[ ٦ / ١ ]
نصرة الله لنبيه في طريق الهجرة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، سيدنا ونبينا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فقد مضى بنا الحديث عن الهجرة من بيان أسبابها ومقدماتها، وبدأنا في طريقتها ومنهجها وخطتها، وتقدم ما كان من اعتزام أبي بكر رضي الله تعالى عنه على الهجرة مرارًا، ورسول الله ﷺ يستمهله ويقول: (لعل الله يجعل لك رفيقًا)، وكان يطمع أبو بكر في صحبة النبي ﷺ.
وذكرنا ما كان من السرية والتخطيط لإنجاح هذا الحدث، وأن من ذلك: أن النبي ﷺ لما أذن له في الهجرة جاء إلى بيت أبي بكر وقت القيلولة، ولم يكن يأتي في مثل ذلك الوقت، وبعد أن أخبره وشاوره معه خرج من خوخة خلف البيت، ولم يخرج من الباب العام، وكذلك: مبيت علي رضي الله تعالى عنه في فراش رسول الله ﷺ وتسجيه ببرده، وأيضًا: اتفاق أبي بكر رضي الله تعالى عنه مع ولده عبد الله أن يكون في مكة نهارًا يستمع أخبار الناس ويأتي إليهم في الغار ليلًا يخبرهم به، ويأتي بعد ذلك الراعي عامر بن فهيرة ويمشي بالغنم على أثر عبد الله فيمحو الأثر؛ لئلا يستهدي به الأعداء إلى الغار.
ثم خرج ﷺ مع أبي بكر إلى الغار، واستبرأ أبو بكر الغار في التحفظ والخوف على رسول الله ﷺ، وفي الطريق كان تارة يمشي أمامه، وتارة يمشي وراءه، وتارة عن يمينه، وتارة عن شماله، فانتبه إليه ﷺ وقال: ما بالك يا أبا بكر هكذا؟ فيقول: يا رسول الله! أتذكر الرصد فأكون أمامك، وأتذكر الطلب فأكون من ورائك، وأتذكر العدو فأكون عن يمينك أو عن شمالك، فيقول ﷺ ويبين فضل الصديق رضي الله تعالى عنه: (أتود يا أبا بكر إن يكن شيء يكون فيك أنت؟ قال: بلى فداك أبي وأمي يا رسول الله، إن أهلك أهلك وحدي، أما أنت فمعك الرسالة).
وهكذا يمضي الصديق في طريقه مع رسول الله ﷺ حتى إذا ما وصلا الغار يطلب من رسول الله أن يتأنى حتى يسبق أبو بكر إلى الغار ليستبرئه، مخافة أن يكون فيه شيء يؤذي رسول الله ﷺ.
وانتهينا إلى دخول الرسول ﷺ وصاحبه الغار، ومكثا فيه ثلاثة أيام، وقلنا: إن الحديث على أحداث الغار يتناول من كان خارج الغار من الطالبين، ومن كان داخل الغار من المطلوبين، أما من كان خارج الغار فإن الله قد ردهم بنسج العنكبوت وبيض الحمام ونبات أخضر متدل، وانتهى أمرهم.
وهناك الصديق ﵁ كان يقول لرسول الله ﷺ: (والله يا رسول الله لو نظر أحدهم أسفل نعليه لأبصرنا)، فكان الصديق خائفًا بينما رسول الله ﷺ يطمئنه غاية الطمأنينة ويقول: (يا أبا بكر! ما بالك باثنين الله ثالثهما!) وانتهت مدة الغار ثلاثة أيام، وهي كما يقول العلماء: مدة الضيافة، ولكأنهما كانا في ضيافة الرحمن.
[ ٦ / ٢ ]
تسجيل وقائع نصرة الله لنبيه في القرآن
يأتي القرآن الكريم يسجل هذا الموقف، ويلزمنا الوقوف مع من بداخل الغار وقفة طويلة.
أولًا: النص الكريم ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ [التوبة:٤٠] حقيقة النصر مذكورة في قول الله: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٢٦].
ثم يبين سبحانه وسائل النصر ووقائعه الفعلية، فيقول: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ [التوبة:٤٠] أول وقفة مع هذا النص النظر إلى المقابلة، فإنه ذكر الكفار، وذكر اللذين أُخرجا، فالكفار جماعة أقوياء أشداء، وهما اثنان: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ [التوبة:٤٠]، ليسا في برحة في الأرض بل هما في غار مصمت ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾ [التوبة:٤٠] والصحبة فضيلة ومنقبة لـ أبي بكر ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠].
