الجزء الثاني
السفر الثاني من دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة
جمّاع أبواب ما ظهر عَنْ رَسُولِ اللهِ ﵌ من الآيات بعد ولادته، وقبل مبعثه وما كانت تجري عليه أحواله حتى بعث نبيا ﵌.
جماع أبواب المبعث من الْوَقْتُ الَّذِي كُتِبَ فِيهِ مُحَمَّدٌ ﵌ نبيا إلى الهجرة ومتبدأ الأمر بالقتال.
جماع أبواب ما ظهر علي رسول الله، ﵌، من الآيات بعد ولادته، وقبل مبعثه، وما كان، تجري عليه أحواله حتى بعث نبيّا، ﵌.
[ ٢ / ٣ ]
بَابُ مَا جَاءَ فِي شَقِّ صَدْرِ النَّبِيِّ ﵌، وَاسْتِخْرَاجِ حَظِّ الشَّيْطَانِ مِنْ قَلْبِهِ، سِوَى مَا مَضَى فِي «بَابِ» ذِكْرِ رَضَاعِهِ
قَالَ اللهُ، ﷿: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ.
أَخْبَرَنَا أَبُو سَهْلٍ: مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرَوَيْهِ بْنِ أَحْمَدَ الْمَرْوَزِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ: مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ خَنْبٍ بِبُخَارَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْفَضْلِ: الْعَبَّاسُ بْنُ الْفَضْلِ الْمَعْرُوفُ بِدُبَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ، ﵌، أَتَاهُ جِبْرِيلُ، ﵇، ذَاتَ يَوْمٍ وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، فَأَخَذَهُ فَصَرَعَهُ فَشَقَّ عَنْ قَلْبِهِ فَاسْتَخْرَجَ الْقَلْبَ، ثُمَّ شَقَّ الْقَلْبَ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ عَلَقَةً فَقَالَ: هَذَا حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ، ثُمَّ غَسَلَهُ فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ لَأَمَهُ [(١)] وَأَعَادَهُ فِي مَكَانِهِ.
وَجَعَلَ الْغِلْمَانُ يَسْعَوْنَ إِلَى أُمِّهِ- يَعْنِي ظِئْرَهُ [(٢)]- فَقَالُوا: إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ.
فَجَاءُوا وَهُوَ مُنْتَقِعُ اللَّوْنِ. فَقَالَ أَنَسٌ: فَلَقَدْ كُنْتُ أَرَى أَثَرَ الْمِخْيَطِ [(٣)] فِي صَدْرِهِ.
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ [(٤)] عن شيبان، عن حمّاد.
_________________
(١) [(١)] (لأمه) جمعه، وضمّ بعضه إلى بعض. [(٢)] (ظئره) أي: مرضعته. [(٣)] (المخيط) هي الإبرة. [(٤)] أخرجه مسلم في: ١- كتاب الإيمان، (٧٤) بَابُ الْإِسْرَاءِ بِرَسُولِ اللهِ ﵌، ح (٢٦١)، صفحة (١٤٧)، والإمام أحمد في «مسنده» (٣: ١٤٩) .
[ ٢ / ٥ ]
وأَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ الْفَقِيهُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ [(٥)] قَالَ: حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عَمَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ، قَالَ:.
سَأَلْتُ سَعِيدًا [(٦)] عَنْ قَوْلِهِ: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [(٧)] قال: فحدّثني
_________________
(١) [()] وقد سبق ان أورد المصنف «حادثة شق الصور» في الجزء الأول، وأعادها هنا في سياق حديثه عن جماع أبواب ما ظَهْرِ رَسُولِ اللهِ ﵌ من الآيات بعد ولادته، وقبل مبعثه. قال الصالحي في السيرة الشامية: (٢: ٨٢- ٨٦): «وقد تكرر شقّ صوره الشريف ﵌ أربع مرات: (الأولى): وهو ﵌ صغير في بني سعد، وهي هذه. (الثانية): وهو ﵌ ابن عشر سنين. وقد ذكرناها في الجزء الاول (الثالثة): عند المبعث: روى أبو داود الطيالسي، والحارث بن أبي اسامة في «مسنديهما»، وأبو نعيم في «الدلائل» عن عائشة﵂- ان رسول الله ﵌ نذر أن يعتكف شهرا هو وخديجة، فوافق ذلك شهر رمضان، فخرج ذات ليلة فسمع: السلام عليك، قال: فظننت أنها فجاءة الجن، فجئت مسرعا، حتى دخلت على خديجة، فقالت: ما شأنك؟ فأخبرتها، فقالت: ابشر، فإنّ السلام خير. ثم خرجت مرة اخرى فإذا انا بجبريل على الشمس له جناح بالمشرق وجناح بالمغرب، فهلت منه، فجئت مسرعا فإذا هو بيني وبين الباب، فكلّمني حتى أنست منه، ثم وعدني موعدا فجئت له، فأبطأ عليّ فأردت ان ارجع فإذا انا به وبميكائيل قد سدّ الأفق، فهبط جبريل وبقي ميكائيل بين السماء والأرض، فأخذني جبريل فألقاني، ثم شق عن قلبي فاستخرجه، ثم استخرج منه ما شاء الله ان يستخرج، ثم غسله في طست من ماء زمزم، ثم أعاده مكانه، ثم لأمه، ثم أكفأني، كما يكفأ الإناء، ثم ختم في ظهري، حتى وجدت مسّ الخاتم في قلبي. (الرابعة): ليلة الإسراء. وذكرت في الجزء الاول. ثم ذكر صاحب سبل الهدى (٢: ٨٦) أحاديث فيها شق صدره ﵌ من غير تعيين زمان. [(٥)] في (م) و(ص): «ابو بكر: محمد بن عمر بن حفص» . [(٦)] هو «سعيد بن أبي عروبة»، ونقل الخبر في الدر المنثور (٦: ٣٦٣) «سألت سعدا» وهو تصحيف ظاهر، فلم يرو ابراهيم بن طهمان، ولم يسمع أحدا اسمه سعد، إنما روى عن: سعيد بن أبي عروبة. [(٧)] أول سورة الإنشراح.
[ ٢ / ٦ ]
عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّهُ قَدْ شُقَّ بَطْنُهُ- يَعْنِي النَّبِيَّ، ﵌- مِنْ عِنْدِ صَدْرِهِ إِلَى أَسْفَلِ بَطْنِهِ، فَاسْتُخْرِجَ مِنْهُ قَلْبُهُ فَغُسِلَ فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ، ثُمَّ مُلِئَ إِيمَانًا وَحِكْمَةً، ثُمَّ أُعِيدَ مَكَانَهُ.
حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ [(٨)]، إِمْلَاءً، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ: أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَنْبَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ الْحِمْصِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ، قَالَ:
حَدَّثَنِي بَحِيرُ بْنُ سَعِيدٍ [(٩)] . وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى ابن مَعِينٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ مَعْبَدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ عَنْ بَحِيرِ بْنِ سعيد، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنِ ابْنِ عَمْرٍو [(١٠)] السُّلَمِيِّ، عَنْ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ.
أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ، ﵌، كَيْفَ أَوَّلُ شَأْنِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: كَانَتْ حَاضِنَتِي مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَابْنٌ لَهَا فِي بَهْمٍ لَنَا، وَلَمْ نَأْخُذْ مَعَنَا زَادًا. فَقُلْتُ: يَا أَخِي اذْهَبْ فَأْتِنَا بِزَادٍ مِنْ عِنْدِ أُمِّنَا فَانْطَلَقَ أَخِي. وَمَكَثْتُ عِنْدَ الْبَهْمِ، فَأَقْبَلَ إِلَيَّ طَيْرَانِ أَبْيَضَانِ، كَأَنَّهُمَا نَسْرَانِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: أَهُوَ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَأَقْبَلَا يَبْتَدِرَانِي، فَأَخَذَانِي فَبَطَحَانِي لِلْقَفَا، فَشَقَّا بَطْنِي، ثُمَّ اسْتَخْرَجَا قَلْبِي [(١١)] فَشَقَّاهُ، فَأَخْرَجَا مِنْهُ عَلَقَتَيْنِ سَوْدَاوَيْنِ، فقال
_________________
(١) [(٨)] الزيادة من (ص) و(م) . [(٩)] في الأصول: «بحير بن سعد» . مصحفا، واسمه في «التهذيب» (١: ٤٢١): «بحير بن سعيد السحولي، أبو خالد الحمصي، روى عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، ومكحول..»، وكذا ورد اسمه: «بحير ابن سعيد» في المستدرك (٢: ٦١٦) . [(١٠)] في (هـ): «ابن عمر السلمي»، وما أثبتناه يوافق بقية الأصول، ورواية الإمام احمد للحديث (٤: ١٨٤) . [(١١)] في (ح): «بطني، ثم استخرجاه فشقاه»، وكذا في (ص)، وفي (م): بدون قلبي استخرجاه.
[ ٢ / ٧ ]
أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: ائْتِنِي بِمَاءِ ثَلْجٍ. فَغَسَلَا بِهِ جَوْفِي ثُمَّ قَالَ: ائْتِنِي بِمَاءِ بَرَدٍ.
فَغَسَلَا بِهِ قَلْبِي. ثُمَّ قَالَ: ائْتِنِي بِالسَّكِينَةِ فَذَرَّاهَا فِي قَلْبِي. ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: حُصْهُ فَحَاصَهُ وَخَتَمَ عَلَيْهِ بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ.
قَالَ أَبُو الْفَضْلِ: يَعْنِي يَحُصْهُ: يَخِيطُهُ، وَفِي رِوَايَةِ حَيْوَةَ: حُصْهُ [(١٢)] يَعْنِي خِطْهُ.
وَخَتَمَ عَلَيْهِ بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ- فَقَالَ: أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: اجْعَلْهُ فِي كِفَّةٍ وَاجْعَلْ أَلْفًا مِنْ أُمَّتِهِ فِي كِفَّةٍ. فَإِذَا أَنَا أَنْظُرُ إِلَى الْأَلْفِ فَوْقِي أُشْفِقُ أن يحزّ عَلَيَّ بَعْضُهُمْ.
فَقَالَا: لَوْ أَنَّ أُمَّتَهُ وُزِنَتْ بِهِ لَمَالَ بِهِمْ. ثُمَّ انْطَلَقَا وَتَرَكَانِي. وَفَرِقْتُ فَرَقًا شَدِيدًا.
ثُمَّ انْطَلَقْتُ إِلَى أُمِّي، فَأَخْبَرْتُهَا بِالَّذِي لَقِيتُ، وَأَشْفَقَتْ أَنْ يَكُونَ قَدِ الْتُبِسَ بِي.
فَقَالَتْ أُعِيذُكَ بِاللهِ. فَرَحَّلَتْ بَعِيرًا لَهَا، فَجَعَلَنِي عَلَى الرَّحْلِ وَرَكِبَتْ خَلْفِي. حَتَّى بَلَغْنَا أُمِّي، فَقَالَتْ أَدَّيْتُ أَمَانَتِي وَذِمَّتِي. وَحَدَّثَتْهَا بِالَّذِي لَقِيتُ فَلَمْ يَرُعْهَا ذَلِكَ، وَقَالَتْ: إِنِّي رَأَيْتُ: خَرَجَ مِنِّي نُورٌ أَضَاءَتْ لَهُ قصور الشام [(١٣)] .
_________________
(١) [(١٢)] في (م): «حصه حصه: يعني خطه» . [(١٣)] أخرجه بطوله: الحاكم في «المستدرك» (٢: ٦١٦- ٦١٧)، وقال: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه»، والإمام احمد في «مسنده» (٤: ١٨٤) .
[ ٢ / ٨ ]
بَابُ مَا جَاءَ فِي إِخْبَارِ سَيْفِ بْنِ ذِي يَزَنَ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ بْنَ هَاشِمٍ [(١)] بِمَا يَكُونُ مِنْ أَمْرِ النَّبِيِّ، ﵌
أَخْبَرَنَا أَبُو سَهْلٍ: مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرَوَيْهِ بْنِ أَحْمَدَ الْمَرْوَزِيُّ، بِنَيْسَابُورَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ: مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْمَعَافِرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو يَزَنَ الْحِمْيَرِيُّ:
إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُفَيْرٍ، [(٢)] عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُفَيْرِ بْنِ زُرْعَةَ بْنِ سَيْفِ بْنِ ذِي يَزَنَ، قَالَ: حَدَّثَني عَمِّي: أَحْمَدُ بْنُ حُبَيْشِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَبْدُ الْعَزِيزِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عُفَيْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي زُرْعَةُ بْنُ سَيْفِ بْنِ ذِي يَزَنَ، قَالَ:
لَمَّا ظَهَرَ سَيْفُ بْنُ ذِي يَزَنَ عَلَى الْحَبَشَةِ، وَذَلِكَ بَعْدَ مَوْلِدِ النَّبِيِّ، ﵌، بِسَنَتَيْنِ أَتَوْهُ [(٣)] وُفُودُ الْعَرَبِ وأَشْرَافُهَا وَشُعَرَاؤُهَا لِتُهَنِّئَهُ، وَتَذْكُرُ مَا كَانَ مِنْ بَلَائِهِ وَطَلَبِهِ بِثَأْرِ قَوْمِهِ. وَأَتَاهُ وَفْدُ قُرَيْشٍ مِنْهُمْ: عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بْنُ هَاشِمٍ، وَأُمَيَّةُ بْنُ عَبْدِ شَمْسٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ جُدْعَانَ، وَأَسَدُ [(٤)] بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى، وَوَهْبُ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ، وَقُصَيُّ بْنُ عَبْدِ الدَّارِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ آذِنُهُ وَهُوَ فِي رَأْسِ قَصْرٍ يُقَالُ له: غمدان،
_________________
(١) [(١)] في (هـ): «مع عبد المطلب» . [(٢)] في (ص) و(م): «بن» . [(٣)] في الدلائل لأبي نعيم: أتته. [(٤)] في (هـ): «أشد» .
[ ٢ / ٩ ]
وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ فِيهِ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ الثّقفي [(٥)] .
اشْرَبْ هَنِيئًا عَلَيْكَ التَّاجُ مُرْتَفِقَا فِي رَأْسِ غُمْدَانَ دَارًا مِنْكَ مِحْلَالَا [(٦)]
وَاشْرَبْ هَنِيئًا فَقَدْ شَالَتْ نَعَامَتُهُمْ وَأَسْبِلِ الْيَوْمَ فِي بُرْدَيْكَ إِسْبَالَا [(٧)]
تِلْكَ الْمَكَارِمُ لَا قَعْبَانِ مِنْ لَبَنٍ شِيبَا بِمَاءٍ فَعَادَا- بَعْدُ- أَبْوَالَا [(٨)]
قَالَ: وَالْمَلِكُ مُتَضَمِّخٌ بِالْعَبِيرِ يَلْصِفُ وَبِيصُ [(٩)] الْمِسْكِ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ، وَعَلَيْهِ بُرْدَانِ أَخْضَرَانِ مُرْتَدِيًا بِأَحَدِهِمَا مُتَّزِرًا بِالْآخَرِ، سَيْفُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَعَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ الْمُلُوكُ وَالْمَقَاوِلُ، فَأُخْبِرَ بِمَكَانِهِمْ فَأَذِنَ لَهُمْ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ، [وَدَنَا] [(١٠)] مِنْهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ، فَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْكَلَامِ فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ مِمَّنْ يَتَكَلَّمُ بَيْنَ يَدَيِ الْمُلُوكِ فَقَدْ أَذِنَّا لَكَ.
فَقَالَ: إِنَّ اللهَ، ﷿، أَحَلَّكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ مَحَلًّا رَفِيعًا شَامِخًا بَاذِخًا مَنِيعًا وَأَنْبَتَكَ نَبَاتًا طَابَتْ أَرُومَتُهُ، وَعَظُمَتْ جُرثُومَتُهُ، وَثَبَتَ أَصْلُهُ وَبَسَقَ فَرْعُهُ، في
_________________
(١) [(٥)] الأبيات في سيرة ابن هشام (١: ٦٩) من قصيدة مطلعها: ليطلب الوتر أمثال ابن ذي يزن ريّم في البحر للأعداء أحوالا [(٦)] (غمدان): قصر عجيب الصمعة بين صنعاء وطيوة، وقال السهيلي: قصرا أسسه يعرب قحطان. [(٧)] شالت نعامتهم: أي هلكوا، يقال: شالت نعامة الرجل إذا مات، والإسبال: إرخاء الثوب، وهو من فعل المختالين ذوي الإعجاب بأنفسهم. [(٨)] «قعبان» تثنية قعب، وهو قدح يحلب فيه، وقد جاء في قوله «لا قعبان» على لغة قديمة للعرب، كانوا يلزمون المثنى الألف في الأحوال كلها، و«شيبا» خلطا ومزجا. قال ابن هشام: «تِلْكَ الْمَكَارِمُ لَا قَعْبَانِ من لبن.. هذا البيت في آخرها للنابغة الجعدي وَاسْمُهُ: عَبْدُ اللهِ بْنُ قيس» . قلت: الأبيات في معجم البلدان لياقوت في الكلام على غمدان، وفي خزانة الأدب نسبة هذا البيت لأبي الصلت. [(٩)] وبيص: بريق. [(١٠)] في (م) و(ص): «فدنا» .
[ ٢ / ١٠ ]
أَطْيَبِ مَوْضِعٍ وَأَكْرَمِ مَعْدِنٍ، وَأَنْتَ- أَبَيْتَ اللَّعْنَ- مَلِكُ الْعَرَبِ الَّذِي لَهُ تَنْقَادُ، وَعَمُودُهَا الَّذِي عَلَيْهِ الْعِمَادُ، وَمعْقِلُهَا الَّذِي يَلْجَأُ إِلَيْهِ الْعِبَادُ، سَلَفُكَ خَيْرُ سَلَفٍ، وَأَنْتَ لَنَا مِنْهُمْ خَيْرُ خَلَفٍ فَلَنْ يَهْلِكَ ذِكْرُ مَنْ أَنْتَ خَلْفُهُ، وَلَنْ يَخْمُلَ ذِكْرُ مَنْ أَنْتَ سَلَفُهُ. نَحْنُ أَهْلُ حَرَمِ اللهِ [تَعَالَى] [(١١)] وَسَدَنَةُ بَيْتِ اللهِ، أَشْخَصَنَا إِلَيْكَ الَّذِي أَبْهَجَنَا مِنْ كَشْفِكَ الْكَرْبَ الَّذِي فَدَحَنَا، فَنَحْنُ وَفْدُ التَّهْنِئَةِ لَا وَفْدُ الْمَرْزَأَةِ.
قَالَ لَهُ الْمَلِكُ: وَمَنْ أَنْتَ أَيُّهَا الْمُتَكَلِّمُ؟ قَالَ: أَنَا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بْنُ هَاشِمٍ:
قَالَ: ابْنُ أُخْتِنَا. قَالَ: نَعَمْ. قال: أذنه، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِ وَعَلَى الْقَوْمِ، فَقَالَ:
مَرْحَبًا وَأَهْلًا- وَأَرْسَلَهَا مَثَلًا، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ تَكَلَّمَ بِهَا- وَنَاقَةً وَرَحْلًا، وَمُسْتَنَاخًا سَهْلًا، وَمَلِكًا رِبَحْلًا: يُعْطِي عَطَاءً جَزْلًا، قَدْ سَمِعَ الْمَلِكُ مَقَالَتَكُمْ، وَعَرَفَ قَرَابَتَكُمْ، وَقَبِلَ وَسِيلَتَكُمْ، فَإِنَّكُمْ أَهْلُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَلَكُمُ الْكَرَامَةُ مَا أَقَمْتُمْ، وَالْحِبَاءُ إِذَا ظَعَنْتُمْ.
ثُمَّ أُنْهِضُوا إِلَى دَارِ الضِّيَافَةِ وَالْوُفُودِ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِمُ الْأَنْزَالُ فَأَقَامُوا بِذَلِكَ شَهْرًا لَا يَصِلُونَ إليه، ولا يؤذون لَهُمْ فِي الِانْصِرَافِ. ثُمَّ انْتَبَهَ لَهُمُ انْتِبَاهَةً، فَأَرْسَلَ إِلَى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَأَدْنَاهُ، ثُمَّ قَالَ: يَا عَبْدَ الْمُطَّلِبِ إِنِّي مُفْضٍ إِلَيْكَ مِنْ سِرِّ عِلْمِي أَمْرًا لَوْ غَيْرُكَ يَكُونُ لَمْ أَبُحْ لَهُ بِهِ، وَلَكِنِّي رَأَيْتُكَ مَعْدِنَهُ فَأَطْلَعْتُكَ طَلْعَهُ، فَلْيَكُنْ عِنْدَكَ مَخْبِيًّا حَتَّى يَأْذَنَ اللهُ، ﷿ فِيهِ: إِنِّي أَجِدُ فِي الْكِتَابِ الْمَكْنُونِ، وَالْعِلْمِ الْمَخْزُونِ، الَّذِي ادَّخَرْنَاهُ لِأَنْفُسِنَا واحْتَجَبْنَاهُ دُونَ غَيْرِنَا- خَبَرًا [(١٢)] عَظِيمًا وَخَطَرًا جَسِيمًا. فِيهِ شَرَفُ الْحَيَاةِ، وَفَضِيلَةُ الْوَفَاةِ، لِلنَّاسِ عَامَّةً، وَلِرَهْطِكَ كَافَّةً، وَلَكَ خَاصَّةً.
فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ [(١٣)]: مَثَلُكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ سَرٌّ وَبَرٌّ، فَمَا هُوَ فداك أهل
_________________
(١) [(١١)] ليست في (ص) و(م) . [(١٢)] في (هـ): خيرا. [(١٣)] في (م) و(ص): «فقال عبد المطلب» .
[ ٢ / ١١ ]
الْوَبَرِ زُمَرًا بَعْدَ زُمَرٍ؟
قَالَ: إِذَا وُلِدَ بِتِهَامَةَ، غُلَامٌ بَيْنَ كَتِفَيْهِ شَامَةٌ. كَانَتْ لَهُ الْإِمَامَةُ، وَلَكُمْ بِهِ الزَّعَامَةُ، إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
قَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، [لَقَدْ] [(١٤)] أُبْتُ بِخَيْرٍ مَا آبَ بِمِثْلِهِ وَافِدُ قَوْمٍ.
وَلَوْلَا هَيْبَةُ الْمَلِكِ، وَإِجْلَالُهُ وَإِعْظَامُهُ، لَسَأَلْتُهُ من سراره [(١٥)] إياي ومَا ازْدَادَ سُرُورًا.
قَالَ لَهُ الْمَلِكُ: هَذَا حِينُهُ الَّذِي يُولَدُ فِيهِ، أَوَقَدْ وُلِدَ، اسْمُهُ مُحَمَّدٌ: يَمُوتُ أَبُوهُ وَأُمُّهُ، وَيَكْفُلُهُ جَدُّهُ وَعَمُّهُ، قَدْ وَلَدْنَاهُ مِرَارًا، وَاللهُ بَاعِثُهُ جِهَارًا، وَجَاعِلٌ لَهُ مِنَّا أَنْصَارًا، يُعِزُّ بِهِمْ أَوْلِيَاءَهُ وَيُذِلُّ بِهِمْ أَعْدَاءَهُ، وَيَضْرِبُ بِهِمُ النَّاسَ عَنْ عُرُضٍ، وَيَسْتَفْتِحُ بِهِمْ كَرَائِمَ أَهْلِ الْأَرْضِ يَعْبُدُ الرَّحْمَنَ، وَيَدْحَضُ- أَوْ يَدْحَرُ- الشَّيْطَانَ، وَيُخْمِدُ النِّيرَانَ، وَيَكْسِرُ الْأَوْثَانَ، قَوْلُهُ فَصْلٌ، وَحُكْمُهُ عَدْلٌ، وَيَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَفْعَلُهُ، وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُبْطِلُهُ.
قَالَ لَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: عَزَّ جَدُّكَ، وَدَامَ مُلْكُكَ، وَعَلَا كَعْبُكَ، فَهَلِ الْمَلِكُ سَارَّنِي بِإِفْصَاحٍ، فَقَدْ وَضَّحَ لِي بَعْضَ الْإِيضَاحِ.
قَالَ لَهُ الْمَلِكُ سَيْفُ بْنُ ذِي يَزَنَ: وَالْبَيْتِ ذِي الْحُجُبْ، وَالْعَلَامَاتِ عَلَى النُّقُبْ، إِنَّكَ لَجَدُّهُ يَا عَبْدَ الْمُطَّلِبْ، غَيْرَ [ذِي] [(١٦)] كَذِبْ.
قَالَ: فَخَرَّ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ سَاجِدًا [لَهُ] [(١٧)]، فَقَالَ لَهُ ابْنُ ذِي يَزَنَ: ارفع
_________________
(١) [(١٤)] الزيادة من (م) . [(١٥)] في (م) و(ص): «سارّه» . [(١٦)] الزيادة من (هـ) . [(١٧)] الزيادة من (هـ) .
[ ٢ / ١٢ ]
رَأْسَكَ ثَلِجَ صَدْرُكَ، وَعَلَا كَعْبُكَ، فَهَلْ أَحْسَسْتَ بِشَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْتُ لَكَ؟
قَالَ: نَعَمْ أَيُّهَا الْمَلِكُ، إِنَّهُ كَانَ لِي ابْنٌ، وَكُنْتُ بِهِ مُعْجَبًا، وَعَلَيْهِ رَفِيقًا، وَإِنِّي زَوَّجْتُهُ كَرِيمَةً، مِنْ كَرَائِمِ قَوْمِي: آمِنَةَ بِنْتَ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ، فَجَاءَتْ بِغُلَامٍ فَسَمَّيْتُهُ مُحَمَّدًا، مَاتَ أَبُوهُ وَأُمُّهُ، وَكَفُلْتُهُ أَنَا وَعَمُّهُ.
قَالَ لَهُ ابْنُ ذِي يَزَنَ: إِنَّ الَّذِي قُلْتُ لَكَ كَمَا قُلْتُ، فَاحْفَظْهُ [(١٨)]، وَاحْذَرْ عَلَيْهِ مِنَ الْيَهُودِ، فَإِنَّهُمْ لَهُ أَعْدَاءٌ، وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُمْ عَلَيْهِ سَبِيلًا وَاطْوِ مَا ذَكَرْتُ لَكَ دُونَ هَؤُلَاءِ الرَّهْطِ الَّذِينَ مَعَكَ، فَإِنِّي لَسْتُ آمَنُ أَنْ تَتَدَاخَلُهُمُ. النَّفَاسَةُ مِنْ أَنْ تَكُونَ لَكُمُ الرِّئَاسَةُ فَيَنْصِبُونَ لَهُ الْحَبَائِلَ، وَيَبْغُونَ لَهُ الْغَوَائِلَ، وَإِنَّهُمْ [(١٩)] فَاعِلُونَ ذَلِكَ، أَوْ أَبْنَاؤُهُمْ غَيْرَ شَكٍّ، وَلَوْلَا أَنِّي أَعْلَمُ أَنَّ الْمَوْتَ مُجْتَاحِي قَبْلَ مَبْعَثِهِ لَسِرْتُ بِخَيْلِي وَرَجْلِي حَتَّى أُصَيِّرَ يَثْرِبَ [(٢٠)] دَارَ مُلْكِي، فَإِنِّي أَجِدُ فِي الْكِتَابِ النَّاطِقِ، وَالْعِلْمِ السَّابِقِ: أَنَّ يَثْرِبَ اسْتِحْكَامُ أَمْرِهِ، وَأَهْلُ نُصْرَتِهِ، وَمَوْضِعُ قَبْرِهِ، وَلَوْلَا أَنِّي أَقِيهِ الْآفَاتِ، وَأَحْذَرُ عَلَيْهِ الْعَاهَاتِ، لَأَعْلَنْتُ عَلَى حَدَاثَةِ سِنِّهِ أَمْرَهُ، وَلَأَوْطَأْتُ عَلَى أَسْنَانِ الْعَرَبِ كَعْبَهُ، وَلَكِنْ سَأَصْرِفُ ذَلِكَ إِلَيْكَ عَنْ غَيْرِ تَقْصِيرٍ بِمَنْ مَعَكَ.
ثُمَّ دَعَا بِالْقَوْمِ، فَأَمَرَ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ بِعَشَرَةِ أَعْبُدٍ سُودٍ، وَعَشْرِ إِمَاءٍ سُودٍ، وَحُلَّتَيْنِ مِنْ حُلَلِ الْبُرُودِ، وَخَمْسَةِ أَرْطَالٍ ذَهَبٍ، وَعَشَرَةِ أَرْطَالِ فِضَّةٍ، وَمِائَةٍ مِنَ الْإِبِلِ، وَكَرِشٍ مَمْلُوءٍ [(٢١)] عَنْبَرًا، وَأَمَرَ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ بِعَشَرَةِ أَضْعَافِ ذَلِكَ، وَقَالَ: إِذَا حَالَ الْحَوْلُ فَأْتِنِي بِخَبَرِهِ [(٢٢)]، وَمَا يَكُونُ مِنْ أَمْرِهِ.
_________________
(١) [(١٨)] العبارة من (هـ) . وجاء في (ح) و(م) و(ص): «فاحتفظ من ابنك» . [(١٩)] في (م) و(ص): «وهم» . [(٢٠)] في (م) و(ص): «حتى أصيّر بيثرب» . [(٢١)] في (هـ): «مملوءة» . [(٢٢)] في (هـ) رسمت: «فائتني» .
[ ٢ / ١٣ ]
قَالَ: فَمَاتَ سَيْفُ بْنُ ذِي يَزَنَ قَبْلَ أَنْ يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ. قَالَ: فَكَانَ كَثِيرًا مِمَّا يَقُولُ [(٢٣)] عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، لَا يَغْبِطُنِي رَجُلٌ مِنْكُمْ بِجَزِيلِ عَطَاءِ الْمَلِكِ وَإِنْ كَثُرَ، فَإِنَّهُ إِلَى نَفَادٍ، وَلَكِنْ يَغْبِطُنِي بِمَا يَبْقَى لِي وَلِعَقِبِي ذِكْرُهُ وَفَخْرُهُ.
فَإِذَا قِيلَ: وَمَا هو؟ قال: سَيُعْلَمُ مَا أَقُولُ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ.
وَقَالَ أُمَيَّةُ بْنُ عَبْدِ شَمْسٍ فِي مَسِيرِهِمْ إِلَى سَيْفِ بْنِ ذِي يَزَنَ أَبْيَاتًا ذَكَرَهَا.
وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ أيضا عن الكبي، عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [(٢٤)] .
_________________
(١) [(٢٣)] فِي (ح): «كثيرا ما يقول» . [(٢٤)] الخبر في دلائل النبوة لأبي نعيم (٥٢- ٦٠)، ورواه ابن كثير في «البداية والنهاية» (٢: ٣٣٠) .
[ ٢ / ١٤ ]
بَابُ مَا جَاءَ فِي اسْتِسْقَاءِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ وَمَا ظَهَرَ فِيهِ مِنْ آيَاتِ رَسُولِ اللهِ ﵌
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ: قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْمُزَنِيُّ [(١)]، قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: حُمَيْدُ [بْنُ] [(٢)] الْخَلَّالِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عِمْرَانَ، عَنِ ابْنِ حُويِّصَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَخْرَمَةُ بْنُ نَوْفَلٍ، عَنْ أُمِّهِ: رُقَيْقَةَ بِنْتِ صَيْفِيٍّ، وَكَانَتْ لِدَةَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، قَالَتْ [(٣)]: تَتَابَعَتْ عَلَى قُرَيْشٍ سِنُونَ جَدْبَةٌ أَقْحَلَتِ الْجِلْدَ، وَأَرَقَّتِ الْعَظْمَ، قَالَتْ: فَبَيْنَا أَنَا وَمَعِي صِنْوِي أَصْغَرُ مِنِّي [(٤)] مَعَنَا بَهْمَاتٌ لَنَا وَرُبًى [(٥)] وَأَعْبُدٌ يَرُدُّونَ عَلَيَّ السِّجف، فَبَيْنَا أَنَا رَاقِدةٌ اللهُمَّ أَوْ مُهَوِّمَةٌ [(٦)] إِذَا أَنَا بِهَاتِفٍ صَيِّتٍ يَصْرُخُ بِصَوْتٍ صَحِلٍ [(٧)] يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إِنَّ هَذَا النّبيّ مبعوث
_________________
(١) [(١)] في (م) و(ص): أَبُو مُحَمَّدٍ: أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْمُزَنِيُّ. [(٢)] ليست في (م) و(ص) . [(٣)] في (هـ): «قال» . [(٤)] في (م) و(ص): «منّا» . [(٥)] في (هـ): رسمت: «ورباء» . [(٦)] التهويم: أول النوم. [(٧)] الصوت الصحل: الذي فيه بحة.
[ ٢ / ١٥ ]
مِنْكُمْ، وَهَذَا إِبَّانَ مَخْرَجِهِ، فَحَيْهَلَا [(٨)] بِالْخَيْرِ وَالْخِصْبِ، أَلَا فَانْظُرُوا مِنْكُمْ رَجُلًا طُوَالًا عُظَامًا، أَبْيَضَ بَضًّا أَشَمَّ الْعِرْنِينِ، لَهُ فَخْرٌ يَكْظِمُ [(٩)] عَلَيْهِ، وَسُنَّةٌ تَهْدِي إِلَيْهِ، أَلَا، فَلْيَخْلُصْ هُوَ وَوَلَدُهُ، وَلْيَدْلِفْ إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ بَطْنٍ رَجُلٌ. أَلَا فَلْيُسْقُوا مِنَ الْمَاءِ [(١٠)]، وَلْيَمَسُّوا مِنَ الطِّيبِ، وَلْيَسْتَلِمُوا الرُّكْنَ، وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ سَبْعًا، ثُمَّ لِيَرْتَقُوا أَبَا قُبَيْسٍ فَلْيَسْتَسْقِ الرَّجُلُ وَلْيُؤَمِّنِ الْقَوْمُ أَلَا وَفِيهِمُ الطَّاهِرُ وَالطَّيِّبُ لِذَاتِهِ، وَإِلَّا فَغِثْتُمْ إِذًا مَا شِئْتُمْ وَعِشْتُمْ.
قَالَتْ: فَأَصْبَحْتُ- عَلِمَ الله- مفؤودة [(١١)] مَذْعُورَةً، قَدْ قَفَّ جِلْدِي وَوَلِهَ عَقْلِي، فَاقْتَصَصْتُ رُؤْيَايَ، فَنِمْتُ فِي شِعَابِ مَكَّةَ، فو الحرمة وَالْحَرَمِ إِنْ بَقِيَ بِهَا أَبْطَحِيٌّ إِلَّا قَالَ: هَذَا شَيْبَةُ الْحَمْدِ، هَذَا شَيْبَةُ. وَتَتَمَّتْ [(١٢)] عِنْدَهُ قُرَيْشٌ، وَانْقَضَّ إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ بَطْنٍ رَجُلٌ فَشَنُّوا وَطَيَّبُوا واسْتَلَمُوا وَطَافُوا، ثُمَّ ارْتَقَوْا أَبَا قُبَيْسٍ وَطَفِقَ الْقَوْمُ يَدِفُّونَ [(١٣)] حَوْلَهُ مَا إِنْ يُدْرِكَ سَعْيُهُمْ مَهَلَهُ حَتَّى قَرَّ لِذِرْوَتِهِ، فَاسْتَكَنُّوا [(١٤)] جَنَابَيْهِ، وَمَعَهُمْ [(١٥)] رسول الله، ﵌! وَهُوَ يَوْمَئِذٍ غُلَامٌ قَدْ أَيْفَعَ أَوْ كَرَبَ [(١٦)]، فَقَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ: اللهُمَّ سَادَّ الْخَلَّةِ، وَكَاشِفَ الْكُرْبَةِ، أَنْتَ عَالِمٌ غَيْرُ مُعَلَّمٍ، وَمَسْئُولٌ غَيْرُ مُنَجَّلٍ [(١٧)]، وَهَذِهِ عُبَدَاؤُكَ وَإِمَاؤُكَ عَذِرَاتُ [(١٨)] حرمك، يشكون
_________________
(١) [(٨)] في (م): فحيّ هلا. [(٩)] أي لا يبديه. [(١٠)] في (م) و(هـ): «فليشنّوا من الماء» وفي (ص): «فليشربوا» . [(١١)] في (هـ): رسمت: مفئودة. [(١٢)] في (م) و(ص): «وتتأمّت» . [(١٣)] في (هـ): «يرفون» . [(١٤)] في (م) و(ص): «فاستكفّوا» . [(١٥)] في (م) و(ص): «ومعه» . [(١٦)] كرب: دنا. [(١٧)] في (م) و(ص): «مبخّل» . [(١٨)] في (هـ): «بعرات»، مصحفة، والعذرة: فناء البيت.
[ ٢ / ١٦ ]
إِلَيْكَ سَنَتَهُمُ الَّتِي قَدْ أَقْحَلَتِ الظِّلْفَ [(١٩)] وَالْخُفَّ. فَاسْمَعَنَّ اللهُمَّ وَأَمْطِرَنَّ غَيْثًا مَرِيعًا مُغْدِقًا. فَمَا رَامُوا الْبَيْتَ حَتَّى انْفَجَرَتِ السَّمَاءُ بِمَائِهَا. وَكَظَّ [(٢٠)] الْوَادِي بِثَجِيجِهِ [(٢١)]، فَلَسَمِعْتُ شِيخَانَ قُرَيْشٍ وَهِيَ تَقُولُ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ: هَنِيئًا لَكَ أَبَا الْبَطْحَاءِ هَنِيئًا. أَيْ بِكَ عَاشَ أَهْلُ الْبَطْحَاءِ. وَفِي ذَلِكَ تَقُولُ رُقَيْقَةُ:
بِشَيْبَةِ الْحَمْدِ أَسْقَى اللهُ بَلْدَتَنَا وَقَدْ فَقَدْنَا الْحَيَا وَاجْلَوَّذَ [(٢٢)] الْمَطَرُ
فَجَادَ بِالْمَاءِ جَوْنِيٌّ [(٢٣)] لَهُ سُبُلٌ دَانٍ فَعَاشَتْ بِهِ الْأَمْصَارُ وَالشَّجَرُ
سَيْلٌ مِنَ اللهِ بِالْمَيْمُونِ طَائِرُهُ وَخَيْرُ مَنْ بُشِّرَتْ يَوْمًا بِهِ مُضَرُ
مُبَارَكُ الْأَمْرِ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِهِ مَا فِي الْأَنَامِ لَهُ عَدْلٌ وَلَا خَطَرُ
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ صَفْوَانَ، قَالَ:
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدَّثَنِي زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى بْنِ عُمَرَ الْبَكَّائِيُّ [(٢٤)]، قَالَ: حَدَّثَنِي زَحْرُ بْنُ حِصْنٍ، عَنْ جَدِّهِ حُمَيْدِ بْنِ مُنْهِبٍ، قَالَ:
قَالَ عَمِّي عُرْوَةُ بْنُ مُضَرِّسِ بْنِ أَوْسِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ لَأْمٍ، يُحَدِّثُ عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنْ أُمِّهِ رُقَيْقَةَ بِنْتِ أَبِي صَيْفِيِّ بْنِ هَاشِمٍ، وَكَانَتْ لِدَةَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، قَالَتْ:
تَتَابَعَتْ عَلَى قُرَيْشٍ سِنُونَ أَقْحَلَتِ الضَّرْعَ، وَأَرَقَّتِ الْعَظْمَ، فَبَيْنَمَا أَنَا قَائِمَةٌ اللهُمَّ أَوْ مُهَوِّمَةٌ، إِذَا هَاتِفٌ يَصْرُخُ بِصَوْتٍ صَحِلٍ، يَقُولُ: مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إن هذا
_________________
(١) [(١٩)] الماشية. [(٢٠)] في (ح): «وكض» وفي (هـ): «وحط» . [(٢١)] السّيل. [(٢٢)] اجلوذّ المطر ذهب. [(٢٣)] الجوني: السحاب. [(٢٤)] في (هـ): الطائي.
