[١]
لا يمكن أن نتفهم حركة النفاق جيدا إلا إذا أدركنا بعديها النفسي والاجتماعي. فأما بعدها الأول فيتمثل في أن عددا من الناس، على مدار التاريخ، يسوقهم تكوينهم النفسي- الذي هو حصيلة المؤثرات البيئية والوراثية- إلى اتخاذ (موقفين) إزاء القضية الواحدة، أحدهما ظاهر والآخر باطن، فيعلنون غير ما يكتمون، ويقولون غير ما يفعلون، ويدفعهم الخوف الذي يتصورونه جاثما عليهم في كل لحظة، إلى تغطية بواطنهم بأستار ظاهرية يختبئون خلفها علّها تحميهم من الانكشاف، وهم إذا ما خلوا إلى نفوسهم، وشعروا أنهم غدوا بمنأى عما يخيفهم، دفعوا الأستار جانبا وظهروا على حقيقتهم.
ويبدأ هذا الازدواج والقلق والثنائية في اتخاذ المواقف بسيطا غير معقد هدفه تحقيق مصلحة فردية أو جماعية، أو دفع أذى، إلا أن ممارسته طويلا تقود إلى استمرائه واعتياده، وسرعان ما يغدو جزآ أصيلا من التكوين النفسي للإنسان. ويتطرف الازدواج لدى البعض أحيانا حتى يغدو ظاهرة مرضية يسميها علماء النفس (انفصام الشخصية) حيث تنقطع الخيوط كلية بين الظاهر والباطن، وتزول عوامل الارتباط في كيان الإنسان، وتتفكك الذات المتوحدة إلى شخصيتين أو أكثر، ويفقد الفرد كليّة القدرة على تحديد موقفه إزاء مجريات الأحداث التي لا تكف عن التمخض والحركة، ويغدو- بتعبير الرسول ﷺ- (أمّعة. يقول: أنا مع الناس إن أحسن الناس أحسنت وإن أساؤا أسأت) .
ويقودنا البعد الاجتماعي لظاهرة النفاق إلى طبيعة تكوين المجتمع العربي
[ ٣٠١ ]
في العصر الذي بعث فيه الرسول ﷺ: مجتمع قبلي لا يعرف الوحدة والتماسك والنظام، ولم يعتد الانقياد لسلطة موحدة أو الالتزام بشعائر وأخلاقيات وعلاقات ثابتة دائمة، وقد علمته تقاليد وممارسات قرون طويلة من التسيّب والانفلات التمرد على أية محاولة للضبط والتنظيم. والعربي، فضلا عن هذا، لا يعرف انتماء لغير قبيلته وخضوعا لغير مشايخها وانقيادا لغير مواقفها التي تحددها مصالحها القبلية وحرصها على السيادة والاستعلاء بين القبائل.
ولقد جاء الإسلام دعوة إلى الانضباط والالتزام والنظام بوجه الفوضى والتسيب والانفلات، التي ألفها العربي، كما أنه جاء لكي يصهر الوحدات القبلية في إطار مجتمع موحد متماسك، تذوب فيه الإحساسات القبلية والرغبات الجزئية الموقوتة في السيادة والاستعلاء. ووجد العربي في هاتين الدعوتين خروجا على تقاليده وممارساته وأعرافه، ولم يكن من السهل عليه تجاوزها جميعا إلى آفاق الإسلام ونظامه الشامل لكل فاعليات الحياة اليومية والذي يحتم عليه الانضباط والالتزام في كل خطوة يخطوها وعمل يمارسه وتجربة يعانيها، فضلا عن أنه يدعوه إلى التخلي عن إحساسه القبلي وكسر الإطار الذي اعتاد التحرك داخله إلى المجتمع الشامل الموحد الذي تتلاشى فيه الحساسيات والأعراف القبلية ويخضع فيه الجميع لسلطة واحدة ودستور واحد يصدر عن مشرّع واحد هو الله سبحانه.
إن سببا من أهم الأسباب التي جعلت الإسلام يعاني هذا العناء الصعب إزاء الجاهلية ويكافح هذا الكفاح الطويل لتطويعها وإلغائها، يعود إلى هذا البعد الاجتماعي الذي قاد إلى حركة المقاومة الوثنية الصريحة لدعوة الإسلام، كما قاد إلى حركة النفاق داخل الصفوف المسلمة وسنراه يقود- فيما بعد- إلى حركتي (الردة) و(الفتنة) في عصر الراشدين.
وهكذا كان هذا العائق الاجتماعي يقف أمام امتداد الإسلام في يثرب نفسها التي اتخذت نواة لدولته الناشئة، حيث ظل عدد كبير من العرب الوثنيين يقاومون الدين الجديد ويعلنون عن رفضهم الانتماء إليه والخضوع لسلطته التي حددها ميثاق المدينة الذي أصدره الرسول ﷺ إثر دخوله يثرب. ولما لم يكن وجود المسلمين في المدينة قد تمركز بعد، سيما وأنها ملأى بالجيوب اليهودية والوثنية، ولما كان الصراع مع قريش لم تتحدد خطوطه بعد، حيث بدا أنها سوف لن تدع المسلمين يقر لهم قرار، وأنها ستظل تقاتلهم حتى تقضي على دعوتهم الجديدة،
[ ٣٠٢ ]
فإن عرب المدينة الوثنيين وجدوا أنفسهم في مأمن في حالة إعلان رفضهم للإسلام وعدم قبول سلطته أسوة بقريش زعيمة الوثنية، وأغلب الظن أنهم كانوا على اتصال بقريش لتنسيق العمل بين الطرفين ووضع الإسلام في شقي الرحى، الأمر الذي دفع الرسول ﷺ إلى أن يؤكد في ميثاقه على منع أي اتصال من قبل أحد من المدنيين بقريش أو التعاون معها في السلم والحرب. ويذكر محمد حميد الله في (مجموعة الوثائق) أن كفار قريش كتبوا إلى عبد الله بن أبيّ بن أبي سلول، ومن كان يعبد معه الأوثان من الأوس الخزرج، قبل وقعة بدر «إنكم آويتم صاحبنا، وإنا نقسم بالله لنقاتلنه أو لنسيرنّ إليكم بأجمعنا حتى نقتل مقاتلتكم ونسبي نساءكم» .
ولكن لم يؤثر تهديد الكفار ولا ترغيب المنافقين في مسلمي الأنصار «١» .
وجاءت معركة بدر إيذانا بانتصار الدولة الناشئة على القيادة الوثنية المتمثلة بقريش. يقول الواقدي: «لما قدم الرسول ﷺ بالأسرى أذل الله بذلك رقاب المشركين والمنافقين واليهود، ولم يبق بالمدينة يهودي ولا منافق إلا خضد عنقه لوقعة بدر» «٢» . وكان مشركو يثرب قد منّوا أنفسهم بهزيمة المسلمين، فقال رجل منهم لبعض المسلمين، وهو يرى أسامة بن زيد قادما من ساحة القتال: «قتل صاحبكم ومن معه» وقال آخر: «قد تفرق أصحابكم تفرقا لا يجتمعون بعده، وقتل محمد، وهذه ناقته نعرفها، وهذا زيد لا يدري ما يقول من الرعب» «٣» .
ولكن الحقيقة سرعان ما فرضت نفسها على الجميع ووجد العرب الوثنيون في المدينة أنفسهم في وضع حرج، فهم إما أن يبقوا على كفرهم فيعرضوا أنفسهم للعقاب وإما أن ينتموا للدين الجديد، وهم لم يألفوا الانضباط والانقياد، ولا وجدوا في أنفسهم انفتاحا على تعاليم الإسلام وإلزاماته ومبادئه بدافع من تكوينهم الاجتماعي القبلي، وسرعان ما وجد زعيمهم عبد الله بن أبيّ بن أبي سلول- الذي كان قد رشح لتتويجه ملكا على عرب المدينة قبل هجرة الرسول ﷺ، وبدأ الصناع بنسج تاجه «٤» - أن خير وسيلة للخروج من هذا المأزق هو أن يعلن هو وأتباعه إسلامهم ظاهرا، ويبقوا على اعتقاداتهم وعلاقاتهم
_________________
(١) محمد حميد الله: مجموعة الوثائق، ص ٦٦.
(٢) مغازي رسول الله: ١/ ١٢١.
(٣) البلاذري: أنساب الأشراف، ١/ ٢٩٤.
(٤) انظر صحيح البخاري: ٧/ ١٨٥- ١٨٦ (بشرح فتح الباري) ومسلم ٥/ ١٨٢- ١٨٣، وأحمد ٥/ ٢٠٣.
[ ٣٠٣ ]
وممارساتهم الجاهلية باطنا، وبهذا ينجون من شبح العقاب، ويحتفظون في الوقت نفسه بمعطياتهم الجاهلية، فضلا عن أن تلبّسهم بالإسلام وتسربهم في صفوف الجماعة المسلمة سيتيح لهم فرصة أوسع لتخريب المجتمع الجديد من الداخل، والتنفيس عن حقدهم وهزيمتهم، فاستجابوا لنداء زعيمهم وملكهم المنتظر الذي قال لهم في أعقاب سماع نبأ الانتصار الحاسم لجيش الإسلام في بدر: «هذا أمر توجّه فلا مطمع في إزالته» فانضووا إلى الدين الجديد.
ومنذ ذلك الحين برزت إلى الوجود قوة جديدة في مواجهة الحركة الإسلامية، سببت لها الكثير من المتاعب والمحن، ووضعت في دربها الكثير من الحواجز والعقبات، ومارست إزاءها من الداخل عمليات تخريبية لا حصر لها.
