الجزء الثالث
جُمَّاعُ أَبْوَابِ مَغَازِي رَسُولِ اللهِ ﷺ بِنَفْسِهِ وَبِسَرَايَاهُ
[(١)] عَلَى طَرِيقِ الِاخْتِصَارِ دُونَ الْإِكْثَارِ إذا الْقَصْدُ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ بَيَانُ دَلَائِلِ صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ وَإِعْلَامُ صِدْقِهِ فِي رِسَالَتِهِ وَمَا ظَهَرَ فِي أَيَّامِهِ مِنْ نَصْرِ اللهِ [تَعَالَى] [(٢)] أَهْلَ دِينِهِ وَإِنْجَازِهِمْ مَا وَعَدَهُمْ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ بِقَوْلِهِ:
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ، وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا، يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا، وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ [(٣)] .
_________________
(١) [(١)] كان عدد الغزوات التي خرج فِيهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِنَفْسِهِ غازيا سبعا وعشرين، وقد قاتل بنفسه في تسع منها، هي: بدر، وأحد، والمريسيع، والخندق، وقريظة، وخيبر، وفتح مكة، وحنين، والطائف، وبلغ عدد بعوثه أو سراياه سبعا وأربعين، وقيل: بل نحوا من ستين. وفي اصطلاح الرواة وأصحاب السير أن الغزوة هي الحرب التي يحضرها الرسول ﷺ بنفسه، وأما البعث، أو السرية فإنه يرسل فيها طائفة من أصحابه. قال الصالحي في السيرة الشامية (٤: ١٦): أسماء الغزوات، هي: غزوة الأبواء ويقال لها: ودّان، ثم غزوة بواط، ثم غزوة سفوان، وهي بدر الأولى لطلب كُرْزَ بْنَ جَابِرٍ، ثُمَّ غزوة العشيرة، ثم غزوة بدر الكبرى، ثُمَّ غَزْوَةُ بَنِي سُلَيْمٍ بالكدر، ويقال لها: قُرْقُرَةَ الْكُدْرِ، ثُمَّ غَزْوَةُ السّويق، ثم غَزْوَةِ غَطَفَانَ، وَهِيَ غَزْوَةُ ذِي أَمَرَّ ثم غزوة الفرع، من بحران بالحجاز، ثم غزوة بَنِي قَيْنُقَاعَ، ثُمَّ غَزْوَةُ أحد، ثم غزوة حمراء الأسد، ثم غزوة بني النّضير، ثم غزوة بدر الأخيرة وهي غزوة بدر الموعد، ثم غزوة دومة
[ ٣ / ٥ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ بْنِ هَانِئٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ: مُحَمَّدُ بْنُ شَاذَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، قَالَ:
حَدَّثَنِي أَبِي، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ:
«لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ الْمَدِينَةَ وَآوَتْهُمُ الْأَنْصَارُ، رَمَتْهُمُ الْعَرَبُ عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ وَكَانُوا لَا يَبِيتُونَ إِلَّا بِالسِّلَاحِ، وَلَا يُصْبِحُونَ إِلَّا فِيهِ، فَقَالُوا: تُرَوْنَ أَنَّا نَعِيشُ حَتَّى نَبِيتَ مُطْمَئِنِّينَ لَا نَخَافُ إِلَّا اللهَ ﷿؟ فنزلت
_________________
(١) [()] الجندل، ثُمَّ غَزْوَةُ بَنِي الْمُصْطَلِقِ وهي المريسيع، ثُمَّ غَزْوَةُ الْخَنْدَقِ، ثُمَّ غَزْوَةُ بَنِي قُرَيْظَةَ، ثُمَّ غزوة بني لحيان، ثم غزوة الحديبية، ثُمَّ غَزْوَةُ ذِي قَرَدٍ، ثُمَّ غَزْوَةُ خَيْبَرَ، ثُمَّ غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ وَهِيَ غزوة محارب وبني ثعلبة ثم غزوة عُمْرَةَ الْقَضَاءِ، ثُمَّ غَزْوَةُ فَتْحِ مَكَّةَ، ثُمَّ غَزْوَةُ حنين، ثم غزوة الطائف، ثم غزوة تبوك، وفي بعض ذلك تقديم وتأخير عن بعض المحدثين. قال ابن إسحاق، وابن سعد وابن حزم، وابن الأثير ﵏: قاتل النبي ﷺ فِي تِسْعِ غَزَوَاتٍ: بَدْرٍ وَأُحُدٍ، وَالْخَنْدَقِ، وَقُرَيْظَةَ، وَالْمُصْطَلِقِ وهي المريسيع، وَخَيْبَرَ، وَالْفَتْحِ، وَحُنَيْنٍ، وَالطَّائِفِ، ويقال: أَنَّهُ ﷺ قاتل أيضا في بني النضير ووادي القرى، والغابة. وقال ابن عقبة: قاتل في ثمانية مواطن وأهمل عد قريظة، لأنه ضمها إلى الخندق لكونها كان إثرها، وأفردها غيره لوقوعها منفردة بعد هزيمة الأحزاب، وكذا وقع لغيره، عد الطائف وحنينا واحدة لكونها كانت في إثرها. روى الخطيب البغدادي في الجامع وابن عساكر في تاريخه عن زين العابدين علي بن الحسين بن أمير المؤمنين علي ﵁، قال: كنا نعلم مغازي رسول الله ﷺ كما نعلم السورة من القرآن. ورويا عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص الزهري المدني قال: كان أبي يعلمنا مغازي رسول الله ﷺ ويعدها علينا وسراياه، ويقول: يا بني هذه شرف آبائكم فلا تضيعوا ذكرها. ورويا أيضا عن الزهري قال: في علم المغازي خير الدنيا والآخرة. [(٢)] الزيادة من (ض) و(هـ) . [(٣)] الآية الكريمة (٥٥) من سورة النور.
[ ٣ / ٦ ]
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ- قَرَأَ إِلَى قَوْلِهِ- وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ [(٤)] .
_________________
(١) [(٤)] وقال أبو العالية رفيع راوي الحديث- ونقله القرطبي (١٢: ٢٩٧): «مَكَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَكَّةَ عشر سنين بعد ما أوحي إليه خائضا هو وأصحابه، يدعون إلى الله سرا وجهرا، ثم أمر بالهجرة إلى المدينة، وكانوا فيها خائضين: يصبحون، ويمسون في السلاح، فقال رجل: يا رسول الله! أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع السلاح؟ فقال ﵇: «لا تلبثون إلا يسيرا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبيا ليس عليه حديدة»، ونزلت هذه الآية، وأظهر الله نبيه على جزيرة العرب، فوضعوا السلاح، وأمنوا» . قال النحاس: «فكان في هذه الآية دلالة على نبوة رسول الله ﷺ، لأن الله جل وعز أنجز ذلك الوعد» .
[ ٣ / ٧ ]
بَابُ بَعْثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَمَّهُ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَبَعْثِ عُبَيْدَةَ بْنَ الْحَارِثِ، وَبَعْثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَغَزْوَةِ الْأَبْوَاءِ، وَهِيَ: وَدَّانُ، وَغَزْوَةِ بُوَاطٍ، وَهِيَ: رَضْوَى، وَغَزْوَةِ الْعُشَيْرَةِ، وَبَدْرٍ الْأُولَى
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ: مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْبَغْدَادِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عُلَاثَةَ: [(٥)] مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ (ح) .
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ بِبَغْدَادَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا [(٦)] أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَتَّابٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ عَمِّهِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ (ح) .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ الشَّعْرَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَدِّي قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ عَنْ، مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: «ثُمَّ بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَمْزَةَ فِي ثَلَاثِينَ رَاكِبًا، وَكَانَ أَوَّلَ بَعْثٍ بَعَثَهُ، فساروا حتى بلغوا
_________________
(١) [(٥)] في (ص): «أبو عادثة» . [(٦)] لفظ «قال أخبرنا» من (ص) فقط، وفي (ح): «أخبرنا»، وكذا في (هـ)، هكذا في سائر فقرات الكتاب.
[ ٣ / ٨ ]
سِيفَ [(٧)] الْبَحْرِ مِنْ أَرْضِ جُهَيْنَةَ، فَلَقَوْا أَبَا جَهْلٍ بْنَ هِشَامٍ فِي ثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَحَجَزَ بَيْنَهُمْ مَخْشِيُّ بْنُ عَمْرٍو الْجُهَنِيُّ، وَكَانَ مَخْشِيٌّ وَرَهْطُهُ حُلَفَاءَ لِلْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا، فَلَمْ يَعْصُوهُ فَرَجَعَ الْفَرِيقَانِ كِلَاهُمَا إِلَى بِلَادِهِمْ فَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ فَلَبِثَ رَسُولُ الله ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ ثُمَّ غَزَا، فَأَوَّلُ غَزْوَةٍ غَزَاهَا فِي صَفَرٍ عَلَى رَأْسِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا مِنْ مَقْدَمِ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ حَتَّى بَلَغَ الْأَبْوَاءَ [(٨)]، ثُمَّ رَجَعَ فَأَرْسَلَ سِتِّينَ رَجُلًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ وَلَمْ يَكُنْ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ مِنَ الْأَنْصَارِ أَحَدٌ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عُبَيْدَةَ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ الْمُطَّلِبِ [(٩)]، فَلَقَوْا بَعْثًا عَظِيمًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى مَاءٍ يُدْعَى الْأَحْيَاءَ مِنْ رَابِغٍ، فَارْتَمَوْا بِالنَّبْلِ، وَانْحَازَ الْمُسْلِمُونَ وَلَهُمْ حَامِيَةٌ تُقَاتِلُ عَنْهُمْ حَتَّى هَبَطُوا ثَنِيَّةَ الْمِرَّةِ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ يَرْمِي عَنْ أَصْحَابِهِ، ثُمَّ انْكَفَأَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ، وأَوَّلُ مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ: سعد بن أبي
_________________
(١) [(٧)] (سيف) ساحل. [(٨)] الأبواء قرية من أعمال الفرع من المدينة، بينها وبين الجحفة مما يلي المدينة ثلاثة وعشرون ميلا، وقيل: الأبواء: جبل على يمين آرة، ويمين الطريق المصعد إلى مكة من المدينة، وهناك بلد ينسب إلى هذا الجبل، وبالأبواء قَبْرُ آمِنَةَ بِنْتِ وَهْبٍ أُمَّ النَّبِيِّ ﷺ» . وانظر في بعث حمزة: ابن هشام (٢: ٢٢٣- ٢٢٤)، وابن سعد (٢: ٦)، والواقدي (١: ٩)، والطبري (٢: ٤٠٤)، والدرر (٩٦)، والبداية والنهاية (٣: ٢٣٤) وسبل الهدى (٤: ٢٥) . [(٩)] في (ح): عُبَيْدَةَ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ المطلب، وله ترجمة في الإصابة (٢: ٤٤٩): عُبَيْدَةَ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ القرشي المطلبي أسلم قديما، وكان رأس بني عبد مناف، وكانت أول راية عقدت في الإسلام له، واستشهد في بدر. واختلف أهل السير في أي البعثين كان أول: أبعث حمزة، أو بعث عبيدة، فقال ابن إسحاق: أول راية عقدها رسول الله ﷺ، وأول سرية بعثها عبيدة بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ ابْنُ إسحاق: وبعض الناس يزعمون أنّ راية حمزة أول راية عقدها رسول الله ﷺ، وقال المدائني: «أول سرية بعثها رسول الله ﷺ: حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ في ربيع الأول من سنة اثنتين إِلَى سِيفِ الْبَحْرِ مِنْ أرض جهينة.
[ ٣ / ٩ ]
وَقَّاصٍ، وَهُوَ أَوَّلُ يَوْمٍ الْتَقَى فِيهِ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ فِي قِتَالٍ، وَفَرَّ عُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ، وَالْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ يَوْمَئِذٍ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَا فِي حَبْسِ قُرَيْشٍ قَدْ أَسْلَمَا قَبْلَ ذَلِكَ، فَتَوَصَّلَا بِالْمُشْرِكِينَ حَتَّى خَرَجَا إِلَى عُبَيْدَةَ وَأَصْحَابِهِ» .
هَذَا لَفْظُ حَدِيثِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ [(١٠)]، وَفِي حَدِيثِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ: «فَلَقِيَهُ أَبُو جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ فِي ثَلَاثِمِائَةِ رَاكِبٍ وَقَالَ: ثُمَّ لَبِثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ خَرَجَ فِي صَفَرٍ حَتَّى بَلَغَ الْأَبْوَاءَ»، وَالْبَاقِي بِمَعْنَاهُ.
وَأَخْبَرَنَا عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: «ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَهَيَّأَ لِحَرْبِهِ، فَقَامَ فِيمَا أَمَرَهُ اللهُ بِهِ مِنْ جِهَادِ عَدُوِّهِ، وَقِتَالِ مَنْ أَمَرَهُ بِهِ مِمَّنْ يَلِيهِ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ، وَقَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً مَضَتْ مِنْهُ فَأَقَامَ بِهَا يَعْنِي أَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ خَرَجَ غَازِيًا حَتَّى نَزَلَ وَدَّانَ [(١١)] يُرِيدُ قُرَيْشًا وَبَنِي ضَمْرَةَ بْنِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ وَهِيَ غَزْوَةُ الْأَبْوَاءِ، فَوَادَعَهُ فِيهَا بَنُو ضَمْرَةَ، وَكَانَ الَّذِي وَادَعَهُ مِنْهُمْ سَيِّدَهُمْ فِي زَمَانِهِ مَخْشِيَّ بْنَ عَمْرٍو قَالَ: ثُمَّ رَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا [(١٢)] فَأَقَامَ بِهَا بَقِيَّةَ صَفَرٍ وَصَدْرًا مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ وَبَعَثَ فِي مُقَامِهِ ذَلِكَ عُبَيْدَةَ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ الْمُطَّلِبِ فِي سِتِّينَ رَاكِبًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ لَيْسَ فِيهِمْ مِنَ الْأَنْصَارِ أَحَدٌ، وَكَانَ أول لواء عقده رسول الله ﷺ، وَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي
_________________
(١) [(١٠)] حَدِيثِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ في الدرر لابن عبد البر (٩٦)، وسيرة ابن هشام (٢: ٢٢٤)، والبداية والنهاية (٣: ٢٤٣) . [(١١)] (ودّان): قرية جامعة بين مكة والمدينة من نواحي الضرع، بينها وبين هرشي ستة أميال، وبينها وبين الأبواء نحو من ثمانية أميال، قريبة من الجحفة. [(١٢)] (لم يلق كيدا) أي: لم يلق حربا، ولم يخرج لقتاله أحد.
[ ٣ / ١٠ ]
مُقَامِهِ هَذَا: حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إِلَى سِيفِ الْبَحْرِ مِنْ نَاحِيَةِ الْعِيصِ [(١٣)] فِي ثَلَاثِينَ رَاكِبًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ لَيْسَ فِيهِمْ مِنَ الْأَنْصَارِ أَحَدٌ، فَالْتَقَى عُبَيْدَةُ وَالْمُشْرِكُونَ فِي ثَنِيَّةِ الْمِرَّةِ عَلَى مَاءٍ يُقَالُ لَهُ: أَحْيَاءٌ، وَكَانَتْ بَيْنَهُمُ الرِّمَايَةُ، وَعَلَى الْمُشْرِكِينَ: أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، وَكَانَ أَوَّلُ مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ: سَعْدَ بْنَ مَالِكٍ، قَالَ: ثُمَّ انْحَازَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ فَانْحَازَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ وَعُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ.
قَالَ: وَخَرَجَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فِي ثَلَاثِينَ رَاكِبًا إِلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ فَلَقِيَهُمْ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ فِي ثَلَاثِمِائَةِ رَاكِبٍ، فَحَجَزَ بَيْنَهُمْ مَجْدِيُّ بْنُ عَمْرٍو الْجُهَنِيُّ وَكَانَ حَلِيفًا لِلْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا، فَرَجَعَ حَمْزَةُ وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ، فَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي رَايَةِ عُبَيْدَةَ وَحَمْزَةَ، فَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: كَانَتْ رَايَةُ حَمْزَةَ قَبْلَ رَايَةِ عُبَيْدَةَ، وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ رَايَةُ عُبَيْدَةَ قَبْلَ رَايَةِ حَمْزَةَ، وذَلِكَ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ شَيَّعَهُمَا جَمِيعًا مَعًا فَأَشْكَلَ [(١٤)] ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ [(١٥)] .
قَالَ: ثُمَّ غَزَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ يُرِيدُ قُرَيْشًا حَتَّى بَلَغَ بُوَاطَ [(١٦)] مِنْ نَاحِيَةِ رَضْوَى [(١٧)] ثُمَّ رَجَعَ وَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا، فَلَبِثَ بِهَا بَقِيَّةَ شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخِرِ وَبَعْضَ جُمَادَى الْأُولَى، ثُمَّ غَزَا يُرِيدُ قُرَيْشًا فَسَلَكَ رَسُولُ الله ﷺ عَلَى نَقْبِ بَنِي دِينَارِ بْنِ النَّجَّارِ حَتَّى نَزَلَ الْعُشَيْرَةَ مِنْ بَطْنِ يَنْبُعَ فَأَقَامَ بِهَا بَقِيَّةَ جمادي
_________________
(١) [(١٣)] (العيص) هنا موضع من ناحية ذي المروة على ساحل البحر بطريق قريش التي كانوا يأخذون منها إلى الشام، وأصل العيص: منبت الشجر. [(١٤)] في سيرة ابن هشام: «فَشُبِّهَ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ» . [(١٥)] الخبر في سيرة ابن هشام (٢: ٢٢٨- ٢٣٠) . [(١٦)] (بواط) جبل من جبال جهينة بقرب ينبع. [(١٧)] (رضوى) جبل على بعد يوم من ينبع، وأربعة أيام من المدينة ذو شعاب وأودية، وبه مياه وأشجار.
[ ٣ / ١١ ]
الْأُولَى وَلَيَالِيَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَوَادَعَ فِيهَا بَنِي مُدْلِجٍ وَحُلَفَاءَهُمْ مِنْ بَنِي ضَمْرَةَ» [(١٨)] .
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خَيْثَمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُوكَ مُحَمَّدُ بْنُ خَيْثَمٍ الْمُحَارِبِيُّ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، قَالَ: «كُنْتُ أَنَا وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَفِيقَيْنِ فِي غَزْوَةِ الْعُشَيْرَةِ مِنْ بَطْنِ يَنْبُعَ، فَلَمَّا نَزَلَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَقَامَ بِهَا شَهْرًا، فَصَالَحَ بِهَا بَنِي مُدْلِجٍ وَحُلَفَاءَهُمْ مِنْ بَنِي ضَمْرَةَ، فَوَادَعَهُمْ، فَقَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: هَلْ لَكَ يَا أَبَا الْيَقْظَانِ أَنْ نَأْتِيَ هَؤُلَاءِ- نَفَرٌ مِنْ بَنِي مُدْلِجٍ يَعْمَلُونَ فِي عَيْنٍ لَهُمْ- نَنْظُرَ كَيْفَ يَعْمَلُونَ؟ فَأَتَيْنَاهُمْ، فَنَظَرْنَا إِلَيْهِمْ سَاعَةً، ثُمَّ غَشِيَنَا النَّوْمُ، فَعَمَدْنَا إِلَى صَوْرٍ [(١٩)] مِنَ النَّخْلِ فِي دَقْعَاءَ [(٢٠)] مِنَ الأرض فنمنا فيه فو الله مَا أَهَبَّنَا [(٢١)] إِلَّا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِقَدَمِهِ، فَجَلَسْنَا وَقَدْ تَتَرَّبْنَا مِنْ تِلْكَ الدَّقْعَاءِ، فَيَوْمَئِذٍ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِعَلِيٍّ: يَا أَبَا تُرَابٍ- لِمَا عَلَيْهِ مِنَ التُّرَابِ-[(٢٢)]، فَأَخْبَرْنَاهُ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرِنَا، فَقَالَ: ألا
_________________
(١) [(١٨)] سيرة ابن هشام (٢: ٢٣٣- ٢٣٤) . [(١٩)] (الصور): النخل الصغار. [(٢٠)] (دقعاء) التربة اللينة. [(٢١)] (أهبّنا): أيقظنا. [(٢٢)] أخرج البخاري في كتاب الصلاة، باب نوم الرجال في المسجد- عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قال: جَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْتُ فاطمة، فلم يجد عليا في البيت. فقال: «أين ابن عمّك»؟ قالت: كان بيني وبينه شيء فغاضبني، فخرج فلم يقل عندي. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لإنسان: «انظر أين هو»؟ فجاء فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! هو في المسجد راقد. فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَهُوَ مضطجع قد سقط رداؤه عن شقّه وأصابه تراب. فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يمسحه عنه ويقول: «قم. أبا تراب! قم. أبا تراب!» . وأخرج البخاري أيضا في كتاب فضائل أصحاب النبي ﷺ، باب مناقب علي بن أبي طالب.
[ ٣ / ١٢ ]
أُخْبِرُكُمْ بِأَشْقَى النَّاسِ رَجُلَيْنِ؟ قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ أُحَيْمِرُ [(٢٣)] ثَمُودَ الَّذِي عَقَرَ النَّاقَةَ، وَالَّذِي يَضْرِبُكَ يَا عَلِيُّ عَلَى هَذِهِ، وَوَضَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ، حَتَّى يَبُلَّ مِنْهَا هَذِهِ، وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى لِحْيَتِهِ [(٢٤)] .
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: ثُمَّ لَمْ يَقُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ حِينَ رَجَعَ مِنَ الْعُشَيْرَةِ كَمَّلَ عَشْرَ لَيَالٍ، حَتَّى أَغَارَ كُرْزُ بْنُ جَابِرٍ الْفِهْرِيُّ [(٢٥)] عَلَى سَرْحِ الْمَدِينَةِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي طَلَبِهِ، حَتَّى بَلَغَ وَادِيًا يُقَالُ لَهُ سَفَوَانُ مِنْ نَاحِيَةِ بَدْرٍ، وَهِيَ غَزْوَةُ بَدْرٍ الْأُولَى، وَفَاتَهُ كُرْزٌ، فَلَمْ يُدْرِكْهُ، فَرَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَقَامَ، جُمَادَى [(٢٦)] وَرَجَبًا وَشَعْبَانَ، وَقَدْ كَانَ بَعَثَ بَيْنَ ذَلِكَ سَعْدًا فِي ثَمَانِيَةِ رهط فرجع
_________________
(١) [()] القرشي الهاشمي- عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قال: إن كانت أحب أسماء علي ﵁ إليه لأبو تراب، وإن كان ليفرح أن يدعى بها. وما سمّاه أبو تراب إِلَّا النَّبِيَّ ﷺ. غاضب يوما فاطمة: فخرج فاضطجع إلى الجدار في المسجد. فجاءه النبي ﷺ يتبعه. فقال هو ذا مضطجع في الجدار. فجاءه النبي ﷺ وامتلأ ظهره ترابا. فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يمسح التراب عن ظهره ويقول «اجلس. يا أبا تراب!» . وأخرج البخاري في كتاب الأدب، باب التكنّي بأبي تراب، وإن كانت له كنية أخرى: عَنْ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلًا جاء إلى سعد بن سهل فقال: هذا فلان، لأمير المدينة، يدعو عليّا عند المنبر. قال: فيقول ماذا؟ قال: يقول له أبو تراب. فضحك وقال: والله! ما سمّاه إِلَّا النَّبِيَّ ﷺ، وَمَا كَانَ له اسم أحبّ إليه منه. فاستطعمت الحديث سهلا وقلت: يا أبا عباس! كيف؟ قال: دخل علي على فاطمة ثم خرج فاضطجع في المسجد. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ (أين ابن عمك)؟ قالت: في المسجد. فخرج إليه فوجد رداءه قد سقط عن ظهره، وخلص التراب إلى ظهره، فجعل يمسح التراب عن ظهره فيقول «اجلس يا أبا تراب!» مرّتين. [(٢٣)] في (هـ): «أحيم» . [(٢٤)] سيرة ابن هشام (٢: ٢٣٦- ٢٣٧) . [(٢٥)] كان من رؤساء المشركين قبل أن يسلم، ثم أسلم- بعد- ذلك واستشهد في غزوة الفتح. [(٢٦)] جمادي الآخرة كما في السيرة لابن هشام.
[ ٣ / ١٣ ]
وَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا» [(٢٧)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ: عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُجَالِدٌ عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، قَالَ: «لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ بَعَثَنَا فِي رَكْبٍ وَلَا نَكُونُ مِائَةً وَأَمَرَنَا أَنْ نُغِيرَ عَلَى حَيٍّ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ أَوْ جُهَيْنَةَ، فَأَغَرْنَا عَلَيْهِمْ وَكَانُوا كَثِيرًا، فَلَجَأْنَا إِلَى جُهَيْنَةَ فَسَرَيْنَا، وَقَالُوا لِمَ تُقَاتِلُونَا فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، فَقُلْنَا: إِنَّمَا نُقَاتِلُ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ مَنْ أَخْرَجَنَا مِنَ الْبَلَدِ الْحَرَامِ، وكان الفيء إذا ذَاكَ أَنَّ مَنْ أَخَذَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ، فَقَالَ بعضنا: نأتي غير قُرَيْشٍ هَذِهِ فَنَقْتَطِعُهَا، وَقَالَ قَوْمٌ: لَا، بَلْ نُقِيمُ مَكَانَنَا.
قَالَ: وَكُنْتُ أَنَا فِي أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِي،
فَقُلْنَا: نَأْتِي النَّبِيَّ ﷺ فَنُخْبِرُهُ، فَانْطَلَقْنَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَامَ غَضْبَانَ مُحْمَرَّ الْوَجْهِ، فَقَالَ: ذَهَبْتُمْ مِنْ عِنْدِي جَمِيعًا، وَجِئْتُمْ مُتَفَرِّقِينَ إِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْفُرْقَةُ، وَلَأَبْعَثَنَّ عَلَيْكُمْ رَجُلًا لَيْسَ بِأَخْيَرِكُمْ: أَصْبَرُكُمْ عَلَى الْجُوعِ وَالْعَطَشِ، فَبَعَثَ عَلَيْنَا عَبْدَ اللهِ بْنَ جَحْشٍ [(٢٨)]، وَكَانَ أَوَّلَ أَمِيرٍ أَمَّرَهُ فِي الإسلام» .
_________________
(١) [(٢٧)] الخبر في السيرة لابن هشام (٢: ٢٣٨) . [(٢٨)] عَبْدِ اللهِ بْنِ جَحْشِ بن رئاب بن يعمر الأسدي، أحد السابقين، هاجر إلى الحبشة، وإلى المدينة، وآخى النبي ﷺ بينه وبين عاصم بن ثابت، أَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ على أول سرية في الإسلام، وشهد بدرا، وكان من أعظم أبطال غزوة أحد، واستشهد فيها على يد أبي الحكم بن الأخنس بن شريق الذي قتل كافرا قبل انتهائها، وكان عبد الله من جملة الشهداء الذين مثّل بهم المشركون ونساؤهم، ومن حديثه أنه دعا قبل الغزوة، فقال: اللهم ارزقني غدا رجلا شديدا بأسه فيقتلني، ثم يأخذني، فيجدع أنفي، وأذني، فإذا لقيتك قلت: يا عبد الله! فيم جدع أنفك وأذنك؟ فأقول: فيك وفي رسولك، فتقول: صدقت وهو ابن أُمَيْمَةُ بِنْتِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ.. ودفن هو وحمزة في قبر واحد، وكان له يوم قتل نيف وأربعون سنة.
[ ٣ / ١٤ ]
وَأَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَرَجُ بْنُ عُبَيْدٍ الْأَزْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُجَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ، عَنْ قُطْبَةَ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، قَالَ: «لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَاهُ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الْفَيْءَ، وَقَالَ: فَرَجَعَ أُنَاسٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَقَمْتُ أَنَا فِي أُنَاسٍ مِنَّا لِنَتَقَبَّضَ عِيرَ قُرَيْشٍ»، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ [(٢٩)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْأَصْبَهَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْجَهْمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَرَجِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْوَاقِدِيُّ، قَالَ: «أَوَّلُ لِوَاءٍ عَقَدَهُ رسول الله ﷺ لِحَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ﵁-[(٣٠)] فِي شَهْرِ رَمَضَانَ عَلَى رَأْسِ سَبْعَةِ أَشْهُرٍ مِنْ مُهَاجَرِهِ يَعْتَرِضُ لِعِيرٍ مِنْ قُرَيْشٍ [(٣١)] .
قَالَ: وَبَعَثَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ وَأَبَا رَافِعٍ إِلَى مَكَّةَ لِيَنْقُلَا سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ زَوْجَتَهُ وَبَنَاتِهِ، وَذَلِكَ فِي السَّنَةِ الْأُولَى مِنَ الْهِجْرَةِ.
وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ: أَنَّ اللِّوَاءَ الَّذِي عَقَدَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ كَانَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ لَتِسْعَةِ أَشْهُرٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَذَكَرَ أَنَّ رسول الله ﷺ غَزَا فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ فِي ثَمَانِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى رَضْوَى يُرِيدُ عِيرَاتِ قريش
_________________
(١) [()] وقال شاعر العروبة والإسلام: أحمد محرم في ديوانه مجد الإسلام يشيد ببطولته وصبره من قصيدة مطلعها: أبشر، فذلك ما سألت قضاه* رب هداك، فكنت عند هداه آثرته ورضيت بين عباده* من صالح الأعمال ما يرضاه [(٢٩)] سيرة ابن هشام (٢: ٢٤٠) . [(٣٠)] الزيادة من مغازي الواقدي. [(٣١)] مغازي الواقدي (١: ٢) .
[ ٣ / ١٥ ]
الَّتِي كَانَ يَحْمِلُهَا أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ، وَكَانَ حَامِلُ لِوَاءِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ: سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ الزُّهْرِيَّ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَلَمْ يَلْقَ حَرْبًا.
وَذُكِرَ أَنَّ رسول الله ﷺ غَزَا بَدْرًا الْأُولَى فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَكَانَ سَرْحُ الْمَدِينَةِ بِالْحِمَى، فَاسْتَاقَهُ كُرْزُ بْنُ جَابِرٍ الْفِهْرِيُّ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي أَثَرِهِ فِي الْمُهَاجِرِينَ، وَكَانَ حَامِلُ لِوَائِهِ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ، وَطَلَبَهُ رسول الله ﷺ حَتَّى بَلَغَ بَدْرًا، فَلَمْ يَلْحَقْهُ، فَلَمَّا فَاتَهُ كُرْزٌ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَسُمِّيَتْ هَذِهِ الْغَزَاةُ: بَدْرًا الْأُولَى.
وَذُكِرَ أَنَّ رسول الله ﷺ خَرَجَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ إِلَى الْعُشَيْرَةِ فِي الْمُهَاجِرِينَ، فَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الْأَسَدِ وَكَانَ يَحْمِلُ لِوَاءَهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، حَتَّى بَلَغَ بَطْنَ يَنْبُعَ، فَوَادَعَ بِهَا بَنِي مُدْلِجٍ، وَحُلَفَاءَهُمْ مِنْ بَنِي ضمرة ثم رجع» [(٣٢)] .
_________________
(١) [(٣٢)] مقتطفات من مغازي الواقدي (١: ٢- ٣) .
[ ٣ / ١٦ ]
بَابُ سَرِيَّةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَحْشٍ ﵁ [(١)]
أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي عَمْرٍو الصَّيْرَفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا [(٢)] أَبُو مُحَمَّدٍ أَحْمَدُ ابن عَبْدِ اللهِ الْمُزَنِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ «أَنَّ رسول الله ﷺ بَعَثَ سَرِيَّةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللهِ ابن جَحْشٍ الْأَسَدِيَّ، فَانْطَلَقُوا حَتَّى هَبَطُوا نَخْلَةَ فَوَجَدُوا بِهَا عَمْرَو بْنَ الْحَضْرَمِيِّ فِي عِيرِ تِجَارَةٍ لِقُرَيْشٍ فِي يَوْمٍ بَقِيَ مِنَ الشَّهْرِ الْحَرَامِ، فَاخْتَصَمَ الْمُسْلِمُونَ فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: هَذِهِ غِرَّةٌ مِنْ عَدُوٍّ، وَغُنْمٌ رُزِقْتُمُوهُ، وَلَا نَدْرِي أَمِنَ الشَّهْرِ الْحَرَامِ هَذَا الْيَوْمُ أَمْ لَا، وَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: لَا نَعْلَمُ الْيَوْمَ إِلَّا مِنَ الشَّهْرِ الْحَرَامِ وَلَا نَرَى أَنْ تَسْتَحِلُّوهُ لِطَمَعٍ أَشْفَيْتُمْ عَلَيْهِ، فَغَلَبَ عَلَى الْأَمْرِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا، فَشَدُّوا عَلَى ابْنِ الْحَضْرَمِيِّ فَقَتَلُوهُ، وَغَنِمُوا عِيرَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ كُفَّارَ قُرَيْشٍ، وَكَانَ ابْنُ الْحَضْرَمِيِّ أَوَّلَ قَتِيلٍ قُتِلَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ، فَرَكِبَ وَفْدُ كُفَّارِ قُرَيْشٍ حَتَّى قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ، فَقَالُوا: أَتُحِلُّ القتال في الشهر الحرام؟
_________________
(١) [(١)] ذكرت مفصلة في طبقات ابن سعد (٢: ١٠)، وتاريخ الطبري (٢: ٤١٠)، ومغازي الواقدي (١: ١٣- ١٩)، وسيرة ابن هشام (٢: ٢٣٨- ٢٣٩)، والدرر (٩٩) لابن عبد البر، والبداية والنهاية (٣: ٢٤٨)، والنويري (١٧: ٦) . [(٢)] في (ح) حدثنا، وأثبت ما في (ص)، وكذا في سائر الخبر.
[ ٣ / ١٧ ]
فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ، قُلْ: قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ، وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [(٣)] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ.
فَحَدَّثَهُمُ اللهُ فِي كِتَابِهِ: أَنَّ الْقِتَالَ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ حَرَامٌ كَمَا كَانَ، وَإِنَّ الَّذِي يَسْتَحِلُّونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ هُوَ أَكْبَرُ مِنْ ذَلِكَ: مِنْ صَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ حِينَ يَسْجُنُونَهُمْ وَيُعَذِّبُونَهُمْ وَيَحْبِسُونَهُمْ أَنْ يُهَاجِرُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكُفْرِهِمْ بِاللهِ، وَصَدِّهِمُ الْمُسْلِمِينَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَالصَّلَاةِ فِيهِ، وَإِخْرَاجِهِمْ أَهْلَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَهُمْ سُكَّانُهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَفِتْنَتِهِمْ إِيَّاهُمْ عَنِ الدِّينِ.
فَبَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَقَلَ ابْنَ الْحَضْرَمِيِّ وَحَرَّمَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ كَمَا كَانَ يُحَرِّمُهُ، حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ ﷿ بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [(٤)] .
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو سعيد بن أَبِي عَمْرٍو قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَبْدَ اللهِ بْنَ جَحْشٍ إِلَى نَخْلَةَ فَقَالَ لَهُ: كُنْ بِهَا حَتَّى تَأْتِيَنَا بِخَبَرٍ مِنْ أَخْبَارِ قُرَيْشٍ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِقِتَالٍ، وَذَلِكَ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، وَكَتَبَ لَهُ كِتَابًا قَبْلَ أَنْ يُعْلِمَهُ أَيْنَ يَسِيرُ، فَقَالَ: اخْرُجْ أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ، حَتَّى إِذَا سِرْتَ يَوْمَيْنِ، فَافْتَحْ كِتَابَكَ وَانْظُرْ فِيهِ فَمَا أَمَرْتُكَ بِهِ فَامْضِ لَهُ، وَلَا تَسْتَكْرِهَنَّ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِكَ عَلَى الذَّهَابِ مَعَكَ، فَلَمَّا سَارَ يَوْمَيْنِ فَتَحَ الْكِتَابَ فَإِذَا فِيهِ:
أَنِ امْضِ حَتَّى تَنْزِلَ نَخْلَةَ [بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ] [(٥)]، فَتَأْتِيَنَا مِنْ أَخْبَارِ قُرَيْشٍ بِمَا
_________________
(١) [(٣)] الآية الكريمة (٢١٧) من سورة البقرة. [(٤)] أول سورة التوبة. [(٥)] الزيادة من سيرة ابن هشام.
[ ٣ / ١٨ ]
اتَّصَلَ إِلَيْكَ مِنْهُمْ،
فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ حِينَ قَرَأَ الْكِتَابَ قَالَ: سَمْعًا وَطَاعَةً، مَنْ كَانَ مِنْكُمْ لَهُ رَغْبَةٌ فِي الشَّهَادَةِ فَلْيَنْطَلِقْ مَعِي فَإِنِّي مَاضٍ لِأَمْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَمَنْ كَرِهَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَلْيَرْجِعْ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ نَهَانِي أَنْ أَسْتَكْرِهَ مِنْكُمْ أَحَدًا، فَمَضَى مَعَهُ الْقَوْمُ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبَحْرَانَ أَضَلَّ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ بَعِيرًا لَهُمَا كَانَا يَعْتَقِبَانِهِ، فَتَخَلَّفَا عَلَيْهِ يَطْلُبَانِهِ، وَمَضَى الْقَوْمُ حَتَّى نَزَلُوا نَخْلَةَ، فَمَرَّ بِهِمْ عَمْرُو بْنُ الْحَضْرَمِيِّ، وَالْحَكَمُ بْنُ كَيْسَانَ، وَعُثْمَانُ وَالْمُغِيرَةُ ابْنَا عَبْدِ اللهِ، مَعَهُمْ تِجَارَةٌ قَدِمُوا بِهَا مِنَ الطَّائِفِ، أَدَمٌ، وَزَبِيبٌ، فَلَمَّا رَآهُمُ الْقَوْمُ أَشْرَفَ لَهُمْ وَاقِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ [(٦)]، وَكَانَ قَدْ حَلَقَ رَأْسَهُ، فَلَمَّا رَأَوْهُ حَلِيقًا قَالُوا عُمَّارٌ لَيْسَ عَلَيْكُمْ مِنْهُمْ بَأْسٌ، وَائْتَمَرَ الْقَوْمُ بِهِمْ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَهُوَ آخِرُ يَوْمٍ مِنْ رَجَبٍ، فَقَالُوا: لَئِنْ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَتَقْتُلُونَهُمْ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، وَلَئِنْ تَرَكْتُمُوهُمْ لَيَدْخُلُنَّ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ مَكَّةَ الْحَرَمَ فَلَيَمْتَنِعُنَّ مِنْكُمْ، فَأَجْمَعَ الْقَوْمُ عَلَى قَتْلِهِمْ، فَرَمَى وَاقِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ التَّمِيمِيُّ عَمْرَو بْنَ الْحَضْرَمِيِّ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ، وَاسْتَأْسَرَ عُثْمَانَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، وَالْحَكَمَ بْنَ كَيْسَانَ وَهَرَبَ الْمُغِيرَةُ، فَأَعْجَزَهُمْ، وَاسْتَاقُوا الْعِيرَ،
فَقَدِمُوا بِهَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ لَهُمْ: وَاللهِ مَا أَمَرْتُكُمْ بِقِتَالٍ [(٧)] فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ،
فَأَوْقَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْأَسِيرَيْنِ وَالْعِيرَ فَلَمْ يَأْخُذْ مِنْهَا شَيْئًا، فَلَمَّا قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَا قَالَ، أُسْقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ، وَظَنُّوا أَنْ قَدْ هَلَكُوا، وَعَنَّفَهُمْ إِخْوَانُهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَقَالَتْ قُرَيْشٌ حِينَ بَلَغَهُمْ أَمْرُ هَؤُلَاءِ:
قَدْ سَفَكَ مُحَمَّدٌ الدَّمَ الْحَرَامَ، وَأَخَذَ فِيهِ الْمَالَ، وَأَسَرَ فِيهِ الرِّجَالَ وَاسْتَحَلَّ الشَّهْرَ الْحَرَامَ، فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿ في ذلك: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ، وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ [(٨)] .
_________________
(١) [(٦)] في سيرة ابن هشام: «أشرف عليهم عكّاشة بن محصن» . [(٧)] في (ص) و(هـ): «بالقتال» . [(٨)] [٢١٧- البقرة] .
[ ٣ / ١٩ ]
يَقُولُ: الْكُفْرُ بِاللهِ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ، فَلَمَّا نَزَلَ ذَلِكَ أَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْعِيرَ وَفَدَى الْأَسِيرَيْنِ، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَتَطْمَعُ لَنَا أَنْ تَكُونَ غَزْوَةً، فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿ فِيهَا إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ [(٩)] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ.
وَكَانُوا ثَمَانِيَةً وَأَمِيرُهُمُ التَّاسِعُ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَحْشِ» [(١٠)] .
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ بِبَغْدَادَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَتَّابٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ عَمِّهِ [(١١)] مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ (ح) .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ الشَّعْرَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَدِّي، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ فُلَيْحٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ، فَذَكَرَ قِصَّةَ عَبْدِ اللهِ
_________________
(١) [(٩)] الآية الكريمة (٢١٨) من سورة البقرة. [(١٠)] الخبر في سيرة ابن هشام (٢: ٢٣٩- ٢٤٣)، وعدهم: ثمانية سوى أميرهم: عَبْدِ اللهِ بْنِ جَحْشِ﵃- ١- أَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ بن ربيعة بن عبد شمس.
(٢) عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنِ بْنِ حرثان.
(٣) عتبة بن غزوان بن جابر.
(٤) سعد بن أبي وقاص.
(٥) عامر بن ربيعة.
(٦) وَاقِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بن عبد مناف.
(٧) خالد بن البكير.
(٨) سهيل بن بيضاء. [(١١)] ليست في (ص)، ولا في (هـ) .
[ ٣ / ٢٠ ]
ابن جَحْشٍ بِمَعْنَى مَا مَضَى إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: «فَتَخَلَّفَ رَجُلَانِ وَلَمْ يَذْكُرْ إِضْلَالَ الْبَعِيرِ، وَذَكَرَ أَنَّ عُكَّاشَةَ بْنَ مِحْصَنٍ حَلَقَ رَأْسَهُ، ثُمَّ أَوْفَى عَلَى رَجُلٍ [(١٢)]، إِلَّا أَنَّهُ ذَكَرَ الرَّمْيَ لِوَاقِدٍ، قَالَ: وَذَلِكَ فِي رَجَبٍ قَبْلَ بَدْرٍ بِشَهْرَيْنِ، وَهِيَ هَاجَتْ بَيْنَهُمُ الْقِتَالَ، وَحَرَّشَتْ بَيْنَ النَّاسِ.
قَالَ فِي سِيَاقِ الْقِصَّةِ:
فَأَرْسَلَتْ قُرَيْشٌ لِيُفَادُوا الْأَسِيرَيْنِ فَأَبَى رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَقَالَ: أَخَافُ أَنْ تَكُونُوا قَدْ أَصَبْتُمْ سَعْدَ بْنَ مَالِكٍ، وَعُتْبَةَ بْنَ غَزْوَانَ، فَلَمْ يُفَادِهِمَا حَتَّى قَدِمَ سَعْدٌ وَعُتْبَةُ، فَفُودِيَا،
فَأَسْلَمَ الْحَكَمُ بْنُ كَيْسَانَ، وَأَقَامَ عِنْدَ رَسُولِ الله ﷺ، وَرَجَعَ عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، كَافِرًا، قَالَ فِيهِ وَقَالَتِ الْيَهُودُ عِنْدَ ذَلِكَ وَاقِدٌ وَقَدْتَ الْحَرْبَ، وَعَمْرٌو عَمَرَتِ الْحَرْبَ، وَالْحَضْرَمِيُّ حَضَرَتِ الْحَرْبَ، فَكَانَ ذَلِكَ كَمَا قَالُوا وَكَانَ لَهُمْ فِيمَا تَفَاءَلُوا [(١٣)] مِنْ ذَلِكَ وَأَحَبُّوا مَا يسوءهم» .
_________________
(١) [(١٢)] في (ص) و(هـ): «على جبل» . [(١٣)] في (ص): «تقاولوا» .
[ ٣ / ٢١ ]
جُمَّاعُ أَبْوَابِ غَزْوَةِ بَدْرٍ الْعُظْمَى
[ ٣ / ٢٣ ]
بَابُ ذِكْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَنْ قُتِلَ بِبَدْرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَمَا فِي ذَلِكَ مِنْ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ وأَبُو مُحَمَّدٍ جَنَاحُ بْنُ نَذِيرِ بْنِ جَنَاحٍ الْقَاضِي بِالْكُوفَةِ قَالَا: أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دُحَيْمٍ الشَّيْبَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمِ بْنِ أَبِي عزرة [(١)]، قَالَ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: «انْطَلَقَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ مُعْتَمِرًا، فَنَزَلَ عَلَى أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفِ بْنِ صَفْوَانَ، وَكَانَ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ إِذَا انْطَلَقَ إِلَى الشَّامِ فَمَرَّ بِالْمَدِينَةِ نَزَلَ عَلَى سَعْدٍ، فَقَالَ أُمَيَّةُ لِسَعْدٍ: انْتَظِرْ حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ النَّهَارُ، وَغَفَلَ النَّاسُ، انْطَلَقْتَ فَطُفْتَ، قَالَ: فَبَيْنَمَا سَعْدٌ يَطُوفُ إِذْ أَتَاهُ أَبُو جَهْلٍ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا الَّذِي يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ؟ فَقَالَ سَعْدٌ: أَنَا سَعْدٌ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: أَتَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ آمِنًا، وَقَدْ آوَيْتُمْ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ؟ [قَالَ: نَعَمْ] [(٢)] قَالَ: فَتَلَاحَيَا، [بَيْنَهُمَا] [(٣)] قَالَ: فَقَالَ أُمَيَّةُ لِسَعْدٍ: لَا تَرْفَعْ صَوْتَكَ عَلَى أَبِي الْحَكَمِ فَإِنَّهُ سَيِّدُ أَهْلِ الْوَادِي، قَالَ: فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ: وَاللهِ لَئِنْ مَنَعْتَنِي أَنْ أَطُوفَ بِالْبَيْتِ لَأَقْطَعَنَّ عَلَيْكَ متجرك بالشام،
_________________
(١) [(١)] في (ص): «غرزة»، وهو تصحيف. [(٢)] الزيادة من صحيح البخاري. [(٣)] الزيادة من الصحيح، وتلاحيا: تعاتبا.
[ ٣ / ٢٥ ]
قَالَ: فَجَعَلَ أُمَيَّةُ يَقُولُ لِسَعْدٍ: لَا تَرْفَعْ صَوْتَكَ، وَجَعَلَ يُسَكِّتُهُ [(٤)]، فَغَضِبَ سَعْدٌ، فَقَالَ: دَعْنَا مِنْكَ فَإِنِّي سَمِعْتُ مُحَمَّدًا ﷺ يَزْعُمُ أَنَّهُ قَاتِلُكَ. قَالَ:
إِيَّايَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: وَاللهِ مَا يَكْذِبُ مُحَمَّدٌ. فَكَادَ أَنْ يُحْدِثَ، فَرَجَعَ إِلَى امْرَأَتِهِ، فَقَالَ: مَا تَعْلَمِينَ مَا قَالَ أَخِي الْيَثْرِبِيُّ، قَالَتْ: وَمَا قَالَ؟ قَالَ: زَعَمَ أَنَّهُ سَمِعَ مُحَمَّدًا يَزْعُمُ إنه قاتلي، قالت: فو الله مَا يَكْذِبُ مُحَمَّدٌ.
فَلَمَّا خَرَجُوا لَبَدْرٍ، وَجَاءَ الصَّرِيخُ قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: أَمَا عَلِمْتَ مَا قَالَ لَكَ أَخُوكَ الْيَثْرِبِيُّ؟ قَالَ: فَإِنِّي إِذًا لَا أَخْرُجُ، فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: إِنَّكَ مِنْ أَشْرَافِ أَهْلِ الْوَادِي فَسِرْ مَعَنَا يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ، فَسَارَ مَعَهُمْ فَقُتِلَ» .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مُوسَى [(٥)] .
وأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو أَحْمَدَ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْخَثْعَمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ الْأَوْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُرَيْحُ بْنُ مَسْلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ، يُحَدِّثُ عَنْ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ: «أَنَّهُ كَانَ صَدِيقًا لِأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ فَكَانَ أُمَيَّةُ إِذَا مَرَّ بِالْمَدِينَةِ نَزَلَ عَلَى سَعْدٍ، وَكَانَ سَعْدٌ إِذَا مَرَّ بِمَكَّةَ نَزَلَ عَلَى أُمَيَّةَ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ انْطَلَقَ سَعْدٌ مُعْتَمِرًا، فَنَزَلَ عَلَى أُمَيَّةَ بِمَكَّةَ، فَقَالَ لِأُمَيَّةَ: انْظُرْ لِي سَاعَةَ خَلْوَةٍ لَعَلِّي أَنْ أَطُوفَ بِالْبَيْتِ، قَالَ:
فَخَرَجَ بِهِ قَرِيبًا مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ، قَالَ: فَلَقِيَهُمَا أَبُو جَهْلٍ، فَقَالَ: يَا أَبَا صَفْوَانَ: مَنْ هَذَا مَعَكَ؟ قَالَ: هَذَا سَعْدٌ، فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: أَلَا أَرَاكَ تطوف
_________________
(١) [(٤)] كذا في الأصول، وفي الصحيح: «فجعل يمسكه» . [(٥)] الحديث، أخرجه البخاري في: ٦١- كتاب المناقب (٢٥) باب علامات النبوة في الإسلام، الحديث (٣٦٣٢)، فتح الباري (٦: ٦٢٩)، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ، وأعاده في: ٦٤- كتاب المغازي وسيأتي في الحاشية التالية.
[ ٣ / ٢٦ ]
بِمَكَّةَ آمِنًا، وَقَدْ آوَيْتُمُ الصُّبَاةَ، وَزَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ تَنْصُرُونَهُمْ وَتُعِينُونَهُمْ أَمَا وَاللهِ لَوْلَا أَنَّكَ مَعَ أَبِي صَفْوَانَ مَا رَجَعْتَ إِلَى أَهْلِكَ سَالِمًا. فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ وَرَفَعَ صَوْتَهُ عَلَيْهِ [أَمَا وَاللهِ] [(٦)] لَئِنْ مَنَعْتَنِي هَذَا لَأَمْنَعَنَّكَ مَا هُوَ أَشَدُّ عَلَيْكَ مِنْهُ طَرِيقَكَ عَلَى الْمَدِينَةِ، فَقَالَ لَهُ أُمَيَّةُ: لَا تَرْفَعْ صَوْتَكَ يَا سَعْدُ عَلَى أَبِي الْحَكَمِ سَيِّدِ أَهْلِ الْوَادِي، فَقَالَ سَعْدٌ: دَعْنَا مِنْكَ يَا أمية فو الله لَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ إِنَّهُ قَاتِلُكَ [(٧)]، قَالَ: بِمَكَّةَ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي.
فَفَزِعَ لِذَلِكَ أُمَيَّةُ فَزَعًا شَدِيدًا، فَلَمَّا رَجَعَ أُمَيَّةُ إِلَى أَهْلِهِ فَقَالَ: يَا أُمَّ صَفْوَانَ أَلَمْ تَرَيْ [(٨)] إِلَى مَا قَالَ لِي سَعْدٌ قَالَتْ: وَمَا قَالَ لَكَ؟ قَالَ: زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ قَاتِلِي. فَقُلْتُ لَهُ: بِمَكَّةَ؟ فَقَالَ: لَا أَدْرِي، فَقَالَ أُمَيَّةُ:
وَاللهِ لَا أَخْرُجُ مِنْ مَكَّةَ.
فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ اسْتَنْفَرَ أَبُو جَهْلٍ النَّاسَ، فَقَالَ: أَدْرِكُوا عِيرَكُمْ، قَالَ:
فَكَرِهَ أُمَيَّةُ أَنْ يَخْرُجَ، فَأَتَاهُ أَبُو جَهْلٍ، فَقَالَ: يَا أَبَا صَفْوَانَ إِنَّكَ مَتَى يَرَاكَ النَّاسُ قَدْ تَخَلَّفْتَ وَأَنْتَ سَيِّدُ أَهْلِ الْوَادِي تَخَلَّفُوا مَعَكَ، فَلَمْ يَزَلْ أَبُو جَهْلٍ حَتَّى قَالَ:
إِذْ غَلَبْتَنِي فو الله لَأَشْتَرِيَنَّ أَجْوَدَ بَعِيرٍ بِمَكَّةَ، ثُمَّ قَالَ أُمَيَّةُ: يَا أُمَّ صَفْوَانَ جَهِّزِينِي، فَقَالَتْ لَهُ: يَا أَبَا صَفْوَانَ أَوَقَدْ نَسِيتَ مَا قَالَ لَكَ أَخُوكَ الْيَثْرِبِيُّ؟ قَالَ: لَا، وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَجُوزَ مَعَهُمْ إِلَا قَرِيبًا. قَالَ: فَلَمَّا خَرَجَ أُمَيَّةُ، قَالَ: أَخَذَ لَا يَنْزِلُ مَنْزِلًا إِلَّا عَقَلَ بَعِيرَهُ، فَلَمْ يَزَلْ بِذَلِكَ حَتَّى قَتَلَهُ اللهُ بِبَدْرٍ» .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ الأودي [(٩)] .
_________________
(١) [(٦)] الزيادة من صحيح البخاري. [(٧)] في الصحيح: «إنهم قاتلوك» . [(٨)] (ص): «ألم ترين» . [(٩)] أخرجه البخاري في: ٦٤- كتاب المغازي، (٢) باب ذكر النبي ﷺ من يقتل ببدر، الحديث (٣٩٥٠)، فتح الباري (٧: ٢٨٢) .
[ ٣ / ٢٧ ]
بَابُ ذِكْرِ سَبَبِ خُرُوجِ النَّبِيِّ ﷺ وَرُؤْيَا عَاتِكَةَ بِنْتِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فِي خُرُوجِ الْمُشْرِكِينَ وَمَا أَعَدَّ اللهُ ﷿ لِنَبِيِّهِ مِنَ النَّصْرِ فِي ذَلِكَ بِبَدْرٍ
قَالَ اللهُ ﷿: إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا، وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى، وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ، وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كانَ مَفْعُولًا: لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ، وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ، وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ (ح) .
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ عَمْرٍو الْعُكْبَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي شُعَيْبٍ الْحَرَّانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ رَاشِدٍ أَنَّ الزُّهْرِيَّ، حَدَّثَهُ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: وَهُوَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ تِيبَ عَلَيْهِمْ يُحَدِّثُ: «إِنَّهُ لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا قَطُّ غَيْرَ غَزْوَتَيْنِ: غَزْوَةِ الْعُسْرَةِ، وَغَزْوَةِ بَدْرٍ، قَالَ: وَلَمْ يُعَاتِبِ اللهُ أَحَدًا تَخَلَّفَ عَنْهَا، وإِنَّمَا خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَنْ خَرَجَ مِنْ أَصْحَابِهِ يُرِيدُونَ الْعِيرَ الَّتِي لِكُفَّارِ قُرَيْشٍ
[ ٣ / ٢٨ ]
الَّتِي قَدِمَ بِهَا أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَقَالَ عُقَيْلٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ: يُرِيدُ عِيرَ قُرَيْشٍ، حَتَّى جَمَعَ اللهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عَدُوِّهِمْ عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ مُحَمَّدٍ هُوَ ابْنُ يَحْيَى، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي شعيب [(١٠)]، وعَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ [(١١)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الله الْحَافِظُ، وأَبُو سَعِيدٍ: مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ الْفَضْلِ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْعُطَارِدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي حُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وحَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَا: «رَأَتْ عَاتِكَةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ قَبْلَ مَقْدَمِ ضَمْضَمِ بْنِ عَمْرٍو الْغِفَارِيِّ عَلَى قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ [(١٢)] بِثَلَاثِ لَيَالٍ، رُؤْيَا فَأَصْبَحَتْ عَاتِكَةُ فَأَعْظَمَتْهَا، فَبَعَثَتْ إِلَى أَخِيهَا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَتْ لَهُ: يَا أَخِي لَقَدْ رَأَيْتُ رُؤْيَا اللَّيْلَةَ لَيَدْخُلَنَّ عَلَى قَوْمِكَ مِنْهَا شَرٌّ وَبَلَاءٌ، فَقَالَ: وَمَا هِيَ؟ فَقَالَتْ: رَأَيْتُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ أَنَّ رَجُلًا أَقْبَلَ عَلَى بَعِيرٍ لَهُ، فَوَقَفَ بِالْأَبْطَحِ، فَقَالَ: انْفِرُوا يَا آلَ غُدَرٍ لِمَصَارِعِكُمْ فِي ثَلَاثٍ، فَأَذَّنَ النَّاسَ فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، ثُمَّ إِنَّ بَعِيرَهُ دَخَلَ بِهِ الْمَسْجِدَ وَاجْتَمَعَ النَّاسُ إِلَيْهِ، ثُمَّ مَثُلَ بِهِ بَعِيرُهُ فَإِذَا هُوَ عَلَى رَأْسِ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ: انْفِرُوا يَا آلَ غُدَرٍ لِمَصَارِعِكُمْ فِي ثَلَاثٍ، ثُمَّ أَرَى بَعِيرَهُ مَثُلَ بِهِ عَلَى رَأْسِ أَبِي قُبَيْسٍ،
_________________
(١) [(١٠)] عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي شعيب، أخرجه البخاري في: ٦٥- كتاب التفسير، (١٨) باب وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرض بما رحبت.. إلى آخر الآية، الحديث (٤٦٧٧)، فتح الباري (٨: ٣٤٢) . [(١١)] عَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ، أخرجه البخاري مطولا ومختصرا في كتاب الأحكام (باب) هل للإمام أن يمنع المجرمين، وأهل المعصية من الكلام معه والزيارة ونحوه؟، وللحديث طرق أخرى كثيرة استوفاها المزي في تحفة الأشراف (٨: ٣١١- ٣١٢) . [(١٢)] في (ص) و(هـ): «مكة»، وفي سيرة ابن هشام: «قبل قدوم ضمضم مكة بثلاث ليال» .
[ ٣ / ٢٩ ]
فَقَالَ: انْفِرُوا يَا آلَ غُدَرٍ لِمَصَارِعِكُمْ فِي ثَلَاثٍ، ثُمَّ أَخَذَ صَخْرَةً فَأَرْسَلَهَا مِنْ رَأْسِ الْجَبَلِ، فَأَقْبَلَتْ تَهْوِي حَتَّى إِذَا كَانَتْ فِي أَسْفَلِهِ ارْفَضَّتْ [(١٣)] فَمَا بَقِيَتْ دَارٌ مِنْ دُورِ قَوْمِكَ وَلَا بَيْتٌ إِلَّا دَخَلَ فِيهِ بَعْضُهَا، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: وَاللهِ إِنَّ هَذِهِ لَرُؤْيَا فَاكْتُمِيهَا، فَقَالَتْ: وَأَنْتَ فَاكْتُمْهَا لَئِنْ بَلَغَتْ هَذِهِ قُرَيْشًا لَيُؤْذُونَنَا، فَخَرَجَ الْعَبَّاسُ مِنْ عِنْدِهَا فَلَقِيَ الْوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ، وَكَانَ لَهُ صَدِيقًا فَذَكَرَ لَهُ وَاسْتَكْتَمَهُ إِيَّاهَا، فَذَكَرَهَا الْوَلِيدُ لِأَبِيهِ فَتَحَدَّثَ بِهَا، فَفَشَا الْحَدِيثُ فَقَالَ الْعَبَّاسُ: وَاللهِ إِنِّي لَغَادٍ إِلَى الْكَعْبَةِ لِأَطُوفَ بِهَا، فَدَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا أَبُو جَهْلٍ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ يَتَحَدَّثُونَ عَنْ رُؤْيَا عَاتِكَةَ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: يَا أَبَا الْفَضْلِ إِذَا فَرَغْتَ مِنْ طَوَافِكَ فَأْتِنَا، قَالَ: فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنْ طَوَافِي أَقْبَلْتُ حَتَّى جَلَسْتُ مَعَهُمْ. فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: يَا أَبَا الْفَضْلِ مَتَى حَدَثَتْ هَذِهِ النَّبِيَّةُ فِيكُمْ فَقُلْتُ وَمَا ذَاكَ؟ فَقَالَ مَا رُؤْيَا رَأَتْهَا عَاتِكَةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ أَمَا رَضِيتُمْ يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنْ تَتَنَبَّأَ رِجَالُكُمْ حَتَّى تَتَنَبَّأَ نِسَاؤُكُمْ، سَنَتَرَبَّصُ بِكُمْ هَذِهِ الثَّلَاثَ الَّتِي ذَكَرَتْ عَاتِكَةُ، فَإِنْ كَانَ حَقًّا فَسَيَكُونُ، وَإِلَّا كَتَبْنَا عَلَيْكُمْ كِتَابًا أَنَّكُمْ أَكْذَبُ أَهْلِ بَيْتٍ فِي العرب، فو الله مَا كَانَ إِلَيْهِ مِنِّي مِنْ كَبِيرٍ إِلَّا أَنِّي قَدْ أَنْكَرْتُ مَا قَالَتْ، وَقُلْتُ: مَا رَأَتْ شَيْئًا وَلَا سَمِعْتُ بِهَذَا، فَلَمَّا أَمْسَيْتُ لَمْ تَبْقَ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إِلَّا أَتَتْنِي، فَقُلْنَ: صَبَرْتُمْ لِهَذَا الْفَاسِقِ الْخَبِيثِ أَنْ يَقَعَ فِي رِجَالِكُمْ، ثُمَّ قَدْ تَنَاوَلَ النِّسَاءَ وَأَنْتَ تَسْمَعُ فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَكَ فِي ذَلِكَ غِيَرٌ، فَقُلْتُ: قَدْ وَاللهِ صَدَقْتُنَّ وَمَا كَانَ عِنْدِي فِي ذَلِكَ مِنْ غِيَرٍ إِلَّا أَنِّي قَدْ أَنْكَرْتُ مَا قَالَتْ، وَلَأَتَعَرَّضَنَّ لَهُ فَإِنْ عَادَ لَأَكْفِيَنَّهُ، فَغَدَوْتُ إِلَى الْيَوْمِ الثَّالِثِ أَتَعَرَّضُ لِيَقُولَ لِي شيئا فأشاتمه، فو الله إِنِّي لَمُقْبِلٌ نَحْوَهُ وَكَانَ رَجُلًا حَدِيدَ الْوَجْهِ، حَدِيدَ النَّظَرِ، حَدِيدَ اللِّسَانِ إِذْ وَلَّى نَحْوَ بَابِ الْمَسْجِدِ يَشْتَدُّ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي اللهُمَّ الْعَنْهُ. كُلُّ هَذَا فَرَقًا أَنْ أُشَاتِمَهُ وَإِذَا هُوَ قَدْ سَمِعَ مَا لَمْ أَسْمَعْ صَوْتَ ضَمْضَمِ بْنِ عَمْرٍو وَهُوَ وَاقِفٌ بَعِيرَهُ بِالْأَبْطَحِ قَدْ حُوِّلَ رحله وشق
_________________
(١) [(١٣)] (ارفضّت): «تفتتت» .
[ ٣ / ٣٠ ]
قَمِيصُهُ وَجُدِعَ بَعِيرُهُ [(١٤)] يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ اللَّطِيمَةَ اللَّطِيمَةَ، أَمْوَالُكُمْ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ، وَتِجَارَتُكُمْ قَدْ عَرَضَ لَهَا مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ، فَالْغَوْثَ الْغَوْثَ، فَشَغَلَهُ ذَلِكَ عَنِّي وَشَغَلَنِي عَنْهُ، فَلَمْ يَكُنْ إِلَّا الْجِهَازُ حَتَّى خَرَجْنَا، فَأَصَابَ قُرَيْشًا مَا أَصَابَهَا يَوْمَ بَدْرٍ: مَنْ قَتْلِ أَشْرَافِهِمْ، وَأَسْرِ خِيَارِهِمْ فَقَالَتْ عَاتِكَةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فِيمَا رَأَتْ وَمَا قَالَتْ قريش في ذلك:
أَلَمْ تَكُنِ الرُّؤْيَا بِحَقٍّ وَجَاءَكُمْ بِتَصْدِيقِهَا فَلٌّ مِنَ الْقَوْمِ هَارِبُ
فَقُلْتُمْ- وَلَمْ أَكْذِبْ- كَذَبْتِ وَإِنَّمَا يُكَذِّبُنَا بِالصِّدْقِ مَنْ هُوَ كَاذِبُ
وَذَكَرَ لَهَا أَبُو عَبْدِ اللهِ فِي كِتَابِ الْمَغَازِي قَصِيدةً طَوِيلَةً» [(١٥)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَحَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ [(١٦)] وعاصم بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، وعبد الله ابن أَبِي بَكْرٍ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ عُلَمَائِنَا فَبَعْضُهُمْ قَدْ حَدَّثَ بِمَا لَمْ يُحَدِّثْ بِهِ بَعْضٌ، وَقَدِ اجْتَمَعَ حَدِيثُهُمْ فِيمَا ذَكَرْتُ لَكَ مِنْ يَوْمِ بدر قالوا:
_________________
(١) [(١٤)] (جدع بعيره) قطع أنفه. [(١٥)] الخبر في سيرة ابن هشام (٢: ٢٤٥- ٢٤٧)، ومغازي الواقدي (١: ٢٨- ٣٣)، وأخرجه الحاكم في المستدرك (٣: ١٩- ٢٠)، وقال الذهبي: فيه حُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: ضعيف. قلت: وراوي الحديث هذا: «حُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عباس، قال فيه البخاري في «التاريخ الكبير» (١: ٢: ٣٨٨): «قال علي بن المديني: تركت حديثه»، كما قال النسائي: متروك، واتهمه العقيلي بالزندقة في «الضعفاء الكبير» (١: ٢٤٥) من تحقيقنا، وذكره ابن حبان في «المجروحين» (١: ٢٤٢)، وله ترجمة في الميزان (١: ٥٣٧) . [(١٦)] في (ص): «حيّان»، وهو تصحيف، وله ترجمة في «تهذيب التهذيب» (٩: ٥٠٧) .
[ ٣ / ٣١ ]
«سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِأَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ فِي أَرْبَعِينَ رَاكِبًا مِنْ قُرَيْشٍ تُجَّارًا قَافِلِينَ مِنَ الشَّامِ فِيهِمْ: مَخْرَمَةُ بْنُ نَوْفَلٍ، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، فَنَدَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمُسْلِمِينَ وَقَالَ لَهُمْ: هَذَا أَبُو سُفْيَانَ قَافِلًا بِتِجَارَةِ قُرَيْشٍ فَاخْرُجُوا لَهَا لَعَلَّ اللهَ ﷿ يُنَفِّلُكُمُوهَا فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ فَخَفَّ مَعَهُ رِجَالٌ وَأَبْطَأَ آخَرُونَ
وَذَلِكَ إِنَّمَا كَانَتْ نَدْبَةً لِمَالٍ يُصِيبُونَهُ لَا يَظُنُّونَ أَنْ يَلْقَوْا حَرْبًا فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي ثَلَاثِمِائَةِ رَاكِبٍ وَنَيِّفٍ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ مُشَاةٌ مَعَهُمْ ثَمَانُونَ بَعِيرًا وَفَرَسٌ، وَيَزْعُمُ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهُ لِلْمِقْدَادِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَلِيٍّ ومرثد بْنِ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ بَعِيرٌ فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ نَقْبِ بَنِي دِينَارٍ مِنَ الْحَرَّةِ عَلَى الْعَقِيقِ فَذَكَرَ طُرُقَهُ حَتَّى إِذَا كَانَ بِعِرْقِ الظَّبْيَةِ لَقِيَ رَجُلًا مِنَ الْأَعْرَابِ، فَسَأَلُوهُ عَنِ النَّاسِ، فَلَمْ يَجِدُوا عِنْدَهُ خَبَرًا وَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ حِينَ دَنَا مِنَ الْحِجَازِ يَتَحَسَّسُ [(١٧)] الْأَخْبَارَ، وَيَسْأَلُ عَنْهَا حَتَّى أَصَابَ خَبَرًا مِنْ بَعْضِ الرُّكْبَانِ، فَاسْتَأْجَرَ ضَمْضَمَ بْنَ عَمْرٍو الْغِفَارِيَّ، فَبَعَثَهُ إِلَى قُرَيْشٍ يَسْتَنْفِرُهُمْ إِلَى أَمْوَالِهِمْ، وَيُخْبِرُهُمْ أَنَّ مُحَمَّدًا قَدْ عَرَضَ لَهَا فِي أَصْحَابِهِ، فَخَرَجَ ضَمْضَمٌ سَرِيعًا حَتَّى قَدِمَ عَلَى قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ وَقَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ اللَّطِيمَةَ قَدْ عَرَضَ لَهَا مُحَمَّدٌ فِي أَصْحَابِهِ- وَالَلَّطِيمَةُ هِيَ التِّجَارَةُ- الْغَوْثَ الْغَوْثَ وَمَا أَظُنُّ أَنْ تُدْرِكُوهَا. فَقَالَتْ قُرَيْشٌ:
أَيَظُنُّ مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ أَنَّهَا كَائِنَةٌ كَعِيرِ ابْنِ الْحَضْرَمِيِّ، فَخَرَجُوا عَلَى الصَّعْبِ [(١٨)] وَالذَّلُولِ وَلَمْ يَتَخَلَّفْ مِنْ أَشْرَافِهَا أَحَدٌ إِلَّا أَنَّ أَبَا لَهَبٍ قَدْ تَخَلَّفَ وَبَعَثَ مَكَانَهُ الْعَاصَ بْنَ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ فَخَرَجَتْ قُرَيْشٌ وَهُمْ تِسْعُمِائَةٍ وَخَمْسُونَ مُقَاتِلًا وَمَعَهُمْ مِائَتَا فَرَسٍ يَقُودُونَهَا وَخَرَجُوا مَعَهُمْ بِالْقِيَانِ يضر بن بِالدُّفِّ، وَيَتَغَنَّيْنَ بِهِجَاءِ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ أَسْمَاءَ الْمُطْعِمِينَ مِنْهُمْ، وَذَكَرَ رُجُوعَ طَالِبِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالْجُحْفَةِ رَأَى جُهَيْمُ بْنُ الصَّلْتِ رُؤْيَا فَبَلَغَتْ أَبَا جَهْلٍ فَقَالَ: وهذا
_________________
(١) [(١٧)] في (ص) و(هـ): «يتحسب الأخبار» . [(١٨)] (ص) و(هـ): «الصعبة» .
[ ٣ / ٣٢ ]
نَبِيٌّ آخَرُ مِنْ بَنِيِّ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَذَلِكَ أَنَّهُ رَأَى أَنَّ رَاكِبًا أَقْبَلَ عَلَى قُرَيْشٍ مَعَهُ بَعِيرٌ لَهُ حَتَّى وَقَفَ عَلَى الْعَسْكَرِ فَقَالَ: قُتِلَ فُلَانٌ، وَفُلَانٌ، وَفُلَانٌ يُعَدِّدُ رِجَالًا مِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ مِمَّنْ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ، ثُمَّ طَعَنَ فِي لَبَّةِ بَعِيرِهِ ثُمَّ أَرْسَلَهُ فِي الْعَسْكَرِ فَلَمْ يَبْقَ خِبَاءٌ مِنْ أَخْبِيَةِ قُرَيْشٍ إِلَّا أَصَابَهُ دَمُهُ وَمَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى وَجْهِهِ ذَلِكَ فَذَكَرَ مَسِيرَهُ حَتَّى إِذَا كَانَ قَرِيبًا مِنَ الصَّفْرَاءِ بَعَثَ بَسْبَسَ بْنَ عَمْرٍو وَعَدِيَّ بن أبي الزغباء الجهنبين [(١٩)] يَلْتَمِسَانِ الْخَبَرَ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ فَانْطَلَقَا حَتَّى وَرَدَا بَدْرًا فَأَنَاخَا بَعِيرَيْهِمَا [(٢٠)] إِلَى تَلٍّ مِنَ الْبَطْحَاءِ وَاسْتَقَيَا فِي شَنٍّ لَهُمَا مِنَ الْمَاءِ فَسَمِعَا جَارِيَتَيْنِ تَقُولُ إِحْدَاهُمَا لِصَاحِبَتِهَا إِنَّمَا تَأْتِي الْعِيرُ غَدًا، فَلَخَّصَ بَيْنَهُمَا مَجْدِيُّ بْنُ عَمْرٍو وَقَالَ صَدَقَتْ وَسَمِعَ ذَلِكَ بَسْبَسٌ وَعَدِيٌّ فَجَلَسَا عَلَى بَعِيرَيْهِمَا حَتَّى أَتَيَا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرَاهُ الْخَبَرَ وَأَقْبَلَ أَبُو سُفْيَانَ حِينَ وَلَّيَا وَقَدْ حَذِرَ فَتَقَدَّمَ أَمَامَ عِيرِهِ فَقَالَ لِمَجْدِيِّ بْنِ عَمْرٍو هَلْ أَحْسَسْتَ عَلَى هَذَا الْمَاءِ مِنْ أَحَدٍ تُنْكِرُهُ؟ فَقَالَ: لَا وَاللهِ إِلَّا أَنِّي قَدْ رَأَيْتُ رَاكِبَيْنِ أَنَاخَا إِلَى هَذَا التَّلِّ فَاسْتَقَيَا فِي شَنٍّ لَهُمَا ثُمَّ انْطَلَقَا فَجَاءَ أَبُو سُفْيَانَ مَنَاخَ بَعِيرَيْهِمَا فَأَخَذَ مِنْ أَبْعَارِهِمَا وَفَتَّهُ فَإِذَا فِيهِ النَّوَى فَقَالَ هَذِهِ وَاللهِ عَلَائِفُ يَثْرِبَ ثُمَّ رَجَعَ سَرِيعًا فَضَرَبَ وَجْهَ عِيرِهِ فَانْطَلَقَ بِهَا مُسَاحِلًا حَتَّى إِذَا رَأَى أَنْ قَدْ أَحْرَزَ عِيرَهُ بَعَثَ إِلَى قُرَيْشٍ أَنَّ اللهَ قد نجّا [(٢١)] عِيرَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَرِجَالَكُمْ فَارْجِعُوا فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: وَاللهِ لَا نَرْجِعُ حَتَّى نَأْتِيَ بَدْرًا وَكَانَتْ بَدْرٌ سُوقًا مِنْ أَسْوَاقِ الْعَرَبِ فَنُقِيمَ بِهَا ثَلَاثًا فَنُطْعِمَ بِهَا الطَّعَامَ وَنَنْحَرَ بِهَا الْجُزُرَ وَنَسْقِيَ بِهَا الْخَمْرَ وَتَعْزِفَ عَلَيْنَا الْقِيَانُ وَتَسْمَعَ بِنَا الْعَرَبُ وَبِمَسِيرِنَا فَلَا يَزَالُونَ يَهَابُونَنَا بَعْدَهَا أَبَدًا قَالَ الْأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ يَا مَعْشَرَ بَنِي زُهْرَةَ إِنَّ الله قد نجا أموالكم ونجا صَاحِبَكُمْ فَارْجِعُوا. فَأَطَاعُوهُ فَرَجَعَتْ زُهْرَةُ فَلَمْ يَشْهَدُوهَا وَلَا بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ وَارْتَحَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَذَكَرَ مَسِيرَهُ حَتَّى إِذَا كَانَ بِبَعْضِ وَادِي ذَفَارٍ نَزَلَ وأتاه الخبر
_________________
(١) [(١٩)] (ص): «الجهميين» . [(٢٠)] (ص) و(هـ): «بعيرهما» . [(٢١)] هكذا في (ح)، و(هـ)، وفي (ص): رسمت نجىّ، وكذا في سائر الفقرة.
[ ٣ / ٣٣ ]
عَنْ قُرَيْشٍ بِمَسِيرِهِمْ لِيَمْنَعُوا عِيرَهُمْ فَاسْتَشَارَ رَسُولُ اللهِ ﷺ النَّاسَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ [﵁] [(٢٢)] فَأَحْسَنَ ثُمَّ قَامَ عُمَرُ فَقَالَ فَأَحْسَنَ ثُمَّ
قَامَ الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ امْضِ لِمَا أُمِرْتَ بِهِ فَنَحْنُ مَعَكَ وَاللهِ لَا نَقُولُ لَكَ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَهُنَا قَاعِدُونَ، وَلَكِنِ اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا مَعَكُمَا مُقَاتِلُونَ. فو الذي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَوْ سِرْتَ بِنَا إِلَى بَرْكِ الْغِمَادِ لَجَالَدْنَا مَعَكَ مَنْ دُونَهُ حَتَّى تَبْلُغَهُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَيْرًا وَدَعَا لَهُ بِهِ ثُمَّ قَالَ: أَشِيرُوا عَلَيَّ أَيُّهَا النَّاسُ وَإِنَّمَا يُرِيدُ الْأَنْصَارَ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ عَدَدُ النَّاسِ، وَكَانُوا حِينَ بَايَعُوهُ بِالْعَقَبَةِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّا برءاء مِنْ ذِمَامِكَ حَتَّى تَصِلَ إِلَى دَارِنَا، فَإِذَا وَصَلْتَ إِلَيْنَا فَأَنْتَ فِي ذِمَمِنَا نَمْنَعُكَ مِمَّا نَمْنَعُ مِنْهُ أَنْفُسَنَا وَأَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَخَوَّفُ أَنْ لَا تَكُونَ الْأَنْصَارُ تَرَى أَنَّ عَلَيْهَا نُصْرَتَهُ إِلَّا بِالْمَدِينَةِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَسِيرَ بِهِمْ إِلَى عَدُوٍّ بِغَيْرِ بِلَادِهِمْ، فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، قَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ: وَاللهِ لَكَأَنَّكَ يَا رَسُولَ اللهِ تُرِيدُنَا.
قَالَ: أَجَلْ. قَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ: فَقَدْ آمَنَّا بِكَ وَصَدَّقْنَاكَ وَشَهِدْنَا أَنَّ مَا جِئْتَ بِهِ حَقٌّ، وَأَعْطَيْنَاكَ عَلَى ذَلِكَ عُهُودَنَا وَمَوَاثِيقَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فَامْضِ يَا رَسُولَ اللهِ لِمَا أَرَدْتَ فَنَحْنُ معك، فو الذي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَوِ اسْتَعْرَضْتَ بِنَا هَذَا الْبَحْرَ لَخُضْنَاهُ مَعَكَ، مَا تَخَلَّفَ مِنَّا وَاحِدٌ، وَمَا نَكْرَهُ أَنْ نَلْقَى عَدُوَّنَا غَدًا، إِنَّا لَصُبُرٌ عِنْدَ الْحَرْبِ، صُدُقٌ عِنْدَ اللِّقَاءِ، وَلَعَلَّ اللهَ يُرِيكَ مِنَّا مَا تَقَرُّ بِهِ عَيْنُكَ، فَسِرْ بِنَا عَلَى بَرَكَةِ اللهِ، فَسُرَّ بِذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ.
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: سِيرُوا وَأَبْشِرُوا فَإِنَّ اللهَ ﷿ قَدْ وَعَدَنِي إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، وَاللهِ لَكَأَنِّي أَنْظُرُ الآن إلى مَصَارِعَ الْقَوْمِ.
قَالَ وَمَضَتْ قُرَيْشٌ حَتَّى نَزَلُوا بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى مِنَ الْوَادِي وَالْقُلُبُ ببدر في
_________________
(١) [(٢٢)] الزيادة من (ص) .
[ ٣ / ٣٤ ]
الْعُدْوَةِ الدُّنْيَا مِنْ بَطْنِ التَّلِّ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَأَرْسَلَ اللهُ السَّمَاءَ وَكَانَ الْوَادِي دَهِسًا فَأَصَابَ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابَهُ مِنْهَا مَا لَبَّدَ لَهُمُ الْأَرْضَ وَلَمْ يَمْنَعْهُمْ مِنَ الْمَسِيرِ، وَأَصَابَ قُرَيْشًا مِنْهَا مَا لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَرْتَحِلُوا مَعَهُ فَسَارَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُبَادِرُهُمْ إِلَى الْمَاءِ حَتَّى نَزَلَ بَدْرًا فَسَبَقَ قُرَيْشًا إِلَيْهِ
فَلَمَّا جَاءَ أَدْنَى مَاءٍ مِنْ بَدْرٍ نَزَلَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ: يَا رَسُولَ اللهِ مَنْزِلٌ أَنْزَلَكَهُ اللهُ لَيْسَ لَنَا أَنْ نَتَعَدَّاهُ وَلَا نُقَصِّرُ عَنْهُ أَمْ هُوَ الرَّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: بَلْ هُوَ الرَّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ، فَقَالَ الْحُبَابُ: يَا رَسُولَ اللهِ فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَنْزِلٍ وَلَكِنِ انْهَضْ حَتَّى تَجْعَلَ الْقُلُبَ كُلَّهَا مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِكَ ثُمَّ غَوِّرْ كُلَّ قَلِيبٍ بِهَا إِلَّا قَلِيبًا وَاحِدًا ثُمَّ احْفِرْ عَلَيْهِ حَوْضًا فَنُقَاتِلُ الْقَوْمَ فَنَشْرَبُ وَلَا يَشْرَبُونَ حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فَقَالَ قَدْ أَشَرْتَ بِالرَّأْيِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ فَغُوِّرَتِ الْقُلُبُ وَبَنَى حَوْضًا عَلَى الْقَلِيبِ الَّذِي نَزَلَ عَلَيْهِ فَمُلِئَ مَاءً ثُمَّ قَذَفُوا فِيهِ الْآنِيَةَ وَأَقْبَلَتْ قُرَيْشٌ حِينَ أَصْبَحَتْ يَقْدُمُهَا عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ عَلَى جَمَلٍ لَهُ أَحْمَرَ. فَلَمَّا رَآهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَنْحَطُّونَ مِنَ الْكَثِيبِ قَالَ اللهُمَّ هَذِهِ قُرَيْشٌ قَدْ أَقْبَلَتْ بِخُيَلَائِهَا [(٢٣)] وَفَخْرِهَا تُحَادُّكَ [(٢٤)] وَتُكَذِّبُ رَسُولَكَ اللهُمَّ فَأَحْنِهِمُ [(٢٥)] الْغَدَاةَ» .
ثُمَّ ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ إِشَارَةَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ بِتَرْكِ الْقِتَالِ وَمُوَافَقَةَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ إِيَّاهُ وَمُخَالَفَةَ أَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ وَتَعْيِيرَهُ عُتْبَةَ حَتَّى دَعَا عتبة إلى البراز [(٢٦)] .
_________________
(١) [(٢٣)] الخيلاء: التكبر، والإعجاب بالنفس. [(٢٤)] تحادك: تعاديك، وتمتنع عن طاعتك. [(٢٥)] أحنهم: أهلكهم أفعل من الحين، وهو الهلاك. [(٢٦)] مقتطفات من سيرة ابن هشام (٢: ٢٤٣- ٢٦١) .
[ ٣ / ٣٥ ]
بَابُ ذِكْرِ عَدَدِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ الَّذِينَ خَرَجُوا [(١)] مَعَهُ إِلَى بَدْرٍ
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَلْمَانَ الْفَقِيهُ قَالَ:
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: «كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّ أَصْحَابَ بَدْرٍ [(٢)] كَانُوا ثَلَاثَمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ بِعِدَّةِ [(٣)] أَصْحَابِ طَالُوتَ الَّذِينَ جَاوَزُوا مَعَهُ النَّهْرَ وَمَا جَاوَزَ مَعَهُ إِلَّا مُؤْمِنٌ» .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَثِيرٍ [(٤)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ: عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنُ بِشْرَانَ الْعَدْلُ بِبَغْدَادَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو: عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ السَّمَّاكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَنْبَلُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللهِ يَعْنِي أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ، قَالَ: حدثني يحيى ابن سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ
_________________
(١) [(١)] في (ح): «في ذلك من خرج»، وأثبتّ ما في (ص) و(هـ) . [(٢)] في الأصول الخطية: «أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ»، وأثبت ما في صحيح البخاري. [(٣)] في الأصول: «على عدد» وأثبتّ ما في الصحيح. [(٤)] في: ٦٤- كتاب المغازي (٦) باب عدة أصحاب بدر، الحديث (٣٩٥٩)، فتح الباري (٧: ٢٩١)، كما أخرج الحديث ابن ماجة في كتاب الجهاد، باب السرايا عن بندار، عن أبي عامر العقدي.
[ ٣ / ٣٦ ]
الْبَرَاءَ قَالَ: «اسْتُصْغِرْتُ أَنَا وَابْنُ عُمَرَ يَوْمَ بَدْرٍ وَكُنَّا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ نَتَحَدَّثُ أَنَّ عِدَّةَ أَهْلِ بَدْرٍ ثَلَاثُمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ كَعِدَّةِ أَصْحَابِ طَالُوتَ الَّذِينَ جَاوَزُوا مَعَهُ النَّهْرَ وَمَا جَاوَزَ مَعَهُ النَّهْرَ إِلَّا مُؤْمِنٌ» .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ [(٥)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْحَافِظُ إِمْلَاءً قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الحسين بْنُ أَبِي عِيسَى قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْجُدِّيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيِّ قَالَ:
سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ يَقُولُ: «كَانَ الْمُهَاجِرُونَ يَوْمَ بَدْرٍ نَيِّفًا وَثَمَانِينَ، وَكَانَتِ الْأَنْصَارُ نَيِّفًا وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ» .
أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ شُعْبَةَ [(٦)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ بِبَغْدَادَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ دُرُسْتَوَيْهِ قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سعيد أَبِي مَرْيَمَ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَسْلَمُ أَبُو عِمْرَانَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيَّ، يَقُولُ:
«قَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَنَحْنُ بِالْمَدِينَةِ: هَلْ لَكُمْ أَنْ نَخْرُجَ فَنَلْقَى هَذِهِ الْعِيرَ لَعَلَّ اللهَ يُغْنِمُنَا؟ قُلْنَا: نَعَمْ، فَخَرَجْنَا، فَلَمَّا سِرْنَا يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نَتَعَادَّ، فَفَعَلْنَا فَإِذَا نَحْنُ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَأَخْبَرْنَا النَّبِيَّ ﷺ بِعِدَّتِنَا، فَسُرَّ بِذَلِكَ وَحَمِدَ اللهَ، وَقَالَ: عِدَّةُ أَصْحَابِ طَالُوتَ» .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جعفر
_________________
(١) [(٥)] فتح الباري (٧: ٣٩١) عَنِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، و(٧: ٢٩٠) عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ. [(٦)] في: ٦٤- كتاب المغازي، (٦) باب عدة أصحاب بدر، فتح الباري (٧: ٢٩٠) .
[ ٣ / ٣٧ ]
قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عِمْرَانَ (ح) . وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَنْبَرِيُّ [(٧)] قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ الْجُعْفِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي حُيَيٌّ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ يَوْمَ بَدْرٍ بِثَلَاثِمِائَةٍ وَخَمْسَةَ عَشَرَ مِنَ الْمُقَاتِلَةِ كَمَا خَرَجَ طَالُوتُ. زَادَ أَبُو عَبْدِ اللهِ فِي رِوَايَتِهِ قَالَ: فَدَعَا لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ خَرَجَ فَقَالَ اللهُمَّ إِنَّهُمْ حُفَاةٌ فَاحْمِلْهُمْ. اللهُمَّ إِنَّهُمْ عُرَاةٌ فَاكْسُهُمْ. اللهُمَّ إِنَّهُمْ جِيَاعٌ فَأَشْبِعْهُمْ فَفَتَحَ اللهُ لَهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ فَانْقَلَبُوا وَمَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلَّا وَقَدْ رَجَعَ بِجَمَلٍ أَوْ جَمَلَيْنِ وَاكْتَسَوْا وَشَبِعُوا» [(٨)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ الْخِرَقِيُّ بِبَغْدَادَ [(٩)] قَالَ: حَدَّثَنَا حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَبَّاسِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سَلَّامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مسلم ابن إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ يَعْنِي ابْنَ أَبِي زَائِدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: «لَمْ يَكُنْ يَوْمَ بَدْرٍ فَارِسٌ غَيْرَ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ» .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْخِرَقِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سَلَّامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ النَّهْدِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ عَامِرًا الشَّعْبِيَّ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ ﵁: «مَا كَانَ فِينَا فَارِسٌ يَوْمَ بَدْرٍ غَيْرَ الْمِقْدَادِ [(١٠)] عَلَى فَرَسٍ أَبْلَقَ» .
_________________
(١) [(٧)] في (ص): «العنزي» . [(٨)] الحديث أخرجه أبو داود في الجهاد (باب) في نفل السرية تخرج من العسكر، عن أحمد بْنُ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ وهب، عن حييّ بن عبد الله. [(٩)] (ص): «أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بن عبد الله الحرفي»، وفي (هـ): «أبو القاسم الخرقي» . [(١٠)] هو المقداد بن الأسود من أَوَّلُ مَنْ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ، وكان من الفضلاء النجباء الكبار الخيار مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، وَفِي مسند أحمد (٥: ٣٥١): عليكم بحب أربعة: علي، وأبي ذر، وسلمان، والمقداد» .
[ ٣ / ٣٨ ]
أخبرنا أبو محمد عبد اللهِ بْنُ يُوسُفَ الْأَصْبَهَانِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدِ بْنُ الْأَعْرَابِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّبٍ، أَنَّ عَلِيًّا ﵁ قَالَ: «لَقَدْ رَأَيْتُنَا لَيْلَةَ بَدْرٍ وَمَا مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا وَهُوَ نَائِمٌ إِلَّا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَإِنَّهُ يُصَلِّي إِلَى شَجَرَةٍ وَيَدْعُو حَتَّى أَصْبَحَ، وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا لَيْلَةَ بَدْرٍ وَمَا مِنَّا أَحَدٌ فَارِسٌ إِلَّا الْمِقْدَادَ» .
قَالَ الْحَسَنُ وَحَدَّثنَا أَبُو عَيَّادٍ عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ حَارِثَةَ عَنْ عَلِيٍّ بِنَحْوِهِ.
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ إِسْحَاقَ الْبَغَوِيُّ بِبَغْدَادَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: وَأَخْبَرَنِي أَبُو صَخْرٍ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ الْبَجَلِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ﵁- قَالَ لَهُ: «مَا كَانَ مَعَنَا إِلَّا فَرَسَانِ فَرَسٌ لِلزُّبَيْرِ وَفَرَسٌ لِلْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ يَعْنِي يَوْمَ بَدْرٍ» .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ إِسْحَاقَ الْخُرَاسَانِيُّ الْعَدْلُ بِبَغْدَادَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُكْرَمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ قَالَ:
حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عن عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ، عَنْ زِرٍّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: «كُنَّا يَوْمَ بَدْرٍ نَتَعَاقَبُ ثَلَاثَةٍ عَلَى بَعِيرٍ، فَكَانَ عَلِيٌّ وَأَبُو لُبَابَةَ زَمِيلَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَكَانَ إِذَا كَانَتْ عَقَبَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَقُولَانِ لَهُ: ارْكَبْ حَتَّى نَمْشِيَ، فَيَقُولُ إِنِّي لَسْتُ بِأَغْنَى عَنِ الْأَجْرِ مِنْكُمَا، وَلَا أَنْتُمَا بِأَقْوَى عَلَى الْمَشْيِ مني» [(١١)] .
_________________
(١) [(١١)] الحديث أخرجه النسائي في السير عَنْ عَمْرِو بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مهدي، عن حماد ابن سلمة، عن عاصم، تحفة الأشراف (٧: ٢٦)، وأخرجه الحاكم في المستدرك (٣: ٢٠)، وقال: «صحيح على شرط الشيخين» .
[ ٣ / ٣٩ ]
هَكَذَا رُوِيَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ أَهْلِ الْمَغَازِي مَرْثَدُ بْنُ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيُّ بَدَلَ أَبِي لُبَابَةَ فَإِنَّ أَبَا لُبَابَةَ رَدَّهُ النبي ﷺ مِنَ الرَّوْحَاءِ وَاستَخْلَفَهُ عَلَى الْمَدِينَةِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ: حَفْصُ بْنُ عُمَرَ النُّمَيْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ، قَالَ:
«عِدَّةُ أَهْلِ بَدْرٍ ثَلَاثُمِائَةٍ وثلاثة عشر أَوْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ وَمِائَتَانِ مِنَ الْأَنْصَارِ وَبَقِيَّتُهُمْ سَائِرُ النَّاسِ» .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ السَّمَّاكِ قَالَ:
حَدَّثَنَا جُنَيْدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا أَشْعَثُ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: «كَانَ عِدَّةُ أَهْلِ بدر ثلاثمائة وبضعة عشر. بِضْعَةً وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ مِنَ الْأَنْصَارِ وَسَائِرُهُمْ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ فِيهِمُ اثْنَا عَشَرَ مِنَ الْمَوَالِي» قَالَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ يَعْنِي ابْنَ سِيرِينَ «كَانَ عِدَّةُ أَهْلِ بدر ثلاثمائة وَثَلَاثَةَ عَشَرَ أَوْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ أَرْبَعَةٌ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ مِنَ الْأَنْصَارِ وَسَائِرُهُمْ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ» .
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ السَّمَّاكِ قَالَ:
حَدَّثَنَا حَنْبَلُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: قَالَ مَعْمَرٌ سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ، يَقُولُ: «لَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا إِلَّا قُرَشِيٌّ أَوْ أَنْصَارِيٌّ أَوْ حَلِيفٌ لِوَاحِدٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ» .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ فِي تَسْمِيَةِ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عشر رجلا منهم من الْمُهَاجِرِينَ سَبْعَةٌ وَسَبْعُونَ وَمِنَ الْأَنْصَارِ مِائَتَانِ وَسِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ رَجُلًا» . وَقَالَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ إِدْرِيسَ عَنْهُ: «عِدَّةُ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر
[ ٣ / ٤٠ ]
رَجُلًا مِنْهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ وَالْمُهَاجِرِينَ أَرْبَعَةٌ وَسَبْعُونَ رَجُلًا وَسَائِرُهُمْ مِنَ الْأَنْصَارِ» .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ ابْنُ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ فَذَكَرَهُ.
وَذَكَرَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنْهُ أَسْمَاءَهُمْ وَذَكَرَهَا أَيْضًا مُوسَى ابن عُقْبَةَ وَغَيْرُهُمَا وَمِنْ عَزْمِي أَنْ أُؤَخِّرَ ذِكْرَ أَسَامِي مَنْ شَهِدَ مَشْهَدًا مِنْ مَشَاهِدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ثُمَّ أُفْرِدُهُ إِنْ شَاءَ اللهُ فِي جُزْءٍ لِئَلَّا يَطُولَ بِهِ الْكِتَابُ وَاللهُ الْمُوَّفِقُ للصواب والسداد [(١٢)] .
_________________
(١) [(١٢)] في (ح) و(ص): «للسداد» .
[ ٣ / ٤١ ]
بَابُ ذِكْرِ عَدَدِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ سَارُوا إِلَى بَدْرٍ
أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ الْأَصْبَهَانِيُّ، قال: أخبرنا أبو سعيد ابن الْأَعْرَابِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَنْقَزِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّبٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ﵁- قَالَ: «أَخَذْنَا رَجُلَيْنِ يَوْمَ بَدْرٍ أَحَدُهُمَا عَرَبِيٌّ وَالْآخَرُ مَوْلًى فَأَفْلَتَ الْعَرَبِيُّ وَأَخَذْنَا الْمَوْلَى مَوْلًى لِعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، فَقَالَ: كَثِيرٌ عَدَدُهُمْ شَدِيدٌ بَأْسُهُمْ، فَجَعَلْنَا نَضْرِبُهُ حَتَّى انْتَهَيْنَا بِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَبَى أَنْ يُخْبِرَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: كَمْ تَنْحَرُونَ مِنَ الْجَزُورِ؟ فَقَالَ: فِي كُلِّ يَوْمٍ عَشْرًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: الْقَوْمُ أَلْفٌ لِكُلِّ جَزُورٍ مِائَةٌ» .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ هُوَ الْأَصَمُّ قَالَ:
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ، قَالَ: بَعَثَ «رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ دَنَا مِنْ بَدْرٍ: عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَسَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ يَتَجَسَّسُونَ [(١٣)] لَهُ الْخَبَرَ فَأَصَابُوا سُقَاةً لِقُرَيْشٍ غُلَامًا لِبَنِي سعيد بن العاص،
_________________
(١) [(١٣)] في (ص) و(هـ): «يتحسبون»، وفي سيرة ابن هشام: «يلتمسون» .
[ ٣ / ٤٢ ]
وَغُلَامًا لِبَنِي الْحَجَّاجِ فَأَتَوْا بِهِمَا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَذَكَرَ الْقِصَّةَ قَالَ فِيهَا كَمِ النَّاسُ؟
قَالُوا كَثِيرٌ مَا نَدْرِي مَا عَدَدُهُمْ قَالَ كَمْ يَنْحَرُونَ كُلَّ يَوْمٍ؟ قَالُوا: يَوْمًا عَشْرًا وَيَوْمًا تِسْعًا فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: الْقَوْمُ بَيْنَ الْأَلْفِ وَالْتِسْعِمِائَةِ ثُمَّ قَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَنْ فِيهِمْ مِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ؟ فَقَالَا عُتْبَةُ وَشَيْبَةُ وَذَكَرَا صَنَادِيدَهُمْ ثُمَّ أَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ هَذِهِ مَكَّةُ قَدْ أَلْقَتْ إِلَيْكُمْ أَفْلَاذَ [(١٤)] كبدها» [(١٥)] .
_________________
(١) [(١٤)] (أفلاذ كبدها): جمع فلذة وهي القطعة. [(١٥)] سيرة ابن هِشَامٍ (٢: ٢٥٥- ٢٥٦) .
[ ٣ / ٤٣ ]
بَابُ مَا جَاءَ فِي الْعَرِيشِ الَّذِي بُنِيَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ حِينَ الْتَقَى النَّاسُ يَوْمَ بَدْرٍ
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ «أَنَّ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ لَمَّا الْتَقَى النَّاسُ يَوْمَ بَدْرٍ: يَا رَسُولَ اللهِ أَلَا نَبْنِي لَكَ عَرِيشًا فَتَكُونَ فِيهِ وَنُنِيخُ لَكَ رَكَائِبَكَ وَنَلْقَى عَدُوَّنَا فَإِنْ أَظْهَرَنَا اللهُ عَلَيْهِمْ وَأَنْجَزَنَا فَذَاكَ مَا أَحَبُّ إِلَيْنَا وَإِنْ تَكُنِ الْأُخْرَى فَتَجْلِسُ عَلَى رَكَائِبِكَ وَتَلْحَقُ بِمَنْ وَرَاءَنَا مِنْ قَوْمِنَا فَقَدْ وَاللهِ تَخَلَّفَ عَنْكَ أَقْوَامٌ مَا نَحْنُ لَكَ بِأَشَدَّ حُبًّا مِنْهُمْ لَوْ عَلِمُوا أَنْ نَلْقَى حَرْبًا مَا تَخَلَّفُوا عَنْكَ.
يُوَادُّونَكَ وَيَنْصُرُونَكَ، فَأَثْنَى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَيْرًا وَدَعَا لَهُ بِهِ فَبُنِيَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ عَرِيشٌ فَكَانَ فِيهِ وَأَبُو بَكْرٍ ﵁ مَا مَعَهُمَا غَيْرُهُمَا» [(١٦)] .
_________________
(١) [(١٦)] سيرة ابن هِشَامٍ (٢: ٢٦٠) .
[ ٣ / ٤٤ ]
بَابُ مَا جَاءَ فِي دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى الْمُشْرِكِينَ قَبْلَ الْتِقَاءِ الْجَمْعَيْنِ وَبَعْدَهُ، وَدُعَاءِ أَصْحَابِهِ عَلَيْهِمْ، وَاسْتِغَاثَتِهِمْ رَبَّهُمْ، وَاسْتِجَابَةِ اللهِ تَعَالَى لَهُمْ، وَإِمْدَادِهِمْ بِالْمَلَائِكَةِ، وَإِخْبَارِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ مَصَارِعِ الْقَوْمِ قَبْلَ وُقُوعِهَا، ومَا ظَهَرَ فِي ذَلِكَ مِنْ آثَارِ النُّبُوَّةِ
قَالَ اللهُ ﷿ وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ. إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ [(١)] وَمَا بَعْدَهَا مِنَ الْآيَاتِ فِي النُّعَاسِ وَإِنْزَالِ الْمَطَرِ وَالتَّثْبِيتِ وَالتَّقْلِيلِ فِي الْعَيْنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ آثَارِ النُّبُوَّةِ أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ وَأَبُو مُحَمَّدٍ جَنَاحُ بْنُ بُدَيْرِ [(٢)] بْنِ جَنَاحٍ الْمُحَارِبِيُّ بِالْكُوفَةِ قَالَا: أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ رحيم قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمِ بْنِ أَبِي غَرَزَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى وَأَبُو نُعَيْمٍ قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ مُخَارِقٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ
_________________
(١) [(١)] الآيات الكريمة (٧- ٩) من سورة الأنفال. [(٢)] ص: «نذير» .
[ ٣ / ٤٥ ]
«شَهِدْتُ مِنَ الْمِقْدَادِ مَشْهَدًا لَأَنْ أَكُونَ صَاحِبَهُ كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا عُدِلَ بِهِ، أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يَدْعُو عَلَى الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ: لَا نَقُولُ لَكَ كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى لِمُوسَى: (اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا) إِنَّا هَهُنَا قَاعِدُونَ، وَلَكِنْ نُقَاتِلُ عَنْ يَمِينِكَ، وَعَنْ شِمَالِكَ، وَمِنْ بَيْنِ يَدَيْكَ وَمِنْ خَلْفِكَ، قَالَ: فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ [(٣)] ﷺ أَشْرَقَ [وَجْهُهُ] [(٤)] لِذَلِكَ وَسُرَّ» .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ [(٥)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الرُّوذْبَارِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو بكر محمد ابن بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ التَّمَّارُ بِالْبَصْرَةِ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثَ السِّجِسْتَانِيُّ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَدَبَ أَصْحَابَهُ، فَانْطَلَقَ إِلَى بَدْرٍ، فَإِذَا هُمْ بِرَوَايَا قُرَيْشٍ فِيهَا بعد أَسْوَدُ لِبَنِي الْحَجَّاجِ، فَأَخَذَهُ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ، فَجَعَلُوا يَسْأَلُونَهُ أَيْنَ أَبُو سُفْيَانَ؟ فَيَقُولُ: والله مالي بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِهِ عِلْمٌ، وَلَكِنْ هَذِهِ قُرَيْشٌ قَدْ جَاءَتْ فِيهِمْ: أَبُو جَهْلٍ، وعتبة، وشيبة ابنا ربيعة، وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، قَالَ: فَإِذَا قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ ضَرَبُوهُ، فَيَقُولُ: دَعُونِي، دَعُونِي أُخْبِرْكُمْ، فَإِذَا تَرَكُوهُ قَالَ: والله مالي بِأَبِي سُفْيَانَ مِنْ عِلْمٍ وَلَكِنْ هَذِهِ قُرَيْشٌ قَدْ أَقْبَلَتْ فِيهِمْ أَبُو جَهْلٍ وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، قَدْ أَقْبَلُوا وَالنَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي، وَهُوَ يَسْمَعُ ذَلِكَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّكُمْ لَتَضْرِبُوهُ إِذَا صَدَقَكُمْ، وَتَدَعُونَهُ إِذَا كَذَبَكُمْ. هَذِهِ قُرَيْشٌ قَدْ أَقْبَلَتْ لِتَمْنَعَ أبا سفيان.
_________________
(١) [(٣)] في الصحيح: «النبي» . [(٤)] الزيادة من الصحيح. [(٥)] الحديث أخرجه البخاري في: ٦٤- كتاب المغازي (٤) باب قول الله تعالى: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ ، فتح الباري (٧: ٢٨٧)، وأعاده في التفسير مرتين، مرة عن أبي نعيم، ومرة عن حمدان بن عمر، تفسير سورة المائدة، باب قوله، فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ.
[ ٣ / ٤٦ ]
قَالَ أَنَسٌ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: هَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ غَدًا، وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى الْأَرْضِ، وَهَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ غَدًا وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى الْأَرْضِ، وَهَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ غَدًا وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى الْأَرْضِ، فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا جَاوَزَ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ مَوْضِعِ يَدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَمَرَ بِهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأُخِذَ بِأَرْجُلِهِمْ فَسُحِبُوا فَأُلْقُوا فِي قَلِيبِ بَدْرٍ» [(٦)] .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو عَمْرِو بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ:
حَدَّثَنَا عَفَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ شَاوَرَ [(٧)] حِينَ بَلَغَهُ إِقْبَالُ أَبِي سُفْيَانَ قَالَ: فَتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ تَكَلَّمَ عُمَرُ ﵁ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، فَقَالَ: إِيَّانَا تُرِيدُ؟ يَا رَسُولَ اللهِ! صَلَّى الله عَلَيْكَ. وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نُخِيضَهَا الْبَحْرَ لَأَخَضْنَاهَا [(٨)]، وَلَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نَضْرِبَ أَكْبَادَهَا [(٩)] إِلَى بَرْكِ الْغِمَادِ [(١٠)] لَفَعَلْنَا قَالَ: فَنَدَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ النَّاسَ فَانْطَلَقُوا حَتَّى نَزَلُوا بَدْرًا» ثُمَّ ذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي الْغُلَامِ الْأَسْوَدِ الَّذِي أَخَذُوهُ، وَقَوْلَهُ فِي مَصَارِعِ الْقَوْمِ بِمَعْنَى رِوَايَةِ مُوسَى.
_________________
(١) [(٦)] أَخْرَجَهُ أبو داود في كتاب الجهاد، (باب) في الأسير ينال منه ويضرب، الحديث (٢٦٨١)، صفحة (٣: ٥٨) . [(٧)] قال العلماء: إنما قصد ﷺ اختيار الأنصار، لأنه لم يكن بايعهم على أن يخرجوا معه للقتال وطلب العدوّ، وإنما بايعهم على أن يمنعوه ممن يقصده، فلما عرض الخروج لعير أبي سفيان أراد أن يعلم أنهم يوافقون على ذلك، فأجابوه أحسن جواب. [(٨)] يعني الخيل، أي لو أمرتنا بإدخال خيولنا في البحر وتمشيتنا إياها فيه لفعلنا. [(٩)] (أن نضرب أكبادها) كناية عن ركضها، فإن الفارس إذا أراد ركض مركوبه يحرك رجليه من جانبيه، ضاربا على موضع كبده. [(١٠)] (برك الغماد) هو موضوع من وراء مكة بناحية الساحل، وقيل: هو موضع بأقاصي هجر.
[ ٣ / ٤٧ ]
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ [(١١)] فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ.
هَكَذَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَقَالَ غَيْرُهُ: سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ.
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ فُورَكٍ ﵀، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ الْأَصْبَهَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ [الطَّيَالِسِيُّ، قَالَ:] [(١٢)] حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: تَرَاءَيْنَا الْهِلَالَ فَمَا مِنْ أَحَدٍ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَآهُ غَيْرِي [(١٣)]، فَقُلْتُ لِعُمَرَ:
يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! أَمَا تَرَاهُ، فَجَعَلْتُ أُرِيهِ إِيَّاهُ، فَلَمَّا أعياه أَنْ يَرَاهُ قَالَ: سَأَرَاهُ وَأَنَا مُسْتَلْقٍ عَلَى فِرَاشِي، ثُمَّ أَنْشَأَ يُحَدِّثُنَا عَنْ يَوْمِ بَدْرٍ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَيُخْبِرُنَا عَنْ مَصَارِعِ الْقَوْمِ بِالْأَمْسِ [(١٤)]، هَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ إِنْ شَاءَ اللهُ غَدًا، هَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ إِنْ شَاءَ اللهُ غَدًا، فو الذي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ مَا أَخْطَئُوا تِلْكَ الْحُدُودَ [(١٥)] جَعَلُوا يُصْرَعُونَ عَلَيْهَا، ثُمَّ أُلْقُوا فِي الْقَلِيبِ،
وَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: يَا فُلَانُ بْنَ فُلَانٍ، وَيَا فُلَانُ بْنَ فُلَانٍ، هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ فَقَدْ وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَتُكَلِّمُ أَجْسَادًا لَا أَرْوَاحَ فِيهَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ مِنْهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَرُدُّوا عَلَيَّ» .
_________________
(١) [(١١)] أخرجه مسلم في: ٣٢- كتاب الجهاد والسير، (٣٠) باب غزوة بدر، الحديث (٨٣)، صفحة (٣: ١٤٠٣- ١٤٠٤) . [(١٢)] الزيادة من (ص) و(هـ) . [(١٣)] في صحيح مسلم: «وكنت حديد البصر، فرأيته، وليس أَحَدٍ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَآهُ غيري، فجعلت أقول لعمر: أما تراه » . [(١٤)] في الصحيح: «أن رسول الله ﷺ كَانَ يرينا مصارع أهل بدر، يقول » . [(١٥)] في مسلم: «ما أخطئوا الحدود التي حدّ رسول الله ﷺ» .
[ ٣ / ٤٨ ]
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ شَيْبَانَ، وَغَيْرِهِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ [(١٦)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِئُ الْإِسْفَرَائِنِيُّ بِهَا، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ حَارِثَةَ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: «مَا كَانَ فِينَا فَارِسٌ يَوْمَ بَدْرٍ غَيْرَ الْمِقْدَادِ عَلَى فَرَسٍ أَبْلَقَ، وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا فِينَا إِلَّا نَائِمٌ إِلَّا رَسُولَ اللهِ ﷺ تَحْتَ سَمُرَةٍ، يُصَلِّي وَيَبْكِي حَتَّى أَصْبَحَ [(١٧)]» .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ الْقَزَّازُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ أَبُو عَلِيٍّ الْحَنَفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَوْهَبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَوْنٍ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ﵁- قَالَ: «لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ قَاتَلْتُ شَيْئًا مِنْ قِتَالٍ ثُمَّ جِئْتُ مُسْرِعًا لِأَنْظُرَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مَا فَعَلَ فَجِئْتُ فَإِذَا هُوَ سَاجِدٌ يَقُولُ: يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ لَا يَزِيدُ عَلَيْهَا فَرَجَعْتُ إِلَى الْقِتَالِ، ثُمَّ جِئْتُ وَهُوَ سَاجِدٌ يَقُولُ ذَلِكَ ثُمَّ ذَهَبْتُ إِلَى الْقِتَالِ، ثُمَّ جِئْتُ وَهُوَ سَاجِدٌ يَقُولُ ذَلِكَ فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ ذَلِكَ حَتَّى فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ» [(١٨)] .
_________________
(١) [(١٦)] صحيح مسلم، في: ٥١- كتاب الجنة، وصفة نعيمها وأهلها (١٧) باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه، وإثبات عذاب القبر، والتعوذ منه، الحديث (٧٦)، ص (٤:
(٢) ٢٢٠٣) . [(١٧)] الحديث أخرجه النسائي في السنن الكبرى، في الصلاة، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، عن محمد، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ حَارِثَةَ بْنِ مضرب،.. تحفة الأشراف (٧: ٣٥٧) . [(١٨)] الخبر في طبقات ابن سعد (٢: ١٧)، وقال ابن كثير في البداية والنهاية (٣: ٢٦٧): كانت ليلة
[ ٣ / ٤٩ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بن مُحَمَّدٍ الْمِيكَالِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ الْأَهْوَازِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: «مَا سَمِعْتُ مُنَاشِدًا يَنْشُدُ حَقًّا لَهُ أَشَدَّ مِنْ مُنَاشَدَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ، جَعَلَ يَقُولُ: اللهُمَّ إِنِّي أَنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ، اللهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ لَا تُعْبَدْ، ثُمَّ الْتَفَتَ وَكَأَنَّ شِقَّ وَجْهِهِ الْقَمَرُ، فَقَالَ: كَأَنَّمَا أَنْظُرُ إِلَى مَصَارِعِ الْقَوْمِ عَشِيَّةً» [(١٩)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْبِسْطَامِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، وَعِمْرَانُ بْنُ مُوسَى، قَالَا:
حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ عَنْ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى النَّرْسِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي قُبَّتِهِ يَوْمَ بَدْرٍ: اللهُمَّ إِنِّي أَنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ اللهُمَّ إِنْ شِئْتَ لَمْ تُعْبَدْ بَعْدَ الْيَوْمِ أَبَدًا، فَأَخَذَ أَبُو بَكْرٍ بِيَدِهِ فَقَالَ:
حَسْبُكَ حَسْبُكَ يَا رَسُولَ اللهِ فَقَدْ أَلْحَحْتَ عَلَى رَبِّكَ، وَهُوَ فِي الدِّرْعِ فَخَرَجَ وَهُوَ يَقُولُ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ» [(٢٠)] .
_________________
(١) [()] بدر ليلة الجمعة السابعة عشر مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ اثنتين من الهجرة، وقد بَاتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي إِلَى جذم شجرة هناك، ويكثر في سجوده أن يَقُولُ: «يَا حَيُّ يَا قيوم» يكرر ذلك﵇-. وثبت من حديث عَلِيٍّ﵁- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بات ليلة بدر تحت شجرة يُصَلِّي وَيَبْكِي حَتَّى أَصْبَحَ، وفي سيرة ابن هشام: أن رسول الله ﷺ عدّل صفوف أصحابه يوم بدر، وكان يحرضهم على القتال، ورمى المشركين بالحصباء، ونهى عن قتل ناس من المشركين كل ذلك أثناء المعركة. [(١٩)] أخرجه مسلم مطولا، في ٣٢- كتاب الجهاد، (١٨) باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر، ح (٥٨)، ص (٣: ١٣٨٣- ١٣٨٤)، والإمام أحمد في «مسنده» (١: ٣٠، ٣٢) . [(٢٠)] الآيتان الكريمتان (٤٥- ٤٦) من سورة القمر.
[ ٣ / ٥٠ ]
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ [(٢١)] فِي الصَّحِيحِ [(٢٢)] عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ.
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ الْجُرْجَانِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو يَعْلَى، قَالَ:
حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الْحَنَفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ ابن عَمَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو زُمَيْلٍ وَهُوَ سِمَاكٌ الْحَنَفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: «لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلْفٌ، وَأَصْحَابُهُ ثَلَاثُمِائَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ الْقِبْلَةَ، ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ [(٢٣)] مَادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ، فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَأَلْقَاهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ كَذَلِكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ. فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ [(٢٤)] . فَأَمَدَّهُ اللهُ بِالْمَلَائِكَةِ.
قَالَ أَبُو زُمَيْلٍ: فَحَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يومئذ
_________________
(١) [(٢١)] في الأصول: «رواه البخاري ومسلم»، والأصوب أن البخاري رواه فقط عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الله ابن حَوْشَبٍ عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ، ولو أن الحديث في البخاري ومسلم لكان المصنف قد ذكر أن مسلما رواه عن فلان وفلان وهذا يفتقده النص، فزيادة مسلم من بعض النساخ. [(٢٢)] أخرجه البخاري في: ٦٥- كتاب التفسير، تفسير سورة القمر، (٥) باب قوله: «سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ»، الحديث (٤٨٧٥)، فتح الباري (٨: ٦١٩) . كما أخرجه البخاري في كتاب الجهاد (باب) ما قيل في درع النبي ﷺ والقميص في الحرب، عن أبي موسى، وفي كتاب المغازي (باب) «إذ تستغيثون ربكم» عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَوْشَبٍ. [(٢٣)] (فجعل يهتف بربه) معناه: يصيح، ويستغيث بالله بالدعاء، وجاء بعدها: «اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم! آت ما وعدتني، اللهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ العصابة من أهل الإسلام لَا تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ، فما زال يَهْتِفُ بِرَبِّهِ مَادًّا يَدَيْهِ [(٢٤)] الآية الكريمة (٩) سورة الأنفال.
[ ٣ / ٥١ ]
يَشْتَدُّ فِي أَثَرِ رَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَمَامَهُ إِذْ سَمِعَ ضَرْبَةً بِالسَّوْطِ فَوْقَهُ وَصَوْتُ الْفَارِسِ يَقُولُ أَقْدِمْ حَيْزُومُ [(٢٥)] إِذْ نَظَرَ إِلَى الْمُشْرِكِ أَمَامَهُ فَخَرَّ مُسْتَلْقِيًا فَنَظَرْنَا إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ قَدْ خُطِمَ أَنْفُهُ وَشُقَّ وَجْهُهُ كَضَرْبَةِ السَّوْطِ فَاخْضَرَّ ذَلِكَ أَجْمَعُ فَجَاءَ الْأَنْصَارِيُّ فَحَدَّثَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: صَدَقْتَ ذَلِكَ مِنْ مَدَدِ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ، فَقَتَلُوا يَوْمَئِذٍ سَبْعِينَ وَأَسَرُوا سَبْعِينَ» [(٢٦)] .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي غِفَارٍ قَالَ: «حَضَرْتُ أَنَا وَابْنُ عَمٍّ لِي بَدْرًا وَنَحْنُ عَلَى شِرْكِنَا فَإِنَّا لَفِي [(٢٧)] جَبَلٍ نَنْتَظِرُ الْوَقْعَةَ عَلَى مَنْ تَكُونُ الدَّبْرَةُ [(٢٨)] فنتهب، فَأَقْبَلَتْ سَحَابَةٌ، فَلَمَّا دَنَتْ مِنَ الْجَبَلِ سَمِعْنَا فِيهَا حَمْحَمَةَ الْخَيْلِ وَسَمِعْنَا فِيهَا فَارِسًا يَقُولُ أَقْدِمْ حَيْزُومُ فَأَمَّا صَاحِبِي فَانْكَشَفَ قِنَاعُ قَلْبِهِ فَمَاتَ مَكَانَهُ، وَأَمَّا أَنَا فَكِدْتُ أَنْ أَهْلِكَ ثُمَّ انْتَعَشْتُ [(٢٩)] بَعْدَ ذَلِكَ» [(٣٠)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ وَأَبُو سعيد بن أبي عمرو قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ بَعْضِ
_________________
(١) [(٢٥)] حيزوم: اسم فرس الملك، وهو منادى بحذف حرف النداء، أي: يا حيزوم. [(٢٦)] أخرجه مسلم في: ٣٢- كتاب الجهاد والسير، (١٨) باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر، ح (٥٨)، ص (١٣٨٣) . [(٢٧)] في (ص): «لعلى» . [(٢٨)] (الدبرة) الهزيمة، وعلى من تكون الدائرة. [(٢٩)] في السيرة: «ثم تماسكت» . [(٣٠)] سيرة ابن هشام (٢: ٢٧٣- ٢٧٤) .
[ ٣ / ٥٢ ]
بَنِي سَاعِدَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُسَيْدٍ مَالِكَ بْنَ ربيعة بعد ما أُصِيبَ بَصَرُهُ، يَقُولُ: «لَوْ كُنْتُ مَعَكُمْ بِبَدْرٍ الْآنَ وَمَعِي بَصَرِي لَأَخْبَرْتُكُمْ بِالشِّعْبِ الَّذِي خَرَجَتْ مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ، لَا أَشُكُّ وَلَا أَتَمَارَى» [(٣١)] .
فَلَمَّا نَزَلَتِ الْمَلَائِكَةُ وَرَآهَا إِبْلِيسُ وَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِمْ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا، وَتَثْبِيتُهُمْ: أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَأْتِي الرَّجُلَ فِي صُورَةِ الرَّجُلِ تَعْرِفُهُ فَيَقُولُ [(٣٢)]:
أَبْشِرُوا فَإِنَّهُمْ لَيْسُوا بِشَيْءٍ وَاللهُ مَعَكُمْ، كُرُّوا عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا رَأَى إِبْلِيسُ الْمَلَائِكَةَ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ، وَقَالَ: إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ، وَهُوَ فِي صُورَةِ سُرَاقَةَ، وَأَقْبَلَ أَبُو جَهْلٍ يُحَضِّضُ أَصْحَابَهُ وَيَقُولُ لا يهولنّكم خزلان سُرَاقَةَ إِيَّاكُمْ فَإِنَّهُ كَانَ عَلَى مَوْعِدٍ مِنْ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى لَا نَرْجِعُ حَتَّى نُقَرِّنَ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ فِي الْحِبَالِ فَلَا تَقْتُلُوهُمْ وَخُذُوهُمْ أَخْذًا» .
أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرِ بْنُ قَتَادَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ دَاوُدَ الْمِسْوَرِيُّ [(٣٣)] قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُزَيْزٍ قَالَ: حَدَّثَنِي سَلَامَةُ عَنْ عُقَيْلٍ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ قَالَ:
قَالَ أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: قَالَ أَبُو أُسَيْدٍ السَّاعِدِيُّ بعد ما ذهب بصره:
«يا بن أَخِي وَاللهِ لَوْ كُنْتُ أَنَا وَأَنْتَ بِبَدْرٍ ثُمَّ أَطْلَقَ اللهُ لِي بَصَرِي لَأَرَيْتُكَ الشِّعْبَ الَّذِي خَرَجَتْ علينا من الْمَلَائِكَةُ غَيْرَ شَكٍّ فَلَا تُمَارِ» .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بُطَّةَ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْجَهْمِ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَرَجِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ، عَنْ
_________________
(١) [(٣١)] سيرة ابن هشام (٢: ٢٧٤) . [(٣٢)] في (ص) و(هـ): «يعرفه فقال» . [(٣٣)] في (ح) و(هـ): «المسروري» .
[ ٣ / ٥٣ ]
عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (ح) .
قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِيهِ (ح) .
قَالَ: وَحَدَّثَنِي عَائِذُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَبِي الْحُوَيْرِثِ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ أُكَيْمَةَ اللَّيْثِيِّ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، قَالُوا: «لَمَّا حَضَرَ الْقِتَالُ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ رَافِعٌ يَدَيْهِ يَسْأَلُ اللهَ النَّصْرَ وَمَا وَعَدَهُ وَيَقُولُ: اللهُمَّ إِنْ ظَهَرُوا عَلَى هَذِهِ الْعِصَابَةِ ظَهَرَ الشِّرْكُ وَلَا يَقُومُ لَكَ دِينٌ وَأَبُو بَكْرٍ يَقُولُ: وَاللهِ لَيَنْصُرَنَّكَ اللهُ أَوْ لَيُبَيِّضَنَّ وَجْهَكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿ أَلْفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ عِنْدَ أَكْتَافِ الْعَدُوِّ. وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَبْشِرْ يَا أَبَا بَكْرٍ هَذَا جِبْرِيلُ مُعْتَجِرٌ بِعِمَامَةٍ صَفْرَاءَ آخِذٌ بِعِنَانِ فَرَسِهِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَلَمَّا نَزَلَ إِلَى الْأَرْضِ تَغَيَّبَ عَنِّي سَاعَةً، ثُمَّ طَلَعَ عَلَى ثَنَايَاهُ النَّقْعُ يَقُولُ: أَتَاكَ نَصْرُ اللهِ إِذْ دَعَوْتَهُ» [(٣٤)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو أَحْمَدَ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الضَّبِّيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَّامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الْفَرَّاءُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَوْمَ بَدْرٍ هَذَا جِبْرِيلُ آخِذٌ رَأْسَ فَرَسِهِ عَلَيْهِ أَدَاةُ الْحَرْبِ» .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُوسَى [(٣٥)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ
_________________
(١) [(٣٤)] نقل ابن كثير بعضه في البداية والنهاية (٣: ٢٧٦)، ونقله الصالحي في السيرة الشامية (٤: ٦٠) . [(٣٥)] أخرجه البخاري في: ٦٤- كتاب المغازي، (١١) باب شهود الملائكة بدرا، الحديث (٣٩٩٥)، فتح الباري (٧: ٣١٢) .
[ ٣ / ٥٤ ]
الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ السَّعْدِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ عَثْمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ يَعْقُوبَ الزَّمْعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الْحُوَيْرِثِ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عَلِيًّا ﵁ خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: «بَيْنَمَا أَنَا أَمْتَحُ مِنْ قَلِيبِ بَدْرٍ إِذْ جَاءَتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ لَمْ أَرَ مِثْلَهَا قَطُّ ثُمَّ ذَهَبَتْ، ثُمَّ جَاءَتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ لَمْ أَرَ مِثْلَهَا قَطُّ إِلَّا الَّتِي كَانَتْ قَبْلَهَا، وَأَظُنُّهُ ذَكَرَ: ثُمَّ جَاءَتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ قَالَ: فَكَانَتِ الرِّيحُ الْأُولَى جِبْرِيلَ ﵇ نَزَلَ فِي أَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَكَانَتِ الرِّيحُ الثَّانِيَةُ مِيكَائِيلَ نَزَلَ فِي أَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ عَنْ يَمِينِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ عَنْ يَمِينِهِ. وَكَانَتِ الرِّيحُ الثَّالِثَةُ إِسْرَافِيلَ نَزَلَ فِي أَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ عَنْ مَيْسَرَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَنَا فِي الْمَيْسَرَةِ، فَلَمَّا هَزَمَ اللهُ أَعْدَاءَهُ حَمَلَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى فَرَسِهِ فَجَمَزَتْ [(٣٦)] بِي فَوَقَعْتُ عَلَى عَقِبِي فَدَعَوْتُ اللهَ فَأَمْسَكَتْ فَلَمَّا اسْتَوَيْتُ عَلَيْهَا طَعَنْتُ بِيَدِي هَذِهِ فِي الْقَوْمِ حَتَّى اخْتَضَبَ هَذَا. وَأَشَارَ إِلَى إِبْطِهِ» [(٣٧)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ وأبو سعيد بن أَبِي عَمْرٍو قَالَا: حَدَّثَنَا أبو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنْ مِسْعَرِ بْنِ كِدَامٍ عَنْ أَبِي عَوْنٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: «قِيلَ لِي وَلِأَبِي بَكْرٍ يَوْمَ بَدْرٍ قِيلَ لِأَحَدِنَا: مَعَكَ جِبْرِيلُ وَقِيلَ لِلْآخَرِ مَعَكَ مِيكَائِيلُ وَإِسْرَافِيلُ مَلَكٌ عَظِيمٌ يَشْهَدُ الْقِتَالَ وَلَا يُقَاتِلُ ويكون في الصف» [(٣٨)] .
_________________
(١) [(٣٦)] فجمزت: أي خرت، وفي بعض الروايات: فخرت. [(٣٧)] أخرجه أبو يعلى والحاكم عَنْ عَلِيٍّ﵁-، ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٦: ٧٧)، وقال: رواه أبو يعلى، ورجاله ثقات، ونقل بعضه الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية (٣: ٢٧٩)، ونقله الصالحي في السيرة الشامية (٤: ٦١)، والسيوطي في الخصائص الكبرى (١: ٢٠٠) . [(٣٨)] مسند الإمام أحمد (٢: ٢٥٥) ط. دار المعارف، ونقله الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٣: ٢٧٩)، والسيوطي في الخصائص الكبرى (١: ٢٠١)، والصالحي في السيرة الشامية (٤: ٦٣) وعزاه للإمام أحمد، والبزار، والحاكم.
[ ٣ / ٥٥ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ إِمْلَاءً، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَنْبَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْعَبْدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عبد الله ابْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا الْحُمَيْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: قَالَ لِي أَبِي: «يَا بُنَيَّ لَقَدْ رَأَيْتُنَا يَوْمَ بَدْرٍ وَإِنَّ أَحَدَنَا يُشِيرُ بِسَيْفِهِ إِلَى رَأْسِ الْمُشْرِكِ فَيَقَعُ رَأْسُهُ عَنْ جَسَدِهِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ» [(٣٩)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي وَالِدِي إِسْحَاقُ بْنُ يَسَارٍ، حَدَّثَنِي رِجَالٌ مِنْ بَنِي مَازِنٍ عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ، قَالَ: «إِنِّي لَأَتْبَعُ يَوْمَ بَدْرٍ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ لِأَضْرِبَهُ فَوَقَعَ رَأْسُهُ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ سَيْفِي فَعَرَفْتُ أَنَّ غَيْرِي قَدْ قَتَلَهُ» [(٤٠)] .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ وَأَبُو سَعِيدِ بن أبي عَمْرٍو قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ ابن يَعْقُوبَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنْ عِيسَى بْنِ عَبْدِ اللهِ التَّمِيمِيِّ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ: «كَانَ النَّاسُ يَوْمَ بَدْرٍ يَعْرِفُونَ قَتْلَى الْمَلَائِكَةِ مِمَّنْ قَتَلُوهُمْ بِضَرْبٍ فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَعَلَى الْبَنَانِ مِثْلِ سِمَةِ النَّارِ قَدْ أُحْرِقَ بِهِ» [(٤١)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ علي بن محمد بن
_________________
(١) [(٣٩)] البداية والنهاية (٣: ٣٨٠- ٣٨١) عن المصنف، والصالحي في السيرة الشامية (٤: ٦٣) عن البيهقي، وأبو نعيم. [(٤٠)] سيرة ابن هشام (٢: ٢٧٤) . [(٤١)] نقله الحافظ بن كثير في البداية والنهاية (٣: ٢٨١)، والصالحي في السيرة الشامية (٤: ٦٣) كلاهما عن المصنف.
[ ٣ / ٥٦ ]
يحيى الدَّارِمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَنَ لَا أَتَّهِمُ عَنْ مِقْسَمٍ مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كَانَتْ سِيمَاءُ الْمَلَائِكَةِ يَوْمَ بَدْرٍ عمائم بيض قَدْ أَرْسَلُوهَا فِي ظُهُورِهِمْ، ويوم حنين عمائم حمر وَلَمْ يُقَاتِلِ الْمَلَائِكَةُ فِي يَوْمٍ سِوَى يَوْمِ بَدْرٍ مِنَ الْأَيَّامِ وَكَانُوا يَكُونُونَ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْأَيَّامِ عَدَدًا وَمَدَدًا لَا يَضْرِبُونَ» [(٤٢)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْأَصْبَهَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْجَهْمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَرَجِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ مَوْلًى لِسُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: سَمِعْتُ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو، يَقُولُ: «لَقَدْ رَأَيْتُ يَوْمَ بَدْرٍ رِجَالًا بِيضًا عَلَى خَيْلٍ بُلْقٍ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ مُعَلَّمِينَ يَقْتُلُونَ وَيَأْسِرُونَ وَكَانَ أَبُو أُسَيْدٍ السَّاعِدِيُّ يُحَدِّثُ بَعْدَ أَنْ ذَهَبَ بَصَرُهُ قَالَ: لَوْ كُنْتُ مَعَكُمُ الْآنَ بِبَدْرٍ وَمَعِي بَصَرِي لَأَرَيْتُكُمُ الشِّعْبَ الَّذِي خَرَجَتْ مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ لَا أَشُكُّ وَلَا أَمْتَرِي» [(٤٣)] .
قَالَ: فَحَدَّثَنِي خَارِجَةُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِجِبْرِيلَ مَنِ الْقَائِلُ يَوْمَ بَدْرٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ أَقْدِمْ حَيْزُومُ؟ فَقَالَ جِبْرِيلُ: يَا مُحَمَّدُ مَا كُلَّ أَهْلِ السَّمَاءِ أَعْرِفُ» [(٤٤)] .
قَالَ: فَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ يَحْيَى عَنْ حَمْزَةَ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «فَمَا أَدْرِي كَمْ يَدٌ مَقْطُوعَةٌ أَوْ ضَرْبَةٌ جَائِفَةٌ لَمْ يَدْمُ كَلْمُهَا [(٤٥)] يَوْمَ بدر قد رأيتها» [(٤٦)] .
_________________
(١) [(٤٢)] سيرة ابن هشام (٢: ٢٧٤) . [(٤٣)] البداية والنهاية (٣: ٢٨١)، والخصائص الكبرى (١: ٢٠١)، وسبل الهدى (٤: ٦٣) . [(٤٤)] البداية والنهاية (٣: ٢٨١)، سبل الهدى (٤: ٦٣) . [(٤٥)] في (ح) و(هـ): «كلها» . [(٤٦)] البداية والنهاية (٣: ٢٨١) .
[ ٣ / ٥٧ ]
قَالَ: فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَبِي عَقِيلٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَهْلِ بْنِ أَبِي خَيْثَمَةَ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ نِيَارٍ، قَالَ: «جِئْتُ يَوْمَ بَدْرٍ بثلاثة رؤوس فَوَضَعْتُهُنَّ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ: أَمَّا رَأْسَانِ فَقَتَلْتُهُمَا، وَأَمَّا الثَّالِثَةُ فَإِنِّي رَأَيْتُ رَجُلًا أَبْيَضَ طَوِيلًا ضَرَبَهُ فَأَخَذْتُ رَأْسَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاكَ فُلَانٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ» [(٤٧)] .
وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ، يَقُولُ: «لَمْ تُقَاتِلِ الْمَلَائِكَةُ إِلَّا يوم بدر» [(٤٨)] .
_________________
(١) [(٤٧)] ابن كثير (٣: ٢٨١)، عن الواقدي، وعن المصنف. ذكره الهيثمي في الزوائد (٦: ٨٣)، وقال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عِمْرَانَ، وهو ضعيف. [(٤٨)] انظر سيرة ابن هشام (٢: ٢٧٤) . ونقل الصالحي في السيرة الشامية عن السبكي وغيره ما يلي: قال شيخ الإسلام أبو الحسن السّبكيّ رحمه الله تعالى: سئلت عن الحكمة في قتال الملائكة مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ببدر، مع أن جبريل قادر على أن يدفع الكفار بريشة من جناحه، فأجبت: وقع ذلك لإرادة أن يكون الفعل لِلنَّبِيِّ ﷺ وأصحابه فتكون الملائكة مددا، على عادة مدد الجيوش رعاية لصورة الأسباب وسننها، التي أجزاها الله تعالى في عباده، والله تعالى فاعل الأشياء. وقال في الكشّاف في تفسير سورة يس في قوله تعالى: وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ فإن قلت: فلم أنزل الجنود من السّماء يوم بدر والخندق؟ فقال: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْها وقال بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ قلت: إنما كان يكفي ملك واحد فقد أهلكت مدائن قوم لوط بريشة من جناح جبريل، وبلاد ثمود وقوم صالح بصيحة، ولكنّ الله تعالى فضّل محمدا ﷺ بكل شيء على كبار الأنبياء وأولى العزم من الرّسل، فضلا على حبيبه النجار. وأولاه من أسباب الكرامة ما لم يؤته أحدا، فمن ذلك أنه أنزل له جنودا من السماء، وكأنه أشار بقوله: وَما أَنْزَلْنا وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ إلى أن إنزال الجنود من عظائم الأمور التي لا يؤهّل لها إلا مثلك، وما كنا نفعله لغيرك. وقد اختلف المفسّرون في قوله تعالى: إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ. بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ
[ ٣ / ٥٨ ]
_________________
(١) [()] بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ الآيات، هل كان هذا الوعد يوم بدر أو يوم أحد؟ فقال ابن عباس والحسن، وقتادة، وعامر الشعبيّ، والربيع بن أنس، وغيرهم، وعليه جرى الإمام البخاريّ في صحيحه واختاره ابن جرير. وقال الحافظ: إنه قول الأكثر. وإن قوله تعالى: إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ. بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ يتعلق بقوله: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ لأن السّياق يدل على ذلك، فإنه ﷾ قال: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ إلى أن قال: وَما جَعَلَهُ اللَّهُ أي هذا الإمداد إِلَّا بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ قالوا: فلمّا استغاثوا أمدّهم بألف، ثم أمدّهم بتمام خمسة آلاف لمّا صبروا واتّقوا، وكان هذا التّدريج ومتابعة الإمداد أحسن موقعا، وأقوى لنفوسهم وأسرّ لها من أن تأتي دفعة، وهو بمنزلة متابعة الوحي ونزوله مرّة بعد مرّة. فإن قيل: فما الجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى في قصة بدر: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ إلى آخر الآية؟ فالجواب: أن التّنصيص على الألف هنا لا ينافي الثلاثة آلاف فما فوقها، لقوله: مردفين، يعني بردفهم غيرهم، ويتبعهم ألوف أخر مثلهم، وهذا السياق شبيه بالسّياق في سورة آل عمران، فالظاهر أنّ ذلك كان يوم بدر كما هو المعروف من أنّ قتال الملائكة إنما كان يوم بدر، وقالت شرذمة: هذا الوعد بالإمداد بالثلاثة وبالخمسة كان يوم أحد، وكان إمدادا معلّقا على شرط، وهو التّقوى ومصابرة عدوّهم فلم يصبروا، بل فرّوا، فلما فات شرطه فات الإمداد فلم يمدّوا بملك واحد، والقصة في سياق أحد، وإنما أدخل ذكر بدر اعتراضا في آيتها فإنه قال: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ثم قال: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ فذكّرهم نعمته عليهم لمّا نصرهم ببدر وهم أذلّة، ثم عاد إلى قصة أحد وأخبر عن قول رسوله أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ ثم وعدهم إن صبروا واتّقوا أن يمدّهم بخمسة آلاف، فهذا من قول رسوله، والإمداد الذي ببدر من قوله تعالى هذا: بِخَمْسَةِ آلافٍ وإمداد بدر بألف، وهذا معلّق على شرط وذاك مطلق، والقصة في سورة آل عمران هي قصّة أحد مستوفاة مطوّلة، وبدر ذكرت فيها اعتراضا، والقصّة في سورة الأنفال توضّح هذا. قال الحافظ بن حجر: ويؤيّد ما ذهب إليه الجمهور ما رواه ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي
[ ٣ / ٥٩ ]
قَالَ: فَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي حَبِيبَةَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «كَانَ الْمَلَكُ يَتَصَوَّرُ فِي صُورَةِ مَنْ يَعْرِفُونَ مِنَ النَّاسِ يُثَبِّتُونَهُمْ فَيَقُولُ: إِنِّي قَدْ دَنَوْتُ مِنْهُمْ فَسَمِعْتُهُمْ يَقُولُونَ: لَوْ حَمَلُوا عَلَيْنَا مَا ثَبَتْنَا. لَيْسُوا بِشَيْءٍ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللهِ ﷿: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا [(٤٩)] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ.
قَالَ فَحَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كَانَ السَّائِبُ بْنُ أَبِي حُبَيْشٍ [(٥٠)] يُحَدِّثُ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ يَقُولُ: «وَاللهِ مَا أَسَرَنِي أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ، فَيُقَالَ: فَمَنْ؟ فَيَقُولُ: لَمَّا انْهَزَمَتْ قُرَيْشٌ انْهَزَمْتُ مَعَهَا فَيُدْرِكُنِي رَجُلٌ أَبْيَضُ طَوِيلٌ عَلَى فَرَسٍ أَبْيَضَ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَأَوْثَقَنِي رِبَاطًا، وَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فَوَجَدَنِي مَرْبُوطًا، وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يُنَادِي فِي الْعَسْكَرِ مَنْ أَسَرَ هَذَا فَلَيْسَ يَزْعُمُ أَحَدٌ أَنَّهُ أَسَرَنِي حَتَّى انْتُهِيَ بِي إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: يا بن أَبِي حُبَيْشٍ مَنْ أَسَرَكَ؟ فَقُلْتُ: لَا أَعْرِفُهُ، وَكَرِهْتُ أَنْ أُخْبِرَهُ بِالَّذِي رَأَيْتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَسَرَكَ مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، اذْهَبْ يا بن عَوْفٍ بِأَسِيرِكَ، فَذَهَبَ بِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عوف، فقال
_________________
(١) [()] حاتم بسند صحيح عن الشعبي أن المسلمين بلغهم يوم بدر أن كرز بن جابر المحاربي مدّ المشركين فشقّ ذلك على المسلمين، فأنزل الله تعالى: أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ الآية، فبلغت كرزا الهزيمة فلم يمد كرز المشركين ولم يمدّ المسلمون. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: هذا- أي القول الأول- هو المعتمد. [(٤٩)] الآية الكريمة (١٢) من سورة الأنفال. [(٥٠)] السَّائِبُ بْنُ أَبِي حُبَيْشٍ بن المطلب بن عبد العزى القرشي الأسدي، ذكره ابن سعد في الطبقة الرابعة ممن أسلم يوم الفتح، وذكره ابن حجر في الإصابة (٢: ٩)، وقال: «أسلم يوم الفتح وأطعمه رسول الله ﷺ بخيبر ثلاثين وسقا، ولا أعلمه رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ شَيْئًا ومات زمن معاوية بالمدينة» .
[ ٣ / ٦٠ ]
السائب: ما زالت تِلْكَ الْكَلِمَةُ أَحْفَظُهَا، وَتَأَخَّرَ إِسْلَامِي حَتَّى كَانَ مِنْ أَمْرِي مَا كَانَ» [(٥١)] .
قَالَ وَحَدَّثَنِي عَائِذُ بْنُ يَحْيَى حَدَّثَنَا أَبُو الْحُوَيْرِثِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ أُكَيْمَةَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، قَالَ: «لَقَدْ رَأَيْتُنَا يَوْمَ بَدْرٍ وَقَدْ وَقَعَ بِوَادِي خَلْصٍ بِجَادٌ [(٥٢)] مِنَ السَّمَاءِ قَدْ سَدَّ الْأُفُقَ وَإِذَا الْوَادِي يَسِيلُ نَمْلًا، فَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّ هَذَا شَيْءٌ مِنَ السَّمَاءِ أُيِّدَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ، فَمَا كَانَتْ إِلَّا الْهَزِيمَةُ وَهِيَ الْمَلَائِكَةُ» [(٥٣)] .
وَفِيمَا أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ [(٥٤)] السُّلَمِيُّ إِجَازَةً أَنَّ أَبَا الْحَسَنِ بْنَ صُبَيْحٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ شِيرَوَيْهِ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْحَنْظَلِيُّ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ يَقُولُ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: «رَأَيْتُ قَبْلَ هَزِيمَةِ الْقَوْمِ وَالنَّاسُ يَقْتَتِلُونَ مِثْلَ الْبِجَادِ الْأَسْوَدِ أَقْبَلَ مِنَ السَّمَاءِ مِثْلَ النَّمْلِ السُّودِ فَلَمْ أَشْكُكْ أَنَّهَا الْمَلَائِكَةُ فَلَمْ يَكُنْ إِلَّا هَزِيمَةُ الْقَوْمِ [(٥٥)] تَابَعَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ.
_________________
(١) [(٥١)] أخرجه الواقدي (١: ٧٩)، نقله ابن كثير في البداية والنهاية (٣: ٢٨١)، والسيوطي في الخصائص الكبرى (١: ٢٠٢) عن الواقدي والبيهقي، والصالحي في السيرة الشامية (٤: ٦٤) عن المصنف. [(٥٢)] البجاد: الكساء، وأراد به هنا الملائكة. [(٥٣)] رواه الواقدي في المغازي (١: ٨٠)، وعنه نقله ابن كثير (٣: ٢٨١) . [(٥٤)] في (ص): أَبُو عَبْدِ اللهِ، وَهُوَ تحريف. [(٥٥)] البداية والنهاية (٣: ٢٨٢)، والسيوطي في الخصائص الكبرى (١: ٢٠٢) عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ، والبيهقي، وأبي نعيم.
[ ٣ / ٦١ ]
بَابُ كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الْقِتَالِ، وَتَهْيِيجُ الْحَرْبِ يَوْمَ بَدْرٍ
أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ الْأَصْبَهَانِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو سعيد ابن الْأَعْرَابِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ حَارِثَةَ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: «لَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ أَصَبْنَا مِنْ ثِمَارِهَا فَاجْتَوَيْنَاهَا [(١)] وَأَصَابَنَا بِهَا وَعَكٌ [(٢)]، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَخَبَّرُ [(٣)] عَنْ بَدْرٍ، فَلَمَّا بَلَغَنَا أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَدْ أَقْبَلُوا، سَارَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى بَدْرٍ- وَبَدْرٌ بِئْرٌ- فَسَبَقْنَا الْمُشْرِكِينَ إِلَيْهَا فَوَجَدْنَا فِيهَا رَجُلَيْنِ: رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ وَمَوْلًى لِعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، فَأَمَّا الْقُرَشِيُّ فَانْفَلَتَ، وَأَمَّا مَوْلَى عُقْبَةَ فَأَخَذْنَاهُ فَجَعَلْنَا نَقُولُ لَهُ كَمِ الْقَوْمُ فَيَقُولُ هُمْ وَاللهِ كَثِيرٌ عَدَدُهُمْ، شَدِيدٌ بَأْسُهُمْ، فَجَعَلَ الْمُسْلِمُونَ إِذَا قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ ضَرَبُوهُ حَتَّى انْتَهَوْا بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لَهُ كَمِ الْقَوْمُ قَالَ هُمْ وَاللهِ كَثِيرٌ عَدَدُهُمْ شَدِيدٌ بَأْسُهُمْ، فَجَهَدَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُخْبِرَ بِكَمْ هِيَ فَأَبَى ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سَأَلَهُ كَمْ يَنْحَرُونَ مِنَ الْجَزُورِ [(٤)] فَقَالَ عَشَرَةٌ كل
_________________
(١) [(١)] (فاجتويناها): أصابنا الجوى، وهو المرض، والتعب، والوعك، وقد تقدم كيف أن بعض الصحابة مرض من جوّ المدينة بعد الهجرة، وأن الرسول ﷺ قد دعا للمدينة وأهلها. [(٢)] (الوعك): الحمّى، أو الألم يجده الإنسان من شدة التعب. [(٣)] (يتخبر): يتعرف. [(٤)] (الجزور): الناقة المجزورة، ويقع على الذكر والأنثى، وهو يؤنث لأن اللفظة مؤنثة.
[ ٣ / ٦٢ ]
يَوْمٍ فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ الْقَوْمُ أَلْفٌ كُلُّ جَزُورٍ لِمِائَةٍ وَتَبَعِهَا، ثُمَّ إِنَّهُ أَصَابَنَا مِنَ اللَّيْلِ طَشٌّ مِنْ مَطَرٍ، فَانْطَلَقْنَا تَحْتَ الشَّجَرَةِ وَالْجَحَفِ نَسْتَظِلُّ بِهَا مِنَ الْمَطَرِ، وَبَاتَ رَسُولُ الله ﷺ يَدْعُو رَبَّهُ وَيَقُولُ اللهُمَّ إِنَّكَ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ لَا تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ، فَلَمَّا طَلَعَ الْفَجْرُ نَادَى رَسُولُ اللهِ ﷺ الصَّلَاةَ جَامِعَةً، فَجَاءَ النَّاسُ مِنْ تَحْتِ الشَّجَرِ وَالْجَحَفِ فَصَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَحَضَّ عَلَى الْقِتَالِ، ثُمَّ قَالَ:
إِنَّ جَمْعَ قُرَيْشٍ عِنْدَ هَذِهِ الضِّلَعِ الْحَمْرَاءِ مِنَ الْجَبَلِ فَلَمَّا دَنَا الْقَوْمُ مِنَّا وَصَافَفْنَاهُمْ إِذَا رَجُلٌ مِنْهُمْ يَسِيرُ فِي الْقَوْمِ عَلَى جَمَلٍ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَا عَلِيُّ نَادِ لِي حَمْزَةَ وَكَانَ أَقْرَبَهُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ صَاحِبِ الْجَمَلِ الْأَحْمَرِ وَمَاذَا يَقُولُ لَهُمْ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِنْ يَكُ فِي الْقَوْمِ أَحَدٌ يَأْمُرُ بِخَيْرٍ فَعَسَى أَنْ يَكُونَ صَاحِبَ الْجَمَلِ الْأَحْمَرِ فَجَاءَ حَمْزَةُ فَقَالَ: هُوَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَهُوَ يَنْهَى عَنِ الْقِتَالِ، وَيَقُولُ لَهُمْ: يَا قَوْمُ إِنِّي أَرَى أَقْوَامًا مُسْتَمِيتِينَ لَا تَصِلُونَ إِلَيْهِمْ وَفِيكُمْ خَيْرٌ، يَا قَوْمُ اعْصِبُوهَا الْيَوْمَ بِرَأْسِي وَقُولُوا جَبُنَ عُتْبَةُ وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي لَسْتُ بِأَجْبَنِكُمْ. فَسَمِعَ ذَلِكَ أَبُو جَهْلٍ فَقَالَ أَنْتَ تَقُولُ هَذَا وَاللهِ لَوْ غَيْرُكَ يَقُولُ هَذَا لَأَعْضَضْتُهُ [(٥)]، قَدْ مُلِئَتْ جَوْفُكَ رُعْبًا، فَقَالَ عُتْبَةُ: إِيَّايَ تَعْنِي يَا مُصَفِّرَ اسْتِهِ [(٦)] سَتَعْلَمُ الْيَوْمَ أَيُّنَا أَجْبَنُ، فَبَرَزَ عُتْبَةُ، وَأَخُوهُ، وَابْنُهُ الْوَلِيدُ حَمِيَّةً فَقَالَ مَنْ يُبَارِزُ فَخَرَجَ مِنَ الْأَنْصَارِ شَيْبَةُ فَقَالَ، عُتْبَةُ، لَا نُرِيدُ هَؤُلَاءِ وَلَكِنْ يُبَارِزُنَا مِنْ بَنِي عَمِّنَا مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: قُمْ يَا عَلِيُّ، قُمْ يَا حَمْزَةُ، قُمْ يَا عُبَيْدَةُ بْنَ الْحَارِثِ [(٧)]، فَقَتَلَ اللهُ عُتْبَةَ وَشَيْبَةَ ابْنَيْ رَبِيعَةَ وَالْوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ وَجُرِحَ عبيدة بن
_________________
(١) [(٥)] (أعضضته): أي قلت له: «أعضض بأير أبيك» . [(٦)] (يا مصفر استه) . في النهاية: رماه بالأبنة، وأنه كان يزعفر استه! وقيل: هي كلمة تقال للمتنعم المترف الذي لم تحنكه التجارب. [(٧)] عُبَيْدَةَ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، أسن مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ بعشر سنين، أسلم قديما، جرح يوم بدر، ثم مات، وله ترجمة في ابن سعد (٣: ١: ٣٤- ٣٥)، والإصابة (٤: ٢٠٩) .
[ ٣ / ٦٣ ]
الْحَارِثِ فَقَتَلْنَا مِنْهُمْ سَبْعِينَ وَأَسَرْنَا سَبْعِينَ فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ قَصِيرٌ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ أَسِيرًا، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ هَذَا وَاللهِ مَا أَسَرَنِي لَقَدْ أَسَرَنِي رَجُلٌ أَجْلَحُ [(٨)] مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ وَجْهًا عَلَى فَرَسٍ أَبْلَقَ مَا أَرَاهُ فِي الْقَوْمِ فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: أَنَا أَسَرْتُهُ يَا رَسُولَ اللهِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ اسْكُتْ فَقَدَ أَيَّدَكَ اللهُ [﷿] [(٩)] بِمَلَكٍ كَرِيمٍ قَالَ عَلِيٌّ ﵁. فَأُسِرْنَا مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ الْعَبَّاسُ [(١٠)] وَعَقِيلٌ وَنَوْفَلُ بْنُ الْحَارِثِ» [(١١)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي وَالِدِي: إِسْحَاقُ بْنُ يَسَارٍ، عَنْ أَشْيَاخٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، قَالُوا:
«بَعَثَتْ قُرَيْشٌ يَوْمَ بَدْرٍ: عُمَيْرَ بْنَ وَهْبٍ فقالوا احرز لَنَا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ، فَاسْتَجَالَ حَوْلَ الْعَسْكَرِ عَلَى فَرَسٍ لَهُ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: ثَلَاثُمِائَةٍ وَخَمْسُونَ [(١٢)] يَزِيدُونَ قَلِيلًا أَوْ يَنْقُصُونَ قَلِيلًا ولكن انْظُرُونِي حَتَّى أَنْظُرَ فِي الْوَادِي حَتَّى أَرَى [هل] [(١٣)] لهم مددا أو كمينا، فَضَرَبَ فِي الْوَادِي حَتَّى أَمْعَنَ، ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا. وَلَكِنْ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ قَدْ رَأَيْتُ الْبَلَايَا [(١٤)] تَحْمِلُ
_________________
(١) [(٨)] (الرجل الأجلح): الذي انحسر الشعر عن جانبي رأسه. [(٩)] الزيادة من (ص) . [(١٠)] في الأصول: «رجل»، وأثبت ما في المسند. [(١١)] الحديث أخرجه بطوله الإمام أحمد في «مسنده» (١: ١١٧)، وذكره الهيثمي في الزوائد (٦: ٧٥)، وقال: «رواه أحمد والبزار، ورجال أحمد رجال الصحيح غير حارثة بن مضرب، وهو ثقة»، ونقله الحافظ بن كثير في البداية والنهاية (٣: ٢٧٧- ٢٧٨)، وروى أبو داود بعضه من حديث إسرائيل في كتاب الجهاد، (باب) في المبارزة. [(١٢)] في السيرة: ثلاثمائة رجل» . [(١٣)] ليست في (ص) . [(١٤)] (البلايا) جمع بلية، وهي الناقة، والدابة تربط على قبر الميت فلا تعلف ولا تسقى حتى تموت، وكان بعض العرب ممن يقر بالبعث يقول: إن صاحبها يحشر عليها.
[ ٣ / ٦٤ ]
الْمَنَايَا، نَوَاضِحُ [(١٥)] تَحْمِلُ الْمَوْتَ النَّاقِعَ [(١٦)] قَدْ رَأَيْتُ أَقْوَامًا مَا وَرَاءَهُمْ مَرْجِعٌ، وَمَا عِصْمَتُهُمْ إِلَّا سُيوفَهُمْ، وَلَا وَاللهِ مَا أَرَى أَنْ يقتل رجل متى يَقْتُلَ مِثْلَهُ، فَإِذَا قَتَلُوا مِثْلَ أَعْدَادِهِمْ فَمَا خَيْرٌ فِي الْعَيْشِ بَعْدَهُ، فَرَوْا رَأْيَكُمْ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ [(١٧)] .
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْإِسْنَادِ الَّذِي ذَكَرَ لِقِصَةِ بَدْرٍ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ:
فَلَمَّا سَمِعَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ ذَلِكَ مَشَى فِي النَّاسِ فَلَقِيَ عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ قَالَ يَا أَبَا الْوَلِيدِ إِنَّكَ كَبِيرُ قُرَيْشٍ وَسَيِّدُهَا وَالْمُطَاعُ فِيهَا فَهَلْ لَكَ إِلَى أَنْ لَا تَزَالَ [(١٨)] مِنْهَا بِخَيْرٍ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ؟ فَقَالَ وَمَا ذَاكَ قَالَ تَرْجِعُ بِالنَّاسِ وَتَحَمَّلُ دَمَ حَلِيفِكَ عمرو ابن الْحَضْرَمِيِّ فَقَالَ عُتْبَةُ: قَدْ فَعَلْتُ فَائْتِ ابْنَ الْحَنْظَلِيَّةِ يَعْنِي أَبَا جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ، ثُمَّ قَامَ عُتْبَةُ خَطِيبًا فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إِنَّكُمْ وَاللهِ مَا تَصْنَعُونَ بِأَنْ تَلْقَوْا مُحَمَّدًا وأصحابه شيئا وقد نجّا الله عِيرَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ فَلَا حَاجَةَ لَكُمْ فِي أَنْ تَسِيرُوا فيَ غَيْرِ صَنِيعَةٍ وَإِنَّمَا خَرَجْتُمْ لِتَمْنَعُوا عِيرَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ فَاجْعَلُوا بِي جُبْنَهَا وَارْجِعُوا. وَاللهِ لَئِنْ أَصَبْتُمْ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ لَا يَزَالُ رَجُلٌ يَنْظُرُ فِي وَجْهِ رَجُلٍ يَكْرَهُ النَّظَرَ إِلَيْهِ قَتَلَ ابْنَ عَمِّهِ أَوِ ابْنَ خَالِهِ أَوْ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَشِيرَتِهِ، فَارْجِعُوا وَخَلُّوا بَيْنَ مُحَمَّدٍ وَبَيْنَ سَائِرِ الْعَرَبِ، فَإِنْ أَصَابُوهُ فَذَاكَ الَّذِي أَرَدْتُمْ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُ ذَلِكَ أَلْفَاكُمْ وَلَمْ تَعْرِضُوا مِنْهُ لِمَا لَا تُرِيدُونَ.
قَالَ حَكِيمٌ: فَانْطَلَقْتُ حَتَّى جِئْتُ أَبَا جَهْلٍ فَقُلْتُ يَا أَبَا الْحَكَمِ إِنَّ عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ بِكَذَا وَكَذَا لِلَّذِي قَالَ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: انْتَفَخَ وَاللهِ سَحْرُهُ حِينَ رَأَى مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ كَلَّا وَاللهِ لَا نَرْجِعُ حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ وَمَا
_________________
(١) [(١٥)] في السيرة: «نواضح يثرب»، ونواضح: الإبل التي يسقى عليها الماء. [(١٦)] الناقع: الثابت. [(١٧)] سيرة ابن هشام (٢: ٢٦١- ٢٦٢) . [(١٨)] في (ص) كتبت: «ألّا» .
[ ٣ / ٦٥ ]
بِعُتْبَةَ مَا قَالَ وَلَكِنَّهُ قَدْ رَأَى أَنَّ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ أُكْلَةُ جَزُورٍ وَفِيهِمُ ابْنُهُ وَقَدْ تَخَوَّفَكُمْ عَلَيْهِ [(١٩)] .
ثُمَّ بَعَثَ إِلَى عَامِرِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ، فَقَالَ: هَذَا حَلِيُفُكَ يُرِيدُ أَنْ يَرْجِعَ بِالنَّاسِ وَقَدْ رَأَيْتَ ثَأْرَكَ بِعَيْنِكَ فَقُمْ فَأَنْشِدْ خُفْرَتَكَ [(٢٠)] وَمَقْتَلَ أَخِيكَ فَقَامَ عَامِرٌ فاكتشف ثم صرخ وا عمرواه وا عمرواه فَحَمِيَتِ الْحَرْبُ وَحَقِبَ أَمْرُ النَّاسِ وَاسْتَوْسَقَ عَلَى مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الشَّرِّ وَأَفْسَدَ عَلَى النَّاسِ الرَّأْيَ الَّذِي دَعَاهُمْ إِلَيْهِ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ عُتْبَةَ مِنْ قَوْلِ أَبِي جَهْلٍ، انْتَفَخَ سَحْرُهُ قَالَ سَيعْلَمُ مُصَفِّرُ اسْتِهِ أَيُّنَا الْجَبَانُ الْمُفْسِدُ لِقَوْمِهِ: أَنَا، أَمْ هُوَ، ثُمَّ الْتَمَسَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ بَيْضَةً لِيُدْخِلَهَا رَأْسَهُ فَمَا وُجِدَتْ فِي الْجَيْشِ بَيْضَةٌ تَسَعُهُ مِنْ عِظَمِ هَامَتِهِ فَاعْتَجَرَ حِينَ رَأَى ذَلِكَ بِبُرْدٍ لَهُ عَلَى رَأْسِهِ
وَأَقْبَلَ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ حَتَّى وَرَدُوا حَوْضَ رَسُولِ الله ﷺ فِيهِمْ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ دَعُوهُمْ فَمَا شَرِبَ مِنْهُمْ رَجُلٌ يَوْمَئِذٍ إِلَّا قُتِلَ، إِلَّا حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ فَإِنَّهُ لَمْ يُقْتَلْ، وَأَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ،
فَكَانَ إِذَا اجْتَهَدَ يَمِينَهُ قَالَ وَالَّذِي نَجَّانِي يَوْمَ بَدْرٍ [(٢١)] .
