الْفَصْلُ السَّدِسَ عَشَرَ الْفَصْلُ الْعِشْرُونَ فِي ذِكْرِ مَا دَارَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ لَمَّا أَظْهَرَ الدَّعْوَةَ وَمَا جَرَى عَلَيْهِ مِنْ أَحْوَالِهِ إِلَى أَنْ هَاجَرَ وَمَا كَانَ مِنْ صَبْرِهِ عَلَى بَلْوَى الدَّعْوَةِ وَاحْتِمَالِ الْأَذِيَّةِ وَإِيرَادِ الْآيَاتِ وَالْبَرَاهِينِ عَلَيْهَا وَكَانَ ﷺ فِيمَا قَالَهُ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَابْنُ شِهَابٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ مِنْ حِينَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] إِلَى أَنْ كُلِّفَ الدَّعْوَةَ وَإِظْهَارَهَا فِيمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤] ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] ﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ﴾ [الحجر: ٨٩] ثَلَاثَ سِنِينَ لَا يُظْهِرُ الدَّعْوَةَ إِلَّا لِلْمُخْتَصِّينَ بِهِ مِنْهُمْ خَدِيجَةُ وَأَبُو بَكْرٍ وَعَلِيٌّ وَزَيْدٌ وَغَيْرُهُمْ ﵃ ثُمَّ أَعْلَنَ الدَّعْوَةَ وَصَدَعَ بِهَا بِأَمْرِ اللَّهِ نَحْوَ عَشْرِ سِنِينَ فَكَانَ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ لَهُ حَامِيًا وَعَنْهُ دَافِعًا وَذَابًّا فَعَظُمَ عَلَيْهِ ﷺ وَعَلَى أَصْحَابِهِ مَنْ أَجَابَهُ إِلَيْهَا الْبَلَاءُ وَاشْتَدَّ وَمُنِعُوا مِنْ إِظْهَارِ التَّوْحِيدِ وَالتَّصْدِيقِ وَيُعَذَّبُونَ وَيُهَانُونَ إِلَى أَنْ أَذِنَ اللَّهُ لَهُمْ فِي هِجْرَةِ الْحَبَشَةِ فَكَانَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَجَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ وَجَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ خَرَجُوا إِلَى النَّجَاشِيِّ فَأَحْسَنَ مُجَاوَرَتَهُمْ وَأَخْرَجَ الْمُشْرِكُونَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ وَعُمَارَةَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى
[ ٢٦٥ ]
النَّجَاشِيِّ لِيَرُدَّهُمْ إِلَى قُرَيْشٍ فَخَيَّبَهُمُ النَّجَاشِيُّ وَرَدَّهُمَا خَائِبَيْنِ فَازْدَادَ الْمُشْرِكُونَ فِي الشِّدَّةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَتَآمَرُوا فِي قَتْلِ النبي ﷺ ثُمَّ أَدْخَلُوهُ وَبَنِي هَاشِمٍ الشِّعْبَ وَكَتَبُوا الصَّحِيفَةَ عَلَى أَنْ لَا يُبَايِعُوهُمْ وَلَا يُجَامِعُوهُمْ فَبَقُوا مُحْصَرِينَ ثَلَاثَ سِنِينَ إِلَى أَنْ سَلَّطَ اللَّهُ ﷿ الْأَرَضَةَ عَلَى الصَّحِيفَةِ فَلَحِسَتْ مَا فِيهَا مِنَ الْجَوْرِ وَالظُّلْمِ وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ ﷺ دَاعِيًا إِلَى اللَّهِ ﷿ فَخَرَجُوا مِنَ الشِّعْبِ وَتُوُفِّيَ أَبُو طَالِبٍ فَلَمْ يَكُنْ فِي عَشِيرَتِهِ وَأَعْمَامِهِ حَامٍ وَلَا ذَابٌّ عَنْهُ فَخَرَجَ إِلَى الطَّائِفِ يَلْتَمِسُ النَّصْرَ مِنْ عِنْدِ أَخْوَالِهِ بَنِي عَبْدِ يَالِيلَ فَلَمْ يَقْبَلُوهُ وَكَانَ يَعْرِضُ نَفْسَهُ فِي الْمَوَاسِمِ عَلَى قَبَائِلِ الْعَرَبِ أَنْ يُؤْوُوهُ أَوْ يَنْصُرُوهُ لِيُبَلِّغَ رِسَالَاتِ رَبِّهِ فَلَمْ يَقْبَلْهُ أَحَدٌ إِلَى أَنْ قَيَّضَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ الْأَنْصَارَ فَبَايَعُوهُ وَأَذِنَ لِأَصْحَابِهِ بِالْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَانْتَظَرَ هُوَ ﷺ لِيَأْذَنَ اللَّهُ ﷿ لَهُ فِي الْهِجْرَةِ
[ ٢٦٦ ]
٢٠٠ - أُخْبِرْتُ عَنِ الْمُتْبِعِيِّ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ عَمْرٍو الضَّبِّيِّ قَالَ: ثنا أَبُو رَاشِدٍ وَهُوَ الْمُثَنَّى بْنُ زُرْعَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي الْأَجْلَحُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: " بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ وَأَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ وَشَيْبَةُ وَعُتْبَةُ ⦗٢٦٧⦘ ابْنَا رَبِيعَةَ وَعُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: وَرَجُلَانِ آخَرَانِ لَا أَحْفَظُ اسْمَيْهِمَا كَانُوا سَبْعَةً، وَهُمْ فِي الْحِجْرِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فَلَمَّا سَجَدَ أَطَالَ السُّجُودَ فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: أَيُّكُمْ يَأْتِي جَزُورَ بَنِي فُلَانٍ فَيَأْتِينَا بِفَرْثِهَا فَيُلْقِيهِ عَلَى ظَهْرِ مُحَمَّدٍ؟ فَانْطَلَقَ أَشْقَاهُمْ وَأَسْفَلُهُمْ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ فَأَتَى بِهِ فَأَلْقَاهُ عَلَى كَتِفِهِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَاجِدٌ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: وَأَنَا قَائِمٌ لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَتَكَلَّمَ لَيْسَ عِنْدِي عَشِيرَةٌ تَمْنَعُنِي؛ فَأَنَا أَرْهَبُ إِذْ سَمِعَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ فَأَقْبَلَتْ حَتَّى أَلْقَتْ ذَلِكَ عَنْ أَبِيهَا ثُمَّ اسْتَقْبَلَتْ قُرَيْشًا فَشَتَمَتْهُمْ فَلَمْ يَرْجِعُوا إِلَيْهَا شَيْئًا وَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَأْسَهُ كَمَا كَانَ يَرْفَعُ عِنْدَ تَمَامِ سُجُودِهِ فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ: اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بعُقْبَةَ وَعُتْبَةَ وَأَبِي جَهْلٍ وَشَيْبَةَ وَذَيْنِكَ الرَّجُلَيْنِ ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْمَسْجِدِ وَلَقِيَهُ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ وَمَعَ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ سَوْطٌ يَتَخَصَّرُ بِهِ فَلَمَّا لَقِيَهُ النبي ﷺ أَنْكَرَ وَجْهَهُ فَأَخَذَهُ فَقَالَ: تَعَالَ مَا لَكَ؟ قَالَ النبي ﷺ: خَلِّ عَنِّي قَالَ: عَلَيَّ لِلَّهِ أَنْ لَا أُخَلِّيَ عَنْكَ أَوْ تُخْبِرَنِي مَا شَأْنُكَ فَلَقَدْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَمَّا عَلِمَ النبي ﷺ أَنَّهُ غَيْرُ مُخَلٍّ عَنْهُ أَخْبَرَهُ فَقَالَ: إِنَّ أَبَا جَهْلٍ أَمَرَ أَنْ يَطْرَحَ عَلَيَّ فَرْثٌ فَقَالَ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ: هَلُمَّ إِلَى الْمَسْجِدِ فَأَبَى فَأَخَذَهُ الْبَخْتَرِيِّ فَأَدْخَلَهُ إِلَى الْمَسْجِدِ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَبِي جَهْلٍ فَقَالَ: يَا أَبَا الْحَكَمِ أَنْتَ الَّذِي أَمَرْتَ بِمُحَمَّدٍ فَطُرِحَ عَلَيْهِ الْفَرْثُ؟ قَالَ: نَعَمْ فَرَفَعَ السَّوْطَ فَضَرَبَ رَأْسَهُ فَثَارَتِ الرِّجَالُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ فَصَاحَ أَبُو جَهْلٍ فَقَالَ: وَيْحَكُمْ مَنْ لَهُ إِنَّمَا أَرَادَ مُحَمَّدٌ أَنْ يُلْقِيَ بَيْنَنَا الْعَدَاوَةَ وَيَنْجُوَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ ⦗٢٦٨⦘ قَالَ الشَّيْخُ: وَأَمَّا الْمُسْتَهْزِئُونَ وَأَسْمَاؤُهُمْ وَذِكْرُ مَا عَجَّلَ اللَّهُ ﷿ لَهُمْ مِنَ الْخِزْيِ وَالْهَوَانِ
[ ٢٦٦ ]
٢٠١ - فَحَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ الْحَسَنِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْمَرْوَزِيُّ ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَيُّوبَ ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: " خَمْسَةُ نَفَرٍ مِنْ قَوْمِهِ كَانُوا ذَوِي أَسْنَانٍ وَشَرَفٍ فِي قَوْمِهِمْ فَمِنْهُمُ الْأَسْوَدُ بْنُ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَسَدٍ أَبُو زَمْعَةَ دَعَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَا كَانَ يَبْلُغُهُ مِنْ أَذَاهُ وَاسْتِهْزَائِهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَعْمِ بَصَرَهُ وَأَثْكِلْهُ وَلَدَهُ وَالْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ بْنِ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ وَالْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرَةَ بْنِ مَخْزُومٍ وَالْعَاصُ بْنُ وَائِلِ بْنِ هِشَامِ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْلٍ وَالْحَارِثُ بْنُ الطُّلَاطِلَةِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ عَمْرِو بْنِ مَلَكَانَ قَالَ: فَلَمَّا تَمَادَوْا فِي الشَّرِّ وَأَكْثَرُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ الِاسْتِهْزَاءَ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ "
[ ٢٦٨ ]
٢٠٢ - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ⦗٢٦٩⦘ أَنَّ جَبْرِيلَ ﵇ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ فَقَامَ وَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى جَنْبِهِ فَمَرَّ بِهِ الْأَسْوَدُ بْنُ الْمُطَّلِبِ فَرَمَى فِي وَجْهِهِ وَرَقَةً خَضْرَاءَ فَعَمِيَ وَمَرَّ بِهِ الْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ فَأَشَارَ إِلَى بَطْنِهِ فَاسْتَسْقَى بَطْنُهُ فَمَاتَ مِنْهُ حَبَنًا وَمَرَّ بِهِ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ فَأَشَارَ إِلَى جُرْحٍ بِأَسْفَلِ كَعْبِ رِجْلِهِ وَكَانَ أَصَابَهُ قَبْلَ ذَلِكَ بِسِنِينَ وَهُوَ يَجُرُّ سَبَلَتَهُ وَذَلِكَ أَنَّهُ مَرَّ بِرَجُلٍ مِنْ خُزَاعَةَ يَرِيشُ نَبْلًا لَهُ فَتَعَلَّقَ سَهْمٌ مِنْ نَبْلِهِ فِي إِزَارِهِ فَخَدَشَهُ ذَلِكَ الْخَدْشَ وَلَيْسَ بشَيْءٍ فَلَمَّا أَشَارَ إِلَيْهِ جَبْرِيلُ ﵇ انْتَقَضَ بِهِ ذَلِكَ الْخَدْشُ فَقَتَلَهُ وَمَرَّ بِهِ الْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ فَأَشَارَ إِلَى أَخْمَصِ رِجْلِهِ فَخَرَجَ عَلَى حِمَارٍ لَهُ يُرِيدُ الطَّائِفَ فَرَبَضَ بِهِ حِمَارُهُ عَلَى شِبْرِقَةٍ فَدَخَلَتْ فِي أَخْمَصِ رِجْلِهِ مِنْهَا شَوْكَةٌ فَقَتَلَتْهُ وَمَرَّ بِهِ الْحَارِثُ بْنُ الطُّلَاطِلَةِ الْخُزَاعِيُّ فَأَشَارَ إِلَى رَأْسِهِ فَامْتَخَضَ قَيْحًا فَقَتَلَهُ "
[ ٢٦٨ ]
٢٠٣ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ الْمُقْرِئُ قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْفَرَجِ قَالَ: ثنا أَبُو عَمْرٍو السَّاقِدِيُّ قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ، عَنِ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُسْتَخْفِيًا سِنِينَ لَا يُظْهِرُ شَيْئًا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ ﷿ حَتَّى نَزَلَتْ: فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ يَعْنِي أَظْهِرْ أَمْرَكَ بِمَكَّةَ فَقَدْ أَهْلَكَ اللَّهُ الْمُسْتَهْزِئِينَ بِكَ وَبِالْقُرْآنِ وَهُمْ خَمْسَةُ رَهْطٍ فَأَتَاهُ جَبْرِيلُ ﵇ بِهَذِهِ الْآيَةِ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَرَاهُمْ أَحْيَاءَ بَعْدُ كُلَّهُمْ فَأُهْلِكُوا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ وَلَيْلَةٍ فَمِنْهُمُ الْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ السَّهْمِيُّ خَرَجَ يَوْمَهُ ذَلِكَ فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ فَخَرَجَ عَلَى رَاحِلَتِهِ يَسِيرُ وَابْنٌ لَهُ يَتَنَزَّهُ وَيَتَغَدَّى، فَنَزَلَ شِعْبًا مِنْ تِلْكَ الشِّعَابِ فَلَمَّا وَضَعَ قَدَمَهُ عَلَى الْأَرْضِ قَالَ: لُدِغْتُ فَطَلَبُوا فَلَمْ يَجِدُوا شَيْئًا وَانْتَفَخَتْ رِجْلُهُ حَتَّى صَارَتْ مِثْلَ عُنُقِ الْبَعِيرِ فَمَاتَ مَكَانَهُ وَمِنْهُمُ الْحَارِثُ بْنُ قَيْسٍ السَّهْمِيُّ أَكَلَ حُوتًا مَالِحًا، وَيُقَالُ طَرِيًّا، فَأَصَابَهُ عَلَيْهِ عَطَشٌ فَلَمْ يَزَلْ يَشْرَبُ عَلَيْهِ الْمَاءَ حَتَّى انْقَدَّ عَلَيْهِ بَطْنُهُ فَمَاتَ وَهُوَ يَقُولُ: قَتَلَنِي رَبُّ مُحَمَّدٍ وَمِنْهُمُ الْأَسْوَدُ بْنُ الْمُطَّلِبِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى كَانَ لَهُ ابْنٌ يُقَالُ لَهُ زَمْعَةُ وَأَبَرَّ شَيْءٍ بِهِ وَكَانَ إِذَا خَرَجَ قَالَ: أَسِيرُ كَذَا وَكَذَا ذَاهِبًا وَأَسِيرُ مُقْبِلًا كَذَا وَكَذَا فَلَا يَخْرِمُ مَا يَقُولُ لِأَبِيهِ قَالَ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ دَعَا عَلَى الْأَسْوَدِ أَنْ يَعْمَى بَصَرُهُ وَأَنْ يَثْكَلَ وَلَدَهُ قَالَ: فَأَتَاهُ جَبْرِيلُ عَلَيْهِ ⦗٢٧١⦘ السَّلَامُ بِوَرَقَةٍ خَضْرَاءَ فَرَمَاهُ بِهَا فَذَهَبَ بَصَرُهُ قَالَ: وَخَرَجَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي وَاعَدَهُ فِيهِ ابْنُهُ وَمَعَهُ غُلَامٌ لَهُ فَأَتَاهُ جَبْرِيلُ ﵇ وَهُوَ قَاعِدٌ فِي أَصْلِ شَجَرَةٍ فَجَعَلَ يَنْطَحُ بِرَأْسِهِ وَيَضْرِبُ وَجْهَهُ بِالشَّوْكِ فَاسْتَغَاثَ بِغُلَامِهِ فَقَالَ لَهُ غُلَامُهُ: مَا أَرَى أَحَدًا يَصْنَعُ بِكَ شَيْئًا غَيْرَ نَفْسِكَ حَتَّى مَاتَ وَكَانَ يَقُولُ: قَتَلَنِي رَبُّ مُحَمَّدٍ وَكَانَ يُقَالُ إِنَّهُ بَقِيَ حَتَّى قُتِلَ وَلَدُهُ يَوْمَ بَدْرٍ وَأَثْكَلَهُ ثُمَّ مَاتَ وَمِنْهُمُ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ مَرَّ عَلَى أَنْبُلٍ لِرَجُلٍ مِنْ بَنِي خُزَاعَةَ قَدْ رَاشَهَا وَقَدْ جَعَلَهَا فِي الشَّمْسِ فَوَطِئَهَا فَانْكَسَرَتْ فَتَعَلَّقَ بِهِ سَهْمٌ مِنْهَا فَأَصَابَ أَكْحَلَهُ فَقَتَلَهُ وَمِنْهُمُ الْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ خَرَجَ مِنْ أَهْلِهِ فَأَصَابَهُ السَّمُومُ فَاسْوَدَّ حَتَّى عَادَ حَبَشِيًّا فَأَتَى أَهْلَهُ فَلَمْ يَعْرِفُوهُ فَأَغْلَقُوا دُونَهُ الْبَابَ حَتَّى مَاتَ وَهُوَ يَقُولُ: قَتَلَنِي رَبُّ مُحَمَّدٍ فَقَتَلَهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا كُلُّ رَجُلٍ بِغَيْرِ قَتْلِ صَاحِبِهِ فَأَظْهَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَمْرَهُ وَأَعْلَنَهُ بِمَكَّةَ "
[ ٢٧٠ ]
فَأَمَّا قِصَّةُ دُخُولِ بَنِي هَاشِمٍ شِعْبَ أَبِي طَالِبٍ لَمَّا تَحَالَفَتْ قُرَيْشٌ عَلَى أَنْ لَا يُبَايِعُوا بَنِي هَاشِمٍ وَلَا يُنَاكِحُوهُمْ وَلَا يُخَالِطُوهُمْ وَمَا فِي ذَلِكَ مِنْ دِلَالَتِهِ عَلَى نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ ﷺ
[ ٢٧١ ]
٢٠٤ - حَدَّثَنَا بِذَلِكَ سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سُوَيْدٍ الشَّامِيُّ قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: ثنا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْنَ مَنْزِلُنَا غَدًا؟ قَالَ: «وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ دَارٍ أَوْ رِبَاعٍ؟ مَنْزِلُنَا بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ حَيْثُ تَقَاسَمَتْ قُرَيْشٌ عَلَى الْكُفْرِ»
[ ٢٧٢ ]