جاء رجل إلى أحد أولاد الحسين بن علي ﵁ وتكلم على الأحداث الماضية المؤلمة التي وقعت بين الصحابة فسب من خالف عليًا فقال له رضي الله تعالى عنه: يا هذا هل أنت من أهل هذه الآية: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ﴾ [الحشر:٨] هل أنت من هؤلاء المهاجرين؟ قال: لا.
قال: هل أنت من أهل هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الحشر:٩] قال: لا.
لست من المهاجرين ولا من الأنصار، قال: وأنا أشهد أنك لست ممن قال الله فيهم: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر:١٠] فقم عني.
وجاء رجل من الشيعة إلى ابن عمر ونال من أبي بكر في حرمانه لـ فاطمة من ميراث أبيها، فقال له: رويدك! أتتهم أبا بكر!! فأخبرني في قوله سبحانه: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ [التوبة:٤٠] من الثاني معه؟ قال: أبو بكر ﴿إِذْ هُمَا﴾ [التوبة:٤٠] ما المقصود بـ (هما)؟ قال: الرسول وأبو بكر ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾ [التوبة:٤٠] من صاحبه؟ قال: أبو بكر ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠] مع من؟ قال: مع الرسول وأبي بكر، قال: ائتني بواحد من أصحاب رسول الله ﷺ له اثنتان من هذه الأربع، فأدبر عنه ومضى.
ولما ذكرت المقارنة بين أبي بكر وبين عمر وبين علي وعثمان قال عمر: والله! لليلة من أبي بكر مع رسول الله ﷺ في الغار خير من آل الخطاب جميعًا.
﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾ [التوبة:٤٠]، إذًا: فليس فقط العنكبوت وبيض الحمام، بل هناك جنود أيضًا لم نرها، ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ [التوبة:٤٠].
[ ٦ / ٣ ]
تشابه مواقف الأنبياء في الأزمات
هنا وقفة مقارنة بين أمور تختص بالغار، وأمور فيها عامل مشترك في جميع غزوات النبي ﷺ.
أولًا: قال: الله في الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠]، لا نقول: إن النون في: (معنا) نون العظمة؛ لأن الرسول ﷺ من أخلاقه التواضع، فيكون ضامًا معه أبا بكر، فمعية الله لهما.
وبالمقارنة مع هذا المأزق الضيق داخل الغار فهناك موقف آخر مشابه، وهو موقف موسى ﵇ ببني إسرائيل على ساحل البحر، فإن الله أمره أن يخرج ببني إسرائيل ويمضي، قال: إلى أين يا رب؟ قال: حيث ترى السحابة فامش خلفها، فمشى وراء السحابة، فإذا بالسحابة توقفه على ساحل البحر، وأتبعهم فرعون وجنوده، فنظر من كان مع موسى فإذا البحر أمامهم والعدو وراءهم، فقالوا: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء:٦١]، لكن قال نبي الله موسى: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾ [الشعراء:٦٢].
فموسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام يقول في هذا الموقف المشابه: (إِنَّ مَعِيَ)، وهنا يقول الرسول ﷺ في الغار: (إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا).
ولنعرف أيضًا منزلة الصديق ومشاركته الفعلية في الهجرة حتى استحق أن يكون داخلًا ضمن تلك المعية، ولذا جمع الضمير: (إن الله معنا) بينما موسى مع قومه كانوا خائفين وليسوا على مستوى موسى ﵇ ويقينه بالله، بل اليقين الراسخ لموسى وحده، ولهذا أفرد الضمير في المعية فقال: (إِنَّ مَعِيَ رَبِّي)، وما قال: (ربكم) فكانت ثقة موسى بربه وعناية الله بموسى أقوى وأشد من البقية؛ فهذه مقارنة في نوع المعية التي سجلها الله لرسوله وصاحبه في الغار.
﴿فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ [التوبة:٤٠]، ما قال: (عليهما)؛ لأن النبي هو الأصل ومن سكينة الله عليه أخذ يطمئن أبا بكر: (ما بالك باثنين الله ثالثهما)، فقد كان أبو بكر خائفًا، وأشرنا إلى المقارنة بين خوف أبي بكر في الغار وطمأنينة أبي بكر في العريش في بدر.
