرج، قال ابن إسحاق فى سيرته:
«فقال لهم: من أنتم. قالوا: نفر من الخزرج، قال: أمن موالى يهود؟ قالوا لا، قال أفلا تجلسون أكلمكم؟ قالوا بلى، فجلسوا فدعاهم إلى الله تعالى، وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم، القران الكريم، وكان مما صنع الله تعالى بهم فى الإسلام أن يهود كانت معهم فى بلادهم، وكانوا أهل كتاب وعلم، وكانوا هم أهل شرك أصحاب أوثان، وكانوا غزوهم ببلادهم فكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا إن نبيا مبعوثا الان، قد أظل زمانه، نتبعه، فنقتلكم مثل قتل عاد وإرم، وكان عندهم علم بذلك كما قرر القران الكريم.
وإن النفر الذين جاؤا من قبل، وذاقوا بشاشة الإسلام، قد أوجدوا بينهم الفكرة الإسلامية، فلما كلم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ذلك الرهط ودعاهم إلى الله، تذاكروا فيما بينهم كلام اليهود.
قال بعضهم لبعض: «يا قوم: تعلمون والله أنه النبى الذى توعدكم به يهود فلا يسبقنكم إليه» .
لذلك أجابوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فيما دعاهم إليه، وصدقوا به، وأرادوا أن يسود الإسلام بينهم، وأن يستبق الحق قومهم، وأن يكون الإسلام طريق الخير لهم، فقالوا للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم:
«إنا تركنا قومنا، ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، ولعل أن يجمعهم الله تعالى عليك، فلا رجل أعز منك» وهكذا أجابوا داعى الله، وقد ذكرت كتب السيرة أسماء هذا الرهط من الخزرج «١» .
واختلفت الروايات، أكانوا ستة أم كانوا ثمانية، وكلهم من الخزرج، ولكن من الروايات ما ذكر فيها أنه كان من الأوس أبو الهيثم.
ومهما يكن، فقد كان أولئك وفد الخير والحق والصدق، فما أن انصرفوا عائدين إلى يثرب، حتى أخذوا يذكرون رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ويدعون بدعوته، حتى عمت وفشت، وتذاكر بها أهل يثرب، ومنهم من استجابوا لدعوة الحق، لمجرد ذكرها، ولم يطلبوا برهانا، لأنها دعوة إلى التوحيد، وهى فى ذاتها صادقة، وكانوا يعلمون بها، إذ يؤمنون بأن الله تعالى خالق السموات والأرض
_________________
(١) هذا السياق التاريخى فى السيرة لابن هشام، والبداية والنهاية لابن كثير، والسهيلى وابن نعيم وصحاح السنة.
[ ١ / ٤٣٦ ]
واحده، وما كانوا جاهلين بالله تعالى، بل كان فيهم بقية من ملة إبراهيم، واليهود بينهم يذكرون لهم أن رسولا فى مكة المكرمة قد بعث، فكانت الدعوة إلى الله تعالى مستجابة لا مراء فيها.
فشا الإسلام فى المدينة، قبل أن يقدم إليها النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وقبل أن يرسل مبعوثا، يعلمهم الإسلام، ويتلو عليهم القران الكريم، حتى أن ابن إسحاق يقول بسنده المتصل، لم يبق من دور الأنصار دار إلا وفيها ذكر لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فعلموه جميعا: علموا دعوته إجمالا، وتهيئوا للبيعة.
العقبة الأولى أو البيعة الأولى
٣١١- تجاوبت أصداء الدعوة المحمدية فى ربوع يثرب وتذاكروها مذاكرة من لا يتنازعون فى شرف تمسه أو عصبية جاهلية ينصرونها، ولكن تجاوب من يطلبون الحق، ومن صغت أفئدتهم إليه، ومن يرجون من الاستجابة زوال الفرقة التى تقسمهم، وتجعلهم فى حرب مستمرة، وفوق كل ذلك يريدون أن يستعلوا بها على اليهود الذى كانوا يستفتحون عليهم بأن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم سيكون مع أهل الكتاب عليهم، فهم يسارعون إليه، لأنهم يسارعون فى الحق، ولا يبغون سواه.
فلما كان موسم الحج الذى أعقب موسم اللقاء الأول، وكان التفاهم الذى رجوا فيه الخير والأمن والسلام فى حضرة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فى هذا الموسم جاء اثنا عشر نقيبا من الأوس والخزرج، لا لأداء الحج فقط بل لهذا، وللقاء محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، مستجيبين له، لما قد عاقدوا العهد على لقائه، وإعطائه به المواثيق عن أنفسهم ومن وراءهم ممن بعثوهم نقباء، يتحدثون باسمهم، ويقدمون العهود والمواثيق عنهم.
وقد روى عن عبادة بن الصامت أنه قال: «كنت فيمن حضر العقبة الأولى، وكنا اثنى عشر رجلا ليبايعنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم» وكانت هذه البيعة بيانا للشرع الإسلامى فى العلاقات الاجتماعية، والأسرية، وأخذ العهد عليهم أن يقوموا بحقها، وهى جزء من الإسلام على عقيدة التوحيد، والعبادات، على أساس هذه العقيدة.
وقد ذكر عبادة بن الصامت نص هذه المبايعة، فقال: «بايعنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ليلة العقبة الأولى على ألا نشرك بالله شيئا، ولا نسرق ولا نزنى، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتى ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه فى معروف، قال رسول الله ﷺ: فإن وفيتم فلكم الجنة،
[ ١ / ٤٣٧ ]
وإن غشيتم شيئا فأخذتم بحده فى الدنيا فهو كفارة له، وإن سترتم عليه إلى يوم القيامة، فأمركم إلى الله تعالى، إن شاء عذب وإن شاء غفر. ولقد قال الحافظ ابن كثير، إن هذا الحديث مخرج فى الصحيحين وغيرهما من طرق عن ابن شهاب الزهرى. ونرى أن هذه المبايعة كانت لبيان بعض التكليفات الإسلامية التى لا اختلاف فيها، وما كانت للإيواء والنصرة، لأن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم لم يكن قد قرر الهجرة إليهم، ولم يكن قد جاءه الأمر بذلك، أو الإيحاء به، ولأنه لا يأخذ بعهد النصرة، قبل عهد الإيمان، فما كان عهداهم عهد جوار، ولكن عهد تأييد، ومحاربة دون الإسلام، ولا تكون إلا بعد توثيق كلمة الإيمان، وحقها.
وقد سمى كثيرون من كتاب السيرة هذه البيعة بيعة النساء، وما كانت هذه التسمية فيما نحسب فى وقت البيعة، إنما كانت بعد ذلك لمشابهتها لما ذكره القران الكريم من مبايعة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم للنساء فى أحكامها، وإن اختلف وقتها، واختلف موضوعها، فتلك كانت مع النساء، أما هذه فكانت مع الرجال، وهى للرجال وللنساء على سواء. وهذا نص بيعة النساء كما جاء بها القران الكريم، فقد قال الله تعالى فى سورة الممتحنة: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلا يَسْرِقْنَ، وَلا يَزْنِينَ، وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ، وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ، فَبايِعْهُنَّ، وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ، إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ «١» بيعة النساء بعد الهجرة.
مصعب بن عمير:
٣١٢- انصرف القوم إلى يثرب تحفهم بركة الله، ونعمة الإيمان، فبعث معهم مصعب بن عمير الذى يلتقى فى النسب مع النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فى قصى بن حكيم، فهو كما جاء فى نسبه مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصى.
وقد أرسله إليهم، ليدعو إلى الله تعالى من لم يؤمن، وليعلمهم، ويفقههم فى الدين، ويقرأ عليهم القران الكريم.
ويذكر البيهقى بسنده عن عمرو بن قتادة أن رسول الله ﷺ، إنما بعث إليهم مصعبا حين كتبوا إليه أن يبعثه إليهم، وهو الذى يذكره موسى بن عقبة «٢» .
_________________
(١) سورة الممتحنة: ١٣.
(٢) البداية والنهاية لابن كثير ج ٣ ص ١٥١.
[ ١ / ٤٣٨ ]
وإنا ترجح أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم هو الذى اختار لهم مصعبا، وأنه قرر أن يبعثه إليهم ليعلمهم الإسلام ويتلو عليهم، فما كان من المعقول أن يتركهم صاحب الرسالة، وقد استجابوا لله وللرسول من غير أن يرسل إليهم من يعلمهم، ولعلهم قد كتبوا إلى الرسول أيضا، فالتقت رغبتهم مع ما قرره النبى صلى الله تعالى عليه وسلم.
ذهب إليه مصعب بن عمير، ومعه علم الإسلام، وعلم القران الكريم، فأخذ يعلمهم مباديء الإسلام، وعباداته ويقرئهم القران الكريم، ولذلك سمى فى المدينة (المقريء) .
وقد نزل عندما قدم المدينة عند أسعد بن زرارة.
وكان يؤم المسلمين بالمدينة المنورة فى الصلاة، لأنه أعلمهم بالقران الكريم وبالإسلام، إذ جاء ليعلمهم، فهم منه بمقام التلميذ من الأستاذ، ولأنه رسول رسول الله ﵊ صاحب الرسالة، فهو نائبه، والنائب يستمد ممن أنابه السلطان، ويضيف الرواة سببا اخر مستمدا من العصبية الأولى، وهو أن الأوس كرهوا أن يؤمهم خزرجى، والخزرج كرهوا أن يؤمهم أوسى، فكان الوفاق على أن يؤمهم مصعب، ونرى أن السببين الأولين كافيان وهما الأليق برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وروى أنه كان يتبادل الإمامة مع مصعب، أسعد بن زرارة.
أول جمعة أقيمت بالمدينة المنورة:
٣١٣- هذا عنوان أخذناه من سيرة ابن هشام، رواه عن ابن إسحاق، ونقول فيه: إن هذه البيعة والاتصال بقبائل يثرب كان بعد الإسراء والمعراج، حيث فرضت الصلوات الخمس، والجمعة قائمة مقام صلاة الظهر وهى إحدى الخمس. وكان لابد أن تقام الجمعة فى المدينة المنورة بعد أن فشا الاسلام، وسارت فى الطريق، لتكون مدينة إسلامية، يأمن فيها المسلم على نفسه وعلى دينه، والجمعة تقوم حيث الأمن، واستقرار الأمور على الوجه الإسلامى الذى يبتغيه محمد صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه.
لقد أخذ أسعد بن زرارة الذى نزل عنده مصعب بن عمير ﵄ وذهبا إلى جبل هزم النبيت من حرة بنى بياضة فى بقيع يقال له بقيع الخضمات وكانت عدتهم يومئذ أربعين رجلا.
روى ابن إسحاق بسنده عن أبى الشامة عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك حين ذهب بصره قال: كنت إذا خرجت به إلى الجمعة، فسمع الأذان صلى على أبى أمامة، أسعد بن زرارة، فمكثت حينا على ذلك لا يسمع الأذان لجمعة إلا صلي عليه واستغفر له، فقلت فى نفسى، والله إن
[ ١ / ٤٣٩ ]
هذا بى لعجز، ألا أسأله ماله إذا سمع أذان الجمعة صلى على أبى أمامة أسعد بن زرارة، فخرجت به فى يوم جمعة، كما كنت أخرج، فلما سمع الأذان للجمعة صلى عليه، واستغفر له، فقلت: «يا أبت مالك إذا سمعت الجمعة صليت على أبى أمامة، فقال: أى بنى كان أول من جمع بنا فى المدينة فى هزم النبيت من حرة بنى بياضة فى مكان يقال له بقيع الخضمات، قلت: وكم أنتم يومئذ؟ قال:
أربعون رجلا «١» .
ولم يكن عمل مصعب وأسعد بن زرارة من بنى النجار مقصورا على إقامة الصلوات، بل أخذا يدعوان إلى الإسلام فى يثرب.
فقد جاء فى السيرة لابن إسحاق وفى البداية والنهاية لابن كثير. أنهما أخذا يدعوان إلى الإسلام بنى عبد الأشهل، وبنى ظفر، وهما من أقوى الأنصار صوتا، وأبعدهم ذكرا. وإليك ما جاء فى البداية والنهاية: كان سعد بن معاذ ابن خالة أسعد بن زرارة، فدخل به حائطا من حوائط بنى ظفر فجلسا فى الحائط (البستان) واجتمع إليهما رجال ممن أسلموا، وسعد بن معاذ، وأسيد بن الحضير يومئذ من بنى عبد الأشهل، كلاهما مشرك على دين قومه. فقال سعد لأسيد: لا أبالك انطلق إلى هذين الرجلين اللذين قد أتيا دارينا ليسفها ضعفاءنا فازجرهما، وانههما أن يأتيا دارينا فأخذ أسيد بن حضير حربته، ثم أقبل إليهما. فلما راه أسعد بن زرارة قال لمصعب: هذا سيد قومه، قد جاءك، فاصدق الله فيه فوقف عليهما أسيد متشمتا، ثم قال: ما جاء بكما إلينا، تسفهان ضعفاءنا؟ اعتزلانى، إن كان لكما بأنفسكما حاجة، وقال غلام: أتيتنا فى دارنا رعديد الغريب لتسفه ضعفاءنا بالباطل، وتدعوهم إليه.
فقال مصعب لأسيد: أو تجلس فتسمع، فإن رضيت أمرا قبلته، وإن كرهته كف عنك ما تكره.
قال: أنصت. ثم ركز حربته وجلس، فكلمه مصعب بالإسلام، وقرأ عليه القران الكريم.
فقال مصعب وأسيد، والله لعرفنا الإسلام فى وجهه، فى إشراقه وتسهله، قبل أن يتكلم.
فقال: ما أحسن هذا الكلام وأجمله، كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا فى هذا الدين، قالا له:
تغتسل فتطهر، وتطهر ثوبيك، ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلى ففعل ما طلب إليه، ثم قال لهما: إن ورائى رجلا إن اتبعكما لم يتخلف أحد من قومه، وسأرسله إليكما، سعد بن معاذ.
ثم أخذ حربته وانصرف إلى سعد وقومه وهم جلوس فى ناديهم، فلما نظر إليه سعد بن معاذ مقبلا قال: أحلف بالله، لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذى ذهب به من عندكم.