٢٠٥ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ الْحَرَّانِيُّ قَالَ: ثنا أَبِي قَالَ: ثنا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: لَمَّا أَقْبَلَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ مِنَ الْحَبَشَةِ مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ إِلَى مَكَّةَ قَدْ أَهْلَكَ اللَّهُ صَاحِبَهُ وَمَنْعَهُ حَاجَتَهُ اشْتَدَّ الْمُشْرِكُونَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ كَأَشَدِّ مَا كَانُوا حَتَّى بَلَغَ الْمُسْلِمِينَ الْجَهْدُ وَاشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الْبَلَاءُ وَعَمَدَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ قُرَيْشٍ فَأَجْمَعُوا مَكْرَهُمْ وَأَمْرَهُمْ عَلَى أَنْ يَقْتُلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَانِيَةً فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَبُو طَالِبٍ جَمَعَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَأَجْمَعَ لَهُمْ أَمْرَهُمْ عَلَى أَنْ يُدْخِلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شِعْبَهُمْ وَيَمْنَعُوهُ مِمَّنْ أَرَادَ قَتْلَهُ فَاجْتَمَعُوا عَلَى ذَلِكَ كَافِرُهُمْ وَمُسْلِمُهُمْ مِنْهُمْ مَنْ فَعَلَهُ حَمِيَّةً وَمِنْهُمْ ⦗٢٧٣⦘ مَنْ فَعَلَهُ إِيمَانًا وَيَقِينًا فَلَمَّا عَرَفَتْ قُرَيْشٌ أَنَّ الْقَوْمَ قَدِ اجْتَمَعُوا وَمَنَعُوا الرَّسُولَ وَاجْتَمَعُوا عَلَى ذَلِكَ كَافِرُهُمْ وَمُسْلِمُهُمُ اجْتَمَعَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ قُرَيْشٍ فَأَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ عَلَى أَنْ لَا يُجَالِسُوهُمْ وَلَا يُخَالِطُوهُمْ وَلَا يُبَايِعُوهُمْ وَلَا يَدْخُلُوا بُيُوتَهُمْ حَتَّى يُسْلِمُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِلْقَتْلِ وَكَتَبُوا بِمَكْرِهِمْ صَحِيفَةً وَعُهُودًا وَمَوَاثِيقَ أَنْ لَا يَقْبَلُوا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ أَبَدًا صُلْحًا وَلَا تَأْخُذَهُمْ بِهِمْ رَأْفَةٌ وَلَا رَحْمَةٌ وَلَا هَوَادَةٌ حَتَّى يُسْلِمُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِلْقَتْلِ فَلَبِثَ بَنُو هَاشِمٍ فِي شِعْبِهِمْ ثَلَاثَ سِنِينَ وَاشْتَدَّ عليهم فِيهِنَّ الْبَلَاءُ وَالْجَهْدُ وَقَطَعُوا عَلَيْهِم الْأَسْوَاقَ فَلَا يَتْرُكُونَ طَعَامًا يَدْنُو مِنْ مَكَّةَ وَلَا بَيْعًا إِلَّا بَادَرُوا إِلَيْهِ؛ لِيَقْتُلَهُمُ الْجُوعُ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَنَاوَلُوا بِذَلِكَ سَفْكَ دَمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ أَبُو طَالِبٍ إِذَا أَخَذَ النَّاسُ مَضَاجِعَهُمْ أَمَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَتَى فِرَاشَهُ حَتَّى يَرَاهُ مَنْ أَرَادَ بِهِ مَكْرًا أَوْ غَائِلَةً فَإِذَا نَوَّمَ النَّاسُ أَخَذَ أَحَدَ بَنِيهِ أَوْ إِخْوَتِهِ أَوْ بَنِي عَمِّهِ فَاضْطَجَعَ عَلَى فِرَاشِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَمَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَأْتِيَ بَعْضَ فُرُشِهِمْ فَيَرْقُدَ عَلَيْهَا فَلَمَّا كَانَ رَأْسُ ثَلَاثِ سِنِينَ تَلَاوَمَ رِجَالٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ وَرِجَالٌ مِنْ بَنِي قُصَيٍّ وَرِجَالٌ مِمَّنْ سِوَاهُمْ وَذَكَرُوا الَّذِي وَقَعُوا فِيهِ مِنَ الْقَطِيعَةِ فَأَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ فِي لَيْلَتِهِمْ عَلَى نَقْضِ مَا تَعَاقَدُوا عَلَيْهِ وَالْبَرَاءَةِ مِنْهُ فَبَعَثَ اللَّهُ ﷿ عَلَى صَحِيفَتِهِمُ الَّتِي فِيهَا الْمَكْرُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْأَرَضَةَ فَلَحِسَتْ كُلَّ شَيْءٍ كَانَ فِيهَا، وَكَانَتْ مُعَلَّقَةً فِي سَقْفِ الْكَعْبَةِ وَكَانَ فِيهَا ⦗٢٧٤⦘ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ فَلَمْ تَتْرُكْ فِيهَا شَيْئًا إِلَّا لَحِسَتْهُ وَبَقِيَ فِيهَا مَا كَانَ مِنْ شِرْكٍ أَوْ ظُلْمٍ أَوْ بَغْيٍ فَأَطْلَعَ اللَّهُ تَعَالَى رَسُولَهُ عَلَى الَّذِي صَنَعَ بِالصَّحِيفَةِ فَذَكَرَ ذَلِكَ لِعَمِّهِ فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: لَا وَالثَّوَاقِبِ مَا كَذَبَنِي، فَانْطَلَقَ يَمْشِي بِعِصَابَةٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ وَهُوَ حَافِلٌ مِنْ قُرَيْشٍ فَلَمَّا رَأَوْهُمْ أَتَوْا بِجَمَاعَةٍ أَنْكَرُوا ذَلِكَ فَظُنُّوا أَنَّهُمْ خَرَجُوا مِنْ شِدَّةِ الْبَلَاءِ وَأَتَوْهُمْ لِيُعْطُوهُمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَتَكَلَّمَ أَبُو طَالِبٍ فَقَالَ: قَدْ حَدَثَتْ أُمُورٌ بَيْنَكُمْ لَمْ نَذْكُرْهَا لَكُمْ فَأْتُوا بِصَحيفَتِكُمُ الَّتِي فِيهَا مَوَاثِيقُكُمْ؛ فَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَنَا بَيْنَكُمْ صُلْحٌ وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ خَشْيَةَ أَنْ يَنْظُرُوا فِي الصَّحِيفَةِ قَبْلَ أَنْ يَأْتُوا بِهَا فَبَادَرَ اللَّعِينُ أَنْ يَأْتِيَهُمْ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي أَخْبَرَهُ اللَّهُ بِهِ فَأَتَوْا بِصَحِيفَتِهِمْ مُعْجَبِينَ بِهَا لَا يَشُكُّونَ أَنَّ الرَّسُولَ مَدْفُوعٌ إِلَيْهِمْ فَوَضَعُوهَا بَيْنَهُمْ وَقَالُوا: قَدْ آنَ لَكُمْ أَنْ تَقْبَلُوا أَوْ تَرْجِعُوا إِلَى أَمْرٍ يَجْمَعُ عَامَّتَكُمْ وَيَجْمَعُ قَوْمَكُمْ وَلَا يَقْطَعُ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ قَدْ جَعَلْتُمُوهُ خَطَرًا لِعَشِيرَتِكُمْ وَفَسَادِكُمْ قَالَ أَبُو طَالِبٍ: إِنَّمَا أَتَيْتُكُمْ لِأُعْطِيَكُمْ أَمْرًا فِيهِ نَصَفٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ هَذِهِ الصَّحِيفَةُ الَّتِي فِي أَيْدِيكُمْ إِنَّ ابْنَ أَخِي قَدْ أَخْبَرَنِي وَلَمْ يَكْذِبْنِي أَنَّ اللَّهَ ﷿ بَعَثَ عَلَيْهَا دَابَّةً فَلَمْ تَتْرُكْ فِيهَا اسْمًا لِلَّهِ إِلَّا لَحِسَتْهُ وَتُرِكَ فِيهَا غَدْرُكُمْ وَتَظَاهُرُكُمْ عَلَيْنَا بِالظُّلْمِ فَإِنْ كَانَ الْحَدِيثُ كَمَا يَقُولُ فَأَفِيقُوا فَوَاللَّهِ لَا نُسْلِمُهُ حَتَّى نَمُوتَ عَنْ آخِرِنَا وَإِنْ كَانَ الَّذِي يَقُولُ بَاطِلًا دَفَعْنَا إِلَيْكُمْ صَاحِبَنَا فَقَتَلْتُمْ أَوِ اسْتَحْيَيْتُمْ فَقَالُوا: لَقَدْ رَضِينَا بِالَّذِي تَقُولُ وَفُتِحَتِ الصَّحِيفَةُ فَوَجَدُوا الصَّادِقَ الْمَصْدُوقَ قَدْ أَخْبَرَ خَبَرَهَا قَبْلَ أَنْ تُفْتَحَ فَلَمَّا ⦗٢٧٥⦘ رَأَتْهَا قُرَيْشٌ كَالَّذِي قَالَ أَبُو طَالِبٍ قَالُوا: وَاللَّهِ مَا كَانَ هَذَا إِلَّا سِحْرًا مِنْ صَاحِبِكُمْ فَارْتَكَسُوا وَعَادُوا لِشَرِّ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ كُفْرِهِمْ وَالشِّدَّةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ وَرَهْطِهِ وَالْقِيَامِ عَلَى مَا تَعَاقَدُوا عَلَيْهِ فَقَالَ أُولَئِكَ النَّفَرُ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: إِنَّ الْأَوْلَى بِالْكَذِبِ وَالسِّحْرِ غَيْرُنَا فَكَيْفَ تَرَوْنَ؟ فَإِنَّا نَعْلَمُ أَنَّ الَّذِي أَجْمَعْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ قَطِيعَتِنَا أَقْرَبُ لِلْجِبْتِ وَالسِّحْرِ وَلَوْلَا الَّذِي أَجْمَعْتُمْ فِيهَا مِنَ السِّحْرِ لَمْ تَفْسُدِ الصَّحِيفَةُ وَهِيَ فِي أَيْدِيكُمْ فَمَا كَانَ لِلَّهِ ﷿ مِنَ اسْمٍ هُوَ فِيهَا طَمَسَهُ وَمَا كَانَ مِنْ بَغْيٍ تَرَكَهُ فِي صَحِيفَتِكُمْ أَفَنَحْنُ السَّحَرَةُ أَمْ أَنْتُمْ؟ فَنَدِمَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ قُرَيْشٍ عِنْدَ ذَلِكَ وَقَالَ رِجَالٌ مِنْهُمْ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ وَهُوَ الْعَاصُ بْنُ هِشَامِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ وَمِنْهُمُ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ وَهِشَامُ بْنُ عَمْرٍو أَخُو بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ وَكَانَتِ الصَّحِيفَةُ عِنْدَهُ وَزُهَيْرُ بْنُ أُمَيَّةَ وَزَمْعَةُ بْنُ الْأَسْوَدِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ فِي رِجَالٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَلَدَتْهُمْ نِسَاءُ بَنِي هَاشِمٍ كَانُوا قَدْ نَدِمُوا عَلَى الَّذِي صَنَعُوا فَقَالُوا: نَحْنُ بَرَاءٌ مِنْ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ قَالَ أَبُو جَهْلٍ: هَذَا أَمْرٌ قُضِيَ بِلَيْلٍ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: فَلَمَّا اجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ عَلَى ذَلِكَ أَقَامُوا عَلَى ذَلِكَ سَنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا حَتَّى جَهِدُوا أَلَّا يَصِلَ إِلَيْهِمْ إِلَّا شَيْءٌ مُسْتَخْفٍ بِهِ مَنْ أَرَادَ صِلَتَهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ وَقَدْ كَانَ أَبُو جَهْلٍ فِيمَا يَذْكُرُونَ لَقِيَ حَكِيمَ بْنَ حِزَامِ بْنِ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدٍ مَعَهُ غُلَامٌ يَحْمِلُ قَمْحًا يُرِيدُ بِهِ عَمَّتَهُ خَدِيجَةَ بِنْتَ خُوَيْلِدٍ وَهِيَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَهُ فِي الشِّعْبِ فَتَعَلَّقَ بِهِ وَقَالَ: أَتَذْهَبُ بِالطَّعَامِ إِلَى بَنِي هَاشِمٍ؟ وَاللَّهِ لَا تَبْرَحُ أَنْتَ وَطَعَامُكَ حَتَّى أَفْضَحَكَ بِمَكَّةَ ⦗٢٧٦⦘ فَجَاءَ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ الْعَاصُ بْنُ هِشَامِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَسَدٍ فَقَالَ: مَا لَكَ وَلَهُ؟ قَالَ: يَحْمِلُ الطَّعَامَ إِلَى بَنِي هَاشِمٍ فَقَالَ لَهُ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ: طَعَامٌ كَانَ لِعَمَّتِهِ عِنْدَهُ فَبَعَثَتْ إِلَيْهِ أَفَتَمْنَعُهُ أَنْ يَأْتِيَهَا بِطَعَامِهَا؟ خَلِّ سَبِيلَ الرَّجُلِ فَأَبَى أَبُو جَهْلٍ حَتَّى نَالَ أَحَدُهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ فَاحْتَمَلَ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ لَحْيَ جَمَلٍ فَضَرَبَهُ فَشَجَّهُ وَوَطِئَهُ وَطْئًا شَدِيدًا وَحَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَدْ يَرَى ذَلِكَ وَهُمْ يَكْرَهُونَ أَنْ يَبْلُغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابَهُ فَيَشْمَتُوا بِهِمْ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ ذَلِكَ يَدْعُو قَوْمَهُ إِلَى اللَّهِ ﷿ لَيْلًا وَنَهَارًا سِرًّا وَجِهَارًا لَا يَتَّقِي فِيهِ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: ثُمَّ إِنَّهُ قَامَ فِي نَقْضِ الصَّحِيفَةِ الَّتِي كَاتَبَتْ فِيهَا قُرَيْشٌ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَعَلَى بَنِي الْمُطَّلِبِ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَلَمْ يُبْلَ فِيهَا أَحْسَنُ مِنْ بَلَاءِ هِشَامِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ خُثَيْلِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ ابنَ أَخِي نَضْلَةَ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيٍّ؛ لِأَنَّهُ كَانَ نَضْلَةُ وَعَمْرٌو أَخَوَيْنِ لِأُمٍّ فَكَانَ هِشَامٌ لِبَنِي هَاشِمٍ وَاصِلًا وَكَانَ ذَا شَرَفٍ فِي قَوْمِهِ وَكَانَ فِيمَا بَلَغَنِي يَأْتِي بِالْبَعِيرِ قَدْ أَوْقَرَ طَعَامًا وَبَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ فِي الشِّعْبِ لَيْلًا حَتَّى إِذَا أَقْبَلَهُ فَمُ الشِّعْبَ خَلَعَ خِطَامَهُ مِنْ رَأْسِهِ ثُمَّ ضَرَبَ عَلَى جَنْبِهِ فَدَخَلَ الشِّعْبَ عَلَيْهِمْ فَيَأْتِي بِهِ قَدْ أَوْقَرَهُ بِزا فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ إِنَّهُ مَشَى إِلَى زُهَيْرِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَخْزُومٍ، فَكَانَتْ أُمُّهُ عَاتِكَةَ بِنْتِ عَبْدِ ⦗٢٧٧⦘ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ لَهُ: يَا زُهَيْرُ قَدْ رَضِيتَ بِأَنْ تَأْكُلَ الطَّعَامَ وَتَلْبَسَ الثِّيَابَ وَتَنْكِحَ النِّسَاءَ وَأَخْوَالُكَ حَيْثُ قَدْ عَلِمْتَ لَا يُبَاعُونَ وَلَا يُبْتَاعُ مِنْهُمْ وَلَا يُنْكَحُونَ وَلَا يُنْكَحُ إِلَيْهِمْ؟ أَمَا إِنِّي أَحْلِفُ بِاللَّهِ لَوْ كَانَ أَخْوَالُ أَبِي الْحَكَمِ بْنِ هِشَامٍ ثُمَّ دَعَوْتَهُ إِلَى مِثْلِ الَّذِي دَعَاكَ إِلَيْهِ مِنْهُمْ مَا أَجَابَكَ إِلَيْهِ أَبَدًا قَالَ: وَيْحَكَ يَا هِشَامُ فَمَاذَا أَصْنَعُ؟ إِنَّمَا أَنَا رَجُلٌ وَاحِدٌ وَاللَّهِ لَوْ كَانَ مَعِي رَجُلٌ آخَرُ لَقُمْتُ فِي نَقْضِهَا حَتَّى أَنْقُضَهَا قَالَ: قَدْ وَجَدْتُ رَجُلًا قَالَ: مَنْ هُوَ؟ قَالَ: أَنَا قَالَ زُهَيْرٌ: ابْغِنَا ثَالِثًا فَذَهَبَ إِلَى الْمُطْعِمِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ فَقَالَ لَهُ: يَا مُطْعِمُ أَقَدْ رَضِيتَ أَنْ يَهْلِكَ بَطْنَانِ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ وَأَنْتَ شَاهِدٌ عَلَى ذَلِكَ مُوَافِقٌ لِقُرَيْشٍ؟ أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ أَمْكَنْتُمُوهُمْ مِنْ هَذِهِ لَتَجِدَنَّهُمْ إِلَيْهَا مِنْكُمْ سِرَاعًا قَالَ: وَيْحَكَ فَمَاذَا أَصْنَعُ؟ إِنَّمَا أَنَا رَجُلٌ وَاحِدٌ قَالَ: قَدْ وَجَدْتُ ثَانِيًا قَالَ: مَنْ هُوَ؟ قَالَ: أَنَا قَالَ: ابْغِنَا ثَالِثًا قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ قَالَ: مَنْ هُوَ؟ قَالَ: زُهَيْرُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ قَالَ: ابْغِنَا رَابِعًا قَالَ: فَذَهَبَ إِلَى أَبِي الْبَخْتَرِيِّ بْنِ هِشَامٍ فَقَالَ لَهُ نَحْوًا مِمَّا قَالَ لِلْمُطْعِمِ بْنِ عَدِيٍّ قَالَ: هَلْ مِنْ أَحَدٍ يُعِينُ عَلَى هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: مَنْ هُوَ؟ قَالَ: زُهَيْرُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ وَالْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ وَأَنَا قَالَ: ابْغِنَا خَامِسًا قَالَ: فَذَهَبَ إِلَى زَمْعَةَ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ فَكَلَّمَهُ وَذَكَرَ لَهُ قَرَابَتَهُمْ وَحَقَّهُمْ قَالَ: فَهَلْ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ الَّذِي تَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالَ: نَعَمْ ثُمَّ سَمَّى لَهُ الْقَوْمَ فَاتَّعَدُوا حَطْمَ الْحَجُونِ لَيْلًا بِأَعْلَى مَكَّةَ فَاجْتَمَعُوا هُنَالِكَ فَأَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَتَعَاهَدُوا عَلَى الْقِيَامِ فِي الصَّحِيفَةِ حَتَّى يَنْقُضُوهَا وَقَالَ زُهَيْرٌ: أَنَا أَبْدَؤُكُمْ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَتَكَلَّمُ فَلَمَّا أَصْبَحُوا غَدَوْا إِلَى أَنْدِيَتِهِمْ وَغَدَا زُهَيْرُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ عَلَيْهِ حُلَّةٌ لَهُ فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا ثُمَّ أَقْبَلَ ⦗٢٧٨⦘ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: يَا أَهْلَ مَكَّةَ أَنَأْكُلُ الطَّعَامَ وَنَلْبَسُ الثِّيَابَ وَبَنُو هَاشِمٍ هَلْكَى لَا يُبَاعُونَ وَلَا يُبْتَاعُ مِنْهُمْ؟ وَاللَّهِ لَا أَقْعُدُ حَتَّى تُشَقَّ هَذِهِ الصَّحِيفَةُ الظَّالِمَةُ الْقَاطِعَةُ قَالَ أَبُو جَهْلٍ وَكَانَ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ: كَذَبْتَ وَاللَّهِ لَا تُشَقُّ قَالَ زَمْعَةُ: أَنْتَ وَاللَّهِ أَكْذَبُ مَا رَضِينَا حِينَ كُتِبَتْ قَالَ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ: صَدَقَ زَمْعَةُ لَا نَرْضَى مَا كُتِبَ فِيهَا وَلَا نُقِرُّ بِهِ قَالَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ: صَدَقْتُمَا وَكَذَبَ مَنْ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ نَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِمَّا كُتِبَ فِيهَا قَالَ هِشَامُ بْنُ عَمْرٍو نَحْوًا مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: هَذَا أَمْرٌ قُضِيَ بِلَيْلٍ تُشُووِرَ فِيهِ بِغَيْرِ هَذَا الْمَكَانِ وَأَبُو طَالِبٍ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ وَقَامَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ إِلَى الصَّحِيفَةِ لِيَشُقَّهَا فَوَجَدَ الْأَرَضَةَ قَدْ أَكَلَتْهَا إِلَّا بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ وَكَانَ كَاتِبُ الصَّحِيفَةِ مَنْصُورُ بْنُ عِكْرِمَةَ فَشُلَّتْ يَدُهُ فِيمَا يَزْعُمُونَ "