أبو بكر في الغار خائف والرسول يطمئنه، وأبو بكر في العريش مطمئن والرسول مبتهل بالدعاء إلى الله، وفي غاية الضراعة: (اللهم وعدك الذي وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض بعد، اللهم انجز لي ما وعدتني) واجتهد في الدعاء حتى إن رداءه ليسقط في الأرض ويأخذه أبو بكر ويرده على كتفيه.
وأشرنا فيما سبق بأن الفارق: أن النبي ﷺ حين كان في الغار لم تكن توجد بعد جماعة ولا أمة يتحمل مسئوليتها في ذلك الوقت، ويعلم بأن الله معه ومع صاحبه، ولكن في بدر كان قد خرج بعدد من المسلمين وكانوا سبعمائة وأربعة عشر رجلًا، يقابلون ألفًا من المشركين بكامل العدة، إذًاَ: كان يجتهد في الدعاء من أجل غيره لا لنفسه، كما قال الله: ﴿أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب:٦] وقال: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨].
[ ٦ / ٤ ]
نزول السكينة من الله على رسوله نصرة وطمأنينة
إذا تأملنا هذا الأمر بالذات بذاته نجد أنه من أقوى عوامل النصر في جميع المعارك؛ يقابل هذا شدة الخوف والرعب في قلوب الأعداء، فهو أقوى أسباب الهزيمة، ولكي نقف على هذه النقطة نأخذ مواقف النبي ﷺ في غزواته، وكذلك غيره من الأنبياء.
فمن ذلك موقف طالوت مع بني إسرائيل: ﴿إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا﴾ [البقرة:٢٤٦]، إلى أن قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ [البقرة:٢٤٧]، هل أقروا بذلك؟ لا، بل قالوا: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ﴾ [البقرة:٢٤٧] فكان
الجواب
﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ وَزَادَهُ بَسْطَةً﴾ [البقرة:٢٤٧] لم يقل: في المال، أو الحسب أو النسب، بل بمقومات القيادة، ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة:٢٤٧]، العلم للتخطيط وبعد النظر وطلب الحكمة، والجسم منفذ، ولهذا فكل قائد جهول أو أحمق إنما يردي قومه ويردي نفسه، وتكون جنايته على نفسه وعلى من معه أشد من نكاية الأعداء، وما أشبه الليلة بالبارحة.
ثم يقول لهم نبيهم: ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ﴾ [البقرة:٢٤٨]، كما قال هنا: ﴿فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ [التوبة:٤٠]، فكذلك التابوت الذي جعله الله آية لملك طالوت وبه يثبت الملك، وبه يكون النصر، ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ﴾ [البقرة:٢٤٨].
لم يكن من عوامل تثبيت ملك طالوت وتنصيبه ملكًا، تاج مرصع ولا سيف مذهب، ولا كان شيئًا من الأدوات المادية، بل السكينة وحسب، وأيضًا: (مِنْ رَبِّكُمْ) فكانت النتيجة عندما التقوا، أن قومًا قالوا: ﴿لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ [البقرة:٢٤٩] وقال الآخرون: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا﴾ [البقرة:٢٥٠]، (أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا) بالسكينة، (وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا) بالسكينة، (وَانْصُرْنَا)؛ فكانت تلك الآية من ربهم إنما هي السكينة.
[ ٦ / ٥ ]
نزول السكينة في حادثة الغار
نأتي إلى النبي ﷺ فنجد أول المواقف وأولى العوامل إنزال السكينة في بادئ الأمر في بدء الهجرة: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠] بأي شيء؟ ﴿فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ [التوبة:٤٠].
ثم انظروا إلى إعجاز القرآن، ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ [التوبة:٤٠]، لاحظوا يا إخوان كلمة: (وَجَعَلَ) جاءت مع كلمة المشركين، أما في إعلاء كلمة الله، قال: ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ﴾ [التوبة:٤٠]، دون أن يأتي معها: جعل؛ لأن الجعل تصيير الشيء، تقول: جعلت القماش ثوبًا، وجعلت العجين خبزًا، أي: صيرته.
فهنا في هذا الموقف إشارة إلى تلك المقارنة، (ثَانِيَ اثْنَيْنِ)، يواجهان (الَّذِينَ كَفَرُوا) هنا عند الغار، وهنا حدث إنزال السكينة على رسوله، وتأييده بجنود لم يروها، وفي تلك اللحظة جعل الله كلمة الذين كفروا السفلى، فصارت سافلة بجعل الله إياها كذلك.