قَالَ فَلَمَّا رَأَى الْأَسْودُ بن عبد الأسد الْحَوْضَ قَالَ وَاللهِ لَأَنْطَلِقَنَّ فَلَأَهْدِمَنَّهُ أَوْ لَأُقْتَلَنَّ قَبْلَ ذَلِكَ، وَكَانَ رَجُلًا شَرِسًا سيء الْخُلُقِ فَخَرَجَ إِلَيْهِ لِيَهْدِمَهُ، وَخَرَجَ إِلَيْهِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَضَرَبَهُ فَأَطَنَّ [(٢٢)] قَدَمَهُ بِنِصْفِ سَاقِهِ وَهُمَا دُونَ الْحَوْضِ فَوَقَعَ عَلَى ظَهْرِهِ تَشْخُبُ [(٢٣)] رِجْلُهُ دَمًا نَحْوَ أَصْحَابِهِ، ثُمَّ حَبَا إِلَى الْحَوْضِ حتى
_________________
(١) [(١٩)] سيرة ابن هشام (٢: ٢٦٢- ٢٦٣) . [(٢٠)] (خفرتك): «عهدك» . [(٢١)] سيرة ابن هشام (٢: ٢٦٣- ٢٦٤) . [(٢٢)] (أطنّ قدمه): أطارها. [(٢٣)] تشخب: تسيل بصوت.
[ ٣ / ٦٦ ]
اقْتَحَمَ فِيهِ يُرِيدُ أَنْ يَبَرَّ يَمِينَهُ وَاتَّبَعَهُ حَمْزَةُ يَضْرِبُهُ حَتَّى قَتَلَهُ فِي الْحَوْضِ، فَكَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ» [(٢٤)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: «لَقَدْ قُلِّلُوا فِي أَعْيُنِنَا يَوْمَ بَدْرٍ حَتَّى قُلْتُ لِرَجُلٍ إِلَى جَنْبِي أَتَرَاهُمْ سَبْعِينَ، قَالَ: أَرَاهُمْ مِائَةً، قَالَ: فَأَسَرْنَا رَجُلًا مِنْهُمْ، فَقُلْتُ كَمْ كُنْتُمْ؟ قَالَ: أَلْفًا» .
_________________
(١) [(٢٤)] سيرة ابن هشام (٢: ٢٦٤- ٢٦٥) .
[ ٣ / ٦٧ ]
بَابُ تَحْرِيضِ النَّبِيِّ ﷺ على الْقِتَالِ يَوْمَ بَدْرٍ وَشِدَّةِ بَأْسِهِ
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّغَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بسبس [(١)] عَيْنًا [(٢)] يَنْظُرُ مَا صَنَعَتْ عِيرُ أَبِي سُفْيَانَ، فَجَاءَ وَمَا فِي الْبَيْتِ أَحَدٌ غَيْرِي وَغَيْرَ رَسُولِ اللهِ ﷺ (قَالَ: لَا أَدْرِي مَا اسْتَثْنَى بَعْضَ نِسَائِهِ) قَالَ: فَحَدَّثَهُ الْحَدِيثَ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَتَكَلَّمَ، فَقَالَ: إِنَّ لَنَا طَلِبَةً [(٣)] فَمَنْ كَانَ ظَهْرُهُ [(٤)] حَاضِرًا فَلْيَرْكَبْ مَعَنَا، قَالَ: فَجَعَلَ رِجَالٌ يَسْتَأْذِنُوهُ فِي ظُهْرَانِهِمْ فِي عُلُوِّ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ: «لَا إِلَّا مَنْ كَانَ ظَهْرُهُ حَاضِرًا» .
فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّه ﷺ وَأَصْحَابُهُ حَتَّى سَبَقُوا الْمُشْرِكِينَ إِلَى بَدْرٍ، وَجَاءَ الْمُشْرِكُونَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: لَا يَقُومَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ إِلَى شَيْءٍ حتى أكون أنا
_________________
(١) [(١)] في صحيح مسلم: بسيسة، وفي كتب السيرة: بسبس بن عمرو، ويقال: ابن بشر من الأنصار، وقال النووي: يجوز أن يكون أحد اللفظين اسما له، والآخر لقبا. [(٢)] أي متجسسا، ورقيبا. [(٣)] (إن لنا طلبة): أي شيئا نطلبه. [(٤)] (ظهره): الدواب التي تركب.
[ ٣ / ٦٨ ]
دُونَهُ، فَدَنَا الْمُشْرِكُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: قُومُوا إِلَى جنة عرضها السموات والأرض [يَقُولُ عُمَيْرُ بْنُ الْحُمَامِ الْأَنْصَارِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّه! جنة عرضها [(٥)] السموات والأرض؟] فَقَالَ: نَعَمْ، قَالَ: بَخٍ بَخٍ [(٦)] قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: مَا يَحْمِلُكَ عَلَى قَوْلِكَ بَخٍ بَخٍ قَالَ: لَا واللَّه يَا رَسُولَ اللَّه إِلَّا رَجَاءَ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا قَالَ فَإِنَّكَ مِنْ أَهْلِهَا قَالَ فَأَخْرَجَ تَمَرَاتٍ مِنْ قَرْنِهِ [(٧)] فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهُنَّ ثُمَّ قَالَ:
لَئِنْ أَنَا حَيِيتُ حَتَّى آكُلَ تَمَرَاتِي هَذِهِ إِنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ، قَالَ: فَرَمَى بِمَا كَانَ مَعَهُ مِنَ التَّمْرِ ثُمَّ قَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ [﵁] [(٨)]» .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَجَمَاعَةٍ عَنْ أَبِي النَّضْرِ [(٩)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ يُوسُفَ الْأَصْبَهَانِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدِ بْنُ الْأَعْرَابِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَنْقَزِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّبٍ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: «لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ اتَّقَيْنَا الْمُشْرِكِينَ بِرَسُولِ اللَّه ﷺ وَكَانَ أَشَدَّ النَّاسِ بَأْسًا [(١٠)] .
قَالَ وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، فَذَكَرَ بِنَحْوِهِ، وَزَادَ:
_________________
(١) [(٥)] الزيادة من الصحيح. [(٦)] كلمة تطلق لتفخيم الأمر وتعظيمه في الخير. [(٧)] أي جعبة النشاب. [(٨)] الزيادة من (ص) فقط. [(٩)] أخرجه البخاري في: ٣٣- كتاب الإمارة، (٤١) باب ثبوت الجنة للشهيد، الحديث (١٤٥)، ص (١٥٠٩- ١٥١٠)، وأبو داود مختصرا في كتاب الجهاد، (باب) بعث العيون، عَنْ هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّه. [(١٠)] أخرجه الإمام أحمد في «مسنده» (١: ١٢٦)، وأعاده (١: ١٥٦) دون ذكر بدر، واختصره في (١: ٨٦) .
[ ٣ / ٦٩ ]
«وَمَا كَانَ أَحَدٌ أَقْرَبَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ مِنْهُ» .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدُوسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّه بْنِ يُونُسَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْغَسِيلِ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وَعَنْ حَمْزَةَ بْنِ أَبِي أُسَيْدٍ السَّاعِدِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «لَمَّا الْتَقَيْنَا نَحْنُ وَالْقَوْمُ يَوْمَ بَدْرٍ، قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّه ﷺ: إِذَا أَكْثَبُوكُمْ فَارْمُوهُمْ بِالنَّبْلِ وَاسْتَبْقُوا نَبْلَكُمْ» [(١١)] .
وأَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الرُّوذْبَارِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بكر بن داسة، قال: حدثنا أَبُو دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ الْغَسِيلِ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ أَبِي أسد، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ حِينَ اصْطَفَفْنَا يَوْمَ بَدْرٍ إِذَا أَكْثَبُوكُمْ يَعْنِي إِذَا غَشَوْكُمْ، فَارْمُوهُمْ بِالنَّبْلِ وَاسْتَبْقُوا نَبْلَكُمْ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ مُحَمَّدٍ الْجُعْفِيِّ عَنْ أَبِي أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيِّ
[(١٢)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ:
حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّه بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: «جَعَلَ رَسُولُ اللَّه ﷺ شِعَارَ الْمُهَاجِرِينَ يَوْمَ بَدْرٍ: يَا بَنِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَشِعَارَ الْخَزْرَجِ: يَا بَنِي عَبْدِ اللَّه، وَشِعَارَ الْأَوْسِ: يَا بَنِي عُبَيْدِ اللَّه، وَسَمَّى خَيْلَهُ: خَيْلَ اللَّه» [(١٣)] .
_________________
(١) [(١١)] سيأتي في الحديث لتالي. [(١٢)] أخرجه البخاري، في: ٦٤- كتاب المغازي (١٠) باب حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّه بْنُ محمد الجعفي، فتح الباري (٧: ٣٠٦)، وأبو داود في الجهاد، والإمام أحمد في «مسنده» (٣: ٤٩٨) . [(١٣)] نقله في السيرة الشامية (٤: ٦٩)، وأضاف: «قال ابن سعد: كان شعار الجميع يومئذ: يا منصور أمت» .
[ ٣ / ٧٠ ]
بَابُ اسْتِدْعَاءِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وَصَاحِبَيْهِ إِلَى الْمُبَارَزَةِ وَمَا ظَهَرَ فِي ذَلِكَ مِنْ نُصْرَةِ اللَّه تَعَالَى دِينَهُ
أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّه الْحُرْفِيُّ بِبَغْدَادَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَبَّاسِ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سَلَّامٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّه ابن مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عن حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّبٍ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: «فَبَرَزَ عُتْبَةُ وَأَخُوهُ شَيْبَةُ وَابْنُهُ الْوَلِيدُ حَمِيَّةً فَقَالُوا:
هَلْ مِنْ مُبَارِزٍ فَخَرَجَ فِتْيَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ شيبة، فَقَالَ عُتْبَةُ: مَا نُرِيدُ هَؤُلَاءِ، وَلَكِنْ يُبَارِزُنَا مِنْ بَنِي عَمِّنَا مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: قُمْ يَا عَلِيُّ، قُمْ يَا حَمْزَةُ، قُمْ يَا عُبَيْدَةُ بْنَ الْحَارِثِ، فَقَتَلَ اللَّه ﷿ عُتْبَةَ وَشَيْبَةَ ابْنَيْ رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ، وَجُرِحَ عُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ»
[(١)] .
وأَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الرُّوذْبَارِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ دَاسَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّه قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ، فَذَكَرَهُ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ زَادَ «فَأَقْبَلَ حَمْزَةُ إِلَى عُتْبَةَ وَأَقْبَلْتُ إِلَى شَيْبَةَ وَاخْتَلَفَ بَيْنَ عُبَيْدَةَ وَالْوَلِيدِ ضَرْبَتَيْنِ فَأَثْخَنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ ثُمَّ مِلْنَا عَلَى الْوَلِيدِ فقتلناه واحتملنا عبيدة» .
_________________
(١) [(١)] جزء من حديث طويل أخرجه الإمام أحمد في «مسنده» (١: ١١٧)، وقد تقدم بطوله، وانظر الحاشية (١١) من بَابُ كَيْفَ كَانَ بَدْءُ القتال.
[ ٣ / ٧١ ]
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ عَمَّنْ رَوَى عَنْهُ قِصَّةَ بَدْرٍ قَالَ: «ثُمَّ خَرَجَ عُتْبَةُ وَشَيْبَةُ وَالْوَلِيدُ فَدَعَوْا إِلَى الْبِرَازِ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فِتْيَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: عَوْفٌ وَمُعَوِّذٌ ابْنَا عَفْرَاءَ، وَرَجُلٌ آخَرُ يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللَّه بْنُ رَوَاحَةَ، فَقَالُوا: مِمَّنْ أَنْتُمْ [(٢)]؟ فَقَالُوا رَهْطٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالُوا: مَا بِنَا إِلَيْكُمْ حَاجَةٌ، ثُمَّ نَادَى مُنَادِيهِمْ: يَا مُحَمَّدُ أَخْرِجْ إِلَيْنَا أَكْفَاءَنَا مِنْ قَوْمِنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: قُمْ يَا حَمْزَةُ، قُمْ يَا عَلِيُّ، قُمْ يَا عُبَيْدَةُ، فَلَمَّا قَامُوا وَدَنَوْا مِنْهُمْ قَالُوا: نَعَمْ أَكْفَاءٌ كِرَامٌ، فَبَارَزَ عُبَيْدَةُ عُتْبَةَ فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنِ كِلَاهُمَا أَثْبَتَ صَاحِبَهُ، وَبَارَزَ حَمْزَةُ شَيْبَةَ فَقَتَلَهُ مَكَانَهُ، وَبَارَزَ عَلِيٌّ الْوَلِيدَ فَقَتَلَهُ مَكَانَهُ، ثُمَّ كَرَّا عَلَى عُتْبَةَ فَقَتَلَاهُ [(٣)] وَاحْتَمَلَا صَاحِبَهُمَا فَحَازُوهُ إِلَى الرَّحْلِ» [(٤)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دُحَيْمٍ الشَّيْبَانِيُّ بِالْكُوفَةِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمِ بْنِ أَبِي غَرَزَةَ قَالَ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّه بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: «نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ [(٥)] فِي عَلِيٍّ، وَحَمْزَةَ، وَعُبَيْدَةَ بن الحارث، وعتبة ابن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وَالْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ» . أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ الثوري [(٦)] .
_________________
(١) [(٢)] في سيرة ابن هشام: «من أنتم؟» . [(٣)] في السيرة لابن هشام: «فذفّفاه» . [(٤)] سيرة ابن هشام (٢: ٢٦٥) . [(٥)] الآية الكريمة (١٩) من سورة الحج. [(٦)] أخرجه البخاري في تفسير سورة الحج، (٣) باب هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي ربهم، فتح الباري (٨: ٤٤٣) .
[ ٣ / ٧٢ ]
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ قَالَ: تَبَارَزَ عَلِيٌّ وحمزة وعبيدة ابن الحارث وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عقبة فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ.
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّه الْوَرَّاقُ بِبَغْدَادَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّه الْبَصْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْأَعْلَى قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ عَنْ قَيْسِ ابن عُبَادٍ قَالَ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ «أَنَا أَوَّلُ مَنْ يَجْثُو لِلْخُصُومَةِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّه تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ وَقَالَ قَيْسٌ فَذَكَرَ مَعْنَى مَا مَضَى» .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ [(٧)] عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّه الرَّقَاشِيِّ عَنْ مُعْتَمِرٍ [(٨)] .
_________________
(١) [(٧)] في المغازي، باب قتل أبي جهل عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّه الرَّقَاشِيِّ عَنْ مُعْتَمِرٍ. [(٨)] في (ص) و(هـ): «المعتمر» .
[ ٣ / ٧٣ ]
بَابُ اسْتِفْتَاحِ أَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ عِنْدَ الْتِقَاءِ الصَّفَّيْنِ وَقَوْلِهِ أَوْ قَوْلِ مَنْ قَالَ مِنْهُمْ بِمَكَّةَ: اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ [(١)] فَعَذَّبَهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ بِالسَّيْفِ
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الحافظ وأبو سعيد بن أَبِي عَمْرٍو، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّه ابن ثَعْلَبَةَ بْنِ صُعَيْرٍ الْعُذْرِيُّ «إِنَّ الْمُسْتَفْتِحَ يَوْمَ بَدْرٍ: أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ:
لَمَّا الْتَقَى الْجَمْعَانِ: اللهم أقطعنا للرحم وآتنا بِمَا لَا نَعْرِفُ، فَأَحِنْهُ [(٢)] الْغَدَاةَ فَقُتِلَ، فَفِيهِ أَنْزَلَ اللَّه ﷿: إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ [(٣)] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، تَابَعَهُ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ عن الزهري [(٤)] .
_________________
(١) [(١)] الآية الكريمة (٣٢) من سورة الأنفال. [(٢)] (أحنه): «أهلكه» . [(٣)] الآية الكريمة (١٩) من سورة الأنفال. [(٤)] فيه ثلاثة أقوال:
(٢) يكون خطابا للكفار لأنهم استفتحوا فقالوا: اللهم أقطعنا للرحم، وأظلمنا لصاحبه فانصره عليه، وكان هذا القول منهم وقت خروجهم لنصرة العير، وقيل: قاله أبو جهل وقت القتال. وقال النّصر بن الحارث، اللهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أليم. وهو ممن قتل ببدر. والاستفتاح: طلب النصر، أي قد جاءكم الفتح ولكنه كان للمسلمين عليكم. أي فقد جاءكم ما بان به الأمر، وانكشف لكم الحق. وَإِنْ تَنْتَهُوا
[ ٣ / ٧٤ ]
حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ غَيْرَ مَرَّةٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ النَّضْرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّه بْنُ مُعَاذِ بْنِ مُعَاذٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ صَاحِبِ الزِّيَادِيِّ، قَالَ:
سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: قَالَ أَبُو جَهْلٍ «اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ [(٥)] فَنَزَلَتْ: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [(٦)]» الآية.
_________________
(١) [()] [أي] عن الكفر فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ. وَإِنْ تَعُودُوا أي إلى هذا القول وقتال محمد. نَعُدْ إلى نصر المؤمنين. وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ أي [عن] جماعتكم شَيْئًا. وَلَوْ كَثُرَتْ أي في العدد.
(٢) يكون خطابا للمؤمنين، أي إن تستنصروا فقد جاءكم النصر. وَإِنْ «تَنْتَهُوا» أي عن مثل ما فعلتموه من أخذ الغنائم والأسرى قبل الإذن، فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ. وَإِنْ تَعُودُوا أي إلى مثل ذلك نعد إلى توبيخكم. كما قال: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ الآية.
(٣) أن يكون إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ خطابا للمؤمنين، وما بعده للكفار. أي وإن تعودوا إلى القتال نعد إلى مثل وقعة بدر. القشيري: والصحيح أنه خطاب للكفار، فإنهم لما نفروا إلى نصرة العير تعلّقوا بأستار الكعبة وقالوا: اللهم أنصر أهدى الطائفتين، وأفضل الدّينين. المهدويّ: وروى أن المشركين خرجوا معهم بأستار الكعبة يستفتحون بها، أي يستنصرون. [(٥)] الآية الكريمة (٣٢) من سورة الأنفال. [(٦)] الآية الكريمة (٣٣) من سورة الأنفال، وقال القرطبي (٧: ٣٩٩): لما قال أبو جهل: «اللهمّ إن كان هذا هو الحقّ من عندك» الآية، نزلت وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ كذا في صحيح مسلم. وقال ابن عباس: لم يعذب أهل قرية حتى يخرج النبي ﷺ منها والمؤمنون، ويلحقوا بحيث أمروا. وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ابن عباس: كانوا يقولون في الطواف: غفرانك. والاستغفار وإن وقع من الفجار يدفع به ضرب من الشرور والإضرار. وقيل: إن الاستغفار راجع إلى المسلمين الذين هم بين أظهرهم. أي وما كان اللَّه معذبهم وفيهم من يستغفر من المسلمين فلما خرجوا عذبهم اللَّه يوم بدر وغيره، قال الضحاك وغيره: وقيل: إن الاستغفار هنا يراد به الإسلام. أي وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ أي يسلمون، قاله مجاهد وعكرمة. وقيل: وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ أي في أصلابهم من يستغفر اللَّه. روي عن مجاهد أيضا. وقيل: معنى يَسْتَغْفِرُونَ لو استغفروا. أي
[ ٣ / ٧٥ ]
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ [(٧)] عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ النَّضْرِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمُزَكِّي قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدُوسٍ الطَّرَائِفِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّه ابن صَالِحٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وَمَا كَانَ اللَّه ﷿ لَيُعَذِّبَ قَوْمًا وَأَنْبِيَاؤُهُمْ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ حَتَّى يُخْرِجَهُمْ ثُمَّ قَالَ: وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ يَقُولُ فِيهِمْ مَنْ سَبَقَ مِنَ اللَّه ﷿ الدُّخُولُ فِي الْإِيمَانِ وَهُوَ الِاسْتِغْفَارُ وَقَالَ لِلْكُفَّارِ مَا كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ [(٨)] فَمَيَّزَ أَهْلَ السَّعَادَةِ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ قَالَ:
وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ فَعَذَّبَهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ بِالسَّيْفِ» [(٨)] .
أَخْبَرَنَا الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو النَّضْرِ مُحَمَّدُ بْنُ محمد ابن يُوسُفَ فِي آخَرِينَ، قَالُوا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ (ح) .
وَأَخْبَرَنَا الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّه قَالَ: وَأَخْبَرَنَا أَبُو حَامِدِ بْنُ مُحَمَّدٍ وَأَبُو بَكْرِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ الْفَقِيهُ بِالطَّابِرَانِ، وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَحْمَدُ بْنُ محمد ابن مَحْمُودٍ الْبَزَّارُ بِنَسَاءَ، قَالَا: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّه بْنِ عُمَرَ الْبَحْرَائِيُّ (ح) .
_________________
(١) [()] لو استغفروا لم يعذبوا. استدعاهم إلى الاستغفار، قاله قتادة وابن زيد. وقال المدائني عن بعض العلماء قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنَ العرب فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ مسرفا على نفسه، لم يكن يتحرج، فلما أن تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ لبس الصوف ورجع عما كان عليه، وأظهر الدّين والنّسك. فقيل له: لو فعلت هذا وَالنَّبِيُّ ﷺ حيّ لفرح بك. قال: كان لي أمانان، فمضى واحد وبقي الآخر، قَالَ اللَّه ﵎: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ فهذا أمان. والثاني وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ. [(٧)] أخرجه البخاري في تفسير سورة الأنفال (باب) وَمَا كَانَ اللَّه لِيُعَذِّبَهُمْ وأنت فيهم، فتح الباري (٨: ٣٠٩) . [(٨)] الآية الكريمة (١٧٩) من سورة آل عمران.
[ ٣ / ٧٦ ]
وأَخْبَرَنَا الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ قَالَ وَأَخْبَرَنِي أَبُو الْحُسَيْنِ الْحَجَّاجِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُمَيْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي بُرَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّه، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّه إِذَا أَرَادَ رَحْمَةَ أُمَّةٍ مِنْ عِبَادِهِ قَبَضَ نَبِيَّهَا قَبْلَهَا فَجَعَلَهُ لَهَا فَرَطًا [(٩)] وَسَلَفًا [(١٠)] بَيْنَ يَدَيْهَا. وَإِذَا أَرَادَ هَلَكَةَ أُمَّةٍ عَذَّبَهَا وَنَبِيُّهَا حَيٌّ فَأَقَرَّ عَيْنَهُ بِهَلَكَتِهَا حِينَ كَذَّبُوهُ وَعَصَوْا أَمْرَهُ» .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ [(١١)] وَقَالَ: حُدِّثْتُ [(١٢)] عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، وَمِمَّنْ رَوَى ذَلِكَ عَنْهُ:
إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ وَزَادَ فِي مَتْنِهِ «فَأَهْلَكَهَا وهو ينظر» .
_________________
(١) [(٩)] (فرطا): بمعنى الفارط المتقدم إلى الماء ليهيئ السقي، يريد أنه شفيع يتقدم. [(١٠)] (سلفا): هو المقدّم. من عطف المرادف أو أعم. [(١١)] أخرجه مسلم فِي: ٤٣- كِتَابِ الْفَضَائِلِ، (٨) بَابُ إذا أراد اللَّه تعالى رحمة أمة قبض نبيها قبلها، الحديث (٢٤)، ص (١٧٩١- ١٧٩٢) . [(١٢)] قال المازري: «هذا الحديث من الأحاديث المنقطعة في مسلم، فإنه لم يسمّ الذي حدثه عن أبي أسامة» . «وقال الحافظ بن حجر في النكت الظراف على تحفة الأشراف (٦: ٤٤٥- ٤٤٦): قال أبو عوانة في مستخرجه: روى مسلم، عن إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ، عن أبي أسامة فذكره، ولم أقف في شيء من نسخ مسلم على ما قال، بل جزم بعضهم بأنه ما سمعه من إبراهيم بن سعيد، بل إنما سمعه من محمد بن المسيب، وقد وقع لنا بعلو من طريق محمد بن المسيب الأرغياني، وأخرجه البزار في «مسنده» عن إبراهيم بن سعيد، وأخرجه أبو نعيم في «المستخرج» من طريق أبي يعلى، وأبي عروبة، وغيرهما.
[ ٣ / ٧٧ ]
بَابُ الْتِقَاءِ الْجَمْعَيْنِ وَنُزُولِ الْمَلَائِكَةِ وَمَا ظَهَرَ فِي رَمْيِ النَّبِيِّ ﷺ بِالْقَبْضَةِ وَإِلْقَاءِ اللهِ تَعَالَى الرُّعْبَ فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ آثَارِ النُّبُوَّةِ
أَخْبَرَنَا أَبُو زَكَرِيَّا: يَحْيَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْمُزَكِّي، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدُوسٍ الطَّرَائِفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ ﷿: وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ [(١)]، قَالَ: «أَقْبَلَتْ عِيرُ أَهْلِ مَكَّةَ تُرِيدُ الشَّامَ فَبَلَغَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ ذَلِكَ، فَخَرَجُوا وَمَعَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُرِيدُونَ الْعِيرَ فَبَلَغَ ذَلِكَ أَهْلَ مَكَّةَ فَأَسْرَعُوا السَّيْرَ إِلَيْهَا لِكَيْلَا يَغْلِبَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ فَسَبَقَتِ الْعِيرُ رَسُولَ اللَّه ﷺ وَكَانَ اللَّه ﷿ وَعَدَهُمْ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ وَكَانُوا أَنْ يَلْقَوَا الْعِيرَ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ وَأَيْسَرُ شَوْكَةً وَأَحْضَرُ مَغْنَمًا فَلَمَّا سَبَقَتِ البعير وَفَاتَتْ، سَارَ رَسُولُ اللَّه ﷺ بِالْمُسْلِمِينَ يُرِيدُ الْقَوْمَ فَكَرِهَ الْقَوْمُ مَسِيرَهُمْ لِشَوْكَةِ الْقَوْمِ فَنَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ وَبَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمَاءِ رَمْلَةٌ دَعْصَةٌ فَأَصَابَ الْمُسْلِمِينَ ضَعْفٌ شَدِيدٌ، وَأَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي قُلُوبِهِمُ الْغَيْظَ [(٢)] يُوَسْوِسُهُمْ، تَزْعُمُونَ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ اللَّه وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَقَدْ غَلَبَكُمُ الْمُشْرِكُونَ عَلَى الْمَاءِ وَأَنْتُمْ كَذَا، فَأَمْطَرَ اللَّه عَلَيْهِمْ مَطَرًا شَدِيدًا فَشَرِبَ المسلمون
_________________
(١) [(١)] الآية الكريمة (٧) من سورة الأنفال. [(٢)] في (ص) و(هـ): «القنط» .
[ ٣ / ٧٨ ]
وتَطَهَّرُوا فَأَذْهَبَ اللَّه عَنْهُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ، وَصَارَ الرَّمْلُ كَدًّا- ذَكَرَ كَلِمَةً أَخْبَرَ أَنَّهُ أَصَابَهُ الْمَطَرُ- وَمَشَى النَّاسُ عَلَيْهِ وَالدَّوَابُّ فَسَارُوا إِلَى الْقَوْمِ، وَمَدَّ اللَّه تَعَالَى نَبِيَّهُ ﷺ وَالْمُؤْمِنِينَ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ فَكَانَ جِبْرِيلُ ﵇ فِي خَمْسِمِائَةٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُجَنَّبَةً وَمِيكَائِيلُ فِي خَمْسِمِائَةٍ مُجَنَّبَةً [(٣)] وَجَاءَ إِبْلِيسُ فِي جُنْدٍ مِنَ الشَّيَاطِينِ مَعَهُ رَايَةٌ فِي صُورَةِ رِجَالٍ مِنْ بَنِي مُدْلِجٍ وَالشَّيْطَانُ فِي صُورَةِ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ، فَقَالَ الشَّيْطَانُ لِلْمُشْرِكِينَ: لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لكم، فَلَمَّا اصْطَفَّ الْقَوْمُ قَالَ أَبُو جَهْلٍ: اللهُمَّ أَوْلَانَا بِالْحَقِّ فَانْصُرْهُ،
وَرَفَعَ رَسُولُ اللَّه ﷺ يَدَهُ فَقَالَ: يَا رَبُّ إِنْ تَهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةُ فَلَنْ تُعْبَدَ فِي الْأَرْضِ أَبَدًا،
فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: خُذْ قَبْضَةً مِنَ التُّرَابِ فَأَخَذَ قَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ فَرَمَى بِهَا وُجُوهَهُمْ، فَمَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا أَصَابَ عَيْنَيْهِ وَمِنْخَرَيْهِ وَفَمَهُ تُرَابٌ مِنْ تِلْكَ الْقَبْضَةِ. فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ وَأَقْبَلَ جِبْرِيلُ ﵇ إِلَى إِبْلِيسَ فَلَمَّا رَآهُ وَكَانَتْ يَدُهُ فِي يَدِ رَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ انْتَزَعَ إِبْلِيسُ يَدَهُ ثُمَّ وَلَّى مُدْبِرًا وَشِيعَتُهُ، فَقَالَ الرَّجُلُ يَا سُرَاقَةُ أَلَمْ تَزْعُمُ أَنَّكَ لَنَا جَارٌ قَالَ: إِنِّي أَرى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ [(٤)] وَذَلِكَ حِينَ رَأَى الْمَلَائِكَةَ» [(٥)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْأَصْبَهَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْجَهْمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَرَجِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَاقِدِيُّ، قَالَ: فَحَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ يَعْقُوبَ الزَّمْعِيُّ عَنْ عَمِّهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ ابن سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ قَالَ سَمِعْتُ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ يَسْأَلُ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ عَنْ يَوْمِ بَدْرٍ فَجَعَلَ الشَّيْخُ يَكْرَهُ ذَلِكَ حَتَّى أَلَحَّ عَلَيْهِ فَقَالَ حكيم: «التقينا فاقتتلنا
_________________
(١) [(٣)] في الدر المنثور: «وميكائيل فِي خَمْسِمِائَةٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مجنبة»، والجملة ساقطة من (هـ) . [(٤)] [الأنفال- ٤٨] . [(٥)] أخرجه ابن جرير الطبري، في تفسير سورة الأنفال، وابن المنذر، وابن مردويه. وعنهم نقله السيوطي في الدر المنثور (٣: ١٦٩) .
[ ٣ / ٧٩ ]
فَسَمِعْتُ صَوْتًا وَقَعَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ مِثْلَ وَقْعِ الْحَصَى فِي الطَّسْتِ، وَقَبَضَ النَّبِيُّ ﷺ الْقَبْضَةَ فَرَمَى بِهَا فَانْهَزَمْنَا» [(٦)] .
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: فَحَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ محمد، عن الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ [بْنِ عَبْدٍ] [(٧)] عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ صُعَيْرٍ [(٨)] قَالَ: سَمِعْتُ نَوْفَلَ بْنَ مُعَاوِيَةَ الدِّيلِيَّ يَقُولُ: «انْهَزَمْنَا يَوْمَ بَدْرٍ وَنَحْنُ نَسْمَعُ كَوَقْعِ الْحَصَا فِي الطِّسَاسِ فِي أَيْدِينَا وَمِنْ خَلْفِنَا وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ أَشَدِّ الرُّعْبِ عَلَيْنَا» [(٩)] .
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنِ عَبْدَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ الْخَلِيلِ التُّسْتَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبَّاسٌ يَعْنِي ابْنَ أَبِي سلمة، عَنْ مُوسَى بْنِ يَعْقُوبَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّه، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، قَالَ: «سَمِعْنَا صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ وَقَعَ إِلَى الْأَرْضِ كَأَنَّهُ صَوْتُ حَصَاةٍ فِي طَسْتٍ فَرَمَى رَسُولُ اللَّه ﷺ تِلْكَ الْحَصَاةَ يَوْمَ بَدْرٍ فَمَا بَقِيَ مِنَّا أَحَدٌ» [(١٠)] يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّه هَذَا هُوَ ابْنُ وَهْبِ بْنِ زَمْعَةَ عَمُّ موسى ابن يَعْقُوبَ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، وَعَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، وَعَبْدُ اللَّه بْنُ أَبِي بكر،
_________________
(١) [(٦)] مغازي الواقدي (١: ٩٥) . [(٧)] الزيادة من المغازي. [(٨)] في الأصول: ابن أبي صعير، وأثبت ما في المغازي. [(٩)] رواه الواقدي (١: ٩٥) . [(١٠)] في (ص) و(هـ): «انهزمنا» .
[ ٣ / ٨٠ ]
وَغَيْرُهُمْ مِنْ عُلَمَائِنَا فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي يَوْمِ بَدْرٍ إِلَى أَنْ قَالَ: «فَكَانَ رَسُولُ اللَّه ﷺ فِي الْعَرِيشِ هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ وَمَا معهما غيرهما وقد تدانا الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضِهِمْ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّه ﷺ يُنَاشِدُ رَبَّهُ مَا وَعَدَهُ مِنْ نَصْرِهِ، وَيَقُولُ: اللهُمَّ إِنَّكَ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ [الْيَوْمَ] [(١١)] لَا تُعْبَدْ، وَأَبُو بَكْرٍ يَقُولُ: بَعْضَ مُنَاشَدَتِكَ لِرَبِّكَ يَا رَسُولَ اللَّه، فَإِنَّ اللَّه مُوفِيكَ مَا وَعَدَكَ مِنْ نَصْرِهِ، وَخَفَقَ [(١٢)] رسول اللَّه ﷺ خَفْقَةً ثُمَّ هَبَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: أَبْشِرْ يَا أَبَا بَكْرٍ أَتَاكَ نَصْرُ اللَّه هَذَا جِبْرِيلُ آخِذٌ بِعِنَانِ فَرَسِهِ يَقُودُهُ عَلَى ثَنَايَاهُ النَّقْعُ- يَعْنِي الْغُبَارُ- ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّه ﷺ فَعَبَّأَ أَصْحَابَهُ وَهَيَّأَهُمْ وَقَالَ لَا يَعْجَلَنَّ رَجُلٌ بِقِتَالٍ حَتَّى نُؤْذِنَهُ فَإِذَا أكثبوكم [(١٣)] القوم- يقول اقْتَرَبُوا مِنْكُمْ- فَانْضَحُوهُمْ عَنْكُمْ بِالنَّبْلِ، ثُمَّ تَزَاحَمَ النَّاسُ فَلَمَّا تَدَانَا بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ خَرَجَ رَسُولُ اللَّه ﷺ فَأَخَذَ حَفْنَةً مِنْ حَصْبَاءٍ ثُمَّ اسْتَقْبَلَ بِهَا قُرَيْشًا فَنَفَحَ بِهَا فِي وُجُوهِهِمْ وَقَالَ شَاهَتِ الْوُجُوهُ- يَقُولُ قَبُحَتِ الْوُجُوهُ- ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ احْمِلُوا يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ فَحَمَلَ الْمُسْلِمُونَ وَهَزَمَ اللَّه قُرَيْشًا وَقُتِلَ مَنْ قُتِلَ مِنْ أَشْرَافِهِمْ وَأُسِرَ مَنْ أُسِرَ مِنْهُمْ» [(١٤)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الرُّوذْبَارِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ عُمَرَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ شَوْذَبٍ الْوَاسِطِيُّ بِهَا، قَالَ: حَضَرْتُ أَحْمَدَ بْنَ سِنَانٍ مَعَ أَبِي وَجَدِّي فِي الْمَجْلِسِ، وَهُوَ يُحَدِّثُ وَأَنَا أَسْمَعُ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ عَبْدُ اللَّه بْنُ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي بَعْضُ بَنِي سَاعِدَةَ عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ: مَالِكِ بْنِ رَبِيعَةَ، وَكَانَ شَهِدَ يَوْمَ بَدْرٍ، قَالَ بَعْدَ أَنْ ذَهَبَ بَصَرُهُ قَالَ: «لَوْ كُنْتُ مَعَكُمْ بِبَدْرٍ الْآنَ وَمَعِي بَصَرِي لَأَرَيْتُكُمُ الشِّعْبَ الَّذِي خَرَجَتْ مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ» [(١٥)] .
_________________
(١) [(١١)] الزيادة من سيرة ابن هشام. [(١٢)] خفق خفقة: نام نوما يسيرا. [(١٣)] في (ص) و(هـ): «أكثبكم» . [(١٤)] سيرة ابن هشام (٢: ٢٦٧- ٢٦٨) . [(١٥)] سيرة ابن هشام (٢: ٢٧٤) .
[ ٣ / ٨١ ]
بَابُ إِجَابَةِ اللَّه ﷿ دَعْوَةَ رَسُولِ اللَّه ﷺ عَلَى كُلِّ مَنْ كَانَ يُؤْذِيهِ بِمَكَّةَ مِنْ كُفَّارِ قُرَيْشٍ حَتَّى قُتِلُوا مَعَ إِخْوَانِهِمْ مِنَ الْكَفَرَةِ بِبَدْرٍ
أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ: جَنَاحُ بْنُ نَذِيرِ بْنِ جَنَاحٍ الْقَاضِي بالكوفة، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ: مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دُحَيْمٍ الشَّيْبَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمِ بْنِ أَبِي غَرَزَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّه بْنُ مُوسَى قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ عَبْدِ اللَّه [بْنِ مَسْعُودٍ] [(١)] قَالَ: [«بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّه ﷺ قَائِمًا يُصَلِّي عِنْدَ الْكَعْبَةِ، وَجَمْعُ قُرَيْشٍ فِي مَجَالِسِهِمْ يَنْظُرُونَ إِذْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: أَلَا تَنْظُرُونَ إِلَى هَذَا الْمُرَائِي] [(٢)] أَيُّكُمْ يَقُومُ [(٣)] إِلَى جَزُورِ آلِ فُلَانٍ فَيَعْمِدُ إِلَى فَرْثِهَا وَدَمِهَا وَسَلَاهَا فَيَجِيءُ بِهِ ثُمَّ يُمْهِلُهُ حَتَّى إِذَا سَجَدَ وَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، فَانْبَعَثَ أَشْقَاهَا فَجَاءَ بِهِ فَلَمَّا سَجَدَ رَسُولُ اللَّه ﷺ وَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ وَثَبَتَ النبي ﷺ سَاجِدًا وَضَحِكُوا حَتَّى مَالَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنَ الضَّحِكِ، فَانْطَلَقَ مُنْطَلِقٌ إِلَى فَاطِمَةَ، وَهِيَ جُوَيْرِيَةُ فَأَقْبَلَتْ تَسْعَى حَتَّى أَلْقَتْهُ عَنْهُ وَأَقْبَلَتْ عَلَيْهِمْ تَسُبُّهُمْ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّه ﷺ الصَّلَاةَ قَالَ: اللهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ ثَلَاثًا ثُمَّ سَمَّى، اللهم
_________________
(١) [(١)] ليست في (ص)، ولا في (هـ) . [(٢)] ما بين الحاصرتين ورد في البخاري هكذا: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يُصَلِّي عِنْدَ الْبَيْتِ وَأَبُو جَهْلٍ وَأَصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ إذ قال بعضهم لبعض: أيكم [(٣)] في الصحيح: يجيء.
[ ٣ / ٨٢ ]
عَلَيْكَ بِعَمْرِو بْنِ هِشَامٍ يَعْنِي أَبَا جَهْلٍ، وَبِعُتْبَةَ بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، وَعُمَارَةَ بْنِ الْوَلِيدِ، قَالَ عَبْدُ اللَّه: واللَّه لَقَدْ رَأَيْتُهُمْ صَرْعَى يَوْمَ بَدْرٍ يُسْحَبُونَ إِلَى قَلِيبِ بَدْرٍ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: وَأُتْبِعَ أَصْحَابُ الْقَلِيبِ لَعْنَةً» .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّه [(٤)] .
وَأَخْرَجَاهُ مِنْ أَوْجُهٍ أُخَرَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ [(٥)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ السَّقَّا وَأَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُقْرِئِ الْإِسْفَرَائِنِيَّانِ، قَالَا: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الْقَاضِي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ الْمَاجِشُونِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي صَالِحُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِيهِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: «إِنِّي لَوَاقِفٌ يَوْمَ بَدْرٍ فِي الصَّفِّ فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي وَشِمَالِي فَإِذَا أَنَا بَيْنَ غُلَامَيْنِ مِنَ الْأَنْصَارِ حَدِيثَةٌ أَسْنَانُهُمَا، فَتَمَنَّيْتُ أَنْ أَكُونَ بَيْنَ أَضْلَعَ مِنْهُمَا فَغَمَزَنِي أَحَدُهُمَا فَقَالَ يَا عَمِّ أَتَعْرِفُ أَبَا جَهْلٍ؟ قُلْتُ نَعَمْ وَمَا حَاجَتُكَ إِلَيْهِ قَالَ أُخْبِرْتُ أَنَّهُ يَسُبُّ رَسُولَ اللَّه ﷺ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنْ رَأَيْتُهُ لَا يُفَارِقُ سَوَادِي سَوَادَهُ حَتَّى يَمُوتَ الْأَعْجَلُ مِنَّا فَتَعَجَّبْتُ لِذَلِكَ، فَغَمَزَنِي الْآخَرُ فَقَالَ لِي مِثْلَهَا فَلَمْ أَنْشِبْ أَنْ نَظَرْتُ إِلَى أَبِي جَهْلٍ يَجُولُ فِي النَّاسِ، فَقُلْتُ: أَلَا تَرَيَانِ، هَذَا صَاحِبُكُمَا الَّذِي
_________________
(١) [(٤)] الْبُخَارِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إسحاق، أخرجه في الصلاة، باب المرأة تطرح عن المصلي شيئا من الأذى. [(٥)] عن أبي إسحاق: البخاري في: ٤- كتاب الوضوء (٦٩) باب إذا ألقي على ظهر المصلي قذر أو جيفة لم تفسد عليه صلاته، فتح الباري (١: ٣٤٩)، ومسلم في المغازي (باب) ما لقي النبي ﷺ من أذى المشركين والمنافقين.
[ ٣ / ٨٣ ]
تَسْأَلَانِ عَنْهُ فَابْتَدَرَاهُ بِسَيْفَيْهِمَا فَضَرَبَاهُ حَتَّى قَتَلَاهُ،
ثُمَّ انْصَرَفَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَخْبَرَاهُ، فَقَالَ: أَيُّكُمَا قَتَلَهُ؟ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: أَنَا قَتَلْتُهُ، قَالَ هَلْ مَسَحْتُمَا سَيْفَيْكُمَا؟ قَالَا: لَا. قَالَ: فَنَظَرَ فِي السَّيْفَيْنِ، فَقَالَ: كِلَاكُمَا قَتَلَهُ، وَقَضَى بِسَلَبِهِ لِمُعَاذِ بْنِ عَمْرٍو وَالْآخَرُ معاذ بن عَفْرَاءَ» .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ مُسَدَّدٍ [(٦)] .
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى [(٧)]، كِلَاهُمَا عَنْ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ الْمَاجِشُونِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو أَحْمَدَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الدَّارِمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّه، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَبْدُ اللَّه بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَيْضًا، قَالَ: حَدَّثَنِي ذَلِكَ قَالَ قَالَ مُعَاذُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ أَخُو بَنِي سَلِمَةَ «سَمِعْتُ الْقَوْمَ وَأَبُو جَهْلٍ فِي مِثْلِ الْحَرَجَةِ [(٨)] وَهُمْ يَقُولُونَ: أَبُو الْحَكَمِ لَا يُخْلَصُ إِلَيْهِ، فَلَمَّا سَمِعْتُهَا جَعَلْتُهُ مِنْ شَأْنِي فَعَمَدْتُ نَحْوَهُ فَلَمَّا أَمْكَنَنِي حَمَلْتُ عَلَيْهِ فَضَرَبْتُهُ ضَرْبَةً أَطَنَّتْ قَدَمَهُ بنصف ساقه، فو اللَّه مَا أُشَبِّهُهَا حِينَ طَاحَتْ [(٩)] إلا
_________________
(١) [(٦)] البخاري عن مسدد في كتاب الخمس، (باب) من لم يخمس الأسلاب، ومن قتل قتيلا فله سلبه من غير أن يخمس، وحكم الإمام فيه، وأخرجه البخاري أيضا في المغازي عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّه المديني، وعن يَعْقُوبَ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. [(٧)] عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى في: ٣٢- كتاب الجهاد والسير، (١٣) باب استحقاق القاتل سلب القتيل، الحديث (٤٢)، ص (١٣٧٢) . [(٨)] (الحرجة): مجتمع شجر ملتف كالغيضة، والجمع حراج، وحرج، وقال في الإملاء: «الحرجة: الشجرة الكثيرة الأغصان» . [(٩)] (طاحت): سقطت، وهلكت.
[ ٣ / ٨٤ ]
النَّوَى يَطِيحُ مِنْ تَحْتِ مِرْضَخَةِ النَّوَى [(١٠)] حِينَ يُضْرَبُ بِهَا، قَالَ: وَضَرَبَنِي ابْنُهُ عِكْرِمَةُ عَلَى عَاتِقِي، فَطَرَحَ يَدِي فَتَعَلَّقَتْ بِجِلْدَةٍ مِنْ جَنْبِي وَأَجْهَضَنِي [(١١)] الْقِتَالُ عَنْهُ، وَلَقَدْ قَاتَلْتُ عَامَّةَ يَوْمِي وَإِنِّي لَأَسْحَبُهَا خَلْفِي، فَلَمَّا آذَتْنِي وَضَعْتُ عَلَيْهَا قَدَمِي ثُمَّ تَمَطَّيْتُ [(١٢)]، حَتَّى طَرَحْتُهَا، قَالَ: - ثُمَّ عَاشَ مُعَاذٌ بَعْدَ ذَلِكَ حَتَّى كَانَ زَمَانُ عُثْمَانَ-، قَالَ: ثُمَّ مَرَّ بِأَبِي جَهْلٍ وَهُوَ عقير: [(١٣)] معوّذ بن عَفْرَاءَ فَضَرَبَهُ حَتَّى أَثْبَتَهُ [(١٤)] وَبِهِ رَمَقٌ [(١٥)]، وَقَاتَلَ مُعَوِّذٌ حَتَّى قُتِلَ ﵀، فَمَرَّ عَبْدُ اللَّه بْنُ مَسْعُودٍ بِأَبِي جَهْلٍ حَينَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّه ﷺ أن يُلْتَمَسَ فِي الْقَتْلَى، قَالَ:
وَقَدْ قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّه ﷺ فِيمَا بَلَغَنِي: انْظُرُوا: إِنْ خَفِيَ عَلَيْكُمْ فِي الْقَتْلَى إِلَى أَثَرِ جُرْحٍ بِرُكْبَتِهِ، فَإِنِّي ازْدَحَمْتُ أَنَا وَهُوَ عَلَى مَأْدُبَةٍ [(١٦)] لِعَبْدِ اللَّه بْنِ جُدْعَانَ وَنَحْنُ غِلْمَانٌ، فَكُنْتُ أَشَفَّ [(١٧)] مِنْهُ بِيَسِيرٍ فَدَفَعْتُهُ فَوَقَعَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ فَجُحِشَ [(١٨)] فِي إِحْدَاهُمَا جَحْشًا لَمْ يَزَلْ أَثَرُهُ بِهِ بَعْدُ.
قَالَ عَبْدُ اللَّه بْنُ مَسْعُودٍ: فَوَجَدْتُهُ بِآخِرَ رَمَقٍ فَعَرَفْتُهُ فَوَضَعْتُ رِجْلِي عَلَى عُنُقِهِ وَقَدْ كَانَ ضَبَثَ [(١٩)] بِي مَرَّةً بِمَكَّةَ فَآذَانِي، فَقُلْتُ هَلْ أَخْزَاكَ اللَّه أَيْ عَدُوَّ اللَّه؟ قَالَ وَبِمَاذَا أَخْزَانِي، عَدَا رَجُلٍ قَتَلْتُمُوهُ، أَخْبِرْنِي لِمَنِ الدَّبْرَةُ [(٢٠)]؟ قلت
_________________
(١) [(١٠)] (مرضخة النوى): الحجر الذي يكسر به النوى. [(١١)] (أجهضني): «شغلني» . [(١٢)] (تمطيت): مددت بين يدي. [(١٣)] (عقير): قتيل. [(١٤)] (أثبته): أصاب مقاتله. [(١٥)] (الرمق): بقية الحياة. [(١٦)] (المأدبة): الطعام. [(١٧)] في (ص): «أشق» وهو تصحيف، وشف يشف شفا إذا نقص. [(١٨)] (جحش) خدش. [(١٩)] قبض عليه ولزمه وبطش به. [(٢٠)] الدّبرة: الظفر، والنصرة.
[ ٣ / ٨٥ ]
اللَّه وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.
وَزَعَمَ رِجَالٌ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَقُولُ: قَالَ لَقَدِ ارْتَقَيْتَ يَا رُوَيْعِيَّ الغنم مرتقا صعبا،
قال: ثم احترزت رَأْسَهُ فَجِئْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّه ﷺ، فَقُلْتُ: هَذَا رَأْسُ عَدُوِّ اللَّه أَبِي جَهْلٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: اللهُ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ [(٢١)]؟ وَكَانَتْ يَمِينُ رَسُولِ اللَّه ﷺ إِذَا حَلَفَ بِهَا قَالَ قُلْتُ نَعَمْ واللَّه الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ ثُمَّ أَلْقَيْتُ رَأْسَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَحَمِدَ اللَّه» [(٢٢)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ بِبَغْدَادَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ السَّمَّاكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَنْبَلُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ «مَنْ يَنْظُرُ مَا صَنَعَ أَبُو جَهْلٍ فَانْطَلَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَوَجَدَهُ قَدْ ضَرَبَهُ ابْنَا عَفْرَاءَ حَتَّى بَرَدَ، قَالَ: أَنْتَ أَبُو جَهْلٍ فَأَخَذَ بِلِحْيَتِهِ فَقَالَ وَهَلْ فَوْقَ رَجُلٍ قَتَلْتُمُوهُ أَوْ قَتَلَهُ قَوْمُهُ» .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ [(٢٣)]، عَنْ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، وَأَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ، عَنْ زهير.
_________________
(١) [(٢١)] اللَّه الَّذِي لَا إِلَهَ إلا هو، قال في الرّوض: الاسم الجليل بالخفض عند سيبويه وغيره، لأنّ الاستفهام عوض عن الخافض عنده، وإذا كنت مخبرا قلت: اللَّه بالنصب، لا يجيز المبرّد غيره، وأجاز سيبويه الخفض أيضا لأنه قسم، وقد عرف أن المقسم به مخفوض بالباء وبالواو، ولا يجوز إضمار حروف الجرّ إلّا في هذا الموضع، أو ما كثر استعماله جدا، كما روي أن رؤبة كان يقول إذا قيل له: كيف أصبحت؟: خير عافاك اللَّه. [(٢٢)] أخرجه الإمام أحمد عن ابن مسعود، وابن إسحاق عن معاذ بن عمرو، وأنظر سيرة ابن هشام (٢: ٢٧٥)، ونقله ابن كثير في التاريخ (٣: ٢٨٧)، وجزء الحديث الأخير رواه الطبراني، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٦: ٧٩) . [(٢٣)] الْبُخَارِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ وَأَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ في كتاب المغازي (٨) باب قتل أبي جهل، فتح الباري (٧: ٢٩٣) كلاهما عن زهير، عن سليمان التيمي. وأخرجه مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب قتل أبي جهل عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُجْرٍ، عن ابن عليّة، صفحة (٣: ١٤٢٥) .
[ ٣ / ٨٦ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو الْأَدِيبُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، قَالَ:
أَخْبَرَنِي ابْنُ خُزَيْمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذٌ، وَابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ: «قَالَ نَبِيُّ اللَّه ﷺ مَنْ يَعْلَمُ مَا فَعَلَ أَبُو جَهْلٍ؟ فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أَنَا يَا نَبِيَّ اللَّه، فَانْطَلَقَ فَوَجَدَهُ قَدْ ضَرَبَهُ ابْنَا عَفْرَاءَ حَتَّى بَرَدَ، قَالَ: فَأَخَذَ بِلِحْيَتِهِ فَقَالَ: أَنْتَ أَبُو جَهْلٍ؟
فَقَالَ: وَهَلْ فَوْقَ رَجُلٍ قَتَلْتُمُوهُ [(٢٤)]، أَوْ قَالَ: قَتَلَهُ قَوْمُهُ» .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ عَنْ سُلَيْمَانَ [(٢٥)] .
حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو الْبِسْطَامِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، قَالَ:
أَخْبَرَنِي الْهَيْثَمُ بْنُ خَلَفٍ الدُّورِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّه «أَنَّهُ أَتَى أَبَا جَهْلٍ فَقَالَ: قَدْ أَخْزَاكَ اللَّه! فَقَالَ: هَلْ أَعْمَدَ مِنْ رَجُلٍ قَتَلْتُمُوهُ» .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ نُمَيْرٍ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ [(٢٦)] .
وَقَوْلُهُ هَلْ أَعْمَدَ: أَيْ هَلْ زَادَ، يَقُولُ: إِنَّ هَذَا لَيْسَ بِعَارٍ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ علي الاسفرائني بِهَا قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابن أَبِي بَكْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَثَّامُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي إسحاق،
_________________
(١) [(٢٤)] (وَهَلْ فَوْقَ رَجُلٍ قَتَلْتُمُوهُ) أي لا عار عليّ في قتلكم إياي. [(٢٥)] أخرجه البخاري في: ٦٤- كتاب المغازي، (٨) باب قتل أبي جهل، فتح الباري (٧: ٢٩٣)، ومسلم في: ٣٢- كتاب الجهاد والسير (٤١) باب قتل أبي جهل، حديث (١١٨)، ص (٣: ١٤٢٤) . [(٢٦)] أخرجه البخاري في: ٦٤- كتاب المغازي (٨) باب قتل أبي جهل عَنِ ابْنِ نُمَيْرٍ، عَنْ أبي أسامة الحديث (٣٩٦١)، فتح الباري (٧: ٢٩٣) .
[ ٣ / ٨٧ ]
عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّه، قَالَ: «انْتَهَيْتُ إِلَى أَبِي جَهْلٍ وَهُوَ صَرِيعٌ وَعَلَيْهِ بَيْضَةٌ وَمَعَهُ سَيْفٌ جَيِّدٌ، وَمَعِي سَيْفٌ رَثٌّ، فَجَعَلْتُ أَنْقُفُ رَأْسَهُ بِسَيْفِي، وَأَذْكُرُ نَقْفًا كَانَ يَنْقُفُ رَأْسِي بِمَكَّةَ، حَتَّى ضَعُفَتْ يَدَيَّ، فَأَخَذْتُ سَيْفَهُ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: عَلَى مَنْ كَانَتِ الدَّبْرَةُ: لَنَا، أَوْ عَلَيْنَا؟ أَلَسْتَ رُوَيْعِيَّنَا بِمَكَّةَ. قَالَ:
فَقَتَلْتُهُ،
ثُمَّ أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ، فَقُلْتُ: قَتَلْتُ أَبَا جَهْلٍ، قَالَ: آللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ؟ فَاسْتَحْلَفَنِي ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ قَامَ مَعِي إِلَيْهِمْ فَدَعَا عَلَيْهِمْ» [(٢٧)] .
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ: عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ شَرِيكٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ فَقُلْتُ: قَتَلْتُ أَبَا جَهْلٍ، فَقَالَ: آللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ؟ فَقُلْتُ: اللَّه الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا. قَالَ: اللَّه أَكْبَرُ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ، ثُمَّ قَالَ: انْطَلِقْ فَأَرِنِيهِ، فَانْطَلَقْتُ فَأَرَيْتُهُ، فَقَالَ: هَذَا فِرْعَوْنُ هَذِهِ الْأُمَّةِ» [(٢٨)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْأَصْبَهَانِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْجَهْمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَرَجِ الْبَغْدَادِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا الْوَاقِدِيُّ، قَالَ: «وَقَفَ رَسُولُ اللَّه ﷺ عَلَى مَصْرَعِ ابْنَيْ عَفْرَاءَ، فَقَالَ:
يَرْحَمُ اللَّه ابْنَيْ عَفْرَاءَ، فَهُمَا شُرَكَاءُ فِي قَتْلِ فِرْعَوْنِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَرَأْسِ أئمة الكفر،
_________________
(١) [(٢٧)] تاريخ ابن كثير (٣: ٢٨٨- ٢٨٩)، واستحلفه ثلاثة أيمان أنه رآه قتيلا. [(٢٨)] أخرجه أبو داود في الجهاد (١٤٢) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَلَاءِ، عَنْ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ مسعود، والنسائي في السير (في السنن الكبرى) عن عمرو بن يزيد الجرمي، عن أمية بن خالد القيسي، عن شعبة عنه- ببعضه، [تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف (٧: ١٦٢- ١٦٣)]، ونقله الحافظ بن كثير عنهما في التاريخ (٣: ٢٨٩) .
[ ٣ / ٨٨ ]
فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ! وَمَنْ قَتَلَهُ مَعَهُمَا؟ قَالَ: الْمَلَائِكَةُ وَابْنُ مَسْعُودٍ قَدْ شَرِكَ فِي قَتْلِهِ» [(٢٩)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنِ بُكَيْرٍ، عَنْ عَنْبَسَةَ بْنِ الْأَزْهَرِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: «لَمَّا جَاءَ رَسُولَ اللهِ ﷺ الْبَشِيرُ يَوْمَ بَدْرٍ بِقَتْلِ أَبِي جَهْلٍ اسْتَحْلَفَهُ ثَلَاثَةَ أَيْمَانٍ بِاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَقَدْ رَأَيْتَهُ قَتِيلًا؟ فَحَلَفَ لَهُ فَخَرَّ رَسُولُ اللَّه ﷺ سَاجِدًا» [(٣٠)] .
حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّه بْنُ يُوسُفَ الْأَصْبَهَانِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ حَامِدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّه الْهَرَوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ رَجَاءٍ، عَنِ الشَّعْثَاءِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ، قَالَ: «دَخَلَ عَلَيَّ عَبْدُ اللَّه بْنُ أَبِي أَوْفَى، فَرَأَيْتُهُ صَلَّى الضُّحَى رَكْعَتَيْنِ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: إِنَّكَ صَلَّيْتَ رَكْعَتَيْنِ! فَقَالَ: رَسُولُ اللَّه ﷺ صَلَّى الضُّحَى رَكْعَتَيْنِ حِينَ بُشِّرَ بِالْفَتْحِ، وَحِينَ جِيءَ بِرَأْسِ أَبِي جَهْلٍ» [(٣١)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّه الصَّفَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بكر ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُجَالِدٌ عَنِ الشَّعْبِيِّ: «أَنْ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إِنِّي مَرَرْتُ بِبَدْرٍ فَرَأَيْتُ رَجُلًا يَخْرُجُ مِنَ الْأَرْضِ فَيَضْرِبُهُ رَجُلٌ بِمَقْمَعَةٍ مَعَهُ حَتَّى يَغِيبَ فِي الْأَرْضِ، ثُمَّ يَخْرُجُ فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، قَالَ ذَلِكَ مِرَارًا، فَقَالَ
_________________
(١) [(٢٩)] الخبر في مغازي الواقدي (١: ٩١)، وعنه نقله البيهقي، وعنهما ابن كثير في التاريخ (٣: ٢٨٩) . [(٣٠)] نقله ابن كثير في التاريخ (٣: ٢٨٩) . [(٣١)] البداية والنهاية (٣: ٢٨٩) مختصرا.
[ ٣ / ٨٩ ]
رسول اللَّه ﷺ: ذَاكَ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ يُعَذَّبُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»
[(٣٢)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيلُ ابن مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ بْنِ مُحَمَّدٍ الشَّعْرَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَدِّي قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ الْمَاجِشُونِ، عَنْ صَالِحِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: «كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ كِتَابًا بِأَنْ يَحْفَظَنِي فِي ضِيَاعِي بِمَكَّةَ، وَأَحْفَظُهُ فِي ضِيَاعِهِ بِالْمَدِينَةِ، فَلَمَّا ذَكَرْتُ الرَّحْمَنَ قَالَ لَا أَعْرِفُ الرَّحْمَنَ، كَاتِبْنِي بِاسْمِكَ الَّذِي كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَكَاتَبْتُهُ عَبْدَ عَمْرٍو، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ خَرَجْتُ بِهِ إِلَى شِعْبٍ لِأُحْرِزَهُ حَتَّى يَأْمَنَ النَّاسَ، فَأَبْصَرَهُ بِلَالُ بْنُ رَبَاحٍ، فَخَرَجَ حَتَّى وَقَفَ عَلَى مَجْلِسٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ: لَا نَجَوْتُ إِنْ نَجَا أُمَيَّةُ، فَخَرَجَ مَعَهُ نَفَرٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فِي آثَارِنَا فَلَمَّا خَشِيتُ أَنْ يَلْحَقُونَا خَلَّفْتُ لَهُمُ ابْنَهُ لِأَشْغَلَهُمْ بِهِ فَقَتَلُوهُ ثُمَّ أَتَوْا حَتَّى اتَّبَعُونَا، وَكَانَ رَجُلًا ثَقِيلًا فَلَمَّا أَدْرَكُونَا قُلْتُ لَهُ: ابْرُكْ، فَبَرَكَ فَأَلْقَيْتُ عَلَيْهِ نَفْسِي لِأَمْنَعَهُ مِنْهُمْ، فَجَلَّلُوهُ بِأَسْيَافِهِمْ مِنْ تَحْتِي، حَتَّى قَتَلُوهُ، وَأَصَابَ أَحَدُهُمْ رِجْلِي بِسَيْفِهِ، وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يُرِينَا ذَلِكَ الْأَثَرَ بِظَهْرِ قَدَمِهِ» .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ [(٣٣)]، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عبد اللَّه، عَنْ يُوسُفَ، وَقَالَ: صَاغِيَتِي وَصَاغِيَتُهُ، يُرِيدُ بِالصَّاغِيَةِ، الحاشية والأتباع، ومن
_________________
(١) [(٣٢)] نقله ابن كثير في البداية والنهاية (٣: ٢٨٩- ٢٩٠)، ونقله الصالحي في السيرة الشامية (٤: ٨٠)، وعزاه لابن أبي الدنيا في كتاب: «من عاش بعد الموت» عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنْ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ [(٣٣)] أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ في: ٤٠- كتاب الوكالة (٢) باب إذا وكّل المسلم حربيا في دار الحرب أو في دار الإسلام جاز-، فتح الباري (٤: ٤٨٠)، بطوله، وفي المغازي (٨) باب قتل أبي جهل مختصرا كلاهما عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّه، عَنْ يُوسُفُ بْنُ الْمَاجِشُونِ، عَنْ صَالِحِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ.
[ ٣ / ٩٠ ]
يَصْغَى إِلَيْهِ مِنْهُمْ أَيْ: يَمِيلُ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الحافظ وأبو سعيد بن أَبِي عَمْرٍو قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّه بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وحَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَا: كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ يَقُولُ: «كَانَ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ صَدِيقًا لِي بِمَكَّةَ وَكَانَ اسْمِي: عَبْدَ عَمْرٍو، فَلَمَّا أَسْلَمْتُ تَسَمَّيْتُ: عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَلَقِيَنِي فَقَالَ: أَيَا عَبْدَ عَمْرٍو أَرَغِبْتَ عَنِ اسْمٍ سَمَّاكَهُ أَبُوكَ؟ فَأَقُولُ:
نَعَمْ هَدَانِي اللَّه لِلْإِسْلَامِ فَتَسَمَّيْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ، قَالَ إِنِّي لَا أَعْرِفُ الرَّحْمَنَ أَمَّا أَنْتَ فَلَا تُجِيبُنِي بِاسْمِكَ الْأَوَّلِ وَأَمَّا أَنَا فَلَا أَدْعُوكَ بِاسْمِكَ الْآخَرِ، فَاجْعَلْ بَيْنِي وَبَيْنَكَ شَيْئًا إِذَا دَعَوْتُكَ بِهِ أَجَبْتَنِي. فَقُلْتُ يَا أَبَا عَلِيٍّ، فَقُلْ مَا شِئْتَ قَالَ: فَأَنْتَ عَبْدُ الْإِلَهِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ أَنَا عَبْدُ الْإِلَهِ. فَكَانَ إِذَا لَقِيَنِي قَالَ يَا عَبْدَ الْإِلَهِ. فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ وَهُزِمَ النَّاسُ اسْتَلَبْتُ أَدْرَاعًا فَمَرَرْتُ بِهِنَّ أَحْمِلُهُنَّ، فَرَآنِي أُمَيَّةُ، وَهُوَ قَائِمٌ مَعَ ابْنِهِ عَلِيٍّ آخِذٌ بِيَدِهِ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ عَمْرٍو، فَلَمْ أُجِبْهُ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ الْإِلَهِ، فَقُلْتُ: نَعَمْ فَقَالَ: هَلْ لَكَ فِيَّ وَفِي ابْنِي فَنَحْنُ خَيْرٌ لَكَ مِنْ هَذِهِ الْأَدْرَاعِ الَّتِي تَحْمِلُ، فَقُلْتُ: نَعَمْ هَيْمُ اللَّه [(٣٤)] إِذًا فَأَلْقَيْتُ الْأَدْرَاعَ، وَأَخَذْتُ بِيَدِهِ وَيَدِ ابْنِهِ فَجَعَلَ يَقُولُ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ قَطُّ. أَمَا لَكُمْ حَاجَةٌ فِي اللَّبَنِ؟ يَقُولُ فِي الفداء [(٣٥)] قال فو اللَّه إِنِّي لَأَمْشِي مَعَهُمَا إِذْ رَآهُمَا مَعِي بِلَالٌ. فَقَالَ: رَأْسُ الْكُفْرِ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ لَا نَجَوْتُ إِنْ نَجَا، فَقُلْتُ: أَيْ بِلَالُ أبا سيريّ؟ فَقَالَ: لَا نَجَوْتُ إِنْ نَجَا. فَقُلْتُ: هَلْ تَسْمَعُ يا بن السَّوْدَاءِ؟ فَقَالَ: لَا نَجَوْتُ إِنْ نَجَا، ثُمَّ
_________________
(١) [(٣٤)] مما يستعملونه في القسم، وورد في السيرة لابن هشام: «ها اللَّه» . [(٣٥)] في (ص): يعني الفداء، وفي سيرة ابن هشام: قال ابن هشام: يريد باللبن أنّ من أسرني افتديت منه بإبل كثيرة اللبن.
[ ٣ / ٩١ ]
صَرَخَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، رَأْسُ الْكُفْرِ: أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، لَا نَجَوْتُ إِنْ نَجَا، فَأَحَاطُوا بِنَا حَتَّى جَعَلُونَا فِي مِثْلِ الْمَسَكَةِ [(٣٦)] وَجَعَلْتُ أَذُبُّ عَنْهُمَا وَأَقُولُ: أَسِيرَيَّ إِذْ خَلَفَ رَجُلٌ السَّيْفَ فَضَرَبَ رِجْلَيَّ أُمَيَّةَ، ضَرَبَهُمَا فَطَرَحَهُمَا فَصَاحَ أُمَيَّةُ صَيْحَةً واللَّه مَا سَمِعْتُ صَيْحَةً مِثْلَهَا، فَقُلْتُ: انْجُ بِنَفْسِكَ فو اللَّه مَا أُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا- وَلَا نَجَاءَ بِهِ- فَهَبَرُوهُمَا واللَّه بِأَسْيَافِهِمْ حَتَّى فَرَغُوا مِنْهُ، فَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، يَقُولُ: يَرْحَمُ اللَّه بِلَالًا ذَهَبَتْ أَدْرَاعِي، وَفَجَعَنِي بِأَسِيرِي» [(٣٧)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْقَطِيعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي: قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ [عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: ذَكَرَ لَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ] [(٣٨)] «أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ أَمَرَ يَوْمَ بَدْرٍ بِأَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ رَجُلًا مِنْ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ فَقُذِفُوا فِي طَوِيٍّ مِنْ أَطْوَاءِ بَدْرٍ خَبِيثٍ مُخْبِثٍ، وَكَانَ إِذَا ظَهَرَ عَلَى قَوْمٍ أَقَامَ بِالْعَرْصَةِ ثَلَاثَ لَيَالٍ فَلَمَّا كَانَ بِبَدْرٍ الْيَوْمَ الثَّالِثَ أَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ فَشُدَّ عَلَيْهَا رَحْلُهَا، ثُمَّ مَشَى وَاتَّبَعَهُ أَصْحَابُهُ فَقَالُوا: مَا نَرَاهُ إِلَّا يَنْطَلِقُ لِبَعْضِ حَاجَتِهِ، حَتَّى قَامَ عَلَى شَفَةِ الرَّكِيِّ [(٣٩)] فَجَعَلَ يُنَادِيهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ: يَا فُلَانُ بْنَ فُلَانٍ، وَيَا فُلَانُ بْنَ فُلَانٍ: أَيَسُرُّكُمْ أَنَّكُمْ أَطَعْتُمُ اللَّه وَرَسُولَهُ، فَإِنَّا قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا، فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّه مَا تُكَلِّمُ مِنْ أَجْسَادٍ لَا أَرْوَاحَ فِيهَا؟ فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ.
قَالَ قَتَادَةُ: أَحْيَاهُمُ اللَّه حَتَّى أَسْمَعَهُمْ قَوْلَهُ تَوْبِيخًا وَتَصْغِيرًا ونقمة وحسرة وندامة» .
_________________
(١) [(٣٦)] المسكة: السوار من عاج. [(٣٧)] الخبر رواه ابن هشام في السيرة (٢: ٢٧١- ٢٧٣) . [(٣٨)] الزيادة من (ص) و(هـ) . [(٣٩)] على شفة الركي: على طرف البئر، وفي رواية: شفير.
[ ٣ / ٩٢ ]
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ مُحَمَّدٍ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَاتِمٍ كِلَاهُمَا عَنْ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ [(٤٠)] .
وَفِي قَوْلِ قَتَادَةَ هَذَا جَوَابٌ عَمَّا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ مِنْ إِنْكَارِهَا إِسْمَاعَ الْمَوْتَى فِيمَا
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، ومُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ الْفَضْلِ قَالَا:
حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْعُطَارِدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «وَقَفَ رَسُولُ اللَّه ﷺ عَلَى قَلِيبِ بَدْرٍ فَقَالَ إِنَّهُمْ لَيَسْمَعُونَ مَا أَقُولُ.
فَقَالَتْ عَائِشَةُ لَيْسَ هَكَذَا قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ، إِنَّمَا قَالَ: إِنَّهُمْ لَيَعْلَمُونَ أَنَّ مَا كُنْتُ أَقُولُ لَهُمْ حَقٌّ. إنهم قد تبوّأوا مَقَاعِدَهُمْ مِنَ النَّارِ. إِنَّ اللَّه ﷿ يَقُولُ:
إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ» [(٤١)] .
أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ وَغَيْرِهِ [(٤٢)]، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ.
وَمَا رَوَتْ لَا يَدْفَعُ مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ فَإِنَّ الْعِلْمَ لَا يَمْنَعُ مِنَ السَّمَاعِ، وَقَدْ وَافَقَهُ فِي رِوَايَتِهِ مَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ أَبُو طلحة الأنصاري، واستدلاها بِقَوْلِهِ: إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الموتى فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ لَمْ يُسْمِعْهُمْ وَهُمْ مَوْتَى لَكِنَّ اللَّه تَعَالَى أَحْيَاهُمْ حَتَّى
_________________
(١) [(٤٠)] عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ محمد أخرجه البخاري في: ٦٤- كتاب المغازي (٨) باب قتل أبي جهل، الحديث (٣٩٧٦)، فتح الباري (٧: ٣٠٠- ٣٠١)، ومسلم عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَاتِمٍ في صفة أهل الجنة والنار (١٧) باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه، وإثبات عذاب القبر، الحديث (٧٨)، ص (٤: ٢٢٠٤) . [(٤١)] الآية الكريمة (٨٠) من سورة النمل. [(٤٢)] بهذا الإسناد أخرجه البخاري في: ٦٤- كتاب المغازي، (٨) باب قتل أبي جهل، الحديث (٣٩٧٩)، فتح الباري (٧: ٣٠١) . وأخرجه مسلم في الجنائز عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ عَنْ أبي أسامة، وعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ وَكِيعٍ كلاهما عن هشام، والنسائي في الجنائز عن محمد بن آدم.
[ ٣ / ٩٣ ]
أَسْمَعَهُمْ كَمَا قَالَ قَتَادَةُ تَوْبِيخًا لَهُمْ وَتَصْغِيرًا [وَحَسْرَةً] وَنَدَامَةً] [(٤٣)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه بْنُ بُطَّةَ، قَالَ:
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْجَهْمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَرَجِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَاقِدِيُّ، قَالَ: «وَكَانَ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ بِمَكَّةَ وَالنَّبِيُّ ﷺ مُهَاجِرٌ بِالْمَدِينَةِ، فَكَانَ يَقُولُ بِمَكَّةَ فِيهِ بَيْتَيْنِ مِنْ شِعْرٍ [(٤٤)] فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَمَّا بَلَغَهُ قَوْلُهُ: اللهُمَّ كُبَّهُ لِمَنْخَرِهِ واصْرَعْهُ، فَجَمَحَ بِهِ فَرَسُهُ يَوْمَ بَدْرٍ، فَأَخَذَهُ عَبْدُ اللَّه بْنُ سَلَمَةَ الْعَجْلَانِيُّ، فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتِ بْنِ أَبِي الْأَقْلَحِ فَضَرَبَ عُنُقَهُ صَبْرًا»
[(٤٥)] .
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنِي ابْنُ رَاشِدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ: اللهُمَّ اكْفِنِي نَوْفَلَ بْنَ خُوَيْلِدٍ. ثُمَّ ذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي قتله [(٤٦)] .
_________________
(١) [(٤٣)] ليست في (ص) . [(٤٤)] هما: يا راكب الناقة القصواء هاجرنا* عما قليل تراني راكب الفرس أعلّ رمحي فيكم ثم أنهله* والسيف يأخذ منكم كلّ ملتبس [(٤٥)] مغازي الواقدي (١: ٨٢) . [(٤٦)] وأقبل نوفل يومئذ وهو مرعوب، قد رأى قتل أصحابه، وكان في أوّل ما التقوا هم والمسلمون، يصيح بصوت به زجل، رافعا صوته: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إِنَّ هذا اليوم يوم العلاء والرّفعة! فلمّا رأى قريشا قد انكسرت جعل يصيح بالأنصار: ما حاجتكم إلى دمائنا؟ أما ترون ما تقتلون؟ أما لكم في اللّبن من حاجة؟ فأسره جبّار بن صخر فهو يسوقه أمامه، فجعل نوفل يقول لجبّار- ورأى عليّا مقبلا نحوه- قال: يا أخا الأنصار، من هذا؟ واللّات والعزّى، إني لأرى رجلا، إنه ليريدني! قال: هذا علي بن أبي طالب. قال: ما رأيت كاليوم رجلا أسرع في قومه [منه. فيصمد له عليّ ﵇] فيضربه، فنشب سيف عليّ في جحفته ساعة، ثم نزعه فيضرب ساقيه، ودرعه مشمّرة، فقطعهما، ثم أجهز عليه فقتله.
[ ٣ / ٩٤ ]
قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: مَنْ لَهُ عِلْمٌ بِنَوْفَلِ بْنِ خُوَيْلِدٍ، فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: أَنَا قَتَلْتُهُ، قَالَ: فَكَبَّرَ النَّبِيُّ ﷺ، وَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَجَابَ دَعْوَتِي فِيهِ»
[(٤٧)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو الْأَدِيبُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا [(٤٨)] قَالَ: هُمْ كُفَّارُ أَهْلِ مَكَّةَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّه كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ البوار» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنِ الْحُمَيْدِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ [(٤٩)] .
زَادَ، قَالَ: «النَّارُ يَوْمُ بَدْرٍ» .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْعَلَوِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَمْدَوَيْهِ بْنِ سهل الغازي قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ حَمَّادٍ الْآمُلِيُّ، قَالَ: حدثنا سعيد ابن أَبِي مَرْيَمَ، ثُمَّ أَخْبَرَنِي بَكْرُ بْنُ مُضَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّه بْنِ الْأَدْرَعِ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ «أَنَّهُ سَمِعَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ يَقُولُ فِي قَوْلِ اللَّه تَعَالَى: الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا قَالَ هُمْ كُفَّارُ قُرَيْشٍ الَّذِينَ نُحِرُوا يَوْمَ بَدْرٍ» .
أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ وأبو سعيد بن أَبِي عَمْرٍو، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حدثنا يونس ابْنِ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّه بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «مَا كَانَ بين نزول أول
_________________
(١) [(٤٧)] مغازي الواقدي (١: ٩١- ٩٢) . [(٤٨)] الآية الكريمة (٢٨) من سورة إبراهيم. [(٤٩)] البخاري: تفسير سورة إبراهيم، الحديث (٤٧٠٠)، فتح الباري (٨: ٣٧٨) .
[ ٣ / ٩٥ ]
يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ [(٥٠)] وَبَيْنَ قول اللَّه تعالى: ذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا [(٥١)] إِلَّا قَلِيلٌ حَتَّى أَصَابَ اللَّه قُرَيْشًا بِالْوَقْعَةِ يَوْمَ بَدْرٍ» [(٥٢)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرِ بْنُ قَتَادَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَّاجُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُطَيَّنٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الْأَحْوَلُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ مَعْنٍ عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَخَذَتْهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ رِيحٌ عَقِيمٌ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ سَلْمَانَ الْفَقِيهُ بِبَغْدَادَ قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ [عَنِ سِمَاكٍ] [(٥٣)] عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «لَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّه ﷺ مِنَ الْقَتْلَى قِيلَ لَهُ: عَلَيْكَ الْعِيرَ [(٥٤)] لَيْسَ دُونَهَا شَيْءٌ، فَنَادَاهُ الْعَبَّاسُ وَهُوَ فِي وَثَاقِهِ: إِنَّهُ لَا يَصْلُحُ لَكَ، قَالَ: لِمَ؟ قَالَ: لِأَنَّ اللَّه ﷿ وَعَدَكَ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، وَقَدْ أَنْجَزَ لَكَ ما وعدك»
[(٥٥)] .
_________________
(١) [(٥٠)] الآية الأولى من سورة المزمل. [(٥١)] الآية الكريمة (١١) من سورة المزمل. [(٥٢)] سيرة ابن هشام (٢: ٣١٧) . [(٥٣)] الزيادة من (ص) فقط، وثابتة في جامع الترمذي. [(٥٤)] وهي عير أبي سفيان. [(٥٥)] أخرجه الترمذي في تفسير سورة الأنفال، الحديث (٣٠٨٠) عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ، وقال أبو عيسى: «حديث حسن صحيح» . جامع الترمذي (٥: ٢٦٩) .
[ ٣ / ٩٦ ]
بَابُ [(١)] مَا ذُكِرَ فِي الْمَغَازِي مِنْ دُعَائِهِ يَوْمَ بَدْرٍ خُبَيْبًا وَانقِلَابِ الْخَشَبِ فِي يَدِ مَنْ أَعْطَاهُ سَيْفًا، وَرَدِّهِ عَيْنَ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ إِلَى مَكَانِهَا بَعْدَ أَنْ سَالَتْ حَدَقَتُهُ عَلَى وَجْنَتِهِ حَتَّى عَادَتْ إِلَى حَالِهَا
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ:
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: «ضُرِبَ خُبَيْبٌ يَعْنِي ابْنَ عَدِيٍّ [(٢)]
_________________
(١) [(١)] من هذا الباب تبدأ النسخة المرموز إليها بالحرف (أ) وهي ناقصة من أولها حتى هذا الباب، وستستمر حتى نهاية الكتاب وانظر وصفها في تقدمتنا للكتاب في بداية السفر الأول. [(٢)] هو خبيب بن عدي بن عامر بن مجدعة الأنصاري الشهيد، شهد أحدا، وكان فيمن بَعَثَهُ النَّبِيُّ ﷺ مع بني لحيان عند ما وفد رهط من قبيلتهم إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يقولون له: إِنَّ فِينَا إِسْلَامًا، فَابْعَثْ مَعَنَا نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِكَ يعلموننا شرائعه ويقرئوننا القرآن، وكان محمد ﷺ يبعث من أصحابه كلما دعي إلى ذلك ليؤدوا هذه المهمة الدينية السامية، وليدعوا الناس إلى الهدى ودين الحق، لذلك بعث ستة من كبار أصحابه خرجوا مع الرهط وساروا معهم. فلمّا كانوا جميعا على ماء لهذيل بالحجاز بناحية تدعى الرّجيع، غدروا بهم واستصرخوا عليهم هذيلا. ولم يرع المسلمين الستة وهم في رحالهم إلا الرجال بأيديهم السيوف قد غشوهم، فأخذ المسلمون أسيافهم ليقاتلوا. لكن هذيلا قالت لهم: إنّا واللَّه ما نريد قتلكم، ولكنا نريد أن نصيب بكم مكة، ولكم عهد اللَّه وميثاقه ألّا نقتلكم. ونظر المسلمون بعضهم إلى بعض وقد أدركوا أن الذهاب بهم إلى مكة فرادى إنما هو المذلّة والهوان وما هو شرّ من القتل، فأبوا ما وعدت هذيل، وانبروا لقتالها، وهم يعلمون أنهم في قلة عددهم لا يطيقونه. وقتلت هذيل ثلاثة منهم ولان الثلاثة الباقون، فأمسكت بتلابيهم وأخذتهم أسرى، وخرجت بهم إلى مكة تبيعهم فيها فلمّا كانوا
[ ٣ / ٩٧ ]
يَوْمَ بَدْرٍ، فَمَالَ شِقُّهُ، فَتَفَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّه ﷺ وَلَأَمَهُ وَرَدَّهُ فَانْطَبَقَ» .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ قَالَ:
أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ فِي تَسْمِيَةِ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا قَالَ: «وَعُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ وَهُوَ الَّذِي قَاتَلَ بِسَيْفِهِ يَوْمَ بَدْرٍ حَتَّى انْقَطَعَ فِي يَدِهِ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّه ﷺ فَأَعْطَاهُ جِذْلًا [(٣)] مِنْ حَطَبٍ، وَقَالَ: قَاتِلْ بِهَا يَا عُكَّاشَةُ
[(٤)] فَلَمَّا أَخَذَهُ مِنْ يد
_________________
(١) [()] في بعض الطريق انتزع عَبْدُ اللَّه بْنُ طَارِقٍ أحد المسلمين الثلاثة يده من غلّ الأسر ثم أخذ سيفه، فاستأخر عنه القوم وطفقوا يرجمونه بالحجارة حتى قتلوه أمّا الأسيران الآخران فقدمت بهما هذيل مكة وباعتهما من أهلها. باعت زيد بن الدثنّة لصفوان بن أميّة الذي اشتراه ليقتله بأبيه أميّة بن خلف، فدفع به إلى مولاه نسطاس ليقتله. فلما قدّم سأله أبو سفيان: أنشدك اللَّه يا زيد، أتحبّ أنّ محمدا الآن عندنا في مكانك تضرب عنقه وأنت في أهلك؟ قال زيد: واللَّه مَا أُحِبُّ أَنَّ محمدا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأنا جالس في أهلي! فعجب أبو سفيان وقال: ما رأيت من النَّاسِ أحدا يحبّه أصحابه ما يحب أصحاب محمد محمدا. وقتل نسطاط زيدا، فذهب شهيد أمانته لدينه ولنبيه، أمّا خبيب فحبس حتى خرجوا به ليصلبوه. فقال لهم: إن رأيتم أن تدعوني حتى أركع ركعتين فافعلوا، فأجازوه فركع ركعتين أتمّهما وأحسنهما، ثم أقبل على القوم وقال: أما واللَّه لولا أن تظنوا أني إنما طوّلت جزعا من القتل لاستكثرت من الصلاة. ورفعوه إلى خشبة، فلمّا أوثقوه إليها نظر إليهم بعين مغضبة وصاح: «اللهم أحصهم عددا، واقتلهم بددا، ولا تغادر منهم أحدا، فأخذت القوم الرجفة من صيحته، واستلقوا إلى جنوبهم حذر أن تصيبهم لعنته، ثم قتلوه. وكذلك استشهد خبيب كما استشهد زيد في سبيل بارئه وسبيل دينه ونبيه. وكذلك ارتفع إلى السماء هذان الروحان الطاهران وكان في استطاعة صاحبيهما أن يستنقذهما من القتل إن رضيا الردة عن دينهما لكنهما في يقينهما بالله وبالروح وبيوم البعث، يوم تجزى كل نفس ما كسبت ولا تزر وازرة وزر أخرى، رأيا الموت، وهو غاية كل حيّ، خير ما يكون غاية للحياة في سبيل العقيدة وفي سبيل الإيمان بالحق، ولكنهما آمنا بأن دمهما الزكيّ الطهور الذي أريق على أرض مكة سيدعو إليها إخوانهم المسلمين يدخلونها فاتحين يحطمون أصنامها، ويطهرونها من رجس الوثنيّة والشرك، ويردون فيها إلى الكعبة بيت اللَّه ما يجب لبيت اللَّه من تقديس وتنزّه عن أن يذكر فيه اسم غير اسم اللَّه. [(٣)] (ص) و(هـ): «خذلا وهو تصحيف. [(٤)] هو عكاشة بن محصن بن حرثان من السابقين الأولين، شهد بدرا، وجاء ذكره في الصحيحين في
[ ٣ / ٩٨ ]
رسول اللَّه ﷺ هَزَّهُ فَعَادَ سَيْفًا فِي يَدِهِ طَوِيلَ الْقَامَةِ، شَدِيدَ الْمَتْنِ، أَبْيَضَ الْحَدِيدَةِ، فَقَاتَلَ بِهَا حَتَّى فَتَحَ اللَّه تَعَالَى عَلَى رَسُولِهِ، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ عِنْدَهُ يَشْهَدُ بِهِ الْمَشَاهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّه ﷺ، حَتَّى قُتِلَ يَعْنِي فِي قِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ وَهُوَ عِنْدَهُ، وَكَانَ ذَلِكَ السَّيْفُ يُسَمَّى الْقَوِيَّ» [(٥)] .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّه مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْأَصْبَهَانِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْجَهْمِ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَرَجِ قَالَ:
أَخْبَرَنَا الْوَاقِدِيُّ قَالَ: «فَحَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ عُثْمَانَ الْجَحْشِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمَّتِهِ قَالَتْ: قَالَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ: «انْقَطَعَ سَيْفِي يَوْمَ بَدْرٍ فَأَعْطَانِي رَسُولُ اللَّه ﷺ عُودًا فَإِذَا هُوَ سَيْفٌ أَبْيَضُ طَوِيلٌ وَقَاتَلْتُ حَتَّى هَزَمَ اللَّه الْمُشْرِكِينَ فَلَمْ يَزَلْ عِنْدَهُ حَتَّى هَلَكَ» [(٦)] .
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَحَدَّثَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ اللَّيْثِيُّ عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ رِجَالٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلْ عِدَّةٍ، قَالُوا: «انْكَسَرَ سَيْفُ سَلَمَةَ بْنِ أَسْلَمَ بْنِ حَرِيشٍ يَوْمَ بَدْرٍ فَبَقِيَ أَعْزَلَ لَا سِلَاحَ مَعَهُ، فَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللَّه ﷺ قَضِيبًا كَانَ فِي يَدِهِ مِنْ عَرَاجِينِ [(٧)] بن طَابٍ [(٨)] . فَقَالَ اضْرِبْ بِهِ فَإِذَا سَيْفٌ جَيِّدٌ فَلَمْ يَزَلْ عِنْدَهُ حَتَّى قُتِلَ يَوْمَ جِسْرِ أَبِي عُبَيْدَةَ»
[(٩)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَالِينِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ عَبْدُ اللَّه
_________________
(١) [()] حديث ابن عباس في السبعين ألفا الذين يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، فقال عكاشة: ادْعُ اللَّه أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: أَنْتِ منهم إلخ الحديث. له ترجمة في الإصابة (٢: ٤٩٤) . [(٥)] الخبر في سيرة ابن هشام (٢: ٢٧٨- ٢٧٩) . [(٦)] الخبر في مغازي الواقدي (١: ٩٣) . [(٧)] (العرجون): العذق، إذا يبس واعوج، أو أصله. [(٨)] (ابن طاب): ضرب من الرطب. [(٩)] الخبر في مغازي الواقدي (١: ٩٣- ٩٤) .
[ ٣ / ٩٩ ]
ابن عَدِيٍّ الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو يَعْلَى قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ الْغَسِيلِ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ «أَنَّهُ أُصِيبَتْ عَيْنُهُ يَوْمَ بَدْرٍ فَسَالَتْ حَدَقَتُهُ عَلَى وَجْنَتِهِ فَأَرَادُوا أَنْ يَقْطَعُوهَا، فَسَأَلُوا رَسُولَ اللَّه ﷺ، فَقَالَ: لَا، فَدَعَا بِهِ فَغَمَزَ حَدَقَتَهُ بِرَاحَتِهِ، فَكَانَ لَا يَدْرِي أَيَّ عَيْنَيْهِ أُصِيبَتْ»
[(١٠)] .
حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الشَّعْرَانِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عِمْرَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي رِفَاعَةُ بْنُ رَافِعِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: «لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ تَجَمَّعَ النَّاسُ عَلَى أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، فَأَقْبَلْتُ إِلَيْهِ فَنَظَرْتُ إِلَى قِطْعَةٍ مِنْ دِرْعِهِ قَدِ انْقَطَعَتْ مِنْ تَحْتِ إِبْطِهِ، قَالَ: فَأَطْعَنُهُ بِالسَّيْفِ فِيهَا طَعْنَةً، فَقَطَعْتُهُ وَرُمِيتُ بِسَهْمٍ يَوْمَ بَدْرٍ، فَفُقِئَتْ عَيْنِي فَبَصَقَ فِيهَا رَسُولُ اللَّه ﷺ وَدَعَا لِي فَمَا آذَانِي مِنْهَا شيء» [(١١)] .
_________________
(١) [(١٠)] نقله الحافظ بن كثير في التاريخ (٣: ٢٩١)، وأضاف: وقد روينا عن أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ عبد العزيز أنه لما أخبره بهذا الحديث عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قتادة وأنشد مع ذلك: أنا ابن الذي سالت على الخدّ عينه* فردّت بكفّ المصطفى أيما ردّ فقال عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵀ عند ذلك منشدا قول أمية بن أبي الصلت في سيف بن ذي يزن فأنشده عمر في موضعه حقا: تِلْكَ الْمَكَارِمُ لَا قَعْبَانِ مِنْ لَبَنٍ* شِيبَا بِمَاءٍ فعادا بعد أبوالا [(١١)] ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٦: ٨٢)، وقال: رواه البزار والطبراني في الكبير والأوسط، وفيه عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عِمْرَانَ، وهو ضعيف.
[ ٣ / ١٠٠ ]
بَابُ سِيَاقِ قِصَّةِ بَدْرٍ عَنْ مَغَازِي مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ فَإِنَّهَا فِيمَا قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ أَصَحُّ الْمَغَازِي، وَلْنَأْتِ عَلَى مَا سَقَطَ مِنْ تِلْكَ الْقِصَّةِ عَمَّا ذَكَرْنَا مِنْهَا فِي الْأَخْبَارِ الْمُتَفَرِّقَةِ
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَطَّانُ بِبَغْدَادَ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الله ابن جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ:
حَدَّثَنِي مُطَرِّفٌ وَمَعْنٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ الضَّحَّاكِ قَالُوا: كَانَ مَالِكٌ ﵀ إِذَا سُئِلَ عَنِ الْمَغَازِي قَالَ عَلَيْكَ بِمَغَازِي الرَّجُلِ الصَّالِحِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ [(١)] ﵀ [تَعَالَى] [(٢)] فَإِنَّهُ أَصَحُّ الْمَغَازِي.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ بِبَغْدَادَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ ابْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَتَّابٍ الْعَبْدِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْجَوْهَرِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي
_________________
(١) [(١)] موسى بْنِ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي عياش، أبو محمد الأسدي، التقى وهو غلام سنة (٦٨) بعبد اللهِ بْنِ عُمَرَ فِي طريقه حاجا إلى مكة، وتتلمذ على الزهري، وعاش في المدينة، وكانت له في مسجد الرسول حلقة يدرّس مَغَازِي رَسُولِ اللهِ ﷺ، والخلفاء الراشدين، وفق السنين، وتوفي سنة (١٤١)، وقد قرظه الإمام مالك كثيرا، وقد روى كتابه ابن أخيه: إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة المتوفى (١٥٨)، وقد نشرت قطعة من مغازيه في برلين (١٩٠٤)، واختصره ابن عبد البر المتوفى (٤٦٣) في كتاب «الدرر في اختصار المغازي والسير، وهناك مقتبسات وروايات منه في عيون الأثر لابن سيد الناس» . [(٢)] الزيادة من (ح) .
[ ٣ / ١٠١ ]
إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ [عَنْ عَمِّهِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ (ح)] [(٣)] .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الشَّعْرَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي جَدِّي، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ [(٤)]، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ وَهَذَا لَفْظُ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عَمِّهِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، قَالَ:
«فَمَكَثَ رَسُولُ اللَّه ﷺ بَعْدَ قَتْلِ ابْنِ الْحَضْرَمِيِّ شَهْرَيْنِ، ثُمَّ أَقْبَلَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ فِي عِيرِ قُرَيْشٍ مِنَ الشَّامِ وَمَعَهُ سَبْعُونَ رَاكِبًا مِنْ بُطُونِ قُرَيْشٍ كُلِّهَا، وَفِيهِمْ: مَخْرَمَةُ بْنُ نَوْفَلٍ، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، وَكَانُوا تُجَّارًا بِالشَّامِ وَمَعَهُمْ خَزَائِنُ أَهْلِ مَكَّةَ، وَيُقَالُ: كَانَتْ عِيرُهُمْ أَلْفَ بَعِيرٍ، وَلَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِنْ قُرَيْشٍ أُوقِيَّةٌ فَمَا فَوْقَهَا إِلَّا بَعَثَ بِهَا مَعَ أَبِي سُفْيَانَ، إِلَّا حُوَيْطِبَ بْنَ عَبْدِ الْعُزَّى، فَلِذَلِكَ كَانَ تَخَلَّفَ عَنْ بَدْرٍ فَلَمْ يَشْهَدْهُ، فَذَكَرُوا لِرَسُولِ اللَّه ﷺ وَأَصْحَابِهِ وَقَدْ كَانَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ وَقَتْلُ ابْنِ الْحَضْرَمِيِّ، وَأَسْرُ الرَّجُلَيْنِ: عُثْمَانَ، وَالْحَكَمِ.
فَلَمَّا ذُكِرَتْ عِيرُ أَبِي سُفْيَانَ لِرَسُولِ اللَّه ﷺ بَعَثَ رَسُولُ اللَّه ﷺ عَدِيَّ بْنَ أَبِي الزَّغْبَاءِ الْأَنْصَارِيَّ مِنْ بَنِي غَنْمٍ، وأصله من جهينة وبسبس يَعْنِي ابْنَ عَمْرٍو إِلَى الْعِيرِ عَيْنًا لَهُ، فَسَارَا حَتَّى أَتَيَا حَيًّا مِنْ جُهَيْنَةَ قَرِيبًا مِنْ سَاحِلِ الْبَحْرِ، فَسَأَلُوهُمْ عَنِ الْعِيرِ وَعَنْ تُجَّارِ قُرَيْشٍ، فَأَخْبَرُوهُمَا بِخَبَرِ الْقَوْمِ فَرَجَعَا إِلَى رسول اللَّه ﷺ، فَأَخْبَرَاهُ فَاسْتَنْفَرَا الْمُسْلِمِينَ لِلْعِيرِ، وَذَلِكَ فِي رمضان.
_________________
(١) [(٣)] ليست في (ح) . [(٤)] راوي مَغَازِي مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، وقد توفي (١٧٨)، وعنه ابن سيد الناس في عيون الإثر، ومقتطفات من هذا النص التالي هو في عيون الأثر من صفحة (١: ٢٩٠- ٣٢٢)، ومختصرا في الدرر لابن عبد البرص (١٠٢- ١٠٨) ونقل بعضه الصالحي في السيرة الشامية (٤: ٦٠- ٨٠) .
[ ٣ / ١٠٢ ]
وَقَدِمَ أَبُو سُفْيَانَ عَلَى الْجُهَنِيِّينَ وَهُوَ مُتَخَوِّفٌ مِنْ رَسُولِ اللَّه ﷺ وَأَصْحَابِهِ، فَقَالَ: أَحَسُّوا مِنْ مُحَمَّدٍ، فَأَخْبَرُوهُ خَبَرَ الرَّاكِبَيْنِ: عَدِيِّ بْنِ أَبِي الزَّغْبَاءِ، وَبَسْبَسٍ، وَأَشَارُوا إِلَى مُنَاخِهِمَا، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: خُذُوا مِنْ بَعْرِ بَعِيرَيْهِمَا، فَفَتَّهُ، فَوَجَدَ فِيهِ النَّوَى، فَقَالَ: هَذِهِ عَلَائِفُ أَهْلِ يَثْرِبَ، وَهَذِهِ عُيُونُ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ، فَسَارُوا سِرَاعًا خَائِفِينَ للْطَلَبِ، وَبَعَثَ أَبُو سُفْيَانَ رَجُلًا مِنْ بَنِي غِفَارٍ يُقَالُ لَهُ: ضَمْضَمُ بْنُ عَمْرٍو، إِلَى قُرَيْشٍ: أَنِ انْفِرُوا فَاحْمُوا عِيرَكُمْ مِنْ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ، فَإِنَّهُ قَدِ اسْتَنْفَرَ أَصْحَابَهُ لِيَعْرِضُوا لَنَا.
وَكَانَتْ عَاتِكَةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ سَاكِنَةً بِمَكَّةَ، وَهِيَ عَمَّةُ رَسُولِ اللَّه ﷺ، وَكَانَتْ مَعَ أَخِيهَا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَرَأَتْ رُؤْيَا قَبْلَ بَدْرٍ، وَقَبْلَ قُدُومِ ضَمْضَمٍ عَلَيْهِمْ، فَفَزِعَتْ مِنْهَا، فَأَرْسَلَتْ إِلَى أَخِيهَا: الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مِنْ لَيْلَتِهَا، فَجَاءَهَا الْعَبَّاسُ، فَقَالَتْ: رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا قَدْ أَشْفَقْتُ مِنْهَا، وَخَشِيتُ عَلَى قَوْمِكَ مِنْهَا الْهَلَكَةَ [(٥)]، قَالَ: وَمَاذَا رَأَيْتِ؟ قَالَتْ: لَنْ أُحَدِّثَكَ حَتَّى تُعَاهِدَنِي أَنَّكَ لَا تَذْكُرُهَا فَإِنَّهُمْ إِنْ سَمِعُوهَا آذَوْنَا وَأَسْمَعُونَا مَا لَا نُحِبُّ، فَعَاهَدَهَا الْعَبَّاسُ فَقَالَتْ: رَأَيْتُ رَاكِبًا أَقْبَلَ مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ عَلَى رَاحِلَتِهِ يَصِيحُ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا آلَ غُدَرٍ اخْرُجُوا فِي لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ، فَأَقْبَلَ يَصِيحُ حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، فَصَاحَ ثَلَاثَ صَيْحَاتٍ، وَمَالَ عَلَيْهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ وَفَزِعَ لَهُ النَّاسُ أَشَدَّ الْفَزَعِ، قَالَتْ: ثُمَّ أُرَاهُ مَثَلَ عَلَى ظَهْرِ الْكَعْبَةِ عَلَى رَاحِلَتِهِ فَصَاحَ ثَلَاثَ صَيْحَاتٍ، فَقَالَ: يَا آلَ غُدَرٍ، وَيَا آلَ فُجَرٍ: اخْرُجُوا فِي لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ، ثُمَّ أُرَاهُ مَثَلَ عَلَى ظَهْرِ أَبِي قُبَيْسٍ، كَذَلِكَ يَقُولُ يَا آلَ غُدَرٍ وَيَا آلَ فُجَرٍ، حَتَّى أَسْمَعَ مَنْ بَيْنَ الْأَخْشَبَيْنِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، ثُمَّ عَمَدَ إِلَى صَخْرَةٍ عَظِيمَةٍ فَنَزَعَهَا مِنْ أَصْلِهَا ثُمَّ أَرْسَلَهَا عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ، فَأَقْبَلَتِ الصَّخْرَةُ لَهَا حِسٌّ شَدِيدٌ، حَتَّى إِذَا كَانَتْ عِنْدَ أَصْلِ الْجَبَلِ ارْفَضَّتْ فَلَا أَعْلَمُ بِمَكَّةَ دَارًا وَلَا بَيْتًا إِلَّا
_________________
(١) [(٥)] في عيون الأثر: «شر ومصيبة» .
[ ٣ / ١٠٣ ]
قَدْ دَخَلَتْهَا فِلْقَةٌ مِنْ تِلْكَ الصَّخْرَةِ فَقَدْ خَشِيتُ عَلَى قَوْمِكَ.
فَفَزِعَ الْعَبَّاسُ مِنْ رُؤْيَاهَا، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا، فَلَقِيَ الْوَلِيدَ بْنَ عتبة بن ربيعة مِنْ آخِرِ اللَّيْلَةِ، وَكَانَ الْوَلِيدُ خَلِيلًا لِلْعَبَّاسِ، فَقَصَّ عَلَيْهِ رُؤْيَا عَاتِكَةَ وَأَمَرَهُ أَنْ لَا يَذْكُرَهَا لِأَحَدٍ، فَذَكَرَهَا الْوَلِيدُ لِأَبِيهِ عُتْبَةَ، وَذَكَرَهَا عُتْبَةُ لِأَخِيهِ شَيْبَةَ، فَارْتَفَعَ الْحَدِيثُ حَتَّى بَلَغَ أَبَا جَهْلٍ بْنَ هِشَامٍ، وَاسْتَفَاضَ فِي أَهْلِ مَكَّةَ.
فَلَمَّا أَصْبَحُوا غَدَا الْعَبَّاسُ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ فَوَجَدَ فِي الْمَسْجِدِ أَبَا جَهْلٍ وَعُتْبَةَ وَشَيْبَةَ ابْنَيْ رَبِيعَةَ وَأُمَيَّةَ وَأُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ وَزَمْعَةَ بْنَ الْأَسْوَدِ وَأَبَا الْبَخْتَرِيِّ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ يَتَحَدَّثُونَ، فَلَمَّا نَظَرُوا إِلَى الْعَبَّاسِ نَادَاهُ أَبُو جَهْلٍ: يَا أَبَا الْفَضْلِ إِذَا قَضَيْتَ طَوَافَكَ فَهَلُمَّ إِلَيْنَا فَلَمَّا قَضَى طَوَافَهُ جَاءَ فَجَلَسَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ:
مَا رُؤْيَا رَأَتْهَا عَاتِكَةُ فَقَالَ: مَا رَأَتْ مِنْ شَيْءٍ. فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ أَمَا رَضِيتُمْ يَا بَنِي هَاشِمٍ بِكَذِبِ الرِّجَالِ حَتَّى جِئْتُمُونَا بِكَذِبِ النِّسَاءِ، إنما كُنَّا وَإِيَّاكُمْ كَفَرَسَيْ رِهَانٍ فَاسْتَبَقْنَا الْمَجْدَ مُنْذُ حِينٍ فَلَمَّا تَحَاكَّتِ الرُّكَبُ قُلْتُمْ مِنَّا نَبِيٌّ، فَمَا بَقِيَ إِلَّا أَنْ تَقُولُوا: مِنَّا نَبِيَّةٌ، فَمَا أَعْلَمُ فِي قُرَيْشٍ أَهْلَ بَيْتٍ أَكْذَبَ امْرَأَةً وَلَا رَجُلًا مِنْكُمْ، وَآذَاهُ أَشَدَّ الْأَذَى.
وَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: زَعَمَتْ عَاتِكَةُ أَنَّ الرَّاكِبَ قَالَ: اخْرُجُوا فِي لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ، فَلَوْ قَدْ مَضَتْ هَذِهِ الثَّلَاثُ تَبَيَّنَتْ قُرَيْشٌ كَذِبَكُمْ، وَكَتَبْنَا سِجِلًّا: أَنَّكُمْ أَكْذَبُ أَهْلِ بَيْتٍ فِي الْعَرَبِ رَجُلًا وَامْرَأَةً.
أَمَا رَضِيتُمْ يَا بَنِي قُصِيٍّ أَنْ ذَهَبْتُمْ بِالْحِجَابَةِ وَالنَّدْوَةِ وَالسِّقَايَةِ وَاللِّوَاءِ وَالرِّفَادَةِ، حَتَّى جِئْتُمُونَا بِنَبِيٍّ مِنْكُمْ؟
فَقَالَ الْعَبَّاسُ: هَلْ أَنْتَ مُنْتَهٍ، فَإِنَّ الْكَذِبَ فِيكَ وَفِي أَهْلِ بَيْتِكَ، فَقَالَ مَنْ حَضَرَهُمَا: مَا كُنْتَ يَا أَبَا الْفَضْلِ جَهُولًا، وَلَا خَرِقًا.
وَلَقِيَ الْعَبَّاسُ مِنْ عَاتِكَةَ فِيمَا أَفْشَى عَلَيْهَا مِنْ رُؤْيَاهَا أَذًى شَدِيدًا، فَلَمَّا
[ ٣ / ١٠٤ ]
كَانَ مَسَاءُ اللَّيْلَةِ الثالثة من الليلة الَّتِي رَأَتْ عَاتِكَةُ فِيهَا الرُّؤْيَا، جَاءَهُمُ الرَّاكِبُ الَّذِي بَعَثَ أَبُو سُفْيَانَ، وَهُوَ ضَمْضَمُ بْنُ عَمْرٍو الْغِفَارِيُّ فَصَاحَ فَقَالَ: يَا آلَ غَالِبِ بْنِ فِهْرٍ انْفِرُوا فَقَدْ خَرَجَ مُحَمَّدٌ وَأَهْلُ يَثْرِبَ يَعْتَرِضُونَ لِأَبِي سُفْيَانَ فَأَحْرِزُوا عِيرَكُمْ، فَفَزِعَتْ قُرَيْشٌ أَشَدَّ الْفَزَعِ، وَأَشْفَقُوا مِنْ رُؤْيَا عَاتِكَةَ.
وَقَالَ الْعَبَّاسُ: هَذَا زَعَمْتُمْ كَذَا وَكَذَّبَ عَاتِكَةَ فَنَفَرُوا عَلَى كُلِّ صَعْبٍ وَذَلُولٍ.
وَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: أَيَظُنُ مُحَمَّدٌ أَنْ يُصِيبَ مِثْلَ مَا أَصَابَ بِنَخْلَةَ سَيعْلَمُ أَنَمْنَعُ عِيرَنَا أَمْ لَا.
فَخَرَجُوا بِخَمْسِينَ وَتِسْعِمِائَةِ مُقَاتِلٍ وَسَاقُوا مِائَةَ فَرَسٍ، وَلَمْ يَتْرُكُوا كَارِهًا لِلْخُرُوجِ يَظُنُّونَ أَنَّهُ فِي صَغْوِ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ وَلَا مُسْلِمًا يَعْلَمُونَ إِسْلَامَهُ وَلَا أَحَدًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ إِلَّا مَنْ لَا يَتَّهِمُونَ إِلَّا أَشْخَصُوهُ مَعَهُمْ، فَكَانَ مِمَّنْ أَشْخَصُوا العباس بن عبد المطلب، وَنَوْفَلُ بْنُ الْحَارِثِ، وَطَالِبُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَعَقِيلُ ابن أَبِي طَالِبٍ، فِي آخَرِينَ فَهُنَالِكَ يَقُولُ طَالِبُ بْنُ أبي طالب:
إِمَّا يَخْرُجَنَّ طَالِبْ بِمِقْنَبٍ مِنْ هَذِهِ الْمَقَانِبْ
فِي نَفَرٍ مُقَاتِلٍ مُحَارِبْ فَلْيَكُنِ الْمَسْلُوبُ غَيْرَ السَّالِبْ
وَالرَّاجِعُ الْمَغْلُوبُ غَيْرَ الْغَالِبْ
فَسَارُوا حَتَّى نَزَلُوا الْجُحْفَةَ. نَزَلُوهَا عِشَاءً يَتَرَوَّوْنَ مِنَ الْمَاءِ، وَفِيهِمْ رَجُلٌ مِنَ بَنِي الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ يُقَالُ لَهُ جُهَيْمُ بْنُ الصَّلْتِ بْنِ مَخْرَمَةَ، فَوَضَعَ جُهَيْمٌ رَأْسَهُ فَأَغْفَى ثُمَّ فَزِعَ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: هَلْ رَأَيْتُمُ الْفَارِسَ الَّذِي وَقَفَ عَلَيَّ آنِفًا فَقَالُوا لَا. فَإِنَّكَ مَجْنُونٌ. فَقَالَ قَدْ وَقَفَ عَلَيَّ فَارِسٌ آنِفًا فَقَالَ: قُتِلَ أَبُو جَهْلٍ، وَعُتْبَةُ، وَشَيْبَةُ، وَزَمْعَةُ، وَأَبُو الْبَخْتَرِيِّ، وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، فَعَدَّ أَشْرَافًا مِنْ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: إِنَّمَا لَعِبَ بِكَ الشَّيْطَانُ وَرُفِعَ حَدِيثُ جُهَيْمٍ
[ ٣ / ١٠٥ ]
إِلَى أَبِي جَهْلٍ، فَقَالَ: قَدْ جِئْتُمُونَا بِكَذِبِ بَنِي الْمُطَّلِبِ مَعَ كَذِبِ بَنِي هَاشِمٍ، سَتَرَوْنَ غَدًا مَنْ يُقْتَلُ.
ثُمَّ ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّه ﷺ عِيرُ قُرَيْشٍ جَاءَتْ مِنَ الشَّامِ وَفِيهَا: أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، وَمَخْرَمَةُ بْنُ نَوْفَلٍ، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّه ﷺ فَسَلَكَ حِينَ خَرَجَ إِلَى بَدْرٍ عَلَى نَقْبِ بَنِي دِينَارٍ، وَرَجَعَ حِينَ رَجَعَ مِنْ ثَنِيَّةَ الْوَدَاعِ، فَنَفَرَ رَسُولُ اللَّه ﷺ حِينَ نَفَرَ ومعه ثلاثمائة وَسِتَّةَ عَشَرَ [رَجُلًا] [(٦)] . وَفِي رواية ابن فليح ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا وَأَبْطَأَ عَنْهُ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَتَرَبَّصُوا وَكَانَتْ أَوَّلَ وَقْعَةٍ أَعَزَّ اللَّه ﵎ [(٧)] فِيهَا الْإِسْلَامَ.
فَخَرَجَ فِي رَمَضَانَ عَلَى رَأْسِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا مِنْ مَقْدَمِهِ الْمَدِينَةَ، وَمَعَهُ الْمُسْلِمُونَ لَا يُرِيدُونَ إِلَّا الْعِيرَ فَسَلَكَ عَلَى نَقْبٍ مِنْ بَنِي دِينَارٍ وَالْمُسْلِمُونَ غَيْرُ مُقَوِّينَ مِنَ الظَّهْرِ وَإِنَّمَا خَرَجُوا عَلَى النَّوَاضِحِ يَعْتَقِبُ النَّفَرُ مِنْهُمْ عَلَى الْبَعِيرِ الواحد، وكان زميل رسول اللَّه ﷺ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَمَرْثَدَ بْنَ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيَّ حَلِيفَ حَمْزَةَ، فَهُمْ مَعَهُ لَيْسَ مَعَهُمْ إِلَّا بَعِيرٌ وَاحِدٌ، فَسَارُوا حَتَّى إِذَا كَانُوا بِعِرْقِ الظَّبْيَةِ لَقِيَهُمْ رَاكِبٌ مِنْ قِبَلِ تِهَامَةَ، وَالْمُسْلِمُونَ يَسِيرُونَ فَوَافَقَهُ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّه ﷺ فَسَأَلُوهُ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ فَقَالَ: لَا عِلْمَ لِي بِهِ فلما يئسوا
مِنْ خَبَرِهِ قَالُوا لَهُ: سَلِّمْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: وَفِيكُمْ رَسُولُ اللَّه؟ قَالُوا: نَعَمْ قَالَ: أَيُّكُمْ هُوَ؟ فَأَشَارُوا لَهُ إِلَيْهِ فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: أَنْتَ رَسُولُ اللَّه كَمَا تَقُولُ قَالَ:
نَعَمْ قَالَ: إِنْ كُنْتَ رَسُولَ اللَّه كَمَا تَزْعُمُ فَحَدِّثْنِي بِمَا فِي بَطْنِ نَاقَتِي هَذِهِ، فَغَضِبَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ ثُمَّ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ يُقَالُ لَهُ سَلَمَةُ بْنُ سَلَامَةَ بْنِ وَقْشٍ فَقَالَ لِلْأَعْرَابِيِّ: وَقَعْتَ عَلَى نَاقَتِكَ فَحَمَلَتْ مِنْكَ فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّه ﷺ مَا قَالَ سَلَمَةُ حِينَ سَمِعَهُ أَفْحَشَ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ ثُمَّ سَارَ رَسُولُ اللَّه ﷺ لَا يلقاه خبر
_________________
(١) [(٦)] الزيادة من (ح) . [(٧)] في (ح): «﷿» .
[ ٣ / ١٠٦ ]
وَلَا يَعْلَمُ بِنُفْرَةِ قُرَيْشٍ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: أَشِيرُوا عَلَيْنَا فِي أَمْرِنَا وَمَسِيرِنَا فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّه إِنَّا أَعْلَمُ النَّاسِ بِمَسَافَةِ الْأَرْضِ: أَخْبَرَنَا عَدِيُّ بْنُ أَبِي الزَّغْبَاءِ أَنَّ الْعِيرَ كَانَتْ بِوَادِي كَذَا وَكَذَا قَالَ: ابْنُ فُلَيْحٍ فِي رِوَايَتِهِ: فَكَأَنَّا وَإِيَّاهُمْ فَرَسَا رِهَانٍ إِلَى بَدْرٍ ثُمَّ اتَّفَقَا قَالَ: ثُمَّ قَالَ أَشِيرُوا عَلَيَّ. فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابٍ ﵁ يَا رَسُولَ اللَّه إِنَّهَا قُرَيْشٌ وَعِزُّهَا واللَّه مَا ذَلَّتْ مُنْذُ عَزَّتْ وَلَا آمَنَتْ مُنْذُ كَفَرَتْ، واللَّه لَتُقَاتِلَنَّكَ.
فَتَأَهَّبْ لِذَلِكَ أُهْبَتَهُ وَأَعْدِدْ لَهُ عُدَّتَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: أَشِيرُوا عَلَيَّ، فَقَالَ الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو عَدِيدُ بَنِي زُهْرَةَ: إِنَّا لَا نَقُولُ لَكَ كَمَا قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى: اذْهَبْ أَنْتَ وربك فقاتلا إنا ها هنا قَاعِدُونَ، وَلَكِنِ اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَّبِعُونَ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: أَشِيرُوا عَلَيَّ، فَلَمَّا رَأَى سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ كَثْرَةَ اسْتَشَارَةِ النَّبِيِّ ﷺ أَصْحَابَهُ فَيُشِيرُونَ فَيَرْجِعُ إِلَى الْمَشُورَةِ ظَنَّ سَعْدٌ أَنَّهُ يَسْتَنْطِقُ الْأَنْصَارَ شَفَقًا [أَلَّا] [(٨)] يَسْتَحْوِذُوا مَعَهُ أَوْ قَالَ: أَلَّا يَسْتَجْلِبُوا مَعَهُ عَلَى مَا يُرِيدُ مِنْ أَمْرِهِ، فَقَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ لَعَلَّكَ يَا رَسُولَ اللَّه تَخْشَى أَنْ لَا تَكُونَ الْأَنْصَارُ يُرِيدُونَ مُوَاسَاتَكَ وَلَا يَرَوْنَهَا حَقًّا عَلَيْهِمْ إِلَّا بِأَنْ يَرَوْا عَدُوًّا فِي بُيوتِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ وَنِسَائِهِمْ.
وَإِنِّي أَقُولُ عَنِ الْأَنْصَارِ وَأُجِيبُ عَنْهُمْ يَا رَسُولَ اللَّه، فَأَظْعِنْ حَيْثُ شِئْتَ وَصِلْ حَبْلَ مَنْ شِئْتَ، وَاقْطَعْ حَبْلَ مَنْ شِئْتَ، وَخُذْ مِنْ أَمْوَالِنَا مَا شِئْتَ، وَأَعْطِنَا مَا شِئْتَ، وَمَا أَخَذْتَهُ مِنَّا أَحَبُّ إِلَيْنَا مِمَّا تَرَكْتَ عَلَيْنَا، وَمَا ائْتَمَرْتَ مِنْ أَمْرٍ فَأَمْرُنَا لِأَمْرِكَ فِيهِ تَبَعٌ، فو اللَّه لَوْ سِرْتَ حَتَّى تَبْلُغَ الْبَرْكَ مِنْ غِمْدِ ذِي يَمَنٍ لَسِرْنَا مَعَكَ.
فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ سَعْدٌ قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: سِيرُوا عَلَى اسْمِ اللَّه ﷿ فَإِنِّي قَدْ أُرِيتُ مَصَارِعَ الْقَوْمِ فَعَمَدَ لِبَدْرٍ.
_________________
(١) [(٨)] رسمت في (هـ): «أن لا» .
[ ٣ / ١٠٧ ]
وَخَفَضَ أَبُو سُفْيَانَ، فَلَصِقَ بِسَاحِلِ الْبَحْرِ وَخَافَ الرَّصَدَ عَلَى بَدْرٍ وَكَتَبَ إِلَى قُرَيْشٍ حِينَ خَالَفَ مَسِيرَ رَسُولِ اللَّه ﷺ وَرَأَى أَنَّهُ قَدْ أَحْرَزَ مَا مَعَهُ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا فَإِنَّمَا خَرَجْتُمْ لِتُحْرِزُوا رَكْبَكُمْ فَقَدْ أُحْرِزَ لَكُمْ فَلَقِيَهُمْ هَذَا الْخَبَرُ بِالْجُحْفَةِ فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: واللَّه لَا نَرْجِعُ حَتَّى نَقْدَمَ بَدْرًا فَنُقِيمَ بِهَا وَنُطْعِمَ مَنْ حَضَرَنَا مِنَ الْعَرَبِ فَإِنَّهُ لَنْ يَرَانَا أَحَدٌ مَنَ الْعَرَبِ فَيُقَاتِلَنَا فَكَرِهَ ذَلِكَ الْأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ فَأَحَبَّ أَنْ يَرْجِعُوا. وَأَشَارَ عَلَيْهِمْ بِالرَّجْعَةِ فَأَبَوْا وَعَصَوْهُ وَأَخَذَتْهُمْ حَمِيَّةُ الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا يَئِسَ الْأَخْنَسُ مِنْ رُجُوعِ قُرَيْشٍ أَكَبَّ عَلَى بَنِي زُهْرَةَ فَأَطَاعُوهُ فَرَجَعُوا، فَلَمْ يَشْهَدْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بَدْرًا وَاغْتَبَطُوا بِرَأْيِ الْأَخْنَسِ وَتَبَرَّكُوا بِهِ، فَلَمْ يَزَلْ فِيهِمْ مُطَاعًا حَتَّى مَاتَ.
وَأَرَادَتْ بَنُو هَاشِمٍ الرُّجُوعَ فِيمَنْ رَجَعَ فَاشْتَدَّ عَلَيْهِمْ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ، وَقَالَ: واللَّه لَا تُفَارِقُنَا هَذِهِ الْعِصَابَةُ حَتَّى نَرْجِعَ.
وَسَارَ رَسُولُ اللَّه ﷺ حَتَّى نَزَلَ أَدْنَى شَيْءٍ مِنْ بَدْرٍ عِشَاءً، ثُمَّ بَعَثَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ وَبَسْبَسًا الْأَنْصَارِيَّ عَدِيدَ بَنِي سَاعِدَةَ، وَهُوَ أَحَدُ جُهَيْنَةَ فِي عِصَابَةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّه ﷺ وَقَالَ لَهُمُ: انْدَفِعُوا إِلَى هَذِهِ الظِّرَابِ وَهُوَ فِي نَاحِيَةِ بَدْرٍ، فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ تَجِدُوا الْخَيْرَ عِنْدَ الْقَلِيبِ الَّذِي يَلِي الظِّرَابِ،
فَانْطَلَقُوا مُتَوَشِّحِي السُّيُوفَ فَوَجَدُوا وَارِدَ قُرَيْشٍ عِنْدَ الْقَلِيبِ الَّذِي ذَكَرَ رَسُولُ اللَّه ﷺ فَأَخَذُوا غُلَامَيْنِ أَحَدُهُمَا لِبَنِي الْحَجَّاجِ أَسْوَدُ وَالْآخَرُ لِآلِ الْعَاصِ يُقَالُ لَهُ أَسْلَمُ، وَأَفْلَتَ [(٩)] أَصْحَابُهُمَا قِبَلَ قُرَيْشٍ فَأَقْبَلُوا بِهِمَا حَتَّى أَتَوْا بِهِمَا رَسُولَ اللَّه ﷺ وَهُوَ فِي مُعَرَّسِهِ دُونَ الْمَاءِ فَجَعَلُوا يَسْأَلُونَ الْعَبْدَيْنِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ وَأَصْحَابِهِ لَا يَرَوْنَ إِلَّا أَنَّهُمَا لَهُمْ، فَطَفِقَا يُحَدِّثَانِهِمْ عَنْ قُرَيْشٍ وَمَنْ خَرَجَ مِنْهُمْ وَعَنْ رُؤُوسِهِمْ فَيُكَذِّبُونَهُمَا وَهُمْ أَكْرَهُ شَيْءٍ لِلَّذِي يُخْبِرَانِهِمْ وَكَانُوا يَطْمَعُونَ بِأَبِي سُفْيَانَ وَأَصْحَابِهِ وَيَكْرَهُونَ قُرَيْشًا وَكَانَ رَسُولُ اللَّه ﷺ قَائِمًا يصلي يسمع ويرى
_________________
(١) [(٩)] كذا في (هـ)، وضبطت في (أ) و(ح)، و(ص): «وأفلت» .
[ ٣ / ١٠٨ ]
الَّذِي يَصْنَعُونَ بِالْعَبْدَيْنِ، فَجَعَلَ الْعَبْدَانِ إِذَا أَذْلَقُوهُمَا بِالضَّرْبِ يَقُولَانِ نَعَمْ هَذَا أَبُو سُفْيَانَ وَالرَّكْبُ كَمَا قَالَ اللَّه ﷿ أَسْفَلَ مِنْكُمْ قَالَ اللَّه تَعَالَى: إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كانَ مَفْعُولًا [(١٠)] قَالَ فَطَفِقُوا إِذَا قَالَ الْعَبْدَانِ هَذِهِ قُرَيْشٌ قَدْ جَاءَتْكُمْ كَذَّبُوهُمَا وَإِذَا قَالَا هَذَا أَبُو سُفْيَانَ تَرَكُوهُمَا.
فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّه ﷺ صَنِيعَهُمْ بِهِمَا سَلَّمَ مِنْ صَلَاتِهِ، فَقَالَ: مَاذَا أَخْبَرَاكُمْ؟ قَالُوا أَخْبَرَانَا أَنَّ قُرَيْشًا قَدْ جَاءَتْ قَالَ فَإِنَّهُمَا قَدْ صَدَقَا واللَّه إِنَّكُمْ لَتَضْرِبُونَهُمَا إِذَا صَدَقَا وَتَتْرُكُونَهُمَا إِذَا كَذَبَا. خَرَجَتْ قُرَيْشٌ لِتُحْرِزَ رَكْبَهَا وَخَافُوكُمْ عَلَيْهِمْ ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّه ﷺ الْعَبْدَيْنِ فَسَأَلَهُمَا فَأَخْبَرَاهُ بِقُرَيْشٍ وَقَالَا لَا عِلْمَ لَنَا بِأَبِي سُفْيَانَ فَسَأَلَهُمَا رَسُولُ اللَّه ﷺ: كَمِ الْقَوْمُ؟ قَالَا: لَا نَدْرِي واللَّه هُمْ كَثِيرٌ.
فَزَعَمُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ قَالَ: «مَنْ أَطْعَمَهُمْ أَمْسُ؟» فَسَمَّيَا رَجُلًا مِنَ الْقَوْمِ قَالَ كَمْ نَحَرَ لَهُمْ؟ قَالَا: عَشْرَ جَزَائِرَ، قَالَ: «فَمَنْ أَطْعَمَهُمْ أَوَّلَ أَمْسُ؟» فَسَمَّيَا رَجُلًا آخَرَ مِنَ الْقَوْمِ فَقَالَ: «كَمْ نَحَرَ لَهُمْ؟» قَالَا: تِسْعًا فَزَعَمُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ قَالَ الْقَوْمُ مَا بَيْنَ التِّسْعِ مِائَةِ وَالْأَلْفِ يَعْتَبِرُ ذَلِكَ بِتِسْعِ جَزَائِرَ يَنْحَرُونَهَا يوما وعشر يَنْحَرُونَهَا يَوْمًا.
وَزَعَمُوا أَنَّ أَوَّلَ مَنْ نَحَرَ لَهُمْ حِينَ خَرَجُوا مِنْ مَكَّةَ أبو جهل بن هشام، وَنَحَرَ لَهُمْ بِمَرٍّ عَشْرَ جَزَائِرَ. ثُمَّ نَحَرَ لَهُمْ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ بِعُسْفَانَ تِسْعَ جَزَائِرَ وَنَحَرَ لَهُمْ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو بِقُدَيْدٍ عَشْرَ جَزَائِرَ، وَمَالُوا مِنْ قُدَيْدٍ إِلَى مِيَاهٍ مِنْ نَحْوِ الْبَحْرِ فَظَلُّوا فِيهَا وَأَقَامُوا بِهَا يَوْمًا فَنَحَرَ لَهُمْ شَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ تِسْعًا ثُمَّ أَصْبَحُوا بِالْجُحْفَةِ فَنَحَرَ لَهُمْ يَوْمَئِذٍ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ عَشْرًا ثُمَّ أَصْبَحُوا بِالْأَبْوَاءِ فَنَحَرَ لَهُمْ نُبَيْهٌ وَمُنَبِّهٌ ابْنَا الْحَجَّاجِ أَوْ قَالَ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَشْرًا، وَنَحَرَ لَهُمُ الْحَارِثُ بْنُ عَامِرِ بن
_________________
(١) [(١٠)] الآية الكريمة (٤٢) من سورة الأنفال.
[ ٣ / ١٠٩ ]
نَوْفَلٍ تِسْعًا وَنَحَرَ لَهُمْ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ عَلَى مَاءِ بَدْرٍ عَشْرَ جَزَائِرَ وَنَحَرَ لَهُمْ مِقْيَسٌ الْجُمَحِيُّ عَلَى مَاءِ بَدْرٍ تِسْعًا ثُمَّ شَغَلَتْهُمُ الْحَرْبُ فَأَكَلُوا مِنْ أَذْوَادِهِمْ.
فَقَامَ رَسُولُ اللَّه ﷺ، فَقَالَ: أَشِيرُوا عَلَيَّ فِي الْمَنْزِلِ فَقَامَ الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ ثُمَّ أَحَدُ بَنِي سَلِمَةَ، فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّه عَالِمٌ بِهَا وَبِقُلُبِهَا إِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَسِيرَ إِلَى قَلِيبٍ مِنْهَا قَدْ عَرَفْتُهَا كَثِيرَةِ الْمَاءِ عَذْبَةٍ فَتَنْزِلَ عَلَيْهَا وَتَسْبِقَ الْقَوْمَ إِلَيْهَا وَتُغَّوِرَ مَا سِوَاهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: «سِيرُوا فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى قَدْ وَعَدَكُمْ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ» فَوَقَعَ فِي قُلُوبِ النَّاسِ كَثِيرُ الْخَوْفِ، وَكَانَ فِيهِمْ شَيْءٌ مِنْ تَخَاذُلٍ مِنْ تَخْوِيفِ الشَّيْطَانِ.
فَسَارَ رَسُولُ اللَّه ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ مُسَابِقِينَ إِلَى الْمَاءِ وَسَارَ الْمُشْرِكُونَ سِرَاعًا يُرِيدُونَ الْمَاءَ فَأَنْزَلَ اللَّه عَلَيْهِمْ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ مَطَرًا وَاحِدًا فَكَانَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ بَلَاءً شَدِيدًا مَنَعَهُمْ أَنْ يَسِيرُوا وَكَانَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ دِيمَةً خَفِيفَةً لَبَّدَ لَهُمُ الْمَسِيرَ وَالْمَنْزِلَ وَكَانَتْ بَطْحَاءَ دَهِسَةً فَسَبَقَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى الْمَاءِ فَنَزَلُوا عَلَيْهِ شَطْرَ اللَّيْلِ، فَاقْتَحَمَ الْقَوْمُ فِي الْقَلِيبِ فَمَاحُوهَا حَتَّى كَثُرَ مَاؤُهَا وَصَنَعُوا حَوْضًا عَظِيمًا ثُمَّ غَوَّرُوا مَا سِوَاهُ مِنَ الْمِيَاهِ. وَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: هَذِهِ مَصَارِعُهُمْ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى بِالْغَدَاةِ، وَأَنْزَلَ اللَّه ﷿: إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ
[(١١)]
وَيُقَالُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّه ﷺ فَرَسَانِ عَلَى أَحَدِهِمَا مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَعَلَى الْآخَرِ سَعْدُ بْنُ خَيْثَمَةَ، وَمَرَّةً الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ، وَمَرَّةً الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ، ثُمَّ صَفَّ رَسُولُ اللَّه ﷺ عَلَى الْحِيَاضِ فَلَمَّا طَلَعَ الْمُشْرِكُونَ قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ:
- زَعَمُوا: اللهُمَّ هَذِهِ قُرَيْشٌ قَدْ جَاءَتْ بِخُيَلَائِهَا وَفَخْرِهَا تُحَادُّكَ وَتُكَذِّبُ رَسُولَكَ اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مَا وَعَدْتَنِي- وَرَسُولُ اللَّه ﷺ مُمْسِكٌ بِعَضُدِ أَبِي بَكْرٍ يَقُولُ: - اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مَا وَعَدْتَنِي.
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا نبي اللَّه أبشر فو الذي نفسي بيده
_________________
(١) [(١١)] سورة الأنفال: الآية (١١) .
[ ٣ / ١١٠ ]
لَيُنْجِزَنَّ اللهُ تَعَالَى لَكَ مَا وَعَدَكَ، فَاسْتَنْصَرَ الْمُسْلِمُونَ اللهَ تَعَالَى وَاسْتَغَاثُوهُ فَاسْتَجَابَ اللهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﷺ وَلِلْمُسْلِمِينَ.
وَأَقْبَلَ الْمُشْرِكُونَ وَمَعَهُمْ إِبْلِيسُ فِي صُورَةِ سُرَاقَةَ بْنِ جُعْشُمٍ الْمُدْلِجِيِّ يُحَدِّثُهُمْ أَنَّ بَنِي كِنَانَةَ وَرَاءَهُ قَدْ أَقْبَلُوا لِنَصْرِهِمْ وَأَنَّهُ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ لِمَا أَخْبَرَهُمْ مِنْ سَيْرِ بَنِي كِنَانَةَ.
قَالَ وَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَرًا وَرِئاءَ النَّاسِ [(١٢)] هَذِهِ الْآيَةَ وَالَّتِي بَعْدَهَا قَالَ رِجَالٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِمَّنِ ادَّعَى الْإِسْلَامَ وَخَرَجَ بِهِمُ الْمُشْرِكُونَ كُرْهًا لَمَّا رَأَوْا قِلَّةً مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ وَأَصْحَابِهِ، غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ، قَالَ اللَّه تَعَالَى: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [(١٣)] الْآيَةَ كُلَّهَا.
وَأَقْبَلَ الْمُشْرِكُونَ حَتَّى نَزَلُوا وَتَعَبَّوْا لِلْقِتَالِ وَالشَّيْطَانُ مَعَهُمْ لَا يُفَارِقُهُمْ، فَسَعَى حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ إِلَى عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ فَقَالَ: هَلْ لَكَ أَنْ تَكُونَ سَيِّدَ قُرَيْشٍ مَا عِشْتَ؟ قَالَ عُتْبَةُ: فَأَفْعَلُ مَاذَا؟ قَالَ تُجِيرُ بَيْنَ النَّاسِ وَتَحَمَّلُ دِيَةَ ابْنِ الْحَضْرَمِيِّ وَبِمَا أَصَابَ مُحَمَّدٌ مِنْ تِلْكَ الْعِيرِ، فَإِنَّهُمْ لَا يَطْلُبُونَ مِنْ مُحَمَّدٍ غَيْرَ هَذِهِ الْعِيرِ، وَدَمِ هَذَا الرَّجُلِ.
قَالَ عُتْبَةُ: نَعَمْ، قَدْ فَعَلْتُ وَنِعِمَّا قُلْتَ، وَنِعِمَّا دَعَوْتَ إِلَيْهِ، فَاسْعَ فِي عَشِيرَتِكَ فَأَنَا أَتَحَمَّلُ بِهَا، فَسَعَى حَكِيمٌ فِي أَشْرَافِ قُرَيْشٍ بِذَلِكَ يَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ، وَرَكِبَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ جَمَلًا لَهُ فَسَارَ عَلَيْهِ فِي صُفُوفِ الْمُشْرِكِينَ فِي أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: يَا قَوْمُ أَطِيعُونِي فَإِنَّكُمْ لَا تَطْلُبُونَ عِنْدَهُمْ غَيْرَ دَمِ ابْنِ الْحَضْرَمِيِّ، وَمَا أَصَابُوا مِنْ عِيرِكُمْ تِلْكَ، وَأَنَا أَتَحَمَّلُ بِوَفَاءِ ذَلِكَ، وَدَعُوا هَذَا الرَّجُلَ، فَإِنْ كان
_________________
(١) [(١٢)] سورة الأنفال: الآية (٤٧) . [(١٣)] سورة الأنفال: الآية (٤٩) .
[ ٣ / ١١١ ]
كَاذِبًا وَلِيَ قَتْلَهُ غَيْرُكُمْ مِنَ الْعَرَبِ فَإِنَّ فِيهِمْ رِجَالًا لَكُمْ فِيهِمْ قَرَابَةٌ قَرِيبَةٌ، وَإِنَّكُمْ إِنْ تَقْتُلُوهُمْ لَا يَزَالُ الرَّجُلُ مِنْكُمْ يَنْظُرُ إِلَى قَاتِلِ أَخِيهِ أَوِ ابْنِهِ أَوِ ابْنِ أَخِيهِ أَوِ ابْنِ عَمِّهِ، فَيُورِثُ ذَلِكَ فِيهِمْ إِحَنًا وَضَغَائِنَ، وَإِنْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ مَلِكًا كُنْتُمْ فِي مُلْكِ أَخِيكُمْ، وَإِنْ كَانَ نَبِيًّا لَمْ تَقْتُلُوَا النَّبِيَّ فَتُسَبُّوا بِهِ، وَلَنْ تَخْلُصُوا أَحْسَبُ إِلَيْهِمْ حَتَّى يُصِيبُوا أَعْدَادَهُمْ، وَلَا آمَنُ أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الدَّبْرَةُ عَلَيْكُمْ، فَحَسَدَهُ أَبُو جَهْلٍ عَلَى مَقَالَتِهِ، وَأَبَى اللَّه ﷿ إِلَّا أَنْ يُنْفِذَ أَمْرَهُ. وَعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ يَوْمَئِذٍ سَيِّدُ الْمُشْرِكِينَ فَعَمَدَ أَبُو جَهْلٍ إِلَى ابْنِ الْحَضْرَمِيِّ، وَهُوَ أَخُو الْمَقْتُولِ، فَقَالَ: هَذَا عُتْبَةُ يُخَذِّلُ بَيْنَ النَّاسِ وَقَدْ تَحَمَّلَ بِدِيَةِ أَخِيكَ يَزْعُمُ أَنَّكَ قَابِلُهَا أَفَلَا تَسْتَحْيُونَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ تَقْبَلُوا الدِّيَةَ؟ وَقَالَ أَبُو جَهْلٍ لِقُرَيْشٍ: إِنَّ عُتْبَةَ قَدْ عَلِمَ أَنَّكُمْ ظَاهِرُونَ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ، وَمَنْ مَعَهُ وَفِيهِمُ ابْنُهُ وَبَنُو عَمِّهِ وَهُوَ يَكْرَهُ صَلَاحَكُمْ.
وَقَالَ أَبُو جَهْلٍ لِعُتْبَةَ وَهُوَ يَسِيرُ فِيهِمْ وَيُنَاشِدُهُمُ: انْتَفَخَ سَحْرُكَ.
وَزَعَمُوا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى عُتْبَةَ: إِنْ يَكُنْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ الْقَوْمِ خَيْرٌ فَهُوَ عِنْدَ صَاحِبِ الْجَمَلِ الْأَحْمَرِ، وَإِنْ يُطِيعُوهُ يَرْشُدُوا
فَلَمَّا حَرَّضَ أَبُو جَهْلٍ قُرَيْشًا عَلَى الْقِتَالِ أَمَرَ النِّسَاءَ يُعْوِلْنَ عَمْرًا فَقُمْنَ يَصِحْنَ وا عمراه وا عمراه، تَحْرِيضًا عَلَى الْقِتَالِ وَقَامَ رِجَالٌ فَتَكَشَّفُوا يُعَيِّرُونَ بِذَلِكَ قُرَيْشًا، فَاجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ عَلَى الْقِتَالِ وَقَالَ عُتْبَةُ لِأَبِي جَهْلٍ سَتَعْلَمُ الْيَوْمَ مَنِ انْتَفَخَ سَحْرُهُ أَيُّ الْأَمْرَيْنِ أَرْشَدُ وَأَخَذَتْ قُرَيْشٌ مَصَافَّهَا لِلْقِتَالِ وَقَالُوا لِعُمَيْرِ بْنِ وهب: اركب فاحرز لَنَا مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ، فَقَعَدَ عُمَيْرٌ عَلَى فَرَسِهِ فَأَطَافَ بِرَسُولِ اللَّه ﷺ وَأَصْحَابِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ حزرتهم بثلاثمائة مُقَاتِلٍ زَادُوا شَيْئًا أَوْ نَقَصُوا شَيْئًا، وَحَزَرْتُ سَبْعِينَ بَعِيرًا، وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَلَكِنْ أَنْظِرُونِي حَتَّى أَنْظُرَ هَلْ لَهُمْ مَدَدٌ أَوْ خَبِيءٌ، فَأَطَافَ حَوْلَهُمْ وَبَعَثُوا خَيْلَهُمْ مَعَهُ، فَأَطَافُوا حَوْلَ رَسُولِ اللَّه ﷺ وَأَصْحَابِهِ ثُمَّ رَجَعُوا فَقَالُوا: لَا مَدَدَ لَهُمْ وَلَا خَبِيءَ، وَإِنَّمَا هُمْ أُكْلَةُ جَزُورٍ طَعَامٌ مَأْكُولٌ.
وَقَالُوا لِعُمَيْرٍ حَرِّشْ بَيْنَ الْقَوْمِ فَحَمَلَ عُمَيْرٌ عَلَى الصَّفِّ وَرَجَعُوا بِمِائَةِ
[ ٣ / ١١٢ ]
فَارِسٍ
وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّه ﷺ وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: لَا تُقَاتِلُوا حَتَّى أُؤْذِنَكُمْ وَغَشِيَهُ نَوْمٌ فَغَلَبَهُ، فَلَمَّا نَظَرَ بَعْضُ الْقَوْمِ إِلَى بَعْضٍ، جَعَلَ أَبُو بَكْرٍ يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّه قَدْ دَنَا الْقَوْمُ وَنَالُوا مِنَّا، فَاسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّه ﷺ، وَقَدْ أَرَاهُ اللَّه تَعَالَى إِيَّاهُمْ فِي مَنَامِهِ قَلِيلًا، وَقَلَّلَ الْمُسْلِمِينَ فِي أَعْيُنِ الْمُشْرِكِينَ، حَتَّى طَمَعَ بَعْضُ الْقَوْمِ فِي بَعْضٍ، وَلَوْ أَرَاهُ عَدَدًا كَثِيرًا لَفَشِلُوا وَلَتَنَازَعُوا فِي الْأَمْرِ كَمَا قَالَ اللَّه ﷿، وَمَعَ رَسُولِ اللَّه ﷺ وَأَصْحَابِهِ فَرَسَانِ: أَحَدُهُمَا لِأَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ، وَالْآخَرُ لِلْمِقْدَادِ بْنِ عَمْرٍو.
وَقَامَ رسول اللَّه ﷺ فِي النَّاسِ فَوَعَظَهُمْ وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ اللَّه تَعَالَى قَدْ أَوْجَبَ الْجَنَّةَ لِمَنِ اسْتُشْهِدَ الْيَوْمَ، فَقَامَ عُمَيْرُ بْنُ حُمَامٍ أَخُو بَنِي سَلِمَةَ عَنْ عَجِينٍ كَانَ يَعْجِنُهُ لِأَصْحَابِهِ حِينَ سَمِعَ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّه إِنَّ لِيَ الْجَنَّةَ إِنْ قُتِلْتُ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَشَدَّ عَلَى أَعْدَاءِ اللَّه مَكَانَهُ فَاسْتَشْهَدَهُ اللَّه تَعَالَى، وَكَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ قُتِلَ.
ثُمَّ أَقْبَلَ الْأَسْوَدُ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ الْمَخْزُومِيُّ يَحْلِفُ بِآلِهَتِهِ لَيَشْرَبَنَّ مِنَ الْحَوْضِ الَّذِي صَنَعَ مُحَمَّدٌ وَلَيَهْدِمَنَّهُ فَشَدَّ فَلَمَّا دَنَا مِنَ الْحَوْضِ لَقِيَهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَضَرَبَ رِجْلَهُ فَقَطَعَهَا، فَأَقْبَلَ يَحْبُو حَتَّى وَقَعَ فِي جَوْفِ الْحَوْضِ فَهَدَمَ مِنْهُ وَاتَّبَعَهُ حَمْزَةُ حَتَّى قَتَلَهُ.
فَلَمَّا قُتِلَ الْأَسْوَدُ بْن ُعَبْدِ الْأَسَدِ نَزَلَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ عَنْ جَمَلِهِ حَمِيَّةً لِمَا قَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ، ثُمَّ نَادَى هل من مبارز؟ فو اللَّه لَيَعَلَمَنَّ أَبُو جَهْلٍ أَيُّنَا أَجْبَنُ وَأَلْأَمُ، وَلَحِقَهُ أَخُوهُ شَيْبَةُ، وَالْوَلِيدُ ابْنُهُ، فَنَادَيَا يَسْأَلَانِ الْمُبَارَزَةَ، فَقَامَ إِلَيْهِمْ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَاسْتَحْيَى النَّبِيُّ ﷺ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ أَوَّلَ قِتَالٍ الْتَقَى فِيهِ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ، وَرَسُولُ اللَّه ﷺ شَاهِدٌ مَعَهُمْ،
فَأَحَبَّ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تَكُونَ الشَّوْكَةُ لِبَنِي عَمِّهِ، فَنَادَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ: أَنِ ارْجِعُوا إِلَى مَصَافِّكُمْ، وَلْيَقُمْ إِلَيْهِمْ بَنُو عَمِّهِمْ، فَقَامَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَعُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ
[ ٣ / ١١٣ ]
ابن الْمُطَّلِبِ،
فَبَرَزَ حَمْزَةُ لِعُتْبَةَ، وَبَرَزَ عُبَيْدَةُ لِشَيْبَةَ، وَبَرَزَ عَلِيُّ [بْنُ أَبِي طَالِبٍ] [(١٤)] لِلْوَلِيدِ، فَقَتَلَ حَمْزَةُ عُتْبَةَ، وَقَتَلَ عُبَيْدَةُ شَيْبَةَ، وَقَتَلَ عَلِيٌّ الْوَلِيدَ، وَضَرَبَ شَيْبَةُ رِجْلَ عُبَيْدَةَ فَقَطَعَهَا، فَاسْتَنَقَذَهُ حَمْزَةُ وَعَلِيٌّ، فَحُمِلَ حَتَّى تُوُفِّيَ بِالصَّفْرَاءِ، وَفِي ذَلِكَ تَقُولُ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ:
أَيَا عَيْنُي جُودِي بِدَمْعٍ سَرِبْ عَلَى خَيْرِ خِنْدِفَ لَمْ يَنْقَلِبْ
تَدَاعَى [(١٥)] لَهُ رَهْطُهُ غُدْوَةً بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبْ
يُذِيقُونَهُ حَرَّ أَسْيَافِهِمْ يُعَلِّونَهُ بَعْدَ مَا قَدْ ضُرِبْ
وَعِنْدَ ذَلِكَ نَذَرَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ لَتَأْكُلَنَّ مِنْ كَبِدِ حَمْزَةَ إِنْ قَدَرَتْ عَلَيْهَا، فَكَانَ قَتْلُ هَؤُلَاءِ النَّفَرِ قَبْلَ الْتِقَاءِ الْجَمْعَيْنِ، وَعَجَّ الْمُسْلِمُونَ إِلَى اللَّه يَسْأَلُونَهُ النَّصْرَ حِينَ رَأَوُا الْقِتَالَ قَدْ نَشِبَ،
وَرَفَعَ رَسُولُ اللَّه ﷺ يَدَيْهِ إِلَى اللَّه تَعَالَى يَسْأَلُهُ مَا وَعَدَهُ وَيَسْأَلُهُ النَّصْرَ، وَيَقُولُ: «اللهُمَّ إِنْ ظُهِرَ عَلَى هَذَه الْعِصَابَةِ ظَهَرَ الشِّرْكُ، وَلَمْ يَقُمْ لَكَ دِينٌ» . وَأَبُو بَكْرٍ ﵁ يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّه وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيَنْصُرَنَّكَ اللَّه ﷿ وَلَيُبَيِّضَنَّ وَجْهَكَ، فَأَنْزَلَ اللَّه ﷿ مِنِ الْمَلَائِكَةِ جُنْدًا فِي أَكْتَافِ الْعَدُوِّ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: «قَدْ أَنْزَلَ اللَّه نَصْرَهُ، وَنَزَلَتِ الْمَلَائِكَةُ أَبْشِرْ يَا أَبَا بَكْرٍ، فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ جِبْرِيلَ ﵇ مُعْتَجِرًا يَقُودُ فَرَسًا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. فَلَمَّا هَبَطَ إِلَى الْأَرْضِ جَلَسَ عَلَيْهَا فَتَغَيَّبَ عَنِّي سَاعَةً ثُمَّ رَأَيْتُ عَلَى شِقَّيْهِ غُبَارًا» .
_________________
(١) [(١٤)] ليست في (ح) . [(١٥)] (هـ): «تداعا» .
[ ٣ / ١١٤ ]
وَقَالَ أَبُو جَهْلٍ اللهُمَّ انْصُرْ خَيْرَ الدِّينَيْنِ، اللهُمَّ دِينُنَا الْقَدِيمُ، وَدِينُ مُحَمَّدٍ الْحَدِيثُ، وَنَكَصَ الشَّيْطَانُ عَلَى عَقِبَيْهِ حِينَ رَأَى الْمَلَائِكَةَ، وَتَبَرَّأَ مِنْ نَصْرِ أَصْحَابِهِ، فَأَوْحَى اللَّه ﷿ إِلَى الْمَلَائِكَةِ وَأَمَرَهُمْ بِأَمْرِهِ وَحَدَّثَهُمْ أَنَّهُ مَعَهُمْ، وَأَمَرَ بِنَصْرِ رَسُولِ اللَّه ﷺ وَالْمُؤْمِنِينَ وَأَخَذَ رَسُولُ اللَّه ﷺ مِلْءَ كَفَّهِ مِنَ الْحَصْبَاءِ فَرَمَى بِهَا وُجُوهَ الْمُشْرِكِينَ فَجَعَلَ اللَّه [﵎] [(١٦)] تِلْكَ الْحَصْبَاءَ عَظِيمًا شَأْنُهَا لَمْ تَتْرُكْ مِنَ الْمُشْرِكينَ رَجُلًا إِلَّا مَلَأَتْ عَيْنَيْهِ، وَجَعَلَ الْمُسْلِمُونَ بِهِمْ قَتْلًا مَعَهُمُ اللَّه وَالْمَلَائِكَةُ يَقْتُلُونَهُمْ وَيَأْسِرُونَهُمْ وَيَجِدُونَ النَّفَرَ كُلَّ رَجُلٍ مِنْهُمْ مُنْكَبًّا عَلَى وَجْهِهِ، لَا يَدْرِي أَيْنَ يَتَوَجَّهُ يُعَالِجُ التُّرَابَ يَنْزِعُهُ مِنْ عَيْنَيْهِ.
وَكَانَ رَسُولُ اللَّه ﷺ قَدْ أَمَرَ الْمُسْلِمِينَ قَبْلَ الْقِتَالِ إِنْ رَأَوُا الظُّهُورَ أَنْ لَا يَقْتُلُوا عَبَّاسًا، وَلَا عَقِيلًا، وَلَا نَوْفَلَ بْنَ الْحَرْثِ وَلَا الْبَخْتَرِيَّ فِي رِجَالٍ، فَأُسِرَ هَؤُلَاءِ النَّفَرُ فِي رِجَالٍ مِمَّنْ أَوْصَى بِهِمْ رَسُولُ اللَّه ﷺ وَغَيْرِهِمْ إِلَّا أَبَا الْبَخْتَرِيِّ فإنه أبا أَنْ يَسْتَأْسِرَ وَذَكَرُوا لَهُ- زَعَمُوا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ أَمَرَهُمْ أَنْ لَا يَقْتُلُوهُ إِنِ اسْتَأْسَرَ، فَأَبَى وَأُسِرَ بَشَرٌ كَثِيرٌ مِمَّنْ لَمْ يَأْمُرِ النَّبِيُّ ﷺ بِإِسَارِهِ الْتِمَاسَ الْفِدَاءِ، قَالَ: وَيَزْعُمُ نَاسٌ أَنَّ أَبَا الْيَسَرِ قَتَلَ أَبَا الْبَخْتَرِيِّ- وَيَأْبَى عَظِيمُ النَّاسِ، إِلَّا أَنَّ الْمُجَدَّرَ، هُوَ الَّذِي قَتَلَهُ، بَلْ قَتَلَهُ أَبُو دَاوُدَ الْمَازِنِيُّ، وَسَلَبَهُ سَيْفَهُ وَكَانَ عِنْدَ بَنِيهِ حَتَّى بَاعَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضِ بَنِي أَبِي البختري وقال المجدّر:
بَشِّرْ بِيُتْمٍ إِنْ لَقِيتَ الْبَخْتَرِي وَبَشِّرَنْ بِمِثْلِهَا مِنِّي بَنِي
أَنَا الَّذِي أَزْعُمُ أَصْلِي مِنْ بَلِي أَطْعَنُ بِالْحَرْبَةِ حَتَّى تَنْثَنِي
وَلَا تَرَى مُجَدَّرًا يَفْرِي فَرِي
فَزَعَمُوا أَنَّهُ نَاشَدَهُ إِلَّا اسْتَأْسَرَ وأَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ نَهَى عَنْ قَتْلِهِ إن
_________________
(١) [(١٦)] ليست في (ح) .
[ ٣ / ١١٥ ]
اسْتَأْسَرَ فَأَبَى أَبُو الْبَخْتَرِيِّ أَنْ يَسْتَأْسِرَ وَشَدَّ عَلَيْهِ بِالسَّيْفِ فَطَعَنَهُ الْأَنْصَارِيُّ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ وَأَجْهَزَ عَلَيْهِ.
وَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّه ﷺ حَتَّى وَقَفَ عَلَى الْقَتْلَى فَالْتَمَسَ أَبَا جَهْلٍ فَلَمْ يَجِدْهُ حَتَّى عُرِفَ ذَلِكَ فِي وَجْهِ رَسُولِ اللَّه ﷺ فَقَالَ اللهُمَّ لَا يُعْجِزْنِي فِرْعَوْنُ هَذِهِ الْأُمَّةِ،
فَسَعَى لَهُ الرِّجَالُ حَتَّى وَجَدَهُ عَبْدُ اللَّه بْنُ مَسْعُودٍ مَصْرُوعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَعْرَكَةِ غَيْرُ كَبِيرٍ، مُقَنَّعًا فِي الْحَدِيدِ وَاضِعًا سَيْفَهُ عَلَى فَخِذَيْهِ لَيْسَ بِهِ جُرْحٌ وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُحَرِّكَ مِنْهُ عُضْوًا وَهُوَ مُنْكَبٌّ يَنْظُرُ إِلَى الْأَرْضِ. فَلَمَّا رَآهُ عَبْدُ اللَّه بْنُ مَسْعُودٍ أَطَافَ حَوْلَهُ لِيَقْتُلَهُ وَهُوَ خَائِفٌ أَنْ يَثُورَ إِلَيْهِ وَأَبُو جَهْلٍ مُقَنَّعٌ فِي الْحَدِيدِ، فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ وَأَبْصَرَهُ لَا يَتَحَرَّكُ ظَنَّ عَبْدُ اللَّه أَنَّ أَبَا جَهْلٍ مُثْبَتٌ جِرَاحًا فَأَرَادَ أَنْ يَضْرِبَهَ بِسَيْفِهِ فَخَشِيَ أَنْ لَا يُغْنِي سَيْفُهُ شَيْئًا فَأَتَاهُ مِنْ وَرَائِهِ فَتَنَاوَلَ قَائِمَ سَيْفِهِ فَاسْتَلَّهُ وَهُوَ مُنْكَبٌّ لَا يَتَحَرَّكُ، فَرَفَعَ عَبْدُ اللَّه سَابِغَةَ الْبَيْضَةِ عَنْ قَفَاهُ فَضَرَبَهُ، فَوَقَعَ رَأْسُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ سَلَبَهُ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ إِذَا هُوَ لَيْسَ بِهِ جِرَاحٌ وَأَبْصَرَ فِي عُنُقِهِ جِدَرًا وَفِي يَدَيْهِ وَفِي كَتِفَيْهِ كَهَيْئَةِ آثَارِ السِّيَاطِ.
وَأَتَى ابْنُ مَسْعُودٍ النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا جَهْلٍ قَدْ قُتِلَ وَأَخْبَرَهُ بِالَّذِي وَجَدَ بِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ذَلِكَ ضَرْبُ الْمَلَائِكَةِ، وَقَالَ: اللهُمَّ قَدْ أَنْجَزْتَ مَا وَعَدْتَنِي.
وَرَجَعَتْ قُرَيْشٌ إِلَى مَكَّةَ مَغْلُوبِينَ مُنْهَزِمِينَ وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ قَدِمَ بِهَزِيمَةِ الْمُشْرِكِينَ الْحَيْسُمَانَ الْكَعْبِيُّ وَهُوَ جَدُّ حَسَنِ بْنِ غَيْلَانَ، فَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ عِنْدَ الْكَعْبَةِ يَسْأَلُونَهُ لَا يُسْأَلُ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ إِلَّا نَعَاهُ، فَقَالَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ وَهُوَ قَاعِدٌ مَعَ نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ فِي الْحِجْرِ: واللَّه مَا يَعْقِلُ هَذَا الرَّجُلُ، وَلَقَدْ طَارَ قَلْبُهُ سَلُوهُ عَنِّي فَإِنِّي أَظُنُّهُ سَوْفَ يَنْعَانِي، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِلْحَيْسُمَانِ هَلْ لَكَ عِلْمٌ بِصَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ؟ قَالَ نَعَمْ هُوَ ذَاكَ جَالِسٌ فِي الْحِجْرِ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ أَبَاهُ أميّة ابن خَلَفٍ قُتِلَ.
ثُمَّ تَتَابَعَ فَلُّ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قُرَيْشٍ وَنَصَرَ اللَّه ﷿ رَسُولَهُ ﷺ
[ ٣ / ١١٦ ]
وَالْمُؤْمِنِينَ، وَأَذَلَّ بِوَقْعَةِ بَدْرٍ رِقَابَ الْمُشْرِكِينَ وَالْمُنَافِقِينَ، فَلَمْ يَبْقَ بِالْمَدِينَةِ مُنَافِقٌ وَلَا يَهُودِيٌّ إِلَّا وَهُوَ خَاضِعٌ عُنُقَهُ لِوَقْعَةِ بَدْرٍ، وَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ فَرَّقَ اللَّه تَعَالَى بَيْنَ الشِّرْكِ وَالْإِيمَانِ.
وَقَالَتِ الْيَهُودُ تَيَقَّنَّا أَنَّهُ النَّبِيُّ الَّذِي نَجِدُ نَعْتَهُ فِي التَّوْرَاةِ واللَّه لَا يَرْفَعُ رَايَةً بَعْدَ الْيَوْمِ إِلَّا ظَهَرَتْ.
وَأَقَامَ أَهْلُ مَكَّةَ عَلَى قَتْلَاهُمُ النَّوْحَ فِي كُلِّ دَارٍ مِنْ مَكَّةَ شَهْرًا وجزّ النساء رؤوسهنّ يُؤْتَى بِرَاحِلَةِ الرَّجُلِ أَوْ بِفَرَسِهِ فَيُوقَفُ بَيْنَ ظَهْرَيِ النِّسَاءِ فَيَنُحْنَ حَوْلَهَا، وَخَرَجْنَ فِي الْأَزِقَّةِ فَسَتَرْنَهَا بِالسُّتُورِ ثُمَّ خَرَجْنَ إِلَيْهَا يَنُحْنَ وَلَمْ يُقْتَلْ مِنَ الْأَسْرَى صَبْرًا غَيْرَ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ قَتَلَهُ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ أبي الْأَقْلَحِ أَخُو بَنِي عَمْرِو ابن عَوْفٍ لَمَّا أَبْصَرَهُ عُقْبَةُ مُقْبِلًا إِلَيْهِ اسْتَغَاثَ بِقُرَيْشٍ
فَقَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ عَلَامَ أُقْتَلُ مِنْ بَيْنِ من ها هنا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ على عَدَاوَتِكَ اللَّه وَرَسُولَهُ، وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّه ﷺ بِقَتْلَى قُرَيْشٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَأُلْقُوا فِي قَلِيبِ بَدْرٍ وَلَعَنَهُمْ وَهُوَ قَائِمٌ يُسَمِّيهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ غَيْرَ أَنَّ أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ كَانَ رَجُلًا مُسَمَّنًا فَانْتَفَخَ فِي يَوْمِهِ فَلَمَّا أَرَادُوا أَنْ يُلْقُوهُ فِي الْقَلِيبِ تَفَقَّأَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: دَعُوهُ، وَهُوَ يَلْعَنُهُمْ: هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟
قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، قَالَ نَافِعٌ، قَالَ عَبْدُ اللَّه بْنُ عُمَرَ: قَالَ أُنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يَا رَسُولَ اللَّه أَتُنَادِي نَاسًا مَوْتَى؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا قُلْتُ مِنْهُمْ
قَالَ: ثُمَّ رَجَعَ رَسُولُ اللَّه ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ فَدَخَلَ مِنْ ثَنِيَّةَ الْوَدَاعِ، وَنَزَلَ الْقُرْآنُ يُعَرِّفُهُمُ اللَّه نِعْمَتَهُ فِيمَا كَرِهُوا مِنْ خُرُوجِ رَسُولِ اللَّه ﷺ إِلَى بَدْرٍ، فَقَالَ:
كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ [(١٧)] إِلَى هَذِهِ الْآيَةِ، وَثَلَاثِ آيات معها.
_________________
(١) [(١٧)] سورة الأنفال: (١٧- ١٨) .
[ ٣ / ١١٧ ]
وَقَالَ: فِيمَا اسْتَجَابَ لِلرَّسُولِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ [(١٨)] هَذِهِ الْآيَةَ وَأُخْرَى مَعَهَا وَأَنْزَلَ فِيمَا غَشِيَهُمْ مِنَ النُّعَاسِ أَمَنَةً منه حِينَ وَكَلَهُمْ إِلَيْهِ حِينَ أُخْبِرُوا بِقُرَيْشٍ فَقَالَ: إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا. سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ [(١٩)] .