[ ٢٧٢ ]
٢٠٦ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ: ثنا الْحَسَنُ بْنُ الْجَهْمِ قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَرَجِ قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْوَاقِدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي خَارِجَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " مَا كَانَ أَبُو لَهَبٍ إِلَّا مِنْ كُفَّارِ قُرَيْشٍ مَا هُوَ حَتَّى خَرَجَ مِنَ الشِّعْبِ حِينَ تَمَالَأَتْ قُرَيْشٌ حَتَّى حُصِرْنَا فِي الشِّعْبِ وَظَاهِرِهِمْ فَلَمَّا خَرَجَ أَبُو لَهَبٍ مِنَ الشِّعْبِ لَقِيَ هِنْدًا بِنْتَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ حِينَ فَارَقَ قَوْمَهُ فَقَالَ: يَا ابْنَةَ عُتْبَةَ هَلْ نَصَرْتِ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَفَارَقْتِ مَنْ فَارَقَهَا؟ قَالَتْ: نَعَمْ فَجَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا يَا أَبَا عُتْبَةَ قَالَ أَبُو لَهَبٍ: يَعِدُنَا مُحَمَّدٌ أَشْيَاءَ لَا نَرَاهَا كَائِنَةً يَزْعُمُ أَنَّهَا كَائِنَةٌ بَعْدَ الْمَوْتِ فَمَاذَا وُضِعَ فِي يَدَيَّ؟ ثُمَّ نَفَخَ فِي يَدَيْهِ ⦗٢٧٩⦘ وَقَالَ: تَبًّا لَكُمَا مَا أَرَى فِيكُمَا شَيْئًا مِمَّا يَقُولُ مُحَمَّدٌ فَنَزَلَتْ: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَحُصِرْنَا فِي الشِّعْبِ ثَلَاثَ سِنِينَ وَقَطَعُوا عَنَّا الْمِيرَةَ حَتَّى أَنَّ الرَّجُلَ مِنَّا لَيَخْرُجُ بِالنَّفَقَةِ فَمَا يُبَايَعُ حَتَّى يَرْجِعَ حَتَّى هَلَكَ مِنَّا مَنْ هَلَكَ وَقِيلَ: مَاتَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ بَعْدَ هِجْرَةِ النبي ﷺ بِسَنَةٍ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ ابْنُ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ "
[ ٢٧٨ ]
فَأَمَّا انْشِقَاقُ الْقَمَرِ فَكَانَ بِمَكَّةَ لَمَّا افْتَتَحَ الْمُشْرِكُونَ أَنْ يُرِيَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ آيَةً
[ ٢٧٩ ]
٢٠٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي عَاصِمٍ قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ أَبُو سَعِيدٍ قَالَ: ثنا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: «انْشَقَّ الْقَمَرُ فَرَأَيْتُهُ فِرْقَتَيْنِ»
[ ٢٧٩ ]
٢٠٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي عَاصِمٍ قَالَ: ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ: ثنا أَبِي قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَثنا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَيَّانَ ثنا سَهْلُ بْنُ أَبِي سَهْلٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى قَالَا: ثنا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: ثنا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي الْأَعْمَشُ أَنَّهُ سَمِعَ مُجَاهِدًا يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اشْهَدُوا "
[ ٢٧٩ ]
٢٠٩ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: ثنا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ قَالَ: ثنا عَبْدُ الْغَنِيِّ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: ثنا مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَنْ مُقَاتِلٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ⦗٢٨٠⦘ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ﴾ [القمر: ١] الْقَمَرُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: اجْتَمَعتَ الْمُشْرِكُونَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْهُمُ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ وَأَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ وَالْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ وَالْعَاصُ بْنُ هِشَامٍ وَالْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ وَالْأَسْوَدُ بْنُ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى وَزَمْعَةُ بْنُ الْأَسْوَدِ وَالنَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ وَنُظَرَاؤُهُمْ كَثِيرٌ فَقَالُوا للنبي ﷺ: إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَشُقَّ الْقَمَرَ لَنَا فِرْقَتَيْنِ نِصْفًا عَلَى أَبِي قُبَيْسٍ وَنِصْفًا عَلَى قُعَيْقِعَانَ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " إِنْ فَعَلْتُ تُؤْمِنُوا؟ قَالُوا: نَعَمْ، وَكَانَتْ لَيْلَةَ بَدْرٍ فَسَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اللَّهَ ﷿ أَنْ يُعْطِيَهُ مَا سَأَلُوا فَأَمْسَى الْقَمَرُ قَدْ مُثِّلَ نِصْفًا عَلَى أَبِي قُبَيْسٍ وَنِصْفًا عَلَى قُعَيْقِعَانَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُنَادِي: يَا أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الْأَسَدِ وَالْأَرْقَمُ بْنَ أَبِي الْأَرْقَمِ اشْهَدُوا "
[ ٢٧٩ ]
٢١٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ ثنا عَامِرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَامِرٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَامِرٍ عَنْ جَدِّي عَامِرٍ قَالَ: ثنا بِشْرُ بْنُ الْحُسَيْنِ ثنا الزُّبَيْرُ بْنُ عَدِيٍّ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَتْ أَحْبَارُ الْيَهُودِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: أَرِنَا آيَةً حَتَّى نُؤْمِنَ فَسَأَلَ النبي ﷺ رَبَّهُ ﷿ أَنْ يُرِيَهُمْ آيَةً فَأَرَاهُمُ الْقَمَرَ قَدِ انْشَقَّ فَصَارَ قَمَرَيْنِ أَحَدُهُمَا عَلَى الصَّفَا وَالْآخَرُ عَلَى الْمَرْوَةِ قَدْرَ مَا بَيْنَ الْعَصْرِ إِلَى اللَّيْلِ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِمَا ثُمَّ غَابَ الْقَمَرُ فَقَالُوا: هَذَا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ "
[ ٢٨٠ ]
٢١١ - وَحَدَّثَنَا الْقَاضِي أَبُو أَحْمَدَ قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ ثنا عَلِيُّ بْنُ عُثْمَانَ ⦗٢٨١⦘ اللَّاحِقِيُّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ أَيُّوبَ ثنا سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ قَالَ: ثنا أَبُو عَوَانَةَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: " انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ قُرَيْشٌ: هَذَا سِحْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ قَالَ: فَقَالَ: انْظُرُوا مَا يَأْتِيكُمْ بِهِ السُّفَّارُ فَإِنَّ مُحَمَّدًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْحَرَ النَّاسَ كُلَّهُمْ قَالَ: فَجَاءَ السُّفَّارُ فَقَالُوا كَذَلِكَ "
[ ٢٨٠ ]
٢١٢ - حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَسُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَا: ثنا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: ثنا يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ، عَنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: " انْشَقَّ الْقَمَرُ وَنَحْنُ بِمَكَّةَ فَقَالَتْ كُفَّارُ قُرَيْشٍ: سِحْرٌ سَحَرَكُمُ ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ فَانْظُرُوا إِلَى السُّفَّارِ يَأْتُونَكُمْ فَإِنْ أَخْبَرُوكُمْ أَنَّهُمْ رَأَوْهُ مِثْلَ مَا رَأَيْتُمْ فَقَدْ صَدَقَ قَالَ: فَمَا قَدِمَ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ مِنْ وَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ إِلَّا أَخْبَرُوهُمْ بِأَنَّهُمْ رَأَوْهُ. رَوَاهُ عُمَرُ بْنُ أَبِي قَيْسٍ، عَنْ مُغِيرَةَ مِثْلَهُ
[ ٢٨١ ]
مَا رُوِيَ فِي عَرْضِ النَّبِيِّ ﷺ نَفْسَهُ عَلَى قَبَائِلِ الْعَرَبِ
[ ٢٨١ ]
٢١٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: ثنا ابْنُ يُوسُفَ التِّنِّيسِيُّ قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النبي ﷺ حَدَّثَتْهُ أَنَّهَا قَالَتْ: قُلْتُ للنبي ﷺ: هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ؟ قَالَ ⦗٢٨٢⦘: لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ وَكَانَ أَشَدُّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي فَلَمْ أَشْعُرْ إِلَّا وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جَبْرِيلُ ﵇ فَنَادَانِي فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ بِمَلَكِ الْجِبَالِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ قَوْمِكَ وَأَنَا مَلَكُ الْجِبَالِ قَدْ بَعَثَنِي رَبُّكَ لِتَأْمُرَنِي بِأَمْرِكَ فِيمَا شِئْتَ إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الْأَخْشَبَيْنِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ وَلَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا»
[ ٢٨١ ]
٢١٤ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا الْغَلَابِيُّ قَالَ: ثنا شُعَيْبُ بْنُ وَاقِدٍ الصَّفَّارُ قَالَ: ثنا أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ، عَنْ أَبَانَ بْنِ تَغْلِبَ وَثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الثَّقَفِيُّ قَالَ: ثنا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ كَثِيرٍ التَّمِيمِيُّ الرَّقِّيُّ قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ قَالَ: ثنا أَبَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ، عَنْ أَبَانَ بْنِ تَغْلِبَ قَالَ: ثنا عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا أَمَرَ اللَّهُ ﷿ نَبِيَّهُ ﷺ أَنْ يَعْرِضَ نَفْسَهُ عَلَى قَبَائِلِ الْعَرَبِ خَرَجَ - وَأَنَا مَعَهُ وَأَبُو بَكْرٍ - إِلَى مِنًى حَتَّى دَفَعْنَا إِلَى مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ الْعَرَبِ فَتَقَدَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَسَلَّمَ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ مُقَدَّمًا فِي كُلِّ حِينٍ وكَانَ رَجُلًا نَسَّابَةً فَقَالَ: مِمَّنِ الْقَوْمُ؟ قَالُوا: مِنْ رَبِيعَةَ قَالَ: وَأَيُّ رَبِيعَةَ ⦗٢٨٣⦘ أَنْتُمْ؟ مِنْ هَامَتِهَا أَمْ مِنْ لَهَازِمِهَا؟ قَالُوا: بَلْ مِنْ هَامَتِهَا الْعُظْمَى فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مِنْ أَيِّ هَامَتِهَا الْعُظْمَى؟ قَالَ الْغَلَابِيُّ فِي حَدِيثِهِ: بَلْ مِنَ اللِّهْزِمَةِ الْعُظْمَى قَالَ: وَأَيُّ لِهْزِمَتِهَا أَنْتُمْ؟ قَالُوا: ذُهْلٌ الْأَكْبَرُ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَفَمِنْكُمْ عَوْفٌ الَّذِي كَانَ يُقَالُ: لَا حُرَّ بِوَادِي عَوْفٍ؟ قَالُوا: لَا قَالَ: أَفَمِنْكُمْ بِسْطَامُ بْنُ قَيْسِ بْنِ مَسْعُودٍ أَبُو الْمُلُوكِ وَمُنْتَهَى الْأَحْيَاءِ؟ قَالُوا: لَا قَالَ: أَفَمِنْكُمُ الْحَوْفَزَانُ بْنُ شَرِيكٍ قَاتِلُ الْمُلُوكِ وَسَالِبُهَا أَنْفُسَهَا؟ قَالُوا: لَا قَالَ: أَفَمِنْكُمْ جَسَّاسُ بْنُ مُرَّةَ بْنِ ذُهْلٍ حَامِي الذِّمَارِ وَمَانِعُ الْجَارِ؟ قَالُوا: لَا قَالَ: أَفَمِنْكُمُ الْمُزْدَلِفُ صَاحِبُ الْعِمَامَةِ الْفَرْدَةِ؟ قَالُوا: لَا فَقَالَ لَهُمْ: أَفَأَنْتُمْ أَخْوَالُ الْمُلُوكِ فِي كِنْدَةَ؟ قَالُوا: لَا قَالَ: أَفَأَنْتُمْ أَصْهَارُ الْمُلُوكِ مِنْ لَخْمٍ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ لَهُمْ أَبُو بَكْرٍ: فَلَسْتُمْ بِذُهْلٍ الْأَكْبَرِ بَلْ أَنْتُمْ ذُهْلٌ الْأَصْغَرُ قَالَ: فَوَثَبَ إِلَيْهِ مِنْهُمْ غُلَامٌ يُدْعَى دَغْفَلًا حِينَ بَقَلَ وَجْهُهُ فَأَخَذَ بِزِمَامِ نَاقَةِ أَبِي بَكْرٍ وَهُوَ يَقُولُ:
[البحر الرجز]
إِنَّ عَلَى سَائِلِنَا أَنْ نَسْأَلَهْ وَالْعِبْءُ لَا تَعْرِفُهُ أَوْ تَحْمِلَهْ
يَا هَذَا سَأَلْتَنَا فَأَخْبَرْنَاكَ فَلَمْ نَكْتُمْكَ شَيْئًا وَنَحْنُ نُرِيدُ أَنْ نَسْأَلَكَ فَمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ لَهُ: رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ فَقَالَ لَهُ الْغُلَامُ: بَخٍ بَخٍ أَهْلُ السُّؤْدَدِ وَالرِّيَاسَةِ وَأَزِمَّةُ الْعَرَبِ وَهُدَاتُهَا فَمِمَّنْ أَنْتَ مِنْ قُرَيْشٍ؟ قَالَ لَهُ: مِنْ بَنِي تَمِيمِ بْنِ مُرَّةَ فَقَالَ لَهُ الْغُلَامُ: أَمْكَنْتَ وَاللَّهِ الرَّامِيَ مِنْ صَفَاةِ الثُّغْرَةِ أَفَمِنْكُمْ قُصَيُّ بْنُ كِلَابٍ الَّذِي قَتَلَ بِمَكَّةَ الْمُتَغَلِّبِينَ عَلَيْهَا وَأَجْلَى بَقِيَّتَهُمْ وَجَمَعَ ⦗٢٨٤⦘ قَوْمَهُ مِنْ كُلِّ أَوْبٍ حَتَّى أَوْطَنَهْمُ مَكَّةَ ثُمَّ اسْتَوْلَى عَلَى الدَّارِ وَنَزَّلَ قُرَيْشًا مَنَازِلَهَا فَسَمَّتْهُ الْعَرَبُ بِذَلِكَ مُجَمِّعًا وَفِيهِ يَقُولُ الشَّاعِرُ لِبَنِي عَبْدِ مَنَافٍ:
[البحر الطويل]
أَلَيْسَ أَبُوكُمْ كَانَ يُدْعَى مُجَمِّعًا بِهِ جَمَعَ اللَّهُ الْقَبَائِلَ مِنْ فِهْرِ؟
قَالَ: لَا قَالَ الْغُلَامُ: أَفَمِنْكُمْ عَبْدُ مَنَافٍ الَّذِي انْتَهَتْ إِلَيْهِ الْوَصَايَا وَأَبُو الْغَطَارِيفِ السَّادَّةِ؟ قَالَ: لَا قَالَ: أَفَمِنْكُمْ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ مَنَافِ هَاشِمٌ الَّذِي هَشَمَ الثَّرِيدَ لِقَوْمِهِ وَأَهْلُ مَكَّةَ مُسْنِتُونَ عِجَافٌ وَفِيهِ يَقُولُ الشَّاعِرُ:
[البحر الكامل]
عَمْرُو الْعُلَا هَشَمَ الثَّرِيدَ لِقَوْمِهِ وَرِجَالُ مَكَّةَ مُسْنِتُونَ عِجَافُ
سَنُّوا إِلَيْهِ الرِّحْلَتَيْنِ كِلَاهُمَا عِنْدَ الشِّتَاءِ وَرِحْلَةَ الْأَصْيَافِ