_________________
(١) سيرة ابن هشام ج ٢١ ص ٤١٥ والبداية والنهاية لابن كثير ص ١٥٢ ج ٣.
[ ١ / ٤٤٠ ]
فلما وقف على النادى، قال سعد: ما فعلت. قال كلمات الرجلين، فو الله ما رأيت بهما بأسا.
وقد نهيتهما فقالا: نفعل ما أحببت، وقد حدثت أن بنى حارثة خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه، وذلك أنهم عرفوا أنه ابن خالتك، ليحقروك.
فقام سعد مغضبا مبادرا، مخوفا للذى ذكر له من بنى حارثة، وأخذ الحربة فى يده، ثم قال: والله ما أراك أغنيت شيئا.
ثم خرج إليهما سعد، فلما راهما مطمئنين عرف أن أسيدا، إنما أراد أن يسمع منهما فوقف متشمتا، ثم قال سعد بن معاذ: والله يا أبا أمامة لولا ما بينى وبينك من القرابة، ما رمت هذا منى، أتغشانا فى دارنا بما نكره.
قال أسعد لمصعب: جاءك والله سيد من ورائه قومه إن يتبعك لا يتخلف منهم اثنان.
قال مصعب: أو تقعد فتسمع، فإن رضيت أمرا رغبت فيه قبلته، وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره.
قال سعد: أنصفت، ثم ركز الحربة وجلس. وعرض عليه الإسلام، وقرأ عليه القران الكريم، وذكر موسى بن عقبة أنه قرأ عليه أول سورة الزخرف حم. وَالْكِتابِ الْمُبِينِ. إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ. وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ. أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ. وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ فعرفنا فى وجهه الإسلام قبل أن يتكلم فى إشراقه وتسهله.
ثم قال سعد لهما: كيف تصنعون إذا أنتم دخلتم فى هذا الدين، قالا: تغتسل فتطهر، وتطهر ثوبيك ثم تشهد شهادة الحق، وقد أخذ حربته بعد أن فعل ما أشار به، فأقبل عائدا إلى نادى قومه، فلما راه قومه مقبلا، قالوا: نحلف بالله لقد عاد اليكم سعد بغير الوجه الذى ذهب به من عندكم، فلما وقف عليهم، وقف داعيا للإسلام، ويقول:
يا بنى عبد الأشهل، كيف تعلمون أمرى فيكم؟ قالوا: سيدنا وأفضلنا رأيا، وأيماننا نقيبة، قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم على حرام، حتى تؤمنوا بالله ورسوله «١» .
اجتمع مصعب وأسعد بن زرارة وسعد بن معاذ فى منزل أسعد، وأخذوا يدعون إلى الإسلام حتى فشا فى يثرب فأسلم بنو عبد الأشهل رجالا ونساء.
وقد فصلنا القول فى دعاية مصعب بن عمير، وأسعد بن زرارة، ونقلنا لك المجاوبة التى جرت بين الزعماء والكبراء، فإن الاستماع إلى كلمات الرجال، كما جرت على أفواههم تصور حالهم ونفوسهم.
_________________
(١) البداية والنهاية لابن كثير ج ٣ ص، ١٥٢، ١٥٣
[ ١ / ٤٤١ ]
لقد كانوا ينتهون من المجاوبة إلى الإصغاء إلى دعوة الحق واتباعها من غير تلكؤ، وإن هذا يدل على صفاء نفوسهم، وحيث خلت النفوس من المنازعات بالشرف، والمنافسة فى الفخر، فإنها تتجه إلى الحق بقلب سليم، فتسارع إلى الدخول فيه، وقد أحسوا أن فى الاتباع منجاة لهم من التفرق والنزاع الذى أداهم إلى الحرب، وعضتهم بنابها، وفوق ذلك كانت وصلتهم إرهاصات بذكر النبوة المحمدية كان يستفتح بها اليهود عليهم.
العقبة الثانية
٣١٤- جاءت العقبة الأولى بعد اللقاء الأول بين النبى صلى الله تعالى عليه وسلم والخزرج وبهم انتقل خبر الإسلام إلى يثرب التى أعدها الله تعالى لتكون المدينة الفاضلة، مدينة الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم، ثم كان فى العقبة الأولى التعريف بمباديء الإسلام والبيعة بها، على أن تكون هذه البيعة الميثاق الذى أخذه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، وكانت البيعة الثانية فى العقبة بعد أن فشا الإسلام، وكانت تمهيدا للانتقال إلى المدينة والهجرة، ويظهر أنها كانت فى اخر موسم حضره النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بالمدينة المنورة، والعقبة الأولى كانت فى الموسم الذى قبله، ولذلك كانت البيعة فيها بالإيواء والنصرة، كما يتبين ذلك.
ويظهر أن خبر اتصال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كان يتسرب إلى قريش، ويحاولون أن يأخذوا حذرهم، إذ رأوا أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كان يعرض نفسه على القبائل، وهم يتوجسون خيفة من أن تخرج الدعوة إلى التوحيد من بين ظهرانيهم إلى العرب، وإنهم يتوقعون منهم الاستجابة، ليستعين بهم، ويتخذ منهم قوة عليهم.
وقد رأينا كيف يتعقبه أبو جهل وأبو لهب، ويتناوبان.
لذلك عندما جاء مصعب من يثرب هو وأسعد بن زرارة، ومعهم جماعات من الأوس والخزرج، قد أسلموا، وقد كان معهم من سكان يثرب من كانوا لا يزالون على وثنيتهم، ولم يذوقوا بعد بشاشة الإسلام، ومنهم من تتجافي قلوبهم دونه مثل عبد الله بن أبى بن سلول الذى أكله بغض الإسلام والمسلمين، حتى صار رأس النفاق فى المدينة المنورة من بعد، وكان يضع الفتنة ويبنيها، ويثيرها حيثما وجد إلى ذلك سبيلا.
ولقد أخذ النبى صلى الله تعالى عليه وسلم حذره من ناحيتين، من ناحية قريش الذين احتسبوا بأن أمرا يدبر من ورائهم، ولقد كان يرى عيونهم تبث من حوله، حتى أن الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم
[ ١ / ٤٤٢ ]
ليقول لوفد الأوس والخزرج عندما التقى بهم فى العقبة: «ليتكلم متكلمكم، ولا يطل الخطبة، فإن عليكم من المشركين عينا، وإن يعلموا بكم يفضحوكم» .
والناحية الثانية من أولئك المشركين الذين صحبوا المسلمين من الأوس والخزرج، ولعله صلى الله تعالى عليه وسلم فيما حذر من عيون المشركين، كان كلامه يعم الفريقين، فريق قريش، وفريق المشركين الذين صحبوا وفد الإيمان.
ولهذا لم يلتق فى أول حضورهم، بل ضرب لهم موعدا فى أيام منى، فلم يأخذ عليهم البيعة فى أول لقاء.
فروى ابن إسحاق بسنده عن كعب بن مالك، قال «خرجنا إلى الحج وواعدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بالعقبة من أواسط أيام التشريق فلما فرغنا من الحج، وكانت الليلة التى واعدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وكنا نكتم من معنا من قومنا من المشركين.
ويقول كعب فى هذه الرواية: فنمنا تلك الليلة فى قومنا فى رحالنا حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم نتسلل تسلل القطا مستخفين، حتى اجتمعنا عند العقبة ونحن ثلاث وسبعون رجلا، ومعنا امرأتان.
هذه رواية كعب بن مالك، وروى أنهم كانوا سبعين، ومعهم امرأتان.
التقى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، فى الميقات المحدود، والمكان المعين وقد صحبه فى هذا اللقاء عمه العباس بن عبد المطلب، وهو على دين قومه وإنما صحبه ليتوثق له، ويطمئن على نصرته، وقد قال فى هذا اللقاء: «يا معشر الخزرج «١»، إن محمدا منا، حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا، ممن هم على مثل رأينا فيه فهو فى عز من قومه، ومنعة فى بلده، وإنه قد أبى إلا الانحياز إليكم، واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، وما نعوه من خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج إليكم، فمن الان فدعوه، فإنه فى عزة ومنعة من قومه وبلده.
عندئذ قال قائل الأوس والخزرج: قد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله، فخذ لنفسك ولربك ما أحببت.
فتكلم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ودعا إلى الله تعالى، ورغب فى الإسلام.
وقد طلب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن يختاروا من بينهم اثنى عشر نقيبا ففعلوا.
_________________
(١) قال ابن هشام: كانت العرب يسمون هذا الحى الخزرج، خزرجها وأوسها، ولعل ذلك لأنهم كانوا أكثر أو أظهر عند قريش.
[ ١ / ٤٤٣ ]
البيعة:
٣١٥- هذه هى البيعة الثانية، كما جاءت بذلك الروايات المتضافرة وقد انقسمت البيعة إلى قسمين:
أحدهما- لتوثيق مباديء الإسلام؛ وقد روى الإمام أحمد فى هذا القسم: أن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم قال فيه: «تبايعون على السمع والطاعة فى النشاط والكسل، والنفقة فى العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر. وأن تقولوا فى الله لا تخافون لومة لائم» .
والقسم الثانى- خاص بنصرته صلى الله تعالى عليه وسلم. وأن يمنعوه.
ويروى ابن إسحاق عن أبى أمامة أسعد بن زرارة أنه قال للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم:
سل يا محمد لربك ما شئت، ثم سل لنفسك ما شئت، ثم أخبرنا مالنا من الثواب على الله وعليكم إذا فعلنا، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «أسئلكم لربى أن تعبدوه، ولا تشركوا به شيئا، وأسئلكم لنفسى وأصحابى أن تؤوونا وتنصرونا، وتمنعونا مما تمنعون منه أنفسكم» .
وروى الإمام أحمد أيضا عن عبادة بن الصامت أنه قال: إنا بايعنا رسول الله على السمع والطاعة فى النشاط والكسل، والنفقة فى العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وعلى أن نقول فى الله، لا تأخذنا فيه لومة لائم، وعلى أن ننصر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا قدم علينا يثرب، مما نمنع به أنفسنا وأزواجنا وأبناءنا، ولنا الجنة.
هذه روايات متعددة فى ألفاظ البيعة ومعانيها، ولا تخالف بينها، بل يكمل بعضها بعضا، وإذا كانت نقصت بعض العبارات من رواية، فإن الرواية الاخرى تكملها.
ولقد قال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فى نتيجة البيعة «أخذت وأعطيت» أخذ عليهم العهد لله بالتوحيد والطاعة والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وأعطاهم الوعد بالجنة.
ولقد أعطوا الوعد بالنصر والإيواء عن بينة من ربهم، فقد بين بعضهم لبعض ما فى الوعد بالنصر من تبعات، سيتحملونها، ولنذكر لك بعض ما تذاكروه قبل أن يصفقوا بالبيعة، أو فى عنفها.
قال العباس بن عبادة بن فضلة الأنصارى أحد بنى سالم بن عوف: هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل؟ قالو: نعم.
قال: إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس، فإن كنتم ترون أنكم إذا أنهكت أموالكم مصيبة وأشرافكم قتلا أسلمتموه فمن الان، فهو والله إن فعلتم خزى الدنيا والاخرة، وإن كنتم ترون أنكم
[ ١ / ٤٤٤ ]
وافون له بما دعوتموه إليه، على نهكة المال وقتل الأشراف فخذوه، فهو والله خير الدنيا والاخرة، قالوا: فإنا نأخذه على مصيبة الأموال، وقتل الأشراف.
ولقد قال البراء بن معرور أحد النقباء مجيبا قول النبى صلى الله تعالى عليه وسلم عندما طلب أن يمنعوه مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم. قال رضى الله تعالى عنه:
نعم، فو الذى بعثك بالحق لنمنعك مما نمنع أزرنا. فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أبناء الحروب ورثناها كابرا من كابر.
واعترض أبو الهيثم بن التيهان فقال: «يا رسول الله، إن بيننا وبين الرجال حبالا- وإنا قاطعوها- يعنى اليهود- فهل عسيت إن قبلنا ذلك، ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا.
فتبسم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ثم قال: بل الدم الدم، والهدم الهدم، أنا منكم، وأنتم منى، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم.
ولقد قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بعد أن تمت البيعة: «أنتم بما فيهم كفلاء ككفالة الحواريين بعيسى ابن مريم، وأنا كفيل على مدتى» .
بهذا تمت البيعة الثانية، وكانت إيذانا بالهجرة، وكان أساس قيامها ما يكون من حماية للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم.
وقد كانت حماسة الأنصار لهذه البيعة شديدة، وبعضهم أراد تنفيذها؛ ومحاربة قريش فى عقر دارهم، لقد قال العباس بن فضلة الذى نقلنا كلامه انفا: يا رسول الله، والذى بعثك بالحق؛ إن شئت لنميلن على أهل منى عذابا بأسيافنا، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم.
علم قريش بالبيعة:
٣١٦- كان حذر النبى صلى الله تعالى عليه وسلم من أن يعلم المشركون بالبيعة قبل أن تتم فى موضعه، لأنهم كانوا يبثون العيون لمعرفة أخبار الخزرج والأوس، إذ كانوا يتوجسون منهم خيفة.
لقد رجع أهل البيعة إلى منازلهم فلما أضحوا غدا عليهم ناس من جلة قريش، حتى جاؤا إلى منازلهم.
[ ١ / ٤٤٥ ]
قالوا: يا معشر الخزرج، إنه قد بلغنا أنكم جئتم إلى صاحبنا تستخرجونه من بين أظهرنا وتبايعونه على حربنا وإنه والله ما من حى من العرب أبغض إلينا من أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم.
وقد كان من بين أهل يثرب مشركون مثلهم، وقد اجتهد الذين مال قلبهم للإيمان وأسلموا أن يخفوا عنهم أمر البيعة وما يتصل بها. لذلك انبعث من أولئك المشركين من يحلفون ما كان من هذا شيء وما علمنا، فصدق القرشيون مقالتهم.