[ ٢ / ١٧ ]
النَّبِيَّ الْمَبْعُوثَ مِنْكُمْ قَدْ أَظَلَّتْكُمْ [(٢٥)] أَيَّامُهُ، وَهَذَا إِبَّانُ نُجُومِهِ فَحَيَّ هَلَا بِالْحَيَا وَالْخِصْبِ. أَلَا فَانْظُرُوا رَجُلًا مِنْكُمْ وَسِيطًا عُظَامًا جُسَامًا، أَبْيَضَ بَضًّا، أَوْطَفَ الْأَهْدَابِ، سَهْلَ الْخَدَّيْنِ، أَشَمَّ الْعِرْنِينِ، لَهُ فَخْرٌ يَكْظِمُ عَلَيْهِ وَسُنَّةٌ، تَهْدِي [(٢٦)] إِلَيْهِ، فَلْيَخْلُصْ هُوَ وَوَلَدُهُ وَلْيَهْبِطْ إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ بَطْنٍ رَجُلٌ، فَلْيَشُنُّوا مِنَ الْمَاءِ وَلْيَمَسُّوا مِنَ الطِّيبِ، ثُمَّ لِيَتَسَلَّمُوا الرُّكْنَ، ثُمَّ لِيَرْتَقُوا أَبَا قُبَيْسٍ، فَلْيَسْتَسْقِ الرَّجُلُ وَلْيُؤَمِّنِ الْقَوْمُ، فَغِثْتُمْ [(٢٧)] مَا شِئْتُمْ. فَأَصْبَحْتُ- عَلِمَ اللهُ- مَذْعُورَةً، قَدِ اقْشَعَرَّ جِلْدِي، وَوَلِهَ عقلي، واقتصصت [(٢٨)] رؤياي، فو الحرمة وَالْحَرَمِ مَا بَقِيَ بِهَا أَبْطَحِيٌّ إِلَّا قَالُوا: هَذَا شَيْبَةُ الْحَمْدِ. وَتَتَامَّتْ إِلَيْهِ رِجَالَاتُ قُرَيْشٍ، وَهَبَطَ إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ بَطْنٍ رَجُلٌ، فَشَنُّوا وَمَسُّوا واسْتَلَمُوا، ثُمَّ ارْتَقَوْا أَبَا قُبَيْسٍ، وَطَفِقُوا جَنَابَيْهِ مَا يَبْلُغُ سَعْيُهُمْ مَهَلَهُ، حَتَّى إِذَا اسْتَوَى بِذِرْوَةِ الْجَبَلِ قَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَمَعَهُ رَسُولُ اللهِ، ﵌، غُلَامٌ قَدْ أَيْفَعَ أَوْ كَرَبَ فَقَالَ: اللهُمَّ سَادَّ الْخَلَّةِ وَكَاشِفَ الْكُرْبَةِ، أَنْتَ مُعَلِّمٌ غَيْرُ مُعَلَّمٍ، وَمَسْئُولٌ غَيْرُ مُنَجَّلٍ [(٢٩)]، وَهَذِهِ عُبَدَاؤُكَ وَإِمَاؤُكَ، بِعَذِرَاتِ حَرَمِكَ، يَشْكُونَ إِلَيْكَ سَنَتَهُمْ، أَذْهَبَتِ الْخُفَّ وَالظِّلْفَ اللهُمَّ فَأَمْطِرْنَا غيثا مغدقا مريعا. فو الكعبة مَا رَامُوا حَتَّى تَفَجَّرَتِ السَّمَاءُ بِمَائِهَا وَاكْتَظَّ الْوَادِي بِثَجِيجِهِ فَتَسَمَّعَتْ [(٣٠)] شِيخَانُ قُرَيْشٍ وَجِلَّتُهَا: عَبْدُ اللهِ بْنُ جُدْعَانَ، وَحَرْبُ بْنُ أُمَيَّةَ، وَهِشَامُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، يَقُولُونَ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ: هَنِيئًا لَكَ أَبَا الْبَطْحَاءِ، أَيْ عَاشَ بِكَ أَهْلُ الْبَطْحَاءِ، وَفِي ذَلِكَ مَا تَقُولُ رُقَيْقَةُ:
_________________
(١) [(٢٥)] في (م) و(ص): «أظلّكم» . [(٢٦)] في (هـ): «يهذي»، تصحيف، ومعنى تهوي: أي: تدل الناس عليه. [(٢٧)] في (ص) و(م): «فعشتم»، ومعنى فغثتم: أي أتاكم الغيث، والغوث. [(٢٨)] في (ح): «وأقصصت» . [(٢٩)] في (ص): «مبخّل» . [(٣٠)] في (م): «فلسمعت» .
[ ٢ / ١٨ ]
بِشَيْبَةِ الْحَمْدِ [(٣١)] أَسْقَى اللهُ بَلْدَتَنَا لَمَّا فَقَدْنَا الْحَيَا وَاجْلَوَّذَ الْمَطَرُ
فَجَادَ بِالْمَاءِ جَوْنِيٌّ لَهُ سَبَلٌ سَحًّا فَعَاشَتْ بِهِ الْأَنْعَامُ وَالشَّجَرُ
مَنًّا مِنَ اللهِ بِالْمَيْمُونِ طَائِرُهُ وَخَيْرُ مَنْ بُشِّرَتْ يَوْمًا بِهِ مُضَرُ
مُبَارَكُ الْأَمْرِ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِهِ مَا فِي الْأَنَامِ لَهُ عدل ولا خطر [(٣٢)]
_________________
(١) [(٣١)] «شيبة الحمد» هو لقب عبد المطلب. [(٣٢)] الخبر في «طبقات ابن سعد» (١: ٩٠) .
[ ٢ / ١٩ ]
بَابُ مَا جَاءَ فِي شَفَقَةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﵌، وَتَوْصِيَتِهِ أَبَا طَالِبٍ بِهِ عِنْدَ وَفَاتِهِ لِمَا كَانَ يَرَى مِنْ آيَاتِهِ، وَيَسْمَعُ مِنَ الْأَحْبَارِ وَغَيْرِهِمْ فِيمَا يَكُونُ مِنْ أَمْرِهِ
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ: مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ نَظِيفٍ الْفَرَّاءُ الْمِصْرِيُّ، بِمَكَّةَ- حَرَسَهَا اللهُ- قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ: مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَرُوفِ بْنِ كَامِلٍ الْمَدِينِيُّ، إِمْلَاءً، بِمِصْرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الْبَغْدَادِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَهْبَانُ بْنُ بَقِيَّةَ الْوَاسِطِيُّ (ح) .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ بْنُ نَظِيفٍ، قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ: أَحْمَدُ بْنُ محمود ابن أَحْمَدَ الشَّمْعِيُّ الْبَغْدَادِيُّ، إِمْلَاءً بِمِصْرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: أحمد [(١)] ابن يُونُسَ بْنِ مُوسَى السَّامِيُّ الْبَصْرِيُّ، إِمْلَاءً مِنْ كِتَابِهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- وَمَعْنَاهُمَا مُتَقَارِبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هند، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ- هُوَ الْهَاشِمِيُّ- عَنْ كِنْدِيرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَجَجْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَرَأَيْتُ رَجُلًا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَهُوَ يَرْتَجِزُ وَيَقُولُ:
رَبِّ رُدَّ إِلَيَّ رَاكِبِي مُحَمَّدَا يَا رَبِّ رُدَّهْ وَاصْطَنِعْ عِنْدِي يَدَا
قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بْنُ هَاشِمٍ، بَعَثَ بِابْنٍ لَهُ فِي طَلَبِ إِبِلٍ لَهُ وَلَمْ يَبْعَثْهُ فِي حَاجَةٍ قَطُّ إِلَّا نَجَحَ فِيهَا، وَقَدْ أَبْطَأَ عَلَيْهِ. قَالَ: فلم
_________________
(١) [(١)] في (ص) و(م): «محمد» .
[ ٢ / ٢٠ ]
يَلْبَثْ حَتَّى جَاءَ النَّبِيُّ، ﵌، وَالْإِبِلُ فَاعْتَنَقَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ، وَقَالَ: يَا بُنَيَّ، لَقَدْ جَزِعْتُ عَلَيْكَ جَزَعًا لَمْ أَجْزَعْهُ عَلَى شَيْءٍ قَطُّ، وَاللهِ لَا بَعَثْتُكَ فِي حَاجَةٍ أَبَدًا، وَلَا تُفَارِقْنِي بَعْدَ [(٢)] هَذَا أَبَدًا [(٣)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ: قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ: خَلَفُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكَرَابِيسِيُّ، بِبُخَارَى، إِمْلَاءً، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ: مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْمُفَسِّرُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى الفنجار، قَالَ:
حَدَّثَنَا خَارِجَةُ، عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ، قَالَ: خَرَجَ حَيْدَةُ بْنُ مُعَاوِيَةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مُعْتَمِرًا، فَإِذَا هُوَ بِشَيْخٍ عَلَيْهِ مُمَصَّرَتَانِ، وَهُوَ يَطُوفُ بالبيت وهو يقول:
رَبِّ رُدَّ إِلَيَّ رَاكِبِي مُحَمَّدَا رُدَّهْ عَلَيَّ واصْطَنِعْ عِنْدِي يَدَا
قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: سَيِّدُ قُرَيْشٍ وَابْنُ سَيِّدِهَا، هَذَا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بْنُ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ. قُلْتُ: فَمَا مُحَمَّدٌ هَذَا مِنْهُ؟ قَالُوا: هَذَا ابْنُ ابْنٍ لَهُ، وَهُوَ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيْهِ، وَلَهُ إِبِلٌ كَثِيرَةٌ، فَإِذَا ضَلَّ مِنْهَا بَعَثَ فِيهَا بَنِيهِ يَطْلُبُونَهَا، وَإِذَا [(٤)] أَعْيَا بَنُوهُ بَعَثَ ابْنَ ابْنِهِ، وَقَدْ بَعَثَهُ فِي ضَالَّةٍ أَعْيَا عَنْهَا بَنُوهُ، وَقَدِ احتبس عنه.
فو الله مَا بَرِحْتُ الْبَلَدَ [(٥)] حَتَّى جَاءَ مُحَمَّدٌ وَجَاءَ بِالْإِبِلِ.
وأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عن
_________________
(١) [(٢)] في (ص) و(م): «بعدها» . [(٣)] أخرجه الحاكم في «المستدرك (٢: ٦٠٣- ٦٠٤)، وقال: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه»، ووافقه الذهبي، والخبر في طبقات ابن سعد (١: ١١١)، كما ذكره ابو حاتم الرازي (٣: ٢: ١٧٣) . [(٤)] في (م): «فإذا» . [(٥)] ليست في (ح) .
[ ٢ / ٢١ ]
محمد بن إسحاق بن يَسَارٍ، قَالَ:
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ، ﵌، مَعَ جَدِّهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. فَحَدَّثَنِي الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَعْبَدٍ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِهِ قَالَ:
كَانَ يُوضَعُ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ، جَدِّ رَسُولِ اللهِ، ﵌، فِرَاشٌ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، فَكَانَ لَا يَجْلِسُ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ بَنِيهِ إِجْلَالًا لَهُ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ، ﵌، يَأْتِي حَتَّى يَجْلِسَ عَلَيْهِ، فَيَذْهَبَ أَعْمَامُهُ يُؤَخِّرُونَهُ، فَيَقُولُ جَدُّهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: دَعُوا ابْنِي.
فَيَمْسَحُ عَلَى ظَهْرِهِ وَيَقُولُ: إِنَّ لِبُنَيَّ هَذَا لَشَأْنًا. فَتُوُفِّيَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَرَسُولُ اللهِ [(٦)]، ﵌، ابْنُ ثَمَانِ سِنِينَ، بَعْدَ الْفِيلِ بِثَمَانِ سِنِينَ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ فِيمَا يَزْعُمُونَ يُوصِي أَبَا طَالِبٍ بِرَسُولِ اللهِ، ﵌، وَذَلِكَ أَنَّ عَبْدَ اللهِ وَأَبَا طَالِبٍ لِأُمٍّ. فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ فِيمَا يَزْعُمُونَ، فِيمَا يُوصِيهِ بِهِ، وَاسْمُ أَبِي طَالِبٍ عَبْدُ مناف:
أُوصِيكَ يَا عَبْدَ مَنَافٍ بَعْدِي بِمُوحَدٍ بَعْدَ أَبِيهِ فَرْدِ
فَارَقَهُ وَهُوَ ضَجِيعُ الْمَهْدِ فَكُنْتُ كَالْأُمِّ لَهُ فِي الْوَجْدِ
وَذَكَرَ أَبْيَاتًا أُخَرَ، وَقَالَ فِيهِنَّ:
بَلْ أَحْمَدُ رَجَوْتُهُ [(٧)] لِلرُّشْدِ قَدْ عَلِمَتْ عَلَّامُ أَهْلُ الْعَهْدِ
أَنَّ الْفَتَى سَيِّدُ أَهْلِ نَجْدِ يَعْلُو عَلَى ذِي الْبَدَنِ الْأَشَدِّ
وَقَالَ أَيْضًا:
أَوْصَيْتُ مَنْ كَنَّيْتُهُ بِطَالِبِ عَبْدَ مَنَافٍ وَهْوَ ذُو تَجَارِبِ
بِابْنِ الَّذِي قَدْ غَابَ غَيْرَ آئب
_________________
(١) [(٦)] في (م): «والنبي» . [(٧)] في (م) و(ص) و(ح): «وجدته» .
[ ٢ / ٢٢ ]
وَذَكَرَ أَبْيَاتًا أُخَرَ، وَقَالَ فِيهِنَّ:
فَلَسْتُ بِالْآيِسِ غَيْرِ الرَّاغِبِ بِأَنْ يُحِقَّ اللهُ قَوْلَ الرَّاهِبِ [(٨)]
فِيهِ وَأَنْ يَفْضُلُ آلَ غَالِبِ إِنِّي سَمِعْتُ أَعْجَبَ الْعَجَائِبِ
مِنْ كُلِّ حَبْرٍ عَالِمٍ وَكَاتِبِ هَذَا الَّذِي يُقْتَادُ كَالْجَنَائِبِ
مَنْ حَلَّ بِالْأَبْطَحِ وَالْأَخَاشِبِ أيضا ومن تاب إِلَى الْمَثَاوِبِ
مِنْ سَاكِنٍ لِلْحَرْمِ أَوْ مُجَانِبِ
_________________
(١) [(٨)] في (ح): «الرايب» .
[ ٢ / ٢٣ ]
بَابُ مَا جَاءَ فِي خُرُوجِ النَّبِيِّ ﵌، مَعَ أَبِي طَالِبٍ حِينَ أَرَادَ الْخُرُوجَ إِلَى الشَّامِ تَاجِرًا، وَرُؤْيَةِ بَحِيرَى [(١)] الرَّاهِبِ مِنْ صِفَتِهِ وَآيَاتِهِ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ هُوَ النَّبِيُّ الْمَوْعُودُ فِي كُتُبِهِمْ، [﵌] [(٢)]
أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ: طَلْحَةُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الصَّقْرِ الْبَغْدَادِيُّ، بِهَا، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ: أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ يَحْيَى الْآدَمِيُّ، قَالَ حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ. ح. وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الله الحافظ، وأبو بكر: أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، وَأَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي عَمْرٍو، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا قُرَادٌ، أَبُو نُوحٍ، [قَالَ] [(٣)]: أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ:
خَرَجَ أَبُو طَالِبٍ إِلَى الشَّامِ، فَخَرَجَ مَعَهُ رَسُولُ اللهِ، ﵌ فِي أَشْيَاخٍ، مِنْ قُرَيْشٍ. فَلَمَّا أَشْرَفُوا عَلَى الرَّاهِبِ هَبَطُوا فَحَلُّوا رِحَالَهُمْ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمُ الرَّاهِبُ.
وَكَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ يَمُرُّونَ بِهِ فَلَا يَخْرُجُ إِلَيْهِمْ وَلَا يَلْتَفِتُ. قَالَ: فَهُمْ يَحُلُّونَ رِحَالَهُمْ، فَجَعَلَ يَتَخَلَّلُهُمْ حَتَّى جَاءَ فَأَخَذَ بِيَدِ رَسُولِ اللهِ، ﵌، وَقَالَ: هَذَا سَيِّدُ الْعَالَمِينَ، هَذَا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، [هَذَا يَبْعَثُهُ اللهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] [(٤)] . فَقَالَ لَهُ
_________________
(١) [(١)] في (م): «بحيرا»، وفي (ص): «بحيرا» . [(٢)] لم ترد في (م) و(ص) . [(٣)] ليست في (م) . [(٤)] في (ص) و(م): «هذا ابتعثه الله﷿- رحمة «للعالمين» .
[ ٢ / ٢٤ ]
أَشْيَاخٌ مِنْ قُرَيْشٍ: مَا عِلْمُكَ؟ قَالَ: إِنَّكُمْ حِينَ أَشْرَفْتُمْ مِنَ الْعَقَبَةِ لَمْ يَمُرَّ بِشَجَرَةٍ وَلَا حَجَرٍ إِلَّا خَرَّ سَاجِدًا، وَلَا يَسْجُدَانِ [(٥)] إِلَّا لِنَبِيٍّ، وَإِنِّي أَعْرِفُهُ، خَاتَمُ النُّبُوَّةِ فِي أَسْفَلَ مِنْ غُضْرُوفِ كَتِفِهِ مِثْلُ التُّفَّاحَةِ. ثُمَّ رَجَعَ فَصَنَعَ [لَهُمْ] [(٦)] طَعَامًا، فَلَمَّا أَتَاهُمْ بِهِ، وَكَانَ هُوَ فِي رِعْيَةِ الْإِبِلِ، قَالَ: أَرْسِلُوا إِلَيْهِ. فَأَقْبَلَ وَعَلَيْهِ غَمَامَةٌ تُظِلُّهُ، فَقَالَ: انْظُرُوا إِلَيْهِ، عَلَيْهِ غَمَامَةٌ تُظِلُّهُ، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الْقَوْمِ وَجَدَهُمْ قَدْ سَبَقُوهُ إِلَى فَيْءِ الشَّجَرَةِ فَلَمَّا جَلَسَ مَالَ فَيْءُ الشَّجَرَةِ عَلَيْهِ، فَقَالَ: انْظُرُوا إِلَى فَيْءِ الشَّجَرَةِ مَالَ عَلَيْهِ.
قَالَ: فَبَيْنَمَا هُوَ قَائِمٌ عَلَيْهِمْ وَهُوَ يُنَاشِدُهُمْ أَنْ لَا يَذْهَبُوا [(٧)] بِهِ إِلَى الرُّومِ، فَإِنَّ الرُّومَ إِنْ رَأَوْهُ عَرَفُوهُ بِالصِّفَةِ فَقَتَلُوهُ، فَالْتَفَتَ فَإِذَا هُوَ بِتِسْعَةٍ- وَفِي رِوَايَةِ الْأَصَمِّ بِسَبْعَةِ- نَفَرٍ قَدْ أَقْبَلُوا مِنَ الرُّومِ، فَاسْتَقْبَلَهُمْ فَقَالَ: مَا جَاءَ بِكُمْ؟ قَالُوا: جِئْنَا إِلَى هَذَا النَّبِيِّ خَارِجٌ فِي هَذَا الشَّهْرِ، فَلَمْ يَبْقَ طَرِيقٌ إِلَّا بُعِثَ إِلَيْهِ نَاسٌ، وَإِنَّا أُخْبِرْنَا خَبَرَهُ فَبُعِثْنَا إِلَى طَرِيقِكَ هَذَا. فَقَالَ لَهُمْ: هَلْ خَلَّفْتُمْ خَلْفَكُمْ أَحَدًا هُوَ خَيْرٌ مِنْكُمْ؟
قَالُوا: لَا. إِنَّا أُخْبِرْنَا خَبَرَ طَرِيقِكَ هَذَا: قَالَ: أَفَرَأَيْتُمْ أَمْرًا أَرَادَ اللهُ، ﷿، أَنْ يَقْضِيَهُ هَلْ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ رَدَّهُ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَتَابَعُوهُ وَأَقَامُوا مَعَهُ.
قَالَ: فَأَتَاهُمْ، فَقَالَ: أَنْشُدُكُمُ اللهَ أَيُّكُمْ وَلِيُّهُ؟ فَقَالُوا [(٨)]: أَبُو طَالِبٍ. فَلَمْ يَزَلْ يُنَاشِدُهُ حَتَّى رَدَّهُ، وَبَعَثَ مَعَهُ أَبُو بَكْرٍ، ﵁، بِلَالًا، وَزَوَّدَهُ الرَّاهِبُ مِنَ الْكَعْكِ والزيت [(٩)] .
_________________
(١) [(٥)] في (هـ): «يسجدان»، وفي (ص) و(م): «يسجدن» . [(٦)] في (هـ) و(ح): «فصنع له» . [(٧)] في (م): «ألا يذهبوا» . [(٨)] في (م): «قالوا» . [(٩)] أخرجه الترمذي في «جامعه»، في: ٥٠- كتاب المناقب (٣) بَابُ مَا جَاءَ فِي بدء نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﵌، الحديث (٣٦٢٠)، صفحة (٥: ٥٩٠- ٥٩١)، وقال ابو عيسى: «هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه» .
[ ٢ / ٢٥ ]
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: سَمِعْتُ الْعَبَّاسَ يَقُولُ: لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مَخْلُوقٌ يُحَدِّثُ بِهِ غَيْرَ قُرَادٍ [(١٠)] . وَسَمِعَ هَذَا أَحْمَدُ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ مِنْ قُرَادٍ.
قُلْتُ: وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ بِإِسْنَادِهِ هَذَا مَوْصُولًا. فَأَمَّا الْقِصَّةُ فَهِيَ عِنْدَ أَهْلِ الْمَغَازِي مَشْهُورَةٌ [(١١)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ:
_________________
(١) [()] وأخرجه الحاكم في «المستدرك» (٢: ٦١٥- ٦١٧)، وقال: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه»، وقال الذهبي «أظنه موضوعا، فبعضه باطل» . ونقله ابن كثير في «البداية والنهاية» (٢: ٢٨٥- ٢٨٦)، عن المصنف، وعن الحاكم، والترمذي، وابن عساكر، وعقب عليه بقوله: «فيه من الغرائب: انه من مرسلات الصحابة، فإن أبا موسى الاشعري إنما قدم في سنة خيبر- سَنَةِ سَبْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ- ولا يلتفت الى قول ابن إسحاق في جعله له من المهاجرة إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ مِنَ مكة، وعلى كل تقدير فهو مرسل، فإن هذه القصة كانت، وَلِرَسُولِ اللهِ ﵌، من العمر ثنتا عشرة سنة، ولعل أبا موسى تلقاه من النبي ﵌، فيكون أبلغ، أو من بعض كبار الصحابة، أو كان مشهورا مذكورا أخذ من طريق الاستفاضة، وفيه: ان الضمامة لم تذكر في حديث أصح من هذا» . أ. هـ. [(١٠)] هو: عبد الرحمن بن غزوان الخزاعي، ابو نوح المعروف بقراد: روى عنه: يحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وغيرهما، واخرج له البخاري، والاربعة سوى ابن ماجة، ووثقه: علي بن المديني، وابن نمير، ويعقوب بن شيبة، وابن سعد، وابن حبان، وقال: «كان يخطئ»، وروى له الدارقطني في غرائب مالك، وقال: اخطأ فيه قراد، وقال الخليلي: «قراد: قديم، روى عنه الأئمة، ينفرد بحديث عن الليث لا يتابع عليه»، وقال الدارقطني «ثقة، وله افراد»، تهذيب التهذيب (٦: ٢٤٧- ٢٤٩) . [(١١)] خبر بحيرا في سيرة ابن هشام (١: ٢٠٣) . ودلائل النبوة لأبي نعيم (١٢٥)، والوفا (١: ١٣١) . والاكتفا (١: ١٩١)، وشرح المواهب (١: ١٩٠)، والخصائص الكبرى (١: ٨٥) .
[ ٢ / ٢٦ ]
وَكَانَ أَبُو طَالِبٍ هُوَ الَّذِي [يَلِي] [(١٢)] أَمْرَ رَسُولِ اللهِ، ﵌، بَعْدَ جَدِّهِ، كَانَ إِلَيْهِ وَمَعَهُ. ثُمَّ إِنَّ أَبَا طَالِبٍ خَرَجَ فِي رَكْبٍ إِلَى الشَّامِ تَاجِرًا، فَلَمَّا تَهَيَّأَ لِلرَّحِيلِ وَأَجْمَعَ السَّيْرَ ضَبَّ بِهِ [(١٣)] رَسُولُ اللهِ، ﵌، فَأَخَذَ بِزِمَامِ نَاقَتِهِ، وَقَالَ: يَا عَمِّ، إِلَى مَنْ تَكِلُنِي؟ لَا أَبَ لِي وَلَا أُمَّ لِي؟! فَرَقَّ لَهُ أَبُو طَالِبٍ، وَقَالَ: وَاللهِ لَأَخْرُجَنَّ بِهِ مَعِي، وَلَا يُفَارِقُنِي وَلَا أُفَارِقُهُ أَبَدًا،
أَوْ كَمَا قَالَ:
قَالَ: فَخَرَجَ بِهِ مَعَهُ، فَلَمَّا نَزَلَ الرَّكْبُ بُصْرَى مِنْ أَرْضِ الشَّامِ، وَبِهَا رَاهِبٌ يُقَالُ لَهُ: بَحِيرَاءُ فِي صَوْمَعَةٍ لَهُ، وَكَانَ أَعْلَمَ أَهْلِ النَّصْرَانِيَّةِ وَلَمْ يَزَلْ فِي تِلْكَ الصَّوْمَعَةِ قَطُّ رَاهِبٌ يَصِيرُ عِلْمُهُمْ عَنْ كِتَابٍ فِيهِ، فِيمَا يَزْعُمُونَ، يَتَوَارَثُونَهُ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ. فَلَمَّا نَزَلُوا ذَلِكَ الْعَامَ بِبَحِيرَاءَ، وَكَانُوا كَثِيرًا مِمَّا يَمُرُّونَ بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَعْرِضُ لَهُمْ، حَتَّى إِذَا كَانَ ذَلِكَ الْعَامُ، نَزَلُوا بِهِ قَرِيبًا مِنْ صَوْمَعَتِهِ، فَصَنَعَ لَهُمْ طَعَامًا كَثِيرًا، وَذَلِكَ فِيمَا يَزْعُمُونَ عَنْ شَيْءٍ رَآهُ وَهُوَ فِي صَوْمَعَتِهِ فِي الرَّكْبِ حِينَ أَقْبَلُوا، وَغَمَامَةٌ بَيْضَاءُ تُظِلُّهُ مِنْ بَيْنِ الْقَوْمِ. ثُمَّ أَقْبَلُوا حَتَّى نَزَلُوا بِظِلِّ شَجَرَةٍ قَرِيبًا مِنْهُ، فَنَظَرَ إِلَى الْغَمَامَةِ حَتَّى أَظَلَّتِ الشَّجَرَةَ وشَمَّرَتْ [(١٤)] أَغْصَانُ الشَّجَرَةِ عَلَى رَسُولِ اللهِ، ﵌، حَتَّى اسْتَظَلَّ تَحْتَهَا. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ بَحِيرَاءُ، نَزَلَ مِنْ صَوْمَعَتِهِ، وَقَدْ أَمَرَ بِذَلِكَ الطَّعَامِ فَصُنِعَ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: إِنِّي قَدْ صَنَعْتُ لَكُمْ طَعَامًا يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ تَحْضُرُوا كُلُّكُمْ، صَغِيرُكُمْ وَكَبِيرُكُمْ، وَحُرُّكُمْ وعَبْدُكُمْ. فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ [(١٥)] يَا بَحِيرَاءُ، إِنَّ لَكَ الْيَوْمَ لَشَأْنًا مَا كُنْتَ تَصْنَعُ هَذَا فِيمَا مَضَى وَقَدْ كُنَّا نَمُرُّ بِكَ كَثِيرًا فَمَا شَأْنُكَ الْيَوْمَ؟ [(١٦)] فَقَالَ لَهُ بَحِيرَاءُ.
_________________
(١) [(١٢)] «يلي» سقطت من (م)، وفي (ح): «ولي» . [(١٣)] ضب به: تعلق وتشبث، ورويت: صبّ به: أي مال اليه ورقّ عليه، ويروى: وضبث به: أي امسك. [(١٤)] في (هـ): «تهصّرت» . [(١٥)] في (ح): «فقال له الرجل منهم» . [(١٦)] كذا في (م)، وفي (هـ): «فما شأنك؟» .
[ ٢ / ٢٧ ]
صَدَقْتَ، قَدْ كَانَ مَا تَقُولُ، وَلَكِنَّكُمْ ضَيْفٌ، وَقَدْ أَحْبَبْتُ أَنْ أُكْرِمَكُمْ وَأَصْنَعَ لَكُمْ طَعَامًا تَأْكُلُونَ مِنْهُ كُلُّكُمْ. فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ وَتَخَلَّفَ رَسُولُ اللهِ، ﵌ [مِنْ] [(١٧)] بَيْنِ الْقَوْمِ لِحَدَاثَةِ سِنِّهِ فِي رِحَالِ الْقَوْمِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ. فَلَمَّا نَظَرَ بَحِيرَاءُ فِي الْقَوْمِ وَلَمْ يَرَ الصِّفَةَ الَّتِي يَعْرِفُ وَيَجِدُ عِنْدَهُ، فَقَالَ: يَا مَعَاشِرَ قُرَيْشٍ [(١٨)]، لَا يَتَخَلَّفُ أَحَدٌ مِنْكُمْ عَنْ طَعَامِي هَذَا. فَقَالُوا لَهُ [(١٩)]: يَا بَحِيرَى [(٢٠)]، مَا تَخَلَّفَ عَنْكَ أَحَدٌ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَأْتِيَكَ إِلَّا غُلَامٌ وَهُوَ أَحْدَثُ الْقَوْمِ سِنًّا، تَخَلَّفَ فِي رِحَالِهِمْ. قَالَ: فَلَا تَفْعَلُوا، ادْعُوهُ فَلْيَحْضُرَ هَذَا الطَّعَامَ مَعَكُمْ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ مَعَ الْقَوْمِ:
وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى، إِنْ هَذَا لَلُؤْمٌ بِنَا أَنْ يَتَخَلَّفَ ابْنُ عَبْدِ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَنِ الطَّعَامِ مِنْ بَيْنِنَا. قَالَ: ثُمَّ قَامَ إِلَيْهِ فَاحْتَضَنَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ بِهِ حَتَّى أَجْلَسَهُ مَعَ الْقَوْمِ.
فَلَمَّا رَآهُ بَحِيرَاءُ جَعَلَ يَلْحَظُهُ لَحْظًا شَدِيدًا، وَيَنْظُرُ إِلَى أَشْيَاءَ مِنْ جَسَدِهِ قَدْ كَانَ يَجِدُهَا عِنْدَهُ فِي صِفَتِهِ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ الْقَوْمُ مِنَ الطَّعَامِ وَتَفَرَّقُوا،
قَامَ بَحِيرَاءُ فَقَالَ لَهُ: يَا غُلَامُ، أَسْأَلُكُ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى إِلَّا أَخْبَرْتَنِي عَمَّا أَسْأَلُكَ عَنْهُ. وَإِنَّمَا قَالَ لَهُ بَحِيرَاءُ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ سَمِعَ قَوْمَهُ يَحْلِفُونَ بِهِمَا. وزَعَمُوا أَنَّ رَسُولَ اللهِ، ﵌، قَالَ لَهُ: لَا تَسَلْنِي بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى شَيْئًا، فو الله مَا أَبْغَضْتُ بُغْضَهُمَا شَيْئًا قَطُّ. فَقَالَ لَهُ بَحِيرَاءُ: فبالله إلا ما أَخْبَرْتَنِي عَمَّا أَسْأَلُكَ عَنْهُ. فَقَالَ: سَلْنِي عَمَّا بَدَا لكَ. فَجَعَلَ يَسْأَلُهُ عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ حاله في نَوْمِهِ وَهَيْئَتِهِ وَأُمُورِهِ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ، ﵌، يُخْبِرُهُ، فَيُوَافِقُ ذَلِكَ مَا عِنْدَ بَحِيرَاءَ مِنْ صِفَتِهِ. ثُمَّ نَظَرَ إِلَى ظَهْرِهِ فَرَأَى خَاتَمَ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ عَلَى مَوْضِعِهِ، مِنْ صِفَتِهِ الَّتِي عِنْدَهُ.
قَالَ: فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ أَقْبَلَ عَلَى عَمِّهِ أَبِي طالب، فَقَالَ لَهُ: مَا هَذَا الْغُلَامُ مِنْكَ؟ فَقَالَ: ابْنِي. فَقَالَ لَهُ بَحِيرَاءُ: مَا هُوَ بِابْنِكَ، وَمَا يَنْبَغِي لِهَذَا الْغُلَامِ أَنْ يَكُونَ أَبُوهُ حَيًّا. قَالَ. فَإِنَّهُ ابْنُ أَخِي. قال: فما
_________________
(١) [(١٧)] الزيادة من (هـ) . [(١٨)] في (م) و(ص): «يا معاشر» . [(١٩)] في (م) و(ص): «قالوا له» . [(٢٠)] في (م) رسمت: «بحيرا» .
[ ٢ / ٢٨ ]
فَعَلَ أَبُوهُ؟ قَالَ: مَاتَ، وَأُمُّهُ حُبْلَى بِهِ. قَالَ: صَدَقْتَ. قَالَ: ارْجِعْ بِابْنِ أَخِيكَ إِلَى بَلَدِهِ، وَاحْذَرْ عليه اليهود، فو الله لَئِنْ رَأَوْهُ وَعَرَفُوا مِنْهُ مَا عَرَفْتُ لَيَبْغُنَّهُ شَرًّا، فَإِنَّهُ كَائِنٌ لِابْنِ أَخِيكَ هَذَا شَأْنٌ، فَأَسْرِعْ بِهِ إِلَى بِلَادِهِ. فَخَرَجَ بِهِ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ سَرِيعًا حَتَّى أَقْدَمَهُ مَكَّةَ حِينَ فَرَغَ مِنْ تِجَارَتِهِ بِالشَّامِ. فَزَعَمُوا فِيمَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ:
أَنَّ زُبَيْرًا وَثَمَّامًا وَدَرِيسًا [(٢١)]، وَهُمْ نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، قَدْ كَانُوا رَأَوْا مِنْ رَسُولِ اللهِ، ﵌، فِي ذَلِكَ السَّفَرِ الَّذِي كَانَ فِيهِ مَعَ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ أَشْيَاءَ، فَأَرَادُوهُ فَرَدَّهُمْ عَنْهُ بَحِيرَاءُ، وَذَكَّرَهُمُ اللهَ، وَمَا يَجِدُونَ فِي الْكِتَابِ مِنْ ذِكْرِهِ وَصِفَتِهِ، وَأَنَّهُمْ إِنْ أَجْمَعُوا بِمَا أَرَادُوا لَمْ يَخْلُصُوا إِلَيْهِ حَتَّى عَرَفُوا مَا قَالَ لَهُمْ وَصَدَّقُوهُ بِمَا قَالَ، فَتَرَكُوهُ وَانْصَرَفُوا. فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ فِي ذَلِكَ شِعْرًا يَذْكُرُ مَسِيرَهُ بِرَسُولِ اللهِ، ﵌، وَمَا أَرَادَ مِنْهُ أُولَئِكَ النَّفَرُ، وَمَا قَالَ لَهُمْ فِيهِ بَحِيرَاءُ [(٢٢)] .
وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ ثَلَاثَ قَصَائِدَ مِنْ شِعْرِهِ فِي ذَلِكَ.
_________________
(١) [(٢١)] في (م): «زبيرا وتماما»، وفي (ح): «زبير وثمام» . [(٢٢)] ينسب هذا الشعر الى ابي طالب، وهو ظاهر الركاكة مما يدل على وضعه، ومنه: إنّ ابن آمنة الأمين محمدا عندي بمثل منازل الأولاد لمّا تعلّق بالزّمام رحمته والعيس قد قلّصن بالأزواد فارفضّى من عينيّ دمع ذارف مثل الجمان مفرّق الأفراد راعيت منه قرابة موصولة وحفظت فيه وصية الأجداد وأمرته بالسّير بين عمومة بيض الوجوه مصالت أنجاد ساروا لأبعد طية معلومة فلقد تباعد طيّة المرتاد حتى إذا ما القوم بصرى عاينوا لاقوا على شرك من المرصاد حبرا فأخبرهم حديثا صادقا عنه وردّ معاشر الحسّاد قوما يهودا قد رأوا ما قد رأى ظل الغمامة ثاغري الأكباد ساروا لفتك محمد فنهاهم عنه وأجهد أحسن الإجهاد فثنى زبيراء بحير فانثنى في القوم بعد تجادل وتعاد ونهى دريسا فانتهى لمّا نهى عن قول حبر ناطق بسداد
[ ٢ / ٢٩ ]
بَابُ مَا جَاءَ فِي حِفْظِ اللهِ، تَعَالَى [(١)]، رَسُولَهُ ﵌، فِي شَبِيبَتِهِ عَنْ أقذار الجاهلية ومعايبها، لِمَا يُرِيدُ بِهِ مِنْ كَرَامَتِهِ بِرِسَالَتِهِ، حَتَّى بَعَثَهُ رَسُولًا
* أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ:
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَشَبَّ رَسُولُ اللهِ، ﵌، يَكْلَؤُهُ اللهُ [﷿] [(٢)] وَيَحْفَظُهُ وَيَحُوطُهُ مِنْ أقذار الجاهلية ومعايبها، لِمَا يُرِيدُ بِهِ مِنْ كَرَامَتِهِ وَرِسَالَتِهِ، وَهُوَ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ، حَتَّى بَلَغَ أَنْ كَانَ رَجُلًا أَفْضَلَ قَوْمِهِ مُرُوءَةً، وَأَحْسَنَهُمْ خَلْقًا وَأَكْرَمَهُمْ مُخَالَطَةً، وَأَحْسَنَهُمْ جِوَارًا، وَأَعْظَمَهُمْ خُلُقًا، وَأَصْدَقَهُمْ حَدِيثًا، وَأَعْظَمَهُمْ أَمَانَةً، وَأَبْعَدَهُمْ مِنَ الْفُحْشِ وَالْأَخْلَاقِ الَّتِي تُدَنِّسُ الرِّجَالَ، تَنَزُّهًا وَتَكَرُّمًا، حَتَّى مَا اسْمُهُ فِي قَوْمِهِ إِلَّا الْأَمِينُ، لِمَا جَمَعَ اللهُ، [تَعَالَى] [(٣)]، فِيهِ مِنَ الْأُمُورِ الصَّالِحَةِ [(٤)] .
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ، ﵌- فِيمَا ذُكِرَ لِي- يُحَدِّثُ عَمَّا كَانَ يَحْفَظُهُ اللهُ، تَعَالَى، بِهِ فِي صِغَرِهِ وَأَمْرِ جَاهِلِيَّتِهِ، فَحَدَّثَنِي وَالِدِي إِسْحَاقُ بْنُ يَسَارٍ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ، عَنْ
_________________
(١) [(١)] في (م): «﷿» . [(٢)] الزيادة من (م) . [(٣)] ليست في (م) ولا (ص) . [(٤)] أخرجه ابن هشام في السيرة (١: ١٩٧) .
[ ٢ / ٣٠ ]
رسول الله، ﵌، أَنَّهُ قَالَ فِيمَا يَذْكُرُ مِنْ حِفْظِ اللهِ إِيَّاهُ [(٥)]:
إِنِّي لَمَعَ غِلْمَانٍ هُمْ أَسْنَانِي قَدْ جَعَلْنَا أُزُرَنَا عَلَى أَعْنَاقِنَا لِحِجَارَةٍ نَنْقُلُهَا، نَلْعَبُ بِهَا، إِذْ لَكَمَنِي لَاكِمٌ لَكْمَةً شَدِيدَةً، ثُمَّ قَالَ: اشْدُدْ عَلَيْكَ إِزَارَكَ [(٦)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ: مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْفَقِيهُ الشِّيرَازِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَخْرَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ:
أخبرنا رَوْحٌ.
وأَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ: أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ غَالِبٍ الْخُوَارَزْمِيُّ الْحَافِظُ، بِبَغْدَادَ، قَالَ: قُرِئَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ: مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الْهَيْثَمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَوَّامِ، قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ:
حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، قَالَ:
سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يُحَدِّثُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ، ﵌، كَانَ يَنْقُلُ الْحِجَارَةَ مَعَهُمْ لِلْكَعْبَةِ، وَعَلَيْهِ إِزَارٌ، فَقَالَ [لَهُ] [(٧)] الْعَبَّاسُ عَمُّهُ: يَا ابْنَ أَخِي، لَوْ حَلَلْتَ إِزَارَكَ فَجَعَلْتَهُ عَلَى مَنْكِبَيْكَ دُونَ الْحِجَارَةِ؟ قَالَ: فَحَلَّهُ فَجَعَلَهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ فَسَقَطَ. مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَمَا رؤي بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ عُرْيَانًا.
لَفْظُ حَدِيثِهِمَا سَوَاءٌ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ، عن مطر بن الفضل.
_________________
(١) [(٥)] كذا في (م)، وفي بقية النسخ: «من الله تعالى إياه» . [(٦)] بقية الخبر: «قال: فأخذته وشددته عليّ، ثم جعلت احمل الحجارة على رقبتي، وإزاري عليّ من بين اصحابي» . سيرة ابن هشام (١: ١٩٧) . وهذه القصة ستأتي في الرواية التالية في حين بناء الكعبة. [(٧)] الزيادة من (م) .
[ ٢ / ٣١ ]
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنْ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ [(٨)] .
وَ
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الْفَقِيهُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زُهَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ. (ح) .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الله، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو عَمْرِو بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ ابن عَبْدِ اللهِ، يَقُولُ: لَمَّا بُنِيَتِ الْكَعْبَةُ ذَهَبَ رَسُولُ اللهِ، ﵌، وَعَبَّاسٌ يَنْقُلَانِ الْحِجَارَةَ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ لِلنَّبِيِّ، ﵌، اجْعَلْ إِزَارَكَ عَلَى عَاتِقِكَ مِنَ الْحِجَارَةِ. فَفَعَلَ، فَخَرَّ إِلَى الْأَرْضِ، وَطَمَحَتْ عَيْنَاهُ إِلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ قَامَ فَقَالَ: إِزَارِي فَشُدَّ عَلَيْهِ إِزَارُهُ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ [(٩)] عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ.
وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ [(١٠)]، عَنْ مَحْمُودٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، وَأَبُو سعيد بن أبي عَمْرٍو، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّغَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بُكَيْرٍ الخضرمي، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ الدَّشْتَكِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي قَيْسٍ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قال:
_________________
(١) [(٨)] الحديث أخرجه البخاري في: ٨- كتاب الصلاة (٨) باب كراهية التّعري في الصلاة وغيرها، فتح الباري (١: ٤٧٤) من طريق مَطَرِ بْنِ الْفَضْلِ، عَنْ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ، وأخرجه البخاري أيضا مختصرا في: ٢٥- كتاب الحج (٤٢) باب فضل مكة وبنيانها ، فتح الباري (٣: ٤٣٩)، وفي: ٦٣- كتاب مناقب الأنصار (٢٥) باب بنيان الكعبة، فتح الباري (٧: ١٤٥) . وأخرجه مسلّم في: ٣- كتاب الحيض (١٩) باب الاعتناء بحفظ العورة، الحديث (٧٦)، ص (٢٦٧) . [(٩)] صحيح مسلم، كتاب الحيض، الحديث (٧٧)، ص (٢٦٨) . [(١٠)] فتح الباري (٧: ١٤٥)، وسبقت الاشارة اليه في الحاشية (٨) .
[ ٢ / ٣٢ ]
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ أَبِيهِ.
أَنَّهُ كَانَ يَنْقُلُ الْحِجَارَةَ فِي الْبَيْتِ حِينَ بَنَتْ قُرَيْشٌ الْبَيْتَ. قَالَ: وَأَفْرَدَتْ قُرَيْشٌ رَجُلَيْنِ رَجُلَيْنِ: الرِّجَالِ يَنْقُلُونَ الْحِجَارَةَ، وَكَانَتِ النِّسَاءُ تَنْقُلُ الشِّيدَ.
قَالَ: وَكُنْتُ أَنَا وَابْنُ أَخِي. وَكُنَّا نَحْمِلُ عَلَى رِقَابِنَا وَأُزُرُنَا تَحْتَ الْحِجَارَةِ، فَإِذَا غَشِيَنَا النَّاسَ اتَّزَرْنَا، فَبَيْنَمَا أَنَا أَمْشِي، وَمُحَمَّدٌ ﵌ [(١١)]، أَمَامِي، قَالَ: فَخَرَّ وانْبَطَحَ عَلَى وَجْهِهِ. قَالَ: فَجِئْتُ أَسْعَى، وَأَلْقَيْتُ حَجَرِي وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ. فَقُلْتُ: مَا شَأْنُكَ؟ فَقَامَ وَأَخَذَ إِزَارَهُ فَقَالَ [(١٢)]: نُهِيتُ أَنْ أَمْشِيَ عُرْيَانًا.
فَكُنْتُ أَكْتُمُهَا النَّاسَ، مَخَافَةَ أَنْ يقولوا مجنون.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ، ﵌، يَقُولُ:
مَا هَمَمْتُ بِشَيْءٍ مِمَّا كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَهُمُّونَ بِهِ مِنَ النساء إلا ليلتين كلتاهما عَصَمَنِي اللهُ، تَعَالَى [(١٣)]، فِيهِمَا. قُلْتُ لَيْلَةً لِبَعْضِ فِتْيَانِ مَكَّةَ وَنَحْنُ فِي رِعَايَةِ غَنَمِ أَهْلِنَا، فَقُلْتُ لِصَاحِبِي: أَبْصِرْ لِي غَنَمِي حَتَّى أَدْخُلَ مَكَّةَ فَأَسْمُرَ فِيهَا كَمَا يَسْمُرُ الْفِتْيَانُ. فَقَالَ: بَلَى. قَالَ: فَدَخَلْتُ حَتَّى إِذَا جِئْتُ أَوَّلَ دَارٍ مِنْ دُورِ مَكَّةَ سَمِعْتُ عَزْفًا بِالْغَرابِيلِ وَالْمَزَامِيرِ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ فَقِيلَ تَزَوَّجَ فُلَانٌ فُلَانَةَ. فَجَلَسْتُ أَنْظُرُ، وَضَرَبَ اللهُ، [تَعَالَى] [(١٤)] عَلَى أذنيّ، فو الله ما
_________________
(١) [(١١)] في (م): «﵇» . [(١٢)] في (م): «فأخذ إزاره، وقال» . [(١٣)] في (م) و(ص): - ﷿. [(١٤)] ليست في (م) .
[ ٢ / ٣٣ ]
أَيْقَظَنِي إِلَّا مَسُّ الشَّمْسِ فَرَجَعْتُ إِلَى صَاحِبِي، فَقَالَ: مَا فَعَلْتَ؟ قُلْتُ: مَا فَعَلْتُ شَيْئًا. ثُمَّ أَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي رَأَيْتُ. ثُمَّ قُلْتُ لَهُ لَيْلَةً أُخْرَى: أَبْصِرْ لِي غَنَمِي حَتَّى أَسْمُرَ بِمَكَّةَ، فَفَعَلَ فَدَخَلْتُ فَلَمَّا جِئْتُ مَكَّةَ سَمِعْتُ مِثْلَ الَّذِي سَمِعْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَسَأَلْتُ، فَقِيلَ فُلَانٌ نَكَحَ فُلَانَةَ، فَجَلَسْتُ أَنْظُرُ، وَضَرَبَ الله على أذنيّ، فو الله مَا أَيْقَظَنِي إِلَّا مَسُّ الشَّمْسِ، فَرَجَعْتُ إِلَى صَاحِبِي، فَقَالَ: مَا فَعَلْتَ؟
فَقُلْتُ: لَا شَيْءَ. ثُمَّ أَخْبَرْتُهُ الخبر، فو الله مَا هَمَمْتُ وَلَا عُدْتُ بَعْدَهَا لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، حَتَّى أَكْرَمَنِي اللهُ، ﷿، بِنُبُوَّتِهِ [(١٥)] .
حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا [(١٦)] الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَفَّانَ الْعَامِرِيُّ، قَالَ:. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، ويَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، قَالَ: كَانَ صَنَمٌ مِنْ نُحَاسٍ يُقَالُ لَهُ: إِسَافٌ، أَوْ نَائِلَةُ، يَتَمَسَّحُ بِهِ الْمُشْرِكُونَ إِذَا طَافُوا. فَطَافَ رسول الله، ﵌، فَطُفْتُ مَعَهُ، فَلَمَّا مَرَرْتُ مَسَحْتُ بِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ، ﵌: لَا تَمَسَّهُ! فَقَالَ زَيْدٌ: فَطُفْتُ [(١٧)] فَقُلْتُ فِي نَفْسِي لَأَمَسَّنَّهُ حَتَّى أَنْظُرَ مَا يَكُونُ، فَمَسَحْتُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ، ﵌، أَلَمْ تُنْهَ؟
قُلْتُ: زَادَ فِيهِ غَيْرُهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو بِإِسْنَادِهِ: قال زيد: فو الذي هُوَ أَكْرَمَهُ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ مَا اسْتَلَمَ صَنَمًا حَتَّى أَكْرَمَهُ اللهُ بِالَّذِي أكرمه وأنزل عليه [(١٨)] .
_________________
(١) [(١٥)] الخبر في دلائل النبوة لابي نعيم. ص (١٤٣)، وفي البداية والنهاية لابن كثير (٢: ٢٨٧)، والخصائص الكبرى للسيوطي (١: ٨٩)، وسبل الهدى (٢: ١٩٩- ٢٠٠)، وقال: «رواه إسحاق ابن راهويه، والبزار، وابن حبان، وإسناده متصل» . [(١٦)] في (م) و(ص) «أخبرنا» . [(١٧)] في (هـ): «فطفنا» . [(١٨)] البداية والنهاية (٢: ٢٨٧)، والخصائص الكبرى (١: ٨٩) .
[ ٢ / ٣٤ ]
وَرُوِّينَِا فِي قِصَّةِ بَحِيرَاءَ الرَّاهِبِ حِينَ حَلَفَ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى مُتَابَعَةً لِقُرَيْشٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ، ﵌،: لَا تَسْأَلْنِي بِاللَّاتِ والعزّى شيئا، فو الله مَا أَبْغَضْتُ بُغْضَهُمَا شَيْئًا قَطُّ.
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا [(١٩)] أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعَمَّرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. ح.
وأَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ: أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَالِينِيُّ [(٢٠)] قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَدِيٍّ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَسْبَاطٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ:
كَانَ النَّبِيُّ، ﵌، يَشْهَدُ مَعَ الْمُشْرِكِينَ مَشَاهِدَهُمْ. قَالَ: فَسَمِعَ مَلَكَيْنِ خَلْفَهُ وَأَحَدُهُمَا يَقُولُ لِصَاحِبِهِ: اذْهَبْ بِنَا حَتَّى نَقُومَ [(٢١)] خَلْفَ رَسُولِ اللهِ، ﵌.
قَالَ: كَيْفَ نَقُومُ خَلْفَهُ، وَإِنَّمَا عَهْدُهُ بِاسْتِلَامِ الْأَصْنَامِ قُبَيْلُ؟ قَالَ: فَلَمْ يَعُدْ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَشْهَدَ مَعَ الْمُشْرِكِينَ مَشَاهِدَهُمْ [(٢٢)] .
_________________
(١) [(١٩)] في (م): «أخبرنا» . [(٢٠)] في بقية النسخ: «أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ الْمَالِينِيُّ» .. [(٢١)] في (م): «حتى نقومنّ» . [(٢٢)] رواه ابو يعلى، وابن عدي، وابن عساكر عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله، وقال الحافظ ابن حجر في المطالب العالية. «هذا الحديث أنكره الناس على عثمان بن أبي شيبة، فبالغوا، والمنكر منه قوله عن الملك: «عهده باستلام الأصنام» فإن ظاهره انه باشر الاستلام، وليس ذلك مرادا، بل المراد أنه شهد مباشرة المشركين استلام أصنامهم» . أ. هـ. وقال ابن كثير: «أنكره غير واحد من الأئمة على عثمان بن أبي شيبة» . وقد ذكره الذهبي في ميزان الاعتدال، في ترجمة عثمان بن أبي شيبة (٣: ٣٥)، ونقل قول العقيلي تضعيف الحديث، وقول الأزدي: رأيت أصحابنا يذكرون ان عثمان روى أحاديث لا يتابع عليها» .. عقب الذهبي بقوله: «عثمان لا يحتاج الى متابع، ولا ينكر له ان ينفرد بأحاديث لسعة ما روى، وقد
[ ٢ / ٣٥ ]
قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ: تَفْسِيرُ قَوْلِ جَابِرٍ: وَإِنَّمَا عَهْدُهُ بِاسْتِلَامِ الْأَصْنَامِ، يَعْنِي أَنَّهُ شَهِدَ مَعَ مَنِ اسْتَلَمَ الْأَصْنَامَ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ. قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، [﵂] [(٢٣)] قَالَتْ:
كَانَتْ قُرَيْشٌ وَمَنْ يَدِينُ دِينَهَا وَهُمُ الْحُمْسُ [(٢٤)] يَقِفُونَ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ بِالْمُزْدَلِفَةِ يَقُولُونَ: نَحْنُ قُطَّنُ الْبَيْتِ [(٢٥)] . وَكَانَتْ بَقِيَّةُ النَّاسِ وَالْعَرَبِ يَقِفُونَ بِعَرَفَاتٍ، فَأَنْزَلَ اللهُ، ﷿: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ [(٢٦)] فَتَقَدَّمُوا، فَوَقَفُوا مَعَ النَّاسِ بعرفات [(٢٧)] .
_________________
(١) [()] يغلط، وقد اعتمده الشيخان في صحيحيهما » . وقد اولى الصالحي في السيرة الشامية ما ورد بالحديث: «فَلَمْ يَعُدْ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَشْهَدَ مَعَ الْمُشْرِكِينَ مشاهدهم» بأن المراد بالمشاهد التي شهدها مشاهد الحلف ونحوها لا مشاهد استلام الأصنام. سبل الهدى (٢: ٢٠٣) . [(٢٣)] ليست في (م) و(ص) . [(٢٤)] الحمس: جمع أحمس، وهو الشديد الصلب، مأخوذ من الحماسة التي هي الشدة، وإنما سموا الحمس لأنهم اشتدوا في دينهم- في زعمهم-. [(٢٥)] في سيرة ابن هشام: نحن قطّان مكة، وساكنها نحن بنو إبراهيم، واهل الحرمة [(٢٦)] الآية الكريمة (١٩٩) من سورة البقرة [(٢٧)] أخرجه البخاري في: ٦٥- كتاب التفسير- تفسير سورة البقرة، (٣٥) باب «ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أفاض الناس»، فتح الباري (٨: ١٨٦)، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الله المديني، ومسلم في: ٢٥- كتاب الحج، (٢١) باب في الوقوف وقوله تعالى: «ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس»، الحديث (١٥١)، ص (٨٩٣- ٨٩٤)، عن يحيى بن يحيى. وأخرجه ابو داود في المناسك عن هناد بن السري، والنسائي في المناسك، وفي التفسير كلهم عن ابي معاوية الضرير.
[ ٢ / ٣٦ ]
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحِ عَنْ هِشَامٍ [(٢٨)] .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ [الْحَافِظُ] [(٢٩)]، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ [بْنُ شَبِيبٍ] [(٣٠)] عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ:
حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أبي بكر، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ [بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ جُبَيْرٍ] [(٣١)]، قَالَ:
لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ، ﵌، وَهُوَ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ، وَهُوَ يَقِفُ عَلَى بَعِيرٍ لَهُ، بِعَرَفَاتٍ، مِنْ بَيْنِ قَوْمِهِ، حَتَّى يَدْفَعَ مَعَهُمْ، تَوْفِيقًا مِنَ اللهِ، ﷿، لَهُ [(٣٢)] .
قُلْتُ: قَوْلُهُ: «عَلَى دِينِ قَوْمِهِ» مَعْنَاهُ: عَلَى مَا كَانَ قَدْ بَقِيَ فِيهِمْ مِنْ إِرْثِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ، فِي حَجِّهِمْ وَمَنَاكِحِهِمْ وَبُيُوعِهِمْ، دُونَ الشِّرْكِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُشْرِكْ بِاللهِ قَطُّ.
وَفِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ بُغْضِهِ اللَّاتَ وَالْعُزَّى دَلِيلٌ عَلَى ذَلِكَ.
أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ: أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَالِينِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَدِيٍّ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ هِشَامٍ [(٣٣)] الْخَفَّافُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَذْرَمِيُّ، قَالَ. حَدَّثَنَا [(٣٤)] إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ
_________________
(١) [(٢٨)] في (م) و(ص): «من حديث هشام» . [(٢٩)] لم ترد في (م) و(ص) . [(٣٠)] سقطت من (ح) . [(٣١)] ما بين الحاصرتين ليست في (هـ) . [(٣٢)] السيوطي في الخصائص الكبرى (١: ٩٠)، وقال: أخرجه ابن إسحق، والبيهقي، وابو نعيم. [(٣٣)] في (م): «هاشم» . [(٣٤)] في (م): «أخبرنا»، وكذا في (ص) .
[ ٢ / ٣٧ ]
إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابن عَوْفٍ، قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ، ﵌: شَهِدْتُ مَعَ عُمُومَتِي «حِلْفَ الْمُطَّيِّبِينَ» فَمَا أُحِبُّ أَنْ أُنْكُثَهُ- أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا- وَأَنَّ لِي حُمْرَ النَّعَمِ [(٣٥)] وَكَذَلِكَ رَوَاهُ بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ.
وأَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرِ بْنُ قَتَادَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا [(٣٦)] أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ السِّمْنَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ مَهْدِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ، ﵌: مَا شَهِدْتُ حِلْفًا لِقُرَيْشٍ إِلَّا حِلْفَ الْمُطَّيِّبِينَ، وَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِيَ حُمْرَ النَّعَمِ وَأَنِّي كُنْتُ نَقَضْتُهُ.
قَالَ: وَالْمُطَّيِّبِينَ: هَاشِمٌ، وَأُمَيَّةُ، وَزُهْرَةُ، وَمَخْزُومٌ.
كَذَا رُوِيَ هَذَا التَّفْسِيرُ مُدْرَجًا فِي الْحَدِيثِ، وَلَا أَدْرِي قائله. [(٣٧)] .
_________________
(١) [(٣٥)] أخرجه الإمام احمد في «مسنده» (١: ١٩٠، ١٩٣) . [(٣٦)] في (م) و(ص): «أخبرنا» . [(٣٧)] وقال المصنف في السنن الكبرى (٦: ٣٦٦) بعد ان ذكر الحديث: «لا ادري: هذا التفسير مِنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ او من دونه، وبلغني انه إنما قيل: حلف المطيبين، لأنهم غمسوا أيديهم في طيب يوم تحالفوا، وتصافقوا بأيمانهم، وذلك حين وقع التنازع بين بَنِي عَبْدِ مَنَافِ وَبَنِي عبد الدار، فيما كان بأيديهم من السقاية والحجابة والرفادة واللواء والندوة، فكان بنو أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى في جماعة من قبايل قريش تبعا لبني عبد مناف، وقد سماهم محمد بن إسحاق بن يسار، فقال: المطيبون من قبائل قريش: بنو عبد مناف: هاشم. والمطلب، وعبد شمس، ونوفل، وبنو زهرة، وبنو أسد، ابن عبد العزى، وبنو تيم، وبنو الحارث بن فهر خمس قبائل. قال الشافعي: وقال بعضهم: هم حلف الفضول» .
[ ٢ / ٣٨ ]
وَزَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ السِّيَرِ [(٣٨)] أَنَّهُ أَرَادَ حِلْفَ الْفُضُولِ [(٣٩)]، وأن النبي،
_________________
(١) [(٣٨)] أشار ابن إسحق إلى حلف المطيبين وهو اختلاف قريش بعد قصي، وهم بنو عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيِّ،: عبد شمس، وهاشم، والمطلب، ونوفل، وبنو عبد الدار بن قصي. وقد تحالف كل فريق مع أنصاره، واخرج بنو عبد مناف جفنة مملوءة طيبا، فوضعوها لأحلافهم في المسجد عند الكعبة، ثم غمس القوم، أيديهم فيها، فتعاقدوا، وتعاهدوا هم وحلفاؤهم، ثم مسحوا الكعبة بأيديهم توكيدا على أنفسهم فسمّوا المطيّبين. وتعاقد بنو عبد الدار، وتعاهدوا وحلفاؤهم عند الكعبة حلفا مؤكدا على ان لا يتخاذلوا، ولا يسلم بعضهم بعضا، فسمّوا الأحلاف. ثم سوند بين القبائل، ولزّ بعضها ببعض، فعبّيت بنو عبد مناف لبني سهم، وعبيت بنو أسد لبني عبد الدار، وعبّيت بنو زهرة لبني جمح، وعبّيت بنو الحارث بن فهر لبني عديّ بن كعب، ثم قالوا: لتفر كل قبيلة على من أسند إليها. فبينا الناس على ذلك قد اجمعوا للحرب إذ تداعوا الى الصلح، على ان يعطوا بني عبد مناف السّقاية والرّفادة، وان تكون الحجابة واللواء والندوة لبني عبد الدار كما كانت، ففعلوا، ورضي كل واحد من الفريقين بذلك، وتحاجز الناس عن الحرب، وثبت كل قوم مع من حالفوا، فلم يزالوا على ذلك حتى جاء الله تعالى بالإسلام، فقال رسول الله ﵌ «ما كان من حلف في الجاهلية، فإنّ الإسلام لم يزده إلا شدّة» . وفرق ابن هشام بينه وبين حلف الفضول، وكذا فإن المصنف قد ذكره مرة اخرى في السنن الكبرى (٦: ٣٦٧)، وأشار الى ان بعض أهل السير ويقصد ابن قتيبة حيث نقل قوله «إن حلف المطيبين هو حلف الفضول» عقب البيهقي بقوله: «ان قوله حلف المطيبين انما هو حلف الفضول غلط، وذلك ان النبي ﵌ لم يدرك حلف المطيبين، لان ذلك كان قديما قبل ان يولد بزمان» . أ. هـ. ومن سياق قصة تكوين حلف المطيبين يتبين انه في زمان هاشم أبي عبد المطلب جدا الرسول ﵌. [(٣٩)] الفضول: اختلفوا فيه فقيل سمى بذلك لأنه كان قد سبق قريشا فيما قاله ابن قتيبة الى مثل هذا الحلف جرهم في الزمن الاول فتحالف منهم ثلاثة هم ومن تبعهم أحدهم: الفضل بن فضالة. الثاني: الفضل بن وداعة. والثالث: الفضل بن الحارث. هذا قول القتبي. وقال الزبير: الفضل بن شراعة والفضل بن قضاعة فلما أشبه حلف الآخر فعل هؤلاء الجرهميين سمى حلف الفضول، والفضول جمع فضل وهي اسماء أولئك الذين تقدم ذكرهم. قال السهيلي: وهذا الذي قاله ابن قتيبة حسن ولكن في الحديث ما هو أقوى منه. روى الحميدي
[ ٢ / ٣٩ ]
_________________
(١) [()] عن سفيان عن عبد الله بن محمد وعبد الرحمن بن أبي بكر قالا: قال رسول الله ﵌: «لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا لو دعيت به في الإسلام لأجبت تحالفوا أن يردّوا الفضول على أهلها ولا يعزّ ظالم على مظلوم. قلت: الظاهر ان قوله: تحالفوا الى آخره- مدرج من بعض رواته وليس بمرفوع، فلا دلالة حينئذ فيه. كان هذا القول الحلف في ذي القعدة قبل المبعث بعشرين سنة منصرف قريش من الفجار ولرسول الله ﵌ يومئذ عشرون سنة. وكان أكرم حلف سمع به وأشرفه في العرب. وكان أول من تكلم به ودعا إليه الزبير بن عبد المطلب عم رسول الله ﵌ وكان سببه ان رجلا من زبيد قدم مكة ببضاعة فاشتراها منه العاصي بن وائل السّهمي وكان ذا قدر وشرف بمكة فحبس عنه حقه فاستعدى عليه الزبيديّ الأحلاف عبد الدار ومخزوما وجمحا وسهما فأبوا أن يعينوا الزبيدي على العاصي ابن وائل وزبروه ونهروه فلما رأى الزبيدي الشرّ رقى على أبي قبيس عند طلوع الشمس وقريش في أنديتهم حول الكعبة فقال بأعلى صوته: يا آل فهر لمظلوم بضاعته ببطن مكة نائي الدار والنفر ومحرم أشعث لم يقض عمرته يا للرجال وبين الحجر والحجر إنّ الحرام لمن تمّت مكارمه ولا حرام لثوب الفاجر لغدر فقام في ذلك الزبير بن عبد المطلب وقال ألهذا مترك؟ فاجتمعت هاشم وزهرة وتيم في دار عبد الله بن جدعان فصنع لهم طعاما فحالفوا في القعدة في شهر حرام قياما فتعاقدوا وتعاهدوا ليكونن يدا واحدة مع المظلوم على الظالم حتى يؤدي اليه حقه ما بلّ بحر صوفة وما رسا حراء وثبير، مكانهما وعلى التآسي في المعاش. فسمّت قريش ذلك الحلف حلف الفضول وقالوا: لقد دخل هؤلاء في فضول من الأمر، ثم مشوا إلى العاصي بن وائل. فانتزعوا منه سلعة الزبيدي فدفعوها إليه. وروى ابن إسحاق عن طلحة بن عبيد الله وابن سعد والبيهقي عن جبير بن مطعم ﵄ قالا قال رسول الله ﵌: «لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحبّ أن لي به حمر النّعم ولا دعي به في الإسلام لأجبت» . وروى البيهقي عن أبي هريرة ﵁ تعالى أن رسول الله ﵌ قال: ما شهدت حلفا لقريش إلا حلف المطيّبين شهدته مع عمومتي وما أحب أن لي به حمر النعم وأني كنت نقضته. قال بعض رواته: والمطيبون هاشم وزهرة ومخزوم. قال البيهقي: كذا روى هذا التفسير مدرجا ولا أدري من قاله. وزعم بعض أهل السير أنه أراد حلف الفضول فإن النبي ﵌ لم يدرك حلف المطيّبين. والحلف: بكسر الحاء المهملة وإسكان اللام وهو العهد والبيعة.
[ ٢ / ٤٠ ]
﵌، لَمْ يُدْرِكْ حِلْفَ الْمُطَّيِّبِينَ.
وَزَعَمَ ابْنُ إِسْحَاقَ: أَنَّ هَذَا الْحِلْفَ- يَعْنِي الْأَخِيرَ- الَّذِي عَقَدُوهُ عَلَى التَّنَاصُرِ، وَالْأَخْذِ لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظَّالِمِ- شَهِدَهُ بَنُو هَاشِمٍ، وَبَنُو الْمُطَّلِبِ، وَبَنُو أَسَدٍ، وَبَنُو زُهْرَةَ، وَبَنُو تَيْمٍ. وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ مُفَسَّرًا فِي «كِتَابِ السُّنَنِ» [(٤٠)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ [قَالَ] [(٤١)] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شَيْبَانَ الرَّمْلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَلَبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ جَمِيلٍ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَثْرِبِيٍّ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، دَعَانِي إِلَى الدُّخُولِ فِي دِينِكَ أَمَارَةٌ لِنُبُّوتِكَ، رَأَيْتُكَ فِي الْمَهْدِ تُنَاغِي الْقَمَرَ وَتُشِيرُ إِلَيْهِ بِأُصْبُعِكَ، فَحَيْثُ أَشَرْتَ إِلَيْهِ مَالَ. قَالَ: إِنِّي كُنْتُ أُحَدِّثُهُ وَيُحَدِّثُنِي، وَيُلْهِينِي عَنِ الْبُكَاءِ، وَأَسْمَعُ وَجْبَتَهُ [حِينَ] [(٤٢)] يَسْجُدُ تَحْتَ الْعَرْشِ [(٤٣)] .
تَفَرَّدَ بِهِ هَذَا الْحَلَبِيُّ بإسناده [(٤٤)]
_________________
(١) [(٤٠)] في السنن الكبرى (٦: ٣٦٦- ٣٦٧) . [(٤١)] الزيادة من (م) . [(٤٢)] ليست في (م) ولا في (ص) . [(٤٣)] البداية والنهاية (٢: ٢٦٦)، والسيوطي في الخصائص الكبرى (١: ٥٣) . [(٤٤)] أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَلَبِيُّ، ووقع في البداية والنهاية «الحبلي»، وفي الخصائص الكبرى: «الجيلي»، له ترجمة في «الجرح والتعديل» (١: ١: ٤٠)، وقال: «أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَلَبِيُّ: روى عَنْ: عَلِيِّ بْنِ عَاصِمٍ، والهيثم بن جميل روى عنه: أَحْمَدُ بْنُ شَيْبَانَ الرَّمْلِيُّ قال روى عَنْ: عَلِيِّ بْنِ عَاصِمٍ، والهيثم بن جميل روى عنه: أَحْمَدُ بْنُ شَيْبَانَ الرَّمْلِيُّ قال ابن أبي حاتم: «سألت أبي عنه، وعرضت عليه حديثه، فقال: لا أعرفه، وأحاديثه باطلة موضوعة كلها ليست لها اصول، يدل حديثه على أنه كذاب» . أ. هـ. وقد ذكره الذهبي في الميزان (١: ٨٠)، فقال: «أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أبي سكينة الحلبي،
[ ٢ / ٤١ ]
وهو مجهول [(٤٥)] .
_________________
(١) [()] وبعضهم يسميه محمدا، قاله الخطيب. يروى عن مالك، قلت: ما رأيت لهم فيه كلاما» . ثم ترجم له مرة اخرى (١: ٨١)، ونقل قول ابي حاتم عنه. قال الحافظ ابن حجر في اللسان (١: ١٣١): «هذا من العجب، يقول: ما رأيت لهم فيه كلاما، ثم يجزم بأنه الذي قال فيه ابو حاتم ما قال ثم نقل ابن حجر قول ابن أبي حاتم، وعنده زيادة لم ترد في الجرح والتعديل، وهذه الزيادة لعلها من نسخة الحافظ ابن حجر، ونصها بعد كلام ابي حاتم السابق: «والذي يروي عن مالك أقدم من الذي يروي عن طبقة قتيبة، فلعلهما اثنان والله اعلم» . انتهى نقل الحافظ ابن حجر من نسخته الجرح والتعديل. ثم عقب بقوله: «وذكر الدارقطني والخطيب ان محمد بن المبارك الصوري روى عن أحمد بن إبراهيم بن أبي سكينة، ولم يذكرا له شيئا، وسيأتي في المحمدين ان ابن حبان ذكر ان ابن سكينة في «الثقات»، وكذا وثقه ابن حزم في حديث أخرجه من طريقه، عن علي بن المديني» . أ. هـ من اللسان (١:
(٢) ١٣٢) . [(٤٥)] جاء في هامش (م): بلغ كاتبه محمد بن محمد ابي بكر السدوسي الحنبلي قراءة على قاضي القضاة: عز الدين الكتاني الحنبلي بالمدرسة الصالحية بإيوان الحنابلة، وسمع جماعة كثيرون » . وسماعات أخرى موجزة.
[ ٢ / ٤٢ ]
بَابُ مَا جَاءَ فِي بِنَاءِ الْكَعْبَةِ عَلَى طَرِيقَ الِاخْتِصَارِ، وَمَا ظَهَرَ فِيهِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ مِنَ الْآثَارِ [(١)]
قَالَ اللهُ، ﷿: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا وَهُدىً لِلْعالَمِينَ [(٢)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ: الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الرُّوذْبَارِيُّ، قَالَ: [حَدَّثَنَا] [(٣)] إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعْدَانُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ! قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الْأَرْضِ أَوَّلُ؟ قَالَ: الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ. قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: ثُمَّ الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى. قَالَ: قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ سَنَةً، فَأَيْنَمَا أَدْرَكَتْ الصَّلَاةَ فَصَلِّ فَهُوَ مَسْجِدٌ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ، وَغَيْرُهُ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ وَأَخْرَجَهُ
_________________
(١) [(١)] في (ص): «من الآيات» . [(٢)] الآية الكريمة (٩٦) من سورة آل عمران. [(٣)] في (م) و(ص): «أخبرنا» .
[ ٢ / ٤٣ ]
الْبُخَارِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْأَعْمَشِ [(٤)] .
حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا [(٥)] أَبُو عَبْدِ اللهِ الصَّفَّارُ، قَالَ:
حَدَّثَنَا [(٥)] أَحْمَدُ بْنُ مِهْرَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنِ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا [(٥)] إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي يَحْيَى، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْروٍ، قَالَ:
كَانَ الْبَيْتُ قَبْلَ الْأَرْضِ بِأَلْفَيْ سَنَةٍ وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ [(٦)] قَالَ: مِنْ تَحْتِهِ مَدًّا [(٧)] .
تَابَعَهُ مَنْصُورٌ عَنْ مُجَاهِدٍ.
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ: قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ: مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ ابن عَبْدِ اللهِ الْبَغْدَادِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي [(٨)] يَحْيَى بْنُ [(٩)] عُثْمَانَ بْنِ صَالِحٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ الْجُهَنِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ [عن] [(١٠)]،
_________________
(١) [(٤)] أخرجه البخاري في: ٦٠- كتاب الأنبياء (١٠) باب حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، الفتح (٦: ٤٠٧)، كما أخرجه البخاري بعده مِنْ حَدِيثِ: عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْأَعْمَشِ، الفتح (٦: ٤٥٨) . وأخرجه مسلم في أول كتاب المساجد عن ابي كامل الجحدري، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شيبة وأبي كريب، حديث (١)، صفحة (٣٧٠) . وأخرجه النسائي في الصلاة عن بشر بن خالد، عن غندر، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ نحوه. وأخرجه ابن ماجة في: ٤- كتاب المساجد والجماعات (٧) باب اي مسجد وضع أول، حديث (٧٥٣)، صفحة (١: ٢٤٨) من طريق: علي بن ميمون الرّقّي، وعلي بن محمد، وأخرجه الإمام أحمد في «مسنده» (٥: ١٥٠) . [(٥)] في (م) و(ص): «أخبرنا» . [(٦)] الآية الكريمة (٣) من سورة الإنشقاق. [(٧)] أخرجه الحاكم في «المستدرك» (٢: ٥١٨)، وقال: «حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه» ووافقه الذهبي. [(٨)] في (هـ): «حدثنا» . [(٩)] في (ص): يحيى، أبو حفص [(١٠)] الزيادة من (هـ) .
[ ٢ / ٤٤ ]
أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْروِ بْنِ الْعَاصِ، قَالَ:
قَالَ النَّبِيُّ، ﵌: بَعَثَ اللهُ جِبْرِيلَ، ﵇ [(١١)]، إِلَى آدَمَ وَحَوَّاءَ، فَقَالَ لَهُمَا: ابْنِيَا لِي بِنَاءً. فَخَطَّ لَهُمَا جِبْرِيلُ، ﵇ [(١٢)]، فَجَعَلَ آدَمُ يَحْفِرُ وَحَوَّاءُ تَنْقِلُ حَتَّى أَجَابَهُ الْمَاءُ، نُودِيَ مِنْ تَحْتِهِ: حَسْبُكَ يَا آدَمُ. فَلَمَّا بَنَيَاهُ أَوْحَى اللهُ، تَعَالَى، [(١٣)]، إِلَيْهِ: أَنْ يَطُوفَ بِهِ، وَقِيلَ لَهُ: أَنْتَ أَوَّلُ النَّاسِ، وَهَذَا أَوَّلُ بَيْتٍ. ثُمَّ تَنَاسَخَتِ الْقُرُونُ حَتَّى حَجَّهُ نُوحٌ، ثُمَّ تَنَاسَخَتِ الْقُرُونُ حَتَّى رَفَعَ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنْهُ.
تَفَرَّدَ بِهِ ابْنُ لَهِيعَةَ هَكَذَا، مَرْفُوعًا [(١٤)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ: حَدَّثَنَا [(١٥)] الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قالا: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَبِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ، أَوْ غَيْرِهِ، قَالَ:
حَجَّ آدَمُ، ﵇، فَلَقِيَتْهُ الْمَلَائِكَةُ، فَقَالُوا: بَرَّ نُسُكَكَ يَا آدَمُ [(١٦)] لَقَدْ حَجَجْنَا قَبْلَكَ بِأَلْفَيْ عَامٍ [(١٧)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بن بكير، عن
_________________
(١) [(١١)] ليست في (م) . [(١٢)] ليست في (ص) و(م) . [(١٣)] ليست في (م) . [(١٤)] البداية والنهاية (٢: ٢٩٩)، وقال: «هو ضعيف، ووقفه عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عمرو أقوى وأثبت» . [(١٥)] في (م) و(ص): «أخبرنا» . [(١٦)] في (م): «برّ نسكك آدم» . [(١٧)] البداية والنهاية (٢: ٢٩٩) .
[ ٢ / ٤٥ ]
ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي ثِقَةٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ قَالَ:
مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ حَجَّ الْبَيْتَ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ هُودٍ وَصَالِحٍ
وَلَقَدْ حَجَّهُ نُوحٌ، فَلَمَّا كَانَ فِي الْأَرْضِ مَا كَانَ مِنَ الْغَرَقِ، أَصَابَ الْبَيْتُ مَا أَصَابَ الْأَرْضَ، وَكَانَ الْبَيْتُ رَبْوَةً حَمْرَاءَ، فَبَعَثَ اللهُ تَعَالَى [(١٨)]، هُودًا، فَتَشَاغَلَ بِأَمْرِ قَوْمِهِ حَتَّى قَبَضَهُ اللهُ، تَعَالَى [(١٩)]، إِلَيْهِ، فَلَمْ يَحُجَّهُ حَتَّى مَاتَ.
ثُمَّ بَعَثَ اللهُ صَالِحًا، فَتَشَاغَلَ بِأَمْرِ قَوْمِهِ حَتَّى قَبَضَهُ اللهُ، تَعَالَى [(١٩)]، إِلَيْهِ، فَلَمْ يَحُجَّهُ حَتَّى مَاتَ، فَلَمَّا بَوَّأَ اللهُ، تَعَالَى [(١٩)]، لِإِبْرَاهِيمَ ﵇ [(٢٠)] حَجَّهُ، لَمْ يَبْقَ نَبِيٌّ بَعْدَهُ إِلَّا حَجَّهُ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأَدِيبُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا فَيَّاضُ بْنُ زُهَيْرٍ، وَمَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ (ح) . وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ: مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ مَنْصُورٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ زِيَادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا [(٢١)] ابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالُوا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، [قَالَ] [(٢٢)] أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ كَثِيرِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ، وَأَيُّوبَ [السَّخْتَيَانِيِّ] [(٢٣)]- يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ [(٢٤)]- عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قال [(٢٥)]:
_________________
(١) [(١٨)] في (م) و(ص): «﷿» . [(١٩)] ليست في (م) . [(٢٠)] في (م): لإبراهيم﵇-. [(٢١)] في (م) و(ص): «أخبرنا» . [(٢٢)] ليست في (ص) . [(٢٣)] الزيادة من صحيح البخاري. [(٢٤)] في (م) و(ص): «على صاحبه» . [(٢٥)] في (م): «قالا» .
[ ٢ / ٤٦ ]
كُنَّا عِنْدَهُ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، سَلُونِي، فَإِنِّي أَوْشَكْتُ أَنْ أَذْهَبَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِكُمْ. فَأَكْثَرَ النَّاسُ مَسْأَلَتَهُ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَصْلَحَكَ اللهُ، أَرَأَيْتَ هَذَا الْمَقَامَ أَهُوَ كَمَا نُحَدِّثُ [(٢٦)]؟
قَالَ: وَمَا كُنْتَ تُحَدِّثُ؟
قَالَ: كُنَّا نَقُولُ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ، صَلَوَاتُ اللهُ عَلَيْهِ [(٢٧)]، حِينَ جَاءَ، عَرَضَتْ عَلَيْهِ امْرَأَةُ إِسْمَاعِيلَ النُّزُولَ، فَأَبَى أَنْ يَنْزِلَ، فَجَاءَتْ بِهَذَا الْحَجَرِ فَوَضَعْتُهُ لَهُ.