هَذِهِ الْآيَةَ وَالَّتِي بَعْدَهَا، وَأَنْزَلَ فِي قَتْلِ الْمُشْرِكِينَ وَالْقَبْضَةِ الَّتِي رَمَى بِهَا رَسُولُ اللَّه ﷺ مِنَ الْحَصْبَاءِ واللَّه أَعْلَمُ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا [(٢٠)] هَذِهِ الْآيَةَ وَالَّتِي بَعْدَهَا، وَأَنْزَلَ فِي اسْتِفْتَاحِهِمْ وَدُعَاءِ الْمُؤْمِنِينَ إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ [(٢١)] وَقَالَ فِي شَأْنِ الْمُشْرِكِينَ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [(٢٢)] هَذِهِ الْآيَةَ كُلَّهَا ثُمَّ أَنْزَلَ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [(٢٣)] فِي سَبْعِ آيَاتٍ مَعَهَا. وَأَنْزَلَ فِي مَنَازِلِهِمْ فَقَالَ: إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ، وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كانَ مَفْعُولًا [(٢٤)] وَالْآيَةَ الَّتِي بَعْدَهَا وَأَنْزَلَ فِيمَا يَعِظُهُمْ بِهِ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا [(٢٥)] الآية وثلاث آيات معها وَأَنْزَلَ فِيمَا تَكَلَّمَ بِهِ رجال
_________________
(١) [(١٨)] سورة الأنفال: الآية (٩) . [(١٩)] (١١ و١٢) من سورة الأنفال. [(٢٠)] سورة الأنفال: الآية (١٧) . [(٢١)] الآية (١٨) من سورة الأنفال. [(٢٢)] الآية (١٨) من سورة الأنفال. [(٢٣)] (٢٠) الأنفال. [(٢٤)] الأنفال: (٤٢) . [(٢٥)] الأنفال: (٤٥) .
[ ٣ / ١١٨ ]
مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ خَرَجَ بِهِمُ الْمُشْرِكُونَ كُرْهًا فَلَمَّا رَأَوْا قِلَّةَ الْمُسْلِمِينَ، قَالُوا:
غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ [(٢٦)] الْآيَةَ كُلَّهَا وَأَنْزَلَ فِي قَتْلَى الْمُشْرِكِينَ وَمَنِ اتَّبَعَهُمْ وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ [(٢٧)] الْآيَةَ وَثَمَانِ آيَاتٍ مَعَهَا وَعَاتَبَ اللَّه ﷿ النبي ﷺ وَالْمُؤْمِنِينَ فِيمَا أَسَرُوا وَكَرِهَ الَّذِي صَنَعُوا أَلَّا يَكُونُوا أَثْخَنُوا الْعَدُوَّ بِالْقَتْلِ فَقَالَ ﷿: مَا كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ. تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ [(٢٨)]، ثُمَّ سَبَقَ مِنَ اللَّه ﷿ لِنَبِيِّهِ ﷺ وَالْمُؤْمِنِينَ إحلال الغنائم وكان حَرَامًا عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ مِنَ الْأُمَمِ كَانَ فِيمَا يُتَحَدَّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّه ﷺ- واللَّه أَعْلَمُ-
أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «لَمْ تَكُنِ الْغَنَائِمُ تَحِلُّ لِأَحَدٍ قَبْلَنَا فَطَيَّبَهَا اللَّه ﷿ لَنَا فَأَنْزَلَ فِيمَا سَبَقَ مِنْ كِتَابِهِ بِإِحْلَالِ الْغَنَائِمِ، فَقَالَ: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ
[(٢٩)] هَذِهِ الْآيَةَ وَالَّتِي بَعْدَهَا. وَقَالَ رِجَالٌ مِمَّنْ أُسِرَ يَا رَسُولَ اللَّه إِنَّا كُنَّا مُسْلِمِينَ وَإِنَّمَا أُخْرِجْنَا كُرْهًا فَعَلَامَ يُؤْخَذُ مِنَّا الْفِدَاءُ فَأَنْزَلَ اللَّه ﷿ فِيمَا قَالُوا:
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [(٣٠)] .
*** وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّه الْبَغْدَادِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عُلَاثَةَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبِي قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ بدر
_________________
(١) [(٢٦)] الأنفال: (٤٩) . [(٢٧)] الأنفال: (٥٠) . [(٢٨)] الأنفال: (٦٧) . [(٢٩)] الأنفال: (٦٨) . [(٣٠)] الأنفال: (٧٠) .
[ ٣ / ١١٩ ]
بِمَعْنَى مَا ذَكَرَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، إِلَّا أنه لَمْ يُسَمِّ الْمُطْعِمِينَ وَلَمْ يَذْكُرْ أَبَا دَاوُدَ الْمَازِنِيَّ فِي قَتْلِ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ، وَقَالَ فِي الْأُسَارَى: «فَلَمَّا أَحَلَّ اللَّه تَعَالَى فِدَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ قَالَتِ الْأُسَارَى مَا لَنَا عِنْدَ اللَّه مِنْ خَيْرٍ قَدْ قُتِلْنَا وَأُسِرْنَا فَأَنْزَلَ اللَّه ﷿ يَسُرُّهُمْ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [(٣١)] فَأَحَلَّ اللَّه تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﷺ الْفِدَاءَ بِمَا ذَكَرَ مِنْ خِيَانَتِهِمْ، وَبِمَا كَثَّرُوا عَلَيْهِ سَوَادَ الْقَوْمِ، وَلَوْ شَاءُوا خَرَجُوا إِلَيْهِ وَفَّرُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِلَى رَسُولِ اللَّه ﷺ، وَأَنْزَلَ اللَّه ﷿: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [(٣٢)] الْآيَةَ كُلَّهَا وَمَا بَعْدَهَا حَتَّى انْقَضَتِ السُّورَةُ.
وَأَنْزَلَ اللَّه ﷿ فَبَيَّنَ قَسْمَ الْغَنَائِمِ فَقَالَ: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى [(٣٣)] الْآيَةَ.
وَأَنْزَلَ فِيمَنْ أُصِيبَ مِمَّنْ يُدْعَى بِالْإِسْلَامَ مَعَ الْعَدُوِّ بِيَوْمِ بَدْرٍ. وَفِيمَنْ أَقَامَ بِمَكَّةَ مِمَّنْ يُطِيقُ الْخُرُوجَ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ [(٣٤)] وَآيَتَيْنِ بَعْدَهَا.
أَخْبَرَنَا أَبُو زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمُزَكِّي، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الطَّرَائِفِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّه صَالِحٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ [(٣٥)] يَعْنِي بِالْفُرْقَانِ يَوْمَ بَدْرٍ يوم فرق
_________________
(١) [(٣١)] سورة الأنفال: (٧٠- ٧١) . [(٣٢)] سورة الأنفال: (٧٢) . [(٣٣)] سورة الأنفال: الآية (٤١) . [(٣٤)] الآية (٩٧) من سورة النساء. [(٣٥)] الآية الكريمة (٤١) من سورة الأنفال.
[ ٣ / ١٢٠ ]
اللهُ تَعَالَى بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ وَفِي قَوْلِهِ إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ [(٣٦)] قَالَ: لَمَّا دَنَا [(٣٧)] الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ قَلَّلَ اللهُ تَعَالَى الْمُسْلِمِينَ فِي أَعْيُنِ الْمُشْرِكِينَ وَقَلَّلَ الْمُشْرِكِينَ فِي أَعْيُنِ الْمُسْلِمِينَ. فَقَالَ المشركون وما هؤلاء؟ غير هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَإِنَّمَا قَالُوا ذلك من قتلهم فِي أَعْيُنِهِمْ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ سَيَهْزِمُونَهُمْ لَا يَشُكُّونَ فِي أَنْفُسِهِمْ فِي ذَلِكَ فَقَالَ اللهُ ﷿: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [(٣٨)] .
_________________
(١) [(٣٦)] الأنفال (٤٩) . [(٣٧)] في (ص): «دنى» . [(٣٨)] الأنفال: (٤٩) .
[ ٣ / ١٢١ ]
بَابُ عَدَدِ مَنِ اسْتُشْهِدَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ بِبَدْرٍ وَعَدَدِ مَنْ قُتِلَ مِنَ الْكُفَّارِ وَمَنْ أُسِرَ مِنْهُمْ يوم بدر
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَتَّابٍ قَالَ:
أَخْبَرَنَا الْقَاسِمُ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ ابن إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ [عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ] [(١)] قال: «وَقُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ مِنْ قُرَيْشٍ: سِتَّةُ نَفَرٍ وَمَنَ الْأَنْصَارِ: ثمانية نفر [(٢)] .
_________________
(١) [(١)] سقطت من (ح)، وموجودة في باقي النسخ. [(٢)] في الدرر: «الجميع أربعة عشر رجلا: ستة من المهاجرين، وثمانية من الأنصار: ستة من الأوس، واثنان من الخزرج» . وفي سيرة ابن هشام (٢: ٣٥٤): وَاسْتُشْهِدَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ بدر مَعَ رَسُولِ اللَّه ﷺ: من قريش ثم مِنَ بَنِي الْمُطَّلِبِ بْنِ عبد مناف: عبيدة بن الحرث بن المطلب، قتله عتبة بن ربيعة، قطع رجله فمات بالصفراء، رجل. ومن بَنِي زُهْرَةَ بْنِ كِلَابِ: عمير بن أبي وقّاص بْنِ أُهَيْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ، وهو أخو سعد ابن أبي وقّاص، فيما قال ابن هشام، وذو الشّمالين بن عبد عمرو بن نضلة، حليف لهم من خزاعة، ثم من بني غبشان، رجلان. ومن بني عديّ بن كعب بن لؤي: عاقل بن البكير، حليف لهم من بني سعد بن ليث بن بكر ابن عبد مناة بن كنانة، ومهجع مولى عمر بن الخطاب، رجلان. ومن بني الحرث بن فهر: صفوان بن بيضاء، رجل، ستة نفر.
[ ٣ / ١٢٢ ]
وَقُتِلَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ: تِسْعَةٌ وَأَرْبَعُونَ رَجُلًا، وَأُسِرَ مِنْهُمْ: تِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ رَجُلًا» [(٣)] .
وَكَذَلِكَ ذَكَرَهُ ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ فِي عَدَدِ مَنِ اسْتُشْهِدَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَقُتِلَ مِنَ الْكُفَّارِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبِي قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ فَذَكَرَهُ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ:
أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: «وَاسْتُشْهِدَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ أَحَدَ عَشَرَ رَجُلًا، أَرْبَعَةٌ مِنَ قُرَيْشٍ وَسَبْعَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ. وَقُتِلَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِضْعَةٌ وَأَرْبَعُونَ رَجُلًا» وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فِي كِتَابِهِ «وَمَعَ رَسُولِ اللَّه ﷺ الْأُسَارَى مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَكَانُوا أَرْبَعَةً وَأَرْبَعِينَ أَسِيرًا وَالْقَتْلَى مِثْلُ ذَلِكَ» [(٤)] .
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ:
أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي الليث قال:
_________________
(١) [()] ومن الْأَنْصَارِ ثُمَّ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ: سَعْدُ بْنُ خَيْثَمَةَ، ومبشر بن عبد المنذر بن زنبر، رجلان. ومن بني الحرث بن الخزرج: يزيد بن الحرث، وَهُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ [ابن] فسحم، رجل. ومن بني سلمة، ثم من بني حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة: عمير بن الهمام، رجل. ومن بين حبيب بن عبد حارثة بن مالك بن غضب بن جشم: رافع بن المعلّى، رجل. قال ابن إسحاق: ومن بني النجار: حارثة بن سراقة بن الحرث، رجل. ومن بَنِي غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النجار: عوف ومعوّذ ابنا الحرث بن رفاعة بن سواد، وهما ابنا عفراء، رجلان، ثمانية نفر. [(٣)] الدرر في اختصار المغازي والسير (١٠٩) . [(٤)] سيرة ابن هشام (٢: ٣٥٤- ٣٥٥) .
[ ٣ / ١٢٣ ]
حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: «كَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِهْجَعٌ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَرَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَهُزِمَ يَوْمَئِذٍ الْمُشْرِكُونَ وَقُتِلَ مِنْهُمْ زِيَادَةٌ على سبعين، وَأُسِرَ مِنْهُمْ مِثْلُ ذَلِكَ» .
ورَوَاهُ يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَهُوَ أَصَحُّ مَا رُوِّينَاهُ فِي عَدَدِ مَنَ قُتِلَ من المشركين وَأُسِرَ مِنْهُمْ، فَحَدِيثُ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ لَهُ شَاهِدٌ وَهُوَ حَدِيثٌ مَوْصُولٌ صَحِيحٌ [(٥)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ الْفَقِيهِ قَالَ:
أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: «أَمَّرَ رَسُولُ اللَّه ﷺ عَلَى الرُّمَاةِ عَبْدَ اللَّه بْنَ جُبَيْرٍ قَالَ: وَكَانُوا خَمْسِينَ رَجُلًا فَأَصَابُوا مِنَّا سَبْعِينَ يَعْنِي يَوْمَ أُحُدٍ. وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ أَصَابَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ أَرْبَعِينَ وَمِائَةً، سَبْعِينَ أَسِيرًا وَسَبْعِينَ قَتِيلًا» .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ عَنْ زُهَيْرٍ [(٦)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّه الزَّاهِدُ الْأَصْبَهَانِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي قَالَ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ نِسْطَاسٍ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: «بَيْنَمَا النَّبِيُّ ﷺ بِالرَّوْحَاءِ إِذْ هَبَطَ عَلَيْهِمْ أَعْرَابِيٌّ مِنْ شَرَفٍ فَقَالَ مَنِ الْقَوْمُ وَأَيْنَ تُرِيدُونَ؟
قِيلَ بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللَّه ﷺ قَالَ: قَالَ أَرَاكُمْ بَذَّةً هَيْأَتُكُمْ قَلِيلًا سِلَاحُكُمْ، قالوا:
_________________
(١) [(٥)] سيأتي تخريجه في الحاشية التالية. [(٦)] الْبُخَارِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ أخرجه البخاري في: ٦٤- كتاب المغازي، باب (١٠)، حديث (٣٩٨٦)، فتح الباري (٧: ٣٠٧)، وأعاده في التفسير، في تفسير سورة آل عمران، وأخرجه أبو داود في الجهاد عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ محمد النفيلي، في باب أي وقت يستحب اللقاء.
[ ٣ / ١٢٤ ]
نَنْتَظِرُ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ إِمَّا أَنْ نُقْتَلَ فَالْجَنَّةُ وَإِمَّا ان نغلب فيجمعهما اللَّه لَنَا الظَّفَرُ وَالْجَنَّةُ. قَالَ أَيْنَ نَبِيُّكُمْ؟ قَالُوا هَذَا هُوَ ذَا. فَقَالَ لَهُ يَا نَبِيَّ اللَّه إِنِّي لَيْسَتْ لِي مَصْلَحَةٌ آخُذُ مَصْلَحَتِي ثُمَّ أَلْحَقُ قَالَ: اذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ فَخُذْ مَصْلَحَتَكَ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّه ﷺ يَؤُمُّ بَدْرًا وَخَرَجَ الرَّجُلُ إِلَى أَهْلِهِ حَتَّى فَرَغَ مِنْ حَاجَتِهِ ثُمَّ لَحِقَ بِرَسُولِ اللَّه ﷺ بِبَدْرٍ وَهُوَ يَصُفُّ النَّاسَ لِلْقِتَالِ فِي تَعْبِئَتِهِمْ فَدَخَلَ فِي الصَّفِّ مَعَهُمْ فَاقْتَتَلَ النَّاسُ وَكَانَ فِيمَنِ اسْتَشْهَدَهُ اللَّه تَعَالَى فَقَامَ رَسُولُ اللَّه ﷺ بَعْدَ أَنْ هَزَمَ اللَّه الْمُشْرِكِينَ وَأَظْفَرَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَرَّ بَيْنَ ظَهْرَانَيِ الشُّهَدَاءِ، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مَعَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ هَذَا يَا عُمَرُ إِنَّكَ تُحِبُّ الْحَدِيثَ وإن الشهداء سادة وأشرافا وملوكا وَإِنَّ هَذَا يَا عُمَرُ مِنْهُمْ» .
تَفَرَّدَ بِهِ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ نسطاس وَفِيهِ نَظَرٌ [(٧)] .
[أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا يَعْلَى حَمْزَةَ بْنَ مُحَمَّدٍ الْعَلَوِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ هَاشِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ الْعُمَرِيَّ، مِنْ وَلَدِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ يَقُولُ: «أَخَذَنِي أَبِي بِالْمَدِينَةِ إِلَى زِيَارَةِ قُبُورِ الشُّهَدَاءِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَالشَّمْسِ، وَكُنْتُ أَمْشِي خَلْفَهُ فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى الْمَقَابِرِ رَفَعَ صَوْتَهُ، وَقَالَ:
السَّلَامُ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ، قَالَ: فَأُجِيبَ: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ يَا عَبْدَ اللَّه، قَالَ: فَالْتَفَتَ أَبِي إِلَيَّ وَقَالَ: أَنْتَ الْمُجِيبُ يَا بُنَيَّ؟ فَقُلْتُ: لَا، فَأَخَذَ بِيَدِي وَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ أَعَادَ السَّلَامَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ جَعَلَ كُلَّمَا سَلَّمَ عَلَيْهِمْ رَدُّوا عَلَيْهِ، حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَخَرَّ للَّه تَعَالَى سَاجِدًا وَشُكْرًا لِلَّهِ ﷿] [(٨)] .
_________________
(١) [(٧)] قال البخاري: «فيه نظر»، وضعفه النسائي، وذكره العقيلي في الضعفاء الكبير (١: ٩٨) من تحقيقنا، وابن حبان في المجروحين (١: ١٣٤)، وذكره في الميزان (١: ١٧٨- ١٧٩) . [(٨)] هذا النص غير موجود في (ص) أو (أ)، وموجود في (هـ)، وأشار إليه في (هـ) بأنه غير موجود، فقال: «هذا ساقط في أصل الرواية إلى الباب» .
[ ٣ / ١٢٥ ]
بَابُ ذِكْرِ التَّارِيخِ لِوَقْعَةِ بَدْرٍ
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُؤَمَّلِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عِيسَى قالا: أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ، قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ، يَقُولُ «كَانَتْ بَدْرٍ لِسَنَةٍ وَنِصْفٍ مِنْ مَقْدَمِ النَّبِيِّ ﷺ الْمَدِينَةَ.
قُلْتُ: وَعَلَى هَذَا يَدُلُّ مَا مَضَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ مِنْ قَوْلِهِ «صُرِفَتِ الْقِبْلَةُ عَلَى رَأْسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا مِنْ مَقْدَمِ النَّبِيِّ ﷺ الْمَدِينَةَ وَذَلِكَ قَبْلَ بَدْرٍ بِشَهْرَيْنِ» .
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ بِبَغْدَادَ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ جَعْفَرِ بْنِ دُرُسْتَوَيْهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْخَلِيلِ الْبَغْدَادِيُّ بِنَيْسَابُورَ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا شَيْبَانُ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ «غَزَا نَبِيُّ اللَّه ﷺ تِسْعَ عَشْرَةَ غَزْوَةً وَقَعَ فِيهَا يَوْمُ بَدْرٍ وَكَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَئِذٍ ثَلَاثَمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا وَالْمُشْرِكُونَ يَوْمَئِذٍ أَلْفٌ غَيْرُ خَمْسِينَ وَكَانَ ذَلِكَ فِي رَمَضَانَ صَبِيحَةَ سَابِعِ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ هِجْرَتِهِ لِثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا أَوْ مَا شَاءَ اللَّه مِنْ ذَلِكَ» .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ وَأَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي عَمْرٍو قَالَا: أَخْبَرَنَا أَبُو
[ ٣ / ١٢٦ ]
الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ: أَخْبَرَنَا يونس ابن بُكَيْرٍ عَنْ قُرَّةَ بْنِ خَالِدٍ قَالَ سَأَلْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فَقَالَ «كَانَ زيد بن ثابت بعظم سَابِعَ عَشْرَةَ وَيَقُولُ هِيَ وَقْعَةُ بَدْرٍ» .
قَالَ: وأَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ أَسْبَاطِ بْنِ نصر، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ الحرمن، قَالَ: «كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِسَبْعَ عَشْرَةَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ» .
قَالَ: وأَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ «إن رسول اللَّه ﷺ الْتَقَى هُوَ وَالْمُشْرِكُونَ يَوْمَ بَدْرٍ صَبِيحَةَ الْجُمُعَةِ لِسَبْعَ عَشْرَةَ مِنْ رَمَضَانَ» [(١)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي الْأَصْبَغُ بْنُ فَرَجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: «كَانَ أَوَّلُ مَشْهَدٍ شَهِدَهُ رَسُولُ اللَّه ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ وَرَئِيسُ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ فَالْتَقَوْا بِبَدْرٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِسَبْعَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّه ﷺ يَوْمَئِذٍ ثَلَاثَمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا وَالْمُشْرِكُونَ بَيْنَ الْأَلْفِ والتسع مائة فَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ الْفُرْقَانِ، فَرَّقَ اللَّه ﷿ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ وَكَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ قُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِهْجَعٌ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَرَجُلٌ مِنَ الأنصار فهزم يومئذ المشركين وَقُتِلَ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ زِيَادَةٌ عَلَى سَبْعِينَ رَجُلًا وَأُسِرَ مِنْهُمْ مِثْلُ ذَلِكَ فَأَنْزَلَ اللَّه ﷿: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ [(٢)] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ.
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ:
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا
_________________
(١) [(١)] سيرة ابن هشام (٢: ٢٦٦) . [(٢)] الآية الكريمة (١٢٣) من سورة آل عمران.
[ ٣ / ١٢٧ ]
جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ اللَّه فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، قَالَ: «تَحَرُّوهَا لِإِحْدَى عَشْرَةَ بَقِينَ صَبِيحَتُهَا يَوْمُ بَدْرٍ» [(٣)] .
كَذَا قَالَ عَبْدُ اللَّه بْنُ مَسْعُودٍ وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ أَهْلِ الْمَغَازِي «أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لِسَبْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً مَضَتْ مِنْ شهر رَمَضَانَ» واللَّه أَعْلَمُ [فِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ] [(٤)] .
وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّه ﷺ «اطْلُبُوهَا لَيْلَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ مِنْ رَمَضَانَ وَلَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَلَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ [(٥)] .
وَرُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ «أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فَقَالَ لَيْلَةُ تِسْعَ عَشْرَةَ مَا يَشُكُّ وَقَالَ يَوْمُ الْفُرْقَانِ يَوْمُ الْتَقَى الْجَمْعَانِ» . [الْمَشْهُورُ عَنْ غيره من أن الْمَغَازِي أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لِسَبْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً مَضَتْ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ واللَّه أَعْلَمُ] [(٦)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ وَأَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي عَمْرٍو قَالَا: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّه عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّه ابن الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، قَالَ: «كَانَتْ بَدْرٍ صَبِيحَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ مِنْ رَمَضَانَ» .
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عمرو بن السماك،
_________________
(١) [(٣)] أخرجه الحاكم في «المستدرك» (٣: ٢٠)، وقال: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه» . [(٤)] الزيادة من (أ) و(ح) . [(٥)] أخرجه أبو داود في الصلاة (باب) من روى أنها لَيْلَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ مِنْ أبواب قيام الليل، عن حكيم ابن سيف الرقي، عَنْ عُبَيْدِ اللَّه بْنِ عَمْرٍو الرَّقِّيِّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أنيسة، عن أبي إسحاق. [(٦)] ما بين الحاصرتين من (هـ) فقط.
[ ٣ / ١٢٨ ]
قَالَ: أَخْبَرَنَا حَنْبَلُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ مُوسَى بْنَ طَلْحَةَ، يَقُولُ: سُئِلَ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ عَنْ يَوْمِ بَدْرٍ، فَقَالَ: إِمَّا «لِسَبْعَ عَشْرَةَ خَلَتْ أَوْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ خَلَتْ أَوْ لِإِحْدَى عَشْرَةَ بَقِيَتْ وَإِمَّا لِتِسْعَ عَشْرَةَ بَقِيَتْ» .
[ ٣ / ١٢٩ ]
بَابُ قُدُومِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَعَبْدِ اللَّه بْنِ رَوَاحَةَ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ بَشِيرَيْنِ بِفَتْحِ بَدْرٍ ثُمَّ قُدُومِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَيْهِمْ بِالْغَنَائِمِ وَالْأُسَارَى وَمَا فَعَلَ النَّجَاشِيُّ حِينَ بَلَغَهُ الْفَتْحُ
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْمُقْرِئُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَلَّفَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، عَلَى رُقَيَّةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّه ﷺ أَيَّامَ بَدْرٍ، فَجَاءَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ [(١)] عَلَى
_________________
(١) [(١)] زيد بن حارثة بن شراحيل بن كعب، الأمير الشهيد النبوي، المسمى في سورة الأحزاب، أبو أسامة الكلبي، ثم المحمديّ، سيد الموالي، وأسبقهم إلى الإسلام، وحبّ رسول اللَّه ﷺ، وأبو حبّه، وما أحبّ، ﷺ، إلا طيبا، ولم يسمّ اللَّه تعالى في كتابه صحابيا باسمه إلا زيد بن حارثة وعيسى بن مريم ﵇ الذي ينزل حكما مقسطا ويلتحق بهذه الأمة المرحومة في صلاته وصيامه وحجه ونكاحه وأحكام الدين الحنيف جميعها، فكما أن أبا القاسم سيد الأنبياء وأفضلهم وخاتمهم، فكذلك عيسى بعد نزوله أفضل هذه الأمة مطلقا، ويكون ختامهم، ولا يجيء بعده من فيه خير، بل تطلع الشمس من مغربها، ويأذن اللَّه بدنو الساعة. قال الواقدي: عَقْدِ رَسُولِ اللَّه، ﷺ، لزيد على الناس في غزوة مؤتة، وقدّمه على الأمراء. فلما التقى الجمعان كان الأمراء يقاتلون عَلَى أرجلهم. فأخذ زيد اللواء فقاتل وقاتل معه الناس حتى قتل طعنا بالرماح ﵁. قال: فصلّى عليه رسول اللَّه، أي دعا له، وقال: «استغفروا لأخيكم قد دخل الجنة وهو يسعى» .
[ ٣ / ١٣٠ ]
الْعَضْبَاءِ نَاقَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالْبِشَارَةِ، قَالَ أُسَامَةُ: فَسَمِعْتُ الْهَيْعَةَ [(٢)] فَخَرَجْتُ فَإِذَا زَيْدٌ قد جاء بالبشارة، فو الله مَا صَدَّقْتُ حَتَّى رَأَيْتُ الْأُسَارَى، فَضَرَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِعُثْمَانَ بِسَهْمِهِ» [(٣)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بُطَّةَ الْأَصْبَهَانِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْجَهْمِ [(٤)] قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَرَجِ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْوَاقِدِيُّ، قَالَ: «وَيُقَالُ صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ مَرْجِعَهُ مِنْ بَدْرٍ الْعَصْرَ بِالْأُثَيْلِ [(٥)]، فَلَمَّا صَلَّى رَكْعَةً تَبَسَّمَ فَلَمَّا سُئِلَ عَنْ تَبَسُّمِهِ قَالَ: مَرَّ بِي مِيكَائِيلُ ﵇ وَعَلَى جَنَاحَيْهِ النَّقْعُ، فَتَبَسَّمَ إِلَيَّ، وَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ فِي طَلَبِ الْقَوْمِ، وَأَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇ حِينَ فَرَغَ مِنْ قِتَالِ أَهْلِ بَدْرٍ عَلَى فَرَسٍ أُنْثَى مَعْقُودِ النَّاصِيَةِ، قَدْ عَصَمَ ثَنِيَّتَيْهِ الْغُبَارُ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ رَبِّي بَعَثَنِي إِلَيْكَ وَأَمَرَنِي أَلَا [(٦)] أُفَارِقَكَ حَتَّى تَرْضَى، هَلْ رَضِيتَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نَعَمْ.
وَقَالُوا: قدم رسول الله ﷺ زَيْدَ بن حَارِثَةَ وَعَبْدِ اللَّه بْنَ رَوَاحَةَ مِنَ الْأُثَيْلِ فجاؤوا
_________________
(١) [()] وكانت مؤنة في جمادي الأولى سنة ثمان وهو ابن خمس وخمسين سنة. جماعة: عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عن أبي ميسرة قَالَ: لَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللَّه، ﷺ، قتل زيد، وجعفر، وابن رواحة، قام، ﷺ، فذكر شأنهم، فبدأ بزيد، فقال: «اللهمّ اغفر لزيد، اللهمّ اغفر لزيد، ثلاثا، اللهمّ اغفر لجعفر وَعَبْدُ اللَّه بْنُ رَوَاحَةَ» . [(٢)] (الهيعة) كل ما أفزع من صوت أو فاحشة تشاع، وقال أبو عبيد: هي صيحة الفزع. [(٣)] نقله الحافظ بن كثير في التاريخ (٣: ٣٠٤)، وفي المستدرك للحاكم (٣: ٢١٧- ٢١٨) مِنْ حَدِيثِ صَالِحِ بْنُ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّه ﷺ من بدر بعث بشيرين إلخ الحديث، وقال في آخره: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه» . [(٤)] كذا في (أ) و(ص) و(ح)، وفي (هـ): «الجهيم» . [(٥)] (الأثيل) موضع بالصّفراء. [(٦)] في (أ) و(هـ): «أن لا» .
[ ٣ / ١٣١ ]
يَوْمَ الْأَحَدِ شَدَّ الضُّحَى، وَفَارَقَ عَبْدُ اللَّه بْنُ رَوَاحَةَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ [(٧)] بِالْعَقِيقِ [(٨)]، فَجَعَلَ عَبْدُ اللَّه يُنَادِي عَلَى رَاحِلَتِهِ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَبْشِرُوا بِسَلَامَةِ رَسُولِ اللَّه ﷺ، وَقَتْلِ الْمُشْرِكِينَ وَأَسْرِهِمْ: قُتِلَ ابْنَا رَبِيعَةَ، وَابْنَا الْحَجَّاجِ، وَأَبُو جَهْلٍ، وَقُتِلَ زَمْعَةُ بْنُ الْأَسْوَدِ، وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وَأُسِرَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، وَقَالَ: عَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ، فَقُمْتُ إِلَيْهِ فَنَحَوْتُهُ فَقُلْتُ: أَحَقًّا ما تقول يا بن رَوَاحَةَ؟ قَالَ: إِي واللَّه وَغَدًا يَقْدَمُ رَسُولُ اللَّه ﷺ بِالْأَسْرَى مُقَرَّنِينَ ثُمَّ تَبِعَ دُورَ الْأَنْصَارِ بِالْعَالِيَةِ يُبَشِّرُهُمْ دَارًا دَارًا وَالصِّبْيَانُ يَشْتَدُّونَ مَعَهُ يَقُولُونَ قُتِلَ أَبُو جَهْلٍ الْفَاسِقُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ.
وَقَدِمَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ عَلَى نَاقَةِ النَّبِيِّ ﷺ الْقَصْوَاءَ يَبَشِّرُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا جَاءَ الْمُصَلَّى صَاحَ عَلَى رَاحِلَتِهِ: قُتِلَ عُتْبَةُ وَشَيْبَةُ ابْنَا رَبِيعَةَ، وَابْنَا الْحَجَّاجِ، وَأَبُو جَهْلٍ، وَأَبُو الْبَخْتَرِيِّ، وَزَمْعَةُ بْنُ الْأَسْوَدِ، وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وَأُسِرَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، وَذُو الْأَنْيَابِ فِي أَسْرَى كَثِيرٍ، فَجَعَلَ النَّاسُ لَا يُصَدِّقُونَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ، وَيَقُولُونَ: مَا جَاءَ زَيْدٌ إِلَّا فَلًّا. حَتَّى غَاظَ الْمُسْلِمِينَ ذَلِكَ وَخَافُوا.
وَقَدِمَ زَيْدٌ حِينَ سَوَّوْا عَلَى رُقَيَّةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّه ﷺ التُّرَابَ بِالْبَقِيعِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ لِأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ: قُتِلَ صَاحِبُكُمْ وَمَنْ مَعَهُ. وَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ لِأَبِي لُبَابَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُنْذِرِ: قَدْ تَفَرَّقَ أَصْحَابُكُمْ تَفَرُّقًا لَا يَجْتَمِعُونَ مِنْهُ أَبَدًا وَقَدْ قُتِلَ عِلْيَةُ أَصْحَابِهِ وَقُتِلَ مُحَمَّدٌ هَذِهِ نَاقَتُهُ نَعْرِفُهَا وَهَذَا زَيْدٌ لَا يدْرَى مَا يَقُولُ مِنَ الرُّعْبِ وَجَاءَ فَلًّا.
قَالَ أَبُو لُبَابَةَ: يُكَذِّبُ اللَّه تَعَالَى قَوْلَكَ. وَقَالَتِ الْيَهُودُ مَا جَاءَ زَيْدٌ إلا فلّا
_________________
(١) [(٧)] (ص): «زيد بن ثابت» وهو تحريف من الناسخ. [(٨)] (العقيق) الوادي الذي شقه السيل قديما، وهو في بلاد العرب عدة مواضع، منها العقيق الأعلى عند مدينة الرسول ﷺ.
[ ٣ / ١٣٢ ]
قَالَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ: فَجِئْتُ حَتَّى خَلَوْتُ بِأَبِي فَقُلْتُ يَا أَبَهْ أَحَقٌّ مَا تَقُولُ؟ قَالَ إِي واللَّه حَقٌّ يَا بُنَيَّ. فَقَوِيَتْ نَفْسِي فَرَفَعْتُ إِلَى ذَلِكَ الْمُنَافِقِ فَقُلْتُ أَنْتَ الْمُرْجِفُ بِرَسُولِ اللَّه وَبِالْمُسْلِمِينَ لَنُقَدِّمَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّه ﷺ إِذَا قَدِمَ فَلَيَضْرِبَنَّ عُنُقَكَ.
قَالَ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ إِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ سَمِعْتُهُ مِنَ النَّاسِ يَقُولُونَهُ. قَالُوا فَجِيءَ بِالْأَسْرَى وَعَلَيْهِمْ شُقْرَانُ مَوْلَى رَسُولِ اللَّه ﷺ وَهُمْ تِسْعَةٌ وَأَرْبَعُونَ رَجُلًا الَّذِينَ أُحْصُوا.
وَهُمْ سَبْعُونَ فِي الْأَصْلِ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ [(٩)] لَا شَكَّ فِيهِ. وَاسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّه ﷺ عَلَيْهِمْ شُقْرَانَ غُلَامَ النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ شَهِدَ بَدْرًا وَلَمْ يُعْتِقْهُ يَوْمَئِذٍ، وَلَقِيَهُ النَّاسُ يُهَنِّئُونَهُ بِالرَّوْحَاءِ بِفَتْحِ اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ فَلَقِيَهُ وُجُوهُ الْخَزْرَجِ.
قَالَ فَحَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ أَبِي سُفْيَانَ مَوْلَى ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ، فَقَالَ: فَلَقِيَهُ أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّه الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَظْفَرَكَ وَأَقَرَّ عَيْنَكَ، واللَّه يَا رَسُولَ اللَّه مَا كَانَ تَخَلُّفِي عَنْ بَدْرٍ وَأَنَا أَظُنُّ أَنَّكَ تَلْقَى عَدُوًّا، وَلَكِنْ ظَنَنْتُ أَنَّهَا الْعِيرُ وَلَوْ ظَنَنْتُ أَنَّهُ عَدُوٌّ مَا تَخَلَّفْتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ صَدَقْتَ» [(١٠)] .
ثُمَّ ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ مَا فَعَلَ النَّجَاشِيُّ [(١١)] بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ حِينَ بَلَغَهُ مَقْتَلُ قُرَيْشٍ بِبَدْرٍ وَقَدْ كَتَبْنَاهُ بِإِسْنَادٍ آخَرَ أَعْلَى مِنْ قَوْلِهِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّه الْحُرْفِيُّ بِبَغْدَادَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْفَقِيهُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ أَبِي الدنيا قال: حدثني حمزة ابن الْعَبَّاسِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدَانُ بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّه هُوَ ابْنُ
_________________
(١) [(٩)] في (ح): «عليهم» . [(١٠)] الخبر في مغازي الواقدي (١: ١١٤- ١١٥)، ونقله الحافظ بن كثير في التاريخ (٣:
(٢) ٣٠٥) . [(١١)] خبر الواقدي عن النجاشي في المغازي (١: ١٢٠- ١٢١) .
[ ٣ / ١٣٣ ]
الْمُبَارَكِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزَِيدَ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ صَنْعَاءَ، قَالَ: «أَرْسَلَ النَّجَاشِيُّ ذَاتَ يَوْمٍ إِلَى جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَأَصْحَابِهِ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ وَهُوَ فِي بَيْتٍ عَلَيْهِ خُلْقَانٌ جَالِسٌ عَلَى التُّرَابِ. قَالَ:
جَعْفَرٌ فَأَشْفَقْنَا مِنْهُ حِينَ رَأَيْنَاهُ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وُجُوهِنَا. قَالَ إِنِّي أُبَشِّرُكُمْ بِمَا يَسُرُّكُمْ إِنَّهُ جَاءَنِي مِنْ نَحْوِ أَرْضِكُمْ عَيْنٌ لِي، فَأَخْبَرَنِي أَنَّ اللَّه ﷿ قَدْ نَصَرَ نَبِيَّهُ ﷺ وَأَهْلَكَ عَدُوَّهُ، وَأُسِرَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ، وَقُتِلَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ الْتَقَوْا بِوَادٍ يُقَالُ لَهُ بَدْرٌ، كَثِيرُ الْأَرَاكِ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ كُنْتُ أَرْعَى بِهِ لِسَيِّدِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي ضَمْرَةَ إِبِلَهُ. فَقَالَ لَهُ جَعْفَرٌ مَا بَالُكَ جَالِسٌ عَلَى التُّرَابِ لَيْسَ تَحَتَكَ بِسَاطٌ وَعَلَيْكَ هَذِهِ الْأَخْلَاقُ قَالَ: إِنَّا نَجِدُ فِيمَا أَنْزَلَ اللَّه عَلَى عِيسَى ﵇ أَنَّ حَقًّا عَلَى عِبَادِ اللَّه أَنْ يُحْدِثُوا لِلَّهِ ﷿ تَوَاضُعًا عِنْدَ مَا أَحْدَثَ لَهُمْ مِنْ نِعْمَةٍ، فَلَمَّا أَحْدَثَ اللَّه ﷿ لِي نَصْرَ نَبِيِّهِ ﷺ أَحْدَثْتُ لَهُ هَذَا التَّوَاضُعَ» [(١٢)] .
_________________
(١) [(١٢)] ونقله الحافظ بن كثير في التاريخ (٣: ٣٠٧- ٣٠٨)، والصالحي في السيرة الشامية (٤: ١٠٤) .
[ ٣ / ١٣٤ ]
بَابُ مَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّه ﷺ بِالْغَنَائِمِ وَالْأُسَارَى وَمَا أَخْبَرَ عَنْهُ فَكَانَ كَمَا قَالَ وَمَا فِي ذَلِكَ مِنْ آثَارِ النُّبُوَّةِ
أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الرُّوذْبَارِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بكر محمد ابن بَكْرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا خَالِدٌ، عَنْ دَاوُدَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ.
«مَنْ فَعَلَ كَذَا وَكَذَا فَلَهُ مِنَ النَّفَلِ كَذَا وَكَذَا،، قَالَ: فَتَقَدَّمَ الْفِتْيَانُ، وَلَزِمَ الْمَشْيَخَةُ الرَّايَاتِ فَلَمْ يَبْرَحُوهَا، فَلَمَّا فَتَحَ اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِمْ قَالَتِ الْمَشْيَخَةُ:
كُنَّا رِدْءًا لَكُمْ لَوِ انْهَزَمْتُمْ فِئْتُمْ إِلَيْنَا فَلَا تَذْهَبُوا بِالْمَغْنَمِ وَنَبْقَى، فَأَبَى الْفِتْيَانُ وَقَالُوا: جَعَلَهُ رَسُولُ اللَّه ﷺ لَنَا، فَأَنْزَلَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ- إِلَى قَوْلِهِ- كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ [(١)] . يَقُولُ: فَكَانَ ذَلِكَ خَيْرًا لَهُمْ، فَكَذَلِكَ أَيْضًا أَطِيعُونِي فَإِنِّي أَعْلَمُ بِعَاقِبَةِ هَذَا منكم»
[(٢)] .
_________________
(١) [(١)] الآيات (١- ٥) من سورة الأنفال. [(٢)] أخرجه أبو داود في كتاب الجهاد، باب في النفل، الحديث (٢٧٣٧)، ص (٣: ٧٧) عن وهب بن بقية، عن خَالِدٌ، عَنْ دَاوُدَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وبعده في الحديث رقم (٢٧٣٨) عن زياد بن أيوب، عن هشيم، عَنْ دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عباس،
[ ٣ / ١٣٥ ]
وأَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الرُّوذْبَارِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ دَاسَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بَكَّارِ بْنِ بِلَالٍ، قَالَ: أخبرنا يزيد ابن خَالِدِ بْنِ مَوْهَبٍ الْهَمْدَانِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا دَاوُدُ بِهَذَا الْحَدِيثِ بِإِسْنَادِهِ، قَالَ: «فَقَسَمَهَا رَسُولُ اللَّه ﷺ بِالسَّوَاءِ» وَحَدِيثُ خَالِدٍ أَتَمُّ [(٣)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ السُّلَمِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّه بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ (ح) .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرِ بْنُ قَتَادَةَ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْفَارِسِيُّ، قَالَا: أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيٍّ الذُّهْلِيُّ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّه بْنِ عَبْدِ اللَّه، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَنَفَّلَ سَيْفَهُ ذَا الْفَقَارِ يَوْمَ بدر» [(٤)] .
_________________
(١) [()] وكذا بعده في الحديث (٢٧٣٩) عن هَارُونُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بَكَّارِ بْنِ بِلَالٍ، عن يَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ موهب الهمداني، عن يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ دَاوُدَ، بإسناده، وأخرجه النسائي في التفسير في السنن الكبرى عن الهيثم بن أيوب الطالقاني، عَنِ الْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ. ونقله الحافظ بن كثير عن أبي داود، والنسائي، وابن حبان، والحاكم من طرق عَنْ دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عباس، في البداية والنهاية (٣: ٣٠٢- ٣٠٣)، ونقله (أيضا) الصالحي في السيرة الشامية (٤: ٨٩) عَنِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وأبو داود، والنسائي، وابن حبان، وعبد الرزاق في مصنفه، وعبد بن حميد، وابن عائذ وابن مردويه، وابن عساكر. [(٣)] سنن أبي داود (٣: ٧٧)، ومضى في الحاشية السابقة. [(٤)] أخرجه الترمذي في السير، باب في النفل، عَنْ هَنَّادِ بْنِ السَّرِيِّ، وأخرجه ابن ماجة في الجهاد (باب) السلاح، عن أبي كريب: مُحَمَّدِ بْنِ الْعَلَاءِ، عَنْ محمد بن الصلت، كلاهما عَنْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ.
[ ٣ / ١٣٦ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ قَالَ:
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّه الصَّفَّارُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ الضَّبِّيُّ (ح) .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ الْجُرْجَانِيُّ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا أَبُو يَعْلَى، قَالَا: أَخْبَرَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الْحَنَفِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو زُمَيْلٍ وَهُوَ سِمَاكٌ الْحَنَفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّه بْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، قَالَ: «لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ فَذَكَرَ الْقِصَّةَ قَالَ أَبُو زُمَيْلٍ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَلَمَّا أَسَرُوا الْأُسَارَى قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ يَا أَبَا بَكْرٍ وَعَلِيٌّ وَعُمَرُ مَا تَرَوْنَ فِي هَؤُلَاءِ الْأُسَارَى؟
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا نَبِيَّ اللَّه! هُمْ بَنُو الْعَمِّ وَالْعَشِيرَةِ، أَرَى أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُمْ فِدْيَةً فَتَكُونَ لَنَا قُوَّةً عَلَى الْكُفَّارِ، فَعَسَى اللَّه أَنْ يَهْدِيَهُمْ لِلْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: «مَا ترى يا بن الْخَطَّابِ؟» قُلْتُ: لَا واللَّه يَا رَسُولَ اللَّه مَا أَرَى الَّذِي رَأَى أَبُو بَكْرٍ، وَلَكِنْ أَرَى أَنْ تُمَكِّنَّا فَنَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ، فَتُمَكِّنَ عَلِيًّا مِنْ عَقِيلٍ فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ، وَتُمَكِّنَنِي مِنْ فُلَانٍ نَسِيبًا لِعُمَرَ فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ أَئِمَّةُ الْكُفْرِ وَصَنَادِيدُهَا، فَهَوِيَ رَسُولُ اللَّه ﷺ مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَلَمْ يَهْوَ مَا قُلْتُ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ جِئْتُ فَإِذَا رَسُولُ اللَّه ﷺ وَأَبُو بكر قاعدين يَبْكِيَانِ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّه أَخْبِرْنِي مِنْ أَيِّ شَيْءٍ تَبْكِي أَنْتَ وَصَاحِبُكَ؟ فَإِنْ وَجَدْتُ بُكَاءً بَكَيْتُ وَإِنْ لَمْ أَجِدْ بُكَاءً تَبَاكَيْتُ لِبُكَائِكُمَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ أَبْكِي لِلَّذِي عَرَضَ عَلَيَّ [أَصْحَابُكَ] [(٥)] مِنْ أَخْذِهِمُ الْفِدَاءَ لَقَدْ عُرِضَ عَلَيَّ عَذَابُهُمْ أَدْنَى مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ- شَجَرَةٌ قَرِيبَةٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ- وَأَنْزَلَ اللَّه ﷿: مَا كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ [(٦)] فِي الْأَرْضِ- إِلَى قَوْلِهِ- فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّبًا
_________________
(١) [(٥)] هكذا في (ا) و(ص) و(ح)، وفي نسخة (هـ): أصحابي، وما أثبتناه موافق لما في صحيح مسلم. [(٦)] يثخن في الأرض: أي يكثر قهر العدو وقتله.
[ ٣ / ١٣٧ ]
فَأَحَلَّ اللَّه الْغَنِيمَةَ لَهُمْ» [(٧)] .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ [(٨)] .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو زَكَرِيَّا الْعَنْبَرِيُّ: قَالَ:
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّه [(٩)]، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّه ﷺ: مَا تَقُولُونَ فِي هَؤُلَاءِ الْأُسَارَى؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّه بْنُ رَوَاحَةَ: أَنْتَ فِي وَادٍ كَثِيرِ الْحَطَبِ فَأَضْرِمْ نَارًا ثُمَّ أَلْقِهِمْ فِيهَا» فَقَالَ الْعَبَّاسُ: قَطَعَ اللَّه رَحِمَكَ، فَقَالَ عُمَرُ: قَادَتُهُمْ ورؤوسهم [(١٠)] قَاتَلُوكَ وَكَذَّبُوكَ، فَاضْرِبْ أَعْنَاقَهُمْ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: عَشِيرَتُكَ وَقَوْمُكَ.
ثُمَّ دَخَلَ رَسُولُ اللَّه ﷺ لِبَعْضِ حَاجَتِهِ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الْقَوْلُ مَا قَالَ عُمَرُ، قَالَ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّه ﷺ وَقَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي هَؤُلَاءِ؟ إِنَّ مَثَلَ هَؤُلَاءِ كَمَثَلِ أُخْوَةٍ لَهُمْ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ، قَالَ نُوحٌ: رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّارًا [(١١)] .
_________________
(١) [(٧)] الآية الكريمة (٦٧) من سورة الأنفال وما بعدها حتى الآية (٦٩) . [(٨)] هو في مسلم جزء من حديث طويل أخرجه في: ٣٢- كتاب الجهاد والسير (١٨) باب الإمداد بالملائكة، الحديث (٥٨)، ص (١٣٨٣- ١٣٨٥) عَنْ هَنَّادِ بْنِ السَّرِيِّ، عن ابن المبارك، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ، عن سماك، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وأخرجه أبو داود في الجهاد باب في فداء الأسير بالمال، عَنْ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ، عَنِ ابي نوح، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ. [(٩)] هُوَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّه بن مسعود. [(١٠)] في (أ) و(ص) و(هـ) و(ح) أي: جميع النسخ التي بها هذا النص: «رسلهم»، واستهداء بمغازي الواقدي (١: ١٠٨) اثبت «رؤوسهم»، فقد جاء فيه: «هم رؤوس الكفر، وأئمة الضلالة» . [(١١)] الآية الكريمة (٢٦) من سورة نوح.
[ ٣ / ١٣٨ ]
وَقَالَ مُوسَى: رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ [(١٢)] . الْآيَةَ وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي، وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [(١٣)] .
وَقَالَ عِيسَى: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [(١٤)] .
وَأَنْتُمْ قَوْمٌ بِكُمْ عَيْلَةٌ، فَلَا يَنْفَلِتَنَّ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَّا بِفِدَاءٍ أَوْ بِضَرْبَةِ عُنُقٍ، قَالَ عَبْدُ اللَّه: فَقُلْتُ إِلَّا سُهَيْلَ بْنَ بَيْضَاءَ [(١٥)] فَإِنَّهُ لَا يُقْتَلُ، وَقَدْ سَمِعْتُهُ يَتَكَلَّمُ بِالْإِسْلَامِ فَسَكَتُّ. فَمَا كَانَ يَوْمٌ أَخْوَفَ عِنْدِي أَنْ تُلْقَى عَلَيَّ حِجَارَةٌ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ يَوْمِي ذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ إِلَّا سُهَيْلَ بْنَ بَيْضَاءَ» [(١٦)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ وأَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بن يعقوب، قالا: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَرْعَرَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَزْهَرُ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ عِبِيدَةَ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْأُسَارَى يَوْمَ بَدْرٍ: «إِنْ شِئْتُمْ قَتَلْتُمُوهُمْ وَإِنْ شِئْتُمْ فَادَيْتُمُوهُمْ وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِالْفِدَاءِ، وَاسْتُشْهِدَ مِنْكُمْ بِعِدَّتِهِمْ،
وَكَانَ آخِرَ السَّبْعِينَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ قُتِلَ يَوْمَ
_________________
(١) [(١٢)] الآية (٨٨) من سورة يونس. [(١٣)] الآية (٣٦) من سورة إبراهيم. [(١٤)] الآية (١١٨) من سورة المائدة. [(١٥)] في مغازي الواقدي (١: ١١٠): «قال ابن واقد: هذا وهم، سهيل بن بيضاء من مهاجرة الحبشة ما شهد بدرا، إنما هو أَخٌ لَهُ يُقَالُ لَهُ سهل» . [(١٦)] أخرجه الترمذي في كتاب الجهاد (باب) في المشورة (٤: ٢١٣) مختصرا، وكذا في تفسير سورة الأنفال، حديث (٣٠٨٤)، صفحة (٥: ٢٧١) كلاهما عن هنّاد، والحديث في مسند أحمد (١: ٣٨٣)، وأخرجه الحاكم في «المستدرك» (٣: ٢٢)، وقال: «هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه»، ووافقه الذهبي وأضاف: صحيح، سمعه جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ» .
[ ٣ / ١٣٩ ]
الْيَمَامَةِ، قَالَ ابْنُ عَرْعَرَةَ: رَدَدْتُ هَذَا عَلَى أَزْهَرَ فَأَبَى إِلَّا أَنْ يَقُولَ: عَبِيدَةُ عَنْ عَلِيٍّ.
وَفِي هَذَا إِخْبَارُ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ حُكْمِ اللَّه تَعَالَى فِيمَنْ يُسْتَشْهَدُ مِنْهُمْ، فَكَانَ كَمَا قَالَ ﷺ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الرُّوذْبَارِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ دَاسَةَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُبَارَكِ الْعَيْشِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ حَبِيبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي الْعَنْبَسِ، عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَلَ فِدَاءَ أَهْلِ الجاهلية يوم بدر أَرْبَعَ مِائَةٍ» [(١٧)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عبد اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ أَسْبَاطِ بْنِ نَصْرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: «كَانَ فِدَاءُ أَهْلِ بَدْرٍ الْعَبَّاسِ وَعَقِيلٍ ابْنِ أَخِيهِ وَنَوْفَلٍ كُلُّ رجل أربع مائة دينارا» [(١٨)] .
أخبرنا أبو عبد اللَّه الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ:
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّه بْنِ مَعْبَدٍ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ قَالَ يَوْمَ بَدْرٍ: إِنِّي قَدْ عَرَفْتُ أَنَّ نَاسًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَغَيْرِهِمْ قَدْ أُخْرِجُوا كُرْهًا لَا حَاجَةَ لَهُمْ بِقِتَالِنَا، فَمَنْ لَقِيَ مِنْكُمْ أَحَدًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ فَلَا يَقْتُلْهُ، وَمَنْ لَقِيَ أَبَا الْبَخْتَرِيِّ بْنَ هِشَامٍ فَلَا يَقْتُلْهُ، وَمَنْ لَقِيَ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَلَا يَقْتُلْهُ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا أُخْرِجَ مُسْتَكْرَهًا، فَقَالَ أَبُو حُذَيْفَةَ بن عتبة:
_________________
(١) [(١٧)] أخرجه أبو داود في كتاب الجهاد، باب في فداء الأسير بالمال، الحديث (٢٦٩١)، ص (٣:
(٢) ٦٢) . [(١٨)] نقله الحافظ بن كثير في التاريخ (٣: ٢٠٠) .
[ ٣ / ١٤٠ ]
أَتُقْتَلُ آبَاؤُنَا وَإِخْوَانُنَا وَعَشَائِرُنَا، وَيُتْرَكُ الْعَبَّاسُ، وَاللهِ لَئِنْ لَقِيتُهُ لَأُلْحِمَنَّهُ بِالسَّيْفِ، فَبَلَغَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقَالَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: يَا أَبَا حَفْصٍ- قَالَ عُمَرُ:
﵁ وَإِنَّهُ لَأَوَّلُ يَوْمٍ كَنَّانِي فِيهِ رَسُولُ اللَّه ﷺ: أَيُضْرَبُ وَجْهُ عَمِّ رَسُولِ اللَّه ﷺ بِالسَّيْفِ؟ فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّه ائْذَنْ لِي فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ فو اللَّه لَقَدْ نَافَقَ، فَكَانَ أَبُو حُذَيْفَةَ يَقُولُ: واللَّه مَا آمَنُ مِنْ تِلْكَ الْكَلِمَةِ الَّتِي قُلْتُ وَلَا أَزَالُ مِنْهَا خَائِفًا إِلَّا أَنْ يُكَفِّرَهَا اللَّه تَعَالَى عَنِّي بِشَيْءٍ، فَقُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ شَهِيدًا» [(١٩)] .
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَإِنَّمَا نَهَى رَسُولُ اللَّه ﷺ عَنْ قَتْلِ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ لِأَنَّهُ كَانَ أَكَفَّ الْقَوْمِ عَنْ رَسُولِ اللَّه ﷺ وَهُوَ بِمَكَّةَ وَكَانَ لَا يُؤْذِيهِ وَلَا يَبْلُغُهُ عَنْهُ شَيْءٌ يَكْرَهُهُ ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةَ امْتِنَاعِهِ مِنَ الْأَسْرِ حَتَّى قُتِلَ» .
وأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: قَالَ: حَدَّثَنِي الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّه بْنِ مَعْبَدٍ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «لَمَّا أَمْسَى رَسُولُ اللَّه ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ وَالْأُسَارَى مَحْبُوسُونَ بِالْوَثَاقِ، بَاتَ رَسُولُ اللَّه ﷺ سَاهِرًا أَوَّلَ اللَّيْلِ، فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: يَا رَسُولَ اللَّه! مالك لَا تَنَامُ؟ - وَقَدْ أَسَرَ الْعَبَّاسَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ- فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: سَمِعْتُ أَنِينَ عَمِّيَ الْعَبَّاسِ فِي وَثَاقِهِ، فَأَطْلَقُوهُ فَسَكَتَ فَنَامَ رَسُولُ اللَّه ﷺ» [(٢٠)] .
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: «وَكَانَ أَكْثَرُ الْأُسَارَى يَوْمَ بَدْرٍ فِدَاءً الْعَبَّاسَ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ رَجُلًا مُوسِرًا فَافْتَدَى نَفْسَهُ بِمِائَةِ أُوقِيَّةِ ذَهَبٍ» [(٢١)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ، بِبَغْدَادَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّه بن عتاب العبدي: قَالَ: أَخْبَرَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّه بْنِ
_________________
(١) [(١٩)] الخبر في سيرة ابن هشام (٢: ٢٦٩- ٢٧٠) . [(٢٠)] ذكره ابن هشام في السيرة، وعنه وعن المصنف نقله ابن كثير في التاريخ (٣: ٢٩٩) . [(٢١)] السيرة الشامية (٤: ١٠٥) .
[ ٣ / ١٤١ ]
الْمُغِيرَةِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، قَالَ: قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، «أَنَّ رِجَالًا مِنَ الْأَنْصَارِ اسْتَأْذَنُوا رَسُولَ اللَّه ﷺ، فَقَالُوا: ائْذَنْ لَنَا يَا رَسُولَ اللَّه فَلْنَتْرُكْ لِابْنِ أُخْتِنَا عَبَّاسٍ فِدَاءَهُ، فَقَالَ: لَا واللَّه لَا تَذَرُونَ دِرْهَمًا» .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ أَبِي أُوَيْسٍ [(٢٢)] .
قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ: فِي الْإِسْنَادِ الَّذِي ذَكَرْنَا «وَكَانَ فِدَاؤُهُمْ أَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً ذَهَبًا وَفُدُوا بعد ما قَدِمَ بِهِمُ الْمَدِينَةَ وَكَانُوا مُتَفَاضِلِينَ فِي الْفِدَاءِ» .
حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ:
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ بِالْإِسْنَادِ الَّذِي ذَكَرَ لِقِصَةِ بَدْرٍ، وَهُوَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَجَمَاعَةٍ سَمَّاهُمْ، فَذَكَرُوا الْقِصَّةَ، وَقَالُوا فِيهَا: «فَبَعَثَتْ قُرَيْشٌ إِلَى رَسُولِ اللَّه ﷺ فِي فِدَاءِ أَسْرَاهُمْ فَفَدَى كُلُّ قَوْمٍ أَسِيرَهُمْ بِمَا رَضُوا، وَقَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَا رَسُولَ اللَّه إِنِّي قَدْ كُنْتُ مُسْلِمًا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ أَعْلَمُ بِإِسْلَامِكَ فَإِنْ يَكُنْ كَمَا تَقُولُ فَاللهُ يَجْزِيكَ بِذَلِكَ فَأَمَّا ظَاهِرًا مِنْكَ فَكَانَ عَلَيْنَا.
فَافْدِ نَفْسَكَ وَابْنَيْ أَخِيكَ نَوْفَلَ بْنَ الْحَرْثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَعَقِيلَ بْنَ أَبِي طَالِبِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَحَلِيفَكَ عُتْبَةَ بْنَ عَمْرٍو أَخِي بَنِي الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ، قَالَ مَا [إِخَالُ] [(٢٣)] ذَاكَ عِنْدِي يَا رَسُولَ اللَّه، قَالَ: فَأَيْنَ الْمَالُ الَّذِي دَفَنْتَهُ أَنْتَ وَأُمُّ الْفَضْلِ فَقُلْتَ لَهَا: إِنْ أُصِبْتُ فِي سَفَرِي هَذَا فَهَذَا الْمَالُ لِبَنِيَّ: الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ، وَعَبْدِ اللَّه بْنِ الْعَبَّاسِ وَقُثَمِ بْنِ الْعَبَّاسِ! فَقَالَ لِرَسُولِ اللَّه ﷺ: واللَّه يَا رَسُولَ
_________________
(١) [(٢٢)] أخرجه البخاري في: ٤٩- كتاب العتق (١١) باب إذا أسر أخو الرجل أو عمه. هل يفادى إذا كان مشركا؟، الحديث (٢٥٣٧)، فتح الباري (٥: ١٦٧)، وأعاده في الجهاد، باب فداء المشركين. [(٢٣)] الزيادة من (ح) فقط، وليست في بقية النسخ.
[ ٣ / ١٤٢ ]
اللَّه إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّه، إِنَّ هَذَا شَيْءٌ مَا عَلِمَهُ أَحَدٌ غَيْرِي، وَغَيْرَ أُمِّ الْفَضْلِ، فَاحْسُبْ لِي يَا رَسُولَ اللَّه مَا أَصَبْتُمْ مِنِّي عِشْرِينَ أُوقِيَّةً مِنْ مَالٍ كَانَ مَعِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: لَا، ذَاكَ شَيْءٌ أَعْطَانَاهُ اللَّه تَعَالَى مِنْكَ، فَفَدَى نَفْسَهُ وَابْنَيْ أَخَوَيْهِ وَحَلِيفَهُ، وَأَنْزَلَ اللَّه ﷿ فِيهِ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [(٢٤)] فَأَعْطَانِي اللَّه مَكَانَ الْعِشْرِينَ الْأُوقِيَّةِ فِي الْإِسْلَامِ عِشْرِينَ عَبْدًا كُلُّهُمْ فِي يَدِهِ مَالٌ يَضْرِبُ بِهِ مَعَ مَا أَرْجُو مِنْ مَغْفِرَةِ اللَّه ﷿» [(٢٥)] .
وَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِنَحْوِ مَا ذَكَرْنَاهُ.
أَخْبَرَنَا أَبُو زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمُزَكِّي قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّرَائِفِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [(٢٦)] كَانَ الْعَبَّاسُ أُسِرَ يَوْمَ بدر ففدا نَفْسَهُ بِأَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ الْعَبَّاسُ حِينَ نَزَلَتِ هَذِهِ الْآيَةُ: لَقَدْ أَعْطَانَا اللَّه تَعَالَى خَصْلَتَيْنِ مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهِمَا الدُّنْيَا، أَنِّي أُسِرْتُ يَوْمَ بَدْرٍ فَفَدَيْتُ نَفْسِي بِأَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً ذَهَبًا، فَآتَانِي اللَّه أَرْبَعِينَ عَبْدًا. وَأَنَا أَرْجُو الْمَغْفِرَةَ الَّتِي وَعَدَنَا اللَّه ﷿ [(٢٧)] .
_________________
(١) [(٢٤)] الْآيَةَ الكريمة (٧٠) من سورة الأنفال. [(٢٥)] البداية والنهاية (٣: ٢٩٩) . [(٢٦)] [الأنفال- ٧٠] . [(٢٧)] البداية والنهاية (٣: ٢٩٩) . سبل الهدى (٤: ١٠٥) .
[ ٣ / ١٤٣ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ الْمُعَدِّلُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَسَدُ بْنُ نُوحٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ:
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عِيسَى النَّوْفَلِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمِّهِ: إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّه بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّه بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ،، قَالَ: «لَمَّا أُسِرَ نَوْفَلُ بْنُ الْحَارِثِ بِبَدْرٍ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّه ﷺ افْدِ نَفْسَكَ يَا نوفل. قال مالي شَيْءٌ أَفْدِي بِهِ نَفْسِي يَا رَسُولُ اللَّه. قَالَ: افْدِ نَفْسَكَ مِنْ مَالِكَ الَّذِي بِحَرَّةَ، قَالَ أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّه فَفَدَى نَفْسَهُ بِهَا فَكَانَتِ الْفُرَّعَ» [(٢٨)] .
الْمَشْهُورُ عِنْدَ أَهْلِ الْمَغَازِي أَنَّ عَبَّاسًا ﵁ فَدَاهُ.
وَقَدْ رُوِيَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ فَدَى نَفْسَهُ بِالْمَالِ الَّذِي أَخْبَرَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّه ﷺ.
_________________
(١) [(٢٨)] طبقات ابن سعد (٤: ٤٣) وعنه الصالحي في السيرة الشامية (٤: ١٠٥)
[ ٣ / ١٤٤ ]
بَابُ وُقُوعِ الْخَبَرِ بِمَكَّةَ، وَقُدُومِ عُمَيْرِ بْنِ وَهْبٍ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَبَعْدَهُ قُبَاثُ بْنُ أَشْيَمَ بِالْمَدِينَةِ وَمَا فِي ذَلِكَ مِنْ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ
حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ إِمْلَاءً وَقِرَاءَةً، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: محمد ابن يَعْقُوبَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَرَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْعُطَارِدِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّه بْنِ عُبَيْدِ اللَّه ابن عَبَّاسٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو رَافِعٍ، قَالَ: «كُنَّا آلَ الْعَبَّاسِ قَدْ دَخَلْنَا الْإِسْلَامَ وَكُنَّا نَسْتَخْفِي بِإِسْلَامِنَا، وَكُنْتُ غُلَامًا لِلْعَبَّاسِ أَنْحِتُ [(١)] الْأَقْدَاحَ [(٢)]، فَلَمَّا سَارَتْ قُرَيْشٌ إِلَى رَسُولِ اللَّه ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ، جَعَلْنَا نَتَوَقَّعُ الْأَخْبَارَ، فَقَدِمَ عَلَيْنَا الْحَيْسُمَانُ الْخُزَاعِيُّ بِالْخَبَرِ، فَوَجَدْنَا فِي أَنْفُسِنَا قُوَّةً وَسَرَّنَا مَا جَاءَنَا مِنَ الْخَبَرِ مِنْ ظُهُورِ رَسُولِ اللَّه ﷺ، فو اللَّه إِنِّي لَجَالِسٌ فِي صُفَّةِ زَمْزَمَ أَنْحِتُ أَقْدَاحًا وَعِنْدِي أُمُّ الْفَضْلِ جَالِسَةً وَقَدْ سَرَّنَا مَا جَاءَنَا مِنَ الْخَبَرِ وَبَلَغَنَا مِنْ رَسُولِ اللَّه ﷺ، إِذْ أَقْبَلَ الْخَبِيثُ: أَبُو لَهَبٍ بِشَرٍّ يَجُرُّ رِجْلَيْهِ وَقَدْ كَبَتَهُ اللَّه تَعَالَى وَأَخْزَاهُ لِمَا جَاءَهُ مِنَ الْخَبَرِ حَتَّى جَلَسَ عَلَى طُنُبِ الْحُجْرَةِ [(٣)] وَقَالَ لَهُ النَّاسُ: هَذَا أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ قَدْ قَدِمَ وَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ، فقال له ابو
_________________
(١) [(١)] (أنحت): أي انجرها- من باب ضرب-. [(٢)] الأقداح: جمع قدح. [(٣)] (طنب الحجرة) طرفها، وطنب الخباء: حباله التي يشد بها.
[ ٣ / ١٤٥ ]
لَهَبٍ: هَلُمَّ إِلَيَّ يَا بن أَخِي فَعِنْدَكَ لَعَمْرِيَ الْخَبَرُ، فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ بَيْنَ يديه، فقال: يا بن أَخِي أَخْبِرْنِي خَبَرَ النَّاسِ، قَالَ: نَعَمْ واللَّه مَا هُوَ إِلَّا أَنْ لَقِينَا الْقَوْمَ فَمَنَحْنَاهُمْ أَكْتَافَنَا يَضَعُونَ السِّلَاحَ مِنَّا حَيْثُ شَاءُوا وو اللَّه مَعَ ذَلِكَ مَا لُمْتُ النَّاسَ.
لَقِينَا رِجَالًا بِيضًا عَلَى خَيْلٍ بُلْقٍ،، لَا واللَّه مَا تُلِيقُ شَيْئًا [(٤)]، يَقُولُ: مَا تُبْقِي شَيْئًا، قَالَ: فَرَفَعْتُ طُنُبَ الْحُجْرَةِ فَقُلْتُ تِلْكَ واللَّه الْمَلَائِكَةُ قَالَ فَيَرْفَعُ أَبُو لَهَبٍ يَدَهُ فَضَرَبَ وَجْهِي ضَرْبَةً مُنْكَرَةً وَثَاوَرْتُهُ [(٥)] وَكُنْتُ رَجُلًا ضَعِيفًا فَاحْتَمَلَنِي فَضَرَبَ بِيَ الْأَرْضَ. وَبَرَكَ عَلَى صَدْرِي يَضْرِبُنِي وَتَقُومُ أُمُّ الْفَضْلِ إِلَى عَامُودٍ مِنْ عُمُدِ الْحُجْرَةِ فَتَأْخُذُهُ وَتَقُولُ اسْتَضْعَفْتَهُ أَنْ غَابَ عَنْهُ سَيِّدُهُ وَتَضْرِبُهُ بِالْعَمُودِ عَلَى رَأْسِهِ فَتَفْلِقُهُ شَجَّةً مُنْكَرَةً فَقَامَ يَجُرُّ رِجْلَيْهِ ذَلِيلًا وَرَمَاهُ اللَّه بعدسة [(٦)] فو اللَّه مَا مَكَثَ إِلَّا سَبْعًا حَتَّى مَاتَ فَلَقَدْ تَرَكَهُ ابْنَاهُ فِي بَيْتِهِ ثَلَاثًا ما يدفنانه حَتَّى أَنْتَنَ، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تَتَّقِي هَذِهِ الْعَدَسَةَ كَمَا تَتَّقِي الطَّاعُونَ حَتَّى قَالَ لَهُمَا رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَيْحَكُمَا أَلَا تَسْتَحِيَانِ. إِنَّ أَبَاكُمَا قَدْ أَنْتَنَ فِي بَيْتِهِ لَا تَدْفِنَانِهِ فَقَالَا إِنَّمَا نَخْشَى عَدْوَى هَذِهِ الْقُرْحَةِ فَقَالَ انْطَلِقَا فَأَنَا أُعِينُكُمَا عَلَيْهِ فو اللَّه مَا غَسَّلُوهُ إِلَّا قَذْفًا بِالْمَاءِ عَلَيْهِ مِنْ بَعِيدٍ مَا يَدْنُونَ مِنْهُ ثُمَّ احْتَمَلُوا إِلَى أَعْلَى مَكَّةَ فَأَسْنَدُوهُ إِلَى جِدَارٍ ثُمَّ رَضَمُوا عَلَيْهِ الْحِجَارَةَ» [(٧)] .
وَعَنِ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّه بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ لَا تَمُرُّ عَلَى مَكَانِ أَبِي لَهَبٍ هَذَا إِلَّا اسْتَتَرَتْ بِثَوْبِهَا حَتَّى تجوزه.
_________________
(١) [(٤)] اضطربت العبارة في النسخ كلها: فجاء في (ص): «لا واللَّه ما تبقي شَيْئًا يَقُولُ مَا تُبْقِي شيئا» . وجاء في (هـ): «لَا واللَّه مَا تُلِيقُ شَيْئًا، يَقُولُ مَا تُبْقِي شَيْئًا» . وفي (أ): تبقي ما لعله يليق شَيْئًا، يَقُولُ: مَا تُبْقِي شيئا. وفي (ح): «لا واللَّه تبقي ما لعله تُلِيقُ شَيْئًا يَقُولُ: مَا تبقي شيئا» . [(٥)] (ثاورته): وأثبته. [(٦)] هي قرحة قاتلة كالطاعون. [(٧)] سيرة ابن هِشَامٍ (٢: ٢٩٠) .
[ ٣ / ١٤٦ ]
أخبرنا أبو عبد اللَّه الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّه الْبَغْدَادِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عُلَاثَةَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ (ح) .
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ، بِبَغْدَادَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّه بْنِ عَتَّابٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّه بْنِ الْمُغِيرَةِ قَالَ:
أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ عَمِّهِ مُوسَى ابن عُقْبَةَ فِي كِتَابِ الْمَغَازِي، قَالَ: «ولَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّه ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ مُقْبِلًا مِنْ بَدْرٍ وَمَعَهُ الْأَسْرَى والغنائم وقتل اللَّه رؤوس الْمُشْرِكِينَ بِبَدْرٍ لَقِيَهُ النَّاسُ بِالرَّوْحَاءِ فَجَعَلُوا يُهَنِّئُونَهُ وَالْمُسْلِمِينَ بِالْفَتْحِ وَيَسْأَلُونَهُمْ عَمَّنْ قَتَلُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ.
فَقَالَ سَلَمَةُ بْنُ سَلَامَةَ أَحَدُ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ مَا قَتَلْنَا أَحَدًا بِهِ طَعْمٌ مَا قَتَلْنَا إِلَّا عَجَائِزَ صُلْعًا.
فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّه ﷺ وَلَمْ يَزَلْ كَالْمُعْرِضِ عَنْهُ فِي بَدْأَتِهِ لَمَّا قَالَ لِلْأَعْرَابِيِّ مَا قَالَ حِينَ سَمِعَهُ أَفْحَشَ لَهُ حَتَّى صَدَرَ فَقَالَ لَهُ حَيْثُ سَمِعَهُ يَقُولُ مَا قَتَلْنَا إِلَّا عَجَائِزَ صُلْعًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ أُولَئِكَ يَا بن أَخِي الْمَلَأُ.
وَلَمَّا رَجَعَ فَلُّ الْمُشْرِكِينَ إِلَى مَكَّةَ قَدْ قَتَلَ اللَّه مَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ أَقْبَلَ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ الْجُمَحِيُّ حَتَّى جَلَسَ إِلَى صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ فِي الْحِجْرِ فَقَالَ صَفْوَانُ قُبِّحَ لَكَ الْعَيْشُ بَعْدَ قَتْلَى بَدْرٍ. قَالَ أَجَلْ واللَّه مَا فِي الْعَيْشِ خَيْرٌ بَعْدَهُمْ وَلَوْلَا دَيْنٌ عَلَيَّ لَا أَجِدُ له قضاء وعيالا لَا أَدَعُ لَهُمْ شَيْئًا لَرَحَلْتُ إِلَى مُحَمَّدٍ فَقَتَلْتُهُ إِنْ مَلَأْتُ عَيْنَيَّ مِنْهُ فَإِنَّ لِي عِنْدَهُ عِلَّةً أَعْتَلُّ بِهَا، أَقُولُ قَدِمْتُ عَلَى ابْنِي هَذَا الْأَسِيرِ. فَفَرِحَ صَفْوَانُ بِقَوْلِهِ وَقَالَ عَلَيَّ دَيْنُكَ وَعِيَالُكَ أُسْوَةُ عِيَالِي فِي النَّفَقَةِ لَا يَسَعُنِي شَيْءٌ وَيَعْجَزُ عَنْهُمْ فَحَمَلَهُ صَفْوَانُ وَجَهَّزَهُ وَأَمَرَ بِسَيْفِ عُمَيْرٍ فَصُقِلَ وَسُمَّ، وَقَالَ عُمَيْرٌ لِصَفْوَانَ: اكْتُمْنِي أَيَّامًا فَأَقْبَلَ عُمَيْرٌ حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَنَزَلَ بِبَابِ الْمَسْجِدِ وَعَقَلَ رَاحِلَتَهُ وَأَخَذَ السَّيْفَ فَعَمَدَ لِرَسُولِ اللَّه ﷺ فَنَظَرَ إِلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَهُوَ فِي نَفَرٍ مِنَ الْأَنْصَارِ يَتَحَدَّثُونَ عَنْ
[ ٣ / ١٤٧ ]
وَقْعَةِ بَدْرٍ وَيَذْكُرُونَ نِعْمَةَ اللَّه ﷿ فِيهَا فَلَمَّا رَآهُ عُمَرُ مَعَهُ [السَّيْفُ] [(٨)] فَزِعَ وَقَالَ عِنْدَكُمُ الْكَلْبُ هَذَا عَدُوُّ اللَّه الَّذِي حَرَّشَ بَيْنَنَا يَوْمَ بَدْرٍ وَحَزَرَنَا لِلْقَوْمِ ثُمَّ
قَامَ عُمَرُ فَدَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّه ﷺ فَقَالَ هَذَا عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ قَدْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ مُتَقَلِّدًا السَّيْفَ وَهُوَ الْفَاجِرُ الْغَادِرُ يَا نَبِيَّ اللَّه لَا تَأْمَنْهُ عَلَى شَيْءٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ أَدْخِلْهُ عَلَيَّ، فَخَرَجَ عُمَرُ فَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَدْخُلُوا عَلَى رَسُولِ اللَّه ﷺ ثُمَّ يَحْتَرِسُوا مِنْ عُمَيْرٍ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهِمْ، فَأَقْبَلَ عُمَرُ وَعُمَيْرٌ حَتَّى دَخَلَا عَلَى رَسُولِ اللَّه ﷺ وَمَعَ عُمَيْرٍ سَيْفُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ لِعُمَرَ تَأَخَّرْ عَنْهُ.
فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ عُمَيْرٌ قَالَ أَنْعِمُوا صَبَاحًا- وَهِيَ تَحِيَّةُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ- فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: قَدْ أَكْرَمَنَا اللَّه عَنْ تَحِيَّتِكَ وَجَعَلَ تَحِيَّتَنَا تَحِيَّةَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَهِيَ السَّلَامُ. فَقَالَ عُمَيْرٌ إِنَّ عَهْدَكَ بِهَا لِحَدِيثٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ قَدْ أَبْدَلَنَا اللَّه خَيْرًا مِنْهَا فَمَا أَقْدَمَكَ يَا عُمَيْرُ قَالَ قَدِمْتُ عَلَى أَسِيرٍ مِنْ عِنْدِكُمْ فَفَادُونَا فِي أُسَرَائِنَا فَإِنَّكُمُ الْعَشِيرَةُ وَالْأَهْلُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: فَمَا بَالُ السَّيْفِ فِي عُنُقِكَ؟ قَالَ عُمَيْرٌ قَبَّحَهَا اللَّه مِنْ سُيوفٍ فَهَلْ أَغْنَتْ عَنَّا شَيْئًا إِنَّمَا نَسِيتُهُ فِي عُنُقِي حِينَ نَزَلْتُ وَلَعَمْرِي إِنَّ لِي بِهَا عِبْرَةً. فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ اصْدُقْنِي مَا أَقْدَمَكَ؟ قَالَ مَا قَدِمْتُ إِلَّا فِي أَسِيرِي. قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ. فَمَاذَا شَرَطْتَ لِصَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ فِي الْحِجْرِ فَفَزِعَ عُمَيْرٌ وَقَالَ مَاذَا شَرَطْتُ لَهُ؟ قَالَ تَحَمَّلْتَ لَهُ بِقَتْلَى عَلَى أَنْ يَعُولَ بَنِيكَ وَيَقْضِي دَيْنَكَ واللَّه تَعَالَى حَائِلٌ بَيْنَكَ وَبَيْنَ ذَلِكَ قَالَ عُمَيْرٌ أَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّه وَأَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّه. كُنَّا يَا رَسُولَ اللَّه نُكَذِّبُكَ بِالْوَحْيِ وَبِمَا يَأْتِيكَ مِنَ السَّمَاءِ وَإِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ صَفْوَانَ فِي الْحِجْرِ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ لم يَطَّلِعْ عَلَيْهِ أَحَدٌ غَيْرِي وَغَيْرَهُ فَأَخْبَرَكَ اللَّه ﷿ بِهِ فَآمَنْتُ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي سَاقَنِي هَذَا الْمَسَاقَ فَفَرِحَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ حِينَ هَدَاهُ اللَّه تَعَالَى وَقَالَ عُمَرُ ﵁ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَخِنْزِيرٌ كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ عُمَيْرٍ حين طلع، ولهو
_________________
(١) [(٨)] الزيادة من (ص) و(أ) و(هـ)، وساقطة من (هـ) .
[ ٣ / ١٤٨ ]
الْيَوْمَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ بَعْضِ وَلَدِي. وَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ اجْلِسْ يَا عُمَيْرُ نُوَاسِيكَ.
وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: عَلِّمُوا أَخَاكُمُ الْقُرْآنَ وَأَطْلَقَ لَهُ رَسُولُ اللَّه ﷺ أَسِيرَهُ فَقَالَ عُمَيْرٌ:
يَا رَسُولَ اللَّه قَدْ كُنْتُ جَاهِدًا مَا اسْتَطَعْتُ عَلَى إِطْفَاءِ نُورِ اللَّه تَعَالَى فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي سَاقَنِي هَذَا الْمَسَاقَ وَهَدَانِي فَأْذَنْ لِي فَأَلْحَقَ بِقُرَيْشٍ فَأَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّه وَإِلَى الْإِسْلَامِ لَعَلَّ اللَّه تَعَالَى أَنْ يَهْدِيَهُمْ وَيَسْتَنْقِذَهُمْ مِنَ الْهَلَكَةِ. فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّه ﷺ
فَلَحِقَ بِمَكَّةَ وَجَعَلَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ يَقُولُ لِقُرَيْشٍ أَبْشِرُوا بِفَتْحٍ يُنْسِيكُمْ وَقْعَةَ بَدْرٍ. وَجَعَلَ يَسْأَلُ كُلَّ رَاكِبٍ قَدِمَ مِنَ الْمَدِينَةِ هَلْ كَانَ بِهَا مِنْ حَدَثٍ وَكَانَ يَرْجُو مَا قَالَ لَهُ عُمَيْرٌ حَتَّى قَدِمَ عَلَيْهِمْ رَجُلٌ مِنَ الْمَدِينَةِ فَسَأَلَهُ صَفْوَانُ عَنْهُ فَقَالَ قَدْ أَسْلَمَ فَلَعَنَهُ الْمُشْرِكُونَ. وَقَالُوا صَبَأَ وَقَالَ صَفْوَانُ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ لَا أَنْفَعَهُ بِنَفْعَةٍ أَبَدًا وَلَا أُكَلِّمُهُ مِنْ رَأْسِي كَلِمَةً أَبَدًا. وَقَدِمَ عَلَيْهِمْ عُمَيْرٌ فَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَنَصَحَ لَهُمْ جَهْدَهُ فَأَسْلَمَ بَشَرٌ كَثِيرٌ» .
لَفْظُ حَدِيثِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ:
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ. قَالَ:
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: «كَانَ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ مِنْ شَيَاطِينِ قُرَيْشٍ وَكَانَ مِمَّنْ يُؤْذِي رَسُولَ اللَّه ﷺ وَأَصْحَابَهُ بِمَكَّةَ، فَلَمَّا أُصِيبَ أَصْحَابُ بَدْرٍ جَلَسَ مَعَ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ. فَذَكَرَ قِصَّةَ عُمَيْرٍ بِمَعْنَى مَا ذَكَرَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ يَزِيدُ الْكَلِمَةَ وَيُنْقِصُ الْكَلِمَةَ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ. قَالَ فِي آخِرِهَا: فَلَمَّا قَدِمَ عُمَيْرٌ مَكَّةَ. أَظْهَرَ إِسْلَامَهُ وَأَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ نَاسٌ كَثِيرٌ، وَجَعَلَ يُؤْذِي مَنْ فَارَقَ الْإِسْلَامَ وَكَانَ رَجُلًا شَهْمًا مَنِيعًا» [(٩)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْأَصْفَهَانِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْجَهْمِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَرَجِ، قَالَ: أخبرنا
_________________
(١) [(٩)] سيرة ابن هشام (٢: ٣٠٦) .
[ ٣ / ١٤٩ ]
الْوَاقِدِيُّ قَالَ: قَالُوا وَقَدْ كَانَ قُبَاثُ بْنُ أَشْيَمَ الْكِنَانِيُّ يَقُولُ: «شَهِدْتُ مَعَ الْمُشْرِكِينَ بَدْرًا وَإِنِّي لَأَنْظُرُ إِلَى قِلَّةِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ [ﷺ] [(١٠)] فِي عَيْنِي وَكَثْرَةِ مَا مَعَنَا مِنَ الْخَيْلِ وَالرِّجَالِ، فَانْهَزَمْتُ فِيمَنِ انْهَزَمَ فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي لَأَنْظُرُ إِلَى الْمُشْرِكِينَ فِي كُلِّ وَجْهٍ، وَإِنِّي لَأَقُولُ فِي نَفْسِي مَا رَأَيْتُ مِثْلَ هَذَا الْأَمْرِ فَرَّ مِنْهُ إِلَّا النِّسَاءُ. فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي قُدُومِهِ مَكَّةَ وَمُكْثِهِ بِهَا فَلَمَّا كَانَ بَعْدُ الْخَنْدَقُ قُلْتُ: لَوْ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَنَظَرْتُ مَا يَقُولُ مُحَمَّدٌ ﷺ وَقَدْ وَقَعَ فِي قَلْبِيَ الْإِسْلَامُ فَقَدَمْتُ الْمَدِينَةَ فَسَأَلْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّه ﷺ قَالُوا هُوَ ذَاكَ فِي ظِلِّ الْمَسْجِدِ مَعَ مَلَأٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَأَتَيْتُهُ وَأَنَا لَا أَعْرِفُهُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَسَلَّمْتُ فَقَالَ لِي يَا قُبَاثُ بْنَ أَشْيَمَ، أَنْتَ الْقَائِلُ يَوْمَ بَدْرٍ ومَا رَأَيْتُ مِثْلَ هَذَا الْأَمْرِ فَرَّ مِنْهُ إِلَّا النِّسَاءُ؟
فَقُلْتُ أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّه وَإِنَّ هَذَا الْأَمْرَ مَا خَرَجَ مِنِّي إِلَى أَحَدٍ قَطُّ وَمَا تَدَمْدَمْتُ [(١١)] بِهِ إِلَّا شَيْئًا حَدَّثْتُ بِهِ نَفْسِي فَلَوْلَا أَنَّكَ نَبِيُّ مَا أَطْلَعَكَ اللَّه عَلَيْهِ، هَلُمَّ حَتَّى أُبَايِعَكَ، فَعَرَضَ عَلَيَّ الإسلام فأسلمت» [(١٢)] .
_________________
(١) [(١٠)] زيادة ليست في النسخ. [(١١)] كذا بالأصل، وفي الواقدي: «وما ترمرمت»، وترمرم: حرك فاه للكلام. [(١٢)] الخبر في مغازي الواقدي: (١: ٩٧- ٩٨) .
[ ٣ / ١٥٠ ]
بَابُ فَضْلِ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالصَّحَابَةٍ ﵃ أَجْمَعِينَ
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ ﵀، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الصَّفَّارُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ معاذ ابن رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ، وَكَانَ رِفَاعَةُ بَدْرِيًّا، وَكَانَ يَقُولُ لِابْنِهِ: مَا أُحِبُّ أَنِّي شَهِدْتُ بَدْرًا وَلَمْ أَشْهَدِ الْعَقَبَةَ. قَالَ:
«سَأَلَ جِبْرِيلُ النَّبِيَّ ﷺ كَيْفَ أَهْلُ بَدْرٍ فِيكُمْ؟ قَالَ: خِيَارُنَا، قَالَ:
وَكَذَلِكَ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ هُمْ خِيَارُ الْمَلَائِكَةِ، هُمْ خِيَارُ الْمَلَائِكَةِ» .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ [(١)] .
وأَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّه الْبِسْطَامِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ ابن إِبْرَاهِيمَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: أخبرنا إسحاق ابن إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ مُعَاذِ بْنِ رِفَاعَةَ
_________________
(١) [(١)] الْبُخَارِيُّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ في كتاب المغازي (١١) باب شهود الملائكة بدرا، الحديث (٣٩٩٣)، فتح الباري (٧: ٣١٢)، وأخرجه البخاري في الحديث الذي قبله، فتح الباري (٧: ٣١١) عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وبعده عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ.
[ ٣ / ١٥١ ]
الزُّرَقِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: وَكَانَ أَبُوهُ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ وَجَدُّهُ مِنْ أَهْلِ الْعَقَبَةَ، قَالَ: «جَاءَ جِبْرِيلُ ﵇ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ مَا تَعُدُّونَ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنْكُمْ؟ قَالَ مِنْ أَفَاضِلِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ مِنْ خِيَارِ الْمُسْلِمِينَ قَالَ: وَكَذَلِكَ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ [(٢)] وَكَذَلِكَ رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ مَوْصُولًا، وَأَرْسَلَهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ:
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّه ابن إِدْرِيسَ، قَالَ: سَمِعْتُ حُصَيْنَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يُحَدِّثُ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: «بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّه ﷺ وَأَبَا مَرْثَدٍ الْغَنَوِيَّ، وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ، وَالْمِقْدَادَ- وَكُلُّنَا فَارِسٌ- فَقَالَ انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ فَإِنَّ بِهَا امْرَأَةً مِنَ الْمُشْرِكِينَ مَعَهَا كِتَابٌ مِنْ حَاطِبٍ إِلَى الْمُشْرِكِينَ، قَالَ فَأَدْرَكْنَاهَا تَسِيرُ عَلَى بَعِيرٍ لَهَا حَيْثُ قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ فَقُلْنَا الْكِتَابَ؟ فَقَالَتْ مَا مَعِي كِتَابٌ. قَالَ فَأَنَخْنَا بِهَا وَالْتَمَسْنَا فِي رَحْلِهَا فَلَمْ نَرَ كِتَابًا.
فَقُلْنَا مَا كَذَبَ رسول اللَّه ﷺ لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ أَوْ لَنُجَرِّدَنَّكِ. قَالَ فَلَمَّا رَأَتْ أَنِّي أَهْوَيْتُ إِلَى حُجْزَتِهَا وَهِيَ مُحْتَجِزَةٌ بِكِسَاءٍ فَأَخْرَجَتْهُ فَانْطَلَقْنَا بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّه ﷺ فَقَالَ عُمَرُ يَا رَسُولَ اللَّه قَدْ خَانَ اللَّه وَرَسُولَهُ فَدَعْنِي أَضْرِبُ عُنُقَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ واللَّه مَا بِي أَنْ لَا أَكُونَ مُؤْمِنًا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَلَكِنْ أَرَدْتُ أَنْ تَكُونَ لِي عِنْدَ الْقَوْمِ يَدٌ يَدْفَعُ اللَّه تَعَالَى بِهَا عَنْ أَهْلِي وَمَالِي وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِكَ إِلَّا لَهُ هُنَاكَ مِنْ عَشِيرَتِهِ مَنْ يَدْفَعُ اللَّه تَعَالَى بِهِ عَنْ أَهْلِهِ ومَالَهُ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ صَدَقَ فَلَا تَقُولُوا لَهُ إِلَّا خَيْرًا. فَقَالَ عُمَرُ إِنَّهُ خَانَ اللَّه وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: أَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ بدر، وما يدريك
_________________
(١) [(٢)] انظر الحاشية السابقة، وفتح الباري (٧: ٣١١) .
[ ٣ / ١٥٢ ]
لَعَلَّ اللَّه قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ وَجَبَتْ لَكُمُ الْجَنَّةُ أَوْ غَفَرْتُ لَكُمْ! قَالَ: فَدَمَعَتْ عَيْنَا عُمَرَ ﵁، وَقَالَ: اللَّه وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ» .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، ومُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ [(٣)] .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّه «أَنَّ عَبْدًا لِحَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ جَاءَ رَسُولَ اللَّه ﷺ يَشْكُو حَاطِبًا، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّه لَيَدْخُلَنَّ حَاطِبٌ النَّارَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: كَذَبْتَ لَا يَدْخُلُهَا فَإِنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا وَالْحُدَيْبِيَةَ» .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ [(٤)] عَنْ قُتَيْبَةَ.
_________________
(١) [(٣)] أخرجه البخاري في: ٦٤- كتاب المغازي (٩) بَابُ فَضْلِ مَنْ شَهِدَ بدرا، الحديث (٣٩٨٣)، فتح الباري (٧: ٣٠٤- ٣٠٥)، وأعاده في الاستئذان باب (٢٣) عن يوسف بن بهلول، وفي الجهاد عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّه بْنِ حَوْشَبٍ، وفي استتابة المرتدين باب (٩) عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ. وأخرجه مسلم فِي: ٤٤- كِتَابِ فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ، (٣٦) باب من فضائل أهل بدر ﵃، وقصة حاطب بن أبي بلتعة، الحديث (١٦١) صفحة (١٩٤١- ١٩٤٢) . [(٤)] مُسْلِمٌ عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ، فِي: ٤٤- كِتَابِ فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ، (٣٦) باب من فضائل اهل بدر، الحديث (١٦٢) ص (١٩٤٢) . وأخرجه الترمذي في المناقب، حديث (٣٨٦٤)، جامع الترمذي (٥: ٦٩٧)، وقال: «هذا حديث حسن صَحِيحٌ» .
[ ٣ / ١٥٣ ]
بَابُ مَا جَاءَ فِي زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّه ﷺ امْرَأَةِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى ابن عَبْدِ شَمْسٍ وَهِجْرَتِهَا مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَبِيهَا بَعْدَ بَدْرٍ
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّه بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «لَمَّا بَعَثَ أَهْلُ مَكَّةَ فِي فِدَاءِ أَسْرَاهُمْ بَعَثَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّه ﷺ فِي فِدَاءِ أَبِي الْعَاصِ بِمَالٍ وَبَعَثَتْ فِيهِ بِقِلَادَةٍ كَانَتْ خَدِيجَةُ أَدْخَلَتْهَا بِهَا عَلَى أَبِي العاص حين بنا عَلَيْهَا، فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللَّه ﷺ رَقَّ لَهَا رِقَّةً شَدِيدَةً وَقَالَ إِنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تُطْلِقُوا لَهَا أَسِيرَهَا وَتَرُدُّوا عَلَيْهَا الَّذِي لَهَا فَافْعَلُوا قَالُوا نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّه فَأَطْلَقُوهُ وَرَدُّوا عَلَيْهَا الَّذِي لَهَا.
وَكَانَ رَسُولُ اللَّه ﷺ قَدْ أَخَذَ عَلَيْهِ أَوْ وَعَدَ رَسُولُ اللَّه ﷺ أَنْ يُخَلِّيَ زَيْنَبَ إِلَيْهِ» .
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّه بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ قَالَ: «لَمَّا أَطْلَقَ رَسُولُ اللَّه ﷺ أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ وَكَانَ فِي الْأُسَارَى يَوْمَ بَدْرٍ بَعَثَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ وَرَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: كُونَا بِبَطْنِ يَأْجِجَ [(١)] حَتَّى تَمُرَّ بِكُمَا
_________________
(١) [(١)] (يأجج): اسم لمكانين (أحدهما): على ثمانية أميال من مكة، (والثاني): أبعد منه، وفيه بني مسجد الشجرة، وبينه وبين مسجد التنعيم ميلان.
[ ٣ / ١٥٤ ]
زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّه ﷺ فَاصْحَبَاهَا حَتَّى تَقْدَمَا بِهَا فَخَرَجَا بَعْدَ مَخْرَجِ أَبِي الْعَاصِ فَظَنُّوا أَنَّهُ قَدْ كان وَعْدِ رَسُولُ اللَّه ﷺ فِيهَا ذَلِكَ» .
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَذَلِكَ بَعْدَ بَدْرٍ بِشَهْرٍ. قَالَ عَبْدُ اللَّه بْنُ أَبِي بَكْرٍ:
فَحُدِّثْتُ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّه ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ: لَمَّا قَدِمَ أَبُو الْعَاصِ مَكَّةَ قَالَ لِي تَجَهَّزِي فَالْحَقِي بِأَبِيكِ فَخَرَجْتُ أَتَجَهَّزُ فَلَقِيَتْنِي هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ فَقَالَتْ يَا بِنْتَ مُحَمَّدٍ أَلَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّكِ تُرِيدِينَ اللُّحُوقَ بِأَبِيكِ فَقُلْتُ لَهَا مَا أَرَدْتُ ذَلِكَ. فَقَالَتْ لَهَا أَيْ بِنْتَ عَمٍّ لَا تَفْعَلِي، إِنِّي امْرَأَةٌ مُوسِرَةٌ وَعِنْدِي سِلَعٌ مِنْ حَاجَتِكِ فَإِنْ أَرَدْتِ سِلْعَةً بِعْتُكِهَا أَوْ قَرْضًا مِنْ نَفَقَةٍ أَقْرَضْتُكِ فَإِنَّهُ لَا يَدْخُلُ بَيْنَ النِّسَاءِ مَا بَيْنَ الرِّجَالِ.
قَالَتْ: فو اللَّه مَا أُرَاهَا قَالَتْ ذَلِكَ إِلَّا لِتَفْعَلَ فَخِفْتُهَا فَكَتَمْتُهَا، وَقُلْتُ: مَا أُرِيدُ ذَلِكَ، فَلَمَّا فَرَغَتْ زَيْنَبُ مِنْ جِهَازِهَا ارْتَحَلَتْ، وَخَرَجَ بِهَا حَمُوهَا يَقُودُ بِهَا نَهَارًا: كِنَانَةُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَتَسَامَعَ بِذَلِكَ أَهْلُ مَكَّةَ وَخَرَجَ فِي طَلَبِهَا هَبَّارُ بْنُ الْأَسْوَدِ، وَنَافِعُ بْنُ عَبْدِ الْقَيْسِ الْفِهْرِيُّ وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ سَبَقَ إِلَيْهَا هَبَّارٌ، فَرَوَّعَهَا بِالرُّمْحِ وَهِيَ فِي هَوْدَجِهَا وَبَرَكَ [حَمُوهَا] كِنَانَةُ، وَنَثَرَ نَبْلَهُ ثُمَّ أَخَذَ قَوْسَهُ وَقَالَ:
واللَّه لَا يَدْنُو مِنِّي رَجُلٌ إِلَّا وَضَعْتُ فِيهِ سَهْمًا.
وَأَقْبَلَ أَبُو سُفْيَانَ فِي أَشْرَافِ قُرَيْشٍ فَقَالَ يَا هَذَا أَمْسِكْ عَنَّا نَبْلَكَ حَتَّى نُكَلِّمَكَ فَوَقَفَ عَلَيْهِ أَبُو سُفْيَانَ وَقَالَ إِنَّكَ لَمْ تَصْنَعْ شَيْئًا خَرَجْتَ بِالْمَرْأَةِ عَلَى رؤوس النَّاسِ وَقَدْ عَرَفْتَ مُصِيبَتَنَا الَّتِي أَصَابَتْنَا بِبَدْرٍ فَتَظُنُّ الْعَرَبُ وَتَتَحَدَّثُ أَنَّ هَذَا وَهْنٌ مِنَّا وَضَعْفٌ خُرُوجَكَ إليه بابنته على رؤوس النَّاسِ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا. ارْجِعْ بِالْمَرْأَةِ فَأَقِمْ بِهَا أَيَّامًا ثُمَّ سُلَّهَا سَلًّا رَفِيقًا فِي اللَّيْلِ فَأَلْحِقْهَا بِأَبِيهَا فَلَعَمْرِي مَا لَنَا بِحَبْسِهَا عَنْ أَبِيهَا حَاجَةٌ وَمَا لَنَا فِي ذَلِكَ الآن مِنْ ثُؤْرَةٍ فِيمَا أَصَابَ مِنَّا.
فَفَعَلَ فَلَمَّا مَرَّ بِهِ يَوْمَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ سَلَّهَا فَانْطَلَقَتْ حَتَّى قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّه ﷺ فَذَكَرُوا أَنَّهَا قَدْ كَانَتْ أَلْقَتْ- لِلرَّوْعَةِ الَّتِي أَصَابَتْهَا حِينَ روعها هبّار بن أُمِّ
[ ٣ / ١٥٥ ]
دِرْهَمٍ- مَا فِي بَطْنِهَا» [(٢)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ بِبَغْدَادَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمِصْرِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ الْعَلَّافُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ الْهَادِ، قَالَ:
حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّه بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ لَمَّا أَنْ قَدِمَ الْمَدِينَةَ خَرَجَتِ ابْنَتُهُ زَيْنَبُ مِنْ مَكَّةَ مَعَ كِنَانَةَ أَوِ ابْنِ كِنَانَةَ فَخَرَجُوا فِي إِثْرِهَا، فَأَدْرَكَهَا هَبَّارُ بْنُ الْأَسْوَدِ فَلَمْ يَزَلْ يَطْعَنُ بَعِيرَهَا بِرُمْحِهِ حَتَّى صَرَعَهَا، وَأَلْقَتْ مَا فِي بَطْنِهَا، وَأُهْرِيقَتْ دَمًا، فَتَحَمَّلَتْ فَاشْتَجَرَ فِيهَا بَنُو هَاشِمٍ، وَبَنُو أُمَيَّةَ: فَقَالَتْ بَنُو أُمَيَّةَ: نَحْنُ أَحَقُّ بِهَا وَكَانَتْ تَحْتَ أَبِي الْعَاصِ، وَكَانَتْ عِنْدَ هِنْدِ بِنْتِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَكَانَتْ تَقُولُ لَهَا هِنْدُ هَذَا فِي سَبَبِ أَبِيكِ. قَالَتْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ لِزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ: أَلَا تَنْطَلِقُ فَتَجِيءَ بِزَيْنَبَ؟ فَقَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّه، قَالَ: فَخُذْ خَاتَمِي فَأَعْطِهَا إِيَّاهُ، فَانْطَلَقَ زَيْدٌ فَلَمْ يَزَلْ يَتَلَطَّفُ حَتَّى لَقِيَ رَاعِيًا، فَقَالَ: لِمَنْ تَرْعَى؟ قَالَ: لِأَبِي الْعَاصِ، قَالَ: فَلِمَنْ هَذِهِ الْغَنَمُ؟ قَالَ لِزَيْنَبَ بِنْتِ مُحَمَّدٍ، فَسَارَ مَعَهُ شَيْئًا. ثُمَّ قَالَ: هَلْ لَكَ إِنْ أَعْطَيْتُكَ شَيْئًا تُعْطِهَا إِيَّاهُ وَلَا تَذْكُرْهُ لِأَحَدٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَعْطَاهُ الْخَاتَمَ وَانْطَلَقَ الرَّاعِي، فَأَدْخَلَ غَنَمَهُ وَأَعْطَاهَا الْخَاتَمَ فَعَرَفَتْهُ، فَقَالَتْ: مَنْ أَعْطَاكَ هَذَا؟ قَالَ: رَجُلٌ، قَالَتْ: وَأَيْنَ تَرَكْتَهُ؟ قَالَ بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا، فَسَكَتَتْ حَتَّى إِذَا كَانَ اللَّيْلُ خَرَجَتْ إِلَيْهِ فَلَمَّا جَاءَتْهُ قَالَ لَهَا: ارْكَبِي بَيْنَ يَدَيَّ عَلَى بَعِيرِهِ، فَقَالَتْ: لَا وَلَكِنِ ارْكَبْ أَنْتَ بَيْنَ يَدَيَّ، فَرَكِبَ وَرَكِبَتْ وَرَاءَهُ، حَتَّى أَتَتِ الْمَدِينَةَ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّه ﷺ يَقُولُ: هِيَ أَفْضَلُ بَنَاتِي أُصِيبَتْ فِيَّ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيَّ بْنَ حُسَيْنِ [بْنِ زَيْنِ الْعَابِدِينَ]، فَانْطَلَقَ إِلَى عُرْوَةَ فَقَالَ: مَا حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكَ أَنَّكَ تُحَدِّثُهُ تَنْتَقِصُ فِيهِ فَاطِمَةَ؟ فَقَالَ عُرْوَةُ: واللَّه مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي ما بين
_________________
(١) [(٢)] سيرة ابن هشام (٢: ٢٩٨- ٢٩٩) .
[ ٣ / ١٥٦ ]
الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَإِنِّي أَنْتَقِصُ فَاطِمَةَ ﵍ حَقًّا هُوَ لَهَا، وَأَمَّا بَعْدُ فَلَكَ أَنْ لَا أُحَدِّثَهُ أبدا» [(٣)] .
_________________
(١) [(٣)] نقله ابن كثير في التاريخ (٣: ٣٣٠- ٣٣١)، وأضاف إليه قصيدة ابي خيثمة في هجرة زينب: أتاني الذي لا يقدر النّاس قدره لزينب فيهم من عقوق ومأثم وإخراجها لم يخز فيها محمّد على مأقط وبيننا عطر منشم وأمسى أبو سفيان من حلف ضمضم ومن حربنا في رغم أنف ومندم قرنّا ابنه عمرا ومولى يمينه بذي حلق جلد الصّلاصل محكم فأقسمت لا تنفكّ منّا كتائب سراة خميس في لهام مسوّم نروع قريش الكفر حتّى نعلّها بخاطمة فوق الأنوف بميسم ننزّلهم أكناف نجد ونخلة وإن يتهموا بالخيل والرّجل نتهم يد الدّهر حتّى لا يعوّج سربنا ونلحقهم آثار عاد وجرهم ويندم قوم لم يطيعوا محمّدا على أمرهم وأيّ حين تندّم فأبلغ أبا سفيان إمّا لقيته لئن أنت لم تخلص سجودا وتسلم فابشر بخزي في الحياة معجّل وسربال قار خالدا في جهنّم
[ ٣ / ١٥٧ ]
بَابُ مَا جَاءَ فِي تَزَوُّجِهِ ﷺ بِحَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ثُمَّ بِزَيْنَبَ بِنْتِ خُزَيْمَةَ وَتَزْوِيجِهِ ابْنَتَهُ أُمَّ كُلْثُومٍ مِنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ بَعْدَ وَفَاةِ ابْنَتِهِ رُقَيَّةَ ﵃
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّه أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّه بْنَ عُمَرَ يُحَدِّثُ أَنَّ عُمَرَ ابن الْخَطَّابٍ﵁- حِينَ تَأَيَّمَتْ حَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ مِنْ خُنَيْسِ بْنِ حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّه ﷺ فَتُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ فَقَالَ عُمَرُ «أَتَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ، قَالَ: فَقُلْتُ: إِنْ شِئْتَ أَنْكَحْتُكَ حَفْصَةَ، فَقَالَ: سَأَنْظُرُ فِي أَمْرِي فَلَبِثْتُ لَيَالِيَ، ثُمَّ لَقِيَنِي فَقَالَ:
قَدْ بَدَا لِي أَنْ لَا أَتَزَوَّجَ يَوْمِي هَذَا.
قَالَ عُمَرُ: فَلَقِيتُ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ فَقُلْتُ إِنْ شِئْتَ زَوَّجْتُكَ حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ. فَصَمَتَ أَبُو بَكْرٍ فَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيَّ شَيْئًا فَكُنْتُ عَلَيْهِ أَوْجَدَ مِنِّي عَلَى عُثْمَانَ، فَلَبِثْتُ لَيَالِيَ ثُمَّ خَطَبَهَا رَسُولُ اللَّه ﷺ فَأَنْكَحْتُهَا إِيَّاهُ، فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ:
لَعَلَّكَ وَجَدْتَ عَلَيَّ حِينَ عَرَضْتَ عَلَيَّ حَفْصَةَ فَلَمْ أَرْجِعْ إِلَيْكَ شَيْئًا؟ قَالَ عُمَرُ:
قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرْجِعَ إِلَيْكَ فِيمَا عَرَضْتَ عَلَيَّ إِلَّا أَنِّي كُنْتُ عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ قَدْ ذَكَرَهَا. فَلَمْ أَكُنْ لِأُفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللَّه ﷺ، وَلَوْ تَرَكَهَا رَسُولُ اللَّه ﷺ قَبِلْتُهَا» .
[ ٣ / ١٥٨ ]
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ [(١)] عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّه، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الصَّفَّارُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مِهْرَانَ الْأَصْبَهَانِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّه بْنُ مُوسَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ ابن الطُّفَيْلِ، قَالَ: حَدَّثَنِي رِبْعِيُّ بْنُ حِرَاشٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ «أَنَّهُ خَطَبَ إِلَى عُمَرَ ابْنَتَهُ فَرَدَّهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَلَمَّا أَنْ رَاحَ إِلَيْهِ عُمَرُ قَالَ يَا عُمَرُ أَدُلُّكَ عَلَى خَتَنٍ خَيْرٍ لَكَ مِنْ عُثْمَانَ وَأَدُلُّ عُثْمَانَ عَلَى خَتَنٍ خَيْرٍ لَهُ مِنْكَ؟ قَالَ نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّه قَالَ: زَوِّجْنِي ابْنَتَكَ وَأُزَوِّجُ عُثْمَانَ ابْنَتِي.
قُلْتُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خَطَبَهَا عُثْمَانُ عَلَى مَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ فَرَدَّهُ عُمَرُ، ثُمَّ بَدَا لَهُ فَعَرَضَهَا عَلَيْهِ، فَقَالَ: سَأَنْظُرُ فِي أَمْرِي ثُمَّ حِينَ أَحَسَّ بِمَا يُرِيدُ رَسُولُ اللَّه ﷺ أَنْ يَفْعَلَ قَالَ مَا قَالَ» واللَّه أَعْلَمُ وَكُلُّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ بَدْرٍ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ:
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ:
«ثُمَّ تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّه ﷺ بَعْدَ حَفْصَةَ زَيْنَبَ بِنْتَ خُزَيْمَةَ الْهِلَالِيَّةَ أُمَّ الْمَسَاكِينِ وَكَانَتْ قَبْلَهُ عِنْدَ الْحُصَيْنِ بْنِ الْحَارِثِ أَوْ عِنْدَ أَخِيهِ الطُّفَيْلِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ فَمَاتَتْ بِالْمَدِينَةِ أَوَّلُ نِسَائِهِ مَوْتًا لَمْ يُصِبْ رَسُولُ اللَّه ﷺ مِنْهَا وَلَدًا» [(٢)] .
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه بْنُ مَنْدَهْ كَانَتْ تَحْتَ عُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارِثِ.
وَرُوِّينَا عَنِ الزُّهْرِيِّ «أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ عَبْدِ اللَّه بْنِ جحش وَقُتِلَ عَنْهَا يَوْمَ أُحُدٍ ثُمَّ تُوُفِّيَتْ وَرَسُولُ اللَّه ﷺ حَيٌّ لَمْ تَلْبَثْ مَعَهُ إِلَّا يَسِيرًا» .
_________________
(١) [(١)] البخاري عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّه فِي: ٦٧- كِتَابِ النكاح، (٣٣) باب عرض الإنسان ابنته او أخته على أهل الخير، الحديث (٥١٢٢)، فتح الباري (٩: ١٧٥- ١٧٦) . [(٢)] سيرة ابن هِشَامٍ (٤: ٢٥٥) .
[ ٣ / ١٥٩ ]
بَابُ مَا جَاءَ فِي تَزْوِيجِ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّه ﷺ مِنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّه بن أبي نجيح عن مجاهد عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: «خُطِبَتْ فَاطِمَةُ إِلَى رَسُولِ اللَّه ﷺ، فَقَالَتْ لِي مَوْلَاةٌ لِي: هَلْ عَلِمْتَ أَنَّ فَاطِمَةَ قَدْ خُطِبَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّه ﷺ قُلْتُ لَا. قَالَتْ فَقَدْ خُطِبَتْ فَمَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَأْتِيَ رَسُولَ اللَّه ﷺ فَيُزَوِّجَكَ فَقُلْتُ وَعِنْدِي شَيْءٌ أَتَزَوَّجُ بِهِ؟ فَقَالَتْ إِنِّكَ إِنْ جِئْتَ رَسُولَ اللَّه ﷺ زوجك فو اللَّه مَا زَالَتْ تُرَجِّينِي حَتَّى دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّه ﷺ وَكَانَ لِرَسُولِ اللَّه ﷺ جَلَالَةٌ وَهَيْبَةٌ فَلَمَّا قَعَدْتُ بَيْنَ يديه أفحمت فو اللَّه مَا اسْتَطَعْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ مَا جَاءَ بِكَ أَلَكَ حَاجَةٌ؟ فَسَكَتُّ، فَقَالَ: مَا جَاءَ بِكَ. أَلَكَ حَاجَةٌ؟ فَسَكَتُّ، فَقَالَ: لَعَلَّكَ جِئْتَ تَخْطُبُ فَاطِمَةَ، فَقُلْتُ:
نَعَمْ. فَقَالَ وَهَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ تَسْتَحِلُّهَا بِهِ؟ فَقُلْتُ: لَا، واللَّه يَا رَسُولَ اللَّه.
فَقَالَ: مَا فَعَلَتْ دِرْعٌ سلّحتكها- فو الذي نَفْسُ عَلِيٍّ بِيَدِهِ إِنَّهَا لَحُطَمِيَّةٌ مَا ثَمَنُهَا أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ- فَقُلْتُ عِنْدِي فَقَالَ قَدْ زَوَّجْتُكَهَا فَابْعَثْ إِلَيْهَا بِهَا فَاسْتَحِلَّهَا بِهَا. فَإِنْ كَانَتْ لَصَدَاقُ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّه ﷺ» [(٣)] .
_________________
(١) [(٣)] البداية والنهاية (٣: ٣٤٦) .
[ ٣ / ١٦٠ ]
قَالَ يُونُسُ: سَمِعْتُ ابْنَ إِسْحَاقَ، يَقُولُ: «فَوَلَدَتْ فَاطِمَةُ لِعَلِيٍّ حَسَنًا وَحُسَيْنًا وَمُحَسَّنًا فَذَهَبَ مُحَسَّنٌ صَغِيرًا وَوَلَدَتْ لَهُ أُمَّ كُلْثُومٍ وَزَيْنَبَ» .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الرُّوذْبَارِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ دَاسَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الطَّالْقَانِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ قَالَ: أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «لَمَّا تَزَوَّجَ عَلِيٌّ فَاطِمَةَ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَعْطِهَا شَيْئًا. قَالَ: مَا عِنْدِي شَيْءٌ، قَالَ: أَيْنَ دِرْعُكَ الْحُطَمِيَّةُ» [(٤)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ الْفَقِيهُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ الْبَصْرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: أَخْبَرَنَا زَائِدَةُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: «جَهَّزَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَاطِمَةَ فِي خَمِيلٍ [(٥)]، وَقِرْبَةٍ، وَوِسَادَةِ أَدَمٍ [(٦)] حشوها إذخر» [(٧)] .
_________________
(١) [(٤)] أبو داود في كتاب النكاح، باب في الرجل يدخل بامرأته قبل ان ينقدها شيئا. وأخرج ابن سعد في الطبقات (٨: ٢٠) عن عكرمة أن عليا خطب فاطمة فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ «مَا تصدقها»؟ قال: ما عندي ما أصدقها. قال: «فأين درعك الحطمية التي كنت منحتك»؟ قال: عندي. قال «أصدقها إياها» . قال: فأصدقها وتزوجها. قال عكرمة: كان ثمنها أربعة دراهم. وعن عكرمة قال: أمهر عليّ فاطمة بدنا قيمته أربعة دراهم. وعن عكرمة قال: تزوجت فاطمة على بدن من حديد. وعن عكرمة أنّ عليا لما تزوج فاطمة فأراد أن يبني بها، قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ «قَدِمَ شيئا» قال: ما أجد شيئا. قال «فأين درعك الحطمية»؟. [(٥)] الخميل: القطيفة. [(٦)] الأدم: الجلد. [(٧)] الإذخر: حشيشة رطبة طيبة الرائحة، والحديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده (١: ١٤)، واسناده صحيح.
[ ٣ / ١٦١ ]
وَذَكَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّه مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْدَهِ الْأَصْبَهَانِيُّ﵀- فِي كِتَابِ الْمَعْرِفَةِ «أَنَّ عَلِيًّا تَزَوَّجَ فَاطِمَةَ بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ سَنَةٍ مِنَ الْهِجْرَةِ وَابْتَنَى بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ بِنَحْوٍ مِنْ سَنَةٍ وَوَلَدَتْ لِعَلِيٍّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ وَمُحَسَّنًا وَأُمَّ كُلْثُومٍ الْكُبْرَى وَزَيْنَبَ الكبرى» [(٨)] .
_________________
(١) [(٨)] نقله ابن كثير في التاريخ (٣: ٣٤٧) .
[ ٣ / ١٦٢ ]
بَابُ خُرُوجِ النَّبِيِّ ﷺ مَرْجِعَهُ مِنْ بَدْرٍ بِسَبْعِ لَيَالٍ يُرِيدُ بَنِي سُلَيْمٍ
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: «ولَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّه ﷺ الْمَدِينَةَ مَرْجِعَهُ مِنْ بَدْرٍ وَكَانَ فَرَاغُهُ مِنْهَا فِي عَقِبِ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَفِي أَوَّلِ شَوَّالٍ فَلَمْ يَقُمْ بِالْمَدِينَةِ إِلَّا سَبْعَ لَيَالٍ، حَتَّى غَزَا بِنَفْسِهِ يُرِيدُ بَنِي سُلَيْمٍ، حَتَّى بَلَغَ مَاءً مِنْ مِيَاهِهِمْ يُقَالُ لَهُ: الْكُدْرُ [(٩)]، فَأَقَامَ عَلَيْهِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا، فَأَقَامَ بِهَا بَقِيَّةَ شَوَّالٍ، وَذَا الْقَعْدَةِ، وَفَادَى فِي إِقَامَتِهِ تِلْكَ. جُلَّ أُسَارَى بَدْرٍ مِنْ قريش» [(١٠)] .
_________________
(١) [(٩)] الكدر- بضم الكاف وسكون الدال المهملة- قال ياقوت: «وقال الواقدي: بناحية المعدن قريب من الأرحضية بينها وبين المدينة ثمانية برد فقال غيره: ماء لبني سليم، وَكَانَ رَسُولُ اللَّه ﷺ خَرَجَ إليها بجمع من سليم، فلما أتاه وجد الحي خلوفا، فاستاق النعم، ولم يلق كيدا، وقال عرام: في حزم بني عوال مياه آبار منها بئر الكدر، وغزا النبي ﷺ بني سهم بالكدر في حادي عشر المحرم سنة ثلاث من الهجرة، وقال كثير: سقى الكدر فاللّعباء فالبرق فالحمى فلوذ الحصى من تغلمين فأظلما اهـ كلام ياقوت بحروفه. [(١٠)] الخبر رواه ابن هشام في السيرة (٢: ٤٢١- ٤٢٢) .
[ ٣ / ١٦٣ ]
بَابُ غَزْوَةِ ذَاتِ السَّوِيقِ حِينَ جَاءَ أَبُو سُفْيَانَ لِيُصِيبَ غِرَّةً قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَكَانَتْ فِي ذِي الْحِجَّةَ بَعْدَ بَدْرٍ بِشَهْرَيْنِ
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَتَّابٍ قَالَ:
أَخْبَرَنَا الْقَاسِمُ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ عَمِّهِ،: مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ (ح) .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ الشَّعْرَانِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا جَدِّي قَالَ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ: أَخْبَرَنَا فُلَيْحٌ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ [(١)]، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ:
«كَانَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ حِينَ قَتَلَ اللَّه ﷿ مَنْ قَتَلَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِبَدْرٍ مِنْ أَشْرَافِهِمْ وَمِنْ وُجُوهِهِمْ نَذَرَ أَنْ لَا يَمَسَّ رَأْسَهُ دُهْنٌ وَلَا غُسْلٌ وَلَا يَقْرَبَ أَهْلَهُ حَتَّى يَغْزُو مُحَمَّدًا وَيَحْرِقَ فِي طَوَائِفِ الْمَدِينَةِ، فَخَرَجَ مِنْ مَكَّةَ سِرًّا خَائِفًا فِي ثَلَاثِينَ فَارِسًا، وَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ: بَلْ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ لِيُحِلَّ يَمِينَهُ، حتى
_________________
(١) [(١)] غزوة السّويق، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ في «الدرر في اختصار المغازي والسير» ص (١٣٩- ١٤٠) وجاءت القصة في الواقدي: (١: ١٨٢)، والطبري (٢: ٤٨٣)، وأنساب الأشراف (١: ١٤٧) وسيرة ابن هشام (٢: ٤٢٢)، وابن حزم (١٥٢)، وعيون الأثر (١: ٣٥٤)، وتاريخ ابن كثير (٣: ٣٤٤) والنويري (١٧: ٧٠)، والسيرة الحلبية (٢: ٢٧٧) .
[ ٣ / ١٦٤ ]
نَزَلَ بِجَبَلٍ مِنْ جِبَالِ الْمَدِينَةِ يُقَالُ لَهُ: نَبْتٌ فَبَعَثَ رَجُلًا أَوْ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَأَمَرَهُمَا أَنْ يُحَرِّقَا أَدْنَى نَخْلٍ يَأْتِيَانِهَا مِنْ نَخْلِ الْمَدِينَةِ، فَوَجَدَا صَوْرًا مِنْ صِيرَانِ نَخْلِ الْعُرَيْضِ [(٢)]، فَأَحْرَقَا فِيهَا وَانْطَلَقَا، وَانْطَلَقَ أَبُو سُفْيَانَ وَأَصْحَابُهُ سراعا هار بين قِبَلَ مَكَّةَ.
وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّه ﷺ فِي الْمُسْلِمِينَ حَتَّى بَلَغَ قَرْقَرَةَ الْكُدْرِ [(٣)] فَأَعْجَزَهُ وَلَمْ يُدْرِكْ مِنْهُمْ أَحَدًا فَرَجَعَ» .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبِي قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ، قَالَ: «وَنَذَرَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ بْنِ أميّة بعد ما رَجَعَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ بَدْرٍ، وقتلت رؤوسهم أَنْ لَا يَمَسَّ رَأْسَهُ دُهْنٌ وَلَا يَقْرَبَ أَهْلَهُ حَتَّى يَغْزُوَ رَسُولَ اللَّه ﷺ فَلَمْ يَجْتَمِعْ لَهُ النَّاسُ كَمَا يُرِيدُ، مِمَّا نَزَلَ بِهِمْ مِنْ بَأْسِ اللَّه وَعَذَابِهِ فَأَقْبَلَ فِي ثَلَاثِينَ رَاكِبًا لِيُحِلَّ يَمِينَهُ حَتَّى نَزَلَ بِنَبْتٍ فَخَرَجُوا إِلَى الْعُرَيْضِ وَمَا حَوْلَهُ فَاسْتُصْرِخَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّه ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ فَرَكِبُوا فِي آثَارِهِمْ فَأَعْجَزَهُمْ وَتَرَكُوا أَزْوَادَهُمْ فَسُمِّيَتْ غَزْوَةُ أَبِي سُفْيَانَ: غَزْوَةَ السَّوِيقِ» [(٤)] .
أخبرنا أبو عبد اللَّه الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ:
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: ثُمَّ غَزَا أَبُو سُفْيَانَ غَزْوَةَ السَّوِيقِ فِي ذِي الْحِجَّةِ [(٥)] .
_________________
(١) [(٢)] وهي الجماعة من النخل. [(٣)] (قرقرة الكدر): على بعد ثمانية برد من المدينة. [(٤)] السويق: أن تحمص الحنطة أو الشعير، ثم تطحن، ثم يسافر بها، وقد تمزج باللبن والعسل والسمن تلت به. [(٥)] سيرة ابن هشام (٢: ٤٢٢) .
[ ٣ / ١٦٥ ]
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بن الزُّبَيْرِ وَيَزِيدُ بْنُ رُومَانَ، قَالَ: وحَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّه بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، قَالُوا:
«لَمَّا رَجَعَ أَبُو سُفْيَانَ إِلَى مَكَّةَ، وَرَجَعَ فَلُّ قُرَيْشٍ مِنْ يَوْمِ بَدْرٍ، نَذَرَ أَبُو سُفْيَانَ أَنْ لَا يَمَسَّ رَأْسَهُ مَاءٌ مِنْ جَنَابَةٍ حَتَّى يَغْزُوَ مُحَمَّدًا، فَخَرَجَ فِي مِائَتَيْ رَاكِبٍ مِنْ قُرَيْشٍ لِيَبَرَّ يَمِينَهُ فَسَلَكَ النَّجْدِيَّةَ حَتَّى نَزَلَ بِصُدُورِ قَنَاةٍ إلى جبل ثيب مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى بَرِيدٍ أَوْ نَحْوِهِ، ثُمَّ خَرَجَ مِنَ اللَّيْلِ حَتَّى أَتَى بَنِي النَّضِيرِ، فَأَتَى حُيَيَّ ابن أَخْطَبَ فَضَرَبَ عَلَيْهِ بَابَهُ فَأَبَى أَنْ يَفْتَحَ لَهُ الْبَابَ وَخَافَهُ، فَانْصَرَفَ عَنْهُ إِلَى سَلَّامِ بْنِ مِشْكَمٍ وَكَانَ سَيِّدَ بَنِي النَّضِيرِ زَمَانَهُ ذَلِكَ وَصَاحِبَ كَنْزِهِمْ فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ فَأَذِنَ لَهُ وَقَرَاهُ [(٦)] وَسَقَاهُ وَأَبْطَنَ لَهُ مِنْ خَبَرِ النَّاسِ، ثُمَّ خَرَجَ فِي عَقِبِ لَيْلَتِهِ حَتَّى أَتَى أَصْحَابَهُ فَبَعَثَ رِجَالًا مِنْ قُرَيْشٍ إِلَى الْمَدِينَةِ فَأَتَوْا نَاحِيَةً مِنْهَا يُقَالُ لَهَا: مَكَانُ الْعُرَيْضِ [(٧)] فَخَرَجُوا فِي أَصْوَارٍ مِنْ نَخْلٍ، وَوَجَدُوا رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ وَحَلِيفًا لَهُ فِي حَرْثٍ لَهُمَا فَقَتَلُوهُمَا ثُمَّ انْصَرَفُوا رَاجِعِينَ وَنَذَرَ بِهِمُ النَّاسُ [(٨)] فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّه ﷺ فِي طَلَبِهِمْ حَتَّى بَلَغَ قَرْقَرَةَ الْكُدْرِ ثُمَّ انْصَرَفَ رَاجِعًا وَقَدْ فَاتَهُ أَبُو سُفْيَانَ وَأَصْحَابُهُ وَقَدْ رَأَوْا أَزْوَادًا مِنْ أَزْوَادِ الْقَوْمِ قَدْ طَرَحُوهَا فِي الْجُرُبِ يَتَخَفَّفُونَ مِنْهَا لِلْنَجَاءِ [(٩)]،
فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ حِينَ رَجَعَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّه ﷺ يَا رَسُولَ اللَّه أَنَطْمَعُ أَنْ تَكُونَ لَنَا غَزْوَةً؟ فَقَالَ ﷺ نَعَمْ ثُمَّ ذَكَرَ شِعْرَ أَبِي سُفْيَانَ وَجَوَابَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ إِيَّاهُ [(١٠)] .
قُلْتُ: وَكَأَنَّهُمْ إنما سمعوا غَزْوَةَ أَبِي سُفْيَانَ غَزْوَةَ السَّوِيقِ لِكَوْنِ السَّوِيقِ فِي أَزْوَادِهِمُ الَّتِي طَرَحُوهَا» . واللَّه أعلم.
_________________
(١) [(٦)] (قراه): صنع له القرى، وهو الطعام الذي يقدم للضيف. [(٧)] هو واد بالمدينة. [(٨)] (نذر بهم الناس) علم. [(٩)] (النجاء) السرعة. [(١٠)] سيرة ابن هشام (٢: ٤٢٢- ٤٢٣) .
[ ٣ / ١٦٦ ]
بَابُ غَزْوَةِ غَطَفَانَ وَهِيَ غَزْوَةُ ذِي أَمَرَّ [(١)] وَمَا ظَهَرَ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ مِنْ آثَارِ النُّبُوَّةِ
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: «ولَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّه ﷺ مِنْ غَزْوَةِ السَّوِيقِ أَقَامَ بِالْمَدِينَةِ بَقِيَّةَ ذِي الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمَ أَوْ عَامَّتَهُ ثُمَّ غَزَا نَجْدًا يُرِيدُ غَطَفَانَ وَهِيَ غَزْوَةُ ذِي أَمَرَّ [(٢)] فَأَقَامَ بِنَجْدٍ صَفَرَ كُلَّهُ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا فَلَبِثَ بِهَا شَهْرَ رَبِيعٍ كُلَّهُ» [(٣)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْأَصْبَهَانِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْجَهْمِ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَرَجِ قَالَ:
أَخْبَرَنَا الْوَاقِدِيُّ قَالَ: «وَغَزْوَةُ غَطَفَانَ كَانَتْ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ عَلَى رَأْسِ خمس
_________________
(١) [(١)] انظر في غزوة ذي امر: سيرة ابن هشام (٢: ٤٢٥)، وابن سعد (٢: ٣٤)، وتاريخ الطبري ط. دار المعارف (٢: ٤٨٧)، والواقدي (١: ١٩٣)، وابن كثير (٤: ٢)، والنويري (١٧: ٧٧)، والسيرة الحلبية (٢: ٢٧٩)، وعيون الأثر (١: ٣٦٢) . [(٢)] (ذو أمر): موضع بناحية النخيل، وتسمى في بعض كتب السير: غزوة غطفان، وسببها عَلِمَ رَسُولُ اللَّه ﷺ إن بعض قبائل غطفان تجمعت لغزو المدينة. [(٣)] سيرة ابن هشام (٢: ٤٢٥) .
[ ٣ / ١٦٧ ]
وَعِشْرِينَ شَهْرًا خَرَجَ رَسُولُ اللَّه ﷺ يَوْمَ الخميس لثنتي عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ فَغَابَ أَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا» [(٤)] .
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادِ بْنِ أَبِي هُنَيْدَةَ [(٥)] قَالَ: أَخْبَرَنَا زَيْدُ ابن أَبِي عَتَّابٍ، قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَأَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَزَادَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْحَدِيثِ، وَغَيْرُهُمْ قَدْ حَدَّثَنِي أَيْضًا قَالُوا: «بَلَغَ رَسُولَ اللَّه ﷺ أَنَّ جَمْعًا مِنْ غَطَفَانَ مِنْ بَنِي ثَعْلَبَةَ بْنِ مُحَارِبٍ بِذِي أَمَرَّ قَدْ تَجَمَّعُوا يُرِيدُونَ أَنْ يُصِيبُوا مِنْ أَطْرَافِ رَسُولِ اللَّه ﷺ، مَعَهُمْ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ دُعْثُورُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ مُحَارِبٍ فَنَدَبَ رَسُولُ اللَّه ﷺ الْمُسْلِمِينَ فَخَرَجَ فِي أَرْبَعِمِائَةِ رَجُلٍ وَخَمْسِينَ رَجُلًا وَمَعَهُمْ أَفْرَاسٌ. فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي مَسِيرِهِ، إِلَى أَنْ قَالَ: وَهَرَبَتْ مِنْهُ الْأَعْرَابُ فَوْقَ ذُرًى مِنَ الْجِبَالِ وَنَزَلَ رَسُولُ اللَّه ﷺ ذَا أَمَرَّ وَعَسْكَرَ بِهِ. فَأَصَابَهُمْ مَطَرٌ كَثِيرٌ فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّه ﷺ لِحَاجَتِهِ فَأَصَابَهُ ذَلِكَ الْمَطَرُ فَبَلَّ ثَوْبَهُ وَقَدْ جَعَلَ رَسُولُ اللَّه ﷺ وَادِيَ ذِي أَمَرَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَصْحَابِهِ ثُمَّ نَزَعَ ثِيَابَهُ فَنَشَرَهَا لِتَجِفَّ وَأَلْقَاهَا عَلَى شَجَرَةٍ ثُمَّ اضْطَجَعَ تَحْتَهَا وَالْأَعْرَابُ يَنْظُرُونَ إِلَى كُلِّ مَا يَفْعَلُ رَسُولُ اللَّه ﷺ فَقَالَتِ الْأَعْرَابُ لِدُعْثُورٍ وَكَانَ سَيِّدَهَا وَأَشْجَعَهَا: قَدْ أَمْكَنَكَ مُحَمَّدٌ وَقَدِ انْفَرَدَ مِنْ أَصْحَابِهِ حَيْثُ إِنْ غَوَّثَ بِأَصْحَابِهِ لَمْ يُغَثْ حَتَّى تَقْتُلَهُ فَاخْتَارَ سَيْفًا مِنْ سُيوفِهِمْ صَارِمًا ثُمَّ أَقْبَلَ مُشْتَمِلًا عَلَى السَّيْفِ حَتَّى قَامَ عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللَّه ﷺ بِالسَّيْفِ مَشْهُورًا، فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي الْيَوْمَ؟ قَالَ اللَّه ﷿ [(٦)] وَدَفَعَ جِبْرِيلُ فِي صَدْرِهِ فَوَقَعَ السَّيْفُ مِنْ يَدِهِ فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللَّه ﷺ وَقَامَ عَلَى رأسه فقال من
_________________
(١) [(٤)] المغازي للواقدي (١: ١٩٣) . [(٥)] في (ح): «هبيرة» وهو تصحيف، وأثبت ما في (م) و(ص) و(هـ)، وهو موافق لما في مغازي الواقدي. [(٦)] الزيادة من (هـ) فقط.
[ ٣ / ١٦٨ ]
يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ لَا أَحَدَ وأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّه. لَا أُكَثِّرُ عَلَيْكَ جَمْعًا أَبَدًا. فَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللَّه ﷺ سَيْفَهُ ثُمَّ أَدْبَرَ ثُمَّ أَقْبَلَ بِوَجْهِهِ ثُمَّ قَالَ واللَّه لَأَنْتَ خَيْرٌ مِنِّي. قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ أَنَا أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْكَ. فَأَتَى قَوْمَهُ فَقَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتَ تَقُولُ وَقَدْ أَمْكَنَكَ وَالسَّيْفُ فِي يَدِكَ، قَالَ: قَدْ كَانَ واللَّه ذَلِكَ رَأْيِي وَلَكِنْ نَظَرْتُ إِلَى رَجُلٍ أَبْيَضَ طَوِيلٍ فَدَفَعَ فِي صَدْرِي فَوَقَعْتُ لِظَهْرِي فَعَرَفْتُ أَنَّهُ مَلَكٌ، وَشَهِدْتُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّه، واللَّه لَا أُكَثِّرُ عَلَيْهِ، وَجَعَلَ يَدْعُو قَوْمَهُ إِلَى الْإِسْلَامِ،
ونَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ [(٧)] الْآيَةَ قَالَ: وَكَانَتْ غَيْبَتُهُ إِحْدَى عَشْرَةَ لَيْلَةً. وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ» .
كَذَا قَالَ الْوَاقِدِيُّ [(٨)] . وَقَدْ رُوِيَ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ قِصَّةٌ أُخْرَى فِي الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي قَامَ عَلَى رَأْسِهِ بِالسَّيْفِ وَقَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ فَإِنْ كَانَ الْوَاقِدِيُّ قَدْ حَفِظَ مَا ذُكِرَ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ فَكَأَنَّهُمَا قِصَّتَانِ واللَّه أعلم.
_________________
(١) [(٧)] سورة المائدة الآية (١١) . [(٨)] في المغازي مختصرا من (١: ١٩٣- ١٩٦) .
[ ٣ / ١٦٩ ]
بَابُ غَزْوَةِ ذِي قَرَدٍ
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ «فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّه ﷺ بَعْدَ رُجُوعِهِ مِنْ بَدْرٍ بِالْمَدِينَةِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ ثُمَّ بَعَثَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ إِلَى ذِي الْقَصَّةِ فَأَصَابُوا عِيرًا لِقُرَيْشٍ فِيهَا أَبُو سُفْيَانَ عَلَى الْقَرَدَةِ- مَاءُ مِنْ مِيَاهِ نَجْدٍ- وَكَانَ مِنْ حَدِيثِهَا أَنَّ قُرَيْشًا كَانَتْ قَدْ خَافَتْ طَرِيقَهَا الَّتِي كَانَتْ تَسْلُكُ الشَّامَ حِينَ كَانَ مِنْ وَقْعَةِ بَدْرٍ مَا كَانَ، فَسَلَكُوا طَرِيقَ الْعِرَاقِ فَخَرَجَ مِنْهُمْ تُجَّارٌ فِيهِمْ أَبُو سُفْيَانَ ابن حَرْبٍ وَمَعَهُ فِضَّةٌ كَثِيرَةٌ- وَهِيَ عُظْمُ تِجَارَتِهِمْ- وَاسْتَأْجَرُوا رَجُلًا مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ يُقَالُ لَهُ فُرَاتُ بْنُ حَيَّانَ يَدُلُّهُمْ عَلَى الطَّرِيقِ فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّه ﷺ زَيْدًا فَلَقِيَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الْمَاءِ فَأَصَابَ تِلْكَ الْعِيرَ وَمَا فِيهَا، وَأَعْجَزَتْهُ الرِّجَالُ هَرَبًا فَقَدِمَ بِهَا عَلَى رَسُولِ اللَّه ﷺ وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ فِيهِ أَبْيَاتًا ذكرهن [(١)] .
_________________
(١) [(١)] ومن هذه الأبيات: دعوا فلجات الشّأم قد حال دونها جلاد كأفواه المخاض الأوارك بأيدي رجال هاجروا نحو ربّهم وأنصاره حقّا وأيدي الملائك
[ ٣ / ١٧٠ ]
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْأَصْبَهَانِيُّ قَالَ:
أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْجَهْمِ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَرَجِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْوَاقِدِيُّ قَالَ: «سَرِيَّةُ الْقَرَدَةِ أَمِيرُهَا زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ وَخَرَجَ لِهِلَالِ جُمَادَى الْآخِرَةِ عَلَى رَأْسِ ثَمَانِيَةٍ وَعِشْرِينَ شَهْرًا» قَالَ الْوَاقِدِيُّ وَالْقَرَدَةُ مَاءٌ بِنَجْدٍ.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَهْلِهِ قَالُوا: «كَانَتْ قُرَيْشٌ قَدْ حَذِرُوا طَرِيقَ الشَّامِ أَنْ يَسْلُكُوهَا فَذَكَرَ قِصَّةً فِي مُشَاوَرَةِ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ أَصْحَابَهُ وَأَنَّهُ دَلَّ عَلَى فُرَاتِ بْنِ حَيَّانَ وَقَالَ فُرَاتٌ فَأَنَا أَسْلُكَ بِكَ فِي طَرِيقِ الْعِرَاقِ فَتَجَهَّزَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ وَبَعَثَ مَعَهُ رِجَالًا مِنْ قُرَيْشٍ. بِبَضَائِعَ وَخَرَجُوا عَلَى ذَاتِ عِرْقٍ وَقَدِمَ الْمَدِينَةَ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ الْأَشْجَعِيُّ وَهُوَ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ فَنَزَلَ عَلَى كِنَانَةَ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ فِي بَنِي النَّضِيرِ فَشَرِبَ مَعَهُ وَمَعَهُ سَلِيطُ بْنُ النُّعْمَانِ وَكَانَ أَسْلَمَ وَلَمْ تُحَرَّمِ الْخَمْرُ يَوْمَئِذٍ فَذَكَرَ نُعَيْمٌ خُرُوجَ صَفْوَانَ فِي عِيرِهِ وَمَا مَعَهُ مِنَ الْأَمْوَالِ فَخَرَجَ سَلِيطُ مِنْ سَاعَتِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ فَأَرْسَلَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ فِي مِائَةِ رَاكِبٍ فَاعْتَرَضُوا لَهَا فَأَصَابُوا الْعِيرَ وَأَفْلَتَ أَعْيَانُ الْقَوْمِ وَأَسَرُوا رَجُلًا أَوْ رَجُلَيْنِ وَقَدِمُوا بِالْعِيرِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَخَمَّسَهَا فَكَانَ الْخُمُسُ قِيمَةَ عِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَقَسَّمَ مَا بَقِيَ عَلَى أَهْلِ السَّرِيَّةِ وَكَانَ فِي الْأُسَارَى فُرَاتُ بْنُ حَيَّانَ فَأَتَى فَقِيلَ لَهُ إِنْ تُسْلِمْ تُتْرَكْ فَأَسْلَمَ فَتَرَكَهُ [(٢)] مِنَ الْقَتْلِ» [(٣)] .
_________________
(١) [()] إذا سلكت للغور من بطن عالج فقولا لها: ليس الطّريق هنالك والخبر في سيرة ابن هشام (٢: ٤٢٩- ٤٣٠) . [(٢)] في (ح): «فترك» . [(٣)] الخبر في مغازي الواقدي (١: ١٩٧- ١٩٨) .
[ ٣ / ١٧١ ]
بَابُ غَزْوَةِ قُرَيْشٍ وَبَنِي سُلَيْمٍ بِبَحْرَانَ [(٤)]
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ بِبَغْدَادَ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَمَّارٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سَلَمَةُ أَبُو الْفَضْلِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: «ثُمَّ غَزَا يُرِيدُ قُرَيْشًا وَبَنِي سُلَيْمٍ حَتَّى بَلَغَ بَحْرَانَ [(٥)] مَعْدِنًا بِالْحِجَازِ مِنْ نَاحِيَةِ الْفُرْعِ فَأَقَامَ بِهَا شَهْرَ رَبِيعٍ الْآخَرِ وَجُمَادَى الْأُولَى. ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا وَكَانَ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ مِنْ غَزَوَاتِ رَسُولِ اللَّه ﷺ أَمْرُ بَنِي قَيْنُقَاعَ [(٦)] .
قُلْتُ: وَفِيمَا ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ غَيْبَتَهُ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ يُرِيدُ بَحْرَانَ كَانَتْ عَشْرَ لَيَالٍ وَأَنَّهُ اسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ ابْنَ أُمِّ مكتوم [(٧)] .
_________________
(١) [(٤)] انظر في هذه الغزوة: سيرة ابن هشام (٢: ٤٢٥)، ومغازي الواقدي (١: ١٩٦)، وابن سعد (٢: ٣٥)، وتاريخ الطبري (٢: ٤٨٧)، وابن حزم (١٥٣)، وعيون الأثر (١: ٣٦٣)، وتاريخ ابن كثير (٤: ٣)، والنويري (١٧: ٧٩)، والسيرة الحلبية (٢: ٢٨٠) . [(٥)] بحران: موضع بين الفرع والمدينة. [(٦)] الخبر رواه ابن هشام في السيرة (٢: ٤٢٥- ٤٢٦) . [(٧)] الخبر في مغازي الواقدي (١: ١٩٧) .
[ ٣ / ١٧٢ ]
بَابُ غَزْوَةِ بَنِي قَيْنُقَاعَ [(١)]
قَدْ ذَكَرْنَا عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ [(٢)] أَنَّهَا كَانَتْ بَيْنَ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْغَزَوَاتِ، وَزَعَمَ الْوَاقِدِيُّ [(٣)] أَنَّهَا كَانَتْ يَوْمَ السَّبْتِ لِلنِّصْفِ مِنْ شَوَّالٍ عَلَى رَأْسِ عِشْرِينَ شَهْرًا مِنَ الْهِجْرَةِ. حَاصَرَهُمْ إِلَى هِلَالِ ذِي الْقَعْدَةِ واللَّه أَعْلَمُ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَوْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ «لَمَّا أَصَابَ رَسُولُ اللَّه ﷺ قُرَيْشًا يَوْمَ بَدْرٍ فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ جَمَعَ يَهُودَ فِي سُوقِ قَيْنُقَاعَ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ يَهُودَ أَسْلِمُوا قَبْلَ أَنْ يُصِيبَكُمْ بِمِثْلِ مَا أَصَابَ قُرَيْشًا. فَقَالُوا يَا مُحَمَّدُ لَا يَغُرَّنَّكَ مِنْ نَفْسِكَ أَنَّكَ قَتَلْتَ نَفَرًا مِنْ قُرَيْشٍ
كَانُوا أَغْمَارًا لَا يَعْرِفُونَ الْقِتَالَ إِنَّكَ لَوْ قَاتَلْتَنَا لَعَرَفْتَ أَنَّا نَحْنُ النَّاسُ وَأَنَّكَ
_________________
(١) [(١)] في غزوة بني قينقاع انظر: ابن هشام (٢: ٤٢٦)، وابن سعد (٢: ٢٨)، والطبري (٢: ٤٧٩)، ومغازي الواقدي (١: ١٧٦)، وابن حزم (١٥٤)، وعيون الأثر (٢: ٣٥٢)، وتاريخ ابن كثير (٤: ٥)، والنويري (١٧: ٦٧)، والسيرة الحلبية (٢: ٢٧٢)، والسيرة الشامية (٤: ٢٦٥) . [(٢)] في سيرة ابن هشام (٢: ٤٢٦) . [(٣)] في مغازي الواقدي (١: ١٧٦) .
[ ٣ / ١٧٣ ]
لَنْ تَلْقَ مِثْلَنَا فَأَنْزَلَ اللَّه ﷿ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ. قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا، فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أصحاب رسول اللَّه ﷺ بِبَدْرٍ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ إِلَى قَوْلِهِ: لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ [(٤)] .
وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ «أَنَّ بَنِيَ قَيْنُقَاعَ كَانُوا أَوَّلَ يَهُودَ نَقَضُوا مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّه ﷺ وَحَارَبُوا مِنْهَا بَيْنَ بَدْرٍ وَأُحُدٍ. فَحَاصَرَهُمْ رَسُولُ اللَّه ﷺ حَتَّى نَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ فَقَامَ عَبْدُ اللَّه بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ إِلَى رَسُولِ اللَّه ﷺ حِينَ أَمْكَنَهُ اللَّه تَعَالَى مِنْهُمْ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَحْسِنْ فِي مَوَالِيَّ- وَكَانُوا حُلَفَاءَ الْخَزْرَجِ- فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّه ﷺ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ أَحْسِنْ فِي مَوَالِيَّ فَأَعْرَضَ عَنْهُ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي جَيْبِ دِرْعِ رَسُولِ اللَّه ﷺ ظِلَالٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ أَرْسِلْنِي وغضب حتى رؤي لِوَجْهِ رَسُولِ اللَّه ﷺ ظِلَالٌ فَقَالَ لَهُ وَيْحَكَ أَرْسِلْنِي. فَقَالَ واللَّه لَا أُرْسِلُكَ حَتَّى تُحْسِنَ فِي مَوَالِيَّ أَرْبَعُمِائَةِ حَاسِرٍ وَثَلَاثُمِائَةِ دَارِعٍ مَنْ مَنَعُونِي مِنَ الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ تَحْصُدُهُمْ فِي غَدَاةٍ وَاحِدَةٍ إِي واللَّه إِنِّي لَامْرُؤٌ أَخْشَى الدَّوَائِرَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ هُمْ لَكَ» [(٥)] .
وَعَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ يَسَارٍ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ:
«لَمَّا حَارَبَتْ بَنُو قَيْنُقَاعَ رَسُولَ اللَّه ﷺ تَشَبَّثَ بِأَمْرِهِمْ [(٦)] عَبْدُ اللَّه بْنُ أُبَيٍّ وَقَامَ دُونَهُمْ فَمَشَى عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ إِلَى رَسُولِ اللَّه ﷺ وَكَانَ أَحَدَ بَنِي عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ لَهُمْ مِنْ حِلْفِهِمْ مِثْلُ الَّذِي لَهُمْ مِنْ حِلْفِ عَبْدِ اللَّه بن أبي، فخلعهم إلى
_________________
(١) [(٤)] الآيتان الكريمتان (١٢- ١٣) من سورة آل عمران، ووقع في (ص): لأولي الألباب، وهو من الناسخ، الخبر رواه ابن هشام في السيرة (٢: ٤٢٦) . [(٥)] الخبر في سيرة ابن هشام (٢: ٤٢٧- ٤٢٨) . [(٦)] تشبث بأمرهم: تمسك به.
[ ٣ / ١٧٤ ]
رسول اللَّه ﷺ، وَتَبَرَّأَ إِلَى اللَّه وَإِلَى رَسُولِ اللَّه ﷺ مِنْ حِلْفِهِمْ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّه أَتَبَرَّأُ إِلَى اللَّه وَإِلَى رَسُولِهِ مِنْ حِلْفِهِمْ، وَأَتَوَلَّى اللَّه وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَأَبْرَأُ مِنْ حِلْفِ الْكُفَّارِ وَوِلَايَتِهِمْ، فَفِيهِ وَفِي عَبْدِ اللَّه بْنِ أُبَيٍّ نَزَلَتِ الْآيَاتُ فِي الْمَائِدَةِ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ- إِلَى قَوْلِهِ- فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يعني عبد اللَّه ابن أُبَيٍّ لِقَوْلِهِ إِنِّي أَخْشَى الدَّوَائِرَ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ- حَتَّى بَلَغَ قَوْلَهُ- إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا لِقَوْلِ عُبَادَةَ أَتَوَلَّى اللَّه وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَتَبَرِّيهِ مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ وَحِلْفِهِمْ وَوِلَايَتِهِمْ إِلَى قَوْلِهِ:
وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ [(٧)] .
_________________
(١) [(٧)] الآيات من (٥١- ٥٦) من سورة المائدة، والخبر رواه ابن هشام في السيرة (٢: ٤٢٨- ٤٢٩) .
[ ٣ / ١٧٥ ]
بَابُ غَزْوَةِ بَنِي النَّضِيرِ [(١)] وَمَا ظَهَرَ فِيهَا مِنْ آثَارِ النُّبُوَّةِ
ذَكَرَ ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّهَا كَانَتْ عَلَى رَأْسِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْعَةِ بَدْرٍ قَبْلَ أُحُدٍ.
وَحَكَاهُ عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ ﵀ فِي التَّرْجَمَةِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ:
أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ:
حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: «ثُمَّ كَانَتْ وَقْعَةُ بَنِي النَّضِيرِ وَهُمْ طَائِفَةٌ مِنَ الْيَهُودِ عَلَى رَأْسِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْعَةِ بَدْرٍ وَكَانَ مَنْزِلُهُمْ بِنَاحِيَةِ الْمَدِينَةِ، فحاصرهم
_________________
(١) [(١)] انظر في غزوة بني النضير ابن هشام (٣: ١٤٢)، والواقدي (١: ٣٥٣)، وابن سعد (٢: ٥٧)، وتاريخ الطبري (٢: ٥٥٠)، وصحيح البخاري (٥: ٨٨)، وفتح الباري (٧: ٣٢٠)، وانساب الأشراف (١: ١٦٣)، وابن حزم (١٨١)، وعيون الأثر (٢: ٦١)، والدر لابن عبد البر (١٦٤)، والبداية والنهاية (٤: ٧٤)، والنويري (١٧: ١٣٧) والسيرة الحلبية (٢: ٣٤٤)، والسيرة الشامية (٤: ٤٥١)، وقد أورد البخاري، وتبعه البيهقي خبر بني النضير قبل وقعة أحد، وقال ابن كثير (٤: ٩)، والصواب إيرادها بعدها كما ذكر ذلك ابن إسحاق، وغيره من أئمة المغازي، وبرهانه أن الخمر حرمت ليالي حصار بني النضير، وفي الصحيح أنه اصطبح الخمر جماعة ممن قتل يوم أحد شهيدا، فدل على ان الخمر إذا ذاك لم تحرم، وإنما حرمت بعد ذلك، وقد أعاده المصنف بعد أحد كما سيأتي في نهاية هذا الجزء.
[ ٣ / ١٧٦ ]
رسول اللَّه ﷺ، حَتَّى نَزَلُوا عَلَى الْجَلَاءِ وَأَنَّ لَهُمْ ما أقلت الإبل من الْأَمْوَالِ وَالْأَمْتِعَةِ، إِلَّا الْحَلْقَةُ وَهِيَ السِّلَاحُ، وَأَجْلَاهُمْ رَسُولُ اللَّه ﷺ قِبَلَ الشَّامِ، وَأَنْزَلَ اللَّه ﷿ فِيهِمْ:
سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ- إِلَى قَوْلِهِ- وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ [(٢)] .
وَاللِّينَةُ: النَّخْلَةُ، وَاللِّينُ النَّخْلُ كُلُّهَا إِلَّا الْعَجْوَةَ.
وَتَخْرِيبُهُمْ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَنْزِعُونَ مَا أَعْجَبَهُمْ مِنْ سَقْفٍ فَيَحْمِلُونَهُ عَلَى الْإِبِلِ لَمَّا كَانَ لَهُمْ مَا أَقَلَّتِ الْإِبِلُ.
وَالْحَشْرُ سَوْقُهُمْ فِي الدُّنْيَا قِبَلَ الشَّامِ قَبْلَ الْحَشْرِ الْآخِرَةِ.
وَالْجَلَاءُ أَنَّهُ كَانَ كُتِبَ عَلَيْهِمْ فِي آيٍ مِنَ التَّوْرَاةِ وَكَانُوا مِنْ سِبْطٍ لَمْ يُصِبْهُمُ الْجَلَاءُ قَبْلَ مَا سُلِّطَ عَلَيْهِمْ بِهِ رَسُولُ اللَّه ﷺ.
وَالْعَذَابُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّه تَعَالَى أَنَّهُ لَوْلَا الْجَلَاءُ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا والقتل وَالسَّبْيُ.
ثُمَّ كَانَتْ وَقْعَةُ أُحُدٍ عَلَى رَأْسِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْعَةِ بَنِي النَّضِيرِ وَذَلِكَ عَلَى رَأْسِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْعَةِ بَدْرٍ» [(٣)] .
هَكَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ مِنْ قَوْلِهِ.
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُؤَمَّلِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عِيسَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الشَّعْرَانِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي حَدِيثِهِ عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: «ثُمَّ كَانَتْ وَقْعَةُ أُحُدٍ فِي شَوَّالٍ عَلَى رَأْسِ سِتَّةِ أشهر من
_________________
(١) [(٢)] الآيات (١- ٥) من سورة الحشر. [(٣)] فتح الباري (٧: ٣٢٩) .
[ ٣ / ١٧٧ ]
وَقْعَةِ بَنِي النَّضِيرِ» .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّه بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الصَّنْعَانِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا زَيْدُ بْنُ الْمُبَارَكِ الصَّنْعَانِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كَانَتْ غَزْوَةُ بَنِي النَّضِيرِ- وَهُمْ طَائِفَةٌ مِنَ الْيَهُودِ- عَلَى رَأْسِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْعَةِ بَدْرٍ، وَكَانَتْ مَنْزِلُهُمْ وَنَخْلُهُمْ بِنَاحِيَةِ الْمَدِينَةِ، فَحَاصَرَهُمْ رَسُولُ اللَّه ﷺ حَتَّى نَزَلُوا عَلَى الْجَلَاءِ وَعَلَى أَنَّ لَهُمْ مَا أَقَلَّتِ الْإِبِلُ مِنَ الْأَمْتِعَةِ وَالْأَمْوَالِ إِلَّا الْحَلْقَةَ يَعْنِي السِّلَاحَ فَأَنْزَلَ اللَّه ﷿ فِيهِمْ: سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ- إِلَى قَوْلِهِ- لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا [(٤)] فَقَاتَلَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى صَالَحَهُمْ عَلَى الْجَلَاءِ فَأَجْلَاهُمْ إِلَى الشَّامِ وَكَانُوا مِنْ سِبْطٍ لَمْ يُصِبْهُمْ جَلَاءٌ. وَكَانَ اللَّه قَدْ كَتَبَ عَلَيْهِمْ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا بِالْقَتْلِ وَالسَّبْيِ» .
وَأَمَّا قوله: لأول الحشر فَكَانَ جَلَاؤُهُمْ ذَلِكَ أَوَّلَ حَشْرٍ [(٥)] فِي الدُّنْيَا إِلَى الشَّامِ. كَذَا قَالَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ. وَذِكْرُ عَائِشَةَ فِيهِ غَيْرُ مَحْفُوظٍ واللَّه أَعْلَمُ.
وأَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الرُّوذْبَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ دَاسَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ سُفْيَانَ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن كعب ابن مَالِكٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ كَتَبُوا إِلَى ابْنِ أُبَيٍّ وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ مَعَهُ الْأَوْثَانَ مِنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ وَرَسُولُ اللَّه ﷺ يَوْمَئِذٍ بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ: إِنَّكُمْ آوَيْتُمْ صَاحِبَنَا وَإِنَّا نُقْسِمُ بِاللهِ لَتُقَاتِلُنَّهُ أَوْ لَتُخْرِجُنَّهُ أَوْ لَنَسِيرَنَّ إِلَيْكُمْ بِأَجْمَعِنَا حَتَّى نُقَاتِلَ مُقَاتِلَتَكُمْ وَنَسْتَبِيحَ نِسَاءَكُمْ فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ عَبْدَ اللَّه بْنَ
_________________
(١) [(٤)] (١- ٢) من سورة الحشر. [(٥)] في (ح): «الحشر» .
[ ٣ / ١٧٨ ]
أُبَيٍّ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ اجْتَمَعُوا لِقِتَالِ رَسُولِ اللَّه ﷺ فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ لَقِيَهُمْ فَقَالَ لَقَدْ بَلَغَ وَعِيدُ قُرَيْشٍ مِنْكُمُ الْمَبَالِغَ مَا كَانَتْ تَكِيدُكُمْ بِأَكْثَرَ مِمَّا تُرِيدُونَ أَنْ تَكِيدُوا بِهِ أَنْفُسَكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تُقَاتِلُوا أَبْنَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ فَلَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ تَفَرَّقُوا فَبَلَغَ ذَلِكَ كُفَّارَ قُرَيْشٍ. فَكَتَبَتْ كُفَّارُ قُرَيْشٍ بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ إِلَى الْيَهُودِ: إِنَّكُمْ أَهْلُ الْحَلْقَةِ [(٦)] وَالْحُصُونِ وَإِنَّكُمْ لَتُقَاتِلُنَّ صَاحِبَنَا أَوْ لَنَفْعَلَنَّ كَذَا وَكَذَا وَلَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَدَمِ [(٧)] نِسَائِكُمْ شَيْءٌ- وَهِيَ الْخَلَاخِيلُ- فَلَمَّا بَلَغَ كِتَابُهُمُ النَّبِيَّ ﷺ اجْتَمَعَتْ بَنُو النَّضِيرِ بِالْغَدْرِ وَأَرْسَلُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ اخْرُجْ إِلَيْنَا فِي ثَلَاثِينَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِكَ وَلْيَخْرُجْ مِنَّا ثَلَاثُونَ حَبْرًا حَتَّى نَلْتَقِيَ بِمَكَانِ الْمَنْصَفِ فَيَسْمَعُوا مِنْكَ. فَإِنْ صَدَّقُوا وَآمَنُوا بِكَ آمنّا بك فقض خَبَرَهُمْ فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ غَدَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّه ﷺ بِالْكَتَائِبِ فَحَصَرَهُمْ فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّكُمْ واللَّه لَا تَأْمَنُونَ عندي إلا بعهد تعاهدوني عَلَيْهِ فَأَبَوْا أَنْ يُعْطُوهُ عَهْدًا فَقَاتَلَهُمْ يَوْمَهُمْ ذَلِكَ،
ثُمَّ غَدَا عَلَى بَنِي قُرَيْظَةَ بِالْكَتَائِبِ وَتَرَكَ بَنِي النَّضِيرِ، وَدَعَاهُمْ إِلَى أَنْ يُعَاهِدُوهُ فَعَاهَدُوهُ فَانْصَرَفَ عَنْهُمْ وَغَدَا إِلَى بَنِي النَّضِيرِ بِالْكَتَائِبِ فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى نَزَلُوا عَلَى الْجَلَاءِ فَجَلَتْ بَنُو النَّضِيرِ وَاحْتَمَلُوا مَا أَقَلَّتِ الْإِبِلُ مِنْ أَمْتِعَتِهِمْ وَأَبْوَابِ بُيُوتِهِمْ وَخَشَبِهَا فَكَانَ نَخْلُ بَنِي النَّضِيرِ لِرَسُولِ اللَّه ﷺ خَاصَّةً أَعْطَاهُ اللَّه إِيَّاهَا وَخَصَّهُ بِهَا فَقَالَ جَلَّ وَعَزَّ مَا أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ [(٨)] يَقُولُ بِغَيْرِ قِتَالٍ فَأَعْطَى النَّبِيُّ ﷺ أَكْثَرَهَا الْمُهَاجِرِينَ وَقَسَمَهَا بَيْنَهُمْ وَقَسَمَ مِنْهَا لِرَجُلَيْنِ مِنَ الْأَنْصَارِ كَانَا ذَوَيْ حَاجَةٍ، لَمْ يَقْسِمْ لِأَحَدٍ مِنَ الْأَنْصَارِ غَيْرَهُمَا وَبَقِيَ مِنْهَا صَدَقَةُ رَسُولِ اللَّه ﷺ الَّتِي فِي أَيْدِي بَنِي فَاطِمَةَ ﵂» [(٩)] .
_________________
(١) [(٦)] (الحلقة): الدروع والسلاح. [(٧)] (خدم): الخلاخيل. [(٨)] الآية الكريمة (٦) من سورة الحشر. [(٩)] أخرجه ابو داود في كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب في خبر النضير، الحديث (٣٠٠٤)، صفحة (٣: ١٥٦) .