وقد روى ابن إسحاق أن القرشيين أتوا عبد الله بن أبى بن سلول الذى صار من بعد رأس المنافقين، وكان من المشركين، فسألوه عن أمر البيعة، فقال لهم: إن هذا الأمر جسيم، ما كان قومى ليتفرقوا على مثل هذا، وما علمته. كان الأمر بالنسبة لقريش أول الأمر ظنا ظنوه، ولم يكونوا قد استوثقوا من صدقه، فكان التكذيب كافيا، لإزالة الظنة، ولكن لم يطمئنوا.
لذلك أخذوا يتحرون صدق الخبر، ليطمئنوا، فلما نفر الناس من منى، وجدوا أن البيعة قد تمت، أو أن ما ظنوه ظنا قد وقع.
راعهم ذلك، فخرجوا فى طلب القوم الذين بايعوا، فلم يلحقوا بهم، ولكن أدركوا منهم سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو، وكان كلاهما من النقباء، وقد استطاع المنذر ألا يمكنهم منه، فأعجزهم اتباعه.
وأما سعد بن عبادة فأخذوه فربطوا يديه إلى عنقه، ثم أقبلوا به حتى أدخلوه مكة المكرمة يضربونه، ويجذبونه بجمته «١»، وكان ذا شعر كثيف.
ولقد حكى سعد حاله، فقال: «فو الله إنى لفى أيديهم، إذ طلع على نفر من قريش فيهم رجل وضئ الوجه شعشاع، خلو من الرجال، فقلت فى نفسى إن يك عند أحد من القوم خير، فعند هذا، فلما دنا منى كلمنى كلمة شديدة، فقلت فى نفسى: «لا والله، ما عندهم بعد هذا من خير» فو الله إنى لفى أيديهم، إذ أدلى لى رجل ممن معهم، فقال: ويحك أما بينك وبين أحد من قريش جوار، ولا عهد. قلت: بلى والله، لقد كنت أجير لجبير بن مطعم.. تجارة، وأمنعهم ممن أراد ظلمهم ببلادى، وللحارث بن حرب بن أمية.. قال: ويحك.. وخرج ذلك الرجل إليهما فوجدهما فى المسجد عند الكعبة الشريفة، فقال لهما: إن رجلا من الخزرج يضرب بالأبطح، ويذكر أن بينكما وبينه جوارا، قالا:
ومن هو؟ قال: سعد بن عبادة، قالا: صدق والله! إنه كان ليجير تجارنا، ويمنعهم من أن يظلموا ببلده، فجاا فخلصا سعدا.
_________________
(١) الجمة مجتمع شعر الرأس من مقدمه.
[ ١ / ٤٤٦ ]
ذكرنا هذه القصة بطولها. ليتبين أن قريشا أحنقهم، أن استجيب طلب محمد ﵊ أن يجد المأوى لدعوته فى يثرب وظهر غضبهم فى تتبع القوم وفى الأذى الذى أنزلوه بسعد بن عبادة، وهو الذى أدركوه، وغيره قد اجتازوا الطريق، ورحلوا، قبل أن يصلوا، ولو أدركوهم فوق السبعين لا يعلم إلا الله تعالى كيف تكون العاقبة. ولعلها تكون أول موقعة بين المشركين والمسلمين، بل لعل هذه المطاردة ذاتها أول معركة بين قوة الإسلام ولو قليلة وقوة الشرك، وإن كانت كثيرة، ولعل المشركين أدركوا بأن عهد الاستضعاف أو شك على نهايته، والله ولى الصابرين.
ابتداء الهجرة
٣١٧- وجد المسلمون أنه صار لهم مأوى ينقلون إليه، وشعر المشركون أن الإسلام خرج نقيا طاهرا ظاهرا قويا من أرضهم ليكيل لهم الضربة بمثلها، والإيذاء بدفعه، وأن محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم قد صار له قوة تناوئهم إن أرادوا به كيدا، وأنه قد تلتف عليه قبائل العرب، قبيلة قبيلة، وما شعروا بالندم على أن حاربوه، ولم يمكنوه من الدعوة، بل لاقوه هو وصحبه بالأذى والاستهزاء، ولكن الندم لم يعرهم، لأنهم سادرون فى غيهم. وقد استولت عليهم العداوة، ومن استولى عليه العداء، وسيطرت البغضاء، لا يرعوى، ولا يتجه إلى الرجوع عما هو فيه، وكلما ازداد قوة ازداد حدة. ولا ندم من الحدة، لأن الندم شعور بسلطان الحق. وليس للحق سلطان فى قلوب المشركين الذين استمكن الشرك والتعصب فى قلوبهم، فلا تزيدهم مظاهر القوة فى الحق إلا عتوا واستكبارا، ولا ننسى أن المنافسة بين العشائر، والتنازع بين الشرف هى الأصل فى الإعراض، وتثبيت الكفر فى القلوب، وكلما ازدادت قوة الدعوة، حسبوا أن ذلك زيادة لشرف بنى هاشم أهل الرسول صلوات الله تعالى وسلامه عليه.
ولذلك اشتد كلبهم على المسلمين الذين بين ظهرانيهم، لما رأوهم يخرجون إلى القوة يتجمعون بها، ولم يخرجوا فارين بدينهم، كما خرجوا فى هجرة الحبشة مرتين، بل هم فى هذه المرة يخرجون ليجمعوا قوة يستعصمون بها بتوفيق الله تعالى، وهدايته.
وذلك هو الفرق الواضح بين هجرتى الحبشة، وهجرة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، ولذلك لم ترعهم هجرتا الحبشة، بل أثارت إشفاق بعض قريش كعمر بن الخطاب، كما ذكرنا، أما الهجرة إلى يثرب، فلقد أزعجتهم، وأثارت غضبهم، وإن كان ثمة إشفاق، فعلى أنفسهم لا على غيرهم.
هذا شعور المشركين من قريش عندما بايع أهل يثرب النبى صلى الله تعالى عليه وسلم، أما شعور المؤمنين الصابرين فقد ابتدأوا يحسون بنصر الله تعالى لهم، وأنهم صار لهم قوة، تدفع عنهم وبهم ذل
[ ١ / ٤٤٧ ]
الاستضعاف والاستهزاء، كما قال الله تعالى: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ.
النبى ﷺ يحرض المؤمنين على الهجرة:
٣١٨- أخذ رسول الله ﷺ من بعد البيعة الثانية- يحرض المؤمنين على الهجرة إلى يثرب. وأهل يثرب من الأوس والخزرج يدعون إلى دين الله تعالى، وينشرونه بين أهليهم وإخوانهم، حتى صاروا كثرة كاثرة فى المدينة، وصاروا هم أنصار رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وأصبحوا كالحواريين لعيسى ﵇، بيد أن الحواريين لم يكونوا عددا كثيرا، وكان الأنصار عددا كثيرا من بعد.
روى البخارى ومسلم بطرق مختلفة عن رسول الله ﵊ قال: «رأيت فى المنام أنى أهاجر إلى أرض بها نخل، وذهب وهمى إلى أنها اليمامة أو هجر، فإذا هى يثرب» وروى الزهرى عن عروة بن الزبير عن أم المؤمنين عائشة أنها قالت قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وهو يومئذ بمكة المكرمة للمسلمين: «قد أريت دار هجرتكم، أريت سبخة ذات نخل بين لابتين» فهاجر من هاجر قبل المدينة حين ذكر ذلك رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ورجع إلى المدينة من كان هاجر إلى الحبشة من المسلمين.
ويذكر ابن إسحاق في سيرة النبي ﷺ بروآياته أن الإذن بالهجرة أو الأمر بها ذكره الله سبحانه وتعالي في قوله تعالت كلماته: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا، وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ.
الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ، وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ، وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا، وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ، إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ. الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ، وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ «١» .
ونري أن هذه الايات الكريمات نزلت بالمدينة، لأن سورة الحج مدنية، ولأن الايات تنبيء عن أنهم أخرجوا بالهجرة من ديارهم وأن الإذن من الله بالخروج والإخراج قبل الهجرة، والسبب مقدم علي المسبب وأن الأمر فيها إذن بالقتال، وهو بعد الهجرة، بعد أن صارت قوة متجمعة في يثرب التي صارت مدينة الرسول.
_________________
(١) سورة الحج: ٣٩- ٤١.
[ ١ / ٤٤٨ ]
الإذن للمؤمنين بالهجرة.
٣١٩- أذن رسول الله ﷺ، وبين لهم أن فى يثرب الإيواء والنصرة وقال ﷺ: «إن الله تعالى قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون بها» .
بعد هذا الإذن الصريح الذى يكاد يكون أمرا، خرج المسلمون مهاجرين أرسالا، احادا وجماعات، ولم يجد المهاجرون السبيل ذللا سهلا، بل كانوا يجدون معوقين من قريش، لأن هؤلاء بعد أن علموا ببيعة الأنصار أدركوا أن المسلمين بمكة المكرمة يتجمعون بإخوانهم فى يثرب التى صارت مدينة رسول الله ﷺ فأخذوا يترصدون كل من هاجر، فإن استطاعوا منعه منعوه، فحاولوا أن يمنعوا أم سلمة وزوجها، وتركوه يهاجر دونها، وهى بإرادة مؤمنة صبرت وهاجرت واحدها، حتى وجدت من أهل المروءة من عاونها على هجرتها.
وأحيانا كانوا يتحايلون على المهاجرين بالكذب حتى يردوهم ثم يعذبوهم غير موفين بعهد أو ذمة، ولنضرب لذلك مثلا، بأحد المهاجرين وهو عياش بن أبى ربيعة.
يروى أن عياشا هذا عندما هم بالهجرة خرج إليه أبو جهل بن هشام والحارث بن هشام، وكان ابن عمهما وأخاهما لأمهما، فتتبعاه، حتى قدم المدينة المنورة، والنبى ﷺ لم يكن قد هاجر بعد، بل كان لا يزال بمكة المكرمة وقالا له: إن أمك قد نذرت ألا يمس رأسها مشط حتى تراك، ولا تستظل من شمس حتى تراك، فرق لها، فقال له عمر وكان معه: «يا عياش إنه والله، إن يريدك القوم إلا ليفتنوك عن دينك فاحذرهم، فو الله لو اذى أمك القمل لا متشطت، ولو اشتد عليها حر مكة لاستظلت، فقال، وهو مخدوع: أبر أمي، ولى هناك مال فاخذه. قال له عمر: والله إنك لتعلم أنى لمن أكثر قريش مالا، فلك نصف مالى ولا تذهب معهما. فلما أبى ذلك قال عمر الرفيق الشفيق، أما إذ فعلت ما فعلت، فخذ ناقتى هذه، فإنها ناقة نجيبة ذلول، فالزم ظهرها، فإن رابك من أمر القوم ريب، فانج عليها، فخرج عليها معهما، حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال له أبو جهل: يا أخي، والله لقد استغلظت بعيرى هذا، أفلا تعقبنى على ناقتك هذه. قال: بلي، فأناخ وأناخها ليتحولا عليها، فلما استووا بالأرض عدوا عليه، فأوثقاه رباطا، ثم دخلا به مكة المكرمة، ففتناه فافتتن، وخرج من الإسلام مكرها، وقلبه مطمئن بالإيمان.
وكان صاحب عمر فى الهجرة، ومعهما صاحب ثالث، وهو هشام بن العاص أدركه أهله قبل أن يصل إلى المدينة المنورة ففتنوه عن دينه ففتن.
قال عمر صاحب الرواية كلها، وكان قد صحبهما فى الهجرة، «كنا نقول لا يقبل الله ممن افتتن» وفى رواية عبد الله بن عمر عن أبيه قوله «ما الله بقابل ممن افتتن صرفا ولا عدلا، ولا توبة؛ قوم عرفوا الله، ثم رجعوا إلى الكفر لبلاء أصابهم» وكانوا يقولون هم لأنفسهم ذلك.
[ ١ / ٤٤٩ ]
ولعل هذا الاعتقاد الذى سكن قلب عمر الفاروق، وسكن قلوب أولئك المؤمنين الأولين، إنما هو لكى يتحملوا أقصى ما يمكن من البلاء، وليكون صبرهم تحريضا لغيرهم، فقوة الإيمان تسرى من أقوياء النفوس إلى ضعفائها، وإن الماء العالى يهبط إلى السافل، لتتوازن النفوس كالسوائل.
لما قدم رسول الله ﷺ إلى المدينة المنورة أنزل الله تعالى: قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ، لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا. إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ، ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ.
وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً، وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ «١» .
لما نزلت هذه الاية لم ينس عمر الكريم صاحبيه اللذين كانا على نية مرافقته، ورافقه أحدهما، ثم افتتن فى دينه وافتتن الاخر قبل أن يسافرا، ولأنه لم ينسهما أرسل إليهما فى صحيفة هذه الاية الكريمة، أرسلها إلى هشام بن العاص الذى افتتن أولا- فلما قرأها فهمها بعد أن استعصى عليه فهم ما يقصد عمر من كتابتها إليه، وعرف أنها أنزلت فيه وفى أمثاله، ممن كانوا قد قنطوا من رحمة الله تعالى.
وهناك رواية أخرى تقول: إن رسول الله ﷺ، وهو بالمدينة المنورة، قال: من لى بعياش بن أبى ربيعة، وهشام بن العاص، فقال الوليد بن الوليد بن المغيرة: أنا لك يا رسول الله (ﷺ) بهما، فخرج إلى مكة المكرمة مستخفيا فلقى امرأة تحمل طعاما، فقال لها: أين تريدين يا أمة الله؟ قالت: أريد هذين المحبوسين (تعنيهما)، فتبعها حتى عرف موضعهما، وكانا محبوسين فى بيت لا سقف له، فلما أمسى تسور عليهما، ثم أخذ ردة (أى خنجرا) فوضعها تحت قيديهما، ثم ضربهما بسيفه، فحل القيدان، ثم حملهما على بعيره.
٣٢٠- من أجل هذا التتبع الشديد من المشركين، كان المؤمنون يتسللون فى هجرتهم لواذا استخفاء من ظلم قريش، الذى انبعث من خوف تجمع المؤمنين بيثرب لينقضوا عليهم، ويمنعوهم من فتنة الناس فى دينهم، وكان الأقوياء منهم يختارون التستر ليظفروا بالهجرة فى أمان من الأذي، إلا عمر بن الخطاب الذى أبى إلا أن يجهر بالإيمان فى كل موطن من مواطن مكة المكرمة، وأبى الاستخفاء، فهو فى الهجرة أيضا أبى الاستخفاء، وخرج مجاهرا بالهجرة متحديا من يقف فى سبيله.