وكان على الرسول ﷺ أن يصارع هذه القوة فضلا عن صراعه مع القوى الخارجية: الوثنية واليهودية والنصرانية. إلا أن مشكلة هذا الصراع تكمن في أن هذه القوة المعادية غير واضحة الأبعاد، منسربة في صفوف الجماعة الإسلامية، قديرة على الاستخفاء في أعقاب أي تخريب تمارسه.. ثم، وهذا هو الأنكى، لم يكن بإمكان الرسول ﷺ أن يعاقب على التهمة ويأخذ بالظنة وينفذ أسلوبا (روبسبييريا) في حصد مئات الرؤوس التي يشك أنها تتامر على سلامة الدولة وزعيمها، وحاشا للأنبياء أن يفعلوا ذلك.
لذا نجده يرفض مرارا وتكرارا عروضا من صحابته الكرام بقتل رؤوس المنافقين وقطع رقابهم بمجرد أن يوافق الرسول ﷺ، لكنه لم يوافق حتى النهاية على قتل رجل يشهد في ظاهره بشهادة الإسلام. وهنالك حادثة ذات دلالة في هذا المجال: عندما دخل الرسول ﷺ مكة فاتحا أمر قادته ألا يقاتلوا.. لكنه طلب منهم في الوقت نفسه أن يقتلوا عددا من المكيين سماهم لهم، حتى ولو تعلقوا بأستار الكعبة، وجيء بأحدهم، وكان قد أسلم ثم ارتد إلى الوثنية، وبعد فتح مكة توسّط لدى عثمان بن عفان ﵁ في طلب الأمان. فصمت الرسول طويلا ثم قال (نعم)، فلما انصرف عنه عثمان قال لمن حوله من أصحابه: لقد صمت ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه. فقال رجل من الأنصار:
فهلا أومأت إليّ يا رسول الله؟ قال: إن النبي لا يقتل بالإشارة «١» .
_________________
(١) ابن هشام: ص ٢٨٩.
[ ٣٠٤ ]
(إن النبي لا يقتل بالإشارة) .. هذا إزاء رجل كان قد ارتد وجاء يطلب الأمان، فكيف برجال يشهدون خمس مرات في اليوم بشهادة الإسلام؟ إنه كان بإمكانه ﷺ أن يحصدهم في غداة واحدة، إلا أن مقياسا دقيقا لمعرفة إيمان كل منهم لم يكن بيديه، وإنما توكل السرائر لله، ويحاسب الناس بأعمالهم الظاهرة..
وهؤلاء منافقون وظاهرهم المكشوف ظاهر إسلامي، على خلاف مع باطنهم، فكيف يعاقبهم؟ وكان الرسول ﷺ يدرك، فضلا عن هذا البعد الأخلاقي، أن ممارسة القتل الجماعي أو الفردي تجاه أناس من أتباعه، محسوبين على معسكره، سوف يعطي لأعدائه في الخارج سلاحا دعائيا ممتازا لمهاجمة الإسلام، وقد أدرك الرسول ﷺ ذلك، وقال لأصحابه معترضا على إلحاحهم عليه بممارسة هذا الأسلوب تجاه المنافقين «فكيف بالعرب إذا قالت إن محمدا يقتل أصحابه؟»، وهذا حق، فهم على المستوى السياسي والقانوني من أتباع محمد ﷺ، وما دام أي منهم لم يمارس عملا (جرميا) محددا فإن من الصعوبة بمكان عزله أو قتله..
وخلال العودة من تبوك، حين أراد بضعة عشر منافقا أن يمكروا بالرسول ﷺ ويطرحوه من عقبة في الطريق، وعرض عليه بعض أصحابه أن يقطعوا رؤوسهم، أجابهم الرسول ﷺ: إني أكره أن يقول الناس إن محمدا لما انقضت الحرب بينه وبين المشركين وضع يده في قتل أصحابه. وعندما قال له أسيد بن حضير: يا رسول الله فهؤلاء ليسوا بأصحاب، أجابه الرسول ﷺ: أليسوا يظهرون شهادة ألاإله إلا الله، أليسوا يظهرون أني رسول الله؟ قال: بلى، ولا شهادة لهم، قال: فإني نهيت عن قتل أولئك «١» .
وكان بديل هذا الأسلوب، شيئا نادرا في تاريخ الدعوات. تتبع الرسول ﷺ خطط المنافقين وتخريبهم بيقظة كاملة، ولم يحدد أسلوبا (ثابتا) في مجابهة مواقفهم (المتلونة) (المتغيّرة)، وإنما راح يضع لكل حالة خطة تتناسب تماما وحجم المحاولة التخريبية، وتكبتها قبل أن تجيء بثمارها المرة، وقبل أن تزرع شوكها في طريق الدعاة.. ومن وراء الرسول ﷺ آيات القرآن الكريم تتنزل من الله الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، محللة التكوين النفسي
_________________
(١) الواقدي ٣/ ١٠٤٢- ١٠٤٤، المسعودي: التنبيه والإشراف ص ٢٣٦.
[ ٣٠٥ ]
للمنافقين، مشخصة نماذج (منهم) نكاد نلمسها بأيدينا وهي تتلى علينا، فاضحة خططهم اللئيمة قبل أن تقع، منددة بأساليبهم المرذولة وهم يعملون في الظلام دسا ووقيعة، صابة عليهم غضبها المخيف في أعقاب أية محاولة يستهدفون من ورائها فتنة، أو خديعة أو مكرا «١» .
وهكذا نجد ظاهرة النفاق، رغم كونها ظاهرة مرضية في حدودها النفسية والاجتماعية، إلا أنها في إطار الدعوة الإسلامية تبدو ظاهرة صحة وعافية أشبه بالأمصال المخففة التي تحقن في دم الإنسان لمقاومة مرض من الأمراض وتمكينه من مجابهته وقد عرف طعمه ولونه وقدرته على الفتك واستعد لذلك كله. لقد أدى وجود المنافقين في صفوف المسلمين إلى أن يكونوا حذرين دوما، يقظين أبدا، لا يغافلون ولا ينامون ولا يلدغون من جحر مرتين. وبسبب هذا الحذر واليقظة والسهر المستمر، تمكن المعسكر الإسلامي ليس فقط من الانتصار على أعدائه في الخارج بل- وهذا هو الأهم- تعزيز وحدته الداخلية ورصّ صفوفه، وتذويب الأجسام الغريبة أو شلها وتكييسها أو طردها كي لا تدمر المجتمع الجديد وتنخره من الداخل.. إنها حكمة الله في أن يوجد في كيان المسلمين ما يتحداهم من الداخل دوما ويدفعهم إلى الاستجابة والإبداع.. وحكمة رسول الله ﷺ التي تتسع وتتسع حتى تشمل كل حالة وتجابه كل وضع بعيدا عن الجمود على وضع واحد يصل إلى هدفه من أقصر طريق، لكنه أرخص طريق وأكثرها استحقارا للدم الإنساني، طريق الإعدام بالجملة، وحصد رؤوس مئات من الأتباع
_________________
(١) عن المواقف القرآنية إزاء المنافقين، انظر البحث القيم لمحمد عزة دروزة (سيرة الرسول) الجزء الثاني فصل (المنافقون في العصر المدني) ص ٧٣- ١٢٠، وانظر في (صفات المنافقين وأقوالهم) سورة البقرة: الآيات ٨- ١٦، ٢٠٤- ٢٠٦، سورة النساء: الآيات ١٣٧، ١٣٨، ١٤٢، ١٤٣، ١٤٥- ١٤٦، سورة التوبة: الآيات ٥٦- ٥٧، ٦١- ٦٢، ٦٧- ٦٨، ٧٣- ٧٧، ٨٤- ٨٥، ٩٧- ٩٨، ١٠١، سورة محمد: الآيتان ٢٩- ٣٠، سورة الحديد: الآيتان ١٣- ١٤، سورة المنافقون: الآيات ١- ٨، وانظر في (مواقفهم الكيدية والساخرة) سورة النساء: الآيات ٦٠- ٦١، ١٣٨- ١٣٩، ١٤٠- ١٤١، سورة التوبة: الآيات ٥٨، ٦١، ٦٤- ٦٥، ٧٩، ٨٠، ١٠٧- ١١٠، ١٢٤- ١٢٧، سورة المجادلة: الآيات ٨- ١٠، سورة البقرة: الآيات ١١- ١٤، سورة الأنفال: الآية، ٤٩، سورة النور: الآيتان ٦٢- ٦٣، سورة الأحزاب الآيات ٥٧- ٦١، ٦٩- ٧١، سورة محمد: الآيات ١٦، ٢٥- ٢٦، سورة المائدة: الآيات ٥٠- ٥٣، سورة المجادلة: الآيات ١٤- ١٦، وانظر في (مواقفهم من الجهاد ووقائعه): سورة آل عمران: الآيات ١٥٦، ١٦٦- ١٦٨، سورة النساء: الآيات ٧١- ٧٣، ٧٧، ٨١، سورة التوبة: الآيات ٤٢- ٤٩، ٥٠- ٥٣، ٨١- ٨٣، ٨٦- ٨٧، ٩٠، ٩٣- ٩٦، سورة محمد: الآيات ٢٠- ٢٣، سورة الأحزاب: الآيات ٩- ٢٠، سورة الحشر: الآيتان ١١- ١٢.
[ ٣٠٦ ]
[٢]
والمنتمين لمجرد تهمة تدور حولهم، بمقصلة تنزل وتصعد، أو سيف يضرب يمينا وشمالا، أو إشارة صامتة تعقبها أنهار من الدماء.. إن (النبي) غير (الزعيم) و(المعلم) غير (الإرهابي) و(الإنقلابي) غير (الطاغية) و(محمد) غير (روبسبيير) .