[ ٣ / ١٧٩ ]
وَذَهَبَ مُوسَى [(١٠)] بْنُ عُقْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ، وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَهْلِ الْمَغَازِي إِلَى أَنَّ غَزْوَةَ بَنِي النَّضِيرِ كَانَتْ بَعْدَ أُحُدٍ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ ﵀ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّه الْبَغْدَادِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عُلَاثَةَ: مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ: قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبِي، قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ (ح) .
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ بِبَغْدَادَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو بكر محمد ابْنَ عَبْدِ اللَّه بْنِ عَتَّابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّه بْنِ الْمُغِيرَةِ قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ: أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ عَمِّهِ مُوسَى ابن عُقْبَةَ [(١١)]، قَالَ: «هَذَا حَدِيثُ رَسُولِ اللَّه ﷺ حِينَ خَرَجَ إِلَى بَنِي النَّضِيرِ يَسْتَعِينُهُمْ فِي عَقْلِ الْكِلَابِيَّيْنِ وَكَانُوا زَعَمُوا قَدْ دَسُّوا إِلَى قُرَيْشٍ حِينَ نَزَلُوا بِأُحُدٍ لِقِتَالِ رَسُولِ اللَّه ﷺ، فَحَضُّوهُمْ عَلَى الْقِتَالِ وَدَلُّوهُمْ عَلَى الْعَوْرَةِ فَلَمَّا كَلَّمَهُمْ رَسُولُ اللَّه ﷺ فِي عَقْلِ الْكِلَابِيَّيْنِ قَالُوا: اجْلِسْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ حَتَّى تُطْعَمَ وَتَرْجِعَ بِحَاجَتِكَ وَنَقُومَ فَنَتَشَاوَرَ وَنُصْلِحَ أَمْرَنَا فِيمَا جِئْتَنَا لَهُ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّه ﷺ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ فِي ظِلِّ جِدَارٍ يَنْتَظِرُونَ أَنْ يُصْلِحُوا أَمْرَهُمْ فَلَمَّا خَلَوْا- وَالشَّيْطَانُ مَعَهُمُ- ائْتَمَرُوا بِقَتْلِ رَسُولِ اللَّه ﷺ فَقَالُوا لَنْ تَجِدُوهُ أَقْرَبَ مِنْهُ الْآنَ فَاسْتَرِيحُوا مِنْهُ تَأْمَنُوا فِي دِيَارِكُمْ وَيُرْفَعُ عَنْكُمُ الْبَلَاءُ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: إِنْ شِئْتُمْ ظَهَرْتُ فَوْقَ الْبَيْتِ الَّذِي هُوَ تَحْتَهُ فَدَلَّيْتُ عَلَيْهِ حَجَرًا فَقَتَلْتُهُ، وَأَوْحَى اللَّه ﷿ إِلَيْهِ فَأَخْبَرَهُ بِمَا ائْتَمَرُوا بِهِ مِنْ شَأْنِهِمْ فَعَصَمَهُ اللَّه ﷿، وَقَامَ رَسُولُ اللَّه ﷺ كَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَقْضِيَ حَاجَةً، وَتَرَكَ أَصْحَابَهُ فِي مَجْلِسِهِمْ، وَانْتَظَرَهُ أَعْدَاءُ اللَّه فَرَاثَ عَلَيْهِمْ، فَأَقْبَلَ رَجُلٌ مِنَ الْمَدِينَةِ فَسَأَلُوهُ عَنْهُ، فَقَالَ: لَقِيتُهُ قَدْ دَخَلَ أَزِقَّةَ الْمَدِينَةِ، فَقَالُوا
_________________
(١) [(١٠)] في (ح): «ابن موسى» . [(١١)] اختصره ابن عبد البر في الدرر (١٦٤- ١٦٦)،
[ ٣ / ١٨٠ ]
لِأَصْحَابِهِ: عَجِلَ أَبُو الْقَاسِمِ أَنْ يُقِيمَ أَمْرَنَا فِي حَاجَتِهِ الَّتِي جَاءَ لَهَا، ثُمَّ قَامَ أَصْحَابُ رَسُولِ الله ﷺ فَرَجَعُوا وَنَزَلَ الْقُرْآنُ وَاللهُ أَعْلَمُ بِالَّذِي أَرَادَ أَعْدَاءُ اللهِ، فَقَالَ ﷿:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ- إِلَى قَوْلِهِ- وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [(١٢)] .
فَلَمَّا أَظْهَرَ اللهُ ﷿ رَسُولَهُ ﷺ عَلَى مَا أَرَادُوا بِهِ وَعَلَى خِيَانَتِهِمْ أَمَرَ اللهُ ﷿ رسوله ﷺ بِإِجْلِائِهِمْ وَإِخْرَاجِهِمْ مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسِيرُوا حَيْثُ شَاءُوا وَقَدْ كَانَ النِّفَاقُ قَدْ كَثُرَ فِي الْمَدِينَةِ فَقَالُوا أَيْنَ تُخْرِجُنَا؟ قَالَ أُخْرِجُكُمْ إِلَى الْحَبْسِ
[(١٣)]، فَلَمَّا سَمِعَ الْمُنَافِقُونَ مَا يُرَادُ بِإِخْوَانِهِمْ وَأَوْلِيَائِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَرْسَلُوا إِلَيْهِمْ فَقَالُوا لَهُمْ إِنَّا مَعَكُمْ مَحْيَانَا وَمَمَاتَنَا إِنْ قُوتِلْتُمْ فَلَكُمْ عَلَيْنَا النَّصْرُ وَإِنْ أُخْرِجْتُمْ لَمْ نَتَخَلَّفْ عَنْكُمْ وَسَيِّدُ الْيَهُودِ أَبُو صَفِيَّةَ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ- فَلَمَّا وَثِقُوا بِأَمَانِيِّ الْمُنَافِقِينَ عَظُمَتْ غِرَّتُهُمْ وَمَنَّاهُمُ الشَّيْطَانُ الظُّهُورَ فَنَادَوَا النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ إِنَّا واللَّه لَا نَخْرُجُ وَلَئِنْ قَاتَلْتَنَا لَنُقَاتِلَنَّكَ.
فَمَضَى النَّبِيُّ ﷺ لِأَمْرِ اللَّه تَعَالَى فِيهِمْ فَأَمَرَ أَصْحَابَهُ فَأَخَذُوا السِّلَاحَ ثُمَّ مَضَى إِلَيْهِمْ وَتَحَصَّنَتِ الْيَهُودُ فِي دُورِهِمْ وَحُصُونِهِمْ فَلَمَّا انْتَهَى رَسُولُ اللَّه ﷺ إِلَى أَزِقَّتِهِمْ وَحُصُونِهِمْ، كَرِهَ أَنْ يُمَكِّنَهُمْ مِنَ الْقِتَالِ فِي دُورِهِمْ وَحُصُونِهِمْ وَحَفِظَ اللَّه ﷿ له أَمْرَهُ وَعَزَمَ عَلَى رُشْدِهِ فَأَمَرَ بِالْأَدْنَى فَالْأَدْنَى مِنْ دُورِهِمْ أَنْ تُهَدَّمَ وَبِالنَّخْلِ أَنْ تُحْرَقَ وَتُقْطَعَ وَكَفَّ اللَّه تَعَالَى أَيْدِيَهُمْ وَأَيْدِيَ الْمُنَافِقِينَ فَلَمْ يَنْصُرُوهُمْ وَأَلْقَى اللَّه ﷿ فِي قُلُوبِ الْفَرِيقَيْنِ كِلَاهُمَا الرُّعْبَ، ثُمَّ جَعَلَتِ الْيَهُودُ كُلَّمَا خَلَصَ رَسُولُ اللَّه ﷺ مِنْ هَدْمِ مَا يَلِي مَدِينَتَهُ أَلْقَى اللَّه ﷿ في قلوبهم
_________________
(١) [(١٢)] الآية الكريمة (١١) من سورة المائدة. [(١٣)] في (ح): «الحبش» .
[ ٣ / ١٨١ ]
الرُّعْبَ فَهَدَمُوا الدُّورَ الَّتِي هُمْ فِيهَا مِنْ أَدْبَارِهَا وَلَمْ يَسْتَطِيعُوا أَنْ يَخْرُجُوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ، يَهْدِمُونَ مَا أَتَوْا عَلَيْهِ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ فَلَمَّا كَادَتِ الْيَهُودُ أَنْ تَبْلُغَ آخِرَ دُورِهَا وَهُمْ يَنْتَظِرُونَ الْمُنَافِقِينَ وَمَا كَانُوا مَنَّوْهُمْ، فَلَمَّا يَئِسُوا مِمَّا عِنْدَهُمْ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّه ﷺ الَّذِي كَانَ عَرَضَ عَلَيْهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ فَقَاضَاهُمْ رسول اللَّه ﷺ عَلَى أَنْ يُجْلِيَهُمْ وَلَهُمْ أَنْ يَتَحَمَّلُوا بِمَا اسْتَقَلَّتْ بِهِ الْإِبِلُ مِنَ الَّذِي كَانَ لَهُمْ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ حَلْقَةٍ أَوْ سِلَاحٍ فَطَارُوا كُلَّ مَطِيرٍ وَذَهَبُوا كُلَّ مَذْهَبٍ وَلَحِقَ بَنُو أَبِي الْحُقَيْقِ طَيَّرَ مَعَهُمْ آنِيَةً كَثِيرَةً مِنْ فِضَّةٍ قَدْ رَآهَا النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ وَالْمُسْلِمُونَ حِينَ خَرَجُوا بِهَا، وَعَمَدَ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ عَلَى قُرَيْشٍ فَاسْتَغْوَاهُمْ عَلَى رَسُولِ اللَّه ﷺ وَاسْتَنْصَرَهُمْ. وَبَيَّنَ اللَّه ﷿ لِرَسُولِهِ ﷺ حَدِيثَ أَهْلِ النِّفَاقِ وَمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْيَهُودِ، وَكَانُوا قَدْ عَيَّرُوا الْمُسْلِمِينَ حِينَ يَهْدِمُونَ الدُّورَ وَيَقْطَعُونَ النَّخْلَ فَقَالُوا مَا ذَنْبُ شَجَرَةٍ وَأَنْتُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّكُمْ مُصْلِحُونَ؟ فَأَنْزَلَ اللَّه ﷿ سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ- إِلَى قَوْلِهِ- وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ. [(١٤)] .
ثُمَّ جَعَلَهَا نَفَلًا لِرَسُولِ اللَّه ﷺ وَلَمْ يَجْعَلْ فِيهَا سَهْمًا لِأَحَدٍ غَيْرَهُ فَقَالَ:
وَمَا أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ- إِلَى قَوْلِهِ- وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [(١٥)] .
فَقَسَمَهَا رَسُولُ اللَّه ﷺ فِيمَنْ أَرَاهُ اللَّه ﷿ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ وَأَعْطَى مِنْهَا الْأَنْصَارَ رَجُلَيْنِ سِمَاكَ بْنَ أَوْسِ بْنِ خَرَشَةَ وهو أبو دجاجة وَسَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ وَأَعْطَى- زَعَمُوا- سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ سيف بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ، وَكَانَ إِجْلَاءُ بَنِي النَّضِيرِ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَقَامَتْ قُرَيْظَةُ فِي الْمَدِينَةِ فِي مَسَاكِنِهِمْ لَمْ يُؤْمَرِ النَّبِيُّ ﷺ فِيهِمْ بِقِتَالٍ وَلَا إِخْرَاجٍ حَتَّى فَضَحَهُمُ اللَّه ﷿ بحييّ بن أخطب.
_________________
(١) [(١٤)] [الحشر (١- ٥)] . [(١٥)] [٦- الحشر] .
[ ٣ / ١٨٢ ]
وَبِجُمُوعِ الْأَحْزَابِ» .
هَذَا لَفْظُ حَدِيثِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ وَحَدِيثُ ابْنِ لَهِيعَةَ بِمَعْنَاهُ إلى إعطاء سعد ابن مُعَاذٍ سَيْفَ ابْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ السَّمَّاكِ قَالَ:
أَخْبَرَنَا حَنْبَلُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ صَالِحٍ الْجَرْمِيُّ عَنْ رَجُلٍ قَالَ:
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عمرو بْنِ قَتَادَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ حَاصَرَ بَنِي قَيْنُقَاعَ وَكَانُوا أَوَّلَ يَهُودَ حَاصَرَهُمْ رَسُولُ اللَّه ﷺ بِالْمَدِينَةِ، فَنَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ فَقَامَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّه بْنُ أُبَيٍّ. فَذَكَرَ الْقِصَّةَ كَمَا مَضَى فِي رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ، ثُمَّ قَالَ: وَكَانَتْ قَبْلَ أُحُدٍ فَلَمَّا انْقَضَى شَأْنُ أُحُدٍ بَعَثَ رَسُولُ اللَّه ﷺ بَعْدَ أُحُدٍ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ أَصْحَابَ بِئْرِ مَعُونَةَ فَأُصِيبُوا ثُمَّ أَجْلَى رَسُولُ اللَّه ﷺ بَنِي النَّضِيرِ» وَكَذَلِكَ قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي رِوَايَةِ سَلَمَةَ بْنِ الْفَضْلِ عَنْهُ [(١٦)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ: مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْمَشٍ الْفَقِيهُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَطَّانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْأَزْهَرِ، قَالَ: أخبرنا محمد ابن شُرَحْبِيلَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ يَهُودَ بَنِي النَّضِيرِ وَقُرَيْظَةَ حَارَبُوا رسول اللَّه ﷺ، فَأَجْلَى رَسُولُ اللَّه ﷺ بَنِي النَّضِيرِ، وَأَقَرَّ قُرَيْظَةَ، وَمَنَّ عَلَيْهِمْ حَتَّى حَارَبَتْ قُرَيْظَةُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَتَلَ رِجَالَهُمْ، وَقَسَمَ نِسَاءَهُمْ وَأَوْلَادَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، إِلَّا بَعْضَهُمْ لَحِقُوا بِرَسُولِ اللَّه ﷺ، فَأَمَّنَهُمْ وَأَسْلَمُوا وَأَجْلَى رسول اللَّه ﷺ يَهُودَ الْمَدِينَةِ بَنِي قَيْنُقَاعَ وَهُمْ قَوْمُ عبد اللَّه يعني ابن سَلَامٍ وَيَهُودَ بَنِي حَارِثَةَ وَكُلَّ يَهُودِيٍّ بِالْمَدِينَةِ» .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو الْبِسْطَامِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا
_________________
(١) [(١٦)] سيرة ابن هشام (٣: ١٤٤) .
[ ٣ / ١٨٣ ]
الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّا قَالَ: أَخْبَرَنَا فَيَّاضُ بْنُ زُهَيْرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ:
أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، فَذَكَرَهُ بِإِسْنَادِهِ نَحْوَهُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: «فَقَتَلَ رِجَالَهُمْ وَسَبَى نِسَاءَهُمْ وَأَوْلَادَهُمْ، وَقَسَمَ أَمْوَالَهُمْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ» .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ نَصْرٍ [(١٧)] .
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ، وَإِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ كُلُّهُمْ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَلَى لَفْظِ حَدِيثِ الْفَقِيهِ [(١٨)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ ﵀، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ السَّيَّارِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ عَلِيٍّ الْغَزَّالُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ قَطَعَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَحَرَّقَ وَلَهَا [(١٩)] يَقُولُ حسان بن ثابت:
وَهَانَ عَلَى سَرَاةِ بَنِي لُؤَيٍّ حَرِيقٌ بِالْبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرُ
[(٢٠)] وَفِي ذَلِكَ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ [(٢١)] .
_________________
(١) [(١٧)] الْبُخَارِيُّ: عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ نَصْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، في: ٦٤- كتاب المغازي، (١٤) باب حديث بني النضير، الحديث (٤٠٢٨)، فتح الباري (٧: ٣٢٩) . [(١٨)] مُسْلِمٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رافع في كتاب الجهاد والسيرة، (٢٠) باب اجلاء اليهود من الحجاز، الحديث (٦٢)، ص (١٣٨٧) . [(١٩)] (ولها) أي: لهذه الحادثة. [(٢٠)] اي جاء هيّنا لأشراف القوم ورؤساهم، ومستطيرا: منتشرا. [(٢١)] الآية الكريمة (٥) من سورة الحشر.
[ ٣ / ١٨٤ ]
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ الْمُبَارَكِ [(٢٢)] .
وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ [(٢٣)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا آدَمُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا وَرْقَاءُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ يَعْنِي مِنْ نَخْلَةٍ قَالَ نَهَى بَعْضُ الْمُهَاجِرِينَ بَعْضًا عَنْ قَطْعِ النَّخْلِ وَقَالُوا إِنَّمَا هِيَ مِنْ مَغَانِمِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَالَ الَّذِينَ قَطَعُوا: بَلْ هُوَ غَيْظٌ لِلْعَدُوِّ. فَنَزَلَ الْقُرْآنُ بِتَصْدِيقِ مَنْ نَهَى عَنْ قَطْعِهِ، وَتَحْلِيلِ مَنْ قَطَعَهُ مِنَ الْإِثْمِ، فَقَالَ: إِنَّمَا قَطْعُهُ وَتَرْكُهُ بِإِذْنِ اللَّه ﷿.
أخبرنا أبو عبد اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ شَيْبَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ أَمْوَالَ بَنِي النَّضِيرِ كَانَتْ مِمَّا أَفَاءَ اللَّه عَلَى رَسُولِهِ مِمَّا لَمْ يُوجِفِ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّه ﷺ خَالِصَةً يُنْفِقُ مِنْهَا عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَةٍ وما
_________________
(١) [(٢٢)] مُسْلِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ منصور، وهناد بن السري، كلاهما عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ المبارك في: ٣٢- كتاب الجهاد والسير، (١٠) باب جواز قطع أشجار الكفار وتحريقها، الحديث (٣٠)، ص (١٣٦٥- ١٣٦٦) . [(٢٣)] أخرجه البخاري في: ٥٦- كتاب الجهاد، (١٥٤) باب حرق الدور والنخيل، الحديث (٣٠٢١)، فتح الباري (٦: ١٥٤) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَثِيرٍ، عن سُفْيَانُ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عمر، وأعاده في تفسير سورة الحشر (باب) مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ، الحديث (٤٨٨٤)، فتح الباري (٨: ٦٢٩)، عن قتيبة، عن ليث، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عمر.
[ ٣ / ١٨٥ ]
بَقِيَ جَعَلَهُ فِي الْكُرَاعِ [(٢٤)] وَالسِّلَاحِ عُدَّةً فِي سَبِيلِ اللَّه» .
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ [(٢٥)] .
_________________
(١) [(٢٤)] الكراع: الدواب بالصالحة للحرب عدة للحوادث. [(٢٥)] أخرجه البخاري في تفسير سورة الحشر، (٣) باب قوله تعالى: ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ، الحديث (٤٨٨٥) عن علي بن عبد اللَّه المديني، عن سفيان، عن عمرو، عن الزهري، عن مالك بن أوس بن الحدثان، عن عمر﵁- فتح الباري: (٨: ٦٢٩- ٦٣٠) . وأخرجه مسلم في: ٣٢- كتاب المغازي (١٥) باب حكم الفيء، الحديث (٤٨)، ص (١٣٧٦- ١٣٧٧) عن قتيبة بن سعيد، ومحمد بن عباد، وأبو بكر بن ابي شيبة، وإسحاق بن ابراهيم، عن عمرو، عن الزهري، عن مالك، عن عمر بن الخطاب. وأخرجه النسائي في عشرة النساء عن سعيد بن عبد الرحمن، وأبو داود في الإمارة عن عثمان ابن أبي شيبة، والترمذي في الجهاد عن ابن أبي عمر، وقال: حسن صحيح.
[ ٣ / ١٨٦ ]
بَابُ مَا جَاءَ فِي قَتْلِ كَعْبِ بْنِ الأشرف [(١)] وَكِفَايَةِ اللَّه ﷿ رَسُولَهُ ﷺ وَالْمُسْلِمِينَ شَرَّهُ
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّه بْنُ أبي بكير [(٢)] بْنِ حَزْمٍ، وَصَالِحُ بْنُ أبي أمامة ابن سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، قَالَا: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّه ﷺ حِينَ فَرَغَ مِنْ بَدْرٍ بَشِيرَيْنِ إِلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَبَعَثَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ إِلَى أَهْلِ السَّافِلَةِ، وَبَعَثَ عَبْدَ اللَّه بْنَ رَوَاحَةَ إِلَى أَهْلِ الْعَالِيَةِ، يُبَشِّرُونَهُمْ بِفَتْحِ اللَّه ﷿ عَلَى نَبِيِّهِ، فَوَافَقَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ ابْنَهُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ حِينَ سُوِّيَ عَلَى رُقَيَّةَ بنت رسول اللَّه ﷺ، فَقِيلَ لَهُ: ذَاكَ أَبُوكَ قَدْ قَدِمَ، قَالَ أُسَامَةُ: فَجِئْتُهُ وَهُوَ وَاقِفٌ لِلنَّاسِ يَقُولُ: قُتِلَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وشيبة بن ربيعة وأبو جهل بن هشام، وَنُبَيْهٌ وَمُنَبِّهٌ، وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، فَهُوَ يَنْعِي جِلَّةَ قُرَيْشٍ فَقُلْتُ: يَا أَبَهْ أَحَقٌّ هَذَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ واللَّه يَا بُنَيَّ، وَنَعَاهُمْ عبد اللَّه
_________________
(١) [(١)] وانظر فِي قَتْلِ كَعْبِ بْنِ الأشرف: مغازي الواقدي (١: ١٨٤)، وابن سعد (٢: ٣١) ط. بيروت، والمحبر لابن حبيب ص (٢٨٢)، وتاريخ الطبري (٢: ٤٨٧)، وسيرة ابن هشام (٢: ٤٣٠ وابن عبد البر في الدرر اختصار المغازي والسير (١٤٢)، وابن حزم (١٥٤)، وعيون الأثر (١: ٣٥٦)، والبداية والنهاية (٤: ٥)، والنويري (١٧: ٧٢) . [(٢)] هكذا في (ح)، وفي (ص) و(هـ): «بكر» .
[ ٣ / ١٨٧ ]
ابن رَوَاحَةَ لِأَهْلِ الْعَالِيَةِ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ كَعْبَ بْنَ الْأَشْرَفِ، قَالَ: وَيْلَكُمْ أَحَقٌّ هَذَا؟ هَؤُلَاءِ مُلُوكُ الْعَرَبِ وَسَادَاتُ النَّاسِ [(٣)] مَا أَصَابَ مَلِكٌ مِثْلَ هَؤُلَاءِ قَطٌّ.
ثُمَّ خَرَجَ كَعْبٌ إِلَى مَكَّةَ، فَنَزَلَ عَلَى عَاتِكَةَ بِنْتِ أُسَيْدِ بْنِ أَبِي الْعِيصِ، وَكَانَتْ عِنْدَ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ، فَجَعَلَ يَبْكِي عَلَى قَتْلَى قُرَيْشٍ وَيُحَرِّضُ عَلَى رَسُولِ اللَّه ﷺ فَقَالَ:
طَحَنَتْ رَحَا بَدْرٍ لِمَهْلِكِ أَهْلِهَا [(٤)] وَلِمِثْلِ بَدْرٍ تَسْتَهِلُّ وَتَدْمَعُ [(٥)]
قُتِلَتْ سَرَاةُ النَّاسِ حَوْلَ حِيَاضِهِمْ لَا تَبْعَدُوا إِنَّ الْمُلُوكَ تُصَرَّعُ [(٦)]
كَمْ قَدْ أُصِيبَ بِهَا [(٧)] مِنَ ابْيَضَ مَاجِدٍ ذِي بَهْجَةٍ تَأْوِي إِلَيْهِ الضُّيَّعُ [(٨)]
طَلْقُ الْيَدَيْنِ إِذَا الْكَوَاكِبُ أَخْلَفَتْ حَمَّالُ أَثْقَالٍ يَسُوَدُ وَيَرْبَعُ [(٩)]
وَيَقُولُ أَقْوَامٌ أَذَلَّ [(١٠)] بِسُخْطِهِمْ إِنَّ ابْنَ الْأَشْرَفِ ظَلَّ كعبا يجزع [(١١)]
_________________
(١) [(٣)] هكذا في (هـ) وفي (ح)، و(آ) و(ص): «سادة الناس» وفي سيرة ابن هشام: «وملوك الناس» [(٤)] في ابن هشام: «أهله» . [(٥)] (رحى الحرب) مجتمع القتال، وتستهل: تسيل بالدمع. [(٦)] سراة الناس: خيارهم. [(٧)] في السيرة: «به» . [(٨)] الماجد: الشريف، والضّيع: جمع ضائع، وهو الفقير. [(٩)] طلق اليدين: كثير المعروف كريم، أخلفت: لم يكن معها مطر، ويربع: يأخذ الربع من أموالهم، وكان رئيس القوم في الجاهلية يأخذ الربع مما كانوا يغنمون، وجاءت في (ح): «ويرجع» وهو تصحيف. [(١٠)] في السيرة: «أسرّ» . [(١١)] أراد: إن ابن الأشرف كعبا ظل يَجْزَعُ.
[ ٣ / ١٨٨ ]
صَدَقُوا فَلَيْتَ الْأَرْضَ سَاعَةَ قُتِّلُوا ظَلَّتْ تَسُوخُ بِأَهْلِهَا وَتَصَدَّعُ [(١٢)]
صَارَ الَّذِي أَثَرَ الْحَدِيثَ بِطَعْنَةٍ أَوْ عَاشَ أَعْمَى مُرْعَشًا لَا يَسْمَعُ [(١٣)]
نُبِّئْتُ أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامِهِمْ فِي النَّاسِ يَبْنِي الصَّالِحَاتِ وَيَجْمَعُ [(١٤)]
لِيَزُورَ يَثْرِبَ بِالْجُمُوعِ وَإِنَّمَا يَحْمِي عَلَى الْحَسَبِ الْكَرِيمُ الْأَرْوَعُ [(١٥)]
نُبِّئْتُ أَنَّ بَنِي كِنَانَةَ كُلَّهُمْ خَشَعُوا لَقَتْلِ أَبِي الْوَلِيدِ وَجُدِّعُوا [(١٦)]
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ سَمِعْتُ قَوْلَ ابْنِ الْأَشْرَفِ.
بَكَتْ عَيْنُ مَنْ تَبْكِي لَبَدْرٍ وَأَهْلِهِ وَعُلَّتْ بِمِثْلَيْهَا لُؤَيُّ بْنُ غَالِبِ
وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ:
بَكَتْ عَيْنُ كَعْبٍ [(١٧)] ثُمَّ عُلَّ بِعَبْرَةٍ مِنْهُ وَعَاشَ مجدّعا لا يسمع [(١٨)]
_________________
(١) [(١٢)] تسوخ: تفور، وتصدع: «تتشقق» . [(١٣)] أثر الحديث: حدث به، ونقله، وأشاعه في الناس. [(١٤)] جاء في هذا البيت: نبئت أن بني المغيرة كُلَّهُمْ خَشَعُوا لَقَتْلِ أَبِي الحكم وجدّعوا وابنا ربيعة عنده ومنبّه ما نال مثل المهلكين وتبّع [(١٥)] الأروع: الذي يروع بحسنه وجماله. [(١٦)] جدّعوا: قطعت آنافهم، والمراد به كناية عن ذهاب عزهم. [(١٧)] في السيرة: «أبكاه كَعْبٍ ثُمَّ عُلَّ بِعَبْرَةٍ» . [(١٨)] علّ بعبرة: «كررت عليه»، ومجدعا: ذاهب العز.
[ ٣ / ١٨٩ ]
وَلَقَدْ رَأَيْتُ بِبَطْنِ بَدْرٍ مِنْهُمُ قَتْلَى تَسُحُّ لَهَا الْعُيونُ وَتَدْمَعُ [(١٩)]
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ ثُمَّ رَجَعَ كَعْبٌ [(٢٠)] إِلَى الْمَدِينَةِ فَشَبَّبَ بِأُمِّ الْفَضْلِ بِنْتِ الْحَارِثِ فَقَالَ:
أَرَاحِلٌ أَنْتَ لَمْ تَحْلُلْ بِمَنْقَبَةٍ وَتَارِكٌ أَنْتَ أُمَّ الْفَضْلِ بِالْحَرَمِ
فِي كَلَامٍ لَهُ: شبّب بنساء المسليمن حَتَّى آذَاهُمْ [(٢١)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ بِبَغْدَادَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَتَّابٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّه بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ عَمِّهِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، قَالَ:
«وَكَانَ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ الْيَهُودِيُّ وَهُوَ أَحَدُ بَنِي النَّضِيرِ وَقَيِّمُهُمْ، قَدْ آذَى رَسُولَ اللَّه ﷺ بِالْهِجَاءِ، وَرَكِبَ إِلَى قُرَيْشٍ، فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ فَاسْتَغْوَاهُمْ عَلَى رَسُولِ اللَّه ﷺ، فَقَالَ لَهُ أَبُو سُفْيَانَ: أُنَاشِدُكَ اللَّه أَدِينُنَا أَحَبُّ إِلَى اللَّه أَمْ دين محمد
_________________
(١) [(١٩)] تسحّ: نصب الدمع، وجاء بعده في سيرة ابن هشام: فأبكي فقد أبكيت عبدا راضعا شبه الكليب الى الكليبة يتبع ولقد شفى الرحمن منا سيدا وأهان قوما قاتلوه وصرّعوا ونجا وأفلت منهم من قلبه شعف يظل لخوفه يتصدّع [(٢٠)] سقطت كلمة كعب من (ص) و(آ) و(ح) . [(٢١)] الخبر كله في سيرة ابن هشام (٢: ٤٣٠- ٤٣٦)، وعنه، وعن المصنف نقله ابن كثير في التاريخ (٤: ٦) .
[ ٣ / ١٩٠ ]
وَأَصْحَابِهِ؟ وَأَيُّنَا أَهْدَى فِي رَأْيِكَ وَأَقْرَبُ إِلَى الْحَقِّ؟ فَإِنَّا نُطْعِمُ الْجَزُورَ الْكَوْمَاءَ، وَنَسْقِي اللَّبَنَ عَلَى الْمَاءِ وَنُطْعِمُ مَا هَبَّتِ الشَّمَالُ.
فَقَالَ ابْنُ الْأَشْرَفِ: أَنْتُمْ أَهْدَى مِنْهُمْ سَبِيلًا.
ثُمَّ خَرَجَ مُقْبِلًا قَدْ أَجْمَعَ رَأْيَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى قِتَالِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مُعْلِنًا بِعَدَاوَةِ رَسُولِ اللَّه ﷺ وَهِجَائِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ مَنْ لَنَا مِنِ ابْنِ الْأَشْرَفِ قَدِ اسْتَعْلَنَ بِعَدَاوَتِنَا وَهِجَائِنَا، وَخَرَجَ إِلَى قُرَيْشٍ فَأَجْمَعَهُمْ عَلَى قِتَالِنَا قَدْ أَخْبَرَنِي اللَّه ﷿ بِذَلِكَ.
ثُمَّ قَدِمَ عَلَى أَخْبَثِ مَا كَانَ يَنْتَظِرُ قُرَيْشًا أَنْ يَقْدَمَ فَيُقَاتِلَنَا مَعَهُمْ ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّه ﷺ على الْمُسْلِمِينَ مَا أَنْزَلَ اللَّه فِيهِ: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا [(٢٢)] وَآيَاتٍ فِي قُرَيْشٍ مَعَهَا.
وَذُكِرَ لَنَا واللَّه أَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ قَالَ: «اللهُمَّ اكْفِنِي ابْنَ الْأَشْرَفِ بِمَا شِئْتَ، فَقَالَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّه أَقْتُلُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ:
نَعَمْ.
فَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ مُنْقَلِبًا إِلَى أَهْلِهِ، فَلَقِيَ سِلْكَانَ بْنَ سَلَامَةَ فِي الْمَقْبَرَةِ عَامِدًا إِلَى رَسُولِ اللَّه ﷺ، فَقَالَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ قَدْ أَمَرَنِي بِقَتْلِ ابْنِ الْأَشْرَفِ، وَأَنْتَ نَدِيمُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَلَمْ يَأْمَنْ غَيْرَكَ فَأَخْرِجْهُ إِلَيَّ أَقْتُلْهُ، فَقَالَ لَهُ سِلْكَانُ: إِنْ أَمَرَنِي فَعَلْتُ.
فَرَجَعَ مَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّه ﷺ فَقَالَ سِلْكَانُ يَا رَسُولَ اللَّه أَمَرْتَ بِقَتْلِ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ سِلْكَانُ: يَا رَسُولَ اللَّه فَحِلِّلْنِي
_________________
(١) [(٢٢)] الآية الكريمة (٥١) من سورة النساء.
[ ٣ / ١٩١ ]
فِيمَا قُلْتُ لِابْنِ الْأَشْرَفِ، قَالَ: أَنْتَ فِي حِلٍّ مِمَّا قُلْتَ.
فَخَرَجَ سِلْكَانُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرِ بْنِ وَقْشٍ، وَسَلَمَةُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ وَقْشٍ، وَأَبُو عَبْسِ بْنُ جَبْرٍ، حَتَّى أَتَوْهُ فِي لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ فَتَوَارَوْا فِي ظِلَالِ جُذُوعِ النَّخْلِ وَخَرَجَ سِلْكَانُ فَصَرَخَ يَا كَعْبُ فَقَالَ لَهُ كَعْبٌ مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ لَهُ سِلْكَانُ هَذَا أَبُو لَيْلَى يَا أَبَا نَائِلَةَ. وَكَانَ كَعْبٌ يُكَنَّى: أَبُو نَائِلَةَ، فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ:
لَا تَنْزِلْ يَا أَبَا نَائِلَةَ إِنَّهُ قَاتِلُكَ، فَقَالَ: مَا كَانَ أَخِي لِيَأْتِيَنِي إِلَّا بِخَيْرٍ، لَوْ يُدْعَى الْفَتَى لِطَعْنَةٍ أَجَابَ.
فَخَرَجَ كَعْبٌ، فَلَمَّا فَتَحَ بَابَ الرَّبَضِ، قَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ أَخُوكَ فَطَأْطِئْ لِي رَأْسَكَ فَطَأْطَأَهُ فَعَرَفَهُ فَنَزَلَ إِلَيْهِ، فَمَشَى بِهِ سِلْكَانُ نَحْوَ الْقَوْمِ وَقَالَ لَهُ سِلْكَانُ: جِئْنَا وَأَصَابَتْنَا شِدَّةٌ مَعَ صَاحِبِنَا هَذَا، فَجِئْتُكَ لِأَتَحَدَّثَ مَعَكَ وَلِأُرْهِنَكَ دِرْعِي فِي شَعِيرٍ، فَقَالَ لَهُ كَعْبٌ: قَدْ حَدَّثْتُكَ أَنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ ذَلِكَ، وَلَكِنْ نَحْنُ عِنْدَنَا تَمْرٌ وَشَعِيرٌ وَعَبِيرٌ، فَأْتُونَا، قَالَ: لَعَلَّنَا أَنْ نَفْعَلَ ثُمَّ أَدْخَلَ سِلْكَانُ يَدَهُ فِي رَأْسِ كَعْبٍ ثُمَّ شَمَّهَا، فَقَالَ: مَا أَطْيَبَ عَبِيرَكُمْ هَذَا، صَنَعَ ذَلِكَ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ حَتَّى أَمِنَهُ، ثُمَّ أَخَذَ سِلْكَانُ بِرَأْسِهِ أَخْذَةً نَصَّلَهُ مِنْهَا، فَجَأَرَ عَدُوُّ اللَّه جَأْرَةً رَفِيعَةً، وَصَاحَتِ امْرَأَتُهُ وَقَالَتْ: يَا صَاحِبَاهُ، فَعَانَقَهُ سِلْكَانُ، وَقَالَ: اقْتُلُونِي وَعَدُوَّ اللَّه، فَلَمْ يَزَالُوا يَتَخَلَّصُونَ بِأَسْيَافِهِمْ حَتَّى طَعَنَهُ أَحَدُهُمْ فِي بَطْنِهِ طَعْنَةً بِالسَّيْفِ خَرَجَ مِنْهَا مُصْرَانُهُ، وَخَلَصُوا إِلَيْهِ فَضَرَبُوهُ بِأَسْيَافِهِمْ، وَكَانُوا فِي بَعْضِ مَا يَتَخَلَّصُونَ إِلَيْهِ وَسِلْكَانُ مُعَانِقُهُ أَصَابُوا عَبَّادَ بْنَ بِشْرٍ فِي وَجْهِهِ أَوْ فِي رِجْلِهِ وَلَا يَشْعُرُونَ.
ثُمَّ خَرَجُوا يَشْتَدُّونَ سِرَاعًا حَتَّى إِذَا كَانُوا بِجُرْفِ بُعَاثٍ فَقَدُوا صَاحِبَهُمْ وَنَزَفَهُ الدَّمُ، فَرَجَعُوا أَدْرَاجَهُمْ فَوَجَدُوهُ مِنْ وَرَاءِ الْجُرْفِ فَاحْتَمَلُوهُ حَتَّى أَتَوْا بِهِ أَهْلَهُمْ مِنْ لَيْلَتِهِمْ، فَقَتَلَ اللَّه ﷿ ابْنَ الْأَشْرَفِ بِعَدَاوَتِهِ اللَّه وَرَسُولَهُ وَهِجَائِهِ إِيَّاهُ وَتَأْلِيبِهِ
[ ٣ / ١٩٢ ]
قُرَيْشًا وَإِعْلَائِهِ عَلَيْهِ قُرَيْشًا بِذَلِكَ» [(٢٣)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَا: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ: أَخْبَرَنَا بَحْرُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ أَخِي سُفْيَانَ بْنِ سَعِيدٍ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبَايَةَ يَعْنِي ابْنَ رِفَاعَةَ، قَالَ: «ذُكِرَ قَتْلُ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ فَقَالَ ابْنُ يَامِينَ: كَانَ قَتْلُهُ غَدْرًا، فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ:
يَا مُعَاوِيَةُ أَيُغَدَّرُ عِنْدَكَ رَسُولُ اللَّه ﷺ ثُمَّ لَا تُنْكِرُ، واللَّه لَا يُظِلُّنِي وَإِيَّاكَ سَقْفُ بَيْتٍ أَبَدًا، وَلَا يَخْلُو لِي دَمُ هَذَا إِلَّا قَتَلْتُهُ» .
قَالَ أَحْمَدُ: مَا ذَكَرْنَا وَمَا نَذْكُرُهُ مِنْ غَدْرِ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ وَنَقْضِهِ عَهْدَهُ وَهِجَائِهِ رَسُولَ اللَّه ﷺ وَالْمُسْلِمِينَ وَعَدَاوَتِهِ إِيَّاهُمْ وَتَحْرِيضِهِ عَلَيْهِمْ يُكَذِّبُ هَذَا الْقَائِلَ، وَيَدُلُّ عَلَى سُوءِ رَأْيِهِ وَقُبْحِ قَوْلِهِ، وَإِنَّ كَعْبَ بْنَ الْأَشْرَفِ كَانَ مُسْتَحِقًّا لِقَتْلِهِ لِمَا ظَهَرَ مِنْ غَدْرِهِ وَنَقْضِهِ الْعَهْدَ مَعَ كُفْرِهِ وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْخَزَّازُ أَبُو جَعْفَرٍ، قَالَ سُفْيَانُ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ، يَعْنِي الْجَمَّالَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو يَعْنِي ابْنَ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «قَدِمَ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ، وَكَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ مَكَّةَ عَلَى قُرَيْشٍ، فَحَالَفَوهُمْ عَلَى قِتَالِ رَسُولِ اللَّه ﷺ فَقَالُوا لَهُمْ: أَنْتُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ الْقَدِيمِ وَأَهْلُ الْكِتَابِ فَأَخْبِرُونَا عَنَّا وَعَنْ مُحَمَّدٍ، قَالُوا: مَا أَنْتُمْ وَمَا مُحَمَّدٌ؟ قَالُوا: نَحْنُ نَنْحَرُ الْكَوْمَاءَ، وَنَسْقِي اللَّبَنَ عَلَى الْمَاءِ، وَنَفُكُّ الْعُنَاةَ، وَنَسْقِي الْحَجِيجَ، وَنَصِلُ الْأَرْحَامَ. قَالُوا: فَمَا مُحَمَّدٌ؟ قَالُوا صُنْبُورٌ قَطَعَ أَرْحَامَنَا، وَاتَّبَعَهُ سُرَّاقُ
_________________
(١) [(٢٣)] مقتطفات من هذا الخبر عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ في الدرر لابن عبد البر (١٤٣)، وعيون الأثر (١: ٣٥٦) .
[ ٣ / ١٩٣ ]
الْحَجِيجِ بَنُو غِفَارٍ. قَالُوا: لَا، بَلْ أَنْتُمْ خَيْرٌ مِنْهُمْ، وَأَهْدَى سَبِيلًا، فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ.
قَالَ سُفْيَانُ: وَكَانَتْ غِفَارٌ أَهْلَ سَلَّةٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، يَعْنِي سَرِقَةً.
وأَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ أَيُّوبَ الضُّبَعِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ بن علي ابن زِيَادٍ السُّرِّيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ جَعْفَرِ ابن مَحْمُودِ بْنِ مَسْلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّه، قَالَ: «لَمَّا كَانَ مِنْ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ مَا كَانَ اعْتَزَلَ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ وَلَحِقَ بِمَكَّةَ وَكَانَ بِهَا، وَقَالَ: لَا أُعِينُ عَلَيْهِ وَلَا أُقَاتِلُهُ.
فَقِيلَ لَهُ بِمَكَّةَ: يَا كَعْبُ أَدِينُنَا خَيْرٌ أَمْ دِينُ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ؟ قَالَ دِينُكُمْ خَيْرٌ وَأَقْدَمُ، دِينُ مُحَمَّدٍ حَدِيثٌ فَنَزَلَتْ فِيهِ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ [(٢٤)]، ثُمَّ قَدِمَ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ الْمَدِينَةَ مُعْلِنًا بِمُعَادَاةِ النبي ﷺ وَبِهِجَاءِ النَّبِيِّ ﷺ فَكَانَ أَوَّلُ مَا خَرَجَ مِنْهُ قوله:
أَذَاهِبٌ أَنْتَ لَمْ تَحْلُلْ بِمَنْقَبَةٍ وَتَارِكٌ أَنْتَ أُمَّ الْفَضْلِ بِالْحَرَمِ
صَفْرَاءَ رَادِعَةً لَوْ تُعْصَرُ اعْتَصَرَتْ مِنْ ذِي الْقَوَارِيرِ وَالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ
إِحْدَى بَنِي عَامِرٍ هَامَ الْفُؤَادُ بِهَا وَلَوْ تَشَاءُ شَفَتْ كَعْبًا مِنَ السَّقَمِ
لَمْ أَرَ شَمْسًا قَبْلَهَا طَلَعَتْ* حَتَّى تَبَدَّتْ لَنَا فِي لَيْلَةِ الظُّلَمِ وَقَالَ أيضا:
طَحَنَتْ رَحَا بَدْرٍ لِمَهْلِكِ أَهْلِهِ وَلِمِثْلِ بَدْرٍ يُسْتَهَلُّ ويقلع
_________________
(١) [(٢٤)] [٥١- النساء] .
[ ٣ / ١٩٤ ]
فَذَكَرَ الْأَبْيَاتِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا يُبَدِّلُ حَرْفًا بِآخَرَ وَيُنْقِصُ الْبَيْتَ السَّابِعَ وَقَالَ:
لِهِلْكِ بَنِي الْحَكِيمِ وَجُرِّعُوا
فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ يَوْمًا فِي جَمَاعَةٍ: مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ؟ فَقَدْ آذَانَا بِالشِّعْرِ وَقَوَّى الْمُشْرِكِينَ عَلَيْنَا. فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّه قَالَ: فَأَنْتَ قَالَ: فَقَامَ مُحَمَّدٌ فَمَشَى قَلِيلًا، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: إِنِّي قَائِلٌ [(٢٥)] فَقَالَ قُلْ فَأَنْتَ فِي حِلٍّ. فَخَرَجَ مُحَمَّدٌ بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ حَتَّى أَتَى كَعْبًا وَهُوَ فِي حَائِطٍ فَقَالَ يَا كَعْبُ جِئْتُ لِحَاجَةٍ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي قَتْلِهِ [(٢٦)] .
وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِيمَا
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الحسن أحمد ابن مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدُوسٍ، قَالَ أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ، قَالَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: قَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّه، يَقُولُ: «قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللَّه وَرَسُولَهُ. فَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ أَعْجَبُ إِلَيْكَ أَنْ أَقْتُلَهُ؟ [(٢٧)] قَالَ: نَعَمْ. قَالَ فَأْذَنْ لِي أَنْ أَقُولَ شَيْئًا. قَالَ: قُلْ.
فَأَتَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَقَالَ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ سَأَلَنَا صَدَقَةً، وَإِنَّهُ قَدْ عَنَّانَا [(٢٨)] وَإِنِّي قَدْ أَتَيْتُكَ أَسْتَسْلِفُكَ، قَالَ: وَأَيْضًا لَتَمَلُّنَّهُ [(٢٩)]، قَالَ: إِنَّا قَدِ اتَّبَعْنَاهُ، فَنَكْرَهُ أَنْ نَدَعَهُ حَتَّى نَنْظُرَ أَيُّ شَيْءٍ يَصِيرُ شَأْنُهُ وَقَدْ أَرَدْنَا أَنْ تُسْلِفَنَا قَالَ ارْهَنُونِي نِسَاءَكُمْ قَالَ كَيْفَ نَرْهَنُكَ نِسَاءَنَا وَأَنْتَ أَجْمَلُ الْعَرَبِ. قَالَ فَارْهَنُونِي أَبْنَاءَكُمْ قَالَ كَيْفَ نَرْهَنُكَ أَبْنَاءَنَا فَيُقَالُ رُهِنَ بِوَسْقٍ أَوْ وَسْقَيْنِ [(٣٠)] قَالَ: فَأَيُّ
_________________
(١) [(٢٥)] اي أنه سيقول في الرسول ﷺ ما لا يعتقد: خدعة، على سبيل جواز ذلك مع الأعداء في الحرب. [(٢٦)] انظر الحاشية (٣١) من هذا الباب. [(٢٧)] في الصحيحين: «أتحب أن أقتله» . [(٢٨)] (عنّانا) أي اوقعنا في العناء، وهو التعب والمشقة، وكلفنا ما يشق علينا. [(٢٩)] (لتملّنه): أي لتضجرن منه أكثر من هذا الضجر. [(٣٠)] (وسقين): حملين.
[ ٣ / ١٩٥ ]
شَيْءٍ؟ قَالُوا نَرْهَنُكَ اللَّأْمَةَ قَالَ سُفْيَانُ يَعْنِي السِّلَاحَ قَالَ فَوَاعَدَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ فَجَاءَهُ لَيْلًا وَمَعَهُ أَبُو نَائِلَةَ وَهُوَ أَخُو كَعْبٍ مِنَ الرَّضَاعَةِ فَدَعَاهُ مِنَ الْحِصْنِ فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ أَيْنَ تَخْرُجُ هَذِهِ السَّاعَةَ؟ قَالَ إِنَّمَا هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَأَخِي أَبُو نَائِلَةَ قَالَ إِذَا مَا جَاءَ فَإِنِّي قَائِلٌ بِشَعْرِهِ فَأَشَمُّهُ ثُمَّ أَشَمُّكُمْ، فَإِذَا رَأَيْتُمُونِي أَثْبَتُّ يَدِي فَدُونَكُمْ.
قَالَ: فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ مُتَوَشِّحًا وهو ينفخ مِنْهُ رِيحُ الطِّيبِ فَقَالَ مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ رِيحًا أَيْ أَطْيَبَ أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَشَمَّ رَأْسَكَ قَالَ نَعَمْ فَشَمَّهُ ثُمَّ شَمَّ أَصْحَابُهُ ثُمَّ قَالَ أَتَأْذَنُ لِي؟ قَالَ نَعَمْ فَلَمَّا اسْتَمْكَنَ مِنْهُ قَالَ دُونَكُمْ فَضَرَبُوهُ فَقَتَلُوهُ فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّه ﷺ فَأَخْبَرُوهُ» .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ [(٣١)]، وَزَادَ: قَالَ: إِنَّمَا هُوَ أَخِي مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، وَرَضِيعِي أَبُو نَائِلَةَ إِنَّ الْكَرِيمَ لَوْ دُعِيَ إِلَى طَعْنَةٍ بِلَيْلٍ لَأَجَابَ. وَهُوَ فِي الْإِسْنَادِ الْأَوَّلِ: لَوْ أَنَّ الْفَتَى دُعِيَ لعنة أَجَابَ.
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو سَهْلٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّه بْنِ زِيَادٍ الْقَطَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ الْهَيْثَمِ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ
_________________
(١) [(٣١)] الحديث أخرجه الْبُخَارِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ في: ٦٤- كتاب المغازي (١٥) باب قتل كعب ابن الأشرف، الحديث (٤٠٣٧)، فتح الباري (٧: ٣٣٦- ٣٣٧) . وأخرجه مسلم في: ٣٢- كتاب الجهاد والسير، (٤٢) باب قتل كعب بن الأشرف طاغوت اليهود، الحديث (١١٩)، ص (١٤٢٥- ١٤٢٦) عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الحنظلي، وعبد اللَّه ابن محمد بن عبد الرحمن بن المسور الزّهري، كلاهما عَنْ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عمرو، عن جابر. كما أخرجه أبو داود في الجهاد عن أحمد بن صالح، في باب العدو يؤتى على غرة، الحديث (٢٧٦٨)، ص (٣: ٨٧- ٨٨) .
[ ٣ / ١٩٦ ]
ابْنَ عَبْدِ اللَّه بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَكَانَ مِنْ أَحَدِ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ تِيبَ عَلَيْهِمْ يُرِيدُ كَعْبَ ابن مَالِكٍ «أَنَّ كَعْبَ بْنَ الْأَشْرَفِ الْيَهُودِيَّ كَانَ شَاعِرًا، وَكَانَ يَهْجُو رَسُولَ اللَّه ﷺ وَيُحَرِّضُ عَلَيْهِ كُفَّارَ قُرَيْشٍ فِي شِعْرِهِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّه ﷺ قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَأَهْلُهَا أخلاطا مِنْهُمُ الْمُسْلِمُونَ الَّذِينَ تَجْمَعُهُمْ دَعْوَةُ رَسُولِ اللَّه ﷺ، وَمِنْهُمُ الْمُشْرِكُونَ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الْأَوْثَانَ، وَمِنْهُمُ الْيَهُودُ وَهُمْ أَهْلُ الْحَلْقَةِ وَالْحُصُونِ، وَهُمْ حُلَفَاءُ لِلْحَيَّيْنِ: الْأَوْسِ، وَالْخَزْرَجِ، فَأَرَادَ رسول اللَّه ﷺ حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ اسْتِصْلَاحَهُمْ كُلَّهُمْ، وَكَانَ الرَّجُلُ يَكُونُ مُسْلِمًا وَأَبُوهُ مُشْرِكٌ، وَالرَّجُلُ يَكُونُ مُسْلِمًا وَأَخُوهُ مُشْرِكٌ.
وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ وَالْيَهُودُ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ حِينَ قَدِمَ رَسُولُ اللَّه ﷺ، يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّه ﷺ وأصحابه أَشَدَّ الْأَذَى فَأَمَرَ اللَّه تَعَالَى رَسُولَهُ وَالْمُسْلِمِينَ بِالصَّبْرِ عَلَى ذَلِكَ وَالْعَفْوِ عَنْهُمْ فَفِيهِمْ أَنْزَلَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيرًا [(٣٢)] الْآيَةَ.
وَفِيهِمْ أَنْزَلَ اللَّه وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ [(٣٣)] .
فَلَمَّا أَبَى كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ أَنْ يَنْزِعَ عَنْ أَذَى رَسُولِ اللَّه ﷺ وَأَذَى الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّه ﷺ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ أَنْ يَبْعَثَ رَهْطًا لِيَقْتُلُوهُ، فَبَعَثَ إليه سعد ابن مُعَاذٍ، وَمُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ الْأَنْصَارِيَّ ثُمَّ الْحَارِثِيَّ، وَأَبَا عَبْسٍ الْأَنْصَارِيَّ، وَالْحَارِثَ ابْنَ أَخِي سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي خَمْسَةِ رَهْطٍ أَتَوْهُ عَشِيَّةً، وَهُوَ فِي مَجْلِسِهِمْ بِالْعَوَالِي، فَلَمَّا رَآهُمْ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ أَنْكَرَ شَأْنَهُمْ وَكَانَ يُذْعَرُ مِنْهُمْ. فَقَالَ
_________________
(١) [(٣٢)] الآية الكريمة (١٨٦) من سورة آل عمران. [(٣٣)] الآية الكريمة (١٠٩) من سورة البقرة.
[ ٣ / ١٩٧ ]
لَهُمْ: مَا جَاءَ بِكُمْ؟ فَقَالُوا: جَاءَتْ بِنَا إِلَيْكَ حَاجَةٌ. قَالَ: فَلْيَدْنُ إِلَيَّ بَعْضُكُمْ فَلْيُحَدِّثْنِي بِهَا فَدَنَا إِلَيْهِ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: جِئْنَاكَ لِنَبِيعَكَ أَدْرَاعًا لَنَا لِنَسْتَنْفِقَ أَثْمَانَهَا فَقَالَ واللَّه لَئِنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ لَقَدْ جُهِدْتُمْ قَدْ نَزَلَ بِكُمْ هَذَا الرَّجُلُ، فَوَاعَدَهُمْ أَنْ يَأْتُوهُ عِشَاءً حِينَ يَهْدِي عَنْهُمُ النَّاسُ، فَجَاءُوا فَنَادَاهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَامَ لِيَخْرُجَ فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ مَا طَرَقُوكَ سَاعَتَهُمْ هَذِهِ لِشَيْءٍ مِمَّا تُحِبُّ. فَقَالَ: بَلَى إِنَّهُمْ قَدْ حَدَّثُونِي حَدِيثَهُمْ، فَاعْتَنَقَهُ أَبُو عَبْسٍ، وَضَرَبَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ بِالسَّيْفِ، وَطَعَنَهُ بَعْضُهُمْ بِالسَّيْفِ فِي خَاصِرَتِهِ، فَلَمَّا قَتَلُوهُ فَزِعَتِ الْيَهُودُ وَمَنْ كَانَ مَعَهُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَغَدَوْا عَلَى رَسُولِ اللَّه ﷺ حِينَ أَصْبَحُوا فَقَالُوا: إِنَّهُ طُرِقَ صَاحِبُنَا اللَّيْلَةَ وَهُوَ سَيِّدٌ مِنْ سَادَاتِنَا فَقُتِلَ، فَذَكَّرَهُمْ رَسُولُ اللَّه ﷺ الَّذِي كَانَ يَقُولُ فِي أَشْعَارِهِ وَيَنْهَاهُمْ بِهِ، وَدَعَاهُمْ رَسُولُ اللَّه ﷺ إِلَى أَنْ يَكْتُبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ كِتَابًا يَنْتَهُوا إِلَى مَا فِيهِ، فَكَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ عَامَّةً صَحِيفَةً كَتَبَهَا رَسُولُ اللَّه ﷺ تَحْتَ الْعَذْقِ الَّذِي كَانَ فِي دَارِ ابْنَةِ الْحَارِثِ، وَكَانَتْ تِلْكَ الصَّحِيفَةُ بَعْدَ رَسُولِ اللَّه ﷺ عِنْدَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁» [(٣٤)] .
وأَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الرُّوذْبَارِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ دَاسَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ أَنَّ الْحَكَمَ بْنَ نَافِعٍ حَدَّثَهُمْ قَالَ:
أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّه بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، وَكَانَ مِنْ أَحَدَ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ تِيبَ عَلَيْهِمْ، قَالَ: كَانَ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ يَهْجُو فَذَكَرَهُ، وَحَدِيثُ عبد الكريم أتم.
_________________
(١) [(٣٤)] هو الحديث رقم (٣٠٠٠) في سنن أبي داود مختصرا، ص (٣: ١٥٤) في كتاب الخراج والإمارة والفيء عَنْ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ، أَنَّ الْحَكَمَ بْنَ نَافِعٍ حَدَّثَهُمْ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّه بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ! عَنْ أَبِيهِ ورواه مالك عن الزهري، عن كعب بن مالك مرسلا بعضه، وفيه اختلاف كثير عند مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ في الزهريات، ونقله عنه ابن عبد البر في «التمهيد» .
[ ٣ / ١٩٨ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّه بْنُ الْمُغِيثِ [(٣٥)] «أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ قَالَ: مَنْ لِي لِابْنِ الْأَشْرَفِ؟ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ
وَسَمَّى الَّذِينَ اجْتَمَعُوا فِي قَتْلِهِ: مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، وَسِلْكَانُ بن سلامة بن وقش، وَهُوَ أَبُو نَائِلَةَ أَحَدُ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، وَكَانَ أَخَا كَعْبٍ مِنَ الرَّضَاعَةِ، وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرِ بْنِ وَقْشٍ أَخُو بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، وَالْحَارِثُ بْنُ أَوْسِ بْنِ مُعَاذٍ أحَدُ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، وَأَبُو عَبْسِ بْنُ جَبْرٍ أَحَدُ بَنِي حَارِثَةَ، وَذَكَرَ أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ أَوْسٍ أَصَابَهُ بَعْضُ أَسْيَافِهِمْ فَجُرِحَ فِي رَأْسَهِ وَرِجْلِهِ قَالُوا فَاحْتَمَلْنَاهُ فَجِئْنَا بِهِ رَسُولَ اللَّه ﷺ آخِرَ اللَّيْلِ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّه ﷺ إلينا فأخبرناه بتفل عَدُوِّ اللَّه فَتَفَلَ عَلَى جُرْحِ صَاحِبِنَا فَرَجَعْنَا إِلَى أَهْلِينَا» [(٣٦)] .
وَكَذَلِكَ ذَكَرَهُ الْوَاقِدِيُّ بِأَسَانِيدِهِ [(٣٧)] فِي قِصَّةِ قَتْلِ ابْنِ الْأَشْرَفِ قَالَ فَتَفَلَ عَلَى جُرْحِهِ فَلَمْ يؤْذِهِ.
أخبرنا أبو عبد اللَّه الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه بْنُ بُطَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْجَهْمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَرَجِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْوَاقِدِيُّ بِأَسَانِيدَ لَهُ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ.
وَذَكَرَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ أَنَّ عَبَّادَ بْنَ بِشْرٍ هُوَ الَّذِي أُصِيبَ فِي وَجْهِهِ أَوْ رِجْلِهِ وَكَذَلِكَ هُوَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّه.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ
_________________
(١) [(٣٥)] في سيرة ابن هشام: «حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّه بْنُ المغيث بْنِ أَبِي بُرْدَةَ الظَّفَرِيُّ، وَعَبْدُ اللَّه بْنُ أَبِي بكر ابن محمد بن حزم، وعاصم بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، وَصَالِحُ بْنُ أَبِي أُمَامَةَ بن سهل، كلّ قد حدثني بعض حديثه، قالوا » . [(٣٦)] سيرة ابن هشام (٢: ٤٣١) . [(٣٧)] مغازي الواقدي (١: ١٨٤) .
[ ٣ / ١٩٩ ]
قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي ثَوْرُ بْنُ زَيْدٍ الدِّيلِيُّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «مَشَى مَعَهُمْ رسول اللَّه ﷺ إِلَى بَقِيعِ الْغَرْقَدِ ثُمَّ وَجَّهَهُمْ وَقَالَ انْطَلِقُوا عَلَى اسْمِ اللَّه، اللهُمَّ أَعِنْهُمْ» [(٣٨)] .
وأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ قَالَ:
حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَوْلًى لِزَيْدِ بْنِ ثابت، قال:
حدثني ابْنَةُ مُحَيِّصَةَ، عَنْ أَبِيهَا مُحَيِّصَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ قَالَ: مَنْ ظَفَرْتُمْ بِهِ مِنْ رِجَالِ يَهُودَ فَاقْتُلُوهُ، فَوَثَبَ مُحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودٍ عَلَى ابْنِ سُنَيْنَةَ رَجُلٍ مِنْ تُجَّارِ يَهُودَ كَانَ يُلَابِسُهُمْ يبايعهم، فَقَتَلَهُ،
وَكَانَ حُوَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودٍ إِذْ ذَاكَ لَمْ يُسْلِمْ، وَكَانَ أَسَنَّ مِنْ مُحَيِّصَةَ، فَلَمَّا قَتَلَهُ جَعَلَ حُوَيِّصَةُ يَضْرِبُهُ وَيَقُولُ: أَيْ عَدُوَّ اللَّه قَتَلْتَهُ، أَمَا واللَّه لَرُبَّ شَحْمٍ فِي بَطْنِكَ مِنْ مَالِهِ، فَقَالَ مُحَيِّصَةُ: فَقُلْتُ لَهُ: واللَّه لَقَدْ أَمَرَنِي بِقَتْلِهِ مَنْ لَوْ أَمَرَنِي بِقَتْلِكَ ضَرَبْتُ عنقك- فو اللَّه إِنْ كَانَ لَأَوَّلُ إِسْلَامِ حُوَيِّصَةَ، قَالَ: واللَّه لَوْ أَمَرَكَ مُحَمَّدٌ بِقَتْلِي لَقَتَلْتَنِي؟ قَالَ مُحَيِّصَةُ: نَعَمْ واللَّه.
قَالَ حُوَيِّصَةُ واللَّه إِنَّ دِينًا بَلَغَ بِكَ هَذَا الْعَجَبُ [(٣٩)] .
زَادَ فِيهِ الْوَاقِدِيُّ [(٤٠)]: فَأَسْلَمَ حُوَيِّصَةُ يَوْمَئِذٍ وَزَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا أَصْبَحَ مِنَ اللَّيْلَةِ الَّتِي قُتِلَ فِيهَا ابن الأشراف أَمَرَ بِهَذَا» [واللَّه أَعْلَمُ] [(٤١)] .
_________________
(١) [(٣٨)] سيرة ابن هشام (٢: ٤٣٨) . [(٣٩)] الخبر في سيرة ابن هشام (٢: ٤٤١)، وتاريخ ابن كثير (٤: ٨- ٩) . [(٤٠)] مغازي الواقدي (١: ١٩١- ١٩٢)، والزيادة هذه موجودة أيضا في سيرة ابن هشام. [(٤١)] الزيادة من (هـ) فقط، وليست في باقي النسخ.
[ ٣ / ٢٠٠ ]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
جُمَّاعُ أَبْوَابِ غَزْوَةِ أُحُدٍ [(١)] بَابُ ذِكْرِ التَّارِيخِ لِوَقْعَةِ أُحُدٍ
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ بِبَغْدَادَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ النَّحْوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ أَبِي مَنِيعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَدِّي عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ، قَالَ: ثُمَّ كَانَتْ وَقْعَةُ أُحُدٍ فِي شَوَّالٍ عَلَى رَأْسِ سَنَةٍ مِنْ وَقْعَةِ بَدْرٍ، وَرَئِيسُ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ [(٢)] .
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْخَلِيلِ الْبَغْدَادِيُّ بِنَيْسَابُورَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: وَاقَعَ نبي الله ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ بَعْدَ بَدْرٍ فِي شَوَّالٍ يَوْمَ السَّبْتِ لِإِحْدَى عَشْرَةَ لَيْلَةً مَضَتْ مِنْ شَوَّالٍ وَكَانَ أَصْحَابُهُ يَوْمَئِذٍ سَبْعَمِائَةٍ وَالْمُشْرِكُونَ أَلْفَيْنِ أَوْ مَا شَاءَ اللهُ مِنْ ذَلِكَ [(٣)] .
_________________
(١) [(١)] انظر في غزوة أحد: ابن سعد (٢: ٣٦)، مغازي الواقدي (١: ١٩٧)، وسيرة ابن هشام (٣: ٣)، وصحيح البخاري (٥: ٩٣)، ومسلم بشرح النووي (١٢: ١٤٧)، وتاريخ الطبري (٢: ٤٩٩)، وأنساب الأشراف (١: ١٤٨)، وابن حزم (١٥٦)، والدرر في اختصار المغازي والسير (١٤٥) وعيون الأثر (٢: ٥)، وتاريخ ابن كثير (٤: ٩)، والنويري (١٧: ٨١)، والسيرة الحلبية (٢: ٢٨٤)، والسيرة الشامية (٤: ٢٧١) . [(٢)] البداية والنهاية (٤: ٩) . [(٣)] قول قتادة في البداية والنهاية (٤: ٩) .
[ ٣ / ٢٠١ ]
قُلْتُ: وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ للنصف من شوال [(٤)] هـ.
أخبرنا أبو عبد الله الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُؤَمَّلِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الشَّعْرَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ، قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ، قَالَ: كَانَتْ بَدْرٍ لِسَنَةٍ وَنِصْفٍ مِنْ مَقْدَمِ النبي ﷺ الْمَدِينَةَ وَأُحُدٌ بَعْدَهَا بسنة [(٥)] هـ.
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى [(٦)]، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، قَالَ: كَانَتْ أُحُدٌ عَلَى أَحَدٍ وَثَلَاثِينَ شَهْرًا فِي شَوَّالٍ، مِنْ مَقْدَمِ النَّبِيِّ ﷺ الْمَدِينَةَ مُهَاجِرًا، قَالَ: وَكَانَ الْقِتَالُ يَوْمَ أُحُدٍ في أول النهار.
_________________
(١) [(٤)] تاريخ ابن كثير (٤: ٩) عن ابن إسحاق. [(٥)] قول مالك نقله ابن كثير في التاريخ (٤: ٩) . [(٦)] رسمت ي (أ): «الاعلا» .
[ ٣ / ٢٠٢ ]
بَابُ ذِكْرِ مَا أُرِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي مَنَامِهِ مِنْ شَأْنِ الْهِجْرَةِ وَأُحُدٍ وَمَا جَاءَ اللهُ بِهِ مِنَ الْفَتْحِ بَعْدُ
أَخْبَرَنَا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد بن أَبِي عَمْرٍو قَالَا: حَدَّثَنَا أبو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحَارِثِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: أُرِيتُ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أُهَاجِرُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضٍ بِهَا نَخْلٌ، فَذَهَبَ وَهَلِي [(٧)] إِلَى أَنَّهَا الْيَمَامَةُ أَوْ هَجَرُ، [(٨)]، فَإِذَا هِيَ الْمَدِينَةُ: يَثْرِبُ.
وَرَأَيْتُ فِيَ رُؤْيَايَ هَذِهِ أَنِّي قَدْ هَزَزْتُ سَيْفًا فَانْقَطَعَ صَدْرُهُ فَإِذَا هُوَ مَا أُصِيبَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، ثُمَّ هَزَزْتُهُ أُخْرَى فَعَادَ أَحْسَنَ مِمَّا كَانَ، فَإِذَا هُوَ مَا جَاءَ اللهُ بِهِ مِنَ الْفَتْحِ وَاجْتِمَاعِ الْمُؤْمِنِينَ، وَرَأَيْتُ فِيهَا أَيْضًا بَقَرًا [(٩)] وَاللهُ خير [(١٠)] فإذا
_________________
(١) [(٧)] (وهلي) بتسكين الهاء وفتحها أي: وهمي، واعتقادي. [(٨)] (هجر): مدينة معروفة، وهي قاعدة البحرين. [(٩)] (ورأيت فيها بقرا): قد جاء في غير مسلم زيادة في هذا الحديث: ورأيت بقرا تنحر، وبهذه الزيادة يتم تأويل الرؤيا بما ذكر، فنحر البقر هو قتل الصَّحَابَةِ﵃- الذين قتلوا بأحد. [(١٠)] (والله خير): قال القاضي عياض: قد ضبطنا هذا الحرف عن جميع الرواة: والله خير، على المبتدأ والخبر.
[ ٣ / ٢٠٣ ]
هُمُ النَّفَرُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَإِذَا الْخَيْرُ مَا جَاءَ اللهُ بِهِ مِنَ الْخَيْرِ وَثَوَابِ الصِّدْقِ الَّذِي آتَانَا بَعْدُ يَوْمَ [(١١)] بَدْرٍ.
أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ومُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ [(١٢)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: تَنَفَّلَ رَسُولُ الله ﷺ سَيْفَهُ ذَا الْفَقَارِ يَوْمَ بَدْرٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَهُوَ الَّذِي رَأَى فِيهِ الرُّؤْيَا يَوْمَ أُحُدٍ، وذَلِكَ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا جَاءَهُ الْمُشْرِكُونَ يَوْمَ أُحُدٍ كَانَ رَأْيُ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنْ يُقِيمَ بِالْمَدِينَةِ يُقَاتِلُهُمْ فِيهَا، فَقَالَ لَهُ نَاسٌ لَمْ يَكُونُوا شَهِدُوا بَدْرًا: يَخْرُجُ بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَيْهِمْ نُقَاتِلُهُمْ بِأُحُدٍ،
_________________
(١) [(١١)] (بعد يوم بدر): ضبط بضم دال بعد، ونصب يوم، قال: وروي بنصب الدال، قالوا: ومعناه مَا جَاءَ اللَّه بِهِ بعد بدر الثانية من تثبيت قلوب المؤمنين، لأن الناس جمعوا لهم وخوّفوهم فزادهم ذلك إِيمَانًا وَقَالُوا: حَسْبُنَا اللَّه ونعم الوكيل، فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّه وَفَضْلٍ، لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ، وتفرّق العدو عنهم هيبة لهم. وقال أكثر شراح الحديث: معناه ثواب اللَّه خير، أي صنع اللَّه بالمقتولين خير لهم من بقائهم في الدنيا. [(١٢)] الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي: ٤٢- كتاب الرؤيا (٤) باب رُؤْيَا النَّبِيِّ ﷺ، الحديث (٢٠)، ص (١٧٧٩- ١٧٨٠) . وأخرجه البخاري مقطعا في غير موضع من المغازي، في (٢٦) باب مَنْ قُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يوم أحد، الحديث (٤٠٨١)، عن ابي كريب محمد بن العلاء، فتح الباري (٧: ٣٧٤- ٣٧٥)، وفي كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، وفي كتاب التعبير، (باب) إذا رأى بقرا تنحر، و(باب) إذا رأى انه أخرج الشيء من كورة فأسكنه موضعا آخر، كلاهما عن أبي كريب. كما أخرجه ابن ماجة في كتاب تعبير الرؤيا، باب تعبير الرؤيا، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ غَيْلَانَ، عن ابي اسامة.
[ ٣ / ٢٠٤ ]
وَرَجَوْا أَنْ يُصِيبُوا مِنَ الْفَضِيلَةِ مَا أَصَابَ أَهْلُ بَدْرٍ، فَمَا زَالُوا بِرَسُولِ اللَّه ﷺ حَتَّى لَبِسَ أَدَاتَهُ، ثُمَّ نَدِمُوا وَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّه! أَقِمْ فَالرَّأْيُ رَأْيُكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: مَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ يَضَعَ أَدَاتَهُ بَعْدَ أَنْ لَبِسَهَا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّه بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَدُوِّهِ، قَالُوا: وَكَانَ مِمَّا قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّه ﷺ يَوْمَئِذٍ قَبْلَ أَنْ يَلْبَسَ الْأَدَاةَ: إِنِّي رَأَيْتُ أَنِّيَ فِي دِرْعٍ حَصِينَةٍ فَأَوَّلْتُهَا الْمَدِينَةَ،، وَإِنِّي مُرْدِفٌ كَبْشًا فَأَوَّلْتُهُ كَبْشَ الْكَتِيبَةِ، وَرَأَيْتُ أَنَّ سَيْفِي ذَا الْفَقَارِ فُلَّ فَأَوَّلْتُهُ فَلًّا فِيكُمْ، وَرَأَيْتُ بَقَرًا تُذْبَحُ فَبَقَرٌ واللَّه خَيْرٌ، [(١٣)] فَبَقَرٌ واللَّه خَيْرٌ [(١٤)] .
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاجِيَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ غِيَاثٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ قَالَ: رَأَيْتُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ، كَأَنِّي مُرْدِفٌ كَبْشًا، وَكَأَنَّ ظُبَةَ سَيْفِي انْكَسَرَتْ فَأَوَّلْتُ أَنِّي أَقْتُلُ كَبْشًا لِقَوْمٍ، وَأَوَّلْتُ كَسْرَ ظُبَةِ سَيْفِي: قَتْلَ رَجُلٍ مِنْ عِتْرَتِي [(١٥)] حَمْزَةَ، وَقُتِلَ طَلْحَةُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ وَكَانَ صَاحِبَ اللِّوَاءِ [(١٦)] .
_________________
(١) [(١٣)] تقدم شرح معناها بالحاشية (١٠) من هذا الباب. [(١٤)] أخرجه الإمام أحمد في مسنده (١: ٢٧١)، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. [(١٥)] فِي (هـ) «عثرتي»، وهو تصحيف. [(١٦)] نقله الصالحي في السيرة الشامية (٤: ٢٧٤) وعزاه للإمام أحمد، والطبراني، والحاكم، والبيهقي، وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٦: ١٠٧- ١٠٨)، وقال: رواه الطبراني، واللفظ له، والبزار، واحمد، ولم يكمله، وفيه: علي بن زيد وهو سيء الحفظ، وبقية رجاله رجال الصحيح. ووقع في الأصل، ومجمع الزوائد: «وقتل رسول اللَّه ﷺ، طَلْحَةَ، وَكَانَ صَاحِبَ اللِّوَاءِ» وفي السيرة الشامية: (٤: ٢٧٥): «وَقُتِلَ طَلْحَةُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، وَكَانَ صَاحِبَ اللِّوَاءِ» . وفي سيرة ابن هشام (٣: ٦٧): «وقال ابن إسحاق: وَقُتِلَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ أحد: من قريش، ثُمَّ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قصي من أصحاب اللواء: طلحة بن أبي طلحة قتله علي بن أبي طالب﵁-
[ ٣ / ٢٠٥ ]
بَابَ سِيَاقِ قِصَّةِ خُرُوجِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى أُحُدٍ وَكَيْفَ كَانَتِ الْوَقْعَةُ
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ بِبَغْدَادَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ ابْنَ عَبْدِ اللَّه بْنِ عَتَّابٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّه بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ عَمِّهِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ (ح) .
وأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ فِي الْمَغَازِي، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ محمد ابن الْفَضْلِ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَدِّي، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ وَهَذَا لَفْظُ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عَمِّهِ: مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ قَالَ: وَرَجَعَتْ قُرَيْشٌ فَاسْتَجْلَبُوا مَنِ اسْتَطَاعُوا مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ، وَسَارَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ فِي جَمْعِ قُرَيْشٍ وَذَلِكَ فِي شَوَّالٍ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ مِنْ وَقْعَةِ بَدْرٍ، حَتَّى طَلَعُوا مِنْ بِئْرِ الحاوين، ثُمَّ نَزَلُوا بِبَطْنِ الْوَادِي الَّذِي قَبْلَ أُحُدٍ، وَكَانَ رِجَالٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَشْهَدُوا بَدْرًا نَدِمُوا عَلَى مَا فَاتَهُمْ مِنْ سَابِقَةِ بَدْرٍ وَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ وَلِيُبْلُوا مَا أَبْلَى إِخْوَانُهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ، فَلَمَّا نَزَلَ أَبُو سُفْيَانَ وَالْمُشْرِكُونَ بِأَصْلِ أُحُدٍ فَرِحَ الْمُسْلِمُونَ الَّذِينَ لَمْ يَشْهَدُوا بَدْرًا، بِقُدُومِ الْعَدُوِّ عَلَيْهِمْ، وَقَالُوا: قَدْ سَاقَ اللَّه إِلَيْنَا بِأُمْنِيَّتِنَا، ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ أُرِيَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ رُؤْيَا، فَأَصْبَحَ فَجَاءَهُ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: رَأَيْتُ
[ ٣ / ٢٠٦ ]
الْبَارِحَةَ فِي مَنَامِي بَقَرًا واللَّه خَيْرٌ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ فُلَيْحٍ بَقَرًا تُذْبَحُ، وَرَأَيْتُ سَيْفِيَ ذَا الْفَقَارِ انْفَصَمَ مِنْ عِنْدِ ظُبَتِهِ- أَوْ قَالَ: بِهِ فُلُولٌ فَكَرِهْتُهُ وَهُمَا مُضَبَّبَتَانِ- وَرَأَيْتُ أني في درع حصينة وَأَنِّي مُرْدِفٌ كَبْشًا، فَلَمَّا أَخْبَرَهُمْ رَسُولُ اللَّه ﷺ بِرُؤْيَاهُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّه! مَاذَا أَوَّلْتَ رُؤْيَاكَ؟ قَالَ: أَوَّلْتُ الْبَقَرَ الَّذِي رَأَيْتُ نَفَرًا فِينَا وَفِي الْقَوْمِ، وَكَرِهْتُ مَا رَأَيْتُ بِسَيْفِيَ، وَيَقُولُ رِجَالٌ: وَكَانَ الَّذِي رَأَى بِسَيْفِهِ الَّذِي أَصَابَ وَجْهَهُ، فَإِنَّ الْعَدُوَّ أَصَابُوا وَجْهَهُ يَوْمَئِذٍ، وَفَصَمُوا رَبَاعِيَتَهُ، وَخَرَقُوا شَفَتَهُ يَزْعُمُونَ أَنَّ الَّذِي رَمَاهُ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَكَانَ الْبَقَرُ مَنْ قُتِلَ يَوْمَئِذٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَقَالَ: أَوَّلْتُ الْكَبْشَ أَنَّهُ كَبْشُ كَتِيبَةِ الْعَدُوِّ فَقَتَلَهُ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ فُلَيْحٍ: يَقْتُلُهُ اللَّه، وَأَوَّلْتُ الدِّرْعَ الْحَصِينَةَ: الْمَدِينَةَ، فَامْكُثُوا وَاجْعَلُوا الذَّرَارِيَّ فِي الْآطَامِ، فَإِنْ دَخَلَ عَلَيْنَا الْقَوْمُ فِي الْأَزِقَّةِ قَاتَلْنَاهُمْ وَرُمُوا مِنْ فَوْقِ الْبُيوتِ وَكَانُوا قَدْ شَكُّوا أَزِقَّةَ الْمَدِينَةِ بِالْبُنْيَانِ، حَتَّى كَانَتْ كالْحِصْنِ، فَقَالَ الَّذِينَ لَمْ يَشْهَدُوا بَدْرًا كُنَّا يَا نَبِيَّ اللَّه نَتَمَنَّى هَذَا الْيَوْمَ وندعوا اللَّه، فَقَدْ سَاقَهُ اللَّه إِلَيْنَا، وَقَرَّبَ الْمَسِيرَ.
وَقَالَ رِجَالٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: مَتَى نُقَاتِلُهُمْ يَا نَبِيَّ اللَّه لِمَ نُقَاتِلْهُمْ عِنْدَ شِعْبِنَا؟
وَقَالَ رِجَالٌ مَاذَا نَمْنَعُ إِذَا لَمْ نَمْنَعِ الْحَرْثَ يُزْرَعُ.
وَقَالَ رِجَالٌ قَوْلًا صَدَقُوا بِهِ وَمَضَوْا عَلَيْهِ، مِنْهُمْ: حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، قَالَ: وَالَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ لَنُجَالِدَنَّهُمْ.
وَقَالَ يَعْمَرُ بْنُ مَالِكِ بْنِ ثَعْلَبَةَ وَهُوَ أَحَدُ بَنِي سَالِمٍ، يَا نَبِيَّ اللَّه! لَا تحرمنا الجنة، فو الذي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَدْخُلَنَّهَا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّه ﷺ بِمَ؟ قَالَ بِأَنِّي أُحِبُّ اللَّه وَرَسُولَهُ وَلَا أَفِرُّ يَوْمَ الزَّحْفِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّه ﷺ: صَدَقْتَ، فَاسْتُشْهِدَ يَوْمَئِذٍ.
وَأَبَى كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ إِلَّا الْخُرُوجَ إِلَى الْعَدُوِّ، وَلَمْ يَتَنَاهَوْا إِلَى قَوْلِ رَسُولِ اللَّه ﷺ وَرَأْيِهِ، وَلَوْ رَضُوا بِالَّذِي أَمَرَهُمْ بِهِ كَانَ ذَلِكَ، وَلَكِنْ غَلَبَ الْقَضَاءُ
[ ٣ / ٢٠٧ ]
وَالْقَدَرُ، وَعَامَّةُ مَنْ أَشَارَ عَلَيْهِ بِالْخُرُوجِ رِجَالٌ لَمْ يَشْهَدُوا بَدْرًا، قَدْ عَلِمُوا الَّذِي سَبَقَ لِأَصْحَابِ بَدْرٍ مِنَ الْفَضِيلَةِ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّه ﷺ الْجُمُعَةَ وَعَظَ النَّاسَ وَذَكَّرَهُمْ، وَأَمَرَهُمْ بِالْجَدِّ وَالْجِهَادِ، ثُمَّ انْصَرَفَ مِنْ خُطْبَتِهِ وَصَلَاتِهِ، فَدَعَا بِاللَّأْمَةِ فَلَبِسَهَا، ثُمَّ أَذَّنَ فِي النَّاسِ بِالْخُرُوجِ.
فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ رِجَالٌ مِنْ ذَوِي الرَّأْيِ قَالُوا: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّه ﷺ أَنْ نَمْكُثَ بِالْمَدِينَةِ، فَإِنْ دَخَلَ عَلَيْنَا الْعَدُوُّ قَاتَلْنَاهُمْ فِي الْأَزِقَّةِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِاللهِ وَمَا يُرِيدُ وَيَأْتِيهِ الْوَحْيُ مِنَ السَّمَاءِ، ثُمَّ أَشْخَصْنَاهُ، يَا نَبِيَّ اللَّه امْكُثْ كَمَا أَمَرْتَنَا،
قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: مَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ إِذَا أَخَذَ لَأْمَةَ الْحَرْبِ وَآذَنَ بِالْخُرُوجِ إِلَى الْعَدُوِّ أَنْ يَرْجِعَ حَتَّى يُقَاتِلَ، وَقَدْ دَعَوْتُكُمْ إِلَى هَذَا الْحَدِيثِ فَأَبَيْتُمْ إِلَّا الْخُرُوجَ، فَعَلَيْكُمْ بِتَقْوَى اللَّه وَالصَّبْرِ عِنْدَ الْبَأْسِ إِذَا لَقِيتُمُ الْعَدُوَّ انْظُرُوا مَا آمُرُكُمْ بِهِ فَافْعَلُوهُ،
فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّه ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ فَسَلَكُوا عَلَى الْبَدَائِعِ وَهُمْ أَلْفُ رَجُلٍ وَالْمُشْرِكُونَ ثَلَاثَةُ آلَافٍ، فَمَضَى رَسُولُ اللَّه ﷺ حَتَّى نَزَلَ بِأُحُدٍ، وَرَجَعَ عَنْهُ: عَبْدُ اللَّه بْنُ أبي بن سَلُولَ فِي ثَلَاثِمِائَةٍ فَبَقِيَ رَسُولُ اللَّه ﷺ في سبع مائة، فَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيُّ:
إِنَّا بِهَذَا الْجِذْعِ لَوْ كَانَ أَهْلُهُ سِوَانَا لَقَدْ سَارُوا بِلَيْلٍ فَأَقْشَعُوا [(١)]
جِلَادٌ عَلَى رَيْبِ الْحَوَادِثِ لَا تَرَى عَلَى هَالِكٍ عَيْنًا لَنَا الدهر تدمع [(٢)]
_________________
(١) [(١)] في سيرة ابن هشام (٣: ٧٤) ورد بيت الشعر كما يلي: وإنّا بأرض الخوف لو كان أهلها* سوانا لقد أجلوا بليل فأقشعوا ومعنى أقشعوا، فروا، وذلوا. [(٢)] جلاد: جمع جليد، وهو الصبور.
[ ٣ / ٢٠٨ ]
ثَلَاثَةُ آلَافٍ وَنَحْنُ نَصِيَّةٌ ثَلَاثُ مِيِينٍ إِنْ كَثُرْنَا وَأَرْبَعُ [(٣)]
فَرَاحُوا سِرَاعًا مُوجِفِينَ كَأَنَّهُمْ غَمَامٌ هَرَاقَتْ مَاءَهَا الرِّيحُ تُقْلِعُ [(٤)]
وَرُحْنَا وَأُخْرَانَا بِطَاءٌ كَأَنَّنَا أُسُودٌ عَلَى لَحْمٍ بِبِيشَةَ ظُلَّعُ [(٥)]
فَلَمَّا رَجَعَ عَبْدُ اللَّه بْنُ أبي بالثلاث مائة، سُقِطَ فِي أَيْدِي الطَّائِفَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَهَمَّتَا أَنْ تَقْتَتِلَا، وَهُمَا: بَنُو حَارِثَةَ، وَبَنُو سَلِمَةَ كَمَا يُقَالُ، وَصَفَّ رَسُولُ اللَّه ﷺ المسلمون بِأَصْلِ أُحُدٍ، وَصَفَّ الْمُشْرِكُونَ بِالسَّبَخَةِ الَّتِي قِبَلَ أُحُدٍ وَتَعَبَّأَ الْفَرِيقَانِ لِلْقِتَالِ، وَجَعَلَ الْمُشْرِكُونَ عَلَى خَيْلِهِمْ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَمَعَهُمْ مِائَةُ فَرَسٍ وَلَيْسَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ فَرَسٌ، وَحَامِلُ لِوَاءِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، وَاشْتَكَى صَاحِبُ لِوَائِهِمْ: طَلْحَةُ بْنُ عُثْمَانَ أَخُو شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ، وَكَانَتْ لَهُمُ الْحِجَابَةُ وَالنَّدْوَةُ وَاللِّوَاءُ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ: إِنَّ اللِّوَاءَ ضَاعَ يَوْمَ بَدْرٍ حَتَّى قُتِلَ حَوْلَهُ مَنْ قَدْ عَلِمْتُمْ، وَأَرَى أَنْ أُعَارِضَهُمْ بلواء آخر، فقالت بَنُو عَبْدِ الدَّارِ وَالْأَحْلَافُ: إِنْ شِئْتُمْ فَارْفَعُوا لِوَاءً آخَرَ، وَلَكِنْ لَا يَرْفَعُهُ إِلَّا رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: بَلْ عَلَيْكُمْ بِلِوَائِكُمْ فَاصْبِرُوا عِنْدَهُ.
وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّه ﷺ خَمْسِينَ رَجُلًا مِنَ الرُّمَاةِ فَجَعَلَهُمْ نَحْوَ خَيْلِ الْعَدُوِّ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّه بْنَ جُبَيْرٍ أَخَا خَوَّاتِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَقَالَ لَهُمْ: أَيُّهَا الرُّمَاةُ إِذَا أَخَذْنَا مَنَازِلَنَا مِنَ الْقِتَالِ فَإِنْ رَأَيْتُمْ خَيْلَ الْمُشْرِكِينَ تَحَرَّكَتْ وَانْهَزَمَ أَعْدَاءُ اللَّه فَلَا تَتْرُكُوا مَنَازِلَكُمْ، إِنِّي أَتَقَدَّمُ إِلَيْكُمْ أَنْ لَا يُفَارِقَنَّ رَجُلٌ مِنْكُمْ مَكَانَهُ وَاكْفُونِي الْخَيْلَ، فَوَعَزَ إِلَيْهِمْ فَأَبْلَغَ، وَمِنْ نَحْوِهِمْ كَانَ الَّذِي نَزَلَ بِالنَّبِيِّ ﷺ يَوْمَئِذٍ والذي أصابه.
_________________
(١) [(٣)] النصيّة: الخيار من القوم. [(٤)] (موجف): مسرع. [(٥)] بيشة: اسم موضع تنسب إليه الأسود، وظلّع: جمع ظالع، وهو من صفة الأسود، وفي رواية: ضلّع.
[ ٣ / ٢٠٩ ]
فَلَمَّا عَهِدَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى أَصْحَابِهِ عَهْدَهُ فِي الْقِتَالِ، وَكَانَ حَامِلَ لِوَاءِ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّه ﷺ فَقَالَ: أَنَا عَاصِمٌ إِنْ شَاءَ اللَّه لِمَا مَعِي، فَقَالَ لَهُ طَلْحَةُ- يَعْنِي طَلْحَةَ بْنَ عُثْمَانَ-: هَلْ لَكَ يَا عَاصِمُ فِي الْمُبَارَزَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ فَبَدَرَهُ ذَلِكَ الرَّجُلُ فَضَرَبَ بِالسَّيْفِ عَلَى رَأْسِ طَلْحَةَ حَتَّى وَقَعَ السَّيْفُ فِي لِحْيَتِهِ فَقَتَلَهُ، فَكَانَ قَتْلُ صَاحِبِ لِوَاءِ الْمُشْرِكِينَ تَصْدِيقًا لَرُؤْيَا رَسُولِ اللَّه ﷺ إِنِّي مُرْدِفٌ كَبْشًا، فَلَمَّا صُرِعَ صَاحِبُ اللِّوَاءِ انْتَشَرَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ، وَصَارُوا كَتَائِبَ مُتَفَرِّقَةً، فَجَاسُوا الْعَدُوَّ ضَرْبًا حَتَّى أَجْهَضُوهُمْ عَنْ أَثْقَالِهِمْ، وَحَمَلَتْ خَيْلُ الْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ كُلُّ ذَلِكَ تُنْضَحُ بِالنَّبْلِ فَتَرْجِعُ مَغْلُولَةً، وَحَمَلَ الْمُسْلِمُونَ فَنَهَكُوهُمْ قَتْلًا، فَلَمَّا أَبْصَرَ الرُّمَاةُ الْخَمْسُونُ إن اللَّه ﷿ قَدْ فَتَحَ لِإِخْوَانِهِمْ، قَالُوا: واللَّه مَا نَجْلِسُ هَاهُنَا لِشَيْءٍ، قَدْ أَهْلَكَ اللَّه الْعَدُوَّ وَإِخْوَانُنَا فِي عَسْكَرِ الْمُشْرِكِينَ، وَقَالَ طَوَائِفُ مِنْهُمْ:
عَلَى مَا نَصُفُّ وَقَدْ هَزَمَ اللَّه الْعَدُوَّ، فَتَرَكُوا مَنَازِلَهُمُ الَّتِي عَهِدَ إِلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ أَلَّا يَتْرُكُوهَا، وَتَنَازَعُوا وَفَشَلُوا، وَعَصَوَا الرَّسُولَ، فَأَوْجَفَتِ الْخَيْلُ فِيهِمْ قَتْلًا، وَكَانَ عَامَّتُهُمْ فِي الْعَسْكَرِ، فَلَمَّا أَبْصَرُوا ذَلِكَ الرِّجَالُ الْمُتَفَرِّقَةُ أَنَّ الْخَيْلَ قَدْ فَعَلَتْ مَا فَعَلَتِ: اجْتَمَعُوا وَأَقْبَلُوا وَصَرَخَ صَارِخٌ أُخْرَاكُمْ أُخْرَاكُمْ قُتِلَ رَسُولُ اللَّه ﷺ فَسُقِطَ فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ فَقُتِلَ مِنْهُمْ مَنْ قُتِلَ وَأَكْرَمَهُمُ اللَّه بِأَيْدِي الْمُشْرِكِينَ وَأَصْعَدَ النَّاسُ فِي الشِّعْبِ لَا يَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ، وَثَبَّتَ اللَّه﷿- النَّبِيَّ ﷺ حِينَ انْكَشَفَ عَنْهُ مَنِ انْكَشَفَ مِنْ أَصْحَابِهِ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ فِي أُخْرَاهُمْ حَتَّى جَاءَهُ مَنْ جَاءَهُ مِنْهُمْ إِلَى قَرِيبٍ مِنَ الْمِهْرَاسِ [(٦)] فِي الشِّعْبِ، فَلَمَّا فُقِدَ رَسُولُ اللَّه ﷺ قَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ قَدْ قُتِلَ فَارْجِعُوا إِلَى قَوْمِكُمْ فَيُؤَمِّنُونَكُمْ قَبْلَ أَنْ يَأْتُوكُمْ فَيَقْتُلُوكُمْ فَإِنَّهُمْ دَاخِلُونَ الْبُيوتَ، وَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا، وَقَالَ آخَرُونَ: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّه ﷺ قد قتل أفلا تقاتلون
_________________
(١) [(٦)] المهراس: اسم ماء بأقصى شعب أحد.
[ ٣ / ٢١٠ ]
عَنْ دِينِكُمْ، وَعَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ نَبِيُّكُمْ حَتَّى تَلْقَوُا اللهَ شُهَدَاءَ؟ مِنْهُمْ: أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ شَهِدَ لَهُ بِهَا سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَيُقَالُ أَحَدُ بَنِي قُشَيْرٍ الَّذِي قَالَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا.
وَمَضَى النبي ﷺ يَلْتَمِسُ أَصْحَابَهُ فَإِذَا الْمُشْرِكُونَ نَحْوَ وَجْهِهِ عَلَى طَرِيقِهِ، فَلَمَّا رَآهُمْ رَسُولُ اللَّه ﷺ قَدِ اسْتَقْبَلُوهُ، قَالَ: «اللهُمَّ إِنْ تَشَأْ لَا يَغْلِبُكَ أَحَدٌ فِي الْأَرْضِ وَقَالَ اللهُمَّ إِنْ تَشَأْ لَا تُعْبَدُ»،
فَانْصَرَفَ الْمُشْرِكُونَ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَدْعُو أَصْحَابَهُ مُصْعِدًا فِي الشِّعْبِ، مَعَهُ عِصَابَةٌ صَبَرُوا مَعَهُ، مِنْهُمْ: طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّه، وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ، وَبَايَعُوهُ عَلَى الْمَوْتِ، وَجَعَلُوا يَسْتُرُونَهُ بِأَنْفُسِهِمْ وَيُقَاتِلُونَ مَعَهُ حَتَّى قُتِلُوا إِلَّا سِتَّةَ نَفَرٍ أَوْ سَبْعَةً وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ يَمْشُونَ حَوْلَ الْمِهْرَاسِ، وَيُقَالُ كَانَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ أَوَّلَ مَنْ عَرَفَ عَيْنَ رسول اللَّه ﷺ حِينَ فُقِدَ مِنْ وَرَاءِ الْمِغْفَرِ فَنَادَى بِصَوْتِهِ الْأَعْلَى: اللَّه أَكْبَرُ، هَذَا رَسُولُ اللَّه ﷺ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ- زَعَمُوا رَسُولَ اللَّه ﷺ- أَنِ اسْكُتْ، وَجُرِحَ رَسُولُ اللَّه ﷺ فِي وَجْهِهِ، وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ [(٧)] .
وَكَانَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ قَالَ حِينَ افْتَدَى: واللَّه إِنَّ عِنْدِي لَفَرَسًا أَعْلِفُهَا كُلَّ يَوْمٍ فَرْقَ ذُرَةٍ وَلَأَقَتُلَنَّ عَلَيْهَا مُحَمَّدًا. فَبَلَغَتْ رَسُولَ اللَّه ﷺ حَلْفَتُهُ فَقَالَ: بَلْ أَنَا أَقْتُلُهُ إِنْ شَاءَ اللَّه.
فَأَقْبَلَ أُبَيٌّ مُقَنَّعًا فِي الْحَدِيدِ عَلَى فَرَسِهِ تِلْكَ يَقُولُ: لَا نَجَوْتُ إِنْ نَجَا مُحَمَّدٌ، فَحَمَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّه ﷺ يُرِيدُ قَتْلَهُ.
قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ:، قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: فَاعْتَرَضَ لَهُ رِجَالٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّه ﷺ فَخَلَّوْا طَرِيقَهُ، وَاسْتَقْبَلَهُ مُصْعَبُ بْنُ عمير أخو
_________________
(١) [(٧)] الرّباعية: الناب من الإنسان يذكر ما دام له هذا الإسم، وهو الذي يلي الرباعيات، وقال ابن سينا: «ولا يجتمع في صيوان ناب وقرن معا» .
[ ٣ / ٢١١ ]
بَنِي عَبْدِ الدَّارِ يَقِي رَسُولَ اللَّه ﷺ، فَقُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَأَبْصَرَ رَسُولُ اللَّه ﷺ ترقوة أبي بن خلف من فرجة بن سَابِغَةِ الْبَيْضَةِ وَالدِّرْعِ، فَطَعَنَهُ بحربته، فوقع أبي عن فَرَسِهِ، وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ طَعْنَتِهِ دَمٌ، قَالَ سَعِيدُ: فَكَسَرَ ضِلْعًا مِنْ أَضْلَاعِهِ فَفِي ذَلِكَ نَزَلَ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [(٨)]، فَأَتَاهُ أَصْحَابُهُ وَهُوَ يَخُورُ خُوَارَ الثَّوْرِ فَقَالُوا: مَا جَزَعُكَ إِنَّمَا هُوَ خَدْشٌ،
فَذَكَرَ لَهُمْ قَوْلَ رَسُولِ اللَّه ﷺ: «بَلْ أَنَا أَقْتُلُ أُبَيًّا»، ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ كَانَ هَذَا الَّذِي بِي بِأَهْلِ الْمَجَازِ لَمَاتُوا أَجْمَعُونَ،
فَمَاتَ أُبَيُّ قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ مَكَّةَ، فَلَمَّا لَحِقَ رَسُولُ اللَّه ﷺ أَصْحَابَهُ وَنَظَرُوا إِلَيْهِ، وَمَعَهُ: طَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ، وَسَهْلُ ابن حُنَيْفٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ الصِّمَّةِ، أَخُو بَنِي النَّجَّارِ، ظَنَّ أَصْحَابُ رسول اللَّه ﷺ أَنَّ النَّفَرَ مِنْ عَدُوِّهِمْ، فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ سَهْمًا عَلَى كَبِدِ قَوْسِهِ فَأَرَادَ أَنْ يَرْمِيَ، فَلَمَّا تَكَلَّمُوا وَنَادَاهُمْ رَسُولُ اللَّه ﷺ عَرَفُوهُ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يُصِبْهُمْ بَلَاءٌ فِي أَنْفُسِهِمْ قَطُّ حِينَ عَرَفُوا رَسُولَ اللَّه ﷺ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ عَرَضَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ نَفْسَهُ وَوَسْوَسَتُهُ وَتَحْزِينَهُ حِينَ أَبْصَرُوا عَدُوَّهُمْ قَدَ انْفَرَجُوا عَنْهُمْ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ يَذْكُرُونَ قَتْلَاهُمْ وَإِخْوَانَهُمْ وَيَسْأَلُ بعضهم بعضا عَنْ حَمِيمِهِ، فَيُخْبِرُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِقَتْلَاهُمْ، وَقَالَ: اشْتَدَّ حُزْنُهُمْ، أَدْبَرَ اللَّه عَلَيْهِمُ الْمُشْرِكِينَ وَغَمَّهُمْ بِهِمْ لِيُذْهِبَ بِذَلِكَ الْحُزْنَ عَنْهُمْ، فَإِذَا عَدُوُّهُمْ فَوْقَ الْجَبَلِ قَدْ عَلَوْهُمْ، فَنَسُوا عِنْدَ ذَلِكَ الْحُزْنَ وَالْهُمُومَ عَلَى إِخْوَانِهِمْ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّه ﷿: عَلَى طَائِفَةٍ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاسًا يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ، كَمَا قَالَ اللَّه ﷿: وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ ، يَقُولُونَ: لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنا هاهُنا، قَالَ اللَّه ﷿: قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ إِلَى قَوْلِهِ: عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ [(٩)]، وَكَانَا غَمَّيْنِ: فَهَذَا الْغَمُّ الآخر، والغمّ
_________________
(١) [(٨)] الآية الكريمة (١٧) من سورة الأنفال. [(٩)] الآية الكريمة (١٥٤) من سورة آل عمران.
[ ٣ / ٢١٢ ]
الْأَوَّلُ حِينَ أُصْعِدُوا فِي الشِّعْبِ مُنْهَزِمِينَ، فَأَنْسَاهُمُ الْهَزِيمَةَ مَا يَخَافُونَ مِنْ طَلَبِ الْعَدُوِّ وَقِتَالِهِمْ،
وَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: «اللهُمَّ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَعْلُونَا الْيَوْمَ، ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّه ﷺ، وَنَدَبَ أَصْحَابَهُ،
فَانْتَدَبَ مِنْهُمْ عِصَابَةً فَأَصْعَدُوا فِي الشِّعْبِ حَتَّى كَانُوا هُمْ وَالْعَدُوُّ عَلَى السَّوَاءِ فَرَامَوْهُمْ بِالنَّبْلِ، وَطَاعَنُوهُمْ حَتَّى أَهْبَطُوهُمْ عَنِ الْجَبَلِ، وَانْكَفَى [(١٠)] الْمُشْرِكُونَ عَنْهُمْ إِلَى قَتْلَى الْمُسْلِمِينَ فَمَثَّلُوا بِهِمْ: يَقْطَعُونَ الْآذَانَ، وَالْأُنُوفَ، وَالْفُرُوجَ، وَيَبْقُرُونَ الْبُطُونَ، وَهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ قَدْ أَصَابُوا النَّبِيَّ ﷺ وَأَشْرَافَ أَصْحَابِهِ، ثُمَّ إِنَّهُمْ قَدِ اجْتَمَعُوا وَصَفُّوا مُقَاتِلَتَهُمْ،
فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ وَالْحَرْبُ سِجَالٌ، إِلَّا أَنَّكُمْ سَتَجِدُونَ فِي قَتْلَاكُمْ شَيْئًا مِنْ مُثْلَةٍ، وَإِنِّي لَمْ آمُرْ بِذَلِكَ، وَلَمْ أَكْرَهْهُ، ثُمَ قَالَ: اعْلُ هُبَلُ، يَفْخَرُ بِآلِهَتِهِ، فَقَالَ عُمَرُ: اسْمَعْ يَا رَسُولَ اللَّه مَا يَقُولُ عَدُوُّ اللَّه، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: نَادِهِ فَقُلِ: اللَّه أَعْلَى [(١١)] وَأَجَلُّ، لَا سواء: قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ، وَقَتْلَاهُمْ فِي النَّارِ، قَالُوا: إِنَّ لَنَا الْعُزَّى وَلَا عُزَّى لَكُمْ، قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ:
اللَّه مَوْلَانَا وَلَا مَوْلَى لَكُمْ، ثُمَّ نَادَوْا مُحَمَّدًا بِاسْمِهِ، فَلَمَّا عَلِمُوا أَنَّهُ حَيٌّ وَنَادَوْا رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّه ﷺ أَشْرَافًا فَعَلِمُوا أَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ: كَبَتَهُمُ اللَّه فَانْكَفَئُوا إِلَى أَثْقَالِهِمْ، لَا يَدْرِي الْمُسْلِمُونَ مَا يُرِيدُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: «إِنْ رَأَيْتُمُوهُمْ رَكِبُوا وَجَعَلُوا الْأَثْقَالَ تَتْبَعُ آثَارَ الْخَيْلِ فَهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَدْنُوا مِنَ الْبُيوتِ وَالْآطَامِ الَّتِي فِيهَا الذَّرَارِيُّ وَالنِّسَاءُ، وَأُقْسِمُ بِاللهِ لَئِنْ فَعَلُوا لَأُوَاقِعَنَّهُمْ فِي جَوْفِهَا، وَإِنْ كَانُوا رَكِبُوا الْأَثْقَالَ وَجَنَّبُوا الْخَيْلَ فَهُمْ يُرِيدُونَ الْفِرَارَ، فَلَمَّا أَدْبَرُوا بَعَثَ رَسُولُ اللَّه ﷺ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ فِي آثَارِهِمْ فَقَالَ: اعْلَمْ لَنَا أَمْرَهُمْ، فَانْطَلَقَ سَعْدٌ يَسْعَى حَتَّى عَلِمَ عِلْمَهُمْ،
ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: رَأَيْتُ خَيْلَهُمْ تَضْرِبُ بِأَذْنَابِهَا مَجْنُوبَةً مُدْبِرَةً، وَرَأَيْتُ الْقَوْمَ قَدْ تَحَمَّلُوا عَلَى الْأَثْقَالِ سَائِرِينَ، فَطَابَتْ أنفس
_________________
(١) [(١٠)] هكذا في (آ) و(ص) و(ح)، ورسمت في (هـ): «وانكفأ» . [(١١)] هكذا في (ص)، وفي بقية النسخ رسمت: «أعلا» .
[ ٣ / ٢١٣ ]
الْقَوْمِ لِذَهَابِ الْعَدُوِّ وَانْتَشَرُوا يَتْبَعُونَ قَتْلَاهُمْ، فَلَمْ يَجِدُوا قَتِيلًا إِلَّا قَدْ مَثَّلُوا بِهِ، إِلَّا حَنْظَلَةَ بْنَ أَبِي عَامِرٍ، كَانَ أَبُوهُ مَعَ الْمُشْرِكِينَ فَتُرِكَ لَهُ وَزَعَمُوا أَنَّ أَبَاهُ وَقَفَ عَلَيْهِ قَتِيلًا، فَدَفَعَ صَدْرَهُ بِرِجْلِهِ ثُمَّ قَالَ ذَنْبَانِ أَصَبْتُهُمَا قَدْ تَقَدَّمْتُ إِلَيْكَ فِي مَصْرَعِكَ هَذَا يَا دبيس ولعمر اللَّه إِنْ كُنْتَ لَوَاصِلًا لِلرَّحِمِ بَرًّا بِالْوَالِدِ.
وَوَجَدُوا حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَمَّ النَّبِيِّ ﷺ قَدْ بُقِرَ بَطْنُهُ، وَحُمِلَتْ كَبِدُهُ احْتَمَلَهَا وَحْشِيٌّ وَهُوَ قَتَلُهُ يَذْهَبُ بِكَبِدِهِ إِلَى هِنْدِ بِنْتِ عُتْبَةَ فِي نَذْرٍ نَذَرَتْهُ حِينَ قَتَلَ أَبَاهَا يَوْمَ بَدْرٍ، وَأَقْبَلَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى قَتْلَاهُمْ يَدْفِنُونَهُمْ فَدُفِنَ حَمْزَةُ فِي نَمِرَةٍ كَانَتْ عَلَيْهِ إِذَا رُفِعَتْ إِلَى رَأْسِهِ بَدَتْ قَدَمَاهُ، وَإِذَا أُنْزِلَتْ إِلَى رِجْلَيْهِ بَدَا وَجْهُهُ، فَجَعَلُوا أَعْوَادًا مِنْ شَجَرِ وَحِجَارَةٍ فَوَضَعُوهَا عَلَى قَدَمَيْهِ وَغَطَّوْا وَجْهَهُ.
قَالَ مُوسَى: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّه ﷺ لِدَفْنِ الشُّهَدَاءَ، قَالَ: زَمِّلُوهُمْ بِجِرَاحِهِمْ فَإِنَّهُ لَيْسَ كَلْمٌ يُكْلَمُ فِي اللَّه إِلَّا وَهُوَ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَدْمَى لَوْنُهُ لَوْنُ الدَّمِ وَرِيحُهُ رِيحُ الْمِسْكِ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: «أَنَا الشَّهِيدُ عَلَى هَذَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ،»، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّه ﷺ يُدْفَنُونَ عَلَى عَيْنَيْهِ، وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ كَمَا يُصَلِّي عَلَى الْمَوْتَى، وَلَمْ يَدْفِنْهُمْ فِي غَيْرِ ثِيَابِهِمُ الَّتِي قُتِلُوا فِيهَا.
قَالَ: وَهُمْ يَدْفِنُونَ الرَّهْطَ فِي الْحُفْرَةِ الْوَاحِدَةِ، أَيُّ هَؤُلَاءِ كَانَ أَكْثَرَ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟ فَإِذَا أُشِيرَ إِلَى الرَّجُلِ مِنْهُمْ قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ قَبْلَ أَصْحَابِهِ حَتَّى فَرَغَ مِنْ دَفْنِهِمْ.
وَخَرَجَ نِسَاءٌ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ وَالْأَنْصَارِ يَحْمِلْنَ عَلَى ظُهُورِهِنَّ الْمَاءَ وَالطَّعَامَ وَخَرَجَتْ فِيهِمْ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّه ﷺ، فَلَمَّا رَأَتْ أَبَاهَا وَالَّذِي بِهِ مِنَ الدِّمَاءِ اعْتَنَقَتْهُ، وَجَعَلَتْ تَمْسَحُ الدِّمَاءَ عَنْ وَجْهِهِ وَرَسُولُ اللَّه ﷺ يَقُولُ: «اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّه عَلَى قَوْمٍ دَمَّوْا وَجْهَ رَسُولِ اللَّه، واشْتَدَّ غَضَبُ اللَّه عَلَى رَجُلٍ قَتَلَهُ رَسُولُ اللَّه» .
[ ٣ / ٢١٤ ]
وَقَالَ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: «اللهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ» .
قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: رَمَى يَوْمَئِذٍ رَسُولَ اللَّه ﷺ رَجُلٌ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ يُقَالُ لَهُ ابْنُ قَمِئَةَ، وَيُقَالُ: بَلْ رَمَاهُ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، قَالَ: وَسَعَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ إِلَى الْمِهْرَاسِ وَقَالَ لِفَاطِمَةَ: أَمْسِكِي هَذَا السَّيْفَ غَيْرَ ذَمِيمَةٍ، فَأَتَى بِمَاءٍ فِي مِجَنَّةٍ، فَأَرَادَ رَسُولُ اللَّه ﷺ أَنْ يَشْرَبَ مِنْهُ فَوَجَدَ لَهُ رِيحًا فَقَالَ هَذَا مَاءٌ آجِنٌ فَمَضْمَضَ مِنْهُ، وَغَسَلَتْ فَاطِمَةُ عَنْ أَبِيهَا، ولَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّه ﷺ سَيْفَ عَلِيٍّ مُخَضَّبًا دَمًا، قَالَ: إِنْ تَكُنْ أَحْسَنْتَ الْقِتَالَ فَقَدْ أَحْسَنَ عَاصِمُ بن ثابت بن أبي الْأَقْلَحِ، وَالْحَارِثُ بْنُ الصِّمَّةِ، وَسَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ، ثُمَّ قَالَ: أَخْبِرُونِي عَنِ النَّاسِ مَا فَعَلُوا وَأَيْنَ ذَهَبُوا؟
قَالُوا: كَفَرَ عَامَّتُهُمْ، فَقَالَ: إِنَّ الْمُشْرِكِينَ لَمْ يُصِيبُوا مِنَّا مِثْلَهَا حَتَّى نُبِيحَهُمْ، ثُمَّ أَقْبَلُوا إِلَى دُورِهِمْ وَقَدْ كَانَ أَبُو سُفْيَانَ نَادَاهُمْ وَالْمُشْرِكُونَ حِينَ ارْتَحَلُوا أَنَّ مَوْعِدَكُمَ الْمَوْسِمُ مَوْسِمُ بَدْرٍ، وَهِيَ سُوقٌ كَانَتْ تَقُومُ بِبَدْرٍ كُلَّ عَامٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ:
«قُولُوا لَهُمْ نَعَمْ قَدْ فَعَلْنَا»، قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَذَلِكَ الْمَوْعِدُ.
وزَعَمُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ كَانَ عَرَضَ يَوْمَئِذٍ سيفه، فقال: من يأخذها بِحَقِّهِ؟ قَالُوا وَمَا حَقُّهُ قَالَ يَضْرِبُ بِهِ إِذَا لَقِيَ الْعَدُوَّ،
فَقَالَ عُمَرُ- زَعَمُوا-: أَنَا آخُذُهُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ عَرَضَهُ الثَّانِيَةَ، فَقَالَ الزُّبَيْرُ: أَنَا آخُذُهُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَوَجَدَ عُمَرُ وَالزُّبَيْرُ فِي أَنْفُسِهِمَا مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ عَرَضَهُ الثَّالِثَةَ بِذَلِكَ الشَّرْطِ فَقَالَ أَبُو دُجَانَةَ سِمَاكُ بْنُ خَرَشَةَ أخو بني ساعدة: أن آخُذُهُ يَا رَسُولَ اللَّه بِحَقِّهِ، فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ فَصَدَقَ بِهِ حِينَ لَقِيَ الْعَدُوَّ وَأَعْطَى السَّيْفَ بِحَقِّهِ.
وَزَعَمُوا أَنَّ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: كُنْتُ فِيمَنْ خَرَجَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَلَمَّا رَأَيْتُ مُثَلَ الْمُشْرِكِينَ بِقَتْلَى الْمُسْلِمِينَ قُمْتُ فَتَجَاوَزْتُ فَإِذَا رَجُلٌ مِنَ المشركين جمع الأمة تحوية الْمُسْلِمِينَ وَيَقُولُ اسْتَوْسِقُوا كَمَا تَسْتَوْسِقُ جُرْدُ الْغَنَمِ، قَالَ: وَإِذَا
[ ٣ / ٢١٥ ]
رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَائِمٌ يَنْتَظِرُهُ وَعَلَيْهِ لَأْمَتُهُ فَمَضَيْتُ حَتَّى كُنْتُ مِنْ وَرَائِهِ ثُمَّ قُمْتُ أُقَدِّرُ الْمُسْلِمَ وَالْكَافِرَ بِبَصَرِي فَإِذَا الْكَافِرُ أَفْضَلُهُمَا عُدَّةً وَهَيْئَةً، قَالَ: فَلَمْ أَزَلْ أَنْتَظِرُهُمَا حَتَّى الْتَقَيَا، فَضَرَبَ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ عَلَى حَبْلِ عَاتِقِهِ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ بَلَغَتْ وَرِكَهُ، وَتَفَرَّقَ فِرْقَتَيْنِ، ثُمَّ كَشَفَ الْمُسْلِمُ عَنْ وَجْهِهِ فَقَالَ كَيْفَ تَرَى يَا كَعْبُ: أَنَا أَبُو دُجَانَةَ.
فَلَمَّا دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ أَزِقَّةَ الْمَدِينَةِ إِذَا النَّوْحُ وَالْبُكَاءُ فِي الدُّورِ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: هَذِهِ نِسَاءُ الْأَنْصَارِ يَبْكِينَ قَتْلَاهُمْ، قَالَ: وَأَقْبَلَتِ امْرَأَةٌ تَحْمِلُ ابْنَهَا وَزَوْجَهَا عَلَى بَعِيرٍ قَدْ رَبَطَتْهُمَا بِحَبْلٍ، ثُمَّ رَكِبَتْ بَيْنَهُمَا، وَحُمِلَ مِنْهُمْ قَتْلَى فَدُفِنُوا فِي مَقَابِرِ الْمَدِينَةِ، فَنَهَاهُمْ رَسُولُ اللَّه ﷺ عَنْ حَمْلِهِمْ، وَقَالَ: وَارُوهُمْ حَيْثُ أُصِيبُوا وَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ حِينَ سَمِعَ الْبُكَاءَ لَكِنَّ حَمْزَةَ لَا بَوَاكِيَ لَهُ.
وَاسْتَغْفَرَ لَهُ فَسَمِعَ ذَلِكَ: سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، وَسَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَعَبْدُ اللَّه بْنُ رَوَاحَةَ، فَمَشَوْا فِي دُورِهِمْ، فَجَمَعُوا كُلَّ نَائِحَةٍ وَبَاكِيَةٍ كَانَتْ بِالْمَدِينَةِ، فَقَالُوا: واللَّه لَا تَبْكِينَ قَتْلَى الْأَنْصَارِ حَتَّى تَبْكِينَ عَمَّ رَسُولِ اللَّه ﷺ، فَإِنَّهُ قَدْ ذَكَرَ أَنْ لَا بَوَاكِيَ لَهُ بِالْمَدِينَةِ، وَزَعَمُوا أَنَّ الَّذِي جَاءَ بِالنَّوَائِحِ عَبْدُ اللَّه بْنُ رَوَاحَةَ فَلَمَّا سَمِعَ رَسُولُ اللَّه ﷺ الْبُكَاءَ قَالَ مَا هَذَا؟ فَأُخْبِرَ بِمَا فَعَلَتِ الْأَنْصَارُ بِنِسَائِهِمْ فَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ وَقَالَ لَهُمْ خَيْرًا، وَقَالَ: مَا هَذَا أَرَدْتُ وَمَا أُحِبُّ الْبُكَاءَ، وَنَهَى عَنْهُ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ثَلَاثٌ مِنْ عَمَلِ الْجَاهِلِيَّةِ لَنْ تَتْرُكَهُنَّ أُمَّتِي: النِّيَاحَةُ عَلَى الْمَوْتَى، وَالطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَقِيلُ هَذَا الْمَطَرُ بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا وَلَيْسَ بِنَوْءٍ إِنَّمَا هُوَ عَطَاءُ اللَّه وَرِزْقُهُ» [(١٢)] .
وَأَخَذَ الْمُنَافِقُونَ عِنْدَ بُكَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمَكْرِ وَالتَّفْرِيقِ عَنْ رَسُولِ اللَّه ﷺ وَتَحْزِينِ الْمُؤْمِنِينَ، وَظَهَرَ غِشُّ الْيَهُودِ، وَفَارَتِ الْمَدِينَةُ بِالنِّفَاقِ فَوْرَ الْمِرْجَلِ
_________________
(١) [(١٢)] الحديث أخرجه الترمذي في: ٨- كتاب الجنائز (٢٣) بَابُ مَا جَاءَ فِي كراهية النوح، الحديث (١٠٠١) ص (٣: ٣١٦)، وقال ابو عيسى: «هذا حديث حسن» .
[ ٣ / ٢١٦ ]
وَأَظْهَرُوا النِّفَاقَ وَالْغِشَّ عِنْدَ بُكَاءِ الْمُسْلِمِينَ مَا كَانُوا مُسْتَخْفِينَ، وَقَالَتِ الْيَهُودُ:
لَوْ كَانَ نَبِيًّا مَا ظَهَرُوا عَلَيْهِ، وَلَا أُصِيبَ مِنْهُ مَا أُصِيبَ، وَلَكِنَّهُ طَالِبُ مُلْكٍ تَكُونُ لَهُ الدَّوْلَةُ مَرَّةً وَعَلَيْهِ مَرَّةً، وَكَذَلِكَ أَهْلُ طَلَبِ الدُّنْيَا بِغَيْرِ نُبُوَّةٍ، وَقَالَ الْمُنَافِقُونَ نَحْوَ قَوْلِهِمْ، وَقَالُوا لِلْمُسْلِمِينَ: لَوْ كُنْتُمْ أَطَعْتُمُونَا مَا أَصَابُوا الَّذِي أَصَابُوا مِنْكُمْ.
وَقَدِمَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ عَلَى رَسُولِ اللَّه ﷺ فَاسْتَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ وَأَصْحَابِهِ، فَقَالَ: نَازَلْتُهُمْ فَسَمِعْتُهُمْ يَتَلَاوَمُونَ، يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لَمْ تَصْنَعُوا شَيْئًا أَصَبْتُمْ شَوْكَةَ الْقَوْمِ وَحَدَّهُمْ ثُمَّ تَرَكْتُمُوهُمْ وَلَمْ تَبْرُوهُمْ، فَقَدْ بَقِيَ منهم رؤوس يَجْمَعُونَ لَكُمْ،
وَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ وَبِهِمْ أَشَدُّ الْقَرْحِ بِطَلَبِ الْعَدُوِّ لِيَسْمَعُوا بِذَلِكَ، وَقَالَ: لَا يَنْطَلِقَنَّ مَعِي إِلَّا مَنْ شَهِدَ الْقِتَالَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّه ابن أُبَيٍّ: أَنَا رَاكِبٌ مَعَكَ فَقَالَ: لَا، فَاسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ عَلَى الَّذِي بِهِمْ مِنَ الْبَلَاءِ، فَانْطَلَقُوا
فَقَالَ اللَّه ﷿ في كِتَابِهِ: الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ [(١٣)] .
قَالَ: وَأَقْبَلَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّه السُّلَمِيُّ إِلَى رَسُولِ اللَّه ﷺ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّه! إِنَّ أَبِي رَجَّعَنِي وَقَدْ خَرَجْتُ مَعَكَ لِأَشْهَدَ الْقِتَالَ، فَقَالَ: ارْجِعْ وَنَاشَدَنِي أَنْ لَا أَتْرُكَ نِسَاءَنَا، وَإِنَّمَا أَرَادَ حِينَ أَوْصَانِي بِالرُّجُوعِ رَجَاءَ الَّذِي كَانَ أَصَابَهُ مِنَ الْقَتْلِ، فَاسْتَشْهَدَهُ اللَّه، فَأَرَادَ بِيَ الْبَقَاءَ لِتَرِكَتِهِ وَلَا أُحِبُّ أَنْ تَتَوَجَّهَ وَجْهًا إِلَّا كُنْتُ مَعَكَ، وَقَدْ كَرِهْتُ أَنْ يُطْلَبَ مَعَكَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ الْقِتَالَ، فَأْذَنْ لِي، فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّه ﷺ،
فَطَلَبَ رَسُولُ اللَّه ﷺ الْعَدُوَّ حَتَّى بَلَغَ حَمْرَاءَ الْأَسَدِ، وَنَزَلَ الْقُرْآنُ فِي طَاعَةِ مَنْ أَطَاعَ وَنِفَاقِ مَنْ نَافَقَ وَتَعْزِيَةِ الْمُسْلِمِينَ وَشَأْنِ مَوَاطِنِهِمْ كُلِّهَا، وَمَخْرَجِ رسول اللَّه ﷺ إِذَا غَدَا فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [(١٤)] ثُمَّ مَا بَعْدَ الْآيَةِ فِي قِصَّةِ أَمْرِهِمْ
_________________
(١) [(١٣)] الآية الكريمة (١٧٢) من سورة آل عمران. [(١٤)] الآية الكريمة (١٢١) من سورة آل عمران.
[ ٣ / ٢١٧ ]
حَتَّى بَلَغَ إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا، وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ، إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ [(١٥)] مَعَ سَبْعِ آيَاتٍ بَعْدَهَا، وَالرَّهْطُ الَّذِينَ تَوَلَّوْا رَجُلَانِ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ: سَعْدُ بْنُ عُثْمَانَ، وَأَخُوهُ: عُقْبَةُ بْنُ عُثْمَانَ، وَرَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ: تَوَلَّوْا حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى بِئْرِ حَزْمٍ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ فُلَيْحٍ إِلَى الْجَلْعَبِ ثُمَّ عَفَا اللَّه عَنْهُمْ، ثُمَّ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ اسْتَكْثَرُوا الَّذِي أَصَابَهُمْ مِنَ الْبَلَاءِ يَوْمَ أُحُدٍ، وَقَدْ كَانُوا أَصَابُوا يَوْمَ بَدْرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ضِعْفَ ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّه ﷿ فِي ذَلِكَ أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [(١٦)] وَآيَاتٍ مَعَهَا بَعْدَهَا.
ثُمَّ سَمَّى مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ مَنْ قُتِلَ مَعَ رَسُولِ اللَّه ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ، وَذَكَرَ فِيهِمُ: الْيَمَانَ أَبَا حُذَيْفَةَ وَاسْمُهُ حُسَيْلُ بْنُ جُبَيْرٍ حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ بَنِي عَبْسٍ أَصَابَهُ الْمُسْلِمُونَ زَعَمُوا فِي الْمَعْرَكَةِ لَا يَدْرُونَ مَنْ أَصَابَهُ، فَتَصَدَّقَ حُذَيْفَةُ بِدَمِهِ عَلَى مَنْ أَصَابَهُ.
قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَخْطَأَ [(١٧)] بِهِ الْمُسْلِمُونَ يَوْمَئِذٍ فَتَوَشَّقُوهُ بِأَسْيَافِهِمْ يَحْسَبُونَهُ مِنَ الْعَدُوِّ، وَإِنَّ حُذَيْفَةَ لَيَقُولُ أَبِي أَبِي فَلَمْ يَفْقَهُوا قَوْلَهُ، حَتَّى فَرَغُوا مِنْهُ. قَالَ حُذَيْفَةُ يَغْفِرُ اللَّه لَكُمْ يَغْفِرُ اللَّه لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، قَالَ: وَوَدَاهُ رسول اللَّه ﷺ وَزَادَ حُذَيْفَةُ عِنْدَهُ خَيْرًا.
قَالَ: وَجَمِيعُ مَنِ اسْتُشْهِدَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوَمَ أُحُدٍ مِنْ قريش والأنصار [(١٨)]
_________________
(١) [(١٥)] الآية الكريمة (١٥٥) من سورة آل عمران. [(١٦)] الآية الكريمة (١٦٥) من سورة آل عمران. [(١٧)] في (ص) رسمت: «أخطاء به»، وفي (هـ) و(أ): «أخطأ به» غير مهموز، وأثبت ما في (ح) . [(١٨)] بداية المقابلة مع نسخة (د) ذات الرقم (١٠١٢) دار الكتب المصرية، وانظر وصفها في تقدمتنا للكتاب.
[ ٣ / ٢١٨ ]
تِسْعَةٌ وَأَرْبَعُونَ رَجُلًا، وَقُتِلَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ أُحُدٍ سِتَّةَ عَشَرَ رَجُلًا.
قَدْ ذَكَرْنَا قِصَّةَ أُحُدٍ عَنْ مَغَازِي مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ [(١٩)] ﵀، وَلِمَا ذُكِرَ مِنْهَا شَوَاهِدُ فِي الْأَحَادِيثِ الْمُتَفَرِّقَةِ [(٢٠)] وَفِي بَعْضِ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ زِيَادَاتٌ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِهَا وَنَحْنُ نَأْتِي عَلَيْهَا إِنْ شَاءَ اللَّه فِي أَبْوَابٍ مُتَرْجَمَةٍ بِمَا تشتمل عليه [(٢١)] .
_________________
(١) [(١٩)] قد ذكرها مختصرة ابن عبد البر في «الدرر في مختصر المغازي والسير»، صفحة (١٤٥- ١٥٣)، وبعضها عند ابن سيد الناس في عيون الأثر (٢: ٥- ٣٥)، ونقل بعضها الصالحي في السيرة الشامية (٤: ٢٧١- ٣٣٤) . [(٢٠)] ستأتي في الأبواب التالية. [(٢١)] الى هنا انتهى الجزء الثالث من نسخة (هـ)، وبتمامه ينتهي الموجود من نسخة (هـ)، وبآخره سماعات وانظر تقدمتنا للكتاب في وصف النسخة (هـ) .
[ ٣ / ٢١٩ ]
بَابُ ذِكْرِ عَدَدِ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ وَعَدَدِ الْمُشْرِكِينَ، وَقَوْلِ اللَّه ﷿: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [(١)] وَقَوْلِهِ: فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا
[(٢)] أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ بِبَغْدَادَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ جَعْفَرٍ النَّحْوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، فِي خُرُوجِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى أُحُدٍ، قَالَ: حَتَّى إِذَا كَانَ رَسُولُ اللَّه ﷺ بِالشَّوْطِ [(٣)] مِنَ الْجَبَّانَةِ انْخَزَلَ عَبْدُ اللَّه بْنُ أُبَيٍّ بِقَرِيبٍ مِنْ ثُلُثِ الْجَيْشِ، وَمَضَى النَّبِيُّ ﷺ وأصحابه وهم في سبع مائة، وَتَعَبَّأَتْ قُرَيْشٌ وَهُمْ ثَلَاثَةُ آلَافٍ، وَمَعَهُمْ مِائَتَا فَرَسٍ، قَالَ:
جَنَّبُوهَا وَجَعَلُوا عَلَى مَيْمَنَةِ الْخَيْلِ: خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهَا: عِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ، هَكَذَا وَجَدْتُهُ فِي كِتَابِي.
وَأَعَادَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ هَذَهِ الْقِصَّةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ بِعَيْنِهِ تُخَالِفُ هَذِهِ الْقِصَّةَ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهَا، وَيَقُولُ فِيهَا: وَالْمُسْلِمُونَ يَوْمَئِذٍ قَرِيبٌ مِنْ أربع مائة رَجُلٍ، وَالْمُشْرِكُونَ يَوْمَئِذٍ قَرِيبٌ مِنْ ثَلَاثَةِ آلَافٍ، وَقَوْلُهُ الْأَوَّلُ أَشْبَهُ بِمَا رَوَاهُ موسى بن
_________________
(١) [(١)] الآيتان (١٢١- ١٢٢) من سورة آل عمران. [(٢)] الآية الكريمة (٨٨) من سورة النساء. [(٣)] بين المدينة وأحد.
[ ٣ / ٢٢٠ ]
عُقْبَةَ وَأَشْهَرُ عِنْدَ أَهْلِ الْمَغَازِي، وَإِنْ كَانَ الْمَشْهُورُ عن الزهري، أَرْبَعَ مِائَةٍ [(٤)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عبد الله الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْبَغْدَادِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ، قَالَ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ، وَهُمْ أَلْفُ رَجُلٍ وَالْمُشْرِكُونَ ثَلَاثَةُ آلَافٍ، فَمَضَى رَسُولُ اللَّه ﷺ، فَنَزَلَ أُحُدًا، وَرَجَعَ عَنْهُ عَبْدُ اللَّه بْنُ أُبَيٍّ فِي ثَلَاثِمِائَةٍ، وَبَقِيَ رَسُولُ اللَّه ﷺ فِي سبع مائة، ثُمَّ ذَكَرَ شِعْرَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ فِي عَدَدِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَثْرَةِ الْمُشْرِكِينَ بِأَتَمَّ مِنْ ذِكْرِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ [(٥)] .
قَالَ عُرْوَةُ: فَلَمَّا رَجَعَ عَبْدُ اللَّه بْنُ أبي في الثلاث مائة سُقِطَ فِي أَيْدِي الطَّائِفَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَهَمَّتَا أَنْ تَقْتَتِلَا [(٦)] وَالطَّائِفَتَانِ: بَنُو سَلِمَةَ، وَبَنُو حَارِثَةَ [(٧)] .
حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدُ اللَّه بْنُ يُوسُفَ الْأَصْبَهَانِيُّ إِمْلَاءً قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ: أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زياد النّصري [(٨)] بِمَكَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عن جابر ابن عَبْدِ اللَّه: إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا [(٩)]: بَنُو سَلِمَةَ، وَبَنُو حَارِثَةَ مَا أُحِبُّ أَنَّهَا لَمْ تَنْزِلْ، لِقَوْلِهِ ﷿: وَاللَّهُ وَلِيُّهُما [(٩)] .
_________________
(١) [(٤)] نقله الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٤: ١٣)، عن المصنف. [(٥)] البداية والنهاية (٤: ١٣) [(٦)] في (ص) و(ح) و(د): «تفشلا» . [(٧)] نقله الصالحي في السيرة الشامية (٤: ٢٨٠) . [(٨)] في (ص) و(ح) و(د) «البصري» . [(٩)] الآية الكريمة (١٢٢) من سورة آل عمران.
[ ٣ / ٢٢١ ]
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّه وَغَيْرِهِ، عَنْ سُفْيَانَ [(١٠)] .
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ وَغَيْرِهِ عَنْ سُفْيَانَ [(١١)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ جَعْفَرٍ النَّحْوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ (ح) [(١٢)] .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو النَّضْرِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الْفَقِيهُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّه بْنَ يَزِيدَ يُحَدِّثُ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: لَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّه ﷺ إِلَى أُحُدٍ رَجَعَ نَاسٌ خَرَجُوا مَعَهُ، قَالَ: فَكَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّه ﷺ فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةً تقول:
تقاتلهم وَفِرْقَةٌ تَقُولُ: لَا نُقَاتِلُهُمْ، وَفِي رِوَايَةِ الْقَطَّانِ فِرْقَةٌ يَقُولُونَ نَقْتُلُهُمْ وَفِرْقَةٌ يَقُولُونَ لَا نَقْتُلُهُمْ، فَنَزَلَتْ فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا [(١٣)] قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: إِنَّهَا طَيْبَةُ تَنْفِي الْخَبَثَ كَمَا تَنْفِي النَّارُ خَبَثَ الفضة.
_________________
(١) [(١٠)] الْبُخَارِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّه المديني في كتاب التفسير، تفسير سورة آل عمران، (٨) باب إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ ان تفشلا، فتح الباري (٨: ٢٢٥) . وأخرجه الْبُخَارِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يوسف عن ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عن جابر في: ٦٤- كتاب المغازي (١٨) باب إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا واللَّه وَلِيُّهُمَا ، الحديث (٤٠٥١) فتح الباري (٧: ٣٥٧) . [(١١)] مُسْلِمٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ راهويه فِي: ٤٤- كِتَابِ فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ، الحديث (١٧١)، ص (١٩٤٨)، وعن غير إسحاق بن راهويه في نفس الباب. [(١٢)] رمز تحويل الحديث من (ص) و(د) . [(١٣)] الآية الكريمة (٨٨) من سورة النساء.
[ ٣ / ٢٢٢ ]
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ [(١٤)] .
وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ شُعْبَةَ [(١٥)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ الْفَقِيهُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْقَطَّانُ، قَالَ: حدثنا محمد ابن يَزِيدَ السُّلَمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ ﷿: مَا كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ [(١٦)] قَالَ: مَيَّزَهُمْ يَوْمَ أُحُدٍ: الْمُنَافِقَ عَنِ الْمُؤْمِنِ [(١٧)] .
_________________
(١) [(١٤)] البخاري عن أبي الوليد، عن شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّه بْنَ يَزِيدَ يُحَدِّثُ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ﵁- أَخْرَجَهُ البخاري في ٦٤- كتاب المغازي (١٧) باب غزوة أحد، الحديث (٤٠٥٠)، فتح الباري (٧: ٣٥٦) وأخرجه البخاري أيضا في كتاب الحج، (باب) المدينة تنفي الخبث، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ، وفي كتاب التفسير، تفسير سورة النساء، (باب) فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فئتين واللَّه أركسهم، عَنْ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، عَنْ غندر، وابن مهدي. [(١٥)] أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخر عن شعبة في: ١٥- كتاب الحج (٨٨) باب المدينة تنفي شرارها، الحديث (٤٩٠)، ص (١٠٠٦)، وأخرجه الترمذي في تفسير سورة النساء، وقال: «حسن صحيح» . [(١٦)] الآية الكريمة (١٧٩) من سورة آل عمران. [(١٧)] الخبر رواه الطبري في التفسير (٧: ٤٢٤- ٤٢٥) ط. دار المعارف.
[ ٣ / ٢٢٣ ]
بَابُ كَيْفَ كَانَ الْخُرُوجُ إِلَى أُحُدٍ وَالْقِتَالُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ والْمُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ، وعاصم بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، ومحمد بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، والْحُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ عُلَمَائِنَا، كُلٌّ [(١)] قَدْ حَدَّثَ بَعْضَ الْحَدِيثِ عَنْ يَوْمِ أُحُدٍ، وَقَدِ اجْتَمَعَ حَدِيثُهُمْ فِيمَا سُقْتُ، قَالُوا: [(٢)] .
لَمَّا أُصِيبَتْ قُرَيْشٌ يَوْمَ بَدْرٍ وَرَجَعَ فَلُّهُمْ إِلَى مَكَّةَ وَرَجَعَ أَبُو سُفْيَانَ بِعِيرِهِ، مَشَى عَبْدُ اللَّه بْنُ أبي ربيعة، وَعِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ، وَصَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ، فِي رِجَالٍ مِنْ قُرَيْشٍ [(٣)] فَكَلَّمُوا أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ وَمَنْ كَانَتْ لَهُ فِي تِلْكَ الْعِيرِ مِنْ قُرَيْشٍ تِجَارَةٌ، فَقَالُوا: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ وَتَرَكُمْ وَقَتَلَ خِيَارَكُمْ، فَأَعِينُونَا بِهَذَا الْمَالِ عَلَى حَرْبِهِ لَعَلَّنَا أَنْ نُدْرِكَ مِنْهُ ثَأْرًا مِمَّنْ أَصَابَ مِنَّا، ففعلوا،
_________________
(١) [(١)] في سيرة ابن هشام: «كلهم قد» . [(٢)] في سيرة ابن هشام: «قالوا، أو من قاله منهم» . [(٣)] في سيرة ابن هشام: «فِي رِجَالٍ مِنْ قُرَيْشٍ ممن أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم يوم بدر، فكلّموا أبا سفيان » .
[ ٣ / ٢٢٤ ]
فَفِيهِمْ أَنْزَلَ اللَّه ﷿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِلَى قَوْلِهِ: إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ [(٤)] .
فَلَمَّا اجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ لِحَرْبِ رَسُولِ اللَّه ﷺ بِأَحَابِيشِهَا، وَمَنْ أَطَاعَهَا مِنْ بَنِي كِنَانَةَ وَأَهْلِ تِهَامَةَ، خَرَجُوا مَعَهُمْ بِالظَّعِينِ [(٥)] الْتِمَاسَ الْحَفِيظَةَ [(٦)] وَأَنْ لَا يَفِرُّوا [(٧)]، فَخَرَجُوا حَتَّى نَزَلُوا يَعْنِينَ بِبَطْنِ السَّبَخَةِ عَلَى شَفِيرِ وَادٍ مِمَّا يَلِي الْمَدِينَةَ [(٨)] .
فَلَمَّا سَمِعَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّه ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ،
قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ لِلْمُسْلِمِينَ: إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ بَقَرًا [تُذْبَحُ] [(٩)] وَأَوَّلْتُهَا خَيْرًا، وَرَأَيْتُ في ذؤابة [(١٠)]
_________________
(١) [(٤)] الآية الكريمة (٣٦) من سورة الأنفال. [(٥)] (الظعن) جمع ظعينة، وهي المرأة في الهودج [(٦)] (الحفيظة): الأنفة، والغضب. [(٧)] في سيرة ابن هشام جاء بعده، فخرج أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، وهو قائد الناس، (معه) بهند ابنة عتبة، وخرج عِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ بأم حكيم بنت الحرث بْنَ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وخرج الحارث بْنَ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بفاطمة بنت الوليد بن المغيرة، وخرج صفوان بن امية ببرزة بنت مسعود بن عمرو بن عمير الثقفية، وَهِيَ أُمُّ عَبْدِ اللَّه بن صفوان (بن أمية) . قال ابن هشام: ويقال رقية. قال ابن إسحاق: وخرج عمرو بن العاص برقطة بنت منبه بن الحجاج، وَهِيَ أُمُّ عَبْدِ اللَّه بن عمرو، وخرج طلحة بن أبي طلحة (وأبو طلحة عبد اللَّه بن عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ) بسلافة بنت سعد بن شهيد الأنصارية، وهي أم بني طلحة: مسافع، والجلاس: وكلاب، قتلوا يومئذ هم وأبوهم وخرجت خناس بنت مالك بن المضرب، إحدى نساء بني مالك بن حسل مع ابنها أبي عزيز بن عمير، وهي أم مصعب بن عمير، وخرجت عمرة بنت علقمة إحدى نساء بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة. وكانت هند بنت عتبة كلما مرت بوحشى او مر بها قالت: وبها أبا دسمة اشف واشتف، وكان وحشى يكنى بأبي دسمة. [(٨)] في سيرة ابن هشام: «على شفير الوادي مقابل المدينة» . [(٩)] الزيادة من سيرة ابن هشام. [(١٠)] ابن هشام «ذباب سيفي» .
[ ٣ / ٢٢٥ ]
سَيْفِي ثَلْمًا، وَرَأَيْتُ أَنِّيَ أَدْخَلْتُ يَدِي فِي دِرْعٍ حَصِينَةٍ فَأَوَّلْتُهَا الْمَدِينَةَ [(١١)] .
فَإِنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تُقِيمُوا بِالْمَدِينَةِ وَتَدَعُوهُمْ حَيْثُ نَزَلُوا فَإِنْ أَقَامُوا أَقَامُوا بِشَرِّ مُقَامٍ، وَإِنْ هُمْ دَخَلُوا عَلَيْنَا قَاتَلْتُمُوهُمْ فِيهَا [(١٢)] .
قَالَ رِجَالٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ أَكْرَمَهُمُ اللَّه بِالشَّهَادَةِ يَوْمَ أُحُدٍ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ كَانَ فَاتَهُ يَوْمُ بَدْرٍ مِمَّنْ حَضَرَهُ: يَا رَسُولَ اللَّه، اخْرُجْ بِنَا إِلَى أَعْدَائِنَا لَا يَرَوْنَ أَنَّا جَبُنَّا عَنْهُمْ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّه بْنُ أُبَيٍّ: أَقِمْ بِالْمَدِينَةِ وَلَا تَخْرُجْ إِلَيْهِمْ فَلَمْ يَزَلِ النَّاسُ بِرَسُولِ اللَّه ﷺ الَّذِينَ كَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ حُبُّ لِقَاءِ الْقَوْمِ، حَتَّى دَخَلَ رَسُولُ اللَّه ﷺ فَلَبِسَ لَأْمَتَهُ [(١٣)]، وَذَلِكَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ حِينَ فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ، وَقَدْ مَاتَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ: مَالِكُ بْنُ عَمْرٍو أَحَدُ بَنِي النَّجَّارِ، فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّه ﷺ، ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْهِمْ،
وَقَدْ نَدِمَ النَّاسُ، فَقَالُوا: اسْتَكْرَهْنَاكَ يَا رَسُولَ اللَّه، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَنَا، فَإِنْ شِئْتَ فَاقْعُدْ صَلَّى اللَّه عَلَيْكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ مَا يَنْبَغِي لِلنَّبِيِّ إِذَا لَبِسَ لَأْمَتَهُ أَنْ يَضَعَهَا حَتَّى يُقَاتِلَ،
فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّه ﷺ فِي أَلْفِ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالشَّوْطِ بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَأُحُدٍ، انْخَزَلَ عَنْهُ عَبْدُ اللَّه بْنُ أُبَيٍّ الْمُنَافِقُ بِثُلُثِ النَّاسِ، وَقَالَ: أَطَاعَهُمْ وَعَصَانِي، قَالَ:
وَمَضَى رَسُولُ اللَّه ﷺ فَذَكَرَ كَيْفِيَّةَ مَسِيرِهِ
قَالَ: فَصَفَّهُمْ وَلِوَاؤُهُ يَوْمَئِذٍ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ﵁- حِينَ غَدَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: مَعَ مَنْ لِوَاءُ الْقَوْمِ؟ قَالُوا: مَعَ طَلْحَةَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَخِي بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، فَقَالَ ﷺ نَحْنُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ مِنْهُمْ، فَدَعَا مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ أَخَا بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، فَأَعْطَاهُ اللِّوَاءَ،
_________________
(١) [(١١)] جاء بعدها في سيرة ابن هشام: «وحدّثني بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ، قَالَ: رَأَيْتُ بقرا تذبح، قال: فأما البقر فهي ناس من أصحابي يقتلون، واما الثّلم الذي رأيت في ذباب سيفي فهو رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يقتل» . [(١٢)] في سيرة ابن هشام: «وإن هم دخلوها علينا قاتلناهم فيها» . [(١٣)] (للأمة): الدرع، وقد يسمى السلاح كله لأمة.
[ ٣ / ٢٢٦ ]
ثُمَّ إِنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ خَرَجَ يَوْمَ أُحُدٍ فَدَعَا إِلَى الْبِرَازِ، فَأَحْجَمَ النَّاسُ عَنْهُ حَتَّى دَعَا ثَلَاثًا وَهُوَ عَلَى جَمَلٍ لَهُ، فَقَامَ إِلَيْهِ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ، فَوَثَبَ عَلَيْهِ وَهُوَ عَلَى بَعِيرِهِ فَاسْتَوَى مَعَهُ عَلَى رَحْلِهِ، ثُمَّ عَانَقَهُ فَأَقْبَلَا فَوْقَ الْبَعِيرِ جَمِيعًا،
فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: الَّذِي يَلِي حَضِيضَ الْأَرْضِ مَقْتُولٌ، فَوَقَعَ الْمُشْرِكُ وَوَقَعَ الزُّبَيْرُ عَلَيْهِ فَذَبَحَهُ بِسَيْفِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ:
ادْنُ يا بن صَفِيَّةَ، فَلَقَدْ قُمْتَ وَإِنِّي لَأَهُمُّ بِالْقِيَامِ إِلَيْهِ وَذَلِكَ لِمَا رَأَى مِنْ إِحْجَامِ الْقَوْمِ عَنْهُ، ثُمَّ قَرَّبَ رسول اللَّه ﷺ الزُّبَيْرَ فَأَجْلَسَهُ عَلَى فَخِذِهِ، وَقَالَ: إِنَّ لكلّ نبيّ حواريّ وَالزُّبَيْرُ حَوَارِيَّ.
قَالَ: وَأَمَّرَ رَسُولُ اللَّه ﷺ عَلَى الرُّمَاةِ عَبْدَ اللَّه بْنَ جُبَيْرٍ أَخَا بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَالرُّمَاةُ خَمْسُونَ رَجُلًا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّه ﷺ: «انْضَحْ عَنَّا الْخَيْلَ [(١٤)] بِالنَّبْلِ لَا يَأْتُونَنَا مِنْ خَلْفِنَا إِنْ كَانَتْ لَنَا أَوْ عَلَيْنَا فَاثْبُتْ مَكَانَكَ لَا تؤتينّ مِنْ قِبَلِكَ»، وَظَاهَرَ رَسُولُ اللَّه ﷺ يَوْمَئِذٍ بَيْنَ دِرْعَيْنِ [(١٥)] .
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَالْتَقَوْا يَوْمَ السَّبْتِ لِلنِّصْفِ مِنْ شَوَّالٍ، وَاقْتَتَلَ النَّاسُ حَتَّى حَمِيَتِ الْحَرْبُ، وَقَاتَلَ أَبُو دُجَانَةَ حَتَّى أَمْعَنَ فِي النَّاسِ، وَحَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فِي رِجَالٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَنْزَلَ اللَّه ﷿ نَصْرَهُ وَصَدَقَهُمْ وَعْدَهُ فَحَسُّوهُمْ بِالسُّيوفِ حَتَّى كَشَفُوهُمْ عَنِ الْعَسْكَرِ، وَكَانَتِ الْهَزِيمَةُ لَا شَكَّ فِيهَا [(١٦)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ
_________________
(١) [(١٤)] (انضح الخيل عنا) «ادفعها عنا» . [(١٥)] (ظاهر بين درعين) لبس درعا فوق درع. [(١٦)] من أول الرواية عن ابي إسحاق حتى ههنا مقتطفات من سيرة ابن هشام (٣: ٣- ١٠) .
[ ٣ / ٢٢٧ ]
إِسْحَاقَ، قَالَ: فَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّه بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ:
أَنَّ الزبير بن العوام، قال: واللَّه لَقَدْ رَأَيْتُنِي أَنْظُرُ إِلَى خَدَمِ هِنْدِ بِنْتِ عُتْبَةَ وَصَوَاحِبَاتِهَا مُشَمِّرَاتٍ هَوَارِبَ مَا دُونَ أَخْذِهِنَّ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ إِذْ مَالَتِ الرُّمَاةُ إِلَى الْعَسْكَرِ، حَتَّى كَشَفَنَا الْقَوْمُ عَنْهُ يُرِيدُونَ النَّهْبَ، وَخَلَّوْا ظُهُورَنَا لِلْخَيْلِ، فَأُتِينَا مِنْ أَدْبَارِنَا، وَصَرَخَ صَارِخٌ أَلَا إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، فَانْكَفَأْنَا وَانْكَفَأَ عَلَيْنَا الْقَوْمُ بَعْدَ أَنْ أَصَبْنَا أَصْحَابَ اللِّوَاءِ حَتَّى مَا يَدْنُو مِنْهُ أَحَدٌ مِنَ الْقَوْمِ [(١٧)] .
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَلَمْ يَزَلْ لِوَاءُ الْمُشْرِكِينَ صَرِيعًا حَتَّى أَخَذَتْهُ عَمْرَةُ بِنْتُ عَلْقَمَةَ الْحَارِثِيَّةُ، فرفعته لقريش فلا ثوابها [(١٨)] .
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ يَعْنِي تَقْتُلُونَهُمْ بِإِذْنِهِ، حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ، يَعْنِي بِالْمَعْصِيَةِ: إِقْبَالَ مَنْ أَقْبَلَ مِنْهُمْ عَلَى الْمَغْنَمِ، وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ» [(١٩)] يَعْنِي نَصْرَ اللَّه الْمُؤْمِنِينَ حَتَّى رَكِبَ نِسَاءُ الْمُشْرِكِينَ كُلَّ صَعْبٍ وَذَلُولٍ، ثُمَّ أُدِيلَ لِلْمُشْرِكِينَ عَلَيْهِمْ بِمَعْصِيَتِهِمُ الرَّسُولَ حَتَّى حَصَبَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ.
أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ الْفَقِيهُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُعَاوِيَةَ النَّيْسَابُورِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ وَارَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّه، قَالَ: مَا كُنْتُ أَرَى أَنَّ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّه ﷺ يُرِيدُ الدنيا حتى نزلت
_________________
(١) [(١٧)] سيرة ابن هشام (٣: ٢١) . [(١٨)] سيرة ابن هشام (٣: ٢١) . [(١٩)] الآية الكريمة (١٥٢) من سورة آل عمران.
[ ٣ / ٢٢٨ ]
فينا ما نزل يَوْمَ أُحُدٍ، مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ [(٢٠)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الرُّوذْبَارِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بكر بن داسة، قال: حدثنا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ، قال حدثنا زهير (ح) .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ: قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ: أَحْمَدُ بْنُ محمد ابن عَبْدُوسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ خديج بْنِ الرُّحَيْلِ الْجُعْفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ يُحَدِّثُ، قَالَ: جَعَلَ رَسُولُ اللَّه ﷺ على الرُّمَاةَ يَوْمَ أُحُدٍ- وَكَانُوا خَمْسِينَ رَجُلًا- عَبْدَ اللَّه بْنَ جُبَيْرٍ، وَقَالَ إِذَا رَأَيْتُمُونَا تَخْطَفُنَا الطَّيْرُ فَلَا تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ هَذَا حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ، وَإِنْ رَأَيْتُمُونَا هَزَمْنَا الْقَوْمَ وَأَوْطَأْنَاهُمْ فَلَا تَبْرَحُوا حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ، قَالَ: فَهَزَمُوهُمْ، قَالَ فَأَنَا واللَّه رَأَيْتُ النِّسَاءَ يَشْتَدِدْنَ عَلَى الْخَيْلِ، قَدْ بَدَتْ خَلَاخِيلُهُنَّ وَأَسْوُقُهُنَّ رَافِعَاتٍ ثِيَابَهُنَّ فَقَالَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللَّه بْنِ جُبَيْرٍ: الْغَنِيمَةَ أَيْ قَوْمِ الْغَنِيمَةَ، ظَهَرَ أَصْحَابُكُمْ فَمَا تَنْظُرُونَ، قَالَ عَبْدُ اللَّه بْنُ جُبَيْرٍ: أَنَسِيتُمْ مَا قَالَ لَكُمْ رَسُولُ اللَّه ﷺ؟ فَقَالُوا:
لَنَأْتِيَنَّ النَّاسَ فَلَنُصِيبَنَّ مِنَ الْغَنِيمَةِ، فَأَتَوْهُمْ فَصُرِفَتْ وجُوهُهُمْ، فَأَقْبَلُوا مُنْهَزِمِينَ فَذَلِكَ إِذْ يَدْعُوهُمُ الرَّسُولُ فِي أُخْرَاهُمْ، فَلَمْ يَبْقَ مَعَ رَسُولِ اللَّه ﷺ إِلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا فَأَصَابُوا مِنَّا سَبْعِينَ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّه ﷺ وَأَصْحَابُهُ أَصَابُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ- قَالَ النُّفَيْلِيُّ: أَظُنُّهُ قَالَ يَوْمَ بَدْرٍ- أَرْبَعِينَ وَمِائَةً: سَبْعِينَ أَسِيرًا وَسَبْعِينَ قَتِيلًا، قَالَ:
فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: أَفِي الْقَوْمِ مُحَمَّدٌ أَفِي الْقَوْمِ مُحَمَّدٌ؟ أَفِي الْقَوْمِ مُحَمَّدٌ؟ فَنَهَاهُمْ رَسُولُ اللَّه ﷺ أَنْ يُجِيبُوهُ، ثُمَّ قَالَ: أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ؟ أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ؟ أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ؟ ثُمَّ قَالَ: أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ الْخَطَّابِ؟ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: أَمَّا هَؤُلَاءِ فَقَدْ قُتِلُوا فَمَا مَلَكَ عُمَرُ نفسه أن
_________________
(١) [(٢٠)] [آل عمران- ١٥٢] .
[ ٣ / ٢٢٩ ]
قَالَ: كَذَبْتَ يَا عَدُوَّ اللَّه، إِنَّ الَّذِينَ عَدَدْتَ لَأَحْيَاءٌ كُلُّهُمْ، وَقَدْ بَقِيَ لَكَ مَا يَسُوءُكَ، وَقَالَ يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ وَالْحَرْبُ سجال سَتَجِدُونَ لَكُمْ مُثْلَةً لَمْ آمُرْ بِهَا [(٢١)] وَلَمْ تَسُؤْنِي
ثُمَّ أَخَذَ يَرْتَجِزُ [اعْلُ هُبَلُ] [(٢٢)] اعْلُ هُبَلُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: أَلَا تُجِيبُوهُ؟ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّه مَا نَقُولُ؟ قَالَ: قُولُوا اللَّه أَعْلَى [(٢٣)] وَأَجَلُّ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ لَنَا الْعُزَّى وَلَا عُزَّى لَكُمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: أَلَا تُجِيبُوهُ؟
قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّه مَا نَقُولُ؟ قَالَ: قُولُوا اللَّه مَوْلَانَا وَلَا مَوْلَى لَكُمْ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، عَنْ زُهَيْرٍ [(٢٤)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّه الْبِسْطَامِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو يَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ الْفَارَيَابِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ جَمِيعًا، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: هُزِمَ الْمُشْرِكُونَ يَوْمَ أُحُدٍ هَزِيمَةً بَيِّنَةً [(٢٥)] تُعْرَفُ فِيهِمْ، فَصَرَخَ إِبْلِيسُ: أَيْ عِبَادَ اللَّه أُخْرَاكُمْ، فَرَجَعَتْ أُولَاهُمْ وَاجْتَلَدُوا [(٢٦)] هُمْ وَأُخْرَاهُمْ، فَنَظَرَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ فَإِذَا هُوَ بِأَبِيهِ فَقَالَ: أَبِي، أَبِي، فو اللَّه مَا انْحَجَزُوا عَنْهُ حَتَّى قَتَلُوهُ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: غَفَرَ اللَّه لَكُمْ، قَالَ عُرْوَةُ: فو اللَّه مَا زَالَتْ فِي حُذَيْفَةَ
_________________
(١) [(٢١)] في (ص) و(ح) و(د): «لم آثر بها» . [(٢٢)] في (ص) و(ح) رسمت: «أعلى» . [(٢٣)] الزيادة من (ص) و(ح) و(د) وليست في (آ) . [(٢٤)] الْبُخَارِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ في: ٦٤- كتاب المغازي، الحديث (٣٩٨٦)، فتح الباري (٧: ٣٠٧)، ومختصرا في تفسير سورة آل عمران (١٠) باب «وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ»، الحديث (٤٥٦١)، فتح الباري (٨: ٢٢٧)، وأخرجه ابو داود في كتاب الجهاد باب في الكمناء، الحديث (٢٦٦٢)، ص (٣: ٥١- ٥٢) عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ محمد النفيلي. [(٢٥)] زيادة ليست في صحيح البخاري. [(٢٦)] في الصحيح «واجتلدت» .
[ ٣ / ٢٣٠ ]
[مِنْهَا] بَقِيَّةُ خَيْرٍ حَتَّى لَقِيَ اللهَ ﷿.
لَفْظُ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ [(٢٧)]، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ سَعِيدٍ، عن أبي أُسَامَةَ، وَعَنْ فَرْوَةَ، عَنْ علي بن مسهر.
_________________
(١) [(٢٧)] أخرجه البخاري في: ٨٣- كتاب الأيمان والنذور (١٥) باب إذا حنث ناسيا في الأيمان، الحديث (٦٦٦٨)، فتح الباري (١١: ٥٤٩) .
[ ٣ / ٢٣١ ]
بَابُ تَحْرِيضِ النَّبِيِّ ﷺ أَصْحَابَهُ عَلَى الْقِتَالِ يَوْمَ أُحُدٍ وَثُبُوتِ مَنْ عَصَمَهُ اللَّه﷿-
مِنْهُمْ مَعَهُ أَوْ رُجُوعِهِ إِلَيْهِ حِينَ عَلِمَ مَكَانَهُ، وَقَوْلِ اللَّه ﷿:
رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّه عَلَيْهِ، وَمَا رُوِيَ فِي انْقِلَابِ الْعَسِيبِ الَّذِي أَعْطَى رَسُولُ اللَّه ﷺ عَبْدَ اللَّه بْنَ جَحْشٍ، فِي يَدِهِ سَيْفًا
أخبرنا أبو محمد عبد اللَّه بْنُ يُوسُفَ الْأَصْبَهَانِيُّ﵀- قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدِ بْنُ الْأَعْرَابِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ (ح) .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الْوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الحسن ابْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ أَخَذَ سَيْفًا يَوْمَ أُحُدٍ، فَقَالَ مَنْ يَأْخُذُ مِنِّي هَذَا السَّيْفَ بِحَقِّهِ؟ فَبَسَطُوا أَيْدِيَهُمْ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ يَقُولُ: أَنَا أَنَا، فَقَالَ: مَنْ يَأْخُذُهُ بِحَقِّهِ؟ فَأَحْجَمَ الْقَوْمُ فَقَالَ لَهُ سِمَاكٌ أَبُو دُجَانَةَ: أَنَا آخُذُهُ بِحَقِّهِ. قَالَ: فَأَخَذَهُ فَفَلَقَ بِهِ هَامَ الْمُشْرِكِينَ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ [(١)] .
حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ أَحْمَدُ بْنُ كَامِلٍ بِبَغْدَادَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو قِلَابَةَ الرَّقَاشِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ الْكِلَابِيُّ، قَالَ:
_________________
(١) [(١)] فِي: ٤٤- كِتَابِ فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ (٢٥) باب من فضائل ابي دجانة. الحديث (١٢٨)، ص (١٩١٧) .
[ ٣ / ٢٣٢ ]
حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّه بْنُ الْوَازِعِ بْنِ ثَوْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ،، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، قَالَ: عَرَضَ رَسُولُ اللَّه ﷺ سَيْفًا يَوْمَ أُحُدٍ فَقَالَ: مَنْ يَأْخُذُ هَذَا السَّيْفَ بِحَقِّهِ؟ فَقُمْتُ فَقُلْتُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّه. فَأَعْرَضَ عَنِّي، ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَأْخُذُ هَذَا السَّيْفَ بِحَقِّهِ؟ فَقُمْتُ فَقُلْتُ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّه فَأَعْرَضَ عَنِّي، ثُمَّ قَالَ:
مَنْ يَأْخُذُ هَذَا السَّيْفَ بِحَقِّهِ فَقَامَ أَبُو دُجَانَةَ سِمَاكُ بْنُ خَرَشَةَ فَقَالَ: أَنَا آخُذُهُ يَا رَسُولَ اللَّه بِحَقِّهِ فَمَا حَقُّهُ؟ قَالَ: أَلَّا تَقْتُلَ بِهِ مُسْلِمًا وَلَا تَفِرَّ بِهِ عَنْ كَافِرٍ، قَالَ:
فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ،
وَكَانَ إِذَا أَرَادَ الْقِتَالَ أَعْلَمَ بِعِصَابَةٍ، قَالَ: قُلْتُ لَأَنْظُرَنَّ إِلَيْهِ الْيَوْمَ كَيْفَ يَصْنَعُ قَالَ: فَجَعَلَ لَا يَرْتَفِعُ لَهُ شَيْءٌ إِلَّا هَتَكَهُ وَأَفْرَاهُ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى نِسْوَةٍ فِي سَفْحِ جَبَلٍ مَعَهُنَّ دُفُوفٌ لَهُنَّ، فِيهِنَّ امْرَأَةٌ وَهِيَ تقول:
نَحْنُ بَنَاتُ طَارِقْ. نَمْشِي عَلَى النَّمَارِقْ.
إِنْ تُقْبِلُوا نُعَانِقْ. وَنَبْسُطُ النَّمَارِقْ.
إِنْ تُدْبِرُوا نُفَارِقْ. فِرَاقَ غَيْرِ وَامِقْ.