فَقَالَ: لَيْسَ كَذَلِكَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ [(٢٨)]: أَوَّلُ مَا اتَّخَذَ النِّسَاءُ الْمَنَاطِقَ [(٢٩)] مِنْ قِبَلِ أُمِّ إِسْمَاعِيلَ، اتَّخَذَتْ مِنْطَقًا لَتُعَفِّيَ أَثَرَهَا عَلَى سَارَةَ، ثُمَّ جَاءَ بِهَا إِبْرَاهِيمُ، ﵌، وَبِابْنِهَا إِسْمَاعِيلُ [﵇] [(٣٠)] وَهِيَ تُرْضِعُهُ حَتَّى وَضَعَهُمَا [(٣١)] عِنْدَ الْبَيْتِ، وَلَيْسَ بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ، وَلَيْسَ بِهَا مَاءٌ، فَوَضَعَهُمَا هُنَالِكَ، وَوَضَعَ عِنْدَهُمَا جِرَابًا فِيهِ تَمْرٌ، وَسِقَاءً فِيهِ مَاءُ. ثُمَّ قَفَّى إِبْرَاهِيمُ، ﵇ [(٣٢)]، مُنْطَلِقًا، فَتَبِعَتْهُ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ، فَقَالَتْ [(٣٣)]: يَا إِبْرَاهِيمُ، أَيْنَ تَذْهَبُ وَتَتْرُكُنَا بِهَذَا الْوَادِي الَّذِي لَيْسَ فِيهِ أَنِيسٌ وَلَا شَيْءٌ؟ قَالَتْ ذلك ثلاث مرار، وَجَعَلَ لَا يَلْتَفِتُ. فَقَالَتْ لَهُ: آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَتْ: إِذًا لا
_________________
(١) [(٢٦)] في (ص): «يحدّث» . [(٢٧)] في (م) و(ص): ﵌. [(٢٨)] من هنا أول الحديث في صحيح البخاري. [(٢٩)] (المنطق) ما يشدّ به الوسط، أي اتخذت أم إسماعيل منطقا، وكان أول الاتخاذ من جهتها، ومعناه انها تزيّت بزي الخدم إشعارا بأنها خادم سارة لتستميل خاطرها، وتجبر قلبها. [(٣٠)] ليست في (م) ولا في (ص) . [(٣١)] في (م) و(ص): «وضعها» . [(٣٢)] ليست في (م) . [(٣٣)] في (م) و(ص): «وقالت» .
[ ٢ / ٤٧ ]
يُضَيِّعُنَا. ثُمَّ رَجَعَتْ.
وَانْطَلَقَ إِبْرَاهِيمُ حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ الثَّنِيَّةِ حَيْثُ لَا يَرَوْنَهُ، اسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ الْبَيْتَ، ثُمَّ دَعَا بِهَذِهِ الدَّعَوَاتِ، وَرَفَعَ يَدَهُ وَقَالَ: رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي حَتَّى بَلَغَ: لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ [(٣٤)] فَجَعَلَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ تُرْضِعُ إِسْمَاعِيلَ وَتَشْرَبُ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ، حَتَّى إِذَا نَفِدَ مَا فِي السِّقَاءِ عَطِشَتْ وَعَطِشَ ابْنُهَا وَجَاعَ، وَجَعَلَتْ تَنْظُرُ إِلَيْهِ يَتَلَوَّى- أَوْ قَالَ: يَتَلَبَّطُ- قَالَ: فَانْطَلَقَتْ كَرَاهِيَةَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَوَجَدَتِ الصَّفَا أَقْرَبَ جَبَلٍ مِنَ الْأَرْضِ يَلِيهَا، فَقَامَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَتِ الْوَادِيَ تَنْظُرُ هَلْ تَرَى أَحَدًا؟ فَلَمْ تَرَ أَحَدًا، فَهَبَطَتِ الصَّفَا حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْوَادِيَ رَفَعَتْ طَرَفَ دِرْعِهَا، وَسَعَتْ سَعْيَ الْإِنْسَانِ الْمَجْهُودِ حَتَّى جَاوَزَتِ الْوَادِيَ، ثُمَّ أَتَتِ الْمَرْوَةَ فَقَامَتْ عَلَيْهَا، فَنَظَرَتْ هَلْ تَرَى أَحَدًا، فَلَمْ تَرَ أَحَدًا، فَفَعَلَتْ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ.
قَالَ النَّبِيُّ، ﵌، فَلِذَلِكَ [سَعَى النَّاسُ] [(٣٥)] بَيْنَهُمَا.
فَلَمَّا أَشْرَفَتْ عَلَى الْمَرْوَةِ سَمِعَتْ صَوْتًا، فَقَالَتْ: صَهٍ- تُرِيدُ نَفْسَهَا- ثُمَّ تَسَمَّعَتْ أَيْضًا فَسَمِعَتْ، فَقَالَتْ: قَدْ أُسْمِعْتُ إِنْ كَانَ عِنْدَكَ غَوَاثٌ، فَإِذَا هِيَ بِالْمَلَكِ عِنْدَ مَوْضِعِ زَمْزَمَ يَبْحَثُ بِعَقِبِهِ- أَوْ قَالَ بِجَنَاحِهِ- حَتَّى ظَهَرَ الْمَاءُ، فَجَعَلَتْ تُحَوِّضُهُ [(٣٦)] وَجَعَلَتْ تَغْرِفُ مِنَ الْمَاءِ فِي سِقَائِهَا، وَهِيَ تَفُورُ بِقَدْرِ مَا تَغْرِفُ.
* قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَقَالَ النَّبِيُّ، ﵌، يَرْحَمُ اللهُ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ، لَوْ تَرَكَتْ زَمْزَمَ- أَوْ قَالَ: لَوْ لَمْ تَغْرِفْ مِنَ الْمَاءِ- لَكَانَتْ زَمْزَمُ عَيْنًا مَعِينًا.
فَشَرِبَتْ وَأَرْضَعَتْ وَلَدَهَا، وَقَالَ لَهَا الْمَلَكُ: لَا تَخَافِي مِنَ الضَّيْعَةِ، فَإِنَّ
_________________
(١) [(٣٤)] الآية الكريمة (٣٧) من سورة إبراهيم. [(٣٥)] الزيادة من (م) و(ص)، وهي موافقة لصحيح البخاري. [(٣٦)] في (هـ) و(ح): تحوّطه، وفي (ص): تخوضه، وأثبتّ ما في (م)، وهو موافق لرواية البخاري، ومعناه: «تجعله كالحوض لئلا يذهب الماء» .
[ ٢ / ٤٨ ]
هَهُنَا بَيْتَ اللهِ، يَبْنِيهِ هَذَا الْغُلَامُ وَأَبُوهُ، وَإِنَّ اللهَ لَا يُضَيِّعُ أَهْلَهُ. فَكَانَ الْبَيْتُ مُرْتَفِعًا كَالرَّابِيَةِ، تَأْتِيهِ السُّيُولُ فَتَأْخُذُ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ، فَكَانُوا كَذَلِكَ حَتَّى مَرَّ بِهِمْ قَوْمٌ مِنْ جُرْهُمٍ-[أَوْ أَهْلِ بَيْتٍ مِنْ جُرْهُمِ] [(٣٧)] مُقْبِلِينَ مِنْ كَدَاءَ [(٣٨)] فَنَزَلُوا فِي أَسْفَلِ مَكَّةَ، فَرَأَوْا طَائِرًا عَائِفًا [(٣٩)] فَقَالُوا: إِنَّهُ لَيَدُورُ، وَلَعَهْدُنَا بِهَذَا، الْوَادِي مَا فِيهِ مَاءٌ! فَأَرْسَلُوا جَرِيًّا [(٤٠)] أَوْ جَرِيَّيْنِ فَرَجَعُوا، فَأَخْبَرُوهُمْ بِالْمَاءِ. فَأَقْبَلُوا، فَقَالُوا: أَتَأْذَنِينَ لَنَا أَنْ نَنْزِلَ عِنْدَكَ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ، وَلَكِنْ لَا حَقَّ لَكُمْ فِي الْمَاءِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِيُّ، ﵌: فَأَلْفَى ذَلِكَ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ، وَهِيَ تُحِبُّ الْأُنْسَ. فَنَزَلُوا مَعَهَا حَتَّى كَانَ بِهَا أَهْلُ أَبْيَاتٍ مِنْهُمْ، وَشَبَّ الْغُلَامُ، وَتَعَلَّمَ الْعَرَبِيَّةَ [(٤١)]، مِنْهُمْ، وَأَنْفَسَهُمْ [(٤٢)] وَأَعْجَبَهُمْ، فَلَمَّا أَدْرَكَ زَوَّجُوهُ امْرَأَةً مِنْهُمْ [(٤٣)] . وَمَاتَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ.
قَالَ مَعْمَرٌ: وَبَلَغَنِي عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، [﵁] [(٤٤)]، أَنَّهُ قَالَ لِقُرَيْشٍ: إِنَّهِ كَانَ وُلَاةُ هَذَا الْبَيْتِ قَبْلَكُمْ- أَظُنُّهُ قَالَ طسم- وتهاونوا به [(٤٥)]،
_________________
(١) [(٣٧)] ليست في (ص) . [(٣٨)] محل في أعلى مكة. [(٣٩)] (طيرا عائفا) هو الذي يتردد على الماء ويحوم حوله، ولا يمضي عنه، والعائف: الرجل الذي يعرف مواضع الماء من الأرض. [(٤٠)] (الجري): الوكيل، والأجير، وسمي كذلك لأنه يجري مجرى مرسله، أو موكله، او لأنه يجري مسرعا في حوائجه. [(٤١)] عند الحاكم: «أول من نطق بالعربية إسماعيل» . [(٤٢)] (أنفسهم)، بلفظ الماضي، اي رغبهم فيه، وفي مصاهرته، يقال: أنفسني فلان في كذا، اي: رغبني فيه، وأعجبهم: أي أعجبهم في نفاسته. [(٤٣)] قال السهيلي: «اسمها: جداء بنت سعد»، وعن ابن اسحق ان اسمها: عمارة. [(٤٤)] ليست في (م) . [(٤٥)] في (م): «فَتَهَاوَنُوا بِهِ» .
[ ٢ / ٤٩ ]
ولم يُعَظِّمُوا حُرْمَتُهُ، فَأَهْلَكَهُمُ اللهُ، تَعَالَى [(٤٦)] ثُمَّ وَلِيَتْهُ بَعْدَهُمْ جُرْهُمُ، فَتَهَاوَنُوا بِهِ، ولم يُعَظِّمُوا حُرْمَتَهُ، فَأَهْلَكَهُمُ اللهُ تَعَالَى. فَلَا تَهَاوَنُوا بِهِ، وَعَظِّمُوا حُرْمَتَهُ.
ثُمَّ رَجَعَ الْحَدِيثُ إِلَى حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.
قَالَ: فجاء إبراهيم [(٤٧)] بعد ما تَزَوَّجَ إِسْمَاعِيلَ، لِيُطَالِعَ تَرِكَتَهُ، فَلَمْ يَجِدْ إِسْمَاعِيلَ، فَسَأَلَ عَنْهُ امْرَأَتَهُ، فَقَالَتْ: خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا [(٤٨)] ثُمَّ سَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ [(٤٩)] . فَقَالَتْ: نَحْنُ بِشَرٍّ، وَنَحْنُ فِي ضِيقٍ وَشِدَّةٍ، وَشَكَتْ إِلَيْهِ.
قَالَ: فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِي ﵇، وَقُولِي لَهُ: يُغَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِهِ [(٥٠)] . فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ كَأَنَّهُ آنَسَ شَيْئًا. قَالَ: هَلْ جَاءَكُمْ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، جَاءَنَا شَيْخٌ كَذَا وَكَذَا، فَسَأَلَنَا عَنْكَ، وَسَأَلَنَا عَنْ عَيْشِنَا. فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا فِي جَهْدٍ وَشِدَّةٍ.
قَالَ: فَهَلْ أَوْصَاكِ بِشَيْءٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ السَّلَامَ، وَيَقُولُ: غَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِكَ. قَالَ: ذَلِكَ أَبِي [(٥١)]، وَأَنْتِ الْعَتَبَةُ، أَمَرَنِي أَنْ أُفَارِقَكِ، فَالْحَقِي بِأَهْلِكِ، وَطَلَّقَهَا. وَتَزَوَّجَ [(٥٢)] مِنْهُمْ أُخْرَى [(٥٣)] . فَلَبِثَ عَنْهُمْ إِبْرَاهِيمُ مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ أَتَاهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَمْ يَجِدْهُ، فَدَخَلَ عَلَى امْرَأَتِهِ فَسَأَلَهَا عَنْهُ. فَقَالَتْ: خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا. وَقَالَ: كَيْفَ أَنْتُمْ؟ وَسَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ، فَقَالَتْ: نَحْنُ بِخَيْرٍ، وَنَحْنُ فِي سَعَةٍ، وَأَثْنَتْ عَلَى الله، فقال: ماذا
_________________
(١) [(٤٦)] ليست في (م) . [(٤٧)] في (م): «إِبْرَاهِيمُ ﵌» . [(٤٨)] أي يطلب لنا الرزق. [(٤٩)] زاد في رواية عطاء بن السائب: «هل عندك من ضيافة» . [(٥٠)] (العتبة) بفتح العين المهملة، وهي اسكفة الباب وهي هنا كناية عن المرأة. [(٥١)] إبراهيم، وفي رواية: ذاك الذي هو أبي إبراهيم. [(٥٢)] في (م): «فطلقها، فتزوّج، وفي (ص): «ثم تزوج» . [(٥٣)] ذكر الواقدي ان اسمها: «سامة بنت مهلهل»، وقيل: عاتكة، وقيل: «بشامة بنت مهلهل» . وقيل غير ذلك.
[ ٢ / ٥٠ ]
طَعَامُكُمْ، قَالَتِ: [(٥٤)] اللَّحْمُ. قَالَ: فَمَا شَرَابُكُمْ؟ قَالَتِ: الْمَاءُ. قَالَ:
اللهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي اللَّحْمِ والْمَاءِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِيُّ، ﵌: وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ يَوْمَئِذٍ حَبٌّ، وَلَوْ [(٥٥)] كَانَ لَهُمْ حَبٌّ دَعَا لَهُمْ فِيهِ.
قَالَ: فَهُمَا لَا يَخْلُو عَلَيْهِمَا أَحَدٌ، بِغَيْرِ مَكَّةَ، إِلَّا لَمْ يُوَافِقَاهُ [(٥٦)] .
قَالَ: فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِي ﵇، وَمُرِيهِ أَنْ يُثَبِّتَ عَتَبَةَ بَابِهِ.
فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: هَلْ أَتَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، جَاءَنَا شَيْخٌ حَسَنُ الْهَيْئَةِ. وَأَثْنَتْ عَلَيْهِ، فسألني عنك فأخبرته، فسألنا كَيْفَ عَيْشُنَا؟ فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا بِخَيْرٍ. قَالَ: وَهَلْ [(٥٧)] أَوْصَاكِ بِشَيْءٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، يَقْرَأُ [(٥٨)] عَلَيْكَ السَّلَامَ، وَيَأْمُرُكَ أَنْ تُثَبِّتَ عَتَبَةَ بَابِكَ. قَالَ: ذَاكَ أَبِي، وَأَنْتِ الْعَتَبَةُ، أَمَرَنِي أَنْ أُمْسِكَكِ.
فَلَبِثَ عَنْهُمْ مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ.
قَالَ مَعْمَرٌ: وَسَمِعْتُ رَجُلًا، يَقُولُ: كَانَ إِبْرَاهِيمُ، ﵌، يَأْتِي عَلَى الْبُرَاقِ.
ثُمَّ رَجَعَ الْحَدِيثُ إِلَى سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. قَالَ سَعِيدٌ:
فَجَاءَ إِبْرَاهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ يَبْرِي نَبْلًا لَهُ تَحْتَ دَوْحَةٍ قَرِيبًا مِنْ زَمْزَمَ، فَلَمَّا رَآهُ قَامَ إِلَيْهِ فَصَنَعَا كَمَا يَصْنَعُ الْوَالِدُ بِالْوَلَدِ، وَالْوَلَدُ بِالْوَالِدِ [(٥٩)]، قَالَ معاوية:
_________________
(١) [(٥٤)] في (م): «فقالت» . [(٥٥)] في (م): «فلو» . [(٥٦)] الغرض أن المداومة على اللحم والماء لا يوافق الأمزجة، وينحرف المزاج عنهما إلا في مكة فإنهما يوافقانه، وهذا من جملة بركاتها، وأثر دعاء إِبْرَاهِيمُ﵇- [(٥٧)] فِي (م): فهل. [(٥٨)] في (ص): يقرئ. [(٥٩)] يعني من الاعتناق والمصافحة، وتقبيل اليد.
[ ٢ / ٥١ ]
وَسَمِعْتُ رَجُلًا يَقُولُ: بَكَيَا حَتَّى أَجَابَتْهُمَا الطَّيْرُ. ثُمَّ رَجَعَ إِلَى حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.
قَالَ إِبْرَاهِيمُ: يَا إِسْمَاعِيلُ، إِنَّ اللهَ تَعَالَى [(٦٠)] يَأْمُرُنِي بِأَمْرٍ [(٦١)] . قَالَ:
فَاصْنَعْ مَا أَمَرَكَ بِهِ. قَالَ أَفَتُعِينُنِي؟ قَالَ: وَأُعِينُكَ. قَالَ: فَإِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ أَبْنِيَ بَيْتًا هَا هُنَا. قَالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ رَفَعَ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ. قَالَ: فَجَعَلَ إِسْمَاعِيلُ يَأْتِي بِالْحِجَارَةِ، وَإِبْرَاهِيمُ، ﵌، يَبْنِي، حَتَّى ارْتَفَعَ الْبِنَاءُ، [فَلَمَّا ارْتَفَعَ الْبِنَاءُ] [(٦٢)] جَاءَ بِهَذَا الْحَجَرِ فَوَضَعَهُ لَهُ، فَقَامَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَبْنِي، وَإِسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الْحِجَارَةَ، وَهُمَا يَقُولَانِ: رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ فَجَعَلَا يَبْنِيَانِ وَهُمَا يَدُورَانِ حَوْلَ الْبَيْتِ، وَهُمَا يَقُولَانِ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [(٦٣)] .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ [(٦٤)]، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ.
* أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا [(٦٥)] أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَسْفَاطِيُّ- يَعْنِي عَبَّاسُ بْنُ الْفَضْلِ- قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبٍ
_________________
(١) [(٦٠)] ليست في (م) ولا في (ص) . [(٦١)] قيل: كان عمر إبراهيم في ذلك الوقت مائة سنة، وعمر إسماعيل ثلاثين سنة. [(٦٢)] ليست في (م) . [(٦٣)] الآية الكريمة (١٢٧) من سورة البقرة. [(٦٤)] الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في: ٦٠- كتاب الأنبياء، (٩) باب يزفون: النسلان في المشي، فتح الباري (٦: ٣٩٦)، بطوله، وفي كتاب الشرب ببعضه عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ. كما أخرجه النسائي في المناقب الكبرى (٧٨: ١) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ معمر، عنهما: أي أيوب، وكثير بن كثير نحوه بطوله. تحفة الاشراف (٤: ٤٤٠) . [(٦٥)] في (م) و(ص): «أخبرنا» .
[ ٢ / ٥٢ ]
[قَالَ] [(٦٦)]، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُسَافِعٌ الْحَجَبِيُّ، سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنِ عَمْروٍ، يَقُولُ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ، ﵌: إِنَّ الرُّكْنَ وَالْمَقَامَ مِنْ يَاقُوتِ الْجَنَّةِ، وَلَوْلَا مَا مَسَّهُمَا مِنْ خَطَايَا بني آدم لأضاء مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، وَمَا مَسَّهُمَا مِنْ ذِي عَاهَةٍ وَلَا سَقِيمٍ إِلَّا شُفِيَ [(٦٧)] .
* أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ أَسْبَاطِ بْنِ نَصْرٍ الْهَمْدَانِيِّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ:
خَرَجَ آدَمُ مِنَ الْجَنَّةِ وَمَعَهُ حَجَرٌ فِي يَدِهِ [(٦٨)]، وَوَرَقٌ فِي الْكَفِّ الْأُخْرَى، فَنَبَتَ [(٦٩)] الْوَرَقُ فِي الْهِنْدِ فَمِنْهُ مَا تَرَوْنَ مِنَ الطِّيبِ، وَأَمَّا الْحَجَرُ فَكَانَ يَاقُوتَةً بَيْضَاءَ يُسْتَضَاءُ بِهَا. فَلَمَّا بَنَى إِبْرَاهِيمُ الْبَيْتَ فَبَلَغَ مَوْضِعَ الْحَجَرِ، قَالَ لِإِسْمَاعِيلَ: ائْتِنِي بِحَجَرٍ أَضَعُهُ هَهُنَا. فَأَتَاهُ بِحَجَرٍ مِنَ الْجَبَلِ، فَقَالَ: غَيْرُ هَذَا، فَرَدَّهُ مِرَارًا لَا يَرْضَى بِمَا يَأْتِيهِ بِهِ [(٧٠)]، فَذَهَبَ مَرَّةً وَجَاءَ جِبْرِيلُ ﵇ بِحَجَرٍ [(٧١)] مِنَ الْهِنْدِ- الَّذِي خَرَجَ بِهِ آدَمُ مِنَ الْجَنَّةِ- فَوَضَعَهُ، فَلَمَّا جَاءَهُ إِسْمَاعِيلُ قَالَ: مَنْ جَاءَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: مَنْ هو أنشط منك [(٧٢)] .
_________________
(١) [(٦٦)] الزيادة من (م) . [(٦٧)] أخرجه الترمذي في: ٧- كتاب الحج، (٤٩) بَابُ مَا جَاءَ فِي فضل الحجر الأسود والركن والمقام، ح (٨٧٨)، ص (٣: ٢١٧)، قال أبو عيسى: «هو حديث غريب»، وأخرجه الإمام أحمد في «مسنده» (٢: ٢١٣، ٢١٤)، والحاكم في «المستدرك» (١: ٤٥٦) من طريق ضعيف. [(٦٨)] في (م) و(ص): «معه بحجر في يده» . [(٦٩)] في (ح) و(هـ): «فنثّ» . [(٧٠)] في (م): «فردّده مرارا لا يرضى ما يأتيه به» . [(٧١)] في (هـ) و(م) «بالحجر» . [(٧٢)] انفرد البيهقي بإخراجه.
[ ٢ / ٥٣ ]
* أخبرنا أبو عبد الله الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ [(٧٣)] قَالَ: لَمَّا أَمَرَ اللهُ، ﷿، إِبْرَاهِيمَ، ﵇، أَنْ يُؤَذِّنَ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ قَالَ: يَا أَيُّها النَّاسُ، إِنَّ رَبَّكُمُ اتَّخَذَ بَيْتًا، وَأَمَرَكُمْ أَنْ تحجوه. فاستجاب له سَمِعَهُ [(٧٤)] مِنْ حَجَرٍ أَوْ شَجَرٍ أَوْ أَكَمَةٍ أَوْ تُرَابٍ أَوْ شَيْءٍ، فَقَالُوا: لَبَّيْكَ اللهُمَّ لَبَّيْكَ.
* أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ: عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِئُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عبد الأعلى ابن حَمَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ الْعَطَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ خُثَيْمٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، قَالَ:
قُلْتُ لَهُ: يَا خَالِ: حَدِّثْنِي عَنْ شَأْنِ الْكَعْبَةِ قَبْلَ أَنْ تَبْنِيَهَا قُرَيْشٌ. قَالَ:
كَانَ بِرَضْمٍ [(٧٥)] يابس ليس بمدر [(٧٦)] يندوه الْعَنَاقُ، وَتُوضَعُ الْكِسْوَةُ عَلَى الْجُدُرِ، ثُمَّ تُدَلَّى.
ثُمَّ إِنَّ سَفِينَةً لِلرُّومِ أَقْبَلَتْ حَتَّى إِذَا كَانَتْ بِالشُّعَيْبَةِ [(٧٧)] انْكَسَرَتْ، فَسَمِعَتْ بِهَا قُرَيْشٌ، فَرَكِبُوا إِلَيْهَا، وَأَخَذُوا خَشَبَهَا، ورومي يُقَالُ لَهُ: بَلْقُومُ نَجَّارٌ باني.
فَلَمَّا قَدِمُوا مَكَّةَ، قَالُوا: لَوْ بَنَيْنَا بَيْتَ رَبِّنَا ﷿. فَاجْتَمَعُوا لِذَلِكَ، ونقلوا
_________________
(١) [(٧٣)] الآية الكريمة (٢٧) من سورة الحج. [(٧٤)] في (ح) و(هـ): ما سمع. [(٧٥)] في (ص): «بوضم» وهو تصحيف، والرضم: الحجارة. [(٧٦)] (المدر): قطع الطين اليابس. [(٧٧)] (الشعيبة): قرية على ساحل البحر جنوب جدة. معجم ما استعجم (١: ٢٩٢) .
[ ٢ / ٥٤ ]
الْحِجَارَةَ مِنْ أَجْيَادِ [(٧٨)] الضَّوَاحِي، فَبَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ، ﵌، يَنْقِلُهَا إِذِ انْكَشَفَتْ نَمِرَتُهُ [(٧٩)]، فَنُودِيَ: يَا مُحَمَّدُ، عَوْرَتَكَ. فَذَلِكَ أَوَّلُ مَا نُودِيَ. وَاللهُ أَعْلَمُ.
فَمَا رؤيت لَهُ عَوْرَةٌ بَعْدُ وَلَا قَبْلُ [(٨٠)] .
* أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّيْرَفِيُّ بِمَروَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَيَّانَ بْنِ مُلَاعِبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ، عن خالد بن عُرْعُرَةَ، [قَالَ] [(٨١)]: سَأَلَ رَجُلٌ عَلِيًّا، [﵁] [(٨٢)]، عَنْ أَوَّلِ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا، هُوَ أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ [(٨٣)] فِي الْأَرْضِ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنَّهُ أَوَّلُ بَيْتِ وُضِعَ فِيهِ الْبَرَكَةُ وَالْهُدَى، وَمَقَامُ إِبْرَاهِيمَ، وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمَنَّا. وَإِنْ شِئْتَ أَنْبَأْتُكَ كَيْفَ بِنَاؤُهُ: إِنَّ اللهَ، ﵎: أَوْحَى إِلَى إِبْرَاهِيمَ، [﵇] [(٨٤)]: أَنِ ابْنِ لِي بَيْتًا فِي الْأَرْضِ، فَضَاقَ بِهِ ذَرْعًا، فَأَرْسَلَ اللهُ، ﷿، إِلَيْهِ السَّكِينَةَ، وَهِيَ رِيحٌ خَجُوجٌ [(٨٥)] لَهَا رَأْسٌ، فَاتَّبَعَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ حَتَّى انْتَهَتْ ثُمَّ تَطَوَّقَتْ إِلَى مَوْضِعِ الْبَيْتِ تَطَوُّقَ الْحَيَّةِ، فَبَنَى إبراهيم، فكان
_________________
(١) [(٧٨)] (أجياد) موضع من بطحاء مكة. معجم ما استعجم (١: ١١٥) . [(٧٩)] في (ص): «عورته» . [(٨٠)] أخرجه عبد الرزاق، والطبراني، والحاكم، عن ابي الطفيل﵁- وعنهم: الصالحي في السيرة الشامية (٢: ٢٣٠) . [(٨١)] ليست في (ص) . [(٨٢)] ليست في (ص) . [(٨٣)] في (م) و(ص): «بني» . [(٨٤)] ليست في (ص) ولا في (م) . [(٨٥)] خجوج: شديدة.
[ ٢ / ٥٥ ]
يَبْنِي هُوَ سَاقًا كُلَّ يَوْمٍ [(٨٦)]، حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَكَانَ الْحَجَرِ، قَالَ لِابْنِهِ: ابْغِنِي حَجَرًا، فَالْتَمَسَ ثَمَّ حَجَرًا حَتَّى أَتَاهُ بِهِ، فَوَجَدَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ قَدْ رُكِّبَ، فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ: مِنْ أَيْنَ لَكَ هَذَا؟ قَالَ: جَاءَ بِهِ مَنْ لَمْ يَتَّكِلْ عَلَى بِنَائِكَ، جَاءَ بِهِ جِبْرِيلُ، ﵇، مِنَ السَّمَاءِ فَأَتَمَّهُ [(٨٧)] .
* وأَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرِ بْنُ قَتَادَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا [(٨٨)] أَبُو الْحَسَنِ [مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ] [(٨٩)] السَّرَّاجُ، قَالَ: حَدَّثَنَا [(٩٠)] أَبُو شُعَيْبٍ الْحَرَّانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ ابن عَمْرٍو، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ: سَلَّامُ بْنُ سُلَيْمٍ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ عُرْعُرَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، [﵁] [(٩١)]، بِمَعْنَاهُ زَادَ: قَالَ فَمَرَّ عَلَيْهِ الدَّهْرُ، فَانْهَدَمَ، فَبَنَتْهُ الْعَمَالِقَةُ. قَالَ: فَمَرَّ عَلَيْهِ الدَّهْرُ، فَانْهَدَمَ، فَبَنَتْهُ جُرْهُمُ، فَمَرَّ عَلَيْهِ الدَّهْرُ، فَبَنَتْهُ قريش، ورسول الله، ﵌، يَوْمَئِذٍ رَجُلٌ شَابٌّ، فَلَمَّا أَرَادُوا أَنْ يَرْفَعُوا الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ اخْتَصَمُوا فِيهِ، فَقَالُوا:
نُحَكِّمُ بَيْنَنَا أَوَّلَ رَجُلٍ يَخْرُجُ مِنْ هَذِهِ السِّكَّةِ، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ، ﵌، أَوَّلَ مَنْ خَرَجَ عَلَيْهِمْ. فَقَضَى بَيْنَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي مِرْطٍ، ثُمَّ تَرْفَعُهُ جَمِيعُ الْقَبَائِلِ كُلُّهُمْ [(٩٢)] .
* أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ: مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ فُورَكٍ، [﵀] [(٩٣)] قال:
_________________
(١) [(٨٦)] في (هـ): «فكان يبني كل يوم ساقا» . [(٨٧)] أخرجه الطبري في تفسيره (٣: ٦٩- ٧١)، ورواه الحاكم في «المستدرك» (٢: ٢٩٢- ٢٩٣)، وقال: «صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه»، ووافقه الذهبي، ورواه الأزرقي في «تاريخ مكة» (١: ٢٤- ٢٥) . [(٨٨)] في (ص) و(م): «أخبرنا» . [(٨٩)] الزيادة من (م) . [(٩٠)] في (م) و(ص): «أخبرنا» . [(٩١)] الزيادة من (هـ) و(ح) . [(٩٢)] أخرجه الحاكم في «المستدرك» تاما، (١: ٤٥٨)، وقال: «صحيح» . وأقره الذهبي. [(٩٣)] الزيادة من (م) و(ص) .
[ ٢ / ٥٦ ]
أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، وَقَيْسٌ، وَسَلَامٌ، كُلُّهُمْ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ عُرْعُرَةَ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: لَمَّا أَنْ هُدِمَ الْبَيْتُ بَعْدَ جُرْهُمٍ، بَنَتْهُ قُرَيْشٌ، فَلَمَّا أَرَادُوا وَضْعَ الْحَجَرِ تَشَاجَرُوا مَنْ يَضَعْهُ، فَاتَّفَقُوا أَنْ يَضَعَهُ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ مِنْ هَذَا الْبَابِ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللهِ، ﵌، مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ، فَأَمَرَ بِثَوْبٍ فَوُضِعَ الْحَجَرُ فِي وَسَطِهِ، وَأَمَرَ كُلَّ فَخِذٍ أَنْ يَأْخُذُوا بِطَائِفَةٍ مِنَ الثَّوْبِ فَيَرْفَعُوهُ، وَأَخَذَهُ رَسُولُ اللهِ، ﵌، فَوَضَعَهُ.
* أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عبد الله بن جعفر ابْنُ دُرُسْتَوَيْهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَصْبَغُ بْنُ فَرَجٍ [(٩٤)]، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ:
لَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللهِ، ﵌، الْحُلُمَ أَجْمَرَتِ امْرَأَةٌ الْكَعْبَةَ، وَطَارَتْ [(٩٥)] شَرَارَةٌ مِنْ مجمرتها في ثياب الكعبة فَاحْتَرَقَتْ، فَهَدَمُوهَا، حَتَّى إِذَا بَنَوْهَا، فَبَلَغُوا مَوْضِعَ الرُّكْنِ اخْتَصَمَتْ قُرَيْشٌ فِي الرُّكْنِ: أَيُّ الْقَبَائِلِ تَلِي رَفْعَهُ؟ فَقَالُوا:
تَعَالَوْا نُحَكِّمُ أَوَّلَ مَنْ يَطْلُعُ عَلَيْنَا. فَطَلَعَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ، ﵌، وَهُوَ غُلَامٌ عَلَيْهِ وِشَاحُ نَمِرَةٍ، فَحَكَّمُوهُ، فَأَمَرَ بِالرُّكْنِ فَوُضِعَ فِي ثَوْبٍ، ثُمَّ أَخْرَجَ سَيِّدَ كُلِّ قَبِيلَةٍ، فَأَعْطَاهُ نَاحِيَةً مِنَ الثَّوْبِ، ثُمَّ ارْتَقَى هُوَ فَرَفَعُوا إِلَيْهِ الرُّكْنَ، فَكَانَ هُوَ يَضَعُهُ، ثُمَّ طَفِقَ لَا يَزْدَادُ عَلَى السِّنِّ إِلَّا رِضًا [(٩٦)] حَتَّى دَعَوْهُ الْأَمِينَ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ عليه وحي. فَطَفِقُوا لَا يَنْحَرُونَ جَزُورًا إِلَّا الْتَمَسُوهُ فَيَدْعُو لَهُمْ فيها [(٩٧)] .
_________________
(١) [(٩٤)] في (ص): «الفرج» . [(٩٥)] في (م) و(ص): «فطارت» . [(٩٦)] في (م) و(ص) رسمت: رضى. [(٩٧)] أخبار مكة للأزرقي (١: ٩٩)، سبل الهدى والرشاد (٢: ٢٣٢) من طريق يعقوب بْنُ سُفْيَانَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ.
[ ٢ / ٥٧ ]
* أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو بكر: محمد ابْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَتَّابٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ: الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْجَوْهَرِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ عَمِّهِ: مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، قَالَ:
كَانَ بَيْنَ الْفِجَارِ وَبَيْنَ بُنْيَانِ الْكَعْبَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً [(٩٨)] .
وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْفِجَارُ لِأَنَّ قُرَيْشًا كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ قَيْسِ [(٩٩)] عَيْلَانَ عَهْدٌ وَمِيثَاقٌ بِعُكَاظَ. قَالَ غَيْرُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ: فَوَقَعَتْ بَيْنَهُمْ حَرْبٌ اسْتَحَلُّوا فِيهَا الْحُرُمَاتِ، وَفَجَرُوا فِيهَا.
قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ [(١٠٠)]: وَإِنَّمَا حَمَلَ قُرَيْشًا عَلَى بُنْيَانِهَا أَنَّ السَّيْلَ كَانَ يَأْتِي مِنْ فَوْقِهَا، مِنْ فَوْقِ الرَّدْمِ الَّذِي صَنَعُوهُ فَأَضَرَّ بِهِ، فَخَافُوا أَنْ يَدْخُلَهَا الْمَاءُ،
_________________
(١) [(٩٨)] قال ابن هشام (١: ١٩٨): «لَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللهِ ﵌ اربع عشرة سنة، أو خمس عشرة سنة هاجت حرب الفجار، وقال ابن إسحق: «هاجت حرب الفجار وَرَسُولُ اللهِ ﵌ ابن عشرين سنة» وقال ابن كثير في البداية والنهاية (٢: ٣٠٠): «كان الفجار، وحلف الفضول في سنة واحدة» . [(٩٩)] في (هـ) و(ح): «قيس بن عيلان»، وأثبت ما في (م) و(ص) وهو موافق لسيرة ابن هشام (١: ٢٠١) [(١٠٠)] موسى بْنِ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي عياش، أبو محمد الأسدي كان تلميذ الزهري، وعاش في المدينة، التقى بعبد اللهِ بْنِ عُمَرَ فِي طريقه حاجا الى مكة، وكان له في مَسْجِدِ الرَّسُولِ ﵌ حلقة علم، وانصرف جل اهتمامه الى مَغَازِي رَسُولِ اللهِ ﵌ والخلفاء الراشدين، وله كتاب المغازي اعتمد فيه اعتمادا اساسيا على الزهري، وقد اختصره ابن عبد البر في «الدرر في اختصار المغازي والسير. ومتفق على توثيقه، فقد أخرج له الستة، وله ترجمة في الجرح والتعديل (٤: ٢: ١٥٥) التهذيب (١٠: ٣٦٠) .
[ ٢ / ٥٨ ]
وَكَانَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: مَلِيحٌ سَرَقَ طِيبَ الْكَعْبَةِ، فَأَرَادُوا أَنْ يَشُدُّوا بُنْيَانَهَا، وَأَنْ يَرْفَعُوا بَابَهَا حَتَّى لَا يَدْخُلَهَا إِلَّا مَنْ شَاءُوا، فَأَعَدُّوا لِذَلِكَ نَفَقَةً وَعُمَّالًا، ثُمَّ عَمَدُوا إِلَيْهَا، لِيَهْدِمُوهَا عَلَى شَفَقٍ وَحَذَرٍ أَنْ يَمْنَعَهُمُ اللهُ الَّذِي أَرَادُوا، فَكَانَ أَوَّلُ رَجُلٍ طَلَعَهَا وَهَدَمَ مِنْهَا شَيْئًا: الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ، فَلَمَّا رَأَوَا الَّذِي فَعَلَ الْوَلِيدُ تَتَابَعُوا فَوَضَعُوهَا، فَأَعْجَبَهُمْ ذَلِكَ. فَلَمَّا أَرَادُوا أَنْ يَأْخُذُوا فِي بُنْيَانِهَا [(١٠١)] أَحْضَرُوا عُمَّالَهُمْ فَلَمْ يَقْدِرْ رَجُلٌ مِنْهُمْ أَنْ يَمْضِيَ أمامه مَوْضِعِ قَدَمِهِ. وَزَعَمُوا أَنَّهُمْ رَأَوْا حَيَّةً قَدْ أَحَاطَتْ بِالْبَيْتِ، رَأْسُهَا عِنْدَ ذَنَبِهَا، فَأَشْفَقُوا مِنْهَا شَفَقَةً شَدِيدَةً، وَخَشَوْا أَنْ يَكُونُوا قَدْ وَقَعُوا مِمَّا عَمِلُوا فِي هَلَكَةٍ. وَكَانَتِ الْكَعْبَةُ حِرْزَهُمْ، وَمَنَعَتْهُمْ مِنَ النَّاسِ، وَشَرَفًا لَهُمْ، فَأَشَارَ عَلَيْهِمْ- زَعَمُوا- الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ بِالَّذِي ذُكِرَ فِي هَذَا الْكِتَابِ، فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ ذَهَبَتِ الْحَيَّةُ فِي السَّمَاءِ وتغيبت منهم، أَنَّ ذَلِكَ مِنَ اللهِ ﷿. وَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ: خَطَفَهَا طَائِرٌ فَأَلْقَاهَا نحو جياد.