[٢]
كان المنافقون يتمثلون في طائفة من عرب المدينة من الأوس والخزرج ومن بعض المتهودة من رجال بعض البطون اليهودية الصغيرة، وقد التفوا حول زعيمهم عبد الله بن أبي كما التف حوله اليهود لاتفاق مصلحة الطرفين. وقد ظل خطر المنافقين على الدولة كبيرا ما ظل اليهود في المدينة، إذ أنهم كانوا على صلة دائمة بهم، بل إن اليهود هم الذين أدركوا النفاق في المدينة فلما تم تطهيرها من اليهود ضعف أمر النفاق وأصبح النبي لا يخشى خطر هذه الطائفة «١»، حيث أخذ صوتها يخفت، ونشاطها يخمد، وعددها يقل، وتزلفها يشتد ومداراتها تزداد، وخوفها يبدو واضحا. وربما ندم كثير من المنافقين فعادوا إلى حظيرة الإسلام الصحيح فكانت هذه الظواهر مما ثبت الرسول على خطته في عدم أخذهم بالعنف، ورأى فيها الصواب والمصلحة سيما وأنهم كانوا يرتبطون مع كثير من المخلصين بروابط القربى والرحم، وإن أخذهم بالعنف- فضلا عن الأسباب التي ذكرناها- قد يفتح في صفوف المسلمين ثغرات واسعة ويثير أزمات داخلية حادة، وهو الذي كان مطمئن القلب بوعد الله بالنصر النهائي وإظهار دينه على الدين كله «٢» .
ولعل من الدلائل على ارتباط حركة النفاق بالنشاط اليهودي ضد الإسلام ما ورد في الآيات الأولى من سورة البقرة، التي هي أول السور المدنية في ترتيب النزول، فقد جاء فيها بصدد المنافقين: وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ «٣»، فقد قال جمهور المفسرين إن شياطينهم هم اليهود، ولم يغب ذلك عن النبي والمسلمين «٤» .
_________________
(١) إبراهيم الشريف: مكة والمدينة في الجاهلية وعصر الرسول، ص ٤١٥- ٤١٨.
(٢) محمد عزة دروزة: سيرة الرسول ٢/ ٧٨- ٧٩.
(٣) سورة البقرة: الآية ١٤.
(٤) دروزة: المرجع السابق ٢/ ١٢١.
[ ٣٠٧ ]
إن الآيات الواردة في حق المنافقين تلهم أن حركة النفاق إنما قام بها وتولى كبرها أفراد من البارزين في قومهم وعشائرهم قليلا أو كثيرا، بل إننا نكاد نقول إن أعظم أفراد هذه الفئة كانوا من تلك الطبقة، وإنه إذا كان اندمج فيها أناس من العامة فإنهم لم يكونوا كثيرين وإنما انساقوا فيها بتأثير أولئك من ناحية زعامتهم وعصبية الأرحام التي تربط بينهم، ومن ناحية الإغراء والمنفعة، وهذا طبيعي لأنه ليس لأفراد من العامة مناوأة حركة اندمج فيها غالب قومهم.. كما أنه قلما يكون في هؤلاء من يظن أنه أعقل من أن يندمج في حركة اندمجت فيها الكثرة الكبرى، وإن الذين اندفعوا في مناوأتها واغتاظوا منها وحقدوا عليها لا يمكن أن يكونوا إلا أفرادا من البارزين الذين يمكن أن يتوهموا فيها ضررا وخطرا على مركزهم ومصلحتهم، وأن يأنفوا هذا الحركة. فالذين أخذوا على عاتقهم مهمة تغذية هذه الحركة لا يمكن أن يتصلوا بشأنها إلا مع أمثال هؤلاء كما لا يخفى «١» .
اتخذت أساليب المنافقين أشكالا شتى، بعضها مخطط مدروس وبعضها عفوي مرتجل، وهي في كلتا الحالتين جاءت تعبيرا عن التكوين النفسي والاجتماعي لشخصية (المنافق) واستهدفت وضع الحواجز والعوائق في طريق الحركة الإسلامية.. وسنتتبع هنا أساليبهم هذه وفق مجراها الزمني منذ ظهور هذه الكتلة في أعقاب بدر حتى وفاة الرسول ﷺ.
عندما حاصر الرسول ﷺ بني قينقاع، أول قبيلة يهودية كبيرة تنقض عهدها مع الرسول ﷺ، ونزلوا عند حكمه، بعد أن رأوا ألا فائدة من المقاومة، وجد عبد الله بن أبيّ أن انتصارا آخر- بعد بدر- سيحرزه المسلمون في داخل المدينة هذه المرة، وأن هذا ربما سيستفز أعداء الإسلام: عربا ويهودا، ويؤلبهم على المسلمين، وأن هؤلاء ربما وجدوا أنفسهم في موقف لا يحسدون عليه.. فليتحرك زعيم المنافقين بسرعة إذن وليقف إلى جانب بني قينقاع مدافعا عنهم إزاء هجوم المسلمين، علّ الدائرة تدور على هؤلاء فيكون ابن أبيّ قد أوجد لنفسه ولأتباعه ثغرة ينفذون منها بجلودهم، سيما وأن يهود بني قينقاع كانوا مواليه في الجاهلية فلا يعقل أن يسلمهم لمصيرهم دون أن (يظهر) على الأقل إسناده في محنتهم.
تقدم إلى الرسول ﷺ متوسلا: يا محمد أحسن في مواليّ. فلم يجبه
_________________
(١) دروزة: سيرة الرسول: ٢/ ٨٠.
[ ٣٠٨ ]
الرسول فأعاد: يا محمد أحسن في مواليّ. فأعرض عنه، فأدخل يده في جيب درع الرسول وراح يكرر توسلاته، فرد عليه الرسول، وقد كست وجهه ملامح الغضب: ويحك أرسلني، فأجاب ابن أبي: لا والله لا أرسلك حتى تحسن في مواليّ أربعمائة حاسر وثلاثمائة دارع قد منعوني من الأحمر والأسود تحصدهم في غداة واحدة؟ إني والله امرؤ أخشى الدوائر. ويبدو أن الرسول ﷺ ما كان ليريد إنزال عقاب بهم، بل أن يغادروا حصونهم إلى حيث يشاؤون ما داموا قد نزلوا عند حكم الرسول ﷺ، ولذا أجاب عبد الله: هم لك! ثم التفت إلى أصحابه قائلا: خلّوهم، لعنهم الله ولعنه معهم!!
ونزلت آيات القرآن منددة بهذا الموقف المنافق، المتأرجح بين ولاية الإسلام وولاية أعدائه* يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ «١» .
وفي حصار بني النضير، القبيلة اليهودية الثانية التي طردت من المدينة في أعقاب تامرها على حياة الرسول ﷺ في السنة الرابعة للهجرة، أعاد ابن أبي وكبار المنافقين (تمثيل نفس الدور) الذي مثلوه مع بني قينقاع، إذ بعثوا إلى بني النضير، وهم يعانون من حصار المسلمين وقبضتهم المحكمة أن «اثبتوا وتمنعوا، فإنا لن نسلمكم. إن قاتلتم قاتلنا معكم، وإن أخرجتم خرجنا معكم»، إلا أن المنافقين الذين كانوا (يقولون ما لا يفعلون) مع المعسكر الإسلامي، كانوا يقولون ما لا يفعلون مع كل معسكر يظهرون له الودّ والإخلاص، ذلك إن أيّا منهم لم يكن شخصية واحدة تتخذ موقفا موحدا إزاء القضية، وإنما شخصيتين. ولقد ظل بنو النضير ينتظرون نجدة رفاقهم دونما جدوى حتى سألوا الرسول ﷺ الجلاء عن ديارهم، بعد أن سدّت كل المنافذ.. وبعد قليل جاءت آيات القرآن، فاضحة منددة كاشفة أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ.. «٢» .
_________________
(١) سورة المائدة، الآيتان: ٥١ و٥٢، ابن هشام ص ١٧١- ١٧٢. الطبري، تاريخ ٢/ ٤٨٠- ٤٨١، البلاذري: أنساب، ١/ ٣٠٩، الواقدي: ١/ ١٧٧- ١٧٨.
(٢) سورة الحشر، الآية ٨٨. ابن هشام ص ٢٠٤، ٢٠٦، الواقدي ١/ ٣٦٨- ٣٧٢.
[ ٣٠٩ ]
وعندما سمع الرسول ﷺ نبأ تحرك قريش بقواتها التي تفوق المسلمين بكثير ونزولها في أحد لقتال المسلمين انتقاما لما لحق الكفار في بدر، ومحاولة للقضاء على الدولة الجديدة، وطرح رأيه بقتال قريش في المدينة نفسها، قتال الشوارع والحارات، وافقه عبد الله بن أبيّ على رأيه هذا وألح على ضرورة تنفيذه قائلا «يا رسول الله أقم بالمدينة، لا تخرج إليهم، فو الله ما خرجنا إلى عدوّ لنا قط إلا أصاب منا، ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه، فدعهم يا رسول الله، فإن أقاموا أقاموا بشر محبس وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجههم، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين كما جاؤوا» «١»، ربما حرصا من زعيم المنافقين على الظهور بمظهر المتحمسين لتنفيذ رأي رسولهم، سيما بعد أن رأى أكثرية المسلمين تطالب بموقف آخر هو الخروج والقتال في الأرض المكشوفة، وهو من خلال حرصه وإصراره سيزيد- حسب اعتقاده- شقة الخلاف بين الطرفين، وليكن بعدها ما يكون.. وربما رأى- وهو الأرجح- أن قتال المسلمين لأعدائهم داخل المدينة سيمكن المنافقين من الاختباء وسيتيح لهم التسلل من سوح القتال وطلب النجاة بأنفسهم دون أن تلحظهم عين، وهم في مخابئهم تلك سيعرفون لمن سترجح الكفة، فيتسللون ثانية إلى معسكرات المنتصرين، فإن كانوا من المسلمين قالوا: ألم نكن معكم، أو لم تكن فكرتنا في القتال داخل المدينة أصوب وأحسن؟ وإن كانوا من المشركين بينوا لهم أنهم هم الذين ألجؤوا المسلمين إلى انتظار أعدائهم لكي يقضى عليهم في المدينة، وأنهم انسحبوا من القتال وفتّوا في عضد أتباع محمد ﷺ ومن ثم ستكون لهم الحظوة على أي حال سيؤول إليها القتال.