قَالَ: فَأَهْوَى بِالسَّيْفِ إِلَى امْرَأَةٍ لِيَضْرِبَهَا، ثُمَّ كَفَّ عَنْهَا، فَلَمَّا انْكَشَفَ الْقِتَالُ قُلْتُ لَهُ: كُلُّ عَمَلِكَ قَدْ رَأَيْتُ مَا خَلَا رَفْعَكَ السَّيْفَ عَلَى الْمَرْأَةِ. ثُمَّ لَمْ تَضْرِبْهَا، قَالَ: إِي واللَّه أَكْرَمْتُ سَيْفَ رَسُولِ اللَّه ﷺ أَنْ أَقْتُلَ بِهِ امْرَأَةً.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ هُوَ الْأَصَمُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: فَلَمَّا أَخَذَ أَبُو دُجَانَةَ السَّيْفَ، مِنْ يَدِ رَسُولِ اللَّه ﷺ أَخْرَجَ عِصَابَتَهُ الْحَمْرَاءَ فَعَصَبَهَا بِرَأْسِهِ فَجَعَلَ يَتَبَخْتَرُ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ [(٢)] .
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّه بْنِ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ مَعْبَدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ قَالَ حِينَ
_________________
(١) [(٢)] الخبر رواه ابن هشام في السيرة (٣: ١٢) .
[ ٣ / ٢٣٣ ]
رَأَى أَبَا دُجَانَةَ يَتَبَخْتَرُ: إِنَّهَا لَمِشْيَةٌ يُبْغِضُهَا اللَّه إِلَّا فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْطِنِ [(٣)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: فَحَدَّثَنِي الْحُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ عَمْرِو بْنِ يَزِيدَ بْنِ السَّكَنِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ، قَالَ يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ غَشِيَهُ الْقَوْمُ: مَنْ رَجُلٌ يَشْرِي لَنَا بِنَفْسِهِ، فَقَامَ زِيَادُ بْنُ السَّكَنِ فِي خَمْسَةِ نَفَرٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَبَعْضُ النَّاسِ يَقُولُ: إِنَّمَا هُوَ عُمَارَةُ بْنُ زِيَادِ بْنِ السَّكَنِ، فقاتلوا رسول اللَّه ﷺ رَجُلٌ ثُمَّ رَجُلٌ يُقْتَلُونَ دُونَهُ، حَتَّى كَانَ آخِرُهُمْ زِيَادًا، أَوْ عُمَارَةَ بْنَ زِيَادٍ، فَقَاتَلَ حَتَّى أَثْبَتَتْهُ الْجِرَاحَةُ ثُمَّ فَاءَتِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَيْئَةٌ فَأَجْهَضُوهُمْ عَنْهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: أَدْنُوهُ مِنِّي فَأَدْنَوْهُ مِنْهُ، فَوَسَّدَهُ قَدَمَهُ فَمَاتَ وَخَدُّهُ عَلَى قَدَمِ رَسُولِ اللَّه ﷺ، وَتَرَّسَ دُونَ رَسُولِ اللَّه ﷺ أَبُو دُجَانَةَ بِنَفْسِهِ يَقَعُ النَّبْلُ فِي ظَهْرِهِ وهو منحني علي رسول اللَّه ﷺ حَتَّى كَثُرَتْ فِيهِ النَّبْلُ.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ سِخْتَوَيْهِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عُثْمَانَ وهُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، وثَابِتٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ أُفْرِدَ يَوْمَ أُحُدٍ فِي سَبْعَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَرَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ، فَلَمَّا رَهِقُوهُ [(٤)]، قَالَ: مَنْ يَرُدُّهُمْ عَنَّا وَلَهُ الْجَنَّةُ أَوْ هُوَ رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ، فَتَقَدَّمَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ [ثُمَّ رَهِقُوهُ أَيْضًا، فَقَالَ: مَنْ يَرُدُّهُمْ عَنَّا وَلَهُ الْجَنَّةُ، أَوْ هُوَ رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ، فَتَقَدَّمَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَاتَلَ حَتَّى قتل] [(٥)]
_________________
(١) [(٣)] الخبر في سيرة ابن هشام (٣: ١٠) . [(٤)] (فلما رهقوه) اي: غشوه، وقربوا منه، وأدركوه، قال القاضي عياض في مشارف الأنوار «قيل لا يستعمل ذلك إلا في المكروه» . [(٥)] الزيادة من صحيح مسلم.
[ ٣ / ٢٣٤ ]
فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى قُتِلَ السَّبْعَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ لِصَاحِبَيْهِ [(٦)]: مَا أَنْصَفْنَا أَصْحَابَنَا [(٧)] .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ هُدْبَةَ بْنِ خَالِدٍ [(٨)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْمُقْرِئُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، قَالَ: لَمْ يَبْقَ مَعَ رَسُولِ اللَّه ﷺ فِي بَعْضِ تِلْكَ الْأَيَّامِ الَّتِي قَاتَلَ فِيهِنَّ رسول اللَّه ﷺ غَيْرُ: طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّه، وسعد، عَنْ حَدِيثِهِمَا [(٩)] .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ [(١٠)] .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ مُعْتَمِرٍ [(١١)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، قَالَ:
_________________
(١) [(٦)] (لصاحبيه): هما ذانك القرشيان. [(٧)] (ما انصفنا أصحابنا): معناه ما أنصفت قريش الأنصار لكون القرشيين، لم يخرجا للقتال، بل خرجت الأنصار واحدا بعد واحد، وذكر القاضي عياض وغيره ان بعضهم رواه: «ما انصفنا بفتح الفاء، والمراد على هذا: الذين فروا من القتال، فإنهم لم ينصفوا لفرارهم. [(٨)] الحديث في صحيح مسلم، في: ٣٢- كتاب الجهاد والسير (٣٧) باب غزوة أحد، الحديث (١٠٠)، ص (١٤١٥)، عَنْ هَدَّابِ بْنِ خَالِدٍ الأزدي. [(٩)] عن حديثهما يعني: هما حدثاني بذلك. [(١٠)] مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ فِي: ٤٤- كِتَابِ فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ (٦) باب من فضائل طلحة وَالزُّبَيْرَ ﵄- الحديث (٤٧)، ص (١٨٧٩) . [(١١)] الْبُخَارِيُّ عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ في: ٦٤- كتاب المغازي، (١٨) باب إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا واللَّه وَلِيُّهُمَا:..، الحديث (٤٠٦٠)، فتح الباري (٧: ٣٥٩)، وأخرجه البخاري (أَيْضًا) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بكر المقدمي فِي: ٦٢- كِتَابِ فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ (١٤) باب ذكر طلحة ابن عبيد اللَّه، الحديث (٣٧٢٢)، فتح الباري (٧: ٨٢) .
[ ٣ / ٢٣٥ ]
حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ، قَالَ: رَأَيْتُ يَدَ طَلْحَةَ شَلَّاءَ وَقَى بِهَا النَّبِيَّ ﷺ- يَعْنِي- يَوْمَ أُحُدٍ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ وَكِيعٍ [(١٢)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمُزَكِّي، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ:
أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدُوسٍ الطَّرَائِفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عزيّة، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ مَوْلَى حكيم بن حرام، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّه، أَنَّهُ قَالَ: انْهَزَمَ النَّاسُ عَنْ رَسُولِ اللَّه ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ بَقِيَ مَعَهُ أَحَدَ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ [فِيهِمْ] طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّه وَهُوَ يَصْعَدُ فِي الْجَبَلِ فَلَحِقَهُمُ الْمُشْرِكُونَ فَقَالَ: [أَلَا أَحَدٌ لِهَؤُلَاءِ؟ فَقَالَ طَلْحَةُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّه] [(١٣)]، فَقَالَ: كَمَا أَنْتَ يَا طَلْحَةُ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: فَأَنَا يَا رَسُولَ اللَّه فَقَاتَلَ عَنْهُ، وَصَعِدَ رَسُولُ اللَّه ﷺ وَمَنْ بَقِيَ مَعَهُ، ثُمَّ قُتِلَ الْأَنْصَارِيُّ، فَلَحِقُوهُ، فَقَالَ: أَلَا أَحَدٌ لِهَؤُلَاءِ؟ فَقَالَ طَلْحَةُ مِثْلَ قَوْلِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ مِثْلَ قَوْلِهِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّه فَأَذِنَ لَهُ، فَقَاتَلَ مِثْلَ قِتَالِهِ وَقِتَالِ صَاحِبِهِ، وَرَسُولُ اللَّه ﷺ وَأَصْحَابُهُ يَصْعَدُونَ، ثُمَّ قُتِلَ فَلَحِقُوهُ، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّه ﷺ يَقُولُ مِثْلَ قَوْلِهِ الْأَوَّلِ، وَيَقُولُ طَلْحَةُ أَنَا: يَا رَسُولَ اللَّه فَيَحْبِسُهُ، فَيَسْتَأْذِنُهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ لِلْقِتَالِ، فَيَأْذَنُ لَهُ، فَقَاتَلَ مِثْلَ قِتَالِ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ، حَتَّى لَمْ يَبْقَ مَعَهُ إِلَّا طَلْحَةُ فَغَشَوْهُمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: مَنْ لِهَؤُلَاءِ؟ فَقَالَ طَلْحَةُ: أَنَا، فَقَاتَلَ مِثْلَ قِتَالَ جميع من
_________________
(١) [(١٢)] الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، فِي: ٦٤- كتاب المغازي- (١٨) باب إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا واللَّه وَلِيُّهُمَا، وَعَلَى اللَّه فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ. الحديث (٤٠٦٣)، فتح الباري (٧: ٣٥٩)، ورواه البخاري أيضا عن مسدد فِي: ٦٢- كِتَابِ فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ، (١٤) باب ذكر طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّه، الحديث (٣٧٢٤)، فتح الباري (٧: ٨٣) . [(١٣)] ما بين الحاصرتين ليس في (ص) ولا في (د)، وفي سنن النسائي: «فَالْتَفَتَ رَسُولُ اللَّه ﷺ، وَقَالَ: من للقوم، فقال طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّه: أنا» .
[ ٣ / ٢٣٦ ]
كَانَ قَبْلَهُ وَأُصِيبَتْ أَنَامِلُهُ فَقَالَ حَسِّ [(١٤)] . فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: لَوْ قُلْتَ بِسْمِ اللَّه، أَوْ ذَكَرْتَ اسْمَ اللَّه لَرَفَعَتْكَ الْمَلَائِكَةُ، وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ حَتَّى تَلِجَ بِكَ فِي جَوِّ السَّمَاءِ، ثُمَّ صَعِدَ رَسُولُ اللَّه ﷺ إِلَى أَصْحَابِهِ وَهُمْ مُجْتَمِعُونَ [(١٥)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ:
وَذَكَرَ الزُّهْرِيُّ، قَالَ: كَانَ أَوَّلَ مَنْ عَرَفَ رَسُولَ اللَّه ﷺ بَعْدَ الْهَزِيمَةِ، وَقَوْلِ النَّاسِ: قُتِلَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ أَخُو بَنِي سَلِمَةَ، قَالَ: قَدْ عَرَفْتُ عَيْنَيْهِ [الشَّرِيفَتَيْنِ] [(١٦)] تُزْهِرَانِ مِنْ تَحْتِ الْمِغْفَرِ فَنَادَيْتُ بِأَعْلَى [(١٧)] صَوْتِي: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ أَبْشِرُوا هَذَا رَسُولُ اللَّه ﷺ، فَأَشَارَ إِلَيَّ: [أَنْ] أَنْصِتْ، فَلَمَّا عَرَفَ الْمُسْلِمُونَ رَسُولَ اللَّه ﷺ نَهَضُوا، وَنَهَضَ مَعَهُمْ نَحْوَ الشِّعْبِ مَعَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَأَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَطَلْحَةُ، والزبير، والحارث ابن الصِّمَّةِ فِي نَفَرٍ [(١٨)] مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
فَلَمَّا أَسْنَدَ رَسُولُ اللَّه ﷺ فِي الشِّعْبِ أَدْرَكَهُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ وَهُوَ يَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ: لَا نَجَوْتُ إِنْ نَجَوْتَ، فَقَالَ الْقَوْمُ يَا رَسُولَ اللَّه أَيَعْطِفُ عَلَيْكَ رَجُلٌ مِنَّا؟
فَقَالَ: دَعُوهُ،
فَلَمَّا دَنَا [(١٩)] تَنَاوَلَ رَسُولُ اللَّه ﷺ الْحَرْبَةَ مِنَ الْحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ- كَمَا ذُكِرَ لِي- فَلَمَّا أَخَذَهَا رَسُولُ اللَّه ﷺ مِنْهُ انْتَفَضَ بها انتفاضة
_________________
(١) [(١٤)] فقال حسّ: هي بكسر السين المشددة كلمة يقولها الإنسان إذا أصابه ما مضه وأحرقه كالجمرة، والضربة، ونحوهما. [(١٥)] أخرجه النسائي في كتاب الجهاد باختلاف يسير، في باب ما يقول من يطعنه العدو (٦: ٢٩- ٣٠) عَنْ عَمْرِو بْنِ سَوَّادٍ. [(١٦)] الزيادة من سيرة بن هشام. [(١٧)] رسمت في (أ): «بأعلا» . [(١٨)] في سيرة ابن هشام: «ورهط من المسلمين» . [(١٩)] رسمت في (ص) و(د): «دنى» .
[ ٣ / ٢٣٧ ]
تَطَايَرْنَا عَنْهُ تَطَايُرَ الشَّعْرَاءِ [(٢٠)] عَنْ ظَهْرِ الْبَعِيرِ إِذَا انْتَفَضَ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَهُ رَسُولُ اللَّه ﷺ فَطَعَنَهُ فِي عُنُقِهِ طَعْنَةً تَدَأْدَأَ [(٢١)] مِنْهَا عَنْ فَرَسِهِ مِرَارًا [(٢٢)] .
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَبَيْنَا رَسُولُ اللَّه ﷺ فِي الشِّعْبِ مَعَهُ أُولَئِكَ النَّفَرُ مِنْ أَصْحَابِهِ إِذَا عَلَتْ عَالِيَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ الْجَبَلَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: «اللهُمَّ إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَعْلُونَا» .
فَقَاتَلَهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَرَهْطٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ حَتَّى أَهْبَطُوهُمْ عَنِ الْجَبَلِ، وَنَهَضَ رَسُولُ اللَّه ﷺ إِلَى صَخْرَةٍ مِنَ الْجَبَلِ لِيَعْلُوَهَا.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبَّادِ عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ قَدْ ظَاهَرَ بَيْنَ دِرْعَيْنِ يَوْمَئِذٍ فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَنْهَضَ إِلَيْهَا فَجَلَسَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّه تَحْتَهُ، فَنَهَضَ رَسُولُ اللَّه ﷺ حَتَّى اسْتَوَى عَلَيْهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: أَوْجَبَ طَلْحَةُ [(٢٣)] .
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَقَاتَلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ دُونَ رَسُولِ اللَّه ﷺ وَمَعَهُ لِوَاؤُهُ حَتَّى قُتِلَ وَكَانَ الَّذِي قَتَلَهُ ابْنُ قَمِئَةَ اللَّيْثِيُّ، وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّه، ﷺ، فَرَجَعَ إِلَى قُرَيْشٍ فَقَالَ: قَتَلْتُ مُحَمَّدًا.
فَلَمَّا قُتِلَ مُصْعَبٌ أَعْطَى رَسُولُ اللَّه ﷺ اللِّوَاءَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ [(٢٤)] .
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَقَدْ قَتَلَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ طَلْحَةَ بْنَ أَبِي طَلْحَةَ، وَهُوَ يَحْمِلُ لِوَاءَ قُرَيْشٍ، وَالْحَكَمَ بْنَ الْأَخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ، وَعَبْدَ اللَّه بْنَ حُمَيْدِ بْنِ زُهَيْرٍ، وَأَبَا أُمَيَّةَ بْنَ أَبِي حُذَيْفَةَ بْنَ أَبِي الْمُغِيرَةِ، وَأَخَذَ اللِّوَاءَ بَعْدَ طَلْحَةَ: أبو
_________________
(١) [(٢٠)] الشّعراء: ذباب له لدغ. [(٢١)] (تدأدأ) تقلّب عن فرسه، وتدحرج. [(٢٢)] الخبر في سيرة ابن هشام (٣: ٢٦- ٢٨) . [(٢٣)] أي وجبت له الجنة، والخبر في سيرة ابن هشام (٣: ٢٩- ٣٠) . [(٢٤)] الخبر في سيرة ابن هشام (٣: ١٦) .
[ ٣ / ٢٣٨ ]
سَعْدِ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، فَقَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ: رَمَيْتُهُ فَأَصَبْتُ حَنْجَرَتَهُ، فَانْدَلَعَ لِسَانُهُ انْدِلَاعَ لِسَانِ الْكَلْبِ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنْ بَعْضِ آلِ سَعْدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ: أَنَّهُ رَمَى يَوْمَ أُحُدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّه ﷺ، قَالَ سَعْدٌ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ ينَاوِلُنِي النَّبْلَ وَيَقُولُ: ارْمِ فِدًا لَكَ [(٢٥)] أَبِي وَأُمِّي، حَتَّى إِنَّهُ لَيُنَاوِلُنِي السَّهْمَ مَا لَهُ مِنْ نَصْلٍ فَأَرْمِي بِهِ [(٢٦)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الرُّوذْبَارِيُّ وَأَبُو عَبْدِ اللَّه الْحُسَيْنُ بْنُ عَمْرِو بْنِ بُرْهَانَ الْبَغْدَادِيُّ بِهَا فِي آخَرِينَ، قَالُوا: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ، قَالَ:
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ هَاشِمِ بْنِ هَاشِمٍ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ يَقُولُ: نَثَلَ لِي رَسُولُ اللَّه ﷺ، قَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ يَعْنِي نَفْضَ كِنَانَتَهُ [(٢٧)] يَوْمَ أُحُدٍ وَقَالَ: ارْمِ فِدَاكَ، أَبِي وَأُمِّي.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مَرْوَانَ بْنِ مُعَاوِيَةَ [(٢٨)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّه الْبِسْطَامِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو يَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ هُوَ ابْنُ مِهْرَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ انْهَزَمَ نَاسٌ مِنَ النَّاسِ عَنْ رَسُولِ اللَّه ﷺ، وَأَبُو طَلْحَةَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّه ﷺ
_________________
(١) [(٢٥)] في سيرة ابن هشام «ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي» . [(٢٦)] عند ابن هشام: «حَتَّى إِنَّهُ لَيُنَاوِلُنِي السَّهْمَ ماله نصل فيقول: «إرم به» والخبر في سيرة ابن هشام (٣: ٢٥) . [(٢٧)] (الكنانة): «جعبة السهام» . [(٢٨)] أخرجه البخاري في: ٦٤- كتاب المغازي (١٨) باب إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما، الحديث (٤٠٥٥)، فتح الباري (٧: ٣٥٨) .
[ ٣ / ٢٣٩ ]
مُجَوِّبٌ عَلَيْهِ بِحَجَفَةٍ [(٢٩)] مَعَهُ وَكَانَ أَبُو طَلْحَةَ رَجُلًا رَامِيًا شَدِيدَ النَّزْعِ كَسَرَ يَوْمَئِذٍ قَوْسَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، وَكَانَ الرَّجُلُ يَمُرُّ بِالْجَعْبَةِ [(٣٠)] فِيهَا النَّبْلُ فَيَقُولُ: انْثُرْهَا لِأَبِي طَلْحَةَ، وَيُشْرِفُ نَبِيُّ اللَّه ﷺ فَيَنْظُرُ إِلَى الْقَوْمِ فَيَقُولُ أَبُو طَلْحَةَ [(٣١)]: يَا نَبِيَّ اللَّه بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي لَا تُشْرِفْ [(٣٢)] لَا يُصِبْكَ سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ الْقَوْمِ، نَحْرِي دُونَ نَحْرِكَ [(٣٣)] وَلَقَدْ رَأَيْتُ عَائِشَةَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ وَأُمَّ سُلَيْمٍ وَإِنَّهُمَا مُشَمِّرَتَانِ أَرَى خَدَمَ سُوقِهِمَا [(٣٤)]، يَنْقُلَانِ الْقِرَبَ عَلَى مُتُونِهِمَا [(٣٥)] ثُمَّ يُفْرغَانِهِ فِي أَفْوَاهِ الْقَوْمِ وَتَرْجِعَانِ فَتَمْلَآنِهَا، ثُمَّ تَجِيئَانِ فَتُفْرِغَانِهِ فِي أَفْوَاهِ الْقَوْمِ، وَلَقَدْ وَقَعَ السَّيْفُ مِنْ يَدِ أَبِي طَلْحَةَ مِنَ النُّعَاسِ [(٣٦)] إِمَّا مرّتين وإمّا ثلاثا.
_________________
(١) [(٢٩)] (مجوب عليه بحجفة) أي: مترس عنه ليقيه سلاح الكفار، وأصل التجويب: الاتقاء بالجوب، كثوب، وهو الترس. [(٣٠)] (الجعبة) الكنانة التي تجعل فيها السهام. [(٣١)] هو زيد بن سهل بن الأسود بن حرام الخزرجي البخاري، أبو طلحة الأنصاري، صَاحِبِ رَسُولِ اللَّه ﷺ، وَمَنْ بني أخواله، وأحد اعيان البدريين، واحد النقباء الاثنى عشر ليلة العقبة، قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّه ﷺ: «صوت ابي طلحة في الجيش خير من فئة» مسند أحمد (٣: ٢٠٣)، والمستدرك (٣: ٣٥٢) . حارب في بدر، وأحد، وشهد المشاهد كلها، وفي حنين قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: «من قتل قتيلا فَلَهُ سَلَبُهُ»، فَقَتَلَ أَبُو طَلْحَةَ يَوْمَئِذٍ عِشْرِينَ رَجُلًا، وأخذ أسلابهم» . أبو داود (٣: ٧١)، والمستدرك (٣: ٣٥٣) . قال له بنوه: قد غزوت عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّه ﷺ، وأبي بكر، وعمر، فنحن نغزو عنك، فأبى، فغزا في البحر، فمات، فلم يجدوا له جزيرة يدفنونه فيها الا بعد سبعة أيام، فلم يتغير. وكان جلدا، صيّتا، مربوعا، روى عن النبي ﷺ نيفا وعشرين حديثا. [(٣٢)] (لا تشرف): أي لا تتطلع من أعلى. [(٣٣)] جملة دعائية معناها: جعل اللَّه نحري أقرب الى السهام من نحرك، لأصاب بها دونك. [(٣٤)] (خدم سوقهما) الواحدة خدمة، وهي الخلخال. [(٣٥)] (على متونهما) اي على ظهورهما. [(٣٦)] هو النعاس الذي منّ اللَّه به على أهل الصدق واليقين من المؤمنين يوم أحد، فإنه تعالى لما علم ما في قلوبهم من الغم، وخوف كرّة الأعداء، صرفهم عن ذلك بإنزال النعاس عليهم لئلا يوهنهم
[ ٣ / ٢٤٠ ]
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ [(٣٧)] .
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ [(٣٨)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأَدِيبُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ: أَحْمَدُ ابن إِبْرَاهِيمَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْكَاغَذِيُّ بِالرِّيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي الثَّلْجِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُجَيْنُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْفَضْلِ الْهَاشِمِيِّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ، قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ إِلَى الشَّامِ، فَلَمَّا قَدِمْنَا حِمْصَ قَالَ لِي عُبَيْدُ اللهِ: هَلْ لَكَ فِي وَحْشِيٍّ نَسْأَلُهُ عَنْ قَتْلِ حَمْزَةَ؟
قُلْتُ: نَعَمْ، وَكَانَ وَحْشِيٌّ يَسْكُنُ حِمْصَ، قَالَ: فَسَأَلْنَا عَنْهُ فَقِيلَ لَنَا: هُوَ ذَاكَ فِي ظِلِّ قَصْرِهِ كَأَنَّهُ حَيْثُ كَذَا، قَالَ الرَّازِيُّ: وَإِنَّمَا هُوَ عِنْدِي كَأَنَّهُ حَمِيتٌ قَالَ فَجِئْنَا حَتَّى وَقَفْنَا عَلَيْهِ يَسِيرًا فَسَلَّمْنَا فَرَدَّ عَلَيْنَا السَّلَامَ قَالَ: وَكَانَ عُبَيْدُ اللهِ مُعْتَجِرًا بِعِمَامَتِهِ مَا يَرَى وَحْشِيٌّ إِلَّا عَيْنَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، فَقَالَ عُبَيْدُ اللهِ يَا وَحْشِيُّ تَعْرِفُنِي فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ لَا وَاللهِ إِلَّا أَنِّي أَعْلَمُ أَنَّ عَدِيَّ بْنَ الْخِيَارِ تَزَوَّجَ امْرَأَةً يُقَالُ لَهَا أُمُّ قِتَالِ بِنْتُ أَبِي الْعِيصِ فَوَلَدَتْ غُلَامًا بِمَكَّةَ فَاسْتَرْضَعَتْهُ فَحَمَلْتُ ذَلِكَ الْغُلَامَ مَعَ أُمِّهِ فَنَاوَلْتُهَا إِيَّاهُ لَكَأَنِّي نَظَرْتُ إِلَى قَدَمَيْكَ، قَالَ: فَكَشَفَ عُبَيْدُ اللهِ عن وجهه، ثم
_________________
(١) [()] الغم والخوف، ويضعف عزائمهم، قال تعالى: ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاسًا يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ. [(٣٧)] البخاري عن أبي معمر في فضل ابي طلحة في: ٦٣- كتاب مناقب الأنصار، (١٨) باب مناقب ابي طلحة﵁- الحديث (٣٨١١)، فتح الباري (٧: ١٢٨)، [(٣٨)] مسلم في: ٣٢- كتاب الجهاد والسير (٤٧) باب غزوة النساء مع الرجال، الحديث (١٣٦)، ص (١٤٤٣) .
[ ٣ / ٢٤١ ]
قَالَ: أَلَا تُخْبِرُنَا بِقَتْلِ حَمْزَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ إِنَّ حَمْزَةَ قَتَلَ طُعَيْمَةَ بْنَ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ بِبَدْرٍ، فَقَالَ لِي مَوْلَايَ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ: إِنْ قَتَلْتَ حَمْزَةَ بِعَمِّي فَأَنْتَ حُرٌّ.
قَالَ: فَلَمَّا خَرَجَ النَّاسُ عَنْ عَيْنَيْنِ، قَالَ: وَعَيْنَيْنِ جَبَلٌ تَحْتَ أُحُدٍ بَيْنَهُ وبينه وادي، قَالَ: فَخَرَجْتُ مَعَ النَّاسِ إِلَى الْقِتَالِ، فَلَمَّا أَنَ اصْطَفُّوا لِلْقِتَالِ خَرَجَ سِبَاعٌ، فَقَالَ: هَلْ مِنْ مُبَارِزٍ؟ فَخَرَجَ إِلَيْهِ حَمْزَةُ فَقَالَ: يَا سباع يا بن مُقَطِّعَةِ الْبُظُورِ تُحَادُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، ثُمَّ شَدَّ عَلَيْهِ فَكَانَ كَأَمْسِ الذَّاهِبِ.
قَالَ: فَكَمَنْتُ لِحَمْزَةَ تَحْتَ صَخْرَةٍ حَتَّى مَرَّ عَلَيَّ، فَلَمَّا دَنَا مِنِّي رَمَيْتُهُ بِحَرْبَتِي فَوَقَعَتْ ثُنَّتُهُ، حَتَّى خَرَجَتْ مِنْ وَرِكِهِ، قَالَ: فَكَانَ ذَاكَ الْعَهْدَ بِهِ، فَلَمَّا رَجَعَ النَّاسُ رَجَعْتُ مَعَهُمْ فَأَقَمْتُ بِمَكَّةَ، حَتَّى فَشَا فِيهَا الْإِسْلَامُ، ثُمَّ خَرَجْتُ إِلَى الطَّائِفِ، قَالَ: وَأَرْسَلُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ رُسُلًا وَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُ لَا يَهِيجُ الرُّسُلَ [(٣٩)]،
قَالَ: فَخَرَجْتُ مَعَهُمْ حَتَّى قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلَمَّا رَآنِي قَالَ أَنْتَ وَحْشِيٌّ؟ قُلْتُ: نَعَمْ قَالَ: الَّذِي قَتَلْتَ حَمْزَةَ؟ قُلْتُ: وَقَدْ كَانَ الْأَمْرُ الَّذِي بَلَغَكَ قَالَ: مَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُغَيِّبَ عَنِّي وَجْهَكَ قَالَ: فَرَجَعْتُ
فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَخَرَجَ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ قُلْتُ لَأَخْرُجَنَّ إِلَى مُسَيْلِمَةَ لَعَلِّي أَقْتُلُهُ فَأُكَافِئَ بِهِ حَمْزَةَ قَالَ: فَخَرَجْتُ مَعَ النَّاسِ وَكَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ مَا كَانَ فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ فِي ثُلْمَةِ جِدَارٍ كَأَنَّهُ جَمَلٌ أَوْرَقُ ثَائِرٌ رَأْسُهُ قَالَ: فَأَرْمِيهِ بِحَرْبَتِي فَأَضَعُهَا بَيْنَ ثَدْيَيْهِ حَتَّى خَرَجَتْ مِنْ بَيْنِ كَتِفَيْهِ قَالَ وَوَثَبَ أَوْ قَالَ وَدَفَّ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ عَلَى هَامَتِهِ. قَالَ عَبْدُ اللَّه بْنُ الْفَضْلِ وَأَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّه بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: فَقَالَتْ جَارِيَةٌ عَلَى ظَهْرِ بيت: وأمير الْمُؤْمِنِينَ قَتَلَهُ الْعَبْدُ الْأَسْوَدُ.
قَالَ حُجَيْنٌ: فَلَا أَعْلَمُ إِلَّا أَنِّي قَدْ سَمِعْتُ عَبْدَ الْعَزِيزِ يَقُولُ: وَكَانَ سعيد
_________________
(١) [(٣٩)] عند ابن هشام: «إنه ما يقتل أحدا من الناس دخل في دينه» .
[ ٣ / ٢٤٢ ]
يَقُولُ: فَكُنْتُ أَعْجَبُ لِقَاتِلِ حَمْزَةَ كَيْفَ يَنْجُو، حَتَّى بَلَغَنِي أَنَّهُ مَاتَ غَرِيقًا فِي الْبَحْرِ [(٤٠)] .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ [(٤١)] عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّه دُونَ قَوْلِ حُجَيْنٍ فِي آخِرِهِ.
حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بَالَوَيْهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شَاذَانَ الْجَوْهَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْفَزَارِيِّ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ عُمَيْرِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، قَالَ: كَانَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يُقَاتِلُ يَوْمَ أُحُدٍ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّه ﷺ بِسَيْفَيْنِ، وَيَقُولُ: أَنَا أَسَدُ اللَّه.
وأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ هُوَ الْأَصَمُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ عُمَيْرِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: كَانَ حَمْزَةُ يُقَاتِلُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّه ﷺ بِسَيْفَيْنِ، يَقُولُ: أَنَا أَسَدُ اللَّه، وَيُقْبِلُ وَيُدْبِرُ، فَعَثَرَ، فَصُرِعَ مستلقيا وانكشفت الدِّرْعُ عَنْ بَطْنِهِ فَزَرَقَهُ المعبد الْحَبَشِيُّ بِرُمْحٍ، أَوْ قَالَ بِحَرْبَةٍ فَبَقَرَهُ بِهَا يَوْمَ أُحُدٍ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شَيْبَانَ الرَّمْلِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّه يَقُولُ: قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ: يَا رَسُولَ اللَّه إِنْ قُتِلْتُ فَأَيْنَ أَنَا؟ قَالَ: فِي الْجَنَّةِ فَأَلْقَى ثَمَرَاتٍ كُنَّ فِي يَدِهِ، ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ.
_________________
(١) [(٤٠)] كذا في الأصل وفي الإصابة (٣: ٦٣١): «سكن حمص ومات بها» . [(٤١)] البخاري عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّه فِي: ٦٤- كِتَابِ المغازي (٢٣) باب قتل حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ﵁- الحديث (٤٠٧٢)، فتح الباري (٧: ٣٦٧- ٣٦٨) .
[ ٣ / ٢٤٣ ]
قَالَ غَيْرُ عَمْرٍو: تَخَلَّى مِنْ طَعَامِ الدُّنْيَا. كَذَا فِي كِتَابِي فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَالصَّوَابُ: بَجَلِي، يَعْنِي: قَالَ الرَّجُلُ: بَجَلِي، أَيْ حَسْبِي هَذَا مِنْ طَعَامِ الدُّنْيَا [(٤٢)] .
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ [(٤٣)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّغَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: غَابَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ عَمُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ قِتَالِ بَدْرٍ، فَلَمَّا قَدِمَ، قَالَ: غِبْتُ عَنْ أَوَّلِ قِتَالٍ قَاتَلَهُ رَسُولُ اللَّه ﷺ الْمُشْرِكِينَ، لَئِنْ أَشْهَدَنِي اللَّه قِتَالًا لَيَرَيَنَّ اللَّه مَا أَصْنَعُ.
فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ انْكَشَفَ الْمُسْلِمُونَ، فَقَالَ: اللهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ هَؤُلَاءِ- يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ- وَأَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ يَعْنِي الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ مَشَى بِسَيْفِهِ، فَلَقِيَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فَقَالَ: أَيْ سَعْدُ! وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ الْجَنَّةِ دُونَ أُحُدٍ، وَاهًا لِرِيحِ الْجَنَّةِ، قَالَ سَعْدٌ: فَمَا اسْتَطَعْتُ يَا رَسُولَ اللَّه مَا صَنَعَ.
_________________
(١) [(٤٢)] ومنه قول الشاعر يوم الجمل. نحن بني ضبة أصحاب الجمل ردوا علينا شيخنا ثم بجل اي: ثم حسب. النهاية (١: ٩٨) . [(٤٣)] أخرجه البخاري في: ٦٤- كتاب المغازي، (١٧) باب غزوة أحد، الحديث (٤٠٤٦)، فتح الباري (٧: ٣٥٤) . وأخرجه مسلم في: ٣٣- كتاب الإمارة (٤١) باب ثبوت الجنة للشهيد، الحديث (١٤٣) ص (١٥٠٩) . وأخرجه النسائي في كتاب الجهاد، باب ثواب من قتل في سبيل اللَّه، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ منصور.
[ ٣ / ٢٤٤ ]
قَالَ أَنَسٌ: فَوَجَدْنَاهُ بَيْنَ الْقَتْلَى بِهِ بِضْعٌ وَثَمَانُونَ جِرَاحَةً: مِنْ ضَرْبَةٍ بِسَيْفٍ، وَطَعْنَةٍ بِرُمْحٍ، وَرَمْيَةٍ بِسَهْمٍ، قَدْ مَثَّلُوا بِهِ، قَالَ: فَمَا عَرَفْنَاهُ حَتَّى عَرَفَتْهُ أُخْتُهُ بِبَنَانِهِ.
قَالَ أَنَسٌ: فَكُنَّا نَقُولُ: أُنْزِلَ فِيهِ هَذِهِ الْآيَةُ: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا مَا عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ [(٤٤)] . إِنَّهَا فِيهِ وَفِي أَصْحَابِهِ.
أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ مِنْ أَوْجُهٍ عَنْ حُمَيْدٍ [(٤٥)] .
وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ [(٤٦)] .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَافِعٍ أَخُو بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ، قَالَ، انْتَهَى أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ عَمُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَطَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّه فِي رِجَالٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، قَدْ أَلْقَوْا بِأَيْدِيهِمْ، فَقَالَ: مَا يُجْلِسُكُمْ؟ فَقَالُوا: قُتِلَ رسول اللَّه ﷺ، فَقَالَ: مَا تَصْنَعُونَ بِالْحَيَاةِ بَعْدَهُ فَقُومُوا فَمُوتُوا عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّه ﷺ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ الْقَوْمَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، وَبِهِ سُمِّيَ أَنَسُ بن مالك [(٤٧)] .
_________________
(١) [(٤٤)] الآية الكريمة (٢٣) من سورة الأحزاب. [(٤٥)] البخاري عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أنس في: ٥٦- كتاب الجهاد، (١٢) باب قول اللَّه تعالى: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا مَا عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا، الحديث (٢٨٠٥)، فتح الباري (٦: ٢١) . [(٤٦)] مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ فِي: ٣٣- كتاب الإمارة (٤١) باب ثبوت الجنة للشهيد، الحديث (١٤٨)، صن (٣: ١٥١٢) . [(٤٧)] سيرة ابن هشام (٣: ٢٦) .
[ ٣ / ٢٤٥ ]
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي وَالِدِي إِسْحَاقُ بْنُ يَسَارٍ عَنْ أَشْيَاخٍ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ، قَالُوا: كَانَ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ أَعْرَجَ شَدِيدَ الْعَرَجِ، وَكَانَ لَهُ أَرْبَعَةُ بَنُونَ شَبَابٌ يَغْزُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّه ﷺ إِذَا غَزَا، فَلَمَّا أَرَادَ رَسُولُ اللَّه ﷺ أَنْ يَتَوَجَّهَ إِلَى أُحُدٍ، قَالَ لَهُ بَنُوهُ: إِنَّ اللَّه﷿- جَعَلَ لَكَ رُخْصَةً فَلَوْ قَعَدْتَ فَنَحْنُ نَكْفِيكَ فَقَدْ وَضَعَ اللَّه عَنْكَ الْجِهَادَ، فَأَتَى عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ رَسُولَ اللَّه ﷺ، فَقَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّه! إِنَّ بَنِيَّ هَؤُلَاءِ يَمْنَعُونَنِي أَنْ أخرج معك، وو اللَّه إِنِّي لَأَرْجُو أَنَ أُسْتَشْهَدَ مَعَكَ فَأَطَأُ بِعَرْجَتِي هَذِهِ فِي الْجَنَّةِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّه ﷺ:
«أَمَّا أَنْتَ فَقَدْ وَضَعَ اللَّه عَنْكَ الْجِهَادَ»، وَقَالَ لِبَنِيهِ: «وَمَا عَلَيْكُمْ أَنْ تَدَعُوهُ لَعَلَّ اللَّه ﷿ يَرْزُقُهُ الشَّهَادَةَ»، فَخَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللَّه ﷺ فَقُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا [(٤٨)] .
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَقَدْ كَانَ حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي عَامِرٍ الْتَقَى هُوَ وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، فَلَمَّا اسْتَعْلَاهُ حَنْظَلَةُ رَآهُ شَدَّادُ بْنُ الْأَسْوَدِ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: ابْنُ شَعُوبَ قَدْ عَلَا أَبَا سُفْيَانَ فَضَرَبَهُ شَدَّادٌ فَقَتَلَهُ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ قَالَ: إِنَّ صَاحِبَكُمْ لَتُغَسِّلُهُ الْمَلَائِكَةُ يَعْنِي حَنْظَلَةَ، فَسَلُوا أَهْلَهُ: مَا شَأْنُهُ؟
فَسُئِلَتْ صَاحِبَتُهُ، فَقَالَتْ: خَرَجَ وَهُوَ جُنُبٌ حِينَ سَمِعَ الْهَائِعَةَ [(٤٩)] فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: لِذَلِكَ غَسَّلَتْهُ الملائكة [(٥٠)] .
_________________
(١) [(٤٨)] الخبر في سيرة ابن هشام (٣: ٣٤) . [(٤٩)] (الهائعة) مأخوذ من الهياع، وهو الصياح، وجاء في الحديث: «خير الناس رجل ممسك بعنان فرسه كلما سمع هيعة طار إليها. وقال الطرماح بن حكيم الطائي: «أنا ابن حماة المجد من آل مالك إذا جعلت خور الرّجال تهيع» والهيعة: الصيحة التي فيها الفزع. [(٥٠)] الخبر رواه ابن هشام في السيرة (٣: ١٧- ١٨) .
[ ٣ / ٢٤٦ ]
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي الْحُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ [عَمْرِو بْنِ] [(٥١)] سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ مَوْلَى ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: أَخْبِرُونِي [(٥٢)] عَنْ رَجُلٍ دَخَلَ الْجَنَّةَ لَمْ يُصَلِّ قَطُّ، فَإِذَا لَمْ يَعْرِفْهُ النَّاسُ سَأَلُوهُ، فَقَالَ: أُصَيْرِمٌ (مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ: عَمْرُو بْنُ ثَابِتِ بْنِ وَقْشٍ) فَقَالَ لِيَ الْحُصَيْنُ: فَقُلْتُ لِمَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ وَكَيْفَ كَانَ شَأْنُ أُصَيْرِمٍ؟ قَالَ: كَانَ يَأْبَى الْإِسْلَامَ، فَلَمَّا كَانَ رَسُولُ اللَّه ﷺ بِأُحُدٍ بَدَا لَهُ الْإِسْلَامُ، فَأَسْلَمَ ثُمَّ أَخَذَ سَيْفَهُ فَغَدَا عَلَى النَّاسِ [(٥٣)] فَقَاتَلَ حَتَّى أَثْبَتَتْهُ الْجِرَاحَةُ، فَخَرَجَ رِجَالُ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ يَتَفَقَّدُونَ رِجَالَهُمْ، فَوَجَدُوهُ فِي الْقَتْلَى فِي آخِرِ رَمَقٍ، فَقَالُوا: واللَّه لَقَدْ عَهِدْنَاكَ وَإِنَّكَ لَتُنْكِرُ هَذَا الْحَدِيثَ فَمَا جَاءَ بِكَ؟ أَرَغْبَةٌ فِي الْإِسْلَامِ أَمْ حَدَبٌ عَلَى قَوْمِكَ؟ فَقَالَ لَهُمْ جِئْتُ رَغْبَةً فِي الْإِسْلَامِ فَأَصَابَنِي مَا تَرَوْنَ، فَلَمْ يَبْرَحُوا حَتَّى مَاتَ. فَسَأَلُوا رَسُولَ اللَّه ﷺ عَنْهُ، فَقَالَ: هُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ.
وَقَدْ رُوِيَ هَذَا مَوْصُولًا بِتَمَامِهِ [(٥٤)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الرُّوذْبَارِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ دَاسَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ أُقَيْشٍ كَانَ لَهُ رِبًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَكَرِهَ أَنْ يُسْلِمَ حَتَّى يَأْخُذَهُ فَجَاءَ يَوْمُ أُحُدٍ، فَقَالَ: أَيْنَ بَنُو عَمِّي؟ قَالُوا: بِأُحُدٍ، قَالَ: أَيْنَ فُلَانٌ؟ قَالُوا: بِأُحُدٍ، قَالَ: أَيْنَ فُلَانٌ؟ قَالُوا: بِأُحُدٍ، فَلَبِسَ لَأْمَتَهُ، وَرَكِبَ فَرَسَهُ، ثُمَّ تَوَجَّهَ قِبَلَهُمْ فَلَمَّا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ، قَالُوا: إِلَيْكَ عَنَّا يَا عَمْرُو، قَالَ: إِنِّي قَدْ آمَنْتُ، فَقَاتَلَ
_________________
(١) [(٥١)] الزيادة من سيرة ابن هشام. [(٥٢)] في سيرة ابن هشام: «حدثوني» . [(٥٣)] في السيرة: «حتى دخل في عرض الناس» . [(٥٤)] رواه ابن هشام في السيرة (٣: ٣٣- ٣٤) .
[ ٣ / ٢٤٧ ]
حَتَّى جُرِحَ، فَحُمِلَ إِلَى أَهْلِهِ جَرِيحًا، فَجَاءَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، فَقَالَ لِأُخْتِهِ: سَلِيهِ حَمِيَّةً لِقَوْمِكَ، أَوْ غَضَبًا لَهُمْ، أَمْ غَضَبًا لِلَّهِ ﷿، قَالَ: بَلْ غَضَبًا لِلَّهِ ﷿ وَرَسُولِهِ، فَمَاتَ فَدَخَلَ الْجَنَّةَ وَمَا صَلَّى لِلَّهِ صَلَاةً [(٥٥)] .
حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بَالَوَيْهِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْبَصْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّه الطَّوِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ بُكَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّه ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ لِطَلَبِ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، وَقَالَ لِي: إِنْ رَأَيْتَهُ فَأَقْرِئْهُ مِنِّي السَّلَامَ، وَقُلْ لَهُ: يَقُولُ لَكَ رَسُولُ اللَّه ﷺ كَيْفَ تَجِدُكَ؟ قَالَ: فَجَعَلْتُ أَطُوفُ بَيْنَ الْقَتْلَى فَأَصَبْتُهُ وَهُوَ فِي آخِرِ رَمَقٍ وَبِهِ سَبْعُونَ ضَرْبَةً مَا بَيْنَ طَعْنَةٍ بِرُمْحٍ، وَضَرْبَةٍ بِسَيْفٍ، وَرَمْيَةٍ بِسَهْمٍ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا سَعْدُ! إِنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ، وَيَقُولُ لَكَ: أَخْبِرْنِي كَيْفَ تَجِدُكَ؟ قَالَ: عَلَى رَسُولِ اللَّه ﷺ وَعَلَيْكَ السَّلَامُ، قُلْ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّه أَجِدُ رِيحَ الْجَنَّةِ، وَقُلْ لِقَوْمِيَ الْأَنْصَارِ لَا عُذْرَ لَكُمْ عِنْدَ اللَّه إِنْ خُلِصَ إِلَى رَسُولِ اللَّه ﷺ وَفِيكُمْ شُفْرٌ [(٥٦)] يَطْرِفُ، قَالَ:
وَفَاضَتْ نَفْسُهُ﵀-[(٥٧)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَهُوَ يَتَشَحَّطُ فِي دَمِهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا فُلَانُ! أَشَعَرْتَ أَنَّ
_________________
(١) [(٥٥)] أخرجه أبو داود في كتاب الجهاد، (باب) فيمن يسلم ويقتل مكانه فِي سَبِيلِ اللَّه﷿-، الحديث (٢٥٣٧)، ص (٣: ٢٠) . [(٥٦)] كذا بالأصول، وفي سيرة ابن هشام «عين» . [(٥٧)] الخبر في سيرة ابن هشام (٣: ٣٨- ٣٩)، ونقله ابن كثير في التاريخ (٤: ٣٩) .
[ ٣ / ٢٤٨ ]
مُحَمَّدًا ﷺ قَدْ قُتِلَ؟ فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: إِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ قَدْ قُتِلَ فَقَدْ بَلَّغَ، فَقَاتِلُوا عَنْ دِينِكُمْ فَنَزَلَ: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ الْآيَةَ [(٥٨)] .
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بُطَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْجَهْمِ بْنِ مَصْقَلَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَرَجِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْوَاقِدِيُّ عَنْ شُيُوخِهِ، قَالُوا: وَقَالَ عبد اللَّه ابن عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ: رَأَيْتُ فِيَ النَّوْمِ قَبْلَ أُحُدٍ وَكَأَنِّي رَأَيْتُ حَبَشَ [(٥٩)] بْنَ عَبْدِ الْمُنْذِرِ، يَقُولُ لِي: أَنْتَ قَادِمٌ عَلَيْنَا فِي أَيَّامٍ فَقُلْتُ: وَأَيْنَ أَنْتَ؟ قَالَ: فِي الْجَنَّةِ نَسْرَحُ فِيهَا كَيْفَ نَشَاءُ، قُلْتُ لَهُ: أَلَمْ تُقْتَلْ يَوْمَ بَدْرٍ؟ قَالَ: بَلَى، ثُمَّ أُحْيِيتُ.
فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّه ﷺ، فَقَالَ: هَذِهِ الشَّهَادَةُ يَا أَبَا جَابِرُ [(٦٠)] .
وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ فِي قِصَّةِ خَيْثَمَةَ أَبِي سَعْدِ بْنِ خَيْثَمَةَ، فِيمَا قَالَ لِرَسُولِ اللَّه ﷺ فِي الْخُرُوجِ إِلَى أُحُدٍ: عَسَى اللَّه أَنْ يُظْفِرَنَا بِهِمْ فَتِلْكَ عَادَةُ اللَّه عِنْدَنَا، أَوْ تَكُونُ الْأُخْرَى فَهِيَ الشَّهَادَةُ،
لَقَدْ أَخْطَأَتْنِي وَقْعَةُ بَدْرٍ، وَكُنْتُ واللَّه عَلَيْهَا حَرِيصًا، حَتَّى سَاهَمْتُ ابْنِي فِي الْخُرُوجِ فَخَرَجَ سَهْمُهُ فَرُزِقَ الشَّهَادَةَ، وَقَدْ رَأَيْتُ ابْنِي الْبَارِحَةَ فِي النَّوْمِ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ يَسْرَحُ فِي ثِمَارِ الْجَنَّةِ وَأَنْهَارِهَا، وَيَقُولُ: الْحَقْ بِنَا تُرَافِقْنَا فِي الْجَنَّةِ فَقَدْ وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا، وَقَدْ واللَّه يَا رَسُولَ اللَّه أَصْبَحْتُ مُشْتَاقًا إِلَى مُرَافَقَتِهِ فِي الْجَنَّةِ، وَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَرَقَّ عَظْمِي، وَأَحْبَبْتُ لِقَاءَ رَبِّي، فَادْعُ اللَّه يَا رَسُولَ اللَّه أَنْ يَرْزُقَنِي الشَّهَادَةَ وَمُرَافَقَةَ سَعْدٍ فِي الْجَنَّةِ، فَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللَّه ﷺ بِذَلِكَ، فَقُتِلَ بِأُحُدٍ شَهِيدًا [(٦١)] .
حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ إِمْلَاءً، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ داود
_________________
(١) [(٥٨)] الآية الكريمة (١٤٤) من سورة آل عمران. [(٥٩)] في مغازي الواقدي: «مبشر بن عبد المنذر» . [(٦٠)] الخبر في المغازي للواقدي (١: ٢٦٦) . [(٦١)] الخبر رواه الواقدي في المغازي (١: ٢١٢- ٢١٣) .
[ ٣ / ٢٤٩ ]
الزَّاهِدُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْجُنَيْدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّه بْنُ جَحْشٍ: اللهُمَّ إِنِّي أُقْسِمُ عَلَيْكَ أَنْ أَلْقَى الْعَدُوَّ غَدًا فَيَقْتُلُونِي، ثُمَّ يَبْقُرُوا بَطْنِي، وَيَجْدَعُوا أَنْفِي وَأُذُنِي، ثُمَّ تَسْأَلُنِي بِمَا ذَاكَ فَأَقُولُ فِيكَ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَبَرَّ اللَّه آخِرَ قَسَمِهِ كَمَا أَبَرَّ أَوَّلَهُ [(٦٢)] .
وَقَدْ رَوَيْنَا قِصَّةَ عَبْدِ اللَّه بْنِ جَحْشٍ فِي كِتَابِ السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ إِسْحَاقَ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ مَوْصُولًا [(٦٣)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ بِبَغْدَادَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجَحْشِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَشْيَاخُنَا أَنَّ عَبْدَ اللَّه ابن جَحْشٍ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ وَقَدْ ذَهَبَ سَيْفُهُ، فَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ ﷺ عَسِيبًا مِنْ نَخْلٍ، فَرَجَعَ فِي يَدِ عَبْدِ اللَّه سَيْفًا [(٦٤)] .
_________________
(١) [(٦٢)] الخبر رواه محمد بن عمر الأسلمي عن شيوخه، وابن وهب عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وقاص، ونقله الصالحي، في السيرة الشامية (٤: ٣٢٢) . [(٦٣)] في السنن الكبرى (٦: ٣٠٧- ٣٠٨) . [(٦٤)] نقله الحافظ ابن كثير في التاريخ (٤: ٤٢) عن الزبير بن بكار.
[ ٣ / ٢٥٠ ]
بَابُ مَا ذُكِرَ فِي الْمَغَازِي مِنْ وُقُوعِ عَيْنِ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ عَلَى وَجْنَتِهِ وَرَدِّ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَيْنَهُ إِلَى مَكَانِهَا وَعَوْدِهَا إِلَى حَالِهَا
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بن بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ رَمَى يَوْمَ أُحُدٍ عَنْ قَوْسِهِ حَتَّى انْدَقَّتْ سِيَتُهَا [(١)]، فَأَخَذَهَا قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ فَكَانَتْ عِنْدَهُ، وَأُصِيبَتْ يومئذ عَنْ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ حَتَّى وَقَعَتْ عَلَى وَجْنَتِهِ فَرَدَّهَا رَسُولُ اللَّه ﷺ فَكَانَتْ أَحْسَنَ عَيْنَيْهِ وَأَحَدَّهُمَا [(٢)] .
وأَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي الْبَسْتِيُّ قَدِمَ عَلَيْنَا قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بن المظفر الكبري، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْغَسِيلِ، قَالَ:
حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ، عَنْ جَدِّهِ قَتَادَةَ: أَنَّهُ أُصِيبَتْ عَيْنُهُ يَوْمَ بَدْرٍ، فَسَالَتْ حَدَقَتُهُ عَلَى وَجْنَتِهِ فَأَرَادَ الْقَوْمُ أَنْ يَقْطَعُوهَا، فَقَالَ: أَنَأْتِي رَسُولَ اللَّه ﷺ نَسْتَشِيرُهُ فِي ذَلِكَ، فَجِئْنَاهُ فَأَخْبَرْنَاهُ الْخَبَرَ، فَأَدْنَاهُ رَسُولُ اللَّه ﷺ
_________________
(١) [(١)] (سيتها): طرف القوس. [(٢)] الخبر في سيرة ابن هشام (٣: ٢٦)، ونقله الحافظ ابن كثير في التاريخ (٤: ٣٣- ٣٤) .
[ ٣ / ٢٥١ ]
مِنْهُ، فَرَفَعَ حَدَقَتَهُ حَتَّى وَضَعَهَا مَوْضِعَهَا، ثُمَّ غَمَزَهَا بِرَاحَتِهِ، وَقَالَ: اللهُمَّ اكْسُهِ جَمَالًا، فَمَاتَ وَمَا يَدْرِي مَنْ لَقِيَهُ أَيُّ عَيْنَيْهِ أُصِيبَتْ [(٣)] .
وَأَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، قَالَ:
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ الْغَسِيلِ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ: أَنَّهُ أُصِيبَتْ عَيْنُهُ يَوْمَ بَدْرٍ فَسَالَتْ حَدَقَتُهُ عَلَى وَجْنَتِهِ، فَأَرَادُوا أَنْ يَقْطَعُوهَا، فَسَأَلُوا النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: لَا فَدَعَا بِهِ فَغَمَزَ حَدَقَتَهُ بِرَاحَتِهِ، فَكَانَ لَا يَدْرِي أَيُّ عَيْنَيْهِ أُصِيبَتْ.
وَفِي الرِّوَايَتَيْنِ جَمِيعًا عَنِ ابْنِ الْغَسِيلِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ واللَّه أَعْلَمُ.
وحَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ إِمْلَاءً، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْأَصْبَهَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُسْتَةَ [(٤)] الْأَصْبَهَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الشَّاذَكُونِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ هُوَ الْوَاقِدِيُّ: قَالَ: قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ كَانَ مِنَ الرُّمَاةِ الْمَذْكُورِينَ، شَهِدُوا بَدْرًا، وَأُحُدًا، وَرُمِيَتْ عَيْنُهُ يَوْمَ أُحُدٍ فَسَالَتْ حَدَقَتُهُ عَلَى وَجْنَتِهِ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّه ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّه إِنَّ عِنْدِيَ امْرَأَةً [(٥)]
_________________
(١) [(٣)] رواه البيهقي أيضا في غزوة بدر، وقد تقدم، وزاد ابن كثير: «ولهذا لما وفد ولد قتادة على عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ﵁- قَالَ له: من أنت؟ فقال له مرتجلا: أنا ابن الذي سالت على الخدّ عينه فردّت بكفّ المصطفى أحسن الردّ فعادت كما كانت لأول أمرها فيا حسنها عينا ويا حسن ما خدّ فقال عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: تِلْكَ الْمَكَارِمُ لَا قَعْبَانِ مِنْ لَبَنٍ شِيبَا بِمَاءٍ فعادا بعد ابوالا [(٤)] في (أ): «رثة» . [(٥)] في المغازي: «إنّ تحتي امرأة شابة جميلة أحبها وتحبني » .
[ ٣ / ٢٥٢ ]
أُحِبُّهَا وَإِنْ هِيَ رَأَتْ عَيْنِي خَشِيتُ أَنْ تَقْذَرَنِي فَرَدَّهَا رَسُولُ اللَّه ﷺ فَاسْتَوَتْ وَرَجَعَتْ وَكَانَتْ أَقْوَى عَيْنَيْهِ وَأَصَحَّهُمَا بَعْدَ أَنْ كَبِرَ [(٦)] .
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُسْلِمٍ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّه، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ شَابُورَ، قَالَ: سَمِعْتُ إِسْحَاقَ بْنَ عَبْدِ اللَّه بْنِ أَبِي فَرْوَةَ يُحَدِّثُ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّه بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عن قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ، وَكَانَ أَخَاهُ لِأُمِّهِ أَنَّ عَيْنَهُ ذَهَبَتْ يَوْمَ أُحُدٍ فَجَاءَ بِهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَرَدَّهَا فاستقامت [(٧)] .
_________________
(١) [(٦)] الخبر رواه الواقدي في المغازي (١: ٢٤٢) . [(٧)] أخرجه الدارقطني في السنن، ونقله الحافظ ابن كثير في التاريخ (٤: ٣٤) .
[ ٣ / ٢٥٣ ]
باب الملكين الذين كَانَا يُقَاتِلَانِ عَنْ رَسُولِ اللَّه ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ وَيَدْفَعَانِ عَنْهُ وَعِصْمَةِ اللَّه تَعَالَى إِيَّاهُ عَنِ الْقَتْلِ كَمَا وَعَدَهُ بِقَوْلِهِ: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [(١)]
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ فُورَكٍ﵀- قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ جَعْفَرٍ الْأَصْبَهَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ سَعْدٍ، قَالَ: رَأَيْتُ يَوْمَ أُحُدٍ عَنْ يَمِينِ النبي ﷺ وَعَنْ يَسَارِهِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ يُقَاتِلَانِ عَنْ رَسُولِ اللَّه ﷺ أَشَدَّ الْقِتَالِ مَا رَأَيْتُهُمَا قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَا بَعْدَهُ [(٢)] .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ:
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ شِيرَوَيْهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعْدٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، فَذَكَرَهُ بِمِثْلِهِ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عبد اللَّه، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ
_________________
(١) [(١)] الآية (٦٧) من سورة المائدة. [(٢)] الحديث أخرجه البخاري في: ٦٤- كتاب المغازي (١٨) باب: «إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا » . الحديث (٤٠٥٤)، فتح الباري (٧: ٣٥٨)، وأخرجه مسلم فِي: ٤٣- كِتَابِ الْفَضَائِلِ (١٠) بَابُ في قتال جبريل وميكائيل عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ، الحديث (٤٧)، ص (١٨٠٢) .
[ ٣ / ٢٥٤ ]
سَعْدٍ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ [(٣)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَفَّانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ (ح) .
وأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّه الصَّفَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مِهْرَانَ الْأَصْبَهَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّه بْنُ مُوسَى، قَالَا: حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ (ح) .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو عَمْرٍو الْمُقْرِئُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعْدٍ، قَالَ: رَأَيْتُ عَنْ يَمِينِ رَسُولِ اللَّه ﷺ وَعَنْ شِمَالِهِ يَوْمَ أُحُدٍ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا ثِيَابُ بَيَاضٍ مَا رَأَيْتُهُمَا قَبْلُ وَلَا بَعْدُ، يَعْنِي جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أبي شيبة [(٤)]، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيِّ [(٥)] عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ.
وَأَمَّا الَّذِي أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ: حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، قَالَ: قَالَ مُجَاهِدٌ: لَمْ تُقَاتِلْ مَعَهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَوْمَئِذٍ ولا قبله
_________________
(١) [(٣)] انظر الحاشية السابقة. [(٤)] صحيح مسلم، ٤٣- كتاب الفضائل (١٠) باب في قتال جبريل الحديث (٤٦)، ص (١٨٠٢) عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أبي شيبة. [(٥)] الْبُخَارِيُّ عَنْ: إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الحنظلي في: ٧٧- كتاب اللباس (٢٤) باب الثياب البيض، الحديث (٥٨٢٦)، فتح الباري (١٠: ٢٨٢) .
[ ٣ / ٢٥٥ ]
وَلَا بَعْدَهُ إِلَّا يَوْمَ بَدْرٍ، فَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهُمْ لَمْ يُقَاتِلُوا يَوْمَ أُحُدٍ عَنِ الْقَوْمِ حِينَ عَصَوَا الرَّسُولَ وَلَمْ يَصْبِرُوا عَلَى مَا أَمَرَهُمْ بِهِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْأَصْبَهَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْجَهْمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَرَجِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَاقِدِيُّ عَنْ شُيُوخِهِ فِي قَوْلِهِ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ [(٦)] قَالَ: فَلَمْ يَصْبِرُوا وَانْكَشَفُوا فَلَمْ يُمَدُّوا [(٧)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: وَكَانَ اللَّه﷿- وَعَدَهُمْ عَلَى الصَّبْرِ وَالتَّقْوَى أَنْ يُمِدَّهُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ، وَكَانَ قَدْ فَعَلَ فَلَمَّا عَصَوْا أَمْرَ الرَّسُولِ وَتَرَكُوا مَصَافَّهُمْ، وَتَرَكَتِ الرُّمَاةُ عَهْدَ الرَّسُولِ ﷺ إليهم أَلَّا [(٨)] يَبْرَحُوا مَنَازِلَهُمْ وَأَرَادُوا الدُّنْيَا، رُفِعَ عَنْهُمْ مَدَدُ الْمَلَائِكَةِ وَأَنْزَلَ اللَّه ﷿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ [(٩)] فَصَدَقَ اللَّه وَعْدَهُ وَأَرَاهُمُ الْفَتْحَ، فَلَمَّا عَصَوْا أَعْقَبَهُمُ الْبَلَاءَ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بن بكير، عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ
_________________
(١) [(٦)] الآية (١٢٤) آل عمران. [(٧)] الخبر في مغازي الواقدي (١: ٣١٩- ٣٢٠) . [(٨)] هكذا في (ح) و(ص)، و(د) وفي (أ) رسمت: «أن لا» . [(٩)] الآية (١٥٢) من سورة آل عمران.
[ ٣ / ٢٥٦ ]
عَوْنٍ، عَنْ عُمَيْرِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ انْكَشَفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّه ﷺ وَسَعْدٌ يَرْمِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَفَتًى يَنْبُلُ لَهُ كُلَّمَا ذَهَبَتْ نَبْلَةٌ أَتَاهُ بِهَا، قَالَ: ارْمِ أَبَا إِسْحَاقَ، فَلَمَّا فَرَغُوا نَظَرُوا مَنِ الشَّابُّ فَلَمْ يروه ولم يعرف [(١٠)] .
_________________
(١) [(١٠)] نقله الصالحي في السيرة الشامية (٤: ٣٠٤) وعزاه لابن إسحاق، والبيهقي وابن عساكر.
[ ٣ / ٢٥٧ ]
بَابُ شِدَّةِ رَسُولِ اللَّه ﷺ فِي الْبَأْسِ، وَتَصْدِيقِ اللَّه ﷿ قَوْلَهُ فِي أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ، وَمَا أَصَابَهُ يَوْمَ أُحُدٍ مِنَ الْجِرَاحِ فِي سَبِيلِ اللَّه﷿-
أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ يُوسُفَ الْأَصْبَهَانِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدِ بْنُ الْأَعْرَابِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ الْحَرَّانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّبٍ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: كُنَّا إِذَا حَمِيَ الْبَأْسُ وَلَقِيَ الْقَوْمُ الْقَوْمَ، اتَّقَيْنَا بِرَسُولِ اللَّه ﷺ، فَمَا يَكُونُ مِنَّا أَحَدٌ أَدْنَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْهُ [(١)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبِي، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: كَانَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ أَخُو بَنِي جُمَحَ قَدْ حَلَفَ وَهُوَ بِمَكَّةَ لَيَقْتُلَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ، فَلَمَّا بَلَغَتْ رَسُولَ اللَّه ﷺ حَلْفَتُهُ قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: بَلْ أَنَا أَقْتُلُهُ إِنْ شَاءَ اللَّه، فَأَقْبَلَ أُبَيٌّ مُتَقَنِّعًا فِي الْحَدِيدِ وَهُوَ يَقُولُ إِنْ نَجَوْتُ لَا نَجَا مُحَمَّدٌ، فَحَمَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّه ﷺ يُرِيدُ قَتْلَهُ، فَاسْتَقْبَلَهُ
_________________
(١) [(١)] الحديث أخرجه النسائي في السير في السنن الكبرى عن عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ علي، عن خلف بن تميم، عن العباس بن محمد، عَنْ يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدٍ، كلاهما عن أبي خَيْثَمَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، على ما في تحفة الأشراف (٧: ٣٥٧) .
[ ٣ / ٢٥٨ ]
مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ أَخُو بَنِي عَبْدِ الدَّارِ يَقِي رسول اللَّه ﷺ بِنَفْسِهِ، فَقُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَأَبْصَرَ رَسُولُ اللَّه ﷺ ترقوة أبي بْنِ خَلَفٍ مِنْ فُرْجَةٍ بَيْنَ سَابِغَةِ الدِّرْعِ وَالْبَيْضَةِ، فطعنه بحربته، فوقع أبي عَنْ فَرَسِهِ وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ طَعْنَتِهِ دَمٌ، فَأَتَاهُ أَصْحَابُهُ فَاحْتَمَلُوهُ وَهُوَ يَخُورُ خُوَارَ الثَّوْرِ، فَقَالُوا: مَا أَجْزَعَكَ؟ إِنَّمَا هُوَ خَدْشٌ، فَذَكَرَ لَهُمْ قَوْلَ رَسُولِ اللَّه ﷺ: أَنَا أَقْتُلُ أُبَيًّا، ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ كَانَ هَذَا الَّذِي بِي بِأَهْلِ ذِي الْمَجَازِ لَمَاتُوا أَجْمَعُونَ، فَمَاتَ إِلَى النَّارِ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ [(٢)] .
وَقَدْ رُوِّينَاهُ فِيمَا مَضَى عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سيعد ابن الْمُسَيِّبِ [(٣)] .
وَرَوَاهُ أَيْضًا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ مُسَافِرٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ [(٤)] .
وَذَكَرَهُ الْوَاقِدِيُّ عَنْ يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: مَاتَ أُبَيُّ ابن خَلَفٍ بِبَطْنِ رَابِغَ [(٥)]، فَإِنِّي لَأَسِيرُ بِبَطْنِ رَابِغَ بَعْدَ هَوِيٍّ [(٦)] مِنَ اللَّيْلِ إِذَا نَارٌ تَأَجَّجُ لِي فَهِبْتُهَا، وَإِذَا رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنْهَا فِي سِلْسِلَةٍ يَجْتَذِبُهَا يَصِيحُ: الْعَطَشَ، وَإِذَا رَجُلٌ يَقُولُ لَا تَسْقِهِ فَإِنَّ هَذَا قَتِيلُ رَسُولِ اللَّه ﷺ، هَذَا أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ [(٧)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ:
_________________
(١) [(٢)] نقله الحافظ ابن كثير في التاريخ (٤: ٣٢) . [(٣)] في بَابَ سِيَاقِ قِصَّةِ خُرُوجِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى أُحُدٍ، وَكَيْفَ كانت الوقعة. [(٤)] سيرة ابن هشام (٣: ٣٧)، ومغازي الواقدي (١: ٢٥٠) . [(٥)] أي في منصرفهم الى مكة. [(٦)] (هوي من الليل): ساعة. [(٧)] الخبر في مغازي الواقدي (١: ٢٥٢) .
[ ٣ / ٢٥٩ ]
أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ قُتَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ العزيز ابن أَبِي حَازِمٍ (ح) .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ: مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بَالَوَيْهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو السَّرِيِّ مُوسَى بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ جُرْحِ رَسُولِ اللَّه ﷺ، قَالَ: جُرِحَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّه ﷺ، وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ وَهُشِّمَتِ الْبَيْضَةُ عَلَى رَأْسِهِ، فَكَانَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّه ﷺ تَغْسِلُ الدَّمَ، وَكَانَ عَلِيٌّ ﵁ يَسْكُبُ عَلَيْهِ الْمَاءَ بِالْمِجَنِّ، فَلَمَّا رَأَتْ فَاطِمَةُ ﵂ أَنَّ الْمَاءَ لَا يَزِيدُ الدَّمَ إِلَّا كَثْرَةً، أَخَذَتْ قِطْعَةَ حَصِيرٍ فَأَحْرَقَتْهُ حَتَّى إِذَا صَارَ رَمَادًا أَلْصَقَتْهُ بِالْجُرْحِ فَاسْتَمْسَكَ الدَّمُ [(٨)] .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ [(٩)] .
ورَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى [(١٠)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو الْبِسْطَامِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، قَالَ:
_________________
(١) [(٨)] لأنها تعمل عمل المواد القابضة، فإنها عند ما تستعمل على الجرح فإنها ترسّب البروتين السطحي فيكوّن طبقة على التهتكات والجروح، فتحمي الجرح من المخترقات الجرثومية، وغيرها، وتوقف النزيف بترسيب العنصر البروتيني في الدم. ومن جهة اخرى فإنّ لها خاصية ترسيب بروتين البكتريا فتموت، فيكون فعلها في حماية الجرح والقضاء على اي جرثوم قريب منه.. وانظر الطب النبوي صفحة ١٦٣ وما بعدها من تحقيقنا. [(٩)] أخرجه البخاري في: ٥٦- كتاب الجهاد (٨٥) باب لبس البيضة، فتح الباري (٦: ٩٧)، وفي:
(٢) كتاب المغازي (٢٤) بَابُ: مَا أَصَابَ النَّبِيَّ ﷺ من الجراح يوم أحد، فتح الباري (٧: ٣٧٢) . [(١٠)] مسلم في: ٣٢- كتاب الجهاد والسير (٣٧) باب غزوة أحد، الحديث (١٠١)، ص (١٤١٦) . وأخرجه ابن ماجة في: ٣١- كتاب الطب (١٥) باب دواء الجراحة، الحديث (٣٤٦٤)، ص (٢: ١١٤٧) . وأخرجه الإمام أحمد في: «مسنده» (٥: ٣٣٠- ٥٣٤) .
[ ٣ / ٢٦٠ ]
أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ السَّرْحِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يوم أُحُدٍ أُصِيبَ وَجْهُهُ وَأُصِيبَتْ رَبَاعِيَتُهُ [(١١)] وَهُشِّمَتْ بَيْضَتُهُ [(١٢)]، قَالَ: فَأَتَاهُ عَلِيٌّ﵁- بِمَاءٍ فِي مِجَنٍّ، وَأَتَتْ فَاطِمَةُ﵂- عنه تَغْسِلُ عَنْهُ الدَّمَ، وَتَحْرِقُ قِطْعَةَ حَصِيرٍ فَتَجْعَلُهَا عَلَى جُرْحِهِ [(١٣)] .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَمْرِو بْنِ سَوَّادٍ.
أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْمَشٍ الْفَقِيهُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَطَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ السُّلَمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا أَخْبَرَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: اشْتَدَّ غَضَبُ اللهِ عَلَى قَوْمٍ فَعَلُوا بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ حِينَئِذٍ يُشِيرُ إِلَى رَبَاعِيَتِهِ، وَقَالَ [رَسُولُ اللهِ ﷺ] [(١٤)] اشْتَدَّ غَضَبُ اللهِ عَلَى رَجُلٍ يَقْتُلُهُ رَسُولُ الله ﷺ فِي سَبِيلِ اللهِ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ [(١٥)] فِي الصَّحِيحِ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ نَصْرٍ.
_________________
(١) [(١١)] (رباعيته) هي بتخفيف الياء، وهي السن التي تلي الثنية من كل جانب، وللإنسان اربع رباعيات. [(١٢)] (وهشمت بيضته) أي كسر ما ما يلبسه تحت المغفر في الرأس، والهشم: كسر الشيء اليابس والأجوف. [(١٣)] مُسْلِمٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ سواد العامري، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ وهب في: ٣٢- كتاب الجهاد والسير، (٣٧) باب غزوة احد، الحديث (١٠٣)، ص (١٤١٦) . [(١٤)] الزيادة من صحيح مسلم. [(١٥)] الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ نَصْرٍ في: ٦٤- كتاب المغازي (٢٤) بَابُ مَا أَصَابَ النَّبِيَّ ﷺ من الجراح يوم احد، الحديث (٤٠٧٣)، فتح الباري (٧: ٣٧٢) .
[ ٣ / ٢٦١ ]
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ [(١٦)] عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ الْقَزَّازُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: اشْتَدَّ غَضَبُ اللهِ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي سَبِيلِ اللهِ بِيَدِهِ، واشْتَدَّ غَضَبُ اللهِ عَلَى قَوْمٍ دَمَّوْا وَجْهَ رَسُولِ الله ﷺ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِي عَاصِمٍ [(١٧)] .
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو النَّضْرِ الْفَقِيهُ، قَالَ:
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ، وَشُجَّ، فَجَعَلَ يَسْلُتُ [(١٨)] الدَّمُ عَنْ وَجْهِهِ، وَيَقُولُ: كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا نَبِيَّهُمْ، وَكَسَرُوا رَبَاعِيَتَهُ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ.
قَالَ: فَأَنْزَلَ اللهُ﷿- «لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ» [(١٩)] [آل عمران، الْآيَةَ- ١٢٨] .
وَأَخْبَرَنَا طَلْحَةُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الصَّقْرِ الْبَغْدَادِيُّ بِهَا، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الشَّافِعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ
_________________
(١) [(١٦)] مُسْلِمٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رافع في: ٣٢- كتاب الجهاد والسير (٣٨) باب اشتداد غَضَبُ اللهِ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، الحديث (١٠٦)، ص (١٤١٧) . [(١٧)] الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَلِيٍّ، عن أبي عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عباس، في: ٦٤- كتاب المغازي، (٢٤) بَابُ مَا أَصَابَ النَّبِيَّ ﷺ من الجراح يوم أحد، الحديث (٤٠٧٦)، فتح الباري (٧: ٣٧٢) . [(١٨)] (يسلت) اي يمسح. [(١٩)] الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي: ٣٢- كتاب الجهاد والسير، (٣٧) باب غزوة أحد، الحديث (١٠٤)، ص (١٤١٧) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مسلمة بن قعنب القعنبي.
[ ٣ / ٢٦٢ ]
ابن مَسْلَمَةَ هُوَ الْقَعْنَبِيُّ فَذَكَرَهُ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ [(٢٠)] عَنِ الْقَعْنَبِيِّ.
وَذَهَبَ ابْنُ عُمَرَ فِي آخَرِينَ إِلَى أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَدْعُو عَلَى قَوْمٍ فِي قُنُوتِهِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَاللهُ أَعْلَمُ.
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ فُورَكٍ﵀-، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَحْمَدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ يَحْيَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عِيسَى بْنُ طَلْحَةَ، عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ أَبُو بَكْرٍ إِذَا ذَكَرَ يَوْمَ أُحُدٍ بَكَى، ثُمَّ قَالَ: كَانَ ذَاكَ يَوْمًا كَانَ كُلُّهُ يَوْمَ طَلْحَةَ، ثُمَّ أَنْشَأَ يُحَدِّثُ قَالَتْ: قَالَ كُنْتُ أَوَّلَ مَنْ فَاءَ يَوْمَ أُحُدٍ [إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ] فَرَأَيْتُ رَجُلًا يُقَاتِلُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ دُونَهُ، وَأُرَاهُ قَالَ: يَحْمِيهِ، قَالَ: فَقُلْتُ كُنْ طَلْحَةَ حَيْثُ فَاتَنِي مَا فَاتَنِي، فَقُلْتُ: يَكُونُ رَجُلًا مِنْ قَوْمِي أَحَبُّ إِلَيَّ، وَبَيْنِي وَبَيْنَ الْمَشْرِقِ رَجُلٌ لَا أَعْرِفُهُ وَأَنَا أَقْرَبُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْهُ، وَهُوَ يَخْطَفُ الْمَشْيَ خَطْفًا، لَا أَخْطَفُهُ. فَإِذَا هُوَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ،
فَانْتَهَيْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّه ﷺ وَقَدْ كُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ، وَشُجَّ فِي وَجْهِهِ، وَقَدْ دَخَلَ فِي وَجْنَتَيْهِ حَلْقَتَانِ مِنِْ حَلَقِ الْمِغْفَرِ، قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: عَلَيْكُمَا صَاحِبَكُمَا، يُرِيدُ طَلْحَةَ،
وَقَدْ نَزَفَ، فَلَمْ نَلْتَفِتْ إِلَى قَوْلِهِ، قَالَ: وَذَهَبْتُ لِأَنْزِعَ ذَلِكَ مِنْ وَجْهِهِ، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ بِحَقِّي لَمَا تَرَكْتَنِي، فَتَرَكْتُهُ، فَكَرِهَ أَنْ يَتَنَاوَلَهُمَا بِيَدِهِ فَيُؤْذِي النَّبِيَّ ﷺ، فَأَزَمَ [(٢١)] عَلَيْهِمَا بِفِيهِ، فَاسْتَخْرَجَ إِحْدَى الْحَلْقَتَيْنِ، وَوَقَعَتْ ثَنِيَّتُهُ مَعَ الْحَلْقَةِ، وَذَهَبْتُ لِأَصْنَعَ مَا صَنَعَ، فَقَالَ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ بِحَقِّي لَمَا تَرَكْتَنِي، قَالَ: فَفَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى فَوَقَعَتْ ثَنِيَّتُهُ الْأُخْرَى مَعَ الْحَلْقَةِ، فَكَانَ أَبُو عبيدة من أحسن
_________________
(١) [(٢٠)] راجع الحاشية السابقة. [(٢١)] أزم على الشيء ازما من باب ضرب: عضّ عليه.
[ ٣ / ٢٦٣ ]
النَّاسِ هَتْمًا [(٢٢)] فَأَصْلَحْنَا مِنْ شَأْنِ النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ أَتَيْنَا طَلْحَةَ فِي بَعْضِ تِلْكَ الْجِفَارِ، فَإِذَا بِهِ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ أَقَلُّ أَوْ أَكْثَرُ، بَيْنَ طَعْنَةٍ، وَرَمْيَةٍ، وَضَرْبَةٍ، وَإِذَا قَدْ قُطِعَتْ إِصْبَعُهُ فَأَصْلَحْنَا مِنْ شَأْنِهِ [(٢٣)] .
وَفِي كِتَابِي عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه الْحَافِظِ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بُطَّةَ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْجَهْمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَرَجِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْوَاقِدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ يَعْقُوبَ الزَّمْعِيُّ، عَنْ عَمَّتِهِ، عَنْ أُمِّهَا، عَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ عَمْرٍو، فَذَكَرَ حَدِيثًا فِي يَوْمِ أُحُدٍ، وَقَالَ: فَأَوْجَعُوا واللَّه فِينَا قَتْلًا ذَرِيعًا، وَنَالُوا مِنْ رَسُولِ اللَّه ﷺ مَا نَالُوا، لَا وَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ إِنْ زَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ شِبْرًا وَاحِدًا، إِنَّهُ لَفِي وَجْهِ الْعَدُوِّ، وَتَثُوبُ إِلَيْهِ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ مَرَّةً، وَتَفَرَّقُ عَنْهُ مَرَّةً، فَرُبَّمَا رَأَيْتُهُ قَائِمًا يَرْمِي عَلَى قَوْسَيْهِ، وَيَرْمِي بِالْحَجَرِ، حَتَّى تَحَاجَزُوا، وَثَبَتَ رَسُولُ اللَّه ﷺ كَمَا هُوَ فِي عِصَابَةٍ صَبَرُوا مَعَهُ [(٢٤)] .
وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ عَنِ ابْنِ أَبِي سَبْرَةَ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّه بْنِ أَبِي فَرْوَةَ، عَنْ أَبِي الْحُوَيْرِثِ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، يَقُولُ: شَهِدْتُ أُحُدًا، فَنَظَرْتُ إِلَى النَّبْلِ يَأْتِي مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، وَرَسُولُ اللَّه ﷺ وَسْطَهَا، كُلُّ ذَلِكَ يُصْرَفُ عَنْهُ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ عَبْدَ اللَّه بْنَ شِهَابٍ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ يَوْمَئِذٍ: دُلُّونِي عَلَى مُحَمَّدٍ فَلَا نَجَوْتُ إِنْ نَجَا وَرَسُولُ اللَّه ﷺ إِلَى جَنْبِهِ مَا مَعَهُ أَحَدٌ، ثُمَّ جَاوَزَهُ فَعَاتَبَهُ فِي ذَلِكَ صَفْوَانُ [(٢٥)] فَقَالَ واللَّه مَا رَأَيْتُهُ أَحْلِفُ بِاللهِ إِنَّهُ مِنَّا مَمْنُوعٌ، خَرَجْنَا أَرْبَعَةً فَتَعَاهَدْنَا وَتَعَاقَدْنَا عَلَى قَتْلِهِ فَلَمْ نَخْلُصْ إِلَى ذلك [(٢٦)] .
_________________
(١) [(٢٢)] الهتم: كسر الثنايا من أصلها. [(٢٣)] الحديث في صحيح ابن حبان عن عائشة، ونقله الحافظ ابن كثير في التاريخ (٤: ٢٩- ٣٠) عن مسند الطيالسي، والصالحي في السيرة الشامية (٤: ٢٩٥) عن ابن حبان وعن الطيالسي. [(٢٤)] الخبر رواه الواقدي في المغازي (١: ٢٣٩- ٢٤٠) . [(٢٥)] في المغازي: «ولقي عَبْدَ اللَّه بْنَ شِهَابٍ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، فَقَالَ صفوان: ترحت، ألم يمكنك أن تضرب محمدا، فتقطع هذه الشأفة، فقد أمكنك اللَّه منه؟ قال: وهل رأيته؟ قال: نعم، أنت إلى جنبه، قال: واللَّه ما رأيته » . [(٢٦)] الخبر في مغازي الواقدي (١: ٢٣٧- ٢٣٨) .
[ ٣ / ٢٦٤ ]
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَالثَّبْتُ عِنْدَنَا أَنَّ الَّذِي رَمَى فِي وَجْنَتَيِ النَّبِيِّ ﷺ ابْنُ قَمِيئَةَ، وَالَّذِي رَمَى شَفَتَيْهِ وَأَصَابَ رَبَاعِيَتَهُ: عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ [(٢٧)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ:
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بن بكير، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: أُصِيبَتْ رَبَاعِيَتُهُ، وَشُجَّ فِي وَجْنَتِهِ، وَكُلِمَتْ [(٢٨)] شَفَتُهُ، وَكَانَ الَّذِي أَصَابَهُ:
عُتْبَةَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ [(٢٩)] .
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ، قَالَ: مَا حَرَصْتُ عَلَى قَتْلِ أَحَدٍ قَطُّ مَا حَرَصْتُ عَلَى قَتْلِ عُتْبَةَ ابْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَإِنْ كَانَ مَا عَلِمْتُهُ لَسَيِّئَ الْخُلُقِ مُبْغَضًا فِي قَوْمِهِ، وَلَقَدْ عَفَانِي مِنْهُ قَوْلُ رَسُولِ اللَّه ﷺ: اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّه عَلَى مَنْ دَمَّى وَجْهَ رَسُولِ اللَّه ﷺ [(٣٠)] .
أَخْبَرَنَا أبو عبد اللَّه الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الصَّنْعَانِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّبَرِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرازق، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَعَنْ عُثْمَانَ الْجَزَرِيِّ، عَنْ مِقْسَمٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعَا عَلَى عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ كَسَرَ رَبَاعِيَتَهُ، وَدَمَّى وَجْهَهُ. فَقَالَ: اللهُمَّ لَا تُحِلْ عَلَيْهِ الْحَوْلَ حَتَّى يَمُوتَ كَافِرًا، فَمَا حَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ حَتَّى مَاتَ كافرا الى النار [(٣١)] .
_________________
(١) [(٢٧)] ذكره الواقدي في مغازيه (١: ٢٤٤) . [(٢٨)] (كلمت) جرحت. [(٢٩)] رواه ابن هشام في السيرة (٣: ٢٢) . [(٣٠)] تقدم تخريج الحديث في الحاشية (١٧) من هذا الباب. [(٣١)] الخبر رواه عبد الرزاق في تفسيره عن مقسم، ورواه أبو نعيم من وجه آخر عن ابن عباس، وعنهما نقله الصالحي في السيرة الشامية (٤: ٢٩٤)، وعن عبد الرزاق نقله ابن كثير في التاريخ (٤: ٣٠) .
[ ٣ / ٢٦٥ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِئُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ السَّائِبِ حَدَّثَهُ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ مَالِكًا أَبَا أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ،، لَمَّا جُرِحَ النبي ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ مَصَّ جُرْحَهُ، حَتَّى أَنْقَاهُ، وَلَاحَ أَبْيَضَ، فَقِيلَ لَهُ: مُجَّهُ، فَقَالَ: لَا واللَّه لَا أَمُجُّهُ أَبَدًا، ثُمَّ أَدْبَرَ يُقَاتِلُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا، فَاسْتُشْهِدَ [(٣٢)] .
_________________
(١) [(٣٢)] أخرجه البغوي وابن ابي عاصم من طريق مُوسَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ علي الأنصاري، وابن السكن من وجه آخر من رواية مصعب بن الأسقع، عن ربيح بن عبد الرحمن، عن أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ بنحوه، وأخرجه سعيد بن منصور عن ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عمرو بن السائب.
[ ٣ / ٢٦٦ ]
بَابُ قَوْلِ اللَّه ﷿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ، حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ [(١)] الْآيَةَ
وَقَوْلِ اللَّه﷿- إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى مَا فاتَكُمْ وَلا مَا أَصابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ، ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاسًا يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ [(٢)] الْآيَةَ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ رَجَاءٍ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ وَلَقِينَا الْمُشْرِكِينَ أَجْلَسَ رَسُولُ اللَّه ﷺ نَاسًا مِنَ الرُّمَاةِ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّه بْنَ جُبَيْرٍ، وَقَالَ لَهُمْ: لَا تَبْرَحُوا مِنْ مَكَانِكُمْ، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمْ قَدْ ظَهَرُوا عَلَيْنَا فَلَا تُعِينُونَا عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا الْتَقَى الْقَوْمُ وَهَزَمَهُمُ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى نَظَرْنَا إِلَى النِّسَاءِ يَشْتَدِدْنَ [(٣)] فِي الْجَبَلِ، قَدْ رَفَعْنَ عَنْ سُوقِهِنَّ بَادِيَةً خَلَاخِيلُهُنَّ فَجَعَلُوا يَقُولُونَ:
الْغَنِيمَةَ، الْغَنِيمَةَ [(٤)]، فَقَالَ لَهُمْ عَبْدُ اللَّه: أَمْهِلُوا أَمَا عَهِدَ إِلَيْكُمْ رَسُولُ اللَّه ﷺ أَنْ [(٥)] لَا تبرحوا، فانطلوا فَلَمَّا أَتَوْهُمْ صَرَفَ اللَّه وُجُوهَهُمْ [(٦)] وَقُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ
_________________
(١) [(١)] الآية الكريمة (١٥٢) من سورة آل عمران. [(٢)] الآيتان الكريمتان (١٥٣- ١٥٤) من سورة آل عمران. [(٣)] (يشتددن) يسرعن المشي. [(٤)] أي خذوا الغنيمة. [(٥)] في (ص) و(ح) رسمت: «ألا» . [(٦)] أي تحيروا فلم يدروا أين يذهبون.
[ ٣ / ٢٦٧ ]
سَبْعُونَ رَجُلًا [(٧)]، ثُمَّ إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ أَشْرَفَ [(٨)] عَلَيْنَا وَهُوَ فِي نَشَزٍ قَالَ:
أَفِي الْقَوْمِ مُحَمَّدٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: لَا تُجِيبُوهُ حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ:
أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ؟ ثَلَاثًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَا تُجِيبُوهُ ثُمَّ قَالَ: أَفِي الْقَوْمِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ؟ ثَلَاثًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَا تُجِيبُوهُ، ثُمَّ الْتَفَتَ لِأَصْحَابِهِ فَقَالَ:
أَمَّا هَؤُلَاءِ فَقَدْ قُتِلُوا، فَلَمْ يَمْلِكُ عُمَرُ ﵁ نَفْسَهُ أَنْ قَالَ: كَذَبْتَ يَا عَدُوَّ اللَّه، قَدْ أَبْقَى اللَّه لَكَ مَنْ يُخْزِيكَ [(٩)] اللَّه بِهِ، فَقَالَ: اعْلُ هُبَلُ مَرَّتَيْنِ [(١٠)]، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَجِيبُوهُ، فَقَالُوا مَا نَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّه؟ قَالَ: قُولُوا اللَّه أَعْلَى [(١١)] وَأَجَلُّ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: لَنَا عُزَّى [(١٢)] وَلَا عُزَّى لَكُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: أَجِيبُوهُ، قَالُوا: وَمَا نَقُولُ؟ قَالَ: قُولُوا: اللَّه مَوْلَانَا وَلَا مَوْلَى لَكُمْ، قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ وَالْحَرْبُ سِجَالٌ [(١٣)] أَمَا إِنَّكُمْ سَتَجِدُونَ فِي الْقَوْمِ مُثْلَةً [(١٤)] لَمْ آمُرْ بِهَا وَلَمْ تسؤني.
_________________
(١) [(٧)] ولم يكن في عهده ﷺ، ملحمة هي أشد ولا أكثر قتلى من أحد. [(٨)] (أشرف أبو سفيان) أي: طلع، وهو رئيس المشركين يومئذ. [(٩)] في الصحيح: «ما يحزنك» . [(١٠)] (هبل) اسم صنم، والمعنى: ظهر دينك، وقال السهيلي: معناه زد علوا، وفي التوضيح: ليرتفع أمرك [(١١)] في (أ) رسمت أعلى» . [(١٢)] العزى: اسم صنم لقريش! كانت غطفان يعبدونها، وبنوا عليها بيتا، وأقاموا لها سدنة، فبعث إليها- بعد ذلك- رسول اللَّه ﷺ خَالِدَ بن الوليد، فهدم البيت، وخرب الصنم، وهو يقول: يا عزى كفرانك لا سبحانك إني رأيت اللَّه قد أهانك [(١٣)] أي هذا يوم بمقابلة يوم بدر، لأن في بدر قتل منهم سبعون، وفي أحد قتلوا سبعين مِنَ الصَّحَابَةِ﵃- والحرب سجال، يعني متداولة يوم لنا ويوم علينا. [(١٤)] مثلما فعلوا بحمزة ﵁- وخرجت هند والنسوة معها يمثلن بالقتلى: يجذعن الآذان والأنوف حتى اتخذت هند من ذلك قلائد.
[ ٣ / ٢٦٨ ]
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّه بْنِ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ [(١٥)] .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمُزَكِّي، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْعَبْدِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ النُّفَيْلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ ابن عَازِبٍ، يَقُولُ: جَعَلَ رَسُولُ اللَّه ﷺ عَلَى الرُّمَاةِ يَوْمَ أُحُدٍ عَبْدَ اللَّه بْنَ جُبَيْرٍ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالَ: وَأَقْبَلُوا مُنْهَزِمِينَ يَعْنِي الْمُسْلِمِينَ فَذَاكَ إِذْ يَدْعُوهُمُ الرَّسُولُ فِي أُخْرَاهُمْ وَلَمْ يَبْقَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ غَيْرُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا وَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، عَنْ زُهَيْرٍ [(١٦)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ الْفَقِيهُ قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّه بْنِ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ (ح) .
وأَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرِ بْنُ قَتَادَةَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ حَامِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّفَّا الْهَرَوِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْهَاشِمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّه بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَا نُصِرَ النَّبِيُّ ﷺ فِي مَوْطِنٍ كَمَا نُصِرَ يَوْمَ أُحُدٍ قَالَ: فَأَنْكَرْنَا ذَلِكَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بَيْنِي وَبَيْنَ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ كِتَابُ اللَّه ﷿ إِنَّ اللَّه ﵎ يَقُولُ فِي يَوْمِ أُحُدٍ: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ
_________________
(١) [(١٥)] الحديث أخرجه البخاري في: ٦٤- كتاب المغازي (١٧) باب غزوة أحد، الحديث (٤٠٤٣)، فتح الباري (٧: ٣٤٩- ٣٥٠) . [(١٦)] الْبُخَارِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ في: ٦٤- كتاب المغازي، باب (١٠)، الحديث (٣٩٨٦)، فتح الباري (٧: ٣٠٧)، واعاده في التفسير، تفسير سورة آل عمران، باب (٣) عَنْ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، وأخرجه ابو داود في الجهاد، (١١٦) باب في الكمناء، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ محمد النفيلي، الحديث (٢٦٦٢)، ص (٣: ٥١) .
[ ٣ / ٢٦٩ ]
[(١٧)] يَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَالْحَسُّ الْقَتْلُ (حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَراكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ، ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) وَإِنَّمَا عَنَى بِهَذَا الرُّمَاةَ وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقَامَهُمْ فِي مَوْضِعٍ، ثُمَّ قَالَ: احْمُوا ظُهُورَنَا فَإِنْ رَأَيْتُمُونَا نُقْتَلُ فَلَا تَنْصُرُونَا وَإِنْ رَأَيْتُمُونَا قَدْ غَنِمْنَا فَلَا تَشْرَكُونَا، فَلَمَّا غَنِمَ رَسُولُ اللَّه ﷺ وَأَبَاحُوا عَسْكَرَ الْمُشْرِكِينَ انْكَفَأَتِ الرُّمَاةُ جَمِيعًا فَدَخَلُوا فِي الْعَسْكَرِ يَنْتَهِبُونَ وَلَقَدِ الْتَقَتْ صُفُوفُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَهُمْ هَكَذَا وَشَبَّكَ أَصَابِعَ يَدَيْهِ الْتَبَسُوا فَلَمَّا دَخَلَ الرُّمَاةُ تِلْكَ الْحِلَّةَ الَّتِي كَانُوا فِيهَا دَخَلَ الْخَيْلُ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَضَرَبَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَالْتَبَسُوا وَقُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ نَاسٌ كَثِيرٌ وَقَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللَّه ﷺ وَأَصْحَابُهُ أَوَّلُ النَّهَارِ حَتَّى قُتِلَ مِنْ أَصْحَابِ لِوَاءِ الْمُشْرِكِينَ سَبْعَةٌ أَوْ تِسْعَةٌ وَجَالَ الْمُسْلِمُونَ جَوْلَةً نَحْوَ الْجَبَلِ وَلَمْ يَبْلُغُوا حَيْثُ يَقُولُ النَّاسُ الْغَارَ إِنَّمَا كَانُوا تَحْتَ الْمِهْرَاسِ وَصَاحَ الشَّيْطَانُ قُتِلَ مُحَمَّدٌ فَلَمْ نَشُكَّ فِيهِ أَنَّهُ حَقٌّ فَمَا زِلْنَا كَذَلِكَ مَا نَشُكُّ أَنَّهُ قَدْ قُتِلَ حَتَّى طَلَعَ رَسُولُ اللَّه ﷺ بَيْنَ السَّعْدَيْنِ نَعْرِفُهُ بِتَكَفُّئِهِ إِذَا مَشَى، قَالَ: فَفَرِحْنَا كَأَنَّهُ لَمْ يُصِبْنَا مَا أَصَابَنَا.
قَالَ: فَرَقِيَ نَحْوَنَا وَهُوَ يَقُولُ اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّه عَلَى قَوْمٍ دَمَّوْا وَجْهَ رَسُولِهِ قَالَ: وَيَقُولُ مَرَّةً أُخْرَى اللهُمَّ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَعْلُونَا، حَتَّى انْتَهَى إِلَيْنَا قَالَ:
فَمَكَثَ سَاعَةً فَإِذَا أَبُو سُفْيَانَ يَصِيحُ فِي أَسْفَلِ الْجَبَلِ اعْلُ هُبَلُ اعْلُ هُبَلُ يَعْنِي آلِهَتَهُ أَيْنَ ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ؟ أَيْنَ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ؟ أَيْنَ ابْنُ الْخَطَّابِ؟ فَقَالَ عُمَرُ ﵁: يَا رَسُولَ اللَّه أَلَا أُجِيبُهُ قَالَ: بَلَى، فَلَمَّا قَالَ: اعْلُ هُبَلُ قَالَ عُمَرُ اللَّه أَعْلَى وَأَجَلُّ
فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ يَا بن الْخَطَّابِ إِنَّهُ يَوْمُ الصَّمْتِ فَعَادَ فَقَالَ:
أَيْنَ ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ؟ أَيْنَ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ؟ أَيْنَ ابْنُ الْخَطَّابِ؟ فَقَالَ عُمَرُ هَذَا
_________________
(١) [(١٧)] [آل عمران- ١٥٢] .
[ ٣ / ٢٧٠ ]
رسول الله ﷺ وَهَذَا أَبُو بَكْرٍ وَهَا أَنَا ذَا عُمَرُ. فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ، الْأَيَّامُ دُوَلٌ وَإِنَّ الْحَرْبَ سِجَالٌ، فَقَالَ عُمَرُ ﵁: لَا سَوَاءً قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتْلَاكُمْ فِي النَّارِ قَالَ: إِنَّكُمْ لَتَزْعُمُونَ ذَلِكَ لَقَدْ خِبْنَا إِذًا وَخَسِرْنَا ثُمَّ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ أَمَا إِنَّكُمْ سَوْفَ تَجِدُونَ فِي قَتْلَاكُمْ مُثَلًا وَلَمْ يَكُنْ ذَاكَ عَنْ رَأْيِ سَرَاتِنَا ثُمَّ أَدْرَكَتْهُ حَمِيَّةُ الْجَاهِلِيَّةِ فَقَالَ: أَمَا إِنَّهُ إِذْ كَانَ لَمْ نَكْرَهْهُ. لَفْظُ حَدِيثِ الدَّارِمِيِّ [(١٨)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ، قَالَ: فَلَمَّا لَحِقَ رَسُولُ اللَّه ﷺ أَصْحَابَهُ وَنَظَرُوا إِلَيْهِ وَمَعَهُ:
طَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ، وَسَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ الصِّمَّةِ، أَخُو بَنِي النَّجَّارِ ظَنَّ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّه ﷺ أَنَّهُمْ مِنَ الْعَدُوِّ، فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ سَهْمًا عَلَى كَبِدِ قَوْسِهِ فَأَرَادَ أَنْ يَرْمِيَ، فَلَمَّا تَكَلَّمُوا وَنَادَاهُمْ رسول اللَّه ﷺ، فَكَأَنَّهُمْ لَمْ يُصِبْهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ ضَرَرٌ حِينَ أَبْصَرُوا رَسُولَ اللَّه ﷺ، وَعَلِمُوا أَنَّهُ حَيٌّ، فَبَيْنَاهُمْ كَذَلِكَ عَرَضَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ بِفِتْنَتِهِ وَبِوَسْوَسَتِهِ وَتَحْزِينِهِ حِينَ أَبْصَرُوا عَدُوَّهُمْ قَدِ انْفَرَجُوا عَنْهُمْ يَذْكُرُونَ قَتْلَاهُمْ وَإِخْوَانَهُمْ، وَيَسْأَلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عَنْ قَتْلَاهُمْ، وَاشْتَدَّ حُزْنُهُمْ، فَرَدَّ اللَّه الْمُشْرِكِينَ عَلَيْهِمْ وَغَمَّهُمْ بِهِ لِيُذْهِبَ الْحُزْنَ عَنْهُمْ فَإِذَا عَدُوُّهُمْ فَوْقَ الْجَبَلِ قَدْ عَلَوْا، فَنَسُوا عِنْدَ ذَلِكَ الْحُزْنَ وَالْهُمُومَ عَلَى إِخْوَانِهِمْ ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْهُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ إِلَى قَوْلِهِ: وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ [(١٩)]
فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: «اللهُمَّ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَظْهَرُوا عَلَيْنَا»،
ثُمَّ دَعَا وَنَدَبَ أَصْحَابَهُ فَانْتَدَبَ مَعَهُ عِصَابَةٌ فَأَصْعَدُوا فِي الشِّعْبِ حَتَّى كَانُوا هُمْ وَالْعَدُوُّ عَلَى السَّوَاءِ، ثُمَّ رَمَوْا وطاعنوا حتى أهبطوهم
_________________
(١) [(١٨)] وروى طرفا منه الطبري في تاريخه (٢: ٥٠٨)، وفي تفسيره (٧: ٢٨٢) . [(١٩)] [آل عمران- ١٥٤] .
[ ٣ / ٢٧١ ]
فَانْكَفَأَ الْمُشْرِكُونَ إِلَى قَتْلَى الْمُسْلِمِينَ فَمَثَّلُوا بِهِمْ يَقْطَعُونَ الْآذَانَ وَالْأُنُوفَ وَالْفُرُوجَ، وَيَبْقُرُونَ الْبُطُونَ، وَيَحَسَبُونَ أَنَّهُمْ قَدْ أَصَابُوا النَّبِيَّ ﷺ، وَأَشْرَافَ أَصْحَابِهِ، ثُمَّ إِنَّهُمُ اجْتَمَعُوا وَصَافُّوا مُقَابِلَهُمْ وَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ [(٢٠)]، وَذَكَرَ مَا رُوِّينَا فِي الْأَخْبَارِ الْمَوْصُولَةِ ثُمَّ ذَكَرَ انْكِفَاءَهُمْ إِلَى أَثْقَالِهِمْ وَخُرُوجَهُمْ بِمَعْنَى مَا مَضَى مِنْ رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ مُحَمَّدٍ الْكَعْبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ ابن زُرَيْعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي طَلْحَةَ، قَالَ:
كُنْتُ مِمَّنْ يَغْشَاهُ النُّعَاسُ يَوْمَ أُحُدٍ حَتَّى سَقَطَ سَيْفِي مِنْ يَدِي، مِرَارًا يَسْقُطُ وَآخُذُهُ، وَيَسْقُطُ وَآخُذُهُ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ خَلِيفَةَ بْنِ خَيَّاطٍ [(٢١)] .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بن حمشاد الْعَدْلُ، قَالَ:
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي، وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: حدثنا حجاج ابن مِنْهَالٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ رَفَعْتُ رأس يَوْمَ أُحُدٍ فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ وَمَا مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا وهو يميد تحت جحفته مِنَ النُّعَاسِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ ﷿:
_________________
(١) [(٢٠)] سيرة ابن هشام (٣: ٣٧)، وابن جرير، وابن ابي حاتم، ونقل بعضه الصالحي في السيرة الشامية (٤: ٣١١) . [(٢١)] البخاري عَنْ خَلِيفَةَ بْنِ خَيَّاطٍ في: ٦٤- كتاب المغازي، (٢١) باب ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يغشى طائفة منكم »، الحديث (٤٠٦٨)، فتح الباري (٧: ٣٦٥)، واعاده البخاري في التفسير، تفسير سورة آل عمران (١١) باب قوله: «أمنة نعاسا» عن إسحاق ابن إبراهيم بن عبد الرحمن، عن حُسَيْنُ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ شَيْبَانَ، فتح الباري (٨: ٢٢٨) وأخرجه الامام أحمد في «مسنده» (٤: ٢٩) وذكره في يوم بدر.
[ ٣ / ٢٧٢ ]
ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاسًا يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ [(٢٢)] الْآيَةَ.
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْمُقْرِئُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الْقَاضِي، قَالَ:
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ غِيَاثٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، أَنَّهُ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاسًا [(٢٣)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ:
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّه بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّه ابن الزُّبَيْرِ، عَنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ قَالَ: واللَّه لَكَأَنِّي أَسْمَعُ قَوْلَ مُعَتِّبِ بْنِ قُشَيْرٍ، وَإِنَّ النُّعَاسَ لَيَغْشَانِي مَا أَسْمَعُهَا مِنْهُ إِلَّا كَالْحِكَمِ، وَهُوَ يَقُولُ: لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا [(٢٤)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الثَّقَفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّه بْنِ الْمُبَارَكِ الْمُخَرِّمِيُّ، قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ قَالَ: غَشِيَنَا النعاس
_________________
(١) [(٢٢)] أخرجه الترمذي في تفسير سورة آل عمران عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ، عن حماد ابن سلمة، عن ثابت، وقال: «حسن صحيح»، جامع الترمذي (٥: ٢٢٩) . [(٢٣)] الحديث في جامع الترمذي عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ، عَنْ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ الزُّبَيْرِ، جامع الترمذي (٥: ٢٢٩)، وقال ابو عيسى: «هذا حديث حسن صحيح» . [(٢٤)] الآية الكريمة (١٥٤) من سورة آل عمران، والخبر رواه الإمام إسحاق بن راهويه من حديث الزبير بن العوام، ونقله الصالحي في السيرة الشامية (٤: ٣٠٢- ٣٠٣)، وقال ابن إسحاق: «انزل اللَّه تعالى النعاس امنة منه لأهل اليقين، فهم نيام لا يخافون، والذين أهمّتهم أنفسهم أهل النفاق في غاية الخوف والذعر» .
[ ٣ / ٢٧٣ ]
وَنَحْنُ فِي مَصَافِّنَا يَوْمَ أُحُدٍ قَالَ أَبُو طَلْحَةَ: فَكُنْتُ فِيمَنْ غَشِيَهُ النُّعَاسُ يَوْمَئِذٍ، فَجَعَلَ سَيْفِي يَسْقُطُ مِنْ يَدِي وَآخُذُهُ، وَيَسْقُطُ وَآخُذُهُ، قَالَ: وَالطَّائِفَةُ الْأُخْرَى الْمُنَافِقُونَ لَيْسَ لَهُمْ هَمٌّ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ أَجْبَنُ قَوْمٍ وَأَرْعَبُهُ وَأَخْذَلُهُ لِلْحَقِّ يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ كَذِبُهُمْ إِيمَانُهُمْ أَهْلُ شَكٍّ وَرِيبَةٍ فِي اللَّه ﷿.
أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ شَيْبَانَ [(٢٥)] .
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ قَالَ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ رَاشِدٍ التَّمَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، فِي قَوْلِهِ:
إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ [(٢٦)] قَالَ: أُلْقِيَ عَلَيْنَا النَّوْمُ يَوْمَ أُحُدٍ [(٢٧)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمِ بن شهاب الزهري، وعاصم بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، ومحمد بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، والْحُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، قَالُوا: كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ يَوْمَ بَلَاءٍ وَتَمْحِيصٍ اخْتَبَرَ اللَّه ﷿ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ، وَمَحَقَ بِهِ الْمُنَافِقِينَ مِمَّنْ كَانَ يُظْهِرُ الْإِسْلَامَ بِلِسَانِهِ وَهُوَ مُسْتَخْفٍ بِالْكُفْرِ وَيَوْمَ أَكْرَمَ اللَّه فِيهِ مَنْ أَرَادَ كَرَامَتَهُ بِالشَّهَادَةِ مِنْ أَهْلِ وِلَايَتِهِ، فَكَانَ مِمَّا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ فِي يَوْمِ أُحُدٍ سِتُّونَ آيَةً مِنْ آلِ عِمْرَانَ فِيهَا صِفَةُ مَا كَانَ فِي يَوْمِهِ ذَلِكَ وَمُعَاتَبَةُ مَنْ عَاتَبَ مِنْهُمْ،
_________________
(١) [(٢٥)] تقدم تخريجه في الحاشية (٢١) من هذا الباب. [(٢٦)] من الآية (١٥٤) من سورة آل عمران. [(٢٧)] أخرجه الطبراني في الأوسط عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عوف، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٦: ١١٧)، وقال: فيه ضرار بن صرد وهو ضعيف» .
[ ٣ / ٢٧٤ ]
يَقُولُ اللَّه ﷿ لِنَبِيِّهِ ﷺ: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [(٢٨)]، ثُمَّ ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ [(٢٩)] عَدَدَ مَنْ قُتِلَ من المسلمين يوم أحد.
_________________
(١) [(٢٨)] [١٢١- آل عمران] . [(٢٩)] الخبر في سيرة ابن هشام (٣: ٤٨)، وبعده أفرد ابن هشام فصلا ذكر فيه مَا أَنْزَلَ اللَّه﷿- في أحد من القرآن، وبعده ذكر من استشهد بأحد من المهاجرين والأنصار.
[ ٣ / ٢٧٥ ]
بَابُ عَدَدِ مَنِ اسْتُشْهِدَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ أحد وَعَدَدِ مَنْ قُتِلَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمَوْصِلِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عِيسَى قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَيْهَقِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نُفَيْلٍ قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْجُعْفِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، قَالَ سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ يُحَدِّثُ، قَالَ: جَعَلَ رَسُولُ اللَّه ﷺ عَلَى الرُّمَاةِ يَوْمَ أُحُدٍ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالَ: فَأَصَابُوا مِنْهَا سَبْعِينَ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّه ﷺ وَأَصْحَابُهُ قَدْ أَصَابَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، أُرَاهُ قَالَ: يَوْمَ بَدْرٍ أَرْبَعِينَ وَمِائَةً: سَبْعِينَ أَسِيرًا، وَسَبْعِينَ قَتِيلًا [(١)] .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ عَمْرِو [(٢)] بْنِ خَالِدٍ، عَنْ زُهَيْرٍ [(٣)] .
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو أَحْمَدَ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَرُوبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ
_________________
(١) [(١)] وتكملته من البخاري: «قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ، وَالْحَرْبُ سِجَالٌ» . [(٢)] في الأصول: «عروة» وهو تصحيف، وأثبت الصحيح من البخاري. [(٣)] الْبُخَارِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ في: ٦٤- كتاب المغازي، فتح الباري (٧: ٣٠٧)، وقد تقدم الحديث.
[ ٣ / ٢٧٦ ]
هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: مَا نَعْلَمُ حَيًّا مِنَ الْأَحْيَاءِ أَكْثَرَ شُهَدَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْأَنْصَارِ.
قَالَ قَتَادَةُ: وَحَدَّثَنَا أَنَسٌ أَنَّهُ قُتِلَ مِنْهُمْ يَوْمَ أُحُدٍ سَبْعُونَ، وَيَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ سَبْعُونَ، وَيَوْمَ الْيَمَامَةِ سَبْعُونَ.
قَالَ قَتَادَةُ: يَوْمُ بِئْرِ مَعُونَةَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ، وَيَوْمُ الْيَمَامَةِ إِذْ قَاتَلُوا مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابَ عَلَى عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ ﵁.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ [(٤)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ الْعَدْلُ بِبَغْدَادَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ السَّمَّاكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَنْبَلُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أنس، عن ثابت قَالَ: يَا رَبَّ [(٥)] السَّبْعِينَ مِنَ الْأَنْصَارِ: سَبْعِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَسَبْعِينَ يَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ، وَسَبْعِينَ يَوْمَ مُؤْتَةَ، وَسَبْعِينَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ.
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الْحَسَنِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَيْهَقِيُّ، قَالَ حَدَّثَنَا جَدِّي: الْفَضْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْخُزَامِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَرْمَلَةَ، عَنْ سَعِيدِ ابن الْمُسَيِّبِ، قَالَ: قُتِلَ مِنَ الْأَنْصَارِ فِي ثَلَاثِ مَوَاطِنَ سَبْعُونَ: سَبْعُونَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَيَوْمَ الْيَمَامَةِ سَبْعُونَ، وَيَوْمَ جِسْرِ أَبِي عُبَيْدٍ سَبْعُونَ.
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ وَحَدِيثُ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ فِي هَذَا خَطَأٌ وَهَذَا المعروف.
_________________
(١) [(٤)] أخرجه البخاري في: ٦٤- كتاب المغازي، (٢٦) باب مَنْ قُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يوم أحد، الحديث (٤٠٧٨)، فتح الباري (٧: ٣٧٤) . [(٥)] في (أ): «بارز» .
[ ٣ / ٢٧٧ ]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ: وَحَدَّثَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ مِثْلَهُ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ بِبَغْدَادَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ جَعْفَرٍ النَّحْوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ أَبِي مَنِيعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَدِّي، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: قَالَ يَعْقُوبُ: وَحَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْمُبَارَكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: ثُمَّ كَانَتْ وَقْعَةُ أُحُدٍ فِي شَوَّالٍ عَلَى رَأْسِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْعَةِ بَنِي النَّضِيرِ، وَذَلِكَ عَلَى رَأْسِ سَنَةٍ مِنْ وَقْعَةِ بَدْرٍ، وَرَئِيسُ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّه ﷺ بِأَصْحَابِهِ مَعَهُ حَتَّى إِذَا الْتَقَوْا هُمْ وَالْمُشْرِكُونَ بِأُحُدٍ فَاقْتَتَلُوا، فَأُصِيبَ يَوْمَئِذٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّه ﷺ مِثْلُ نِصْفِ عِدَّةِ مَنْ أُصِيبَ بِبَدْرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الْقَتْلَى وَالْأَسْرَى، وَكَانَ فِيمَنْ قُتِلَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّه ﷺ يَوْمَئِذٍ عَمُّ رَسُولِ اللَّه ﷺ: حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَمُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ جَمَّعَ الْجُمُعَةَ لِلْمُسْلِمِينَ بِالْمَدِينَةِ، قَبْلَ أن يقدمها رسول اللَّه ﷺ، وَرَهْطٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ قُرَيْشٍ مَعَهُمَا، وَقُتِلَ مِنَ الْأَنْصَارِ يَوْمَئِذٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّه ﷺ قريبا مِنْ سَبْعِينَ رَجُلًا، مِنْهُمْ: حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي عَامِرٍ وَهُوَ الَّذِي غَسَّلَتْهُ الْمَلَائِكَةُ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ السَّمَّاكِ، قَالَ:
حَدَّثَنَا حَنْبَلُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدُ اللَّه هُوَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ قَالَ:
حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ عَطَاءٍ يَعْنِي ابْنَ وَرَّادٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها [(٦)] . قَالَ: قَتَلَ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ سَبْعِينَ، وَأَسَرُوا سَبْعِينَ مِنْهُمْ، وَقَتَلَ
_________________
(١) [(٦)] [١٦٥- آل عمران] .
[ ٣ / ٢٧٨ ]
الْمُشْرِكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ سَبْعِينَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها [(٧)] .
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قَالَ جَابِرٌ: أَصَبْنَاهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ وَأَصَابُونَا يَوْمَ أُحُدٍ.
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ جَعْفَرٍ النَّحْوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ فُلَيْحٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: قَالَ يَعْقُوبُ وَذَكَرَ ذَلِكَ أَيْضًا حَسَّانُ بْنُ عَبْدِ اللَّه، وعُثْمَانُ بْنُ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي عَمَّارُ بْنُ حَسَنٍ، عَنْ سَلَمَةَ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: قُتِلَ مَعَ رَسُولِ اللَّه ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَذَكَرَ أَسْمَاءَهُمْ.
قَالَ مُوسَى: فَجَمْعُ مَنِ اسْتُشْهِدَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قُرَيْشٍ وَالْأَنْصَارِ تِسْعَةٌ وَأَرْبَعُونَ رَجُلًا، وَقَالَ عُرْوَةُ أَرْبَعَةٌ وَأَرْبَعُونَ رَجُلًا.
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: خَمْسَةٌ وَسِتُّونَ رَجُلًا [(٨)] .
قُلْتُ: وَقَوْلُ مَنْ يُوَافِقُ فِي هَذَا الْحَدِيثَ الْمَوْصُولَ عَنِ الْبَرَاءِ، وَأَنَسٍ أَوْلَى بِالصِّحَّةِ واللَّه أَعْلَمُ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بكير، عن
_________________
(١) [(٧)] تفسير الطبري (٧: ٣٧٣- ٣٧٤) ط. دار المعارف. [(٨)] سيرة ابن هشام (٣: ٦٧)، وقد عد ابن سيد الناس ما يزيد على المائة نقلا من كتب السيرة والطبقات، وعقّب على ذلك بأنه ذكر ان قتلى أحد سبعون، وإنما نشأت هذه الزيادة من الخلاف في الرواية والأسماء.
[ ٣ / ٢٧٩ ]
ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: جَمِيعُ مَنِ اسْتُشْهِدَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﵏ مَعَ رَسُولِ اللَّه ﷺ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ يَوْمَ أُحُدٍ خَمْسَةٌ وَسِتُّونَ رجلا، وجميع مَنْ قَتَلَ اللَّه مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ أُحُدٍ اثْنَانِ وَعِشْرُونَ رَجُلًا [(٩)] .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ، قَالَ: جَمِيعُ مَنْ قُتِلَ مَعَ رَسُولِ اللَّه ﷺ يَوْمَ أحد من قُرَيْشٍ وَالْأَنْصَارِ:
أَرْبَعَةٌ، أَوْ قَالَ: سَبْعَةٌ وَأَرْبَعُونَ رَجُلًا، وَكَانَ مَنْ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ وَأُسِرَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثَمَانِيَةٌ وَثَمَانِينَ رَجُلًا، وَجَمِيعُ مَنْ قُتِلَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ أُحُدٍ تِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا.
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَتَّابٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّه بْنِ الْمُغِيرَةِ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابن إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ عَمِّهِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ فِي تَسْمِيَةِ مَنْ قُتِلَ مَعَ رَسُولِ اللَّه ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَالْأَنْصَارِ تِسْعَةٌ وَأَرْبَعُونَ رَجُلًا قَالَ: وَقُتِلَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ أُحُدٍ سِتَّةَ عَشَرَ رَجُلًا [(١٠)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي عَمْرٍو قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ﵀- قَالَ: وَكَانَ مِنَ الْمَمْنُونِ عَلَيْهِمْ بِلَا فِدْيَةٍ يَوْمَ بَدْرٍ: أَبُو عَزَّةَ الْجُمَحِيُّ، تَرَكَهُ رَسُولُ اللَّه ﷺ لِبَنَاتِهِ، وَأَخَذَ عَلَيْهِ عَهْدًا أَنْ لَا يُقَاتِلَهُ، فَأَحْفَزَهُ وَقَاتَلَهُ يَوْمَ أُحُدٍ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّه ﷺ أَنْ لَا يُفْلِتَ، فَمَا أُسِرَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ رَجُلٌ غَيْرُهُ، فَقَالَ: يَا
_________________
(١) [(٩)] سيرة ابن هشام (٣: ٦٧) و(٣: ٦٩) . [(١٠)] عند ابن عبد البر في الدرر «جميعهم سبعون رجلا» ص (١٥٦) .
[ ٣ / ٢٨٠ ]
مُحَمَّدُ امْنُنْ عَلَيَّ، وَدَعْنِي لِبَنَاتِي، وَأُعْطِيكَ عَهْدًا أَلَّا أَعُودَ لِقِتَالِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَا تَمْسَحْ عَلَيَّ عَارِضَيْكَ بِمَكَّةَ تَقُولُ قَدْ خَدَعْتُ مُحَمَّدًا مَرَّتَيْنِ، فَأَمَرَ بِهِ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ [(١١)] .
_________________
(١) [(١١)] البداية والنهاية (٤: ٤٦) .
[ ٣ / ٢٨١ ]
بَابُ مَا جَرَى بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ وَذَهَابِ الْمُشْرِكِينَ فِي أَمْرِ الْقَتْلَى وَالْجَرْحَى وَمَنْ أَجَادَ الْحَرْبَ وَمَا ظَهَرَ مِنَ الْآثَارِ فِي حَالِ الشُّهَدَاءِ عَلَى طَرِيقِ الِاخْتِصَارِ
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: وَنَادَاهُمْ أَبُو سُفْيَانَ حِينَ ارْتَحَلُوا:
إِنَّ مَوْعِدَكُمْ مَوْسِمُ بَدْرٍ، وَكَانَ يَقُومُ فِي بَدْرٍ كُلَّ عَامٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: قُولُوا نَعَمْ، فَقَالُوا نَعَمْ قَدْ فَعَلْنَا، وَنَادَوْا أَبَا سُفْيَانَ بذلك، قال عروة: وانكفؤا- يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ- إِلَى أَثْقَالِهِمْ ولَا يَدْرِي الْمُسْلِمُونَ مَا يُرِيدُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ:
إِنْ رَأَيْتُمُوهُمْ رَكِبُوا وَجَعَلُوا الْأَثْقَالَ تَتْبَعُ آثَارَ الْخَيْلِ فَهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَدْنُوا مِنَ الْبُيوتِ وَالْآطَامِ الَّتِي فيها الدراري وَالنِّسَاءُ، وَأُقْسِمُ لَئِنْ فَعَلُوا لَأُوَاقِعَنَّهُمْ فِي جَوْفِهَا،
فَلَمَّا أَدْبَرُوا بَعَثَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ [(١)] فِي آثَارِهِمْ، وَقَالَ: اعْلَمْ لَنَا أَمْرَهُمْ، فَانْطَلَقَ سَعْدٌ يَسْعَى، ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: رَأَيْتُ خَيْلَهُمْ تَضْرِبُ بِأَذْنَابِهَا مَجْنُونَةً مُدْبِرَةً، وَرَأَيْتُ الْقَوْمَ قَدْ تَحَمَّلُوا عَلَى الْأَثْقَالِ سَائِرِينَ، فَطَابَتْ أَنْفُسُهُمْ لِذَهَابِ الْعَدُوِّ، وَانْتَشَرُوا يَبْتَغُونَ قَتْلَاهُمْ، فَلَمْ يَجِدُوا قَتِيلًا إِلَّا قَدْ مَثَّلُوا بِهِ، غَيْرَ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي عَامِرٍ كَانَ أَبُوهُ مَعَ الْمُشْرِكِينَ فَتُرِكَ لَهُ، وَوَجَدُوا حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَمَّ رَسُولِ اللَّه ﷺ قَدْ بُقِرَ بَطْنُهُ، وَاحْتُمِلَتْ كَبِدُهُ حَمَلَهَا وَحْشِيٌّ، وَهُوَ
_________________
(١) [(١)] عند ابن إسحاق: «فبعث عليا» .
[ ٣ / ٢٨٢ ]
قَتَلَهُ وَشَقَّ بَطْنَهُ، فَذَهَبَ بِكَبِدِهِ إِلَى هِنْدِ بِنْتِ عُتْبَةَ فِي نَذْرٍ نَذَرَتْهُ حِينَ قَتَلَ أَبَاهَا يَوْمَ بَدْرٍ، وَأَقْبَلَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى قَتْلَاهُمْ يَدْفِنُونَهُمْ﵃.
قَالَ: وَخَرَجَ نِسَاءٌ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ وَالْأَنْصَارِ فَحَمَلْنَ الْمَاءَ وَالطَّعَامَ عَلَى ظُهُورِهِنَّ، وَخَرَجَتْ فِيهِنَّ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّه ﷺ، فَلَمَّا أَبْصَرَتْ أَبَاهَا وَالَّذِي بِهِ مِنَ الدِّمَاءِ اعْتَنَقَتْهُ، وَجَعَلَتْ تَمْسَحُ الدِّمَاءَ عَنْ وَجْهِهِ، وَرَسُولُ اللَّه ﷺ، يَقُولُ: اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّه عَلَى قَوْمٍ دَمَّوْا وجه رسول اللَّه ﷺ، اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّه عَلَى رَجُلٍ قَتَلَهُ رَسُولُ اللَّه ﷺ [(٢)]، وَسَعَى علي بن أبي طالب ﵁ إِلَى الْمِهْرَاسِ وَقَالَ لِفَاطِمَةَ: أَمْسِكِي هَذَا السَّيْفَ غَيْرَ ذَمِيمٍ، فَأَتَى بِمَاءٍ فِي مِجَنَّةٍ، فَأَرَادَ رَسُولُ اللَّه ﷺ أَنْ يَشْرَبَ مِنْهُ فَوَجَدَ لَهُ رِيحًا فَقَالَ هَذَا مَاءٌ آجِنٌ فَتَمَضْمَضَ مِنْهُ وَغَسَلَتْ فَاطِمَةُ عَنْ أَبِيهَا الدِّمَاءَ، فَلَمَّا أَبْصَرَ رَسُولُ اللَّه ﷺ سَيْفَ عَلِيٍّ مُخَضَّبًا دَمًا، قَالَ: إِنْ كُنْتَ أَحْسَنْتَ الْقِتَالَ فَقَدْ أَحْسَنَ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ الصِّمَّةِ، وَسَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ، وَقَالَ ﷺ: أَخْبِرُونِي عَنِ النَّاسِ مَا فَعَلُوا أَوْ أَيْنَ ذَهَبُوا، قَالَ: كَفَرَ عَامَّتُهُمْ، قَالَ: أَمَا إِنَّ الْمُشْرِكِينَ لَنْ يُصِيبُوا مِنَّا مِثْلَهَا أَبَدًا، نُبَيْحَهُمْ، ثُمَّ أَقْبَلُوا إِلَى دُورِهِمْ [(٣)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّه الصَّفَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ: عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيُّ بِالْكُوفَةِ، قَالَ:
حَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ، قَالَ: وَزَعَمَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: جَاءَ عَلِيٌّ ﵁ بِسَيْفٍ يَوْمَ أُحُدٍ، قد انحنا، فَقَالَ لِفَاطِمَةَ﵂- ﵁ هَاكِ السَّيْفَ حَمِيدًا، فَإِنَّهَا قَدْ شَفَتْنِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: «لَإِنْ كُنْتَ أَجَدْتَ الضَّرْبَ بِسَيْفِكَ لَقَدْ أَجَادَهُ
_________________
(١) [(٢)] تقدمت هذه الأحاديث وسبق تخريجها، وانظر فهرس الأحاديث في نهاية الكتاب. [(٣)] تقدمت هذه الآثار أو الأحاديث في الروايات السابقة، ونقل خبر عروة هذا الصالحي في السيرة الشامية (٤: ٣٢٥) .
[ ٣ / ٢٨٣ ]
سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ، وَأَبُو دُجَانَةَ، وَعَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ الصِّمَّةِ [(٤)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ عُبَيْدُ اللَّه بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَطِيعِيُّ بِبَغْدَادَ مِنْ أَصْلِ كِتَابِهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْمَاعِيلَ: مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّه الْأُوَيْسِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سليمان ابن بِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى [(٥)] بْنِ عَبْدِ اللَّه بْنِ أَبِي فَرْوَةَ، عَنْ قَطَنِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ حِينَ انْصَرَفَ مِنْ أُحُدٍ مَرَّ عَلَى مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ، وَهُوَ مَقْتُولٌ عَلَى طَرِيقِهِ، فَوَقَفَ عَلَيْهِ، وَدَعَا لَهُ، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا مَا عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا [(٦)]، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: «أَشْهَدُ أَنَّ هَؤُلَاءِ شُهَدَاءُ عِنْدَ اللَّه يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأْتُوهُمْ وَزُورُوهُمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا رَدُّوا عَلَيْهِ. كَذَا وَجَدْتُهُ فِي كِتَابِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [(٧)] .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّه بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْدَوَيْهِ إِمْلَاءً، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ بْنِ هَانِئٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، قَالَ:
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْحَرْبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى [(٨)] بْنِ عَبْدِ اللَّه بْنِ أَبِي فَرْوَةَ، عَنْ قَطَنِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: لَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّه ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ مَرَّ عَلَى مصعب بن
_________________
(١) [(٤)] أخرجه الحاكم في «المستدرك» (٣: ٢٤)، وقال: «صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه» . [(٥)] في (أ) رسمت: «الأعلا» . [(٦)] [٢٣- الأحزاب] . [(٧)] رواه الحاكم في «المستدرك» (٣: ٢٠٠)، وقال: «هذا حديث صحيح الاسناد، ولم يخرجاه»، ووافقه الذهبي: والحديث عند الحاكم عن أبي ذر، ورواه ابن مردويه عن حباب ابن الأرت. [(٨)] رسمت في (أ): «الأعلا» .
[ ٣ / ٢٨٤ ]
عُمَيْرٍ مَقْتُولًا عَلَى طَرِيقِهِ فَقَرَأَ: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا مَا عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ [(٩)] الْآيَةَ. وَرَوَاهُ قُتَيْبَةُ عَنْ حَاتِمٍ مُرْسَلًا.
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّه بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَازِنِيُّ أَحَدُ بَنِي النَّجَّارِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ قَالَ: «مَنْ رَجُلٌ يَنْظُرُ مَا فَعَلَ سَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ؟» فَنَظَرَ رَجُلٌ فَوَجَدَهُ جَرِيحًا فِي الْقَتْلَى وَبِهِ رَمَقٌ،
فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ أَمَرَنِي أَنْ أَنْظُرَ فِي الْأَحْيَاءِ أَنْتَ أَمْ فِي الْأَمْوَاتِ؟ فَقَالَ: أَنَا فِي الْأَمْوَاتِ، فَأَبْلِغْ رسول اللَّه ﷺ عَنِّي السَّلَامَ، وَقُلْ لَهُ: إِنَّ سَعْدَ بْنَ الرَّبِيعِ يَقُولُ: جَزَاكَ اللَّه عَنِّي خَيْرَ مَا يَجْزِي نَبِيًّا عَنْ أُمَّتِهِ، وَأَبْلِغْ قَوْمَكَ عَنِّي السَّلَامَ وَقُلْ لَهُمْ: إِنَّ سَعْدَ بْنَ الرَّبِيعِ يَقُولُ لَا عُذْرَ لَكُمْ [(١٠)] عِنْدَ اللَّه إِنْ خُلِصَ إِلَى نَبِيِّكُمْ وَفِيكُمْ عَيْنٌ تَطْرِفُ، ثُمَّ لَمْ أَبْرَحْ حَتَّى مَاتَ، فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ حِينَ أَخْبَرْتُهُ خَبَرَهُ [(١١)] .
وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّه ﷺ يَلْتَمِسُ حَمْزَةَ ﵁ فِي الْقَتْلَى، فَوَجَدَهُ بِبَطْنِ الْوَادِي قَدْ بُقِرَ عَنْ بَطْنِهِ وَعَنْ كَبِدِهِ وَمُثِّلَ بِهِ: فَجُدِّعَ أَنْفُهُ وَأُذُنَاهُ.
وَبِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ بن الزبير،
_________________
(١) [(٩)] تراجع الحاشية (٧) . [(١٠)] اعتبارا من هذه الكلمة حدث اضطراب في ترتيب نسخة (أ) حيث وقعت هذه الجملة عند اللوحة [١١٤/ أ]، وجاءت بقيتها، وبقية الخبر في اللوحة [١٢١/ أ]، فاعتمدنا على النسختين (ص) و(ح) في نسخ الأخبار، ثم مقابلتها على (أ) في المواطن التي جاءت بها، وقد استمر هذا الاضطراب حتى نهاية هذا الباب. [(١١)] أخرجه الحاكم في المستدرك (٣: ٢٠١) في مناقب سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، وَقَالَ: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه»، ووافقه الذهبي، ونقله الصالحي في السيرة الشامية (٤: ٣٢٦) وعزاه للحاكم والبيهقي، ومن طريق ابن إسحاق في سيرة ابن هشام (٣: ٣٨- ٣٩)، ونقله الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٤: ٣٩) .
[ ٣ / ٢٨٥ ]
وَحَدَّثَنِيهِ بُرَيْدَةُ بْنُ سُفْيَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: لَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّه ﷺ مَا بِحَمْزَةَ مِنَ الْمُثَلِ جُدِعَ أَنْفُهُ وَلُعِبَ بِهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: لَوْلَا أَنْ تَجْزَعَ صَفِيَّةُ وَتَكُونَ سُنَّةً [مِنْ بَعْدِي] [(١٢)] مَا غُيِّبَ حَتَّى يَكُونَ فِي بُطُونِ السِّبَاعِ وَحَوَاصِلِ الطَّيْرِ [(١٣)] .
وَعَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي [(١٤)] بُرَيْدَةُ بْنُ سُفْيَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، قَالَ: لَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّه ﷺ حَمْزَةَ بِالْحَالِ الَّتِي هُوَ بِهَا حِينَ مُثِّلَ بِهِ، قَالَ: لَئِنْ ظَفِرْتُ بِقُرَيْشٍ لَأُمَثِّلَنَّ بِثَلَاثِينَ مِنْهُمْ، فَلَمَّا رَأَى أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّه ﷺ مَا بِهِ مِنَ الْجَزَعِ، قَالُوا: لَئِنْ ظَفِرْنَا بِهِمْ لَنُمَثِّلَنَّ بِهِمْ مُثْلَةً لَمْ يُمَثِّلْهَا أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ بِأَحَدٍ، فَأَنْزَلَ اللَّه ﷿:
وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ [(١٥)] إِلَى آخِرِ السُّورَةِ فَعَفَا رَسُولُ اللَّه ﷺ [(١٦)] .
وعَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنْ شُيُوخِهِ الَّذِينَ رَوَى عَنْهُمْ قِصَّةَ أُحُدٍ، قَالُوا: فَأَقْبَلَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لِتَنْظُرَ إِلَى حَمْزَةَ بِأُحُدٍ، وَكَانَ أَخَاهَا لِأُمِّهَا وَأَبِيهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ لِابْنِهَا الزُّبَيْرِ: الْقَهَا فَأَرْجِعْهَا لَا تَرَى مَا بِأَخِيهَا، فَلَقِيَهَا الزُّبَيْرُ، فَقَالَ: أَيْ أُمَّهْ! إِنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ يَأْمُرُكِ أَنْ تَرْجِعِي، فَقَالَتْ: وَلِمَ فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّهُ قَدْ مُثِّلَ بِأَخِي وَذَاكَ فِي اللَّه لَمَّا أَرْضَانَا بِمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ، فَلَأَحْتَسِبَنَّ وَلَأَصْبِرَنَّ إِنْ شَاءَ اللَّه، فَلَمَّا جَاءَ الزُّبَيْرُ إِلَيْهِ فَأَخْبَرَهُ قَوْلَ صَفِيَّةَ قَالَ: خَلِّ سَبِيلَهَا، فَأَتَتْهُ فَنَظَرَتْ إِلَيْهِ وَاسْتَرْجَعَتْ وَاسْتَغْفَرَتْ لَهُ ثُمَّ أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّه ﷺ فَدُفِنَ [(١٧)] .
_________________
(١) [(١٢)] ليست في (ص) . [(١٣)] الخبر في سيرة ابن هشام (٣: ٣٩)، ونقله ابن كثير في التاريخ (٤: ٣٩) . [(١٤)] في (أ): «حدثنا» . [(١٥)] الآية الكريمة (١٢٦) من سورة النحل. [(١٦)] سيرة ابن هشام (٣: ٣٩- ٤٠)، ونقله الحافظ ابن كثير في «التاريخ»، (٤: ٣٩- ٤٠) . [(١٧)] الخبر في سيرة ابن هشام (٤: ٤٠)، ونقله ابن كثير في التاريخ (٤: ٤١- ٤٢) .
[ ٣ / ٢٨٦ ]
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا قُتِلَ حَمْزَةُ يَوْمَ أُحُدٍ أَقْبَلَتْ صَفِيَّةُ تَطْلُبُهُ لَا تَدْرِي مَا صَنَعَ. قَالَ: فَلَقِيَتْ عَلِيًّا وَالزُّبَيْرَ فَقَالَ عَلِيٌّ لِلزُّبَيْرِ: اذْكُرْ لِأُمِّكَ، وَقَالَ الزُّبَيْرُ: لَا بَلِ اذْكُرْ أَنْتَ لِعَمَّتِكَ، قَالَتْ: مَا فَعَلَ حَمْزَةُ؟ فَأَرَيَاهَا أَنَّهُمَا لَا يَدْرِيَانِ، قَالَ: فَجَاءَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ عَلَى عَقْلِهَا، قَالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِهَا وَدَعَا لَهَا فَاسْتَرْجَعَتْ وَبَكَتْ، قَالَ ثُمَّ جَاءَ فَقَامَ عَلَيْهِ وَقَدْ مُثِّلَ بِهِ فَقَالَ: لَوْلَا جَزَعُ النِّسَاءِ لَتَرَكْتُهُ حَتَّى يُحْشَرَ مِنْ حَوَاصِلِ الطَّيْرِ وَبُطُونِ السِّبَاعِ
[(١٨)] .
وأَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرِ بْنُ قَتَادَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الرَّفَّاءُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، فَذَكَرَهُ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ زَادَ فِيهِ قَالَ: ثُمَّ أَمَرَ بِالْقَتْلَى فَجَعَلَ يُصَلِّي عَلَيْهِمْ سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ وَيُرْفَعُونَ وَيُتْرَكُ حَمْزَةُ، ثُمَّ يُجَاءُ بِتِسْعَةٍ فَيُكَبِّرُ عَلَيْهِمْ سَبْعًا حَتَّى فَرَغَ مِنْهُمْ [(١٩)] .
كَذَا رَوَاهُ يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ [(٢٠)]، وَحَدِيثُ جَابِرٍ لَمْ يصلّ عليهم إسناده
_________________
(١) [(١٨)] ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٦: ١١٨)، وعزاه للطبراني والبزار، ونقله عنهما الصالحي في السيرة الشامية (٤: ٣٢٩) . [(١٩)] قال الهيثمي في الزوائد (٦: ١١٨): «روى مسلم في مقدمة كتابه، وابن ماجة قصة الصلاة عليهم وفي إسناد البزار والطبراني: يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ، وهو ضعيف» . وانظر الحاشية التالية. [(٢٠)] هو يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ القرشي الهاشمي أبو عبد اللَّه مولاهم الكوفي رأى أنسا وروى عَنْ مِقْسَمٍ مَوْلَى ابْنِ عباس وغيره، وروى عنه: زائدة، وشعبة، وهشيم، وأبو عوانة، وسفيان الثوري، وابن عيينة، وكان من أئمة الشيعة الكبار، قال العجلي في الثقات: «جائز الحديث»، وأخذ عليه الاختلاط بآخرة، وضعفه ابن معين، وابن حبان، بسبب انه ساء حفظه لما كبر وتغير، وكان يلقن، إلا ان يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ: «يزيد وإن كانوا يتكلمون فيه لتغيره فهو على العدالة والثقة»، وقال ابن سعد: «كان ثقة في نفسه إلا أنه اختلط بآخرة فجاد بالعجائب» . تهذيب التهذيب (١١: ٣٢٩- ٣٣١) .
[ ٣ / ٢٨٧ ]
أَصَحُّ، وَذَلِكَ يَرِدُ إِنْ شَاءَ اللَّه [(٢١)] .
أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ قَتَادَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ السَّرَّاجُ قَالَ: حَدَّثَنَا مُطَيَّنٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ قَالَ:
حَدَّثَنَا قَيْسٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ- يَوْمَ قُتِلَ حَمْزَةُ وَمُثِّلَ بِهِ- لَئِنْ ظَفِرْتُ بِقُرَيْشٍ لَأُمَثِّلَنَّ بِسَبْعِينَ رَجُلًا مِنْهُمْ، قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّه ﷿: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ [(٢٢)] الْآيَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ بَلْ نَصْبِرُ يَا رَبِّ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ السَّرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا صَالِحٌ الْمُرِّيُّ [(٢٣)] عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ وَقَفَ عَلَى حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ حِينَ اسْتُشْهِدَ وَقَدْ مُثِّلَ بِهِ، فَنَظَرَ إِلَى شَيْءٍ لَمْ نَنْظُرْ إِلَى شَيْءٍ قَطُّ كَانَ أَوَجَعَ لِقَلْبِهِ، فَقَالَ: رَحْمَةُ اللَّه عَلَيْكَ، فَقَدْ كُنْتَ وَصُولًا لِلرَّحِمِ، فَعُولًا لِلْخَيْرَاتِ، وَلَوْلَا حُزْنٌ مِنْ بَعْدِكَ عَلَيْكَ لَسَرَّنِي أَنْ أَدَعَكَ حَتَّى تُحْشَرَ مِنْ أَفْوَاجٍ شَتَّى، ثُمَّ حَلَفَ بِاللهِ مَعَ ذَلِكَ لَأُمَثِّلَنَّ بِسَبْعِينَ مِنْهُمْ مَكَانَكَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ ﵇ وَالنَّبِيُّ ﷺ وَاقِفٌ بَعْدُ بِخَوَاتِيمِ سُورَةِ النَّحْلِ وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، فَصَبَرَ النَّبِيُّ ﷺ، وَكَفَّرَ عَنْ يَمِينِهِ، وأمسك عما أراد [(٢٤)] .
_________________
(١) [(٢١)] وانظر الحاشية رقم () من هذا الباب. [(٢٢)] (النحل- ١٢٦) . [(٢٣)] هو صَالِحُ بْنُ بَشِيرٍ الْمُرِّيُّ الزاهد الواعظ البصري: ضعفه ابن معين، وقال احمد: صاحب قصص، ليس هو صاحب حديث، وقال البخاري: «منكر الحديث» وقال النسائي: «متروك» . ميزان الاعتدال (٢: ٢٨٩) . [(٢٤)] ذكره الهيثمي في الزوائد (٦: ١١٩)، وقال: «رواه البزار والطبراني، وفيه صَالِحُ بْنُ بَشِيرٍ الْمُرِّيُّ وهو ضعيف» .
[ ٣ / ٢٨٨ ]
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ الصَّفَّارُ، قَالَ:
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ قَالَ: حَدَّثَنَا صَالِحٌ الْمُرِّيُّ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ وَقَفَ عَلَى حَمْزَةَ حَيْثُ اسْتُشْهِدَ، فَنَظَرَ إِلَى مَنْظَرٍ لَمْ يَنْظُرْ إِلَى شَيْءٍ قَطُّ أَوَجَعَ لِقَلْبِهِ مِنْهُ، وَذَكَرَ بَاقِي الْحَدِيثِ مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ شَاذَانَ الْبَغْدَادِيُّ بِهَا، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ عُبَيْدٍ الْكِنْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي رَبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الْعَالِيَةِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، أَنَّهُ أُصِيبَ مِنَ الْأَنْصَارِ يَوْمَ أُحُدٍ أَرْبَعَةٌ وَسِتُّونَ، وَأُصِيبَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ سِتَّةٌ فِيهِمْ حَمْزَةُ، فَمَثَّلُوا بِقَتْلَاهُمْ فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ لَئِنْ أَصَبْنَا مِنْهُمْ يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ لَنُرْبِيَنَّ عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ نَادَى رَجُلٌ لَا يُعْرَفُ: لَا قُرَيْشَ بَعْدَ الْيَوْمِ، مَرَّتَيْنِ، فَأَنْزَلَ اللَّه ﷿ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ [(٢٥)] الْآيَةَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: كُفُّوا عَنِ الْقَوْمِ [(٢٦)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: جَاءَتْ صَفِيَّةُ يَوْمَ أُحُدٍ وَمَعَهَا ثَوْبَانِ لِحَمْزَةَ فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللَّه ﷺ، كَرِهَ أَنْ تَرَى حمزة
_________________
(١) [()] وأضاف البزار (٢: ٣٢٧) من كشف الأستار: «لا نعلمه يروى عن أبي هريرة إلا من هذا الوجه، تفرد به عن سليمان: صالح، وقد تقدم ذكرنا لصالح، يعني تقدم ضعفه ولا نعلم رواه عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إلا أبو هريرة. [(٢٥)] (النحل: ١٢٦) . [(٢٦)] أخرجه الترمذي في تفسير سورة النحل، الحديث (٣١٢٩)، ص (٥: ٢٩٩)، وقال: «هذا حديث حسن غريب من حديث أبي بن كعب»، ورواه الإمام أحمد في مسنده (٥: ١٣٥) .
[ ٣ / ٢٨٩ ]
عَلَى حَالِهِ، وَقَدْ كَانَ الْمُشْرِكُونَ مَثَّلُوا بِهِ، فَبَعَثَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّه ﷺ: الزُّبَيْرَ لِيَحْبِسَهَا، فَلَمَّا أَتَاهَا، قَالَ: قِفِي يَا أُمَّهْ فَقَالَتْ: خَلِّ عَنِّي لَا أَرْضَ لَكَ، فَلَمَّا رَآهَا تَأْبَى عَلَيْهِ قَالَ لَهَا: إِنَّ رسول اللَّه ﷺ هُوَ بَعَثَنِي إِلَيْكِ، فَلَمَّا قَالَ لَهَا رَسُولَ اللَّه ﷺ وَقَفَتْ وَأَخَذَتْ ثَوْبَيْنِ، وَكَانَ إِلَى جَنْبِ حَمْزَةَ قَتِيلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَكَرِهُوا أَنْ يَتَخَيَّرُوا لِحَمْزَةَ أَوْ لِلْأَنْصَارِيِّ قَالَ: أَسْهِمُوا سَهْمًا فَأَيُّهُمَا طَاوَلَهُ أَجْوَدُ الثَّوْبَيْنِ فَهُوَ لَهُ، فَأَسْهَمُوا بَيْنَهُمَا فَكُفِّنَ حَمْزَةُ فِي ثَوْبٍ وَالْأَنْصَارِيُّ فِي ثَوْبٍ. [(٢٧)]
وَبِإِسْنَادِهِ قَالَ: وحَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ صُعَيْرٍ- وَكَانَ وُلِدَ عَامَ الْفَتْحِ- فَأُتِيَ بِهِ رَسُولَ اللَّه ﷺ فَمَسَحَ عَلَى وَجْهِهِ وَبَرَّكَ عَلَيْهِ، قَالَ: فَلَمَّا أَشْرَفَ رَسُولُ اللَّه ﷺ عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ قَالَ: أَنَا الشَّهِيدُ عَلَى هَؤُلَاءِ مَا مِنْ جَرِيحٍ يُجْرَحُ فِي اللَّه، إِلَّا اللَّه﷿- يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ دَمًا، اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ، انْظُرُوا أَكْثَرَهُمْ جَمْعًا لِلْقُرْآنِ فَاجْعَلُوهُ أَمَامَ صَاحِبِهِ فِي الْقَبْرِ، فَكَانُوا يَدْفِنُونَ الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فِي الْقَبْرِ [(٢٨)] .
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَ نَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَدِ احْتَمَلُوا قَتْلَاهُمْ إِلَى الْمَدِينَةِ فَدَفَنُوهُمْ بِهَا، فَنَهَى رَسُولُ اللَّه ﷺ عَنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: ادفنوهم حيث صرعوا [(٢٩)] .
_________________
(١) [(٢٧)] الحديث ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٦: ١١٨) وقال: «رواه احمد وأبو يعلى، والبزار، وفيه عبد الرحمن بن أبي الزناد وهو ضعيف، وقد وثّق» والحديث في كشف الأستار عن زوائد البزار (٢: ٣٢٨)، وفي مسند أحمد (١: ١٦٥)، ونقله الصالحي في السيرة الشامية (٤: ٣٢٩) . [(٢٨)] الخبر في سيرة ابن هشام (٣: ٤٢)، ونقله ابن كثير في التاريخ (٤: ٤٢)، وقال: «هذا الحديث ثابت في الصحيحين من غير هذا الوجه) . [(٢٩)] سيرة ابن هشام (٣: ٤١)، وروى الإمام أحمد في مسنده (٣: ٢٩٧) والأربعة في «سننهم» من حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّه﵁-: أن قتلى احد حملوا من أماكنهم فنادى منادي
[ ٣ / ٢٩٠ ]
وعَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي وَالِدِي: إِسْحَاقُ بْنُ يَسَارٍ عَنْ رِجَالٍ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، قَالَ حِينَ أُصِيبَ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ يَوْمَ أُحُدٍ اجْمَعُوا بَيْنَهُمَا فَإِنَّهُمَا كَانَا مُتَصَافِيَيْنِ فِي الدُّنْيَا [(٣٠)] .
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: قَالَ أَبِي فَحَدَّثَنِي أَشْيَاخٌ مِنَ الْأَنْصَارِ قَالُوا: لَمَّا ضَرَبَ مُعَاوِيَةُ عَيْنَهُ الَّتِي مَرَّتْ عَلَى قُبُورِ الشُّهَدَاءِ اسْتَصْرَخَنَا عَلَيْهِمْ، وَقَدِ انْفَجَرَتِ الْعَيْنُ عَلَيْهِمَا فِي قُبُورِهِمَا، فَجِئْنَا فَأَخْرَجْنَاهُمَا وَعَلَيْهِمَا بُرْدَتَانِ قَدْ غُطِّيَ بِهِمَا وُجُوهُهُمَا، وَعَلَى أَقْدَامِهِمَا شَيْءٌ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ فَأَخْرَجْنَاهُمَا يثنّيان تَثَنِّيًا كَأَنَّمَا دُفِنَا بِالْأَمْسِ [(٣١)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْأَصْبَهَانِيُّ الزَّاهِدُ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مِهْرَانَ الْأَصْبَهَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ خِدَاشٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: اسْتُصْرِخْنَا إِلَى قَتْلَانَا يَوْمَ أُحُدٍ، وَذَلِكَ حِينَ أَجْرَى مُعَاوِيَةُ الْعَيْنَ فَأَتَيْنَاهُمْ فَأَخْرَجْنَاهُمْ تَثَنَّى أَطْرَافُهُمْ، قَالَ:
وَقَالَ حَمَّادٌ: وَزَادَنِي صَاحِبٌ لِي فِي الْحَدِيثِ، فَأَصَابَ قَدَمَ حَمْزَةَ فَانْثَعَبَ [(٣٢)] دَمًا [(٣٣)] .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَتُّونِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ خِدَاشٍ، فَذَكَرَهُ بِإِسْنَادِهِ نَحْوَهُ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ:
فَأَخْرَجْنَاهُمْ رِطَابًا يَتَثَنَّوْنَ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعِينَ سَنَةً.
_________________
(١) [()] رسول الله ﷺ، ان ردّوا القتلى الى مضاجعهم، وسيأتي الخبر، وانظر الحاشية (٣٥) من هذا الباب. [(٣٠)] الخبر في سيرة ابن هشام (٣: ٤١)، ونقله الصالحي في السيرة الشامية (٤: ٣٣١)، وابن كثير في التاريخ (٤: ٤٢) . [(٣١)] نقله ابن كثير في «البداية والنهاية» (٤: ٤٣) عن المصنف. [(٣٢)] في البداية والنهاية «فانبعث» . [(٣٣)] البداية والنهاية: (٤: ٤٣) .
[ ٣ / ٢٩١ ]
قَالَ: وَزَعَمَ جَرِيرٌ عَنْ أَيُّوبَ فَذَكَرَ مَعْنَى تِلْكَ الزِّيَادَةِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ الْفَقِيهُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَامِدِ بْنُ بِلَالٍ الْبَزَّازُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ الرَّبِيعِ الْمَكِّيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ نُبَيْحٍ [(٣٤)] الْعَنَزِيِّ عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلَى أُحُدٍ أَنْ يُرَدُّوا إِلَى مَصَارِعِهِمْ [(٣٥)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي قَالَا:
حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الطَّيَالِسِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، قَالَ:
حَدَّثَنَا الْأَسْوَدُ، عَنْ نُبَيْحٍ [(٣٦)] الْعَنَزِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ:
خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى الْمُشْرِكِينَ لِيُقَاتِلَهُمْ، قَالَ: فَقَالَ لِي أَبِي عَبْدُ اللهِ: يَا جَابِرُ! مَا عَلَيْكَ أَنْ تَكُونَ فِي نُظَّارِي الْمَدِينَةِ حَتَّى تَعْلَمَ إِلَى مَا يَصِيرُ أَمْرُنَا، فَإِنِّي وَاللهِ لَوْلَا أَنِّي أَتْرُكُ بَنَاتٍ لِي بَعْدِي لَأَحْبَبْتُ أَنْ تُقْتَلَ بَيْنَ يَدَيَّ، قَالَ: فَبَيْنَمَا أَنَا فِي النَّظَّارِينَ إِذْ جَاءَتْ عَمَّتِي بِأَبِي وَخَالِي عَادَلَتْهُمَا عَلَى نَاضِحٍ، فَدَخَلَتْ بِهِمَا الْمَدِينَةَ لِتَدْفِنَهُمَا فِي مَقَابِرِنَا، وَجَاءَ رَجُلٌ يُنَادِي: أَلَا إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَرْجِعُوا بِالْقَتْلَى فَتَدْفِنُوهَا فِي مَصَارِعِهَا حَيْثُ قُتِلَتْ، قَالَ: فرجعنا
_________________
(١) [(٣٤)] (أ): «فليح» . [(٣٥)] الحديث أخرجه ابو داود في الجنائز، باب في الميت يحمل من أرض إلى ارض وكراهية ذَلِكَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَثِيرٍ، عن سفيان الثوري، والترمذي في كتاب الجهاد، بَابُ مَا جَاءَ فِي دفن القتيل في مقتله، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ غَيْلَانَ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ، عَنْ شعبة (٤: ٢١٥)، وأخرجه النسائي في الجنائز، باب أين يدفن الشهيد؟ عن محمد بن منصور، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وعن محمد بن عبد الله بن المبارك، عن وكيع، عن الثوري (٤: ٧٩)، وأخرجه ابن ماجة في الجنائز، (بَابُ) مَا جَاءَ فِي الصلاة على الشهداء ودفنهم، عن هشام بن عمار، وسهل بن أبي سهل، كلاهما عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، ثلاثتهم عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، وقال الترمذي: «حسن صحيح»، وأخرجه الإمام أحمد في «مسنده» (٣: ٢٩٧) . [(٣٦)] في (أ) و(ح): «فليح»، وفي هامش (ح): «نبيح» .
[ ٣ / ٢٩٢ ]
بِهِمَا فَدَفَنَّاهُمَا فِي الْقَتْلَى حَيْثُ قُتِلَا، قَالَ: فَبَيْنَمَا أَنَا فِيَ خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ إِذْ جَاءَنِي رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا جَابِرُ، وَاللهِ، لَقَدْ أَثَارَ أَبَاكَ عُمَّالُ [(٣٧)] مُعَاوِيَةَ فَبَدَا فَخَرَجَ طَائِفَةٌ مِنْهُ، قَالَ: فَأَتَيْتُهُ فَوَجَدْتُهُ عَلَى النَّحْوِ الَّذِي تَرَكْتُهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنْهُ شَيْءٌ، إِلَّا مَا لَمْ يَدَعِ الْقَتِيلَ، قَالَ: فَوَارَيْتُهُ [(٣٨)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بُطَّةَ، قَالَ:
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْجَهْمِ بْنِ مَصْقَلَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَرَجِ، قَالَ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْوَاقِدِيُّ، عَنْ شُيُوخِهِ فِي قِصَّةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ، قَالُوا: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ: ادْفِنُوا عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ، وَعَمْرَو بْنَ الْجَمُوحِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ، وَيُقَالُ: إِنَّمَا أَمَرَ بِذَلِكَ لِمَا كَانَ بَيْنَهُمَا مِنَ الصَّفَاءِ، فَقَالَ: ادْفِنُوا هَذَيْنِ الْمُتَحَابَّيْنِ فِي الدُّنْيَا، فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ،
وَيُقَالُ إِنَّهُمَا وُجِدَا وَقَدْ مُثِّلَ بِهِمَا كُلُّ الْمُثَلِ، فَلَمْ تُعْرَفْ أَبْدَانُهُمَا، وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو رَجُلًا أَحْمَرَ أَصْلَعَ لَيْسَ بِالطَّوِيلِ، وَكَانَ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ رَجُلًا طويلا، فعرفا ودخل السَّيْلُ عَلَيْهِمَا، وَكَانَ قَبْرُهُمَا مِمَّا يَلِي السَّيْلَ فَحُفِرَ عَنْهُمَا وَعَلَيْهِمَا نَمِرَتَانِ [(٣٩)]، وَعَبْدُ اللهِ قَدْ أَصَابَهُ جُرْحٌ فِي يَدِهِ، فَيَدُهُ عَلَى جُرْحِهِ، فَأُمِيطَتْ يَدُهُ عَنْ جُرْحِهِ فَانْثَعَبَ الدَّمُ فَرُدَّتْ إِلَى مَكَانِهَا فَسَكَنَ الدَّمُ، قَالَ جَابِرٌ: فَرَأَيْتُ أَبِي فِي حُفْرَتِهِ، فَكَأَنَّهُ نَائِمٌ، فَقِيلَ لَهُ: أَفَرَأَيْتَ أَكْفِنَتَهُ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا دُفِنَ فِي نَمِرَةٍ خُمِّرَ بِهَا وَجْهُهُ، وَعَلَى رِجْلَيْهِ الْحَرْمَلُ، فَوَجَدْنَا النَّمِرَةَ كَمَا هِيَ وَالْحَرْمَلُ عَلَى رِجْلَيْهِ عَلَى هَيْئَتِهِ، وَبَيْنَ ذَلِكَ سِتٌّ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً، فَشَاوَرَهُمْ جَابِرٌ فِي أَنْ يُطَيَّبَ بِمِسْكٍ، فَأَبَى ذَلِكَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ.
_________________
(١) [(٣٧)] سقطت من (أ) . [(٣٨)] هو مطول الحديث السابق، ونقله ابن كثير في البداية والنهاية (٤: ٤٣) بطوله، وقال: «رواه أبو داود، والنسائي من حديث الثوري، والترمذي من حديث شعبة، والنسائي أيضا وابن ماجة مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عيينة، كلهم عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ نُبَيْحٍ، عن جابر. [(٣٩)] في (أ): «أنمرتان» والنمرة: شملة. فيها خطوط بيض وسود.
[ ٣ / ٢٩٣ ]
وَيُقَالُ إِنَّ مُعَاوِيَةَ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يُجْرِيَ الْكُظَّامَةَ [(٤٠)] نَادَى مُنَادِيهِ بِالْمَدِينَةِ: مَنْ كَانَ لَهُ قَتِيلٌ بِأُحُدٍ فَلْيشْهَدْ، فَخَرَجَ النَّاسُ إِلَى قَتْلَاهُمْ فَوَجَدُوهُمْ رِطَابًا يَتَثَنَّوْنَ، فأصابت المساحة رِجْلَ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَانْثَعَبَ دَمًا، فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: لَا يُنْكِرُ بَعْدَ هَذَا مُنْكِرٌ، وَوُجِدَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو، وَعَمْرَو بْنَ الْجَمُوحِ فِي قبر وَاحِدٍ، فَحُوِّلَا.
وَذَلِكَ أَنَّ الْقَنَاةَ كَانَتْ تَمُرُّ عَلَى قَبْرِهِمَا، وَوُجِدَ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ وَسَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ فَتُرِكَا.
وَلَقَدْ كَانُوا يَحِفرُونَ التُّرَابَ فَحَفَرُوا نَثْرَةً مِنْ تُرَابٍ، فَفَاحَ عَلَيْهِمْ رِيحُ الْمِسْكِ [(٤١)] .
قُلْتُ: كَذَا فِي رِوَايَةِ أَهْلِ الْمَغَازِي أَنَّهُ كَانَ مَعَ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ إِلَى الْوَقْتِ الْمَذْكُورِ فِيهَا، وَقَدْ أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو عَمْرٍو الْمُقْرِئُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: لَمَّا حَضَرَ أُحُدٌ دَعَانِي أَبِي مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَ: مَا أُرَانِي إِلَّا مَقْتُولًا فِي أَوَّلِ مَنْ يُقْتَلُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَإِنِّي لَا أَتْرُكُ بَعْدِي أَعَزَّ عَلَيَّ مِنْكَ غَيْرَ نَفْسِ رسول الله ﷺ، وَإِنَّ عَلَيَّ دَيْنًا فَاقْضِ وَاسْتَوْصِ بِأَخَوَاتِكَ خَيْرًا، فَأَصْبَحْنَا فَكَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ، فَدَفَنْتُ مَعَهُ آخَرَ فِي قَبْرٍ ثُمَّ لَمْ تَطِبْ نَفْسِي أَنْ أَتْرُكَهُ مَعَ آخَرَ، فَاسْتَخْرَجْتُهُ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَإِذَا هُوَ كَيَوْمِ وَضَعْتُهُ هُنَيَّةً غَيْرَ أذنه.
_________________
(١) [(٤٠)] الكظامة: كالقناة وجمعها كظائم، وهي آبار تحضر في الأرض متناسقة، ويخرق بعضها الى بعض تحت الأرض، فتجمع مياهها جارية، ثم تخرج عند منتهاها فتسيح على وجه الأرض. [(٤١)] الخبر بطوله في مغازي الواقدي (١: ٢٦٦- ٢٦٨) .