روى على بن أبى طالب كرم الله تعالى وجهه فى الجنة أنه قال: «ما علمت أحدا من المهاجرين هاجر إلا مختفيا إلا عمر بن الخطاب (رضى الله تعالى عنه) فإنه لما هم بالهجرة تقلد سيفه،
_________________
(١) سورة الزمر: ٥٣- ٥٥.
[ ١ / ٤٥٠ ]
وتنكب قوسه، وانتضى فى يديه أسهما، واختصر عنزته، ومضى قبل الكعبة الشريفة، والملأ من قريش بفنائها، فطاف بالبيت سبعا، ثم أتى المقام، فصلى ركعتين، ثم وقف على الحلق واحدة واحدة فقال:
شاهت الوجوه، لا يرغم الله إلا هذه المعاطس، من أراد أن تثكله أمه، أو ييتم ولده، أو ترمل امرأته، فليلقنى وراء هذا الوادى «١» .
وقد يسأل سائل: إن المشهور أن عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه صحب فى رحلته عياش ابن أبى ربيعة. وكان فى عزمته أن يصحبهما هشام بن العاص، فكيف نوفق بين هذه الرواية المشهورة ورواية على كرم الله وجهه؟ ونقول فى الجواب عن ذلك، إن الجمع بين الروايتين ممكن، ومتى أمكن الجمع يتعين تصديق الروايتين، إذ لا ترد إحداهما إلا إذا تعذر التوفيق بينهما.
والتوفيق ممكن وظاهر، إذ أن الصحبة كانت فى السفر، وواضح أن السفر يكون بعد اعتزام النية والإصرار، وقد كان متفقا معهما على أن يلتقيا معه فى مكان يقال له التناضب، من أضاة بنى غفار.
والواقعة التى رواها على كرم الله وجهه كانت وهو لا يزال بمكة المكرمة، وقد أعلن الهجرة، فهو قد قال ما قال معلنا هجرته، متحديا قريشا، ثم أخذ طريقه إلى المكان الذى اتعدوا فيه، فوجد عياشا، وتخلف عنهما هشام، إذ افتتن فى دينه، واستجاب لهم وقلبه مطمئن بالإيمان.
كانت هجرة المهاجرين سرا، أو على استخفاء من قريش.
وكانوا ينزلون فى مهجرهم على الأنصار، فينزلون معهم فى بيوتهم، فعمر بن الخطاب حين انتقل إلى المدينة المنورة ولحق به أهله وأخوه زيد بن الخطاب، وعمرو بن سراقة وغيرهم، نزلوا على رفاعة بن عبد المنذور بن زهير فى بنى عمرو بن عوف فى قباء. ونزل طلحة بن عبيد الله، وصهيب بن سنان، على خبيب بن أصاف، وهكذا غيرهم نزل فى منازل الذين اووا ونصروا، وكانوا يرحبون بهم، وكأنهم بين أهليهم وذويهم، لأن الإيمان الصادق جمعهم، ومحبة الله ورسوله ﵊ فاضت عليهم، فجعلتهم أحبابا على مائدة الرحمن، وقد علموا فضل إخوانهم المهاجرين الذين صبروا عند الصدمة الأولي، وأوذوا فى أنفسهم وأخرجوا من ديارهم وأموالهم، فجعل الله تعالى من خوفهم أمنا، ومن ذل ضعفائهم عزة، إذ اعتزوا بعزة الله تعالي، وكان بهم بتوفيق الله أن صارت كلمة الله تعالى هى العليا، وقد قال الله تعالى فى المهاجرين والأنصار:
لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانًا، وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ. وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ
_________________
(١) راجع في هذا أشهر مشاهير الإسلام للمرحوم رفيق العظم طبعة ١٩٧٢ الناشر (دار الفكر العربي) .
[ ١ / ٤٥١ ]
مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ، وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ، وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ، وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ «١» .
ويقول الله سبحانه تعالت كلماته: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ، وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ، وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ، خالِدِينَ فِيها أَبَدًا ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ «٢» .
فالسابقون الأولون هم الذين هاجروا فارين بدينهم، مجتمعين فى ظل الله تعالي، ولا ظل غيره، والأنصار الذين ولو هم فى السبق، وفتحوا لهم ديارهم، إذ فتحوا لهم قلوبهم، واثروهم على أنفسهم، أولئك لهم الفضل الأول فى السبق إلى اتباع الرسول ﵊، والذين دونهم اتبعوهم بإحسان؛ فهؤلاء لهم فضل السبق، والاخرون لهم فضل الاتباع.
هجرة النبى ﷺ
٣٢١- أخذ المسلمون يهاجرون زرافات وواحدانا مستخفين، وقليل منهم من هاجر معلنا، كما فعل عمر رضى الله تعالى عنه، فقد أعلن هجرته وتحداهم أن يمنعوه، وعلى كرم الله وجهه يخص عمر بأنه الذى أعلن وتحدي، ولعل ما انفرد به عمر ﵁ هو هذا التحدى. ولا شك أن من الأقوياء من يعلن ولا يختفى، كسيد الشهداء حمزة بن المطلب، فما كان لمثل حمزة فى قوته وبأسه وإيمانه أن يختفى، وفوق ذلك فإن عشيرته من بنى هاشم وعلى رأسهم العباس بن عبد المطلب لا يرضون أن يرهقوا حمزة فى إرادته، أو لا يوافقوه على هجرته، وقد رضى العباس بهجرة الرسول ﷺ، كما تدل على ذلك خطبته فى العقبة الثانية، حيث كانت البيعة الثانية على الإيواء والنصرة، بل لو سايرنا التصور العقلى المنطقى لقلنا أن العباس كان يرحب بهجرة حمزة ليكون بجوار ابن أخيه، ينصره مع الناصرين.
ما بقى من المؤمنين من يثبت أنهم لم يهاجروا قبل النبى ﷺ إلا على وأبو بكر، فأما على فهو مع النبى ﷺ وقد ثبت أنه هاجر بعد النبى بأمر منه صلى الله تعالى عليه وسلم بأن يبقى من بعده ليرد الودائع، أما أبو بكر رضى الله تعالى عنه فقد كان يهم بالهجرة، والنبى ﷺ يستبقيه، ويشير إليه بمعاريض القول بأنه قد يكون صاحبه، ثانى اثنين.
_________________
(١) سورة الحشر: ٨، ٩.
(٢) سورة التوبة: ١٠٠.
[ ١ / ٤٥٢ ]
لقد قال ابن إسحاق فى السيرة: «أقام رسول الله ﷺ بمكة المكرمة بعد أصحابه من المهاجرين ينتظر أن يؤذن له فى الهجرة، ولم يتخلف معه بمكة المكرمة أحد من المهاجرين، إلا من حبس أو فتن إلا على بن أبى طالب، وأبو بكر بن أبى قحافة الصديق ﵄، وكان أبو بكر كثيرا ما استأذن النبى ﷺ فى الهجرة، فيقول له رسول الله ﷺ: لا تعجل لعل الله تعالى يجعل لك صاحبا، فيطمع أبو بكر أن يكونه.
كان النبي ﷺ يستعد للهجرة منذ البيعة الأولى عندما التقى بالأوس والخزرج، بدليل هذه المبايعة، ثم كانت البيعة الثانية بيعة الإيواء والنصرة دليلا على أنه اعتزم الهجرة وأرادها، ثم من بعدها أذن رسول الله ﷺ، أو أمرهم بأن يهاجروا، فهاجروا زرافات وواحدانا، مستخفين فى الأكثر، معلنين فى الأقل، فكانت الهجرة ترتيبا للدعوة، وخروجا من موطن لا قوة للإسلام فيه إلى بلد يكون للإسلام فيه قوة، ويكون له فيها السلطان لانشاء دولة إسلامية، فما كان من المعقول أن ينفذ النبى ﷺ مباديء الإسلام فى مكة المكرمة، وهى فى ظل الوثنية، ويحكمها مشركون، فالزكاة لا يمكن جمعها إلا فى ظل سلطان عادل يجمعها من الأغنياء، ويردها على الفقراء، وتنفيذ مباديء المساواة والإخاء، ودعوة المسلمين إلى التراحم ليكونوا أشداء على الكفار رحماء بينهم، وما كان يمكن أن يقيم الحدود الزاجرة، لبناء دولة فاضلة، ولا القصاص العادل، ولا لينظم المعاملات بين الناس على أساس من الرضا والعدل، وما كان ليحارب الربا الجاهلي، ما كان يمكن شيء من ذلك إلا فى ظل الله تعالي، وبدولة إسلامية تنفذ أوامر الله تعالي، وتبعد الناس عن نواهيه، وما كان يمكنه ﵊ أن يقيم رأيا عاما فاضلا، يقوم المنحرف، ويرشد المسترشد، ويكافيء المحسن إلا فى ظل دعائم الإسلام، ولتثبت أركانه، وتعم فى الوجود الإنسانى دعوته، وليست الهجرة جاءت بسبب حادث وقع، أو خوف لأمر متوقع.
ما اقترن بالهجرة المحمدية:
٣٢٢- اقترنت الهجرة بواقعة وقعت من قريش، فظن كثير من كتاب السيرة أن هذه الواقعة هى سبب الهجرة، وأن الهجرة كانت أمرا مسببا لها، ولكن الهجرة كانت أمرا مقررا، وتنظيما محكما.
يقول الله ﵎: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ، وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ، وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ «١» فهم يدبرون من جانبهم، والله تعالى يدبر أمرا، قد وجه النبى ﷺ إليه، وهو الهجرة، والأمر الذى مكروا به وتامروا عليه خلاصته ما ذكرته الاية الشريفة.
_________________
(١) سورة الأنفال: ٣٠.
[ ١ / ٤٥٣ ]
رأى المشركون أن مكة المكرمة قد خرج منها الذين اتبعوا محمدا ﵊، ليتجمعوا، وليكونوا مع أهل يثرب قوة تقاوم الشرك وتنقض على المشركين، وأنهم بلا ريب أشد أعداء محمد ﵊ وأتباعه، فلابد أن تكون تلك القوة عليهم، وأن عليهم أن يتداركوا الأمر قبل أن يستفحل، وأن تتحقق المارب.
وإذا كان الأتباع قد هاجروا، ولم يبق إلا ضعيف أو عبد، فإن محمدا ﵊ لا يزال بين ظهرانيهم، وهو الرأس وغيره أتباع، فإذا نالوا منه، فقد تحقق مأربهم.
قال ابن إسحاق فى سيرته: لما رأت قريش أن رسول الله ﷺ، قد صار له شيعة وأصحاب من غيرهم، وغير بلدهم، ورأوا خروج أصحابه من المهاجرين إليهم- عرفوا أنهم أصابوا دارا وأصابوا منهم منعة، فحذروا خروج رسول الله ﷺ إليهم، وعرفوا أنه قد أجمع لحربهم.
اجتمعوا فى دار الندوة، وهى دار قصى بن كلاب، وكانت مجتمع أمر قريش، لا يقضون أمرا ذا بال إلا فيها، اجتمع فى الندوة كبراء قريش، ودلف عليهم رجل من نجد، حضر جمعهم، قيل إنه إبليس، وإن لم يكن هو فهو مثله خبثا.
تشاوروا فى أمر محمد ﷺ، وقال بعضهم لبعض إن هذا الرجل قد كان من أمره ما قد رأيتم، فإنا والله ما نأمنه على الوثوب علينا فيمن قد اتبعه من غيرنا فأجمعوا فيه رأيا.
فقال قائل منهم: احبسوه فى الحديد، وأغلقوا عليه بابا، ثم تربصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء الذى كانوا قبله، ومن مضى منهم من هذا الموت.
قال الشيخ النجدي: ما هذا لكم برأي، ولئن حبستموه كما تقولون ليخرجن أمره من وراء الباب الذى أغلقتم دونه إلى أصحابه، فلأوشكوا أن يثبوا إليكم، لينزعوه من أيديكم، ثم يكاثروكم به، حتى يغلبوكم على أمركم، ما هذا لكم برأى فانظروا فى غيره.
فقال قائل منهم: نخرجه من بين أظهرنا، فننفيه من بلادنا، فإذا أخرج عنا، فو الله ما نبالى أين ذهب، ولا حيث وقع، إن غاب عنا، وفرغنا منه، فأصلحنا أمرنا وألفتنا كما كانت.
فقال الشيخ النجدى: لا والله ما هذا لكم برأي، ألم تروا حسن حديثه وحلاوة منطقه، وغلبته على قلوب الرجال بما يأتى به، فو الله لو فعلتم ما أمنتم أن يحل على حى من العرب، فيغلب عليهم بذلك من قوله وحديثه حتى يتابعوه عليه، ثم يسير بهم إليكم، حتى يطأكم بهم فى بلادكم، فيأخذ أمركم من أيديكم، ثم يفعل بكم ما أراد، فروا فيه رأيا غير هذا.
[ ١ / ٤٥٤ ]
فقال أبو جهل بن هشام، والله إن لى فيه لرأيا ما أراكم وقعتم عليه بعد، قالوا: وما هو يا أبا الحكم؟
قال: أري أن نأخذ من كل قبيلة فتى شابا نسيبا وسيطا فتيا، ثم نعطى كل واحد منهم سيفا صارما، ثم يعمدوا إليه، فيضربوه ضربة رجل واحد، فيقتلوه، فنستريح منه، فإنهم اذا فعلوا ذلك تفرق دمه فى القبائل جميعا، فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعا، فيرضوا منه بالعقل (أى الدية) فعقلناه لهم.
قال الشيخ النجدى: القول ما قال هذا الرجل، هذا الرأى الذى لا رأى غيره.
انتهوا إلى ذلك فأعلم الله تعالى نبيه بما دبروا، وأمره ألا ينام الليلة على فراشه.