إلا أن الرسول ﷺ لم يشأ إلا أن يأخذ برأي أكثرية أتباعه الراغبين في الخروج إلى القتال، ولم يتح للنقاش أن يتطور إلى انشقاق عميق بين وجهتي النظر، فدخل بيته ولبس عدة القتال وانطلق بأصحابه صوب أحد. ولم يمض على مسيرهم بعض الوقت حتى انسحب ابن أبيّ بثلث المقاتلين وقال مبررا موقفه «أطاعهم وعصاني، ما ندري علام نقتل أنفسنا هاهنا أيها الناس!»، وقد لحق به عبد الله بن عمرو بن حرام وسعى إلى إقناعه بالرجوع والانضمام إلى إخوانه، وراح يقول للمنسحبين «يا قوم أذكركم الله ألا تخذلوا قومكم ونبيكم..» فأجابوه:
_________________
(١) ابن هشام، ص ١٧٤- ١٧٥.
[ ٣١٠ ]
«لو نعلم أنكم تقاتلون لما أسلمناكم ولكنا لا نرى أنه يكون قتال» فلما استعصوا عليه وأبوا إلا الانصراف والعودة قال: «أبعدكم الله أعداء الله، فسيغني الله عنكم نبيه» «١» .
وهذا الأسلوب الذي اتبعه المنافقون في المسير مع المسلمين ثم الانسحاب في اللحظات الحرجة يتكرر مرة أخرى في غزوة تبوك التي لا تقل خطورة عن معركة أحد، إذ انطلق ابن أبيّ في أعقاب الرسول ﷺ على رأس جماعته، وما أن اجتاز المسلمون مسافة قصيرة صوب هدفهم حتى تخلف المنافقون وقفلوا عائدين إلى المدينة «٢»، وإذا كان لهم عذر في ذلك أول مرة أعلنوه تبريرا لانسحابهم، فإنهم قد افتقدوا الأعذار هذه المرة ولم يقولوا شيئا!! إلا أن الموقف في كلا الحالتين هو نفس الموقف: عدم إيمان بالهدف الذي يتحرك إليه المسلمون، وخوف من الموت في سبيل قضية لا يؤمنون بها، وتخذيل للمسلمين في اللحظات الحرجة علّهم يجابهوا بهزّة خطيرة تقضي عليهم وتعيد المنافقين إلى حياة التسيّب القديمة، ويرجع لابن أبي حلمه القديم في أن يكون ملكا على قومه!!
ولقد ورد في سيرة ابن هشام، بصدد موقف المنافقين في محنة تبوك «أن عبد الله بن أبيّ، كبير المنافقين، ضرب عسكره بأسفل عسكر النبي ﷺ وكان فيما يزعمون، ليس بأقل العسكرين، فلما سار رسول الله تخلف عنه فيمن تخلف من المنافقين وأهل الريب»، فتمسك بهذه العبارة المستشرق كايتاني وأخذ يعظم من شأن وعدد المنافقين ويشكك في عدد الجيش المرويّ. غير أن هذا وذاك في غير محلهما، فالآيات القرآنية صريحة بأن المتخلفين من الأعراب والمنافقين كانوا من الأغنياء وأولي الطول، وهؤلاء دائما محدودو العدد، وعبارة ابن هشام تحمل الشك الصريح في المدى، وقد روى في الوقت نفسه أن عدد المتخلفين من المنافقين كان بضعة وثمانين رجلا، وفي سورة التوبة آيات تحكي ما كان من شدة خوف المنافقين واعتذارهم وتزلفهم وإيمانهم، بما فيه الدلالة القوية على ما صار إليه شأنهم من ضعف، وعددهم من قلة وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ. لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ «٣» .
_________________
(١) ابن هشام، ص ١٧٥.
(٢) المصدر السابق، ص ٣٢٧- ٣٢٨، الطبري: تاريخ ٣/ ١٠٣.
(٣) سورة التوبة: الآيتان ٥٦- ٥٧. وانظر الآيات: ٦٢- ٦٦، ٧٤ من نفس السورة، دروزة ٢/ ٢٦٤- ٢٦٥.
[ ٣١١ ]
وقد وجد المنافقون في هزيمة المسلمين بأحد ميدانا فسيحا لإظهار أحقادهم وشكوكهم والكشف عن موقفهم الصريح من الأحداث. يقول الواقدي:
«جعل ابن ابيّ والمنافقون معه يشمتون ويسرون بما أصاب المسلمين- في أحد- ويظهرون أقبح القول. ورجع من رجع من الصحابه وعامتهم جريح، ورجع عبد الله ابن عبد الله بن أبيّ وهو جريح، فبات يكوي الجراحة بالنار حتى ذهب الليل، وجعل أبوه يقول: ما كان خروجك معه إلى هذا الوجه برأي!! عصاني محمد وأطاع الولدان، والله لكأني كنت أنظر إلى هذا. فقال ابنه: الذي صنع الله لرسوله وللمسلمين خير وجعل المنافقون يخذلون عن رسول الله ﷺ ويأمرونهم بالتفرق عنه، ويقولون لأصحابه: لو كان من قتل منكم عندنا ما قتل، حتى سمع عمر بن الخطاب ﵁ ذلك في أماكن، فمشى إلى رسول الله ﷺ ليستأذنه في قتل من سمع ذلك منه من المنافقين، فقال له رسول الله ﷺ: إن الله مظهر دينه ومعزّ نبيه، أليسوا يظهرون شهادة ألاإله إلا الله وأني رسول الله؟
قال: بلى يا رسول الله، وإنما يفعلون ذلك تعوذا من السيف، فقد بان لك أمرهم وأبدى الله أضغانهم عند هذه النكبة. فقال رسول الله ﷺ: نهيت عن قتل من قال لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله يا ابن الخطاب! إن قريشا لن ينالوا منا مثل هذا اليوم حتى نستلم الركن» «١» .
ويحدثنا ابن هشام كيف أن عبد الله بن أبي كان يتمتع بشرف في نفسه وفي قومه، وكيف أنه كان يجلس على رأس قومه، كل جمعة في المسجد، وكيف كان ينتهز فرصة جلوس الرسول ﷺ بين الخطبتين فيقوم ويقول: «أيها الناس هذا رسول الله ﷺ بين أظهركم أكرمكم الله وأعزكم به، فانصروه وعزّروه واسمعوا له وأطيعوا» ثم يجلس. وكيف أنه عندما أراد تمثيل نفس الدور في الجمعة التي أعقبت هزيمة أحد أخذ المسلمون بثيابه من كل مكان وصاحوا: اجلس!! أي عدوّ الله لست لذلك بأهل وقد صنعت ما صنعت! فيخرج يتخطى رقاب الناس وهو يقول: والله لكأنما قلت بجرا «٢» إن قمت أشدد أمره!! فلقيه رجل من الأنصار يردد هذه العبارة فقال له: ويلك، ارجع يستغفر لك رسول الله ﷺ، فأجابه عبد الله: والله ما أبتغي أن يستغفر لي «٣» . وقال ابن إسحاق: «كان يوم أحد
_________________
(١) الواقدي: ١/ ٣١٧- ٣١٨.
(٢) البجر: الشر.
(٣) ابن هشام: ص ١٩٣- ١٩٤، الواقدي: ١/ ٣١٨- ٣١٩.
[ ٣١٢ ]
يوم بلاء ومصيبة وتمحيص اختبر الله به المؤمنين ومحص به المنافقين، ممن كان يظهر الإيمان بلسانه، وهو مستخف بالكفر في قلبه» «١» .
ومن أجل التعويض عن خوائهم الروحي وتغطية دورهم السلبي في حركة الدعوة، وملء الفراغ الذي يعانونه، كانوا يظهرون بين الحين والحين بمظهر الناصحين، الحريصين على مصير الدعوة وحياة أصحابها. قال رجال منهم، تعقيبا على مأساة الرجيع التي ذهب ضحيتها سبعة من الدعاة: «يا ويح هؤلاء المفتونين الذين هلكوا هكذا، لا هم قعدوا في أهلهم ولا هم أدّوا رسالة صاحبهم»، لكن القرآن الكريم ما لبث أن فضح ازدواجيتهم هذه، ومزّق عن وجوههم أقنعة الحرص والاهتمام وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ. وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ. وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ «٢» .
في معركة الخندق حيث المحنة التي كشفت عن صفوف المنتمين إلى معسكر الإسلام وسلطت وهجها اللافح على أعماق سرائرهم، وقف المنافقون في آخر الصفوف يثيرون شائعات الخوف والهزيمة ويطلقون سخرياتهم بوجه الجد الصارم الذي كان يدفع المؤمنين إلى العمل والسهر المتواصل ليل نهار، قبل أن يفلت الزمام من أيديهم ويصبحوا خبرا من الأخبار.
وكان الرسول ﷺ يجابه حملاتهم النفسية الخفية هذه بروح الأمل ينفخها في قلوب أتباعه، ويحدثهم بيقين ثابت طموح، وهم يعملون في الخنادق محاطين بالظلام من كل مكان، بأن مفاتيح الكعبة ستسلم إليه عما قريب وأن خيولهم ستطأ في السنين القادمة عواصم كسرى وقيصر، وتسقط عروشهم واحدا بعد الآخر. وكما كان المنافقون ينسحبون من المعركة قبل أن تلتمع السيوف، كما حدث في موقعتي أحد وتبوك، فإنهم الآن يظهرون للمؤمنين أنهم يعملون معهم في حفر الخندق، و(يمثلون دورهم هذا) وكلما وجدوا فرصة سانحة تسللوا من الخندق دون إذن من قائدهم، ولاذوا بأهليهم، بينما كان المؤمنون لا يغادر أحدهم موقع عمله إلا أن
_________________
(١) ابن هشام: ص ١٩٤.