إذًا: قبل هذا كانت متعالية تعالوا على رسول الله، وآذوا المسلمين، وأخرجوا رسول الله من بيته؛ فجعل الله كلمتهم سفلى؛ في ذلك الوقت، وكأن الغار كان نقطة تحول.
وكلمة الله هي العليا من قبل هذا، حتى لا يقول قائل: وجعل الله كلمته هي العليا بعد أن كانت سافلة، لا والله، هي عليا من أول يوم، ويكفي أنها من أول لحظة جاءت كانت دائمًا وأبدًا في ازدياد، كان النبي وحده معه خديجة، وعلي، وأبي بكر ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ [الفتح:٢٩].
إذًا: هي عليا من أول يوم، ولهذا قال: (وَكَلِمَةُ)، بالرفع -وبهذا يعلم ضرورة معرفة الإعراب في كتاب الله- وأما: (كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا) فهي مفعول به لـ (جَعَلَ).
ولكن (كَلِمَةُ اللَّهِ) مبتدأ ابتداءً لأنها العلياء.
قال: (وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ)، ما قال: وكلمة الله العليا، بل خصصها بالضمير المنفصل، (هي) للتخصيص لها دون كلمات الأعداء والأنداد.
بعد أن وجدنا أثر إنزال السكينة على طالوت بمجيء التابوت بها، نأتي إلى السكينة مع نبيه ﷺ، وقلنا: أول نقطة في أول الأمر في الغار، والهجرة أول حدث فعلي لرسول الله ﷺ.
[ ٦ / ٦ ]
نصرة الله لنبيه بالسكينة في غزوة بدر
وقعة بدر التي تتحدث عنها سورة الأنفال، واقرأ من سورة الأنفال الآية السابعة: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ﴾ [الأنفال:٧]، التي هي العير، ﴿تَكُونُ لَكُمْ﴾ [الأنفال:٧] ولكن: ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ * لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الأنفال:٧ - ٨].
﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ [الأنفال:٩]، وهو شدة اجتهاد للنبي ﷺ بالدعاء في العريش، ﴿فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِي * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [الأنفال:٩ - ١٠].
إذًاَ: طمأنينة القلوب مقدمة حتى ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [الأنفال:١٠]، إذًا: من عوامل النصر طمأنينة القلب التي هي ضد الخوف والهلع كما سيأتي.
﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنفال:١١] إلى آخر السياق، ويقول: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [الأنفال:١٢].
إذًا: هنا في بدر وعدهم الله إحدى الطائفتين دون أن يسميها لهم، فكان بمثابة إغراء لهم، وبعد هذا ذهبت العير وجاء النفير، فقال لهم: كنتم تودون أن غير ذات الشوكة ولكن الله يريد شيئًا آخر، ليحق الحق بكلماته، ثم إذا كنتم وجهًا لوجه والتقى الجمعان، ولجأتم إلى الله، ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال:٩] وأمدكم بألف من الملائكة، وبعد هذا الألف آلاف أُخر.
﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾ [الأنفال:١١]، هذه الأمنة أو الأمن حينما كان المسلمون لا يعرفون الواقع؛ فخرجوا بسلاح خفيف وعدد قليل، وواجهوا العدد والعُدد والكبرياء والفخار، وحينئذٍ كان لابد من الخوف، فيأتي الله سبحانه بالنعاس لهم ليطمئنوا، ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأنفال:١٠] وثم جانب آخر: فهو مهمة الملائكة، فالله ﷾ أيضًا يطمئن وقد كان يكفي ملكٌ واحد يطمس عيونهم بجناحه، ولكنه امتحان من الله ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [الأنفال:١٢] إذًا: الأمنة في جانب المسلمين، والرعب في جانب الذين كفروا، فكانت النتيجة أن قتلوا سبعين وأسروا سبعين، وغنموا ما شاء الله.
[ ٦ / ٧ ]
نصرة الله لنبيه بالسكينة في عزوة الأحزاب
في الآية (٢٥) من سورة الأحزاب، حكى الله مجيء قريش بأحلافها، وتحزبوا على أهل المدينة ليبيدوهم عن آخرهم، ولما سمع النبي ﷺ بأمرهم وشاور أصحابه أشار عليه سلمان الفارسي قائلًا: كنا إذا حُوربنا خندقنا، فأخذ بالفكرة وحفر الخندق.