تنفيذ المؤامرة:
٣٢٣- إن القوم ائتمروا بالنبى ﷺ ليقتلوه، ولكن الله تعالى أعلم النبى ﷺ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ ولقد روى الإمام أحمد بن حنبل بسنده عن ابن عباس أن أمر رسول الله ﷺ بالهجرة كان فى ذلك الوقت، ونزل قوله تعالى: وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ، وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ، وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا «١» وأن دخول الصدق كان بدخول المدينة المنورة، والخروج مخرج صدق كان بالهجرة من مكة المكرمة، كما فسر قتادة، وهكذا كان خروجه من مكة المكرمة وهى أحب أرض الله تعالى إليه لدعوة الحق ولنصرته وإعزازه، وكان دخوله المدينة المنورة صدقا، لأنه بسبب إرادة نصرة الحق، وإعلاء شأنه، فخروجه صدق، ودخوله صدق، وكلاهما حق.
إن قريشا فى عتمة الليل الذى بيتوا فيه تنفيذ مؤامرتهم بقتل محمد رسول الله ﷺ قد أحاطوا بداره، ليقتلوه إذ يخرج إليهم، ولم يحاولوا أن يدخلوا إلى منامه، وقال السهيلى فى تعليل ذلك. وذكر بعض أهل التفسير السبب المانع لهم من التقحم عليه فى الدار، مع قصر الجدار، وأنهم إنما جاؤا لقتله، فذكر فى الخبر أنهم هموا بالولوج عليه فصاحت امرأة من الدار، فقال بعضهم لبعض: والله إنها للسبة فى العرب أن يتحدث عنا أننا تسورنا الحيطان على بنات العم، وهتكنا سر حرمتنا. فهذا هو الذى أقامهم بالباب، وأصبحوا ينتظرون خروجه.
عندما أعلم الله نبيه ﷺ بأمرهم كان محملا أمانات من القوم، فكانت عنده ودائع الناس، وليس بمكة المكرمة أحد عنده شيء يخشى عليه إلا وضعه عند النبى ﷺ، لما يعلم من صدقه وأمانته، وكان ذلك مع شدة العداوة والمناوأة من كبرياء المشركين.
_________________
(١) سورة الإسراء: ٨٠.
[ ١ / ٤٥٥ ]
ولذلك خلف عليا رضى الله تعالى عنه، وكرم الله تعالى وجهه فى الجنة، وجعله ينام فى مكان نومه ﷺ، وقال لعلى كرم الله وجهه: نم على فراشي، وتسجّ ببردى هذا الحضرمي، فنم فيه، فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم، فنام على المؤمن المصدق لرسول الله ﷺ، وهو الشجاع الجلد القوى الذى لا يهاب الموت فى سبيل الله، وكان إذ ذاك فى نحو الثالثة والعشرين، أو الثانية والعشرين.
اجتمع المشركون فى العتمة:
روى ابن إسحاق بسنده عن كعب القرظى أنهم لما اجتمعوا له ﵊، وفيهم أبو جهل قال أبو جهل؛ وهم على بابه: إن محمدا يزعم أنكم إن تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم، ثم بعثتم من بعد موتكم فجعلت لكم جنان كجنان الأردن، وإن لم تفعلوا كان فيكم ذبح، ثم بعثتم بعد موتكم، ثم جعلت لكم نارا تحرقون فيها. فخرج رسول الله ﷺ، فأخذ حفنة من تراب، ثم قال:
نعم أقول ذلك وأنت أحدهم، وأخذ الله تعالى على أبصارهم عنه، فجعل ينثر ذلك التراب على رؤسهم، وهو يتلو: يس. وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ. إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ. عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.
تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ. لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ، فَهُمْ غافِلُونَ. لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ. إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ. وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا، وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا، فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ «١» .
مر بهم رسول الله ﷺ وهم لم يروه، وقرأ عليهم هذه الايات، وسواء أصحت الرواية التى تقول، أنه خاطبهم أم لم تصح، فإنها لم تغير من اللب شيئا، بل الحقيقة أنه مر عليهم، وتلا عليهم تلك الايات البينات، وحثا التراب فى وجوههم، وانصرف النبى ﷺ إلى حيث كان على موعد مع صاحبه الصديق.
أما المشركون المؤتمرون الذين كانوا يريدون قتل الرسول ﷺ، فإنهم استمروا فى موقفهم منتظرين النبى ﷺ أن يخرج ليقتلوه، حتى أتاهم ات ممن لم يكن معهم، ويظهر أنه قد رأى رسول الله ﷺ قد خرج. فقال لهم: ما تنتظرون ها هنا؟ فقالوا: محمدا، فقال: خيبكم الله، والله قد خرج محمد عليكم ثم ما ترك منكم رجلا إلا وقد وضع على رأسه ترابا، ثم مضى لحاجته، أما ترون ما بكم، فوضع كل رجل منهم يده على رأسه، فإذا عليه تراب، ولكنهم مع ذلك لم يصدقوا هذا الرجل الذى أتاهم، فجعلوا يتطلعون، فيرون عليا فى الفراش، متسجيا ببرد رسول الله ﷺ، فيقولون: والله إن هذا لمحمد نائما عليه برده، فلم يبرحوا كذلك، حتى أصبحوا، فقام على من الفراش، فقالوا: والله لقد صدقنا الذى حدثنا.
_________________
(١) سورة يس: ١- ٩.
[ ١ / ٤٥٦ ]
النبى ﷺ مع صاحبه إلي الهجرة وطريقهما:
٣٢٤- كان أبو بكر يريد الهجرة كما هاجر أصحاب النبى ﷺ، فكلما هم بالهجرة قال له النبى ﷺ لا تعجل. ويقول ابن إسحاق: استأذن أبو بكر رسول الله ﷺ فى الهجرة، فى الهجرة، فقال له: «لا تعجل لعل الله أن يجعل لك صاحبا» وقد طمع أبو بكر أن يكون رسول الله ﷺ، إنما يعنى نفسه، ولقد عظم ذلك الظن فى نفسه، فابتاع راحلتين، فحبسهما فى داره، يعلفهما إعدادا لذلك، وكان رسول الله ﷺ يأتى كل يوم إلى بيت أبى بكر فى طرفى النهار إما بكرة، وإما عشية، كما تروى عائشة رضى الله تعالى عنها، وتقول: حتى إذا كان اليوم الذى أذن فيه للنبى بالهجرة، والخروج من مكة المكرمة من بين ظهرى قومه أتانا رسول الله ﷺ بالهاجرة فى ساعة كان لا يأتى فيها، فلما راه أبو بكر، قال: ما جاء رسول الله ﷺ فى هذه الساعة إلا لأمر حدث قال الرسول ﷺ لأبى بكر: إن الله قد أذن لى فى الخروج والهجرة، فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله، قال رسول الله: الصحبة» .
قالت راوية الخبر: فو الله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحدا يبكى من الفرح، حتى رأيت أبا بكر يومئذ يبكي، ثم قال: يا نبى الله، إن هاتين راحلتان كنت أعددتهما لهذا.
كان هذا فى الليلة التى أعلم الله نبيه ﷺ بما يأتمر به القوم، وأذن لرسول الله ﷺ، فلما خرج، وقد غشى الله تعالى على أبصارهم كانت الرحلة الشاقة، وكانت الهجرة المباركة، وقد أخذت لها الأهبة، وأعدت لها العدة.
عندما أخبر الرسول ﷺ أبا بكر بإذن ربه له بالهجرة، وأخبره ﵊ بالصحبة تجمعهما، قال الصديق: «يا نبى الله إن هاتين راحلتان كنت أعددتهما لهذا»
وقد استأجر أبو بكر عبد الله بن أريقط، وكان لا يزال على الشرك، وأبوه من بنى بكر، وأمه من بنى سهم بن عمرو، قد استأجره أبو بكر ليكون دليلهما فى الرحلة، وقد دفع إليه أبو بكر الراحلتين، فكانتا عنده يعدهما ويرعاهما حتى يحل ميعاد الخروج عليهما، ويروى أنه أهدى فضلاهما لرسول الله ﷺ، فسأله الرسول ﵊ عن ثمنها، فذكره، وقال هى لك.
وكان الميعاد بينهما وخرج رسول الله ﷺ هو وأبو بكر، خرج من خوخة لأبى بكر فى ظهر بيته. وذلك للإمعان فى الاستخفاء حتى لا تتبعهما قريش، وتمنعهما من تلك الرحلة المباركة، وقد اتعدا مع الدليل على أن يلقاهما فى غار ثور بعد ثلاث ليال.
[ ١ / ٤٥٧ ]
وقد دعا النبى ﷺ فيما روى ابن نعيم قائلا: «الحمد لله الذى خلقني، ولم أك شيئا، اللهم أعنى على هول الدنيا، وبوائق الدهر، ومصائب الليالى والأيام، اللهم اصحبنى فى سفري، واخلفنى فى أهلي، وبارك لى فيما رزقتنى، ولك فأذلني، وعلى صالح خلقى فقومني، وإليك ربى فحببني، وإلى الناس فلا تكلني، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، أعوذ بوجهك الكريم الذى أشرقت له السماوات والأرض وكشفت به الظلمات، وصلح عليه أمر الأولين والاخرين أن تحل على غضبك، وتنزل بى سخطك، أعوذ بك من زوال نعمتك، وفجأة نقمتك، وتحول عافيتك، لك العتبى عندى خير ما استطعت، ولا حول ولا قوة الا بك» .
ومن قوله ﵊ حين خرج من مكة المكرمة، ونظر إلى البيت «إنك لأحب أرض الله إلى الله، ولولا أن أهلك أخرجونى منك ما خرجت» وإخراجهم كان بالأذى ومنع الدعوة.
بهذا الدعاء الضارع ابتدأ رسول الله ﷺ رحلته المباركة التى اتت أكلها للإنسانية كلها، لأنها كانت ابتداء عموم الدعوة.
وقد كانت فكرة الهجرة بعد العقبة الثانية وفى عامها، فقد انتهى الحج، وابتدأ التفكير فى الهجرة النبوية، وقد هاجر المؤمنون قبله، وقالوا إن هجرته ﵊ لم تكن فى المحرم ولا فى صفر، ولكن قد ابتدأت، ولعلها ابتدأت مع ابتدائه، وقد وصلوا إلى المدينة المنورة فى الثانى عشر من ربيع الأول على أصح الروايات، وكانت فى يوم الاثنين.
ولقد روى الإمام أحمد عن ابن عباس قال: «ولد نبيكم يوم الاثنين، ونبيء يوم الاثنين، وخرج من مكة يوم الاثنين، ودخل المدينة يوم الاثنين، وتوفى يوم الاثنين» .
فى غار ثور:
٣٢٥- كانت الهجرة هى النصر الأول، بل هى أعظم النصر، لأن النصر الذى جاء من بعدها كان ثمرة لها، فهى باب للفتح، ولقد عدها الله ﷾ النصر الأول، وذكر محمدا ﷺ وصاحبه فى غار ثور هذا، إذ قال الله تعالت كلماته: إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ، إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ، إِذْ هُما فِي الْغارِ، إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ، إِنَّ اللَّهَ مَعَنا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ، وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها، وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى، وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا، وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ «١» .
_________________
(١) سورة التوبة: ٤٠.
[ ١ / ٤٥٨ ]
خرج النبى ﷺ إلى غار ثور، وهو على مسافة من مكة المكرمة بأسفله، وسار هو وصاحبه الصديق فجعل أبو بكر يكون أمام النبى ﷺ مرة، وخلفه مرة، فسأله النبى ﷺ عن ذلك، فقال: إذا كنت خلفك خشيت أن تؤتى من أمامك وإذا كنت أمامك خشيت أن تؤتى من خلفك. ويروى أنه قال إذا كنت أمامك خشيت الطلب، وإذا كنت خلفك خشيت الرصد.
وروى البيهقى عن عمر بن الخطاب قال: «لقد خرج رسول الله ﷺ ليلة انطلق إلى الغار، ومعه أبو بكر، فجعل يمشى ساعة بين يديه وساعة خلفه، حتى فطن رسول الله ﷺ، فقال: «يا أبا بكر مالك تمشى ساعة خلفي، وساعة بين يدي، فقال: يا رسول الله أذكر الطلب، فأمشى خلفك، ثم أذكر الرصد فأمشى بين يديك، فقال النبى ﷺ: يا أبا بكر، لو كان شيء لأحببت أن يكون بك دوني. قال:
نعم، والذى بعثك بالحق، فلما انتهيا إلى الغار. قال أبو بكر: مكانك يا رسول الله حتى أستبريء لك الغار فدخل حتى إذا كان ذكر أنه لم يستبريء الجحر، فقال: مكانك يا رسول الله حتى أستبريء، فدخل فاستبرأ، ثم قال: انزل يا رسول الله، فنزل، قال عمر: والذى نفسى بيده، لتلك الليلة خير من ال عمر» «١»
مكث رسول الله ﷺ مطمئنا إلى وعد الله تعالي، راضيا بالمشقة فى سبيل الدعوة، وتبليغ الرسالة، وقد رضى أن يفارق مكة المكرمة، وهى أحب بلاد الله تعالى فى سبيل اقامة الدولة الإسلامية، التى لم يمكنه أهلها من الدعوة، وحاولوا قتله، وكانت هذه المحاولة مع عنادهم، وكفرهم، وجحودهم بالايات سببا فى أن يخرج يريد أرضا لدولة الإسلام فى غيرها.
علم المشركون، أو العتاة منهم أن رسول الله ﷺ خرج، وأن الذى نام مكانه علي، وأنهم ترصدوا عليا، وهم يحسبون أنهم يترصدون النبى ﵊ ليقتلوه، حاولوا أن يعرفوا من على أين ذهب النبى ﷺ، فلم يجدوا عنده ما يطلبون، فأخذوا يتقصون أثره، ويتأثرون خطاه ليعرفوا أين يكون، وأطلقوا فى الأسواق والأماكن من يأتى به حيا أو ميتا وقد اقتفوا أثره، وتتبعوه، حتى وصل بهم الأمر إلى جبل ثور الذى بغاره الصاحبان، ولكن اية الله تعالى أن جعلت العنكبوت ينسج نسيجه، وكأنه من سنين، وأن حمامتين عششتا على بابه، فكانت اية حسية من خوارق العادات، ولكن النبى ﷺ لم يتحدث لإثبات نبوته إلا بالقران الكريم، لأنه المعجزه الكبرى الباقية إلى يوم الدين. وهو حجة على الخليقة فى كل الأجيال، ولكل الأجناس.