(٢) سورة البقرة، الآيات: ٢٠٤- ٢٠٦ المصدر السابق: ص ١٩٨.
[ ٣١٣ ]
يستأذن الرسول ﷺ. ولقد تحدث القرآن الكريم بعد قليل عن هؤلاء وعن هؤلاء.. وشتان!! إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ «١» .
وعندما أحاطت الأحزاب بالمدينة، وانتقض يهود بني قريظة، وعظم البلاء على المسلمين واشتد الخوف، تصاعدت حملات المنافقين، وأسفر بعضهم عن شخصيته المخفية، وقد ظنوا أن الإسلام قد فقد قدرته كلية على الرد، وقال قائلهم: كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر وأحدهم اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط!! وراح آخرون يقولون للرسول ﷺ: يا رسول الله إن بيوتنا عورة من العدو، فأذن لنا أن نخرج فنرجع إلى دارنا فإنها خارج المدينة.. ولكن المحنة انجلت، وتفتتت جيوش الأحزاب، وأعدم مجرمو الحرب من يهود بني قريظة، وعاد الإسلام أقوى مما كان، ونزلت آيات القرآن تصفع المنافقين الذين لم يكونوا بقادرين على أن يتجاوزوا رؤية الحدث إلى ما يمكن أن يتمخض عنه وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا. وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرارًا. وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْها وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلَّا يَسِيرًا. وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُلًا. قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا. قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا. قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا. أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ
_________________
(١) سورة النور، الآيتان: ٦٢، ٦٣، ابن هشام: ص ٢١٣، الطبري: تاريخ ٢/ ٥٦٧.
[ ٣١٤ ]
[٣]
بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا. يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ما قاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا «١» .
[٣]
لما فشلت محاولات المنافقين (التخذيلية) وخابت آمالهم في هزيمة المسلمين عبر صراعهم الطويل مع الوثنية واليهود، وحقق الرسول ﷺ انتصارات متتالية حاسمة على كلتا الجبهتين، رأى المنافقون أن يبحثوا عن (أسباب) أخرى لإضعاف جبهة المسلمين وتفكيكها ونشر الفوضى فيها، لكي ينفذوا من خلال ذلك إلى أهدافهم ومطامحهم، فلجؤوا إلى أسلوب التخريب الداخلي ونشر الشائعات الهدامة، معتمدين على تسربهم في صفوف المؤمنين واحتكاكهم المباشر بهم وقدرتهم على التخفّي والانزواء. وفي أعقاب غزوة بني المصطلق «٢» أطلق المنافقون على يد زعيمهم ابن أبيّ وعدد من رؤوسهم سهمين فتاكين إلى قلب المجتمع الإسلامي كادا أن ينزفا الكثير من دمه، أحدهما باتجاه الحسّ القبلي الذي لم يكن قد استؤصل بعد، والآخر باتجاه القيم الخلقية التي تميز المجتمع المسلم عن سائر المجتمعات، فيما عرب ب (حديث الإفك) . فلقد حدث- حينذاك- إن ازدحم على بئر هناك غلام من بني غفار لعمر بن الخطاب ﵁ مع غلام جهني من يثرب، فاقتتلا، فصرخ الجهني: يا معشر الأنصار، وصرخ الغفاري: يا معشر المهاجرين!! إلا أن أحدهما ما لبث أن عفا عن الآخر واصطلح الطرفان في أعقاب وساطة عدد من المهاجرين والأنصار «٣» .
ورأى عبد الله بن أبي أن ينتهز الفرصة فأظهر غضبه وقال بعصبية: «أوقد فعلوها؟! قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا، والله ما أعدنا وجلابيب قريش إلا كما قال الأول (سمّن كلبك يأكلك) !! والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعزّ منها الأذل» ثم أقبل على من حضره من قومه- وفيهم زيد بن أرقم، وكان غلاما حدثا
_________________
(١) سورة الأحزاب، الآيات: ١٢- ٢٠، ابن هشام ص ٢١٦، ٢٣٠- ٢٣١، الطبري: تاريخ ٢/ ٥٧٠، الواقدي: ٢/ ٤٥٩- ٤٦٠.
(٢) اختلفت الروايات في تحديد زمن هذه المعركة هل وقعت قبل الأحزاب أم بعدها؟ ويمكن الأخذ برواية الواقدي (١/ ٤٠٤) الذي يجعلها في مطلع شعبان عام ٥ هـ نظرا لدقته في تثبيت التواريخ.
(٣) ابن سعد ٢/ ١/ ٤٦.
[ ٣١٥ ]
- فقال لهم: «هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير داركم» «١» .
توجه زيد بن أرقم فورا إلى الرسول ﷺ وأخبره الخبر، فقال عمر بن الخطاب ﵁، الذي كان يقف إلى جواره: مر عبّاد بن بشر فليقتله.
فأجابه الرسول ﷺ: إذن لأرعدت له أنف بيثرب كثيرة.. وكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه؟ لا ولكن أذّن بالرحيل، وذلك في ساعة لم يكن الرسول ﷺ يرتحل فيها. فتحرك المسلمون، وعندما سمع ابن أبي أن أمره قد انكشف مشى إلى الرسول ﷺ متوسلا وحلف بالله: ما قلت ما قاله زيد ولا تكلمات به!! فقال عدد من الأنصار عطفا على ابن أبيّ لمكانته في قومه: عسى أن يكون الغلام قد أوهم في حديثه ولم يحفظ ما قال الرجل! وعندما سمع أسيد بن حضير، أحد كبار الأنصار، الخبر من الرسول ﷺ وأن ابن أبيّ زعم أنه إن رجع إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل قال أسيد: فأنت يا رسول الله الأعز والله تخرجه منها إن شئت، هو والله الذليل وأنت العزيز. وما لبث أسيد أن تذكر الظروف التي أحاطت بزعيم المنافقين ودفعته إلى اتخاذ موقفه الحانق هذا على الإسلام ورسوله فقال: يا رسول الله، ارفق به، فو الله لقد جاءنا الله بك وأن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه، فإنه ليرى إنك قد استلبته ملكا»
!!
انطلق الرسول ﷺ بالمسلمين يومهم ذاك حتى أمسى، وليلتهم حتى أصبح، وصدر يومهم التالي، حتى آذنتهم الشمس بالمغيب، فعسكر بهم، وما أن وجدوا مسّ الأرض حتى وقعوا نياما. ولقد كان الرسول ﷺ حكيما في معالجته (الموقف) بهذا الأسلوب العملي. إنه موقف (نفسيّ) يتوغل بعيدا في مسارب النفوس والأعصاب، ومجابهته بالكلام والأقوال قد لا تجدي، وربما تزيده تعقيدا، فليكن الأمر إذن (عملا) مجهدا يوازي في حجمه حجم الموقف نفسه، ويمتصّ كل ما يمكن أن يغرزه في نفوس المسلمين من سموم، وسيتكفل التعب والنسيان بعد ذاك بالإتيان على بقاياه!! ومن أجل ذلك يقول ابن هشام: «وإنما فعل رسول الله ﷺ ذلك ليشغل الناس عن الحديث الذي كان بالأمس من عبد الله
_________________
(١) ابن هشام ص ٢٣٧- ٢٣٨، الطبري: ٢/ ٦٠٥، ابن سعد ٢/ ١/ ٤٦، الواقدي ٢/ ٤١٥.
(٢) ابن هشام ص ٢٣٨- ٢٣٩، الطبري ٢/ ٦٠٥- ٦٠٦، الواقدي ٢/ ٤١٧- ٤١٩.
[ ٣١٦ ]
ابن أبيّ» «١»، ويذكر الواقدي بأن الناس راحوا يتحدثون بمقالة ابن أبي وما كان منه، فما هو إلا أن أخذهم السهر والتعب بالمسير «فما نزلوا حتى ما يسمع لقول ابن أبي في أفواههم ذكر» «٢» .
وعندما بلغ ابن عبد الله بن أبيّ ما كان من أبيه، قال للرسول ﷺ: يا رسول الله إنه بلغني إنك تريد قتل عبد الله بن أبيّ فيما بلغك عنه، فإن كنت لا بد فاعلا فمرني به فأنا أحمل إليك رأسه، فو الله لقد علمت الخزرج ما كان بها من رجل أبرّ بوالده مني، وإني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل أبي يمشي في الناس، فأقتله، فأقتل رجلا مؤمنا بكافر فأدخل النار. فأجابه الرسول ﷺ: بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا!! «٣» .
جعل ابن أبي- بعد موقف الرسول المتسامح ذاك- إذا أحدث الحدث كان قومه هم الذين يعاتبونه ويأخذونه ويعنّفونه، وحينئذاك قال الرسول ﷺ لعمر بن الخطاب ﵁: كيف ترى يا عمر؟ أما والله لو قتلته يوم قلت لي اقتله، لأرعدت له أنف لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته! أجاب عمر: قد والله علمت، لأمر رسول الله ﷺ أعظم بركة من أمري «٤» !.
أما السهم الآخر الذي وجهته حركة النفاق إلى قلب الجماعة الإسلامية، متمثلا بزوجة نبيهم ﷺ وابنة صدّيقهم أبي بكر ﵁. فلنستمع إلى عائشة نفسها وهي تحدثنا: كيف انطلق، وأين استقر، ومن الذي أطلقه، وكيف تم انتزاعه بعد ما نزف من دماء!!
قالت عائشة: «كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يخرج سفرا أقرع بين أزواجه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه، فأقرع بيننا في غزاة غزاها فخرج سهمي فخرجت معه بعد ما أنزل الحجاب، فأنا أحمل في هودج وأنزل فيه. فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله ﷺ من غزوته تلك وقفل ودنونا من المدينة، آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا فمشيت حتى جاوزت الجيش فلما قضيت شأني أقبلت إلى الرحل فلمست صدري فإذا عقد لي من جزع ظفار قد انقطع فرجعت فالتمست
_________________
(١) ابن هشام ص ٢٣٩، الطبري ٢/ ٦٠٦- ٦٠٧، الواقدي: ٢/ ٤٢٢.