كَانَتْ قُرَيْشٌ بَيْضَةً فَتَفَلَّقَتْ فَالْمُحُّ خَالِصُهُ لِعَبْدِ مَنَافِ
الرَّائِشِينَ وَلَيْسَ يُعْرَفُ رَائِشٌ وَالْقَائِلِينَ هَلُمَّ لِلْأَضْيَافِ
وَالضَّارِبِينَ الْكَبْشَ يَبْرُقُ بِيضُهُ وَالْمَانِعِينَ الْبَيْضَ بِالْأَسْيَافِ
لِلَّهِ دَرُّكَ لَوْ نَزَلْتَ بِدَارِهِمْ مَنَعُوكَ مِنْ ذُلٍّ وَمِنْ إِقْرَافِ؟
قَالَ: لَا قَالَ: أَفَمِنْكُمْ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ شَيْبَةُ الْحَمْدِ وَصَاحِبُ بِئْرِ مَكَّةَ مُطْعِمُ طَيْرِ السَّمَاءِ وَالْوُحُوشِ وَالسِّبَاعِ فِي الْفَلَاءِ الَّذِي كَأَنَّ وَجْهَهُ قَمَرٌ يَتَلَأْلَأُ فِي اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ. وَقَالَ عَبْدُ الْجَبَّارِ: فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ الدَّاجِيَةِ؟ قَالَ: لَا قَالَ: أَفَمِنْ أَهْلِ الْإِفَاضَةِ أَنْتَ؟ قَالَ: لَا قَالَ: أَفَمِنْ أَهْلِ الْحِجَابَةِ أَنْتَ؟ ⦗٢٨٥⦘ قَالَ: لَا قَالَ: أَفَمِنْ أَهْلِ النَّدْوَةِ أَنْتَ؟ قَالَ: لَا قَالَ: أَفَمِنْ أَهْلِ السِّقَايَةِ أَنْتَ؟ قَالَ: لَا قَالَ: أَفَمِنْ أَهْلِ الرِّفَادَةِ أَنْتَ؟ قَالَ: لَا قَالَ: أَفَمِنَ الْمُفِيضِينَ بِالنَّاسِ أَنْتَ؟ قَالَ: لَا ثُمَّ جَذَبَ أَبُو بَكْرٍ زِمَامَ النَّاقَةِ مِنْ يَدِهِ فَقَالَ لَهُ الْغُلَامُ:
صَادَفَ دَرْءُ السَّيْلِ سَيْلًا يَدْفَعُهْ يَهِضُبهُ حِينًا وَحِينًا يَصْدَعُهْ
ثُمَّ قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ يَا أَخَا قُرَيْشٍ لَوْ ثَبَتَّ لِي لَخَبَّرْتُكَ أَنَّكَ مِنْ زَمَعَاتِ قُرَيْشٍ وَلَسْتَ مِنَ الذَّوَائِبِ فَأَقْبَلَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَبَسَّمُ قَالَ عَلِيٌّ: قُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا بَكْرٍ لَقَدْ وَقَعْتَ مِنَ الْأَعْرَابِيِّ عَلَى بَاقِعَةٍ فَقَالَ: أَجَلْ يَا أَبَا الْحَسَنِ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ طَامَّةٍ إِلَّا فَوْقَهَا طَامَّةٌ وَالْبَلَاءُ مُوَكَّلٌ بِالْقَوْلِ قَالَ: ثُمَّ انْتَهَيْنَا إِلَى مَجْلِسٍ عَلَيْهِ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ وَإِذَا مَشَايِخُ لَهُمْ أَقْدَارٌ وَهَيْئَاتٌ فَتَقَدَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَسَلَّمَ. قَالَ عَلِيٌّ: وَكَانَ مُقَدَّمًا فِي كُلِّ حِينٍ، فَقَالَ لَهُمْ أَبُو بَكْرٍ: مِمَّنِ الْقَوْمُ؟ قَالُوا: نَحْنُ بَنُو شَيْبَانَ بْنِ ثَعْلَبَةَ فَالْتَفَتَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي لَيْسَ بَعْدَ هَؤُلَاءِ مِنْ عِزٍّ فِي قَوْمِهِمْ وَكَانَ فِي الْقَوْمِ مَفْرُوقُ بْنُ عَمْرٍو وَهَانِئُ بْنُ قَبِيصَةَ وَالْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ وَالنُّعْمَانُ بْنُ شَرِيكٍ وَكَانَ أَقْرَبَ الْقَوْمِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ مَفْرُوقُ بْنُ عَمْرٍو وَكَانَ مَفْرُوقٌ قَدْ غَلَبَهُمْ بَيَانًا وَلِسَانًا وَكَانَ لَهُ غَدِيرَتَانِ تَسْقُطَانِ عَلَى ⦗٢٨٦⦘ صَدْرِهِ وَكَانَ أَدْنَى الْقَوْمِ مَجْلِسًا مِنْ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: كَيْفَ الْعَدَدُ فِيكُمْ؟ فَقَالَ لَهُ: إِنَّا لَنَزِيدُ عَلَى الْأَلْفِ وَلَنْ يُغْلَبَ أَلْفٌ مِنْ قِلَّةٍ قَالَ: فَكَيْفَ الْمَنَعَةُ فِيكُمْ؟ قَالَ: عَلَيْنَا الْجَهْدُ وَلِكُلِّ قَوْمٍ جِدٌّ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَكَيْفَ الْحَرْبُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ عَدُوِّكُمْ؟ قَالَ مَفْرُوقٌ: إِنَّا أَشَدُّ مَا نَكُونُ غَضَبًا حِينَ نُلْقَى وَإِنَّا أَشَدُّ مَا نَكُونُ لِقَاءً إِذَا غَضِبْنَا وَإِنَّا لَنُؤْثِرُ الْجِيَادَ عَلَى الْأَوْلَادِ وَالسِّلَاحَ عَلَى اللِّقَاحِ وَالنَّصْرُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يُدِيلُنَا مَرَّةً وَيُدِيلُ عَلَيْنَا مَرَّةً لَعَلَّكَ أَخُو قُرَيْشٍ؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنْ كَانَ بَلَغَكُمْ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ فَهَا هُوَ ذَا فَقَالَ مَفْرُوقٌ: وَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّهُ يَذْكُرُ ذَلِكَ ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِلَامَ تَدْعُو يَا أَخَا قُرَيْشٍ؟ فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَجَلَسَ وَقَامَ أَبُو بَكْرٍ يُظَلِّلُهُ بِثَوْبِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " أَدْعُوكُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَى اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ وَأَنْ تُؤُوُونِي وَتَمْنَعُونِي وَتَنْصُرُونِي حَتَّى أُؤَدِّيَ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى مَا أَمَرَنِي بِهِ فَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ تَظَاهَرَتْ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ وَكَذَّبَتْ رَسُولَهُ وَاسْتَغْنَتْ بِالْبَاطِلِ عَنِ الْحَقِّ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ قَالَ لَهُ: وَإِلَامَ تَدْعُوا أَيْضًا يَا أَخَا قُرَيْشٍ؟ فَتَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الأنعام: ١٥١] إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ⦗٢٨٧⦘[الأنعام: ١٥٣] وَقَالَ لَهُ مَفْرُوقٌ: وَإِلَامَ تَدْعُوا أَيْضًا يَا أَخَا قُرَيْشٍ؟ فَوَاللَّهِ مَا هَذَا مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْأَرْضِ وَلَوْ كَانَ مِنْ كَلَامِهِمْ لَعَرَفْنَاهُ فَتَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠] إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠] فَقَالَ لَهُ مَفْرُوقٌ: دَعَوْتَ وَاللَّهِ يَا قُرَشِيُّ إِلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَمَحَاسِنِ الْأَعْمَالِ وَلَقَدْ أُفِكَ قَوْمٌ كَذَّبُوكَ وَظَاهَرُوا عَلَيْكَ وَكَأَنَّهُ أَحَبَّ أَنْ يَشْرَكَهُ فِي الْكَلَّامِ هَانِئُ بْنُ قَبِيصَةَ فَقَالَ: وَهَذَا هَانِئُ بْنُ قَبِيصَةَ شَيْخُنَا وَصَاحِبُ دِينِنَا فَقَالَ لَهُ هَانِئٌ: قَدْ سَمِعْتُ مَقَالَتَكَ يَا أَخَا قُرَيْشٍ وَصَدَّقْتُ قَوْلَكَ وَإِنِّي أَرَى أَنَّ تَرْكَنَا دِينَنَا وَاتِّبَاعَنَا إِيَّاكَ عَلَى دِينِكَ لِمَجْلِسٍ جَلَسْتَهُ إِلَيْنَا لَيْسَ لَهُ أَوَّلٌ وَلَا آخِرٌ إِنْ لَمْ نَتَفَكَّرْ فِي أَمْرِكَ وَنَنْظُرْ فِي عَاقِبَةِ مَا تَدْعُونَا إِلَيْهِ إِنَّهُ زَلَّةٌ فِي الرَّأْيِ وَطَيْشَةٌ فِي الْعَقْلِ وَقِلَّةُ نَظَرٍ فِي الْعَاقِبَةِ وَإِنَّمَا تَكُونُ الزَّلَّةُ مَعَ الْعَجَلَةِ وَإِنَّ مِنْ وَرَائِنَا قَوْمًا نَكْرَهُ أَنْ نَعْقِدَ عَلَيْهِمْ عَقْدًا وَلَكِنْ تَرْجِعُ وَنَرْجِعُ وَتَنْظُرُ وَنَنْظُرُ وَكَأَنَّهُ أَحَبَّ أَنْ يَشْرَكَهُ فِي الْكَلَامِ الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ فَقَالَ: وَهَذَا الْمُثَنَّى شَيْخُنَا وَصَاحِبُ حَرْبِنَا فَقَالَ الْمُثَنَّى: قَدْ سَمِعْتُ مَقَالَتَكَ وَاسْتَحْسَنْتُ قَوْلَكَ يَا أَخَا قُرَيْشٍ وَأَعَجْبَنِي مَا تَكَلَّمْتَ بِهِ وَالْجَوَابُ هُوَ جَوَابُ هَانِئِ بْنِ قَبِيصَةَ إِنَّمَا نَزَلْنَا بَيْنَ صِيرَيْنِ أَحَدُهُمَا الْيَمَامَةُ وَالْأُخْرَى السَّمَاوَةُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَمَا هَذَانِ الصِّيرَانِ؟ فَقَالَ لَهُ: أَمَّا أَحَدُهُمَا فَطُفُوفِ الْبَرِّ وَأَرْضُ الْعَرَبِ وَأَمَّا الْآخَرُ ⦗٢٨٨⦘ فَأَرْضُ فَارِسَ وَأَنْهَارُ كِسْرَى وَإِنَّمَا نَزَلْنَا عَلَى عَهْدٍ أَخَذَهُ عَلَيْنَا كِسْرَى أَنْ لَا نُحْدِثَ حَدَثًا وَلَا نُؤْوِيَ مُحْدِثًا وَلَعَلَّ هَذَا الْأَمْرَ الَّذِي تَدْعُو إِلَيْهِ تَكْرَهُهُ الْمُلُوكُ فَأَمَّا مَا كَانَ مِمَّا يَلِي بِلَادَ الْعَرَبِ فَذَنْبٌ صَاحِبُهُ مَغْفُورٌ وَعُذْرُهُ مَقْبُولٌ وَأَمَّا مَا كَانَ مِمَّا يَلِي بِلَادَ فَارِسَ فَذَنْبٌ صَاحِبُهُ غَيْرُ مَغْفُورٍ وَعُذْرُهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ فَإِنْ أَرَدْتَ أَنْ نَنْصُرَكَ مِمَّا يَلِي الْعَرَبَ فَعَلْنَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَا أَسَأْتُمُ الرَّدَّ إِذْ أَفْصَحْتُمْ بِالصِّدْقِ إِنَّهُ لَا يَقُومُ بِدِينِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ حَاطَهُ مِنْ جَمِيعِ جَوَانِبِهِ ثُمَّ نَهَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَابِضًا عَلَى يَدِ أَبِي بَكْرٍ ثُمَّ دَفَعْنَا إِلَى مَجْلِسِ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ فَمَا نَهَضْنَا حَتَّى بَايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ عَلِيٌّ: وَكَانُوا صُدُقًا صُبُرًا رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ"
[ ٢٨٢ ]
٢١٥ - قَالَ الْكَلْبِيُّ: وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْعَامِرِيُّ، عَنْ أَشْيَاخٍ مِنْ قَوْمِهِ قَالُوا ⦗٢٨٩⦘: أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ بِسُوقِ عُكَاظٍ فَقَالَ: مِمَّنِ الْقَوْمُ؟ قُلْنَا: مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ قَالَ: " مِنْ أَيِّ بَنِي عَامِرٍ؟ قُلْنَا: بَنُو كَعْبِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: وَكَيْفَ الْمَنَعَةُ فِيكُمْ؟ قُلْنَا: لَا يُرَامُ مَا قِبَلَنَا وَلَا يُصْطَلَى بِنَارِنَا قَالَ: فَقَالَ لَهُمْ: إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَإِنْ أَتَيْتُكُمْ تَمْنَعُونِي حَتَّى أُبَلِّغَ رِسَالَةَ رَبِّي وَلَمْ أُكْرِهْ أَحَدًا مِنْكُمْ عَلَى شَيْءٍ؟ قَالُوا: وَمِنْ أَيِّ قُرَيْشٍ أَنْتَ؟ قَالَ: مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَالُوا: فَأَيْنَ أَنْتَ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ؟ قَالَ: هُمْ أَوَّلُ مَنْ كَذَّبَنِي وَطَرَدَنِي قَالُوا: وَلَكِنَّا لَا نَطْرُدُكَ وَلَا نُؤْمِنُ بِكُ وَنَمْنَعُكَ حَتَّى تُبَلِّغَ رِسَالَةَ رَبِّكَ قَالَ: فَنَزَلَ إِلَيْهِمُ الْقَوْمُ يَتَسَوَّقُونَ إِذْ أَتَاهُمْ بَجَرَةُ بْنُ قَيْسٍ الْقُشَيْرِيُّ فَقَالَ: مَنْ هَذَا الَّذِي أَرَاهُ عِنْدَكُمْ أُنْكِرُهُ؟ قَالُوا: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقُرَشِيُّ قَالَ: مَا لَكُمْ وَلَهُ؟ قَالُوا: زَعَمَ لَنَا أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ يَطْلُبُ إِلَيْنَا أَنْ نَمْنَعَهُ حَتَّى يُبَلِّغَ رِسَالَةَ رَبِّهِ قَالَ: فَمَاذَا رَدَدْتُمْ عَلَيْهِ؟ قَالُوا: قُلْنَا فِي الرَّحْبِ وَالسَّعَةِ نُخْرِجُكَ إِلَى بِلَادِنَا وَنَمْنَعُكَ مِمَّا نَمْنَعُ بِهِ أَنْفُسَنَا قَالَ بَجَرَةُ: مَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ هَذِهِ السُّوقِ يَرْجِعُ بشَيْءٍ أَشَرَّ مِنْ شَيْءٍ تَرْجِعُونَ بِهِ بَدَأْتُمْ لِتَنَابُذِ النَّاسِ وَتَرْمِيكُمُ الْعَرَبُ عَنْ قَوْسٍ وَاحِدٍ قَوْمُهُ أَعْلَمُ بِهِ لوْ آنَسُوا مِنْهُ خَيْرًا لَكَانُوا أَسْعَدَ النَّاسِ بِهِ تَعْمِدُونَ إِلَى رَهِيقِ قَوْمٍ قَدْ طَرَدَهُ قَوْمُهُ وَكَذَّبُوهُ فَتُؤْوُونَهُ وَتَنْصُرُونَهُ؟ فَبِئْسَ الرَّأْيُ رَأَيْتُمْ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: قُمْ فَالْحَقْ بِقَوْمِكَ فَوَاللَّهِ لَوْلَا أَنَّكَ عِنْدَ قَوْمِي لَضَرَبْتُ عُنُقَكَ قَالَ: فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى نَاقَتِهِ فَرَكِبَهَا فَغَمَزَ الْخَبِيثُ بَجَرَةُ شَاكِلَتَهَا فَقَمَصَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَلْقَتْهُ وَعِنْدَ بَنِي عَامِرٍ يَوْمَئِذٍ ⦗٢٩٠⦘ ضُبَاعَةُ بِنْتُ عَامِرِ بْنِ قُرْطٍ كَانَتْ مِنَ النِّسْوَةِ اللَّاتِي أَسْلَمْنَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ جَاءَتْ زَائِرَةً إِلَى بَنِي عَمِّهَا فَقَالَتْ: يَا آلَ عَامِرٍ وَلَا عَامِرَ لِي أَيُصْنَعُ هَذَا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ لَا يَمْنَعُهُ أَحَدٌ مِنْكُمْ؟ فَقَامَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ مِنْ بَنِي عَمِّهَا إِلَى بَجَرَةَ وَاثْنَانِ أَعَانَاهُ فَأَخَذَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ رَجُلًا فَجَلَدَ بِهِ الْأَرْضَ ثُمَّ جَلَسَ عَلَى صَدْرِهِ ثُمَّ عَلَوْا وُجُوهَهُمْ لَطْمًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى هَؤُلَاءِ وَالْعَنْ هَؤُلَاءِ قَالَ: فَأَسْلَمَ الثَّلَاثَةُ الَّذِينَ نَصَرُوهُ فَقُتِلُوا شُهَدَاءَ وَهَلَكَ الْآخَرُونَ لَعْنًا وَاسْمُ الثَّلَاثَةِ نَفَرٍ الَّذِينَ نَصَرُوا بَجَرَةَ فِرَاسٌ وَحَزْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَمُعَاوِيَةُ بْنُ عُبَادَةَ وَأَمَّا الثَّلَاثَةُ الَّذِينَ نَصَرُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَغِطْرِيفٌ وَغَطَفَانُ ابْنَا سَهْلٍ وَعُرْوَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أُخْبِرْنَاهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ صَاعِدٍ قَالَ: ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأُمَوِيُّ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ السَّائِبِ الْكَلْبِيُّ وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ: فَلَمَّا صَدَرَ النَّاسُ رَجَعَتْ بَنُو عَامِرٍ إِلَى شَيْخٍ لَهُمْ قَدْ كَانَ أَدْرَكَتْهُ السِّنُّ حَتَّى لَا يَقْدِرَ أَنْ يُوَافِيَ مَعَهُمُ الْمَوْسِمَ فَكَانُوا إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِ حَدَّثُوهُ بِمَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ الْمَوْسِمِ فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ سَأَلَهُمْ عَمَّا كَانَ فِي مَوْسِمِهِمْ فقَالُوا: جَاءَنَا فَتًى مِنْ قُرَيْشٍ ثُمَّ حَدَّثَ أَنَّهُ أَحَدُ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ يَدْعُونَا إِلَى أَنْ نَمْنَعَهُ وَنَقُومَ مَعَهُ وَنَخْرُجَ بِهِ مَعَنَا ⦗٢٩١⦘ إِلَى بِلَادِنَا قَالَ: فَوَضَعَ الشَّيْخُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ ثُمَّ قَالَ: يَا بَنِي عَامِرٍ هَلْ لَهَا مِنْ تَلَافٍ؟ هَلْ لِذُنَابَاهَا مِنْ مُطَّلِبٍ؟ فَوَالَّذِي نَفْسُ فُلَانٍ بِيَدِهِ مَا تَقَولَهَا إِسْمَاعِيلِيٌّ قَطُّ أَلَا إِنَّهَا الْحَقُّ فَأَيْنَ كَانَ رَأْيُكُمْ؟
[ ٢٨٨ ]
٢١٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: ثنا مِنْجَابٌ قَالَ: ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ يُقَالُ لَهُ يُوسُفُ، عَنْ أَشْيَاخِ قَوْمِهِ أَنَّهُمْ حَدَّثُوهُ قَالُوا: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَأَى فِي مَنَامِهِ أَنَّهُ يَنْصُرُهُ أَهْلُ مَدَرٍ وَنَخْلٍ فَأَتَى كِنْدَةَ فَقَالَ: إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ فِيَ مَنَامِي أَنَّهُ يَنْصُرُنِي أَهْلُ مَدَرٍ وَنَخْلٍ فَأَنْتُمْ أَهْلُ مَدَرٍ وَنَخْلٍ فَهَلْ لَكُمْ فِي ذَلِكَ؟ قَالُوا: نَعَمْ إِنْ جَعَلْتَ لَنَا الْوِلَايَةَ بَعْدَكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَسْتُ فَاعِلَهُ وَأَدْبَرُوا عَنْهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وُجُوهُ مُلُوكٍ وَأَعْقَابُ غَدَرَةٍ "