جاء رجال قريش يطلبون النبى ﷺ، وقد انتهى بهم الأثر الى الغار، ولكنهم، وجدوا ما وجدوا وقالوا إذ رأوا نسج العنكبوت: لم يدخل أحد. وهم لو ألقوا بأنظارهم إلى داخله لرأوا الرسول وصاحبه، ولكن
_________________
(١) البداية والنهاية لابن كثير ج ٤ ص ١٨٠.
[ ١ / ٤٥٩ ]
صرف الله تعالى أنظارهم، والنبى ﷺ أمن مطمئن، ولذا كان قائما يصلي، وأبو بكر يرتقب، فلما أتم النبى ﷺ صلاته، قال أبو بكر خائفا على النبى ﵊ «إن قومك يطلبونك أما والله أنى لأئل «١» على نفسي، ولكن مخافة أن أرى فيك ما أكره»، فقال له النبى ﷺ: «لا تخف إن الله معنا» .
هذا ما كان من القوم، وما كان يجرى داخل الغار، وكان أبو بكر قد دبر الأمر بالنسبة للرسول ﷺ، لقد كلف ابنه عبد الله أن يأتيهما وهما فى الغار بأخبار قريش، وما تدبر من أمرها، وهو غلام شاب ثقف مدرك لقن، فيدلج من عندهما فيصبح مع قريش بمكة المكرمة، ولا يسمع أمرا يكيدون به لرسول الله ﷺ وصاحبه، حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، وأمر مولاه عامر بن فهيرة أن يرعى غنمه، فيريحها عليهما وهما فى الغار، وذلك فى ساعة العشاء، فيبيتان وأرسال لبن الغنم تصل إليهما، حتى إذا جاء الغلس، أخذ عامر بن فهيرة الغنم، وعاد إلى مكة المكرمة، فيكون من اللبن غذاء، ويذهب سير الغنم باثار من يجيئون إلى الغار، حاملين أخبارا، أو حاملين طعاما.
وكانت أسماء بنت أبى بكر تعد لهما سفرة من الطعام فى جراب، ولما لم تجد ما تربط به قطعت نطاقها، فربطت بقطعة منه على فم الجراب، ولذلك سميت ذات النطاقين، وكانت تذهب بالطعام لرسول الله ﷺ وصاحبه كل يوم، أو كلما أمكنتها الفرصة.
سراقة والسير إلى المدينة المنورة:
٣٢٦- مكث النبى ﷺ فى الغار ثلاث ليال، حتى يسكن طلب قريش، ويئسوا من أن يصلوا إليه، ﷺ، وبعدها خرجا قاصدين إلى المدينة المنورة، ومعهما دليلهما المشرك، ولكنه كان أمينا عليهما، غير مدلس ولا مماليء؛ فسلك بهما طريق الساحل، حتى لا يتبعهم أحد من قريش، لأنهم لا يتصورون أنه يسلك هذا الطريق وهم يتتبعونه، ويقتفون طريقه، وقد جعلوا لمن يعود به حيا أو ميتا مائة ناقة كما أشرنا من قبل.
وقد طمع سراقة بن مالك بن جعشم فى أن ينالها، وقد روى ابن إسحاق عنه أنه قال:
«لما خرج رسول الله ﷺ من مكة المكرمة مهاجرا، جعلت قريش فيه مائة ناقة لمن رده عليهم.
فبينما أنا جالس فى نادى قومي، إذ أقبل رجل منا.. فقال: والله لقد رأيت ركبة ثلاثة مروا على انفا، إنى لأراهم محمدا وأصحابه، فأومأت إليه بعينى أن اسكت، ثم مكثت قليلا ثم أمرت بفرسى..
وأمرت بسلاحى. ثم أخذت قداحى أستقسم بها، ثم انطلقت فلبست لأمتى «٢»، فاستقسمت،
_________________
(١) هى من أل المريض أو الحزين بمعنى رفع صوته وصرخ عند نازلة تنزل به.
(٢) الدرع.
[ ١ / ٤٦٠ ]
فخرج السهم الذى أكره، وكنت أرجو أن أرده على قريش، فاخذ مائة الناقة،. فركبت على أثره، فبينما فرسى يشتد عثر بي، فسقطت عنه، فقلت: ما هذا، ثم أخرجت القداح فاستقسمت بها، فخرج السهم الذى أكره، فأبيت إلا أن أتبعه، فركبت فى أثره فبينما فرسى يشتد عثر بي، فسقطت عنه فقلت ما هذا ثم أخرجت قداحى فاستقسمت بها، فركبت فى أثره، فلما بدا القوم ورأيتهم عثر بى فرسي، فذهبت يداه فى الأرض، وسقطت عنه، ثم انتزع يداه من الأرض وتبعهما دخان كالإعصار، فعرفت حين رأيت ذلك أنه قد منع عني، وأنه ظاهر، فناديت القوم، فقلت: أنا سراقة بن جعشم، أنظرونى أكلمكم، فو الله لا أريبكم، ولا يأتيكم مني شيء تكرهونه. فقال رسول الله ﷺ: وماذا تبغي منا؟
قلت: تكتب كتابا يكون بينى وبينك» .
يلاحظ أنه ذكر له ما كان يسعى إليه، ولكنه عندما رأى ما رأى، وعلم اليقين فى الرسالة، استوثق من أن محمدا ﷺ منصور بأمر الله تعالي.
فكتب رسول الله ﷺ كتابا، ثم ألقاه إليه.
وقد استمر سراقة حافظا لهذا الكتاب، حتى جاء الفتح المبين بفتح مكة المكرمة، ثم فرغ رسول الله ﷺ من حنين والطائف ذهب سراقة إلى رسول الله ﷺ بالكتاب، ويقول فى ذلك «دنوت من رسول الله ﷺ، فرفعت يدى بالكتاب، وقلت يا رسول الله، هذا كتابك لى، أنا سراقة بن جعشم، فقال رسول الله ﷺ «هذا يوم وفاء» .
أعلن سراقة إسلامه، ويظهر أنه كان مؤمنا بصدق النبى ﷺ من يوم أن رأى ما رأى، ولذلك أراد أن يأخذ هذا الكتاب.
وقد سأل النبى ﷺ عن سقى الإبل الضالة قائلا: الضالة من الابل يغشى حياضى، وقد ملأتها الإبل هل لى من أجر فى أن أسقيها؟
قال الرسول ﵊ الرحيم: «نعم فى كل ذات كبد حرى أجر» .
ولقد حسن إسلامه فرجع إلى قومه، وساق إلى رسول الله ﷺ صدقته.
الركب يسير فى طريق وعر:
٣٢٧- لم تكن الرحلة المباركة سهلة، لأن الطريق فى الصحراء، ليس سهلا فى ذاته، بل هو طريق وعث تجتاز فيه الرمال والوهاد والاكام، وقد اختار الدليل طريقا هو أشد طرق الصحراء وعورة، وذلك لكيلا تتبعهم قريش إذا سار فى الطريق الذى ألفوا السير فيه، وقد يكون معبدا إلى حد مناسب للصحراء.
[ ١ / ٤٦١ ]
لقد سلك بهم طريق الساحل، ولم يكن مألوفا فى الوصول إلى يثرب منه، ولنترك الكلمة لابن إسحاق فى سيرته يذكر الأماكن التى مر بها فهو يقول:
«لما خرج بهما دليلهما عبد الله بن أرقط (أريقط) سلك بهما أسفل مكة المكرمة، ثم مضى بهما (النبى ﷺ وأبى بكر) على الساحل حتى عارض الطريق أسفل من عسفان، ثم سلك بهما على أسفل أمج، ثم استجار بهما حتى عارض بهما الطريق، بعد أن أجاز قديدا، ثم أجاز بهما من مكانه ذلك، فسلك بهما الخرار ثم سلك بهما ثنية المرة، ثم سلك بهما لقفا، ثم أجاز بهما مدلجة لقف، ثم استبطن بهما مدلجة محاج «١»، ويقال له مجاج، ثم سلك بهما مرجع مجاج، ثم تبطن بهما مرجع ذى العضوين، ثم بطن ذى كشر، ثم أخذ بهما على الجداجد، ثم على الأجرد، ثم سلك بهما سلم، من بطن أعداد مدلجة تعهن (وزن فعلل) اسم عين ماء، ثم على العبابيد.. ثم أجاز بهما الفاحة» .
قال ابن هشام: «ثم هبط بهما العرج، وقد أبطأ عليهما بعض ظهرهما. فحمل رسول الله ﷺ، رجل من أسلم يقال له أوس بن حجر، على جمل له يقال له ابن الرداء- إلى المدينة، وبعث معه غلاما له يقال له مسعود بن هنيدة، ثم خرج بهما دليلهما من العرج فسلك بهما ثنية الفا عن يمين ركوبه، حتى هبط بهما بطن رئم، ثم قدم بهما قباء لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول يوم الاثنين، حين اشتد الضحاء، وكادت الشمس تعتدل» «٢» .
هذا هو البيان الذى ذكرت فيه أسماء الأماكن التى مر بها ذلك الركب المبارك، فما ذكر كله أسماء أماكن فى الصحراء العربية، وهى مجاهل فيها، ما كان ليعلمها إلا خبير بها، وهو ذلك الدليل الذى كان عليما بها، وكان أمينا على من معه مع بقائه على الشرك.
وهذا البيان يدل على مقدار صعوبة الرحلة، حتى أجهدت الرواحل، واضطر النبى ﷺ إلي تغيير الراحلة.
أم معبد:
٣٢٨- هذا خبر عن امرأة نقية طاهرة مخلصة، التقى بها النبى ﷺ فى القديد فى أثناء رحلته، وقد ظهر فى لقائه بها ﵊ من خوارق العادات، مما يضاف إلى خارقة خروجه ﵊، وقد وضع الله تعالى على بصرهم غشاوة، فلم يروه، ويضاف نسج العنكبوت فى الغار، وإلى تعشيش الحمام عليه، وإلى غوص قوائم فرس سراقة، وعثرته عدة مرات.
_________________
(١) في معجم البلدان لياقوت (مجاج)
(٢) سيرة ابن هشام ج ١: ٢ ص ٤٩١. ٤٩٢.
[ ١ / ٤٦٢ ]
فإن كل هذه خوارق عادات حسية، لا تقل عن معجزات موسى وعيسى الحسية، ولكن النبى ﷺ لم يتحد قريشا بها، ولم يتحد الوجود الإنسانى بها، بل تحداه بالقران الكريم المعجزة الكبرى.
والخارق الذى بدا فى المرور على أم معبد، هو أن اللبن در من شاة عجفاء حائل لا لبن فيها، وسقى جميع الركب، وتكرر السقى، وشاركهم أهل المنزل الذى نزل فيه النبى ﷺ، وإليك القصة كما رواها البيهقى بسنده عن أبى معبد الخزاعى:
«أن رسول الله ﷺ خرج ليلة هاجر من مكة إلى المدينة هو وأبو بكر، وعامر بن فهيرة مولى أبى بكر، ودليلهم عبد الله بن أريقط الليثى، فمروا بخيمتى أم معبد الخزاعية، وكانت أم معبد امرأة برزة جلدة، تحتبى بفناء الخيمة فسألوها هل عندها لحم أو لبن، يشترونه منها، فلم يجدوا عندها شيئا من ذلك، وقالت: لو كان عندنا شيء ما أعوزكم القرى، وإذ القوم مرملون مسنتون (أى فى سنة جدب) .
فنظر رسول الله ﷺ فإذا شاة فى كسر خيمتها، فقال ﵊: «ما هذه الشاة يا أم معبد؟ فقالت: هى شاة خلفها الجهد عن الغنم، قال ﵊: فهل بها من لبن؟ فقالت هى أجهد من ذلك. قال ﵊: تأذنين لى أن أحلبها؟ قالت: إن كان بها حلب فاحلبها، فدعا رسول الله ﷺ بالشاة فمسح ضرعها، وذكر اسم الله تعالي، ودعا بإناء لها يريض الرهط «١»، فتفاجت واجترت فحلب منها ثجا حتى ملأه، وأرسله إليها، فسقاها، وسقى أصحابه فشربوا عللا بعد نهل «٢»، حتنى اذا أرووا شرب (أى ﵊) اخرهم، وقال: ساقى القوم اخرهم، ثم حلب فيه ثانيا عودا على بدء، فغادروه عندها، ثم ارتحلوا. فما لبث أن جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزات عجفا يتساوكن هزلا لا نقى بهن «٣»، فلما رأى اللبن عجب، وقال: من أين هذا اللبن يا أم معبد، ولا حلوبة فى البيت، والشاة عازب؟ فقالت: لا، والله إنه مر بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت، وكيت، فقال: صفيه، فو الله إنى لأراه صاحب قريش الذى تطلبه، فقالت: رأيت رجلا ظاهر الوضاءة، حسن الخلق، مليح الوجه، لم تعبه تجلة، ولم تزر به صعلة «٤»، قسيم وسيم، فى عينيه دعج، وفى أشفاره وطف، وفى صوته صحل، أكحل، أزج، أقرن (أى سيد) فى عنقه سطع، وفى لحيته كثافة، إذا صمت فعليه الوقار وإذا تكلم سما، وعلاه البهاء، حلو المنطق، فصل لا نزر، ولا هذر، كأن منطقه خرزات نظم
_________________
(١) أى يشبع الجماعة، وتفاجت معناها فرجت بين رجليها.
(٢) النهل الشرب الأول، والعلل الشرب الثانى.
(٣) النقى: المخ.
(٤) التجلة: ضخامة البطن، والصعلة: صغر الرأس والوطف: كثرة الشعر.
[ ١ / ٤٦٣ ]
يتحدرن، أبهى الناس وأحلمهم من بعيد، وأحسنهم من قريب، ربعة، لا تشنؤه عين من طول، ولا تقتحمه عين من قصر، غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظرا، وأحسنهم قدا، له رفقاء يحفون به، إن قال استمعوا لقوله، وإن أمر تبادروا لأمره، محفود، محسود، لا عابس ولا مفند.
فقال بعلها: هذا والله صاحب قريش الذى تطلب، ولو صادفته لألتمسن أن أصحبه، ولأجهدن إن وجدت إلى ذلك سبيلا.