[ ٣ / ٢٩٤ ]
أَخْرَجَهُ فِي الصَّحِيحِ [(٤٢)] هَكَذَا.
وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ: فَلَمْ تَطِبْ نَفْسِي حَتَّى أَخْرَجْتُهُ، فَدَفَنْتُهُ عَلَى حِدَةٍ.
قَدْ أَخْرَجْنَاهُ فِي كِتَابِ السُّنَنِ [(٤٣)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ: عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ شَرِيكٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ (ح) .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو الْبِسْطَامِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، قَالَ:
أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عن جابر، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ بُكَيْرٍ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ يَقُولُ: أَيُّهُمَا أَخْذًا لِلْقُرْآنٍ، فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا، قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ، وَقَالَ: أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يُغَسَّلُوا. لَفْظُهُمَا سَوَاءٌ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ [(٤٤)] عن قتيبة.
_________________
(١) [(٤٢)] الحديث أخرجه البخاري في: ٢٣- كتاب الجنائز (٧٧) باب هل يخرج الميّت من القبر واللّحد لعلة؟، الحديث (١٣٥١)، فتح الباري (٣: ٢١٤) عن مسدّد، عن بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، عَنْ حسين المعلم واعاده بعده مختصرا، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الله المديني، عن سعيد بن عامر، عن شعبة، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ. [(٤٣)] في السنن الكبرى (٤: ٥٧- ٥٨) . [(٤٤)] البخاري في الصحيح عن قتيبة في: ٦٤- كتاب المغازي (٢٦) باب مَنْ قُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يوم أحد، فتح الباري (٧: ٣٧٤) . كما أخرجه البخاري في: ٢٣- كتاب الجنائز (٧٢) باب الصلاة على الشهيد، فتح الباري (٣: ٣٠٩) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُوسُفَ، عَنِ اللَّيْثِ، عن الزهري والحديث أخرجه أيضا اصحاب
[ ٣ / ٢٩٥ ]
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ حَلِيمِ، بْنِ مُحَمَّدِ ابن حَلِيمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْمُونٍ الصَّائِغُ بِمَرْوَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْمُوَجِّهِ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَذَكَرَهُ بِمِثْلِهِ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدَانَ [(٤٥)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الرُّوذْبَارِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ دَاسَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ الْمُغِيرَةِ حَدَّثَهُمْ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: جَاءَتِ الْأَنْصَارُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ، فَقَالُوا:
أَصَابَنَا قَرْحٌ وَجَهْدٌ فَكَيْفَ تَأْمُرُ؟ قَالَ: احْفِرُوا وَأَوْسِعُوا وَاجْعَلُوا الرَّجُلَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فِي الْقَبْرِ، قِيلَ: فَأَيُّهُمْ نُقَدِّمُ؟ قَالَ: أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا قَالَ: أُصِيبَ أَبِي يَوْمَئِذٍ- عامر يَعْنِي- فَقُدِّمَ بَيْنَ اثْنَيْنِ، أَوْ قَالَ وَاحِدٍ
[(٤٦)] .
قَالَ أَبُو دَاوُدَ، وَحَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ، زاد فيه:
وأعمقوا [(٤٧)] .
_________________
(١) [()] السنن الأربعة، فرواه ابو داود في الجنائز. باب في الشهيد هل يغسل، عن قتيبة، ويزيد بن خالد، ثم بعده عن سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِيُّ، عن ابن وهب ثلاثتهم عن الليث، ورواه الترمذي في كتاب الجنائز، (بَابُ) مَا جَاءَ فِي ترك الصلاة على الشهيد، عن قتيبة، ورواه النسائي في الجنائز، باب ترك الصلاة عليهم، عن قتيبة، كما رواه ابن ماجة في الجنائز، بَابُ مَا جَاءَ فِي الصلاة على الشهداء ودفنهم، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رُمْحٍ، عن الليث. [(٤٥)] البخاري عن عبدان في الجنائز، (٧٨) باب اللحد والشق في القبر، فتح الباري (٣: ٢١٧) . [(٤٦)] الحديث أخرجه ابو داود في كتاب الجنائز، باب في تعميق الحفر، الحديث (٣٢١٥)، ص (٣: ٢١٤) عن القعنبي. [(٤٧)] سنن أبي داود (٣: ٢١٤)، الحديث (٣٢١٦)، عن أبي صالح محبوب بن موسى الأنطاكي.
[ ٣ / ٢٩٦ ]
قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، قَالَ: حدثنا حميد ابن هِلَالٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ بِهَذَا [(٤٨)] .
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُلَاعِبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ ابن زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ الْقَرْحَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَأَنَّ الْحَفْرَ شَدِيدٌ عَلَيْنَا، فَقَالَ احْفِرُوا وَأَعْمِقُوا وَقَدِّمُوا أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا، قَالَ: فَقُدِّمَ أَبِي بَيْنَ يَدَيْ رَجُلَيْنِ [(٤٩)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو الْأَدِيبُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو خَلِيفَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: لَمَّا قُتِلَ أَبِي يَوْمَ أُحُدٍ جَعَلْتُ أَبْكِي، وَأَكْشِفُ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ، وَجَعَلَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ يَنْهَوْنَنِي، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ لَا يَنْهَانِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَا تَبْكِهِ أَوْ مَا تَبْكِيهِ فَمَا زَالَتِ الْمَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رَفَعُوهُ
[(٥٠)] .
وَأَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ قَالَ:
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، فَذَكَرَهُ بِإِسْنَادِهِ نَحْوَهُ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: فَبَكَتْ عَمَّتِي، فَقَالَ: لَا تَبْكِهِ
_________________
(١) [(٤٨)] سنن أبي داود (٣: ٢١٤)، الحديث (٣٢١٧) . [(٤٩)] أخرجه الترمذي في كتاب الجهاد (٥٩) باب في دفن الشهيد، الحديث (١٧١٣)، ص (٤: ٢١٣) عن أزهر بن مروان البصري، عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ سَعِيدٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ حُمَيْدِ بن هلال، وقال: «حسن صحيح» . [(٥٠)] سيأتي الحديث في الفقرة التالية، وسيأتي تخريجه في الحاشيتين (٥١) و(٥٢) مِنْ هَذَا الْبَابِ.
[ ٣ / ٢٩٧ ]
أَوْ لِمَ تَبْكِيهِ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رَفَعُوهُ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ [(٥١)] .
وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ شُعْبَةَ [(٥٢)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ وأَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، قَالَا:
حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ:
حَدَّثَنَا فَيْضُ بْنُ وَثِيقٍ بَصْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عُبَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِجَابِرٍ: يَا جَابِرُ! أَلَا أُبَشِّرُكَ؟ قَالَ: بَلَى بَشَّرَكَ اللهُ بِالْخَيْرِ، قَالَ: شَعَرْتُ أَنَّ اللهَ أَحْيَا أَبَاكَ فَقَالَ تَمَنَّ عَلَيَّ عَبْدِي مَا شِئْتَ أُعْطِكَهُ، قَالَ يَا رَبِّ مَا عَبَدْتُكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ، أَتَمَنَّى عَلَيْكَ أَنْ تَرُدَّنِي إِلَى الدُّنْيَا فَأُقْتَلَ مَعَ نَبِيِّكَ، وَأُقْتَلَ فِيكَ مَرَّةً أُخْرَى، قَالَ:
إِنَّهُ قَدْ سَلَفَ مِنِّي أَنَّهُ إِلَيْهَا لَا يُرْجَعُ [(٥٣)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْمَعْرُوفِ الاسفرائني. قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو سَهْلٍ بِشْرُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ نَصْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ بَشِيرِ بْنِ الْفَاكِهِ الْأَنْصَارِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ خِرَاشِ بْنِ الصِّمَّةِ [(٥٤)] . الْأَنْصَارِيَّ، ثُمَّ السُّلَمِيَّ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ قَالَ: نَظَرَ إِلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ مَا لِي أَرَاكَ مُهْتَمًّا؟ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ الله قُتِلَ أَبِي وَتَرَكَ دَيْنًا وَعِيَالًا، فَقَالَ: أَلَا أُخْبِرُكَ ما
_________________
(١) [(٥١)] البخاري عن أبي الوليد، في كتاب المغازي (٢٦) باب مَنْ قُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يوم أحد، الحديث (٤٠٨٠)، فتح الباري (٧: ٣٧٤) . [(٥٢)] مسلم عن شعبة فِي: ٤٤- كِتَابِ فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ (٢٦) باب من فضائل عبد الله بن عمرو بن حرام، والد جابر، الحديث (١٣٠)، ص (١٩١٨) . [(٥٣)] نقله الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية» (٤: ٤٤) عن المصنف. [(٥٤)] في (ص): «القيمة» .
[ ٣ / ٢٩٨ ]
كَلَّمَ اللهُ أَحَدًا قَطُّ إِلَّا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَإِنَّهُ كَلَّمَ أَبَاكَ كِفَاحًا، فَقَالَ: يَا عَبْدِي سَلْنِي أُعْطِكَ، فَقَالَ: أَسْأَلُكَ أَنْ تَرُدَّنِي إِلَى الدُّنْيَا فَأُقْتَلَ فِيكَ ثَانِيًا، فَقَالَ إِنَّهُ قَدْ سَبَقَ مِنِّي أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لَا يَرْجِعُونَ، قَالَ: يَا رَبِّ فَأَبْلِغْ مَنْ وَرَائِي. قَالَ: فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتًا [(٥٥)]، حَتَّى أَنْفَذَ فِيهِ الْآيَةَ [(٥٦)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ زِيَادِ ابْنُ ابْنَةِ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا جَدِّي قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مَرْوَانَ الْعُثْمَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ [(٥٧)]، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: أُتِيَ ابْنُ عَوْفٍ بِطَعَامٍ فَقَالَ: قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَكَانَ خَيْرًا مِنِّي فَلَمْ تُوجَدْ لَهُ إِلَّا بُرْدَةٌ يُكَفَّنُ فِيهَا، وَقُتِلَ حَمْزَةُ- أَوْ رَجُلٌ آخَرُ- شَكَّ إِبْرَاهِيمُ- وَكَانَ خَيْرًا مِنِّي فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ إِلَّا بُرْدَةٌ يُكَفَّنُ فِيهَا، مَا أَظُنُّنَا إِلَّا قَدْ عُجِّلَتْ لَنَا فِي حَيَاتِنَا الدُّنْيَا.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَكِّيِّ [(٥٨)]، عَنْ إِبْرَاهِيمَ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ علي الْمُقْرِئُ الْإِسْفَرَائِنِيُّ بِهَا قَالَ:
أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الْقَاضِي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ الْعَبْدِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ خَبَّابٍ، قَالَ: هَاجَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَنَحْنُ
_________________
(١) [(٥٥)] الآية الكريمة (١٦٩) من سورة آل عمران. [(٥٦)] نقله عن المصنف ابن كثير (٤: ٤٤) من البداية والنهاية. [(٥٧)] هو إبراهيم بن سعد بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرحمن بن عوف. [(٥٨)] الْبُخَارِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ المكي في كتاب الجنائز (٢٥) باب الكفن من جميع المال، الحديث (١٢٧٤)، فتح الباري (٣: ١٤٠- ١٤١)، واعاده بعده عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُقَاتِلٍ، فتح الباري (٣: ١٤٢) .
[ ٣ / ٢٩٩ ]
نَبْتَغِي وَجْهَ اللهِ، فَوَجَبَ أَجْرُنَا عَلَى اللهِ، فَمِنَّا مَنْ ذَهَبَ لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ، كَانَ مِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ إِلَّا نَمِرَةٌ كُنَّا إِذَا غَطَّيْنَا رَأْسَهُ خَرَجَتْ رِجْلَاهُ، وَإِذَا غَطَّيْنَا رِجْلَيْهِ خَرَجَ رَأْسَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: غَطُّوا بِهَا رَأْسَهُ وَاجْعَلُوا عَلَى رِجْلَيْهِ مِنَ الْإِذْخِرِ، وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ له ثمرته فهو يهد بِهَا [(٥٩)] .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَثِيرٍ [(٦٠)] .
وَأَخْرَجَاهُ مِنْ أَوْجُهٍ عَنِ الْأَعْمَشِ [(٦١)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، قَالَ:
حَدَّثَنَا الْأَسْوَدُ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: لَمَّا دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ أَزِقَّةَ الْمَدِينَةِ إِذَا النَّوْحُ وَالْبُكَاءُ فِي الدُّورِ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: هَذِهِ نِسَاءُ الْأَنْصَارِ يَبْكِينَ قَتْلَاهُمْ، فَلَمَّا سَمِعَ الْبُكَاءَ ذَكَّرَهُ عَمَّهُ حَمْزَةَ﵁- فَاسْتَغْفَرَ لَهُ، وَقَالَ: لَكِنَّ حَمْزَةَ لَا بَوَاكِيَ لَهُ الْيَوْمَ بِالْمَدِينَةِ، فَسَمِعَ قَوْلَهُ: سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، وَسَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ، فَمَشَوْا فِي دُورِهِمْ حَتَّى جُمِعَتْ كُلُّ بَاكِيَةٍ وَنَائِحَةٍ كَانَتْ بِالْمَدِينَةِ، وَقَالُوا: وَاللهِ لَا تَبْكِينَ اليوم قتيلا
_________________
(١) [(٥٩)] (يهد بها) أي: يجتنيها، وهذا استعارة لما فتح عليهم من الدنيا. [(٦٠)] الْبُخَارِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَثِيرٍ في: ٨١- كتاب الرقائق، (٧) باب ما يحذر من زهرة الحياة الدنيا، فتح الباري (١١: ٢٤٥) . [(٦١)] البخاري في: ٢٣- كتاب الجنائز، (٢٧) باب إذا لم يجد كفنا إلا ما يواري رأسه او قدمه غطى رأسه، الحديث (١٢٧٦)، فتح الباري (٣: ١٤٢)، عَنْ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ بْنِ غِيَاثٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، وفي: ٨١- كتاب الرقائق، (١٦) باب فضل الفقر، فتح الباري (١١: ٢٧٣) عَنِ الْحُمَيْدِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ، عن الأعمش وأخرجه مسلم في: ١١- كتاب الجنائز، (١٣) باب في كفن الميت، والحديث (٤٤)، ص (٦٤٩) عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى التميمي، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شيبة وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بن نمير، وأبي كريب، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عن خباب.
[ ٣ / ٣٠٠ ]
لِلْأَنْصَارِ حَتَّى تَبْكِينَ حَمْزَةَ عَمَّ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَإِنَّهُ قَدْ ذَكَرَ أَنَّهُ لَا بَوَاكِيَ لَهُ، وَكَانُوا يُحِبُّونَ رضى رسول الله ﷺ، وَزَعَمُوا أَنَّ الَّذِي انْطَلَقَ بِالنَّوَائِحِ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ، فَلَمَّا سَمِعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْبُكَاءَ قَالَ مَا هَذَا، فَأُخْبِرَ بِمَا فَعَلَتِ الْأَنْصَارُ بِنِسَائِهِمْ فَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وَقَالَ لَهُمْ مَعْرُوفًا، وَرَضِيَ عَمَّنْ أَمَرَ بِرِضَا رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَقَالَ: مَا هَذَا أَرَدْتُ، وَمَا أُحِبُّ الْبُكَاءَ، وَنَهَى عَنْهُ [(٦٢)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ:
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ شُيُوخِهِ الَّذِينَ رَوَى عَنْهُمْ قِصَّةَ أُحُدٍ، قَالُوا: وَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّه ﷺ، رَاجِعًا إِلَى الْمَدِينَةِ مِنْ أُحُدٍ فَلَقِيَتْهُ حَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ، فَنَعَى لَهَا النَّاسُ أَخَاهَا عَبْدَ اللَّه ابن جَحْشٍ فَاسْتَرْجَعَتْ وَاسْتَغْفَرَتْ لَهُ، ثُمَّ نُعِيَ لَهَا خَالُهَا حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَاسْتَرْجَعَتْ وَاسْتَغْفَرَتْ لَهُ، ثُمَّ نُعِيَ لَهَا زَوْجُهَا مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ فَصَاحَتْ وَوَلْوَلَتْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ إِنَّ زَوْجَ الْمَرْأَةِ مِنْهَا لَبِمَكَانٍ، لِمَا رَأَى مِنْ صَبْرِهَا عِنْدَ أَخِيهَا وَخَالِهَا وَصِيَاحِهَا عَلَى زَوْجِهَا [(٦٣)] .
ثُمَّ مَرَّ رَسُولُ اللَّه ﷺ عَلَى دُورٍ من دون الْأَنْصَارِ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ وَظَفَرٍ، فَسَمِعَ الْبُكَاءَ وَالنَّوَائِحَ عَلَى قَتْلَاهُمْ، فَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ، فَبَكَى، ثُمَّ قَالَ:
لَكِنَّ حَمْزَةَ لَا بَوَاكِيَ لَهُ، فَلَمَّا رَجَعَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، وَأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ إِلَى دَارِ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، أَمَرَا نِسَاءَهُمْ أَنْ يذْهَبْنَ فَيَبْكِينَ عَلَى عَمِّ رَسُولِ اللَّه ﷺ، فَلَمَّا سَمِعَ رَسُولُ اللَّه ﷺ بُكَاءَهُنَّ عَلَى حَمْزَةَ، خَرَجَ إِلَيْهِنَّ وَهُنَّ عَلَى بَابِ مَسْجِدِهِ
_________________
(١) [(٦٢)] البداية والنهاية (٤: ٤٨) عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ. [(٦٣)] أخرجه ابن هشام في السيرة (٣: ٤١- ٤٢)، والبداية والنهاية (٤: ٤٦، ٤٧)، وفي سنن ابن ماجة حديث (١٥٩٠): عن حمنة بنت جحش، أنّه قيل لها: قتل أخوك، فقالت: ﵀، وإنا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، فقالوا: قتل زوجك، فقالت: وا حزناه! فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: أن للزوج من المرأة لشفقة ما هي لشيء.
[ ٣ / ٣٠١ ]
يَبْكِينَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُنَّ رَسُولُ اللَّه ﷺ: ارْجِعْنَ يَرْحَمْكُنَّ اللَّه، فَقَدْ آسَيْتُنَّ بِأَنْفُسِكُنَّ [(٦٤)] .
وَبِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَبِي عَوْفٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، قَالَ: كَانَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْ بَنِي ذُبْيَانَ فَقَدْ أُصِيبَ زَوْجُهَا وَأَخُوهَا يَوْمَ أُحُدٍ، فَلَمَّا نُعُوا لَهَا، قَالَتْ: مَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّه ﷺ؟ قَالُوا: خَيْرًا يَا أُمَّ فُلَانٍ، فَقَالَتْ: أَرُونِيهِ حَتَّى أَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَأَشَارُوا لَهَا إِلَيْهِ حَتَّى إِذَا رَأَتْهُ قَالَتْ: كُلُّ مُصِيبَةٍ بَعْدَكَ جَلَلٌ [(٦٥)] .
_________________
(١) [(٦٤)] سيرة ابن هشام (٣: ٤٢)، ونقله الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية» (٤: ٤٧) . [(٦٥)] رواه ابن هشام في السيرة (٣: ٤٢- ٤٣)، ونقله ابن كثير في التاريخ (٤: ٤٧) .
[ ٣ / ٣٠٢ ]
بَابُ قَوْلِ اللَّه ﷿: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتًا بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [(١)] الْآيَةَ، وَمَا وَرَدَ فِي فَضْلِ شُهَدَاءِ أُحُدٍ، وَزِيَارَةِ قُبُورِهِمْ عَلَى سَبِيلِ الِاخْتِصَارِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي قَالَ: أَخْبَرَنَا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ الطُّوسِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَمَّادٍ الْأَبِيوَرْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: سَأَلْنَا عَبْدَ اللَّه بْنَ مَسْعُودٍ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتًا بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، قَالَ: أَمَا إِنَّا قَدْ سَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: أَرْوَاحُهُمْ كَطَيْرٍ خُضَيْرٍ [(٢)] تَسْرَحُ فِي أَيِّهَا شَاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مُعَلَّقَةٍ بِالْعَرْشِ، قَالَ:
فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذِ اطَّلَعَ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ اطِّلَاعَةً، فَقَالَ: سَلُونِي مَا شِئْتُمْ، فَقَالُوا: يَا رَبَّنَا وَمَا نَسْأَلُكَ وَنَحْنُ نَسْرَحُ فِي الْجَنَّةِ فِي أَيِّهَا شِئْنَا، فَلَمَّا رَأَوْا أَنْ لَا [(٣)] يُتْرَكُوا مِنْ أَنْ يَسْأَلُوا، قَالُوا: نَسْأَلُكَ أَنْ تَرُدَّ أَرْوَاحَنَا إِلَى أَجْسَادِنَا فِي الدُّنْيَا نُقْتَلُ فِي سَبِيلِكَ، قَالَ: فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ لَا يَسْأَلُونَ إِلَّا هَذَا [(٤)] تُرِكُوا [(٥)] .
_________________
(١) [(١)] [١٦٩- آل عمران] . [(٢)] في صحيح مسلم: «أَرْوَاحَهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خضر» . [(٣)] كذا في (أ)، وفي (ص) و(ح): «ألّا»، [(٤)] في صحيح مسلم: «فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا» . [(٥)] الحديث موقوف: أخرجه مسلم في: ٣٣- كتاب الإمارة، (٣٣) باب بيان ان أرواح الشهداء في الجنة، وانهم أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، الحديث (١٢١) . ص (١٥٠٢) .
[ ٣ / ٣٠٣ ]
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عِيسَى الْحِيرِيُّ قَالَ:
حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ قَطَنٍ (ح) .
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الْفَارِسِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عن إسماعيل ابن أُمَيَّةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: لَمَّا أُصِيبَ إِخْوَانُكُمْ بِأُحُدٍ جَعَلَ اللَّه أَرْوَاحَهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَرِدُ أَنْهَارَ الْجَنَّةِ، وَتَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا، وَتَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مِنْ ذَهَبٍ مُعَلَّقَةٍ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ، فَلَمَّا وَجَدُوا طِيبَ مَأْكَلِهِمْ وَمَشْرَبِهِمْ وَمَقِيلِهِمْ، قَالُوا: مَنْ يُبَلِّغُ إِخْوَانَنَا عَنَّا أَنَّا أَحْيَاءٌ فِي الْجَنَّةِ نُرْزَقُ لِئَلَّا يَنْكِلُوا عِنْدَ الْحَرْبِ وَلَا يَزْهَدُوا فِي الْجِهَادِ، قَالَ اللَّه ﷿ أَنَا أُبَلِّغُهُمْ عَنْكُمْ فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى فِي الْكِتَابِ: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتًا بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [(٦)] .
لَيْسَ فِي حَدِيثِ أَبِي عَبْدِ اللَّه (فِي الْكِتَابِ) وَقَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّه ﷿.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ:
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّه، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ يَقُولُ إِذَا ذَكَرَ أَصْحَابَ أُحُدٍ: أَمَا واللَّه لَوَدِدْتُ أَنِّي؟ غُودِرْتُ مَعَ أَصْحَابِهِ بِحُضْنِ [(٧)] الْجَبَلِ، يَقُولُ: قُتِلْتُ معهم،
فكان
_________________
(١) [()] وأخرجه الترمذي في تفسير سورة آل عمران، وابن ماجة في الجهاد، وقال الترمذي: «حسن صحيح» . [(٦)] أخرجه ابو داود في الجهاد، باب في فضل الشهادة، الحديث (٢٥٢٠)، ص (٣: ١٥) . [(٧)] في (أ) و(ح) و(ص) و(د): «نحض»، وكذا في مسند الإمام أحمد (٣: ٣٧٥) وفي البداية «بحضن الجبل» يعني سفح الجبل، وجاءت الكلمة في نسخة (ب): «بحض» .
[ ٣ / ٣٠٤ ]
عَاصِمٌ يَقُولُ: لَكِنِّي واللَّه مَا يَسُرُّنِي أَنَّهُ كَانَ غُودِرَ مَعَهُمْ [(٨)] .
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ [(٩)]، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ صَالِحٍ الشِّيرَازِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْنٍ الْغِفَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ دِينَارٍ [(١٠)]، قَالَ: مَرَرْتُ يَوْمًا عَلَى رَبِيعَةَ [(١١)] مَعَ رَجُلٍ مِنَ بَنِي تَمِيمٍ يُقَالُ لَهُ: يُوسُفُ، أَوْ أَبُو يُوسُفَ فَقَالَ لِرَبِيعَةَ: إِنَّا نَسْمَعُ مِنْكَ مِنَ الْحَدِيثِ مَا لَا نَجِدُهُ عِنْدَ غَيْرِكَ! فَقَالَ لَهُ رَبِيعَةُ: أَمَا واللَّه إِنَّ عِنْدِي لَحَدِيثًا كَثِيرًا، وَلَكِنِّي قَدْ سَمِعْتُ ابْنَ الْهُدَيْرِ [(١٢)]، وَكَانَ يَصْحَبُ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّه، قَالَ: مَا سَمِعْتُ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّه يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّه ﷺ إلا حَدِيثًا وَاحِدًا، قَالَ: قُلْتُ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّه ﷺ يُرِيدُ [(١٣)] قُبُورَ الشُّهَدَاءِ، حَتَّى إِذَا أَشْرَفْنَا عَلَى حَرَّةِ وَاقِمٍ [(١٤)] بِالْبَيْدَاءِ فَإِذَا قُبُورٌ بِمَحْنِيَّةٍ [(١٥)]، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّه! هَذِهِ قُبُورُ إِخْوَانِنَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ:
_________________
(١) [(٨)] تفرد به الإمام الأحمد، وأخرجه في المسند (٣: ٣٧٥)، ونقله عن الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية» (٤: ٤٤) . [(٩)] في (ب): «أحمد الصفار» . [(١٠)] هو دَاوُدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ دينار المدني، ذكره العجلي، وابن حبان في الثقات، وقال ابن المديني: لا يحفظ عنه إلا هذا الحديث الواحد عن ربيعة وكل أحاديثه إفرادات، وأرجو أنه لا بأس به. [(١١)] هو رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرحمن فروخ التيمي المعروف بربيعة الرأي، كان صاحب الفتوى بالمدينة. [(١٢)] هُوَ رَبِيعَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّه بْنِ الْهُدَيْرِ، ولد عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ، وَكَانَ ثقة، قليل الحديث، قال العجلي في تاريخ الثقات: «تابعي، مدني، ثقة، من كبار التابعين»، وقال الدارقطني: «تابعي كبير قليل المسند»، وذكره ابن حبان في الثقات، وذكره ابن عبد البر في الصحابة. [(١٣)] في (ب): «نريد» . [(١٤)] (الحرة) الأرض ذات الحجارة، وواقم: أُطُمٍ مِنْ آطَامِ الْمَدِينَةِ وإليه تنسب الحرة. [(١٥)] (محنية) أي بحيث ينعطف الوادي، وهو منحناه أيضا.
[ ٣ / ٣٠٥ ]
هَذِهِ قُبُورُ أَصْحَابِنَا، فَلَمَّا جِئْنَا قُبُورَ الشُّهَدَاءِ، قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: هَذِهِ قُبُورُ إِخْوَانِنَا
[(١٦)] .
رَبِيعَةُ هُوَ ابْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَابْنُ الْهُدَيْرِ هُوَ رَبِيعَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّه بْنِ الْهُدَيْرِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ بِبَغْدَادَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو سَهْلِ بْنُ زِيَادِ الْقَطَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ الْهَيْثَمِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عيسى ابن الصباع، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عِمْرَانَ، عَنْ مُوسَى بْنِ يَعْقُوبَ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّه ﷺ يَأْتِي الشُّهَدَاءَ فَإِذَا أَتَى فُرْضَةَ الشِّعْبِ، يَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ،
ثُمَّ كَانَ أَبُو بَكْرٍ [﵁] [(١٧)] بَعْدَ النبي ﷺ يَفْعَلُهُ، وَكَانَ عُمَرُ [﵁] [(١٨)] بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ يَفْعَلُهُ، وَكَانَ عُثْمَانُ-[﵁] [(١٩)] بَعْدَ عُمَرَ يَفْعَلُ ذَلِكَ [(٢٠)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو النَّصْرِ الْفَقِيهُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُسَيِّبُ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ نَصْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَاصِمٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ
_________________
(١) [(١٦)] الحديث أخرجه ابو داود في آخر كتاب المناسك (باب): زيارة القبور، الحديث (٢٠٤٣)، صفحة (٢: ٢١٨) عن حامد بن يحيى، عن محمد بن معن المدني، عن داود بن خالد، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ ربيعة بن الهدير. [(١٧)] ليست في (ب) . [(١٨)] ليست في (ب) . [(١٩)] ليست في (ب) . [(٢٠)] عن المصنف نقله ابن كثير في التاريخ (٤: ٤٥) .
[ ٣ / ٣٠٦ ]
عَامِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ خَرَجَ يَوْمًا فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ صَلَاتَهُ عَلَى الْمَيِّتِ، ثُمَّ انْصَرَفَ عَلَى [(٢١)] الْمِنْبَرِ فَقَالَ إِنِّي فَرَطُكُمْ وَأَنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ، وَإِنِّي واللَّه أَنْظُرُ إِلَى حَوْضِي الْآنَ، وَإِنِّي قَدْ أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الْأَرْضِ [أَوْ مَفَاتِيحَ الْأَرْضِ] [(٢٢)]، وَإِنِّي واللَّه مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي، وَلَكِنْ أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنَافَسُوا.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ [(٢٣)] خَالِدٍ، عَنِ اللَّيْثِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ: إِسْمَاعِيلُ بْنُ محمد ابن إِسْمَاعِيلَ الْفَقِيهُ بِالرِّيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ السُّكَّرِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَلْقَمَةَ الْمَرْوَزِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَطَّافُ بْنُ خَالِدٍ الْمَخْزُومِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا [(٢٤)] عَبْدِ الْأَعْلَى [(٢٥)] بْنِ عَبْدِ اللَّه بْنِ أَبِي فَرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ زَارَ قُبُورَ الشُّهَدَاءِ بِأُحُدٍ، فَقَالَ: اللهُمَّ إِنَّ عَبْدَكَ وَنَبِيَّكَ يَشْهَدُ أَنَّ هَؤُلَاءِ شُهَدَاءُ، وَأَنَّهُ مَنْ زَارَهُمْ أَوْ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ رَدُّوا عَلَيْهِ.
قَالَ الْعَطَّافُ: وَحَدَّثَتْنِي خَالَتِي: أَنَّهَا زَارَتْ قُبُورَ الشُّهَدَاءِ، قَالَتْ: وَلَيْسَ مَعِي إِلَّا غُلَامَانِ يَحْفَظَانِ عَلَيَّ الدَّابَّةَ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِمْ، فَسَمِعْتُ رَدَّ السَّلَامِ، وَقَالُوا: واللَّه إِنَّا نَعْرِفُكُمْ كَمَا يَعْرِفُ بَعْضُنَا بَعْضًا، قَالَتْ: فَاقْشَعْرَرْتُ [(٢٦)] وَقُلْتُ: يَا غُلَامُ! أَدْنِنِي بَغْلَتِي [(٢٧)]، فَرَكِبْتُ.
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ بِبَغْدَادَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ صَفْوَانَ
_________________
(١) [(٢١)] هكذا في صحيح البخاري، وفي المخطوطات: «إلى» . [(٢٢)] ليست في (ب) . [(٢٣)] الْبُخَارِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ عن الليث في: ٨١- كتاب الرقاق، (٥٣) باب في الحوض، الحديث (٦٥٩٠)، فتح الباري (١١: ٤٦٥) . [(٢٤)] في (ب): «حدثني» . [(٢٥)] رسمت في (أ) و(ب) «الأعلا» . [(٢٦)] في «البداية والنهاية»: «فَاقْشَعَرَّتْ كُلُّ شَعْرَةٍ مِنِّي» . [(٢٧)] في (ب): «بغلي» .
[ ٣ / ٣٠٧ ]
الْبَرْدَعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدَّثَنَا [(٢٨)] إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا [(٢٩)] الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَطَّافُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَتْنِي خَالَتِي، قَالَتْ: رَكِبْتُ يَوْمًا إِلَى قُبُورِ الشُّهَدَاءِ وَكَانَتْ لَا تَزَالُ تَأْتِيهِمْ، قَالَتْ: فَنَزَلْتُ عِنْدَ قَبْرِ حَمْزَةَ فَصَلَّيْتُ مَا شَاءَ اللَّه أَنْ أُصَلِّيَ وَمَا فِي الْوَادِي دَاعٍ وَلَا مُجِيبٌ، إِلَّا غُلَامٌ قَائِمٌ آخِذٌ بِرَأْسِ دَابَّتِي، فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنْ صَلَاتِي، قُلْتُ هَكَذَا بِيَدِي: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَسَمِعْتُ رَدَّ السَّلَامِ عَلَيَّ يَخْرُجُ مِنْ تَحْتِ الْأَرْضِ، أَعْرِفُهُ كَمَا أَعْرِفُ أَنَّ اللَّه ﷿ خَلَقَنِي، وَكَمَا أَعْرِفُ اللَّيْلَ مِنَ النَّهَارِ، فَاقْشَعَرَّتْ كُلُّ شَعْرَةٍ مِنِّي [(٣٠)] .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه: مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ ابن بُطَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْجَهْمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَرَجِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَاقِدِيُّ، قَالَ: قَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّه ﷺ يَزُورُهُمْ فِي كُلِّ حَوْلٍ، وَإِذَا تَفَوَّهَ الشِّعْبَ [(٣١)] رَفَعَ صَوْتَهُ، فَيَقُولُ: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ، ثُمَّ أَبُو بَكْرٍ كُلَّ حَوْلٍ يَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، ثُمَّ عُثْمَانُ، وَكَانَتْ فَاطِمَةُ بنت رسول اللَّه ﷺ تَأْتِيهِمْ فَتَكُنُّ عِنْدَهُمْ وَتَدْعُو وَكَانَ سعد ابن أَبِي وَقَّاصٍ يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ يُقْبِلُ عَلَى أَصْحَابِهِ، فَيَقُولُ: أَلَا تُسَلِّمُونَ عَلَى قَوْمٍ يَرُدُّونَ عَلَيْكُمُ السَّلَامَ [(٣٢)] .
وَكَانَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ يَزُورُ تِلْكَ الْقُبُورَ، وَذُكِرَ ذَلِكَ أَيْضًا عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، وَعَبْدُ اللَّه بْنُ عمر، وأبي هريرة [(٣٣)] .
_________________
(١) [(٢٨)] في (ب): حدثني. [(٢٩)] في (ب): حدثني. [(٣٠)] الخبر نقله الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية» . (٤: ٤٥) . [(٣١)] (تفوّه الشعب) دخل في أول الشعب. [(٣٢)] مغازي الواقدي (١: ٣١٣) . [(٣٣)] الخبر في المغازي للواقدي (١: ٣١٣- ٣١٤) .
[ ٣ / ٣٠٨ ]
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَكَانَتْ فَاطِمَةُ الْخُزَاعِيَّةُ تَقُولُ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي وقد غابت الشمس بقبول الشُّهَدَاءِ وَمَعِي أُخْتٌ لِي، فَقُلْتُ لَهَا: تَعَالَيْ نُسَلِّمْ عَلَى قَبْرِ حَمْزَةَ، فَقَالَتْ: نَعَمْ، فَوَقَفْنَا عَلَى قَبْرِهِ فَقُلْنَا [(٣٤)]: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا عَمَّ رَسُولِ اللَّه ﷺ، فَسَمِعْنَا كَلَامًا رَدَّ عَلَيْنَا: وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّه، قَالَتْ: وَمَا قُرْبَنَا أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ [(٣٥)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الحافظ، وأبو سَعِيدِ بْنُ أَبِي عَمْرٍو، قَالَا: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّه الصَّفَّارُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا، قَالَ:
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ تَزُورُ قَبْرَ عَمِّهَا حَمْزَةَ فِي الْأَيَّامِ فَتُصَلِّي، وَتَبْكِي عِنْدَهُ [(٣٦)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا يَعْلَى: حَمْزَةَ بْنَ مُحَمَّدٍ الْعَلَوِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ هَاشِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ الْعُمَرِيَّ مِنْ وَلَدِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ يَقُولُ:
أَخَذَنِي أَبِي بِالْمَدِينَةِ إِلَى زِيَارَةِ قُبُورِ الشُّهَدَاءِ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَالشَّمْسِ وَكُنْتُ أَمْشِي خَلْفَهُ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى الْمَقَابِرِ رَفَعَ صَوْتَهُ، فَقَالَ: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ، قَالَ: فَأُجِيبَ: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّه، قَالَ: فَالْتَفَتَ أَبِي إِلَيَّ، فَقَالَ: أَنْتَ الْمُجِيبُ يَا بُنَيَّ؟ فَقُلْتُ: لَا، قَالَ:
فَأَخَذَ بِيَدِي فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ أَعَادَ السَّلَامَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ جَعَلَ كُلَّمَا سَلَّمَ عَلَيْهِمْ يُرَدُّ عَلَيْهِ، حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، قَالَ: فَخَرَّ أَبِي سَاجِدًا شُكْرًا للَّه ﷿.
_________________
(١) [(٣٤)] فِي الأصول: «فقلت» وما أثبتناه من مغازي الواقدي. [(٣٥)] الخبر في مغازي الواقدي (١: ٣١٤) . [(٣٦)] نقل بعضه ابن كثير في التاريخ (٤: ٤٥) .
[ ٣ / ٣٠٩ ]
بَابُ قَوْلِ اللَّه ﷿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ، الشَّيْطانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ [(١)] .
أخبرنا أبو عبد اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْأَصْبَهَانِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْجَهْمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَرَجِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَاقِدِيُّ، عَنْ شُيُوخِهِ، قَالُوا: لَمَّا [(٢)] صَاحَ إِبْلِيسُ أَنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ تَفَرَّقَ النَّاسُ، فَمِنْهُمْ مَنْ وَرَدَ الْمَدِينَةَ حَتَّى دَخَلُوا عَلَى نِسَائِهِمْ، وَجَعَلَ النِّسَاءُ يَقُلْنَ عَنْ رَسُولِ اللَّه ﷺ تَفِرُّونَ؟ قَالَ: وَكَانَ مِمَّنْ وَلَّى فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ [(٣)]، وَالْحَارِثُ بْنُ حَاطِبٍ، وَسَوَّادُ بْنُ غَزِيَّةَ، وَسَعْدُ بْنُ عُثْمَانَ، وَعُقْبَةُ بْنُ عُثْمَانَ، وَخَارِجَةُ بْنُ عَامِرٍ بَلَغَ مَلَلَ [(٤)]، وَأَوْسُ بْنُ قَيْظِيٍّ فِي نَفَرٍ مِنْ بَنِي حَارِثَةَ بَلَغُوا الشّقرة [(٥)]،
_________________
(١) [(١)] الآية (١٥٥) من سورة آل عمران. [(٢)] في (ب): «ولما» . [(٣)] ذكر البلاذري عن الواقدي: «عثمان» . انساب الأشراف. (١: ٣٢٦) . [(٤)] (ملل): موضع في طريق مكة بين الحرمين، وقال ابن السكيت: «هو منزل على طريق المدينة إلى مكة عن ثمانية وعشرين ميلا من المدينة» وجاء في (أ) و(ب): «مالك» . [(٥)] الشقرة: موضع بطريق فيد بين جبال حمر، على نحو ثمانية عشر ميلا من النخيل،، ويومين من المدينة.
[ ٣ / ٣١٠ ]
فَلَقِيَتْهُمْ أُمُّ أَيْمَنَ تَحْثِي فِي وُجُوهِهِمُ التُّرَابَ، وَتَقُولُ لِبَعْضِهِمْ: هَاكَ الْمِغْزَلُ فَاغْزِلْ [(٦)] بِهِ، وَهَلُمَّ سَيْفَكَ [(٧)] .
أَخْبَرَنَا عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى الْكَعْبِيُّ، وَأَبُو الْحَسَنِ الطَّرَائِفِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ قُتَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا بُكَيْرُ بْنُ مَعْرُوفٍ، عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ فِي يَوْمِ أُحُدٍ وَتَوَلِّي مَنْ تَوَلَّى مُدْبِرًا، قَالَ: فَلَمَّا أَنْ أَتَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ، قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ جَعَلَنَا اللهُ فِدَاكَ، أَتَانَا الْخَبَرُ: أَنَّكَ قُتِلْتَ، فَرُعِبَتْ قُلُوبُنَا، فَوَلَّيْنَا مُدْبِرِينَ.
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ فُورَكٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ ابن أَحْمَدَ الْأَصْبَهَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، وَشَيْبَانُ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَوْهَبٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ: أَمَّا قَوْلُكَ الَّذِي سَأَلْتَنِي عَنْهُ: أَشَهِدَ عُثْمَانُ بَدْرًا؟
فَإِنَّهُ شُغِلَ بِابْنَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَضَرَبَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِسَهْمِهِ، وَأَمَّا بَيْعَةُ الرِّضْوَانِ فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَهُ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ، وَلَوْ كَانَ أَحَدٌ أَوْثَقَ فِي نَفْسِهِ مِنْ عُثْمَانَ لَبَعَثَهُ، وَكَانَتِ الْبَيْعَةُ وَعُثْمَانُ غَائِبٌ،
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: يَدِي هَذِهِ لِعُثْمَانَ، فَضَرَبَ بِإِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى،
وَأَمَّا تَوَلِّيهِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَأَشْهَدُ أَنَّ اللهَ ﷿ قَدْ عَفَا عَنْهُ: اذْهَبْ بِهَذَا مَعَكَ [(٨)] .
أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي عوانة [(٩)] .
_________________
(١) [(٦)] في الأصول المخطوطة «اغزل» واثبت ما في مغازي الواقدي. [(٧)] الخبر في مغازي الواقدي (١: ٢٧٧- ٢٧٨) . [(٨)] في الصحيح: «اذهب بها الآن مَعَكَ» . [(٩)] أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي: ٦٢- كِتَابِ فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ (٧) باب مناقب عثمان بن عفان، الحديث (٣٦٩٨)، فتح الباري (٧: ٥٤) . وأخرجه مفرقا في: ٥٧- كتاب فرض الخمس (١٤) باب إذا بعث الإمام رسولا في حاجة، فتح الباري (٦: ٢٣٥)، وفي المغازي عن عبدان، وأخرجه الترمذي في المناقب عن صَالِحُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الترمذي، عن ابي عوانة، وقال: «حسن صحيح» .
[ ٣ / ٣١١ ]
بَابُ خُرُوجِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى حَمْرَاءِ الْأَسَدِ [(١)] وَقَوْلِ اللهِ ﷿ الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ [(٢)]
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ [(٣)] بْنِ بِشْرَانَ بِبَغْدَادَ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ: مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْبَخْتَرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْعُطَارِدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: يَا بن أُخْتِي كَانَ أَبَوَاكَ- تَعْنِي [(٤)] الزُّبَيْرَ وَأَبَا بَكْرٍ- مِنَ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ، قَالَ: لَمَّا انْصَرَفَ المشركون من أحد، وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ مَا أَصَابَهُمْ، خَافَ أَنْ يَرْجِعُوا فَقَالَ مَنْ يَنْتَدِبُ لِهَؤُلَاءِ فِي آثَارِهِمْ حَتَّى يَعْلَمُوا أَنَّ بِنَا قُوَّةً، قَالَ: فَانْتُدِبَ أَبُو بَكْرٍ وَالزُّبَيْرُ فِي سَبْعِينَ فَخَرَجُوا فِي آثَارِ الْقَوْمِ فَسَمِعُوا بِهِمْ وَانْصَرَفُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وفضل،
_________________
(١) [(١)] انظر في خروج الرسول ﷺ إِلَى حَمْرَاءِ الْأَسَدِ: طبقات ابن سعد (٢: ٤٨) وما بعدها، وتاريخ الطبري (٢: ٥٣٤)، وسيرة ابن هشام (٣: ٤٤) وابن حزم ص (١٧٥)، وعيون الأثر (٢: ٥٢)، والبداية والنهاية (٤: ٤٨)، والنويري (١٧: ١٢٦)، والسيرة الحلبية (٢: ٣٣٦)، والسيرة الشامية (٤: ٤٣٨) . [(٢)] الآية الكريمة (١٧٢) من سورة آل عمران. [(٣)] في (ح): ابو الحسين »، وفي (ب): «أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ محمد بن عبد الله» وكلاهما صحّف. [(٤)] في (ب): «يعني» .
[ ٣ / ٣١٢ ]
قَالَ: لَمْ يَلْقُوا عَدُوًّا.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ [(٥)] .
وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مُخْتَصَرًا مِنْ أَوْجُهٍ عَنْ هِشَامٍ [(٦)] .
أَخْبَرَنَا [(٧)] أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ فِي قِصَّةِ أُحُدٍ، قَالَ: قَدِمَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَاسْتَخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، فَقَالَ: نَازَلْتُهُمْ فَسَمِعْتُهُمْ يَتَلَاوَمُونَ، يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لَمْ تَصْنَعُوا شَيْئًا، أَصَبْتُمْ شَوْكَةَ الْقَوْمِ وَحَدَّهُمْ، ثُمَّ تَرَكْتُمُوهُمْ، وَلَمْ تُبِيدُوهُمْ، وَقَدْ بقي منهم رؤوس [(٨)] يَجْمَعُونَ لَكُمْ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَصْحَابَهُ﵃- وَبِهِمْ أَشَدُّ الْقَرْحِ، بِطَلَبِ الْعَدُوِّ، وَلْيُسْمِعُوا بِذَلِكَ، وَقَالَ: لَا يَنْطَلِقَنَّ مَعِي إِلَّا مَنْ شَهِدَ الْقِتَالَ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ:
أَرْكَبُ مَعَكَ فَقَالَ: لَا، فَاسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ عَلَى [الَّذِي] [(٩)] بِهِمْ مِنَ الْبَلَاءِ فَانْطَلَقُوا، وَأَقْبَلَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ السُّلَمِيُّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ أَبِي رَجَّعَنِي وَقَدْ خَرَجْتُ مَعَكَ لِأَشْهَدَ الْقِتَالَ، قِتَالَ أُحُدٍ، وَنَاشَدَنِي أَلَّا أَتْرُكَ نِسَاءَنَا جَمِيعًا وَإِنَّمَا أَوْصَانِي بِالرُّجُوعِ لِلَّذِي أَصَابَهُ مِنَ الْقَتْلِ [(١٠)] فَاسْتَشْهَدَهُ اللهُ﷿- وَأَرَادَ بِيَ الْبَقَاءَ لِتَرِكَتِهِ، وَلَا أُحِبُّ أَنْ تُوَجَّهَ وَجْهًا إِلَّا وَكُنْتُ مَعَكَ، وَقَدْ كَرِهْتُ أَنْ
_________________
(١) [(٥)] أخرجه البخاري في: ٦٤: كتاب المغازي، (٢٥) باب الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ القرح ، الحديث (٤٠٧٧)، فتح الباري (٧: ٣٧٣) . [(٦)] مسلم فِي كِتَابِ فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ (٦) باب من فضائل طلحة والزبير الحديث (٥١) عن أبي بكر ابن أبي شيبة، والحديث (٥٢) عن أبي كريب صفحة (١٨٨٠- ١٨٨١) . [(٧)] في (ب): «وأخبرنا» [(٨)] في (أ) و(ب): «روس» . [(٩)] الزيادة من تاريخ ابن كثير، وفي النسخ المخطوطة: «على ما بهم» . [(١٠)] في (ب): «من القتال» .
[ ٣ / ٣١٣ ]
يُطْلَبَ مَعَكَ إِلَّا مَنْ قَدْ شَهِدَ الْقِتَالَ فَأْذَنْ لِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: نَعَمْ، فَطَلَبَهُمْ حَتَّى بَلَغَ حَمْرَاءَ الْأَسَدِ [(١١)] .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنْ شُيُوخِهِ، قَالَ: فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ، وَذَلِكَ يَوْمُ الْأَحَدِ لِسِتَّ عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْ شَوَّالٍ: أَذَّنَ مُؤَذِّنُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي النَّاسِ لِطَلَبِ [(١٢)] الْعَدُوِّ، وَأَذَّنَ مُؤَذِّنُهُ أَنْ لَا يَخْرُجَنَّ [(١٣)] مَعَنَا أَحَدٌ إِلَّا أَحَدٌ حَضَرَ يَوْمَنَا بِالْأَمْسِ، فَكَلَّمَهُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ، فَأَذِنَ لَهُ فَخَرَجَ مَعَهُ [(١٤)]، وإِنَّمَا خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُرْهِبًا لِلْعَدُوِّ، وَلِيَأْتِيَهُمْ أَنَّهُ قَدْ خَرَجَ فِي طَلَبِهِمْ وَلِيَظُنُّوا بِهِ قُوَّةً وَأَنَّ الَّذِي أَصَابَهُ لَمْ يُوهِنْهُمْ عَنْ عَدُوِّهِمْ [(١٥)] .
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنِ ابْنِ السَّائِبِ مَوْلَى عَائِشَةَ بِنْتِ عُثْمَانَ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ قَالَ: شَهِدْتُ أُحُدًا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إنا وَأَخٌ لِي فَرَجَعْنَا جَرِيحَيْنِ، فَلَمَّا أَذَّنَ مُؤَذِّنُ رَسُولِ الله ﷺ بِالْخُرُوجِ فِي طَلَبِ الْعَدُوِّ، فَقُلْتُ لِأَخِي وَقَالَ لِي:
أَتَفُوتُنَا غَزْوَةٌ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وو الله مَا لَنَا مِنْ دَابَّةٍ نَرْكَبُهَا، وَمَا مِنَّا إِلَّا جريح،
_________________
(١) [(١١)] نقله الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية» (٤: ٤٨)، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، وقال: «وهكذا روى ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ سواء. [(١٢)] في (أ) و(ب): «لطلب» . [(١٣)] في الأصول «لا يخرج» وأثبتنا ما في سيرة ابن هشام. [(١٤)] جاء بعده في سيرة ابن هشام العبارة التالية، وليست في الأصول المخطوطة: «فكلمه جابر.. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ أَبِي كَانَ خلّفني على أخوات لي سبع، وقال: يَا نَبِيَّ اللهِ إِنَّهُ لا ينبغي لي ولا لك ان نترك هؤلاء النسوة لا رجل فيهن، ولست بالذي او ترك بالجهاد مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ على نفسي، فتخلّف على أخواتك، فتخلّفت عليهنّ، فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَخَرَجَ معه..» . [(١٥)] النص في سيرة ابن هشام (٣: ٤٤)، ونقله ابن كثير في التاريخ (٤: ٤٩) .
[ ٣ / ٣١٤ ]
فَخَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكُنْتُ أَيْسَرَ جُرْحًا مِنْهُ [(١٦)] فَكَانَ إِذَا غُلِبَ حَمَلْتُهُ عُقْبَةً وَمَشَى عُقْبَةً [(١٧)]، حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى مَا انْتَهَى إِلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى انْتَهَى إِلَى حَمْرَاءِ الْأَسَدِ وَهِيَ مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى ثَمَانِيَةِ أَمْيَالٍ فَأَقَامَ بِهَا ثَلَاثًا: الْإِثْنَيْنَ وَالثُّلَاثَاءَ وَالْأَرْبِعَاءَ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ [(١٨)] .
وبِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَنَّ مَعْبَدًا الْخُزَاعِيَّ مَرَّ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ، وَهُوَ بِحَمْرَاءِ الْأَسَدِ، وَكَانَتْ خُزَاعَةُ مُسْلِمُهُمْ وَمُشْرِكُهُمْ عَيْبَةَ [نُصْحٍ] [(١٩)] لِرَسُولِ اللهِ ﷺ [بِتِهَامَةَ] صَفْقُهُمْ [(٢٠)] مَعَهُ، لَا يُخْفُونَ عَلَيْهِ شَيْئًا كَانَ بِهَا، فَقَالَ مَعْبَدٌ- وَهُوَ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكٌ-:
يَا مُحَمَّدُ! أَمَا وَاللهِ لَقَدْ عَزَّ عَلَيْنَا مَا أَصَابَكَ فِي أَصْحَابِكَ، [و] لوددنا إن الله﷿- عَافَاكَ فِيهِمْ، ثُمَّ خَرَجَ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ بِحَمْرَاءِ الْأَسَدِ، حَتَّى لَقِيَ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ، ومن معه بِالرَّوْحَاءِ، وَقَدْ أَجْمَعُوا بِالرَّجْعَةِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ، وَقَالُوا: أَصَبْنَا حَدَّ أَصْحَابِهِمْ وَقَادَتِهِمْ [وَأَشْرَافِهِمْ]، ثُمَّ رَجَعْنَا قَبْلَ أَنْ نَسْتَأْصِلَهُمْ، لَنَكُرَّنَّ عَلَى بَقِيَّتِهِمْ فَلَنَفْرُغَنَّ مِنْهُمْ، فَلَمَّا رَأَى أَبُو سُفْيَانَ مَعْبَدًا قَالَ: مَا وَرَاءَكَ يَا مَعْبَدُ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ قَدْ خَرَجَ فِي أَصْحَابِهِ يَطْلُبُكُمْ فِي جَمْعٍ لَمْ أَرَ لَهُ مِثْلَهُ قَطُّ يَتَحَرَّقُونَ عَلَيْكُمْ تَحَرُّقًا، قَدِ اجْتَمَعَ مَعَهُ مَنْ كَانَ تَخَلَّفَ عَنْهُ فِي يَوْمِكُمْ، وَنَدِمُوا عَلَى مَا صَنَعُوا [(٢١)]، فِيهِمْ مِنَ الْحَنَقِ عَلَيْكُمْ شَيْءٌ لَمْ أَرَ مِثْلَهُ
_________________
(١) [(١٦)] في الأصل: «أيسر جراحة منهم»، واثبتّ ما في السيرة لابن هشام. [(١٧)] يريد نتعاقب ركوبة، كل واحد منا يركبها برهة، والآخر يمشي. [(١٨)] الخبر في سيرة ابن هشام (٣: ٤٤- ٤٥)، ونقله ابن كثير في «البداية والنهاية» (٤: ٤٩) . [(١٩)] كلمة نصح ساقطة من الأصول وأثبتها من أصل الخبر في سيرة ابن هشام، ومعنى عيبة نصح: أي: موضع سِرَّ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَفِي (ب): «عينة لرسول الله» . [(٢٠)] (صفقهم معه) أي: اتفاقهم وهو أهم له، واجتماعهم عليه، تقول: أصفقت مع فلان على الأمر: إذا أجمعت معه عليه. وجاءت في (أ) و(ب): «صفوهم» . [(٢١)] سيرة ابن هشام: «على ما ضيعوا» .
[ ٣ / ٣١٥ ]
قَطُّ، فَقَالَ: وَيْلَكَ [(٢٢)] مَا تَقُولُ، فَقَالَ: وَاللهِ مَا أَرَى أَنْ تَرْتَحِلَ حَتَّى تَرَى نَوَاصِيَ الْخَيْلِ، قَالَ: فو الله لَقَدْ أَجْمَعْنَا عَلَى الْكَرَّةِ عَلَيْهِمْ لِنَسْتَأْصِلَ بَقِيَّتَهُمْ، قَالَ: فَإِنِّي أَنْهَاكَ عَنْ ذَلِكَ، فو الله لَقَدْ حَمَلَنِي مَا رَأَيْتُ عَلَى أَنْ قُلْتُ فِيهِ [(٢٣)] أَبْيَاتًا مِنْ شِعْرٍ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: وَمَاذَا قُلْتَ؟ قال معبد قلت: - كَادَتْ تُهَدُّ مِنَ الْأَصْوَاتِ رَاحِلَتِي* إِذْ سَالَتِ الْأَرْضُ بِالْجُرْدِ الْأَبَابِيلِ [(٢٤)] ثُمَّ ذَكَرَ سَائِرَ الْأَبْيَاتِ [(٢٥)] فِي جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ قَالَ: فَثَنَى [(٢٦)] ذَلِكَ أَبَا سُفْيَانَ وَمَنْ مَعَهُ، وَمَرَّ رَكْبٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ أَيْنَ تُرِيدُونَ؟
قَالُوا: الْمَدِينَةَ، قَالَ: وَلِمَ؟ قَالُوا: نُرِيدُ الْمِيرَةَ،، فَقَالَ: أَمَا أَنْتُمْ مُبَلِّغُونَ عَنِّي مُحَمَّدًاﷺ- رِسَالَةً أُرْسِلُكُمْ بِهَا إِلَيْهِ، وَأَحْمِلُ عَلَى إِبِلِكُمْ هَذِهِ زَبِيبًا بِعُكَاظَ غَدًا إِذَا وَافَيْتُمُوهَا؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ فَقَالَ فَإِذَا جِئْتُمُوهُ [(٢٧)] فَأَخْبِرُوهُ أَنَّا قَدْ أَجْمَعْنَا الرَّجْعَةَ [(٢٨)] إِلَى أَصْحَابِهِ لِنَسْتَأْصِلَهُمْ،
فَلَمَّا مَرَّ الرَّكْبُ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ بحمراء
_________________
(١) [(٢٢)] سيرة ابن هشام: «ويلك» . [(٢٣)] سيرة ابن هشام: «فيهم» . [(٢٤)] الجرد: الخيل العتاق. الواحد: أجرد، الأبابيل: الجماعات. [(٢٥)] وهي كما ذكرها ابن هشام: كَادَتْ تُهَدُّ مِنَ الْأَصْوَاتِ راحلتي إذا سَالَتِ الْأَرْضُ بِالْجُرْدِ الْأَبَابِيلِ تردي بأسد كرام لا تنابلة عند اللّقاء ولا ميل معازيل فظلت غدوا أظنّ الأرض مائلة لمّا سموا برئيس غير مخذول فقلت: ويل ابن حرب من لقائكم إذا تغطمطت البطحاء بالجيل إنّي نذير الأهل البسل ضاحية لكلّ ذي إربة منهم ومعقول من جيش أحمد لا وخش قنابله وليس يوصف ما أنذرت بالقيل [(٢٦)] في الأصول رسمت: «فثنا» . [(٢٧)] في السيرة لابن هشام: «فإذا وافيتموه» . [(٢٨)] في السيرة: «السير إليه» .
[ ٣ / ٣١٦ ]
الْأَسَدِ فَأَخْبَرُوهُ بِالَّذِي قَالَ أَبُو سُفْيَانَ، وَأَمَرَهُمْ بِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ: حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [(٢٩)] .
فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿ فِي أُولَئِكَ الرَّهْطِ وَقَوْلِهِمْ وَفِي أَصْحَابِ رَسُولِ الله ﷺ الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصابَهُمُ الْقَرْحُ إِلَى قَوْلِهِ: الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ يَعْنِي هَؤُلَاءِ النَّفَرَ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ، إِلَى قَوْلِهِ: فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ لِمَا صَرَفَ اللهُ عَنْهُمْ مِنْ لِقَاءِ عَدُوِّهِمْ، وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ فِي استِجَابَتِهِمْ إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يَعْنِي أَبَا سُفْيَانَ وَأَصْحَابَهُ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ [(٣٠)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الشَّافِعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ هُوَ ابْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا أُلْقِيَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ فِي النَّارِ، قَالَ: «حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ»، وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ ﷺ: [حِينَ قَالُوا]: «الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا، وَقَالُوا: حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوكيل» .
قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ: يَقُولُ إِبْرَاهِيمُ وَمُحَمَّدٌ ﷺ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ [(٣١)]، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ.
_________________
(١) [(٢٩)] سيرة ابن هشام (٣: ٤٥- ٤٦)، ونقله الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية» (٣: ٤٩- ٥٠) . [(٣٠)] من الآيات (١٧٢- ١٧٥) من سورة آل عمران. [(٣١)] الْبُخَارِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ في: ٦٥- كتاب التفسير- تفسير سورة آل عمران (١٣) باب الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لكم، الحديث (٤٥٦٣)، فتح الباري (٨: ٢٢٩) .
[ ٣ / ٣١٧ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ دَاوُدَ الزَّاهِدُ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُبَشِّرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَزِينٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ حَسَنٍ، عَنْ يَعْلَى بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِ اللهِ ﷿ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ، قَالَ: النِّعْمَةُ:
أَنَّهُمْ سَلِمُوا، وَالْفَضْلُ أَنَّ عِيرًا مَرَّتْ وَكَانَ فِي أَيَّامِ الْمَوْسِمِ، فَاشْتَرَاهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَرَبِحَ فِيهَا مَالًا فَقَسَمَهُ بَيْنَ أَصْحَابِهِ [(٣٢)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، قَالَ: كَانَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ مَقَامٌ يَقُومُهُ كُلَّ جُمُعَةٍ لَا يَتْرُكَهُ شَرَفًا لَهُ فِي نَفْسِهِ وَفِي قَوْمِهِ، وَكَانَ فِيهِمْ شَرِيفًا، فَكَانَ إِذَا جَلَسَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يَخْطُبُ قَامَ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ! هَذَا رَسُولُ اللهِ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ أَكْرَمَكُمَ اللهُ بِهِ، وَأَعَزَّكُمْ فَانْصُرُوهُ وَعَزِّرُوهُ وَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا، ثُمَّ يَجْلِسُ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ من أُحُدٍ وَصَنَعَ الْمُنَافِقُ مَا صَنَعَ فِي أُحُدٍ فَقَامَ يَفْعَلُ كَمَا كَانَ يَفْعَلُ، فَأَخَذَ الْمُسْلِمُونَ بِثِيَابِهِ مِنْ نَوَاحِيهِ، وَقَالُوا: اجْلِسْ يَا عَدُوَّ اللهِ لَسْتَ لِهَذَا الْمَقَامِ بِأَهْلٍ، قَدْ صَنَعْتَ مَا صَنَعْتَ، فَخَرَجَ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ وَهُوَ يَقُولُ وَاللهِ لَكَأَنِّي قُلْتُ هُجْرًا [(٣٣)] أَنْ قُمْتُ أُشَدِّدُ أَمْرَهُ، فَلَقِيَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ بِبَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ: وَيْلَكَ مالك فَقَالَ قُمْتُ أُشَدِّدُ أَمْرَهُ، فَقَامَ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يَجْبِذُونَنِي وَيُعَنِّفُونَنِي كَأَنَّمَا قُلْتُ هُجْرًا، فَقَالَ: وَيْلَكَ ارْجِعْ يَسْتَغْفِرْ لَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقَالَ الْمُنَافِقُ: وَاللهِ مَا أَبْغِي أَنْ يَسْتَغْفِرَ لِي [(٣٤)] .
_________________
(١) [(٣٢)] تفسير القرطبي (٧: ٤٤٥) ط. دار المعارف. [(٣٣)] في سيرة ابن هشام: «بجرا»، والبجر: الشر، والأمر العظيم. [(٣٤)] الخبر في سيرة ابن هشام (٣: ٤٧- ٤٨)، ونقله ابن كثير في «التاريخ» (٤: ٥١- ٥٢) .
[ ٣ / ٣١٨ ]
بَابُ سَرِيَّةِ [(١)] أَبِي سَلَمَةَ [(٢)] ابن عَبْدِ الْأَسَدِ إِلَى قَطَنٍ
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللهِ الْأَصْبَهَانِيُّ، قَالَ:
_________________
(١) [(١)] بعد ان خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى حمراء الأسد غداة يوم أحد يطارد العدوّ ويطلبه، وظل يوقد النار طيلة الليل ثلاثة ايام متتابعة، ليدلّ قريشا على أنه على عزمه وأنه منتظر رجعتهم، وزعزع هذا همة ابي سفيان وقريش، فآثروا ان يعودا ادراجهم ميممين مكة، ورجع محمد ﷺ الى المدينة، وقد استردّ كثيرا من مكانة تزعزعت على أثر أحد. واستمر النبي ﷺ على هذه السياسة، فلما بلغه- بعد شهرين من أحد- أن طليحة وسلمة ابني خويلد، وكانا على رأس بني اسد، يحرّضان قومهما ومن أطاعهما يريدان مهاجمة المدينة، والسير الى محمد ﷺ في عقر دار ليصيبوا من أطرافه، وليغنموا من نعم المسلمين التي ترعى الزروع المحيطة بمدينتهم، وإنما شجعهم على ذلك اعتقادهم ان محمدا وأصحابه لا يزالون مضعضعين من اثر احد، فما لبث النبي حين اتصل به الخبر ان دعا اليه أبا سلمة بن عبد الأسد، وعقد له لواء سرية تبلغ عدتها مائة وخمسين منهم: أبو عبيدة بن الجراح، وسعد بن أبي وقاص، وأسيد بن حضير، وأمرهم بالسير ليلا والاستخفاء نهارا، وسلوك طريق غير مطروق، حتى لا يطّلع احد على خبرهم، فيفجئوا العدو بالإغارة عليه على غرة منه، ونفذ أبو سلمة ما أمر به، وأحاط بهم في عماية الصبح، فلم يستطع المشركون ان يثبتوا لهم، وانتصر المسلمون وغنموا كما وجه الرسول ﷺ بعد ذلك سرية عبد الله بن أنيس، يستطلع جلية خبر خالد بن سفيان الهذلي الذي جمع الناس وسار بهم الى المسلمين، وقد انتهى امر خالد بأن قتله أنيس، ومن ثم هدأت بنو لحيان بعد موت زعيمها. [(٢)] هو أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال، السيد الكبير أخو رسول الله ﷺ من الرضاعة،
[ ٣ / ٣١٩ ]
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْجَهْمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَرَجِ قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَاقِدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعِيدٍ الْيَرْبُوعِيُّ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، مِنْ وَلَدِ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الأسد، وَغَيْرِهِ. أَيْضًا، قَالَ: حَدَّثَنِي مِنْ حَدِيثِ هَذِهِ السَّرِيَّةِ، قَالُوا: شَهِدَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ أُحُدًا، وَكَانَ نَازِلًا فِي بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ بِالْعَالِيَةِ حِينَ تَحَوَّلَ مِنْ قُبَاءٍ، وَمَعَهُ زَوْجَتُهُ أُمُّ سَلَمَةَ بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ، فَجُرِحَ بِأُحُدٍ جُرْحًا عَلَى عَضُدِهِ [فَرَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ] [(٣)] فَقَامَ شَهْرًا يُدَاوَى [حَتَّى رَأَى أَنْ قَدْ بَرَأَ]، فَلَمَّا كَانَ هِلَالُ الْمُحَرَّمِ عَلَى رَأْسِ خَمْسَةٍ وَثَلَاثِينَ شَهْرًا مِنَ الْهِجْرَةِ، دَعَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: اخْرُجْ فِي هَذِهِ السَّرِيَّةِ فَقَدِ اسْتَعْمَلْتُكَ عَلَيْهَا، وَعَقَدَ لَهُ لِوَاءً وَقَالَ: سِرْ حَتَّى تَرِدَ أَرْضَ بَنِي أَسَدٍ، فَأَغِرْ عَلَيْهِمْ [قَبْلَ أَنْ تَلَاقَى، عَلَيْكَ جُمُوعُهُمْ]، وَأَوْصَاهُ بِتَقْوَى اللهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا، وَخَرَجَ مَعَهُ فِي تِلْكَ السَّرِيَّةِ خَمْسُونَ وَمِائَةٌ [(٤)] .
وَالَّذِي هَاجَهُ أَنَّ رجلا من طيّء قَدِمَ الْمَدِينَةَ [يُرِيدُ امْرَأَةً ذَاتَ رَحِمٍ بِهِ مِنْ طيء مُتَزَوِّجَةً رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَنَزَلَ عَلَى صِهْرِهِ الَّذِي هُوَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ] [(٥)] فأخبر أَنَّ طُلَيْحَةَ وَسَلَمَةَ ابْنَيْ خُوَيْلِدٍ قَدْ سَارَا فِي
_________________
(١) [()] وابن عمته برة بنت عبد المطلب، واحد السابقين الأولين، هاجر الى الحبشة ثُمَّ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وشهد بدرا وله أولاد صحابة: كعمر، وزينب، وغيرهما، ولما انقضت عدة زوجته ام سلمة تزوّج بِهَا النَّبِيَّ ﷺ، وكانت تقول: من خير من أبي سلمة، وما ظنت ان الله سيخلفها في مصابها، فلما فتح عليها بسيد البشر اغتبطت أيما اغتباط. [(٣)] الزيادة من مغازي الواقدي. [(٤)] في المغازي الزيادة التالية: منهم: أبو سبرة بن ابي رهم وهو أخو أبي سلمة لأمه- امه برة بنت عبد المطلب- وعبد الله بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، وعبد الله بن مخرمة العامري. ومن بني مخزوم: معتب بن الفضل بن حمراء الخزاعي حليف فيهم. وأرقم بن أبي الأرقم من أنفسهم. ومن بني فهر: أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ وسهيل بن بيضاء. ومن الأنصار: أسد بن الحضير، وعباد بن بشر، وأبو نائلة، وأبو عبس، وقتادة بن النعمان، ونضر بن الحارث الظفري، وأبو قتادة، وأبو عياش الزرقي، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ، وخبيب بن يساف، ومن لم يسم لنا. [(٥)] الزيادة من المغازي (١: ٣٤٢) .
[ ٣ / ٣٢٠ ]
قَوْمِهِمَا فِيمَنْ أَطَاعَهُمَا بِدَعْوَتِهِمَا إِلَى حَرْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ [(٦)]، فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَبَا سَلَمَةَ فَخَرَجَ فِي أَصْحَابِهِ وخرج معهم الطائيّ ذليلا [(٧)]، وَسَبَقُوا الْأَخْبَارَ وَانْتَهَوْا إِلَى أَدْنَى [(٨)] قَطَنٍ: مَاءٍ مِنْ مِيَاهِ بَنِي أسد فيجدوا سَرْحًا، فَأَغَارُوا عَلَى سَرْحِهِمْ [فَضَمُّوهُ] وَأَخَذُوا مَمَالِيكَ ثَلَاثَةً وَأَفْلَتَ سَائِرُهُمْ، فَجَاءَ جَمْعُهُمْ فَخَبَّرُوهُمُ [(٩)] الْخَبَرَ، وَحَذَّرُوهُمْ جَمْعَ أَبِي سَلَمَةَ، فَتَفَرَّقَ الْجَمْعُ فِي كُلِّ وَجْهٍ، وَوَرَدَ أَبُو سَلَمَةَ الْمَاءَ فَيَجِدُ الْجَمْعَ قَدْ تَفَرَّقَ، فَعَسْكَرَ وَفَرَّقَ أَصْحَابَهُ فِي طَلَبِ النَّعَمِ وَالشَّاءِ [(١٠)]، فَأَصَابُوا نَعَمًا وَشَاءً وَلَمْ يَلْقَوْا أَحَدًا، فَانْحَدَرَ أَبُو سَلَمَةَ بِذَلِكَ
_________________
(١) [(٦)] جاء بعده في المغازي: يريدون ان يدنوا للمدينة، وقالوا: نسير الى محمد في عقر داره، ونصيب من أطرافه، فإن لهم سرحا يرعى جوانب المدينة، ونخرج على متون الخيل، فقد أربعنا خيلنا، ونخرج على النجائب المخبورة، فإن أصبنا نهبا لم ندرك، وإن لاقينا جمعهم كنا قد أخذنا للحرب عدتها، معنا خيل ولا خيل معهم، ومعنا نجائب أمثال الخيل، والقوم منكوبون قد أوقعت بهم قريش حديثا، فهم لا يستبلون دهرا، ولا يثوب لهم جمع. فقام فيهم رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ قيس ابن الحارث بن عمير، فَقَالَ: يَا قَوْمِ، وَاللهِ ما هذا برأي! ما لنا قبلهم وتر وما هم نهبة لمنتهب، إن دارنا لبعيدة من يثرب وما لنا جمع كجمع قريش. مكثت قريش دهرا تسير في العرب تستنصرها ولهم وتر يطلبونه، ثم ساروا وقد امتطوا الإبل وقادوا الخيل وحملوا السلاح مع العدد الكثير- ثلاثة آلاف مقاتل سوى أتباعهم- وإنما جهدكم ان تخرجوا في ثلاثمائة رجل إن كملوا، فتغررون بأنفسكم وتخرجون من بلدكم، ولا آمن أن تكون الدائرة عليكم. فكاد ذلك أن يشككهم في المسير، وهم على ما هم عليه بعد. فخرج به الرجل الذي من أصحاب رسول الله ﷺ الى النبي ﷺ فأخبره ما أخبر الرجل. [(٧)] في المغازي: فأغذوا السير، ونكبّ بهم عن سنن الطريق، وعارض الطريق وسار بهم ليلا ونهارا. [(٨)]: في (ب) رسمت: «أدنا» . [(٩)] في (ب) فأخبروهم. [(١٠)] في المغازي: «فجعلهم ثلاث فرق- فرقة أقامت معه، وفرقتان أغارتا في ناحيتين شتى، وأوعز إليهما ألا يمعنوا في طلب، وألّا يبيتوا إلا عنده إن سلموا، وأمرهم الا يفترقوا، واستعمل على كل فرقة عاملا منهم، فآبوا إليه جميعا سالمين.
[ ٣ / ٣٢١ ]
كُلِّهِ رَاجِعًا إِلَى الْمَدِينَةِ، وَرَجَعَ مَعَهُ الطَّائِيُّ، فَلَمَّا سَارُوا لَيْلَةً قَالَ أَبُو سَلَمَةَ:
اقْسِمُوا غَنَائِمَكُمْ، فَأَعْطَى أَبُو سَلَمَةَ الطَّائِيُّ الدَّلِيلَ رِضَاهُ مِنَ الْغَنَمِ، ثُمَّ أَخْرَجَ صَفِيًّا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ عَبْدًا، ثُمَّ أَخْرَجَ الْخُمُسَ، ثُمَّ قَسَمَ مَا بَقِيَ بَيْنَ أَصْحَابِهِ، ثُمَّ أَقْبَلُوا حَتَّى دَخَلُوا الْمَدِينَةَ.
قَالَ عُمَرُ بْنُ عُثْمَانَ: فَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ يَرْبُوعٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: كَانَ الَّذِي جَرَحَ أَبِي أَبَا سَلَمَةَ:
أَبُو أُسَامَةَ الْجُشَمِيُّ، فَمَكَثَ شَهْرًا يُدَاوِيهِ فَبَرَأَ فِيمَا نُرَى [(١١)]، وَبَعَثَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْمُحَرَّمِ عَلَى رَأْسِ خَمْسَةٍ وَثَلَاثِينَ شَهْرًا إِلَى قَطَنٍ فَغَابَ بِضْعَ عَشْرَةَ، فَلَمَّا دَخَلَ الْمَدِينَةَ انْتَقَضَ بِهِ جُرْحُهُ، فَمَاتَ لِثَلَاثِ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ.
قَالَ عُمَرُ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ: وَاعْتَدَّتْ أُمِّي حَتَّى حَلَّتْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَدَخَلَ بِهَا فِي لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ شَوَّالٍ، فَكَانَتْ أُمِّي تَقُولُ: مَا بَأْسٌ بِالنِّكَاحِ فِي شَوَّالٍ وَالدُّخُولِ فِيهِ، قَدْ تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي شَوَّالٍ وَأَعْرَسَ بِي فِي شَوَّالٍ قَالَ: وَمَاتَتْ أُمُّ سَلَمَةَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ.
قُلْتُ وَقَدْ قِيلَ مَاتَتْ بَعْدَ ذَلِكَ سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ وَاللهُ أَعْلَمُ [(١٢)] .
_________________
(١) [(١١)] في (ب) رسمت: «نرا» . [(١٢)] الخبر بطوله في مغازي الواقدي (١: ٣٤٠- ٣٤٤)، ونقله عن الواقدي أيضا الحافظ ابن كثير في التاريخ (٤: ٦١- ٦٢) مختصرا.
[ ٣ / ٣٢٢ ]
بَابُ غَزْوَةِ الرَّجِيعِ [(١)] وَمَا ظَهَرَ فِي قِصَّةِ عَاصِمِ بن ثابت ابن أبي الأقلح، وخبيب بن عَدِيٍّ مِنَ الْآثَارِ وَالْأَعْلَامِ
أخبرنا أبو عبد الله الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْأَصْبَهَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْجَهْمِ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَرَجِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَاقِدِيُّ، قَالَ: وَغَزْوَةُ الرَّجِيعِ كَانَتْ فِي صَفَرٍ عَلَى رَأْسِ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ شَهْرًا.
وَالرَّجِيعُ عَلَى سَبْعَةِ أَمْيَالٍ مِنْ عُسْفَانَ.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: فَحَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ يَعْقُوبَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَصْحَابَ الرَّجِيعِ عُيُونًا إِلَى مَكَّةَ لِيُخْبِرُوهُ [خَبَرَ قُرَيْشٍ، فَسَلَكُوا عَلَى النَّجْدِيَّةِ، حَتَّى كَانُوا بِالرَّجِيعِ فَاعْتَرَضَتْ لَهُمْ بَنُو لِحْيَانَ] [(٢)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأَدِيبُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو بكر أحمد ابن إِبْرَاهِيمَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنِي الْهَيْثَمُ الدُّورِيُّ وَحَدَّثَنَا الْمَنِيعِيُّ قَالَ:
حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ (ح) .
_________________
(١) [(١)] لقد ذكرها المصنف بعد بدر وأعادها هنا، وفي هذا البحث انظر المصادر التالية: سيرة ابن هشام (٣: ١٢٠)، والواقدي (١: ٣٥٤)، وطبقات ابن سعد (٢: ٥٥) وصحيح البخاري (٤: ٦٧)، وتاريخ الطبري (٢: ٥٣٨)، وابن حزم (١٧٦)، وعيون الأثر (٢: ٥٦)، والبداية والنهاية (٤: ٦٢)، والنويري (١٧- ١٣٣) . [(٢)] الزيادة من مغازي الواقدي (١: ٣٥٤) .
[ ٣ / ٣٢٣ ]
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيلُ بن محمد بن الفضل ابن مُحَمَّدٍ الْبَيْهَقِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَدِّي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو ثَابِتٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ الْمَدِينِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ أُسَيْدِ بْنِ جَارِيَةَ الثَّقَفِيُّ- حَلِيفٌ لِبَنِي زُهْرَةَ- وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَشَرَةَ [رَهْطٍ] [(٣)] عَيْنًا وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيَّ جَدَّ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَانْطَلَقُوا حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالْهَدَّةِ بَيْنَ عُسْفَانَ وَمَكَّةَ، ذُكِرُوا لِحَيٍّ مِنْ هُذَيْلٍ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو لِحْيَانَ فَنَفَرُوا لَهُمْ بِقَرِيبٍ مِنْ مِائَةِ رَجُلٍ رَامٍ، فَاقْتَصُّوا آثَارَهُمْ حَتَّى وَجَدُوا مَأْكَلَهُمُ التَّمْرَ فِي مَنْزِلٍ نَزَلُوهُ، فَقَالُوا: نَوَى يَثْرِبَ فَاتَّبَعُوا آثَارَهُمْ، فَلَمَّا أَحَسَّ بِهِمْ عاصم وأصحابه لجؤوا إِلَى مَوْضِعٍ، فَأَحَاطَ بِهِمُ الْقَوْمُ، فَقَالُوا لَهُمُ: انْزِلُوا فَأَعْطُوا بِأَيْدِيكُمْ، وَلَكُمُ الْعَهْدُ وَالْمِيثَاقُ أَنْ لَا نَقْتُلَ مِنْكُمْ أَحَدًا، فَقَالَ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ، وَهُوَ أَمِيرُ القوم: أمّا أنا فو الله لَا أَنْزِلُ فِي ذِمَّةِ مُشْرِكٍ [(٤)]، اللهُمَّ أَخْبِرْ عَنَّا نَبِيَّكَ ﷺ فَرَمَوْهُمْ بِالنَّبْلِ فَقَتَلُوا عَاصِمًا فِي سَبْعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَنَزَلَ إِلَيْهِمْ ثَلَاثَةٌ عَلَى الْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ مِنْهُمْ خُبَيْبٌ وَزَيْدُ بْنُ الدِّثِنَّةِ، وَرَجُلٌ آخَرُ، فَلَمَّا اسْتَمْكَنُوا مِنْهُمْ أَطْلَقُوا أَوْتَارَ قِسِيِّهِمْ فَرَبَطُوهُمْ بِهَا، فَقَالَ الرَّجُلُ الثَّالِثُ: هَذَا أَوَّلُ الْغَدْرِ وَاللهِ لَا أَصْحَبُكُمْ إِنَّ لِي بِهَؤُلَاءِ أُسْوَةً يُرِيدُ الْقَتْلَى، فَجَرُّوهُ وَعَالَجُوهُ فَأَبَى أَنْ يَصْحَبَهُمْ، فَقَتَلُوهُ.
وَانْطَلَقُوا بِخُبَيْبٍ وَزَيْدِ بْنِ الدِّثِنَّةِ حتى باغوهما بِمَكَّةَ بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ، فَابْتَاعَ بَنُو الْحَارِثِ بْنِ عَامِرِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ: خُبَيْبًا، وَكَانَ خُبَيْبٌ هُوَ قَتَلَ الْحَارِثَ بْنَ عَامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ يَوْمَ بَدْرٍ، فَلَبِثَ خُبَيْبٌ عِنْدَهُمْ أَسِيرًا، حَتَّى أَجْمَعُوا عَلَى قَتْلِهِ، فَاسْتَعَارَ مِنْ بَعْضِ بَنَاتِ الْحَارِثِ مُوسَى يَسْتَحِدُّ بِهَا لِلْقَتْلِ فَأَعَارَتْهُ،
_________________
(١) [(٣)] ليست في الصحيح. [(٤)] في الصحيح: «كافر» .
[ ٣ / ٣٢٤ ]
فَدَرَجَ بُنِيٌّ لَهَا وَهِيَ غَافِلَةٌ حَتَّى أَتَاهُ، فَوَجَدَتْهُ مُجْلِسَهُ عَلَى فَخِذِهِ وَالْمُوسَى بِيَدِهِ، فَفَزِعَتْ فَزْعَةً عَرَفَهَا خُبَيْبٌ فَقَالَ: أَتَخْشَيْنَ أَنْ أَقْتُلَهُ؟ مَا كُنْتُ لِأَفْعَلَ ذَلِكَ، فَقَالَتْ: وَاللهِ مَا رَأَيْتُ أَسِيرًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ خُبَيْبٍ، وَاللهِ لَقَدْ وَجَدْتُهُ يَأْكُلُ قِطْفًا مِنْ عِنَبٍ وَإِنَّهُ لَمُوثَقٌ بِالْحَدِيدِ، وَمَا بِمَكَّةَ مِنْ ثَمَرَةٍ، فَكَانَتْ تَقُولُ: إِنَّهُ لَرِزْقٌ رَزَقَهُ اللهُ خُبَيْبًا، فَلَمَّا خَرَجُوا بِهِ مِنَ الْحَرَمِ لِيَقْتُلُوهُ فِي الْحَدِّ قَالَ لَهُمْ خُبَيْبٌ: دَعُونِي أَرْكَعُ [(٥)] رَكْعَتَيْنِ، فَتَرَكُوهُ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ: وَاللهِ لَوْلَا أَنْ تَحْسَبُوا أَنَّ مَا بِي جَزَعًا مِنَ الْقَتْلِ لَزِدْتُ، اللهُمَّ أَحْصِهِمْ عَدَدًا، وَاقْتُلْهُمْ بَدَدًا، وَلَا تُبْقِ منهم أحدا.
فَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا عَلَى أَيِّ جَنْبٍ كَانَ وَاللهِ مَصْرَعِي
وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الْإِلَهِ وَإِنْ يشاء يُبَارِكْ فِي أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ
ثُمَّ قَامَ إِلَيْهِ أَبُو سِرْوَعَةَ: عُقْبَةُ بْنُ الْحَارِثِ، فَقَتَلَهُ، وَكَانَ خُبَيْبٌ هُوَ سَنَّ لِكُلِّ مُسْلِمٍ قُتِلَ صَبْرًا: الصَّلَاةَ، وَاسْتَجَابَ اللهُ لِعَاصِمٍ يَوْمَ أُصِيبَ، فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ أُصِيبُوا خَبَرَهُمْ، وَبَعَثَ نَاسٌ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَى عَاصِمِ بْنِ ثَابِتٍ حِينَ حُدِّثُوا أَنَّهُ قُتِلَ لِيُؤْتَوْا مِنْهُ بِشَيْءٍ يُعْرَفُ، وَكَانَ قَتَلَ رَجُلًا مِنْ عُظَمَائِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ، فَبَعَثَ اللهُ﷿- عَلَى عَاصِمٍ مِثْلَ الظُّلَّةِ مِنَ الدَّبْرِ فَحَمَتْهُ مِنْ رُسُلِهِمْ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى أَنْ يَقْطَعُوا مِنْهُ شَيْئًا.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ [(٦)] .
_________________
(١) [(٥)] في الصحيح: «أصلي» . [(٦)] الْبُخَارِيُّ عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ في: ٦٤- كتاب المغازي باب (١٠)، الحديث (٣٩٨٩)، فتح الباري (٧: ٣٠٨- ٣١٠) بطوله، كما أخرجه البخاري أيضا في كتاب الجهاد، باب: هل يستأسر الرجل؟ ومن لم يستأسر، ومن ركع ركعتين عند القتل، عَنْ أَبِي الْيَمَانِ، عَنْ شُعَيْبٍ، وفي التوحيد (باب) ما يذكر في الذات والنعوت وأسامي الله، عن أبي اليمان واعاده البخاري
[ ٣ / ٣٢٥ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ (ح) .
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَتَّابٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ قَالَا: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتِ بْنِ أَبِي الْأَقْلَحِ أَخَا بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَمَرْثَدَ بْنَ أَبِي مَرْثَدٍ فِي أَصْحَابٍ لَهُمَا، مِنْهُمْ: خُبَيْبُ بْنُ عَدِيٍّ أَخُو بَنِي جَحْجَبَا وَزَيْدُ بْنُ الدَّثِنَةِ أَخُو بَيَاضَةَ عَيْنًا إِلَى مَكَّةَ يَتَخَبَّرُونَ خَبَرَ قُرَيْشٍ، فَسَلَكُوا النَّجْدِيَّةَ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالرَّجِيعِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ وَمَنْ أُسِرَ ثُمَّ قِيلَ بِنَحْو مِمَّا رُوِّينَا فِيهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ يَزِيدَانِ وَيُنْقِصَانِ، فَمَا زَادَ عُرْوَةُ قَوْلُ خُبَيْبٍ اللهُمَّ إِنِّي لَا أَنْظُرُ إِلَّا فِي وَجْهِ عَدُوٍّ، اللهُمَّ إِنِّي لَا أَجِدُ رَسُولًا إِلَى رَسُولِكَ ﷺ فَبَلِّغْهُ عَنِّي السَّلَامَ، فَجَاءَ جِبْرِيلُ ﵇ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ ذَلِكَ [(٧)] .
وَفِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ: وزَعَمُوا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ، وَهُوَ جَالِسٌ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ الَّذِي قُتِلَا فِيهِ: وَعَلَيْكُمَا أَوْ عَلَيْكَ السَّلَامُ خُبَيْبٌ قَتَلَتْهُ قُرَيْشٌ وَلَا أَدْرِي أَذَكَرَ زَيْدَ بْنَ الدَّثِنَةِ مَعَهُ أَمْ لَا، قَالَ: وَزَعَمُوا أَنَّهُمْ رَمَوَا ابْنَ الدَّثِنَةِ بِالنَّبْلِ وَأَرَادُوا فِتْنَتَهُ، فَلَمْ يَزْدَدْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَثْبِيتًا.
وَزَادَ عُرْوَةُ وَمُوسَى جَمِيعًا أَنَّهُمْ لَمَّا رَفَعُوا خُبَيْبًا عَلَى الْخَشَبَةِ نَادَوْهُ يُنَاشِدُوهُ أَتُحِبُّ أَنَّ مُحَمَّدًا مَكَانَكَ؟ قَالَ: لَا وَاللهِ الْعَظِيمِ مَا أُحِبُّ أَنْ يَفْدِيَنِي بشوكة
_________________
(١) [()] ايضا في المغازي عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُوسَى، وأخرجه ابو داود في الجهاد، باب في الرجل يستأسر. عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عن الزهري، وعن أبي اليمان بإسناده. [(٧)] الخبر في سيرة ابن هشام (٣: ١٢٠)، ونقله ابن كثير في التاريخ (٤: ٦٢- ٦٣) .
[ ٣ / ٣٢٦ ]
يُشَاكُهَا فِي قَدَمَيْهِ فَضَحِكُوا مِنْهُ وَزَادَ أَبْيَاتًا قَالَهَا وَنَحْنُ نَذْكُرُهَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ إِنْ شَاءَ اللهُ [(٨)] .
قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ: وَيُقَالُ كَانَ أَصْحَابُ الرَّجِيعِ سِتَّةَ نَفَرٍ، مِنْهُمْ:
عَاصِمُ بن ثابت بن أبي الأقلح، وخبيب بن عدي، وزيد بن الدثنة الْبَيَاضِيُّ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ طَارِقٍ حَلِيفٌ لِبَنِي ظَفَرٍ، وَخَالِدُ بْنُ الْبُكَيْرِ اللَّيْثِيُّ، ومرثد بْنُ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيُّ حَلِيفُ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمْ أَنَّ نَفَرًا مِنْ عَضَلٍ وَالْقَارَةِ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالُوا إِنَّ فِينَا مُسْلِمِينَ فَابْعَثْ مَعَنَا نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِكَ يُفَقِّهُونَنَا، فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَعَهُمْ حَتَّى نَزَلُوا بِالرَّجِيعِ اسْتَصْرَخُوا عَلَيْهِمْ هُذَيْلًا فَلَمْ يَرُعِ الْقَوْمُ إِلَّا وَالْقَوْمُ مُصَلِّتُونَ عَلَيْهِمْ بِالسُّيوفِ وَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ، فَلَمَّا رَأَوْهُمْ أَخَذُوا سُيُوفَهُمْ، فَقَالَتْ هُذَيْلٌ: إِنَّا لَا نُرِيدُ قِتَالَكُمْ، فَأَعْطَوْهُمْ عَهْدًا وَمِيثَاقًا لَا يُرِيبُونَهُمْ، فَاسْتَسْلَمَ لَهُمْ خُبَيْبُ بْنُ عَدِيٍّ، وزيد بن الدثنة وَعَبْدُ اللهِ بْنُ طَارِقٍ، وَلَمْ يَسْتَسْلِمْ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ، وَلَا خَالِدُ بْنُ الْبُكَيْرِ، وَلَا مَرْثَدُ بْنُ أَبِي مَرْثَدٍ، وَلَكِنْ قَاتَلُوهُمْ حَتَّى قُتِلُوا، وَخَرَجَتْ هُذَيْلٌ بالثلاثة الذين استلموا لَهُمْ حَتَّى إِذَا كَانُوا [بمرّ] [(٩)] بالظهران [(١٠)] نَزَعَ عَبْدُ اللهِ بْنُ طَارِقٍ يَدَهُ مِنْ قِرَانِهِ [(١١)] ثُمَّ أَخَذَ سَيْفًا فَرَمَوْهُ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى قَتَلُوهُ، وَقَدِمُوا بِخُبَيْبِ بْنِ عَدِيٍّ، وَزَيْدِ بْنِ الدَّثِنَةِ مَكَّةَ، فَأَمَّا خُبَيْبٌ فَابْتَاعَهُ آلُ حُجَيْرِ بْنِ أَبِي إِهَابٍ فَقَتَلُوهُ بِالْحَارِثِ بْنِ عَامِرٍ وَابْتَاعَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ: زَيْدَ بْنَ الدَّثِنَةِ فَقَتَلَهُ بِأَبِيهِ، قَتَلَهُ نِسْطَاسٌ مَوْلَاهُ قَالَ: وَزَعَمُوا أَنَّ عَمْرَو بْنَ أميّة دفن خبيبا [(١٢)] .
_________________
(١) [(٨)] ستأتي بعد الخبر التالي. [(٩)] الزيادة من الدّرر في اختصار المغازي والسّير لابن عبد البر! وهي مختصرة مِنْ مَغَازِي مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ التي ينقل عنها المصنف. [(١٠)] (مر الظهران) واد قرب مكة. [(١١)] (القرآن) القيد. [(١٢)] الخبر في الدّرر لابن عبد البر مختصرا صفحة (١٥٩- ١٦١) .
[ ٣ / ٣٢٧ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ: أَنَّ نَفَرًا مِنْ عَضَلٍ وَالْقَارَةِ، قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ بَعْدَ أُحُدٍ، فَقَالُوا: إِنَّ فِينَا إِسْلَامًا فَابْعَثْ مَعَنَا نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِكَ يُفَقِّهُونَنَا فِي الدِّينِ، وَيُقْرِؤُنَنَا الْقُرْآنَ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَعَهُمْ خُبَيْبَ بْنَ عَدِيٍّ، فَذَكَرَهُمْ، وَذَكَرَ قِصَّتَهُمْ بِمَعْنَى مَا ذَكَرَهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ آخِرًا، وَزَادَ، قَالَ: وَقَدْ كَانَتْ هُذَيْلٌ حِينَ قُتِلَ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ أَرَادُوا رَأْسَهُ لِيَبِيعُوهُ مِنْ سُلَافَةَ بِنْتِ سَعْدِ بْنِ الشَّهِيدِ، وَقَدْ كَانَتْ نَذَرَتْ حِينَ أُصِيبَ ابْنَاهَا بِأُحُدٍ: لَئِنْ قَدَرَتْ عَلَى رَأْسِهِ لَتَشْرَبَنَّ فِي قَحْفِهِ الْخَمْرَ فَمَنَعَتْهُمُ الدَّبْرُ [(١٣)] فَلَمَّا حَالَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ، قَالُوا: دَعُوهُ حَتَّى يُمْسِ فَتَذْهَبَ عَنْهُ فَنَأْخُذَهُ، فَبَعَثَ اللهُ الْوَادِيَ فَاحْتَمَلَ عَاصِمًا، فَذَهَبَ بِهِ وَقَدْ كَانَ عَاصِمٌ أَعْطَى اللهَ عَهْدًا لَا يَمَسُّ مُشْرِكًا وَلَا يَمَسُّهُ مُشْرِكٌ أَبَدًا فِي حَيَاتِهِ، فَمَنَعَهُ اللهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ مِمَّا امْتَنَعَ مِنْهُ فِي حَيَاتِهِ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ يَقُولُ: يَحْفَظُ اللهُ ﷿ الْمُؤْمِنَ فَمَنَعَهُ اللهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ مِمَّا امْتَنَعَ منهم فِي حَيَاتِهِ [(١٤)] .
وَبِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: وَقَالَ خُبَيْبٌ عِنْدَ صَلْبِ الْمُشْرِكِينَ إياه:
لَقَدْ جَمَّعَ الْأَحْزَابُ حَوْلِي وَأَلَّبُوا قَبَائِلَهُمْ وَاسْتَجْمَعُوا كُلَّ مَجْمَعِ [(١٥)]
وَكُلُّهُمُ مُبْدِي الْعَدَاوَةِ جَاهِدٌ عَلَيَّ لِأَنِّي فِي وَثَاقٍ مضيّع [(١٦)]
_________________
(١) [(١٣)] (الدّبر): النحل. [(١٤)] الخبر أورده ابن هشام في السيرة مطولا (٣: ١٢٠- ١٢٧) . [(١٥)] ألبوا- بتشديد اللام- معناه جمعوا، تقول: ألبت القوم على فلان إذا جمعتهم عليه وحضضتهم وحرشتهم به، فتألبوا، أي اجتمعوا، ومجمع- أي في آخر البيت- مكان الاجتماع، وانتصب كل على الظرفية. [(١٦)] مبدى العداوة: مظهرها، وجاهد: مجتهد في إيذائه، والوثائق ما يربط به الأسير.
[ ٣ / ٣٢٨ ]
وَقَدْ جَمَعُوا أَبْنَاءَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ وَقُرِّبْتُ مِنْ جِذْعٍ طَوِيلٍ مُمَنَّعِ
إِلَى اللهِ أَشْكُو غُرْبَتِي ثُمَّ كُرْبَتِي وَمَا أَرْصَدَ الْأَحْزَابُ لِي عِنْدَ مَصْرَعِي [(١٧)]
فَذَا الْعَرْشِ صَبِّرْنِي عَلَى مَا يُرَادُ بِي فَقَدْ بَضَعُوا لَحْمِي وَقَدْ يَاسَ مَطْمَعِي [(١٨)]
وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الْإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْو مُمَزَّعِ [(١٩)]
وَقَدْ خَيَّرُونِي الْكُفْرَ وَالْمَوْتُ دُونَهُ وَقَدْ هَمَلَتْ عَيْنَايَ مِنْ غَيْرِ مَجْزَعِ [(٢٠)]
وَمَا بِي حِذَارُ الْمَوْتِ إِنِّي لَمَيِّتٌ وَلَكِنْ حِذَارِي جحم نار ملفّع [(٢١)]
فو الله مَا أَرْجُو إِذَا مِتُّ مُسْلِمًا عَلَى أَيِّ جَنْبٍ كَانَ فِي اللهِ مَصْرَعِي [(٢٢)]
فَلَسْتُ بِمُبْدٍ لِلْعَدُوِّ تَخَشُّعًا وَلَا جَزَعًا إِنِّي إِلَى اللهِ مَرْجِعِي [(٢٣)]
قَالَ: وَجَعَلَ عَاصِمٌ يَحْمِلُ عَلَيْهِمْ وَيُزَمْجِرُ، وهو يقول [(٢٤)]:
مَا عِلَّتِي وَأَنَا جَلْدٌ نَابِلُ وَالْقَوْسُ فِيهَا وَتَرٌ عنابل [(٢٥)]
_________________
(١) [(١٧)] أرصد: اعد وهيأ، والأحزاب: الجماعات، واحدهم حزب، ومصرعي: المكان اصرع فيه: اي اقتل. [(١٨)] بضعوا: قطعوا، والبضعة من اللحم: القطعة منه، وقوله «ياس» معناه يئس [(١٩)] الأوصال: المفاصل او مجتمع العظام، والشلو- بكسر الشين وسكون اللام- البقية، والممزع: المقطع. [(٢٠)] هملت عيناي: سال دمعها، والمجزع: مصدر ميمي بمعنى الجزع، وهو الخوف. [(٢١)] الجحم: الملتهب المتقد، ومنه سميت النار جحيما، والملفع: المشتمل ومنه قولهم: تلفع بثوبه، إذا اشتمل به. [(٢٢)] يروي في مكان صدر هذا البيت قوله «ولست أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا» وأرجو في هذا الموضع بمعنى أخاف، وقد حمل كثير من المفسرين على ذلك قول الله تعالى: ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقارًا اي: لا تخافون. [(٢٣)] تخشعا: تذللا، ومنه قول شاعر الحماسة. فلا تحسبي أني تخشعت بعدكم لشيء ولا أني من القيد أفرق ومرجعي: مصدر ميمي بمعنى الرجوع. [(٢٤)] والخبر والأبيات في سيرة ابن هشام (٣: ١٢١) . [(٢٥)] [النابل: صاحب النبل، ويروي في مكانه «بازل» ومعناه قوي شديد، وعنابل: غليظ شديد.
[ ٣ / ٣٢٩ ]
تَزِلُّ عَنْ صَفْحَتِهَا الْمَعَابِلُ الْمَوْتُ حَقٌّ وَالْحَيَاةُ بَاطِلُ [(٢٦)]
وَكُلُّ مَا حَمَّ الْإِلَهُ نَازِلُ بِالْمَرْءِ وَالْمَرْءُ إِلَيْهِ آئِلُ [(٢٧)]
إِنْ لَمْ أُقَاتِلْكُمْ فَأُمِّي هَابِلُ [(٢٨)]
وَزَادَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ:
تَرْأَسُ الْقَوْمَ وَلَا يُقَاتِلُ.
ثُمَّ ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ أَبْيَاتًا قَالَهَا حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ فِي حَدِيثِهِمْ وفيها كثرة [(٢٩)] .
_________________
(١) [(٢٦)] المعابل: جمع معبلة، وهو نصل عريض طويل. [(٢٧)] حم الإله: قدره، وهو ههنا مبنى للمعلوم كما هو في قول الشاعر: وليس لأمر حمه الله راجع وآئل: اسم فاعل من آل الشيء يؤول، بمعنى رجع يرجع. [(٢٨)] هابل، فاقد وثاكل، تقول: هبلته امه اي ثكلته وفقدته، يدعو على نفسه بالموت ان لم يقاتلهم] . [(٢٩)] منها قول حسّان: ما بال عينيك لا ترقا مدامعها سحّا على الصّدر مثل اللّؤلؤ القلق على خبيب فتى الفتيان قد علموا لا فشل حين تلقاه ولا نزق فاذهب خبيب جزاك الله طيّبة وجنّة الخلد عند الحور في الرّفق ماذا تقولون إن قال النّبيّ لكم حين الملائكة الأبرار في الأفق فيم قتلتم شهيد الله في رجل طاغ قد اوعث في البلدان والرّفق قال ابن هشام: ويروي «الطرق» وتركنا ما بقي منها لأنه اقذع فيها. قصيدة اخرى لحسان يرثي فيها خبيبا: قال ابن إسحاق: وقال حسان (بن ثابت) أيضا يبكي خبيبا: يا عين جودي بدمع منك منسكب وابكي خبيبا مع الفتيان لم يؤب صقرا توسّط في الأنصار منصبه سمح السّجيّة محضا غير مؤتثب قد هاج عيني على علّات عبرتها إذ قيل نصّ إلى جذع من الخشب يا أيّها الرّاكب الغادي لطيّته أبلغ لديك وعيدا ليس بالكذب بني كهينة إنّ الحرب قد لقحت محلوبها الصّاب إذ تمرى لمحتلب
[ ٣ / ٣٣٠ ]
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِئُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الْقَاضِي، قَالَ: حدثنا أحمد ابن عِيسَى قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدِ اللهِ الزُّهْرِيَّ أَخْبَرَهُ، عَنْ بُرَيْدَةَ بْنِ سُفْيَانَ الْأَسْلَمِيَّ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتٍ إِلَى بَنِي لِحْيَانَ بِالرَّجِيعِ، فَذَكَرَ قِصَّتَهُمْ وَذَكَرَ فِيهَا فَأَرَادُوا لِيَحْتَزُّوا رَأْسَهُ لِيَذْهَبُوا بِهِ إِلَيْهَا، فَبَعَثَ اللهُ ﷿ رَجُلًا مِنْ دَبْرٍ فَحَمَتْهُ، فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا أَنْ يَحْتَزُّوا رَأْسَهُ.
وَذَكَرَ فِي شَأْنِ خُبَيْبِ بْنِ عَدِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: اللهُمَّ إِنِّي لَا أَجِدُ مَنْ يُبَلِّغُ رَسُولَكَ [(٣٠)] عَنِّي السَّلَامَ، فَبَلِّغْ رَسُولَكَ مِنِّي السَّلَامَ، فَزَعَمُوا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ حِينَئِذٍ:
وَعَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ أَصْحَابُهُ: يَا نَبِيَّ اللهِ! مَنْ؟ قَالَ: أَخُوكُمْ خُبَيْبُ بْنُ عَدِيٍّ يُقْتَلُ، فَلَمَّا رُفِعَ عَلَى الْخَشَبَةِ اسْتَقْبَلَ الدُّعَاءَ،
قَالَ رَجُلٌ: فَلَمَّا رَأَيْتُهُ يَدْعُوا أَلْبَدْتُ بِالْأَرْضِ، فَلَمْ يَحُلِ الْحَوْلُ وَمِنْهُمْ أَحَدٌ غَيْرَ ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي أَلْبَدَ بِالْأَرْضِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مَاوِيَّةَ مَوْلَاةِ جُحَيْرِ بْنِ أَبِي إِهَابٍ قَالَتْ: حُبِسَ خُبَيْبٌ بِمَكَّةَ فِي بَيْتِي فَلَقَدِ اطَّلَعْتُ عَلَيْهِ يَوْمًا وَإِنَّ فِي يَدِهِ لَقِطْفًا مِنْ عِنَبٍ أَعْظَمَ مِنْ رَأْسِهِ يَأْكُلُ مِنْهُ، وَمَا فِي الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ حَبَّةُ عِنَبٍ [(٣١)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ
_________________
(١) [(٣٠)] في هامش (أ): «النبي» . [(٣١)] والخبر في سيرة ابن هشام (٣: ١٢٤) . والبداية والنهاية (٤: ٦٥) .
[ ٣ / ٣٣١ ]
أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ: أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ عَنْ جَدِّهِ وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعَثَهُ عَيْنًا وَحْدَهُ، وَقَالَ: جِئْتُ إِلَى خَشَبَةِ خُبَيْبٍ فَرَقِيتُ فِيهَا وَأَنَا أَتَخَوَّفُ الْعُيُونَ، فَأَطْلَقْتُهُ، فَوَقَعَ بِالْأَرْضِ، ثُمَّ اقْتَحَمْتُ فَانْتَبَذْتُ قَلِيلًا، ثُمَّ الْتَفَتُّ فَكَأَنَّمَا ابْتَلَعَتْهُ الْأَرْضُ [(٣٢)] .
وأَخْبَرَنَا أَبُو زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدِ اللهِ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، فَذَكَرَهُ بِمَعْنَاهُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: فَانْتَبَذْتُ غَيْرَ بَعِيدٍ فَلَمْ أَرَ خُبَيْبًا فَكَأَنَّمَا ابْتَلَعَتْهُ الْأَرْضُ، فَلَمْ يُذْكَرْ لِخُبَيْبٍ رِمَّةٌ حتى السّاعة [(٣٣)] .
_________________
(١) [(٣٢)] البداية والنهاية (٤: ٦٧) . [(٣٣)] ونقله الحافظ ابن كثير عن المصنف، في «البداية والنهاية» (٤: ٦٧) .
[ ٣ / ٣٣٢ ]
بَابُ سَرِيَّةِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ إِلَى أَبِي سفيان ابن حَرْبٍ حِينَ عَرَفَ مَا كَانَ هَمَّ بِهِ مِنِ اغْتِيَالِهِ
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بُطَّةَ الْأَصْبَهَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْجَهْمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَرَجِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَاقِدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ، قَالَ: وحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ أَبِي عَوْنٍ، وَزَادَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ قَالَ: كَانَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ قَدْ قَالَ لِنَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ: مَا أَحَدٌ يَغْتَالُ مُحَمَّدًا فَإِنَّهُ يَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ فَنُدْرِكُ ثَأْرَنَا، فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ فَدَخَلَ عَلَيْهِ مَنْزِلَهُ، وَقَالَ لَهُ: إِنْ أَنْتَ قَوَّيْتَنِي [(١)] خَرَجْتُ إِلَيْهِ حَتَّى أَغْتَالَهُ فَإِنِّي هَادٍ بِالطَّرِيقِ خِرِّيتٌ، وَمَعِي خِنْجَرٌ مِثْلُ خَافِيَةِ النَّسْرِ، قَالَ: أَنْتَ صَاحِبُنَا فَأَعْطَاهُ بَعِيرًا وَنَفَقَةً، وَقَالَ: اطْوِ أَمْرَكَ فَإِنِّي لَا آمَنُ أَنْ يَسْمَعَ هَذَا أَحَدٌ فَيُنِمَّهُ إِلَى مُحَمَّدٍ، قَالَ الْعَرَبِيُّ: لَا يَعْلَمُ بِهِ أَحَدٌ.
فَخَرَجَ لَيْلًا عَلَى رَاحِلَتِهِ فَسَارَ خَمْسًا وَصَبَّحَ ظَهْرَ الحرّة، صبح [(٢)] سادسة،
_________________
(١) [(١)] في البداية والنهاية: «ان وفيتني» . [(٢)] في البداية والنهاية «يوم سَادِسَةٍ» .
[ ٣ / ٣٣٣ ]
ثُمَّ أَقْبَلَ يَسْأَلُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتَّى أَتَى الْمُصَلَّى، فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: قَدْ تَوَجَّهَ إِلَى بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، فَخَرَجَ يَقُودُ رَاحِلَتَهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، فَعَقَلَ رَاحِلَتَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ يَؤُمُّ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَوَجَدَهُ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ يُحَدِّثُ فِي مَسْجِدِهِمْ، فَدَخَلَ، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، قَالَ لِأَصْحَابِهِ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ يُرِيدُ غَدْرًا، وَاللهُ حَائِلٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا يُرِيدُ.
فَوَقَفَ، فَقَالَ: أَيُّكُمُ ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَذَهَبَ يَنْحَنِي [(٣)] عَلَى رسول الله ﷺ، كَأَنَّهُ يُسَارُّهُ، فَجَبَذَهُ أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ، وَقَالَ لَهُ: تَنَحَّ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَجَبَذَ بِدَاخِلَةِ إِزَارِهِ، فَإِذَا الْخِنْجَرُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: هَذَا غَادِرٌ، وَسُقِطَ فِي يَدَيِ الْعَرَبِيِّ، وَقَالَ:
دَمِي دَمِي يَا مُحَمَّدُ، وَأَخَذَ أُسَيْدٌ يُلَبِّبُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: اصْدُقْنِي: مَا أَنْتَ؟ وَمَا أَقْدَمَكَ؟ فَإِنْ صَدَقْتَنِي نَفَعَكَ الصِّدْقُ وَإِنْ كَذَبْتَنِي فَقَدْ أُطْلِعْتُ عَلَى مَا هَمَمْتَ بِهِ، قَالَ الْعَرَبِيُّ: فَأَنَا آمِنٌ؟ قَالَ فَأَنْتَ آمِنٌ، فَأَخْبَرَهُ بِخَبَرِ أَبِي سُفْيَانَ وَمَا جَعَلَ لَهُ، فَأَمَرَ بِهِ فَحُبِسَ عِنْدَ أُسَيْدٍ، ثُمَّ دَعَا بِهِ مِنَ الْغَدِ فَقَالَ قَدْ أَمَّنْتُكَ فَاذْهَبْ حَيْثُ شِئْتَ، أَوْ خَيْرٌ لَكَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ. قَالَ: فَإِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّكَ رَسُولُ الله، وَاللهِ يَا مُحَمَّدُ مَا كُنْتُ أَفْرَقُ الرِّجَالَ فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتُكَ فَذَهَبَ عَقْلِي، وَضَعُفَتْ نَفْسِي، ثُمَّ اطَّلَعْتَ عَلَى مَا هَمَمْتُ بِهِ مِمَّا سَبَقْتُ بِهِ الرُّكْبَانَ، وَلَمْ يَعْلَمْهُ أَحَدٌ، فَعَرَفْتُ أَنَّكَ مَمْنُوعٌ، وَأَنَّكَ عَلَى حَقٍّ، وَأَنَّ حِزْبَ أَبِي سُفْيَانَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَبَسَّمُ، وَأَقَامَ أَيَّامًا ثُمَّ اسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ ﷺ فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ فَلَمْ يُسْمَعْ لَهُ بِذِكْرٍ.
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ وَلِسَلَمَةَ بْنِ أَسْلَمَ بْنِ حَرِيشٍ:
_________________
(١) [(٣)] في (أ) «يجثأ»، وفي (ص) و(ح): «يجنأ» .
[ ٣ / ٣٣٤ ]
اخْرُجَا حَتَّى تَأْتِيَا أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ، فَإِنْ أَصَبْتُمَا مِنْهُ غِرَّةً فَاقْتُلَاهُ،
قَالَ عَمْرٌو:
فَخَرَجْتُ أَنَا وَصَاحِبَيَّ حَتَّى أَتَيْنَا بَطْنَ [يَأْجِجَ] [(٤)] فَقَيَّدْنَا بَعِيرَنَا، فَقَالَ لِي صَاحِبِي: يَا عَمْرُو هَلْ لَكَ فِي أَنْ نَأْتِيَ مَكَّةَ وَنَطُوفَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، وَنُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ؟ فَقُلْتُ: إِنِّي أَعْرَفُ بِمَكَّةَ مِنَ الْفَرَسِ الْأَبْلَقِ، وَإِنَّهُمْ إِنْ رَأَوْنِي عَرَفُونِي، وَأَنَا أَعْرِفُ أَهْلَ مَكَّةَ إِنَّهُمْ إِذَا أَمْسَوْا انْفَجَعُوا بِأَفْنِيَتِهِمْ، فَأَبَى أَنْ يُطِيعَنِي، فَأَتَيْنَا مَكَّةَ فَطُفْنَا سَبْعًا [(٥)] وَصَلَّيْنَا رَكْعَتَيْنِ، فَلَمَّا خَرَجْتُ لَقِيَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ فَعَرَفَنِي وَقَالَ: عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ [وا حزناه] [(٦)] فَأَخْبَرَ أَبَاهُ فَنِيدَ بِنَا أَهْلُ مَكَّةَ، فَقَالُوا: مَا جَاءَ عَمْرٌو فِي خَيْرٍ- وَكَانَ عَمْرٌو رَجُلًا فَاتِكًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ- فَحَشَدَ أَهْلُ مَكَّةَ وَتَجَمَّعُوا، وَهَرَبَ عَمْرٌو، وَسَلَمَةُ، وَخَرَجُوا فِي طَلَبِهِمَا، وَاشْتَدُّوا فِي الْجَبَلِ قَالَ عَمْرٌو: فَدَخَلْتُ غَارًا [(٧)] فَتَغَيَّبْتُ عَنْهُمْ، حَتَّى أَصْبَحْتُ وَبَاتُوا يَطْلُبُونَ فِي الْجَبَلِ، وَعَمَّى [(٨)] الله عَلَيْهِمْ طَرِيقَ الْمَدِينَةِ أَنْ يَهْتَدُوا لِرَاحِلَتِنَا [(٩)] فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ ضَحْوَةً [(١٠)] أَقْبَلَ عُثْمَانُ [(١١)] بْنُ مَالِكِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ التَّيْمِيُّ يَخْتَلِي لِفَرَسِهِ حَشِيشًا، فَقُلْتُ لِسَلَمَةَ بْنِ أَسْلَمَ: إِنْ أَبْصَرَنَا أَشْعَرَ بِنَا أَهْلَ مَكَّةَ، وَقَدْ أَقْصَرُوا عَنَّا فَلَمْ يَزَلْ يَدْنُو مِنْ بَابِ الْغَارِ حَتَّى أَشْرَفَ عَلَيْنَا وَخَرَجْتُ فَطَعَنْتُهُ طَعْنَةً تَحْتَ الثَّدْيِ بِخِنْجَرِي فَسَقَطَ وَصَاحَ، وَأَسْمَعَ أَهْلَ مَكَّةَ، فَأَقْبَلُوا بَعْدَ تَفَرُّقِهِمْ، وَدَخَلْتُ الْغَارَ فَقُلْتُ لِصَاحِبِي: لَا تَحَرَّكْ، وَأَقْبَلُوا حَتَّى أَتَوْا عُثْمَانَ
_________________
(١) [(٤)] الزيادة من البداية والنهاية. [(٥)] في الأصول: «أسبوعا» . [(٦)] الزيادة من البداية والنهاية. [(٧)] في تاريخ ابن كثير «فدخلت في غار» . [(٨)] في (أ): «وعم» . [(٩)] في «البداية والنهاية»: «أن يهتدوا له» . [(١٠)] تاريخ ابن كثير: «ضحوة الغد» . [(١١)] في (أ): «عبيد الله بن مالك» .
[ ٣ / ٣٣٥ ]
ابن مَالِكٍ، فَقَالُوا: مَنْ قَتَلَكَ؟ قَالَ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ، قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: قَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِعَمْرٍو خَيْرٌ، وَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُخْبِرَهُمْ بِمَكَانِنَا كَانَ بِآخِرِ رَمَقٍ وَمَاتَ، وَشُغِلُوا عَنْ طَلَبِنَا بِصَاحِبِهِمْ يَحْمِلُونَهُ، فَمَكَثْنَا لَيْلَتَيْنِ فِي مَكَانِنَا، ثُمَّ خَرَجْنَا، فَقَالَ صَاحِبِي: يَا عَمْرُو بْنَ أُمَيَّةَ هَلْ لَكَ فِي خُبَيْبِ بْنِ عَدِيٍّ نُنْزِلُهُ؟ فَقُلْتُ لَهُ:
أَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: هُوَ ذَاكَ مَصْلُوبٌ حَوْلَهُ الْحَرَسُ، فَقُلْتُ: أَمْهِلْنِي وَتَنَحَّ عَنِّي فَإِنْ خَشِيتَ شَيْئًا فَانْجُ إِلَى بَعِيرِكَ فَاقْعُدْ عَلَيْهِ وَأْتِ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَخْبِرْهُ الْخَبَرَ، وَدَعْنِي فَإِنِّي عَالِمٌ بِالْمَدِينَةِ، ثُمَّ اشْتَدَدْتُ [(١٢)] عَلَيْهِ حَتَّى حَلَلْتُهُ فَحَمَلْتُهُ عَلَى ظَهْرِي فَمَا مَشَيْتُ بِهِ إِلَّا عِشْرِينَ ذِرَاعًا حَتَّى اسْتَيْقَظُوا فَخَرَجُوا فِي طَلَبِ أَثَرِي، فَطَرَحْتُ الْخَشَبَةَ، فَمَا أَنْسَى وَقْعَهَا دَبَّ، يَعْنِي صَوْتَهَا ثُمَّ أَهَلْتُ عَلَيْهِ مِنَ التُّرَابِ بِرِجْلِي فَأَخَذْتُ بِهِمْ طَرِيقَ الصَّفْرَاءِ [(١٣)] فَأَعْيَوْا فَرَجَعُوا وَكُنْتُ لَا أُدْرَكُ مَعَ بَقَاءِ نَفَسٍ، فَانْطَلَقَ صَاحِبِي إِلَى الْبَعِيرِ فَرَكِبَهُ، وَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فأخبره، وَأَقْبَلْتُ حَتَّى أَشْرَفْتُ عَلَى الْغَلِيلِ: غَلِيلِ ضَجْنَانَ [(١٤)] فَدَخَلْتُ فِي غَارٍ فِيهِ مَعِي قَوْسٌ وَأَسْهُمٌ وَخِنْجَرٌ، فَبَيْنَا أَنَا فِيهِ إِذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي بَكْرٍ مِنْ بَنِي الدِّئْلِ أَعْوَرُ طَوِيلٌ يَسُوقُ غَنَمًا وَمَعِزَى، فَدَخَلَ عَلَيَّ الْغَارَ، فَقَالَ: مَنِ الرَّجُلُ؟ فَقُلْتُ: مِنْ بَنِي بَكْرٍ، فَقَالَ: وَأَنَا مِنْ بَكْرٍ، ثُمَّ اتَّكَأَ [(١٥)] فَرَفَعَ عَقِيرَتَهُ يَتَغَنَّى يَقُولُ: -
فَلَسْتُ بِمُسْلِمٍ مَا دُمْتُ حَيًّا وَلَسْتُ أَدِينَ دِينَ الْمُسْلِمِينَا
فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: وَاللهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَقْتُلَكَ، فَلَمَّا نَامَ قُمْتُ إِلَيْهِ، فَقَتَلْتُهُ شَرَّ قِتْلَةٍ قتلتها أحد قَطُّ، ثُمَّ خَرَجْتُ حَتَّى هَبَطْتُ، فَلَمَّا أَسْهَلْتُ فِي الطَّرِيقِ إِذَا رَجُلَانِ بَعَثَتْهُمَا قُرَيْشٌ يَتَجَسَّسَانِ الْأَخْبَارَ، فَقُلْتُ: اسْتَأْسِرَا فَأَبَى أَحَدُهُمَا فَرَمَيْتُهُ
_________________
(١) [(١٢)] في البداية والنهاية «فاستدرت» . [(١٣)] (أ): «الصفيراء»، (ص): الصفير» (ح) الصفيرا. [(١٤)] الغليل: منابت الطلح، وضجنان: موضع بعينه. [(١٥)] في (أ) رسمت «اتكى» .
[ ٣ / ٣٣٦ ]
فَقَتَلْتُهُ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ الْآخَرُ اسْتَأْسَرَ فَشَدَدْتُهُ وَثَاقًا، ثُمَّ أَقْبَلْتُ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمَّا قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ رَآنِي صِبْيَانٌ وَهُمْ يَلْعَبُونَ وَسَمِعُوا أَشْيَاخَهُمْ يَقُولُونَ: هَذَا عَمْرٌو، فَاشْتَدَّ الصِّبْيَانُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَخْبَرُوهُ، وَأَتَيْتُهُ بِالرَّجُلِ قَدْ رَبَطْتُ إِبْهَامَيْهِ بِوَتَرِ قَوْسِي، فَلَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَضْحَكُ، ثُمَّ دَعَا لِي بِخَيْرٍ، وَكَانَ قُدُومُ سَلَمَةَ قَبْلَ قُدُومِ عَمْرٍو بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ [(١٦)] .
_________________
(١) [(١٦)] سرد الخبر الطبري في تاريخه (٢: ٥٤٢- ٥٤٥)، ونقله الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية» (٤: ٦٩- ٧١)، وعقب بقوله: «رواه البيهقي، وقد تقدم ان عمرا لما اهبط خبيبا لم ير له رمة ولا جسدا، فلعله دفن مكان سقوطه والله أعلم، وهذه السرية إنما استدركها ابن هشام على بن إسحاق بنحو من سياق الواقدي لها، لكن عنده ان رفيق عمرو بن أمية في هذه السرية: جبار بن صخر. فالله اعلم ولله الحمد» .
[ ٣ / ٣٣٧ ]
بَابُ غَزْوَةِ بِئْرِ مَعُونَةَ [(١)]
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ ﵀ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: فَأَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَقِيَّةَ شَوَّالٍ، وَذَا الْقَعْدَةِ، وَذَا الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمَ، ثُمَّ بَعَثَ أَصْحَابَ بِئْرِ مَعُونَةَ فِي صَفَرٍ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مِنْ أُحُدٍ [(٢)] .
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنَا وَالِدِي إِسْحَاقُ بْنُ يَسَارٍ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، قَالُوا: قَدِمَ أَبُو الْبَرَاءِ: عَامِرُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جَعْفَرٍ مُلَاعِبُ الْأَسِنَّةِ [(٣)] عَلَى رسول الله ﷺ بِالْمَدِينَةِ، فَعَرَضَ عليه الإسلام ودعاه
_________________
(١) [(١)] انظر في غزوة بئر معونة: طبقات ابن سعد (٢: ٥١- ٥٤)، وسيرة ابن هشام (٣: ١٣٧- ١٤٣)، ومغازي الواقدي (١: ٣٣٧- ٣٣٨)، وتاريخ الطبري (٢: ٥٤٥-: ٥٥٠)، وابن حزم، ص (١٧٨)، وعيون الأثر (٢: ٦١)، والبداية والنهاية (٤: ٧١- ٧٤)، والنويري (١٧: ١٣٠) . [(٢)] سيرة ابن هشام (٣: ١٣٦) . [(٣)] هو عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب بن رَبِيعَةُ بْنُ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، وانما سمى ملاعب الاسنة في يوم سوبان، ويوم سوبان هذا كان يوما من ايام جبلة وهي ايام كانت بين قيس وتميم، وجبلة: اسم لهضبة عالية، وكان سبب تسمية عامر ملاعب الأسنة في يوم سوبان ان أخاه طفيل بن مالك
[ ٣ / ٣٣٨ ]
إِلَيْهِ، فَلَمْ يُسْلِمْ وَلَمْ يَبْعُدْ مِنَ الْإِسْلَامِ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ لَوْ بَعَثْتَ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِكَ إِلَى أَهْلِ نَجْدٍ يَدْعُونَهُمْ [(٤)] إِلَى أَمْرِكَ رَجَوْتُ أَنْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إِنِّي أَخْشَى عَلَيْهِمْ أَهْلَ نَجْدٍ، فَقَالَ أَبُو الْبَرَاءِ: أَنَا لَهُمْ جَارٌ فَابْعَثْهُمْ فَلْيَدْعُوا النَّاسَ إِلَى أَمْرِكَ.
فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمُنْذِرَ بْنَ عَمْرٍو الْمُعْنِقُ [(٥)] . لِيَمُوتَ فِي أَرْبَعِينَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ مِنْ خِيَارِ الْمُسْلِمِينَ فِيهِمْ: الْحَارِثُ بْنُ الصِّمَّةِ، وَحَرَامُ بْنُ مِلْحَانَ أَخُو بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ، وَعُرْوَةُ بْنُ أَسْمَاءَ بْنِ الصَّلْتِ السُّلَمِيُّ، وَنَافِعُ بْنُ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيُّ، وَعَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، فِي رِجَالٍ مُسْلِمِينَ مِنْ خِيَارِ الْمُسْلِمِينَ.
فَسَارُوا حَتَّى نَزَلُوا بِئْرَ مَعُونَةَ، وَهِيَ مِنْ أَرْضِ بَنِي عَامِرٍ وحرّة بني سليم، كلى الْبَلَدَيْنِ مِنْهَا قَرِيبٌ، وَهِيَ إِلَى حَرَّةِ بَنِي سُلَيْمٍ أَقْرَبُ، فَلَمَّا نَزَلُوهَا بَعَثُوا حَرَامَ بْنَ مِلْحَانَ بِكِتَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى عَدُوِّ اللهِ: عَامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ، فَلَمَّا أَتَاهُ لَمْ يَنْظُرْ فِي كِتَابِهِ، حَتَّى عَدَا عَلَى الرَّجُلِ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ اسْتَصْرَخَ عَلَيْهِمْ بَنِي عَامِرٍ، فَأَبَوْا أَنْ يُجِيبُوا إِلَى مَا دَعَاهُمْ، وَقَالَ: لَنْ يُخْفِرَ [(٦)] أَبَا بَرَاءٍ، وَقَدْ عقد لهم عقدا
_________________
(١) [()] (وهو الذي يلقب فارس قرزل) كان قد أسلمه في هذا اليوم وفر، فقال في ذلك بعض الشعراء: فررت وأسلمت ابن أمّك عامرا يلاعب أطراف الوشيج المزعزع فسمى ملاعب الرماح وملاعب الأسنة، وكان له اخوة اربعة: أحدهم طفيل فارس قرزل، والآخر ربيعة والدلبيد بن ربيعة وكان يلقب ربيعة المعترين، والثالث عبيدة الوضاح، والرابع معاوية معود الحكماء. [(٤)] سيرة ابن هشام: «فدعوهم» . [(٥)] في (أ): «المنذر المعنق»، وأثبتّ ما في (ص) و(ح)، وفي سيرة ابن هشام «الْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو، أَخُو بَنِي ساعدة المعنق» . والمعنق: المسرع، وإنما لقب المنذر بذلك لأنه اسرع الى الشهادة. [(٦)] لن نخفر: لن ننقض عهده.
[ ٣ / ٣٣٩ ]
وجورا، فَاسْتَصْرَخَ عَلَيْهِمْ قَبَائِلَ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ [مِنْ] عُصَيَّةَ وَرِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَالْقَارَةِ، فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ، فَخَرَجُوا حَتَّى غَشَوَا الْقَوْمَ، فَأَحَاطُوا بِهِمْ فِي رِحَالِهِمْ فَلَمَّا رَأَوْهُمْ أَخَذُوا أَسْيَافَهُمْ ثُمَّ قَاتَلُوا الْقَوْمَ حَتَّى قُتِلُوا عَنْ آخِرِهِمْ، إِلَّا كَعْبَ بْنَ زَيْدٍ أَخَا بَنِي دِينَارِ بْنِ النَّجَّارِ، فَإِنَّهُمْ تَرَكُوهُ وَبِهِ رَمَقٌ فَارْتُثَّ [(٧)] مِنْ بَيْنِ الْقَتْلَى، فَعَاشَ حَتَّى قُتِلَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ.
وَكَانَ فِي سَرْحِ الْقَوْمِ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ، وَرَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَلَمْ يُنْبِئْهُمَا بِمُصَابِ الْقَوْمِ إِلَّا الطَّيْرُ تَحُومُ عَلَى الْمُعَسْكَرِ، فَقَالَا: وَاللهِ إِنَّ لِهَذِهِ الطَّيْرِ لَشَأْنًا، فَأَقْبَلَا لِيَنْظُرَا فَإِذَا الْقَوْمُ فِي دِمَائِهِمْ وَإِذَا الْخَيْلُ الَّتِي أَصَابَتْهُمْ وَاقِفَةٌ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ لِعَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ: مَاذَا تَرَى؟ فَقَالَ: أَرَى أَنْ نَلْحَقَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَنُخْبِرَهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: لَكِنِّي لَمْ أَكُنْ لِأَرْغَبَ بِنَفْسِي عَنْ مَوْطِنٍ قُتِلَ فِيهِ الْمُنْذِرُ بن عمرو، ما كُنْتُ لِأُخْبِرَ [(٨)] عَنْهُ الرِّجَالَ، فَقَاتَلَ الْقَوْمَ حَتَّى قُتِلَ، وَأُخِذَ عَمْرٌو أَسِيرًا، فَلَمَّا أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ مِنْ مُضَرَ أَطْلَقَهُ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ، وَجَزَّ نَاصِيَتَهُ، وَأَعْتَقَهُ عَنْ رَقَبَةٍ كَانَتْ عَلَى أُمِّهِ فِيمَا زَعَمَ، وَخَرَجَ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالْقَرْقَرَةِ مِنْ صَدْرِ قناة، أقبل رَجُلَانِ مِنْ بَنِي عَامِرٍ حَتَّى نَزَلَا فِي ظِلٍّ هُوَ فِيهِ، وَكَانَ مَعَ الْعَامِرِيَّيْنِ عَهْدٌ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَجِوَارٌ، لَمْ يَعْلَمْ بِهِ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ، وَقَدْ سَأَلَهُمَا حِينَ نَزَلَا: مَنْ أَنْتُمَا؟ فَقَالَا: مِنْ بَنِي عَامِرٍ فَأَمْهَلَهُمَا حَتَّى إِذَا نَامَا عَدَا عَلَيْهِمَا فَقَتَلَهُمَا، وَهُوَ يُرَى أَنَّهُ قَدْ أَصَابَ بِهِمَا ثُؤْرَةً [(٩)] مِنْ بَنِي عَامِرٍ بِمَا أَصَابُوا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ،
فلما قدم عمرو ابن أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَقَدْ
_________________
(١) [(٧)] (ارتث) بالبناء للمجهول: رفع وبه جراح، ونقول: ارتث الرجل من معركة الحرب: إذا أخذ منها ولا تزال فيه بقية حياة. [(٨)] في سيرة ابن هشام: «وما كنت لتخبرني عنه الرجال» . [(٩)] في (أ) رسمت «ثأرة»، وثؤرة: اسم في الثأر.
[ ٣ / ٣٤٠ ]
قَتَلْتَ قَتِيلَيْنِ لَأَدِيَنَّهُمَا»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «هَذَا عَمَلُ أَبِي بَرَاءٍ، قَدْ كُنْتُ لِهَذَا كَارِهًا مُتَخَوِّفًا»، فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا بَرَاءٍ فَشَقَّ عَلَيْهِ إِخْفَارُ عَامِرٍ إِيَّاهُ، وَمَا أَصَابَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِسَبَبِهِ وَجِوَارِهِ، وَكَانَ فِيمَنْ أُصِيبَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ [(١٠)] .
وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ أَبْيَاتًا [(١١)] فِي إِخْفَارِ عَامِرٍ أَبَا بَرَاءٍ فَحَمَلَ رَبِيعَةُ بْنُ عامر ابن مَالِكٍ عَلَى عَامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ فَطَعَنَهُ فِي فَخِذِهِ فَأَشْوَاهُ [(١٢)] فَوَقَعَ مِنْ فَرَسِهِ وَقَالَ هَذَا عَمَلُ أَبِي بَرَاءٍ إِنْ أَمُتْ فَدَمِي لِعَمِّي فَلَا يُتْبَعَنْ بِهِ، وَإِنْ أَعِشْ فَسَأَرَى رَأْيِي [(١٣)] .
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَتَّابٍ قَالَ:
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ عَمِّهِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ قَالَ: وَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ
_________________
(١) [(١٠)] تابع ابن إسحاق فقال: [(١١)] سردها ابن هشام في السيرة، وهي: بني أمّ البنين ألم يرعكم وأنتم من ذوائب أهل نجد تهكّم عامر بأبي براء ليخفره وما خطأ كعمد ألا أبلغ ربيعة ذا المساعي فما أحدثت في الحدثان بعدي أبوك أبو الحروب أبو براء وخالك ماجد حكم بن سعد [(١٢)] أشواه: اخطأ مقتله، وفي بعض الروايات: فلما اتى ربيعة شعر حسان أتى النبي ﷺ، فَقَالَ: يَا رسول الله، هل يغسل عن أبي هذه الغدرة ضربة اضربها عامرا او اطعنه؟ فقال له «نعم» فذهب فضرب عامرا ضربة فأشواه، فوثب عليه قومه فأخذوه وقالوا لعامر: اقتص فأخرجه من الحي، ثم حفر بئرا وقال: اشهدوا اني قد جعلت ديته في هذه البئر. ثم رد فيها ترابها، وعامر ابن الطفيل العامري هو ابن أخي أبي براء ملاعب الأسنة، كما نقله الزرقاني (ج ٢ ص ٨٧) وقال ابن حجر في الاصابة: «لم أجد من ذكر ربيعة بن أبي براء في الصحابة الا ما تفيده هذه القصة، ورأيت له رواية عن أبي الدرداء» فكأنه عمر في الإسلام» اهـ. [(١٣)] الخبر في سيرة ابن هشام (٣: ١٣٩- ١٤٠) ونقله ابن عبد البر في الدرر ص (١٦٢- ١٦٤) .
[ ٣ / ٣٤١ ]
سَرِيَّةً قِبَلَ أَرْضِ بَنِي سُلَيْمٍ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ بِئْرُ مَعُونَةَ قَالَ أَمِيرُهُمْ يَوْمَئِذٍ: الْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو أَخُو بَنِي سَاعِدَةَ، وَيُقَالُ: أَمِيرُهُمْ مَرْثَدُ بْنُ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيُّ،
حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ بَعَثُوا حَرَامَ بْنَ مِلْحَانَ إِلَيْهِمْ بِكِتَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِيَقْرَأَهُ عَلَيْهِمْ، فَلَقِيَهُ عَامِرُ بْنُ مَالِكٍ أَخُو بَنِي عَامِرٍ، فَأَجَارَهُ حَتَّى يَقْرَأَ عَلَيْهِمْ كِتَابَ رسول الله ﷺ، فَلَمَّا أَتَاهُ انْتَحَى لَهُ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ قَالَ: وَاللهِ مَا أَقْتُلُ هَذَا وَحْدَهُ، فَاتَّبَعُوا أَثَرَهُ حَتَّى وَجَدُوا الْقَوْمَ مُقْبِلِينَ هُمْ وَالْمُنْذِرُ، فَقَالُوا: إِنْ شِئْتَ آمَنَّاكَ فَقَالَ: لَنْ أُعْطِيَكُمْ بِيَدِي، وَلَكِنْ أَقْتُلَ أُمَّهَاتِكُمْ إِلَّا أَنْ تُؤَمِّنُونِي حَتَّى آتِيَ مَقْتَلَ حَرَامِ بْنِ مِلْحَانَ، ثُمَّ أَبْرَأَ مِنْ جِوَارِكُمْ، فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أعتق لِيَمُوتَ، فَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ لَمْ يُوجَدْ جَسَدُ عَامِرِ بْنِ فُهَيْرَةَ يَرَوْنَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ هِيَ وَارَتْهُ.
قَالَ مُوسَى: وَعُرْوَةُ بْنُ الصَّلْتِ عَرَضَ عَلَيْهِ الْأَمَانَ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهُ فَقَتَلُوهُ.
وَارْتُثَّ فِي الْقَتْلَى كَعْبُ بْنُ زَيْدٍ فَقُتِلَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَكَانَ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ فِي سَرْحِ الْقَوْمِ، فَأَخَذَهُ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ فَأَعْتَقَهُ وَقَالَ لَهُ: ارْجِعْ إِلَى صَاحِبِكَ فَحَدِّثْهُ، فَرَجَعَ عَمْرٌو إِلَى رَسُولِ الله فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ.
وَكَانَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ مِنْ سَرِيَّةِ الْمُنْذِرِ بْنِ عَمْرٍو تَخَلَّفُوا عَلَى ضَالَّةٍ يَبْتَغُونَهَا فَإِذَا الطَّيْرُ تَرْمِيهِمْ بِالْعَلَقِ [(١٤)] فَقَالُوا: قُتِلَ وَاللهِ أَصْحَابُنَا إِنَّا لَنَعْلَمُ مَا كَانُوا لِيَقْتُلُوا عَامِرًا وَبَنِي سُلَيْمٍ وَلَكِنَّ إِخْوَانَنَا هُمُ الَّذِي قُتِلُوا، فَمَاذَا تَأْمُرُونَ؟ قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَلَا أَرْغَبُ بِنَفْسِي عَنْهُمْ، فَانْطَلَقَ نَحْوَهُمْ فَقُتِلَ، وَأَمَّا الْآخَرَانِ فَأَقْبَلَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلَمَّا كَانَا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ لَقِيَا رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي كِلَابٍ كَافِرَيْنِ قَدْ كَانَا وَصَلَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِعَهْدٍ، فَنَزَلُوا مَنْزِلًا وَاحِدًا، فَلَمَّا نَامَ الْكِلَابِيَّانِ قَتَلَاهُمَا وَلَمْ يَعْلَمَا أَنَّ لَهُمَا عَهْدًا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
_________________
(١) [(١٤)] (علق الدم): قطعه المتجمدة.
[ ٣ / ٣٤٢ ]
قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ: وَكَانَ ابْنُ شِهَابٍ يَقُولُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ السُّلَمِيُّ، وَرِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ عَامِرَ بْنَ مَالِكِ بْنِ جَعْفَرٍ الَّذِي يُدْعَى مُلَاعِبَ الْأَسِنَّةِ، قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ مُشْرِكٌ فَعَرَضَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْإِسْلَامَ فَأَبَى أَنْ يُسْلِمَ وَأَهْدَى لِرَسُولِ اللهِ ﷺ هَدِيَّةً، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إِنِّي لَا أَقْبَلُ هديّة مشرك، وقَالَ عَامِرُ بْنُ مَالِكٍ: يَا رَسُولَ اللهِ ابْعَثْ مَعِي مَنْ شِئْتَ مِنْ رُسُلِكَ فَأَنَا لَهُمْ جَارٌ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَهْطًا فِيهِمُ الْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو السَّاعِدِيُّ، وَهُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ أعتق لِيَمُوتَ عَيْنًا لَهُ فِي أَهْلِ نَجْدٍ، فَسَمِعَ بِهِمْ عامر بن الطفيل، فاستقر بَنِي عَامِرٍ فَأَبَوْا أَنْ يطيعوه، وأبو أَنْ يُخْفِرُوا عَامِرَ بْنَ مَالِكٍ، فَاسْتَنْفَرَ لَهُمْ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ بَنِي سُلَيْمٍ فَنَفَرُوا مَعَهُ، فَقَتَلُوهُمْ بِبِئْرِ مَعُونَةَ، غَيْرَ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ أَخَذَهُ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ فَأَرْسَلَهُ، فَلَمَّا قَدِمَ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «آمِنْ بَيْنَهُمْ»، فَلَمَّا قَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ فِي تَخْفِيرِ عَامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ مَا قَالَ مِنَ الشِّعْرِ طَعَنَهُ- زَعَمُوا- رَبِيعَةُ بْنُ عَامِرِ بْنِ مَالِكٍ: عَامِرَ بْنَ الطُّفَيْلِ فِي تَخْفِيرِهِ عَامِرَ بْنَ مَالِكٍ فِي فَخِذِهِ طَعْنَةً [(١٥)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سِخْتَوَيْهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ بُطَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ: أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ: «أَنَّ نَاسًا جَاءُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا: ابْعَثْ [(١٦)] مَعَنَا رِجَالًا يُعَلِّمُونَنَا الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ سَبْعِينَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُمُ الْقُرَّاءُ، وفيهم خالي حرام يقرؤون القرآن ويتدارسون
_________________
(١) [(١٥)] ذكره ابن عبد البر عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ مختصرا في «الدرر في اختصار المغازي والسير» ص ١٦١، وقال: «سياق ابن إسحاق لخبرهم احسن وأبين»، ثم ساق الخبر عن ابن إسحاق كما مرّ آنفا. [(١٦)] في صحيح مسلم: «ان ابعث معناه» .
[ ٣ / ٣٤٣ ]
بِاللَّيْلِ، وَيَتَعَلَّمُونَ. وَكَانُوا بِالنَّهَارِ يَجِيئُونَ بِالْمَاءِ فَيَضَعُونَهُ بِالْمَسْجِدِ، ويحتطبون فيبيعونه ويسترون بِهِ الطَّعَامَ لِأَهْلِ الصُّفَّةِ [(١٧)]، فَبَعَثَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَيْهِمْ فَتَعَرَّضُوا لَهُمْ فَقَتَلُوهُمْ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغُوا الْمَكَانَ، قَالُوا: اللهُمَّ بَلِّغْ عَنَّا نَبِيَّنَا أن قَدْ لَقِينَاكَ فَرَضِينَا عَنْكَ وَرَضِيتَ عَنَّا.
قَالَ: وَأَتَى رَجُلٌ خَالِي حَرَامًا خَلْفَهُ فَطَعَنَهُ بِالرُّمْحِ حَتَّى أَنْفَذَهُ، فَقَالَ حَرَامٌ: فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: «إِنَّ إِخْوَانَكُمْ قَدْ قُتِلُوا»، وقَالُوا: اللهُمَّ بَلِّغْ عَنَّا نَبِيَّنَا أَنَّا قَدْ لَقِينَاكَ فَرَضِينَا عَنْكَ وَرَضِيتَ عَنَّا» .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَاتِمٍ، عَنْ عَفَّانَ [(١٨)] .
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَنَزِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَحْبُوبُ بْنُ مُوسَى، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، يَقُولُ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: إِيَّاكُمْ وَهَذِهِ الشَّهَادَاتِ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ قُتِلَ فُلَانٌ شَهِيدًا فَإِنَّ الرَّجُلَ يُقَاتِلُ حَمِيَّةً، وَيُقَاتِلُ فِي طَلَبِ الدنيا، ويقاتل وهو جريء الصَّدْرِ، وَلَكِنْ سَأُحَدِّثُكُمْ عَلَى مَا تَشْهَدُونَ:
إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ سَرِيَّةً ذَاتَ يَوْمٍ، فَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى قَامَ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ:
إِنَّ إِخْوَانَكُمْ قَدْ لَقُوا الْمُشْرِكِينَ وَاقْتَطَعُوهُمْ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَإِنَّهُمْ قَالُوا:
رَبَّنَا بَلِّغْ قَوْمَنَا أَنَّا قَدْ رَضِينَا وَرَضِيَ عَنَّا رَبُّنَا، فَأَنَا رَسُولُهُمْ إِلَيْكُمْ: إِنَّهُمْ قَدْ رَضُوا ورضي عنهم
[(١٩)] .
_________________
(١) [(١٧)] صحيح مسلم: «لأهل الصفة وللفقراء» . [(١٨)] مُسْلِمٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حاتم، عن عفّان في: ٣٣- كتاب الإمارة (٤١) باب ثبوت الجنة. للشهيد، الحديث (١٤٧)، ص (١٥١١) . [(١٩)] ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٦: ١٣٠) مختصرا، وقال: «رواه الطبراني وفيه عطاء بن السائب وقد اختلط» .
[ ٣ / ٣٤٤ ]
بَابُ مَا وَجَدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى مَنِ قُتِلَ بِبِئْرِ مَعُونَةَ وَدُعَائِهِ عَلَى قَتَلَتِهِمْ وَمَا أَنْزَلَ اللهُ ﷿ فِي شَأْنِهِمْ، وَمَا ظَهَرَ مِنَ الْآثَارِ فِي عَامِرِ بْنِ فُهَيْرَةَ ﵁.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ: عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ رَجَاءٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ (ح) .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدُوسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ [بْنِ أَبِي طَلْحَةَ] [(١)]، قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ خَالَهُ [(٢)]، وَكَانَ اسْمُهُ حَرَامًا [(٣)] أَخًا لِأُمِّ سُلَيْمٍ [(٤)] فِي سَبْعِينَ
_________________
(١) [(١)] الزيادة من صحيح البخاري. [(٢)] اي بعث خال أنس، الضمير لأنس. [(٣)] حرام بن ملحان الأنصاري، شهد بدرا. مع أخيه سليم بن ملحان، وشهد أحدا. [(٤)] ويروى «أخ لأم سليم» اي هو أخ لأم سليم، فيكون ارتفاعه على انه خبر مبتدأ محذوف، اما هنا فقد جاءت الرواية بالنصب «أخا لأم سليم» على انه بدل من قوله: «خاله» الذي هو مفعول بعث، وأم سلم بضم السين بنت ملحان كانت تحت مالك بن النضر أبو أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ فِي الجاهلية، فولدت له انس بن مالك، فلما جاء الإسلام أسلمت مع قومها، وعرضت الإسلام على زوجها فغضب عليها وخرج إلى الشام، فهلك هناك، ثُمَّ خَلَفَ عَلَيْهَا: أَبُو طلحة الأنصاري
[ ٣ / ٣٤٥ ]
رَجُلًا [(٥)] فَقُتِلُوا يَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ، وَكَانَ رَئِيسَ الْمُشْرِكِينَ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ، وَكَانَ أتى النبي ﷺ، فَقَالَ: أُخَيِّرُكَ بَيْنَ ثَلَاثِ خِصَالٍ: أَنْ يَكُونَ لك أهل السهل [(٦)] وَلِي أَهْلُ الْمَدَرِ [(٧)] أَوْ أَكُونَ خَلِيفَتَكَ مِنْ بَعْدِكَ، أو أغزوك بغطفان بألف أَشْقَرَ وَأَلْفِ شَقْرَاءَ، قَالَ: فَطُعِنَ [(٨)] فِي بَيْتِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي فُلَانٍ، فَقَالَ:
غُدَّةٌ كَغُدَّةِ الْبَكْرِ [(٩)] فِي بَيْتِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي فُلَانٍ [(١٠)]، ائْتُونِي بِفَرَسِي، فَرَكِبَهُ فَمَاتَ عَلَى ظَهْرِ فَرَسِهِ، قَالَ: فَانْطَلَقَ حَرَامٌ أَخُو أُمِّ سُلَيْمٍ وَرَجُلَانِ مَعَهُ: رَجُلٌ أَعْرَجُ [(١١)]، وَرَجُلٌ مِنْ بَنِي فُلَانٍ [(١٢)] قَالَ: كُونَا قَرِيبًا مِنِّي حَتَّى آتِيَهُمْ فإن أمنوني
_________________
(١) [(،)] وقال ابن عبد البر: «اختلف في اسم ام سليم، فقيل: سهلة، وقيل: رميلة، وقيل: مليكة. [(٥)] في الصحيح: «راكبا» . [(٦)] اهل السهل: أي البوادي. [(٧)] أهل المدر: اهل البلاد. [(٨)] أي أصابه الطاعون. [(٩)] من المعروف ان الطاعون على انواع أهمها:
(٢) الطاعون الدّبلي: ويتميز بارتفاع درجة الحرارة،، وتضخم العقد الليمفية في منطقة الإرب، وما تحت الإبط، وكذا تضخم الطحال.
(٣) الطاعون الرئوي القاتل.
(٤) الطاعون الدموي: ويتميز بالطفح على سطح الجلد، وراجع الطب النبوي ص ١٤٧ من تحقيقنا للطبعة الخامسة. وفي أثر عن عائشة أخرجه الإمام احمد في «مسنده» (٦: ١٤٥) أنها قالت لِلنَّبِيِّ ﷺ: «الطَّعْنُ قَدْ عَرَفْنَاهُ فَمَا الطاعون؟ قال: غدّة كغدة البعير يخرج في المراقّ والإبط» . قوله: كغدة البكر البكر بفتح الباء الموحدة، وسكون الكاف: الفتى من الإبل بمنزلة الغلام من الناس، والأنثى: بكرة. [(١٠)] وقيل: امرأة من آل سلول، وفي حديث آخر: ان النبي ﷺ دعا عليه اي على عامر، فقال: اللهم اكفني عامرا، فجاء إلى بيت امرأة من آل سلول. [(١١)] اسم الأعرج: كعب بن زيد من بني دينار بن النجار، قال الذهبي: بدري قتل مع النبي ﷺ، يوم الخندق. [(١٢)] اسم الرجل الذي من بني فلان: المنذر بن محمد بن عقبة بن احيحة بن الجلاح الخزرجي.
[ ٣ / ٣٤٦ ]
كُنْتُمْ كَذَا وَإِنْ قَتَلُونِي أَتَيْتُمْ أَصْحَابَكُمْ، فَأَتَاهُمْ حَرَامٌ فَقَالَ أَتُؤَمِّنُونِي أُبَلِّغْكُمْ رِسَالَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ؟ قَالُوا: نَعَمْ، فجعل يحدثهم وأومأوا إِلَى رَجُلٍ فَأَتَاهُ مِنْ خَلْفِهِ، فَطَعَنَهُ، قَالَ هَمَّامٌ وَأَحْسَبَهُ قَالَ: فَأَنْفَذَهُ بِالرُّمْحِ فَقَالَ اللهُ أَكْبَرُ فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، قَالَ: فَلُحِقَ الرَّجُلُ فَقُتِلُوا كُلُّهُمْ إِلَّا الْأَعْرَجَ كَانَ فِي رَأْسِ الْجَبَلِ، قَالَ إِسْحَاقُ: فَحَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: أُنْزِلَ عَلَيْنَا [(١٣)]، ثُمَّ كَانَ مِنَ الْمَنْسُوخِ «أَنَّا قَدْ لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّا وَأَرْضَانَا» فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ سَبْعِينَ صَبَاحًا عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَبَنِي لِحْيَانَ وَعُصَيَّةَ عصى اللهَ وَرَسُولَهُ.
لَفْظُ حَدِيثِ مُوسَى، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَجَاءٍ ثَلَاثِينَ صَبَاحًا.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ [(١٤)]، وَقَالَ: ثَلَاثِينَ صَبَاحًا، وَهُوَ الصَّحِيحُ.
فَقَدْ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ:
حَدَّثَنَا الْأَسْفَاطِيُّ يَعْنِي عَبَّاسَ بْنَ الْفَضْلِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَالِكٍ (ح) .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرِ بْنُ قَتَادَةَ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمَشَّاطُ، قَالَا:
أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: دَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى الَّذِينَ قَتَلُوا أَصْحَابَ بِئْرِ مَعُونَةَ ثَلَاثِينَ صَبَاحًا يَدْعُو عَلَى رِعْلٍ وَلِحْيَانَ وَعُصَيَّةَ عَصَتِ اللهَ ورسوله قال أنس:
_________________
(١) [(١٣)] المنزّل هو الله تعالى. [(١٤)] الْبُخَارِيُّ عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ في: ٦٤- كتاب المغازي (٢٨) باب غزوة الرجيع، الحديث (٤٠٩١)، فتح الباري (٧: ٣٨٥- ٣٨٦)، كما رواه البخاري أيضا عن حفص بن عمر، عن همام في: ٥٦- كتاب الجهاد، (٩) باب من ينكب في سبيل الله، الحديث (٢٨٠١)، فتح الباري (٦: ١٨- ١٩) .
[ ٣ / ٣٤٧ ]
أَنْزَلَ اللهُ ﷿ فِي الَّذِينَ قُتِلُوا بِبِئْرِ مَعُونَةَ قُرْآنًا قَرَأْنَاهُ حَتَّى نُسِخَ بَعْدُ أَنْ بَلِّغُوا قَوْمَنَا أَنَّا قَدْ لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّا وَرَضِينَا عَنْهُ.
لَفْظُ حَدِيثِ يَحْيَى وَفِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ ثَلَاثِينَ غَدَاةٍ عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَبَنِي لِحْيَانَ وَعُصَيَّةَ عَصَتِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَنَزَلَ فِيهِمُ الْقُرْآنُ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ [(١٥)] .
ورَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى [(١٦)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْبِسْطَامِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ نَصْرٍ الْحَذَّاءُ الْعَسْكَرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مالك: أَنَّ رِعْلًا وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ وَبَنِي لِحْيَانَ اسْتَمَدُّوا رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى عَدُوٍّ، فَأَمَدَّهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِسَبْعِينَ مِنَ الْأَنْصَارِ كُنَّا نُسَمِّيهِمُ الْقُرَّاءَ فِي زَمَانِهِمْ، كَانُوا يَحْتَطِبُونَ بِالنَّهَارِ وَيُصَلُّونَ بِاللَّيْلِ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبِئْرِ مَعُونَةَ قَتَلُوهُمْ وَغَدَرُوا بِهِمْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ نَبِيَّ اللهِ ﷺ فَقَنَتَ شَهْرًا يَدْعُو فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ وَبَنِي لِحْيَانَ.
قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: فَقَرَأْنَا بِهِمْ قُرْآنًا ثُمَّ إِنَّ ذَلِكَ رُفِعَ: «بَلِّغُوا عَنَّا قَوْمَنَا أَنَّا لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّا وَأَرْضَانَا» .
_________________
(١) [(١٥)] البخاري، عن إسماعيل في: ٥٦- كتاب الجهاد (١٩) باب فضل قول الله تعالى وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتًا بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ إلى آخر الآية، الحديث (٢٨١٤)، فتح الباري (٦: ٣١) . وأخرجه البخاري ايضا في: ٦٨- كتاب المغازي، باب غزوة الرجيع، عَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ. [(١٦)] مُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ يحيى في: ٥- كتاب المساجد ومواضع الصلاة (٥٤) باب استحباب القنوت في جميع الصلوات إذا نزلت بالمسلمين نازلة، الحديث (٢٩٧)، ص (٤٦٨) .
[ ٣ / ٣٤٨ ]
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ حَمَّادٍ [(١٧)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّغَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، قَالَ: كَتَبَ أَنَسٌ فِي أَهْلِهِ كِتَابًا فَقَالَ: اشْهَدُوا مَعَاشِرَ الْقُرَّاءِ قَالَ: وَكَأَنِّي كَرِهْتُ ذَلِكَ فَقُلْتُ: لَوْ سَمَّيْتَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ فَقَالَ: وَمَا بَأْسٌ أَنْ أَقُولَ لَكُمْ مَعَاشِرَ الْقُرَّاءِ أَفَلَا أُحَدِّثُكُمْ عَنْ إِخْوَانِكُمُ الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوهُمْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ: الْقُرَّاءَ، قَالَ: فَذَكَرَ أَنَسٌ سَبْعِينَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ كَانُوا إِذَا أَجَنَّهُمُ اللَّيْلُ أَوَوْا إِلَى مُعَلِّمٍ بِالْمَدِينَةِ، فَيَبِيتُونَ يَدْرُسُونَ، فَإِذَا أَصْبَحُوا فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ قُوَّةٌ أَصَابَ مِنَ الْحَطَبِ، وَاسْتَعْذَبَ مِنَ الْعَذْبِ، وَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ سَعَةٌ أَصَابُوا الشَّاةَ فَأَصْلَحُوهَا، فَكَانَ مُعَلَّقًا بِحُجَرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَلَمَّا أُصِيبَ خُبَيْبٌ بَعَثَهُمْ [(١٨)] رَسُولُ اللهِ ﷺ فَكَانَ فِيهِمْ خَالِي حَرَامٌ، فَأَتَوْا عَلَى حَيٍّ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، قَالَ: فَقَالَ حَرَامٌ لِأَمِيرِهِمْ: دَعْنِي فَلْأُخْبِرَ هَؤُلَاءِ أَنَّا لَيْسَ إِيَّاهُمْ نُرِيدُ فَيُخَلُّونَ وُجُوهَنَا، قَالَ: فَأَتَاهُمْ فَقَالَ ذَلِكَ لَهُمْ [(١٩)] فَاسْتَقْبَلَهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ بِرُمْحٍ فَأَنْفَذَهُ بِهِ، فَقَالَ: فَلَمَّا وَجَدَ حَرَامٌ مَسَّ الرُّمْحِ فِي جَوْفِهِ قَالَ: اللهُ أَكْبَرُ فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، قَالَ: فَانْطَوَوْا عَلَيْهِمْ فَمَا بَقِيَ مِنْهُمْ مُخْبِرٌ، قَالَ: فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَجَدَ عَلَى شَيْءٍ وَجْدَهُ عَلَيْهِمْ، قَالَ:
فَقَالَ أَنَسٌ: لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ كُلَّمَا صَلَّى الْغَدَاةَ رَفَعَ يَدَيْهِ يَدْعُو عَلَيْهِمْ، قَالَ: فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا أَبُو طَلْحَةَ يَقُولُ: هَلْ لَكَ فِي قَاتِلِ حَرَامٍ؟ قُلْتُ:
مَا لَهُ فَعَلَ اللهُ بِهِ وَفَعَلَ، قَالَ: فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ لَا تَفْعَلْ فَقَدْ أَسْلَمَ.
_________________
(١) [(١٧)] البخاري، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ حَمَّادٍ في: ٦٤- كتاب المغازي (٢٨) باب غزوة الرجيع، الحديث (٤٠٩٠)، فتح الباري (٧: ٣٨٥) . [(١٨)] في (أ): «نعتهم» . [(١٩)] في (ص) و(ح): «لهم ذلك» .
[ ٣ / ٣٤٩ ]
وَأَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ شَرِيكٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ: أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: كَانَ شَبَابٌ مِنَ الْأَنْصَارِ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ ثُمَّ يَتَنَحَّوْنَ فِي نَاحِيَةِ الْمَدِينَةِ يَحْسَبُ أَهْلُوهُمْ أَنَّهُمْ فِي الْمَسْجِدِ، وَيَحْسَبُ أَهْلُ الْمَسْجِدِ أَنَّهُمْ فِي أَهْلِيهِمْ فَيُصَلُّونَ مِنَ اللَّيْلِ حَتَّى إِذَا تَقَارَبَ الصُّبْحُ احْتَطَبَ بَعْضُهُمْ وَاسْتَقَى بَعْضُهُمْ مِنَ الْمَاءِ الْعَذْبِ ثُمَّ يُقْبِلُوا حَتَّى يَضَعُوا حُزَمَهُمْ وَقِرَبَهُمْ عَلَى أَبْوَابِ حُجَرِ النَّبِيِّ ﷺ فَبَعَثَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى بِئْرِ مَعُونَةَ فَاسْتُشْهِدُوا كُلُّهُمْ، فَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ عَلَى مَنِ قَتَلَهُمْ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً.
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ بِبَغْدَادَ قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعْدَانُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ قَالَ:
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ (ح) .
وَأَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الدَّقِيقِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَنَتَ فِي الْفَجْرِ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ، وَقَالَ: عُصَيَّةُ عَصَتِ اللهَ وَرَسُولَهُ.
وَفِي رِوَايَةِ مُعَاذٍ: قَنَتَ [(٢٠)] رَسُولُ اللهِ ﷺ شَهْرًا بَعْدَ الركوع يدعو على
_________________
(١) [(٢٠)] القنوت: لفظ مشترك بين الطاعة، والقيام، والخشوع، والسكوت، وغير ذلك. قال الله تعالى: إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ. أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ. وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ. يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ. وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ.
[ ٣ / ٣٥٠ ]
رِعْلٍ وَذَكْوَانَ: حَيَّيْنِ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ.