فَلَمَّا سَقَطَ فِي أَيْدِيهِمْ، وَالْتَبَسَ عَلَيْهِمْ أَمْرُهُمْ- قَامَ الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ، فَقَالَ: هَلْ لَكُمْ فِي أَمْرٍ تَبْتَغُونَ بِهِ مَرْضَاةَ رَبِّ هَذَا الْبَيْتِ؟ فَإِذَا اجْتَهَدْتُمْ رَأْيَكُمْ وَجَهَدْتُمْ جَهْدَكُمْ- نَظَرْتُمْ فَإِنْ خَلَّى الله [﷿] [(١٠٢)] بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ بُنْيَانِهَا [(١٠٣)]، فَذَلِكَ الَّذِي أَرَدْتُمْ، وَإِنْ حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ كَانَ ذَلِكَ وَقَدِ اجْتَهَدْتُمْ [ثُمَّ] [(١٠٤)] قَالُوا: أَشِرْ عَلَيْنَا. قَالَ: إِنَّكُمْ قَدْ جَمَعْتُمْ لِنَفَقَةِ هَذَا الْبَيْتِ مَا قَدْ عَلِمْتُمْ، وَإِنَّكُمْ قَدْ أَخَذْتُمْ فِي هَدْمِهِ، وَبُنْيَانِهِ، عَلَى تَحَاسُدٍ مِنْكُمْ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تُقَسِّمُوا أَرْبَعَةَ أَرْبَاعٍ عَلَى مَنَازلِكُمْ فِي الْآلِ وَالْأَرْحَامِ، ثُمَّ تُقَسِّمُوا البيت
_________________
(١) [(١٠١)] في (م) و(ص): «بنائها» . [(١٠٢)] الزيادة من (م) . [(١٠٣)] في (م): «بنائها» . [(١٠٤)] الزيادة من (م) .
[ ٢ / ٥٩ ]
عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ، وَلَا تَجْعَلُوا أَحَدَ جَوَانِبِ الْبَيْتِ كَامِلًا، لِكُلٍّ رُبْعٍ، وَلَكِنِ اقْسِمُوهُ نِصْفَيْنِ [(١٠٥)] [أَيْضًا فَإِنَّ] [(١٠٦)] كُلَّ جَانِبٍ مِنْ جَوَانِبِ الْبَيْتِ، فَإِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ فَلْيُعَيِّنَ كُلُّ رُبْعٍ مِنْكُمْ نَصِيبَهُ، وَلَا تَجْعَلُنَّ فِي نَفَقَةِ الْبَيْتِ شَيْئًا أَصَبْتُمُوهُ غَصْبًا، وَلَا قَطَعْتُمْ فِيهِ رَحِمًا، وَلَا انْتَهَكْتُمْ فِيهِ ذِمَّةً بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، فَإِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ فَاقْتَرِعُوا بِفِنَاءِ الْبَيْتِ، وَلَا تَنَازَعُوا وَلَا تَنَافَسُوا، ولْيَصِيرَ [(١٠٧)] كُلُّ رُبْعٍ مِنْكُمْ مَوْضِعَ سَهْمِهِ، ثُمَّ انْطَلِقُوا بَعُمَّالِكُمْ، فَلَعَلَّكُمْ إِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ أَنْ تَخْلُصُوا إِلَيْهَا. فَلَمَّا سَمِعُوا قَوْلَ الْمُغِيرَةِ رَضُوا بِهِ، وانْتَهَوْا إِلَيْهِ، وَفَعَلُوا الَّذِي أَمَرَهُمْ بِهِ.
فَيَزْعُمُ عُلَمَاءُ أَوَّلِيَّةِ قُرَيْشٍ: أَنْ بَابَ الْكَعْبَةِ إِلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ بِالنِّصْفِ مِنْ جَانِبِهَا الَّذِي يَلِي الْيَمَنَ- صَارَ فِي سَهْمِ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ.
فَلَمَّا انْتَهَى الْبُنْيَانُ إِلَى مَوْضِعِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ تَنَافَسُوا فِي رَفْعِهِ، وَتَحَاسَدُوا عَلَيْهِ، فَحَكَّمُوا فِيهِ أَوَّلَ رَجُلٍ يَطْلُعُ عَلَيْهِمْ. فَكَانَ رَسُولُ اللهِ، ﵌- فِيمَا بَلَغَنَا- ذَلِكَ الرَّجُلُ، فَأَعَانُوهُ عَلَى رَفْعِهِ عَلَى إِصْلَاحٍ [(١٠٨)] مِنْهُمْ وَجَمَاعَةٍ. فَيَزْعُمُونَ أَنْ رَسُولَ اللهِ، ﵌، وَضَعَهُ وَسْطَ ثَوْبٍ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: خُذُوا بِزَوَايَاهُ وَجَوَانِبِهِ كُلِّهَا، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ، ﵌، هُوَ الَّذِي يَرْفَعُ الْحَجَرَ، فَوَضَعَهُ بِيَدِهِ مَوْضِعَهُ، وَذَلِكَ قَبْلَ مَبْعَثِهِ بِخَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً.
قَالَ وَزَعَمَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ: أَنْ أَوَّلِيَّةَ قُرَيْشٍ [كَانُوا يُحَدِّثُونَ أَنَّ رِجَالًا مِنْ قُرَيْشٍ] [(١٠٩)] لَمَّا اجْتَمَعُوا لِيَنْزَعُوا الْحِجَارَةَ، وانْتَهَوْا إِلَى تَأْسِيسِ إِبْرَاهِيمَ وإِسْمَاعِيلَ [﵉] [(١١٠)]- عَمَدَ رَجُلٌ مِنْهُمْ إِلَى حَجَرٍ من الأساس
_________________
(١) [(١٠٥)] في (هـ): «قسموه إنصافا من كل جانب» . [(١٠٦)] الزيادة من (ص) و(م) . [(١٠٧)] في (هـ): «وليصب» . [(١٠٨)] في (هـ): «على اصطلاح» . [(١٠٩)] الزيادة من (م) و(ص) . [(١١٠)] الزيادة من (م) .
[ ٢ / ٦٠ ]
الْأَوَّلِ، فَرَفَعَهُ وَهُوَ لَا يَدْرِي أَنَّهُ مِنَ الْأَسَاسِ الْأَوَّلِ، فَأَبْصَرَ الْقَوْمُ بَرْقَةً تَحْتَ الْحَجَرِ كَادَتْ تَلْتَمِعُ بَصَرَ الرَّجُلِ، وَنَزَلَ الْحَجَرُ مِنْ يَدِهِ فَوَقَعَ فِي مَوْضِعِهِ، وَفَزِعَ الرَّجُلُ وَالْبُنَاةُ، فَلَمَّا سَتَرَ عَنْهُمُ الْحَجَرُ مَا تَحْتَهُ عَادُوا إِلَى بُنْيَانِهِمْ، وَقَالُوا:
لَا تُحَرِّكُوا هَذَا الْحَجَرَ وَلَا شَيْئًا بِحِذَائِهِ. فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَى أُسِّ الْبَيْتِ الْأَوَّلِ وَجَدُوا فِي حَجَرٍ مِنْهَا- فَلَا أَدْرِي لَعَلَّهُ ذُكِرَ أَنْهُ فِي أَسْفَلِ الْمَقَامِ- كِتَابًا لَمْ يَدْرُوا مَا هُوَ حَتَّى جَاءَهُمْ حَبْرٌ مِنْ يَهُودِ الْيَمَنِ فَنَظَرَ إِلَى الْكِتَابِ فَحَدَّثَهُمْ: أَنَّهُ قَدْ قَرَأَهُ، فَاسْتَحْلَفُوهُ: لَتُحَدِّثَنَّا بِمَا فِيهِ، وَلْتَصْدُقَنَّا عَنْهُ. فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ فِيهِ: أَنَا اللهُ ذُو بَكَّةَ، حَرَّمْتُهَا يَوْمَ خلقت السموات وَالْأَرْضَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، وَيَوْمَ وَضَعْتُ هَذَيْنِ الْجَبَلَيْنِ، وَحَفَفْتُهُمَا بِسَبْعَةِ أَمْلَاكٍ حُنَفَاءَ.
* أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْفَارِسِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْأَصْبَهَانِيُّ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ بْنُ فَارِسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فَارِسٍ، قَالَ: حدثنا محمد ابن إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَلَّى، قَالَ: حَدَّثَني [(١١١)] وُهَيْبٌ، عَنِ ابْنِ خُثَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْأَسْوَدِ بْنِ خَلَفِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ، عَنْ أَبِيهِ.
أَنَّهُمْ وَجَدُوا كِتَابًا أَسْفَلَ الْمَقَامِ، فَدَعَتْ قُرَيْشٌ رَجُلًا مِنْ حِمْيَرَ فَقَالَ: إِنَّ فِيهِ لَحَرْفًا لَوْ أُحُدِّثَكُمُوهُ لَقَتَلْتُمُونِي. فَظَنَنَّا أَنَّ فِيهِ ذِكْرَ مُحَمَّدٍ فَكَتَمْنَاهُ [(١١٢)] .
* وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنَ يَسَارٍ. فَذَكَرَ قِصَّةَ بُنْيَانِ الْكَعْبَةِ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ بِمَعْنَى مَا رُوِّينَا عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ. إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: وَيَنْحَلُونَ هَذَا الْكَلَامَ الْوَلِيدَِ بن
_________________
(١) [(١١١)] في (م): «حدّثنا» . [(١١٢)] التاريخ الكبير (١: ١: ٤٤٥) .
[ ٢ / ٦١ ]
الْمُغِيرَةِ، وَقِيلَ: أَبُو وُهَيْبِ بْنُ عَمْروِ بْنِ عَائِذٍ.
وَقَالَ فِي دُخُولِ رَسُولِ اللهِ، ﵌، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا: هَذَا الْأَمِينُ، قَدْ رَضِينَا بِمَا قَضَى بَيْنَنَا. وَكَانَ رَسُولُ اللهِ، ﵌، يُسَمَّى فِي الْجَاهِلِيَّةِ: الْأَمِينَ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ. وَزَعَمَ أَنْ ذَلِكَ بَعْدَ الْفِجَارِ. بِخَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَرَسُولُ اللهِ، ﵌، إِذْ ذَاكَ ابْنُ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً.
كَذَا قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ، وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ: زَعَمُوا أَنَّ النَّبِيَّ، ﵌، كَانَ إِذْ ذَاكَ ابن خمس وعشرين سنة، وَذَلِكَ قَبْلَ الْبَعْثِ بِخَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً [(١١٣)] .
* أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَلَمَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: مُجَاهِدٌ:
بُنِيَ الْبَيْتُ قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ، ﵌، بِخَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً.
قُلْتُ: وَكَذَا رُوِيَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَمُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ وغيرهما.
_________________
(١) [(١١٣)] اختلف في سِنِّ رَسُولِ اللهِ ﵌ حينئذ. فقيل: كان ابن خمس وثلاثين. وحكى الازرقي قولا أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ لما بنيت الكعبة كان غلاما. قال الحافظ ابن حجر: «ولعل عمدته ما رواه عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: لَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللهِ ﵌ أجمرت امرأة الْكَعْبَةَ، فَطَارَتْ شَرَارَةٌ مِنْ مجمرها فِي ثِيَابِ الْكَعْبَةِ فَاحْتَرَقَتْ، فذكر القصة. وروى عبد الرزاق، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مجاهد، ان ذلك قبل المبعث بخمس عشرة سنة، وكذا ابن عبد البر من طريق محمد بن جبير، وبه جزم موسى بن عقبة في المغازي. والذي جزم به ابن إسحق ان بنيان قريش كان قبل المبعث بخمس سنين. ويمكن الجمع بينهما بأن يكون الحريق تقدّم وقته على الشروع في البناء.
[ ٢ / ٦٢ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ:
أَحْمَدُ بْنُ كَامِلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْمَاعِيلَ: مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ السُّلَمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو ثَابِتٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الدَّرَاوَرْدِيُّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ:
أَنَّ الْمُقَامَ كَانَ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللهِ، ﵌، وَزَمَانِ أَبِي بَكْرٍ مُلْتَصِقًا بِالْبَيْتِ، ثُمَّ أَخَّرَهُ عُمَرُ بن الخطاب، [﵄] [(١١٤)] .
* أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي طَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْبَيْهَقِي، ابْنُ أُخْتِ الْفَضْلِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدَانُ بْنُ عَبْدِ الْحَلِيمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الزُّهْرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عباس:
أنّ جبريل أرى إبراهيم، ﵉، موضع أَنْصَابِ الْحَرَمِ، فَنَصَبَهَا، ثُمَّ جدّدها إسماعيل، ثُمَّ جَدَّدَهَا قُصَيُّ بْنُ كِلَابٍ، ثُمَّ جَدَّدَهَا رَسُولُ الله، ﵌.
قَالَ الزُّهْرِيُّ: قَالَ عُبَيْدُ اللهِ: فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بَعَثَ أَرْبَعَةً مِنْ قُرَيْشٍ فَنَصَبُوا أنصاب الحرم [بموضع أنصاب الْحَرَمِ] [(١١٥)]: مَخْرَمَةَ بْنَ نَوْفَلِ ابن أُهَيْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ، وَأَزْهَرَ بْنَ عَبْدِ عَوْفٍ، وَسَعِيدَ بْنَ يَرْبُوعٍ، وَحُوَيْطِبَ بِنَ عَبْدِ الْعُزَّى.
* أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ
_________________
(١) [(١١٤)] ليست في (م) . [(١١٥)] الجملة في (هـ)، وليست في باقي النّسخ.
[ ٢ / ٦٣ ]
يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ، ﵌:
أَنَّهَا قَالَتْ: مَا زِلْنَا نَسْمَعُ أَنْ إِسَافًا وَنَائِلَةَ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ مِنْ جُرْهُمٍ، زَنَيَا فِي الْكَعْبَةِ، فَمُسِخَا حَجَرَيْنِ [(١١٦)] .
_________________
(١) [(١١٦)] أخبار مكة (١: ٤٤) .
[ ٢ / ٦٤ ]
بَابُ مَا كَانَ يَشْتَغِلُ رَسُولُ اللهِ [(١)] ﵌، بِهِ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَ خَدِيجَةَ لِمَعَاشِهِ، وَمَا ظَهَرَ فِي ذَلِكَ مِنْ آيَاتِهِ، حَتَّى رَغِبَتْ خَدِيجَةُ فِي نِكَاحِهِ
* أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ:
أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقُرَشِيُّ، عَنْ جَدِّهِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ، ﵌: مَا بَعَثَ اللهُ، ﷿، نَبِيًّا إِلَّا رَاعِيَ غَنَمٍ. فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: وَأَنَا رَعَيْتُهَا لِأَهْلِ مَكَّةَ بِالْقَرَارِيطِ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ [(٢)]، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَكِّيِّ، عَنْ عمرو ابن يَحْيَى.
* أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ: عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ الْأَصْبَهَانِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ: أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ الْبَصْرِيُّ، بِمَكَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ سَهْلٍ التُّسْتَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ بَدْرٍ، عن أبي
_________________
(١) [(١)] في (م) و(ص): ما كان يشتغل به رسول الله. [(٢)] الحديث أخرجه البخاري في: ٣٧- كتاب الإجارة (٢) باب رعي الغنم على قراريط، فتح الباري (٤: ٤٤١)، وأخرجه ابن ماجة في: ١٢- كتاب التجارات (٥) باب الصناعات، ح (٢١٤٩)، ص (٧٢٧)، ورواه ابن سعد في الطبقات (١: ١٢٥)، ونقله عنهم الصالحي في السيرة الشامية (٢: ٢١١) .
[ ٢ / ٦٥ ]
الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ:
قَالَ رسول الله، ﵌: «آجَرْتُ نَفْسِي مِنْ خَدِيجَةَ سَفْرَتَيْنِ بِقَلُوصٍ» [(٣)] .
* أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بن بكير، عن ابن إِسْحَاقَ، قَالَ:
وَكَانَتْ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ امْرَأَةً تَاجِرَةً، ذَاتَ شَرَفٍ وَمَالٍ، تَسْتَأْجِرُ الرِّجَالَ فِي مَالِهَا، وَتُضَارِبُهُمْ إِيَّاهُ بِشَيْءٍ تَجْعَلُ لَهُمْ مِنْهُ. وَكَانَتْ قُرَيْشٌ قَوْمًا تُجَّارًا، فَلَمَّا بَلَغَهَا عَنْ رَسُولِ اللهِ، ﵌، مَا بَلَغَهَا مِنْ صِدْقِ حَدِيثِهِ، وَعِظَمِ أَمَانَتِهِ، وَكَرَمِ أَخْلَاقِهِ- بَعَثَتْ إِلَيْهِ، فعرضت أَنْ يَخْرُجَ فِي مَالِهَا تَاجِرًا إِلَى الشَّامِ، وَتُعْطِيهِ أَفْضَلَ مَا كَانَتْ تُعْطِي غَيْرَهُ مِنَ التُّجَّارِ، مَعَ غُلَامٍ لَهَا يُقَالُ لَهُ:
مَيْسَرَةُ. فَقَبِلَهُ مِنْهَا رَسُولُ اللهِ، ﵌، وَخَرَجَ فِي مَالِهَا ذَلِكَ، وَمَعَهُ غُلَامُهَا مَيْسَرَةُ، حَتَّى قَدِمَ الشَّامَ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ، ﵌، فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ، قَرِيبٍ مِنْ صَوْمَعَةِ رَاهِبٍ مِنَ الرُّهْبَانِ، فَاطَّلَعَ الرَّاهِبُ إِلَى مَيْسَرَةَ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي نَزَلَ تَحْتَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ؟ فَقَالَ لَهُ مَيْسَرَةُ: هَذَا رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ أَهْلِ الْحَرَمِ. فَقَالَ لَهُ الرَّاهِبُ: مَا نَزَلَ تَحْتَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ قَطُّ إِلَّا نَبِيٌّ [(٤)] .
_________________
(١) [(٣)] الخبر في إسناده: «الربيع بن بدر» ضعفه ابن معين، وقال: «ليس بشيء»، وقال النسائي ويعقوب ابن سفيان: «متروك»، وقال ابن حبان: «يقلب الأسانيد ويروي عن الثقات المقلوبات»، وقال الدارقطني والأزدي: «متروك» . تهذيب التهذيب (٣: ٢٣٩) . [(٤)] قول الرَّاهِبُ: «مَا نَزَلَ تَحْتَ هذه الشجرة الا نبي»، قال السهيلي: «يريد ما نزل تحتها هذه الساعة قط إلا نبي لبعد العهد بالأنبياء قبل ذلك والشجرة لا تعمّر في العادة هذا العمر الطويل حتى يدرى أنه لم ينزل تحتها إلا عيسى او غيره من الأنبياء» .
[ ٢ / ٦٦ ]
ثُمَّ بَاعَ رَسُولُ اللهِ، ﵌، سِلْعَتَهُ الَّتِي خَرَجَ بِهَا، فَاشْتَرَى [(٥)] مَا أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَ، ثُمَّ أَقْبَلَ قَافِلًا إِلَى مَكَّةَ وَمَعَهُ مَيْسَرَةُ، فَكَانَ مَيْسَرَةُ- فِيمَا يَزْعُمُونَ- إِذَا كَانَتِ الْهَاجِرَةُ وَاشْتَدَّ الْحَرُّ يَرَى مَلَكَيْنِ يُظِلَّانِهِ مِنَ الشَّمْسِ وَهُوَ يَسِيرُ عَلَى بَعِيرِهِ. فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ عَلَى خَدِيجَةَ بمالها باعث مَا جَاءَ بِهِ، فَأَضْعَفَ أَوْ قَرِيبًا.
وَحَدَّثَهَا مَيْسَرَةُ عَنْ قَوْلِ الرَّاهِبِ، وَعَمَّا كَانَ يَرَى مِنْ إِظْلَالِ الْمَلَكَيْنِ إِيَّاهُ.
وَكَانَتْ خَدِيجَةُ امْرَأَةً حَازِمَةً شَرِيفَةً لَبِيبَةً، مَعَ مَا أَرَادَ اللهُ، [تَعَالَى] [(٦)] بِهَا مِنْ كَرَامَتِهِ. فَلَمَّا أَخْبَرَهَا مَيْسَرَةُ عَمَّا أَخْبَرَهَا بِهِ، بَعَثَتْ إِلَى رسول الله، ﵌، فَقَالَتْ لَهُ فِيمَا يَزْعُمُونَ: يَا ابْنَ عَمٍّ، إِنِّي قَدْ رَغِبَتُ فِيكَ، لِقَرابَتِكَ مِنِّي، وَشَرَفِكَ فِي قَوْمِكَ، وَوَسِيطَتِكَ [(٧)] فِيهِمْ، وَأَمَانَتِكَ عِنْدَهُمْ، وَحُسْنِ خُلُقِكَ، وَصِدْقِ حَدِيثِكَ. ثُمَّ عَرَضَتْ عَلَيْهِ نَفْسَهَا. وَكَانَتْ خَدِيجَةُ يَوْمَئِذٍ أَوْسَطَ قُرَيْشٍ نَسَبًا، وَأَعْظَمَهُمْ شَرَفًا، وَأَكْثَرَهُمْ مَالًا، وَكُلُّ قَومِهَا قَدْ كَانَ حَرِيصًا عَلَى ذَلِكَ مِنْهَا لَوْ يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ.
وَهِيَ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بن قصي بن كلاب [(٨)] .
_________________
(١) [(٥)] في (م) و(ص): «واشترى» . [(٦)] ليست في (م) ولا في (ص) . [(٧)] في (ح): «ووسطتك» وكذا في سيرة ابن هشام، وأثبتّ ما في (م) و(ص)، والوسيط: الحسيب في قومه. [(٨)] الخبر في سيرة ابن هِشَامٍ (١: ٢٠٢- ٢٠٤)
[ ٢ / ٦٧ ]
بَابُ مَا جَاءَ فِي تَزَوُّجِ رَسُولِ اللهِ ﵌ بِخَدِيجَةَ، ﵂
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ، بِبَغْدَادَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ دُرُسْتَوَيْهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَصْبَغُ بْنُ فَرَجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ:
لَمَّا اسْتَوَى رَسُولُ اللهِ، ﵌، وَبَلَغَ أَشَدَّهُ، وَلَيْسَ لَهُ كَثِيرُ مَالٍ- اسْتَأْجَرَتْهُ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ إِلَى سُوقِ حُبَاشَةَ [(١)] فَلَمَّا رَجَعَ تَزَوَّجَ خَدِيجَةَ. فَلَبِثَ رَسُولُ الله، ﵌، مَعَ خَدِيجَةَ حَتَّى وَلَدَتْ لَهُ بَعْضَ بَنِيهِ. وكان لَهُ مِنْهَا: الْقَاسِمُ. وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَّهَا وَلَدَتْ لَهُ غُلَامًا آخَرَ يُسَمَّى الطَّاهِرُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ:
مَا نَعْلَمُهَا وَلَدَتْ لَهُ غُلَامًا إِلَّا الْقَاسِمَ. وَوَلَدَتْ لَهُ بَنَاتِهِ أَرْبَعًا: فَاطِمَةَ، وَرُقَيَّةَ، وَأُمَّ كُلْثُومٍ، وَزَيْنَبَ [(٢)] . فَطَفِقَ رَسُولُ اللهِ، ﵌، بَعْدَ مَا وَلَدَتْ لَهُ بَعْضَ بَنِيهِ، يُحَبَّبُ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ.
* وَأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ الْقَطَّانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بن جعفر، قَالَ:
حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَجَّاجُ بْنُ أَبِي مَنِيعٍ، قَالَ: حدثنا
_________________
(١) [(١)] سوق للعرب بناحية مكة. معجم ما استعجم (٢: ٤١٨)، وفي هامش (ص): «حباشة بالضم والشين» سوق كانت للعرب بتهامة. [(٢)] سيرة ابن هشام (١: ٢٠٦) .
[ ٢ / ٦٨ ]
جَدِّي، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ:
أَوَّلُ امْرَأَةٍ تَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللهِ، ﵌: خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدِ بن أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ. تَزَوَّجَهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَأَنْكَحَهُ إِيَّاهَا أَبُوهَا خُوَيْلِدُ بْنُ أَسَدٍ.
فَوَلَدَتْ لِرَسُولِ اللهِ، ﵌: الْقَاسِمَ، بِهِ كَانَ يُكْنَى، وَالطَّاهِرَ، وَزَيْنَبَ، وَرُقَيَّةَ، وَأُمَّ كُلْثُومٍ، وَفَاطِمَةَ. ﵃.
* وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بن بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ:
فَتَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللهِ، ﵌، فَوَلَدَتْ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ وَلَدَهُ كُلَّهُمْ: زَيْنَبَ، وَأُمَّ كُلْثُومٍ، وَرُقَيَّةَ، وَفَاطِمَةَ، وَالْقَاسِمَ، وَالطَّاهِرَ، وَالطَّيِّبَ، فَأَمَّا الْقَاسِمُ، وَالطَّاهِرُ، وَالطَّيِّبُ، فَهَلَكُوا قَبْلَ الْإِسْلَامِ. وبِالْقَاسِمِ كَانَ يُكْنَى.
وَأَمَّا بَنَاتُهُ فَأَدْرَكْنَ الْإِسْلَامَ، وَهَاجَرْنَ مَعَهُ، وَاتْبَعْنَهُ وَآمَنَّ بِهِ. كَذَا قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ [(٣)] .
* وأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ الْجُعْفِيِّ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ: كَانَ الْقَاسِمُ بْنُ رَسُولِ اللهِ، ﵌، قَدْ بَلَغَ أَنْ يَرْكَبَ الدَّابَّةَ، وَيَسِيرَ عَلَى النَّجِيبِ، فَلَمَّا قَبَضَهُ اللهُ، [﷿] [(٤)]، قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: لَقَدْ أَصْبَحَ مُحَمَّدٌ أَبْتَرَ مِنِ ابْنِهِ. فَأَنْزَلَ اللهُ [تَعَالَى] [(٥)] عَلَى نبيه [﵌] [(٦)] إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ
_________________
(١) [(٣)] سيرة ابن هشام (١: ٢٠٧) . [(٤)] ليست في (م) . [(٥)] الزيادة من (م) و(ص) . [(٦)] الزيادة من (م) .
[ ٢ / ٦٩ ]
عوضا يا محمد بن نَصِيبَكَ بِالْقَاسِمِ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ، إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ [(٧)] .
كَذَا رُوِيَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ. [وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي أَبِيهِ] [(٨)] .
وَذَلِكَ فِيمَا أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ:
حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ قَالَ: نَزَلَتْ فِي الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: إِنِّي شَانِئُ مُحَمَّدٍ.
فَقَالَ اللهُ تَعَالَى: مَنْ شَنَأَهُ مِنَ النَّاسِ كُلِّهِمْ فَهُوَ الْأَبْتَرُ [(٩)] .
* أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُثْمَانَ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:
وَلَدَتْ خَدِيجَةُ لِرَسُولِ اللهِ، ﵌، غُلَامَيْنِ، وَأَرْبَعَ نِسْوَةٍ. الْقَاسِمَ، وَعَبْدَ اللهِ، وَفَاطِمَةَ، وَأُمَّ كُلْثُومٍ، وَزَيْنَبَ، وَرُقَيَّةَ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: قَرَأْتُ بِخَطِّ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي خَيْثَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الزُّبَيْرِيُّ، قَالَ:
أَكْبَرُ وَلَدِ رَسُولُ اللهِ، ﵌، الْقَاسِمُ، ثُمَّ زَيْنَبُ، ثُمَّ عَبْدُ اللهِ، ثُمَّ أُمُّ كُلْثُومٍ، ثُمَّ فَاطِمَةُ، ثُمَّ رُقَيَّةُ. قَالَ مُصْعَبٌ: هُمْ هَكَذَا: الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ، ثم
_________________
(١) [(٧)] سورة الكوثر. [(٨)] في (م) و(ص): «والمشهور في أبيه، وذلك أن الآية نزلت فيما أخبرنا » . [(٩)] تفسير الطبري (٣٠: ٢١٢) .
[ ٢ / ٧٠ ]
مَاتَ الْقَاسِمُ، وَهُوَ أَوَّلُ مَيِّتٍ مِنْ وَلَدِهِ، مَاتَ بِمَكَّةَ، ثُمَّ مَاتَ عَبْدُ اللهِ، ثُمَّ بَلَغَتْ خَدِيجَةُ خَمْسًا وَسِتِّينَ سَنَةً، وَيُقَالُ خَمْسِينَ سَنَةً. وَهُوَ أَصَحُّ [(١٠)] .
وَرُوِّينَا عَنْ جَعْفَرٍ الْهَاشِمِيِّ أَنَّ فَاطِمَةَ، [﵂] [(١١)]، وُلِدَتْ سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ مِنْ مَوْلدِ رَسُولِ اللهِ، ﵌.
* أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عمر ابن أَبِي بَكْرٍ الْمَوْصِلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ ابن يَاسِرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مِقْسَمٍ: أَبِي الْقَاسِمِ، مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ الْحَارِثِ حَدَّثَهُ.
أَنَّ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ كَانَ إِذَا سَمِعَ مَا يَتَحَدَّثُ بِهِ النَّاسُ عَنْ تَزْوِيجِ رَسُولِ اللهِ، ﵌، خَدِيجَةَ، وَمَا يُكْثِرُونَ فِيهِ، يَقُولُ: أَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِتَزْوِيجِهِ إِيَّاهَا. إِنِّي كُنْتُ لَهُ تِرْبًا، وَكُنْتُ لَهُ إِلْفًا وَخِدْنًا، وَإِنِّي خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ، ﵌، ذَاتَ يَوْمٍ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْحَزْوَرَةِ [(١٢)] أَجَزْنَا عَلَى أُخْتِ خَدِيجَةَ، وَهِيَ جَالِسَةٌ عَلَى أُدُمٍ تَبِيعُهَا، فَنَادَتْنِي، فَانْصَرَفْتُ إِلَيْهَا، وَوَقَفَ لِي رَسُولُ اللهِ، ﵌، فَقَالَتْ: أَمَا لِصَاحِبِكَ هَذَا مِنْ حَاجَةٍ فِي تَزْوِيجِ خَدِيجَةَ؟ قَالَ عَمَّارٌ:
فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: بَلَى، لَعَمْرِي، فَذَكَرْتُ لَهَا قَوْلَ رَسُولِ الله، ﵌، فَقَالَتِ: اغْدُوَا عَلَيْنَا إِذَا أَصْبَحْنَا. فَغَدَوْنَا عَلَيْهِمْ. قَالَ: فَوَجَدْنَاهُمْ قَدْ ذَبَحُوا بَقَرَةً، وَأَلْبَسُوا أَبَا خَدِيجَةَ حُلَّةً، وَصُفِّرَتْ لِحْيَتُهُ، وَكَلَّمَتْ أَخَاهَا، فَكَلَّمَ أَبَاهُ وَقَدْ سُقِيَ خَمْرًا، فَذَكَرَ لَهُ رَسُولَ اللهِ، ﵌، وَمَكَانَهُ، وَسَأَلَهُ أَنْ يزوجه.
_________________
(١) [(١٠)] في (م): «ويقال خمسين، وخمسون أصح» . [(١١)] ليست في (م): ولا في (ص) . [(١٢)] الحزورة: كانت الحزورة سوق مكة، ودخلت في المسجد لما زيد، وباب الحزورة معروف من أبواب المسجد الحرام، والعامة تقول: «باب عزورة» بالعين.
[ ٢ / ٧١ ]
فَزَوَّجَهُ خَدِيجَةَ، وَصَنَعُوا مِنَ الْبَقَرَةِ طَعَامًا، فَأَكَلْنَا مِنْهُ، وَنَامَ أَبُوهَا ثُمَّ اسْتَيْقَظَ صاحيا، فَقَالَ: مَا هَذِهِ الْحُلَّةُ، وَهَذِهِ النَّقِيعَةُ، وَهَذَا الطَّعَامُ؟ فَقَالَتْ لَهُ ابْنَتُهُ الَّتِي كَانَتْ كَلَّمَتْ عَمَّارًا: هَذِهِ حُلَّةٌ كَسَاهَا [(١٣)] مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ خَتَنُكَ، وَبَقَرَةٌ أَهْدَاهَا لَكَ، فَذَبَحْنَاهَا حِينَ زَوَّجْتَهُ خَدِيجَةَ. فَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ زَوَّجَهُ، وَخَرَجَ يَصِيحُ حَتَّى جَاءَ الْحِجْرَ، وَخَرَجَتْ بَنُو هَاشِمٍ بِرَسُولِ اللهِ، ﵌، حَتَّى جَاءُوهُ، فَكَلَّمُوهُ، فَقَالَ: أَيْنَ صَاحِبُكُمُ الَّذِي تَزْعُمُونَ أَنِّي زَوَّجْتُهُ؟ فَبَرَزَ لَهُ رَسُولُ اللهِ، ﵌، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ، قَالَ: إِنْ كُنْتُ زَوَّجْتُهُ فَسَبِيلُ ذَاكَ، وَإِنْ لَمْ أَكُنْ فَعَلْتُ فَقَدْ زَوَّجْتُهُ. قال الموصلي: وَالْمُجْتَمَعُ أَنَّ عَمَّهَا عَمْرَو بْنَ أَسَدٍ الَّذِي زَوَّجَهَا [(١٤)] .
قَالَ وَفِيمَا أَخْبَرَنَا بِهِ أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، ﵀: أَنَّ النَّبِيَّ، ﵌، زُوِّجَ بِهَا وَهُوَ ابن خمس وعشرين سَنَةً، قَبْلَ أَنْ يَبْعَثَهُ اللهُ نَبِيًّا بِخَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً.
* وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ [قَالَ] [(١٥)] حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: وَفِيمَا كَتَبْتُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُنْذِرِ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْمُؤَمَّلِيُّ [(١٦)]: عُمَرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ:
حَدَّثَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ: أَنَّ عَمَرَو بْنَ أَسَدٍ زَوَّجَ خَدِيجَةَ رَسُولَ اللهِ، ﵌، تَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللهِ، ﵌، وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَقُرَيْشٌ تَبْنِي الْكَعْبَةَ.
* وَأَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ، قَالَ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ:
_________________
(١) [(١٣)] في (م): «كساكها» . [(١٤)] رواه الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٩: ٢٢٠- ٢٢١)، وقال: فيه عُمَرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الموصلي، وهو متروك» قلت: له ترجمة في الميزان (٣: ١٨٤)، ضعفه ابو زرعة، وقال ابو حاتم: «متروك ذاهب الحديث» . [(١٥)] الزيادة من (م) . [(١٦)] كذا ورد في النسخ، وفي الميزان وغيره: «الموصلي» .
[ ٢ / ٧٢ ]
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ الْبَغَوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
أَنَّ أَبَا خَدِيجَةَ زَوْجُ النَّبِيِّ، ﵌، وَهُوَ- أَظُنُّهُ قَالَ: - سكران [(١٧)] .
_________________
(١) [(١٧)] أخرجه الإمام أحمد في «مسنده» (١: ٣١٢) مطولا بإسناد ضعيف، وأخرجه الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٩: ٢٢٠) عنه، وعن الطبراني، وقال: «رجال أحمد والطبراني رجال الصَّحِيحِ» .
[ ٢ / ٧٣ ]
بَابُ مَا جَاءَ فِي إِخْبَارِ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ قَبْلَ أَنْ يَبْعَثَ اللهُ النَّبِيَّ ﵌ رَسُولًا، بِمَا يَجِدُونَهُ عِنْدَهُمْ فِي كُتُبِهِمْ مِنْ خُرُوجِهِ، وَصِدْقِهِ فِي رِسَالَتِهِ، واسْتِفْتَاحِهِمْ بِهِ عَلَى أَهْلِ الشِّرْكِ
* أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بن بكير، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ:
وَكَانَتِ الْأَحْبَارُ وَالرُّهْبَانُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ، هُمْ أَعْلَمُ بِرَسُولِ اللهِ، ﵌، قَبْلَ مَبْعَثِهِ، وَبِزَمَانِهِ الَّذِي يُتَرَقَّبُ فِيهِ- مِنَ الْعَرَبِ، لِمَا يَجِدُونَهُ فِي كُتُبِهِمْ مِنْ صِفَتِهِ، وَمَا أُثْبِتَ فِيمَا عِنْدَهُمْ مِنِ اسْمِهِ، وَبِمَا أُخِذَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْمِيثَاقِ لَهُ، فِي عَهْدِ أَنْبِيَائِهِمْ وَكُتُبِهِمْ، فِي اتِّبَاعِهِ، فَيَسْتَفْتِحُونَ بِهِ عَلَى أَهْلِ الْأَوْثَانِ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ، وَيُخْبِرُونَهُمْ أَنَّ نَبِيًّا يُبْعَثُ [(١)] بِدِينِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ اسْمُهُ: أَحْمَدُ، ﵌، يَجِدُونَهُ كَذَلِكَ فِي كُتُبِهِمْ، وَعَهْدِ أَنْبِيَائِهِمْ. يَقُولُ اللهُ [تَعَالَى] [(٢)]:
الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ إِلَى قَوْلِهِ: أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [(٣)] وقال:
_________________
(١) [(١)] في (ح) و(م): «مبعوث» . [(٢)] في (م): «﷿» . [(٣)] الآية الكريمة (١٥٧) من سورة الأعراف.
[ ٢ / ٧٤ ]
وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ: يَا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ الْآيَةَ كُلَّهَا [(٤)] . وَقَالَ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ [(٥)] الْآيَةَ كُلَّهَا. وَقَوْلُهُ: وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا إلى قوله: فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ [(٦)] .
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَتِ الْعَرَبُ أُمِّيِّينَ لَا يَدْرُسُونَ كِتَابًا، وَلَا يَعْرِفُونَ مِنَ الرُّسُلِ عَهْدًا، وَلَا يَعْرِفُونَ جَنَّةً وَلَا نَارًا، وَلَا بَعْثًا وَلَا قِيَامَةً، إِلَّا شَيْئًا يَسْمَعُونَهُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَا يَثْبُتُ فِي صُدُورِهِمْ. فَكَانَ فِيمَا بَلَغَنَا مِنْ حَدِيثِ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ عَنْ رَسُولِ اللهِ، ﵌، قَبْلَ أَنْ يَبْعَثَهُ اللهُ [﷿] [(٧)] بِزَمَانٍ.
فَذَكَرَ [(٨)] مَا أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ [الْحَافِظُ] [(٩)]، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ، قَالَ: [حَدَّثَنَا] [(١٠)] أَحْمَدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ [بُكَيْرٍ] [(١١)]، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي [الْأَشْيَاخُ] [(١٢)] مِنَّا، قَالُوا:
لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ أَعْلَمَ بِشَأْنِ رَسُولِ اللهِ، ﵌، مِنَّا: كَانَ مَعَنَا يَهُوَدُ، وَكَانُوا أَهْلَ كِتَابٍ، وَكُنَّا أَصْحَابَ وَثَنٍ، وَكُنَّا إِذَا بَلَغْنَا مِنْهُمْ مَا يكرهون،
_________________
(١) [(٤)] الآية الكريمة (٦) من سورة الصف. [(٥)] الآية الكريمة (٢٩) من سورة الفتح. [(٦)] الآية الكريمة (٨٩)، والآية (٩٠) من سورة البقرة، وجزء الخبر الأول في سيرة ابن هشام (١: ٢٢١) . [(٧)] الزيادة من (م) . [(٨)] في (م): «يذكر» . [(٩)] ليست في (م) . [(١٠)] في (م): «أخبرنا» . [(١١)] ليست في (م) . [(١٢)] في (م): «أشياخ» .
[ ٢ / ٧٥ ]
قَالُوا: إِنَّ نَبِيًّا مَبْعُوثًا الْآنَ، قَدْ أَظَلَّ زَمَانُهُ، نَتَّبِعُهُ، فَنَقْتُلُكُمْ قَتْلَ عَادٍ وإِرَمَ. فَلَمَّا بَعَثَ اللهُ، ﷿، رسوله، ﵌، اتَّبَعْنَاهُ وَكَفَرُوا بِهِ. فَفِينَا وَاللهِ وَفِيهِمْ أَنْزَلَ اللهُ، ﷿: وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا [(١٣)] الْآيَةَ كُلَّهَا [(١٤)] .
* أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَلِيٍّ الْأَزْدِيِّ، قَالَ:
كَانَتِ الْيَهُودُ تَقُولُ: اللهُمَّ ابْعَثْ لَنَا هَذَا النَّبِيَّ يَحْكُمُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ النَّاسِ، يَسْتَفْتِحُونَ بِهِ: أَيْ يَسْتَنْصِرُونَ بِهِ عَلَى النَّاسِ.
* أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، قَالَ:
أَخْبَرَنَا [(١٥)] عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ هَارُونَ، بْنِ عَنْتَرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:
كَانَتْ يَهُوَدُ خَيْبَرَ تُقَاتِلُ غَطَفَانَ، فَكُلَّمَا الْتَقَوْا هُزِمَتْ يَهُوَدُ خَيْبَرَ، فَعَاذَتِ الْيَهُودُ، بِهَذَا الدُّعَاءِ، فَقَالَتِ: اللهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ بِحَقِّ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي وَعَدْتَنَا أَنْ تُخْرِجَهُ لَنَا فِي آخِرِ الزَّمَانِ- إِلَّا نَصَرَتْنَا عَلَيْهِمْ. قَالَ: فَكَانُوا إِذَا الْتَقَوْا دَعَوْا بِهَذَا الدُّعَاءِ، فَهَزَمُوا غَطَفَانَ. فَلَمَّا بُعِثَ النَّبِيُّ، ﵌، كَفَرُوا بِهِ، فَأَنْزَلَ اللهُ ﵎: وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ يَعْنِي بِكَ يَا مُحَمَّدُ
_________________
(١) [(١٣)] الآية الكريمة (٨٩) من سورة البقرة. [(١٤)] سيرة ابن هشام (١: ٢٢١)، سبل الهدى والرشاد (٢: ٢٤٦) . [(١٥)] في (م): «حدثنا» .
[ ٢ / ٧٦ ]
عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى قَوْلِهِ: فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ [(١٦)] وَرُوِيَ مَعْنَاهُ أَيْضًا، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
* أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي مُسْلِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ:.
أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنُوا بِرُسُلِهِمْ وَصَدَّقُوهُمْ، وَآمَنُوا بِمُحَمَّدٍ ﵌، قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ. فَلَمَّا بُعِثَ كَفَرُوا بِهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ، ﷿: فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ
[(١٧)] وَكَانَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنُوا بِرُسُلِهِمْ، وَبِمُحَمَّدٍ، ﵌، قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ فَلَمَّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ، [﵌] [(١٨)] آمَنُوا بِهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ [(١٩)] .
_________________
(١) [(١٦)] الآية الكريمة (٨٩) من سورة البقرة، والحديث أخرجه الحاكم في «المستدرك» (٢: ٢٦٣)، وفي إسناده: عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ هَارُونَ بْنِ عَنْتَرَةَ، عَنْ أَبِيهِ. قال الدارقطني: هما ضعيفان، وقال احمد: ضعيف، وقال يحيى بن معين: كذاب، وقال أبو حاتم: «متروك، ذاهب الحديث»، وقال ابن حبان: يضع الحديث، وقال السّعدي: «دجال كذاب» . الميزان (٢: ٦٦٦- ٦٦٧) . [(١٧)] الآية الكريمة (١٠٦) من سورة آل عمران. [(١٨)] في (م): «﵇» . [(١٩)] الآية الكريمة (١٧) من سورة محمد ﵌.
[ ٢ / ٧٧ ]
ذِكْرُ خَبَرِ الْيَهُودِيِّ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ
* أَخْبَرَنَا أبو عبد الله الْحَافِظُ، وأَبُو بَكْرٍ: أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ سَلَامَةَ بْنِ وَقْشٍ، قَالَ:
كَانَ بَيْنَ أَبْيَاتِنَا يَهُوَدِيٌّ، فَخَرَجَ عَلَى نَادِي قَوْمِهِ: بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ ذَاتَ غَدَاةٍ، فَذَكَرَ الْبَعْثَ وَالْقِيَامَةَ وَالْجَنَّةَ وَالنَّارَ وَالْحِسَابَ وَالْمِيزَانَ، فَقَالَ ذَلِكَ لِأَصْحَابِ وَثَنٍ لَا يَرَوْنَ أَنَّ بَعْثًا كَائِنٌ بَعْدَ مَوْتٍ، وَذَلِكَ قُبَيْلَ مَبْعَثِ رَسُولِ اللهِ، ﵌، فَقَالُوا: وَيْحَكَ يَا فُلَانُ- وَفِي رِوَايَةِ الْقَاضِي وَيْلَكَ يَا فُلَانُ- وَهَذَا كَائِنٌ:
أَنَّ النَّاسَ يُبْعَثُونَ بَعْدَ مَوْتِهِمْ إِلَى دَارٍ فِيهَا جَنَّةٌ وَنَارٌ يُجْزَوْنَ مِنْ أَعْمَالِهِمْ؟ قَالَ:
نَعَمْ، وَالَّذِي يُحْلَفُ بِهِ لَوَدِدْتُ أَنَّ حَظِّيَ مِنْ تِلْكَ النَّارِ: أَنْ تُوقِدُوا أَعْظَمُ تَنُّورٍ فِي دَارِكُمْ، فَتُحْمُونَهُ، ثُمَّ تَقْذِفُونِي فِيهِ، ثُمَّ تُطَيِّنُونَ عَلَيَّ، وَأَنِّي أَنْجُو مِنَ النَّارِ غَدًا.
فَقِيلَ: يَا فُلَانُ، فَمَا عَلَامَةُ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَبِيٌّ يُبْعَثُ مِنْ نَاحِيَةِ هَذِهِ الْبِلَادِ- وَأَشَارَ بِيَدِهِ نَحْوَ مَكَّةَ وَالْيَمَنِ- قَالُوا: فَمَتَى تَرَاهُ؟ فَرَمَى بِطَرْفِهِ، فَرَآنِي وَأَنَا مُضْطَجِعٌ بِفِنَاءِ بَابِ أَهْلِي، وَأَنَا أَحْدَثُ الْقَوْمِ، فَقَالَ: إِنْ يَسْتَنْفِذْ هَذَا الْغُلَامُ عُمُرَهُ يُدْرِكْهُ
[ ٢ / ٧٨ ]
فَمَا ذَهَبَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ حَتَّى بَعَثَ اللهُ رَسُولَهُ، ﵌، وَإِنَّهُ لَحَيٌّ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، فَآمَنَّا بِهِ وَصَدَّقْنَاهُ، وَكَفَرَ بِهِ بَغْيًا وَحَسَدًا. فَقُلْنَا لَهُ: يَا فُلَانُ، أَلَسْتَ الَّذِي قُلْتَ مَا قُلْتَ وَأَخْبَرْتَنَا؟ قَالَ: لَيْسَ به [(١)] .
_________________
(١) [(١)] الخبر في سيرة ابن هشام (١: ٢٣١)، وأخرجه الإمام أحمد في «مسنده» (٣: ٤٦٨)، ونقله الصالحي في السيرة الشامية (١: ١٣٥)، وقال: «رواه ابن إسحاق، والبخاري في «التاريخ» وصححه الحاكم، والخبر في الاكتفاء (١: ٢٣٣)، والوفا (١: ٤٧) .
[ ٢ / ٧٩ ]
ذِكْرُ سَبَبِ إِسْلَامِ ابْنَيْ سَعْيَةَ
* أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ [بْنِ قَتَادَةَ] [(١)]، عَنْ شَيْخٍ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ، قَالَ:
هَلْ تَدْرِي عَمَّا كَانَ إِسْلَامِ أُسَيْدٍ، وَثَعْلَبَةَ، ابْنَيْ سَعْيَةَ، وَأَسَدِ [(٢)] بْنِ عُبَيْدٍ، نَفَرٌ مِنْ هَذْلٍ، لَمْ يَكُونُوا مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ وَلَا النَّضِيرِ، كَانُوا فَوْقَ ذَاكَ؟
فَقُلْتُ: لَا، قَالَ: فَإِنَّهُ قَدِمَ عَلَيْنَا رَجُلٌ مِنَ الشَّامِ مِنْ يَهُودَ، يُقَالُ لَهُ: ابْنُ الْهَيَّبَانِ [(٣)]، فَأَقَامَ عِنْدَنَا، وَاللهِ مَا رَأَيْنَا رَجُلًا قَطُّ لَا يُصَلِّي الْخَمْسَ خَيْرًا مِنْهُ.
فَقَدِمَ عَلَيْنَا قَبْلَ مَبْعَثِ رَسُولِ الله، ﵌، بِسَنَتَيْنِ، فَكُنَّا إِذَا قَحِطْنَا، وَقَلَّ عَلَيْنَا الْمَطَرُ نَقُولُ: يَا ابْنَ الْهَيَّبَانِ، اخْرُجْ فَاسْتَسْقِ لَنَا، فَيَقُولُ: لَا وَاللهِ، حَتَّى تُقَدِّمُوا أَمَامَ مَخْرَجِكُمْ صَدَقَةً. فَنَقُولُ: كَمْ؟ فَيَقُولُ: صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ مُدَّيْنِ مِنْ
_________________
(١) [(١)] الزيادة من (م) . [(٢)] في (م) و(ص): «أسيد وهو تصحيف. [(٣)] (الهيبان) بفتح الهاء، وتشديد الياء، مفتوحة بعدها باء موحدة، وآخره نون، وأصله صفة، يقال: قطن هيبان، «إذا كان منفوشا» .
[ ٢ / ٨٠ ]
شَعِيرٍ. فَنُخْرِجُهُ ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى ظَاهِرِ حَرَّتِنَا، وَنَحْنُ معه، فيستسقي، فو الله مَا يَقُومُ مِنْ مَجْلِسِهِ حَتَّى تَمُرَّ الشِّعَابُ. قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ غَيْرَ مَرَّةٍ وَلَا مَرَّتَيْنِ وَلَا ثَلَاثَةٍ.
فَحَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ، وَاجْتَمَعْنَا إِلَيْهِ. فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، مَا تَرَوْنَهُ أَخْرَجَنِي مِنْ أَرْضِ الْخَمْرِ وَالْخَمِيرِ إِلَى أَرْضِ الْبُؤْسِ وَالْجُوعِ؟ قَالُوا: أَنْتَ أَعْلَمُ. قَالَ: إِنَّمَا أَخْرَجَنِي أَتَوَقَّعُ [(٤)] خُرُوجَ نَبِيٍّ قَدْ أَظَلَّ زَمَانُهُ [(٥)]، هَذِهِ الْبِلَادُ مُهَاجَرُهُ، فَأَتَّبِعُهُ، فَلَا تُسْبَقُنَّ إِلَيْهِ إِذَا خَرَجَ. يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ، بِسَفْكِ الدِّمَاءِ، وَسَبْيِ الذَّرَارِيِّ وَالنِّسَاءِ مِمَّنْ يُخَالِفُهُ، فَلَا يَمْنَعُكُمْ ذَلِكَ مِنْهُ. ثُمَّ مَاتَ. فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي فُتِحَتْ فِيهَا قُرَيْظَةُ، قَالَ أُولَئِكَ الثَّلَاثَةُ الْفِتْيَةُ، وَكَانُوا شُبَّانًا أَحْدَاثًا: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، وَاللهِ إِنَّهُ لَلَّذِي كَانَ ذَكَرَ لَكُمُ ابْنُ الْهَيَّبَانِ. فَقَالُوا: مَا هُوَ بِهِ.
قَالُوا: بَلَى وَاللهِ، إِنَّهُ لَصِفَتُهُ [(٦)] ثُمَّ نَزَلُوا، فَأَسْلَمُوا وَخَلُّوا أَمْوَالَهُمْ، وَأَوْلَادَهُمْ، وَأَهَالِيهِمْ [(٧)] .
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ كَانَتْ أَمْوَالُهُمْ فِي الْحِصْنِ مَعَ الْمُشْرِكِينَ، فَلَمَّا فَتَحَ رُدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ.
_________________
(١) [(٤)] في سيرة ابن هشام: «أتو كف خروج نبي»، ومعناها: انتظر خروجه واستشعر. [(٥)] أظل زمانه: أشرف عليكم وقرب. [(٦)] في سيرة ابن هشام: «إنه لهو بصفته» . [(٧)] الخبر في سيرة ابن هشام (١: ٢٣٢- ٢٣٣) .
[ ٢ / ٨١ ]
ذِكْرُ سَبَبِ إِسْلَامِ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ، ﵁
* أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ [﵀] [(١)] فِي «زِيَادَاتِ الْفَوَائِدِ» قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا حَاتِمُ بْنُ أَبِي صَغِيرَةَ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ صُوحَانَ:
أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، كَانَا صَدِيقَيْنِ لِزَيْدِ بْنِ صُوحَانَ، أَتَيَاهُ، أَنْ يُكَلِّمَ لَهُمَا سَلْمَانَ: أَنْ يُحَدِّثَهُمَا بِحَدِيثِهِ: كَيْفَ كَانَ أَوَّلُ إِسْلَامِهِ؟ فَأَقْبَلَا مَعَهُ حَتَّى لَقَوْا سَلْمَانَ، وَهُوَ بِالْمَدَائِنِ، أَمِيرًا [(٢)] عَلَيْهَا، وَإِذَا هُوَ عَلَى كُرْسِيٍّ قَاعِدٌ، وَإِذَا خُوصٌ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ يَشُقُّهُ [(٣)] . قَالَا: فَسَلَّمْنَا وَقَعَدْنَا، فَقَالَ لَهُ زَيْدٌ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ، إِنَّ هَذَيْنِ لِي صَدِيقَانِ [(٤)]، وَلَهُمَا إِخَاءٌ، وَقَدْ أَحَبَّا أَنْ يَسْمَعَا حَدِيثَكَ:
كَيْفَ كَانَ أَوَّلُ إسلامك؟
_________________
(١) [(١)] الزيادة من (م) و(ص) . [(٢)] في (هـ) و(ص) و(م): «أمير» . [(٣)] في (ص) و(م): «يسفّه»، وفي هامش (م): «قوله: يسفه، بالسين المهملة والفاء، أي ينسجه. [(٤)] في الأصول «صديقين» .
[ ٢ / ٨٢ ]
قَالَ: فَقَالَ سَلْمَانُ: كُنْتُ يَتِيمًا مِنْ رَامَهُرْمُزَ [(٥)]، وَكَانَ ابْنُ دِهْقَانِ [(٦)] رَامَهُرْمُزَ يَخْتَلِفُ إِلَى مُعَلِّمٍ [يُعَلِّمُهُ] [(٧)]، فَلَزِمْتُهُ لِأَكُونَ فِي كَنَفِهِ. وَكَانَ لِي أَخٌ أَكْبَرَ مِنِّي، وَكَانَ مُسْتَغْنِيًا فِي نَفْسِهِ، وَكُنْتُ غُلَامًا فَقِيرًا، فَكَانَ إِذَا قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ تَفَرَّقَ مَنْ يُحَفِّظُهُ، فَإِذَا تَفَرَّقُوا خَرَجَ فَتَقَنَّعَ بِثَوْبِهِ، ثُمَّ يَصْعَدُ الْجَبَلَ، فَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ غَيْرَ مَرَّةٍ مُتَنَكِّرًا، قَالَ: فَقُلْتُ: أَمَا إِنَّكَ تَفْعَلُ كَذَا وَكَذَا فَلِمَ لَا تَذْهَبُ بِي مَعَكَ؟ قَالَ: أَنْتَ غُلَامٌ، وَأَخَافُ أَنْ يَظْهَرَ مِنْكَ شَيْءٌ، قَالَ: قُلْتُ:
لَا تَخَفْ. قَالَ: فَإِنَّ فِي هَذَا الْجَبَلِ قَوْمًا فِي بِرْطِيلٍ [(٨)]، لَهُمْ عِبَادَةٌ وَلَهُمْ صَلَاحٌ، يَذْكُرُونَ اللهَ [تَعَالَى] [(٩)]، وَيَذْكُرُونَ الْآخِرَةَ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّا عَبَدَةُ النِّيرَانِ، وَعَبَدَةُ الْأَوْثَانِ، وَأَنَّا عَلَى غَيْرِ دِينٍ، قُلْتُ: فَاذْهَبْ بِي مَعَكَ إِلَيْهِمْ.
قَالَ: لَا أَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى أَسْتَأْمِرَهُمْ، وَأَنَا أَخَافُ أَنْ يَظْهَرَ مِنْكَ شَيْءٌ فَيَعْلَمَ أَبِي، فَيقْتُلَ الْقَوْمَ، فَيَجْرِيَ هَلَاكُهُمْ عَلَى يَدَيَّ. قَالَ: قُلْتُ: لَمْ يَظْهَرْ مِنِّي ذَلِكَ. فَاسْتَأْمَرَهُمْ، فَأَتَاهُمْ، فَقَالَ: عِنْدِي غُلَامٌ يَتِيمٌ [(١٠)] فَأَحَبَّ أَنْ يَأْتِيَكُمْ وَيَسْمَعَ كَلَامَكُمْ، قَالُوا: إِنْ كُنْتَ تَثِقُ بِهِ، قَالَ: أَرْجُو أَنْ لَا يَجِيءَ مِنْهُ إِلَّا مَا أحب. قالوا: فجيء بِهِ. فَقَالَ لِي: قَدِ اسْتَأْذَنْتُ الْقَوْمَ أَنْ تَجِيءَ مَعِيَ، فَإِذَا كَانَتِ السَّاعَةُ الَّتِي [(١١)] رَأَيْتَنِي أَخْرُجُ فِيهَا فَأْتِنِي، وَلَا يَعْلَمُ بِكَ أَحَدٌ، فَإِنَّ أَبِي إِنْ عَلِمَ بِهِمْ قَتَلَهُمْ. قَالَ: فَلَمَّا كَانَتِ السَّاعَةُ الَّتِي يَخْرُجُ تَبِعْتُهُ، فَصَعِدَ الْجَبَلَ، فانتهينا
_________________
(١) [(٥)] في (ص): «رام هرمز»، وهي كورة بالأهواز. [(٦)] (الدّهقان): بكسر الدال وضمها شيخ القرية، العارف بالفلاحة وما يصلح الأرض من الشجر، يلجأ إليه في معرفة ذلك، وهو معرّب. [(٧)] الزيادة من (م) و(ص) . [(٨)] (البرطيل): حجر عظيم مستطيل. [(٩)] ليست في (م) . [(١٠)] في (م) و(ص): «غلام عندي يتيم» . [(١١)] في (هـ): «الساعة الذي» .
[ ٢ / ٨٣ ]
فِيهِ إِلَيْهِمْ. فَإِذَا هُمْ فِي بِرْطِيلِهِمْ. قَالَ عَلِيٌّ: وَأُرَاهُ قَالَ: هُمْ سِتَّةٌ أَوْ سَبْعَةٌ.
قَالَ: وَكَأَنَّ الرُّوحَ قَدْ خَرَجَتْ مِنْهُمْ مِنَ الْعِبَادَةِ: يَصُومُونَ النَّهَارَ، وَيَقُومُونَ اللَّيْلَ، يَأْكُلُونَ الشَّجَرَ وَمَا وَجَدُوا. فَقَعَدْنَا إِلَيْهِمْ فَأَثْنَى ابْنُ الدِّهْقَانِ عَلَيَّ خَيْرًا.
فَتَكَلَّمُوا فَحَمِدُوا اللهَ، وَأَثْنَوْا عَلَيْهِ، وَذَكَرُوا مَنْ مَضَى مِنَ الرُّسُلِ وَالْأَنْبِيَاءِ، حَتَّى خَلَصُوا إِلَى عِيسَى بن مَرْيَمَ، فَقَالُوا: بَعَثَهُ اللهُ، وَوُلِدَ لِغَيْرِ ذَكَرٍ، بَعَثَهُ اللهُ رَسُولًا، وَسَخَّرَ لَهُ مَا كَانَ يَفْعَلُ مِنْ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى، وَخَلْقِ الطَّيْرِ، وَإِبْرَاءِ الْأَعْمَى وَالْأَبْرَصِ، فَكَفَرَ بِهِ قَوْمٌ، وَتَبِعَهُ قَوْمٌ، وَإِنَّمَا كَانَ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ ابْتَلَى بِهِ خَلْقَهُ، قَالَ: وَقَالُوا قَبْلَ ذَلِكَ: يَا غُلَامُ، إِنَّ لَكَ رَبًّا، وَإِنَّ لَكَ مَعَادًا، وَإِنَّ بَيْنَ يَدَيْكَ جَنَّةً وَنَارًا إِلَيْهِمَا تَصِيرُ، وَإِنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ النِّيرَانَ أَهْلُ كُفْرٍ وَضَلَالَةٍ، فَلَا يَرْضَى اللهُ [تَعَالَى] [(١٢)]، بِمَا يَصْنَعُونَ، وَلَيْسُوا عَلَى دِينٍ. فَلَمَّا حَضَرَتِ السَّاعَةُ الَّتِي يَنْصَرِفُ فِيهَا الْغُلَامُ انْصَرَفَ. وَانْصَرَفْتُ مَعَهُ. ثُمَّ غَدَوْنَا إِلَيْهِمْ فَقَالُوا: مِثْلَ ذَلِكَ وَأَحْسَنَ. وَلَزِمْتُهُمْ فَقَالُوا لِي: يَا سَلْمَانُ إِنَّكَ غُلَامٌ، وَإِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصْنَعَ مَا نَصْنَعُ، فَصَلِّ، وَنَمْ، وَكُلْ، وَاشْرَبْ.
قَالَ: فَاطَّلَعَ الْمَلِكُ عَلَى صَنِيعِ ابْنِهِ، فَرَكِبَ فِي الْخَيْلِ، ثُمَّ أَتَاهُمْ فِي بِرْطِيلِهِمْ فَقَالَ: يَا هَؤُلَاءِ، قَدْ جَاوَرْتُمُونِي فَأَحْسَنْتُ جِوَارَكُمْ، وَلَمْ تَرَوْا مِنِّي سُوءًا فَعَمِدْتُمْ إِلَى ابْنِي فَأَفْسَدْتُمُوهُ عَلَيَّ، قَدْ أَجَّلْتُكُمْ ثَلَاثًا، فَإِنْ قَدَرْتُ عَلَيْكُمْ بَعْدَ ثَلَاثٍ أَحْرَقْتُ عَلَيْكُمْ بِرْطِيلَكُمْ هَذَا، فَالْحَقُوا بِبِلَادِكُمْ، فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ يَكُونَ مِنِّي إِلَيْكُمْ سُوءٌ، قَالُوا: نَعَمْ. مَا تَعَمَّدْنَا مَسَاءَتَكَ، وَلَا أَرَدْنَا إِلَّا الْخَيْرَ. فَكَفَّ ابْنُهُ عَنْ إِتْيَانِهِمْ، فَقُلْتُ لَهُ: اتَّقِ اللهَ، فَإِنَّكَ تَعْرِفُ أَنَّ هَذَا الدِّينَ دِينُ اللهِ، وَإِنَّ أَبَاكَ وَنَحْنُ عَلَى غَيْرِ دِينٍ، إِنَّمَا هُمْ عَبْدَةُ النِّيرَانِ لَا يَعْرِفُونَ اللهَ، فَلَا تَبِعْ آخِرَتَكَ بِدُنْيَا غَيْرِكَ.
_________________
(١) [(١٢)] ليست في (م) و(ص) .
[ ٢ / ٨٤ ]
قَالَ: يَا سَلْمَانُ، هُوَ كَمَا تَقُولُ، وَإِنَّمَا أَتَخَلَّفُ عَنِ الْقَوْمِ بُقْيًا عَلَيْهِمْ: إِنْ تَبِعْتُ الْقَوْمَ طَلَبَني أَبِي فِي الْخَيْلِ، وَقَدْ جَزَعَ مِنْ إِتْيَانِي إِيَّاهُمْ حَتَّى طَرَدَهُمْ [(١٣)]، وَقَدْ أَعْرِفُ أَنَّ الْحَقَّ فِي أَيْدِيهِمْ، وقالت: أَنْتَ أَعْلَمُ. ثُمَّ لَقِيتُ أَخِي فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ. فَقَالَ: أَنَا مُشْتَغِلٌ بِنَفْسِي فِي طَلَبِ الْمَعِيشَةِ. فَأَتَيْتُهُمْ فِي الْيَوْمِ الَّذِي أَرَادُوا أَنْ يَرْتَحِلُوا فِيهِ، فَقَالُوا: يَا سَلْمَانُ، قَدْ كُنَّا نَحْذَرُ فَكَانَ مَا رَأَيْتَ. اتَّقِ اللهَ، وَاعْلَمْ أَنَّ الدِّينَ مَا أَوْصَيْنَاكَ بِهِ، وَأَنَّ هَؤُلَاءِ عَبْدَةُ النِّيرَانِ لَا يَعْرِفُونَ اللهَ وَلَا يَذْكُرُونَهُ، فَلَا يَخْدَعَنَّكَ أَحَدٌ عَنْ ذَلِكَ، قُلْتُ: مَا أَنَا بِمُفَارِقِكُمْ، قَالُوا: إِنَّكَ لَا تَقْدِرُ أَنْ تَكُونَ مَعَنَا: نَحْنُ نَصُومُ النَّهَارَ، وَنَقُومُ اللَّيْلَ، وَنَأْكُلُ الشَّجَرَ وَمَا أَصَبْنَا، وَأَنْتَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ. قَالَ: قُلْتُ: لَا أُفَارِقُكُمْ. قَالُوا: أَنْتَ أَعْلَمُ، قَدْ أَعْلَمْنَاكَ حَالَنَا، فَإِذَا أَتَيْتَ [(١٤)] فَاطْلُبْ حِذَاءً يَكُونُ مَعَكَ، وَاحْمِلْ مَعَكَ شَيْئًا تَأْكُلُهُ فَإِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَا نَسْتَطِيعُ نَحْنُ. قَالَ: فَفَعَلْتُ، وَلَقِيتُ أَخِي فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ، فَأَبَى، فَأَتَيْتُهُمْ فَتَحَمَّلُوا فَكَانُوا يَمْشُونَ وَأَمْشِي مَعَهُمْ، فَرَزَقَ اللهُ السَّلَامَةَ حَتَّى قَدِمْنَا الْمَوْصِلَ، فَأَتَيْنَا بِيْعَةً بِالْمَوْصِلِ، فَلَمَّا دَخَلُوا حَفُّوا بِهِمْ وَقَالُوا: أَيْنَ كُنْتُمْ؟ قَالُوا: كُنَّا فِي بِلَادٍ لَا يَذْكُرُونَ اللهَ [تَعَالَى] [(١٥)]، بِهَا عَبْدَةُ النِّيرَانِ [(١٦)] فَطَرَدُونَا، فَقَدِمْنَا عَلَيْكُمْ. فَلَمَّا كَانَ بَعْدُ قَالُوا: يَا سَلْمَانُ إِنَّ هَهُنَا قَوْمًا فِي هَذِهِ الْجِبَالِ هُمْ أَهْلُ دِينٍ، وَإِنَّا نُرِيدُ لِقَاءَهُمْ. فَكُنْ أَنْتَ هَهُنَا مَعَ هَؤُلَاءِ فَإِنَّهُمْ أَهْلُ دِينٍ وَسَتَرَى مِنْهُمْ مَا تُحِبُّ. قُلْتُ: مَا أَنَا بِمُفَارِقِكُمْ. قَالَ [(١٧)]: وَأَوْصُوا بِي أَهْلَ الْبِيعَةِ، فَقَالَ أَهْلُ الْبِيْعَةِ: أَقِمْ مَعَنَا يَا غُلَامُ، فَإِنَّهُ لَا يُعْجِزُكَ شَيْءٌ يَسَعُنَا.
قَالَ: قُلْتُ: مَا أَنَا بِمُفَارِقِكُمْ، فَخَرَجُوا وَأَنَا مَعَهُمْ، فَأَصْبَحْنَا بَيْنَ جِبَالٍ فإذا
_________________
(١) [(١٣)] في (م): «حتى أتاهم» . [(١٤)] في (م): «أبيت» . [(١٥)] ليست في (م) . [(١٦)] في (م): «نيران» . [(١٧)] في (هـ) و(م): «قالوا» .
[ ٢ / ٨٥ ]
صَخْرَةٌ وَمَاءٌ كَثِيرٌ فِي جِرَارٍ [(١٨)] وَخُبْزٌ كَثِيرٌ، فَقَعَدْنَا عِنْدَ الصَّخْرَةِ، فَلَمَّا طَلَعَتِ الشَّمْسُ خَرَجُوا مِنْ بَيْنِ تِلْكَ الْجِبَالِ، يَخْرُجُ رَجُلٌ رَجُلٌ مِنْ مَكَانِهِ، كَأَنَّ الْأَرْوَاحَ انْتُزِعَتْ مِنْهُمْ حَتَّى كَثُرُوا فَرَحَّبُوا بِهِمْ وَحَفُّوا، وَقَالُوا: أَيْنَ كُنْتُمْ. لَمْ نَرَكُمْ؟
قَالُوا: كُنَّا فِي بِلَادٍ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللهِ تَعَالَى [(١٩)]، فِيهَا عَبْدَةُ النِّيرَانِ، وَكُنَّا نَعْبُدُ اللهَ تَعَالَى [(٢٠)] فَطَرَدُونَا. فَقَالُوا: مَا هَذَا الْغُلَامُ؟ قَالَ: فَطَفِقُوا يُثْنُونَ عَلَيَّ، وَقَالُوا: صَحِبَنَا مِنْ تِلْكَ الْبِلَادِ، فَلَمْ نَرَ مِنْهُ إِلَّا خَيْرًا. قال: فو الله إِنَّهُمْ لَكَذَا، إِذْ طَلَعَ عَلَيْهِمْ رَجُلٌ مِنْ كَهْفٍ رَجُلٌ طُوَالٌ، فَجَاءَ حَتَّى سَلَّمَ وَجَلَسَ، فَحَفُّوا بِهِ وَعَظَّمُوهُ أَصْحَابِي الَّذِينَ كُنْتُ مَعَهُمْ، وَأَحْدَقُوا بِهِ، فَقَالَ [(٢١)] لَهُمْ: أَيْنَ كُنْتُمْ؟
فَأَخْبَرُوهُ، قَالَ: مَا هَذَا الْغُلَامُ مَعَكُمْ؟ فَأَثْنَوْا عَلَيَّ خَيْرًا، وَأَخْبَرُوهُ بِاتِّبَاعِي إِيَّاهُمْ، وَلَمْ أَرَ مِثْلَ إِعْظَامِهِمْ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ ذَكَرَ مَنْ أَرْسَلَ اللهُ، تَعَالَى، مِنْ رُسُلِهِ وَأَنْبِيَائِهِ، وَمَا لَقَوْا وَمَا صُنِعَ بِهِمْ، حَتَّى ذَكَرَ مَوْلِدَ عيسى بن مَرْيَمَ وَأَنَّهُ وُلِدَ لِغَيْرِ ذَكَرٍ [(٢٢)]، فَبَعَثَهُ رَسُولًا، وَأَجْرَى عَلَى يَدَيْهِ إِحْيَاءَ الْمَوْتَى وَإِبْرَاءَ الْأَعْمَى وَالْأَبْرَصَ، وَأَنَّهُ يَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَيَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللهِ. وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْإِنْجِيلَ، وَعَلَّمَهُ التَّوْرَاةَ، وَبَعْثَهُ رَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَكَفَرَ بِهِ قَوْمٌ، وَآمَنَ بِهِ قَوْمٌ. وَذَكَرَ بَعْضَ مَا لَقِيَ عِيسَى بن مَرْيَمَ، وَأَنَّهُ لَمَّا كَانَ عَبْدًا أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ، فَشَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، وَرَضِيَ عَنْهُ، حَتَّى قَبَضَهُ اللهُ [تعالى] [(٢٣)] . وهو يعظمهم وَيَقُولُ: اتَّقُوا اللهَ، وَالْزَمُوا مَا جَاءَ بِهِ عِيسَى ﵇ [(٢٤)]، وَلَا تُخَالِفُوا فَيُخَالَفَ بِكُمْ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ من هذا شيئا
_________________
(١) [(١٨)] في (ح) و(م): «قرار» . [(١٩)] ليست في (م) . [(٢٠)] ليست في (م) . [(٢١)] في (م): «وقال» . [(٢٢)] في (م): «بغير ذكر» . [(٢٣)] ليست في (م) . [(٢٤)] ليست في (م) .
[ ٢ / ٨٦ ]
فَلْيَأْخُذْ. فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَقُومُ فَيَأْخُذُ الْجَرَّةَ مِنَ الْمَاءِ وَالطَّعَامِ وَالشَّيْءِ، فَقَامَ إِلَيْهِ أَصْحَابِي الَّذِينَ جِئْتُ مَعَهُمْ فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ وَعَظَّمُوهُ، فَقَالَ لَهُمُ: الْزَمُوا هَذَا الدِّينَ، وَإِيَّاكُمْ أَنْ تَفَرَّقُوا، وَاسْتَوْصُوا بِهَذَا الْغُلَامِ خَيْرًا. فَقَالَ لِي: يَا غُلَامُ، هَذَا دِينُ اللهِ الَّذِي تَسْمَعُنِي أَقُولُهُ، وَمَا سِوَاهُ هُوَ الْكُفْرُ. قَالَ: قُلْتُ: مَا أُفَارِقُكَ. قال: إِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَكُونَ مَعِي، إِنِّي لَا أَخْرُجُ مِنْ كَهْفِي هَذَا إِلَّا كُلَّ يَوْمِ أَحَدٍ وَلَا تَقْدِرُ عَلَى الْكَيْنُونَةِ مَعِي. قَالَ: وَأَقْبَلَ عَلَيَّ أَصْحَابُهُ، فَقَالُوا:
يَا غُلَامُ، إنَ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَكُونَ مَعَهُ. قُلْتُ: مَا أَنَا بِمُفَارِقِكَ. قَالَ: يَا غُلَامُ، فَإِنِّي أُعْلِمُكَ الْآنَ أَنِّي أَدْخُلُ هَذَا الْكَهْفَ، وَلَا أَخْرُجُ مِنْهُ إِلَّا [(٢٥)] الْأَحَدَ الْآخَرَ، فَأَنْتَ أَعْلَمُ، قُلْتُ: مَا أَنَا بِمُفَارِقِكَ، قَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: يَا أَبَا فُلَانُ، هَذَا غُلَامٌ وَيُخَافُ عَلَيْهِ [(٢٦)] قَالَ: قَالَ لِي: أَنْتَ أَعْلَمُ، قُلْتُ: إِنِّي لَا أُفَارِقُكَ.
فَبَكَى أَصْحَابِي الْأَوَّلُونَ الَّذِينَ كُنْتُ مَعَهُمْ عِنْدَ فِرَاقِهِمْ إِيَّايَ، فَقَالَ: خُذْ مِنْ هَذَا الطَّعَامِ مَا تَرَى أَنَّهُ يَكْفِيكَ إِلَى الْأَحَدِ الْآخَرِ، وَخُذْ مِنْ هَذَا الْمَاءِ مَا تَكْتَفِي بِهِ.
فَفَعَلْتُ وَتَفَرَّقُوا، وَذَهَبَ كُلُّ إِنْسَانٍ إِلَى مَكَانِهِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ، وَتَبِعْتُهُ حَتَّى دَخَلَ الْكَهْفَ فِي الْجَبَلِ، وَقَالَ: ضَعْ مَا مَعَكَ وَكُلْ وَاشْرَبْ. وَقَامَ يُصَلِّي، فَقُمْتُ خَلْفَهُ أُصَلِّي، قَالَ: فَانْفَتَلَ إِلَيَّ وَقَالَ [(٢٧)]: إِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ هَذَا، وَلَكِنْ صَلِّ وَنَمْ وَكُلْ وَاشْرَبْ. فَفَعَلْتُ فَمَا رَأَيْتُهُ نَائِمًا وَلَا طَاعِمًا، إِلَّا رَاكِعًا وَسَاجِدًا إِلَى الْأَحَدِ الْآخَرِ. فَلَمَّا أَصْبَحْنَا قَالَ: خُذْ جَرَّتَكَ هَذِهِ وَانْطَلِقْ. فَخَرَجْتُ مَعَهُ أَتَّبِعُهُ حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ، وَإِذَا هُمْ قَدْ خَرَجُوا مِنْ تِلْكَ الْجِبَالِ، وَاجْتَمَعُوا إِلَى الصَّخْرَةِ يَنْتَظِرُونَ خُرُوجَهُ، فَقَعَدُوا وَعَادَ فِي حَدِيثِهِ نَحْوَ الْمَرَّةِ الْأُولَى، فَقَالَ:
الْزَمُوا هَذَا الدِّينَ وَلَا تَفَرَّقُوا، وَاتَّقُوا اللهَ، وَاعْلَمُوا أنّ عيسى بن مريم كان عبدا
_________________
(١) [(٢٥)] في (م): «إلى الأحد» . [(٢٦)] في (م): «ونخاف عليه» . [(٢٧)] في (م): «فقال» .
[ ٢ / ٨٧ ]
لِلَّهِ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ. ثُمَّ ذَكَرَنِي. فَقَالُوا لَهُ: يَا أَبَا فُلَانٍ، كَيْفَ وَجَدْتَ هَذَا الْغُلَامَ؟ فَأَثْنَى عَلَيَّ، وَقَالَ خَيْرًا، فَحَمِدُوا اللهَ تَعَالَى، وَإِذَا خُبْزٌ كَثِيرٌ وَمَاءٌ، فَأَخَذُوا وَجَعَلَ الرَّجُلُ يَأْخُذُ بِقَدْرِ مَا يَكْتَفِي بِهِ. فَفَعَلْتُ. وَتَفَرَّقُوا فِي تِلْكَ الْجِبَالِ وَرَجَعَ إِلَى كَهْفِهِ، وَرَجَعْتُ مَعَهُ. فَلَبِثَ مَا شَاءَ اللهُ: يَخْرُجُ فِي كُلِّ يَوْمِ أَحَدٍ فَيَخْرُجُونَ مَعَهُ فَيَحُفُّونَ بِهِ [(٢٨)] وَيوصِيهِمْ بِمَا كَانَ يُوصِيهِمْ بِهِ، فَخَرَجَ فِي أَحَدٍ فَلَمَّا اجْتَمَعُوا حَمِدَ اللهَ وَوَعَظَهُمْ وَقَالَ مِثْلَ مَا كَانَ يَقُولُ لَهُمْ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ آخِرَ ذَلِكَ: يَا هَؤُلَاءِ، إِنَّهُ قَدْ كَبِرَ سِنِّي [(٢٩)]، وَرَقَّ عَظْمِي، وَاقْتَرَبَ أَجَلِي، وَإِنَّهُ لَا عَهْدَ لِي بِهَذَا الْبَيْتِ مُنْذُ كَذَا [(٣٠)] وَلَا بُدَّ مِنْ إِتْيَانِهِ، فَاسْتَوْصُوا بِهَذَا الْغُلَامِ خَيْرًا، وَإِنِّي رَأَيْتُهُ لَا بَأْسَ بِهِ. قَالَ: فَجَزِعَ الْقَوْمُ فَمَا رَأَيْتُ مِثْلَ جَزَعِهِمْ، وَقَالُوا: يَا أَبَا فُلَانٍ أَنْتَ كَبِيرٌ، وَأَنْتَ وَحْدَكَ، وَلَا نَأْمَنُ أَنْ يُصِيبَكَ الشَّيْءُ، ولسنا وأَحْوَجُ مَا كُنَّا إِلَيْكَ. قَالَ: لَا تُرَاجِعُونِي، لَا بُدَّ لِي مِنْ إِتْيَانِهِ، وَلَكِنِ اسْتَوْصُوا بِهَذَا الْغُلَامِ خَيْرًا، وَافْعَلُوا وَافْعَلُوا. قَالَ: قُلْتُ: مَا أَنَا بِمُفَارِقِكَ قَالَ: يَا سَلْمَانُ، قَدْ رَأَيْتَ حَالِيَ وَمَا كُنْتُ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ هَذَا كَذَلِكَ، إِنَّمَا أَمْشِي، أَصُومُ النَّهَارَ، وَأَقُومُ اللَّيْلَ، وَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَحْمِلَ مَعِي زَادًا وَلَا غَيْرَهُ، وَلَا تَقْدِرُ عَلَى هَذَا. قَالَ:
قُلْتُ: مَا أَنَا بِمُفَارِقِكَ. قَالَ: أَنْتَ أَعْلَمُ. قَالُوا [(٣١)]: يَا أَبَا فُلَانٍ، إِنَّا نَخَافُ عَلَى هَذَا الْغُلَامِ. قَالَ: هُوَ أَعْلَمُ، قَدْ أَعْلَمْتُهُ الْحَالَ، وَقَدْ رَأَى مَا كَانَ قَبْلَ هَذَا.