وفي هذا العمل النبوي أخذ النبي ﷺوهو يأتيه الوحي من الله- بخبرة عسكرية فارسية، ولذا يقول والدنا رحمة الله تعالى علينا وعليه، عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء:٩]: ومن الأقوم أن يعمل ولي أمر المسلمين على حفاظ الإسلام والمسلمين: بلادهم، أموالهم، أعراضهم، دماءهم، وكل ممتلكاتهم، وله أن يستعين بخبرة أي إنسان ولو كان كافرًا.
هذه فكرة الخندق لم تكن العرب تعملها، ولذا لما جاءت قريش وجاء عمرو بن عبد ود وهو من كبار شجعان العرب، قال: إنها لمكيدة ما كانت العرب تعرفها.
وتقدمت الإشارة أيضًا إلى الاستعانة بخبرة خريت الطريق عبد الله بن أريقط، وكان على دين قومه، فائتمناه على الرواحل وأن يأتيهما على الموعد بعد ثلاثة أيام، أي: أنهما ائتمناه على أنفسهما، وعلى الدعوة؛ لأنه رجل أمين وفي، ما قالوا: هذا رجل مشرك لا نستعين بخبرته.
وكذلك لما همّ النبي ﷺ أن ينهى عن الغيلة، والغيلة هي: أن ترضع المرأة طفلها وقد حملت بأخيه من بعده، يعني: رضاع لبن الحمل؛ لأن العرب كانت تقول: إن الطفل إذا رضع من لبن الحامل كان لين العظام؛ لأن الحمل يخلخل حليب الأم.
وكانوا يقولون: فوارس لم يغالوا في رضاع فتنبو في أكفهم السيوف يمتدحون ذلك، معناها: أن الذين رضعوا من الحامل لا تتماسك السيوف في أيديهم، أما الذين لم يرضعوا من حامل فهم أقوياء أشداء، فالسيوف في أيديهم لا تخطئ ولا تبعد الرمية.
قال: (هممت أن أنهى عن الغيلة، فنظرت فإذا فارس والروم يغيلون ولا يضر أولادهم شيئًا)، إذًا: استفاد من تجارب الآخرين وترك النهي عن الغيلة.
فهنا أشار سلمان رضي الله تعالى عنه بعمل الخندق، وجاء المشركون وكانت النتيجة ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ [الأحزاب:٢٥].
رد الله المشركين.
[ ٦ / ٨ ]
نصرة الله لنبيه بالسكينة في إجلاء اليهود
قال الله: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ [الأحزاب:٢٦]، والذين ظاهروا المشركين في غزوة الخندق هم اليهود، فقد نقضوا العهد، وكانت شديدة على المسلمين، وبلغت القلوب الحناجر، ولكن الله سلم، فمن جانب المشركين ردهم الله بغيظهم ولم ينالوا خيرًا، ومن جانب من عاونوهم وظاهروهم أنزلهم الله من صياصيهم، أي: من حصونهم، ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ [الأحزاب:٢٦]، ونتيجة هذا الرعب هي: ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ [الأحزاب:٢٦].
إذًا: السكينة والطمأنينة من عوامل النصر، والرعب في القلب من عوامل الهزيمة.
وكانت نتيجة ذلك، ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ [الأحزاب:٢٧]، كل ذلك نتيجة الطمأنينة.
أيضًا في سورة الحشر: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [الحشر:٢]، فمن شدة الخوف والرعب صاروا هم بأنفسهم يخربون بيوتهم، هكذا هم اليهود؛ إذا ربحوا في حروب سنين أضاعوا ذلك بخطوة إلى الوراء.
[ ٦ / ٩ ]
نصرة الله لنبيه بالسكينة في الحديبية
كانت غزوة الحديبية في السنة السادسة من الهجرة، قال تعالى في أول سورة الفتح: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا * وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا * هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح:١ - ٤].
إذًا: من عوامل النصر إنزال السكينة في قلوب المؤمنين، لماذا؟ قال الله: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الفتح:٤] هذا موقف.
الموقف الثاني: إنزال السكينة أيضًا في أحرج المواقف، قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨] وكانت هذه البيعة حينما أرسل النبي ﷺ عثمان يفاوض أهل مكة على أن يسمحوا لهم أن يعتمروا ويطوفوا بالبيت ثم يخرجوا عنهم، لكن المشركين كما قال تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [الفتح:٢٦].
﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح:١٨] من الإيمان؛ لأنه قال في أول السورة: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح:٤]، وهنا علم ما في قلوبهم من آثار السكينة التي جاء ذكرها في أول السورة: ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح:١٨].