(٢) مغازي رسول الله: ٢/ ٤٢٢.
(٣) ابن هشام ص ٢٣٩- ٢٤٠، الطبري: تاريخ ٢/ ٦٠٨، الواقدي: ٢/ ٤٢٠- ٤٢١.
(٤) ابن هشام ص ٢٤٠، الطبري: ٢/ ٦٠٨- ٦٠٩.
[ ٣١٧ ]
عقدي فحبسني ابتغاؤه. فأقبل الذين يرحّلون لي فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي أركب وهم يحسبون إني فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يثقلهن ولم يغشهنّ اللحم، وإنما يأكلن العلقة من الطعام فلم يستنكر القوم حين رفعوه ثقل الهودج.. وكنت جارية حديثة السن فبعثوا الجمل وساروا. فوجدت عقدي بعد ما استمر الجيش فجئت منزلهم وليس فيه أحد، فأممت منزلي الذي كنت فيه وظننت أنهم سيفقدونني فيرجعون إلي، فبينا أنا جالسة غلبتني عيناي، فنمت.
وكان صفوان بن المعطل السلمي من وراء الجيش فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم فأتاني، وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين أناخ راحلته فركبتها فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا معرّسين في نحر الظهيرة فهلك من هلك!!
وكان الذي تولى الإفك عبد الله بن أبي بن أبي سلول، فقدمنا المدينة فاشتكيت بها شهرا والناس يفيضون في قول أصحاب الأفك، ويريا بني في وجعي إني لا أرى من النبي ﷺ اللطف الذي كنت أرى منه حين أمرض، إنما يدخل فيسلم فيقول كيف تيكم؟ أشعر بشيء من ذلك، حتى نقهت، فخرجت أنا وأم مسطح (في حاجة لنا) فعثرت في مرطها فقالت: تعس مسطح!! فقلت لها: بئسما قلت، أتسبين رجلا شهد بدرا؟ فقالت: ألم تسمعي ما قالوا؟ فاخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضا على مرضي.
فلما رجعت إلى بيتي دخل عليّ رسول الله ﷺ فسلّم فقال: كيف تيكم؟
فقلت: إئذن لي إلى أبوي، وأنا حينئذ أريد أن استيقن الخبر من قبلهما، فأذن لي رسول الله ﷺ فأتيت أبوي فقلت لأمي ما يتحدث الناس به، فقالت: يا بنيّة هوّني على نفسك الشأن، فو الله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها، فقلت: سبحان الله ولقد تحدث الناس بهذا؟
فبت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا اكتحل بنوم، ثم أصبحت فدعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي، يستشيرهما في فراق أهله، فأما أسامة فأشار عليه بالذي يعلم في نفسه من الود لهم، فقال: أهلك يا رسول الله ولا نعلم إلا خيرا. وأما علي فقال: يا رسول لم يضيّق الله عليك، والنساء سواها كثير، وسل الجارية تصدقك، فدعا رسول الله ﷺ بريرة فقال: يا بريرة هل رأيت فيها شيئا يريبك؟ فقالت: لا والذي بعثك
[ ٣١٨ ]
بالحق، إن رأيت منها أمرا أنكره عليها قط أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن العجين فتأتي الداجن فتأكله. فقام رسول الله ﷺ من يومه فاستعذر من عبد الله بن أبي بن أبي سلول فقال: من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي، فو الله ما علمت على أهلي إلا خيرا وقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي..
وبكيت يومي لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم فأصبح عندي أبواي، وقد بكيت ليلتين ويوما حتى أظن أن البكاء فالق كبدي. فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي إذ استأذنت امرأة من الأنصار فأذنت لها فجلست تبكي معي، فبينما نحن كذلك إذ دخل رسول الله ﷺ فجلس ولم يجلس عندي من يوم قيل لي ما قيل قبلها، وقد مكث شهرا لا يوحى إليه في شأني بشيء. فتشهّد ثم قال: يا عائشة لقد بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب، تاب الله عليه. فلما قضى رسول الله ﷺ مقالته قلص دمعي حتى ما أحسن منه قطرة، وقلت لأبي: أجب عني رسول الله ﷺ. قال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ، فقلت لأمي: أجيبي عني رسول الله ﷺ فيما قال.
قالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ. وكنت جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القرآن، فقلت: والله لقد علمت أنكم سمعتم ما يتحدث به الناس ووقر في أنفسكم وصدقتم به، ولئن قلت لكم إني بريئة- والله يعلم أني لبريئة- لا تصدقوني بذلك ولئن اعترفت لكم بأمر- والله يعلم إني لبريئة لتصدقنني، والله ما أجد لي ولكم مثلا إلا أبا يوسف إذ قال: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ «١» .
ثم تحولت على فراشي وأنا أرجو أن يبرئني، ولكن والله ما ظننت أن ينزل في شأني وحيا يتلى، ولأنا أحقر في نفسي من أن يتكلم بالقرآن في أمري. ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ في النوم رؤيا يبرئني الله بها، فو الله ما رام مجلسه ولا خرج أحد من أهل البيت، حتى أنزل عليه الوحي، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق في يوم شات، فلما
_________________
(١) سورة يوسف، الآية: ١٨.
[ ٣١٩ ]
[٤]
سري عن رسول الله ﷺ وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال لي: يا عائشة احمدي الله فقد برّأك الله. فقالت لي أمي: قومي إلى رسول الله ﷺ فقلت: لا والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله. فأنزل الله ﷿: إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ «١» .. وكان رسول الله ﷺ سأل زينب بنت جحش عن أمري فقال: يا زينب ما علمت مما رأيت؟ فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت عليها إلا خيرا، وهي التي كانت تساميني، فعصمها الله بالورع» «٢» .
[٤]
ظل المنافقون يعملون ضد الإسلام، من داخل صفوفه، منتهزين أية فرصة لتحقيق أهدافهم وللتعبير عن قلقهم وازدواجيتهم، وليس أدل في هذا المجال من حادثة (مسجد الضرار) التي أعقبت عودة المسلمين من تبوك. ويتبدى مغزى الحادثة من الاسم الذي أطلقه القرآن الكريم عليها وعلى أصحابها: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصادًا لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ. لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ. أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ «٣» .
ويروي الطبري أن الذين بنوه اثنا عشر رجلا على رأسهم خذام بن خالد، أحد بني عمرو بن عوف، الذي تبرع بإخراج المسجد من داره، ثم جاؤوا إلى الرسول ﷺ وهو يتجهز لغزوة تبوك، فقالوا: «يا رسول الله إنا قد بنينا مسجدا لذي العلّة والحاجة والليلة المطيرة والليلة الشاتية، وإنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا
_________________
(١) سورة النور، الآية: ١١.
(٢) البخاري: التجريد ٢/ ٢- ٦، ابن هشام ص ٢٤٢- ٢٤٩، الطبري: تاريخ ٢/ ٦١١- ٦١٨، ابن الأثير: الكامل ٢/ ١٩٥- ١٩٩، ابن كثير: البداية والنهاية ٤/ ١٦٠- ١٦٤، الواقدي: ٢/ ٤٢٦- ٤٣٤.
(٣) سورة التوبة: الآيات ١٠٧- ١١٠.
[ ٣٢٠ ]
فيه»، فأجابهم الرسول ﷺ: «إني على جناح سفر. ولو قدمنا إن شاء الله أتيناكم فصلينا لكم فيه» . لكنه ما أن فقل عائدا من غزوته تلك، وأصبح على مقربة ساعة من المدينة حتى جاءه الوحي الأمين بحقيقة ما كان يرمي إليه أولئك الرجال المنافقون في بناء مسجدهم ذاك، ودعوتهم الرسول ﷺ لمباركته!! فما لبث ﷺ أن استدعى اثنين من أصحابه وقال لهما: «انطلقا إلى المسجد الظالم أهله فاهدماه وحرّقاه»، فخرجا مسرعين حتى دخلا المسجد وفيه أهله، فحرقاه وهدماه حتى تفرق عنه أصحابه «١» .
وقد سئل عاصم بن عدي: لم أرادوا بناءه؟ فقال: كانوا يجتمعون في مسجدنا، فإنما هم يتناجون فيما بينهم، ويلتفت بعضهم إلى بعض فيلحظهم المسلمون بأبصارهم، فشق ذلك عليهم، وأرادوا مسجدا يكونون فيه، لا يغشاهم فيه إلا من يريدون ممن هو على مثل رأيهم. فكان أبو عامر يقول: لا أقدر أن أدخل مربدكم هذا، وذاك أن أصحاب محمد يلحظونني وينالون مني ما أكره قالوا: نحن نبني مسجدا تتحدث فيه عندنا «٢» .
ويروى البلاذري عن سعيد بن جبير أن بني عمرو بن عوف ابتنوا مسجدا في (قباء) فصلى بهم رسول الله ﷺ فيه، فحسدتهم إخوتهم بنو غنم بن عوف فقالوا: لو بنينا أيضا مسجدا وبعثنا إلى رسول الله ﷺ يصلي فيه كما صلى في مسجد أصحابنا، ولعل أبا عامر- الذي كان قد فرّ من الله ورسوله إلى أهل مكة ثم لحق بالشام فتنصّر وأقسم أن يحارب الرسول أينما وجد فرصة لذلك- أن يمر بنا إذا أتى من الشام فيصلي بنا فيه. فبنوا مسجدا وبعثوا إلى رسول الله يسألونه أن يأتي فيصلي فيه. فلما قام رسول الله لينطلق إليهم، أتاه الوحي بالآية السالفة «٣» .