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ [(٢١)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو الْبِسْطَامِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو
_________________
(١) [()] كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ. وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَفْضَلَ الصلاة طول القنوت: «أخرجه مسلم في صلاة الليل» . وقد أخرج ابو داود في كتاب الوتر والإمام احمد في «مسنده» (١: ٣٠١) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قنت شهرا متتابعا في: الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء. وروى مسلم في باب استحباب القنوت في جميع الصلوات، وأبو داود في باب القنوت في الصلوات، والنسائي، في باب القنوت في صلاة المغرب، والترمذي في باب ما جاء في القنوت في الفجر، والإمام احمد في «مسنده» (٤: ٢٨٥) من حديث البراء بن عازب﵁- «إن رسول الله ﷺ كان لا يصلي صلاة مكتوبة إلا قنت فيها» . وقد اتفق اهل العلم على ترك القنوت من غير سبب في أربع صلوات، وهي: الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء. وذهب بعضهم إلى ان حديث ابن عباس في قنوت النبي ﷺ شهرا متتابعا كان له سبب، وقد نسخ، يدل عليه حديث البراء بن عازب. وروى عبد الرزاق في «مصنفه»، والإمام أحمد في «مسنده» (٣: ١٦٢)، والدارقطني في «سننه» (٢: ١٣٦)، وإسحاق بن راهويه في «مسنده»، والحاكم في «المستدرك» عن أنس أن النبي ﷺ قنت شهرا يدعو عليهم، ثم تركه، وأما في صلاة الصبح فلم يزل يقنت حتى فارق الدنيا. [(٢١)] الحديث أخرجه البخاري في: ١٤- كتاب الوتر (٧) باب القنوت قبل الركوع وبعده، الحديث (١٠٠٣)، فتح الباري (٢: ٤٩٠) عن أحمد بن يونس، عن زائدة، عن سليمان التيمي، عن أبي مجلز، عن أنس، كما أخرجه البخاري في: ٦٤- كتاب المغازي، باب غزوة الرجيع، عن محمد بن مقاتل، عن ابن المبارك، عن سليمان التيمي. وأخرجه مسلم في: ٥- كتاب المساجد ومواضع الصلاة، (٥٤) باب استحباب القنوت في جميع الصلاة، إذا نزلت بالمسلمين نازلة، الحديث (٢٩٩)، صفحة (٤٦٨)، عن عبيد الله ابن معاذ العنبري، وأبو كريب، وإسحاق بن إبراهيم، ومحمد بن عبد الأعلى عن المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أبي مجلز، عن أنس.
[ ٣ / ٣٥١ ]
عَبْدِ اللهِ الصُّوفِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا خَلَفٌ هُوَ ابْنُ سَالِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ (ح) قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَأَخْبَرَنَا ابْنُ نَاجِيَةَ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا هشام عن عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتِ: اسْتَأْذَنَ أَبُو بَكْرٍ النَّبِيَّ ﷺ فِي الْخُرُوجِ مِنْ مَكَّةَ حِينَ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْأَذَى، فَقَالَ لَهُ:
أَقِمْ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ أَتَطْمَعُ أَنْ يُؤْذَنَ لَكَ؟ قَالَ: إِنِّي لَأَرْجُو ذَلِكَ، قَالَ: فَانْتَظَرَهُ أَبُو بَكْرٍ، قَالَتْ فَأَتَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي ذَاتِ يَوْمٍ ظُهْرًا فَنَادَاهُ فَقَالَ: أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّمَا هُمَا ابْنَتَايَ، قَالَ: أَشَعَرْتَ أَنَّهُ قَدْ أُذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ الصُّحْبَةُ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: الصُّحْبَةُ، قَالَ يَا رَسُولَ اللَّه عِنْدِي نَاقَتَانِ قَدْ كُنْتُ أَعْدَدْتُهُمَا لِلْخُرُوجِ، قَالَ: فَأَعْطَى النَّبِيَّ ﷺ إِحْدَاهُمَا وَهِيَ الْجَدْعَاءُ، فَرَكِبَا حَتَّى أَتَيَا الْغَارَ،
وَهُوَ بِثَوْرٍ فَتَوَارَيَا فِيهِ، وَكَانَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ غُلَامًا لِعَبْدِ اللَّه بْنِ الطُّفَيْلِ بْنِ سَخْبَرَةَ أَخِي عَائِشَةَ لِأُمِّهَا، وَكَانَتْ لِأَبِي بَكْرٍ مَنِيحَةٌ فَكَانَ يَرُوحُ بِهَا وَيَغْدُو وَيُصْبِحُ فَيَدَّلِجُ إِلَيْهِمَا، ثُمَّ يَسْرَحُ فَلَا يَفْطُنْ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الرِّعَاءِ، فَلَمَّا خَرَجَ مَعَهُمَا يُعْقِبَانِهِ حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ، انْتَهَى حَدِيثُ ابْنُ نَاجِيَةَ [(٢٢)] .
زَادَ الْآخَرُ قَالَ: فَقُتِلَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ يَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ وَأُسِرَ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ، فَقَالَ لَهُ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ: مَنْ هَذَا؟ وَأَشَارَ إِلَى الْقَتِيلِ فَقَالَ لَهُ عَمْرُو ابن أُمَيَّةَ: هَذَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ فَقَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُهُ بعد ما قُتِلَ رُفِعَ إِلَى السَّمَاءِ حَتَّى إِنِّي لَأَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَرْضِ،
قَالَ: فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ خبرهم، فَنَعَاهُمْ، وَقَالَ: إِنَّ أَصْحَابَكُمْ أُصِيبُوا وَإِنَّهُمْ قَدْ سَأَلُوا رَبَّهُمْ فَقَالُوا رَبَّنَا أَخْبِرْ عَنَّا إِخْوَانَنَا بِمَا رَضِينَا عَنْكَ وَرَضِيتَ عَنَّا، قَالَ: فَأَخْبَرَهُمْ عَنْهُمْ،
قَالَ: وَأُصِيبَ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ عُرْوَةُ بْنُ أَسْمَاءَ بْنِ الصَّلْتِ سُمِّيَ بِهِ عُرْوَةُ، وَمُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو سُمِّيَ بِهِ مُنْذِرٌ، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ [(٢٣)] عَنْ عُبَيْدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ أبي أسامة
_________________
(١) [(٢٢)] تقدم في باب الهجرة، وانظر فهرس الأحاديث في نهاية الكتاب. [(٢٣)] تقدم ضمن الروايات السابقة.
[ ٣ / ٣٥٢ ]
إِلَى قَوْلِهِ: فَقُتِلَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ يَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ ثُمَّ قَالَ: وَعَنْ أَبِي أُسَامَةَ، قَالَ:
قَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ فَأَخْبَرَنِي أَبِي قَالَ: لَمَّا قُتِلَ الَّذِينَ بِبِئْرِ مَعُونَةَ وَأُسِرَ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ قَالَ لَهُ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ: فَذَكَرَهُ بِنَحْوٍ مِمَّا ذَكَرْنَا وَزَادَ فِيهِ: ثُمَّ وُضِعَ، قُلْتُ هَكَذَا رِوَايَةُ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ فِي شَأْنِ عَامِرِ بْنِ فُهَيْرَةَ أَنَّهُ رُفِعَ ثُمَّ وُضِعَ.
وَقَدْ أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْأَصْبَهَانِيُّ قَالَ:
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْجَهْمِ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَرَجِ قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَاقِدِيُّ قَالَ: فَحَدَّثَنِي مُصْعَبُ بْنُ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: خَرَجَ الْمُنْذِرُ ابن عَمْرٍو فَذَكَرَ الْقِصَّةَ وَقَالَ فِيهَا قَالَ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ لِعَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ: هَلْ تَعْرِفُ أَصْحَابَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ فَطَافَ فِيهِمْ يَعْنِي فِي الْقَتْلَى وَجَعَلَ يَسْأَلُهُ عَنْ أَنْسَابِهِمْ، قَالَ: هَلْ تَفْقِدُ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالَ: أَفْقِدُ مَوْلًى لِأَبِي بَكْرٍ يُقَالُ لَهُ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، قَالَ: كَيْفَ كَانَ فِيكُمْ؟ قُلْتُ كَانَ مِنْ أَفْضَلِنَا قَالَ أَلَا أُخْبِرُكَ خَبَرَهُ، وَأَشَارَ لَهُ إِلَى رَجُلٍ فَقَالَ هَذَا طَعَنَهُ بِرُمْحِهِ ثُمَّ انْتَزَعَ رُمْحَهُ فَذَهَبَ الرَّجُلُ عُلُوًّا فِي السَّمَاءِ حَتَّى واللَّه مَا أَرَاهُ، قَالَ عَمْرٌو: فَقُلْتُ: ذَاكَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، وَكَانَ الَّذِي قَتَلَهُ رَجُلٌ مِنْ كِلَابٍ يُقَالُ لَهُ: جَبَّارُ بْنُ سَلْمَى ذَكَرَ أَنَّهُ لَمَّا طَعَنَهُ سَمِعْتُهُ يَقُولُ فُزْتُ واللَّه فَقُلْتُ فِي نَفْسِي مَا قَوْلُهُ فُزْتُ، فَأَتَيْتُ الضَّحَّاكَ بْنَ سُفْيَانَ الْكِلَابِيَّ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا كَانَ، وَسَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِهِ: فُزْتُ واللَّه، قَالَ: الْجَنَّةُ، وَعَرَضَ عَلَيَّ الْإِسْلَامَ فأسلمته وَدَعَانِي إِلَى الْإِسْلَامِ مَا رَأَيْتُ مِنْ مَقْتَلِ عَامِرِ بْنِ فُهَيْرَةَ، وَمِنْ رَفْعِهِ إِلَى السَّمَاءِ عُلُوًّا قَالَ: وَكَتَبَ الضَّحَّاكُ إِلَى رَسُولِ اللَّه ﷺ بِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ وَارَتْ جُثَّتَهُ وَأُنْزِلَ عِلِّيِّينَ [(٢٤)] .
قُلْتُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ رُفِعَ ثُمَّ وُضِعَ ثُمَّ فُقِدَ بَعْدَ ذَلِكَ بِأَنْ وَارَتِ الْمَلَائِكَةُ جُثَّتَهُ فَقَدْ رُوِّينَا فِي مَغَازِي مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ، قَالَ: فَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: لَمْ يُوجَدْ جَسَدُ عَامِرٍ يَرَوْنَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ وَارَتْهُ [(٢٥)] .
_________________
(١) [(٢٤)] «البداية والنهاية» (٤: ٧٢) عن المصنف. [(٢٥)] نقله ابن كثير في التاريخ (٤: ٧٢) .
[ ٣ / ٣٥٣ ]
بَابُ غَزْوَةِ بَنِي النَّضِيرِ وَإِخْبَارِ اللَّه ﷿ ثَنَاؤُهُ رَسُولَهُ ﷺ بِمَا أَرَادَ بِهِ بَنُو النَّضِيرِ مِنَ الْمَكْرِ وَكَانَ الزُّهْرِيُّ ﵀ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّهَا كَانَتْ قَبْلَ أُحُدٍ وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّهَا كَانَتْ بَعْدَهُ وَبَعْدَ بِئْرِ مَعُونَةَ وَقَدْ مَضَتِ الْأَخْبَارُ فِي ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ [(١)]
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ:
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّه ﷺ إِلَى بَنِي النَّضِيرِ يَسْتَعِينُهُمْ فِي ذَيْنِكَ الْقَتِيلَيْنِ [(٢)] مِنْ بَنِي عَامِرٍ الذين قَتَلَهُمَا عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ فِيمَا حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ، وَكَانَ بَيْنَ بَنِي النَّضِيرِ وَبَنِي عَامِرٍ عَقْدٌ وَحِلْفٌ فَلَمَّا أَتَاهُمْ رَسُولُ اللَّه ﷺ يَسْتَعِينُهُمْ فِي الدِّيَةِ، قَالُوا: نَعَمْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ نُعِينُكَ عَلَى مَا أَحْبَبْتَ [مِمَّا اسْتَعَنْتَ بِنَا عَلَيْهِ] [(٣)]، ثُمَّ خَلَا بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ فَقَالُوا: إِنَّكُمْ لَنْ تَجِدُوا الرَّجُلَ عَلَى مِثْلِ حَالِهِ هَذِهِ وَرَسُولُ اللَّه ﷺ إِلَى جَانِبِ جِدَارٍ مِنْ بُيُوتِهِمْ قَاعِدٌ، فَقَالُوا: مَنْ رَجُلٌ يَعْلُو عَلَى هَذَا الْبَيْتِ فَيُلْقِيَ عَلَيْهِ صَخْرَةً فَيَقْتُلَهُ بِهَا فَيُرِيحَنَا مِنْهُ، فَانْتُدِبَ لِذَلِكَ مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ جَحَّاشِ [(٤)] بْنِ كَعْبٍ فَقَالَ: أَنَا لِذَلِكَ، فَصَعِدَ لِيُلْقِيَ عَلَيْهِ صَخْرَةً كما
_________________
(١) [(١)] تقدمت غزوة بني النضير في هذا الجزء، بعد معركة بدر الكبرى، وسبق أن ذكرنا بعض مصادرها ثمّ. [(٢)] في (ص): «القتلين» زلة من الناسخ. [(٣)] الزيادة من ابن هشام. [(٤)] الزرقاني (٢: ٩٣) .
[ ٣ / ٣٥٤ ]
قَالَ وَرَسُولُ اللَّه ﷺ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ [فِيهِمْ]: أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعَلِيٌّ ﵃. فَأَتَاهُ الْخَبَرُ مِنَ السَّمَاءِ بِمَا أَرَادَ الْقَوْمُ فَقَامَ وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: لَا تَبْرَحُوا، فَخَرَجَ رَاجِعًا إِلَى الْمَدِينَةِ.
فَلَمَّا اسْتَبْطَأَ [(٥)] النَّبِيَّ ﷺ أَصْحَابُهُ قَامُوا فِي طَلَبِهِ، فَلَقُوا رَجُلًا مُقْبِلًا مِنَ الْمَدِينَةِ فَسَأَلُوهُ عَنْهُ فَقَالَ رَأَيْتُهُ دَاخِلًا الْمَدِينَةَ، فَأَقْبَلَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّه ﷺ حَتَّى انْتَهَوْا إِلَيْهِ فَأَخْبَرَهُمُ الْخَبَرَ بِمَا أَرَادَتْ يَهُودُ مِنَ الْغَدْرِ، وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّه ﷺ بِحَرْبِهِمْ وَالسَّيْرِ إِلَيْهِمْ، فَسَارَ بِالنَّاسِ حَتَّى نَزَلَ بِهِمْ فَتَحَصَّنُوا مِنْهُ فِي الْحُصُونِ، وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّه ﷺ بِقَطْعِ النَّخْلِ وَالتَّحْرِيقِ فِيهَا، فَنَادَوْهُ: يَا مُحَمَّدُ قَدْ كُنْتَ تَنْهَى عَنِ الْفَسَادِ وَتَعِيبُهُ عَلَى مَنْ صَنَعَهُ فَمَا بَالُكَ تَقْطَعُ النَّخْلَ وَتُحَرِّقَهُ [(٦)] .
وعَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنَا [(٧)] عَبْدُ اللَّه بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو ابن حَزْمٍ، قَالَ: لَمَّا تَحَصَّنَ بَنُو النَّضِيرِ مِنْ رَسُولِ اللَّه ﷺ أَمَرَ بِقَطْعِ نَخْلِهِمْ وَتَحْرِيقِهِ، فَقَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ مَا كُنْتَ تَرْضَى الْفَسَادَ، فَأَنْزَلَ اللَّه ﷿ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ بِفَسَادٍ قَالَ اللَّه ﷿: مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ [(٨)] وَلَيْسَ بِفَسَادٍ.
وَعَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنَا [(٩)] أَبُو سَعْدٍ شُرَحْبِيلُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: واللَّه رَأَيْتُ بَعْضَ نَخْلِ بَنِي النَّضِيرِ وَإِنَّ الْحَرِيقَ لَفِيهِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ [عُمَرُ] [(١٠)] بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ قَالَ: أخبرنا
_________________
(١) [(٥)] في السيرة: «استلبث» . [(٦)] (٣: ١٤٣) من سيرة ابن هشام. [(٧)] (ح): «حدثني» . [(٨)] الآية الكريمة (٥) من سورة الحشر. [(٩)] (ح): «حدثني» . [(١٠)] سقطت من (ح) .
[ ٣ / ٣٥٥ ]
أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ الْخُزَاعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابراهيم ابن هاشم الْبَغَوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمِّي [(١١)] جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّه، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهُ أَحْرَقَ [(١٢)] نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ، [وَقَطَعَ وَهِيَ الْبُوَيْرَةُ] [(١٣)]، وَلَهَا يَقُولُ حسّان.
وَهَانَ عَلَى سَرَاةِ بَنِي لُؤَيٍّ حَرِيقٌ بِالْبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرُ [(١٤)]
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ نَصْرٍ [(١٥)]، عَنْ حَبَّانَ، عَنْ جُوَيْرِيَةَ بْنِ أَسْمَاءَ، وَزَادَ فِيهِ: فَأَجَابَهُ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ [(١٦)]:
أَدَامَ اللَّه ذَلِكَ مِنْ صَنِيعٍ وَحَرَّقَ فِي نَوَاحِيهَا السَّعِيرُ [(١٧)]
سَتَعْلَمُ أَيُّنَا مِنْهُ بِنُزْهٍ وَتَعْلَمُ أَيُّ أَرْضَيْنَا تضير [(١٨)]
_________________
(١) [(١١)] في (أ): «حدثنا عمي: ابن جويرية بن أسماء»، وفي (ص): «حدثنا عمي: جرير بن أسماء» وكلاهما تحريف. [(١٢)] في الصحيح: «حرّق» . [(١٣)] «ليست في الصحيح»، وثابتة في الرواية التالية للحديث عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. [(١٤)] سراة القوم: سادتهم، بني لؤي: المراد بهم: صناديد قريش، وقال الكرماني: أي رسول اللَّه ﷺ وأقاربه، وفي التوضيح: لأن قريشا هم الذين حملوا كعب بن أسد القرظي صَاحِبَ عَقْدِ بَنِي قُرَيْظَةَ على نقض العهد بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى خرج معهم إلى الخندق. ومستطير: أي منتشر. [(١٥)] البخاري عن إسحاق، عَنْ حَبَّانَ، عَنْ جُوَيْرِيَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عمر، في: ٦٤- كتاب المغازي، (١٤) باب حديث بني النضير، فتح الباري (٧: ٣٢٩) . [(١٦)] هو أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ المطلب وهو ابن عَمَّ النَّبِيِّ ﷺ، وكان حينئذ لم يسلم وقد أسلم بعد في الفتح وثبت مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بحنين. [(١٧)] قوله: «أدام اللَّه» كيف قال أدام اللَّه ذلك أي تحريق المسلمين أرض الكافرين، وهو كان من الكفار؟ إن غرضه: أدام اللَّه تحريق تلك الأرض بحيث يتصل بنواحيها وهي المدينة وسائر مواضع أهل الإسلام فيكون دعاء عليهم لا لهم. [(١٨)] أي أرضينا: أي المدينة التي هي دار الإيمان، ومكة التي بها الكفار.
[ ٣ / ٣٥٦ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ يَعْقُوبَ [قَالَ]: [(١٩)] أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ السَّرَّاجُ قَالَ: حَدَّثَنَا [(٢٠)] أَبُو الْمُنْذِرِ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، فَذَكَرَهُ بِإِسْنَادِهِ وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ حَرَّقَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ، وَلَهَا يَقُولُ حَسَّانُ: فَذَكَرَ الْبَيْتَ وَالَجوَابَ، وَقَالَ: هَانَ، وَلَمْ يَقُلْ: وَهَانَ.
أخبرنا أبو عبد اللَّه الْحَافِظُ، وَأَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي حَامِدٍ الْمُقْرِئُ، وَأَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، وَأَبُو صَادِقٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَطَّارُ، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّه بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ حَرَّقَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَقَطَعَ، وَهِيَ الْبُوَيْرَةُ، فَأَنْزَلَ اللَّه ﷿: مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ [(٢١)] .
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنِ اللَّيْثِ [(٢٢)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ دَاوُدَ الْعَلَوِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَامِدِ بْنُ الشَّرْقِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الزُّهْرِيُّ، قال: حدثنا الهيثم ابن جَمِيلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّه، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَرَّقَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَقَطَعَ وَلَهَا يقول حسان.
_________________
(١) [(١٩)] ليست في (ح) . [(٢٠)] (ح): «حدثني» . [(٢١)] الآية (٥) من سورة الحشر، وقد جاءت في (ص): «وليخزي المنافقين» وهو خطأ من الناسخ. [(٢٢)] عن قتيبة أخرجه البخاري في كتاب التفسير، تفسير سورة الحشر، ومسلم في: ٣٢- كتاب الجهاد والسير، (١٠) باب جواز قطع أشجار الكفار وتحريقها، الحديث (٢٩)، ص (١٣٦٥) .
[ ٣ / ٣٥٧ ]
وَهَانَ عَلَى سَرَاةِ بَنِي لُؤَيٍّ* حَرِيقٌ بِالْبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرُ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ الْهَيْثَمُ: كُنْتُ مَعَ زَائِدَةَ بِأَرْضِ الرُّومِ فَحَدَّثَنِي بِهَذَا الْحَدِيثِ ثُمَّ أَمَرَنِي بِالْحَرِيقِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْعَلَوِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَطَّانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْأَزْهَرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُرَحْبِيلَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ يَهُودَ بَنِي النَّضِيرِ وَقُرَيْظَةَ حَارَبُوا رَسُولَ اللَّه ﷺ، فَأَجْلَى رَسُولُ اللَّه ﷺ بَنِي النَّضِيرِ وَأَقَرَّ قُرَيْظَةَ وَمَنَّ عَلَيْهِمْ حَتَّى حَارَبَتْ قُرَيْظَةُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ كَمَا مَضَى.
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحِ [(٢٣)] .
أَخْبَرَنَا أبو عبد اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّه بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَعْنِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ قُتَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا بُكَيْرُ بْنُ مَعْرُوفٍ، عن مقاتل ابن حَيَّانَ [(٢٤)]، قَوْلُ اللَّه ﷿:
يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ [(٢٥)]، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُقَاتِلُهُمْ، فَإِذَا ظَهَرَ عَلَى دَرْبٍ أَوْ دَارٍ، هَدَمَ حِيطَانَهَا لِيَتَّسِعَ الْمَكَانُ لِلْقِتَالِ، وَكَانَتِ الْيَهُودُ إِذَا غَلَبُوا عَلَى دَرْبٍ أَوْ دَارٍ نَقَبُوهَا مِنْ أَدْبَارِهَا ثُمَّ حَصَّنُوهَا وَدَرَّبُوهَا، يَقُولُ اللَّه ﷿: فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصارِ.
_________________
(١) [(٢٣)] الحديث أخرجه البخاري في: ٦٤- كتاب المغازي، (١٤) باب حديث بني النضير، فتح الباري (٧: ٣٢٩)، وأخرجه مسلم في: ٣٢- كتاب الجهاد والسير (٢٠) باب إجلاء اليهود من الحجاز، الحديث (٦٢)، ص (١٣٨٧- ١٣٨٨) . [(٢٤)] هو مقاتل بن حيان، أبو بسطام النبطي البلخي الخراز، كان مفسرا، ومؤرخا، ومحدثا، عاش في خراسان، وهرب من مواجهة أبي مسلم الخراساني إلى كابل، وتوفي حوالي سنة (١٥٠) وله ترجمة في «التاريخ الكبير» (٤: ٢: ١٣)، وتهذيب التهذيب (١٠: ٢٧٧- ٢٧٩) . [(٢٥)] [الآية ٢- سورة الحشر] .
[ ٣ / ٣٥٨ ]
وَقَوْلُهُ: مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ إِلَى قَوْلِهِ: وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ [(٢٦)] يَعْنِي بِاللِّينَةِ النَّخْلَةَ وَهِيَ أَعْجَبُ إِلَى الْيَهُودِ مِنَ الْوَصِيفِ، يُقَالُ لِثَمَرِهَا اللَّوْنُ، فَقَالَتِ الْيَهُودُ عِنْدَ قَطْعِ النَّبِيِّ ﷺ نَخْلَهُمْ وَعَقْرِ شَجَرِهِمْ: يَا مُحَمَّدُ زَعَمَتْ أَنَّكَ تُرِيدُ الْإِصْلَاحَ أفيمن الْإِصْلَاحِ عَقْرُ الشَّجَرِ وَقَطْعُ النَّخْلِ وَالْفَسَادُ؟ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَوَجَدَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ قَوْلِهِمْ فِي أَنْفُسِهِمْ مِنْ قَطْعِهِمُ النَّخْلَ خَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ فَسَادًا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لَا تَقْطَعُوا فَإِنَّهُ مِمَّا أَفَاءَ اللَّه عَلَيْنَا، فَقَالَ الَّذِينَ يَقْطَعُونَهَا نُغِيظُهُمْ بِقَطْعِهَا، فَأَنْزَلَ اللَّه ﷿: مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ يَعْنِي النَّخْلَ فَبِإِذْنِ اللَّه وَمَا تَرَكْتُمْ قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّه، فَطَابَتْ نَفْسِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَنْفُسُ المؤمنين، وليخزي الفاسقين يَعْنِي أَهْلَ النَّضِيرِ، فَكَانَ قَطْعُ النَّخْلِ وَعَقْرُ الشَّجَرِ خِزْيًا لَهُمْ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ كَامِلٍ الْقَاضِي، قَالَ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ الْعَوْفِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا [(٢٧)] أَبِي، عَنْ عَمِّي قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ جَدِّي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ حَاصَرَهُمْ حَتَّى بَلَغَ مِنْهُمْ كُلَّ مَبْلَغٍ، فَأَعْطَوْهُ مَا أَرَادَ مِنْهُمْ فَصَالَحَهُمْ عَلَى أَنْ يحقن لهم دماؤهم وأن يخرجهم من أرضيهم وَأَوْطَانِهِمْ وَأَنْ يُسَيِّرَهُمْ إِلَى أَذْرِعَاتِ الشَّامِ، وَجَعَلَ لِكُلِّ ثَلَاثَةٍ مِنْهُمْ بَعِيرًا وَسِقَاءً، والجلاء: إخراجهم من أرضيهم إِلَى أَرْضٍ أُخْرَى.
أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرِ بْنُ قَتَادَةَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ النَّصْرَوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ نَجْدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: سُورَةُ الْحَشْرِ؟ قَالَ:
أُنْزِلَتْ فِي بَنِي النَّضِيرِ. (سورة الحشر)
_________________
(١) [(٢٦)] [الآية ٥- سورة الحشر] . [(٢٧)] في (ح): «حدثني» .
[ ٣ / ٣٥٩ ]
أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ هُشَيْمٍ [(٢٨)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ إِسْحَاقَ الْبَزَّازُ بِبَغْدَادَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّه بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ الْفَاكِهِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى بْنُ أَبِي مَسَرَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزُّهْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَحْمُودِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ: إِنَّ النبي ﷺ بَعَثَهُ إِلَى بَنِي النَّضِيرِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَجِّلَهُمْ فِي الْجَلَاءِ ثَلَاثَ ليال [(٢٩)] .
_________________
(١) [(٢٨)] جزء من حديث أخرجه البخاري في: ٦٥- كتاب التفسير، (٥٩) سورة الحشر (١) باب، / الحديث (٤٨٨٢): ثم أعاده بعده مختصرا، فتح الباري (٨: ٦٢٨- ٦٢٩) . [(٢٩)] الخبر ذكره الواقدي مفصلا (١: ٣٦٦- ٣٦٧)، واختصره الصالحي في السيرة الشامية (٤: ٤٥٥) وجاء فيه: لمّا جاء محمد بن مسلمة رسول اللَّه ﷺ قال: اذهب إلى يهود بني النضير فقل لَهُمْ: أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ، أَرْسِلْنِي إليكم أن اخرجوا من بلدي. فلما جاءهم قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ أَرْسِلْنِي إليكم برسالة، ولست أذكرها لكم حتى أعرّفكم بشيء تعرفونه في مجلسكم، فَقَالُوا: مَا هُوَ؟ قَالَ: أنشدكم بالتوراة، التي أَنْزَلَ اللَّه عَلَى مُوسَى: هل تعلمون أني جئتكم قبل أن يبعث محمد وبينكم التوراة فقلتم لي في مجلسكم هذا: يا بن مسلمة إن شئت أن نغدّيك غدّيناك، وإن شئت أن نهوّدك هوّدناك، فقلت لكم: بل غدّوني ولا تهوّدوني، فإني واللَّه لا أتهوّد أبدا، فغدّيتموني في صحفة لكم، وقلتم لي: ما يمنعك من ديننا إلا أنه دين يهود، كأنك تريد الحنيفية التي سمعت بها. أما إنّ أبا عامر الراهب ليس بصاحبها، أتاكم صاحبها الضّحوك القتّال في عينيه حمرة، ويأتي من قبل اليمن، يركب البعير، ويلبس الشّملة، ويجتزئ بالكسرة، وسيفه على عاتقه، ينطق بالحكمة كأنه وشيجتكم هذه، واللَّه ليكوننّ في قريتكم هذه سلب، وقتل، ومثل، قالوا: اللهم نعم، قد قلنا ذلك وليس به. قال: قال فرغت، إن رسول اللَّه ﷺ أرسلني إليكم يقول لكم: إنكم قد نقضتم العهد الذي جعلت لكم، بما هممتم به من الغدر بي. وأخبرهم بما كنزوا همّوا به وظهور عمرو بن جحّاش على البيت ليطرح الصخرة، فأسكتوا، فلم يقولوا حرفا. ويقول: اخرجوا من بلدي وقد أجّلتكم عشرا، فمن رؤي بعد ذلك ضربت عنقه، قالوا: يا محمد، ما كنا نرى أن يأتي بهذا رجل من الأوس. قال محمد بن مسلمة: تغيّرت القلوب. فمكثوا على ذلك أيّاما يتجهّزون، وأرسلوا إلى ظهرهم بذي الجدر يجلب لهم، وتكاروا من ناس من أشجع [إبلا] وجدّوا في الجهاز.
[ ٣ / ٣٦٠ ]
بَابُ دَعْوَةِ عَمْرِو بْنِ سُعْدَى الْيَهُودِيِّ إِلَى الْإِسْلَامِ بَعْدَ إِجْلَاءِ بَنِي النَّضِيرِ وَاعْتِرَافِهِ وَاعْتِرَافِ مَنِ اعْتَرَفَ مِنَ الْيَهُودِ. بِوُجُودِ صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ فِي التَّوْرَاةِ
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْأَصْبَهَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْجَهْمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَرَجِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، [الْوَاقِدِيُّ]، قَالَ: حَدَّثَنَا [(١)] إِبْرَاهِيمُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا خَرَجَتْ بَنُو النَّضِيرِ مِنَ الْمَدِينَةِ أَقْبَلَ عَمْرُو بْنُ سُعْدَى فَأَطَافَ بِمَنَازِلِهِمْ، فَرَأَى خَرَابَهَا، وَفَكَرَ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ فَوَجَدَهُمْ فِي الْكَنِيسَةِ فَنَفَخَ [(٢)] فِي بُوقِهِمْ فَاجْتَمَعُوا فَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَاطَا: يَا أَبَا سَعِيدٍ! أَيْنَ كُنْتَ مُنْذُ الْيَوْمِ لَمْ نَرَكَ؟
وَكَانَ لَا يُفَارِقُ الْكَنِيسَةَ وَكَانَ يَتَأَلَّهُ فِي الْيَهُودِيَّةِ، قَالَ: رَأَيْتُ الْيَوْمَ عِبَرًا قَدْ عُبِّرْنَا بِهَا [(٣)]، رَأَيْتُ [مَنَازِلَ] [(٤)] إِخْوَانِنَا خَالِيَةً بَعْدَ ذَلِكَ الْعِزِّ وَالْجَلَدِ وَالشَّرَفِ الْفَاضِلِ، وَالْعَقْلِ الْبَارِعِ: قَدْ تَرَكُوا أَمْوَالَهُمْ، وَمَلَكَهَا غَيْرُهُمْ، وَخَرَجُوا خُرُوجَ ذُلٍّ، وَلَا وَالتَّوْرَاةِ مَا سُلِّطَ هَذَا عَلَى قَوْمٍ قَطُّ لِلَّهِ بِهِمْ حَاجَةٌ وَقَدْ أَوْقَعَ قَبْلَ ذَلِكَ بِابْنِ الْأَشْرَفِ ذِي عِزِّهِمْ ثُمَّ بَيَّتَهُ فِي بَيْتِهِ آمِنًا، وَأَوْقَعَ بِابْنِ سُنَيْنَةَ سَيِّدِهِمْ، وَأَوْقَعَ. بِبَنِي قينقاع
_________________
(١) [(١)] في (ح): «حدثني» . [(٢)] في (أ): «فينفخ» . [(٣)] في (أ): «غيرا قد غيرنا بها»، «وعبّرنا بها» يعني: اشتدّ علينا أمرها. [(٤)] الزيادة من البداية والنهاية.
[ ٣ / ٣٦١ ]
فَأَجْلَاهُمْ وَهُمْ [أَهْلُ] جَدِّ يَهُودَ، كَانُوا أَهْلَ عِدَّةٍ وَسِلَاحٍ وَنَجْدَةٍ، فَحَصَرَهُمْ فَلَمْ يُخْرِجْ إِنْسَانٌ مِنْهُمْ رَأْسَهُ حَتَّى سَبَاهُمْ فَكُلِّمَ فِيهِمْ فَتَرَكَهُمْ عَلَى أَنْ أَجْلَاهُمْ مِنْ يَثْرِبَ، يَا قَوْمُ! قَدْ رَأَيْتُمْ مَا رَأَيْتُ فَأَطِيعُونِي، وَتَعَالَوْا نَتَّبِعْ مُحَمَّدًا فو الله إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنَّهُ نَبِيُّ وَقَدْ بَشَّرَنَا بِهِ، وَبِأَمْرِهِمْ: ابْنُ الْهَيِّبَانِ أَبُو عُمَيْرٍ، وَابْنُ حِرَاشٍ وَهُمَا أَعْلَمُ يَهُودَ جَاءَا مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ يَتَوَكَّفَانِ قدومه وأمرنا بِاتِّبَاعِهِ، وَأَمَرَانَا أَنْ نُقْرِئَهُ مِنْهُمَا السَّلَامَ، ثُمَّ مَاتَا عَلَى دينهما ودفنّا هما بِحَرَّتِنَا هَذِهِ.
فَأُسْكِتَ الْقَوْمُ فَلَمْ يَتَكَلَّمْ مِنْهُمْ مُتَكَلِّمٌ، فَأَعَادَ هَذَا الْكَلَامَ وَخَوَّفَهُمْ [(٥)] بِالْحَرْبِ وَالسِّبَاءِ وَالْجَلَاءِ، فَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَاطَا: قَدْ وَالتَّوْرَاةِ قَرَأْتُ صِفَتَهُ فِي كِتَابِ بَاطَا التَّوْرَاةِ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلَى مُوسَى، لَيْسَ فِي الْمَثَانِي الَّذِي أَحْدَثْنَا، قَالَ:
فَقَالَ لَهُ كَعْبُ بْنُ أَسَدٍ: مَا يَمْنَعُكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ مِنِ اتِّبَاعِهِ، قَالَ: أَنْتَ، قَالَ: كَعْبٌ: وَلِمَ وَالتَّوْرَاةِ مَا حُلْتُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ قَطُّ. قَالَ الزُّبَيْرُ: أَنْتَ صَاحِبُ عَهْدِنَا وَعَقْدِنَا، فَإِنِ اتَّبَعْتَهُ اتَّبَعْنَاهُ، وَإِنْ أَبَيْتَ أَبَيْنَا، فَأَقْبَلَ عَمْرُو بْنُ سُعْدَى عَلَى كَعْبٍ فَذَكَرَ مَا تَقَاوَلَا فِي ذَلِكَ إِلَى أَنْ قَالَ كَعْبٌ: مَا عِنْدِي فِي أَمْرِهِ إِلَّا مَا قُلْتَ مَا تَطِيبُ نَفْسِي أَنْ أَصِيرَ تابعا [(٦)] .
_________________
(١) [(٥)] (ص) و(أ): «تخوّفهم» . [(٦)] الواقدي (٤٠٣- ٥٠٤) باختلاف يسير، وعن المصنف نقله الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية» (٤: ٨٠- ٨١)، وقال: «رواه البيهقي»، وقد نقله أيضا الصالحي في السيرة الشامية (٤: ٤٦٣- ٤٦٥)، وجاء بعدها ما يلي: فَأَقْبَلَ عَمْرُو بْنُ سُعْدَى على كعب فقال: أما والتوراة الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلَى مُوسَى يوم طور سينا إنه للعزّ والشّرف في الدنيا، وإنه لعلى منهاج موسى، وينزل معه وأمته غدا في الجنة. قال كعب: نقيم على عهدنا وعقدنا فلا يخفر لنا محمد ذمّة، وننظر ما يصنع حييّ، فقد أخرج إخراج ذلّ وصغار، فلا أراه يقرّ حتى يغزو محمدا، فإن ظفر بمحمد فهو ما أردنا، وأقمنا على ديننا وإن ظفر بحيى فَمَا فِي الْعَيْشِ خَيْرٌ، وتحوّلنا من جواره. قال عمرو بن سعدى: ولم نؤخّر الأمر وهو مقبل؟ قال كعب: ما على هذا فوق، متى أردت
[ ٣ / ٣٦٢ ]
_________________
(١) [()] هذا من محمد أجابني إليه. قال عمرو، والتوراة، إن عليه لغوثا، إذا سار إلينا محمد فتخبأنا في حصوننا هذه التي قد خدعتنا، فلا نفارق حصوننا حتى ننزل على حكمه، فيضرب أعناقنا. قال كعب بن أسد: ما عندي في أمره إلا ما قلت، ما تطيب نفسي أن أصير تابعا لقول هذا الإسرائيليّ، ولا يعرف فضل النّبوّة ولا قدر الفعال. قال عمرو بن سعدى: بل لعمري ليعرفنّ ذلك. فبينما هم على ذلك لم يرعهم إلا بمقدّمة النبيّ ﷺ قد حلّت بساحتهم، فقال: هذا الذي قلت لك. وذلك أنهم نقضوا عهد رسول الله ﷺ، وحاربوه في وقعة الخندق، وأنزل الله ﷾ غالب سورة الحشر في شأنهم.
[ ٣ / ٣٦٣ ]
بَابُ غَزْوَةِ بَنِي لِحْيَانَ وَهِيَ الْغَزْوَةُ الَّتِي صَلَّى فِيهَا صَلَاةَ الْخَوْفِ بِعُسْفَانَ حِينَ أَتَاهُ الْخَبَرُ مِنَ السَّمَاءِ بِمَا هَمَّ بِهِ الْمُشْرِكُونَ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمَّارٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: وَخَرَجَ فِي جُمَادَى الْأُولَى عَلَى رَأْسِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ صُلْحِ بَنِي قُرَيْظَةَ إِلَى بَنِي لِحْيَانَ يَطْلُبُ بِأَصْحَابِ الرَّجِيعِ: خُبَيْبٍ وَأَصْحَابِهِ، وَأَظْهَرَ أَنَّهُ يُرِيدُ الشَّامَ لِيُصِيبَ مِنَ الْقَوْمِ غِرَّةً [(١)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، [قَالَ]: [(٢)] حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا [(٣)] عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَغَيْرُهُ، قَالُوا: لَمَّا أُصِيبَ خُبَيْبٌ وَأَصْحَابُهُ خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ طَلَبًا بِدِمَائِهِمْ لِيُصِيبَ مِنْ بَنِي لِحْيَانَ غِرَّةً فسلك طريق الشام وورّا عَلَى النَّاسِ أَنَّهُ لَا يُرِيدُ بَنِي لِحْيَانَ [لِيُصِيبَ مِنْهُمْ غِرَّةً حَتَّى نَزَلَ أَرْضَ بَنِي لِحْيَانَ] [(٤)] مِنْ هذيل،
_________________
(١) [(١)] الخبر في سيرة ابن هشام (٣: ٢٣٧) . [(٢)] ليست في (ح) . [(٣)] في (ح): «حدثني» . [(٤)] الزيادة من (ح) .
[ ٣ / ٣٦٤ ]
فَوَجَدَهُمْ قَدْ حَذِرُوا، فَتَمَنَّعُوا في رؤوس الْجِبَالِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَوْ أَنَّا هَبَطْنَا عُسْفَانَ لَرَأَتْ قُرَيْشٌ أَنَّهُ قَدْ جِئْنَا مَكَّةَ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي مِائَتَيْ رَاكِبٍ، حَتَّى نَزَلَ عُسْفَانَ، ثُمَّ بَعَثَ فَارِسَيْنِ حَتَّى جَاءَا كُرَاعَ الْغَمِيمِ، ثُمَّ انْصَرَفَا إِلَيْهِ، فَذَكَرَ أَبُو عَيَّاشٍ الزُّرَقِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلَّى بِعُسْفَانَ صَلَاةَ الْخَوْفِ [(٥)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرِ بْنُ قَتَادَةَ وَأَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْفَارِسِيُّ، قَالَا:
أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيٍّ الذُّهْلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي عَيَّاشٍ الزُّرَقِيِّ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِعُسْفَانَ وَعَلَى الْمُشْرِكِينَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، فَصَلَّيْنَا الظُّهْرَ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: لَقَدْ كَانُوا عَلَى حَالٍ لَوْ أَرَدْنَا لَأَصَبْنَا غِرَّةً [(٦)]، وَأُنْزِلَتْ آيَةُ الْقَصْرِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَأَخَذَ النَّاسُ السِّلَاحَ وَصَفُّوا
_________________
(١) [(٥)] فائدة: ذكر بعض الفقهاء أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صلى صلاة الخوف في عشرة مواضع، والذي استقر عند أهل السّير، والمغازي، أربعة مواضع: ذات الرقاع. وبطن نخل. وعسفان. وذي قرد، فحديث ذات الرقاع أخرجه البخاري. ومسلم عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، وفي لفظ للبخاري: عمن صلى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعِ صَلَاةَ الْخَوْفِ، أَنَّ طَائِفَةً صفت معه الحديث، وحديث بطن نخلة أخرجه النسائي عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بنخل، والعدو بيننا، وبين القبلة، الحديث، وحديث عسفان أخرجه أبو داود. والنسائي عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِي عياش الزرقي. زيد بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِعُسْفَانَ، وَعَلَى الْمُشْرِكِينَ خَالِدُ بن الوليد. الحديث، ورواه البيهقي في «المعرفة» بلفظ: حدثنا أبو عياش، قال: وفي هذا تصريح بسماع مجاهد من أبي عياش، وحديث ذي قرد أخرجه النسائي عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صلى بذي قرد، الحديث وروى الواقدي في «المغازي» حدثني ربيعة بن عثمان عن وهب بن كيسان عن جابر بن عبد الله، قال: قال: أول ما صلى رسول الله ﷺ صلاة الخوف، في غزوة ذات الرقاع، ثم صلاها بعد بعسفان بينهما أربع سنين، قال الواقدي: وهذا عندنا أثبت من غيره، انتهى. [(٦)] في سنن أبي داود: «لقد أصبنا غرة، لقد أصبنا غفلة، لو كنا حملنا عليهم وهم في الصلاة» .
[ ٣ / ٣٦٥ ]
خَلْفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ صَفَّيْنِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ وَالْمُشْرِكُونَ مُسْتَقْبِلُوهُمْ، فَكَبَّرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَكَبَّرُوا جَمِيعًا، ثُمَّ رَكَعَ وَرَكَعُوا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَرَفَعُوا جَمِيعًا، ثُمَّ سَجَدَ وَسَجَدَ الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، وَقَامَ الْآخَرُونَ يَحْرُسُونَهُمْ، فَلَمَّا فَرَغَ هَؤُلَاءِ مِنْ سُجُودِهِمْ سَجَدَ هَؤُلَاءِ ثُمَّ نَكَصَ الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ وَتَقَدَّمَ الْآخَرُونَ، فَقَامُوا فِي مَقَامِهِمْ، فَرَكَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَرَكَعُوا مَعَهُ جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَرَفَعُوا جَمِيعًا، ثُمَّ سَجَدَ وَسَجَدَ الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، وَقَامَ الْآخَرُونَ يَحْرُسُونَهُمْ فَلَمَّا فَرَغَ هَؤُلَاءِ مِنْ سُجُودِهِمْ سَجَدَ هَؤُلَاءِ الْآخَرُونَ ثُمَّ اسْتَوَوْا مَعَهُ قُعُودًا جَمِيعًا، ثُمَّ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا فَصَلَّاهَا بِعُسْفَانَ، وَصَلَّاهَا يَوْمَ بَنِي سُلَيْمٍ [(٧)] .
وَهَذِهِ الصِّفَةُ أَخْرَجَهَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْأَنْصَارِيِّ [(٨)]، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الْمَوْضِعَ الَّذِي صَلَّاهَا بِهِ،
وَلَا قَوْلَ أَبِي عَيَّاشٍ: وَعَلَى الْمُشْرِكِينَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَغَازِي أَنَّ غَزْوَةَ بَنِي لِحْيَانَ كَانَتْ بَعْدَ قُرَيْظَةَ.
وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ [(٩)] بِإِسْنَادِهِ عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ فِي قِصَّةِ إِسْلَامِهِ، قَالَ: فَلَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الْحُدَيْبِيَةِ خَرَجْتُ فِي خَيْلِ الْمُشْرِكِينَ، فَلَقِيتُ رَسُولَ الله ﷺ فِي أَصْحَابِهِ بِعُسْفَانَ، فَقُمْتُ بِإِزَائِهِ وَتَعَرَّضْتُ لَهُ فَصَلَّى بِأَصْحَابِهِ الظُّهْرَ أَمَامَنَا فَهَمَمْنَا أَنْ نُغِيرَ عَلَيْهِ، ثُمَّ لَمْ يُعْزَمْ لَنَا فَاطَّلَعَ على ما في أنفسنا من الهمّ [(١٠)]
_________________
(١) [(٧)] أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة، صلاة الخوف، الحديث (١٢٣٦)، صفحة (٢: ١١) عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي عَيَّاشٍ الزُّرَقِيِّ. [(٨)] صفة صلاة الخوف في صحيح مسلم، في: ٦- كتاب صلاة المسافرين، (٥٧) باب صلاة الخوف، الحديث (٣٠٧)، ص (٥٧٤) . [(٩)] في المغازي صفحة (٧٤٦) باختلاف يسير. [(١٠)] في المغازي: «الهموم» .
[ ٣ / ٣٦٦ ]
بِهِ فَصَلَّى بِأَصْحَابِهِ صَلَاةَ الْعَصْرِ صَلَاةَ الْخَوْفِ.
وَقَدْ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ فُورَكٍ﵀- قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ:
صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِأَصْحَابِهِ الظُّهْرَ بِنَخْلٍ فَهَمَّ بِهِمُ الْمُشْرِكُونَ ثُمَّ قَالُوا: دَعُوهُمْ فَإِنَّ لَهُمْ صَلَاةً بَعْدَهَا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنْ أَبْنَائِهِمْ، قَالَ: فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ، فَصَلَّى بِأَصْحَابِهِ الْعَصْرَ وَصَفَّهُمْ صَفَّيْنِ: رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَالْعَدُوُّ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَكَبَّرُوا جَمِيعًا وَرَكَعُوا جَمِيعًا، ثُمَّ سَجَدَ الَّذِينَ يَلُونَهُ وَالْآخَرُونَ قيام، فلما رفعوا رؤوسهم سَجَدَ الْآخَرُونَ ثُمَّ تَقَدَّمَ هَؤُلَاءِ [وَتَأَخَّرَ هَؤُلَاءِ] [(١١)] فَكَبَّرُوا جَمِيعًا وَرَكَعُوا جَمِيعًا، ثُمَّ سَجَدَ [(١٢)] الَّذِينَ يَلُونَهُمْ وَالْآخَرُونَ قيام، فلما رفعوا رؤوسهم سَجَدَ الْآخَرُونَ.
اسْتَشْهَدَ الْبُخَارِيُّ بِرِوَايَةِ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ [(١٣)]، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي خَيْثَمَةَ زُهَيْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ [(١٤)] إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَوْمًا مِنْ جُهَيْنَةَ، فَقَاتَلُونَا قِتَالًا شَدِيدًا فَلَمَّا صَلَّيْنَا الظُّهْرَ قَالَ الْمُشْرِكُونَ لَوْ مِلْنَا عَلَيْهِمْ مَيْلَةً لَاقْتَطَعْنَاهُمْ فَأَخْبَرَ جِبْرِيلُ ﵇ رَسُولَ الله ﷺ بِذَلِكَ، وَذَكَرَ ذَلِكَ لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ: وَقَالُوا إِنَّهُ سَتَأْتِيهِمْ صَلَاةٌ هِيَ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنَ الْأَوْلَادِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ [(١٥)] .
_________________
(١) [(١١)] ليست في (ح) . [(١٢)] في (أ): «قعد» . [(١٣)] وأخرجه تعليقا. فتح الباري (٧: ٤٣٦) . [(١٤)] في: ٦- كتاب المساجد (٥٧) باب صلاة الخوف، الحديث (٣٠٨)، ص (٥٧٥) . [(١٥)] وتتمة الحديث: «فلمّا حضرت العصر، قال: صفّنا صفّين، والمشركون بيننا وبين القبلة، قال: فَكَبَّرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وكبّرنا، وركع فركعنا، ثم سجد وسجد معه الصّفّ الأول، فلما قاموا سجد الصف الثاني، ثم تأخر الصف الأول، وتقدم الصف الثاني فقاموا مقام الأول، فكبّر
[ ٣ / ٣٦٧ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ:
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ فَذَكَرَهُ.
وَقَوْلُ مَنْ قَالَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ بِنَخْلٍ يُوهِمْ أَنَّهَا وَغَزْوَةُ ذَاتِ الرِّقَاعِ وَاحِدَةٌ، وَمِنْهَا خَرَجَ إِلَى عُسْفَانَ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ إِسْحَاقَ، وَاخْتِلَافُ الرِّوَايَاتِ فِي كَيْفِيَّةِ صَلَاةِ الْخَوْفِ بِهَا لِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ بِهِ فِي صَلَاتِهِ وَاللهُ أَعْلَمُ كَيْفَ كَانَ ذَلِكَ، وَالْمَقْصُودُ مَعْرِفَةُ كَيْفَيَّةِ صَلَوَاتِهِ وَمَا ظَهَرَتْ دَلَالَةُ النُّبُوَّةِ بِإِعْلَامِ اللهِ إِيَّاهُ مَا هَمَّ بِهِ الْمُشْرِكُونَ فِي صَلَاتِهِ وَذَلِكَ حَاصِلٌ وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ.
وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ بَعْدَ هَذَا غَزْوَةَ ذِي قَرَدٍ حِينَ أَغَارَتْ بَنُو فَزَارَةَ عَلَى لِقَاحِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَالَّذِي لَا يُشَكُّ فِيهِ أَنَّهَا كَانَتْ بَعْدَ الْحُدَيْبِيَةِ وَحَدِيثُ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ يَنْطِقُ بِذَلِكَ فَأَخَّرْنَا ذِكْرَهَا وبالله التوفيق.
_________________
(١) [()] رسول الله ﷺ وكبّرنا، وركع فركعنا، ثم سجد معه الصف الأول وقام الثاني، فلما سجد الصف الثاني- ثم جلسوا جميعا- سلّم عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ» .
[ ٣ / ٣٦٨ ]
بَابُ غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ [(١)] وَهِيَ غَزْوَةُ مُحَارِبِ خَصَفَةَ [(٢)] مِنْ بَنِي ثَعْلَبَةَ مِنْ غَطَفَانَ
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ﵀-: وَهِيَ بَعْدَ خَيْبَرَ لِأَنَّ أَبَا مُوسَى جَاءَ بَعْدَ خَيْبَرَ، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَزْوَةٍ نَجْدٍ صَلَاةَ الْخَوْفِ وَإِنَّمَا جَاءَ أَبُو هُرَيْرَةَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ أَيَّامَ خَيْبَرَ.
قُلْتُ، وَكَذَلِكَ عَبْدُ اللهِ بن عمر، قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ قبل نَجْدٍ فَذَكَرَ صَلَاةَ الْخَوْفِ وَإِجَازَتُهُ فِي الْقِتَالِ كَانَ عَامَ الْخَنْدَقِ.
إِلَّا أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ زَعَمَ أَنَّ غَزْوَةَ ذَاتِ الرِّقَاعِ كَانَتْ فِي
_________________
(١) [(١)] سميت بذات الرقاع لأنهم رقّعوا فيها راياتهم، ويقال لشجرة هناك: «ذات الرقاع»، وفي حديث أبي موسى: «إنما سميت بذلك لما كانوا يربطون أرجلهم من الخرق من شدة الحر» . وقد وردت في طبقات ابن سعد (٢: ٦١)، وسيرة ابن هشام (٣: ١٥٧)، وأنساب الأشراف (١: ١٦٣) ومغازي الواقدي (١: ٣٩٥)، وصحيح مسلم بشرح النووي (١٢: ١٧)، وتاريخ الطبري (٢: ٥٥٥)، وصحيح البخاري (٥: ١١٣)، وابن حزم ص (١٨٢)، وعيون الأثر (٢: ٧٢)، والبداية والنهاية (٤: ٨٣)، والنويري (١٧: ١٥٨)، والسيرة الحلبية (٢: ٣٥٣) . [(٢)] في هذه الغزاة أتى رجل من بني محارب بن خصفة ليفتك بِرَسُولِ اللهِ ﷺ، وشرط ذلك لقومه
[ ٣ / ٣٦٩ ]
جُمَادَى الْأُولَى بَعْدَ غَزْوَةِ بَنِي النَّضِيرِ بِشَهْرَيْنِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: ثُمَّ أَقَامَ رسول الله ﷺ بَعْدَ غَزْوَةِ بَنِي النَّضِيرِ شَهْرَ رَبِيعٍ الْآخَرَ، وَبَعْضَ جُمَادَى، ثُمَّ غَزَا نَجْدًا يُرِيدُ بَنِي مُحَارِبٍ، وَبَنِي ثَعْلَبَةَ مِنْ غَطَفَانَ، حَتَّى نَزَلَ النَّخْلَةَ وَهِيَ غَزْوَةُ ذَاتِ الرِّقَاعِ، فَلَقِيَ بِهَا جَمْعًا مِنْ غَطَفَانَ، فَتَقَارَبَ النَّاسُ وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ حَرْبٌ، وَقَدْ خَافَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، حَتَّى صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ [بِالنَّاسِ] [(٣)] صَلَاةَ الْخَوْفِ ثُمَّ انْصَرَفَ بِالنَّاسِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمَّارُ بْنُ الْحَسَنِ [(٤)]، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ فِي ذِكْرِ مَغَازِي رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: أَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ غَزْوَةِ بَنِي النَّضِيرِ شَهْرَ رَبِيعٍ وَبَعْضَ جُمَادَى، ثُمَّ غَزَا نَجْدًا يُرِيدُ مُحَارِبًا، وَبَنِي ثَعْلَبَةَ مِنْ غَطَفَانَ [(٥)]، وَهِيَ غَزْوَةُ ذَاتِ الرِّقَاعِ.
فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ مِنْ غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ أَقَامَ بِهَا جُمَادَى الْأُولَى، وَجُمَادَى الْآخِرَةَ، وَرَجَبًا، ثُمَّ خَرَجَ فِي شَعْبَانَ إِلَى بَدْرٍ لِمِيعَادِ أَبِي سُفْيَانَ، فَذَهَبَ الْوَاقِدِيُّ إِلَى مَا أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْأَصْبَهَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْجَهْمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ
_________________
(١) [(٣)] الزيادة من (ح) فقط، وثابتة في سيرة ابن هشام أيضا. [(٤)] (ح): عمار بن الحسين، وهو تحريف، إذ أنه عمار بن الحسن بن بشير الهمداني، أبو الحسن الرازي، روى عنه النسائي، ويعقوب بن سفيان ولد سنة (١٥٩)، ومات سنة (٢٤٢) ووثقه النسائي، وابن حبان، وله ترجمة في تهذيب التهذيب (٧: ٣٩٩) . [(٥)] سيرة ابن هشام (٣: ١٥٧) .
[ ٣ / ٣٧٠ ]
الْفَرَجِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَاقِدِيُّ، قَالَ: وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ ذَاتَ الرِّقَاعِ لِأَنَّهُ قِيلَ كَانَ فِيهِ بُقَعُ حُمْرَةٍ وَسَوَادٍ وَبَيَاضٍ، فَسُمِّيَ ذَاتِ الرِّقَاعِ.
قَالَ: وَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيْلَةَ السَّبْتِ لِعَشْرٍ خَلَوْنَ مِنَ الْمُحَرَّمِ عَلَى رَأْسِ سَبْعَةٍ وَأَرْبَعِينَ شَهْرًا، وَقَدِمَ صِرَارًا [(٦)] يَوْمَ الْأَحَدِ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنَ الْمُحَرَّمِ، وَذَاتُ الرِّقَاعِ قَرِيبَةٌ مِنَ النَّخِيلِ بَيْنَ السَّعْدِ وَالشَّقْرَةِ وَبِئْرُ أُرْمَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ مِنَ الْمَدِينَةِ وَهِيَ بِئْرٌ جَاهِلِيَّةٌ، غَابَ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً [(٧)] .
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مِقْسَمٍ، عَنْ جَابِرٍ، وَحَدَّثَنِي هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ جَابِرٍ، وَعَنْ مَالِكٍ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ جابر، وَقَدْ زَادَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْحَدِيثِ، وَغَيْرُهُمْ قَدْ حَدَّثَنِي قَالُوا:
قَدِمَ قَادِمٌ بِجَلَبٍ لَهُ فَاشْتَرَى بِسُوقِ النَّبَطِ، وَقَالُوا: مِنْ أَيْنَ جَلَبْتَ جَلَبَكَ؟
قَالَ: جِئْتُ بِهِ مِنْ نَجْدٍ وَقَدْ رَأَيْتُ أَنْمَارًا وَثَعْلَبَةَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ جُمُوعًا، وَأَرَاكُمْ هَادِينَ عَنْهُمْ، فَبَلَغَ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَوْلُهُ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي أربع مائة مِنْ أَصْحَابِهِ وَقَالَ مُقَاتِلٌ: سبع مائة أو ثمان مائة، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الْمَدِينَةِ، حَتَّى سَلَكَ عَلَى الْمَضِيقِ ثُمَّ أَفْضَى إِلَى وَادِي الشَّقْرَةِ، فَأَقَامَ بِهِ يَوْمًا، وَبَثَّ السَّرَايَا، فَرَجَعُوا إِلَيْهِ مَعَ اللَّيْلِ وَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْا أَحَدًا وَقَدْ وَطِئُوا آثَارًا حَدِيثَةً، ثُمَّ سَارَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي أَصْحَابِهِ حَتَّى أَتَى مَحَالَّهُمْ فَيَجِدُونَ الْمَحَالَّ لَيْسَ فِيهَا أَحَدٌ، وَهَرَبَتِ الْأَعْرَابُ إلى رؤوس الْجِبَالِ، فَهُمْ مُطِلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَقَدْ خَافَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَالْمُشْرِكُونَ مِنْهُمْ قَرِيبٌ، وَخَافَ الْمُسْلِمُونَ أَلَّا يَبْرَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى يَسْتَأْصِلَهُمْ، وَفِيهَا صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلَاةَ الخوف [(٨)] .
_________________
(١) [(٦)] (صرار): بئر قديمة عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ مِنَ المدينة معجم ما استعجم ص (٦٠١) . [(٧)] مغازي الواقدي (١: ٣٩٥) . [(٨)] مغازي الواقدي (١: ٣٩٥- ٣٩٦) .
[ ٣ / ٣٧١ ]
قُلْتُ وَفِي الْحَدِيثِ الثَّابِتِ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ فِي الْغَزْوَةِ الَّتِي شَهِدَهَا وَسَمَّاهَا ذَاتَ الرِّقَاعِ قَالَ: فَنَقِبَتْ أَقْدَامُنَا وَنَقِبَتْ قَدَمَايَ، وَسَقَطَتْ أَظْفَارِي فَكُنَّا نَلُفُّ عَلَى أَرْجُلِنَا الْخِرَقَ قَالَ: فَسُمِّيَتْ غَزْوَةَ ذَاتِ الرِّقَاعِ.
وَرُوِّينَا عَنِ الْوَاقِدِيِّ فِي الْغَزْوَةِ الَّتِي غَزَاهَا مُحَارِبًا وَبَنِي ثَعْلَبَةَ أَنَّهَا سُمِّيَتْ ذَاتَ الرِّقَاعِ لِأَنَّهُ جَبَلٌ كَانَ فِيهِ بُقَعُ حُمْرَةٍ وَسَوَادٍ وَبَيَاضٍ، فَإِنْ كَانَ الْوَاقِدِيُّ حَفِظَ ذَلِكَ فَيُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ الْغَزْوَةُ الَّتِي شَهِدَهَا أَبُو مُوسَى وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ غَيْرَ هَذِهِ. وَاللهُ أَعْلَمُ.
[ ٣ / ٣٧٢ ]
بَابُ عَصَمَهُ اللهُ ﷿ رَسُولَهُ ﷺ عَمَّا هَمَّ بِهِ غَوْرَثُ بْنُ الْحَارِثِ مِنْ قَتْلِهِ وَكَيْفِيَّةِ صَلَاتِهِ فِي الْخَوْفِ
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحُسَيْنُ: ابن الحسن ابن أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا [(١)] سِنَانُ بن أبي سنان الدُّؤَلِيُّ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ جَابِرَ بْنَ عبد الله الأنصاري وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَخْبَرَهُمَا أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ غَزْوَةً قِبَلَ نَجْدٍ، فَلَمَّا قَفَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَفَلَ مَعَهُ فَأَدْرَكَتْهُ الْقَائِلَةُ يَوْمًا بِوَادٍ كَثِيرِ الْعِضَاةِ [(٢)]، فَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَتَفَرَّقَ النَّاسُ فِي الْعِضَاةِ يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ تَحْتَ ظِلِّ سَمُرَةٍ، فَعَلَّقَ بِهَا سَيْفَهُ، قَالَ جَابِرٌ: فَنِمْنَا نَوْمَةً فَإِذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدْعُونَا فَأَجَبْنَاهُ، فَإِذَا عِنْدَهُ أَعْرَابِيٌّ جَالِسٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِنَّ هَذَا اخْتَرَطَ سَيْفِي وَأَنَا نَائِمٌ فَاسْتَيْقَظْتُ وَهُوَ فِي يَدِهِ صَلْتًا فَقَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قُلْتُ: اللهُ، فَقَالَ:
مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قُلْتُ: اللهُ، فَشَامَ السَّيْفَ وَجَلَسَ، فَلَمْ يُعَاقِبْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَدْ فَعَلَ ذلك.
_________________
(١) [(١)] في (ح): «حدثني» . [(٢)] (العضاة) شجر عظيم الشوك، شوكه كالطلح، والعوسج.
[ ٣ / ٣٧٣ ]
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ أَبِي الْيَمَانِ [(٣)] .
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنِ الصَّنْعَانِيِّ، وعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ [(٤)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ السُّكَّرِيُّ بِبَغْدَادَ قَالَ:
أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَزَلَ مَنْزِلًا وَتَفَرَّقَ النَّاسُ فِي الْعِضَاةِ يَسْتَظِلُّونَ تَحْتَهَا، وَعَلَّقَ النَّبِيُّ ﷺ سِلَاحَهُ بِشَجَرَةٍ، فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَاسْتَلَّ السَّيْفَ ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: مَنْ يَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: اللهُ (مَنْ يَهْزِمُكَ مِنِّي) حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: اللهُ.
قَالَ: فَشَامَ [(٥)] الْأَعْرَابِيُّ السَّيْفَ وَجَاءَ فَجَلَسَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ فَأَخْبَرَهُمْ خَبَرَ الْأَعْرَابِيِّ وَهُوَ جَالِسٌ إِلَى جَنْبِهِ لَمْ يُعَاقِبْهُ.
قَالَ: وَكَانَ قَتَادَةُ يَذْكُرُ نَحْوَ هَذَا وَيَذْكُرُ أَنَّ قَوْمًا مِنَ الْعَرَبِ أَرَادُوا أَنْ يَفْتِكُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ فَأَرْسَلُوا هَذَا الْأَعْرَابِيَّ، ويتلو: اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ [(٦)] الْآيَةَ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ مَحْمُودٍ [(٧)] .
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ [(٨)] كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ دُونَ قَوْلِ قَتَادَةَ،
_________________
(١) [(٣)] في كتاب المغازي (٣١) بَابُ غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ، فتح الباري (٧: ٤٢٦) . [(٤)] فِي، ٤٣- كِتَابِ الْفَضَائِلِ، (٤) بَابُ توكله ﷺ على الله تعالى، وعصمة الله تعالى له من الناس، الحديث (١٣)، والحديث (١٤)، ص (١٧٨٦- ١٧٨٧) من صحيح مسلم. [(٥)] (شام) كلمة من الأضداد تعني إذا سلّ سيفه وإذا أغمده، والمراد هنا: أغمده. [(٦)] الآية الكريمة (١١) من سورة المائدة. [(٧)] في: ٦٤- كتاب المغازي، (٣٢) بَابُ غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، فتح الباري (٧: ٤٢٩) . [(٨)] مُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ فِي: ٤٣- كِتَابِ الْفَضَائِلِ (٤) بَابُ عصمة الله تعالى لِلنَّبِيِّ ﷺ من الناس، حديث (١٣)، ص (١٧٨٦) .
[ ٣ / ٣٧٤ ]
قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَقَالَ أَبَانُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ الَّذِي أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكَعْبِيُّ قَالَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ قُتَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِذَاتِ الرِّقَاعِ قَالَ: كُنَّا إِذَا أَتَيْنَا عَلَى شَجَرَةٍ ظَلِيلَةٍ تَرَكْنَاهَا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، قَالَ فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَسَيْفُ رَسُولِ الله ﷺ مُعَلَّقٌ بِشَجَرَةٍ فَأَخَذَ سَيْفَ نَبِيِّ اللهِ ﷺ فَاخْتَرَطَهُ فَقَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ أَتَخَافُنِي؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَمَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: اللهُ يَمْنَعُنِي مِنْكَ، قَالَ:
فَتَهَدَّدَهُ أَصْحَابُ رَسُولِ الله ﷺ، فَأَغْمَدَ السَّيْفَ وَعَلَّقَهُ، قَالَ: فَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ فَصَلَّى بِطَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ تَأَخَّرُوا، وَصَلَّى بِالطَّائِفَةِ الْأُخْرَى رَكْعَتَيْنِ، قَالَ: فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ أَرْبَعَ ركعات وَلِلْقَوْمِ رَكْعَتَانِ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ [(٩)] .
قَالَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ مُسَدَّدٌ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ: اسْمُ الرَّجُلِ غَوْرَثُ بْنُ الْحَارِثِ وَقَاتَلَ فِيهَا مُحَارِبَ خَصَفَةَ.
أَخْبَرَنَاهُ أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَحْبُوبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ عَارِمٌ (ح) .
وأَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو الْأَدِيبُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْمَرْوَزِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَاصِمٌ هُوَ ابْنُ عَلِيٍّ، قَالَا:
حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قاتل
_________________
(١) [(٩)] صحيح مسلم في: ٤٣- كتاب الفضائل، الحديث (١٤)، ص (١٧٨٧) عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أبي شيبة.
[ ٣ / ٣٧٥ ]
رسول الله ﷺ مُحَارِبَ خَصَفَةَ بِنَخْلٍ، فَرَأَوْا مِنَ الْمُسْلِمِينَ غِرَّةً، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ غَوْرَثُ بْنُ الْحَارِثِ، حَتَّى قَامَ عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالسَّيْفِ، فَقَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: اللهُ. قَالَ: فَسَقَطَ السَّيْفُ مِنْ يَدِهِ. قَالَ: فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ السَّيْفَ. فَقَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: كُنْ خَيْرَ آخِذٍ. قَالَ تَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنِّي رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ أُعَاهِدُكَ عَلَى أَنْ لَا أُقَاتِلَكَ، وَلَا أَكُونُ مَعَ قَوْمٍ يُقَاتِلُونَكَ، فَخَلَّى سَبِيلَهُ، فَأَتَى أَصْحَابَهُ وَقَالَ:
جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ خَيْرِ النَّاسِ، ثُمَّ ذَكَرَ صَلَاةَ الْخَوْفِ وَأَنَّهُ صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ لِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ، هَذَا لَفْظُ حَدِيثِ عَاصِمٍ، وَفِي رِوَايَةِ عَارِمٍ قَالَ الْأَعْرَابِيُّ:
أُعَاهِدُكَ أَنْ لَا أُقَاتِلَكَ وَلَا أَكُونُ مَعَ قَوْمٍ يُقَاتِلُونَكَ، قَالَ: فَخَلَّى رَسُولُ الله ﷺ- يَعْنِي عَنْهُ- فَجَاءَ إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ خَيْرِ النَّاسِ، فَلَمَّا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلَاةَ الْخَوْفِ، فَكَانَ النَّاسُ طَائِفَتَيْنِ طَائِفَةٌ بِإِزَاءِ عَدُوِّهِمْ وَطَائِفَةٌ تُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: فَصَلَّى بِالطَّائِفَةِ الَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ انْصَرَفُوا فَكَانُوا مَعَ أُولَئِكَ الَّذِينَ بِإِزَاءِ عَدُوِّهِمْ، وَجَاءَ أُولَئِكَ فَصَلَّى بِهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ فَكَانَتْ لِلنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ وَلِلنَّبِيِّ ﷺ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ [(١٠)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ: أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ [(١١)]، قَالَ:
أَخْبَرَنَا مَالِكٌ (ح) .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، عَنْ صَالِحِ بن خوّات،
_________________
(١) [(١٠)] نقله الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية عن البيهقي، واختصر آخره (٤: ٨٥) . [(١١)] رواه الشافعي في الرسالة، فقرة ٥٠٩ تحقيق أحمد شاكر.
[ ٣ / ٣٧٦ ]
عَمَّنْ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعِ صَلَاةَ الْخَوْفِ: أَنَّ طَائِفَةً صَفَّتْ مَعَهُ وَطَائِفَةً وِجَاهَ الْعَدُوِّ فَصَلَّى بِالَّتِي مَعَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ ثَبَتَ قَائِمًا، فَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ انْصَرَفُوا وَصَفُّوا وِجَاهَ الْعَدُوِّ وَجَاءَتِ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى فَصَلَّى بِهِمُ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ مِنْ صَلَاتِهِ ثُمَّ ثَبَتَ جَالِسًا وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ ثُمَّ سَلَّمَ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى [(١٢)] .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ مَالِكٍ [(١٣)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، وَمُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ النَّضْرِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ، وَكَثِيرُ بْنُ سُفْيَانَ، وَعِمْرَانُ بْنُ مُوسَى، قَالُوا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذِ بْنِ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ فِي خَوْفٍ فَجَعَلَ خَلْفَهُ صَفَّيْنِ، فَصَلَّى بِالَّذِينَ يَلُونَهُ رَكْعَةً ثُمَّ قَامَ فَلَمْ يَزَلْ قَائِمًا حَتَّى صَلَّى الَّذِينَ خَلْفَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ تَقَدَّمُوا وَتَأَخَّرَ الَّذِينَ كَانُوا قُدَّامَهُمْ، فَصَلَّى بِهِمُ النَّبِيُّ ﷺ رَكْعَةً، ثُمَّ قَعَدَ حَتَّى صَلَّى الَّذِينَ تَخَلَّفُوا رَكْعَةً ثُمَّ سَلَّمَ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ [(١٤)]، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مُعَاذٍ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى الْقَطَّانِ [(١٥)]، عَنْ شُعْبَةَ مُخْتَصَرًا، وَفِيمَا ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ أَنَّ اللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ رَوَى عَنْ هِشَامٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: أَنَّ الْقَاسِمَ ابن مُحَمَّدٍ حَدَّثَهُ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ فِي غَزْوَةِ بَنِي أَنْمَارٍ.
وَقَدْ رُوِّينَا عَنِ الْوَاقِدِيِّ فِي قِصَّةِ الرَّجُلِ الَّذِي أَخْبَرَ بِالْمَدِينَةِ أَنَّ أنمارا وثعلبة
_________________
(١) [(١٢)] أخرجه مسلم في: ٦- كتاب صلاة المسافرين (٥٧) باب صلاة الخوف، حديث (٣١٠) . [(١٣)] أخرجه البخاري في: ٦٤- كتاب المغازي، (٣١) بَابُ غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ. [(١٤)] الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي: ٦- كتاب صلاة المسافرين، (٥٧) باب صلاة الخوف. [(١٥)] البخاري في: ٦٤- كتاب المغازي، (٣١) بَابُ غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ.
[ ٣ / ٣٧٧ ]
قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ جُمُوعًا فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الصَّلَاةُ صَلَّاهَا أَيْضًا فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ، وَإِنَّمَا خَالَفَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَا رُوِّينَا عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ فِي صَلَاتَيْنِ لِاخْتِلَافِ الْحَالِ بِهِ فِيهِمَا وَاللهُ أَعْلَمُ.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْأَصْبَهَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْجَهْمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَرَجِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَاقِدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا [(١٦)] عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ أَخِيهِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ صَلَاةَ الْخَوْفِ، فَاسْتَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْقِبْلَةَ وَطَائِفَةٌ خَلْفَهُ وَطَائِفَةٌ مُوَاجِهَةٌ الْعَدُوَّ، فَصَلَّى بِالطَّائِفَةِ الَّتِي خَلْفَهُ رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ ثُمَّ ثَبَتَ قَائِمًا فَصَلَّوْا خَلْفَهُ رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمُوا، وَجَاءَتِ الطائفة الأخرى فصلى بهم رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ، وَالطَّائِفَةُ الْأُولَى مُقْبِلَةٌ عَلَى الْعَدُوِّ، فَلَمَّا صَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً لَبِثَ جَالِسًا حَتَّى أَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمُوا، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قد أَصَابَ فِي مَحَالِّهِمْ نِسْوَةً، وَكَانَ فِي السَّبْيِ جَارِيَةٌ وَضِيئَةٌ وَكَانَ زَوْجُهَا يُحِبُّهَا، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَاجِعًا إِلَى الْمَدِينَةِ حَلَفَ زَوْجُهَا لَيَطْلُبَنَّ مُحَمَّدًا أَوْ لَا يَرْجِعُ إِلَى قَوْمِهِ حَتَّى يُصِيبَ مُحَمَّدًا أَوْ يُهْرِقَ فِيهِمْ دَمًا أَوْ يُخَلِّصَ صَاحِبَتَهُ، فَبَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي مَسِيرِهِ عَشِيَّةَ ذَاتِ رِيحٍ فَنَزَلَ فِي شِعْبٍ اسْتَقْبَلَهُ، فَقَالَ: مَنْ رَجُلٌ يَكْلَؤُنَا اللَّيْلَةَ فَقَامَ رَجُلَانِ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ فَقَالَا: نَحْنُ يَا رَسُولَ اللهِ نَكْلَؤُكَ،
وَجَعَلَتِ الرِّيحُ لَا تَسْكُنُ وَجَلَسَ الرَّجُلَانِ عَلَى فَمِ الشِّعْبِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: أَيُّ اللَّيْلِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ أَنْ أَكْفِيَكَ أَوَّلَهُ أَوْ آخِرَهُ؟ قَالَ: اكْفِنِي أَوَّلَهُ، فَنَامَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، وَقَامَ عَبَّادٌ يُصَلِّي، وَأَقْبَلَ عَدُوُّ اللهِ يَطْلُبُ غِرَّةً، وَقَدْ سَكَنَتِ الرِّيحُ، فَلَمَّا رَأَى سَوَادَهُ مِنْ قَرِيبٍ قَالَ يَعْلَمُ اللهُ أَنَّ هَذَا لَرَبِئَةُ الْقَوْمِ فَعَرَّقَ لَهُ سَهْمًا فَوَضَعَهُ فِيهِ فَانْتَزَعَهُ ثُمَّ رَمَاهُ آخَرَ فَانْتَزَعَهُ، ثُمَّ رَمَاهُ الثَّالِثَةَ، فَوَضَعَهُ بِهِ فَلَمَّا
_________________
(١) [(١٦)] (ح): حدثني.
[ ٣ / ٣٧٨ ]
غَلَبَهُ الدَّمُ رَكَعَ وَسَجَدَ ثُمَّ قَالَ لِصَاحِبِهِ: اجْلِسْ فَقَدْ أُتِيتُ فَجَلَسَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، فَلَمَّا رَأَى الْأَعْرَابِيُّ أَنَّ عَمَّارًا قَدْ قَامَ عَلِمَ أَنَّهُمْ قَدْ نَذِرُوا بِهِ فَهَرَبَ فَقَالَ عَمَّارٌ يَا أَخِي مَا مَنَعَكَ أَنْ تُوقِظَنِي بِهِ فِي أَوَّلِ سَهْمٍ رَمَاكَ بِهِ؟ قَالَ: كُنْتُ فِي سورة أقرأها وَهِيَ الْكَهْفُ، وَكَرِهْتُ أَنْ أَقْطَعَهَا حَتَّى أَفْرُغَ مِنْهَا، فَلَوْلَا أَنِّي خَشِيتُ أَنْ أُضَيِّعَ ثَغْرًا أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ بِحِفْظِهِ مَا انْصَرَفْتُ وَلَوْ أُتِيَ عَلَى نَفْسِي، قَالَ:
وَيُقَالُ الْأَنْصَارِيِّ: عُمَارَةُ بْنُ حَزْمٍ.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَأَثْبَتُهَا عِنْدَنَا عَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ، قَالَ جَابِرٌ: نَقُولُ إِنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ بِفَرْخِ طَائِرٍ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَنْظُرُ إِلَيْهِ فَأَقْبَلَ أَبَوَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا حَتَّى طَرَحَ نَفْسَهُ فِي يَدَيِ الَّذِي أَخَذَ فَرْخَهُ، فَرَأَيْتُ أَنَّ النَّاسَ عَجِبُوا مِنْ ذَلِكَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَتَعْجَبُونَ مِنْ هَذَا الطَّائِرِ أَخَذْتُمْ فَرْخَهُ فَطَرَحَ نَفْسَهُ رَحْمَةً لِفَرْخِهِ وَاللهِ لَرَبُّكُمْ أَرْحَمُ بِكُمْ مِنْ هَذَا الطَّائِرِ بِفَرْخِهِ.
وَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ [(١٧)] قِصَّةَ هَذَا الرَّجُلِ عَنْ صَدَقَةَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَقِيلِ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ فَأَصَابَ امْرَأَةَ رَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَافِلًا فَذَكَرَهُ غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يُسَمِّ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ قَامَا بِالْحَرَسِ، وَقَدْ مَضَى ذِكْرُهُ فِي كِتَابِ السُّنَنِ [(١٨)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ الْفَضْلِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ أَحْمَدُ ابن عَبْدِ اللهِ الْمُزَنِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عمر قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ غزوة قِبَلَ نَجْدٍ فَوَافَيْنَا الْعَدُوَّ وَصَافَفْنَاهُمْ، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَامَ لَنَا، فَقَامَتْ طَائِفَةٌ مِنَّا مَعَهُ وَأَقْبَلَتْ طَائِفَةٌ
_________________
(١) [(١٧)] سيرة ابن هشام (٣: ١٦٢- ١٦٣) . [(١٨)] السنن الكبرى، كتاب السير، (باب) صلاة الحرص، (٩: ١٥٠) .
[ ٣ / ٣٧٩ ]
عَلَى الْعَدُوِّ، فَرَكَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَنْ مَعَهُ رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ ثُمَّ انْصَرَفُوا فَكَانُوا مَكَانَ الطَّائِفَةِ الَّتِي لَمْ تُصَلِّ، وَجَاءَتِ الطَّائِفَةُ الَّتِي لَمْ تُصَلِّ فَرَكَعَ بِهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَامَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَرَكَعَ لِنَفْسِهِ رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي الْيَمَانِ [(١٩)] .
وَأَخْرَجَاهُ عَنْ حَدِيثِ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ [(٢٠)] .
_________________
(١) [(١٩)] فتح الباري (٧: ٤٢٢) . [(٢٠)] فتح الباري (٧: ٤٢٢)، وصحيح مسلم (باب) صلاة الخوف، الحديث (٣٠٥)، ص (٥٧٤) .
[ ٣ / ٣٨٠ ]
بَابُ مَا ظَهَرَ فِي غَزَاتِهِ هَذِهِ مِنْ بَرَكَاتِهِ وَآيَاتِهِ فِي جَمَلِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْأَنْصَارِيِّ ﵁
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بَالَوَيْهِ قَالَ: حَدَّثَنَا [(١)] مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى [قَالَ] [(٢)]:
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَزَاةٍ فَأَبْطَأَ بِي جَمَلِي وَأَعْيَا [(٣)] فَأَتَى عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ لِي: يَا جَابِرُ، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: مَا شَأْنُكَ؟ قُلْتُ أَبْطَأَ بِي جَمَلِي فَأَعْيَا وَتَخَلَّفَ، فَحَجَنَهُ بِمِحْجَنِهِ [(٤)]، ثُمَّ قَالَ:
ارْكَبْ فَرَكِبْتُ فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي أَكُفُّهُ [(٥)] عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: أَتَزَوَّجْتَ؟ قُلْتُ:
نَعَمْ، قَالَ بِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا؟ فَقُلْتُ: بل ثيب، قَالَ: فَهَلَّا جَارِيَةً تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ؟
قُلْتُ إِنَّ لِي أَخَوَاتٍ أَحْبَبْتُ أَنْ أَتَزَوَّجَ امْرَأَةً تَجْمَعُهُنَّ وَتَمْشُطُهُنَّ وَتَقُومُ عَلَيْهِنَّ، قَالَ: أَمَا إِنَّكَ قَادِمٌ فَإِذَا قَدِمْتَ فَالْكَيْسَ الْكَيْسَ، ثُمَّ قَالَ: أَتَبِيعُ جملك؟ قلت:
_________________
(١) [(١)] (ح): «حدثني» . [(٢)] ليست في (ح) . [(٣)] (وأعيا) يعني عجز عن السير. [(٤)] (فحجنه بمحجنه) المحجن عصا فيها تعقف يلتقط بها الراكب ما سقط منه. [(٥)] (أكفّه) أمنعه حتى لا يتقدم عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بالسبق.
[ ٣ / ٣٨١ ]
نَعَمْ، فَاشْتَرَاهُ مِنِّي بِأُوقِيَّةٍ، ثُمَّ قَدِمَ رَسُولُ الله ﷺ قَبْلِي وَقَدِمْتُ بِالْغَدَاةِ، فَجِئْتُ الْمَسْجِدَ فَوَجَدْتُهُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ: الْآنَ حِينَ قَدِمْتَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ فَدَعْ جَمَلَكَ وَادْخُلْ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ، قَالَ: فَدَخَلْتُ فَصَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ فَأَمَرَ بِلَالًا أَنْ يَزِنَ لِي أُوقِيَّةً، فَوَزَنَ لِي بِلَالٌ فَأَرْجَحَ الْمِيزَانَ، قَالَ: فَانْطَلَقْتُ فَلَمَّا وَلَّيْتُ، قَالَ:
ادْعُ لِي جَابِرًا، فَدُعِيتُ، فَقُلْتُ الْآنَ يَرُدُّ عَلَيَّ الْجَمَلَ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْهُ، فَقَالَ: خُذْ جَمَلَكَ وَلَكَ ثَمَنُهُ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ بُنْدَارٍ، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ [(٦)] .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى [(٧)] .
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ [قَالَ]: [(٨)] حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنَا [(٩)] وَهْبُ بْنُ كَيْسَانَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ مِنْ نَخْلٍ فَلَمَّا قَفَلَ النَّاسُ وَكُنْتُ عَلَى جَمَلٍ لِي قَدْ أَبْطَأَ عَلَيَّ، فَجَعَلَتِ الرِّفَاقُ تَمْضِي حَتَّى أَدْرَكَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ، فقال: مالك يَا جَابِرُ؟ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَبْطَأَ بِي جَمَلِي هَذَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنِخْهُ فَأَنَخْتُهُ، وَأَنَاخَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: أَعْطِنِي هَذِهِ الْعَصَا الَّتِي فِي يَدِكَ فَأَعْطَيْتُهُ إِيَّاهَا أَوْ قَطَعْتُ لَهُ عُصَيَّةً مِنْ شَجَرَةٍ فَأَعْطَيْتُهُ إِيَّاهَا فَنَخَسَهُ بِهَا نَخَسَاتٍ، ثُمَّ قَالَ: ارْكَبْ يَا جَابِرُ، فَرَكِبْتُ فَخَرَجَ وَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ يُوَاهِقُ نَاقَتَهُ مُوَاهَقَةً [(١٠)]، وَتَحَدَّثْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: أَتَبِيعُنِي جَمَلَكَ هَذَا يَا جابر؟
_________________
(١) [(٦)] البخاري عن بندار في: ٣٤- باب البيوع- (٣٤) باب شراء الدوابّ والحمير، فتح الباري (٤: ٣٢٠) . [(٧)] أخرجه مسلم في: ١٧- كتاب الرضاع (١٦) باب استحباب نكاح البكر، الحديث (٥٧)، ص (١٠٨٩) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ. [(٨)] ليست في (ح) . [(٩)] في (ح): «حدثني» . [(١٠)] (المواهقة) المسابقة والمجاراة في المشي والسرعة.
[ ٣ / ٣٨٢ ]
فَقُلْتُ: بَلْ أَهَبُهُ لَكَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ لَا، وَلَكِنْ بِعْنِيهِ [(١١)] فَقُلْتُ: نَعَمْ، إِنْ شِئْتَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: فَبِكَمْ هُوَ؟ فَقُلْتُ: سُمْنِي، فَقَالَ: قَدْ أَخَذْتُهُ بِدِرْهَمٍ، قُلْتُ: لَا، وَاللهِ يَا رَسُولُ اللهِ، فَلَمْ يَزَلْ يَرْفَعُ لِي حَتَّى قَالَ أُوقِيَّةً فَقُلْتُ قَدْ رَضِيتُ، قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ هُوَ لَكَ فَقَالَ: هَلْ تَزَوَّجْتَ يَا جَابِرُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ:
فَقَالَ: بكرا أو ثَيِّبًا؟ فَقُلْتُ: ثَيِّبًا. فَقَالَ: هَلَّا [(١٢)] جَارِيَةً تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ؟
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ أَبِي قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَتَرَكَ سَبْعَ بَنَاتٍ فَنَكَحْتُ امْرَأَةً جَامِعَةً تَجْمَعُ رؤوسهنّ، وَتَقُومُ عَلَيْهِنَّ، وَتَغْسِلُ ثِيَابَهُنَّ، فَقَالَ: أَحْسَنْتَ وَأَصَبْتَ، أَمَا إِنَّا لَوْ قَدِمْنَا [(١٣)] صِرَارًا [(١٤)] لَأَقَمْنَا بِهَا يَوْمًا وَنَحَرْنَا بِهَا جَزُورًا وَسَمِعَتْ بِنَا فَنَفَضَتْ نَمَارِقَهَا [(١٥)]، فَقُلْتُ: وَاللهِ مَا لَنَا نَمَارِقُ، فَقَالَ: إِنَّهَا سَتَكُونُ ثُمَّ ذَكَرَ بَاقِي الْحَدِيثِ [(١٦)] .
_________________
(١) [(١١)] (ص): «تبيعنيه» . [(١٢)] في (أ) رسمت: «هل لا» . [(١٣)] في السيرة: «لو جئنا» . [(١٤)] (صرار) موضع عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ مِنَ المدينة على طريق العراق. [(١٥)] (النمارق) الوسائد. [(١٦)] الخبر بطوله في سيرة ابن هشام (٣: ١٦٠- ١٦١) .
[ ٣ / ٣٨٣ ]
بَابُ غَزْوَةِ بَدْرٍ الْآخِرَةِ [(١)]
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ بِبَغْدَادَ [قَالَ]: [(٢)] أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَتَّابٍ [الْعَبْدِيُّ قَالَ]: [(٣)] حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ [قَالَ:] حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ عَمِّهِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ (ح) .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ الشَّعْرَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا جَدِّي [قَالَ]: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ [قَالَ] [(٤)]: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَهَذَا لَفْظُ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عَمِّهِ مُوسَى، قَالَ: ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اسْتَنْفَرَ الْمُسْلِمِينَ لِمَوْعِدِ أَبِي سُفْيَانَ بَدْرًا، وَكَانَ أَهْلًا لِلصِّدْقِ وَالْوَفَاءِ ﷺ، فَاحْتَمَلَ الشَّيْطَانُ أَوْلِيَاءَهُ مِنَ
_________________
(١) [(١)] من مصادر هذه الغزوة انظر: طبقات ابن سعد (٢: ٥٩)، وسيرة ابن هشام (٣: ١٦٣)، وأنساب الأشراف (١: ١٦٣)، وتاريخ الطبري (٢: ٥٥٩)، وابن حزم صفحة (١٨٤)، وعيون الأثر (٢: ٧٤)، البداية والنهاية (٤- ٨٧)، السيرة الحلبية (٢: ٣٦٠)، السيرة الشامية (٤: ٤٧٨) . [(٢)] ليست في (ح) . [(٣)] ما بين الحاصرتين ليست في (ح) . [(٤)] الزيادة من (ص) و(أ) . وكذا في باقي الخبر.
[ ٣ / ٣٨٤ ]
النَّاسِ، فَمَشَوْا فِي النَّاسِ يُخَوِّفُونَهُمْ وَقَالُوا قَدْ أُخْبِرْنَا وَأَنْتُمْ أَنْ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ مِثْلَ اللَّيْلِ مِنَ النَّاسِ يَرْجُونَ أَنْ يُوَافِقُوكُمْ فَيَنْتَهِبُوكُمْ فَالْحَذَرَ الْحَذَرَ لَا تَغْدُوا، فَعَصَمَ اللهُ ﷿ الْمُسْلِمِينَ مِنْ تَخْوِيفِ الشَّيْطَانِ، فَاسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، وَخَرَجُوا بِبَضَائِعَ لَهُمْ، وَقَالُوا: إِنْ لَقِينَا أَبَا سُفْيَانَ فَهُوَ الَّذِي خَرَجْنَا لَهُ، وَإِنْ لَمْ نَلْقَهُ ابْتَعْنَا ببصائعنا، وَكَانَ بَدْرٌ مَتْجَرًا يُوَافَى فِي كُلِّ عَامٍ، فَانْطَلَقُوا حَتَّى أَتَوْا مَوْسِمَ بَدْرٍ، فَقَضَوْا مِنْهُ حَاجَتَهُمْ، وَأَخْلَفَ أَبُو سُفْيَانَ الْمَوْعِدَ، فَلَمْ يَخْرُجْ هُوَ وَلَا أَصْحَابُهُ، وَأَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي ضَمْرَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ حِلْفٌ، فَقَالَ: وَاللهِ إِنْ كُنَّا لَقَدْ أُخْبِرْنَا أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْكُمْ أَحَدٌ فَمَا أَعْمَلَكُمْ إِلَى أَهْلِ هَذَا الْمَوْسِمِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَبْلُغَ ذَلِكَ عَدُوَّهُ مِنْ قُرَيْشٍ: أَعْمَلَنَا إِلَيْهِ مَوْعِدُ أَبِي سُفْيَانَ وَأَصْحَابِهِ وَقِتَالُهُمْ، وَإِنْ شِئْتَ مَعَ ذَلِكَ نَبَذْنَا إِلَيْكَ وَإِلَى قَوْمِكَ حِلْفَكُمْ ثُمَّ جَالَدْنَاكُمْ قَبْلَ أنْ نَبْرَحَ مَنَزِلَنَا هَذَا. فَقَالَ الضَّمْرِيُّ: مَعَاذَ اللهِ بَلْ نَكُفُّ أَيْدِيَنَا عَنْكُمْ وَنُمْسِكُ بِحِلْفِكُمْ، وَزَعَمُوا أَنَّهُ مَرَّ عَلَيْهِمُ ابْنُ حُمَامٍ فَقَالَ: مَنْ هَؤُلَاءِ؟
قَالُوا رَسُولُ اللهِ وَأَصْحَابُهُ يَنْتَظِرُونَ أَبَا سُفْيَانَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ قُرَيْشٍ، فَخَرَجَ يَرْتَجِزُ:
تَهْوَى عَلَى دِينِ أَبِيهَا الْأَتْلَدِ إِذْ نَفَرَتْ مِنْ رُفْقَتَيْ مُحَمَّدِ [(٥)]
وَعَجْوَةٍ مَوْضُوعَةٍ كَالْجَلْمَدِ إِذْ جَعَلَتْ مَاءَ قُدَيْدٍ مَوْعِدِ [(٦)]
وَصَبَّحَتْ مِيَاهُهَا ضُحَى الْغَدِ [(٧)]
فَذَكَرُوا أَنَّ ابْنَ الْحُمَامِ قَدِمَ عَلَى قُرَيْشٍ فَقَالَ: هَذَا مُحَمَّدٌ وأصحابه
_________________
(١) [(٥)] تهوى: تسرع، والأتلد: القديم. [(٦)] قديد: اسم موضع. [(٧)] جاء الرجز في سيرة ابن هشام هكذا: قد نَفَرَتْ مِنْ رُفْقَتَيْ مُحَمَّدِ وَعَجْوَةٍ مِنْ يَثْرِبَ كَالْعُنْجُدِ تَهْوَى عَلَى دِينِ أَبِيهَا الْأَتْلَدِ قَدْ جَعَلَتْ مَاءَ قُدَيْدٍ مَوْعِدِي وَمَاءُ ضَجْنَانَ لها ضحى الغد
[ ٣ / ٣٨٥ ]
يَنْتَظِرُونَكُمْ لِمَوْعِدِكُمْ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: قَدْ وَاللهِ صَدَقَ فَنَفَرُوا وَجَمَعُوا الْأَمْوَالَ، فَمَنْ نَشِطَ مِنْهُمْ قَوَّوْهُ، وَلَمْ يَقْبَلْ مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ دُونَ أُوقِيَّةٍ، ثُمَّ سَارَ حَتَّى أَقَامَ بِمِجَنَّةٍ مِنْ عُسْفَانَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يُقِيمَ، ثُمَّ ائْتَمَرَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: مَا يُصْلِحُكُمْ إِلَّا عَامُ خِصْبٍ تَرْعَوْنَ فِيهِ السُّمُرَ وَتَشْرَبُونَ مِنَ اللَّبَنِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَكَّةَ وَانْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضَلٍ، فَكَانَتْ تِلْكَ الْغَزْوَةُ تُدْعَى غَزْوَةَ جَيْشِ السَّوِيقِ، وَكَانَتْ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ ثَلَاثٍ [(٨)] .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ [قَالَ]: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ [قَالَ]: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ، قَالَ: ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اسْتَنْفَرَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى مَوْعِدِ أَبِي سُفْيَانَ بِبَدْرٍ فَاحْتَمَلَ الشَّيْطَانُ أَوْلِيَاءَهُ مِنَ النَّاسِ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ [(٩)] إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: وَسَمِعَ بِذَلِكَ مَعْبَدُ بْنُ أَبِي مَعْبَدٍ الْخُزَاعِيُّ وَكَانَ رَجُلًا شَاعِرًا فَعَمَدَ إِلَى مَكَّةَ، فَقَالَ فِي ذَلِكَ السَّفَرِ شِعْرًا، فَذَكَرَ مَعْنَى تِلْكَ الْأَبْيَاتِ، قَالَ: وَيَزْعُمُ نَاسٌ أَنَّ قَائِلَهَا حُمَامٌ.
فَلَمَّا قَدِمَ الْخُزَاعِيُّ مَكَّةَ اسْتَخْبَرُوهُ عَنْ مَوْسِمِ بَدْرٍ فَأَخْبَرَهُمْ وَحَدَّثَهُمْ شَأْنَ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ وَحُضُورِهِمْ مَوْسِمَ بَدْرٍ وَمُجَادَلَتِهِمُ الضَّمْرِيَّ، فَأَفْزَعَهُمْ ذَلِكَ وَأَخَذُوا فِي الْجَمْعِ وَالنَّفَقَةِ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَلَمْ يَذْكُرِ التَّارِيخَ.
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ [قَالَ] [(١٠)] أَقَامَ بَقِيَّةَ جمادي
_________________
(١) [(٨)] مختصر هذا الخبر في «الدرر في اختصار المغازي والسير» ص (١٦٨)، وفي «البداية والنهاية» (٤: ٨٩)، وقال: «قول موسى بن عقبة أنت في شوال سنة ثلاثة وهم، فإن هذه تواعدوا إليها من أحد، وكانت أحد في شوال سنة ثلاث» . [(٩)] نقل ابن كثير طرفا منه في البداية والنهاية (٤: ٨٩) . [(١٠)] ليست في (ح) .
[ ٣ / ٣٨٦ ]
الْأُولَى وَجُمَادَى الْآخِرَةَ وَرَجَبًا ثُمَّ خَرَجَ فِي شَعْبَانَ إِلَى بَدْرٍ لِمِيعَادِ أَبِي سُفْيَانَ، حَتَّى نَزَلَهُ، وَأَقَامَ عَلَيْهِ ثَمَانِ لَيَالٍ يَنْتَظِرُ أَبَا سُفْيَانَ، وَخَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ فِي أَهْلِ مَكَّةَ حَتَّى نَزَلَ بِنَاحِيَةِ الظَّهْرَانِ، وَبَعْضُ النَّاسِ يَقُولُ: قَدْ بَلَغَ عُسْفَانَ ثُمَّ بَدَا لَهُ الرُّجُوعُ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إِنَّهُ لَا يُصْلِحُكُمْ إِلَّا عَامُ خِصْبٍ تَرْعَوْنَ فِيهِ الشَّجَرَ وَتَشْرَبُونَ فِيهِ اللَّبَنَ، وَإِنَّ عَامَكُمْ هَذَا عَامُ جَدْبٍ، وَإِنِّي رَاجِعٌ فَارْجِعُوا، فَرَجَعَ النَّاسُ فَسَمَّاهُمْ أَهْلُ مَكَّةَ جَيْشُ السَّوِيقِ يَقُولُونَ إِنَّمَا خَرَجْتُمْ تَشْرَبُونَ السَّوِيقَ،
قَالَ: وَأَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَنْتَظِرُ أَبَا سُفْيَانَ لِمِيعَادِهِ فَأَتَاهُ مَخْشِيُّ بْنُ عَمْرٍو الضَّمْرِيُّ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ وَادَعَهُ عَلَى بَنِي ضَمْرَةَ فِي غَزْوَةِ وَدَّانَ، فَقَالَ:
يَا مُحَمَّدُ! جِئْتَ لِلِقَاءِ قُرَيْشٍ عَلَى هَذَا الْمَاءِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ يَا أَخَا بَنِي ضَمْرَةَ، فَإِنْ شِئْتَ مَعَ ذَلِكَ رَدَدْنَا إِلَيْكَ مَا كَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ، فَقَالَ: لَا، والله يا محمد مالنا بِذَلِكَ مِنْكَ حَاجَةٌ،
وَأَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَنْتَظِرُ أَبَا سُفْيَانَ، فَمَرَّ بِهِ مَعْبَدُ بْنُ أَبِي مَعْبَدٍ الْخُزَاعِيُّ فَقَالَ- وَقَدْ كَانَ رَأَى مَكَانَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَنَاقَتَهُ تهوى به-:
قَدْ تَفَرَتْ مِنْ رُفْقَتَيْ مُحَمَّدِ وَعَجْوَةٍ مِنْ يَثْرِبَ كَالْعُنْجُدِ
تَهْوَى عَلَى دِينِ أَبِيهِ الْأَتْلَدِ قَدْ جَعَلَتْ مَاءَ قُدَيْدٍ مَوْعِدِي
وَمَاءُ ضَجْنَانَ لَهَا ضُحَى الْغَدِ
ثُمَّ ذَكَرَ أَبْيَاتًا لِابْنِ رَوَاحَةَ وَلِحَسَّانَ فِي خُلْفِ أَبِي سُفْيَانَ مِيعَادَهُ [(١١)]، قَالَ:
_________________
(١) [(١١)] منها قَوْلَ عَبْدِ اللهِ بْنِ رواحة: وعدنا أبا سفيان بدرا فلم نجد لميعاده صدقا وما كان وافيا فأقسم لو وافيتنا فلقيتنا لأبت ذميما وافتقدت المواليا تركنا به أوصال عتبة وابنه وعمرا أبا جهل تركناه ثاويا عصيتم رسول الله أفّ لدينكم وأمركم السّيء الّذي كان غاويا فإنّي، وإن عنّفتموني، لقائل فدى لرسول الله أهلي وماليا أطعناه لم نعد له فينا بغيره شهابا لنا في ظلمة اللّيل هاديا
[ ٣ / ٣٨٧ ]
ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَافِلًا إِلَى الْمَدِينَةِ فَأَقَامَ بِهَا أَشْهُرًا حَتَّى مَضَى ذُو الْحِجَّةِ وَوَلِيَ تِلْكَ الْحَجَّةَ الْمُشْرِكُونَ سَنَةَ أَرْبَعٍ مِنْ مَقْدَمِ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ [(١٢)] .
وَزَعَمَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّهُ انْتَهَى فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ إِلَى بَدْرٍ هِلَالَ ذِي الْقَعْدَةِ عَلَى رَأْسِ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ شَهْرًا، وَخَرَجَ فِي ألف وخمس مائة مِنْ أَصْحَابِهِ، وَقَوْلُ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ أَنَّهَا كَانَتْ فِي شَعْبَانَ أَصَحُّ [(١٣)] وَاللهُ أعلم.
_________________
(١) [()] وقول حسان بن ثابت: دعوا فلجات الشّام قد حال دونها جلاد كأفواه المخاض الأوارك بأيدي رجال هاجروا نحو ربّهم وأنصاره حقّا وأيدي الملائك إذا سلكت للغور من بطن عالج فقولا لها ليس الطّريق هنالك أقمنا على الرّسّ النّزوع ثمانيا بأرعن جرّار عريض المبارك بكلّ كميت جوزه نصف خلقه وقبّ طوال مشرفات الحوارك ترى العرفج العاميّ تذري أصوله مناسم أخفاف المطي الرّواتك فإن نلق في تطوافنا والتماسنا فرات بن حيّان يكن وهن هالك وإن نلق قيس بن امرئ القيس بعده يزد في سواد لونه لون حالك فأبلغ أبا سفيان عنّى رسالة فإنّك من شرّ الرّجال الصّعالك [(١٢)] الخبر في سيرة ابن هشام (٣: ١٦٣- ١٦٨)، ونقل بعضه ابن كثير في التاريخ (٤: ٨٧- ٨٨) . [(١٣)] قال ابن كثير: «الصحيح قول ابن إسحاق أن ذلك في شعبان من السنة الرابعة، ووافق قول موسى بن عقبة، أنها في شعبان، لكن قال: في سنة ثلاث وهذا وهم » وراجع الحاشية (٨) من هذا الباب.
[ ٣ / ٣٨٨ ]
بَابُ غَزْوَةِ دُومَةِ الْجَنْدَلِ الْأُولَى [(١)]
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، [قَالَ] [(٢)] حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ
_________________
(١) [(١)] راجع في غزوة دومة الجندل: - طبقات ابن سعد (٢: ٦٢) . - سيرة ابن هشام (٣: ١٦٨) . - أنساب الأشراف (١: ١٦٤) . - تاريخ الطبري (٢: ٥٦٤) . - مغازي الواقدي (١: ٤٠٢) . - ابن حزم ص ١٨٤. - عيون الأثر (٢: ٧٥) . - البداية والنهاية (٤: ٩٢) . - النويري (١٧: ١٦٢) . - السيرة الحلبية (٢: ٣٦٢) . - السيرة الشامية (٤: ٤٨٤) . وتقع دومة الجندل في شمال نجد وهي طرف من أفواه الشام بينها وبين دمشق خمس ليال وبينها وبين المدينة خمس عشرة ليلة. [(٢)] ليست في (ح) وكذا في سائر الخبر.
[ ٣ / ٣٨٩ ]
إِسْحَاقَ، قَالَ: ثُمَّ غَزَا رَسُولُ اللهِ ﷺ دُومَةَ الْجَنْدَلِ، ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهَا، وَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا، فَأَقَامَ بِالْمَدِينَةِ بَقِيَّةَ سَنَتِهِ [(٣)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْأَصْبَهَانِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنُ بْنُ الْجَهْمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَرَجِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَاقِدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا [(٤)] ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي لَبِيدٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَحَدَّثَنَا [(٥)] عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ [فَكِلَاهُمَا قَدْ حَدَّثَنَا بِهَذَا الْحَدِيثِ] [(٦)]، يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، وَغَيْرُهُمَا قَدْ حَدَّثَنِي أَيْضًا، قَالُوا: أَرَادَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَدْنُوَ إِلَى أَدْنَى الشَّامِ، وَقِيلَ لَهُ: إِنَّهَا طَرَفٌ مِنْ أَفْوَاهِ الشَّامِ، فَلَوْ دَنَوْتَ مِنْهَا كَانَ ذَلِكَ مِمَّا يُفْزِعُ قَيْصَرَ، وَذُكِرَ لَهُ أَنَّ بِدُومَةِ الْجَنْدَلِ جَمْعًا كَثِيرًا، وَأَنَّهُمْ يَظْلِمُونَ مَنْ مَرَّ بِهِمْ [مِنَ الضَّافِطَةِ] [(٧)]، وَكَانَ بِهَا سُوقٌ عَظِيمٌ، وَهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَدْنُوا مِنَ الْمَدِينَةِ، فَنَدَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ النَّاسَ، فَخَرَجَ فِي أَلْفٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَكَانَ يَسِيرُ اللَّيْلَ وَيَكْمُنُ النَّهَارَ وَمَعَهُ دَلِيلٌ لَهُ مِنْ بَنِي عُذْرَةَ، يُقَالُ لَهُ: مَذْكُورٌ، هَادٍ خِرِّيتٌ، [فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُغِذًّا السَّيْرَ، ونكب عَنْ طَرِيقِهِمْ] [(٨)] فَلَمَّا دَنَا مِنْ دُومَةِ الْجَنْدَلِ، أَخْبَرَهُ دَلِيلُهُ بِسَوَائِمِ [(٩)] تَمِيمٍ، فَسَارَ حَتَّى هَجَمَ عَلَى مَاشِيَتِهِمْ ورعائهم
_________________
(١) [(٣)] سيرة ابن هشام (٣: ١٦٨) . [(٤)] في (ح): «حدثني» . [(٥)] ح: «وحدثني» . [(٦)] الزيادة من مغازي الواقدي. [(٧)] (الضافطة) جمع ضافط، وهو الذي يجلب الميرة والمتاع إلى المدن. [(٨)] الزيادة من مغازي الواقدي. [(٩)] في المغازي: «قال له الدليل: يا رسول الله! إن سوائمهم ترعى، فأقم حتى أطلع لك، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: نَعَمْ، فخرج العذري صليعة حتى وجد آثار النّعم والشّاء، وهم مغرّبون، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فأخبره، وقد عرف مواصفهم» .
[ ٣ / ٣٩٠ ]
فَأَصَابَ مَنْ أَصَابَ، وَهَرَبَ مَنْ هَرَبَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَجَاءَ الْخَبَرُ أَهْلَ دُومَةِ [الْجَنْدَلِ] فَتَفَرَّقُوا وَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي سَاحَتِهِمْ، فَلَمْ يَجِدْ بِهَا أَحَدًا، فَأَقَامَ بِهَا أَيَّامًا، وَبَثَّ السَّرَايَا، ثُمَّ رَجَعُوا وَأَخَذَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ رَجُلًا مِنْهُمْ، فَأَتَى بِهِ النَّبِيَّ ﷺ فَسَأَلَهُ عَنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: هَرَبُوا أَمْسُ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْإِسْلَامَ، فَأَسْلَمَ، وَرَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ [(١٠)] .
_________________
(١) [(١٠)] الخبر في مغازي الواقدي (١: ٤٠٣- ٤٠٤)، ونقل الحافظ ابن كثير طرفا منه في البداية والنهاية (٤: ٩٢) .
[ ٣ / ٣٩١ ]
جُمَّاعُ أَبْوَابِ غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ [(١)] وَهِيَ الْأَحْزَابُ
بَابُ التَّارِيخِ لِغَزْوَةِ الْخَنْدَقِ
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، [قَالَ] [(٢)] أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ الشَّعْرَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَدِّي، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، قَالَ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ (ح) .
_________________
(١) [(١)] أنظر في غزوة الخندق، وفي غزوة الأحزاب: - طبقات ابن سعد (٢: ٦٥) . - سيرة ابن هشام (٣: ١٦٨) . - أنساب الأشراف (١: ١٦٥) . - تاريخ الطبري (٢: ٥٦٤) . - صحيح البخاري (٥: ١٠٧) . - صحيح مسلم بشرح النووي (١٢: ١٤٥) . - ابن حزم ص (١٨٤) . - عيون الأثر (٢: ٧٦) . - البداية والنهاية (٤: ٩٢) . - النويري (١٧: ١٦٦) . - السيرة الحلبية (٢: ٤٠١) . - السيرة الشامية (٤: ٥١٢) . [(٢)] في (ح) بدون قال، وكذا في سائر الخبر.
[ ٣ / ٣٩٢ ]
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله ابن عَتَّابٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ عَمِّهِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، فِي مَغَازِي رَسُولِ اللهِ ﷺ، قَالَ: قَاتَلَ يَوْمَ بَدْرٍ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ اثنتين، ثم قاتل يوم أحد في شوال سَنَةَ ثَلَاثٍ، ثُمَّ قَاتَلَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَهُوَ يَوْمُ الْأَحْزَابِ وَبَنِي قُرَيْظَةَ فِي شوال سنة أربع [(٣)] .
_________________
(١) [(٣)] قال الحافظ ابن كثير: وقد كَانَتْ غَزْوَةُ الْخَنْدَقِ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ خَمْسٍ مِنَ الْهِجْرَةِ نص على ذلك ابن إسحاق وعروة بن الزبير وقتادة والبيهقي وغير واحد من العلماء سلفا وخلفا وقد روى موسى بن عقبة عن الزهري أنه قَالَ: ثُمَّ كَانَتْ وَقْعَةُ الأحزاب فِي شَوَّالٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ. وكذلك قال الامام مالك بن أنس فيما رواه أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ عَنِ موسى بن داود عنه. قال البيهقي: ولا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ لأن مرادهم أن ذلك بعد مضي أربع سنين وقبل استكمال خمس، ولا شك أن المشركين لما انصرفوا عن أحد واعدوا المسلمين الى بدر العام القابل، فذهب النبي ﷺ وأصحابه كما تقدم في شعبان سنة أربع ورجع أبو سفيان بقريش لجدب ذلك العام فلم يكونوا ليأتوا إلى المدينة بعد شهرين، فتح الخندق في شوال من سنة خمس والله أعلم. وقد صرح الزهري بأن الخندق كانت بعد أحد بسنة ولا خلاف أن أحدا في شوال سنة ثلاث الا على قول من ذهب إلى أن أول التاريخ من محرم الثانية لسنة الهجرة، ولم يعدوا الشهور الباقية من سنة الهجرة من ربيع الأول الى آخرها كما في البيهقي. وبه قال يعقوب بن سفيان الفسوي وقد صرح بأن بدرا في الأولى، وأحدا في ثنتين، ويدر الموعد في شعبان سنة ثلاث، والخندق في شوال سنة أربع. وهذا مخالف الجمهور فإن المشهور أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب جعل أول التاريخ من محرم سنة الهجرة وعن مالك من ربيع الأول سنة الهجرة، فصارت الأقوال ثلاثة والله أعلم. والصحيح الجمهور أن أحدا في شوال سنة ثلاث، وأن الخندق في شوال سنة خمس من الهجرة والله أعلم فأما الحديث المتفق عليه في الصحيحين من طريق عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أنه قال: على رسول الله ﷺ يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني، وعرضت عليه يوم أحد وأنا ابن خمس عشرة فأجازني، فقد أجاب عنها جماعة من العلماء منهم البيهقي بأنه عرض عليه يوم أحد في أول الرابعة عشرة، ويوم الأحزاب في أواخر الخامسة عشرة. قلت: ويحتمل أنه لما عرض عليه في يوم الأحزاب كان قد استكمل خمس عشرة سنة التي يجاز لمثلها الغلمان يبقى على هذا زيادة عليها. ولهذا لما بلّغ نافع عمر بن عبد العزيز هذا الحديث قال: ان هذا بين الصغير والكبير. ثم كتب به الى الآفاق واعتمد على ذلك جمهور العلماء والله أعلم.
[ ٣ / ٣٩٣ ]
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو عُلَاثَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ، فَذَكَرَهُ بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا قَالَا: وَقَدْ قَالَا فِي قِصَّةِ الْخَنْدَقِ إِنَّهَا كَانَتْ بَعْدَ أُحُدٍ بِسَنَتَيْنِ.
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا [(٤)] عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنَا [(٥)] اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنَا عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: ثُمَّ كَانَتْ وَقْعَةُ أُحُدٍ عَلَى رَأْسِ سَنَةٍ مِنَ وَقْعَةِ بَدْرٍ، ثُمَّ كَانَتْ وَقْعَةُ الْأَحْزَابِ وَهِيَ بَعْدَ وَقْعَةِ أُحُدٍ بِسَنَتَيْنِ، وَذَلِكَ يَوْمَ خَنْدَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ جَانِبَ الْمَدِينَةِ، وَرَئِيسُ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، ثُمَّ سَارَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى قُرَيْظَةَ فَحَاصَرَهُمْ حَتَّى نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ سعد ابن مُعَاذٍ.
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ:
حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا [(٦)] أَحْمَدُ بْنُ الْخَلِيلِ الْبَغْدَادِيُّ بِنَيْسَابُورَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ قَتَادَةَ فِي ذِكْرِ مَغَازِي رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: وَاقَعَ يَوْمَ بَدْرٍ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ بَعْدَ هِجْرَتِهِ لِثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا وَوَاقَعَ يَوْمَ أَحُدٍ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ فِي شَوَّالٍ، قَالَ: وَوَاقَعَ يَوْمَ الْأَحْزَابِ وَكَانَ بَعْدَ أُحُدٍ بِسَنَتَيْنِ لِأَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ هِجْرَتِهِ، وَأَصْحَابُ النبي ﷺ يَوْمَئِذٍ فِيمَا بَلَغَنَا أَلْفٌ، وَالْمُشْرِكُونَ أَرْبَعَةُ آلَافٍ أَوْ مَا شَاءَ اللهُ مِنْ ذَلِكَ، وَذَكَرَ لَنَا
أنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ، قَالَ: لَنْ يَغْزُوكُمُ الْمُشْرِكُونَ بَعْدَ الْيَوْمِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو العباس: محمد بن
_________________
(١) [(٤)] (ح): «حدثنا» . [(٥)] (ح): «حدثني» . [(٦)] في (ح): «حدثني» .
[ ٣ / ٣٩٤ ]
يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: كَانَتْ غَزْوَةُ الْخَنْدَقِ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ خَمْسٍ [(٧)] .
قُلْتُ: لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَاتَلَ يَوْمَ بَدْرٍ لِسَنَةٍ وَنِصْفٍ مِنْ مَقْدَمِهِ الْمَدِينَةَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، ثُمَّ قَاتَلَ يَوْمَ أُحُدٍ مِنَ السَّنَةِ الْقَابِلَةِ لِسَنَتَيْنِ وَنِصْفٍ مِنْ مَقْدَمِهِ الْمَدِينَةَ فِي شَوَّالٍ، ثُمَّ قَاتَلَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ بَعْدَ أُحُدٍ بِسَنَتَيْنِ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعِ سِنِينَ وَنِصْفٍ مِنْ مَقْدَمِهِ الْمَدِينَةَ، فَمَنْ قَالَ سَنَةَ أَرْبَعٍ:
أَرَادَ بَعْدَ أَرْبَعِ سِنِينَ، وَقَبْلَ بُلُوغِ الْخَمْسِ، وَمَنْ قَالَ: سَنَةَ خَمْسٍ أَرَادَ بَعْدَ الدُّخُولِ فِي السَّنَةِ الْخَامِسَةِ وَقَبْلَ انْقِضَائِهَا وَاللهُ أَعْلَمُ.
فَأَمَّا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ الَّذِي أَخْبَرَنَاهُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي حَامِدٍ الْمُقْرِئُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَفَّانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الطَّنَافِسِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: عَرَضَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ فِي الْقِتَالِ وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ فَلَمْ يُجِزْنِي، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْخَنْدَقِ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ فَأَجَازَنِي [(٨)] .
فَقَدِمْتُ عَلَى عُمَرَ [(٩)]، يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَعُمَرُ يَوْمَئِذٍ خَلِيفَةٌ فَحَدَّثْتُهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ إِنَّ هَذَا لَحَدٌّ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، وَكَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ أَنِ افْرِضُوا لِابْنِ خَمْسَ عَشْرَةَ وَمَا كَانَ سِوَى ذَلِكَ، فَأَلْحِقُوهُ بِالْعِيَالِ.
_________________
(١) [(٧)] الخبر في سيرة ابن هشام (٣: ١٦٨) . [(٨)] في هامش (ح): «وَكَانَ قَدِ اسْتَكْمَلَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَزَادَ عَلَيْهَا عَامَ الْخَنْدَقِ، فَأَجَازَهُ حِينَ عُرِضَ عَلَيْهِ» . [(٩)] القائل هنا نافع، وهو راوي الحديث عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عمر.
[ ٣ / ٣٩٥ ]
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ [(١٠)] .
فَيُحْتَمَلُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ قَدْ طَعَنَ في الرابعة عَشْرَةَ يَوْمَ أُحُدٍ فَلَمْ يُجِزْهُ فِي الْقِتَالِ حِينَ عُرِضَ عَلَيْهِ وَكَانَ قَدِ اسْتَكْمَلَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً وَزَادَ عَلَيْهَا عَامَ الْخَنْدَقِ، فَأَجَازَهُ حِينَ عُرِضَ عَلَيْهِ إِلَّا أَنَّهُ نَقَلَ الْخَمْسَ عَشْرَةَ لِتَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِهَا دُونَ الزِّيَادَةِ، وَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى ظَاهِرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ، وَحُمِلَ قول موسى بن عقبة عَلَى ظَاهِرِهِ وَأَنَّ أَبَا سُفْيَانَ حِينَ خَرَجَ لِمَوْعِدِ النَّبِيِّ ﷺ فِي شَعْبَانَ ثُمَّ انْصَرَفَ، خَرَجَ مُعِدًّا لِلْقِتَالِ عَامَئِذٍ فِي شَوَّالٍ عَلَى رَأْسِ سَنَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ أُحُدٍ، وَذَلِكَ يُخَالِفُ قَوْلَ الْجَمَاعَةِ فِي قَدْرِ الْمُدَّةِ بَيْنَ بَدْرٍ الْآخِرَةِ وَالْخَنْدَقِ، فَقَدْ رُوِّينَا قَبْلَ هَذَا عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ فِي تَارِيخِ خُرُوجِ النَّبِيِّ ﷺ لِمَوْعِدِ أَبِي سُفْيَانَ أَنَّهُ كَانَ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ ثَلَاثٍ، وَالْخَنْدَقُ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ، وَرُوِّينَا عَنْهُ فِي قِصَّةِ الْخَنْدَقِ أَنَّهُ قَالَ: فَخَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ فِي آخِرِ السَّنَتَيْنِ يَعْنِي مِنْ أُحُدٍ، وَقَدْ قَالَ فِي أُحُدٍ إِنَّهُ كَانَ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ فِي أُحُدٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ مَحْمُولًا عَلَى الدُّخُولِ فِي الثَّالِثَةِ قَبْلَ كَمَالِهَا، وَقَوْلُهُ: فِي بَدْرٍ الْآخِرَةِ وَهُوَ خُرُوجُ النَّبِيِّ ﷺ لِمَوْعِدِ أَبِي سُفْيَانَ سَنَةَ ثَلَاثٍ أَيْ بَعْدَ تَمَامِ ثَلَاثِ سِنِينَ وَدُخُولِ الرَّابِعَةِ، وَقَوْلُهُ فِي الْخَنْدَقِ: سَنَةَ أَرْبَعٍ أَيْ بَعْدَ تَمَامِ أَرْبَعِ سِنِينَ وَالدُّخُولِ فِي الْخَامِسَةِ.
هَذَا عَلَى قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُبْتَدَأَ التَّارِيخِ وَقَعَ مِنْ وَقْتِ قُدُومِ النَّبِيِّ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَقَدِ زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ التَّوَارِيخِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَلَمْ يَعُدُّوا مَا بَقِيَ مِنْ تِلْكَ السَّنَةِ، وَإِنَّمَا عَدُّوا مُبْتَدَأَ التَّارِيخِ مِنَ المحرم
_________________
(١) [(١٠)] أخرجه البخاري في: ٦٤- كتاب المغازي، (٢٩) باب غزوة الخندق. وأخرجه الترمذي في: ١٣- كتاب الأحكام (٢٤) بَابُ مَا جَاءَ فِي حدّ بلوغ الرجل والمرأة، الحديث (١٣٦١)، ص (٣: ٦٣٢- ٦٣٣)، وقال أبو عيسى: «هذا حديث حسن صحيح، والعمل به عند أهل العلم، وبه يقول سفيان الثوري، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق: يرون أن الغلام إذا اسْتَكْمَلَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فحكمه حكم الرجال، وإن احتلم قبل خمس عشرة سنة فحكمه حكم الرجال» .
[ ٣ / ٣٩٦ ]
مِنَ السَّنَةِ الْقَابِلَةِ، فَتَكُونُ غَزْوَةُ بَدْرٍ فِي السَّنَةِ الْأُولَى وَأُحُدٌ فِي الثَّانِيَةِ، وَغَزْوَةُ بَدْرٍ الْآخِرَةِ فِي الثَّالِثَةِ وَالْخَنْدَقُ فِي الرَّابِعَةِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ [قَالَ] [(١١)] أَخْبَرَنَا عبد الله بن جعفر ابن دُرُسْتَوَيْهِ النَّحْوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو يُوسُفَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ شَهْرَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ وَأَقَامَ بِهَا إِلَى الْمَوْسِمِ، وَكَانَتْ غَزْوَةُ بَدْرٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ صَبِيحَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ عَلَى رَأْسِ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا مِنْ مَقْدَمِ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَهِيَ أَوَّلُ سَنَةٍ أُرِّخَتْ، ثُمَّ كَانَتْ غَزْوَةُ أُحُدٍ يَوْمَ السَّبْتِ لِإِحْدَى عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ شَوَّالٍ مِنَ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ، ثُمَّ كَانَتْ غَزْوَةُ بَدْرٍ الْآخِرَةِ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ ثَلَاثٍ لِمَوْعِدِ قُرَيْشٍ، ثُمَّ كَانَتْ غَزْوَةُ الْخَنْدَقِ فِي شَوَّالٍ مِنْ سَنَةِ أَرْبَعٍ، ثُمَّ كَانَتْ غَزْوَةُ بَنِي لِحْيَانَ فِي سَنَةِ خَمْسٍ يُرِيدُ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، ثُمَّ كَانَتْ غَزْوَةُ الْحُدَيْبِيَةِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ مِنْ سَنَةِ سِتٍّ، ثُمَّ كَانَتْ عُمْرَةُ الْقَضَاءِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ سَبْعٍ، ثُمَّ كَانَتْ غَزْوَةُ الْفَتْحِ فَتْحِ مَكَّةَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ، وَأَقَامَ الْحَجَّ لِلنَّاسِ سَنَةَ ثَمَانٍ عَتَّابُ بْنُ أَسِيدٍ، وَأَقَامَ الْحَجَّ لِلنَّاسِ سَنَةَ تِسْعٍ أَبُو بَكْرٍ ﵁، وَأَقَامَ الْحَجَّ لِلنَّاسِ سَنَةَ عَشْرٍ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهِيَ حَجَّةُ الْوَدَاعِ، ثُمَّ صَدَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ فَأَقَامَ بِهَا بَقِيَّةَ ذِي الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمَ وَصَفَرًا، ثُمَّ قَبَضَهُ اللهُ إِلَيْهِ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ فِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ.
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُؤَمَّلِ قَالَ:
حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الشَّعْرَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ قَالَ: كَانَتْ بَدْرٍ لِسَنَةٍ وَنِصْفٍ مِنْ مَقْدَمِ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ وَأُحُدٌ بَعْدَهَا بِسَنَةٍ، وَالْخَنْدَقُ سَنَةَ أَرْبَعٍ، وَبَنِي الْمُصْطَلِقِ سَنَةَ خَمْسٍ، وَخَيْبَرُ سَنَةَ سِتٍّ، وَالْحُدَيْبِيَةُ فِي سَنَةِ خَيْبَرَ، وَالْفَتْحُ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ، وَقُرَيْظَةُ فِي سنة الخندق.
_________________
(١) [(١١)] ليست في (ح)، وكذا في سائر الخبر.
[ ٣ / ٣٩٧ ]
بَابُ سِيَاقِ قِصَّةِ الْخَنْدَقِ مِنْ مَغَازِي مُوسَى ابن عُقْبَةَ [(١)] ﵀
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، [قَالَ:] [(٢)] أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ بْنِ مُحَمَّدٍ الشَّعْرَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا جَدِّي قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا [(٣)] مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ (ح) .
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ بِبَغْدَادَ، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَتَّابٍ الْعَبْدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ عَمِّهِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، قَالَ: خَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ وَقُرَيْشٌ وَمَنِ اتَّبَعَهُمْ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ مَعَهُمْ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ، وَاسْتَمَدُّوا عيينة ابن [حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ] [(٤)] بَدْرٍ، فَأَقْبَلَ بِمَنْ أَطَاعَهُ مِنْ غَطَفَانَ وَبَنُو أَبِي الْحُقَيْقِ كِنَانَةُ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ سَعَى فِي غَطَفَانَ وَحَضَّهُمْ عَلَى الْقِتَالِ عَلَى أَنَّ لَهُمْ نِصْفَ ثَمَرِ
_________________
(١) [(١)] اختصرها ابن عبد البر في «الدرر في اختصار المغازي والسير» ص (١٦٩- ١٧٧) . [(٢)] ليست في (ح) . [(٣)] في (ح): «حدثني» . [(٤)] الزيادة من الدرر ص (١٦٩) .
[ ٣ / ٣٩٨ ]
خَيْبَرَ، فَزَعَمُوا أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ عَوْفٍ أَخَا بَنِي مُرَّةَ، قَالَ: لِعُيَيْنَةَ بْنَ بَدْرٍ، وَغَطَفَانَ: يَا قَوْمِ أَطِيعُونِي وَدَعُوا قِتَالَ هَذَا الرَّجُلِ وَخَلُّوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَدُوِّهِ مِنَ الْعَرَبِ، فَغَلَبَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ وَقَطَعَ أَعْنَاقَهُمُ الطَّمَعُ، فَانْقَادُوا لِأَمْرِ عُيَيْنَةَ بْنِ بَدْرٍ، عَلَى قِتَالِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكَتَبُوا إِلَى حُلَفَائِهِمْ مِنْ أَسَدٍ فَأَقْبَلَ طُلَيْحَةُ فِيمَنِ اتَّبَعَهُ مِنْ بَنِي أَسَدٍ وَهُمَا حَلِيفَانِ: أَسَدٌ وَغَطَفَانُ وَكَتَبَتْ قُرَيْشٌ إِلَى رِجَالٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ أَشْرَافٍ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُمْ أَرْحَامٌ فَأَقْبَلَ أَبُو الْأَعْوَرِ فِيمَنِ اتَّبَعَهُ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ مَدَدًا لِقُرَيْشٍ، فَخَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ فِي آخِرِ السَّنَتَيْنِ فِيمَنِ اتَّبَعَهُ مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ، وأَبُو الْأَعْوَرِ فِيمَنِ اتَّبَعَهُ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، وَعُيَيْنَةُ بْنُ بَدْرٍ، فِي جَمَعٍ عَظِيمٍ، فَهُمُ الَّذِينَ سَمَّاهُمُ اللهُ الْأَحْزَابَ.
فَلَمَّا بَلَغَ خُرُوجُهُمُ النَّبِيَّ ﷺ أَخَذَ فِي حَفْرِ الْخَنْدَقِ، وَخَرَجَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ فَوَضَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَهُ فِي العمل معهم، فعلموا مُسْتَعْجِلِينَ يُبَادِرُونَ قُدُومَ الْعَدُوِّ، وَرَأَى الْمُسْلِمُونَ إِنَّمَا بَطَشَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَعَهُمْ فِي الْعَمَلِ لِيَكُونَ أَجَدَّ لَهُمْ وَأَقْوَى لَهُمْ بِإِذْنِ اللهِ ﷿، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَضْحَكُ مِنْ صَاحِبِهِ إِذَا رَأَى مِنْهُ فَتْرَةً، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَغْضَبِ الْيَوْمَ أَحَدٌ مِنْ شَيْءٍ ارْتُجِزَ بِهِ مَا لَمْ يَقُلْ قَوْلَ كَعْبٍ أَوْ حَسَّانَ فَإِنَّهُمَا يَجِدَانِ مِنْ ذَلِكَ قَوْلًا كَثِيرًا وَنَهَاهُمَا [(٥)] أَنْ يَقُولَا شَيْئًا يُحْفِظَانِ بِهِ [(٦)] أَحَدًا فَذَكَرُوا أَنَّهُ عَرَضَ لَهُمْ حَجَرٌ فِي مَحْفَرِهِمْ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِعْوَلًا مِنْ أَحَدِهِمْ فَضَرَبَهُ بِهِ ثَلَاثًا فَكُسِرَ الْحَجَرُ فِي الثَّالِثَةِ، فَزَعَمُوا أَنَّ سَلْمَانَ الْخَيْرَ الْفَارِسِيَّ أَبْصَرَ عِنْدَ كُلِّ ضَرْبَةٍ بُرْقَةً ذَهَبَتْ فِي ثَلَاثِ وُجُوهٍ كُلَّ مَرَّةٍ يُتْبِعُهَا سَلْمَانُ بَصَرَهُ، فَذَكَرَ ذَلِكَ سَلْمَانُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: رَأَيْتُ كَهَيْئَةِ الْبَرْقِ أَوْ مَوْجِ الْمَاءِ عَنْ ضَرْبَةٍ ضَرَبْتَهَا يَا رَسُولَ اللهِ ذَهَبَتْ إِحْدَاهُنَّ نَحْو الْمَشْرِقِ، وَالْأُخْرَى نَحْوَ الشام، والأخرى نحو اليمين، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: وَقَدْ رَأَيْتَ ذلك يا
_________________
(١) [(٥)] في (ص): «ونهاهم» . [(٦)] في (ص): «يخفضان» .
[ ٣ / ٣٩٩ ]
سَلْمَانُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَدْ رَأَيْتُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَإِنَّهُ أُبِيضَ لِي فِي إِحْدَاهِنَّ مَدَائِنُ كِسْرَى وَمَدَائِنُ مِنْ تِلْكَ الْبِلَادِ، وَفِي الْأُخْرَى مَدِينَةُ الرُّومِ، وَالشَّامِ وَفِي الْأُخْرَى مَدِينَةُ الْيَمَنِ وَقُصُورُهَا، وَالَّذِي رَأَيْتَ النَّصْرُ يَبْلُغُهُنَّ إِنْ شَاءَ اللهُ، وَكَانَ سَلْمَانُ يَذْكُرُ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
قَالَ: وَكَانَ سَلْمَانُ رَجُلًا قَوِيًّا فَلَمَّا وَكَّلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِكُلِّ جَانِبٍ مِنَ الْخَنْدَقِ، قَالَ الْمُهَاجِرُونَ: يَا سَلْمَانُ احْفُرْ مَعَنَا، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: لَا أَحَدَ أَحَقُّ بِهِ مِنَّا، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ،
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّمَا سَلْمَانُ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ» [(٧)] .
وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ: لَمَّا قَتَلَ الْأَسْوَدَ الْعَنْسِيَّ كَذَّابَ صَنْعَاءَ فَيْرُوزُ الدَّيْلَمِيُّ وَقَدِمَ قَادِمُهُمْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ قَدْ أَسْلَمُوا قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ مَنْ نَحْنُ؟ قَالَ: أَنْتُمْ إِلَيْنَا أَهْلَ الْبَيْتِ وَمِنَّا، فَلَمَّا قَضَوْا حَفْرَ خَنْدَقِهِمْ، وَذَلِكَ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ، وَهُوَ عَامُ الْأَحْزَابِ.
وَعَامُ الْخَنْدَقِ أَقْبَلَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حرب ومن معه مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ وَمَنِ اتَّبَعَهُ مِنْ أَهْلِ الضَّلَالَةِ فَنَزَلُوا بِأَعْلَى [(٨)] وَادِي قَنَاةَ مِنْ تِلْقَاءِ الْغَابَةِ، وَغَلَّقَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ حِصْنَهُمْ، وَتَأَشَّمُوا بِحُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ، وَقَالُوا: لَا تَكُونُوا مِنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ فِي شَيْءٍ فَإِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ لِمَنْ تَكُونُ الدَّبْرَةُ، وَقَدْ أَهْلَكَ حُيَيُّ قَوْمَهُ فَاحْذَرُوهُ، وَأَقْبَلَ حُيَيُّ حَتَّى أَتَى بَابَ حِصْنِهِمْ، وَهُوَ مُغْلَقٌ عَلَيْهِمْ وَسَيِّدُ اليهود يومئذ كعب ابن أسد فَقَالَ حُيَيُّ: أَثَمَّ كَعْبٌ؟ قَالَتِ امْرَأَتُهُ: لَيْسَ هَا هُنَا، خَرَجَ لِبَعْضِ حَاجَاتِهِ فَقَالَ حُيَيُّ: بَلْ هُوَ عِنْدَكِ مَكَثَ عَلَى جَشِيشَتِهِ [(٩)] يَأْكُلُ مِنْهَا فَكَرِهَ أَنْ
_________________
(١) [(٧)] أخرجه الحاكم في «المستدرك» (٣: ٥٩٨)، وقال الذهبي: «سنده ضعيف» . [(٨)] رسمت في (أ): «بأعلا» . [(٩)] (الجشيشة): طعام يصنع من الجشيش، وهو البر يطحن غليظا.
[ ٣ / ٤٠٠ ]
أُصِيبَ مَعَهُ مِنَ الْعَشَاءِ، فَقَالَ كَعْبٌ: ائْذَنُوا لَهُ فإنه مشئوم وَاللهِ مَا طُرِفْنَا بِخَيْرٍ، فَدَخَلَ حُيَيٌّ، فَقَالَ: إِنِّي جِئْتُكَ وَاللهِ بِعِزِّ الدَّهْرِ إِنْ لَمْ تَتْرُكْهُ عَلَيَّ، أَتَيْتُكَ بِقُرَيْشٍ [وَسَادَتِهَا وَقَادَتِهَا] [(١٠)] وَسُقْتُ إِلَيْكَ الْحَلِيفَيْنِ: أَسَدٌ وَغَطَفَانُ، فَقَالَ كَعْبُ بْنُ أَسَدٍ إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ مَا جِئْتَ بِهِ كَمَثَلِ سَحَابَةٍ أَفْرَغَتْ مَا فِيهَا ثُمَّ انْطَلَقَتْ، وَيْحَكَ يَا حُيَيُّ دَعْنَا عَلَى عَهْدِنَا لِهَذَا الرَّجُلِ فَإِنِّي لَمْ أَرَ [(١١)] رَجُلًا أَصْدَقَ وَلَا أَوْفَى مِنْ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ وَاللهِ مَا أَكْرَهَنَا عَلَى دِينٍ وَلَا غَصَبَنَا مَالًا وَلَا نَنْقِمُ مِنْ مُحَمَّدٍ وَعَمَلِكَ شَيْئًا، وَأَنْتَ تَدْعُو إِلَى الْهَلَكَةِ، فَنُذَكِّرُكَ اللهَ إِلَّا مَا أَعْفَيْتَنَا مِنْ نَفْسِكَ، فَقَالَ: وَاللهِ لَا أَفْعَلُ وَلَا يَخْتَبِزُهَا مُحَمَّدٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَلَا نَفْتَرِقُ نَحْنُ وَهَذِهِ الْجُمُوعُ حَتَّى نَهْلَكَ، وَقَالَ عَمْرُو بْنُ سَعْدٍ الْقُرَظِيُّ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ إِنَّكُمْ قَدْ حَالَفْتُمْ مُحَمَّدًا عَلَى مَا قَدْ عَلِمْتُمْ أَنْ لَا تَخُونُوهُ وَلَا تَنْصُرُوا عَلَيْهِ عَدُوًّا، وَأَنْ تَنْصُرُوهُ عَلَى مَنْ دَهَمَ يَثْرِبَ، فَأَوْفُوا عَلَى مَا عَاهَدْتُمُوهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَخَلُّوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَدُوِّهِ وَاعْتَزِلُوهُمْ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِمْ حُيَيُّ حَتَّى شَامَهُمْ، فَاجْتَمَعَ ملأهم فِي الْغَدِ عَلَى أَمْرِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، غَيْرَ أَنَّ بَنِيَ شَعْيَةَ أَسَدًا وَأُسَيْدًا وَثَعْلَبَةَ خَرَجُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، زَعَمُوا وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَا حُيَيُّ انْطَلِقْ إِلَى أَصْحَابِكَ فَإِنَّا لَا نَأْمَنُهُمْ، فَإِنْ أَعْطَوْنَا مِنْ أَشْرَافِهِمْ مِنْ كُلِّ مَنْ جَاءَ مَعَهُمْ رَهْنًا فَكَانُوا عِنْدَنَا فَإِذَا نَهَضُوا لِقِتَالِ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ خَرَجْنَا نَحْنُ فَرَكِبْنَا أَكْتَافَهُمْ، فَإِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَاشْدُدِ الْعَقْدَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، فَذَهَبَ حُيَيٌّ إِلَى قُرَيْشٍ فَعَاقَدُوهُ عَلَى أَنْ يَدْفَعُوا إِلَيْهِ السَّبْعِينَ وَمَزَّقُوا صَحِيفَةَ الْقَضِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَبَيْنَهُمْ، وَنَبَذُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالْحَرْبِ وَتَحَصَّنُوا، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَعَبَّأَ أَصْحَابَهُ لِلْقِتَالِ وَقَدْ جَعَلَهُمُ الْمُشْرِكُونَ فِي مِثْلِ الْحِصْنِ بَيْنَ كَتَائِبِهِمْ فَحَاصَرُوُهُمْ قَرِيبًا مِنْ عِشْرِينَ لَيْلَةً وَأَخَذُوا بِكُلِّ نَاحِيَةٍ حَتَّى مَا يَدْرِي الرَّجُلُ أَتَمَّ صَلَاتَهُ أَمْ لَا وَوَجَّهُوا نحو منزل
_________________
(١) [(١٠)] الزيادة من الدّرر. [(١١)] في (أ) رسمت: «لم أُرِيَ» !
[ ٣ / ٤٠١ ]
رسول الله ﷺ كَتِيبَةً غَلِيظَةً يُقَاتِلُونَهُمْ يَوْمًا إِلَى اللَّيْلِ، فَلَمَّا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ صَلَاةُ الْعَصْرِ دَنَتِ الْكَتِيبَةُ، فَلَمْ يقدر النبي ﷺ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ أَنْ يُصَلُّوا الصَّلَاةَ عَلَى نَحْوِ مَا أَرَادُوا فَانْكَفَأَتِ الْكَتِيبَةُ مَعَ اللَّيْلِ، فَزَعَمُوا
أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، قَالَ: «شَغَلُونَا عَنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ مَلَأَ اللهُ بُطُونَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا» [(١٢)] .
وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ فُلَيْحٍ: بُطُونَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا، فَلَمَّا اشْتَدَّ الْبَلَاءُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ نَافَقَ نَاسٌ كَثِيرٌ وَتَكَلَّمُوا بِكَلَامٍ قَبِيحٍ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مَا فِيهِ النَّاسُ مِنَ الْبَلَاءِ وَالْكَرْبِ، جَعَلَ يُبَشِّرُهُمْ وَيَقُولُ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُفْرَجَنَّ عَنْكُمْ مَا تَرَوْنَ مِنَ الشِّدَّةِ، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَطُوفَ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ آمِنًا، وَأَنْ يَدْفَعُ اللهُ ﷿ إِلَيَّ مَفَاتِيحَ الْكَعْبَةِ، وَلَيُهْلِكَنَّ اللهُ كِسْرَى وَقَيْصَرَ وِلَتُنْفِقُنَّ كُنُوزَهُمَا فِي سَبِيلِ اللهِ ﷿.
وقال رَجُلٌ مِمَّنْ مَعَهُ لِأَصْحَابِهِ: أَلَا تَعْجَبُونَ مِنْ مُحَمَّدٍ يَعِدُنَا أَنْ نَطُوفَ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ وَأَنْ نَقْسِمَ كُنُوزَ فَارِسَ وَالرُّومِ وَنَحْنُ هَاهُنَا لَا يَأْمَنُ أَحَدُنَا أَنْ يَذْهَبَ الْغَائِطَ، وَاللهِ لَمَا يَعِدُنَا إِلَّا غُرُورًا.
وَقَالَ آخَرُونَ مِمَّنْ مَعَهُ: ائْذَنْ لَنَا فَإِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ.
وَقَالَ آخَرُونَ: يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فارجعوا.
_________________
(١) [(١٢)] أخرجه البخاري في: ٥٦- كتاب الجهاد، (٩٨) باب الدعاء على المشركين بالهزيمة والزلزلة، الحديث (٢٩٣١)، فتح الباري (٦: ١٠٥) عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُوسَى، عن عيسى، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ مُحَمَّدِ، عَنْ عِبِيدَةَ، عَنْ عَلِيٍّ، وأعاده في: ٦٤- كتاب المغازي (١٩) باب غزوة الخندق، الحديث (٤١١١)، فتح الباري (٧: ٤٠٥) . وأخرجه مسلم في: ٥- كتاب المساجد، (٣٥) باب التغليظ في تفويت صلاة العصر، الحديث (٢٠٢) عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أبي شيبة، ص (٤٣٦)، والحديث (٢٠٦)، عن عون بن سلّام اللوفي، ص (٤٣٧)، وأخرجه الإمام أحمد في مسنده (١: ٧٩، ٨١) .
[ ٣ / ٤٠٢ ]
وَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ أَخَا بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، وَسَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ، وَعَبْدَ اللهِ بْنَ رَوَاحَةَ، وخوّان بْنَ جُبَيْرٍ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ لِيُكَلِّمُوهُمْ وَيُنَاشِدُوهُمْ فِي حِلْفِهِمْ، فَانْطَلَقُوا حَتَّى أَتَوْا بَابَ حِصْنِ بَنِي قُرَيْظَةَ اسْتَفْتَحُوا، فَفُتِحَ لَهُمْ فَدَخَلُوا عَلَيْهِمْ، فَدَعَوْهُمْ إِلَى الْمُوَادَعَةِ وَتَجْدِيدِ الْحِلْفِ، فَقَالُوا: الْآنَ وَقَدْ كَسَرُوا جَنَاحَنَا، يُرِيدُونَ بِجَنَاحِهِمُ الْمَكْسُورَةِ بَنِي النَّضِيرِ، ثُمَّ أَخْرَجُوهُمْ وَشَتَمُوا النَّبِيَّ ﷺ شَتْمًا، فَجَعَلَ سَعْدُ بْنُ عبادة يشاتمهم، فأغضبوه، فقال سعد ابن مُعَاذٍ لِسَعْدِ بْنُ عُبَادَةَ: إِنَّا وَاللهِ مَا جِئْنَا لِهَذَا، وَلَمَا بَيْنَنَا أَكْثَرُ مِنَ الْمُشَاتَمَةِ، ثُمَّ نَادَاهُمْ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، فَقَالَ: إِنَّكُمْ قَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ يَا بَنِي قُرَيْظَةَ وَأَنَا خَائِفٌ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ بَنِي النَّضِيرِ، أَوْ أَمَرَّ مِنْهُ، فَقَالُوا: أَكَلْتَ أَيْرَ أَبِيكَ،، فَقَالَ: غَيْرُ هَذَا مِنَ الْقَوْلِ كَانَ أَجْمَلَ وَأَحْسَنَ مِنْهُ،
فَرَجَعُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ حِينَ يَئِسُوا مِمَّا عِنْدَهُمْ، فَعَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي وجُوهِهِمُ الْكَرَاهِيَةَ لِمَا جَاءُوا بِهِ، فَقَالَ: مَا وَرَاءَكُمْ؟ فَقَالُوا: أَتَيْنَاكَ مِنْ عِنْدِ أَخَابِثِ خَلْقِ اللهِ وَأَعْدَاهُ لِلَّهِ﷿ [(١٣)] وَلِرَسُولِهِ ﷺ، وَأَخْبَرُوهُ بِالَّذِي قَالُوا، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِكِتْمَانِ خَبَرِهِمْ.
وَانْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى أَصْحَابِهِ، وَهُمْ فِي بَلَاءٍ شَدِيدٍ يَخَافُونَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ، فَقَالُوا: حِينَ رَأَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ مُقْبِلًا: مَا وَرَاءَكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟
قَالَ: خَيْرٌ فَأَبْشِرُوا، ثُمَّ تَقَنَّعَ بِثَوْبِهِ فَاضْطَجَعَ وَمَكَثَ طَوِيلًا وَاشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الْبَلَاءُ وَالْخَوْفُ حِينَ رَأَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ اضْطَجَعَ وَعَرَفُوا أَنَّهُ لَمْ يَأْتِهِ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ خَيْرٌ، ثُمَّ إِنَّهُ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: أَبْشِرُوا بِفَتْحِ اللهِ وَنَصْرِهِ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا دَنَا الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ فَكَانَ بَيْنَهُمْ رَمْيُ النَّبْلِ وَالْحِجَارَةِ.
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، قَالَ رسول الله ﷺ: «اللهم
_________________
(١) [(١٣)] من (ح) .
[ ٣ / ٤٠٣ ]
إِنِّي أَسْأَلُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ، اللهُمَّ إِنْ تَشَأْ لَا تُعْبَدُ» .
وَأَقْبَلَ نَوْفَلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْمَخْزُومِيُّ وَهُوَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى فَرَسٍ لَهُ لِيُقْحِمَهُ الْخَنْدَقَ، فَقَتَلَهُ اللهُ وَكَبَتَ بِهِ الْمُشْرِكِينَ، وَعَظُمَ فِي صُدُورِهِمْ وَأَرْسَلُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ: إِنَّا نُعْطِيكُمُ الدِّيَةَ عَلَى أَنْ تَدْفَعُوهُ إِلَيْنَا فَنَدْفِنَهُ، فَرَدَّ إِلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ خَبِيثٌ خَبِيثُ الدِّيَةِ، فَلَعَنَهُ اللهُ وَلَعَنَ دِيَتَهُ، فَلَا أَرَبَ لَنَا بِدِيَتِهِ وَلَسْنَا مَانِعِيكُمْ أَنْ تَدْفِنُوهُ، وَرُمِيَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ رَمْيَةً فَقَطَعَتْ مِنْهُ الْأَكْحَلِ مِنْ عَضُدِهِ، وَرَمَاهُ زَعَمُوا حَيَّانُ بْنُ قَيْسٍ أَخُو بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، ثُمَّ أَحَدُ بَنِي الْعَرِقَةِ وَيَقُولُ آخَرُونَ: أَبُو أُسَامَةَ الْجُشَمِيُّ حَلِيفُ بَنِي مَخْزُومٍ.
وَقَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ: رَبِّ اشْفِنِي مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ قَبْلَ الممات فرقاء الْكَلْمُ بَعْدَ مَا كَانَ قَدِ انْفَجَرَ، وَصَبَرَ أَهْلُ الْإِيمَانِ عَلَى مَا رَأَوْا مِنْ كَثْرَةِ الْأَحْزَابِ وَشِدَّةِ أَمْرِهِمْ وَزَادَهُمْ يَقِينًا لِمَوْعِدِ اللهِ ﵎ الَّذِي وَعَدَهُمْ، ثُمَّ رَجَعَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ، ثُمَّ إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَرْسَلَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ أَنْ قَدْ طَالَ ثَوَاؤُنَا هَاهُنَا وَأَجْدَبَ مَنْ حَوْلَنَا فَمَا نَجِدُ رَعْيًا لِلظَّهْرِ، وَقَدْ أَرَدْنَا أَنْ نَخْرُجَ إِلَى مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ فَيَقْضِيَ اللهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فَمَاذَا تَرَوْنَ؟ وَبَعَثَتْ بِذَلِكَ غَطَفَانُ فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِمْ أَنْ نَعَمْ مَا رَأَيْتُمْ فَإِذَا شِئْتُمْ فَانْهَضُوا فَإِنَّا لَا نَحْبِسُكُمْ إِذَا بَعَثْتُمْ بِالرَّهْنِ إِلَيْنَا.
وَأَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْ أَشْجَعَ يُقَالُ لَهُ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ يُذِيعُ الْأَحَادِيثَ، وَقَدْ سَمِعَ الَّذِي أَرْسَلَتْ بِهِ قُرَيْشٌ وَغَطَفَانُ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، وَالَّذِي رَجَعُوا إِلَيْهِمْ، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَشَارَ إِلَيْهِ وَذَلِكَ عِشَاءً فَأَقْبَلَ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ حَتَّى دَخَلَ على رسول الله ﷺ قُبَّةً لَهُ تُرْكِيَّةً وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَا وَرَاءَكَ؟
قال: انه والله مالك طَاقَةٌ بِالْقَوْمِ وَقَدْ تَحَزَّبُوا عَلَيْكَ وَهُمْ مُعَاجِلُوكَ، وَقَدْ بَعَثُوا إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ أَنَّهُ قَدْ طَالَ ثَوَاؤُنَا وَأَجْدَبَ مَا حَوْلَنَا، وَقَدْ أَحْبَبْنَا أَنْ نُعَاجِلَ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ فَنَسْتَرِيحَ مِنْهُمْ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِمْ بَنُو قُرَيْظَةَ: أَنْ نِعْمَ مَا رَأَيْتُمْ فَإِذَا شِئْتُمْ، فَابْعَثُوا بِالرَّهْنِ ثُمَّ لَا يَحْبِسُكُمْ إِلَّا أَنْفُسُكُمْ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إِنِّي
[ ٣ / ٤٠٤ ]
مُسِرٌّ إِلَيْكَ شَيْئًا فَلَا تَذْكُرْهُ، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: إِنَّهُمْ قَدْ أَرْسَلُوا إِلَيَّ يَدْعُونَنِي إِلَى الصُّلْحِ وَأَرُدُّ بَنِي النَّضِيرِ إِلَى دُورِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ.
فَخَرَجَ نُعَيْمٌ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى غَطَفَانَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إِنَّ الْحَرْبَ خَدْعَةٌ، وَعَسَى اللهُ أَنْ يَصْنَعَ لَنَا،
فَأَتَى نُعَيْمٌ غَطَفَانَ فَقَالَ: إِنِّي لَكُمْ نَاصِحٌ وَإِنِّي قَدِ اطَّلَعْتُ عَلَى غَدْرِ يَهُودَ، تَعْلَمُونَ أَنَّ مُحَمَّدًا [ﷺ] لَمْ يَكْذِبْ قَطُّ وَإِنِّي سَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ أَنَّ بَنِي قُرَيْظَةَ قَدْ صَالَحُوهُ عَلَى أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ إِخْوَانَهُمْ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ إِلَى دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَيَدْفَعُونَ إِلَيْهِ الرَّهْنَ، ثُمَّ خَرَجَ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ الْأَشْجَعِيُّ حَتَّى أَتَى أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ وَقُرَيْشًا، فَقَالَ: اعْلَمُوا أَنِّي قَدِ اطَّلَعْتُ عَلَى غَدْرِ يَهُودَ إِنِّي سَمِعْتُ مُحَمَّدًا يُحَدِّثُ أَنَّ بَنِي قُرَيْظَةَ صَالَحُوهُ عَلَى أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ إِخْوَانَهُمْ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ إِلَى دُورِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، عَلَى أَنْ يَدْفَعُوا إِلَيْهِ الرَّهْنَ وَيُقَاتِلُونَ مَعَهُ وَيُعِيدُونَ الْكِتَابَ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُمْ.
فَخَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ إِلَى أَشْرَافِ قُرَيْشٍ فَقَالَ أَشِيرُوا عَلَيَّ، وَقَدْ مَلُّوا مُقَامَهُمْ وَتَعَذَّرَتْ عَلَيْهِمُ الْبِلَادُ، فَقَالُوا: نَرَى أَنْ نَرْجِعَ وَلَا نُقِيمَ فَإِنَّ الْحَدِيثَ عَلَى مَا حَدَّثَكَ نُعَيْمٌ وَاللهِ مَا كَذَبَ مُحَمَّدٌ وَإِنَّ الْقَوْمَ لَغُدُرٌ.
وَقَالَتِ الرَّهْنُ حِينَ سَمِعُوا الْحَدِيثَ: وَاللهِ لَا نَأْمَنُهُمْ عَلَى أَنْفُسِنَا، وَلَا نَدْخُلُ حِصْنَهُمْ أَبَدًا.
وَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ لَنْ نَعْجَلَ حَتَّى نُرْسِلَ إِلَيْهِمْ فَنَتَبَيَّنَ مَا عِنْدَهُمْ.
فَبَعَثَ أَبُو سُفْيَانَ إِلَيْهِمْ عِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ، وَفَوَارِسَ وَذَلِكَ لَيْلَةَ السَّبْتِ، فَأَتَوْهُمْ فَكَلَّمُوهُمْ، فَقَالُوا: إِنَّا مُقَاتِلُونَ غَدًا فَاخْرُجُوا إِلَيْنَا، قَالُوا: إِنَّ غَدًا السَّبْتُ وَإِنَّا لَا نُقَاتِلُ فِيهِ أَبَدًا، فَقَالَ عِكْرِمَةُ: إِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ الْإِقَامَةَ هَلَكَ الظَّهْرُ وَالْكُرَاعُ وَلَا نَجِدُ رَعْيًا، فَقَالَتِ الْيَهُودُ: إِنَّا لَا نَعْمَلُ يَوْمَ السَّبْتِ عَمَلًا بِالْقِتَالِ، وَلَكِنِ امْكُثُوا إِلَى يَوْمِ الْأَحَدِ، وَابْعَثُوا إِلَيْنَا بِالرَّهْنِ، فَرَجَعَ عِكْرِمَةُ وَقَدْ يَئِسَ مِنْ نَصْرِهِمْ.
[ ٣ / ٤٠٥ ]
وَاشْتَدَّ الْبَلَاءُ وَالْحَصْرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَشَغَلَتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ فَلَا يَسْتَرِيحُونَ لَيْلًا وَلَا نَهَارًا، وَأَرَادَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَبْعَثَ رَجُلًا فَيَخْرُجَ مِنَ الْخَنْدَقِ فَيَعْلَمَ مَا خَبَرُ الْقَوْمِ، فَأَتَى رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ هَلْ أَنْتَ مُطَّلِعٌ الْقَوْمَ؟ فَاعْتَلَّ فَتَرَكَهُ، وَأَتَى آخَرَ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ يَسْمَعُ مَا يَقُولُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ صَامِتٌ لَا يَتَكَلَّمُ مِمَّا بِهِ مِنَ الضُّرِّ وَالْبَلَاءِ، فَأَتَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ لَا يَدْرِي مَنْ هُوَ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ أَنَا حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ، قَالَ: إِيَّاكَ أُرِيدُ أَسَمِعْتَ حَدِيثِي مُنْذُ اللَّيْلَةِ وَمَسْأَلَتِي الرِّجَالَ لِأَبْعَثَهُمْ فَيَتَخَبَّرُونَ لَنَا خَبَرَ الْقَوْمِ؟ قَالَ حُذَيْفَةُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنَّهُ لَبِأُذُنَيَّ، قَالَ: فَمَا مَنَعَكَ أَنْ تَقُومَ حِينَ سَمِعْتَ كَلَامِي؟ قَالَ: الضُّرُّ وَالْجُوعُ، فَلَمَّا ذَكَرَ الْجُوعَ ضَحِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: قُمْ حَفِظَكَ اللهُ مِنْ أَمَامِكَ وَمِنْ خَلْفِكَ وَمِنْ فَوْقِكَ وَمِنْ تَحْتِكَ وَعَنْ يَمِينِكَ وَعَنْ شِمَالِكَ حَتَّى تَرْجِعَ إِلَيْنَا، فَقَامَ حُذَيْفَةُ مُسْتَبْشِرًا بِدُعَاءِ رَسُولِ الله ﷺ كَأَنَّهُ احْتُمِلَ احْتِمَالًا، فَمَا شَقَّ مِنْ جُوعٍ وَلَا خَوْفٍ وَلَا دَرَى شَيْئًا مِمَّا أَصَابَهُ قَبْلَ ذَلِكَ مِنَ الْبَلَاءِ،
فَانْطَلَقَ حَتَّى أَجَازَ الْخَنْدَقَ مِنْ أَعْلَاهُ فَجَلَسَ بَيْنَ ظَهْرَيِ الْمُشْرِكِينَ فَوَجَدَ أَبَا سُفْيَانَ قَدْ أَمَرَهُمْ أَنْ يُوقِدُوا النِّيرَانَ، وَقَالَ: لِيَعْلَمَ كُلُّ امْرِئٍ مَنْ جَلِيسُهُ، فَقَبَضَ حُذَيْفَةُ عَلَى يَدِ رَجُلٍ عَنْ يَمِينِهِ، فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا فلان، وَقَبَضَ يَدَ رَجُلٍ عَنْ يَسَارِهِ، قَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا فُلَانٌ، وَبَدَرَهُمْ بِالْمَسْأَلَةِ خَشْيَةَ أَنْ يَفْطِنُوا لَهُ.
ثُمَّ إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَذِنَ بِالرَّحِيلِ، فَارْتَحَلُوا وَحَمَلُوا الْأَثْقَالَ فَانْطَلَقَتْ، وَوَقَفَتِ الْخَيْلُ سَاعَةً مِنَ اللَّيْلِ، ثُمَّ انْطَلَقَتْ، وَسَمِعَتْ غَطَفَانُ الصِّيَاحَ وَالْإِرْصَاءَ مِنْ قِبَلِ قُرَيْشٍ فَبَعَثُوا إِلَيْهِمْ، فَأَتَاهُمُ الْخَبَرُ بِرَحِيلِهِمْ فَانْقَشَعُوا لَا يَلْوُونَ عَلَى شَيْءٍ، وَقَدْ كَانَ اللهُ ﷿ قَبْلَ رَحِيلِهِمْ قَدْ بَعَثَ عَلَيْهِمْ بِالرِّيحِ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، حَتَّى مَا خَلَقَ اللهُ لَهُمْ بَيْتًا يَقُومُ، وَلَا رُمْحًا، حَتَّى مَا كَانَ فِي الْأَرْضِ مَنْزِلٌ أَشَدَّ عَلَيْهِمْ وَلَا أَكْرَهَ إِلَيْهِمْ مِنْ مَنْزِلِهِمْ ذَلِكَ، فَأَقْشَعُوا وَالرِّيحُ أَشَدُّ مَا كَانَتْ مَعَهَا جُنُودُ اللهِ لَا تُرَى كَمَا قَالَ اللهُ ﷿.
[ ٣ / ٤٠٦ ]
وَرَجَعَ حُذَيْفَةُ بِبَيَانِ خَبَرِ الْقَوْمِ، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي وَكَذَلِكَ فَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ خَرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَأَصْحَابُهُ فَقَتَلُوا كَعْبَ بْنَ الْأَشْرَفِ، فَلَمْ يَزَلْ قَائِمًا يُصَلِّي حَتَّى فَرَغُوا مِنْهُ وسمع التكبير ولما دنى [(١٤)] حُذَيْفَةُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يَدْنُوَ حَتَّى أَلْصَقَ ظَهْرَهُ بِرِجْلِ رَسُولِ الله ﷺ، فَثَنَا ثَوْبَهُ حَتَّى دَفِئَ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَسَأَلَهُ عَنِ الْقَوْمِ، فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فَأَصْبَحَ رَسُولُ الله ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ قَدْ فَتَحَ اللهُ ﷿ لَهُمْ وَأَقَرَّ أَعْيُنَهُمْ، فَرَجَعُوا إِلَى الْمَدِينَةِ شَدِيدًا بَلَاؤُهُمْ مِمَّا لَقُوا مِنْ مُحَاصَرَةِ الْعَدُوِّ وَكَانُوا حَاصَرُوهُمْ فِي شِتَاءٍ شَدِيدٍ فَرَجَعُوا مَجْهُودِينَ فَوَضَعُوا السِّلَاحَ.