وذلك أنهم بايعوا رسول الله حينما قيل بأن عثمان قد قتل، فقال: (بايعوني على الموت) فبايعوه عن يقين وطمأنينة ﴿فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ﴾ [الفتح:١٨]، بهذه السكينة، ﴿فَتْحًا قَرِيبًا * وَمَغَانِمَ كَثِيرةً يَأْخُذُنَهَا﴾ [الفتح:١٨ - ١٩].
ففي صلح الحديبية كانت السكينة لها عامل كبير في موقف المؤمنين، وثباتهم أمام قريش عن بكرة أبيها وهم على مشارف الحرم.
[ ٦ / ١٠ ]
نصرة الله لنبيه بالسكينة في غزوة حنين
ونأتي لآخر غزوات النبي ﷺ، وهي غزوة حنين: في سورة التوبة الآية الخامسة والعشرين، يقول الله: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ [التوبة:٢٥]، فماذا كانت النتيجة؟ ﴿فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة:٢٥]، أي: بعد أن أعجبتكم الكثرة، ولم تغن عنكم شيئًا من موقفكم مع عدوكم، ضاقت عليكم الأرض ورحابتها، ووليتم مدبرين منهزمين ولم يبق إلا النبي ﷺ العباس وبعض الرجال، وقال ﷺ: (يا عباس! ناد أهل الشجرة).
فرجعوا إليه ﷺ وهو ينادي ويقول: (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب) يعلن عن نفسه وسط المعركة وأصحابه منهزمون عنه.
فرجعوا إليه وأعادوا الكرة، وأخذ الحصى ورماها في وجوه الكفار، فنصرهم الله.
﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ [التوبة:٢٥]، منها: الغار، وبدر، والأحزاب، وهنا: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ [التوبة:٢٥]، وأنتم قد أعجبتكم كثرتكم، ولكن لما دخلكم العجب بالكثرة، وظننتم بأن الكثرة معها النصر، حتى قال قائل: لن نغلب اليوم من قلة! وهل النصر بالقلة والكثرة؟! قال الله: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٤٩].
وهنا: ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ * ثُمَّ﴾ [التوبة:٢٥ - ٢٦]، (ثم) هنا للتراخي، يعني: بعد ما انهزمتم فعلًا وقال القائل: لن يرده إلا البحر، وقال آخر: بطل سحر محمد، وقال صفوان بن أمية وهو رجل على دين قومه، وكان مع رسول الله حمية ومعه أدراعه أعارها لرسول الله، يقول لأخيه: اضبط فاك لأن يربني رجل من قريش خير من أن يربني رجل من هوازن.
أي: يقودني ويسوسني، وربان السفينة هو الذي يقودها، ومن ذلك رب الدابة ورب البيت.
﴿ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:٢٦]، هنا جاء: (وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ) لأنهم فروا وانهزموا، فردهم بالسكينة، بعد تلك الهزيمة ينزل الله سبحانه السكينة على رسوله لثباته ووقوفه وسط المعركة ينادي: (إليَّ عباد الله، يا أهل بيعة الشجرة)؛ لأنهم كانوا منهزمين.
ثم ﴿وَأَنزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [التوبة:٢٦]؛ لأن النصر من عند الله، ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر:٣١].
نرجع مرة أخرى إلى الغار، وفي قوله سبحانه: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ [التوبة:٤٠].
ونحن الآن في هذه الآونة العصيبة، وفي هذا المد الطغياني، يجب أن نعلم أن هناك أمورًا يجب مراعاتها على الباغي والمبغي عليه، والعادي والمعتدى عليه، وهي: أن ننادي العادي بأن يراجع نفسه ويرجع عن طغيانه، فإن قوى الشر الباغية مدحورة، والله سبحانه هو الذي يؤيد بنصره من يشاء، وهو الذي يهزم جند عدوه.
ونقول للفريق الثاني: عليك بتقوى الله، والرجوع إليه، فإن الله عنده عوامل النصر من سكنية وجنود لا نعلمها، ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر:٣١].
ولعلنا أيها الإخوة نكتفي هذه الليلة بهذه المقارنة، وبيان عامل السكينة الذي أنزله الله على رسوله، وأثر هذا العامل في غزوات النبي صلوات الله وسلامه عليه كلها، وبالله تعالى التوفيق، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد ﷺ، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
[ ٦ / ١١ ]