فَقُلْتُ: لَا أُفَارِقُكَ. قَالَ: فَبَكَوْا وَوَدَّعُوهُ، وَقَالَ لَهُمُ: اتَّقُوا اللهَ، وَكُونُوا عَلَى مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ، فَإِنْ أَعِشْ فَلَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَيْكُمْ، وَإِنْ أَمُتْ فَإِنَّ اللهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ. فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ وَخَرَجَ وَخَرَجْتُ مَعَهُ، وَقَالَ: لِي احمل معك من هذا الخبز
_________________
(١) [(٢٨)] الزيادة من (ح) . [(٢٩)] من (م): «كبرت سني» . [(٣٠)] (م): «كذا وكذا» . [(٣١)] في (هـ): «قال» .
[ ٢ / ٨٨ ]
شَيْئًا تَأْكُلْهُ. فَخَرَجَ وَخَرَجْتُ مَعَهُ يَمْشِي وَأَتَّبِعُهُ، يَذْكُرُ اللهَ وَلَا يَلْتَفِتُ، وَلَا يَقِفُ عَلَى شَيْءٍ، حَتَّى إِذَا أَمْسَى، قَالَ: يَا سَلْمَانُ، صَلِّ أَنْتَ وَنَمْ، وَكُلْ وَاشْرَبْ.
ثُمَّ قَامَ وَهُوَ يُصَلِّي، إِلَى أَنِ انْتَهَيْنَا [(٣٢)] إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَكَانَ لَا يَرْفَعُ طَرْفَهُ إِلَى السَّمَاءِ إِذَا أَمْسَى حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَإِذَا عَلَى الْبَابِ مُقْعَدٌ، قَالَ: يَا عَبْدَ اللهِ، قَدْ تَرَى حَالِي فَتَصَدَّقْ عَلَيَّ بِشَيْءٍ، فَلَمْ يَلْتَفَتْ إِلَيْهِ، وَدَخَلَ الْمَسْجِدَ، وَدَخَلْتُ مَعَهُ. فَجَعَلَ يَتَتَبَّعُ [(٣٣)] أَمْكِنَةً مِنَ الْمَسْجِدِ يُصَلِّي فِيهَا. ثُمَّ قَالَ: يَا سَلْمَانُ، إِنِّي لَمْ أَنَمْ مُنْذُ كَذَا وَكَذَا، وَلَمْ أَجِدْ طَعْمَ نَوْمٍ، فَإِنْ أَنْتَ جَعَلْتَ لِي أَنْ تُوقِظَنِي إِذَا بَلَغَ الظِّلُّ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا- نِمْتُ، فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَنَامَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ وَإِلَّا لَمْ أَنَمْ. قَالَ: فَإِنِّي أَفْعَلُ، قَالَ: فَانْظُرْ إِذَا بَلَغَ الظِّلُّ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا، فَأَيْقِظْنِي إِذَا غَلَبَتْنِي عَيْنِي. فَنَامَ فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: هَذَا لَمْ يَنَمْ مُنْذُ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ ذَلِكَ، لَأَدَعَنَّهُ ينام حتى يشتفي مِنَ النَّوْمِ. وَكَانَ فِيمَا يَمْشِي، وَأَنَا مَعَهُ، يُقْبِلُ عَلَيَّ فَيَعِظُنِي وَيخْبِرُنِي أَنَّ لِي رَبًّا، وَأَنَّ بَيْنَ يَدَيَّ [(٣٤)] جَنَّةً وَنَارًا وَحِسَابًا، وَيُعَلِّمُنِي وَيُذَكِّرُني نَحْوَ مَا كَانَ يُذَكِّرُ الْقَوْمَ يَوْمَ الْأَحَدِ، حَتَّى قَالَ فِيمَا يَقُولُ لِي: يَا سَلْمَانُ، إِنَّ اللهَ، تَعَالَى، سَوْفَ يَبْعَثُ رَسُولًا اسْمُهُ أَحْمَدُ، يَخْرُجُ بِتِهَامَةَ- وَكَانَ رَجُلًا أَعْجَمِيًّا لَا يُحْسِنُ أَنْ يَقُولَ تِهَامَةَ ولا محمد- عَلَامَتُهُ أَنَّهُ يَأْكُلُ الْهَدِيَّةَ، لايقبل الصَّدَقَةَ، بَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمٌ، وَهَذَا زَمَانُهُ الَّذِي يَخْرُجُ فِيهِ فَقَدْ تَقَارَبَ، فَأَمَّا أَنَا فَشَيْخٌ [(٣٥)] كَبِيرٌ وَلَا أَحْسَبُنِي أُدْرِكُهُ، فَإِنْ أَدْرَكْتَهُ أَنْتَ فَصَدِّقْهُ وَاتَّبِعْهُ. قُلْتُ: وإن أمرني بترك دينك وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِ؟
قَالَ: وَإِنْ أَمَرَكَ، فَإِنَّ الْحَقَّ فِيمَا يَجِيءُ بِهِ، وَرِضَا الرَّحْمَنِ فِيمَا قَالَ. قَالَ:
_________________
(١) [(٣٢)] في (هـ) و(م): «انتهى» . [(٣٣)] في (م): «يتّبع» . [(٣٤)] في (م): «يديه» . [(٣٥)] في (م): «فإني شيخ» .
[ ٢ / ٨٩ ]
فَلَمْ يَمْضِ إِلَّا يَسِيرًا [(٣٦)] حَتَّى اسْتَيْقَظَ فَزِعًا يَذْكُرُ اللهَ، فَقَالَ: يَا سَلْمَانُ مَضَى الْفَيْءُ مِنْ هَذَا الْمَكَانِ وَلَمْ أَذْكُرِ اللهَ، أَيْنَ مَا جَعَلْتَ لِي عَلَى نَفْسِكَ؟ قَالَ:
قُلْتُ: أَخْبَرْتَنِي أَنَّكَ لَمْ تَنَمْ مُنْذُ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ ذَلِكَ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ تُسْتَشْفَى [(٣٧)] مِنَ النَّوْمِ. فَحَمِدَ اللهَ وَقَامَ فَخَرَجَ، فَتَبِعْتُهُ فَمَرَّ بِالْمُقْعَدِ، فَقَالَ الْمُقْعَدُ: يَا عَبْدَ اللهِ دخلت فسألتك فلمن تُعْطِنِي، وَخَرَجْتَ فَسَأَلْتُكَ فَلَمْ تُعْطِنِي. فَقَامَ يَنْظُرُ هَلْ يَرَى أَحَدًا فَلَمْ يَرَهُ، فَدَنَا مِنْهُ فَقَالَ: نَاوِلْنِي يَدَكَ فَنَاوَلَهُ، فَقَالَ: قُمْ بِاسْمِ اللهِ فَقَامَ، كَأَنَّهُ نَشِطَ مِنْ عِقَالٍ، صَحِيحًا لَا عَيْبَ فِيهِ [(٣٨)] فَخَلَّاهُ [(٣٩)] عَنْ يَدِهِ فَانْطَلَقَ ذَاهِبًا، وَكَانَ لَا يَلْوِي عَلَى أَحَدٍ، وَلَا يَقُومُ عَلَيْهِ، فَقَالَ لِي الْمُقْعَدُ: يَا غُلَامُ احْمِلْ عَلَيَّ ثِيَابِي حَتَّى أَنْطَلِقَ وَأُبَشِّرَ أَهْلِي. فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ، وَانْطَلَقَ لَا يَلْوِي عَلَيَّ، فَخَرَجْتُ فِي إِثْرِهِ أَطْلُبُهُ، وَكُلَّمَا سَأَلْتُ عَنْهُ قَالُوا: أَمَامَكَ، حَتَّى لَقِيَنِي الرَّكْبُ مِنْ كَلْبٍ فَسَأَلْتُهُمْ، فَلَمَّا سَمِعُوا الفتى أَنَاخَ رَجُلٌ مِنْهُمْ بَعِيرَهُ فَحَمَلَنِي خَلْفَهُ، حَتَّى أَتَوْا بِي بِلَادَهُمْ.
قَالَ: فَبَاعُونِي، فَاشْتَرَتْنِي امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَجَعَلَتْنِي فِي حَائِطٍ لَهَا.
وَقَدْ مَرَّ [(٤٠)] رَسُولُ اللهِ، ﵌، فَأُخْبِرْتُ بِهِ، فَأَخَذْتُ شَيْئًا مِنْ تَمْرِ حَائِطِي فَجَعَلْتُهُ عَلَى شَيْءٍ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَوَجَدْتُ عِنْدَهُ أُنَاسًا، وَإِذَا أَبُو بَكْرٍ أَقْرَبُ الْقَوْمِ مِنْهُ، فَوَضَعْتُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قُلْتُ: صَدَقَةٌ، قَالَ لِلْقَوْمِ: كُلُوا، وَلَمْ يَأْكُلْ هُوَ.
ثُمَّ لَبِثْتُ مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ أَخَذْتُ مِثْلَ ذَلِكَ فَجَعَلْتُهُ عَلَى شَيْءٍ، ثم أتيته
_________________
(١) [(٣٦)] في (ح): «يسير» . [(٣٧)] في (م): «تشتفي» . [(٣٨)] في (م): «لا عيب به» . [(٣٩)] في (م): «فخلىّ» . [(٤٠)] في (م): «وقدم» .
[ ٢ / ٩٠ ]
فَوَجَدْتُ عِنْدَهُ أُنَاسًا، وَإِذَا أَبُو بَكْرٍ أَقْرَبُ الْقَوْمِ مِنْهُ، فَوَضَعْتُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ: مَا هَذَا قُلْتُ: هَدِيَّةٌ. قَالَ: بِسْمِ اللهِ. فَأَكَلَ وَأَكَلَ الْقَوْمُ. قَالَ: قُلْتُ فِي نَفْسِي: هَذِهِ مِنْ آيَاتِهِ كَانَ صَاحِبِي رَجُلٌ أَعْجَمِيٌّ لَمْ يُحْسِنْ أَنْ يَقُولَ: تِهَامَةُ، قَالَ: تُهْمَةُ. وَقَالَ: أَحْمَدُ. فَدُرْتُ خَلْفَهُ، فَفَطِنَ لِي فَأَرْخَى ثَوْبَهُ فَإِذَا الْخَاتَمُ فِي نَاحِيَةِ كَتِفِهِ الْأَيْسَرِ فَتَبَيَّنْتُهُ، ثُمَّ دُرْتُ حَتَّى جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقُلْتُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّكَ رَسُولُ اللهِ، قَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ قُلْتُ: مَمْلُوكٌ. فَحَدَّثْتُهُ حَدِيثِي وَحَدِيثَ الرَّجُلِ الَّذِي كُنْتُ مَعَهُ، وَمَا أَمَرَنِي بِهِ، قَالَ: لِمَنْ أَنْتَ؟ قُلْتُ: لِامْرَأَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ جَعَلَتْنِي فِي حَائِطٍ لَهَا. قَالَ: يَا أبابكر، قَالَ: لَبَّيْكَ. قَالَ:
اشْتَرِهْ. فَاشْتَرَانِي أَبُو بَكْرٍ فَأَعْتَقَنِي، فَلَبِثْتُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ أَلْبَثَ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وقَعَدْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، مَا تَقُولُ فِي دِينِ النَّصَارَى؟
قَالَ: لَا خَيْرَ فِيهِمْ، وَلَا فِي دِينِهِمْ. فَدَخَلَنِي أَمْرٌ عَظِيمٌ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: هَذَا الَّذِي كُنْتُ مَعَهُ وَرَأَيْتُ مِنْهُ مَا رَأَيْتُ، ثُمَّ رَأَيْتُهُ أَخَذَ بِيَدِ الْمُقْعَدِ، فَأَقَامَهُ اللهُ عَلَى يَدِهِ [(٤١)]، لَا خَيْرَ فِي هَؤُلَاءِ وَلَا فِي دِينِهِمْ. فَانْصَرَفْتُ وَفِي نَفْسِي مَا شَاءَ اللهُ، فَأَنْزَلَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ: ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ [(٤٢)] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ، ﵌: عَلَيَّ سَلْمَانُ. فَأَتَانِي الرَّسُولُ فَدَعَانِي وَأَنَا خَائِفٌ، فَجِئْتُ حَتَّى قَعَدْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَرَأَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ إِلَى آخِرِ الْآيَاتِ [(٤٣)] . فَقَالَ يَا سَلْمَانُ: أُولَئِكَ الَّذِينَ كُنْتَ مَعَهُمْ وَصَاحِبُكَ لَمْ يَكُونُوا نَصَارَى، إِنَّمَا كَانُوا مُسْلِمِينَ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، فو الذي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَهُوَ أَمَرَنِي بِاتِّبَاعِكَ، فَقُلْتُ لَهُ: وَإِنْ أمرني بترك دينك وما أَنْتَ عَلَيْهِ فَأَتْرُكُهُ؟ قَالَ:
_________________
(١) [(٤١)] في (م): «يديه» . [(٤٢)] الآية الكريمة (٨٢) من سورة المائدة. [(٤٣)] في (م): «الآية» .
[ ٢ / ٩١ ]
نَعَمْ، فَاتْرُكْهُ، فَإِنَّ الْحَقَّ وَمَا يُحِبُّ اللهُ فِيمَا يَأْمُرُكَ بِهِ [(٤٤)] .
* أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، وأَبُو بَكْرٍ: أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، قَالَا: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ، قَالَ:
كُنْتُ مِنْ أَهْلِ فَارِسَ مِنْ أَهْلِ أَصْبَهَانَ، مِنْ قَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا جَيُّ [(٤٥)]، وَكَانَ أَبِي دِهْقَانَ أَرْضِهِ، وَكَانَ يُحِبُّنِي حُبًّا شَدِيدًا لَمْ يُحِبَّهُ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ وَلَا وَلَدِهِ، فَمَا زَالَ بِهِ حُبُّهُ إِيَّايَ حَتَّى حَبَسَنِي فِي الْبَيْتِ كَمَا تُحْبَسُ الْجَارِيَةُ. وَاجْتَهَدْتُ فِي الْمَجُوسِيَّةِ حَتَّى كُنْتُ قَطَنَ [(٤٦)] النَّارِ [الَّذِي يُوقِدُهَا] [(٤٧)] وَلَا يَتْرُكُهَا تَخْبُو سَاعَةً، فَكُنْتُ كَذَلِكَ لَا أَعْلَمُ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ شَيْئًا إِلَّا مَا أَنَا فِيهِ، حَتَّى بَنَى أبي بنيانا له،
_________________
(١) [(٤٤)] أخرجه الحاكم في «المستدرك» (٣: ٥٩٩- ٦٠٢)، وقال: «هذا حديث صحيح، عال في ذكر إِسْلَامِ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ﵁- ولم يخرجاه، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي الطفيل: عامر بن وائلة، عن سلمان من وجه صحيح بغير هذه السياقة، فلم أجد من إخراجه بدأ لما في الروايتين من الخلاف في المتن والزيادة والنقصان. وقد ذكره ابن كثير في البداية والنهاية (٢: ٣١٦) وقال: «في هذا السياق غرابة كثيرة، وفيه بعض المخالفة لسياق محمد بن إسحق، وطريق محمد بن إسحق أقوى إسنادا وأقرب إلى ما رواه البخاري في صحيحه من حديث المعتمر بن سليمان» . [(٤٥)] (جيّ) مدينة بأصبهان، وانظر معجم البلدان (٣: ١٩٦)، وقد ورد بالرواية السابقة «رامهرمز»، وفي رواية اخرى: ان سلمان من فارس، والجمع بين هذه الروايات أن جيّ مدينة أصبهان، وانه ولد في رامهرمز، وأصله من فارس، كما في دلائل النبوة لأبي نعيم (٢١٣) . [(٤٦)] (قطن النّار) هو خادمها الذي يخدمها ويمنعها من ان تنطفئ، والفرس كانوا مجوسا يعظمون النار ويعبدونها. [(٤٧)] في (ح): «التي يوقدونها»، وأثبتّ ما في (م) وهو موافق لسيرة ابن هشام.
[ ٢ / ٩٢ ]
وَكَانَتْ لَهُ ضَيْعَةٌ فِيهَا بَعْضُ الْعَمَلِ، فَدَعَانِي فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ، إِنَّهُ قَدْ شَغَلَنِي مَا تَرَى مِنْ بُنْيَانِي عَنْ ضَيْعَتِي هَذِهِ، وَلَا بُدَّ لِي مِنِ اطِّلَاعِهَا، فَانْطَلِقْ إِلَيْهَا فَأْمُرْهُمْ [(٤٨)] بِكَذَا وَكَذَا وَلَا تَحْتَبِسَنَّ عَنِّي، فَإِنَّكَ إِنِ احْتَبَسْتَ عَنِّي شَغَلْتَنِي عَنْ كُلِّ شَيْءٍ. فَخَرَجْتُ أُرِيدُ ضَيْعَتَهُ، فَمَرَرْتُ بِكَنِيسَةِ النَّصَارَى، فَسَمِعْتُ أَصْوَاتَهُمْ فِيهَا، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ فَقَالُوا: هَؤُلَاءِ النَّصَارَى يُصَلُّونَ. فَدَخَلْتُ أَنْظُرُ فَأَعْجَبَنِي مَا رَأَيْتُ مِنْ حَالِهِمْ. فو الله مَا زِلْتُ جَالِسًا عِنْدَهُمْ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ. وَبَعَثَ أَبِي فِي طَلَبِي فِي كُلِّ وِجْهَةٍ [(٤٩)] حَتَّى جِئْتُهُ حِينَ أَمْسَيْتُ وَلَمْ أَذْهَبْ إِلَى ضَيْعَتِهِ، فَقَالَ أَبِي: أَيْنَ كُنْتَ؟ أَلَمْ أَكُنْ قُلْتُ لَكَ؟ فَقُلْتُ [(٥٠)]: يَا أَبَتَاهُ، مَرَرْتُ بِنَاسٍ يُقَالُ لَهُمُ: النَّصَارَى، فَأَعْجَبَنِي صَلَوَاتُهُمْ وَدُعَاؤُهُمْ، فَجَلَسْتُ أَنْظُرُ كَيْفَ يَفْعَلُونَ. فَقَالَ [(٥١)]: أَيْ بُنَيَّ دِينُكَ وَدِينُ آبَائِكَ خَيْرٌ مِنْ دِينِهِمْ. فَقُلْتُ: لَا وَاللهِ مَا هُوَ بِخَيْرٍ مِنْ دِينِهِمْ، هَؤُلَاءِ قَوْمٌ يَعْبُدُونَ اللهَ وَيَدْعُونَهُ وَيُصَلُّونَ لَهُ، وَنَحْنُ إِنَّمَا نَعْبُدُ نَارًا نُوقِدُهَا بِأَيْدِينَا، إِذَا تَرَكْنَاهَا مَاتَتْ. فَخَافَنِي، فَجَعَلَ فِي رِجْلَيَّ حَدِيدًا، وَحَبَسَنِي فِي بَيْتٍ عِنْدَهُ، فَبَعَثْتُ إِلَى النَّصَارَى، فَقُلْتُ لَهُمْ: أَيْنَ أَصْلُ هَذَا الدِّينِ الَّذِي أَرَاكُمْ عَلَيْهِ؟ فَقَالُوا: بِالشَّامِ. فَقُلْتُ: فَإِذَا قَدِمَ عَلَيْكُمْ مِنْ هُنَاكَ نَاسٌ فَآذِنُونِي. قَالُوا: نَفْعَلُ. فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ نَاسٌ فِي تِجَارَتِهِمْ.
فَبَعَثُوا إِلَيَّ أَنَّهُ قَدْ قَدِمَ عَلَيْنَا تُجَّارٌ مِنْ تُجَّارِنَا. فَبَعَثْتُ إِلَيْهِمْ إِذَا قَضَوْا حَوَائِجَهُمْ وَأَرَادُوا الْخُرُوجَ فَآذِنُونِي. فَقَالُوا: نَفْعَلُ. فَلَمَّا قَضَوْا حَوَائِجَهَمْ وَأَرَادُوا الرَّحِيلَ بَعَثُوا إِلَيَّ بِذَلِكَ، فَطَرَحْتُ الْحَدِيدَ الَّذِي فِي رِجْلَيَّ وَلَحِقْتُ بِهِمْ، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُمْ حَتَّى قَدِمْتُ الشَّامَ. فَلَمَّا قَدِمْتُهَا، قُلْتُ: مَنْ أَفْضَلُ أَهْلِ هَذَا الدِّينِ؟
فَقَالُوا: الْأَسْقُفُّ [(٥٢)] صَاحِبُ الْكَنِيسَةِ. فَجِئْتُهُ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنِّي أَحْبَبْتُ أن أكون
_________________
(١) [(٤٨)] في (م) و(ح): «فمرهم» . [(٤٩)] في (م): «وجه» . [(٥٠)] في (هـ) و(م): «فقال» . [(٥١)] في (م): «وقال» . [(٥٢)] (الأسقفّ): بالتشديد: عالم النصارى الذي يقيم لهم أمر دينهم، ويقال: أسقف بالتخفيف ايضا.
[ ٢ / ٩٣ ]
مَعَكَ فِي كَنِيسَتِكَ، وَأَعْبُدُ اللهَ مَعَكَ، وَأَتَعَلَّمُ مِنْكَ الْخَيْرَ. قَالَ: فَكُنْ مَعِي.
قَالَ: فَكُنْتُ مَعَهُ، وَكَانَ رَجُلَ سَوْءٍ، كَانَ يَأْمُرُهُمْ بِالصَّدَقَةِ وَيُرَغِّبُهُمْ فِيهَا، فَإِذَا جَمَعُوهَا إِلَيْهِ اكْتَنَزَهَا وَلَمْ يُعْطِهَا الْمَسَاكِينَ. فَأَبْغَضْتُهُ بُغْضًا شَدِيدًا لِمَا رَأَيْتُ مِنَ حَالِهِ، فَلَمْ يَنْشَبْ أَنْ مَاتَ، فَلَمَّا جَاءُوا لِيَدْفِنُوهُ قُلْتُ لَهُمْ: إِنَّ هَذَا رَجُلُ سَوْءٍ، كَانَ يَأْمُرُكُمْ بِالصَّدَقَةِ وَيُرَغِّبُكُمْ فِيهَا، حَتَّى إِذَا جَمَعْتُمُوهَا إِلَيْهِ اكْتَنَزَهَا وَلَمْ يُعْطِهَا الْمَسَاكِينَ. فَقَالُوا: وَمَا عَلَامَةُ ذَلِكَ؟ فَقُلْتُ: أَنَا أُخْرِجُ لَكُمْ كَنْزَهُ. فَقَالُوا:
فَهَاتِهِ. فَأَخْرَجْتُ لَهُمْ سَبْعَ قِلَالٍ مَمْلُوءَةٍ ذَهَبًا وَوَرِقًا. فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَالُوا: وَاللهِ لَا يُدْفَنُ أَبَدًا. فَصَلَبُوهُ عَلَى خَشَبَةٍ وَرَمَوهُ بِالْحِجَارَةِ، وَجَاءُوا بِرَجُلٍ آخَرَ فَجَعَلُوهُ [(٥٣)] مَكَانَهُ. فَلَا وَاللهِ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، مَا رَأَيْتُ رَجُلًا قَطُّ لَا يُصَلِّي الْخَمْسَ أَرَى أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْهُ أَشَدَّ اجْتِهَادًا، وَلَا أَزْهَدَ فِي الدُّنْيَا، وَلَا أَدْأَبَ لَيْلًا وَلَا نَهَارًا مِنْهُ. مَا أَعْلَمُنِي أَحْبَبْتُ شَيْئًا قَطُّ، قَبْلَهُ، حُبَّهُ. فَلَمْ أَزَلْ مَعَهُ حَتَّى حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ. فَقُلْتُ: يَا فُلَانُ، قَدْ حَضَرَكَ مَا تَرَى مِنْ أَمْرِ اللهِ، وَإِنِّي وَاللهِ مَا أَحْبَبْتُ شَيْئًا، قَطُّ، حبّك، فماذا تأمرني؟ إلى مَنْ تُوصِينِي؟ فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ، وَاللهِ مَا أَعْلَمُهُ إِلَّا رَجُلًا بِالْمَوْصِلِ فَائْتِهِ، فَإِنَّكَ سَتَجِدُهُ عَلَى مِثْلِ حَالِي. فَلَمَّا مَاتَ [وَغُيِّبَ] [(٥٤)] لَحِقْتُ بِالْمَوْصِلِ، فَأَتَيْتُ صَاحِبَهَا، فَوَجَدْتُهُ عَلَى مِثْلِ حَالِهِ مِنَ الِاجْتِهَادِ وَالزَّهَادَةِ فِي الدُّنْيَا، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ فُلَانًا أَوْصَانِي إِلَيْكَ أَنْ آتِيَكَ وَأَكُونَ مَعَكَ. قَالَ: فَأَقِمْ أَيْ بُنَيَّ. فَأَقَمْتُ عِنْدَهُ عَلَى مِثْلِ أَمْرِ صَاحِبِهِ، حَتَّى حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ. فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ فُلَانًا أَوْصَانِي إِلَيْكَ وقَدْ حَضَرَكَ مِنْ أَمْرِ اللهِ مَا تَرَى، فَإِلَى مَنْ تُوصِينِي [(٥٥)]، فَقَالَ: وَاللهِ مَا أَعْلَمُهُ، أَيْ بُنَيَّ، إِلَّا رَجُلٌ بِنَصِيبِينَ وَهُوَ عَلَى مِثْلِ مَا نَحْنُ عَلَيْهِ، فَالْحَقْ بِهِ. فَلَمَّا دَفَنَّاهُ. لَحِقْتُ بِالْآخَرِ فَقُلْتُ لَهُ: يَا فُلَانُ، إِنَّ فُلَانًا أَوْصَانِي إِلَى فُلَانٍ، وَفُلَانٌ أَوْصَانِي إِلَيْكَ. قَالَ: فَأَقِمْ يَا بُنَيَّ. فَأَقَمْتُ
_________________
(١) [(٥٣)] في (ح) و(ص) و(م): «فجعلوا» . [(٥٤)] الزيادة من (ح) . [(٥٥)] ليست في (م) .
[ ٢ / ٩٤ ]
عِنْدَهُ عَلَى مِثْلِ حَالِهِمْ حَتَّى حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ. فَقُلْتُ لَهُ: يَا فُلَانُ، إِنَّهُ قَدْ حَضَرَكَ مِنْ أَمْرِ اللهِ مَا تَرَى، وَقَدْ كَانَ فُلَانٌ أَوْصَانِي إِلَى فُلَانٍ، وَأَوْصَاني فُلَانٌ إِلَى فُلَانٍ، وَأَوْصَاني فُلَانٌ إِلَيْكَ، فَإِلَى مَنْ تُوصِينِي؟ قَالَ لِي [(٥٦)]: أَيْ بُنَيَّ، وَاللهِ مَا أَعْلَمُ أَحَدًا عَلَى مِثْلِ مَا نَحْنُ عَلَيْهِ إِلَّا رَجُلٌ بِعَمُّورِيَّةَ مِنْ أَرْضِ الرُّومِ، فَأْتِهِ، فَإِنَّكَ سَتَجِدُهُ عَلَى مِثْلِ مَا كُنَّا عَلَيْهِ. فَلَمَّا وَارَيْتُهُ، خَرَجْتُ حَتَّى قَدِمْتُ عَلَى صَاحِبِ عَمُّورِيَّةَ، فَوَجَدْتُهُ عَلَى مِثْلِ حَالِهِمْ، فَأَقَمْتُ عِنْدَهُ، وَاكْتَسَبْتُ حَتَّى كَانَتْ لِي غُنَيْمَةٌ وَبَقَرَاتٌ. ثُمَّ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ. فَقُلْتُ: يَا فُلَانُ، إِنَّ فُلَانًا كَانَ أَوْصَانِي إِلَى فُلَانٍ، وَفُلَانٌ إِلَى فُلَانٍ، وَفُلَانٌ إِلَيْكَ، وقَدْ حَضَرَكَ مَا تَرَى مِنْ أَمْرِ اللهِ، [تَعَالَى] [(٥٧)]، فَإِلَى مَنْ تُوصِينِي؟ قَالَ: أَيْ بُنَيَّ، وَاللهِ مَا أَعْلَمُهُ بَقِيَ أَحَدٌ عَلَى مِثْلِ مَا كُنَّا عَلَيْهِ آمُرُكَ أَنْ تَأْتِيَهَ. وَلَكِنَّهُ قَدْ أَظَلَّكَ زَمَانُ نَبِيٍّ يُبْعَثُ مِنَ الْحَرَمِ، مُهَاجَرُهُ بَيْنَ حَرَّتَيْنِ، إِلَى أَرْضٍ سَبِخَةٍ ذَاتِ نَخِيلٍ، وَإِنَّ فِيهِ عَلَامَاتٍ لَا تَخْفَى: بَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ، يَأْكُلُ الْهَدِيَّةِ، وَلَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ. فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَخْلُصَ إِلَى تِلْكَ الْبِلَادِ فَافْعَلْ، فَإِنَّهُ قَدْ أَظَلَّكَ زَمَانُهُ. فَلَمَّا وَارَيْنَاهُ، أَقَمْتُ حَتَّى مَرَّ رِجَالٌ مِنْ تُجَّارِ الْعَرَبِ مِنْ كَلْبٍ، فَقُلْتُ لَهُمْ: تَحْمِلُونِي مَعَكُمْ حَتَّى تَقْدَمُوا [(٥٨)] بِي أَرْضَ الْعَرَبِ، وَأُعْطِيكُمْ غَنِيمَتِي هَذِهِ وَبَقَرَاتِي؟ قَالُوا: نَعَمْ.
فَأَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا، وَحَمَلُونِي حَتَّى إِذَا جَاءُوا بِي وَادِيَ الْقُرَى ظَلَمُونِي فَبَاعُونِي عَبْدًا مِنْ رَجُلٍ مِنْ يَهُودَ، بِوَادِي الْقُرَى. فو الله لَقَدْ رَأَيْتُ النَّخْلَ، وَطَمِعْتُ أَنْ تَكُونَ الْبَلَدُ الَّذِي نَعَتَ لِي صَاحِبِي وَمَا حَقَّتْ عِنْدِي، حَتَّى قَدِمَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ، مِنْ يَهُودِ وَادِيَ الْقُرَى، فَابْتَاعَنِي مِنْ صَاحِبِي الَّذِي كُنْتُ عِنْدَهُ، فَخَرَجَ بِي حَتَّى قَدِمَ بِي الْمَدِينَةَ. فو الله مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتُهَا فَعَرَفْتُ نِعْمَتَهُ، فَأَقَمْتُ في رقّ مع
_________________
(١) [(٥٦)] ليست في (هـ) أو (م) . [(٥٧)] ليست في (م) أو (ص) . [(٥٨)] في (ح): «حتى تقدمون بي» .
[ ٢ / ٩٥ ]
صَاحِبِي. وَبَعَثَ اللهُ رَسُولَهُ، ﵌، بِمَكَّةَ لَا يَذْكُرُ لِي شَيْئًا مِنْ أَمْرِهِ [(٥٩)] مَعَ مَا أَنَا فِيهِ مِنَ الرِّقِّ حَتَّى قَدِمَ رَسُولُ اللهِ، ﵌، قُبَاءَ، وَأَنَا أَعْمَلُ لِصَاحِبِي فِي نَخْلَةٍ لَهُ. فو الله إِنِّي لَفِيهَا إِذْ جَاءَ ابْنُ عَمٍّ لَهُ، فَقَالَ: يَا فُلَانُ [(٦٠)] قَاتَلَ اللهُ بَنِي قَيْلَةَ [(٦١)]، وَاللهِ إِنَّهُمُ الْآنَ لَفِي قُبَاءَ مُجْتَمِعُونَ عَلَى رَجُلٍ جَاءَ مِنْ مَكَّةَ، يَزْعُمُونَ أَنَّهُ نَبِيٌّ، فو الله مَا هُوَ إِلَّا أَنْ سَمِعْتُهَا، فَأَخَذَتْنِي «الْعُرَوَاءُ» [(٦٢)]- يَقُولُ «الرَّعْدَةُ» - حَتَّى ظَنَنْتُ لَأَسْقُطَنَّ عَلَى صَاحِبِي. وَنَزَلْتُ أَقُولُ: مَا هَذَا الْخَبَرُ؟ مَا هُوَ؟ فَرَفَعَ مَوْلَايَ يَدَهُ، فَلَكَمَنِي لَكْمَةً شَدِيدَةً، وَقَالَ: مَا لَكَ وَلِهَذَا؟ أَقْبِلْ قِبَلَ [(٦٣)] عَمَلِكَ. فَقُلْتُ: لَا شَيْءَ، إِنَّمَا سَمِعْتُ خَبَرًا فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَعْلَمَهُ.
فَلَمَّا أَمْسَيْتُ، وَكَانَ عِنْدِي شَيْءٌ من طعام، فحلمته وَذَهَبْتُ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ، ﵌، وَهُوَ بِقُبَاءَ، فَقُلْتُ: إِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّكَ رَجُلٌ صَالِحٌ، وَأَنَّ مَعَكَ أَصْحَابًا لَكَ غُرَبَاءَ، وَقَدْ كَانَ عِنْدِي شَيْءٌ لِلصَّدَقَةِ، فَرَأَيْتُكُمْ أَحَقَّ مَنْ بِهَذِهِ الْبِلَادِ [بِهِ] [(٦٤)] فَهَا هُوَ ذَا فَكُلْ مِنْهُ. فَأَمْسَكَ رَسُولُ الله، ﵌، بِيَدِهِ، وَقَالَ: لِأَصْحَابِهِ: كُلُوا، وَلَمْ يَأْكُلْ. فَقُلْتُ فِي نَفْسِي هَذِهِ خَلَّةٌ مِمَّا وَصَفَ لِي صَاحِبِي.
ثُمَّ رَجَعْتُ، وَتَحَوَّلَ رَسُولُ الله، ﵌، إِلَى الْمَدِينَةِ فَجَمَعْتُ شَيْئًا كَانَ عِنْدِي ثُمَّ جئته به، فقلت: إن قَدْ رَأَيْتُكَ لَا تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ، وَهَذِهِ هَدِيَّةٌ وَكَرَامَةٌ لَيْسَتْ بِالصَّدَقَةِ. فَأَكَلَ رَسُولُ اللهِ، ﵌، وَأَكَلَ أَصْحَابُهُ. فَقُلْتُ: هَذِهِ خَلَّتَانِ.
ثُمَّ جِئْتُ رَسُولَ اللهِ، ﵌، وَهُوَ يَتْبَعُ جَنَازَةً وَعَلَيَّ شَمْلَتَانِ [(٦٥)] لِي، وَهُوَ في
_________________
(١) [(٥٩)] في سيرة ابن هشام: «لا اسمع له بذكر» . [(٦٠)] في (م): «فلان» بدون ياء المخاطبة. [(٦١)] (بنو قيلة): هي أم الأوس والخزرج. [(٦٢)] (العرواء): الرعدة من البرد والانتفاض. [(٦٣)] في (هـ): «أقبل على عملك» . [(٦٤)] الزيادة من (هـ) . [(٦٥)] (الشملة) الكساء الغليظ يشتمل به الإنسان، أي يلتحف به.
[ ٢ / ٩٦ ]
أَصْحَابِهِ، فَاسْتَدَرْتُ بِهِ لَأَنْظُرَ إِلَى الْخَاتَمِ فِي ظَهْرِهِ. فَلَمَّا رَآنِي رَسُولُ اللهِ، ﵌، اسْتَدْبَرْتُهُ عَرَفَ أَنِّي أَسْتَثْبِتُ شَيْئًا قَدْ وُصِفَ لِي، فَوَضَعَ رِدَاءَهُ عَنْ ظَهْرِهِ، فَنَظَرْتُ إِلَى الْخَاتَمِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ كَمَا وَصَفَ لِي صَاحِبِي فَأَكْبَبْتُ عَلَيْهِ أُقَبِّلُهُ وَأَبْكِي. فَقَالَ: تَحَوَّلْ يَا سَلْمَانُ هَكَذَا. فَتَحَوَّلْتُ فَجَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ. وَأَحَبَّ أَنْ يُسْمِعَ أَصْحَابَهُ حَدِيثِي عَنْهُ. فَحَدَّثْتُهُ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ كَمَا حَدَّثْتُكَ. فَلَمَّا فَرَغْتُ قَالَ رَسُولُ اللهِ، ﵌: كَاتِبْ يَا سَلْمَانُ. فَكَاتَبْتُ صَاحِبِي عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ نَخْلَةٍ أُحْيِيهَا، وَأَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً. وَأَعَانَنِي أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ، ﵌، بِالنَّخْلِ: ثَلَاثِينَ وَدِيَّةً [(٦٦)] . وعشرين وديّة، وعشر، كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ عَلَى قَدْرِ مَا عِنْدَهُ. فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ، ﵌: فَقِّرْ لَهَا [(٦٧)] فَإِذَا فَرَغْتَ فَآذِنِّي حَتَّى أَكُونَ أَنَا الَّذِي أَضَعُهَا بِيَدِي. فَفَقَّرْتُهَا وَأَعَانَنِي أَصْحَابِي- يَقُولُ حَفَرْتُ لَهَا حَيْثُ تُوضَعُ- حَتَّى فَرَغْنَا مِنْهَا. ثُمَّ جِئْتُ رَسُولَ اللهِ، ﵌، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ فَرَغْنَا مِنْهَا فَخَرَجَ مَعِي حَتَّى جَاءَهَا، وَكُنَّا نَحْمِلُ إِلَيْهِ الْوَدِيَّ، وَيَضَعُهُ بِيَدِهِ، وَيُسَوِّي عَلَيْهَا.
فو الذي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ مَا مَاتَتْ مِنْهَا وَدِيَّةٌ وَاحِدَةٌ. وَبَقِيَتْ عَلَيَّ الدَّرَاهِمُ. فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ بَعْضِ الْمَعَادِنِ بِمِثْلِ الْبَيْضَةِ مِنَ الذَّهَبِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ، ﵌: أَيْنَ الْفَارِسِيُّ الْمُسْلِمُ الْمُكَاتَبُ؟ فَدُعِيتُ لَهُ، فَقَالَ: خُذْ هَذِهِ يَا سَلْمَانُ، فَأَدِّهَا مِمَّا عَلَيْكَ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَأَيْنَ تَقَعُ هَذِهِ مِمَّا عَلَيَّ؟ قَالَ: فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى سيؤدي بها عنك. فو الذي نَفْسُ سَلْمَانَ بِيَدِهِ لَوَزَنْتُ لَهُمْ مِنْهَا أَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً، فَأَدَّيْتُهَا إِلَيْهِمْ وَعُتِقَ سَلْمَانُ. وَكَانَ الرِّقُّ قَدْ حَبَسَنِي حَتَّى فَاتَنِي مَعَ رَسُولِ اللهِ، ﵌، بَدْرٌ وَأُحُدٌ، ثُمَّ عُتِقْتُ فَشَهِدْتُ الْخَنْدَقَ، ثُمَّ لَمْ يَفُتْنِي مَعَهُ مَشْهَدٌ [(٦٨)] .
_________________
(١) [(٦٦)] (الودية): النخلة الصغيرة. [(٦٧)] فقر لها: أي احضر. [(٦٨)] خبر إسلام سلمان الفارسي في طبقات ابن سعد، وأخرجه الإمام احمد في «مسنده» (٥: ٤٣٨-»
[ ٢ / ٩٧ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْأَصْبَهَانِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عُبَيْدٍ الْمُكْتِبِ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ سَلْمَانَ، قَالَ:
أَتَيْتُ النَّبِيَّ، ﵌، بِصَدَقَةٍ فَرَدَّهَا، وَأَتَيْتُهُ بِهَدِيَّةٍ فَقَبِلَهَا [(٦٩)] .
وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ، عَنْ سَلْمَانَ، قَالَ: أَعْطَانِي النَّبِيُّ، ﵌، مِثْلَ هَذِهِ مِنْ ذَهَبٍ- وَحَلَّقَ شَرِيكٌ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ عَلَى الْإِبْهَامِ مِثْلَ الدِّرْهَمِ. قَالَ: فَلَوْ وُضِعَ أُحُدٌ فِي كِفَّةٍ وَوُضِعَتْ فِي أُخْرَى لَرَجَحَتْ بِهِ فِي فَكَاكِ رَقَبَتِهِ.
* وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ- هُوَ الْأَصَمُّ- قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ، عَنْ سَلْمَانَ، قَالَ: لَمَّا أَعْطَانِي رَسُولُ اللهِ، ﵌، ذَلِكَ الذَّهَبَ فَقَالَ: اقْضِ بِهِ عَنْكَ.