هذه قصة أم معبد. وهذه أقوالها، وقد أشرنا إلى ذلك فى صفات النبى ﷺ، واسمها كما جاء فى كتب السيرة عاتكة بنت خلف بن معد بن ربيعة بن أضرم. وأبو معبد زوجها- اسمه أكثم بن العزى ابن معبد بن ربيعة بن أضرم، فهو من أبناء عمومتها، وقيل أنه أسلم، وهاجر.
خوارق أخرى:
٣٢٩- سار الرائد الذى سلك بالنبى ﵊ وصاحبه غير الطريق الجاد، وسار فى طريق غير مطروق، مر بأماكن كثيرة وقد حدثت فى هذه الطريق خوارق للنبى ﷺ، وكلها يتعلق بمسير السائر فى الصحراء، وحاجته إلى الزاده والماء، فكانت الخوارق تجيء مناسبة لذلك.
وقد روى البيهقى بسند عن قيس بن النعمان قال: «لما انطلق رسول الله ﷺ، وأبو بكر رضى الله تعالى عنه مستخفين، مروا بعبد يرعى غنما، فاستسقياه اللبن فقال ما عندى شاة تحلب، غير أن هناك عناقا حملت أول الشتاء وقد أخدجت «١»، وما بقى لها من لبن، فقال ﵊: ادع بها، فدعا بها، فاعتقلها النبى ﷺ، ومسح ضرعها، ودعا حتى أنزلت، وجاء أبو بكر بوعاء فحلب، فسقى ﵊ أبا بكر، ثم حلب، فسقى الراعى، ثم حلب، فشرب ﷺ. أخذ العجب الراعى فقال:
من أنت، فو الله ما رأيت مثلك قط، قال ﵊: «وتراك تكتم على حتى أخبرك؟ قال نعم، قال النبى ﷺ فإنى محمد رسول الله (ﷺ) . فقال الراعى المخلص: أنت الذى تزعم قريش أنه صابيء!! قال إنهم ليقولون ذلك، قال فإنى أشهد أنك نبى، وأشهد أن ما جئت به حق، وأنه لا يفعل ما فعلت إلا نبى، وأنا متبعك، قال النبى ﷺ: «إنك لا تستطيع ذلك يومك هذا فإذا بلغك أنى قد ظهرت فأتنا» .
وقد روى هذا أيضا أبو يعلى.
_________________
(١) أي ألقت ولدها بعد أن صار تام الخلق ولكن نزل قبل أوانه ويقال أيضا إذا ولدته قبل تمام الحمل ناقص الخلق.
[ ١ / ٤٦٤ ]
وروى أبو نعيم بسنده عن عبد الله بن مسعود أنه قال: «كنت غلاما يافعا أرعى غنما لعتبة بن أبى معيط بمكة، فأتى رسول الله ﷺ، وأبو بكر، وقد فرا من المشركين، فقال ﷺ «يا غلام عندك لبن تسقينا» فقلت: إنى مؤتمن، ولست بساقيكما فقال: هل عندك من جذعة لم ينز عليها الفحل بعد؟
قلت: نعم، فأتيتهما بها، وأخذ رسول الله ﷺ الضرع، فدعا، فحفل الضرع. وجاء أبو بكر بصخرة منقعرة، فحلب فيها، ثم شرب هو وأبو بكر، وسقيانى، ثم قال للضرع أقلص فقلص، فلما كان بعد أتيت رسول الله ﷺ، فقلت: علمنى من هذا القول الطيب: يعنى القران الكريم، فقال رسول الله ﷺ:
«إنك غلام معلم، فأخذت من فيه سبعين سورة ما ينازعنى فيها أحد» .
وهذه القصة لعلماء السيرة فيها كلام، وذلك أن ابن مسعود ﵁ كان من المسلمين الذين أسلموا قبل الهجرة، وأوذوا فى سبيل الله، وهاجر إلى الحبشة، والقصة توهم أنه كان إسلامه فى أثناء رحلة النبى ﷺ.
وكلام علماء السيرة، لا يمنع أصل القصة، ولب الخوارق للعادة، فإن ذلك ثابت فى الصحاح، وربما كان الكلام منصبا على السياق، لا على أصل الواقعة وغيره ثابت بلا ريب.
وقد سقنا ذلك الكلام، وليس فيه تطويل، لأنه صدق، ولا تطويل فى نقل الصادق من الأخبار.
وإن هذا كله يدل على أن سيدنا رسول الله ﷺ قد جاء على يديه من الخوارق الحسية ما يزيد على التسع التى اختص بها موسى ﵇، إذ أحيا الموتى باذن الله، وإذ أخرجها من قبورها بإذن الله، واختلاف النوع لا يدل على ضعف الروحانية فى خوارق محمد ﷺ، فالإسراء والمعراج خارق للعادة مادى روحى، وغوص فرس سراقة، ونبع اللبن بين أصابعه وتكرره يدل على قوة روحية لا تقل عن إحياء الموتى، ومع ذلك لم يتحد النبى ﷺ إلا بالقران الكريم أنزله عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا.
وصول النبى ﷺ إلى قباء
استمر الركب المبارك محمد ﷺ وصاحبه سائرا فى طريق وعر فى وعثاء الصحراء، وقد استطال فرارا من الطلب، وايات الله تتبعها اية، وكثرت فى الطريق، وتوالت، ليعلم النبى ﷺ بالواقع أن الله ﷾ معه حيث حل وحيث ارتحل، كما علم من قبل بعين الإيمان، إذ قال لصاحبه وهو بالغار، لا تحزن إن الله معنا. فأراه الله تعالى الايات فى رحلته، كما أراه الايات فى نبوته.
وقد انتهت شدة الرحلة بالوصول إلى قباء، حيث المنعة والنصرة، وحيث لقاء أهل الإيمان الذين كانوا يترقبون شخصه، ويستشرفون لحلوله بينهم.
يقرر ابن إسحاق بسنده فى هذا عن عبد الرحمن بن عويمر بن ساعدة، قال: حدثنى رجال من قومى من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: لما سمعنا بمخرج رسول الله ﷺ من مكة المكرمة وتوقعنا
[ ١ / ٤٦٥ ]
قدومه، كنا نخرج إذا صلينا الصبح إلى ظاهر حرتنا ننظر رسول الله ﷺ، فو الله ما يبرح حتى تعلينا الشمس على الظلال، فإذا لم نجد ظلا دخلنا، وذلك فى أيام حارة، حتى إذا كان اليوم الذى قدم فيه رسول الله ﷺ، جلسنا كما كنا نجلس حتى إذا لم يبق ظل دخلنا بيوتنا وقدم رسول الله ﷺ حين دخلنا البيوت، فكان أول من راه رجل يهودى، وقد رأى ما كنا نصنع، وأن ننظر قدوم رسول الله ﷺ- علينا.
فصرخ بأعلى صوته يا بنى قيلة (الأنصار) هذا جدكم قد جاء، فخرجنا إلى رسول الله ﷺ، وهو فى ظل نخلة، ومعه أبو بكر ﵁ فى مثل سنه، وأكثرنا لم يكن رأى رسول الله ﷺ، وركبه الناس أى (ازدحموا) عليه وما يعرفونه من أبى بكر، حتى زال الظل عن رسول الله ﷺ، فقام أبو بكر، فأظله بردائه، فعرفناه عند ذلك.
نزل رسول الله ﷺ، فيما يذكر علماء السيرة الطاهرة على كلثوم بن هند، وبعض العلماء يقول أنه نزل عند سعد بن خيثمة، وقد وفق ابن إسحاق وغيره بين الخبرين، فقال إنه ﷺ نزل عند كلثوم، ولكنه كان إذا خرج للناس وجلسوا إليه، كان ذلك فى بيت سعد.
ولقد جاءت عبارات تفيد أنه كان يختار الجلوس فى بيت سعد، لأنه كان عزبا لا أهل له، وكان منزله منزل الأعزاب من المهاجرين.
ونزل صاحب رسول الله ﷺ أبو بكر على خبيب بن أساف.
وفى قباء التقى علي بن أبى طالب برسول الله ﷺ إذ مكث ثلاث ليال وأيامها بمكة المكرمة بعد رسول الله ﷺ لرد الودائع، ثم أخذ سمته إلى يثرب، وكأنه أقام فى مكة المكرمة بعد الرسول ﵊ المدة التى مكثها النبى وصاحبه فى الغار إذ أنهما مكثا فى الغار ثلاث ليال.
ونزل على كرم الله وجهه فى المنزل الذى نزل فيه النبى ﷺ، وهو منزل كلثوم بن هند، ويظهر أن حضوره إلى قباء كان بعد حضور النبى ﷺ بليلة على الأقل، لأنه أقام بقباء ليلة أو ليلتين، وقد ذكر ابن إسحاق أنه أقام فى قباء أربعة أيام بلياليها، فذكر أنه أقام يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، وفى هذه المدة التى أقامها بقباء أنشأ مسجدها، وهو الذى أشار الله تعالى إليه فى قوله تعالى:.. لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ، فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا، وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ «١»، فهو مسجد أسس على التقوى من أول يوم أقام فيه النبى ﷺ، وهو جدير بأن يسمى مسجد الهجرة، وأنه مسجد الذين يحبون أن يتطهروا فى عبادتهم غير مرائين ولا منافقين. ولقد كان رسول الله ﷺ وصل فى اليوم الثانى عشر من شهر ربيع الأول، وكان يوم الاثنين، وقيل فى اليوم التالى، والأول هو الذى يرجحه الرواة.
_________________
(١) سورة التوبة: ١٠٨.
[ ١ / ٤٦٦ ]
دخول المدينة
٣٣١- كان دخول رسول الله ﷺ المدينة يوما مباركا على أهل المدينة المنورة، وعلى الأخلاف، وعلى الخليقة كلها، لأنه اليوم الذى انتقل فيه الإسلام من الدعوة فى مكة المكرمة وما حولها، غير معلم بنظام ثابت مقرر عام بل كانت الدعوة فى دائرة العقيدة، وبيانها، وبيان ما يتعلق بها، من غير أن تكون نظاما مفروضا يتبع وينفذ، انتقل الإسلام من ذلك الحيز إلى عموم الدعوة فعلا، للبلاد العربية، فى كل صقع من أصقاعها، ثم تجاوز حيز العرب، إلى الدول المجاورة، ومنها انساب إلى ما وراءها من إقليم إلى إقليم.
ولقد أحس أهل المدينة المنورة بما حباهم الله به من فضل، وبما اختص المدينة من شرف، إذ صارت موطن الإيواء والنصرة أولا، وموطن النظام الإسلامى ثانيا، والمكان الذى يأرز إليه الإسلام ثالثا، وأحست بأن الوثنية اذنت بأفول، وأن اليهود فيها صاروا لا يتطاولون بعلم علموه، أو كتاب سبقوهم به.
ولذا خرج الناس مهللين مكبرين بمقدم النبى ﷺ يستقبلون من يرونه فيه الهداية فرحين واجدين فى مقدمه العزة والكرامة، والإخلاص والطهر من الوثنية.
روى الشيخان البخارى ومسلم بالسند المتصل عن أبى بكر رضى الله تعالى عنه أنه قال: «خرج الناس حين قدمنا المدينة فى الطريق، وعلى البيوت الغلمان والخدم يقولون: «الله أكبر جاء رسول الله ﷺ، الله أكبر جاء محمد، الله أكبر جاء محمد، الله أكبر جاء رسول الله، فلما أصبح انطلق، وذهب حيث أمر» .
وروى البيهقى فى دلائل النبوة، وأبو بكر المقرى فى الشمائل، والطبرى فى الرياض، عن ابن عائشة، واسمه عبيد الله بن محمد بن حفص، وأمه عائشة بنت طلحة، أنه صعدت ذوات الخدور تعلن تهنئة له حال دخوله:
طلع البدر علينا من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا ما دعا لله داع
أيها المبعوث فينا جئت بالأمر المطاع «١»
روى هذا الخبر فى سنن الترمذى والنسائى عن السائب بن يزيد.
_________________
(١) يقول ابن القيم إن هذا الدعاء قيل عند عودة النبي صلي الله تعالي عليه وسلم من غزوة تبوك، ويحذف البيت الأخير من الأبيات الثلاثة، والسبب في قوله أنه أرجف المرجفون في المدينة عن النبي في غزوة تبوك مما جعل المؤمنين يستبشرون ويفرحون بمجيئه، فخرج الغلمان والنساء يقولون، وإن ثنية الوداع في مدخل المدينة من قبل الشام، لا من قبل مكة، ويقول في ذلك ابن القيم: لما دنا رسول ﷺ من المدينة، خرج الناس لتلقيه، وخرج النساء والصبيان والولائد تعلن طلع البدر علينا. من ثنيات الوداع، وجب الشكر علينا. ما دعا لله داع، وبعض الرواة يقول. إنما كان ذلك عند مقدمه من مكة إلى المدينة وهو وهم لأن ثنيات الوداع إنما هي من ناحية الشام، ولا يراها القادم من مكة إلي المدينة ولا يمر بها إلا إذا توجه إلي الشام.
[ ١ / ٤٦٧ ]
هذا استقبال رائع- صحبه تكبير أهل المدينة لمقدم النبى ﷺ، فقد كان هناك استقبال عملى أروع فى معناه، وهو تزاحم أهل كل بطون الأوس والخزرج، فى أن يأخذ بناقة رسول الله ﷺ، لتكون إقامته بينهم.
جاء رجال من بنى سالم، فقالوا: يا رسول الله أقم عندنا فينا العدد والعدة والمنعة، وأخذوا بزمام الناقة، فقال رسول الله ﷺ «خلوا سبيلها فإنها مأمورة» .
وجاء رجال من بنى بياضة. فقالوا: يا رسول الله هلم إلينا إلى العدد والعدة والمنعة، قال ﵊: خلوا سبيلها فإنها مأمورة، فخلوا سبيلها، فانطلقت حتى إذا مرت بدار بنى ساعدة، اعترضه سعد ابن عبادة والمنذر بن عمرو فى رجال من بنى ساعدة، فقالوا: يا رسول الله هلم إلينا إلى العدد والمنعة، فقال ﵊: خلوا سبيلها، فإنها مأمورة، فخلوا سبيلها، فانطلقت حتى إذا وازت دار بنى الحارث بن الخزرج اعترضه معاذ بن ربيعة، وخارجة بن زيد، وعبد الله بن رواحة، فى رجال من بنى الحارث بن الخزرج، فقالوا: يا رسول الله هلم إلى أخوالك، ومنهم أم عبد المطلب جد النبى ﷺ قالوا: هلم إلى العدد، والعدة، والمنعة، فقال ﵊: خلوا سبيلها، فإنها مأمورة، فخلوا سبيلها.