ويبدو من دراسة هذه الحادثة أن حركة النفاق كانت قد حذقت، خلال سني الدعوة الطويلة، مزيدا من الأساليب لتخريب المجتمع الإسلامي من الداخل، بعد أن أعيتها كل الحيل السابقة. وها هي الآن تسعى في ظاهر الأمر إلى مزيد من الاندماج في المجتمع الإسلامي وإلى اعتماد مؤسساته نفسها كالمسجد الذي هو رمز العبادة الإسلامية وحرمها للوصول إلى أهدافها بضمان أكبر، حيث سيحقق
_________________
(١) الطبري: تاريخ ٣/ ١١٠- ١١١، الواقدي ٣/ ١٠٤٥- ١٠٤٩، ابن كثير: البداية والنهاية ٥/ ٢١- ٢٢.
(٢) الواقدي: ٣/ ١٠٤٨- ١٠٤٩.
(٣) فتوح البلدان ١/ ١/ ٢، أنساب الأشراف ١/ ٢٨٢- ٢٨٣، وانظر المسهودي: وفاء الوفا ٢/ ١٦- ١٧.
[ ٣٢١ ]
[٥]
لها ذلك العمل خفاء أكثر ويظهر من نياتها وأعمالها ما هو طيب مقبول، ولكنه سيؤدي في الوقت نفسه إلى تمزق وانشقاق في قلب المجتمع الإسلامي، وفي أي شيء؟ في المسجد الذي هو مركز الجماعة الإسلامية ومنطلق نشاطاتها المختلفة، وقلبها الذي لا يكف عن الخفقان!!
ومن هناك، وبعد المباركة التي سيمنحها الرسول ﷺ مسجدهم هذا، سينطلق المنافقون، وقد أبدوا نية حسنة وبنوا مسجدا جديدا، لاستقطاب العناصر القلقة في المجتمع الإسلامي وضمها إلى صفوفهم، وتوسيع قواعدهم بين المسلمين، وإطلاق الشائعات وبذل نشاط واسع من هذا المسجد، بقيادة زعيمهم الذي كان قد لحق بالشام وتنصّر!! للاتصال بغير المسلمين كذلك لرسم الخطط وتحديد أساليب العمل، وهم في حماية من غضبة المسلمين وفي أمان من الانكشاف، ما داموا يمارسون نشاطاتهم تلك من قلب المسجد الذي باركه الرسول ﷺ. والذي يؤكد هذا، أن تصاعد نشاط المنافقين في أقوالهم وأعمالهم، والذي رافق محنة تبوك- كما رأينا- جاء موازيا لبناء هذا المسجد الذي تم إنشاؤه قبيل التجهز لغزو الروم. وعندما هرع مبعوثا الرسول ﷺ لتهديم بؤرة النفاق هذه وجدا في باحتها أولئك الذين أقاموها.. وربما كانوا يمارسون من هناك نشاطهم المسموم. وهذا الأسلوب في العمل التخريبي، وهو اعتماد قيم ومؤسسات مجتمع أو عقيدة ما لتخريب أسس ذلك المجتمع وعقائدياته وتدمير معنويات أصحابه، معروف على مرّ العصور، وليست هذه التجربة التي فضحها القرآن الكريم إلا علامة تحذير دفعت المسلمين إلى مزيد من الحذر واليقظة!!
[٥]
وكما حدث بالنسبة لليهود، مضت المراحل الأخيرة من حياة الرسول ﷺ والإسلام يزداد قوة ومنعة وانتشارا، وزعماء القبائل العربية وأمراؤها ينهالون على المدينة معلنين إسلامهم ومبايعين رسولهم الكريم. ولم يجد المنافقون منفذا يتسللون منه لتسديد ضربة مؤذية أو تنفيذ مخطط تخريبي جديد، سيما وأن زعيمهم عبد الله بن أبيّ كان قد توفي في أواخر السنة التاسعة «١»، وكانت الآيات
_________________
(١) الطبري: تاريخ ٣/ ١٢٠.
[ ٣٢٢ ]
القرآنية قد نزلت- أخيرا- تندد بما فعل ويفعل أولئك المنافقون، وتمزق- بشكل نهائي- الأستار التي يتوارون خلفها. وكانت ألاعيبهم قبل تبوك وبعدها هي النهاية الحاسمة للسماحة التي مرحوا في سعتها طويلا ولم يقدروها حتى قدرها، وأمر النبي ﷺ أن يعلن على الناس ذبذبتهم ونكوصهم، وكلف ألا يقبل منهم ولا يصلي عليهم «١»، بل أعلم أن استغفاره لهم لن يجاب، ثم طولب المسلمون كافة أن يقاطعوهم «٢» .
إلا أن الرسول ﷺ ما أن توفي حتى وجد المنافقون المنسربون في حنايا المجتمع الجديد، والذين ازداد عددهم كثرة في أعقاب انتصار الإسلام الحاسم وتفرده بالسلطان، حيث انتمى إليه الكثيرون من العرب رغبا ورهبا، وهم لا يزالون يحملون عاداتهم وممارساتهم القديمة وتسيبهم وانفلاتهم الجاهلي المعروف، وجدوا فرصتهم السانحة فراحوا يتكالبون، كما تكالب غيرهم من أعداء الإسلام ضد الدولة التي مات قائدها ومؤسسها، وليس أدل في هذا المجال من حديث عائشة ﵂ حيث تقول: «لما توفي رسول الله ﷺ ارتدت العرب، واشرأبت اليهودية والنصرانية، ونجم النفاق، وصار المسلمون كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية لفقد نبيهم ﷺ حتى جمعهم الله على أبي بكر» «٣» . ومن ثم فإن لنا أن نتصور حجم الدور الذي مارسه المنافقون في حركات الردة والتنبؤ في عهد أبي بكر.. وفيما بعد، في الفتنة التي زعزعت أركان الخلافة الراشدة، وهو ولا ريب دور كبير وخطير بمجرد أن نطلع على التكوين القلبي للمنتمين إلى الفتنة وعلى أسماء قادتها وزعمائها!!
_________________
(١) سورة التوبة: الآية ٨٤.
(٢) الغزالي: فقه السيرة ص ٤٤٨. وانظر دروزة ٢/ ٨٢.
(٣) ابن هشام: ص ٤٠٤.
[ ٣٢٣ ]
الخاتمة
عندما حان موعد الحج من العام العاشر للهجرة، أعلن الرسول ﷺ أنه سيحج بنفسه في الناس هذا الموسم، وأمر بالتجهز للذهاب إلى مكة، ثم ما لبث أن غادر المدينة في الخامس والعشرين من ذي القعدة. وانهال المسلمون على مكة من كل مكان لكي يشهدوا أول حجة على الطريقة الإسلامية التي لا دخل فيها من طقوس وثنية، وليلتقوا برسولهم الكريم ويقبسوا عنه مزيدا من التعاليم.
وبدأت مراسيم الحج فانطلق آلاف المسلمين، القدماء والجدد، وراء نبيهم ومعلمهم وهو يريهم مناسكهم ويعلمهم سنن حجهم. ورأى أن يفيد من فرصة التجمع الكبير هذه فيلقي في أتباعه خطابا جامعا يؤكد فيه القيم والتعاليم التي بعث من أجلها، وكأنه كان يدرك، بإحساسه العميق، أن هذه هي آخر فرصة يلتقي فيها بحشد كبير من أتباعه كهذا الذي يلتقي به اليوم، فوقف بين أيديهم في عرفات، وشفق المغيب يلقي على جبهته مزيدا من النور والمهابة والجلال، وراح يلقي كلماته التي سميت فيما بعد بخطبة الوداع، ومن ورائه رجل جهوري الصوت يصرخ بكلمات الرسول ليسمعها ألوف الحجيج: «أياه الناس، اسمعوا قولي فإني لا أدري لعلّي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا. أيها الناس إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا وكحرمة شهركم هذا. وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم- وقد بلغت- فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها. وإن كل ربا موضوع ولكن لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون. قضى الله أنه لا ربا، وإن ربا عباس بن عبد المطلب موضوع كله، وإن كل دم كان في الجاهلية موضوع، وإن أول دمائكم أضع دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب «الذي قتلته هذيل» فهو أول ما أبدأ
[ ٣٢٤ ]
به من دماء الجاهلية أيها الناس إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم هذه أبدا، ولكنه يطمع فيما سوى ذلك، فقد رضي به مما تحقرون من أعمالكم فاحذروه على دينكم. أيها الناس إن النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عامًا لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ «١» أيها الناس إن لكم على نسائكم حقا ولهن عليكم حقا، واستوصوا (بهن) خيرا فإنهن عندكم عوان (أسيرات) لا يملكن لأنفسهن شيئا، وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله.. فاعقلوا أيها الناس قولي فإني قد بلّغت. وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا، أمرا بيّنا كتاب الله وسنة نبيه. أيها الناس اسمعوا قولي واعقلوه، تعلمن إن كل مسلم أخ للمسلم، وإن المسلمين إخوة، فلا يحل لامرىء من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه فلا تظلمن أنفسكم.
اللهم هل بلغت؟» أجابه المسلمون جميعا: اللهم نعم، فقال «اللهم اشهد» «٢» .
وبعد ذلك بقليل، قال الرسول للوفود المحتشدة حوله عند جمرة العقبة، ما يشعر بحلول الأجل القريب (خذوا عني مناسككم، فلعلي لا أحج بعد عامي هذا) «٣» .
في مطلع ربيع الأول من العام التالي (١١ هـ) خرج الرسول ﷺ إلى بقيع الغرقد حيث تنتشر مقابر أهل المدينة، فناداهم واستغفر لهم (السلام عليكم أهل المقابر ليهنأ لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أولها، الآخرة شرّ من الأولى..) ورجع إلى أهله. وحينذاك بدأ وجع الرسول ﷺ الذي انتهى بانتقاله إلى الرفيق الأعلى. عن عائشة ﵂ قالت: «رجع الرسول ﷺ من البقيع فوجدني وأنا أجد صداعا في رأسي، وأنا أقول: وا رأساه! فقال: بل أنا والله يا عائشة وا رأساه » وراح يدور على نسائه، وأوجاعه تزداد وطأة، حتى غلبته على نفسه فاستأذن أزواجه أن يمرّض في
_________________
(١) سورة التوبة، الآية: ٣٧.