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عُلَاثَةَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ:
حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ فَذَكَرَ هَذِهِ الْقِصَّةَ بِمَعْنَى مَا ذَكَرَ مُوسَى بن عقبة [(١٥)] ولما ذكروا فِي مَغَازِيهِمَا مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ شَوَاهِدُ فِي الْأَحَادِيثِ الْمَوْصُولَةِ وَفِي مَغَازِي مُحَمَّدِ بن إسحاق بن يسار، وَنَحْنُ نَذْكُرُهَا بِعَوْنِ اللهِ تَعَالَى مُفَرَّقَهً فِي أَبْوَابٍ.
_________________
(١) [(١٤)] في (أ) رسمت: «دنا» . [(١٥)] فقرات من سياق غزوة الأحزاب عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ في البداية والنهاية، وسردها ابن عبد البر مختصرة في الدرر.
[ ٣ / ٤٠٧ ]
بَابُ تَحْزِيبِ الْأَحْزَابِ وَحَفْرِ رسول الله ﷺ الْخَنْدَقَ
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ:
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: وَحَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ، وَعُثْمَانَ بْنِ يَهُوذَا، أَحَدِ بَنِي عَمْرِو بْنِ قُرَيْظَةَ، عَنْ رِجَالٍ مِنْ قَوْمِهِ، قَالُوا: كَانَ الَّذِينَ حَزَّبُوا الْأحْزَابَ نَفَرًا مِنْ بَنِي وَائِلٍ، وَكَانَ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ وَكِنَانَةُ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ، وَأَبُو عَمَّارٍ، وَمِنْ بَنِي وَائِلٍ حَيٌّ مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْ أَوْسِ اللهِ، وَحْوَحُ بْنُ عَمْرٍو، وَرِجَالٌ مِنْهُمْ لَا أَحْفَظُهُمْ، وَخَرَجُوا حَتَّى قَدِمُوا عَلَى قُرَيْشٍ فَدَعَوْهُمْ إِلَى حَرْبِ رسول الله ﷺ فَنَشِطُوا لِذَلِكَ، فَقَالُوا لَهُمْ: إِنَّا سَنَكُونُ مَعَكُمْ عَلَيْهِ [(١)]، فَقَالَتْ لَهُمْ قُرَيْشٌ:
أَنْتُمْ أَحْبَارُ يَهُودَ وَأَهْلُ الْكِتَابِ الْأَوَّلِ وَالْعِلْمِ بما اختلف فِيهِ نَحْنُ وَمُحَمَّدٌ، فَدِينُنَا خَيْرٌ أَمْ دِينُهُ؟ فَقَالُوا: بَلْ، دِينُكُمْ خَيْرٌ مِنْ دِينِهِ، فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿ فِيهِمْ:
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ، إِلَى قَوْلِهِ: وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا [(٢)] .
_________________
(١) [(١)] في (أ): «عليه» . [(٢)] الآيات الكريمات (٥١- ٥٤) من سورة النساء.
[ ٣ / ٤٠٨ ]
وَإِنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ حَسَدًا لِلْعَرَبِ أَنْ جَعَلَ اللهُ﷿- مُحَمَّدًا ﷺ مِنْهُمْ، فَلَمَّا قَالُوا ذَلِكَ لِقُرَيْشٍ أَجَابُوهُمْ إِلَى مَا دَعَوْهُمْ إِلَيْهِ، ثُمَّ خَرَجُوا حَتَّى جَاءُوا غَطَفَانَ فَاسْتَصْرَخُوهُمْ عَلَى حَرْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَدَعَوْهُمْ إِلَى أَنْ يُجَاهِدُوهُ مَعَهُمْ، وَأَخْبَرُوهُمْ أَنَّ قُرَيْشًا تَابَعُوهُمْ عَلَى ذَلِكَ فَوَاعَدُوهُمْ [(٣)] .
فَلَمَّا أَقْبَلَتْ قُرَيْشٌ نَزَلُوا بِجَمْعِ الْأَسْيَالِ مِنْ رُومَةَ بِئْرٌ بِالْمَدِينَةِ، قَائِدُهَا أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، وَأَقْبَلَتْ غَطَفَانُ مَعَهَا عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ عَوْفٍ، حَتَّى نَزَلُوا بِنَقْمَيْنِ إِلَى جَانِبِ أُحُدٍ، فَلَمَّا نَزَلُوا بِذَلِكَ الْمَنْزِلِ وَقَدْ كَانَ جَاءَ رَسُولَ اللهِ ﷺ الْخَبَرُ بِمَا أَجْمَعَتْ [(٤)] لَهُ قُرَيْشٌ وَغَطَفَانُ، فَضَرَبَ الْخَنْدَقَ عَلَى الْمَدِينَةِ وَعَمِلَ فِيهِ تَرْغِيبًا لِلْمُسْلِمِينَ فِي الْأَجْرِ، وَعَمِلَ الْمُسْلِمُونَ فِيهِ فَدَأَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَدَأَبُوا، وَأَبْطَأَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَعَنِ الْمُسْلِمِينَ فِي عَمَلِهِمْ ذَلِكَ: رِجَالٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، وَجَعَلُوا يُوَرُّونَ [(٥)] بِالضَّعِيفِ مِنَ الْعَمَلِ، فَيَتَسَلَّلُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَلَا إِذْنٍ، وَجَعَلَ الرَّجُلُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِذَا نَابَتِ الْنَائِبَةُ مِنَ الْحَاجَةِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا يَذْكُرُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَيَسْتَأْذِنُهُ فِي اللُّحُوقِ بِحَاجَتِهِ فَيَأْذَنُ لَهُ، فَإِذَا قَضَى حَاجَتَهُ رَجَعَ إِلَى مَا كَانَ فِيهِ مِنْ عَمَلِهِ رَغْبَةً فِي الْخَيْرِ وَاحْتِسَابًا لَهُ، فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿ فِي أُولَئِكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِلَى قَوْلِهِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [(٦)] .
فَعَمِلَ الْمُسْلِمُونَ فِيهِ حَتَّى أَحْكَمُوهُ وَارْتُجِزَ فِيهِ بِرَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَانَ يُقَالُ لَهُ جُعَيْلٌ فَسَمَّاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ عمرا، فقالوا:
_________________
(١) [(٣)] سيرة ابن هشام (٣: ١٦٩)، ونقله الحافظ ابن كثير مختصرا في التاريخ (٤: ٩٤- ٩٥) . [(٤)] في (ح): «جمعت» . [(٥)] (يورّون) يستترون. [(٦)] الآيات (٦٢- ٦٤) من سورة النور.
[ ٣ / ٤٠٩ ]
سَمَّاهُ مِنْ بَعْدِ جُعَيْلٍ عَمْرَا وَكَانَ لِلْبَائْسِ يَوْمًا ظَهْرَا [(٧)]
فَإِذَا مَرُّوا بِعَمْرٍو قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَمْرًا، وَإِذَا قَالُوا ظَهْرًا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ظَهْرًا [(٨)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ [قَالَ] [(٩)]: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّغَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بَكْرٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي غَدَاةٍ بَارِدَةٍ وَالْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ يَحْفِرُونَ الْخَنْدَقَ بِأَيْدِيهِمْ، فَقَالَ:
اللهُمَّ إِنَّ الْخَيْرَ خَيْرُ الْآخِرَهْ فَاغْفِرْ للأنصار والمهاجرة
فأجابوه:
نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدَا عَلَى الْجِهَادِ مَا بَقِينَا أَبَدَا [(١٠)]
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ شَرِيكٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ حُمَيْدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الْخَنْدَقِ وَإِذَا الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ يَحْفِرُونَ الْخَنْدَقَ فِي غَدَاةٍ بَارِدَةٍ ولم يكن
_________________
(١) [(٧)] البائس: الفقير، والظهر: القوة والمعونة، والضمير المستتر في «سماه» وفي «كان» راجع إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ للبائس الفقير أكبر عون. [(٨)] هذه الأخبار في سيرة ابن هشام (٣: ١٧٠- ١٧١)، وفي البداية والنهاية (٤: ٩٥) . [(٩)] ليست في (ح)، وكذا في سائر الخبر. [(١٠)] أنظر الحاشية التالية.
[ ٣ / ٤١٠ ]
لَهُمْ عَبِيدٌ يَعْمَلُونَ ذَلِكَ لَهُمْ، فَلَمَّا رَأَى مَا بِهِمْ مِنَ النَّصَبِ وَالْجُوعِ قَالَ: -
اللهُمَّ إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَهْ فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ
فَقَالُوا مُجِيبِينَ لَهُ:
نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدَا عَلَى الْجِهَادِ مَا بَقِينَا أَبَدَا.
أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ أَوْجُهٍ عَنْ حُمَيْدٍ، وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ حُمَيْدٍ
[(١١)] .
حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ السُّلَمِيُّ إِمْلَاءً، قَالَ: أَخْبَرَنَا جَدِّي أَبُو عَمْرٍو يَعْنِي ابْنَ نُجَيْدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُسْلِمٍ الْكَجِّيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ وَحُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ يَقُولُونَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ:
نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدَا عَلَى الْإِسْلَامِ [(١٢)] .
وَقَالَ حُمَيْدٌ: عَلَى الْجِهَادِ مَا بَقِينَا أَبَدَا. وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ:
اللهُمَّ إِنَّ الْخَيْرَ خَيْرُ الْآخِرَهْ فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ.
أَخْبَرَنَا أبو عبد اللَّه الْحَافِظُ، [قَالَ] [(١٣)]: أَخْبَرَنَا أَبُو عمرو بن أبي
_________________
(١) [(١١)] أخرجه البخاري في: ٦٤- كتاب المغازي (٢٩) باب غزوة الخندق، الحديث (٤٠٩٩)، فتح الباري (٧: ٣٩٢) . [(١٢)] أخرجه مسلم في: ٣٢- كتاب الجهاد والسير، (٤٤) باب غزوة الأحزاب، الحديث (١٣٠)، ص (١٤٣٢) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَاتِمٍ، عن بهز، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ. [(١٣)] ليست في (ح) .
[ ٣ / ٤١١ ]
جَعْفَرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو يَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مِهْرَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسِ، قَالَ: كَانَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ يَحْفِرُونَ الْخَنْدَقَ حَوْلَ الْمَدِينَةِ، وَيَنْقُلُونَ التُّرَابَ عَلَى مُتُونِهِمْ، ويقولون:
نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدَا عَلَى الْإِسْلَامِ مَا بَقِينَا أَبَدَا.
قَالَ وَيَقُولُ رَسُولُ اللَّه ﷺ وَهُوَ يُحَيِّيهِمْ:
اللهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُ الْآخِرَهْ. فَبَارِكْ فِي الْأَنْصَارِ والمهاجرة قال: ويؤتون بمليء [(١٤)] جفنتين شعيرا يضع لَهُمْ بِإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ [(١٥)]، وَهِيَ بَشِعَةٌ فِي الْحَلْقِ [(١٦)] وَلَهَا رِيحٌ مُنْكَرَةٌ، فَتُوضَعُ بَيْنَ يَدَيِ الْقَوْمِ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ [(١٧)]، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ يَعْقُوبَ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّه ﷺ بِالْخَنْدَقِ، وَهُمْ يَحْفِرُونَ وَنَحْنُ نَنْقُلُ التُّرَابَ عَلَى أَكْتَافِنَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ:
اللهُمَّ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الْآخِرَةِ. فَاغْفِرْ لِلْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عن قتيبة [(١٨)] .
_________________
(١) [(١٤)] في (أ) رسمت: بملإ. [(١٥)] (الإهالة) الزيت والشحم، (السنخة) المتغيرة الريح والطعم. [(١٦)] (بشعة في الحلق): كريهة الطعم. [(١٧)] رواه البخاري في: ٦٤- كتاب المغازي، (٢٩) باب غزوة الخندق، الحديث (٤١٠٠)، فتح الباري (٧: ٣٩٢) . [(١٨)] أخرجه البخاري في الموضع السابق، الحديث رقم (٤٠٩٨)، فتح الباري (٧: ٣٩٢) .
[ ٣ / ٤١٢ ]
رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنِ الْقَعْنَبِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ [(١٩)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّه الْأَدِيبُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو خَلِيفَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّه ﷺ يَنْقُلُ مَعَنَا التُّرَابَ يَوْمَ الْأَحْزَابِ، وَقَدْ وَارَى التُّرَابُ بَيَاضَ بَطْنِهِ، وهو يقول:
اللهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهتدينا لا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا
فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا وَثَبِّتِ الْأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا
إِنَّ الْأُلِي قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا إِذْ أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا
رَفَعَ بِهَا صَوْتَهُ: [أَبَيْنَا، أَبَيْنَا] [(٢٠)] .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ [(٢١)] وَأَخْرَجَاهُ مِنْ أَوْجُهٍ عَنْ شُعْبَةَ [(٢٢)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ [قَالَ]: [(٢٣)] أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ الضَّبِّيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حدثنا أبو
_________________
(١) [(١٩)] مسلم عن القعنبي، في: ٣٢- كتاب الجهاد والسير، (٤٤) باب غزوة الأحزاب، الحديث (١٢٦)، ص (١٤٣١) . [(٢٠)] الزيادة من صحيح البخاري. [(٢١)] البخاري عن أبي الوليد في: ٥٦- كتاب الجهاد، (٣٤) باب حفر الخندق، الحديث (٢٨٣٦)، فتح الباري (٦: ٤٦) . [(٢٢)] البخاري عن حفص بن عمر، عن شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عن البراء- فتح الباري (٦: ٤٦)، البخاري عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عن شعبة، في ٦٤: كتاب المغازي (٢٩) باب غزوة الخندق، الحديث (٤١٠٤)، فتح الباري (٧: ٣٩٩) . مُسْلِمٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المثنى، وابن بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جعفر، عن شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عن البراء، في: ٣٢- كتاب الجهاد والسير، (٤٤) باب غزوة الأحزاب، الحديث (١٢٥)، ص (١٤٣٠) . [(٢٣)] ليست في (ح)، وكذا في سائر الخبر.
[ ٣ / ٤١٣ ]
الْأَحْوَصِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَهُوَ يَنْقُلُ التُّرَابَ، حَتَّى وَارَى التُّرَابُ شَعْرَ صَدْرِهِ، وَكَانَ كَثِيرَ الشَّعْرِ، وَهُوَ يَرْتَجِزُ بِرَجَزِ عَبْدِ اللَّه بْنِ رَوَاحَةَ فَذَكَرَ الْأَبْيَاتَ بِمِثْلِ رِوَايَةِ شُعْبَةَ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ:
إِنَّ الْعَدُوَّ قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا وَإِنْ أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا
يَمُدُّ بِهَا صَوْتَهُ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ مُسَدَّدٍ [(٢٤)] .
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ قَالَ:
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْفَضْلِ الْبَلْخِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ الْبَلْخِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُسَيَّبُ بْنُ شَرِيكٍ، عَنْ زِيَادِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ سَلْمَانَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَرَبَ فِي الْخَنْدَقِ وَقَالَ:
بِسْمِ اللَّه وَبِهِ هُدِينَا وَلَوْ عَبَدْنَا غَيْرَهُ شَقِينَا. فَأَحَبُّ رَبًّا وأحبّ دينا [(٢٥)] .
_________________
(١) [(٢٤)] البخاري عن مسدد، في: ٥٦- كتاب الجهاد، (١٦١) باب الرجز في الحرب، الحديث (٣٠٣٤)، فتح الباري (٦: ١٦٠) . [(٢٥)] نقله الصالحي في السيرة الشامية (٤: ٥١٧)، وجاء في آخره: «يا حبّذا ربا وحبّ دِينَا» .
[ ٣ / ٤١٤ ]
بَابُ مَا ظَهَرَ فِي حَفْرِ الْخَنْدَقِ مِنْ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ وَآثَارِ الصِّدْقِ
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: [(١)] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: وَكَانَ فِي الْحَفْرِ بِالْخَنْدَقِ أَحَادِيثُ بَلَغَتْنِي فِيهَا عِبْرَةٌ فِي تَصْدِيقِ رَسُولِ اللَّه ﷺ وَتَحْقِيقِ نُبُوَّتِهِ، وَعَايَنَ ذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُ.
وَكَانَ مِمَّا بَلَغَنِي أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّه كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّهُ اشْتَدَّ عَلَيْهِمْ فِي بَعْضِ الْخَنْدَقِ كُدْيَةٌ [(٢)] فَشَكَوْهَا إِلَى رَسُولِ اللَّه ﷺ، فَدَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ مَاءٍ فَتَفَلَ فِيهِ، ثُمَّ دَعَا بِمَا شَاءَ اللَّه أَنْ يَدْعُوَ، ثُمَّ نَضَحَ ذَلِكَ الْمَاءَ عَلَى تِلْكَ الْكُدْيَةِ، وَقَالَ مَنْ حَضَرَهَا: فو الذي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ لَانْهَالَتْ حَتَّى عَادَتْ كَالْكَثِبِ مَا تَرُدُّ فَأْسًا وَلَا مِسْحَاةً [(٣)] .
أَخْبَرَنَا أبو عبد اللَّه الْحَافِظُ، وأَبُو بَكْرٍ: أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، قَالَا:
حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابن عبد الجبار،
_________________
(١) [(١)] في (ح) بدون (قال)، وكذا في سائر الخبر. [(٢)] الكدية: الصخرة العظيمة. [(٣)] الخبر في سيرة ابن هشام (٣: ١٧١- ١٧٢) .
[ ٣ / ٤١٥ ]
قَالَ: [(٤)] حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ أَيْمَنَ الْمَخْزُومِيِّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا [(٥)] أَيْمَنُ الْمَخْزُومِيُّ، قَالَ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّه يَقُولُ: كُنَّا يَوْمَ الْخَنْدَقِ نَحْفِرُ الْخَنْدَقَ فَعَرَضَتْ فِيهِ كَذَّانَةٌ وَهِيَ الْجَبَلُ، فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّه إِنَّ كَذَّانَةً قَدْ عَرَضَتْ فِيهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: رُشُّوا عَلَيْهَا، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّه ﷺ فَأَتَاهَا وَبَطْنُهُ مَعْصُوبٌ بِحَجَرٍ مِنَ الْجُوعِ، فَأَخَذَ الْمِعْوَلَ أَوِ الْمِسْحَاةَ فَسَمَّى ثَلَاثًا ثُمَّ ضَرَبَ فَعَادَتْ كَثِيبًا أَهْيَلَ [(٦)] فَقُلْتُ لَهُ: ائْذَنْ لِي يَا رَسُولَ اللَّه إِلَى الْمَنْزِلِ.
فَفَعَلَ [(٧)]، فَقُلْتُ لِلْمَرْأَةِ [(٨)]: هَلْ عِنْدَكِ مِنْ شَيْءٍ؟ فَقَالَتْ: عِنْدِي صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ وَعَنَاقٍ [(٩)]، فَطَحَنَتِ الشَّعِيرَ وَعَجَنَتْهُ، وَذَكَّتِ الْعَنَاقَ، وَسَلَخَتْهَا، وَخَلَّيْتُ مِنَ الْمَرْأَةِ وَبَيْنَ ذَلِكَ ثُمَّ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ [(١٠)]، فَجَلَسْتُ عِنْدَهُ سَاعَةً، ثُمَّ قُلْتُ: ائْذَنْ لِي يَا رَسُولَ اللَّه فَفَعَلَ، فَأَتَيْتُ الْمَرْأَةَ فَإِذَا الْعَجِينُ وَاللَّحْمُ قَدْ أَمْكَنَا، فَرَجَعَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّه ﷺ فَقُلْتُ: إِنَّ عِنْدِي طُعَيِّمًا [(١١)] لَنَا، فَقُمْ يَا رَسُولَ اللَّه أَنْتَ وَرَجُلَانِ مِنْ أَصْحَابِكَ، فَقَالَ: وَكَمْ هُوَ؟ فَقُلْتُ: صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ، وَعَنَاقٌ، فَقَالَ لِلْمُسْلِمِينَ جَمِيعًا: قُومُوا إِلَى جَابِرٍ! فَقَامُوا، فَلَقِيتُ مِنَ الْحَيَاءِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّه، فَقُلْتُ: جَاءَ بِالْخَلْقِ عَلَى صَاعِ شَعِيرٍ وَعَنَاقٍ! فَدَخَلْتُ عَلَى امْرَأَتِي أَقُولُ: افْتَضَحْتُ جَاءَكِ رَسُولُ اللَّه ﷺ بالجند
_________________
(١) [(٤)] ليست في (ح) . [(٥)] في (ح): «حدثني» . [(٦)] أي رملا سائلا. [(٧)] من هنا وحتى نهاية الباب سقط من نسخة (أ) . [(٨)] في البخاري «فقلت لامرأتي»، وقال الحافظ بن حجر: «هي سهيلة بنت مسعود الأنصارية» . [(٩)] (العناق): الأنثى من المعز. [(١٠)] في الصحيح: «ثم جئت النبي ﷺ والعجين قد انكسر، والبرمة بين الأثافي، قد كادت أن تنضج» . [(١١)] للمبالغة في تصغيره.
[ ٣ / ٤١٦ ]
أَجْمَعِينَ، فَقَالَتْ: هَلْ كَانَ سَأَلَكَ كَمْ طَعَامُكَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَتِ: اللَّه وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَدْ أَخْبَرْنَاهُ مَا عِنْدَنَا فَكَشَفَتْ عَنِّي غَمًّا شَدِيدًا، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّه ﷺ، فَقَالَ: خُذِي وَدَعِينِي مِنَ اللَّحْمِ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّه ﷺ يَثْرُدُ، وَيَغْرِفُ اللَّحْمَ، ثُمَّ يُخَمِّرُ هَذَا، وَيُخَمِّرُ هَذَا، فَمَا زَالَ يُقَرِّبُ إِلَى النَّاسِ حَتَّى شَبِعُوا أَجْمَعِينَ، وَيَعُودُ التَّنُّورُ وَالْقِدْرُ أَمْلَأَ مَا كَانَا، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: كُلِي وَأَهْدِي.
فَلَمْ نَزَلْ نَأْكُلُ وَنُهْدِي يَوْمَنَا أَجْمَعَ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ خَلَّادِ بْنِ يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ أَيْمَنَ [(١٢)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حُدِّثْتُ عَنْ سَلْمَانَ، قَالَ: ضَرَبْتُ فِي نَاحِيَةٍ مِنَ الْخَنْدَقِ [فَغَلُظَتْ عَلَيَّ صَخْرَةٌ] [(١٣)]، فَعَطَفَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّه ﷺ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنِّي، فَلَمَّا رَآنِي أَضْرِبُ، وَرَأَى شِدَّةَ الْمَكَانِ عَلَيَّ نَزَلَ فَأَخَذَ الْمِعْوَلَ مِنْ يَدِي، فَضَرَبَ بِهِ ضَرْبَةً فَلَمَعَتْ تَحْتَ الْمِعْوَلِ بَرْقَةٌ، ثُمَّ ضَرَبَ ضَرْبَةً أُخْرَى فَلَمَعَتْ تَحْتَهُ بَرْقَةٌ أُخْرَى ثُمَّ ضَرَبَ الثَّالِثَةَ فَلَمَعَتْ تَحْتَهُ بَرْقَةٌ أُخْرَى، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّه! بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، مَا هَذَا الَّذِي رَأَيْتُ يَلْمَعُ تَحْتَ الْمِعْوَلِ، وَأَنْتَ تَضْرِبُ بِهِ؟ فَقَالَ: أَوَقَدْ رَأَيْتَ ذَلِكَ يَا سَلْمَانُ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: أَمَّا الْأُولَى فَإِنَّ اللَّه﷿- فَتَحَ عَلَيَّ بِهَا الْيَمَنَ، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ، فإن
_________________
(١) [(١٢)] البخاري عَنْ خَلَّادِ بْنِ يَحْيَى في: ٦٤- كتاب المغازي (٢٩) باب غزوة الخندق، فتح الباري (٧: ٣٩٥)، ورواية المصنف هنا فيها اختلاف لفظي يسير. [(١٣)] من سيرة ابن هشام (٣: ١٧٣) .
[ ٣ / ٤١٧ ]
اللَّه﷿- فَتَحَ عَلَيَّ بِهَا الشَّامَ وَالْمَغْرِبَ، وَأَمَّا الثَّالِثَةُ، فَإِنَّ اللَّه فَتَحَ عَلَيَّ بِهَا الْمَشْرِقَ [(١٤)] .
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: «وَحَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي زَمَنِ عُمَرَ، وَزَمَنِ عُثْمَانَ، وَمَا بَعْدَهُ: افْتَتِحُوا مَا بَدَا لَكُمْ فو الذي نَفْسُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ، ما افتتحهم مِنْ مَدِينَةٍ وَلَا تَفْتَتِحُونَهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، إِلَّا اللَّه﷿- وَقَدْ أَعْطَى مُحَمَّدًا ﷺ مَفَاتِحَهَا» [(١٥)] .
قُلْتُ: وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارَ مِنْ قِصَّةِ سَلْمَانَ قَدْ ذكرنا معناه منقول عَنْ مُعَاذِ بْنِ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ.
وأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ﵀- قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ:
مُحَمَّدُ بْنُ عَلَّوْنَ المقري بِبَغْدَادَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ الْقُرَشِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ عَثْمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّه ابن عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الْمُزَنِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: خَطَّ رَسُولُ اللَّه ﷺ الْخَنْدَقَ عَامَ الْأَحْزَابِ مِنْ أُجُمِ السَّمُرِ طَرَفِ بَنِي حَارِثَةَ حِينَ بَلَغَ الْمِدَادَ، ثُمَّ قَطَعَ أَرْبَعِينَ ذِرَاعًا بَيْنَ كُلِّ عَشَرَةٍ، فَاخْتَلَفَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ فِي سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ، وَكَانَ رَجُلًا قَوِيًّا، فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ: سَلْمَانُ مِنَّا، وَقَالَتِ الْمُهَاجِرُونَ:
سَلْمَانُ مِنَّا،
فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: سَلْمَانُ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ [(١٦)] .
_________________
(١) [(١٤)] رواه ابن هشام في السيرة (٣: ١٧٣) . [(١٥)] سيرة ابن هشام (٣: ١٧٣) . [(١٦)] أخرجه الحاكم في «المستدرك» (٣: ٥٩٨)، وقال الذهبي: «سنده ضعيف» . قلت: في سنده: كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّه بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ المزني المدني، قال ابن معين: «ليس بشيء»، وقال الشافعي وأبو داود: «ركن من أركان الكذب»، وضرب أحمد على حديثه. وقال الدارقطني وغيره: متروك، وقال ابن حبان: «له عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ- نسخة موضوعة» ميزان الاعتدال (٣: ٤٠٧) .
[ ٣ / ٤١٨ ]
قَالَ عَمْرُو بْنُ عَوْفٍ [(١٧)]: فكنت أَنَا، وَسَلْمَانُ، وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ، وَالنُّعْمَانُ بْنُ مُقَرِّنٍ، وَسِتَّةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فِي أربعين ذراعا فحضرنا حَتَّى إِذَا بَلَغْنَا الثُّدِيَّ أَخْرَجَ اللَّه مِنْ بَطْنِ الْخَنْدَقِ صَخْرَةً بَيْضَاءَ مُدَوَّرَةً، فَكَسَرَتْ حَدِيدَنَا، وَشَقَّتْ عَلَيْنَا، فَقُلْنَا: يَا سَلْمَانُ! ارْقَ إِلَى رَسُولِ اللَّه ﷺ فَأَخْبِرْهُ خَبَرَ هَذِهِ الصَّخْرَةِ، فَإِنَّا إِنْ نَعْدِلْ عَنْهَا فَإِنَّ الْمَعْدَلَ قَرِيبٌ، وَإِمَّا أَنْ يَأْمُرَنَا فِيهَا بِأَمْرِهِ فَإِنَّا لَا نُحِبُّ أَنْ نُجَاوِزَ خَطَّهُ، فَرَقِيَ سَلْمَانُ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّه ﷺ، وَهُوَ ضَارِبٌ عَلَيْهِ قُبَّةً تُرْكِيَّةً، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّه! بِأَبِينَا أَنْتَ وَأُمِّنَا خَرَجَتْ صَخْرَةٌ بَيْضَاءُ مِنَ الْخَنْدَقِ مروه فَكَسَرَتْ حَدِيدَنَا، وَشَقَّتْ عَلَيْنَا حَتَّى مَا يَحِيكُ فِيهَا قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ، فَمُرْنَا فِيهَا بِأَمْرِكَ، فَإِنَّا لَا نُحِبُّ أَنْ نُجَاوِزَ خَطَّكَ، فَهَبَطَ رَسُولُ اللَّه ﷺ مَعَ سَلْمَانَ فِي الْخَنْدَقِ، وَرَقِينَا عَنِ الشِّقَّةِ فِي شِقَّةِ الْخَنْدَقِ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّه ﷺ الْمِعْوَلَ مِنْ سَلْمَانَ فَضَرَبَ الصَّخْرَةَ ضَرْبَةً صَدَعَهَا، وَبَرَقَتْ مِنْهَا بَرْقَةٌ أَضَاءَ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا- يَعْنِي لَابَتَيِ الْمَدِينَةِ، حَتَّى لَكَأَنَّ مِصْبَاحًا فِي جَوْفِ لَيْلٍ مُظْلِمٍ، فَكَبَّرَ رَسُولُ اللَّه ﷺ تَكْبِيرَةَ فَتْحٍ، فَكَبَّرَ الْمُسْلِمُونَ.
ثُمَّ ضَرَبَهَا رَسُولُ اللَّه ﷺ الثَّانِيَةَ، فَصَدَعَهَا وَبَرَقَ مِنْهَا بَرْقَةٌ أَضَاءَ لَهَا مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا حتى لكأنّ مصاحبا فِي جَوْفِ لَيْلٍ مُظْلِمٍ، فَكَبَّرَ رَسُولُ اللَّه ﷺ، تَكْبِيرَةَ فَتْحٍ، وَكَبَّرَ الْمُسْلِمُونَ.
ثُمَّ ضَرَبَهَا رَسُولُ اللَّه ﷺ الثَّالِثَةَ، فَكَسَرَهَا، وَبَرْقَ مِنْهَا بَرْقَةٌ أَضَاءَ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا، حَتَّى لَكَأَنَّ مِصْبَاحًا فِي جَوْفِ بَيْتٍ مُظْلِمٍ، فَكَبَّرَ رسول اللَّه ﷺ تَكْبِيرَةَ فَتْحٍ، فكبرّ الْمُسْلِمُونَ.
ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِ سَلْمَانَ فَرَقِيَ
فَقَالَ سَلْمَانُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رسول اللَّه! لقد
_________________
(١) [(١٧)] هو عمرو بن عوف بن زيد بن ملحة المزني، ذكر ابن سعد أنه شهد غزوة الأبواء، ويقال: أول مشاهد الخندق، ومات في ولاية معاوية الإصابة (٣: ٩) .
[ ٣ / ٤١٩ ]
رَأَيْتُ شَيْئًا مَا رَأَيْتُهُ قَطُّ، فَالْتَفَتَ رَسُولُ اللَّه ﷺ إِلَى الْقَوْمِ، فَقَالَ: هَلْ رَأَيْتُمْ مَا يَقُولُ سَلْمَانُ؟ قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّه بِأَبِينَا أَنْتَ وَأُمِّنَا، قَدْ رَأَيْنَاكَ تَضْرِبُ، فَخَرَجَ بَرْقٌ كَالْمَوْجِ فَرَأَيْنَاكَ تُكَبِّرُ، وَلَا نَرَى شَيْئًا غَيْرَ ذَلِكَ، فَقَالَ: صَدَقْتُمْ، ضَرَبْتُ ضَرْبَتِي الْأُولَى، فَبَرَقَ الَّذِي رَأَيْتُمْ أَضَاءَتْ لِي مِنْهَا قصور الحيرة، ومدائن كِسْرَى، كَأَنَّهَا أَنْيَابُ الْكِلَابِ، فَأَخْبَرَنِي جِبْرِيلُ أَنَّ أُمَّتِي ظَاهِرَةٌ عَلَيْهَا.
ثُمَّ ضَرَبْتُ ضَرْبَتِي الثَّانِيَةَ، فَبَرَقَ الَّذِي رَأَيْتُمْ أَضَاءَتْ لِي مِنْهَا قُصُورُ الْحُمْرِ مِنْ أَرْضِ الرُّومِ كَأَنَّهَا أَنْيَابُ الْكِلَابِ، وَأَخْبَرَنِي جِبْرِيلُ﵇- أَنَّ أمتي ظاهرة عليها.
ثُمَّ ضَرَبْتُ ضَرْبَتِيَ الثَّالِثَةَ فَبَرَقَ مِنْهَا الَّذِي رَأَيْتُمْ، أَضَاءَتْ مِنْهَا قُصُورُ صَنْعَاءَ كَأَنَّهَا أَنْيَابُ الْكِلَابِ، فَأَخْبَرَنِي جِبْرِيلُ﵇- أَنَّ أُمَّتِي ظَاهِرَةٌ عَلَيْهَا، فَأَبْشِرُوا، يَبْلُغُهُمُ النَّصْرُ، وَأَبْشِرُوا يَبْلُغُهُمُ النَّصْرُ، وَأَبْشِرُوا يَبْلُغُهُمُ النَّصْرُ.
فَاسْتَبْشَرَ الْمُسْلِمُونَ، وَقَالُوا: الْحَمْدُ للَّه مَوْعَودٌ صَادِقٌ بِأَنَّ اللَّه وَعَدَنَا النَّصْرَ بَعْدَ الْحَصْرِ، فَطَلَعْتِ الْأَحْزَابُ، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَما زادَهُمْ إِلَّا إِيمانًا وَتَسْلِيمًا [(١٨)] .
وَقَالَ الْمُنَافِقُونَ: أَلَّا تَعْجَبُونَ: يُحَدِّثُكُمْ وَيُمَنِّيكُمْ، وَيَعِدُكُمْ بِالْبَاطِلِ، يُخْبِرُكُمْ أَنَّهُ بَصُرَ مِنْ يَثْرِبَ قُصُورَ الْحِيرَةِ، وَمَدَائِنَ كِسْرَى، وَأَنَّهَا تُفْتَحُ لَكُمْ، وَأَنْتُمْ تَحْفِرُونَ الْخَنْدَقَ، وَلَا تَسْتَطِيعُونَ أَنْ تَبْرُزُوا!! وَأَنْزَلَ الْقُرْآنَ: وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا [(١٩)] .
_________________
(١) [(١٨)] سورة الأحزاب [٢٢] . [(١٩)] سورة الأحزاب [١٢] .
[ ٣ / ٤٢٠ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ: عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ غَالِبِ بْنِ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هَوْذَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنْ مَيْمُونٍ [(٢٠)] الزَّهْرَانِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ الْأَنْصَارِيُّ، قَالَ: لَمَّا كَانَ حِينَ أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِحَفْرِ الْخَنْدَقِ، عَرَضَ لَنَا فِي بَعْضِ الْخَنْدَقِ صَخْرَةٌ عَظِيمَةٌ شَدِيدَةٌ، لَا تَأْخُذُ فِيهَا الْمَعَاوِلُ، قَالَ: فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: فَلَمَّا رَآهَا أَخَذَ الْمِعْوَلَ وَقَالَ: بِسْمِ اللَّه، وَضَرَبَ ضَرْبَةً، فَكَسَرَ ثُلُثَهَا، فَقَالَ: اللَّه أَكْبَرُ، أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الشَّامِ، واللَّه إني لا بصر قُصُورَهَا الْحُمْرَ إِنْ شَاءَ اللَّه، ثُمَّ ضَرَبَ الثَّانِيَةَ، فَقَطَعَ ثُلُثًا آخَرَ، فَقَالَ: اللَّه أَكْبَرُ أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ فَارِسَ، واللَّه إِنِّي لَأُبْصِرُ قَصْرَ الْمَدَائِنِ الْأَبْيَضَ، ثُمَّ ضَرَبَ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ: بِسْمِ اللَّه، فَقَطَعَ بَقِيَّةَ الْحَجَرِ، فَقَالَ: اللَّه أَكْبَرُ، أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الْيَمَنِ، واللَّه إِنِّي لَأُبْصِرُ أَبْوَابَ صَنْعَاءَ مِنْ مَكَانِي السَّاعَةَ [(٢١)] .
_________________
(١) [(٢٠)] هو ميمون مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سمرة، قال ابن معين: لا شيء، وضعفه العقيلي. الميزان (٤: ٢٣٥) . [(٢١)] أخرجه النسائي في السير في (السنن الكبرى) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الأعلى، عن معتمر، عن عوف، عن ميمون، عن البراء تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف (٢: ٦٥) .
[ ٣ / ٤٢١ ]
بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ اللهم يسر يا كريم
بَابُ مَا ظَهَرَ فِي الطَّعَامِ الَّذِي دُعِيَ إِلَيْهِ أَيَّامَ الْخَنْدَقِ مِنَ الْبَرَكَةِ وَآثَارِ النُّبُوَّةِ
حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ: مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ دَاوُدَ الْعَلَوِيُّ [- ﵀-] أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الشَّرْقِيِّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ هَاشِمٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ الْمَكِّيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّه، قَالَ: لَمَّا حَفَرَ النَّبِيُّ [- ﷺ-] وَأَصْحَابُهُ الْخَنْدَقَ أَصَابَ النَّبِيَّ [ﷺ] وَالْمُسْلِمِينَ جَهْدٌ شَدِيدٌ، فَمَكَثُوا ثَلَاثًا لَا يَجِدُونَ طَعَامًا، حَتَّى رَبَطَ النبي [ﷺ] عَلَى بَطْنِهِ حَجَرًا مِنَ الْجُوعِ [(١)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّه الْأَدِيبُ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو يَعْلَى، حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ (ح) .
قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: وَأَخْبَرَنِي الْحَسَنُ هُوَ ابْنُ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ أَيْمَنَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّه، حَدِّثْنِي بِحَدِيثٍ عَنْ رَسُولِ اللَّه ﷺ أرويه
_________________
(١) [(١)] رواه الإمام أحمد عن وكيع، عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ أَيْمَنَ، عَنْ أَبِيهِ أيمن الحبشي مَوْلَى بَنِي مَخْزُومٍ، عَنْ جابر بقصة الكدية، وربط الحجر على بطنه الكريم، ونقله الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية» (٤: ٩٧) .
[ ٣ / ٤٢٢ ]
عَنْكَ، فَقَالَ جَابِرٌ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّه [ﷺ] [(٢)] يَوْمَ الْخَنْدَقِ، نَحْفِرُ فِيهِ، فَلَبِثْنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَا نَطْعَمُ شَيْئًا، وَلَا نَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَعَرَضَتْ فِي الْخَنْدَقِ كُدْيَةٌ [(٣)] فَجِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّه [ﷺ] فَقُلْتُ: هَذِهِ كُدْيَةٌ قَدْ عَرَضَتْ فِي الْخَنْدَقِ فَرَشَشْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّه [ﷺ] وَبَطْنُهُ مَعْصُوبَةٌ بِحَجَرٍ فَأَخَذَ الْمِعْوَلَ أَوِ الْمِسْحَاةَ، ثُمَّ سَمَّى ثَلَاثًا، ثُمَّ ضَرَبَ فَعَادَتْ كَثِيبًا [(٤)] أَهْيَلَ! فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّه ﷺ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّه! ائْذَنْ لِي [قَالَ فَأَذِنَ لِي] [(٥)] . فَجِئْتُ امْرَأَتِي، فَقُلْتُ:
ثَكِلَتْكِ أُمُّكِ إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ مِنَ رَسُولِ اللَّه ﷺ شَيْئًا لَا صَبْرَ عَلَيْهِ، فَمَا عِنْدَكِ؟
قَالَتْ: عِنْدِي صَاعٌ [(٦)] مِنْ شَعِيرٍ وَعَنَاقٌ. [(٧)] . قَالَ: فَطَحَنَّا الشَّعِيرَ، وَذَبَحْنَا الْعَنَاقَ، وَأَصْلَحْنَاهَا، وَجَعَلْنَاهَا فِي الْبُرْمَةِ [(٨)]، وَعَجَنْتُ الشَّعِيرَ، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّه [ﷺ] فلبث سَاعَةً ثُمَّ اسْتَأْذَنْتُهُ الثَّانِيَةَ، فَأَذِنَ لِي فَجِئْتُ، فَإِذَا الْعَجِينُ قَدْ أَمْكَنَ، فَأَمَرْتُهَا بِالْخُبْزِ، وَجَعَلْتُ الْقِدْرَ عَلَى الْأَثَافِيِّ، ثُمَّ جِئْتُ رَسُولَ اللَّه [ﷺ] فَسَارَرْتُهُ فَقُلْتُ: إِنَّ عِنْدَنَا طُعَيِّمًا [(٩)] لَنَا فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَقُومَ مَعِي أَنْتَ وَرَجُلٌ أَوْ رَجُلَانِ مَعَكَ فَعَلْتَ، فَقَالَ: مَا هُوَ؟ وَكَمْ هُوَ؟ قُلْتُ: صاع من شعير وعناق.
قَالَ: ارْجِعْ إِلَى أَهْلِكَ فَقُلْ لَهَا لَا تَنْزِعِ الْبُرْمَةَ مِنَ الْأَثَافِيِّ، وَلَا تُخْرِجِ الْخُبْزَ مِنَ التَّنُّورِ حَتَّى آتِيَ، ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ: قُومُوا إِلَى بَيْتِ جابر.
_________________
(١) [(٢)] ليست في (ص) . [(٣)] (الكدية) الأرض الصلبة. [(٤)] (الكثيب): المجتمع من الرمل. [(٥)] الزيادة من (ص) . [(٦)] (الصاع): مكيال، وهو خمسة أرطال وثلث. [(٧)] (العناق): الأنثى من ولد المعز قبل استكمالها الحول. [(٨)] (البرمة): القدر من الحجر، والجمع: برم. [(٩)] (طعيّم): بتشديد التحتية على طريق المبالغة في تحقيره.
[ ٣ / ٤٢٣ ]
قَالَ فَاسْتَحَيْتُ [حَيَاءً] [(١٠)] حَتَّى لَا يَعْلَمَهُ إِلَّا اللَّه، فَقُلْتُ لِامْرَأَتِي: ثَكِلَتْكِ أُمُّكِ، وَقَدْ جَاءَكِ رَسُولُ اللَّه ﷺ وَأَصْحَابُهُ أَجْمَعُونَ، فَقَالَتْ: أَكَانَ رَسُولِ اللَّه [ﷺ] سَأَلَكَ عَنِ الطَّعَامِ؟ قُلْتُ نَعَمْ. قَالَتِ: اللَّه وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَدْ أَخْبَرْتَهُ بِمَا كَانَ عِنْدَكَ، فَذَهَبَ عَنِّي بَعْضُ مَا كُنْتُ أَجِدُ قُلْتُ: لَقَدْ صَدَقْتِ. فَجَاءَ رَسُولُ اللَّه [ﷺ] فَدَخَلَ ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ لَا تَضَاغَطُوا [(١١)]، ثُمَّ بَرَكَ عَلَى التَّنُّورِ وَعَلَى الْبُرْمَةِ، فَجَعَلْنَا نَأْخُذُ مِنَ التَّنُّورِ الْخُبْزَ، وَنَأْخُذُ اللَّحْمَ مِنَ الْبُرْمَةِ، فَنَثْرُدُ وَنَغْرِفُ، وَنُقَرِّبُ إِلَيْهِمْ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّه [ﷺ]: لِيَجْلِسْ عَلَى الصَّحْفَةِ سَبْعَةٌ أَوْ ثَمَانِيَةٌ، فَلَمَّا أَكَلُوا كَشَفْنَا التَّنُّورَ وَالْبُرْمَةَ، فَإِذَا هُمَا قَدْ عَادَا إِلَى أَمْلَأِ مَا كَانَا فَنَثْرُدُ وَنَغْرِفُ وَنُقَرِّبُ إِلَيْهِمْ، فَلَمْ نَزَلْ نَفْعَلُ ذَلِكَ كُلَّمَا فَتَحْنَا التَّنُّورَ وَكَشَفْنَا عَنِ البرمة، وجدناهما أملاء مَا كَانَا حَتَّى شَبِعَ الْمُسْلِمُونَ، مِنْهَا وَبَقِيَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الطَّعَامِ، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّه ﷺ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ أَصَابَتْهُمْ مَخْمَصَةٌ [(١٢)] فَكُلُوا وَأَطْعِمُوا. فَلَمْ نَزَلْ يَوْمَنَا نَأْكُلُ وَنُطْعِمُ.
قَالَ: وَأَخْبَرَنِي أنهم كانوا ثمان مائة، أَوْ ثَلَاثَمِائَةٍ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ خَلَّادِ بْنِ يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الْعَدَدَ فِي آخِرِهِ [(١٣)] .
أَخْبَرَنَا أبو عبد اللَّه الْحَافِظُ، وأَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، قَالَا:
حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي جابر بن
_________________
(١) [(١٠)] الزيادة من (ص) فقط. [(١١)] (لا تضاغطوا) لا تزدحموا. [(١٢)] (المخمصة): الجوع. [(١٣)] البخاري عَنْ خَلَّادِ بْنِ يَحْيَى في: ٦٤- كتاب المغازي (٢٩) باب غزوة الخندق، الحديث (٤١٠١)، فتح الباري (١٧: ٣٩٥) .
[ ٣ / ٤٢٤ ]
عَبْدِ اللَّه قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّه [ﷺ] ثَلَاثَمِائَةِ رَجُلٍ، نَحْفِرُ الْخَنْدَقَ فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّه [ﷺ] أَخَذَ حَجَرًا فَجَعَلَهُ بَيْنَ بَطْنِهِ وَإِزَارِهِ، يُقِيمُ بَطْنَهُ مِنَ الْجُوعِ.
فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّه ائْذَنْ لِي فَإِنَّ لِي حَاجَةً فِي أَهْلِي، فَأَتَيْتُ الْمَرْأَةَ فَقُلْتُ: قَدْ رَأَيْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّه [ﷺ] أَمْرًا غَاظَنِي، فَهَلْ عِنْدَكِ مِنْ شَيْءٍ فَقَالَتْ: هَذِهِ الْعَنَاقُ فَاذْبَحْهَا، وَهَذَا صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ فَاطْحَنْهُ، فَطَحَنْتُهُ وَذَبَحْتُ الْعَنَاقَ، وَقُلْتُ اطْبُخِي حَتَّى آتِيَ رَسُولَ اللَّه [ﷺ] فَاسْتَتْبَعْتُهُ، فَانْطَلَقْتُ إِلَيْهِ.
فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّه إِنِّي قَدْ ذَبَحْتُ عَنَاقًا، وَطَحَنْتُ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، فَانْطَلِقْ مَعِي فَنَادَى رَسُولُ اللَّه [ﷺ] فِي الْقَوْمِ: أَلَا أَجِيبُوا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّه. قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى الْمَرْأَةِ فَقُلْتُ قَدِ افْتَضَحْتُ، جَاءَكِ رَسُولُ اللَّه ﷺ وَمَنْ مَعَهُ فَقَالَتْ بَلَّغْتَهُ وَبَيَّنْتَ لَهُ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ. قَالَتْ: فَارْجِعْ إِلَيْهِ فَبَيِّنْ لَهُ. فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّه إِنَّمَا هِيَ عَنَاقٌ، وَصَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ. قَالَ: فَارْجِعْ. وَلَا تُحَرِّكَنَّ شَيْئًا مِنَ التَّنُّورِ، وَلَا من القدر حتى أتاها، وَاسْتَعِرْ صِحَافًا.
فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّه [ﷺ] فَدَعَا اللَّه ﷿ عَلَى الْقِدْرِ، وَالتَّنُّورِ، ثُمَّ قَالَ: اخْرُجِي وَاثْرُدِي، ثُمَّ أَقْعَدَهُمْ عَشَرَةً عَشَرَةً، فَأَدْخَلَهُمْ فَأَكَلُوا. وَهُمْ ثَلَاثُمِائَةٍ. وَأَكَلْنَا وَأَهْدَيْنَا لِجِيرَانِنَا، فَلَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّه [ﷺ] ذَهَبَ ذَلِكَ [(١٤)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ (ح) .
قَالَ: وَأَخْبَرَنِي أَبُو عَمْرِو بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّه ابن مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ [حَدَّثَنَا] [(١٥)] عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا سَعِيدَ بْنَ مِينَا، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عبد
_________________
(١) [(١٤)] المستدرك (٣: ٣١)، البداية والنهاية (٤: ٩٧) . [(١٥)] ساقطة من (أ) فقط.
[ ٣ / ٤٢٥ ]
اللَّه يَقُولُ: لَمَّا حُفِرَ الْخَنْدَقُ رَأَيْتُ بِرَسُولِ اللَّه [ﷺ] خَمَصًا شَدِيدًا قَالَ:
[فَانْكَفَأْتُ إِلَى امْرَأَتِي، فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ بِرَسُولِ اللَّه [ﷺ] خَمَصًا شَدِيدًا] [(١٦)] فَأَخْرَجَتْ إِلَيَّ جِرَابًا فِيهِ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ، وَلَنَا بَهِيمَةٌ دَاجِنٌ، قَالَ: فَذَبَحْتُهَا.
وَطَبَخَتْ فَفَرَغَتْ إِلَى فَرَاغِي، وَقَطَّعْتُهَا فِي بُرْمَتِهَا، ثُمَّ وَلَّيْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّه [ﷺ] فَقَالَتْ: لَا تَفْضَحْنِي بِرَسُولِ اللَّه [ﷺ] وَمَنْ مَعَهُ فَجِئْتُهُ فَسَارَرْتُهُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّه قَدْ ذَبَحْنَا بَهِيمَةً لَنَا، وَطَحَنْتُ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ كَانَ عِنْدَنَا، فَتَعَالَ أَنْتَ وَنَفَرٌ مَعَكَ، قَالَ: فَصَاحَ رَسُولُ اللَّه [ﷺ] يَا أَهْلَ الْخَنْدَقِ، إِنَّ جَابِرًا قَدْ صَنَعَ سُورًا [(١٧)] فَحَيَّ هَلًا بِكُمْ [(١٨)] .
وَقَالَ رَسُولُ اللَّه [ﷺ]: لَا تُنْزِلُنَّ بُرْمَتَكُمْ، وَلَا تَخْبِزُنَّ عَجِينَكُمْ، حَتَّى أَجِيءَ.
قَالَ: فَجِئْتُ وَجَاءَ رَسُولُ اللَّه [ﷺ] يَقْدَمُ النَّاسَ حَتَّى جِئْتُ امْرَأَتِي- فَقَالَتْ: بِكَ وَبِكَ. فَقُلْتُ: قَدْ فَعَلْتُ الَّذِي قُلْتِ. فَأَخْرَجَتْ لَهُ عَجِينًا فَبَصَقَ وَبَارَكَ، يَعْنِي ثُمَّ عَمَدَ إِلَى بُرْمَتِنَا فَبَصَقَ وَبَارَكَ، ثُمَّ قَالَ ادْعُوا لِي خَابِزَةً فَلْتَخْبِزْ مَعَكِ، وَاقْدَحِي مِنْ بُرْمَتِكُمْ وَلَا تُنْزِلُوهَا، وَهُمْ أَلْفٌ. فَأُقْسِمُ بِاللهِ لأكلوا حتى تركوا واتحفزوا أَوْ قَالَ: انْحَرَفُوا. وَإِنَّ بُرْمَتَنَا لَتَغِطُّ كَمَا هِيَ. وَإِنَّ عَجِينَنَا لَيُخْبَزُ كَمَا هُوَ [(١٩)] .
حَدِيثُ الدُّورِيِّ مُخْتَصَرٌ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ [(٢٠)] فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَلِيٍّ.
_________________
(١) [(١٦)] ما بين الحاصرتين ساقطة من (ح) . [(١٧)] (السّور) بضم السين المهملة وسكون الواو بغير همز، وهو هنا الصنيع بالفارسية كما جزم به البخاري. [(١٨)] (حي هلا): كلمة استدعاء فيها حث، أي: هلموا مسرعين. [(١٩)] بهذا السياق والإسناد أخرجه الحاكم في «المستدرك» (٣: ٣١)، وقال: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه» . [(٢٠)] أخرجه البخاري في: ٥٦- كتاب الجهاد باب من تكلم الفارسية، وفي المغازي، (٢٩) باب غزوة الخندق كلاهما عَنْ عَمْرِو بْنِ عَلِيٍّ.
[ ٣ / ٤٢٦ ]
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ حَجَّاجِ بْنِ الشَّاعِرِ عَنْ أَبِي عَاصِمٍ [(٢١)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ. قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مِينَا، عَنِ ابنة بشير بن سعيد. قَالَتْ: بَعَثَتْنِي أُمِّي بِتَمْرٍ فِي طَرَفِ ثَوْبِي إِلَى أَبِي وَخَالِي وَهُمْ يَحْفِرُونَ الْخَنْدَقَ، فَمَرَرْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّه [ﷺ]، فَنَادَانِي، فَأَتَيْتُهُ، فَأَخَذَ التَّمْرَ. مِنِّي فِي كَفَّيْهِ، وَبَسَطَ ثَوْبًا فَنَثَرَهُ عَلَيْهِ، فَتَسَاقَطَ فِي جَوَانِبِهِ، ثُمَّ أَمَرَ بِأَهْلِ الْخَنْدَقِ فَاجْتَمَعُوا، وَأَكَلُوا مِنْهُ. حَتَّى صَدَرُوا عنه [(٢٢)] .
_________________
(١) [(٢١)] وأخرجه مسلم في: ٣٦- كتاب الأشربة، (٢٠) باب باب جواز استتباعه غيره، إلى دار من يثق برضاه بذلك، الحديث (١٤١) عَنْ حَجَّاجِ بْنِ الشَّاعِرِ. ص (١٦١٠) . [(٢٢)] الخبر رواه ابن هشام في السيرة (٣: ١٧٢)، ونقله الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية» (٤: ٩٦) .
[ ٣ / ٤٢٧ ]
بَابُ مَجِيءِ الْأَحْزَابِ وَنَقْضِ بَنِي قُرَيْظَةَ مَا كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّه (ﷺ) مِنَ الْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عن ابْنِ إِسْحَاقَ بِإِسْنَادِهِ الْأَوَّلِ- يُرِيدُ إِسْنَادَهُ الَّذِي ذُكِرَ في تخريب الْأَحْزَابِ- قَالَ: فَلَمَّا نَزَلَ الْمُشْرِكُونَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّه ﷺ حَتَّى ضَرَبَ عَسْكَرَهُ بَيْنَ الْخَنْدَقِ، وَسَلْعٍ فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ، وَالْمُشْرِكُونَ فِي عَشَرَةِ آلَافٍ مِنْ أَحَابِيشِهَا، وَمَنْ تَابَعَهُمْ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ، وَأَهْلِ تِهَامَةَ، وَغَطَفَانَ، وَمَنِ اتَّبَعَهُمْ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ، حَتَّى نَزَلُوا بَابَ نُعْمَانَ إِلَى جَانِبِ أُحُدٍ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّه ﷺ ظَهْرَهُ وَمَنْ مَعَهُ إِلَى سَلْعٍ وَالْخَنْدَقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقَوْمِ.
وَأَمَرَ بِالذَّرَارِيِّ وَالنِّسَاءِ فَجُعِلُوا فِي الْآطَامِ، وَخَرَجَ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ حَتَّى أَتَى كَعْبَ بْنَ أَسَدٍ صَاحِبَ عَقْدِ بَنِي قُرَيْظَةَ وَعَهْدِهِمْ، فَلَمَّا سَمِعَ بِهِ كَعْبٌ أَغْلَقَ حِصْنَهُ دُونَهُ، فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا كَعْبُ. افْتَحْ لِي، حَتَّى أَدْخُلَ عَلَيْكَ. فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا حُيَيُّ. إِنَّكَ امرؤ مشؤوم، وَإِنَّهُ لَا حَاجَةَ لِي بِكَ، وَلَا بِمَا جِئْتَنِي بِهِ، إِنِّي لَمْ أَرَ مِنْ مُحَمَّدٍ إِلَّا صِدْقًا، وَوَفَاءً. وَقَدْ وَادَعَنِي وَوَادَعْتُهُ. فَدَعْنِي وَارْجِعْ عَنِّي.
فَلَا حَاجَةَ لِي بِكَ. فَقَالَ: واللَّه إِنْ غَلَقْتَ دُونِي إِلَّا عَنْ جَشِيشَتِكَ [(١)] أَنْ آكُلَ مَعَكَ مِنْهَا، فَأَحْفَظَهُ فَفَتَحَ لَهُ، فَلَمَّا دَخَلَ عليه قال:
_________________
(١) [(١)] (الجشيشة): طعام يصنع من البر الخشن، وقد تقدمت.
[ ٣ / ٤٢٨ ]
وَيْحَكَ يَا كَعْبُ. جِئْتُكَ بِعِزِّ الدَّهْرِ، بِقُرَيْشٍ مَعَهَا قَادَتُهَا حَتَّى أَنْزَلْتُهَا بِرُومَةَ، وَجِئْتُكَ بِغَطَفَانَ، عَلَى قَادَتِهَا وَسَادَتِهَا، حَتَّى أَنْزَلْتُهَا إِلَى جَانِبِ أُحُدٍ. جِئْتُكَ بِبَحْرٍ طَامٍ [(٢)] لَا يَرُدُّهُ شَيْءٌ.
فَقَالَ: جِئْتَنِي واللَّه بِالذُّلِ، وَبِجَهَامٍ [(٣)] . قَدْ هَرَاقَ [(٤)] مَاؤُهُ لَيْسَ مِنْهُ شَيْءٌ، وَيْلَكَ! فَدَعْنِي وَمَا أَنَا عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَا حَاجَةَ لِي بِكَ، وَلَا بِمَا تَدْعُونِي إِلَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ يَفْتِلُهُ فِي الذِّرْوَةِ، وَالْغَارِبِ [(٥)] حَتَّى أَطَاعَ لَهُ، وَأَعْطَاهُ حُيَيٌّ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ، لَئِنْ رَجَعَتْ قُرَيْشٌ وَغَطَفَانُ قَبْلَ أَنْ يُصِيبُوا مُحَمَّدًا لَأَدْخُلَنَّ مَعَكَ فِي حِصْنِكَ حَتَّى يُصِيبَنِي مَا أَصَابَكَ، فَنَقَضَ كَعْبٌ الْعَهْدَ، وَأَظْهَرَ الْبَرَاءَةَ مِنْ رَسُولِ اللَّه ﷺ، وَمِمَّا كَانَ [(٦)] بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ [(٧)] .
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، قَالَ: لَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللَّه ﷺ خَبَرُ كَعْبٍ، وَنَقْضُ بَنِي قُرَيْظَةَ، بَعَثَ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ، وَهُوَ سَيِّدُ الْخَزْرَجِ، وَسَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ، وَهُوَ سَيِّدُ الْأَوْسِ، وَكَانَ مَعَهُمَا فِيمَا يَذْكُرُونَ. وَهُوَ تَبَعٌ لَهُمَا- خَوَّاتُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَعَبْدُ اللَّه بْنُ رَوَاحَةَ. فَقَالَ، ائْتُوا [(٨)] هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ، فَانْظُرُوا، فَإِنْ كَانُوا عَلَى الْوَفَاءِ فِيمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، فَأَعْلِنُوهُ. وَإِنْ كَانُوا عَلَى مَا بَلَغَنَا عَنْهُمْ، فَالْحَنُوا لِي عَنْهُمْ لَحْنًا أَعْرِفُهُ، وَلَا تَفُتُّوا [(٩)] فِي أَعْضَادِ الْمُسْلِمِينَ،
_________________
(١) [(٢)] (البحر الطامي): المرتفع الكثير الماء، أراد أن يشبه عدد القوم في كثرته بالبحر لأنه يغطي جوانبه كلها. [(٣)] الجهام: السحاب الرقيق الذي لا ماء فيه. [(٤)] (هراق): صبّ، يريد أنه خال من المطر. [(٥)] (يَفْتِلُهُ فِي الذِّرْوَةِ وَالْغَارِبِ) أي لم يزل يخادعه كما يخادع البعير إذا كان نافرا. [(٦)] في (أ) و(ص): «وما»، وأثبتنا ما في (ح) وهو موافق لسيرة ابن هشام. [(٧)] الخبر رواه ابن هشام في السيرة (٣: ١٧٣- ١٧٥) . [(٨)] في سيرة ابن هشام «انطلقوا» . [(٩)] (فتّ في عضده) إذا ضعفه ووهنه.
[ ٣ / ٤٢٩ ]
فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَيْهِمْ وَجَدُوهُمْ عَلَى أَخْبَثِ مَا بَلَغَهُمْ، وَقَعُوا بِرَسُولِ اللَّه ﷺ وَقَالُوا:
لَا عَقْدَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ وَلَا عَهْدَ فَبَادَأَهُمْ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَكَانَ رَجُلًا فِيهِ حَدٌّ بِالْمُشَاتَمَةِ. فَقَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ: دَعْهُمْ عَنْكَ. فَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ أَرْبَى [(١٠)] مِنَ الْمُشَاتَمَةِ، ثُمَّ أَقْبَلُوا فَلَمَّا أَتَوْا رَسُولَ اللَّه ﷺ، قَالُوا: عَضَلٌ وَالْقَارَةُ. يُرِيدُونَ مَا فَعَلَ عَضَلٌ وَالْقَارَةُ، بِخُبَيْبٍ وَأَصْحَابِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: اللَّه أَكْبَرُ. أَبْشِرُوا يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ [(١١)] .
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ بَعَثَ إِلَى عُيَيْنَةَ بْنِ حصن والحارث بن عوف، وَهُمَا قَائِدَا غَطَفَانَ. فَأَعْطَاهُمَا ثُلُثَ ثِمَارِ الْمَدِينَةِ عَلَى أَنْ يَرْجِعَا وَمَنْ مَعَهُمَا عَنْ رَسُولِ اللَّه ﷺ وَأَصْحَابُهُ، فَجَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمُ الصُّلْحُ، حَتَّى كَتَبُوا الْكِتَابَ، وَلَمْ تَقَعِ الشَّهَادَةُ، وَلَا عَزِيمَةُ الصُّلْحِ إِلَّا الْمُرَاوَضَةُ، وَفِي ذَلِكَ فَفَعَلَا [(١٢)] .
فَلَمَّا أَرَادَ رَسُولُ اللَّه ﷺ أَنْ يَفْعَلَ، بَعَثَ إِلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، وَسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، وَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُمَا، وَاسْتَشَارَهُمَا فِيهِ، فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللَّه أَمْرٌ تَحُتُّهُ فَنَصْنَعُهُ، أَوْ شَيْءٌ أَمَرَكَ اللَّه بِهِ لَا بُدَّ لَنَا مِنْ عَمِلٍ بِهِ، أَمْ شَيْءٌ تَصْنَعُهُ لَنَا؟ فَقَالَ ﷺ: لَا بَلْ لَكُمْ، واللَّه مَا أَصْنَعُ ذَلِكَ إِلَّا أَنِّي رَأَيْتُ الْعَرَبَ قَدْ رَمَتْكُمْ عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ، وَكَالَبُوكُمْ [(١٣)] مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَكْسِرَ عَنْكُمْ شَوْكَتَهُمْ. فَقَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ: يَا رَسُولَ اللَّه قَدْ كُنَّا نَحْنُ وَهَؤُلَاءِ الْقَوْمُ عَلَى الشِّرْكِ بِاللهِ، وَعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ لَا نَعْبُدُ اللَّه وَلَا نَعْرِفُهُ، وَهُمْ لَا يَطْمَعُونَ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْهَا ثَمَرَةً إِلَّا قِرًى، أَوْ شِرَاءً فَحِينَ أَكْرَمَنَا اللَّه بِالْإِسْلَامِ، وَهَدَانَا لَهُ، وَأَعَزَّنَا بِكَ، نُعْطِيهِمْ أَمْوَالَنَا! مالنا
_________________
(١) [(١٠)] في (ص) رسمت: «أربا»، والمعنى: أكثر وأعظم. [(١١)] الخبر رواه ابن هشام في السيرة (٣: ١٧٥- ١٧٦) . [(١٢)] رواه ابن هشام في السيرة (٣: ١٧٦- ١٧٧) . [(١٣)] (كالبوكم): اشتدوا عليكم، والأصد فيه: الكلب، وهو السعار.
[ ٣ / ٤٣٠ ]
بهذا حاجة. فو الله لَا نُعْطِيهِمْ إِلَّا السَّيْفَ، حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: فَأَنْتَ وَذَاكَ. فَتَنَاوَلَ سَعْدٌ الصَّحِيفَةَ، فَمَحَاهَا، ثُمَّ قَالَ:
لِيَجْهَدُوا عَلَيْنَا. فَأَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَعَدُوُّهُمْ مُحَاصِرُوهُمْ
[(١٤)] .
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ. قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ الْأَحْزَابِ: مَنْ يَأْتِينَا بِخَبَرِ الْقَوْمِ؟ قَالَ الزُّبَيْرُ: أَنَا- فَقَالُ: مَنْ يَأْتِينَا بِخَبَرِ الْقَوْمِ؟ فَقَالَ الزُّبَيْرُ: أَنَا. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيًّا، وَحَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَثِيرٍ [(١٥)] .
_________________
(١) [(١٤)] سيرة ابن هشام (٣: ١٧٧)، ونقله ابن كثير في التاريخ (٤: ١٠٤- ١٠٥) . [(١٥)] الْبُخَارِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَثِيرٍ في المغازي، (باب) غزوة الخندق، فتح الباري (٧: ٤٠٦) .
[ ٣ / ٤٣١ ]
بَابُ مَا أَصَابَ النَّبِيَّ ﷺ وَالْمُسْلِمِينَ مِنْ مُحَاصَرَةِ الْمُشْرِكِينَ إِيَّاهُمْ مِنَ الْبَلَاءِ،
وَالشِّدَّةِ حَتَّى أَظْهَرَ بَعْضُ الْمُنَافِقِينَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الرَّيْبِ وَالْخِيَانَةِ، وَحَتَّى شَغَلَ الْمُسْلِمِينَ قِتَالُهُمْ عَنِ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ، وَخُرُوجِ مَنْ خَرَجَ مِنْهُمْ إِلَى الْمُبَارَزَةِ، وَقَوْلِ رسول الله [صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ]: الْحَرْبُ خَدْعَةٌ [(١)] وَإِرْسَالِ اللهِ تَعَالَى عَلَى الْمُشْرِكِينَ الرِّيحَ وَالْجُنُودَ، حَتَّى رَجَعُوا خَائِبِينَ أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْبِسْطَامِيُّ، أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ: أَحْمَدُ بن
_________________
(١) [(١)]: (١) كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أفصح العرب، فكان يقول القول دون تصنع ولا تقليد، ولا يتكلف المعنى او يقصد التزيين، وكلامه ﷺ نتاج الحكمة، وغاية العقل، ومنتهى البلاغة. وقد نشأ النبي ﷺ في أفصح القبائل وأخلصها منطقا، فَقَالَ ﷺ: «أنا أفصح العرب، بيد أني من قريش، ونشأت في بني سعد» . وهذه العبارة «الحرب خدعة» هي من جوامع كلمه ﷺ، ومن أحاديثه التي ذهبت أمثالا، وكان لها تأثير كبير في اللغة. ومن أمثالها من جوامع الكلم قول النبي ﷺ: «حمي الوطيس» . وقوله: «مات حتف أنفه» . «إنما الأعمال بالنيات» . «الدين النصيحة» . «الصبر عند الصدمة الأولى» . «آفة العلم النسيان» . «لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين» . وأمثالها كثير وهذه الأقوال الفرائد جرت منه ﷺ مجرى غيرها مما قذفه الطبع المتمكن، وألفته السليقة الواعية، وهي قوة فطرية، تتميز بالإلهام عن سائر العرب، على النحو الذي اختصت به ذاته الشريفة.
[ ٣ / ٤٣٢ ]
إِبْرَاهِيمَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ- أَخْبَرَنِي الْهَيْثَمُ بْنُ خَلَفٍ، وَابْنُ نَاجِيَةَ، قَالَا: حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ فِي قَوْلِ اللهِ ﷿: إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ، وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ [(٢)] قَالَتْ كُلُّ ذَلِكَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَبْدَةَ [(٣)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ كَامِلٍ الْقَاضِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابن سَعْدٍ الْعَوْفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمِّي الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَطِيَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ، فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا. لَمْ تَرَوْها [(٤)] قَالَ: قَوْمُ أَبِي سُفْيَانَ يَوْمَ الْأَحْزَابِ.
وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ، يَقُولُونَ: إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ. وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرارًا [(٥)] . قَالَ: هُمْ بَنُو حَارِثَةَ [(٦)]، قَالُوا: بُيُوتُنَا مَخْلِيَّةٌ [(٧)]، نَخْشَى عَلَيْهَا السَّرِقَةَ.
قَوْلُهُ: وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ [(٨)] . إِلَى آخِرِ الْآيَةِ قَالَ: ذَلِكَ أَنَّ
_________________
(١) [(٢)] الآية الكريمة (١٠) من سورة الأحزاب. [(٣)] أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي المغازي (٢٩) باب غزوة الخندق، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شيبة، ومسلم أخرجه عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أبي شيبة، في كتاب التفسير، الحديث (١٢)، صحيح مسلم (٤: ٢٣١٦) . [(٤)] [الآية ٩- سورة الأحزاب] . [(٥)] [الأحزاب- ١٣] . [(٦)] هم بنو حارثة بن الحارث، في قول ابن عباس، وقال يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ: قَالَ ذلك أَوْسُ بْنُ قَيْظِيِّ عَلَى مَلَأٍ مِنْ قَوْمِهِ. تفسير القرطبي (١٤: ١٤٨) . [(٧)] (فحلية): ليست بحصينة، وهي مما يلي العدو، قال الجوهري: العورة كل خلل يتخوف منه في ثغر أو حرب. [(٨)] [الأحزاب- ٢٢] .
[ ٣ / ٤٣٣ ]
الله ﷿ قَالَ لَهُمْ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ [(٩)]، مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا، حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ: مَتى نَصْرُ اللَّهِ؟ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ.
فَلَمَّا مَسَّهُمُ الْبَلَاءُ حَيْثُ رَابَطُوا الْأَحْزَابُ فِي الْخَنْدَقِ وَتَأَوَّلَ الْمُؤْمِنُونَ ذَلِكَ وَلَمْ يَزِدْهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا [(١٠)] .
_________________
(١) [(٩)] [البقرة- ٢١٤] . [(١٠)] قال القرطبي (١٤: ١٥٧) . فلما رأوا الأحزاب يوم الخندق قَالُوا: «هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ»، قاله قتادة. وقول ثان رواه كثير بن عبد الله بن عمرو الْمُزَنِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَامَ ذكرت الأحزاب فقال: «أَخْبَرَنِي جِبْرِيلُ ﵇ أَنَّ أمتي ظاهرة عليها- يعني على قصور الحيرة ومدائن كسرى- فأبشروا بالنصر» فَاسْتَبْشَرَ الْمُسْلِمُونَ وَقَالُوا: الْحَمْدُ لله، موعد صادق، إذ وعدنا بالنصر بعد الحصر. فطلعت الأحزاب فقال المؤمنون: «هذا ما وعدنا الله ورسوله» ذكره الماوردي. و«ما وعدنا» إن جعلت «ما» بمعنى الذي فالهاء محذوفة. وان جعلتها مصدرا لم تحتج الى عائد وَما زادَهُمْ إِلَّا إِيمانًا وَتَسْلِيمًا قال الفراء: وما زادهم النظر الى الأحزاب. وقال علي بن سليمان: «رأى» يدل على الرؤية، وتأنيث الرؤية، غير حقيقي، والمعنى: ما زادهم الرؤية إلا إيمانا بالرب وتسليما للقضاء، قاله الحسن. ولو قال: ما زادوهم لجاز. ولما اشتدّ الأمر على المسلمين وطال المقام في الخندق، قام ﵇، على التل الذي عليه مسجد الفتح في بعض الليالي، وتوقع ما وعده الله من النصر وقال: «من يذهب ليأتينا بخبرهم وله الجنة» فلم يجبه احد. وقال ثانيا وثالثا فلم يجبه احد، فنظر الى جانبه وقال: «من هذا»؟ فقال حذيفة. فقال: «ألم تسمع كلامي منذ الليلة» قال حذيفة: فقلت يا رسول الله، منعني أن أجيبك الضّرّ والقرّ، قال: «انطلق حتى تدخل في القوم فتسمع كلامهم وتأتيني بخبرهم. اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله حتى تردّه إليّ، انطلق ولا تحدث شيئا حتى تأتيني» . فانطلق حذيفة بسلاحه، ورفع رسول الله ﷺ يده يقول: «يا صريخ المكروبين ويا مجيب المضطرين اكشف همي وغمي وكربي فقد ترى حالي وحال أصحابي» . فنزل جبريل وقال: «إن الله قد سمع دعوتك وكفاك هول عدوك» فخر رسول الله ﷺ على ركبتيه وبسط يديه وأرخى عينيه وهو يقول: «شكرا شكرا كما رحمتني ورحمت أصحابي» . وأخبره جبريل أن الله تعالى مرسل عليهم ريحا، فبشر أصحابه بذلك. قال
[ ٣ / ٤٣٤ ]
وأخبرنا أَبُو عَبْدِ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ حكيم الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْمُوَجِّهِ، أَخْبَرَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ:
وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا: هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ. قَالَ: أَنْزَلَ اللهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ. وَزُلْزِلُوا قال:
وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا: هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ الآية [(١١)] .
أخبرنا أبو عبد الله الْحَافِظُ، وأَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، قَالَا:
حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، حدثنا يونس ابْنِ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ (ح) ويَزِيدُ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، وَعُثْمَانَ بْنِ كَعْبِ بْنِ يَهُوذَا- أَحَدِ بَنِي قُرَيْظَةَ- عَنْ رِجَالٍ مِنْ قَوْمِهِ. قَالَ: قَالَ مُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ- أَخُو بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ- وَكَأَنَّ مُحَمَّدًا يَرَى أَنْ نَأْكُلَ مِنْ كُنُوزِ كِسْرَى، وَقَيْصَرَ وَأَحَدُنَا لَا يَأْمَنُ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى الْغَائِطِ. وَحَتَّى قَالَ أَوْسُ بْنُ قيظيّ على ملاء مِنْ قَوْمِهِ، مِنْ بَنِي حَارِثَةَ، إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ. وَهِيَ خَارِجَةٌ مِنَ الْمَدِينَةِ، ائذن لنا، فنرجع
_________________
(١) [(-)] حذيفة: فانتهيت إليهم وإذا نيرانهم تتقد، فأقبلت ريح شديدة فيها حصباء فما تركت لهم نارا إلا أطفأتها ولا بناء إلا طرحته، وجعلوا يتترسون من الحصباء. وقام أبو سفيان إلى راحلته وصاح في قريش: النجاء النجاء! وفعل كذلك عيينة بن حصن والحارث بن عوف والأقرع بن حابس. وتفرقت الأحزاب، وَأَصْبَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فعاد الى المدينة وبه من الشّعب ما شاء الله، فجاءته فاطمة بغسول فكانت تغسل رأسه، فأتاه جبريل فقال: «وضعت السلاح ولم تضعه أهل السماء، ما زلت أتبعهم حتى جاوزت بهم الروحاء- ثم قال- انْهَضْ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ» . وَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: مَا زلت اسمع قعقعة السلاح حتى جاوزت الرّوحاء. [(١١)] راجع (٨) و(٩) و(١٠) . وقد تقدموا.
[ ٣ / ٤٣٥ ]
إِلَى نِسَائِنَا. وَأَبْنَائِنَا، وَذَرَارِيِّنَا فَلَمَّا قَالُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ أَنْزَلَ اللهُ ﷿ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ حِينَ فَرَّغَ عَنْهُمْ، مَا كَانُوا فِيهِ مِنَ الْبَلَاءِ يَذْكُرُ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْهِمْ، وَكِفَايَتَهُ إِيَّاهُمْ بَعْدَ سُوءِ الظَّنِّ مِنْهُمْ، وَمَقَالَةِ مَنْ قَالَ مِنْ أَهْلِ النِّفَاقِ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ [(١٢)] أَيْ مِنْ فَوْقِكُمْ فَأَرْسَلَ اللهُ [(١٣)] عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْها. فَكَانَتِ الْجُنُودُ قُرَيْشًا، وَغَطَفَانَ وَبَنِي قُرَيْظَةَ، وَكَانَتِ الْجُنُودُ الَّتِي أَرْسَلَ اللهُ عَلَيْهِمْ مَعَ الرِّيحِ الْمَلَائِكَةَ: إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ إلى قوله: الظُّنُونَا فَالَّذِينَ جَاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ بَنُو قُرَيْظَةَ، وَالَّذِينَ جَاءُوا أَسْفَلَ مِنْهُمْ قُرَيْشٌ، وَغَطَفَانَ. «هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا إِلَى قَوْلِهِ: مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا لِقَوْلِ مُعَتِّبِ بْنِ قُشَيْرٍ، وَأَصْحَابِهِ: وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يَا أَهْلَ يَثْرِبَ إِلَى قَوْلِهِ:
إِلَّا فِرارًا لِقَوْلِ أَوْسِ بْنِ قَيْظِيٍّ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ- عَلَى ذَلِكَ- مِنْ قَوْمِهِ [(١٤)] .
فَأَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَالْمُشْرِكُونَ بِضْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، فَبَيْنَمَا النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الْخَوْفِ وَالْبَلَاءِ، وَلَمْ يَكُنْ قِتَالٌ إِلَّا الْحِصَارُ وَالرِّمِّيَّا بِالنَّبْلِ، زَادَ أَبُو عَبْدِ اللهِ فِي رِوَايَتِهِ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ بِإِسْنَادِهِ: إِلَّا أَنَّ فَوَارِسَ مِنْ قُرَيْشٍ، مِنْهُمْ عمرو ابن عَبْدِ وُدٍّ، وَعِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ، وَضِرَارُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَهُبَيْرَةُ بْنُ أَبِي وَهْبٍ، تَلَبَّسُوا لِلْقِتَالِ، وَخَرَجُوا عَلَى خُيُولِهِمْ، حَتَّى مَرُّوا عَلَى مَنَازِلِ بَنِي كِنَانَةَ، وَقَفُوا، فَقَالُوا: تَهَيَّئُوا لِلْحَرْبِ يَا بَنِي كِنَانَةَ، فَسَتَعْلَمُونَ مَنِ الْفُرْسَانُ الْيَوْمَ، ثُمَّ أَقْبَلُوا تَعِيقُ [(١٥)] بِهِمْ خَيْلُهُمْ، حَتَّى وَقَفُوا عَلَى الْخَنْدَقِ، فَقَالُوا: وَاللهِ إِنَّ هَذِهِ لَمَكِيدَةٌ، مَا كَانَتِ الْعَرَبُ تَكِيدُهَا.
_________________
(١) [(١٢)] [الأحزاب- ٩] . [(١٣)] هكذا بالنسخ المخطوطة، وفي التلاوة: «فأرسلنا» كما في حاشية (أ) و(ح) . [(١٤)] ذكره ابن هشام في السيرة (٣: ١٩٨- ١٩٩) . [(١٥)] (تعنق): تسرع.
[ ٣ / ٤٣٦ ]
ثُمَّ تَيَمَّمُوا مَكَانًا مِنَ الْخَنْدَقِ ضَيِّقًا، فَضَرَبُوا خُيُولَهُمْ فَاقْتَحَمُوا، فَجَالَتْ فِي سَبْخَةٍ بَيْنَ الْخَنْدَقِ وَسَلْعٍ، وَخَرَجَ عَلِيٌّ﵁- فِي نَفَرٍ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، حَتَّى أَخَذَ عَلَيْهِمُ الثَّغْرَةَ الَّتِي مِنْهَا اقْتَحَمُوا، فَأَقْبَلَتِ الْفَوَارِسُ تُعْنِقُ نَحْوَهُمْ، وَكَانَ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ وُدٍّ فَارِسَ قُرَيْشٍ، وَكَانَ قَدْ قَاتَلَ يَوْمَ بَدْرٍ حَتَّى ارْتُثَّ [(١٦)]، وَأَثْبَتَتْهُ الْجِرَاحَةُ، فَلَمْ يَشْهَدْ أُحُدًا، فَلَمَّا كَانَ الْخَنْدَقُ خَرَجَ مُعْلَمًا [(١٧)] لِيُرَى مَشْهَدُهُ فَلَمَّا وَقَفَ هُوَ وَخَيْلُهُ،
قَالَ عَلِيٌّ ﵁: يَا عَمْرُو قَدْ كُنْتَ تُعَاهِدُ اللهَ لِقُرَيْشٍ، أَلَّا يَدْعُو رَجُلٌ إِلَى خَلَّتَيْنِ إِلَّا قَبِلْتَ مِنْهُ إِحْدَاهُمَا.
فَقَالَ عَمْرٌو: أَجَلْ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: فَإِنِّي أَدْعُوكَ إِلَى اللهِ، وَإِلَى رَسُولِهِ، وَالْإِسْلَامِ فَقَالَ: لَا حَاجَةَ لِي فِي ذَلِكَ. قَالَ: فَإِنِّي أَدْعُوكَ إِلَى الْبِرَازِ، قَالَ لَهُ:
يَا بن أخي لم؟ فو الله مَا أُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَكَ، فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁ لَكِنِّي وَاللهِ لَأُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَكَ، فَحَمِيَ عَمْرٌو، فَاقْتَحَمَ عَنْ فَرَسِهِ فَعَقَرَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ فَجَاءَ إِلَى عَلِيٍّ فَتَنَازَلَا، وَتَجَاوَلَا، فَقَتَلَهُ عَلِيٌّ، وَخَرَجَتْ خَيْلُهُمْ مُنْهَزِمَةً هَارِبَةً، حَتَّى اقْتَحَمَتْ مِنَ الْخَنْدَقِ [(١٨)] .
وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ خُرُوجَهُمْ، وَدُعَاءَ عَمْرٍو إِلَى الْبِرَازِ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ فِي الْإِسْنَادِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ. فَقَالَ: وَكَانَ مِمَّنْ خَرَجَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ هُبَيْرَةُ بْنُ أَبِي وَهْبٍ الْمَخْزُومِيُّ، وَاسْمُ أَبِي وَهْبٍ جَعْدَةُ، وَخَرَجَ نَوْفَلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ يَسْأَلُ الْمُبَارَزَةَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ﵁- فَضَرَبَهُ ضَرْبَةً، فَشَقَّهُ باثنتين، حَتَّى فَلَّ فِي سَيْفَهِ فَلًّا، فَانْصَرَفَ وَهُوَ يَقُولُ:
إِنِّي امْرُؤٌ أَحْمِي وَأَحْتَمِي عَنِ النَّبِيِّ الْمُصْطَفَى الْأُمِّي [(١٩)]
_________________
(١) [(١٦)] (ارتث): حمل جريحا من المعركة. [(١٧)] (معلما): «هو الذي يجعل لنفسه علاما وشعارا يعرف بهما» . [(١٨)] الخبر رواه ابن هشام في السيرة (٣: ١٧٨- ١٧٩)، ونقله ابن كثير في التاريخ (٤: ١٠٥) . [(١٩)] البداية والنهاية (٤: ١٠٧) عن ابن إسحاق.
[ ٣ / ٤٣٧ ]
وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ أَنَّ عَلِيًّا طَعَنَهُ تَرْقُوَتَهُ، حَتَّى أَخْرَجَهَا مِنْ مَرَاقِّهِ، فَمَاتَ فِي الْخَنْدَقِ، وَبَعَثَ الْمُشْرِكُونَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يَشْتَرُونَ جِيفَتَهُ بِعَشَرَةِ آلَافٍ، فَقَالَ ﷺ هُوَ لَكُمْ. لَا نَأْكُلُ ثَمَنَ الْمَوْتَى.
قَالَ: وَخَرَجَ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ وُدٍّ فَنَادَى، مَنْ يُبَارِزُ فَقَامَ عَلِيٌّ ﵁ وَهُوَ مُقَنَّعٌ فِي الْحَدِيدِ، أَظُنُّهُ عَمْرًا فَقَالَ: أَنَا لَهَا يَا نَبِيَّ اللهِ. فَقَالَ: إِنَّهُ عَمْرٌو اجْلِسْ، وَنَادَى عَمْرٌو، أَلَا رَجُلٌ وَهُوَ يُؤَنِّبُهُمْ وَيَقُولُ أَيْنَ جَنَّتُكُمُ الَّتِي تَزْعُمُونَ أَنَّهُ مَنْ قُتِلَ مِنْكُمْ دَخَلَهَا. أَفَلَا تُبْرِزُونَ إِلَيَّ رَجُلًا؟ فَقَامَ عَلِيٌّ فَقَالَ: [أَنَا] [(٢٠)] يَا رَسُولَ اللهِ فَقَالَ: اجْلِسْ، ثُمَّ نَادَى الثالثة، فقال:
وَلَقَدْ بُحِحْتُ مِنَ النِّدَاءِ بِجَمْعِكُمْ: هَلْ مِنْ مُبَارِزْ
وَوَقَفَتُ إِذْ جَبُنَ الْمُشَجَّعُ مَوْقِفَ الْقِرْنِ الْمُنَاجِزْ
وَلِذَاكَ إِنِّي لَمْ أَزَلْ مُتَسَرِّعًا قَبْلَ الْهَزَاهِزْ
إِنَّ الشَّجَاعَةَ فِي الْفَتَى وَالْجُودَ مِنْ خَيْرِ الْغَرَائِزْ
فَقَامَ عَلِيٌّ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَا، فَقَالَ: إِنَّهُ عَمْرٌو. قَالَ: وَإِنْ كَانَ عَمْرًا. فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَمَشَى إِلَيْهِ. حَتَّى أَتَاهُ وهو يقول:
لا تعجلنّ فقد أتاك مُجِيبُ صَوْتِكَ غَيْرُ عَاجِزْ
ذُو نِيَّةٍ وَبَصِيرَةٍ وَالصِّدْقُ مَنْجَى [(٢١)] كُلِّ فَائِزْ
إِنِّي لأرجو أن أقيم عَلَيْكَ نَائِحَةَ الْجَنَائِزْ
مِنْ ضربة نجلاء يبقى ذِكْرُهَا عِنْدَ الْهَزَاهِزْ
فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: وَمَنْ أَنْتَ. قَالَ: أَنَا عَلِيٌّ. قَالَ: ابْنُ عَبْدِ مناف فقال:
_________________
(١) [(٢٠)] سقطت من (أ) . [(٢١)] في (ح) رسمت: «منجا» .
[ ٣ / ٤٣٨ ]
عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ: غَيْرُكَ يَا بن أَخِي وَمِنْ أَعْمَامِكَ مَنْ هُوَ أَسَنُّ مِنْكَ، فَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ أُهَرِيقَ دَمَكَ، فَقَالَ عَلِيٌّ (﵁): لَكِنِّي وَاللهِ مَا أَكْرَهُ أَنْ أُهَرِيقَ دَمَكَ، فَغَضِبَ، فَنَزَلَ وَسَلَّ سَيْفَهُ كَأَنَّهُ شُعْلَةُ نَارٍ، ثُمَّ أَقْبَلَ نَحْوَ عَلِيٍّ مُغْضَبًا، وَاسْتَقْبَلَهُ عَلِيٌّ (﵁) بِدَرَقَتِهِ فَضَرَبَهُ وَعَمْرٌو فِي الدَّرَقَةِ فَقَدَّهَا، وَأَثْبَتَ فِيهَا السَّيْفَ، وَأَصَابَ رَأْسَهُ فَشَجَّهُ، وَضَرَبَهُ عَلِيٌّ عَلَى حَبْلِ الْعَاتِقِ فَسَقَطَ، وَثَارَ الْعَجَاجُ، وَسَمِعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ التَّكْبِيرَ، فَعَرَفَ أَنَّ عَلِيًّا قَدْ قَتَلَهُ، فَتَمَّ عَلِيٌّ (﵁) يَقُولُ:
أَعَلَيَّ تَقْتَحِمُ الْفَوَارِسُ هَكَذَا عَنِّي وَعَنْهُمْ أَخَّرُوا أَصْحَابِي
الْيَوْمَ يَمْنَعُنِي الْفِرَارَ حَفِيظَتِي وَمُصَمِّمٌ فِي الرَّأْسِ لَيْسَ بِنَابِي
فَذَكَرَ أَبْيَاتًا آخِرِهُنَّ:
عَبَدَ الْحِجَارَةَ مِنْ سَفَاهَةِ عَقْلِهِ وَعَبَدْتُ رَبَّ مُحَمَّدٍ بِصَوَابِ
ثُمَّ أَقْبَلَ عَلِيٌّ﵁- نَحْوَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَوَجْهُهُ يَتَهَلَّلُ. فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابٍ (﵁): هَلَّا اسْتَلَبْتَهُ دِرْعَهُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لِلْعَرَبِ دِرْعٌ خَيْرٌ مِنْهَا. فَقَالَ: ضَرَبْتُهُ فَاتَّقَانِي بِسَوَادِهِ، فَاسْتَحْيَيْتُ ابْنَ عَمِّي أَنْ أَسْتَلِبَهُ، وَخَرَجَتْ خُيُولُهُ مُنْهَزِمَةً حَتَّى اقْتَحَمَتْ [(٢٢)] مِنَ الْخَنْدَقِ [(٢٣)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ الْحَسَنِ بْنِ فُورَكٍ (﵀) أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَحْمَدَ الْأَصْبَهَانِيُّ، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: جُعِلْتُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ مَعَ النِّسَاءِ والصبيان في الأطم،
_________________
(١) [(٢٢)] في (ص) و(ح): «أقحمت» . [(٢٣)] عن المصنف نقله الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية» (٤: ١٠٦- ١٠٧) .
[ ٣ / ٤٣٩ ]
يَعْنِي حِصْنًا، وَمَعِي عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، فَجَعَلَ يُطَأْطِئُ لِي فَأَصْعَدُ عَلَى ظَهْرِهِ، فَأَنْظُرُ إِلَيْهِمْ كَيْفَ يَقْتَتِلُونَ، وَأُطَأْطِئُ لَهُ، فَيَصْعَدُ فَوْقَ ظَهْرِي فَيَنْظُرُ.
قَالَ: فَنَظَرْتُ إِلَى أَبِي وَهُوَ يَحْمِلُ مَرَّةً هَاهُنَا وَمَرَّةً هَاهُنَا، فَمَا يَرْتَفِعُ لَهُ شَيْءٌ إِلَّا أَتَاهُ، فَلَمَّا أَمْسَى جَاءَنَا إِلَى الْأُطُمِ قُلْتُ: يَا أَبَةِ! رَأَيْتُكَ الْيَوْمَ، وَمَا تَصْنَعُ.
قَالَ: وَرَأَيْتَنِي يَا بُنَيَّ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ أَمَا إنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ جَمَعَ لي أبويه. قال: فِدًا لَكَ أَبِي وَأُمِّي [(٢٤)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ عَبْدَانَ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ الْحَارِثِ.
(ح) وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ بِبَغْدَادَ، حَدَّثَنَا أَبُو سَهْلِ بْنُ زِيَادٍ الْقَطَّانُ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ الْحَسَنِ الْحَرْبِيُّ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، قَالُوا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ ابن سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبْدَانَ: عَنِ الْحَجَّاجِ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ قُتِلَ يَوْمَ الْأَحْزَابِ، فَبَعَثَ الْمُشْرِكُونَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنِ ابْعَثْ إِلَيْنَا بِجَسَدِهِ، وَنُعْطِيهِمُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا.
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَا خَيْرَ فِي جَسَدِهِ، وَلَا فِي ثَمَنِهِ [(٢٥)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، وأَبُو بَكْرٍ: أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي قَالَا:
حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ سَهْلٍ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ فِي حِصْنِ بَنِي حَارِثَةَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَكَانَ مِنْ أَحْرَزِ حُصُونِ الْمَدِينَةِ، وَكَانَتْ أُمُّ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ مَعَهَا فِي الْحِصْنِ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ عَلَيْهِنَّ الْحِجَابُ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ حِينَ خَرَجُوا إِلَى الْخَنْدَقِ رَفَعُوا الذراري
_________________
(١) [(٢٤)] البداية والنهاية (٤: ١٠٧- ١٠٨) عن المصنف. [(٢٥)] أخرجه الترمذي مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وقال: «غريب» .
[ ٣ / ٤٤٠ ]
وَالنِّسَاءَ فِي الْحُصُونِ، مَخَافَةَ الْعَدُوِّ عَلَيْهِمْ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَمَرَّ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ وَعَلَيْهِ دِرْعٌ لَهُ مُقَلَّصَةٌ [(٢٦)] قَدْ خَرَجَتْ مِنْهَا ذِرَاعُهُ، وَفِي يَدِهِ حَرْبَتُهُ تَوَقَّدُ [(٢٧)]، وهو يقول:
لَبِّثْ قَلِيلًا فَيَشْهَدِ الْهَيْجَا حَمَلْ لَا بَأْسَ بِالْمَوْتِ إِذَا حَانَ الْأَجَلْ [(٢٨)]
فَقَالَتْ أُمُّ سَعْدٍ: الْحَقْ يَا بُنَيَّ، فَقَدْ وَاللهِ أَخَّرْتَ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَا أُمَّ سَعْدٍ لَوَدِدْتُ أَنَّ دِرْعَ سَعْدٍ كَانَتْ أَسْبَغَ [(٢٩)] مِمَّا هِيَ، فَخَافَتْ عَلَيْهِ حَيْثُ أَصَابَ السَّهْمُ مِنْهُ.
زَادَ أَبُو عَبْدِ اللهِ فِي رِوَايَتِهِ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فَرَمَاهُ فِيمَا حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ حَبَّانُ بْنُ قَيْسِ بْنِ الْعَرِقَةِ بِسَهْمٍ، فَقَطَعَ مِنْ سَعْدٍ الْأَكْحَلَ [(٣٠)] . فَلَمَّا أَصَابَهُ، قَالَ: خُذْهَا مِنِّي، وَأَنَا ابْنُ الْعَرِقَةِ، وَكَانَ أَحَدَ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ فَقَالَ [(٣١)] سَعْدٌ: عَرَّقَ اللهُ وَجْهَكَ فِي النَّارِ. اللهُمَّ إِنْ كُنْتَ أَبْقَيْتَ مِنْ حَرْبِ قُرَيْشٍ شيئا
_________________
(١) [(٢٦)] (مقلصة): «قصيرة» . [(٢٧)] يرفل بها: يريد يمشي بها متبخترا، وهذا بعض الروايات في هذه الكلمة. ويروي «يرقد بها» بتشديد الدال المهملة، ويروي «يرمد بها» بالميم وآخره دال مشددة،. [(٢٨)] لبث: فعل امر من التلبيث، وهو المكث والانتظار والاستهمال، وحمل- بالحاء المهملة- اسم رجل. والرجز قديم تمثل به سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ﵁ هنا، وقد وقع في كثير من أصول الكتاب وفي تاريخ ابن كثير جمل بالجيم وهو تصحيف، والهيجاء: الحرب وأصله ممدود فقصره حين اضطر، وحان: جاء حينه ووقته. [(٢٩)] أسبغ: أكمل واضفى، والدرع السابغة: الكاملة الضافية التي تملأ مكانها وتسر صاحبها. [(٣٠)] الأكحل: عرق في الدراع. [(٣١)] تقابل اللوحة ١٤٢ من نسخة (ح)، وهنا سماعات في حاشية النسخة. وقد سبق ان ذكرناها في تقدمتنا للكتاب في السفر الأول.
[ ٣ / ٤٤١ ]
فَأَبْقِنِي لَهَا، فَإِنَّهُ لَا قَوْمَ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أُجَاهِدَ مِنْ قَوْمٍ آذَوْا رَسُولَكَ، وَكَذَّبُوهُ، وَأَخْرَجُوهُ، وَإِنْ كُنْتَ وَضَعْتَ الْحَرْبَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، فَاجْعَلْهُ لِي شَهَادَةً، ولا تمتني تُقِرَّ عَيْنِي مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ [(٣٢)] .
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَا أَصَابَ سَعْدًا يَوْمَئِذٍ بِالسَّهْمِ إِلَّا أَبُو أُسَامَةَ الْجُشَمِيُّ [(٣٣)]، حَلِيفُ بَنِي مَخْزُومٍ، وَقَالَ فِي ذَلِكَ شِعْرًا ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ [(٣٤)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الله الحافظ، وأَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي قَالَا:
حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، حدثنا يونس ابْنِ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ. قَالَ: كَانَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فِي فَارِعٍ حِصْنُ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ، وَكَانَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ مَعَنَا فِيهِ مَعَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ حَيْثُ خَنْدَقُ النَّبِيِّ ﷺ. قَالَتْ صَفِيَّةُ: فَمَرَّ بِنَا رَجُلٌ مِنْ يَهُودَ، فَجَعَلَ يَطِيفُ بِالْحِصْنِ، وَقَدْ حَارَبَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ، وَقَطَعَتْ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَلَيْسَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ أَحَدٌ يَدْفَعُ عَنَّا وَرَسُولُ اللهِ ﷺ، وَالْمُسْلِمُونَ فِي نُحُورِ عَدُوِّهِمْ، لا يستطيعون أن
_________________
(١) [(٣٢)] الخبر رواه ابن هشام في السيرة (٣: ١٨٠- ١٨١) . [(٣٣)] في (أ): «الجوشمي» . [(٣٤)] الخبر في سيرة ابن هشام (٣: ١٨١)، والشعر هو: أعكرم هلّا لمتني إذ تقول لي فداك بآطام المدينة خالد ألست الّذي ألزمت سعدا مرشّة لها بين أثناء المرافق عاند قضى نحبه منها سعيد فأعولت عليه مع الشّمط العذارى النّواهد وأنت الّذي دافعت عنه وقد دعا عبيدة جمعا منهم إذ يكابد على حين ما هم جائز عن طريقه وآخر مرعوب عن القصد عامد ونقله ابن كثير في «البداية والنهاية» (٤: ١٠٨) .
[ ٣ / ٤٤٢ ]
ينصرفوا إلينا عنهم. إذ أَتَانَا آتٍ، فَقُلْتُ لِحَسَّانَ إِنَّ هَذَا الْيَهُودِيَّ يُطِيفُ بِالْحِصْنِ كَمَا تَرَى، وَلَا آمَنُهُ أَنْ يَدُلَّ عَلَى عَوْرَتِنَا مَنْ وَرَاءَنَا مِنْ يَهُودَ، وَقَدْ شُغِلَ عَنَّا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ، فَانْزِلْ إِلَيْهِ فَاقْتُلْهُ. فَقَالَ: يَغْفِرُ اللهُ لَكِ يَا بِنْتَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَاللهِ لَقَدْ عَرَفْتِ مَا أَنَا بِصَاحِبِ هَذَا. قَالَتْ صَفِيَّةُ: فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ، احْتَجَزْتُ [(٣٥)] عَمُودًا [(٣٦)]، ثُمَّ نَزَلْتُ مِنَ الْحِصْنِ إِلَيْهِ، فَضَرَبْتُهُ بِالْعَمُودِ حَتَّى قَتَلْتُهُ، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى الْحِصْنِ. فَقُلْتُ: يَا حَسَّانُ انْزِلْ فَاسْتَلِبْهُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَسْتَلِبَهُ إِلَّا أَنَّهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: مَا لِي بِسَلَبِهِ مِنْ حَاجَةٍ يَا بِنْتَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ [(٣٧)] .
قَالَ: وحَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مِثْلَهُ أَوْ نَحْوَهُ، وَزَادَ فِيهِ، قَالَ: هِيَ أَوَّلُ امْرَأَةٍ قَتَلَتْ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ (ح) .
وأَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الرُّوذْبَارِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عمر ابن شَوْذَبٍ الْمُقْرِئُ الْوَاسِطِيُّ بِهَا، حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ، عَنْ عَلِيٍّ (﵁) أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَوْمَ الْأَحْزَابِ قَاعِدًا عَلَى فُرْضَةٍ مِنْ فُرَضِ
_________________
(١) [(٣٥)] (احتجزت): «شددت وسطي» . [(٣٦)] من أعمدة البيت التي يقام عليها. [(٣٧)] الخبر في سيرة ابن هشام (٣: ١٨٢- ١٨٣)، وقد نقله الحافظ ابن كثير في التاريخ (٤:
(٢) ١٠٩) وأنكر ابو ذر شارح السيرة هذا الخبر، واستبعد ان يكون حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ مِنْ الجبن بهذه المنزلة.
[ ٣ / ٤٤٣ ]
الْخَنْدَقِ [(٣٨)]، فَقَالَ: شَغَلُونَا عَنْ صَلَاةِ الْوُسْطَى، حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ. مَلَأَ اللهُ قُبُورَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ نَارًا. أَوْ بُطُونَهُمْ. لَفْظُ حَدِيثِ الرُّوذْبَارِيِّ.
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ
[(٣٩)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عبدان، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ، حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بكر، حدثنا هشام ابن أَبِي عَبْدِ اللهِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابٍ (﵁) يَوْمَ الْخَنْدَقِ بعد ما غَرَبَتِ الشَّمْسُ، جَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا كِدْتُ أَنْ أُصَلِّيَ الْعَصْرَ، حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ أَنْ تَغْرُبَ. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَا صَلَّيْتُهَا [(٤٠)] بَعْدُ. قَالَ: فَنَزَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ- أَحْسَبُهُ قَالَ- إِلَى بُطْحَانَ [(٤١)]، فَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ، وَتَوَضَّأْنَا لَهَا فصلى العصر بعد ما غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَ الْمَغْرِبِ.
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ هِشَامٍ الدستوائي [(٤٢)] .
_________________
(١) [(٣٨)] (فُرْضَةٍ مِنْ فُرَضِ الْخَنْدَقِ) هي المدخل من مداخله، والمنفذ إليه. [(٣٩)] أخرجه مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وزهير بْنِ حَرْبٍ كِلَاهُمَا عَنْ وكيع، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ، عَنْ الإمام علي، وعن عبيد الله بن معاذ (واللفظ له) عَنْ أَبِيهِ، عَنْ شُعْبَةَ في: ٥- كتاب المساجد (٣٦) باب الدليل لمن قال: الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، الحديث (٢٠٤)، ص (١: ٤٣٧) . [(٤٠)] وفي مسلم: «فو الله! أن صليتها» والمعنى واحد، وانما حلف النبي ﷺ تطييبا لقلب عمر﵁- فإنه شق عليه تأخير العصر إلى قريب من المغرب، فأخبره النبي ﷺ أنه لم يصلها بعد، ليكون لعمر به أسوة، ولا يشق عليه ما جرى. [(٤١)] (بطحان)، واد بالمدينة. [(٤٢)] البخاري: في ٩- كتاب مواقيت الصلاة، (٣٦) باب من صلى بالناس جماعة بعد ذهاب الوقت، ومسلم في: ٥- كتاب المساجد ومواضع الصلاة (٣٦) باب الدليل لمن قال: الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، الحديث (٢٠٩)، ص (١: ٤٣٨) .
[ ٣ / ٤٤٤ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ أَبِي حَامِدٍ الْمُقْرِئُ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حُبِسْنَا يَوْمَ الْخَنْدَقِ، عَنِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، حَتَّى كُفِينَا ذَلِكَ. فَأَنْزَلَ اللهُ﷿- وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ، وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا.. [(٤٣)] فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَقَامَ، ثُمَّ صَلَّى الظُّهْرَ، كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا قَبْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ أَقَامَ، فَصَلَّى الْعَصْرَ كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا قَبْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ أَقَامَ الْمَغْرِبَ، فَصَلَّاهَا كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا قَبْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ أَقَامَ الْعِشَاءَ، فَصَلَّاهَا كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا قَبْلَ ذَلِكَ. وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ فَرِجالًا أَوْ رُكْبانًا [(٤٤)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: فَبَيْنَمَا النَّاسُ عَلَى خَوْفِهِمْ، أَتَى نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ الْأَشْجَعِيُّ رَسُولَ اللهِ ﷺ،
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ:
فَحَدَّثَنِي رَجُلٌ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ. قَالَ: جَاءَ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ الْأَشْجَعِيُّ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِي أَحَدٌ مِنْ قَوْمِي، فَمُرْنِي أَمْرَكَ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّمَا أَنْتَ فِينَا رجل
_________________
(١) [(٤٣)] [الأحزاب- ٢٥] . [(٤٤)] [البقرة- ٢٣٩]، وقد أخرج النسائي في سننه هذا الحديث بخلاف عما أورده المصنف، وبإسناده، في كتاب الصلاة، باب الأذان للغائب من الصلاة (٢: ١٧) عَنْ عَمْرِو بْنِ عَلِيٍّ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أبي سعيد عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ شغلنا المشركون يوم الخندق عن صلاة الظهر حتى غربت الشمس وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ في القتال ما نزل فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿ وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِلَالًا فأقام لصلاة الظهر فَصَلَّاهَا كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا لوقتها ثم أقام للعصر فَصَلَّاهَا كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا في وقتها ثم أذن للمغرب فَصَلَّاهَا كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا في وقتها.
[ ٣ / ٤٤٥ ]
وَاحِدٌ. فَخَذِّلْ [(٤٥)] عَنَّا مَا اسْتَطَعْتَ. فَإِنَّمَا الْحَرْبُ خَدْعَةٌ»،
فَانْطَلَقَ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ، حَتَّى أَتَى بَنِي قُرَيْظَةَ. فَقَالَ لَهُمْ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْظَةَ- وَكَانَ لَهُمْ نَدِيمًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ- إِنِّي لَكُمْ نَدِيمٌ وَصَدِيقٌ، قَدْ عَرَفْتُمْ ذَلِكَ. فَقَالُوا: صَدَقْتَ. فَقَالَ:
تَعْلَمُونَ وَاللهِ مَا أَنْتُمْ وَقُرَيْشٌ وَغَطَفَانُ مِنْ مُحَمَّدٍ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ، إِنَّ الْبَلَدَ لَبَلَدُكُمْ، وَبِهِ أَمْوَالُكُمْ، وَأَبْنَاؤُكُمْ، وَنِسَاؤُكُمْ، وَإِنَّ قُرَيْشًا وَغَطَفَانَ بِلَادُهُمْ غَيْرُهَا، وَإِنَّمَا جَاءُوا حَتَّى نَزَلُوا مَعَكُمْ، فَإِنْ رَأَوْا فُرْصَةً انْتَهَزُوهَا، وَإِنْ رَأَوْا غَيْرَ ذَلِكَ رَجَعُوا إِلَى بِلَادِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَنِسَائِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ، وَخَلَّوْا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الرَّجُلِ، فَلَا طَاقَةَ لَكُمْ بِهِ، وَإِنْ هُمْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَا تُقَاتِلُوهُمْ، حَتَّى تَأْخُذُوا مِنْهُمْ رَهْنًا مِنْ أَشْرَافِهِمْ، تَسْتَوْثِقُونَ بِهِ مِنْهُمْ أَنْ لَا يَبْرَحُوا حَتَّى يُنَاجِزُوا مُحَمَّدًا. فَقَالُوا لَهُ: لَقَدْ أَشَرْتَ بِرَأْيٍ وَنُصْحٍ.
ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى قُرَيْشٍ فَأَتَى أَبَا سُفْيَانَ وَأَشْرَافَ قُرَيْشٍ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إِنَّكُمْ قَدْ عَرَفْتُمْ وذي إِيَّاكُمْ، وَفِرَاقِي مُحَمَّدًا وَدِينَهُ، وَإِنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِنَصِيحَةٍ، فَاكْتُمُوا عَلَيَّ. فَقَالُوا: نَفْعَلُ. مَا أَنْتَ عِنْدَنَا بِمُتَّهَمٍ. فَقَالَ: تَعْلَمُونَ أَنَّ بَنِي قُرَيْظَةَ مِنْ يَهُودَ، قَدْ نَدِمُوا عَلَى مَا صَنَعُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ. فَبَعَثُوا إِلَيْهِ أَلَا يُرْضِيكَ عَنَّا أَنْ نَأْخُذَ لَكَ مِنَ الْقَوْمِ رَهْنًا مِنْ أَشْرَافِهِمْ، وَنَدْفَعَهُمْ إِلَيْكَ فَتَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ، ثُمَّ نَكُونَ مَعَكَ عَلَيْهِمْ، حَتَّى تُخْرِجَهُمْ مِنْ بِلَادِكَ؟ فَقَالَ:
بَلَى! فَإِنْ بَعَثُوا إِلَيْكُمْ يَسْأَلُونَكُمْ نَفَرًا مِنْ رِجَالِكُمْ فَلَا تُعْطُوهُمْ رَجُلًا وَاحِدًا وَاحْذَرُوا ثُمَّ جَاءَ غَطَفَانَ. فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ غَطَفَانَ قَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي رَجُلٌ مِنْكُمْ:
قَالُوا: صَدَقْتَ. فَقَالَ لَهُمْ كَمَا قَالَ لِهَذَا الْحَيِّ مِنْ قُرَيْشٍ.
فَلَمَّا أَصْبَحَ أَبُو سُفْيَانَ، وَذَلِكَ يَوْمُ السَّبْتِ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ خَمْسٍ وكان ممّا
_________________
(١) [(٤٥)] (خذل عنا) يريد: ادخل بين القوم حتى يخذل بعضهم بعضا فلا يقومون لنا، ولا يستمرون على حربنا.
[ ٣ / ٤٤٦ ]
صَنَعَ اللهُ بِهِ لِرَسُولِهِ ﷺ، بَعَثَ إِلَيْهِمْ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ عِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ يَقُولُ لَكُمْ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، إِنَّ الْكُرَاعَ وَالْخُفَّ [(٤٦)] قَدْ هَلَكَا، وَإِنَّا لسان بِدَارِ مُقَامٍ، فَاخْرُجُوا إِلَى مُحَمَّدٍ نُنَاجِزْهُ، فَبَعَثُوا إِلَيْهِ: إِنَّ الْيَوْمَ السَّبْتُ وَهُوَ يَوْمٌ لَا نَعْمَلُ فِيهِ شَيْئًا، وَلَسْنَا مَعَ ذَلِكَ بِالَّذِينَ نُقَاتِلُ مَعَكُمْ، حَتَّى تُعْطُونَا رَهْنًا مِنْ رِجَالِكُمْ نَسْتَوْثِقُ بِهِمْ. لَا تَذْهَبُوا وَتَدَعُونَا حَتَّى نُنَاجِزَ مُحَمَّدًا. فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: قَدْ وَاللهِ حَذَّرَنَا هَذَا نُعَيْمٌ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ أَبُو سُفْيَانَ إِنَّا لَا نُعْطِيكُمْ رَجُلًا وَاحِدًا، فَإِنْ شِئْتُمْ أَنْ تَخْرُجُوا، فَتُقَاتِلُونَ وَإِنْ شِئْتُمْ فَاقْعُدُوا. فَقَالَتْ يَهُودُ: هَذَا وَاللهِ الَّذِي قَالَ نُعَيْمٌ وَاللهِ مَا أَرَادَ الْقَوْمُ أَلَّا يُقَاتِلُوا مَعَهُمْ، فَإِنْ أَصَابُوا فُرْصَةً، انْتَهَزُوهَا، وَإِلَّا مَضَوْا فَذَهَبُوا إِلَى بِلَادِهِمْ، وَخَلَّوْا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الرَّجُلِ فَبَعَثُوا إِلَيْهِمْ، إِنَّا وَاللهِ لَا نُقَاتِلُ مَعَكُمْ، حَتَّى تُعْطُونَا رَهْنًا، فَأَبَا أَنْ يَفْعَلَ، فَبَعَثَ اللهُ الرِّيحَ عَلَى أَبِي سُفْيَانَ وَأَصْحَابِهِ، وَغَطَفَانَ، وَجُنُودِهِ الَّتِي بَعَثَ، فَخَذَلَهُمُ اللهُ [(٤٧)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ وأَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي. قَالَا:
حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، حدثنا يونس ابْنِ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ. قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: كَانَ نُعَيْمٌ رَجُلًا نَمُومًا، فَدَعَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ. فَقَالَ: إِنَّ يَهُودَ قَدْ بَعَثَتْ إِلَيَّ: إِنْ كَانَ يُرْضِيكَ عَنَّا أَنْ تَأْخُذَ رِجَالًا رَهْنًا مِنْ قُرَيْشٍ وَغَطَفَانَ، مِنْ أَشْرَافِهِمْ، فَنَدْفَعَهُمْ إِلَيْكَ، فَتَقْتُلَهُمْ، فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَتَاهُمْ، فَأَخْبَرَهُمْ ذَلِكَ. فَلَمَّا وَلَّى نُعَيْمٌ. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إِنَّمَا الْحَرْبُ خَدْعَةٌ [(٤٨)] .
_________________
(١) [(٤٦)] (الكراع) الخيل، (والخف) الإبل. [(٤٧)] أخرجه ابن هشام في السيرة (٣: ١٨٣- ١٨٥) . [(٤٨)] البخاري في الجهاد (١٥٧) باب الحرب خدعة، ومسلم في الجهاد، الحديث (١٨)، ص (١٣٦٢) منفردا دون قصة نعيم.
[ ٣ / ٤٤٧ ]
أخبرنا أبو محمد عبد اللهِ بْنُ يُوسُفَ الْأَصْبَهَانِيُّ إِمْلَاءً أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ:
أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ الزَّعْفَرَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرُ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ مَسْعُودِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نُصِرْتُ بِالصَّبَا [(٤٩)]، وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ [(٥٠)] .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ [(٥١)] .
وَأَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [(٥٢)] .
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ:.. فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا.. [(٥٣)]
قَالَ: يَعْنِي رِيحَ الصَّبَا أُرْسِلَتْ عَلَى أَحْزَابِ يَوْمِ الْخَنْدَقِ [(٥٤)]، حَتَّى كَفَأَتْ قُدُورَهُمْ عَلَى أَفْوَاهِهَا، وَنَزَعَتْ فَسَاطِيطَهُمْ حَتَّى أَظْعَنَتْهُمْ، وَجُنُودًا لَمْ تروها.
يَعْنِي الْمَلَائِكَةَ: قَالَ وَلَمْ تقاتل الملائكة يومئذ.
_________________
(١) [(٤٩)] (الصّبا) الريح ومستوى هبوبها من مطلع الشمس. [(٥٠)] (الدبور) الريح التي تقابل الصبا، فتهب من الغرب. [(٥١)] أخرجه مسلم في: ٩- كتاب الاستسقاء (٤) باب في ريح الصبا والدبور، الحديث (١٧) مكرر، ص (٦١٧) . [(٥٢)] البخاري في ١٥- كتاب الاستسقاء (٢٦) بَابُ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ: نصرت بالصبا»، ومسلم في:
(٢) كتاب صلاة الاستسقاء، الحديث (١٧)، ص (٦١٧) . [(٥٣)] [الأحزاب- ٩] . [(٥٤)] قول مجاهد نقله القرطبي في التفسير (١٤: ١٤٣) .
[ ٣ / ٤٤٨ ]
بَابُ إِرْسَالِ رَسُولِ اللهِ ﷺ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ، ﵁ إِلَى عَسْكَرِ الْمُشْرِكِينَ وَمَا ظَهْرَ لَهُ فِي ذَلِكَ مِنْ آثَارِ النُّبُوَّةِ بِوُقُوفِهِ لَيْلَتَئِذٍ عَلَى مَا أُرْسِلَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مِنَ الرِّيحِ، وَالْجُنُودِ، وَتَصْدِيقِ اللهِ سُبْحَانَهُ قَوْلَ نَبِيِّهِ [ﷺ] فِيمَا وَعَدَ حُذَيْفَةَ مِنْ حِفْظِ اللهِ إِيَّاهُ عَنِ الْأَسْرِ وَالْبَرْدِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدُوسٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ: قَالَ كُنَّا عِنْدَ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ فَقَالَ رَجُلٌ: لَوْ أَدْرَكْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَاتَلْتُ مَعَهُ، وَأَبْلَيْتُ [(١)]، فَقَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ: أَنْتَ كُنْتَ تَفْعَلُ ذَلِكَ؟ لَقَدْ رَأَيْتُنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَيْلَةَ الْأَحْزَابِ فِي لَيْلَةٍ ذَاتِ رِيحٍ شَدِيدَةٍ [(٢)]، وَقُرٍّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَلَا رَجُلٌ يَأْتِي [(٣)] بِخَبَرِ الْقَوْمِ، يَكُونُ مَعِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ [(٤)]» . [فَسَكَتْنَا] [(٥)] فَلَمْ يُجِبْهُ مِنَّا أَحَدٌ، ثُمَّ الثَّانِيَةَ، ثُمَّ الثَّالِثَةَ مِثْلَهُ، ثُمَّ قَالَ، يَا حُذَيْفَةُ! قُمْ فَأْتِنَا بِخَبَرِ الْقَوْمِ، فَلَمْ أَجِدْ بُدًّا إِذْ دَعَانِي بِاسْمِي أَنْ أَقُومَ.
فَقَالَ: [اذْهَبْ] فَأْتِنِي بِخَبَرِ الْقَوْمِ وَلَا تَذْعَرْهُمْ عليّ [(٦)]، قال: فمضيت
_________________
(١) [(١)] (وأبليت) أي: بالغت في نصرته، وكأنه أراد الزيادة على نصرة الصحابة. [(٢)] في الصحيح: «وأخذتنا ريح شديدة » (والقر): البرد. [(٣)] في الصحيح: «يأتيني» . [(٤)] في الصحيح: «جعله الله معي يوم القيامة» . [(٥)] الزيادة من صحيح مسلم. [(٦)] (لا تذعرهم عليّ) المراد: لا تحركهم عليك، فإنهم إن أخذوك كان ضررا عليّ لأنك رسولي وصاحبي.
[ ٣ / ٤٤٩ ]
كَأَنَّمَا أَمْشِي فِي حَمَّامٍ [(٧)] حَتَّى أَتَيْتُهُمْ، فَإِذَا أَبُو سُفْيَانَ يَصْلِي [(٨)] ظَهْرَهُ بِالنَّارِ، فَوَضَعْتُ سَهْمِي فِي كَبِدِ قَوْسِي [(٩)]، وَأَرَدْتُ أَنْ أَرْمِيَهُ، ثُمَّ ذَكَرْتُ قَوْلَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَا تَذْعَرْهُمْ عَلَيَّ، وَلَوْ رَمَيْتُهُ لَأَصَبْتُهُ، قَالَ: فَرَجَعْتُ كَأَنَّمَا أَمْشِي فِي [مِثْلِ] الْحَمَّامِ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ثُمَّ أَصَابَنِي الْبَرْدُ حِينَ فَرَغْتُ وَقُرِرْتُ [(١٠)]، فَأَخْبَرْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَأَلْبَسَنِي رَسُولُ الله ﷺ مِنْ فَضْلِ عَبَاءَةٍ كَانَتْ عَلَيْهِ يُصَلِّي فِيهَا، فَلَمْ أَزَلْ نَائِمًا حَتَّى الصُّبْحِ [(١١)]، فَلَمَّا أَنْ أَصْبَحْتُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: قُمْ يَا نَوْمَانُ [(١٢)] .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ، فِي الصَّحِيحِ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ جَرِيرٍ [(١٣)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ كَامِلٍ الْقَاضِي، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ عَبْدِ اللهِ الطَّيَالِسِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي الْمُخْتَارِ، عَنْ بِلَالٍ الْعَبْسِيِّ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ: أَنَّ النَّاسَ تَفَرَّقُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ لَيْلَةَ الْأَحْزَابِ فَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ إِلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، فَأَتَى [(١٤)] رَسُولُ الله ﷺ وَأَنَا جاثي مِنَ الْبَرْدِ، قَالَ: يَا ابن اليمان
_________________
(١) [(٧)] (كَأَنَّمَا أَمْشِي فِي حَمَّامٍ) أي انه لم يجد من البرد الذي يجده الناس، ولا من تلك الريح الشديدة شيئا، بل عافاه الله، ببركة إجابته لِلنَّبِيِّ ﷺ فيما وجهه إليه. [(٨)] (يصلي ظهره) يدفئه. [(٩)] (كبد القوس): مقبضها. [(١٠)] (قررت) بردت. [(١١)] في صحيح مسلم: «حتى أصبحت» . [(١٢)] (يا نومان) يا كثير النوم. [(١٣)] أخرجه مسلم في: ٣٢- كتاب الجهاد والسير، (٣٦) باب غزوة الأحزاب، الحديث (٩٩)، ص (١٤١٤) عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ، وإسحاق بن إبراهيم كلاهما عن جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ [(١٤)] في «المستدرك» «فأتاني» .
[ ٣ / ٤٥٠ ]
قُمْ، فَانْطَلِقْ إِلَى عَسْكَرِ الْأَحْزَابِ، فَانْظُرْ إِلَى حَالِهِمْ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا قُمْتُ إِلَيْكَ إِلَّا حَيَاءً مِنْكَ، مِنَ الْبَرْدِ، قَالَ: فَانْطَلِقْ يَا ابْنَ الْيَمَانِ فَلَا بَأْسَ عَلَيْكَ، مِنْ حرّ ولا بد حَتَّى تَرْجِعَ إِلَيَّ، قَالَ: فَانْطَلَقْتُ إِلَى عَسْكَرِهِمْ، فَوَجَدْتُ أَبَا سُفْيَانَ يُوقِدُ النَّارَ فِي عُصْبَةٍ حَوْلَهُ، قَدْ تَفَرَّقَ الْأَحْزَابُ عَنْهُ، قَالَ حَتَّى إِذَا جَلَسْتُ فِيهِمْ، قَالَ فَحَسَّ أَبُو سُفْيَانَ أَنَّهُ دَخَلَ فِيهِمْ مِنْ غَيْرِهِمْ، قَالَ يَأْخُذُ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بِيَدِ جَلِيسِهِ، فَضَرَبْتُ بِيَدِي عَلَى الَّذِي عَنْ يَمِينِي فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ، ثُمَّ ضَرَبْتُ بِيَدِي عَلَى الَّذِي عَنْ يَسَارِي فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ، فَكُنْتُ فِيهِمْ هُنَيَّةً، ثُمَّ قُمْتُ فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَأَوْمَأَ، إِلَيَّ بِيَدِهِ أَنِ ادْنُ فَدَنَوْتُ، ثُمَّ أَوْمَأَ إِلَيَّ أَيْضًا: ادْنُ، فَدَنَوْتُ، حَتَّى أَسْبَلَ عَلَيَّ مِنَ الثَّوْبِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ، قَالَ ابْنَ الْيَمَانِ اقْعُدْ مَا الْخَبَرُ، قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، تَفَرَّقَ النَّاسُ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، فَلَمْ يَبْقَ، إِلَّا فِي عُصْبَةٍ يُوقِدُ النَّارَ. قَدْ صَبَّ اللهُ عَلَيْهِ مِنَ الْبَرْدِ مِثْلَ الَّذِي صَبَّ عَلَيْنَا، وَلَكِنَّا نَرْجُو مِنَ اللهِ مَا لَا يَرْجُو [(١٥)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَاتِمٍ الدَّارَبُرْدِيُّ بِمَرْوَ، قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْبِرْتِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ أَبِي قُدَامَةَ الْحَنَفِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ ابْنِ أَخِي [(١٦)] حُذَيْفَةَ، قَالَ: ذَكَرَ حُذَيْفَةُ مَشَاهِدَهُمْ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ جُلَسَاؤُهُ: أَمَا وَاللهِ لَوْ كُنَّا شَهِدْنَا ذَلِكَ لَفَعَلْنَا وَفَعَلْنَا، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: لَا تَمَنَّوْا ذَلِكَ، فَلَقَدْ رَأَيْتُنَا لَيْلَةَ الْأَحْزَابِ وَنَحْنُ صَافُّونَ قُعُودٌ: أَبُو سُفْيَانَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْأَحْزَابِ فَوْقَنَا، وَقُرَيْظَةُ الْيَهُودِ أَسْفَلَ مِنَّا، نَخَافُهُمْ عَلَى ذَرَارِيِّنَا،، وَمَا أَتَتْ عَلَيْنَا لَيْلَةٌ قَطُّ
_________________
(١) [(١٥)] أخرجه الحاكم في «المستدرك» (٣: ٣١)، وقال: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه»، وقال الذهبي: «صحيح» . [(١٦)] في (ص): «أبي» وهو تحريف.
[ ٣ / ٤٥١ ]
أَشَدُّ ظُلْمَةً وَلَا أَشَدُّ رِيحًا فِي أَصْوَاتِ رِيحِهَا أَمْثَالُ الصَّوَاعِقِ وَهِيَ ظُلْمَةٌ، مَا يَرَى أَحَدٌ مِنَّا إِصْبَعَهُ فَجَعَلَ الْمُنَافِقُونَ يَسْتَأْذِنُونَ النبي ﷺ وَيَقُولُونَ: إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ، فَمَا يَسْتَأْذِنُهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَّا أَذِنَ لَهُ، فَيَأْذَنُ لَهُمْ، فَيَتَسَلَّلُونَ وَنَحْنُ ثَلَاثُمِائَةٍ وَنَحْوُ ذَلِكَ، إِذِ اسْتَقْبَلَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلًا، رَجُلًا حَتَّى مَرَّ عَلَيَّ، وَمَا عَلَيَّ جُنَّةٌ مِنَ الْعَدُوِّ، وَلَا مِنَ الْبَرْدِ، إِلَّا مِرْطٌ لِامْرَأَتِي مَا يُجَاوِزُ رُكْبَتَيَّ، قَالَ: فَأَتَانِي وَأَنَا جَاثٍ عَلَى رُكْبَتَيَّ، فَقَالَ مَنْ هَذَا؟ فَقُلْتُ: حُذَيْفَةُ، فَقَالَ: حُذَيْفَةُ! قَالَ:
فَتَقَاصَرْتُ بِالْأَرْضِ، فَقُلْتُ، بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ كَرَاهِيَةَ أَنْ أَقُومَ، قَالَ: قُمْ، فَقُمْتُ، فَقَالَ: إِنَّهُ كَائِنٌ فِي القوم خير، فَأْتِينِي بِخَبَرِ الْقَوْمِ، قَالَ وَأَنَا مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ فَزَعًا وَأَشَدِّهِمْ قُرًّا، فَخَرَجْتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ اللهُمَّ احْفَظْهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، وَمِنْ خَلْفَهُ، وَعَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ شِمَالِهِ، وَمِنْ فَوْقِهِ، ومن تحته، قال: فو الله مَا خَلَقَ اللهُ فَزَعًا، وَلَا قُرًّا، فِي جَوْفِي إِلَّا خَرَجَ مِنْ جَوْفِي فَمَا أَجِدُ مِنْهُ شَيْئًا، قَالَ فَلَمَّا وَلَّيْتُ، قَالَ يَا حُذَيْفَةُ لَا تُحْدِثَنَّ فِي الْقَوْمِ شَيْئًا حَتَّى تَأْتِيَنِي،
فَخَرَجْتُ حَتَّى إِذَا دَنَوْتُ مِنْ عَسْكَرِ الْقَوْمِ، نَظَرْتُ فِي ضَوْءِ نَارٍ لَهُمْ تَوَقَّدُ وَإِذَا رَجُلٌ أَدْهَمُ ضَخْمٌ، يَقُولُ بِيَدِهِ عَلَى النَّارِ، وَيَمْسَحُ خَاصِرَتَهُ وَيَقُولُ: الرَّحِيلَ، الرَّحِيلَ، وَلَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ أَبَا سُفْيَانَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَانْتَزَعْتُ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِي أَبْيَضَ الرِّيشِ فَأَضَعُهُ عَلَى كَبِدِ قَوْسِي، لِأَرْمِيَهُ فِي ضَوْءِ النَّارِ، فَذَكَرْتُ، قَوْلَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَا تُحْدِثَنَّ شَيْئًا حَتَّى تَأْتِيَنِي، فَأَمْسَكْتُ وَرَدَدْتُ سَهْمِي فِي كِنَانَتِي، ثُمَّ إِنِّي شَجَّعْتُ نَفْسِي حَتَّى دَخَلْتُ الْمُعَسْكَرَ، فَإِذَا أَدْنَى النَّاسِ مِنِّي بَنُو عَامِرٍ، يَقُولُونَ: يَا آلَ عَامِرٍ الرَّحِيلَ، الرَّحِيلَ، لَا مُقَامَ لَكُمْ، وَإِذَا الرِّيحُ فِي عَسْكَرِهِمْ، مَا تُجَاوِزُ عَسْكَرَهُمْ شِبْرًا، فو الله إِنِّي لَأَسْمَعُ صَوْتَ الْحِجَارَةِ فِي رِحَالِهِمْ، وَفَرَسَتْهُمُ، الرِّيحُ تَضْرِبُهُمْ بِهَا، ثُمَّ خَرَجْتُ نَحْوَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا انْتَصَفَ بِيَ الطَّرِيقُ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، إِذَا أَنَا بِنَحْوٍ مِنْ عِشْرِينَ فَارِسًا، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مُعْتَمِّينَ، فَقَالُوا: أَخْبِرْ صَاحِبَكَ، أَنَّ اللهَ كَفَاهُ الْقَوْمَ، فَرَجَعَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ مُشْتَمِلٌ في شملة يصلي، فو الله مَا عَدَا أَنْ رَجَعْتُ رَاجَعَنِي الْقُرُّ، وَجَعَلْتُ أُقَرْقِفُ [(١٧)]، فَأَوْمَأَ إِلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ
_________________
(١) [(١٧)] (أقرقف) أرعد من البرد.
[ ٣ / ٤٥٢ ]
بِيَدِهِ، وَهُوَ يُصَلِّي فَدَنَوْتُ مِنْهُ، فَأَسْبَلَ عَلَيَّ شَمْلَتَهُ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ صَلَّى، فَأَخْبَرْتُهُ خَبَرَ الْقَوْمِ، وَأَخْبَرْتُهُ أَنِّي تَرَكْتُهُمْ يَتَرَحَّلُونَ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْها [(١٨)] الْآيَةَ.
أَخْبَرَنَا، أَبُو طَاهِرٍ الْفَقِيهُ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُعَاوِيَةَ النَّيْسَابُورِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ وَارَةَ، قَالَ، حَدَّثَنَا وَلَكِنِّي أَخْشَى أَنْ أُؤْسَرَ فَقَالَ: إِنَّكَ لَنْ تُؤْسَرَ فَقُلْتُ مُرْنِي يَا رَسُولَ اللهِ بِمَا شِئْتَ: فَقَالَ: ﷺ اذْهَبْ حَتَّى تَدْخُلَ بَيْنَ ظَهْرَيِ الْقَوْمِ فَأْتِ قُرَيْشًا فَقُلْ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إِنَّمَا يُرِيدُ النَّاسُ إِذَا كَانَ غَدًا أَنْ يَقُولُوا: أَيْنَ قُرَيْشٌ أَيْنَ قَادَةُ الناس؟ أين رؤوس الناس، فيقدمونكم فَتَصْلَوَا الْقِتَالَ فَيَكُونُ الْقَتْلُ فِيكُمْ، ثُمَّ ائْتِ بَنِي كِنَانَةَ فَقُلْ يَا مَعْشَرَ بَنِي كِنَانَةَ إِنَّمَا يُرِيدُ النَّاسُ إِذَا كَانَ غَدًا أَنْ يَقُولُوا: أَيْنَ بَنُو كِنَانَةَ؟ أَيْنَ رُمَاةُ الْحَدَقِ؟ فيعدّمونكم فَتَصْلَوَا الْقِتَالَ، فَيَكُونُ الْقَتْلُ فِيكُمْ، ثُمَّ ائْتِ قَيْسًا، فَقُلْ: يَا مَعْشَرَ قَيْسٍ إِنَّمَا يُرِيدُ النَّاسُ إِذَا كَانَ غَدًا أَنْ يَقُولُوا: أَيْنَ قَيْسٌ؟ أَيْنَ أَحْلَاسُ الخيل أين الفرسان؟
فيقدمونكم فَتَصْلَوَا الْقِتَالَ، فَيَكُونُ الْقَتْلُ فِيكُمْ، وَقَالَ لِي: لَا تُحْدِثُ فِي سِلَاحِكَ شَيْئًا حَتَّى تَأْتِيَنِي فَتَرَانِي،
فَانْطَلَقْتُ حَتَّى دَخَلْتُ بَيْنَ ظَهْرَيِ الْقَوْمِ فَجَعَلْتُ أَصْطَلِي مَعَهُمْ عَلَى نِيرَانِهِمْ، وَجَعَلْتُ أَبُثُّ ذَلِكَ الْحَدِيثَ الَّذِي أَمَرَنِي بِهِ رَسُولُ الله ﷺ حَتَّى إِذَا كَانَ وِجَاهَ السَّحَرِ قَامَ أَبُو سُفْيَانَ فَدَعَا اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَأَشْرَكَ، ثُمَّ قال لينظر رجل مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ سِنَانٍ الرَّهَاوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ سَرِيعٍ، قَالَ: كُنَّا مَعَ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، فَذَكَرَ حَدِيثًا طَوِيلًا وَذَكَرَ فِيهِ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ بِالْحِفْظِ وَذَكَرَ أَنَّ عَلْقَمَةَ بْنَ عُلَاثَةَ نَادَى: يَا عَامِرُ إِنَّ الرِّيحَ قَاتِلَتِي وَأَنَا عَلَى ظَهْرٍ، وَأَخَذَتْهُمْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، وَصَاحَ أَصْحَابُهُ،
_________________
(١) [(١٨)] الآية الكريمة (٩) من سورة الأحزاب، والخبر نقله الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية» (٤:
(٢) ١١٥) عن دلائل النبوة للبيهقي.
[ ٣ / ٤٥٣ ]
فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَبُو سُفْيَانَ أَمَرَهُمْ فَتَحَمَّلُوا، وَلَقَدْ تَحَمَّلُوا وَإِنَّ الرِّيحَ لَتَغْلِبُهُمْ عَلَى بَعْضِ أَمْتِعَتِهِمْ، فَقَالَ عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْثَدٍ عَنْ عَطِيَّةَ الْكَاهِلِيِّ، قَالَ: قَدْ كَانَ فِي الْحَدِيثِ إِنَّهُ لَمَّا رَجَعَ حُذَيْفَةُ مَرَّ بِخَيْلٍ عَلَى طَرِيقِهِ بَيْنَ النَّبِيِّ، ﷺ وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ فَخَرَجَ لَهُ فَارِسَانِ مِنْهُمْ، ثُمَّ قَالَا ارْجِعْ إِلَى صَاحِبِكَ فَأَخْبِرْهُ أَنَّ اللهَ قَدْ كَفَاهُ إِيَّاهُمْ بِالْجُنُودِ وَالرِّيحِ، وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ يَرَوْهَا [(١٩)] هَكَذَا أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ فِيمَا أَدَّى مِنَ الْحَدِيثِ بِالْيَاءِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عبد الله الحافظ، حدثنا الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ- مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ لحذيفة: يا حذيفة نشكوا إِلَى اللهِ صُحْبَتَكُمْ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَأَنَّكُمْ أَدْرَكْتُمُوهُ وَلَمْ نُدْرِكْهُ وَرَأَيْتُمُوهُ وَلَمْ نَرَهُ فقال حذيفة ونحن نشكوا إِلَى اللهِ ﷿ إِيمَانَكُمْ بِهِ، وَلَمْ تَرَوْهُ وَاللهِ مَا نَدْرِي يَا ابْنَ أَخِي لَوْ أَدْرَكْتَهُ كَيْفَ كُنْتَ تَكُونُ لَقَدْ رَأَيْتُنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَيْلَةَ الْخَنْدَقِ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ مَطِيرَةٍ، وَقَدْ نَزَلَ أَبُو سُفْيَانَ وَأَصْحَابُهُ بِالْعَرْصَةِ فَقَالَ: رَسُولُ اللهِ ﷺ من رجل يذهب فيعلم لنا عِلْمَ الْقَوْمِ أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ، ثُمَّ قَالَ مَنْ رَجُلٌ يَذْهَبُ فَيَعْلَمُ لَنَا عِلْمَ الْقَوْمِ جَعَلَهُ اللهُ رَفِيقَ إِبْرَاهِيمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فو الله مَا قَامَ مِنَّا أَحَدٌ، فَقَالَ مَنْ رَجُلٌ يَذْهَبُ فَيَعْلَمُ لَنَا عِلْمَ الْقَوْمِ جَعَلَهُ اللهُ رَفِيقِي يَوْمَ القيامة، فو الله مَا قَامَ مِنَّا أَحَدٌ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللهِ ابْعَثْ حُذَيْفَةَ، فَقُلْتُ دُونَكَ واللهِ فَقَالَ: رَسُولُ اللهِ ﷺ يَا حُذَيْفَةُ فَقُلْتُ لَبَّيْكَ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، فَقَالَ: هَلْ أَنْتَ ذَاهِبٌ فَقُلْتُ وَاللهِ مَا بِي أَنْ أقتل مَنْ جَلِيسُهُ وَمَعِي رَجُلٌ مِنْهُمْ يَصْطَلِي عَلَى النَّارِ،
فَوَثَبْتُ عَلَيْهِ، فَآخُذُ بِيَدِهِ مَخَافَةَ أَنْ يَأْخُذَنِي، فَقُلْتُ: مَنْ أَنْتَ، قَالَ: أَنَا فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ، فَقُلْتُ أَوْلَى، فَلَمَّا دَنَا [(٢٠)] الصُّبْحُ نَادَى: أَيْنَ قُرَيْشٌ؟ أَيْنَ رؤوس الناس؟
_________________
(١) [(١٩)] [الأحزاب- ٩] . [(٢٠)] رسمت في (أ): «دنى» .
[ ٣ / ٤٥٤ ]
فَقَالُوا: أَيْهَاتَ هَذَا الَّذِي أُتِينَا بِهِ الْبَارِحَةَ أَيْنَ بَنُو كِنَانَةَ، وَأَيْنَ الرُّمَاةُ؟ فَقَالُوا:
أَيْهَاتَ هَذَا الَّذِي أُتِينَا بِهِ الْبَارِحَةَ، أَيْنَ قَيْسٌ، أَيْنَ أَحْلَاسُ الْخَيْلِ، أَيْنَ الْفُرْسَانُ؟
فَقَالُوا: أَيْهَاتَ هَذَا الَّذِي أُتِينَا بِهِ الْبَارِحَةَ، فَتَخَاذَلُوا، وَبَعَثَ اللهُ عَلَيْهِمْ تِلْكَ الرِّيحَ، فَمَا تَرَكَتْ لَهُمْ بِنَاءً إِلَّا هَدَّمَتْهُ، وَلَا إِنَاءً إِلَّا أَكْفَأَتْهُ، حَتَّى لَقَدْ رَأَيْتُ أَبَا سُفْيَانَ وَثَبَ عَلَى جَمَلٍ لَهُ مَعْقُولٍ، فَجَعَلَ يَسْتَحِثُّهُ وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُومَ، وَلَوْلَا مَا أَمَرَنِي بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي سِلَاحِي لَرَمَيْتُهُ أَدْنَى مِنْ تِلْكَ، فَجِئْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَجَعَلْتُ أُخْبِرُهُ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، فَجَعَلَ يَضْحَكُ ﵇ حَتَّى جَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى أَنْيَابِهِ [(٢١)] .
_________________
(١) [(٢١)] أخرجه أيضا ابو نعيم في الدلائل (٤٣٣)، وابن عساكر، وابن إسحاق، وذكره ابن هشام في السيرة (٣: ١٨٦- ١٨٧)، وابن مردويه، وعن هؤلاء نقله الصالحي في السيرة الشامية (٤:
(٢) ٥٤٩) .
[ ٣ / ٤٥٥ ]
بَابُ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ على الْأَحْزَابِ، وَإِجَابَةِ اللهِ﷿- إِيَّاهُ فِيمَا دَعَاهُ
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ: عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَاتِي السَّبِيعِيُّ بِالْكُوفَةِ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمِ، بْنِ أَبِي غَرَزَةَ، حَدَّثَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى، قَالَ: دَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى الْأَحْزَابِ فَقَالَ: اللهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ، سَرِيعَ الْحِسَابِ، اهْزِمِ الْأَحْزَابَ، اللهُمَّ اهْزِمْهُمْ وَزَلْزِلْهُمْ.
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ [(١)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأَدِيبُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ، أَعَزَّ جُنْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَغَلَبَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ، فَلَا شَيْءَ بَعْدَهُ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ قتيبة [(٢)] .
_________________
(١) [(١)] البخاري في: ٦٤- كتاب المغازي (٢٩) باب غزوة الأحزاب، فتح الباري (٧: ٤٠٦) . ومسلم في: ٣٢- كتاب الجهاد والسير، (٧) باب استحباب الدعاء بالنصر عند لقاء العدو، والحديث (٢١) ص (١٣٦٣) . [(٢)] أخرجه البخاري في: ٦٤- كتاب المغازي، (٢٩) باب غزوة الأحزاب، الحديث (٤١١٤)، فتح الباري (٧: ٤٠٦) .
[ ٣ / ٤٥٦ ]
بَابُ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ ذَهَابِ الْأَحْزَابِ: الْآنَ نَغْزُوهُمْ وَلَا يَغْزُونَا فَكَانَ كَمَا قَالَ
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ بِبَغْدَادَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حَرْبٍ الطَّائِيُّ قَالَ:
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الْحَفَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ (ح) .
وَأَنْبَأَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ دُرُسْتَوَيْهِ النَّحْوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو يُوسُفَ: يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ وقبيصة، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ الْأَحْزَابِ: [الْآنَ] [(١)] نَغْزُوهُمْ وَلَا يَغْزُونَا.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ [(٢)] .
أَخْبَرَنَا [(٣)] أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرٍو الدِّمَشْقِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ الْوَهْبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ، قَالَ: قال
_________________
(١) [(١)] من (ح) و(ص)، وليست في (أ) . [(٢)] صحيح البخاري (٥: ٤٨) . [(٣)] (ص): «حَدَّثَنَا» .
[ ٣ / ٤٥٧ ]
رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ أُجْلِيَ عَنْهُ الْأَحْزَابُ: الْآنَ نَغْزُوهُمْ وَلَا يَغْزُونَا [نَحْنُ] نَسِيرُ إِلَيْهِمْ.
أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، فِي الصَّحِيحِ، مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ آدَمَ، عَنْ إِسْرَائِيلَ [(٤)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ. قَالَ: فَلَمَّا انْصَرَفَ أَهْلُ الْخَنْدَقِ عَنِ الْخَنْدَقِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيمَا بَلَغَنَا: لَنْ تَغْزُوكُمْ قُرَيْشٌ بَعْدَ عَامِكُمْ هَذَا، وَلَكِنَّكُمْ تَغْزُوهُمْ. فلم تغزوهم قُرَيْشٌ بَعْدَ ذَلِكَ وَكَانَ هُوَ يَغْزُوهُمْ حَتَّى فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ مَكَّةَ [(٥)] .
***
_________________
(١) [(٤)] صحيح البخاري (٥: ٤٨) . [(٥)] سيرة ابن هشام (٣: ٢٠٦) .
[ ٣ / ٤٥٨ ]
بَابُ قَوْلِ اللهِ ﷿: عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً [(١)] وَتَزَوُّجِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِأُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ
أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَالِينِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَدِيٍّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفِ بْنِ الْمَرْزُبَانِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ.
(ح) وَأَخْبَرَنَا أَبُو زَيْدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بَالَوَيْهِ. قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَوَّارٍ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عِيسَى بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَارِجَةُ بْنُ مُصْعَبٍ، عَنِ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً، قَالَ: كَانَتِ الْمَوَدَّةُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ بَيْنَهُمْ تَزْوِيجَ النبي ﷺ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ [(٢)]، فَصَارَتْ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، وَصَارَ مُعَاوِيَةُ خَالَ الْمُؤْمِنِينَ، كَذَا فِي رِوَايَةِ الْكَلْبِيِّ، وَذَهَبَ عُلَمَاؤُنَا إِلَى أَنَّ هَذَا حُكْمٌ لَا يَتَعَدَّى أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ فَهُنَّ يَصِرْنَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ فِي التَّحْرِيمِ، وَلَا يَتَعَدَّى هَذَا التحريم إلى إخوتهن، ولا إِلَى أَخَوَاتِهِنَّ، وَلَا إِلَى بناتهن، والله أعلم.
_________________
(١) [(١)] [الممتحنة- ٧] . [(٢)] تفسير القرطبي (١٨: ٥٨)، والبداية والنهاية (٤: ١٤٣) .
[ ٣ / ٤٥٩ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عِيسَى قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ نَجْدَةَ. قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ [(٣)]، أَنَّهَا كَانَتْ عِنْدَ عُبَيْدِ اللهِ بْنَ جَحْشٍ، وَكَانَ رَحَلَ إِلَى النَّجَاشِيِّ، فَمَاتَ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَ بِأُمِّ حَبِيبَةَ، وَهِيَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، زَوَّجَهَا إِلَيْهِ النَّجَاشِيُّ، وَمَهَرَهَا أَرْبَعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَبَعَثَ بِهَا مَعَ شُرَحْبِيلَ، وَجَهَّزَهَا مِنْ عِنْدِهِ، وَمَا بَعَثَ إِلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ بِشَيْءٍ، فَكَانَ مُهُورُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ أَرْبَعَ مِائَةٍ [(٤)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الله بن جعفر.
قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ، قَالَ: وَمِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ: عُبَيْدُ اللهِ بْنُ جَحْشٍ، مَاتَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ نَصْرَانِيًّا وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ أُمُّ حَبِيبَةَ، بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ، وَاسْمُهَا رَمْلَةُ: فَخَلَفَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، أَنْكَحَهُ إِيَّاهَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، وأُمَّ حَبِيبَةَ أُمُّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ أَبِي الْعَاصِ، أُخْتُ عَفَّانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، عَمَّةُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ [(٥)] .
قَالَ: وَحَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُثْمَانَ، عَنْ عيسى بن
_________________
(١) [(٣)] واسمها: رملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب، وقيل: اسمها: هند، والمشهور: رملة، وهو الصحيح عند جمهور اهل العلم بالنسب والسير، والحديث والخبر. ولدت قبل البعثة بسبعة عشر عاما، تزوجها عُبَيْدِ اللهِ بْنِ جَحْشِ بن رتاب بن يعمر الأسدي، فأسلما، ثم هاجرا إلى الحبشة، ولما ارتد زوجها عن الإسلام، وتنصرّ فارقها، وثبتها الله. الإصابة (٤: ٣٠٥- ٣٠٦) . [(٤)] نقله الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية» (٤: ١٤٣) عن المصنف. [(٥)] قال ابن كثير: «أما قول عروة ان عثمان زوّجها مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فغريب، لأن عثمان كان قد رجع إلى مكة، قبل ذلك، ثُمَّ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ وصحبته زوجته رقية» «البداية والنهاية» (٤: ١٤٣) .
[ ٣ / ٤٦٠ ]
يُونُسَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ الَّذِيَ وَلِيَ نِكَاحَهَا ابْنُ عَمِّهَا:
خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ [(٦)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ إِلَى النَّجَاشِيِّ، فَزَوَّجَهُ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ، وَسَاقَ عَنْهُ أَرْبَعَ مِائَةِ دِينَارٍ [(٧)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْحَارِثِ الْأَصْبَهَانِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَيَّانَ الْأَصْبَهَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الطُّوسِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَسَنٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو بْنِ زُهَيْرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ، قَالَتْ:
مَا شَعَرْتُ وَأَنَا فِي أَرْضِ الْحَبَشَةِ إِلَّا بِرَسُولِ النَّجَاشِيِّ، جَارِيَةٌ يُقَالُ لَهَا: أَبْرَهَةُ، كَانَتْ تَقُومُ عَلَى ثِيَابِهِ وَدُهْنِهِ، فَاسْتَأْذَنَتْ عَلَيَّ، فَأَذِنْتُ لَهَا. فَقَالَتْ: إِنَّ الْمَلِكَ يَقُولُ لَكِ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَتَبَ إِلَيَّ أَنْ أُزَوِّجَكِهِ، فَقُلْتُ: بَشَّرَكِ اللهُ بِخَيْرٍ، وَقَالَتْ: يَقُولُ لَكِ الْمَلِكُ: وَكِّلِي مَنْ يُزَوِّجُكِ، فَأَرْسَلْتُ إِلَى خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ، فَوَكَّلْتُهُ. وَأَعْطَيْتُ أَبْرَهَةَ سِوَارَيْنِ مِنْ فِضَّةٍ، وَخَدَمَتَيْنِ مِنْ فِضَّةٍ، كَانَتَا عَلَيَّ، وَخَوَاتِمَ مِنْ فِضَّةٍ، كَانَتْ فِي كُلِّ إِصْبَعِ رِجْلَيَّ سُرُورًا بِمَا بَشَّرَتْنِي بِهِ، فَلَمَّا أَنْ كَانَ مِنَ الْعَشِيِّ، أَمَرَ النَّجَاشِيُّ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَمَنْ هناك من المسلمين يخصرون، وَخَطَبَ النَّجَاشِيُّ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ السَّلَامِ الْمُؤْمِنِ الْمُهَيْمِنِ الْعَزِيزِ الْجَبَّارِ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عبده
_________________
(١) [(٦)] سيرة ابن هشام (٤: ٢٥٣)، والبداية والنهاية (٤: ١٤٣) . [(٧)] ذكره ابن هشام في السيرة (٤: ٢٥٣)، وقال ابن كثير في التاريخ (٤: ١٤٣): «وهو الصحيح» .
[ ٣ / ٤٦١ ]
وَرَسُولُهُ، وَأَنَّهُ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ عِيسَى بن مَرْيَمَ﵇- أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَتَبَ إِلَيَّ أَنْ أُزَوِّجَهُ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ، فَأَجَبْتُ إِلَى مَا دَعَا إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَدْ أصدقتها أربع مائة دِينَارٍ، ثُمَّ سَكَبَ الدَّنَانِيرَ بَيْنَ يَدَيِ الْقَوْمِ، فَتَكَلَّمَ خَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ أَحْمَدُهُ وَأَسْتَغْفِرُهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ. لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ، أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ أَجَبْتُ إِلَى مَا دَعَا إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَزَوَّجْتُهُ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ، فَبَارَكَ اللهُ لِرَسُولِهِ ﷺ، وَدَفَعَ النَّجَاشِيُّ الدَّنَانِيرَ إِلَى خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ فَقَبَضَهَا، ثُمَّ أَرَادُوا أَنْ يَقُومُوا، فَقَالَ: اجْلِسُوا فَإِنَّ مِنْ سُنَّةِ الْأَنْبِيَاءِ. إِذَا تَزَوَّجُوا أَنْ يُؤْكَلَ طَعَامٌ عَلَى التَّزْوِيجِ، فَدَعَا بِطَعَامٍ، فَأَكَلُوا، ثُمَّ تَفَرَّقُوا [(٨)] .
وَذَكَرَ أَبُو عَبْدِ اللهِ بْنُ مَنْدَهْ أَنَّ النَّجَاشِيَّ زَوَّجَهَا إِيَّاهُ سَنَةَ. سِتٍّ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَ بِأُمِّ سَلَمَةَ سَنَةَ أَرْبَعٍ.
وَذَهَبَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ إِلَى أَنَّهُ تَزَوَّجَ بِأُمِّ حبيبة قبل أن تزوج بِأُمِّ سَلَمَةَ وَهُوَ أَشْبَهُ.
_________________
(١) [(٨)] نقله ابن كثير في «البداية والنهاية» (٤: ١٤٣- ١٤٤) .
[ ٣ / ٤٦٢ ]
بَابُ مَا جَاءَ فِي تَزَوُّجِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِأُمِّ سَلَمَةَ بِنْتِ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَخْزُومٍ، وَمَا ظَهَرَ فِي دُعَائِهِ لَهَا مِنَ الِاسْتِجَابَةِ
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: ثُمَّ تَزَوَّجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعْدَ أُمِّ حَبِيبَةَ أُمَّ سَلَمَةَ: هِنْدَ بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةَ، وَكَانَتْ قَبْلَهُ عِنْدَ أَبِي سَلَمَةَ: عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ بْنِ هِلَالِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ، هَاجَرَا جَمِيعًا إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، ثُمَّ قَدِمَا الْمَدِينَةَ، فَأَصَابَتْهُ جِرَاحَةٌ بِأُحُدٍ، فَمَاتَ مِنْ جِرَاحَتِهِ [(١)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ. قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ. قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ الْمَخْزُومِيِّ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَزَوَّجَ أُمَّ سَلَمَةَ فِي شَوَّالٍ، وَجَمَعَهَا إِلَيْهِ فِي شَوَّالٍ.
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ. قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ
_________________
(١) [(١)] الخبر في سيرة ابن هشام (٤: ٢٥٢) .
[ ٣ / ٤٦٣ ]
جُرَيْجٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، أَنَّ عَبْدَ الْحَمِيدِ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي عَمْرٍو، وَالْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، أَخْبَرَاهُ أَنَّهُمَا سَمِعَا أَبَا بَكْرِ ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ يُخْبِرُ أَنَّ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا لَمَّا قَدِمَتِ الْمَدِينَةَ أَخْبَرَتْهُمْ أَنَّهَا ابْنَةُ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ فَكَذَّبُوهَا، وَيَقُولُونَ مَا أَكْذَبَ الغرائب، حَتَّى أَنْشَأَ نَاسٌ مِنْهُمْ فِي الْحَجِّ فَقَالُوا تَكْتُبِينَ إِلَى أَهْلِكِ، فَكَتَبْتُ مَعَهُمْ، فَرَجَعُوا إِلَى الْمَدِينَةِ، فَصَدَّقُوهَا فَازْدَادَتْ عَلَيْهِمْ كَرَامَةً، قَالَتْ: فَلَمَّا وَضَعْتُ زَيْنَبَ جَاءَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ فَخَطَبَنِي فَقُلْتُ مَا مِثْلِي تُنْكَحُ، أَمَّا أَنَا فَلَا وَلَدَ فِيَّ وَأَنَا غَيورٌ ذَاتُ عِيَالٍ. فَقَالَ: أَنَا أَكْبَرُ مِنْكِ وَأَمَّا الْغَيْرَةُ فَيُذْهِبُهَا اللهُ، وَأَمَّا الْعِيَالُ فَإِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، فَتَزَوَّجَهَا، فَجَعَلَ يَأْتِيهَا، فَيَقُولُ: كَيْفَ زُنَابُ أَيْنَ زُنَابُ، فَجَاءَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ فَاخْتَلَجَهَا، فَقَالَ: هَذِهِ تَمْنَعُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وكانت تُرْضِعُهَا، فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: أَيْنَ زُنَابُ فَقَالَتْ قُرَيْبَةُ بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ، وَوَافَقَتْهَا عند ما أَخَذَهَا عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، فَقَالَ: النَّبِيُّ ﷺ:
إِنِّي آتِيكُمُ اللَّيْلَةَ، قَالَتْ فَوَضَعْتُ ثِفَالِي، وَأَخْرَجْتُ حَبَّاتٍ مِنْ شَعِيرٍ، وَكَانَتْ فِي جِرَابٍ، وَأَخْرَجْتُ شَحْمًا فَعَصَرْتُهُ، فَبَاتَ، ثُمَّ أَصْبَحَ فَقَالَ حِينَ أَصْبَحَ إِنَّ لَكِ عَلَى أَهْلِكِ كَرَامَةً، فَإِنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ لَكِ، وَإِنْ أُسَبِّعْ أُسَبِّعْ لِنِسَائِي [(٢)] .
وَرُوِّينَا عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَهَا أَمَّا مَا ذَكَرْتِ مِنْ غَيْرَتِكِ فَإِنِّي أَدْعُو اللهَ أَنْ يُذْهِبَهَا عَنْكِ، قَالَتْ: فَكَانَتْ فِي النِّسَاءِ كَأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْهُنَّ، لَا تَجِدُ مَا يَجِدْنَ من الغيرة [(٣)] .
_________________
(١) [(٢)] رواه الترمذي، والنسائي مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، ونقله ابن كثير في التاريخ (٤: ٩١) . [(٣)] أخرجه النسائي في النكاح عَنْ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ.
[ ٣ / ٤٦٤ ]
بَابُ مَا جَاءَ فِي تَزْوِيجِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: ثُمَّ تَزَوَّجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعْدَ أُمِّ سَلَمَةَ: زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ أُخْتَ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَحْشٍ، إِحْدَى نِسَاءِ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ، وَكَانَتْ قَبْلَهُ عِنْدَ مَوْلَاهُ:
زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، زَوَّجَهُ اللهُ إِيَّاهَا فَمَاتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَلَمْ يُصِبْ مِنْهَا وَلَدًا وَهِيَ أُمُّ الْحَكَمِ [(١)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرِ بْنُ قَتَادَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سَعْدٍ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبُوشَنْجِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ: مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: جَاءَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ يَشْكُو زَيْنَبَ فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ: اتَّقِ اللهَ وَأَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ، قَالَ أَنَسٌ: فَلَوْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كَاتِمًا شَيْئًا لَكَتَمَ هَذِهِ، فَكَانَتْ تَفْتَخِرُ عَلَى أَزْوَاجِ رسول الله ﷺ تَقُولُ زَوَّجَكُنَّ أَهَالِيكُنَّ، وَزَوَّجَنِي اللهُ مِنْ فوق سبع سموات.
_________________
(١) [(١)] سيرة ابن هشام (٤: ٢٥٢) .
[ ٣ / ٤٦٥ ]
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ أَحْمَدَ [(٢)]، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ [(٣)] .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا، أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ الْعَدْلُ: قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ الْبَجَلِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا، عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: جَاءَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ يَشْكُو إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ أَمْسِكْ عَلَيْكَ أَهْلَكَ، فَنَزَلَتْ: وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ [(٤)] .
أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ، مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ عَنْ، يَعْلَى بْنِ مَنْصُورٍ عَنْ حَمَّادٍ مُخْتَصَرًا [(٥)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ الْفَقِيهُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَامِدِ بْنُ بِلَالٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا، مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْأَحْمَسِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زيد ابن جُدْعَانَ. قَالَ: قَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ: مَا يَقُولُ الْحَسَنُ فِي قَوْلِهِ﷿-: وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ. قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ، فَقَالَ: لَا وَلَكِنَّ اللهَ أَعْلَمَ نبيه ﷺ أَنَّ زَيْنَبَ سَتَكُونُ مِنْ أَزْوَاجِهِ [(٦)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ الْحَسَنِ الْحَرْبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ.
قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ طَهْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا، يَقُولُ: كَانَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ تَفْخَرُ عَلَى نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ تَقُولُ أَنْكَحَنِي اللهُ مِنَ السَّمَاءِ، وفيها نزلت آية
_________________
(١) [(٢)] غير منسوب، وقيل إنه ابن سيار المروزي. [(٣)] أخرجه البخاري في كتاب التوحيد (باب) وكان عرشه على الماء، فتح الباري (١٣: ٤٠٢) . [(٤)] [الأحزاب- ٣٧] . [(٥)] في: ٦٥- كتاب التفسير، تفسير سورة الأحزاب (٦) باب «وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا الله مبديه، وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه» . فتح الباري (٨: ٥٢٣) . [(٦)] البداية والنهاية (٤: ١٤٥) .
[ ٣ / ٤٦٦ ]
الْحِجَابِ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ [(٧)] .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ خَلَّادِ بْنِ يَحْيَى، عَنْ عِيسَى [(٨)] .
قُلْتُ: وَتَزَوُّجُهُ بِزَيْنَبَ كَانَ بَعْدَ قُرَيْظَةَ لَكِنِّي أَحْبَبْتُ أَنْ يَكُونَ مَذْكُورًا حَيْثُ ذَكَرْنَا نِكَاحَ أُمِّ سَلَمَةَ وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ، وَزَعَمَ ابْنُ مَنْدَهْ أَنَّهُ تَزَوَّجَ بِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، سَنَةَ ثَلَاثٍ كَذَا رَأَيْتُهُ فِي كِتَابِهِ، وَقَوْلُ ابْنِ إِسْحَاقَ أَشْبَهُ وَاللهُ أَعْلَمُ [(٩)] .
_________________
(١) [(٧)] [الأحزاب- ٥٣] . [(٨)] أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي التوحيد، فتح الباري (١٣: ٤٠٣) . [(٩)] في نسخة (ح) عند اللوحة ١٥٣ سماعات في الحاشية، وقد سبق ان نوّهنا عنها في تقدمتنا للسفر الأول.
[ ٣ / ٤٦٧ ]