[ ٢٩١ ]
٢١٧ - حَدَّثَنَا أَبُو حَامِدِ بْنُ جَبَلَةَ قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الثَّقَفِيُّ قَالَ: ثنا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ: ثنا مُصْعَبُ بْنُ الْمِقْدَامِ قَالَ: ثنا إِسْرَائِيلُ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَى النَّاسِ بِالْمَوْقِفِ يَقُولُ: " أَلَا رَجُلٌ يَعْرِضُنِي عَلَى قَوْمِهِ؟ فَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي قَالَ: فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ هَمْدَانَ فَقَالَ: مِمَّنْ أَنْتَ؟ قَالَ: مِنْ هَمْدَانَ قَالَ: فَعِنْدَ ⦗٢٩٢⦘ قَوْمِكَ مَنَعَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ فَذَهَبَ الرَّجُلُ ثُمَّ إِنَّهُ خَشِيَ أَنْ يَخْفِرَهُ قَوْمُهُ فَرَجَعَ إِلَى النبي ﷺ قَالَ: أَذْهَبُ فَأَعْرِضُ عَلَى قَوْمِي ثُمَّ آتِيَكَ فَذَهَبَ وَجَاءَتْ وُفُودُ الْأَنْصَارِ فِي رَجَبٍ لَفْظُ مُصْعَبٍ أَتَمُّ
[ ٢٩١ ]
٢١٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَدَسَ الْمِصْرِيُّ قَالَ: ثنا هَارُونُ بْنُ مُوسَى الْفَرْوِيُّ قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْرِضُ نَفْسَهُ فِي كُلِّ سَنَةٍ عَلَى الْقَبَائِلِ مِنَ الْعَرَبِ أَنْ يُؤْوُوهُ إِلَى قَوْمِهِمْ حَتَّى يُبَلِّغَ كَلَامَ اللَّهِ ﷿ وَرِسَالَاتِهِ وَلَهُمُ الْجَنَّةُ "
[ ٢٩٢ ]
٢١٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَرَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ: ثنا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْجَهْمِ قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَرَجِ قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْوَاقِدِيُّ حَدَّثَنِي أَيُّوبُ بْنُ النُّعْمَانِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: " أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَ سِنِينَ مِنْ نُبُوَّتِهِ مُسْتَخْفِيًا ثُمَّ أَعْلَنَ فِي الرَّابِعَةِ فَدَعَا عَشْرَ سِنِينَ يُوَافِي الْمَوْسِمَ يَتْبَعُ الْحَاجَّ فِي مَنَازِلِهِمْ بِعُكَاظٍ وَمِجَنَّةَ وَذِي الْمَجَازِ يَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يَمْنَعُوهُ حَتَّى يُبَلِّغَ رِسَالَةَ رَبِّهِ ﷿ وَلَهُمُ الْجَنَّةُ فَلَا يَجِدُ أَحَدًا يَنْصُرُهُ حَتَّى إِنَّهُ يسَأَلَ عَنِ الْقَبَائِلِ وَمَنَازِلِهِمْ قَبِيلَةً قَبِيلَةً حَتَّى انْتَهَى إِلَى بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ فَلَمْ يَلْقَ مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْأَذَى قَطُّ مَا لَقِيَ مِنْهُمْ حَتَّى خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِمْ وَإِنَّهُمْ لَيَرْمُونَهُ مِنْ ⦗٢٩٣⦘ وَرَائِهِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى بَنِي مُحَارِبِ بْنِ خَصَفَةَ فَوَجَدَ فِيهِمْ شَيْخًا ابْنَ مِائَةِ سَنَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً فَكَلَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَدَعَاهُ إِلَى الْإِسْلَامِ أَنْ يَمْنَعَهُ حَتَّى يُبَلِّغَ رِسَالَةَ رَبِّهِ فَقَالَ الشَّيْخُ: أَيُّهَا الرَّجُلُ قَوْمُكَ أَعْلَمُ بِنَبَئِكَ وَاللَّهِ لَا يَؤُوبُ بِكَ رَجُلٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا آبَ بِشَرِّ مَا يَؤُوبُ بِهِ أَهْلُ الْمَوْسِمِ فَأَغْنِ عَنَّا نَفْسَكَ وَإِنَّ أَبَا لَهَبٍ لَقَائِمٌ يَسْمَعُ كَلَامَ الْمُحَارِبِيِّ ثُمَّ وَقَفَ أَبُو لَهَبٍ عَلَى الْمُحَارِبِيِّ فَقَالَ: لَوْ كَانَ أَهْلُ الْمَوْسِمِ كُلُّهُمْ مِثْلَكَ لَتَرَكَ هَذَا الدِّينَ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ إِنَّهُ صَابِئٌ كَذَّابٌ قَالَ الْمُحَارِبِيُّ: أَنْتَ وَاللَّهِ أَعْرَفُ بِهِ؛ هُوَ ابْنُ أَخِيكَ ولَحْمَتُكَ ثُمَّ قَالَ الْمُحَارِبِيُّ: لَعَلَّ بِهِ يَا أَبَا عُتْبَةَ لَمَمًا فَإِنَّ مَعَنَا رَجُلًا مِنَ الْحَيِّ يَهْتَدِي لِعِلَاجِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ أَبُو لَهَبٍ بشَيْءٍ غَيْرَ أَنَّهُ إِذَا رَآهُ وَقَفَ عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ صَاحَ بِهِ أَبُو لَهَبٍ: إِنَّهُ صَابِئٌ كَاذِبٌ قَالَ الشَّيْخُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ: وَمِنَ الْقَبَائِلِ الَّذِينَ سَمَّاهُمُ الْوَاقِدِيُّ إِنَّهُ ﵇ عَرَضَ عَلَيْهِمْ نَفْسَهُ وَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ بَنُو عَامِرٍ وَغَسَّانُ وَبَنُو فَزَارَةَ وَبَنُو مُرَّةَ وَبَنُو حَنِيفَةَ وَبَنُو سُلَيْمٍ وَبَنُو عَبْسٍ وَبَنُو نَصْرٍ مِنْ هَوَازِنَ وَثَعْلَبَةُ بْنُ الْعُكَابَةِ وَكِنْدَةُ وَكَلْبٌ وَبَنُو الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ وَبَنُو عُذْرَةَ وَقَيْسُ بْنُ الْخَطِيمِ وَأَبُو الْجَيْشِ أَنَسُ بْنُ أَبِي رَافِعٍ
[ ٢٩٢ ]
ذِكْرُ قِصَّةِ بَنِي عَبْسٍ
[ ٢٩٣ ]
٢٢٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ: ثنا الْحَسَنُ بْنُ الْجَهْمِ قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَرَجِ قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْوَاقِدِيُّ قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَابِصَةَ الْعَبْسِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: جَاءَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَنَازِلِنَا أَيْ مَنَازِلَ بَنِي عَبْسٍ بِمِنًى وَنَحْنُ نَازِلُونَ بِالْجَمْرَةِ الْأُولَى الَّتِي تَلِي مَسْجِدَ الْخَيْفِ وَهُوَ ⦗٢٩٤⦘ عَلَى رَاحِلَتِهِ مُرْدِفًا خَلْفَهُ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ فَدَعَانَا فَوَاللَّهِ مَا اسْتَجَبْنَا لَهُ وَلَا خَيْرَ لَنَا قَالَ: وَقَدْ كُنَّا سَمِعْنَا بِهِ وَبِدُعَائِهِ فِي الْمَوْسِمِ فَوَقَفَ عَلَيْنَا يَدْعُونَا فَلَمْ نَسْتَجِبْ لَهُ وَكَانَ مَعَنَا مَيْسَرَةُ بْنُ مَسْرُوقٍ الْعَبْسِيُّ فَقَالَ: أَحْلِفُ بِاللَّهِ لَوْ صَدَّقْنَا هَذَا الرَّجُلَ وَحَمَلْنَاهُ حَتَّى نَحِلَّ بِهِ وَسَطَ رِحَالِنَا لَكَانَ الرَّأْيَ؛ فَأَحْلِفَ بِاللَّهِ لَيَظْهَرَنَّ أَمْرُهُ حَتَّى يَبْلُغَ كُلَّ مَبْلَغٍ فَقَالَ لَهُ الْقَوْمُ: دَعْنَا عَنْكَ لَا تُعَرِّضْنَا لِمَا لَا قِبَلَ لَنَا بِهِ فَطَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَيْسَرَةَ فَكَلَّمَهُ فَقَالَ مَيْسَرَةُ: مَا أَحْسَنَ كَلَامَكَ وَأَنْوَرَهُ، ولَكِنَّ قَوْمِي يُخَالِفُونَنِي وَإِنَّمَا الرَّجُلٌ بِقَوْمِهِ فَإِنْ لَمْ يُعَضِّدُوهُ فَالْعَدَا أَبْعَدُ فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَخَرَجَ الْقَوْمُ صَادِرِينَ إِلَى أَهْلِهِمْ فَقَالَ لَهُمْ مَيْسَرَةُ: مِيلُوا بِنَا إِلَى فَدَكٍ فَإِنَّ بِهَا يَهُودَ نُسَائِلُهُمْ عَنْ هَذَا الرَّجُلِ فَمَالُوا إِلَى يَهُودَ فَأَخْرَجُوا سِفْرًا لَهُمْ فَوَضَعُوهُ ثُمَّ دَرَسُوا ذِكْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: النَّبِيُّ الْأُمِّيُّ الْعَرَبِيُّ يَرْكَبُ الْجَمَلَ وَيَجْتَزِئُ بِالْكِسْرَةِ وَلَيْسَ بِالطَّوِيلِ وَلَا بِالْقَصِيرِ وَلَا بِالْجَعْدِ وَلَا بِالسَّبْطِ فِي عَيْنَيْهِ حُمْرَةٌ مُشْرَبُ اللَّوْنِ فَإِنْ كَانَ هُوَ الَّذِي دَعَاكُمْ فَأَجِيبُوهُ وَادْخُلُوا فِي دِينِهِ فَإِنَّا نَحْسُدُهُ فَلَا نَتَّبِعُهُ وَلَنَا مِنْهُ فِي مَوَاطِنَ بَلَاءٌ عَظِيمٌ وَلَا يَبْقَى أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ إِلَّا اتَّبَعَهُ أَوْ قَاتَلَهُ فَكُونُوا مِمَّنْ يَتَّبِعُهُ فَقَالَ مَيْسَرَةُ: يَا قَوْمِ إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ بَيِّنٌ قَالَ الْقَوْمُ: نَرْجِعُ إِلَى الْمَوْسِمِ فَنَلْقَاهُ فَرَجَعُوا إِلَى بِلَادِهِمْ وَأَبَى ذَاكَ عَلَيْهِمْ رِجَالُهُمْ فَلَمْ يَتَّبِعْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ وَحَجَّ حَجَّةَ الْوَدَاعِ لَقِيَهُ مَيْسَرَةُ فَعَرَفَهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاللَّهِ مَا زِلْتُ حَرِيصًا عَلَى اتِّبَاعِكَ مِنْ يَوْمِ أَنَخْتَ بِنَا حَتَّى كَانَ مَا كَانَ وَأَبَى اللَّهُ إِلَّا مَا تَرَى مِنْ تَأْخِيرِ إِسْلَامِي وَقَدْ مَاتَ عَامَّةُ النَّفَرِ الَّذِينَ كَانُوا مَعِي فَأَيْنَ مُدْخَلُهُمْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " كُلُّ مَنْ مَاتَ عَلَى غَيْرِ دِينِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ فِي النَّارِ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَنِي فَأَسْلَمَ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ وَكَانَ لَهُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ مَكَانٌ لَفْظُ الْحَسَنِ بْنِ الْجَهْمِ
[ ٢٩٣ ]
٢٢١ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ الْحَرَّانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: ثنا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: لَمَّا أَفْسَدَ اللَّهُ ﷿ صَحِيفَةَ مَكْرِهِمْ خَرَجَ النبيِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ فَعَاشُوا وَخَالَطُوا النَّاسَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي تِلْكَ السِّنِينَ يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَى قَبَائِلِ الْعَرَبِ فِي كُلِّ مَوْسِمٍ وَيُكَلِّمُ كُلَّ شَرِيفٍ لَا يَسْأَلُهُمْ مَعَ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يُؤْوُوهُ وَيَمْنَعُوهُ وَيَقُولُ: لَا أُكْرِهُ مِنْكُمْ أَحَدًا عَلَى شَيْءٍ مَنْ رَضِيَ الَّذِي أَدْعُوهُ إِلَيْهِ قَبِلَهُ وَمَنْ كَرِهَهُ لَمْ أُكْرِهْهُ إِنَّمَا أُرِيدُ أَنْ تَحُوزُونِي مِمَّا يُرَادُ بِي مِنَ الْقَتْلِ فَتَحُوزُونِي حَتَّى أُبَلِّغَ رِسَالَاتِ رَبِّي وَيَقْضِي اللَّهُ لِي وَلِمَنْ صَحِبَنِي بِمَا شَاءَ فَلَمْ يَقْبَلْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ وَلَا أَتَى عَلَى أَحَدٍ مِنْ تِلْكَ الْقَبَائِلِ إِلَّا قَالُوا: قَوْمُ الرَّجُلِ أَعْلَمُ بِهِ أَفَتَرَى رَجُلًا يُصْلِحُنَا وَقَدْ أَفْسَدَ قَوْمَهُ؟ وَذَلِكَ لِمَا ادَّخَرَ اللَّهُ ﷿ لِلْأَنْصَارِ مِنَ الْبَرَكَةِ وَمَاتَ أَبُو طَالِبٍ وَازْدَادَ مِنَ الْبَلَاءِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شِدَّةٌ فَعَمَدَ إِلَى ثَقِيفٍ يَرْجُو أَنْ يُؤْوُوهُ وَيَنْصُرُوهُ فَوَجَدَ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ مِنْهُمْ سَادَةَ ثَقِيفٍ وَهُمْ إِخْوَةٌ: عَبْدَ يَالِيلَ بْنَ عَمْرٍو وَحَبِيْبَ بْنَ عَمْرٍو وَمَسْعُودَ بْنَ عَمْرٍو فَعَرَضَ عَلَيْهِمْ نَفْسَهُ وَشَكَا إِلَيْهِمُ الْبَلَاءَ وَمَا انْتَهَكَ قَوْمُهُ مِنْهُ فَقَالَ أَحَدُهُمْ: أَنَا أَسْرِقُ ثِيَابَ الْكَعْبَةِ إِنْ كَانَ اللَّهُ بَعَثَكَ بشَيْءٍ قَطُّ وَقَالَ الْآخَرُ: وَاللَّهِ لَا أُكَلِّمُكَ بَعْدَ مَجْلِسِكَ هَذَا كَلِمَةً وَاحِدَةً أَبَدًا لَئِنْ كُنْتَ رَسُولًا لَأَنْتَ أَعْظَمُ شَرَفًا وَحَقًّا مِنْ أَنْ أُكَلِّمَكَ وَقَالَ الْآخَرُ: أَعَجَزَ اللَّهُ أَنْ يُرْسِلَ غَيْرَكَ وَأَفْشَوْا ذَلِكَ فِي ثَقِيفٍ الَّذِي قَالَ لَهُمْ وَاجْتَمَعُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ⦗٢٩٦⦘ وَقَعَدُوا لَهُ صَفَّيْنِ عَلَى طَرِيقِهِ فَأَخَذُوا بِأَيْدِيهِمُ الْحِجَارَةَ فَجَعَلَ لَا يَرْفَعُ رِجْلَهُ وَلَا يَضَعُهَا إِلَّا رَضَخُوهَا بِالْحِجَارَةِ وَهُمْ فِي ذَلِكَ يَسْتَهْزِءُونَ وَيَسْخَرُونَ فَلَمَّا خَلَصَ مِنْ صَفَّيْهَمْ وَقَدَمَاهُ تَسِيلَانِ الدِّمَاءَ عَمَدَ إِلَى حَائِطٍ مِنْ كُرُومِهِمْ فَأَتَى ظِلَّ حَبْلَةٍ مِنَ الْكَرْمِ فَجَلَسَ فِي أَصْلِهَا مَكْرُوبًا مُوجَعًا تَسِيلُ قَدَمَاهُ الدِّمَاءَ فَإِذَا فِي الْكَرْمِ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ فَلَمَّا أَبْصَرَهُمَا كَرِهَ أَنْ يَأْتِيَهُمَا؛ لِمَا يَعْلَمُ مِنْ عَدَاوَتِهِمَا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَبِهِ الَّذِي بِهِ فَأَرْسَلَا إِلَيْهِ غُلَامَهُمَا عَدَّاسًا بِعِنَبٍ وَهُوَ نَصْرَانِيٌّ مِنْ أَهْلِ نِينَوَى فَلَمَّا أَتَاهُ وَضَعَ الْعِنَبَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " بِسْمِ اللَّهِ فَعَجِبَ عَدَّاسٌ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مِنْ أَيِّ أَرْضٍ أَنْتَ يَا عَدَّاسُ؟ قَالَ: أَنَا مِنْ أَهْلِ نِينَوَى فَقَالَ النبي ﷺ: مِنْ أَهْلِ مَدِينَةِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ يُونُسَ بْنِ مَتَّى؟ فَقَالَ لَهُ عَدَّاسٌ: وَمَا يُدْرِيكَ مَنْ يُونُسُ بْنُ مَتَّى؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ شَأْنِ يُونُسَ مَا عَرَفَ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَحْقِرُ أَحَدًا يُبَلِّغُهُ رِسَالَاتِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي خَبَرَ يُونُسَ بْنِ مَتَّى فَلَمَّا أَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ شَأْنِ يُونُسَ بْنِ مَتَّى مَا أُوحِيَ إِلَيْهِ مِنْ شَأْنِهِ خَرَّ سَاجِدًا للِرَسُولِ ﷺ ثُمَّ جَعَلَ يُقَبِّلُ قَدَمَيْهِ وَهُمَا تَسِيلَانِ الدِّمَاءَ فَلَمَّا أَبْصَرَ عُتْبَةُ وَأَخُوهُ شَيْبَةُ مَا فَعَلَ غُلَامُهُمَا سَكَتَا فَلَمَّا أَتَاهُمَا قَالَا لَهُ: مَا شَأْنُكَ سَجَدْتَ لِمُحَمَّدٍ وَقَبَّلْتَ قَدَمَيْهِ وَلَمْ نَرَكَ فَعَلْتَ هَذَا بِأَحَدٍ مِنَّا؟ قَالَ: هَذَا رَجُلٌ صَالِحٌ حَدَّثَنِي عَنْ أَشْيَاءَ عَرَفْتُهَا مِنْ شَأْنِ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْنَا يُدْعَى يُونُسَ بْنَ مَتَّى فَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ فَضَحِكَا وَقَالَا: لَا يَفْتِنْكَ عَنْ نَصْرَانِيَّتِكَ إِنَّهُ رَجُلٌ يَخْدَعُ ثُمَّ رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى مَكَّةَ "
[ ٢٩٥ ]