(٢) ابن هشام ص ٢٧٢- ٢٧٤ الطبري ٣/ ١٤٨- ١٥٢ ابن سعد ٢/ ١/ ١٢٤- ١٣٦ البخاري: تجريد ٢/ ٩٨- ٩٩، اليعقوبي: تاريخ ٢/ ٩٩- ١٠٢ المسعودي: مروج ٢/ ٢٩٠، التنبيه ص ٢٣٩- ٢٤٠ ابن الأثير: الكامل ٢/ ٣٠٢- ٣٠٣. وعن نص الخطبة انظر: حميد الله: الوثائق ص ٣٦٠- ٣٦٢، ابن حزم: جوامع ص ٢٦٠- ٢٦٢. وعن تفاصيل حجة الوداع انظر: ابن كثير: البداية ٥/ ١٠٩- ٢١٤.
(٣) الغزالي: فقه السيرة ص ٤٩٠.
[ ٣٢٥ ]
بيت عائشة ﵂ فأذنّ له. وخرج يمشي بين رجلين من أهله، علي والفضل بن عباس، عاصبا رأسه، تخط قدماه، حتى دخل بيت عائشة «١» .
أخذت الحمى تزداد شدة، حتى أن الرسول طلب من أهله أن يريقوا عليه «سبع قرب من آبار شتى»، ولما راحوا يصبون عليه الماء طفق يقول «حسبكم حسبكم» وعندما أحسّ ببعض الارتياح خرج إلى المسجد عاصبا رأسه حتى جلس على المنبر فكان أول ما تكلم به أنه صلى على أصحاب أحد واستغفر لهم ثم قال: «إن عبدا من عباد الله خيّره الله بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عند الله» .
فهم أبو بكر مغزى كلام الرسول وعرف أنه يريد نفسه، فبكى، وقال: بل نحن نفديك بأنفسنا وأبنائنا، فأجاب الرسول ﷺ: «على رسلك يا أبا بكر» ثم التفت إلى من حوله وقال: (انظروا هذه الأبواب اللافظة في المسجد فسدّوها، إلا بيت أبي بكر، فإني لا أعلم أحدا كان أفضل في الصحبة عندي يدا منه.. ولو كنت متخذا من العباد خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن صحبة وإخاء وإيمان حتى يجمع الله بيننا عنده) وعاد إلى بيته ودهمته نوبة الحمى والألم مرة أخرى «٢» .
طلب الرسول- بعد أن أعجزه المرض عن أداء مهامه- أن يأمروا أبا بكر ليصلي بالناس، فقالت عائشة: يا نبي الله إن أبا بكر رجل رقيق، ضعيف الصوت كثير البكاء إذا قرأ القرآن. قال: فمروه فليصل بالناس.. وكانت عائشة ترمي من وراء ذلك ألا يدفع أبوها إلى موقف يؤدي إلى تشاؤم الناس منه: «لأن الناس لا يحبون رجلا قام مقام نبيهم أبدا» .. فصلى أبو بكر بهم ثلاثة أيام «٣» .
وفي يوم الاثنين الذي توفي في ضحاه (١٢ ربيع الأول) خرج ﷺ لكي يلقي نظرة على أصحابه، وهم يقفون صفوفا يؤدون الصلاة، وما أن رفع الستر وأطل على المسلمين حتى كادوا يفتنون في صلاتهم برسول الله حين رأوه فرحا به، وانبسطت سرائرهم فأشار إليهم أن اثبتوا على صلاتكم، وتبسّم سرورا لما رأى من هيأتهم في صلاتهم. ونكص أبو بكر إلى الوراء اعتقادا منه أن الرسول سيؤم بنفسه المسلمين في صلاتهم هذه، إلا أن الرسول تقدم إليه ودفعه في ظهره قائلا:
_________________
(١) ابن هشام ص ٣٧٧- ٣٧٨، ٣٨٥ الطبري ٣/ ١٨٨- ١٨٩ ابن سعد ٢/ ٢/ ٩- ١١ البلاذري: أنساب ١/ ٥٤٣- ٥٤٥.
(٢) ابن هشام ص ٣٨٥- ٣٨٦ الطبري ٣/ ١٩٠- ١٩١ ابن سعد ٢/ ٢/ ٢٥- ٢٦ البلاذري ١/ ٥٤٦- ٥٤٧.
(٣) ابن هشام ص ٣٨٨ الطبري ٣/ ١٩٦- ١٩٧ ابن سعد ٢/ ٢/ ١٨، ٢٠- ٢١ البلاذري ١/ ٥٥٤- ٥٥٧.
[ ٣٢٦ ]
صلّ بالناس، وجلس إلى جنبه، وصلى قاعدا عن يمين أبي بكر. فلما فرغوا من الصلاة راح الرسول يتحدث إليهم رافعا صوته، حتى ظن أصحابه أن قد زال ما به من وجع واستأذنه أبو بكر في الذهاب إلى أهله بالسنح، إحدى ضواحي المدينة، وسأل الناس عليا: يا أبا الحسن كيف أصبح رسول الله؟ فقال: أصبح بحمد الله بارئا «١» !!.
لكن تلك الإشراقة لم تكن سوى صحوة الموت، ولنستمع إلى عائشة ﵂ وهي تحدثنا عن اللحظات الأخيرة من حياة الرسول ﷺ: «رجع إلي رسول الله ﷺ في ذلك اليوم حين دخل من المسجد، فاضطجع في حجري، فدخل عليّ رجل من آل أبي بكر وفي يده سواك أخضر، فنظر رسول الله إليه في يده نظرة عرفت أنه يريده فقلت: يا رسول الله أتحب أن أعطيك هذا السواك؟
قال: نعم. فأخذته فمضغته حتى لينته ثم أعطيته إياه، فاستنّ به كأشد ما رأيته يستن بسواك قط ثم وضعه. ووجدت رسول الله ﷺ يثقل في حجري، فذهبت انظر في وجهه فإذا بصره قد شخص وهو يقول: (بل الرفيق الأعلى من الجنة)، فقلت: خيّرت فاخترت والذي بعثك بالحق! وقبض رسول الله ﷺ «٢» وهو يقول:
(قاتل الله قوما اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) ويردّد (الصلاة وما ملكت أيمانكم) حتى جعل يغرغر بها صدره وما يكاد يفيض بها لسانه «٣» .
انقضّ نبأ وفاة الرسول ﷺ على أصحابه المتجمهرين في الخارج انقضاض الصاعقة، وراح عمر بن الخطاب يقول: «إن رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول الله قد توفي، وإن رسول الله ﷺ ما مات، ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران، فقد غاب عن قومه أربعين ليلة، ثم رجع إليهم بعد أن قيل:
قد مات. والله ليرجعنّ رسول الله ﷺ كما رجع موسى، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم زعموا أن رسول الله ﷺ مات» «٤» .
_________________
(١) ابن هشام ص ٣٨٩- ٣٩٠، ٣٩١ الطبري ٣/ ١٨٧، ١٩٨- ١٩٩ ابن سعد ٢/ ٢/ ١٧- ١٩ البلاذري: أنساب ١/ ٥٥٧- ٥٥٨، ٥٦١.
(٢) ابن هشام ص ٣٩١- ٣٩٢ الطبري ٣/ ١٩٩ ابن سعد ٢/ ٢/ ٢٧- ٢٨، ٣٠ البلاذري: أنساب ١/ ٥٤٩ البخاري: تجريد ٢/ ١٠٥- ١٠٦.
(٣) ابن ماجه ٢/ ١٥٥، أحمد ٣/ ١١٧ وانظر الحديث الذي أخرجه أحمد (١/ ٣٤٦): «اللهم لا تجعل قبري بعدي وثنا يعبد» . وانظر: ابن هشام ص ٤٠٤ ابن سعد ٢/ ٢/ ٤٧ البلاذري أنساب ١/ ٥٥١.
(٤) ابن هشام ص ٣٩٢ الطبري ٣/ ٢٠٠ ابن سعد ٢/ ٢/ ٥٣- ٥٤، ٥٥- ٥٦، ٥٧ البلاذري أنساب ١/ ٥٦٥- ٥٦٧.
[ ٣٢٧ ]
وأقبل أبو بكر- حين بلغه الخبر- حتى نزل على باب المسجد، وعمر يكلم الناس فلم يلتفت إلى شيء حتى دخل على رسول الله ﷺ في بيت عائشة، ورسول الله مسجى في ناحية البيت.. فأقبل حتى كشف عن وجهه وقبله، ثم قال: بأبي أنت وأمي، أما الموتة لتي كتب الله عليك فقد ذقتها، ثم لن تصيبك بعدها موتة أبدا. ثم ردّ الغطاء على وجه رسول الله ثم خرج، وعمر يكلم الناس، فقال: على رسلك يا عمر، انصت!! فتجمهر حوله الناس ورنوا إليه، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إنه من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. ثم تلا: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ «١» .
قال عمر بن الخطاب ﵁: فو الله ما هو إلّا أن سمعت أبا بكر تلاها فدهشت وتحيرت، حتى وقعت إلى الأرض ما تحملني رجلاي، وعرفت أن رسول الله ﷺ قد مات «٢» !!.
_________________
(١) سورة آل عمران: الآية ١٤٤.
(٢) ابن هشام ص ٣٩٣ الطبري ٣/ ٢٠٠- ٢٠١، ٢٠٢- ٢٠٣ ابن سعد ٢/ ٢/ ٥٢- ٥٣، ٥٤- ٥٧ البلاذري: أنساب ١/ ٥٦٦.
[ ٣٢٨ ]