فانطلقت حتى إذا أتت دار بنى مالك بن النجار بركت، وكان ذلك عند دار أبى أيوب الأنصارى، ويقول ابن إسحاق: لما بركت لم ينزل رسول الله ﷺ عنها، حتى وثبت، فسارت غير بعيد، ورسول الله، واضع لها زمامها لا يثنيها به، ثم التفتت خلفها، فرجعت إلى مبركها أول مرة، فبركت فيه. ثم نزل عنها رسول الله ﷺ فاحتمل أبو أيوب خالد بن زيد رحله فوضعه فى بيته، ونزل عليه رسول الله ﷺ حتى بنى المسجد، وبنى له دارا.
خطب لرسول الله صلي الله عليه وسلم
٣٣٢- تدل هذه الأخبار التى سقناها، على أن الأنصار الذين دخلوا فى الإسلام كانوا يرحبون بالنبى ﷺ فى بيوتهم فرادى، وجماعات، وأنهم بيوتا وبطونا كانوا يستعدون بعددهم، ويعطون العهد، على المنعة والحرب معه، من غير تحفظ ولا شرط.
ويظهر أن ذلك كان يثير غضب المشركين فيهم، وخصوصا الذين صاروا من بعد منافقين، يبطنون ما لا يظهرون أو يخفون مالا يبدون، ولقد روى أنه ما مر بأهل بيت إلا أعلنوا التأييد وأبدوا الترحيب إلا عبد الله بن أبى الذى صار من بعد زعيم النفاق فى المدينة الطاهرة.
[ ١ / ٤٦٨ ]
ولقد ذكر موسى بن عقبة أن رسول الله ﷺ، مر فى طريقه بعبد الله بن أبى بن سلول، ينتظر أن يدعوه إلى المنزل، وهو يومئذ سيد الخزرج فى أنفسهم، فقال: عبد الله انظر الى الذين دعوك فانزل عليهم، فذكر ذلك رسول الله ﷺ لنفر من الأنصار، فقال سعد بن عبادة يعتذر عنه: لقد من الله علينا بك يا رسول الله وإنا نريد أن نعقد على رأسه التاج، ونملكه علينا.
اتجه رسول الله ﷺ من بعد نزوله فى دار أبى أيوب الأنصارى إلى ثلاثة أمور:
أولها: صلاة الجمعة فقد صلاها فى بنى سالم بن عمرو بن عوف، ويظهر أنه صلاها فى أرض فضاء، لأنه لم يكن قد بنى مسجده فيها، ومادام النبى ﷺ قد اختارها لإقامة الجمعة، فهى مسجد تقام فيه الصلوات، وخصوصا أنه ولى أمر المسلمين.
الأمر الثانى الخطبة: وقد قالوا أن رسول الله ﷺ خطب الجمعة، وقد روى فى نصها روايتان:
إحداهما- رواية ابن جرير الطبرى، والخطبة فى هذه الرواية طويلة نسبيا، ورواها البيهقى، وروايته أقصر، ولم ينص على أنها خطبة واحدة، بل روى أخرى بعدها على أنها خطبة أخرى، ولنذكر الخطب الثلاث، وإن كان فى بعض رواتها كلام، ولكنها أشبه بكلام رسول الله ﷺ ومواعظه.
الخطبة التى رواها ابن جرير:
«الحمد لله أحمده وأستعينه، وأستغفره، وأستهديه، وأومن به ولا أكفره، وأعادى من يكفره، وأشهد ألاإله إلا الله واحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق، والنور والموعظة على فترة من الرسل، وقلة من العلم، وضلالة من الناس، وانقطاع من الزمان، ودنو من الساعة، وقرب من الأجل، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى وفرط، وضل ضلالا بعيدا، وأوصيكم بتقوى الله. فإنه خير ما أوصى به المسلم أن يحضه على الاخرة، وأن يأمره بتقوى الله تعالى فاحذروا ما حذركم الله من نفسه، ولا أفضل من ذلك نصيحة، ولا أفضل من ذلك ذكرى. وإن تقوى الله تعالى ذخر لمن عمل على وجل ومخافة، وعون صدق على ما تبتغون من أمر الاخرة، ومن يصلح الذى بينه وبين الله من أمر السر والعلانية، لا ينوى بذلك إلا وجه الله تعالى يكن له ذكرا فى عاجل أمره، وذخرا فيما بعد الموت، حين يفتقر المرء إلى ما قدم، وما سوى ذلك يود لو أن بينه وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رؤف بالعباد، والذى صدق قوله، وأنجز وعده، لا خلف لذلك، فإنه يقول تعالى: ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ، وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ. واتقوا الله فى عاجل أمركم، واجله فى السر والعلانية، فإنه من يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا، ومن يتق الله فقد فاز فوزا عظيما، وإن تقوى الله تعالى توقى مقته
[ ١ / ٤٦٩ ]
وتوقى سخطه، وإن تقوى الله تبيض الوجه، وترضى الرب، وترفع الدرجة، خذوا بحظكم ولا تفرطوا فى جنب الله، قد علمكم الله كتابه، ونهج لكم سبيله، ليعلم الذين صدقوا، وليعلم الكاذبين، فأحسنوا كما أحسن الله تعالى إليكم، وعادوا أعداءه، وجاهدوا فى الله حق جهاده هو اجتباكم، وسماكم المسلمين، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حى عن بينة، ولا قوة إلا بالله، فأكثروا من ذكر الله، واعلموا لما بعد الموت، فإنه من أصلح ما بينه وبين الله يكفيه ما بينه وبين الناس، ذلك بأن الله يقضى على الناس، ولا يقضون عليه، ويملك من الناس، ولا يملكون منه، الله أكبر، ولا قوة إلا بالله العلى العظيم» .
هذه الخطبة كما رواها ابن جرير، ولولا أن الحافظ ابن كثير رواها ما أقدمنا على نقلها، ولكن قال الحافظ: هكذا أورد ابن جرير، وفى السند إرسال.
ونحن نقرر ما قررنا أن ما اشتملت عليه أشبه بمواعظ النبى ﷺ، ولكن نلاحظ أنها أطول من أكثر خطب النبى ﷺ، ونلاحظ أن فيها تكرارا لم يعهد فى خطب النبى ﷺ، وأن فيها ايات قرانية من الايات المدنية، مما يدل على أنها نزلت بعد هذه الخطبة، والله أعلم.
هذا ما نراه بالنسبة للخطبة التى رواها ابن جرير، وقد روى البيهقى خطبتين:
أولاهما: ما رواه عن عبد الرحمن بن عوف قال: كانت أول خطبة خطبها النبى ﷺ فى المدينة المنورة أن قام فيهم فحمد الله تعالى، وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال:
«أيها الناس قدموا لأنفسكم، تعلمن، والله ليصعقن أحدكم، ثم ليدعن غنمه ليس لها راع ثم ليقولن له ربه، ليس له ترجمان ولا حاجب يحجبه دونه: ألم يأتك رسولى فبلغك، واتيتك مالا فأفضلت عليك، فما قدمت لنفسك، فينظر يمينا وشمالا، فلا يرى شيئا، ثم ينظر قدامه، فلا يرى غير جهنم، فمن استطاع أن يقى وجهه من النار، ولو بشق تمرة، فليفعل، ومن لم يجد فكلمة طيبة، فإن بها تجزى الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته» .
والثانية أنه ﷺ قال: «إن الحمد لله أحمده، وأستعينه، نعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله، فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد ألاإله إلا الله واحده لا شريك له، إن أحسن الحديث كتاب الله، قد أفلح من زينه الله فى قلبه، واختاره على ما سواه من أحاديث الناس، إنه أحسن الحديث وأبلغه، أحبوا من أحب الله، أحبوا الله من كل قلوبكم، فإنه من يختاره الله ويصطفيه فقد سماه خيرته من الأعمال، وخيرته من العباد، والصالح من الحديث، ومن كل ما أوتى من الناس من الحلال والحرام، فاعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، واتقوه حق تقاته، وأصدقوا الله صالح ما تقولون بأفواهكم، وتحابوا بروح الله بينكم، إن الله يغضب أن ينكث فى عهده، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته» .
[ ١ / ٤٧٠ ]
وقد قال ابن كثير فى رواية هذه الخطبة أن طريقها مرسلة إلا أنها مقوية لما قبلها، وإن اختلفت الألفاظ.
كانت هذه الخطب على ما فى متن أولاها من نقد، وعلى أنها مرسلة، بيد أنها فى جملتها على منهاج النبى ﷺ فى دعوة المؤمنين لتقوية إيمانهم، وتغذيته بتقوى الله تعالى، كما دلت أقوال النبى قبل الهجرة على منهاجه فى دعوة المشركين إلى التوحيد.
بناء مسجده ﵊
٣٣٣- هذا هو الأمر الثالث الذى ابتدأ به النبى ﷺ إقامته فى المدينة المنورة.
لقد ابتدأ ﷺ ببناء مسجد فى قباء، وهو المسجد الذى ذكر الله سبحانه وقال فيه.. لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ «١» وأنه يجىء إليه الذين يحبون أن يتطهروا، والله يحب المطهرين، ولما نزل فى بيت أبى أيوب اتجه تفكيره إلى إنشاء مسجد بالمدينة المنورة الذى هو أحد المساجد الثلاثة التى تشد إليها الرحال وهى: المسجد الحرام، ومسجد بيت المقدس (المسجد الأقصى)، وهذا المسجد، أو كما قال ﵊ (مسجدى هذا) .
روى عن ابن شهاب الزهرى أنه قال: بركت ناقة رسول الله ﷺ فى موضع مسجده، وهو يصلى فيه رجال من المسلمين، فكان مصلى لهم قبل أن يا بنى ﷺ فيه مسجده.
ولقد كان ذلك الموضع الذى بركت فيه الناقة مربدا لغلامين يتيمين فى المدينة المنورة من أولاد الأنصار، وكان اليتيمان فى كفالة أسعد بن زرارة الذى كان أول داع للإسلام فى المدينة المنورة قبل هجرة النبى ﷺ إليها.
ساوم رسول الله ﷺ الغلامين، أو وصيهما أو هما بحضرة وصيهما، فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله، ولكن الرسول ﵊ أبى إلا أن يكون بالثمن، فابتاعه منهما بعشرة دنانير.
وكان قبل شراء رسول الله ﵊ جدارا لا سقف له، وكان يصلى فيه، ويقيم الجماعات والجمعة أسعد بن زرارة، قبل مقدم رسول الله ﷺ، وهو بمكة المكرمة وقد جاء رسول الله ﷺ، فجعل ذلك المصلى مسجده كما أشرنا.
وقد جعله ﷺ بناء مربعا، طول كل بعد من أبعاده مائة ذراع، وقد قال ابن القيم ﵁، جعل أساسه قريبا من ثلاثة أذرع، وتم بناؤه باللبن، وبعضهم قال إن بعضه كان بالحجر المنصنود.
_________________
(١) التوبة: ١٠٨.
[ ١ / ٤٧١ ]
وقد اشترك فى بنائه كل من حضر البناء من المهاجرين والأنصار، والنبى ﷺ كان يعمل فى بنائه، وكان ينقل اللبن والحجارة بنفسه، ويقول راجزا.
اللهم لا عيش إلا عيش الاخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة.
ولقد جعلوا يرتجزون، وينقلون اللبن ويقول بعضهم فى رجزه مستحثا الهمم:
لئن قعدنا والرسول يعمل لذاك منا العمل المضلل.
وجعل ﵊ قبلته إلى بيت المقدس، وجعل له ثلاثة أبواب، بابا فى مؤخره، وبابا يقال له باب الرحمة، والباب الذى يدخل منه رسول الله ﷺ، وجعل عمده بالجذوع، وذكر السهيلى أنها جذوع نخل، وسقف بالجريد، وجعلت قبلته من اللبن، وقيل من الحجارة منضودة بعضها على بعض.
وقد نخرت عمده فى خلافة الإمام عمر فجردها، واستبدل بها، ولما كانت خلافة عثمان ذى النورين ﵁ بناها بالحجارة المقوسة، وسقفه بالساج، وجعل قبلته من الحجارة، وهذه رواية واحدة، وفى عهد عبد الملك بن مروان أضيفت حجرات نسائه، وكانت تسعا.
ولما كانت أيام بنى العباس، بناه المهدى ثالث ملوكهم، ووسعه وزاد فيه، وذلك فى سنة ستين ومائة، ثم زاد فيه عبد الله المأمون، وأتقن بنيانه.
ونخلص من هذا الى أن سنة النبى ﷺ فى بناء مسجده، ومسجد قباء كانت بأقل كلفة لتشجيع بناء المسجد.
وكما كان مسجده الطاهر الذى هو أحد المساجد التى تشد إليها الرحال كان أيضا مسكنه، وكانت بيوته ﵊ تسعا، بعضها من جريد مطين بالطين، وسقفها جريد، وبعضها من حجارة مرصوصة بعضها فوق بعض، وسقف أيضا بالجريد، ولم يكن سقفه عاليا.
وكان سريره ﵊ خشبات مشدودة بالليف، فهل من معتبر، فذلك نبى الخليقة، فهل من الناس من يتسامى إلى حياة كحياته!!
تم بحمد الله المجلد الأول ويحوي الجزء الأول ويليه المجلد الثانى ويحوي الجزء الثاني
[ ١ / ٤٧٢ ]
الجزء الثانى
بناء الدولة الإسلامية- معاهدة جوار مع اليهود- نقضهم لها- إجلاؤهم من المدينة- المنافقون- الإذن بالجهاد- الغزوات والسرايا- غزوة بدر- غزوة أحد- غزوة الأحزاب- الأحكام الشرعية التى شرعت.
[ ٢ / ٤٧٥ ]