٢٢٢ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ ثنا الْحَسَنُ بْنُ الْجَهْمِ قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَرَجِ قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْوَاقِدِيُّ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ الصَّلْتِ، عَنِ ابْنِ رُومَانَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ وَغَيْرِهِمَا قَالُوا: جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كِنْدَةَ فِي مَنَازِلِهِمْ بِعُكَاظٍ فَلَمْ يَأْتِ حَيًّا مِنَ الْعَرَبِ كَانَ أَلْيَنَ مِنْهُمْ فَلَمَّا رَأَى لِينَهُمْ وَقُوَّةَ جَبَهِهِمْ لَهُ جَعَلَ يُكَلِّمُهُمْ وَيَقُولُ: أَدْعُوكُمْ إِلَى اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنْ تَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ فَإِنْ أَظْهَرُ فَأَنْتُمْ بِالْخِيَارِ فَقَالَ عَامَّتُهُمْ: مَا أَحْسَنَ هَذَا الْقَوْلَ وَلَكِنَّا نَعْبُدُ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا قَالَ أَصْغَرُ الْقَوْمِ: يَا قَوْمِ اسْبِقُوا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ قَبْلَ أَنْ تُسْبَقُوا إِلَيْهِ فَوَاللَّهِ إِنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ لَيُحَدِّثُونَ أَنَّ نَبِيًّا يَخْرُجُ مِنَ الْحَرَمِ قَدْ أَظَلَّ زَمَانُهُ وَكَانَ فِي الْقَوْمِ إِنْسَانٌ أَعْوَرُ فَقَالَ: أَمْسِكُوا عَلَيَّ أَخْرَجَتْهُ عَشِيرَتُهُ وَتُؤْوُونَهُ أَنْتُمْ؟ تَحَمَّلُونَ حَرْبَ الْعَرَبِ قَاطِبَةً؟ لَا ثُمَّ لَا فَانْصَرَفَ عَنْهُمْ حَزِينًا فَانْصَرَفَ الْقَوْمُ إِلَى قَوْمِهِمْ فَخَبَّرُوهُمْ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ: وَاللَّهِ إِنَّكُمْ مُخْطِئُونَ بِخَطَئِكُمْ لَوْ سَبَقْتُمْ إِلَى هَذَا الرَّجُلِ لَسُدْتُمُ الْعَرَبَ وَنَحْنُ نَجِدُ صِفَتَهُ فِي كِتَابِنَا فَوَصَفَهُ الْقَوْمُ الَّذِينَ رَأَوْهُ كُلَّ ذَلِكَ يُصَدِّقُونَهُ بِمَا يَصِفُ مِنْ صِفَتِهِ ثُمَّ قَالَ: نَجِدُ مَخْرَجَهُ بِمَكَّةَ وَدَارَ هِجْرَتِهِ بِيَثْرِبَ فَأَجْمَعَ الْقَوْمُ لِيُوَافُوهُ فِي الْمَوْسِمِ القَابِلٍ فَحَبَسَهُمْ سَيِّدٌ لَهُمْ عَنْ حَجِّ تِلْكَ السَّنَةِ فَلَمْ يُوَافِ أَحَدًا مِنْهُمْ فَمَاتَ الْيَهُودِيُّ فَسُمِعَ عِنْدَ مَوْتِهِ يُصَدِّقُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وَيُؤْمَنُ بِهِ
[ ٢٩٧ ]
٢٢٣ - حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سُلَيْمَانَ قَالَ: ثنا ⦗٢٩٨⦘ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَيُّوبَ قَالَ: ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ ﷿ إِظْهَارَ دِينِهِ وَإِعْزَازَ نَبِيِّهِ ﷺ وَإِنْجَازِ مَوْعِدِهِ لَهُ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَوْسِمِ الَّذِي لَقِيَ فِيهِ النَّفَرَ مِنَ الْأَنْصَارِ يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَى قَبَائِلِ الْعَرَبِ كُلِّهَا كَمَا كَانَ يَصْنَعُ فِي كُلِّ مَوْسِمٍ فَبَيْنَمَا هُوَ عِنْدَ الْعَقَبَةِ لَقِيَ رَهْطًا مِنَ الْخَزْرَجِ أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِمْ خَيْرًا
[ ٢٩٧ ]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ أَشْيَاخٍ مِنْ قَوْمِهِ قَالَ: لَمَّا لَقِيَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُمْ: مَنْ أَنْتُمْ؟ قَالُوا: نَحْنُ الْخَزْرَجُ قَالَ: أَمِنْ مَوَالِي الْيَهُودِ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: أَفَلَا تَجْلِسُونَ حَتَّى أُكَلِّمَكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَجَلَسُوا مَعَهُ فَدَعَاهُمُ إِلَى اللَّهِ ﷿ وَعَرَضَ عَلَيْهِمُ الْإِسْلَامَ وَتَلَا عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ قَالَ: وَكَانَ مِمَّا صَنَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ أَنَّ يَهُودَ كَانُوا مَعَهُمْ فِي بِلَادِهِمْ وَكَانُوا أَهْلَ كِتَابٍ وَعِلْمٍ وَكَانُوا هم أَهْلَ شِرْكٍ أَصْحَابَ أَوْثَانٍ وَكَانَتِ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ قَدْ عَزُّوهُمْ بِبِلَادِهِمْ، وَكَانُوا إِذَا كَانَ بَيْنَهُمْ شَيْءٌ قَالُوا لَهُمْ: إِنَّ نَبِيًّا مَبْعُوثٌ الْآنَ قَدْ أَظَلَّ زَمَانُهُ نَتَّبِعُهُ فَنَقْتُلُكُمْ مَعَهُ قَتْلَ عَادٍ وَإِرَمَ، قَالَ: فَلَمَّا كَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُولَئِكَ النَّفَرَ وَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: يَا قَوْمِ تَعْلَمُونَ وَاللَّهِ إِنَّهُ لَلنَّبِيُّ الَّذِي تَوَعَّدُكُمْ بِهِ الْيَهُودُ؛ فَلَا تَسْبِقِنَّكُمْ إِلَيْهِ فَأَجَابُوهُ فِيمَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ وَصَدَّقُوهُ وَقَبِلُوا مِنْهُ مَا عَرَضَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْإِسْلَامِ وَقَالُوا لَهُ: إِنَّا كُنَّا قَدْ تَرَكْنَا قَوْمَنَا وَلَا قَوْمَ بَيْنَهُمْ مِنَ الْعَدَاوَةِ وَالشَّرِّ مَا بَيْنَهُمْ وَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْمَعَهُمْ بِكَ فَسَنَقْدَمُ عَلَيْهِمْ فَنَدْعُوهُمْ إِلَى أَمْرِكَ وَنَعْرِضُ عَلَيْهِمُ
[ ٢٩٨ ]
الَّذِي أَجَبْنَاكَ إِلَيْهِ مِنْ هَذَا الدِّينِ فَإِنْ يَجْمَعْهُمُ اللَّهُ؛ فَلَا رَجُلَ أَعَزُّ مِنْكَ ثُمَّ انْصَرَفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَاجِعِينَ إِلَى بِلَادِهِمْ قَدْ آمَنُوا وَصَدَّقُوا وَهُمْ فِيمَا ذُكِرَ لِي سِتَّةُ نَفَرٍ مِنَ الْخَزْرَجِ مِنْهُمْ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ وَهُمْ تَيْمُ اللَّهِ ثُمَّ مِنْ بَنِي مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ أَبُو أُمَامَةَ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ وَعَوْفٌ وَمُعَاذٌ ابْنَا الْحَارِثِ بْنِ رِفَاعَةَ، وَمِنْ بَنِي زُرَيْقِ بْنِ عَامِرٍ: رَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ الْعَجْلَانِ، وَمِنْ بَنِي سَلَمَةَ بْنِ سَعْدٍ ثُمَّ مِنْ بَنِي سَوَّادِ بْنِ غَنْمٍ قُطْبَةُ بْنُ عَامِرِ بْنِ حَدِيدَةَ، وَمِنْ بَنِي حَرَامِ بْنِ كَعْبٍ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرِ بْنِ نَابِي، وَمِنْ بَنِي عُبَيْدِ بْنِ عَدِيٍّ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رِئَابِ بْنِ النُّعْمَانِ، فَلَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ عَلَى قَوْمِهِمْ ذَكَرُوا لَهُمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَدَعَوْهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى فَشَا فِيهِمْ فَلَمْ يَبْقَ دَارٌ مِنْ دُورِ الْأَنْصَارِ إِلَّا وَفِيهَا ذِكْرٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى إِذَا كَانَ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ وَافَى الْمَوْسِمَ مِنَ الْأَنْصَارِ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا فَلَقُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالْعَقَبَةِ وَهِيَ الْعَقَبَةُ الْأُولَى فَبَايَعُوهُ عَلَى بَيْعَةِ النِّسَاءِ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِضَ عَلَيْهِمُ الْحَرْبَ فَلَمَّا انْصَرَفَ عَنْهُ الْقَوْمُ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَهُمْ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ فَأَمَرَهُ أَنْ يُقْرِئَهُمُ الْقُرْآنَ وَيُعَلِّمَهُمُ الْإِسْلَامَ وَيُفَقِّهَهُمْ فِي الدِّينِ وَكَانَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ يُسَمَّى بِالْمَدِينَةَ الْمُقْرِئَ وَكَانَ مَنْزِلُهُ عَلَى أَبِي أُمَامَةَ أَسْعَدِ بْنِ زُرَارَةَ أَخِي بَنِي النَّجَّارِ "
[ ٢٩٩ ]
٢٢٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَرَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ قَالَ: ثنا ⦗٣٠٠⦘ الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْجَهْمِ قَالَ: ثنا الْحَسَنُ بْنُ الْفَرَجِ قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْوَاقِدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ حُبَابٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْلَى قَالَ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ يَوْمًا وَهُوَ يَذْكُرُ الْأَنْصَارَ وَفَضْلَهُمْ وَسَابِقَتَهُمْ ثُمَّ قَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ مَنْ لَمْ يُحِبَّ الْأَنْصَارَ وَيَعْرِفْ لَهُمْ حُقُوقَهُمْ هُمْ وَاللَّهِ رَبَّوُا الْإِسْلَامَ كَمَا يُرَبَّى الْفَلْوُ فِي فِنَائِهِمْ بِأَسْيَافِهِمْ وَطُولِ أَلْسِنَتِهِمْ وَسَخَاءِ أَنْفُسِهِمْ لَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْرُجُ فِي الْمَوَاسِمِ فَيَدْعُو الْقَبَائِلَ مَا أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ يَسْتَجِيبُ لَهُ وَيَقْبَلُ مِنْهُ دُعَاءَهُ فَقَدْ كَانَ يَأْتِي الْقَبَائِلَ بِمَجَنَّةَ وَعُكَاظٍ وَبِمِنًى حَتَّى يَسْتَقْبِلَ الْقَبَائِلَ يَعُودُ إِلَيْهِمْ سَنَةً بَعْدَ سَنَةٍ حَتَّى إِنَّ الْقَبَائِلَ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: مَا آنَ لَكَ أَنْ تَيْأَسَ مِنَّا؟ مِنْ طُولِ مَا يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَيْهِمْ حَتَّى أَرَادَ اللَّهُ ﷿ مَا أَرَادَ بِهَذَا الْحَيِّ مِنَ الْأَنْصَارِ فَعَرَضَ عَلَيْهِمُ الْإِسْلَامَ فَاسْتَجَابُوا وأسرعوا وَآوَوْا وَنَصَرُوا وَوَاسَوْا فَجَزَاهُمُ اللَّهُ خَيْرًا قَدِمْنَا عَلَيْهِمْ فَنَزَلْنَا مَعَهُمْ فِي مَنَازِلِهِمْ وَلَقَدْ تَشَاحُّوا فِينَا حَتَّى أَنْ كَانُوا لَيَقْتَرِعُونَ عَلَيْنَا ثُمَّ كُنَّا فِي أَمْوَالِهِمْ أَحَقَّ بِهَا مِنْهُمْ طَيِّبَةً بِذَلِكَ أَنْفُسُهُمْ ثُمَّ بَذَلُوا مُهَجَ أَنْفُسِهِمْ دُونَ نَبِيِّهِمْ ﷺ وَعَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ "
[ ٢٩٩ ]
٢٢٥ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: ثنا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْجَهْمِ قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَرَجِ قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَحْيَى بْنِ يَزِيدَ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أُمِّ سَعْدٍ بِنْتِ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ قَالَتْ: " أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ مَا أَقَامَ يَدْعُو الْقَبَائِلَ إِلَى اللَّهِ ﷿ فَيُؤْذَى وَيُشْتَمُ حَتَّى أَرَادَ اللَّهُ ﷿ بِهَذَا الْحَيِّ مِنَ الْأَنْصَارِ مَا أَرَادَ مِنَ الْكَرَامَةِ فَانْتَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى نَفَرٍ عِنْدَ الْعَقَبَةِ وَهُمْ يَحْلِقُونَ رُءُوسَهُمْ قُلْتُ: مَنْ هُمْ يَا أُمَّهْ؟ قَالَتْ: سِتَّةُ نَفَرٍ أَوْ سَبْعَةٌ مِنْهُمْ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ ثَلَاثَةٌ: أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ وَابْنَا عَفْرَاءَ وَلَمْ تُسَمِّ لِي مَنْ بَقِيَ قَالَتْ ⦗٣٠١⦘: فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَيْهِمْ فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ ﷿ فَقَرَأَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ فَاسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ فَوَافَوْا قَابِلَ وَهِيَ الْعَقَبَةُ الْأُولَى ثُمَّ كَانَتِ الْعَقَبَةُ الْآخِرَةُ قُلْتُ لِأُمِّ سَعْدٍ: وَكَمْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَقَامَ بِمَكَّةَ؟ قَالَتْ: أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ أَبِي صِرْمَةَ قَيْسِ بْنِ أَبِي أَنَسٍ؟ قُلْتُ: لَا أَدْرِي مَا قَالَ فَأَنْشَدَتْنِي قَوْلَهُ:
[البحر الطويل]
ثَمَّ فِي قُرَيْشٍ بِضْعَ عَشْرَةَ حِجَّةً يُذَكِّرُ لَوْ لَاقَى صَدِيقًا مُوَاتِيَا
وَيَعْرِضُ فِيهَا فِي الْمَوَاسِمِ نَفْسَهُ فَلَمْ يَرَ مَنْ يُؤْوِي وَلَمْ يَرَ دَاعِيَا
فَلَمَّا أَتَانَا وَاطْمَأَنَّتْ بِهِ النَّوَى وَأَصْبَحَ مَسْرُورًا بِطِيْبَةَ رَاضِيَا
وَذَكَرَ الْأَبْيَاتَ"
[ ٣٠٠ ]
٢٢٦ - ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْهَيْثَمِ قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْعَوَّامِ حَدَّثَنِي أَبِي ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ وَعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: " لَمَّا اشْتَدَّ الْمُشْرِكُونَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِعَمِّهِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: يَا عَمِّ إِنَّ اللَّهَ ﷿ نَاصِرٌ دِينَهُ بِقَوْمٍ يُهَوَّنُ عَلَيْهِمْ رَغْمَ قُرَيْشٍ عِزًّا فِي ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى فَامْضِ بِي إِلَى عُكَاظٍ فَأَرِنِي مَنَازِلَ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ حَتَّى أَدْعُوَهُمْ إِلَى اللَّهِ ﷿ وَإِنْ يَمْنَعُونِي وَيُؤْوُونِي حَتَّى أُبَلِّغَ عَنِ اللَّهِ ⦗٣٠٢⦘ ﷿ مَا أَرْسَلَنِي بِهِ قَالَ: فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا ابْنَ أَخِي امْضِ إِلَى عُكَاظٍ فَأَنَا مَاضٍ مَعَكَ حَتَّى أَدُلُّكَ عَلَى مَنَازِلِ الْأَحْيَاءِ فَبَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِثَقِيفٍ ثُمَّ اسْتَقَرأ الْقَبَائِلَ فِي سَنَتِهِ فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ وَذَلِكَ حِينَ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُعْلِنَ الدُّعَاءَ لَقِيَ السِّتَّةَ نَفَرٍ الْخَزْرَجِيِّينَ وَالْأَوْسِيِّينَ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ وَأَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيْهَانِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ وَسَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ وَالنُّعْمَانُ بْنُ حَارِثَةَ وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ فَلَقِيَهُمْ النبي ﷺ فِي أَيَّامِ مِنًى عِنْدَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ لَيْلًا فَجَلَسَ إِلَيْهِمْ فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ ﷿ وَإِلَى عِبَادَتِهِ وَالْمُؤَازَرَةِ عَلَى دِينِهِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ أَنْبَيَاءَهُ وَرُسُلَهُ فَسَأَلُوهُ أَنْ يَعْرِضَ عَلَيْهِمْ مَا أُوحِيَ إِلَيْهِ فَقَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُورَةَ إِبْرَاهِيمَ: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ [إبراهيم: ٣٥] إِلَى آخِرِ السُّورَةِ فَرَّقَ الْقَوْمُ وَأَخْبَتُوا حِينَ سَمِعُوا وَأَجَابُوهُ فَمَرَّ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَهُوَ يُكَلِّمُهُمْ وَيُكَلِّمُونَهُ فَعَرَفَ صَوْتَ النبي ﷺ فَقَالَ: ابْنَ أَخِي مَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ عِنْدَكَ؟ قَالَ: يَا عَمِّ سُكَّانُ يَثْرِبَ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ فَدَعْوَتُهُمْ إِلَى مَا دَعَوْتُ إِلَيْهِ مَنْ قَبْلَهُمْ مِنَ الْأَحْيَاءِ فَأَجَابُونِي وَصَدَّقُونِي وَذَكَرُوا أَنَّهُمْ يُخْرِجُونَنِي إِلَى بِلَادِهِمْ فَنَزَلَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَعَقَلَ رَاحِلَتَهُ ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: يَا مَعْشَرَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ هَذَا ابْنُ أَخِي وَهُوَ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ فَإِنْ كُنْتُمْ صَدَّقْتُمُوهُ وَآمَنْتُمْ بِهِ وَأَرَدْتُمْ إِخْرَاجَهُ مَعَكُمْ فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ آخُذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا تَطْمَئِنُّ بِهِ نَفْسِي وَلَا تَخْذُلُوهُ وَلَا تُغْرُوهُ فَإِنَّ جِيرَانَكُمُ الْيَهُودُ وَالْيَهُودُ لَهُ عَدُوٌّ وَلَا آمَنُ مَكْرَهُمْ عَلَيْهِ فَقَالَ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ وَشَقَّ عَلَيْهِ قَوْلُ الْعَبَّاسِ حِينَ اتُّهِمَ عَلَيْهِ سَعْدٌ وَأَصْحَابُهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لَنَا فَلْنُجِبْهُ غَيْرَ مُخَشِّنِينَ بِصَدْرِكَ وَلَا مُتَعَرِّضِينَ لشَيْءٍ مِمَّا تَكْرَهُ إِلَّا تَصْدِيقًا لِإِجَابَتِنَا إِيَّاكَ وَإِيمَانًا بِكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَجِيبُوهُ غَيْرَ مُتَّهَمِينَ فَقَالَ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ وَأَقْبَلَ عَلَى ⦗٣٠٣⦘ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِوَجْهِهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِكُلِّ دَعْوَةٍ سَبِيلًا إِنْ لِينٌ وَإِنْ شِدَّةٌ وَقَدْ دَعَوْتَ الْيَوْمَ إِلَى دَعْوَةٍ مُتَجَهِّمَةٍ لِلنَّاسِ مُتَوَعِّرَةٍ عَلَيْهِمْ دَعَوْتَنَا إِلَى تَرْكِ دِينِنَا وَاتِّبَاعِكَ عَلَى دِينِكَ وَتِلْكَ رُتْبَةٌ صَعْبَةٌ فَأَجَبْنَاكَ إِلَى ذَلِكَ وَدَعَوْتَنَا إِلَى قَطْعِ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ النَّاسِ مِنَ الْجِوَارِ وَالْأَرْحَامِ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ وَتِلْكَ رُتْبَةٌ صَعْبَةٌ فَأَجَبْنَاكَ إِلَى ذَلِكَ وَدَعَوْتَنَا وَنَحْنُ جَمَاعَةٌ فِي دَارِ عِزٍّ وَمَنَعَةٍ لَا يَطْمَعُ فِيهَا أَحَدٌ أَنْ يَرْأَسَ عَلَيْنَا رَجُلٌ مِنْ غَيْرِنَا قَدْ أَفْرَدَهُ قَوْمُهُ وَأَسْلَمَهُ أَعْمَامُهُ وَتِلْكَ رُتْبَةٌ صَعْبَةٌ فَأَجَبْنَاكَ إِلَى ذَلِكَ وَكُلُّ هَؤُلَاءِ الرُّتَبِ مَكْرُوهَةٌ عِنْدَ النَّاسِ إِلَّا مَنْ عَزَمَ اللَّهُ عَلَى رُشْدِهِ وَالْتَمَسَ الْخَيْرَ فِي عَوَاقِبِهَا وَقَدْ أَجَبْنَاكَ إِلَى ذَلِكَ بِأَلْسِنَتِنَا وَصُدُورِنَا وَأَيْدِينَا؛ إِيمَانًا بِمَا جِئْتَ بِهِ وَتَصْدِيقًا بِمَعْرِفَةٍ ثَبَتَتْ فِي قُلُوبِنَا نُبَايِعُكَ عَلَى ذَلِكَ وَنُبَايِعُ رَبَّنَا وَرَبَّكَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِينَا وَدِمَاؤُنَا دُونَ دَمِكَ وَأَيْدِينَا دُونَ يَدِكَ نَمْنَعُكَ مِمَّا نَمْنَعُ مِنْهُ أَنْفُسَنَا وَأَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا فَإِنْ نَفِي بِذَلِكَ فَلِلَّهِ نَفِي وَإِنْ نَغْدِرْ فَبِاللَّهِ نَغْدِرُ وَنَحْنُ بِهِ أَشْقِيَاءُ هَذَا الصِّدْقُ مِنَّا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بِوَجْهِهِ فَقَالَ: وَأَمَّا أَنْتَ أَيُّهَا الْمُعْتَرِضُ لَنَا بِالْقَوْلِ دُونَ النبي ﷺ وَاللَّهُ أَعْلَمُ مَا أَرَدْتَ بِذَلِكَ ذَكَرْتَ أَنَّهُ ابْنُ أَخِيكَ وَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيْكَ فَنَحْنُ قَدْ قَطَعْنَا الْقَرِيبَ وَالْبَعِيدَ وَذَا الرَّحِمِ وَنَشْهَدُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ أَرْسَلَهُ مِنْ عِنْدِهِ لَيْسَ بِكَذَّابٍ وَأَنَّ مَا جَاءَ بِهِ لَا يُشْبِهُ كَلَامَ الْبَشَرِ وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ أَنَّكَ لَا تَطْمَئِنُّ إِلَيْنَا فِي أَمْرِهِ حَتَّى تَأْخُذَ مَوَاثِيقَنَا فَهَذِهِ خَصْلَةٌ لَا نَرُدُّهَا عَلَى أَحَدٍ أَرَادَهَا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَخُذْ مَا شِئْتَ ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ خُذْ لِنَفْسِكَ مَا شِئْتَ وَاشْتَرِطْ لِرَبِّكَ مَا شِئْتَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَشْتَرِطُ لِرَبِّي ﷿ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَلِنَفْسِي أَنْ تَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَكُمْ قَالُوا: فَذَلِكَ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ⦗٣٠٤⦘ فَقَالَ الْعَبَّاسُ: عَلَيْكُمْ بِذَلِكُمْ عَهْدُ اللَّهِ مَعَ عَهُودِكُمْ وَذِمَّةُ اللَّهِ مَعَ ذِمَّتِكُمْ فِي هَذَا الشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْبَلَدِ الْحَرَامِ تُبَايِعُونَهُ وَتُبَايِعُونَ اللَّهَ اللَّهُ رَبُّكُمْ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيكُمْ لَتَجِدُّنَّ فِي نَصْرِهِ وَلَتَشُدُّنَّ لَهُ مِنْ أَزْرِهِ وَلَتُوفُنَّ لَهُ بِعَهْدِهِ بِدَفْعِ أَيْدِيكُمْ وَصَرْحِ أَلْسِنَتِكُمْ وَنُصْحِ صُدُورِكُمْ لَا يَمْنَعُكُمْ مِنْ ذَلِكَ رَغْبَةٌ أَشْرَفْتُمْ عَلَيْهَا وَلَا رَهْبَةٌ أَشْرَفَتْ عَلَيْكُمْ وَلَا يُؤْتَى مِنْ قِبَلِكُمْ قَالُوا جَمِيعًا: نَعَمْ قَالَ: اللَّهُ عَلَيْكُمْ بِذَلِكَ رَاعٍ وَوَكِيلٌ قَالُوا: نَعَمْ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ سَامِعٌ شَاهِدٌ وَإِنَّ هَذَا ابْنَ أَخِي قَدِ اسْتَرْعَاهُمْ ذِمَّتَهُ وَاسْتَحْفَظَهُمْ نَفْسَهُ اللَّهُمَّ فَكُنْ لِابْنِ أَخِي عَلَيْهِمْ شَهِيدًا فَرَضِيَ الْقَوْمُ بِمَا أَعْطَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ نَفْسِهِ وَرَضِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَا أَعْطَوْهُ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَقَدْ كَانُوا قَالُوا لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذَا أَعْطَيْنَاكَ ذَلكَ فَمَا لَنَا؟ قَالَ: رِضْوَانُ اللَّهِ وَالْجَنَّةُ قَالُوا: رَضِينَا وَقَبِلْنَا فَأَقْبَلَ أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيْهَانِ عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: أَلَسْتُمْ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ هَذَا رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ وَقَدْ آمَنْتُمْ بِهِ وَصَدَّقْتُمُوهُ؟ قَالُوا: بَلَى قَالَ: أَوَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ فِي بَلَدِ اللَّهِ الْحَرَامِ وَمَسْقَطِ رَأْسِهِ وَمَوْلِدِهِ وَعَشِيرَتِهِ؟ قَالُوا: بَلَى قَالَ: فَإِنْ كُنْتُمْ خَاذِلِيهِ أَوْ مُسْلِمِيهِ يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ لِبَلَاءٍ يَنْزِلُ بِكُمْ فَالْآنَ؛ فَإِنَّ الْعَرَبَ سَتَرْمِيكُمْ فِيهِ عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ فَإِنْ طَابَتْ أَنْفُسُكُمْ عَنِ الْأَنْفُسِ وَالْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ فِي ذَاتِ اللَّهِ ﷿ فَمَا لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ ﷿ مِنَ الثَّوَابِ خَيْرٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ فَأَجَابَ الْقَوْمُ جَمِيعًا: لَا بَلْ نَحْنُ مَعَهُ بِالْوَفَاءِ وَالصِّدْقِ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَعَلَّكَ إِذَا حَارَبْنَا النَّاسَ فِيكَ وَقَطَعْنَا مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ مِنَ الْجِوَارِ وَالْحِلْفِ وَالْأَرْحَامِ وَحَمَلَتْنَا الْحَرْبُ عَلَى ⦗٣٠٥⦘ سِيسَائِهَا فَكَشَفَتْ لَنَا عَنْ قِنَاعِهَا لَحِقْتَ بِبَلَدِكَ وَتَرَكْتَنَا وَقَدْ حَارَبْنَا النَّاسَ فِيكَ؟ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ: الدَّمَ الدَّمَ وَالْهَدْمَ الْهَدْمَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ: خَلِّ بَيْنَنَا يَا أَبَا الْهَيْثَمِ حَتَّى نُبَايِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَبَقَهُمْ أَبُو الْهَيْثَمِ إِلَى بَيْعَتِهِ فَقَالَ: أُبَايِعُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى مَا بَايَعَ الِاثْنَا عَشَرَ نَقِيبًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ: أُبَايِعُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى مَا بَايَعَ عَلَيْهِ الِاثْنَا عَشَرَ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ وَقَالَ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ: أُبَايِعُ اللَّهَ وَأُبَايِعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَنْ أُتِمَّ عَهْدِي بِوَفَائِي وَأُصَدِّقَ قَوْلِي بِفِعْلِي وَنُصْرَتِكَ وَقَالَ النُّعْمَانُ بْنُ حَارِثَةَ: أُبَايِعُ اللَّهَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأُبَايِعُكَ عَلَى الْإِقْدَامِ فِي أَمْرِ اللَّهِ لَا أُرَاقِبُ فِيهِ الْقَرِيبَ وَالْبَعِيدَ فَإِنْ شِئْتَ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مِلْنَا بِأَسْيَافِنَا هَذِهِ عَلَى أَهْلِ مِنًى فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَمْ أُومَرْ بِذَلِكَ وَقَالَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ: أُبَايِعُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى أَنْ لَا تَأْخُذَنِي فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ وَقَالَ سَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ: أُبَايِعُ اللَّهَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأُبَايِعُكَ عَلَى أَنْ لَا أَعْصِيَكُمَا وَلَا أَكْذِبَكُمَا حَدِيثًا فَانْصَرَفَ الْقَوْمُ إِلَى بِلَادِهِمْ رَاضِينَ مَسْرُورِينَ فَسُرُّوا بِمَا أَعْطَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْوَحْيِ وَتَحَسُّنِ إِجَابَةِ قَوْمِهِمْ لَهُمْ حَتَّى وَافَوْهُ مِنْ قَابِلٍ وَهُمْ سَبْعُونَ رَجُلًا "
[ ٣٠١ ]
٢٢٧ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ قَالَ: ثنا أَبِي قَالَ: ثنا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: " لَمَّا حَضَرَ الْمَوْسِمُ حَجَّ نَفَرٌ مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْ بَنِي مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ مِنْهُمْ مُعَاذُ بْنُ عَفْرَاءَ وَأَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ وَمِنْ بَنِي زُرَيْقٍ رَافِعُ بْنُ مَالِكٍ وَذَكْوَانُ بْنُ عَبْدِ قَيْسٍ وَمِنْ بَنِي غَنْمِ بْنِ عَوْفٍ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ ثَعْلَبَةَ وَمِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيْهَانِ وَمِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ عُوَيْمُ بْنُ سَاعِدَةَ فَأَتَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُمْ خَبَرَهُ وَالَّذِي اصْطَفَاهُ اللَّهُ ﷿ لَهُ مِنْ نُبُوَّتِهِ وَكَرَامَتِهِ وَقَرَأَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ فَلَمَّا سَمِعُوا قَوْلَهُ أَيْقَنُوا وَاطْمَأَنُّوا إِلَى دَعْوَتِهِ وَعَرَفُوا مَا كَانُوا يَسْمَعُونَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ ذِكْرِهِمْ إِيَّاهُ بِصِفَتِهِ وَمَا يَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ فَصَدَّقُوا وَآمَنُوا بِهِ وَكَانُوا مِنْ أَسْبَابِ الْخَيْرِ قَالُوا لَهُ: قَدْ عَلِمْتَ الَّذِي بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ مِنَ الدِّمَاءِ وَنَحْنُ ثَمَّ نُحِبُّ مَا أَنْ نَشُدَّ بِهِ أَمْرَكَ وَنَحْنُ لِلَّهِ وَلَكَ مُجْتَهِدُونَ وَإِنَّا نُشِيرُ عَلَيْكَ بِمَا نَرَى فَامْكُثْ عَلَى اسْمِ اللَّهِ حَتَّى نَرْجِعَ إِلَى قَوْمِنَا فَنُخْبِرَهُمْ بِشَأْنِكَ وَنَدْعُوَهُمْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بَيْنَنَا وَيَجْمَعَ أَمْرَنَا، فَإِنَّا الْيَوْمَ مُتَبَاعِدُونَ مُتَبَاغِضُونَ، فَإِنْ تَقْدَمْ عَلَيْنَا وَلَمْ نَصْطَلِحْ لَمْ يَكُنْ لَنَا جَمَاعَةٌ عَلَيْكَ، وَلَكِنْ نُوَاعِدُكَ الْمَوْسِمَ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ، فَرَضِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الَّذِي قَالُوا، فَرَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ فَدَعَوْهُمْ سِرًّا، وَأَخْبَرُوهُمْ ⦗٣٠٧⦘ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالَّذِي بَعَثَهُ اللَّهُ بِهِ وَدَعَاهُمْ إِلَيْهِ بِالْقُرْآنِ، حَتَّى قَلَّ دَارٌ مِنْ دُورِهِمْ إِلَّا أَسْلَمَ فِيهَا نَاسٌ لَا مَحَالَةَ، ثُمَّ بَعَثُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنِ ابْعَثْ إِلَيْنَا رَجُلًا مِنْ قِبَلِكَ فَيَدْعُو النَّاسَ بِكِتَابِ اللَّهِ؛ فَإِنَّهُ أَدْنَى أَنْ يُتَّبَعَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ أَخَا بَنِي عَبْدِ الدَّارِ فَنَزَلَ فِي بَنِي غَنْمٍ عَلَى أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ فَجَعَلَ يَدْعُو النَّاسَ سِرًّا فَيَفْشُو الْإِسْلَامُ وَيَكْثُرُ أَهْلُهُ وَهُمْ فِي ذَلِكَ مُسْتَخْفُونَ بِدُعَائِهِمْ ثُمَّ إِنَّ أَسْعَدَ بْنَ زُرَارَةَ أَقْبَلَ هُوَ وَمُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ حَتَّى أَتَيَا بِئْرَ مَرَقٍ أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا فَجَلَسَا هُنَاكَ وَبَعَثَا إِلَى رَهْطٍ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ فَأَتَوْهُمْ مُسْتَخْفِينَ فَبَيْنَا مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ يُحَدِّثُهُمْ وَيَقُصُّ عَلَيْهِمْ أُخْبِرَ بِهِمْ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فَأَتَاهُمْ فِي لَأْمَتِهِ مَعَهُ الرُّمْحُ حَتَّى وَقَفَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: عَلَامَ تَأْتِينَا فِي دُورِنَا بِهَذَا الْوَحِيدِ الْفَرِيدِ الطَّرِيحِ الْغَرِيبِ يُسَفِّهُ ضُعَفَاءَنَا بِالْبَاطِلِ، وَيَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ، وَلَا أَرَاكُمْ بَعْدَهَا بشَيْءٍ مِنْ جِوَارِنَا، فَرَجَعُوا ثُمَّ إِنَّهُمْ عَادُوا الثَّانِيَةَ لِبِئْرِ مَرَقٍ أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا فَأُخْبِرَ بِهِمْ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فَتَوَاعَدَهُمْ تَوَعُّدًا دُونَ الْوَعِيدِ الْأَوَّلِ، فَلَمَّا رَأَى أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ مِنْهُ لِينًا قَالَ: يَا ابْنَ خَالَةٍ، اسْمَعْ مِنْ قَوْلِهِ، فَإِنْ سَمِعْتَ مُنْكَرًا فَارْدُدْهُ بِأَهْدَى مِنْهُ، وَإِنْ سَمِعْتَ حَقًّا فَأَجِبْ إِلَيْهِ، فَقَالَ: مَاذَا يَقُولُ؟ فَقَرَأَ عَلَيْهِ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ: ﴿حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: ٢] فَقَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ: مَا أَسْمَعُ إِلَّا مَا أَعْرِفُ ⦗٣٠٨⦘، فَرَجَعَ قَدْ هَدَاهُ اللَّهُ تَعَالَى وَلَمْ يُظْهِرْ لَهُمُ الْإِسْلَامَ حَتَّى رَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ فَدَعَا بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ إِلَى الْإِسْلَامِ وَأَظْهَرَ إِسْلَامَهُ وَقَالَ: مَنْ شَكَّ فِيهِ مِنْ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ أَوْ أُنْثَى أَوْ ذَكَرٍ فَلْيَأْتِنَا بِأَهْدَى مِنْهُ نَأْخُذْ بِهِ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ جَاءَ أَمْرٌ لَتُحَزَّنَّ فِيهِ الرِّقَابُ، فَأَسْلَمَتْ بَنُو عَبْدِ الْأَشْهَلِ عِنْدَ إِسْلَامِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَدُعَائِهِ إِلَّا مَنْ لَمْ يُذَكِّرْ، فَكَانَتْ أَوَّلَ دُورٍ مِنْ دُورِ الْأَنْصَارِ أَسْلَمَتْ بِأَسْرِهِمْ، ثُمَّ إِنَّ بَنِي النَّجَّارِ أَخْرَجُوا مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ وَاشْتَدُّوا عَلَى أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ فَانْتَقَلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ إِلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فَلَمْ يَزَلْ عِنْدَهُ يَدْعُو وَيَهْدِي اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ حَتَّى قَلَّ دَارٌ مِنْ دُورِ الْأَنْصَارِ إِلَّا أَسْلَمَ فِيهَا نَاسٌ لَا مَحَالَةَ، وَأَسْلَمَ أَشْرَافُهُمْ وَأَسْلَمَ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ وَكُسِرَتْ أَصْنَامُهُمْ، وَكَانَتِ الْمُسْلِمُونَ أَعَزَّ أَهْلِهَا وَصَلُحَ أَمْرُهُمْ، وَرَجَعَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ يُدْعَى الْمُقْرِئَ، ثُمَّ حَجَّ الْعَامَ الْمُقْبِلَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْهُمْ أَرْبَعُونَ رَجُلًا مِنْ ذَوِي أَسْنَانِهِمْ وَأَشْرَافِهِمْ وَثَلَاثُونَ شَابًّا، وَأَصْغَرُهُمْ عُقْبَةُ بْنُ عَمْرٍو وَأَبُو مَسْعُودٍ وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَمَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَلَمَّا حَدَّثَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بالَّذِي خَصَّهُ اللَّهُ ﷿ بِهِ مِنَ النُّبُوَّةِ وَالْكَرَامَةِ وَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَإِلَى أَنْ يُبَايِعُوهُ وَيَمْنَعُوهُ مِمَّا يَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ أَجَابُوا وَصَدَّقُوا وَقَالُوا: اشْتَرِطْ لِرَبِّكَ وَلِنَفْسِكَ مَا شِئْتَ، قَالَ: «أَشْتَرِطُ لِرَبِّي أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْبُدُوهُ، وَأَشْتَرِطُ لِنَفْسِي أَنْ تَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ» فَلَمَّا طَابَتْ أَنْفُسُهُمْ بِذَلِكَ الشَّرْطِ اشْتَرَطَ لَهُ الْعَبَّاسُ وَأَخَذَ عَلَيْهِمُ الْمَوَاثِيقَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَظَّمَ الَّذِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْعَقَبَةِ أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ ⦗٣٠٩⦘ التَّيْهَانِ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ النَّاسِ حِبَالًا، وَالْحِبَالُ الْحِلْفُ وَالْمَوَاثِيقُ، فَلَعَلَّنَا نَقْطَعُهَا ثُمَّ تَرْجِعُ إِلَى قَوْمِكَ وَقَدْ قَطَعْنَا الْحِبَالَ وَحَارَبْنَا النَّاسَ فِيكَ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ قَوْلِهِ وَقَالَ: «الدَّمَ الدَّمَ، وَالْهَدْمَ وَالْهَدْمَ» فَلَمَّا رَضِيَ أَبُو الْهَيْثَمِ بِمَا رَجَعَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ قَوْلِهِ أَقْبَلَ عَلَى قَوْمِهِ فَقَالَ: يَا قَوْمِ، هَذَا رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا، أَشْهَدُ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَصَادِقٌ، وَإِنَّهُ الْيَوْمَ فِي حَرَمِ اللَّهِ وَأَمْنِهِ بَيْنَ ظَهْرَيْ قَوْمِهِ وَعَشِيرَتِهِ، فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِنْ تُخْرِجُوهُ تَرْمِكُمُ الْعَرَبُ عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ، فَإِنْ كَانَتْ طَابَتْ أَنْفُسُكُمْ بِالْقِتَالِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَذَهَابِ الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ فَادْعُوهُ إِلَى أَرْضِكُمْ، فَإِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا، وَإِنْ خِفْتُمْ خِذْلَانَهُ فَمِنَ الْآنَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: قَبِلْنَا عَنِ اللَّهِ وَعَنْ رَسُولِ اللَّهِ، فَخَلِّ بَيْنَنَا يَا أَبَا الْهَيْثَمِ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ فَلْنُبَايِعْهُ فَقَالَ أَبُو الْهَيْثَمِ: فَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يُبَايِعُ، ثُمَّ تَتَابَعُوا كُلُّهُمْ، وَصَاحَ الشَّيْطَانُ مِنْ رَأْسِ الْجَبَلِ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ هَذِهِ بَنُو الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ تَحَالَفُ عَلَى قِتَالِكُمْ، فَفَزِعُوا عِنْدَ ذَلِكَ وَرَاعَهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا يَرُعْكُمْ هَذَا الصَّوْتُ، فَإِنَّمَا هُوَ عَدُوُّ اللَّهِ إِبْلِيسُ، لَيْسَ يَسْمَعُهُ أَحَدٌ مِمَّنْ تَخَافُونَ» وَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَرَخَ بِالشَّيْطَانِ فَقَالَ: «يَا ابْنَ أَزَبَّ، أَهَذَا عَمَلُكَ؟ سَأَفْرُغُ لَكَ» وَبَلَغَ قُرَيْشًا الْحَدِيثُ فَأَقْبَلُوا حَتَّى إِنَّهُمْ لَيَتَوَطَّئُونَ عَلَى رَحْلِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَا يُبْصِرُونَهُمْ فَرَجَعَتْ قُرَيْشٌ وَقَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ عُبَادَةَ بْنِ نَضْلَةَ أَخُو بَنِي سَالِمٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ شِئْتَ وَالَّذِي أَكْرَمَكَ مِلْنَا عَلَى أَهْلِ مِنًى بِأَسْيَافِنَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَمْ أُومَرْ بِذَلِكَ وَكَانَ هَؤُلَاءِ النَّفَرُ اتَّفَقُوا عَلَى مَرْضَاةِ اللَّهِ وَأَوْفَوْا بِالشَّرْطِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ بِنَصْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ⦗٣١٠⦘ ثُمَّ صَدَرُوا رَابِحِينَ رَاشِدِينَ إِلَى بِلَادِهِمْ وَجَعَلَ اللَّهُ ﷿ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلِلْمُؤْمِنِينَ مَلْجَأً وَأَنْصَارًا وَدَارَ هِجْرَةٍ
٢٢٨ - حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْمَرْوَزِيُّ قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَيُّوبَ قَالَ: ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: ثنا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ وثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: ثنا مِنْجَابُ بْنُ حَارِثٍ قَالَ: ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ ثنا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَا: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ الْأَنْصَارُ الْمَدِينَةَ بَعْدَمَا بَايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ظَهَرَ الْإِسْلَامُ بِهَا وَفِي قُومِهِمْ بَقَايَا عَلَى دِينِهِمْ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ وَكَانَ ابْنُهُ مُعَاذٌ قَدْ شَهِدَ الْعَقَبَةَ وَبَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِهَا وَكَانَ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ سَيِّدَا مِنْ سَادَاتِ بَنِي سَلَمَةَ وَشَرِيفًا مِنْ أَشْرَافِهِمْ وَكَانَ قَدِ اتَّخَذَ فِي دَارِهِ صَنَمًا مِنْ خَشَبٍ يُقَالُ لَهُ مَنَاةُ كَمَا كَانَتِ الْأَشْرَافُ يَصْنَعُونَ يَتَّخِذُهُ إِلَهًا وَيُطَهِّرُهُ فَلَمَّا أَسْلَمَ فِتْيَانُ بَنِي سَلَمَةَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَابْنُهُ مُعَاذُ بْنُ عَمْرٍو فِي فِتْيَانٍ مِنْهُمْ مِمَّنْ أَسْلَمَ وَشَهِدَ الْعَقَبَةَ كَانُوا يَدْخُلُونَ عَلَى صَنَمِ عَمْرٍو ذَلِكَ فَيَحْمِلُونَهُ فَيَطْرَحُونَهُ فِي بَعْضِ حُفَرِ بَنِي سَلَمَةَ وَفِيهَا عَذِرَةُ النَّاسِ مُنَكَّسًا عَلَى رَأْسِهِ فَإِذَا أَصْبَحَ عَمْرٌو قَالَ: وَيْلَكُمْ مَنْ عَدَا عَلَى إِلَهِنَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ؟ قَالَ: ثُمَّ يَغْدُو يَلْتَمِسُهُ حَتَّى إِذَا وَجَدَهُ غَسَلَهُ وَطَهَّرَهُ وَطَيَّبَهُ ثُمَّ قَالَ: وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنِّي أَعْلَمُ مَنْ صَنَعَ بِكَ هَذَا لَأُخْزِيَنَّهُ فَإِذَا أَمْسَى عَمْرٌو وَنَامَ عَدَوَا عَلَيْهِ فَفَعَلُوا بِهِ مِثْلَ ذَلِكَ فَلَمَّا أَكْثَرُوا عَلَيْهِ اسْتَخْرَجَهُ مِنْ حَيْثُ أَلْقَوْهُ يَوْمًا فَغَسَلَهُ وَطَهَّرَهُ وَطَيَّبَهُ ثُمَّ جَاءَ ⦗٣١١⦘ بِسَيْفِهِ فَعَلَّقَهُ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: إِنِّي وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ مَنْ يَفْعَلُ بِكَ مَا نَرَى فَإِنْ كَانَ فِيكَ خَيْرٌ فَامْتَنِعْ بِهَذَا السَّيْفِ مَعَكَ فَلَمَّا أَمْسَى وَنَامَ عَدَوَا عَلَيْهِ فَأَخَذُوهُ وَالسَّيْفُ فِي عُنُقِهِ ثُمَّ أَخَذُوا كَلْبًا مَيِّتًا فَقَرَنُوهُ مَعَهُ بِحَبْلٍ ثُمَّ أَلْقَوْهُ فِي بِئْرٍ مِنْ آبَارِ بَنِي سَلَمَةَ فِيهَا عَذِرَةٌ مِنْ عُذَرِ النَّاسِ وَغَدَا عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ فَلَمْ يَجِدْهُ فِي مَكَانَهُ الَّذِي كَانَ فِيهِ فَخَرَجَ فِي طَلَبِهِ حَتَّى وَجَدَهُ فِي تِلْكَ الْبِئْرِ مَقْرُونًا بِكَلْبٍ مَيِّتٍ فَلَمَّا رَآهُ وَأَبْصَرَ شَأْنَهُ وَكَلَّمَهُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ قَوْمِهِ أَسْلَمَ يَرْحَمُهُ اللَّهُ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ وَزَادَ مِنْجَابٌ عَنْ زِيَادٍ فِي حَدِيثِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ يَسَارٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ قَالَ: لَمَّا أَسْلَمَ فِتْيَانُ بَنِي سَلَمَةَ أَسْلَمَتِ امْرَأَةُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ وَوَلَدُهُ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: لَا تَدْعِي أَحَدًا مِنْ عِيَالِكِ فِي أَهْلِكَ حَتَّى نَنْظُرَ مَا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ قَالَتْ: أَفْعَلُ وَلَكِنْ هَلْ لَكَ أَنْ تَسْمَعَ مِنَ ابْنِكَ فُلَانٍ مَا رَوَى عَنْهُ؟ قَالَ: فَلَعَلَّهُ صَبَأَ قَالَتْ: لَا وَلَكِنْ كَانَ مَعَ الْقَوْمِ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَقَالَ: أَخْبِرْنِي مَا سَمِعْتَ مِنَ كَلَامِ هَذَا الرَّجُلِ فَقَرَأَ عَلَيْهِ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] فَقَالَ: مَا أَحْسَنَ هَذَا وَأَجْمَلَهُ وَكُلُّ كَلَامِهِ مِثْلُ هَذَا؟ فَقَالَ: يَا أَبَتَاهُ وَأَحْسَنُ مِنْ هَذَا قَالَ: فَهَلْ لَكَ أَنْ تُبَايِعَهُ؟ قَدْ صَنَعَ ذَلِكَ عَامَّةُ قَوْمِكَ؟ قَالَ: لَسْتُ فَاعِلًا حَتَّى أُؤَامِرَ مَنَاةَ فَأَنْظُرَ مَا يَقُولُ قَالَ: وَكَانُوا إِذَا أَرَادُوا كَلَامَ مَنَاةَ جَاءَتْ عَجُوزٌ فَقَامَتْ خَلْفَهُ فَأَجَابَتْ عَنْهُ قَالَ: فَأَتَاهُ وَغُيِّبَتِ الْعَجُوزُ وَأَقَامَ عِنْدَهُ فَتَشَكَّرَ لَهُ وَقَالَ: يَا مَنَاةُ تَشْعُرُ أَنَّهُ قَدْ سِيلَ بِكَ وَأَنْتَ غَافِلٌ؟ جَاءَ رَجُلٌ يَنْهَانَا عَنْ عِبَادَتِكَ وَيَأْمُرُنَا بِتَعْطِيلِكَ فَكَرِهْتُ أَنْ أُبَايِعَهُ حَتَّى أُؤَامِرَكَ، وَخَاطَبَهُ طَوِيلًا فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ، فَقَالَ: أَظُنُّكَ قَدْ غَضِبْتَ وَلَمْ أَصْنَعْ بَعْدُ شَيْئًا، فَقَامَ إِلَيْهِ فَكَسَرَهُ ⦗٣١٢⦘. وَزَادَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَلَمَةَ فِي حَدِيثِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ: قَالَ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ حِينَ أَسْلَمَ وَعَرَفَ مِنَ اللَّهِ مَا عَرَفَ وَهُوَ يَذْكُرُ صَنَمَهُ وَمَا أَبْصَرَ مِنْ أَمْرِهِ وَيَشْكُرُ اللَّهَ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِمَّا كَانَ فِيهِ مِنَ الْعَمَى وَالضَّلَالَةِ:
[البحر المتقارب]
أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مِمَّا مَضَى وَأَسْتَنْقِذُ اللَّهَ مِنْ نَارِهِ
وَأُثْنِي عَلَيْهِ بِنَعْمَائِهِ إِلَهَ الْحَرَامِ وَأَسْتَارِهِ
فَسُبْحَانَهُ عَدَدَ الْخَاطِئِينَ وَقَطْرَ السَّمَاءِ وَمِدْرَارِهِ
هَدَانِي وَقَدْ كُنْتُ فِي ظُلْمَةٍ حَلِيفَ مَنَاةٍ وَأَحْجَارِهِ
وَأَنْقَذَنِي بَعْدَ شَيْبِ الْقَذَالِ مِنْ شَيْنِ ذَاكَ وَمِنْ عَارِهِ
فَقَدْ كِدْتُ أَهْلِكَ فِي ظُلْمَةٍ تَدَارَكَ ذَاكَ بِمِقْدَارِهِ
فَحَمْدًا وَشُكْرًا لَهُ مَا بَقِيتُ إِلَهُ الْأَنَامِ وَجَبَّارُهُ
أُرِيدُ بِذَلِكَ إِذَا قُلْتُهُ مُجَاوَرَةَ اللَّهِ فِي دَارِهِ
وَقَالَ أَيْضًا يَذُمُّ صَنَمَهُ:
[البحر الرجز]
تَالَلَّهِ لَوْ كُنْتَ إِلَهًا لَمْ تَكُنْ أَنْتَ وَكَلْبٌ وَسْطَ بِئْرٍ فِي قَرَنْ
أُفٍ لِمَصْرَعِكَ إِلَهًا مُسْتَدَنٍّ الْآنَ فَتَشْنَاكَ عَنْ سُوءِ الْغَبَنْ
هُوَ الَّذِي أَنْقَذَنِي مِنْ قَبْلِ أَنْ أَكُونَ فِي ظُلْمَةِ قَبْرٍ مُرْتَهَنْ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ ذِي الْمِنَنِ الْوَاهِبِ الرَّزَّاقِ دَيَّانِ الدِّيَنْ
. قَالَ الشَّيْخُ ﵁: وَفِي تَضَاعِيفِ هَذِهِ الْأَخْبَارِ أَدِلَّةٌ وَكِيدَةٌ اقْتَصَصْنَا هَذِهِ الْأَخْبَارَ بِأَلْفَاظِهَا لِمَا فِي مَوْدِعِهَا مِنَ الدَّلَائِلِ مِنْهَا مَيْلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ إِلَى الْإِسْلَامِ بَعْدَمَا خَرَجَ بِهِ إِلَى أَسْعَدِ بْنِ ⦗٣١٣⦘ زُرَارَةَ وَمُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ مِنَ الضَّلَالَةِ لِتَدَيُّنِهِ بِالشِّرْكِ فَقَالَا لَهُ: مَنْ شَكَّ فِيهِ فَلْيَأْتِنَا بِأَهْدَى مِنْهُ وَمِنْهَا قَوْلُهُ: هَذَا أَمْرٌ لَتُحَزُّنَّ فِيهِ الرِّقَابُ وَفِيهِ أَنَّ أَوَّلَ مَا حَضَرُوا فِي الْمَوْسِمِ وَسَمِعُوا كَلَامَهُ وَالْقُرْآنَ أَيْقَنُوا وَاطْمَأَنَّتْ أَنْفُسُهُمْ إِلَى دَعْوَتِهِ وَعَرَفُوا مَا سَمِعُوا فِي مَاضِي الْأَيَّامِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صِفَتِهِ ﷺ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى سُرْعَةِ أَخْذِ الْقُرْآنِ فِي قُلُوبِهِمْ وَمِنْهَا إِخْبَارُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِيَّاهُمْ بِصَوْتِ إِبْلِيسَ وَأَنَّهُ لَيْسَ يَسْمَعْهُ أَحَدٌ مِمَّنْ يَخَافُونَ وَمِنْهَا تَوْطِئَةُ قُرَيْشٍ مَتَاعَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَا يُبْصِرُونَهُمْ فَرَجَعُوا
[ ٣٠٦ ]