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَأَيْنَ تَقَعُ هَذِهِ مِمَّا عَلَيَّ؟ فقلّبها رسول الله، ﵌، عَلَى لِسَانِهِ ثُمَّ قَذَفَهَا إِلَيَّ ثُمَّ قَالَ: انْطَلِقْ بِهَا، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى [(٧٠)] سَيُؤَدِّي بِهَا عَنْكَ.
_________________
(١) [(٤٤١)] . وفي سيرة ابن هشام (١: ٢٣٣- ٢٤٢) . ودلائل النبوة لأبي نعيم (٢١٣)، وتاريخ الإسلام للذهبي (٢: ٥١)، والبداية والنهاية (٢: ٣١٠- ٣١٦)، والاكتفاء (١: ٢٣٦)، وتهذيب تاريخ دمشق الكبير (٦: ١٩٢- ١٩٥)، والخصائص الكبرى للسيوطي (١: ٤٥)، وسبل الهدى والرشاد (١: ١٢٢- ١٣٠)، وقال: «رواه الإمام أحمد وابن سعد، والبزار، والطبراني، وابو نعيم، وغيرهم، من طرق أدخلت بعضها في بعض» . [(٦٩)] مسند الإمام أحمد (٥: ٤٣٧، ٤٣٨) . [(٧٠)] ليست في (م) .
[ ٢ / ٩٨ ]
فَانْطَلَقْتُ فَوزَنْتُ لَهُمْ مِنْهَا حَتَّى أَوْفَيْتُهُمْ مِنْهَا أَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً [(٧١)] .
* وأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَحَدَّثَ هَذَا مِنْ حَدِيثِ سَلْمَانَ، فَقَالَ: حُدِّثْتُ عَنْ سَلْمَانَ:
أَنَّ صَاحِبَ عَمُّورِيَّةَ قَالَ لِسَلْمَانَ حِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ: ائْتِ غَيْضَتَيْنِ [(٧٢)] مِنْ أَرْضِ الشَّامِ، فَإِنَّ رَجُلًا يَخْرُجُ مِنْ إِحْدَاهُمَا إِلَى الْأُخْرَى فِي كُلِّ سَنَةٍ لَيْلَةً، يَعْتَرِضُهُ ذَوُو الْأَسْقَامِ، فَلَا يَدْعُو لِأَحَدٍ مِنْ مَرَضٍ إِلَّا شُفِيَ، فَسَلْهُ عَنْ هَذَا الدِّينِ الَّذِي تَسْأَلُنِي عَنْهُ: عَنِ الْحَنِيفِيَّةِ دِينِ إِبْرَاهِيمَ؟ فَخَرَجْتُ حَتَّى أَقَمْتُ بِهَا سَنَةً، حَتَّى خَرَجَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مِنْ إِحْدَى الْغَيْضَتَيْنِ إِلَى الْأُخْرَى. وَإِنَّمَا كَانَ يَخْرُجُ مُسْتَجِيزًا [(٧٣)] أَوْ مُسْتَخْفِيًا. فَخَرَجَ وَغَلَبَنِي عَلَيْهِ النَّاسُ حَتَّى دَخَلَ فِي الْغَيْضَةِ الَّتِي يَدْخُلُ فِيهَا حَتَّى مَا بَقِيَ إِلَّا مَنْكِبُهُ، فَأَخَذْتُ بِهِ فَقُلْتُ: رَحِمَكَ اللهُ، الْحَنِيفِيَّةُ دِينُ إِبْرَاهِيمَ؟ فَقَالَ: إِنَّكَ لَتَسْأَلُ عَنْ شَيْءٍ مَا يَسْأَلُ عَنْهُ النَّاسُ الْيَوْمَ، قَدْ أَظَلَّكَ نَبِيٌّ يَخْرُجُ عِنْدَ هَذَا الْبَيْتِ بِهَذَا الْحَرَمِ، يُبْعَثُ بِذَلِكَ الدِّينِ.
فَلَمَّا ذَكَرَ ذَلِكَ سَلْمَانُ لِرَسُولِ اللهِ، ﵌، فَقَالَ: لَئِنْ كُنْتَ صَدَقْتَنِي يَا سَلْمَانُ لَقَدْ رأيت عيسى بن مَرْيَمَ، ﵌ [(٧٤)] .
* أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو أَحْمَدَ الْحَافِظُ، قَالَ:
_________________
(١) [(٧١)] سيرة ابن هشام (١: ٢٤١) . [(٧٢)] (الغيضة): الشجر الملتف. [(٧٣)] في (ح): «مستخبرا» . [(٧٤)] الخبر في سيرة ابن هشام (١: ٢٤١)، وتهذيب تاريخ دمشق الكبير لابن عساكر (٦: ١٩٥)، والبداية والنهاية (٢: ٣١٤) .
[ ٢ / ٩٩ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ: أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَوَارِبِيُّ، بِوَاسِطَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الشَّهِيدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ:
أَنَّهُ تَدَاوَلَهُ بِضْعَةُ عَشَرَ، مِنْ رَبٍّ إِلَى رَبٍّ [(٧٥)] .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُمَرَ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ.
_________________
(١) [(٧٥)] أخرجه البخاري في كتاب مناقب الأنصار، (٥٣) باب إسلام سلمان الفارسي، فتح الباري (٧: ٢٧٧) .
[ ٢ / ١٠٠ ]
ذِكْرُ حَدِيثِ قُسِّ بْنِ سَاعِدَةَ الْإِيَادِيِّ [(١)]
أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ: سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الشُّعَيْثِيُّ، ﵀ قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ أَبِي طَاهِرٍ المحمّد أباذي، لَفْظًا، قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو لُبَابَةَ:
مُحَمَّدُ بْنُ الْمَهْدِيِّ الْأَبِيوَرْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي: قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ هُبَيْرَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَدِمَ وَفْدُ إِيَادٍ عَلَى النَّبِيِّ، ﵌، فَقَالَ النَّبِيُّ، ﵌: «مَا فَعَلَ قُسُّ بْنُ سَاعِدَةَ الْإِيَادِيُّ»؟ قَالُوا: هَلَكَ. قَالَ: «أَمَا إِنِّي سَمِعْتُ مِنْهُ كَلَامًا مَا أَرَى أَنِّي أَحْفَظُهُ» . فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: نَحْنُ نَحْفَظُهُ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: هَاتُوا.
قَالَ: فَقَالَ قَائِلُهُمْ: إِنَّهُ وَقَفَ بِسُوقِ عُكَاظَ، فَقَالَ:
يَا أَيُّهَا النَّاسُ، اسْتَمِعُوا وَاسْمَعُوا وَعُوا: كُلُّ مَنْ عَاشَ مَاتَ، وَكُلُّ من
_________________
(١) [(١)] هو قس بن ساعدة بن عمرو بن عدي بن مالك، من بني إياد، أحد حكماء العرب، ومن كبار خطبائهم في الجاهلية، ويقال: إنه أول عربي خطب متوكئا على سيف، او عصا، وأول من قال في كلامه: اما بعد، وكان يفد على قيصر الروم، زائرا، فيعظمه، ويكرمه، وهو معدود في المعمرين، طالت حياته، وأدركه النبي ﵌ قبل النبوة، ورآه في عكاظ، وسئل عنه بعد ذلك، فقال: يحشر أمة وحده. خطب الناس بعكاظ، وبشرهم بمبعث النبي ﵌، وحثهم على اتباعه، وذلك قبل البعثة. الأغاني (١٤: ٤٠)، وله ترجمة في البيان والتبيين وخزانة الأدب، وغيرها.
[ ٢ / ١٠١ ]
مات فات، وَكُلُّ مَا هُوَ آتٍ آتٍ. لَيْلٌ داج، وسماء ذات أبراج، وَنُجُومٌ تَزْهَرُ، وَبِحَارٌ تَزْخَرُ، وَجِبَالٌ مُرْسَاةٌ، وَأَنْهَارٌ مُجْرَاةٌ. إِنَّ فِي السَّمَاءِ لَخَبَرًا، وَإِنَّ فِي الْأَرْضِ لَعِبَرًا. أَرَى النَّاسَ يَمُرُّونَ [(٢)] وَلَا يَرْجِعُونَ، أَرَضُوا بِالْإِقَامَةِ فَأَقَامُوا؟ أَمْ تُرِكُوا فَنَامُوا؟ ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ، يُقْسِمُ قُسٌّ قَسَمًا بِاللهِ لَا إِثْمَ فِيهِ: إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى [(٣)] دِينًا هُوَ أَرْضَى مِمَّا أَنْتُمْ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَنْشَأَ يقول:
في الذاهبين الأولين من الْقُرُونِ لَنَا بَصَائِرْ لَمَّا رَأَيْتُ مَوَارِدًا لِلْمَوْتِ لَيْسَ لَهَا مَصَادِرْ
ورأيت قومي نَحْوَهَا يَمْضِي الْأَكَابِرُ وَالْأَصَاغِرْ أَيْقَنْتُ أَنِّي لَا مَحَالَةَ حَيْثُ صَارَ الْقَوْمُ صَائِرْ
* [وحَدَّثَنَا] [(٤)] أَبُو مُحَمَّدٍ: عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ بْنِ أَحْمَدَ الْأَصْبَهَانِيُّ، إِمْلَاءً، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ: أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ فَرْضَخٍ الْإِخْمِيمِيُّ، بِمَكَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَهْدِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدِ اللهِ: سَعِيدُ ابن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَدِمَ وَفْدُ إِيَادٍ عَلَى رَسُولِ اللهِ، ﵌، فَسَأَلَهُمْ عَنْ قُسِّ بْنِ سَاعِدَةَ الْإِيَادِيِّ، فَقَالُوا: هَلَكَ يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ، ﵌: «لَقَدْ شَهِدْتُهُ فِي الْمَوْسِمِ بِعُكَاظَ وَهُوَ عَلَى جَمَلٍ لَهُ أَحْمَرَ- أَوْ عَلَى نَاقَةٍ حَمْرَاءَ- وَهُوَ يُنَادِي فِي النَّاسِ»:
أَيُّهَا الناس، اجتمعوا واستمعوا وَعُوا، وَاتَّعِظُوا تَنْتَفِعُوا: مَنْ عاش مات،
_________________
(١) [(٢)] في (هـ): «يموتون»، وفي رواية اخرى: «مَالِيَ أَرَى النَّاسَ يَذْهَبُونَ فلا يرجعون..» . [(٣)] ليست في (م) ولا في (ص) . [(٤)] في (ص): «حدثنا» .
[ ٢ / ١٠٢ ]
وَمَنْ مَاتَ فَاتْ، وَكُلُّ مَا هُوَ آتٍ آتْ.
أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ فِي السَّمَاءِ لَخَبَرًا، وَإِنَّ فِي الْأَرْضِ لَعِبَرًا: نُجُومٌ تَغُورْ وَلَا تَغُورْ [(٥)]، وَبِحَارٌ تَفُورْ، وَلَا تَفُورْ [(٦)]، وَسَقْفٌ مَرْفُوعْ، وَمِهَادٌ مَوْضُوعْ.
وَأَنْهَارٌ مَنْبُوعْ. أَقْسَمَ قُسٌّ قَسَمًا بِاللهِ لَا كَذِبًا وَلَا إِثْمًا: لَيَتْبَعَنَّ الْأَمْرَ سَخَطًا، وَلَئِنْ كَانَ [فِي] [(٧)] بَعْضِهِ رِضًا، إِنَّ فِي بَعْضِهِ لَسَخَطًا [(٨)] . وَمَا هَذَا بِاللَّعِبِ، وَإِنَّ مِنْ وَرَاءِ هَذَا لَلْعَجَبَ. أَقْسَمَ قُسٌّ قَسَمًا بِاللهِ لَا كَذِبًا وَلَا إِثْمًا: إِنَّ لِلَّهِ دِينًا هُوَ أَرْضَى لَهُ مِنْ دِينٍ نَحْنُ عَلَيْهِ. مَا بَالُ النَّاسِ يَذْهَبُونَ وَلَا يَرْجِعُونَ؟ أَرَضُوا فَأَقَامُوا؟ أَمْ تُرِكُوا فَنَامُوا؟
قَالَ رَسُولُ اللهِ، ﵌: «ثُمَّ أَنْشَدَ قُسُّ بْنُ سَاعِدَةَ أَبْيَاتًا مِنَ الشِّعْرِ لَمْ أَحْفَظْهَا عَنْهُ» . فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ [﵁] [(٩)]، فَقَالَ: أَنَا حَضَرْتُ ذَلِكَ الْمَقَامَ، وَحَفِظْتُ تِلْكَ الْمَقَالَةَ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ، ﵌: «مَا هِيَ؟» فَقَالَ [لَهُ] [(١٠)] أَبُو بَكْرٍ: قَالَ قُسُّ بْنُ سَاعِدَةَ فِي آخر كلامه:
في الذاهبين الأولين من الْقُرُونِ لَنَا بَصَائِرْ
لَمَّا رأيت مواردا للمو ت لَيْسَ لَهَا مَصَادِرْ
وَرَأَيْتُ قَوْمِي نَحْوَهَا يَمْضِي الْأَكَابِرُ وَالْأَصَاغِرْ
لَا يَرْجِعُ الْمَاضِي إِلَيَّ وَلَا مِنَ الْبَاقِينَ غَابِرْ
أَيْقَنْتُ أَنِّي لَا محا لة حَيْثُ صَارَ الْقَوْمُ صَائِرْ
_________________
(١) [(٥)] في (م) و(ص) «ولا تفور» . [(٦)] في (ص) و(م) «ولا تغور» . [(٧)] الزيادة من (هـ) . [(٨)] في (ص) و(م) و(ح): «سخطا» . [(٩)] الزيادة من (ص) و(م) . [(١٠)] ليست في (م) ولا في (ص) .
[ ٢ / ١٠٣ ]
ثُمَّ أَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ، ﵌، عَلَى وَفْدِ إِيَادٍ، فَقَالَ: هَلْ وُجِدَ لِقُسِّ بْنِ سَاعِدَةَ وَصِيَّةٌ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ، وَجَدْنَا [(١١)] لَهُ صَحِيفَةً تَحْتَ رَأْسِهِ مَكْتُوبٌ فِيهَا:
يَا نَاعِيَ الْمَوْتِ وَالْأَمْوَاتُ فِي جَدَثٍ عَلَيْهِمُ مِنْ بَقَايَا ثَوبِهِمْ خِرَقُ
دَعْهُمْ فَإِنَّ لَهُمْ يَوْمًا يُصَاحُ بِهِمْ كَمَا يُنَبَّهُ مِنْ نَوْمَاتِهِ الصَّعِقُ
مِنْهُمْ عُرَاةٌ وَمَوْتَى فِي ثِيَابِهِمُ مِنْهَا الْجَدِيدُ وَمِنْهَا الْأَوْرَقُ الْخَلَقُ
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ، ﵌: «وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ لَقَدْ آمَنَ [(١٢)] قُسٌّ بِالْبَعْثِ.
* وأَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ: أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَالِينِيُّ، قَالَ: أخبرنا أبو أحمد ابن عَدِيٍّ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَنْصُورٍ الْحَاسِبُ، قَالَ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَسَّانَ، السَّمْتِيُّ [(١٣)]، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَجَّاجِ اللَّخْمِيُّ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:
قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ عَلَى رَسُولِ الله، ﵌. فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِنَحْوٍ مِنْ مَعْنَاهُ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي الْحَدِيثِ: ثُمَّ قَالَ: أَيُّكُمْ يَرْوِي شِعْرَهُ؟ فأنشدوه. لم يذكر أبابكر الصديق [﵁] [(١٤)] وَلَمْ يَذْكُرِ الْوَصِيَّةَ.
وَهَذَا يَتَفَرَّدُ بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَجَّاجِ اللَّخْمِيُّ، عَنْ مُجَالِدٍ. وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَجَّاجِ مَتْرُوكٌ [(١٥)] .
_________________
(١) [(١١)] في (هـ) و(ص) و(م): «وجدوا» . [(١٢)] في (هـ): «لقد أقر» . [(١٣)] في (): «السهمي»، وهو تصحيف، واسمه: أَبُو جَعْفَرٍ، مُحَمَّدُ بْنُ حسان بن خالد الضبي السمتي البغدادي ترجمته في ميزان الاعتدال (٢: ٥١٣) . [(١٤)] الزيادة من (م) و(ص) . [(١٥)] مُحَمَّدُ بْنُ الْحَجَّاجِ اللَّخْمِيُّ الواسطي، أبو إبراهيم نزيل بغداد: قال البخاري: «منكر الحديث» وقال ابن معين: «كذاب خبيث»، وقال الدارقطني: «كذاب» وجرحه ابن حبان، الميزان (٣: ٥٠٩)، اما مجالد بن سعيد الهمداني فهو شيعي كذاب. الميزان (٣: ٤٣٨) .
[ ٢ / ١٠٤ ]
وَرُوِيَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِزِيَادَاتٍ كَثِيرَةٍ.
حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى السُّلَمِيُّ، ﵀، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: الْوَلِيدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ حَاتِمِ بْنِ عِيسَى الْفُسْطَاطِيُّ، بِمَكَّةَ، مِنْ حِفْظِهِ- وَزَعَمَ أَنَّ لَهُ خَمْسًا وَتِسْعِينَ سَنَةً فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ سِتٍّ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ- عَلَى بَابِ إِبْرَاهِيمَ ﵇، قَالَ: أَخْبَرَنَا محمد ابن عِيسَى بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَخْبَارِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبِي: عِيسَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ الْقُرَشِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:
قَدِمَ الْجَارُودُ بْنُ عَبْدِ اللهِ- وَكَانَ سَيِّدًا فِي قَوْمِهِ، مُطَاعًا عَظِيمًا فِي عَشِيرَتِهِ: مُطَاعَ الْأَمْرِ [(١٦)] رَفِيعَ الْقَدْرِ، عَظِيمَ الْخَطَرِ، ظَاهِرَ الْأَدَبِ، شَامِخَ الْحَسَبِ، بَدِيعَ الْجَمَالِ، حَسَنَ الْفِعَالِ، ذَا مَنَعَةٍ وَمَالٍ- فِي وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ مِنْ ذَوِي الْأَخْطَارِ وَالْأَقْدَارِ، وَالْفَضْلِ وَالْإِحْسَانِ، وَالْفَصَاحَةِ وَالْبُرْهَانِ، كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ كالنَّخْلَةِ السَّحُوقِ، عَلَى نَاقَةٍ كَالْفَحْلِ الْفَنِيقِ قَدْ جَنَّبُوا الْجِيَادَ، وَأَعَدُّوا لِلْجِلَادِ، مُجِدِّينَ فِي سَيْرِهِمْ، حَازِمِينَ فِي أَمْرِهِمْ، يَسِيرُونَ ذَمِيلًا، وَيَقْطَعُونَ مِيلًا فَمِيلًا، حَتَّى أَنَاخُوا عِنْدَ مَسْجِدِ النَّبِيِّ، ﵌. فَأَقْبَلَ الْجَارُودُ عَلَى قومه والمشائخ مِنْ بَنِي عَمِّهِ، فَقَالَ: يَا قَوْمُ، هَذَا مُحَمَّدٌ الْأَغَرُّ، سَيِّدُ الْعَرَبِ، وَخَيْرُ وَلَدِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِذَا دَخَلْتُمْ عَلَيْهِ، وَوَقَفْتُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَأَحْسِنُوا ﵇ وَأَقِلُّوا عِنْدَهُ الْكَلَامَ. فَقَالُوا بِأَجْمَعِهِمْ: أَيُّهَا الْمَلِكُ الْهُمَامُ وَالْأَسَدُ الضِّرْغَامُ، لَنْ نَتَكَلَّمَ إِذَا حَضَرْتَ وَلَنْ [(١٧)] نُجَاوِزَ إِذَا أَمَرْتَ، فَقُلْ مَا شِئْتَ، فَإِنَّا سَامِعُونَ، وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ، فَإِنَّا تَابِعُونَ. فَنَهَضَ الْجَارُودُ فِي كُلِّ كَمِيٍّ صِنْدِيدٍ، قَدْ دَوَّمُوا
_________________
(١) [(١٦)] ليست في (هـ) . [(١٧)] في (م) و(ح): «ولم» .
[ ٢ / ١٠٥ ]
الْعَمَائِمَ، وَتَرَدُّوا بِالصَّمَائِمِ [(١٨)]، يَجُرُّونَ أَسْيَافَهُمْ وَيَسْحَبُونَ أَذْيَالَهُمْ، يَتَنَاشَدُونَ الْأَشْعَارَ، وَيَتَذَاكَرُونَ مَنَاقِبَ الْأَخْيَارِ، لَا يَتَكَلَّمُونَ طَوِيلًا، وَلَا يَسْكُتُونَ عِيًّا: إِنْ أَمَرَهَمُ ائْتَمَرُوا، وَإِنْ زَجَرَهُمُ ازْدَجَرُوا، كَأَنَّهُمْ أُسْدُ غِيلٍ يَقْدِمُهَا ذُو لَبُؤَةٍ مَهُولٍ [(١٩)]، حَتَّى مَثَلُوا بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ، ﵌.
فَلَمَّا دَخَلَ الْقَوْمُ الْمَسْجِدَ، وأَبْصَرَهُمْ أَهْلُ الْمَشْهَدِ، دَلَفَ الْجَارُودُ أَمَامَ النَّبِيِّ، ﵌، وَحَسَرَ لِثَامَهُ وَأَحْسَنَ سَلَامَهُ، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ:
يَا نَبِيَّ الْهُدَى أَتَتْكَ رِجَالٌ قَطَعَتْ فَدْفَدًا وَآلًا فَآلَا
وَطَوَتْ نَحْوَكَ الصَّحَاصِحَ طُرًّا لَا تَخَالُ الْكَلَالَ فِيكَ كَلَالَا
كُلُّ دَهْمَاءَ يَقْصُرُ الطَّرْفُ عَنْهَا أَرْقَلَتْهَا قِلَاصُنَا إِرْقَالَا
وَطَوَتْهَا الْجِيَادُ تَجْمَحُ فِيهَا بكُمَاةٍ كَأَنْجُمٍ تَتَلَالَا
تَبْتَغِي دَفْعَ بَأْسِ يَوْمٍ عَبُوسٍ أَوْجَلَ الْقَلْبَ ذِكْرُهُ ثُمَّ هَالَا
فَلَمَّا سَمِعَ رَسُولُ اللهِ، ﵌، ذَلِكَ فَرِحَ فَرَحًا شَدِيدًا، وَقَرَّبَهُ وَأَدْنَاهُ، وَرَفَعَ مَجْلِسَهُ وَحَبَاهُ، وَأَكْرَمَهُ، وَقَالَ: يَا جَارُودُ، لَقَدْ تَأَخَّرَ بِكَ وَبِقَوْمِكَ الْمَوْعِدُ، وَطَالَ بِكُمُ الْأَمَدُ [(٢٠)] . قَالَ: وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، لَقَدْ أَخْطَأَ مَنْ أَخْطَأَكَ قَصْدُهُ، وَعَدِمَ رُشْدَهُ، وَتِلْكَ وَايْمُ اللهِ أَكْبَرُ خَيْبَةٍ، وَأَعْظَمُ حَوَبَةٍ، وَالرَّائِدُ لَا يَكْذِبُ أَهْلَهُ، وَلَا يَغُشُّ نَفْسَهُ. لَقَدْ جِئْتَ بِالْحَقِّ، وَنَطَقْتُ بِالصِّدْقِ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ نَبِيًّا واخْتَارَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلِيًّا، لَقَدْ وَجَدْتُ وَصْفَكَ فِي الْإِنْجِيلِ، وَلَقَدْ بَشَّرَ بِكَ [ابْنُ] [(٢١)] الْبَتُولِ، وَطُولُ التَّحِيَّةِ لَكَ وَالشُّكْرُ لِمَنْ أَكْرَمَكَ وَأَرْسَلَكَ، لَا أَثَرَ بَعْدَ
_________________
(١) [(١٨)] في (هـ): «بالصوارم» . [(١٩)] في (ح): «فهول» . [(٢٠)] في (هـ): «الأمل» . [(٢١)] الزيادة من (هـ) .
[ ٢ / ١٠٦ ]
عَيْنٍ، وَلَا شَكَّ بَعْدَ يَقِينٍ. مُدَّ يَدَكَ، فَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّكَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ.
قَالَ: فَآمَنَ الْجَارُودُ، وَآمَنَ مِنْ قَوْمِهِ كُلُّ سَيِّدٍ، وَسُرَّ النَّبِيُّ، ﵌، بِهِمْ سُرُورًا، وَابْتَهَجَ حُبُورًا، وَقَالَ: يَا جَارُودُ، هَلْ فِي جَمَاعَةِ وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ مَنْ يَعْرِفُ لَنْا قُسًّا،؟ قَالَ: كُلُّنَا نَعْرِفُهُ يَا رَسُولَ اللهِ، وَأَنَا مِنْ بَيْنِ قَوْمِي كُنْتُ أَقْفُو أَثَرَهُ وَأَطْلُبُ خَبَرَهُ: كَانَ قُسٌّ سِبْطًا مِنْ أَسْبَاطِ الْعَرَبِ، صَحِيحَ النَّسَبِ، فَصِيحًا إِذَا خَطَبَ، ذَا شَيْبَةٍ حَسَنَةٍ. عُمِّرَ سَبْعَمِائَةِ سَنَةٍ، يَتَقَفَّرُ الْقِفَارَ، لَا تُكِنُّهُ دَارٌ، وَلَا يُقِرُّهُ قَرَارٌ، يَتَحَسَّى فِي تَقَفُّرِهِ بَيْضَ النَّعَامِ، وَيَأْنَسُ بِالْوَحْشِ وَالْهَوَامِّ، يَلْبَسُ الْمُسُوحَ وَيَتْبَعُ السُّيَّاحَ عَلَى مِنْهَاجِ الْمَسِيحِ، لَا يَفْتُرُ مِنَ الرَّهْبَانِيَّةِ، مُقِرٌّ لِلَّهِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ، تُضْرَبُ بِحِكْمَتِهِ الْأَمْثَالُ، وَتُكْشَفُ بِهِ الْأَهْوَالُ، وَتَتْبَعُهُ الْأَبْدَالُ.
أَدْرَكَ رَأْسَ الْحَوَارِيِّينَ سَمْعَانَ! فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ تَأَلَّهَ مِنَ الْعَرَبِ وَأَعْبَدُ مَنْ تَعَبَّدَ فِي الْحِقَبِ، وَأَيْقَنَ بِالْبَعْثِ وَالْحِسَابِ وَحَذَّرَ سُوءَ الْمُنْقَلَبِ وَالْمَآبِ، وَوَعَظَ بِذِكْرِ الْمَوْتِ، وَأَمَرَ بِالْعَمَلِ قَبْلَ الْفَوْتِ. الْحَسَنُ الْأَلْفَاظِ، الْخَاطِبُ بِسُوقِ عُكَاظَ، الْعَالِمُ بِشَرْقٍ وَغَرْبٍ، وَيَابِسٍ وَرَطْبٍ، وَأُجَاجٍ وَعَذْبٍ. كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَالْعَرَبُ بَيْنَ يَدَيْهِ، يُقْسِمُ بِالرَّبِ الَّذِي هُوَ لَهُ لَيَبْلُغَنَّ الْكِتَابُ أَجَلَهُ، وَلَيُوَفَّيَنَّ كُلُّ عَامَلٍ عَمَلَهُ. ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ:
هَاجَ لِلْقَلْبِ [(٢٢)] مِنْ جَوَاهُ ادِّكَارُ وَلَيَالٍ خِلَالَهُنَّ نَهَارُ
وَنُجُومٌ يَحُثُّهَا قَمَرُ اللَّيْلِ وَشَمْسٌ فِي كلّ يوم تدار
ضوؤها يَطْمِسُ الْعُيُونَ وَرِعَادٌ [(٢٣)] شَدِيدٌ فِي الْخَافِقَيْنِ مُطَارُ
وَغُلَامٌ وَأَشْمَطٌ وَرَضِيعٌ كُلُّهُمْ فِي التراب يوما يزار
_________________
(١) [(٢٢)] في (م): «بالقلب» . [(٢٣)] في (م): «وإرعاد» .
[ ٢ / ١٠٧ ]
وَقُصُورٌ مُشَيَّدَةٌ حَوَتِ الْخَيْرَ وَأُخْرَى خَلَتْ فَهُنَّ قِفَارُ
وَكَثِيرٌ مِمَّا يُقَصِّرُ عَنْهُ جَوْسَةُ النَّاظِرِ الَّذِي لَا يَحَارُ
وَالَّذِي قَدْ ذَكَرْتُ دَلَّ عَلَى اللهِ نُفُوسًا لَهَا هُدًى وَاعْتِبَارُ
فَقَالَ النَّبِيُّ، ﵌،: عَلَى رِسْلِكَ يَا جَارُودُ، فَلَسْتُ أَنْسَاهُ بِسُوقِ عُكَاظَ عَلَى جَمَلٍ لَهُ أَوْرَقَ، وَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ مُونَقٍ، مَا أَظُنُّ أَنِّي أَحْفَظُهُ، فَهَلْ مِنْكُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ مَنْ يَحْفَظُ لَنَا مِنْهُ شَيْئًا؟ فَوَثَبَ أَبُو بَكْرٍ قَائِمًا، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَحْفَظُهُ، وَكُنْتُ حَاضِرًا ذَلِكَ الْيَوْمَ بِسُوقِ عُكَاظٍ حِينَ خَطَبَ فَأَطْنَبَ، وَرَغَّبَ وَرَهَّبَ، وَحَذَّرَ وَأَنْذَرَ، فَقَالَ [(٢٤)] فِي خُطْبَتِهِ:
أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا وَعُوا، فَإِذَا [(٢٥)] وَعَيْتُمْ فَانْتَفِعُوا: إِنَّهُ مَنْ عَاشَ مَاتْ، وَمَنْ مَاتَ فَاتْ، وَكُلُّ مَا هُوَ آتٍ آتْ، مَطَرٌ وَنَبَاتْ، وَأَرْزَاقٌ وَأَقْوَاتْ، وَآبَاءٌ وَأُمَّهَاتْ، وَأَحْيَاءٌ وَأَمْوَاتْ، جَمِيعٌ وَأَشْتَاتْ، وَآيَاتٌ بَعْدَ آيَاتْ. إِنَّ فِي السَّمَاءِ لَخَبَرًا، وَإِنَّ فِي الْأَرْضِ لَعِبَرًا، لَيْلٌ دَاجْ، وَسَمَاءٌ ذَاتُ أَبْرَاجْ [وَأَرْضٌ ذَاتُ رِتَاجْ] [(٢٦)] وَبِحَارٌ ذَاتُ أَمْوَاجْ. مَالِيَ أَرَى النَّاسَ يَذْهَبُونَ فَلَا يَرْجِعُونَ؟ أَرَضُوا بِالْمُقَامِ فَأَقَامُوا؟ أَمْ تُرِكُوا هُنَاكَ فَنَامُوا؟ أَقْسَمَ قُسٌّ قَسَمًا [حَقًّا] [(٢٧)] لَا حَانِثًا فِيهِ وَلَا آثِمًا: إِنَّ الله تَعَالَى [(٢٨)] دِينًا هُوَ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ دِينِكُمُ الَّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ، ونَبِيًّا قَدْ حَانَ حِينُهُ، وَأَظَلَّكُمْ أَوَانُهُ، وَأَدْرَكَكُمْ إِبَّانُهُ، فَطُوبَى لِمَنْ آمَنَ بِهِ فَهَدَاهُ، وَوَيْلٌ لِمَنْ خَالَفَهُ وَعَصَاهُ.
ثُمَّ قَالَ: تَبًّا لِأَرْبَابِ الْغَفْلَةِ مِنَ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ، وَالْقُرُونِ الماضية. يا
_________________
(١) [(٢٤)] في (م): «وقال» . [(٢٥)] في (م): «وإذا» . [(٢٦)] ما بين الحاصرتين ساقط من (هـ) . [(٢٧)] الزيادة من (هـ) . [(٢٨)] ليست في (م) .
[ ٢ / ١٠٨ ]
مَعْشَرَ إِيَادٍ، أَيْنَ الْآبَاءُ وَالْأَجْدَادُ؟ وَأَيْنَ الْمَرِيضُ وَالْعُوَّادُ؟ وَأَيْنَ الْفَرَاعِنَةُ الشِّدَادُ؟
أَيْنَ مَنْ بَنَى وَشَيَّدَ؟! وَزَخْرَفَ وَنَجَّدَ؟! وَغَرَّهُ الْمَالُ وَالْوَلَدُ؟! أَيْنَ مَنْ بَغَى وَطَغَى، وَجَمَعَ فَأَوْعَى، وَقَالَ: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى؟! أَلَمْ يَكُونُوا أَكْثَرَ مِنْكُمْ أَمْوَالًا، وَأَبْعَدَ مِنْكُمْ آمَالًا، وَأَطْوَلَ مِنْكُمْ آجَالًا؟! طَحَنَهُمُ الثَّرَى بِكَلْكَلِهِ، وَمَزَّقَهُمْ بِتَطَاوُلِهِ، فَتِلْكَ عِظَامُهُمْ بَالِيَةٌ، وَبُيُوتُهُمْ خَالِيَةٌ، عَمَرَتْهَا الذِّئَابُ الْعَاوِيَةُ [(٢٩)]، كَلَّا، بَلْ هُوَ اللهُ الْوَاحِدُ الْمَعْبُودُ، لَيْسَ بِوَالدٍ وَلَا مَوْلُودٍ!! ثم أنشأ يقول:
في الذاهبين الأولين من الْقُرُونِ لَنَا بَصَائِرْ
لَمَّا رأيت مواردا للمو ت لَيْسَ لَهَا مَصَادِرْ
وَرَأَيْتُ قَوْمِيَ نَحْوَهَا يَمْضِي الْأَصَاغِرُ وَالْأَكَابِرْ
لَا يَرْجِعُ الْمَاضِي إِلَيَّ وَلَا مِنَ الْبَاقِينَ غَابِرْ
أَيْقَنْتُ أَنِّي لَا محا لة حَيْثُ صَارَ الْقَوْمُ صَائِرْ
قَالَ: ثُمَّ جَلَسَ. فَقَامَ [(٣٠)] رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ بَعْدَهُ كَأَنَّهُ قِطْعَةُ جَبَلٍ، ذُو هَامَةٍ عَظِيمَةٍ، وَقَامَةٍ جَسِيمَةٍ، قَدْ دَوَّمَ عَمَامَتَهُ، وَأَرْخَى ذُؤَابَتَهُ، مُنِيفٌ أَنُوفٌ أَحْدَقُ [(٣١)] أَجَشُّ الصَّوْتِ، فَقَالَ:
يَا سَيِّدَ الْمُرْسَلِينَ، وَصَفْوَةَ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَقَدْ رَأَيْتُ مِنَ قُسٍّ عَجَبًا، وَشَهِدْتُ مِنْهُ مَرْغَبًا. فَقَالَ: وَمَا الَّذِي رَأَيْتَهُ مِنْهُ وَحَفِظْتَهُ عَنْهُ؟ فَقَالَ: خَرَجْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَطْلُبُ بَعِيرًا لِي شَرَدَ مِنِّي كُنْتُ أَقْفُو أَثَرَهُ [(٣٢)] وَأَطْلُبُ خَبَرَهُ، فِي نَتَائِفَ حَقَائِفَ [(٣٣)]، ذَاتِ دَعَادِعَ وَزَعَازِعَ، لَيْسَ بِهَا لِلرَّكْبِ مَقِيلٌ، ولا لغير الجن [(٣٤)]
_________________
(١) [(٢٩)] في (م): «العادية» . [(٣٠)] في (م): «وقام» . [(٣١)] في (م) و(هـ): «أشدق» . [(٣٢)] ليست في (م) . [(٣٣)] في (م): «تنايف حقايف» . [(٣٤)] في (ح) و(م): «الحق» .
[ ٢ / ١٠٩ ]
سَبِيلٌ، وَإِذَا أَنَا بِمَوْئِلٍ مَهُولٍ فِي طَوْدٍ عَظِيمٍ لَيْسَ بِهِ إِلَّا الْبُومُ. وَأَدْرَكَنِي اللَّيْلُ فَوَلِجْتُهُ مَذْعُورًا لَا آمَنُ فِيهِ حَتْفِي، وَلَا أَرْكَنُ إِلَى غَيْرِ سَيْفِي. فَبِتُّ بِلَيْلٍ طَوِيلٍ، كَأَنَّهُ بِلَيْلٍ مَوْصُولٌ، أَرْقُبُ الْكَوْكَبَ، وَأَرْمُقُ الْغَيْهَبَ، حَتَّى إِذَا اللَّيْلُ عَسْعَسَ [(٣٥)]، وَكَادَ الصُّبْحُ أَنْ يَتَنَفَّسَ، هَتَفَ بِي هَاتِفٌ يَقُولُ:
يَا أَيُّهَا الرَّاقِدُ فِي اللَّيْلِ الْأَحَمْ قَدْ بَعَثَ اللهُ نَبِيًّا فِي الْحَرَمْ
مِنْ هَاشِمٍ أَهْلِ الْوَفَاءِ وَالْكَرَمْ يَجْلُو دُجُنَّاتِ الدَّيَاجِيَ وَالْبُهَمْ [(٣٦)]
قَالَ: فَأَدَرْتُ طَرْفِي فَمَا رَأَيْتُ لَهُ شَخْصًا وَلَا سَمِعْتُ لَهُ فَحْصًا، فأنشأت أقول:
يَا أَيُّهَا الْهَاتِفُ فِي دَاجِي الظُّلَمْ أَهْلًا وَسَهْلًا بِكَ مِنْ طَيْفٍ أَلَمْ
بَيِّنْ هَدَاكَ اللهُ فِي لَحْنِ الْكَلِمْ مَاذَا الَّذِي تَدْعُو إِلَيْهِ يُغْتَنَمْ [(٣٧)]؟
قَالَ: فَإِذَا أَنَا بِنَحْنَحَةٍ، وَقَائِلٍ يَقُولُ: ظَهَرَ النُّورُ، وَبَطَلَ الزور [و] بَعَثَ اللهُ مُحَمَّدًا، ﵌ بِالْحُبُورِ، صَاحِبَ النَّجِيبِ الأحمر، والتّاج والمغفر، ذو الْوَجْهِ [(٣٨)] الْأَزْهَرِ، وَالْحَاجِبِ الْأَقْمَرِ، وَالطَّرْفِ الْأَحْوَرِ، صَاحِبَ قَوْلِ شَهَادَةِ:
أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَذَلِكَ [(٣٩)] مُحَمَّدٌ الْمَبْعُوثُ إِلَى الْأَسْوَدِ وَالْأَبْيَضِ، أَهْلِ الْمَدَرِ وَالْوَبَرِ. ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَخْلُقِ الْخَلْقَ عَبَثْ لَمْ يُخْلِنَا [حِينًا] [(٤٠)] سُدًى مِنْ بَعْدِ عِيسَى واكترث
_________________
(١) [(٣٥)] في (م): «عسس الليل» . [(٣٦)] في (هـ): الليالي وإليهم» . [(٣٧)] في (هـ) و(م): «في اللحن تغتنم» . [(٣٨)] في (م) و(هـ): «والوجه» . [(٣٩)] في (م): «فذاك» . [(٤٠)] الزيادة من (م) .
[ ٢ / ١١٠ ]
أرسل فينا أحمدا خَيْرَ نَبِيٍّ قَدْ بُعِثْ صَلَّى عَلَيْهِ اللهُ مَا حَجَّ [(٤١)] لَهُ رَكْبٌ وَحَثَّ
قَالَ: فَذُهِلْتُ عَنِ الْبَعِيرِ وَاكْتَنَفَنِي السُّرُورُ، وَلَاحَ الصَّبَاحُ، وَاتَّسَعَ الْإِيضَاحُ [(٤٢)]، فَتَرَكَتُ الْمَوْرَاءَ [(٤٣)]، وَأَخَذْتُ الْجَبَلَ، فَإِذَا أَنَا بِالْفَنِيقِ يَسْتَنْشِقُ [(٤٤)] النُّوقَ، فَمَلَكْتُ خطامه، وعلوت سنامه، فمرج [(٤٥)] طَاعَةً وَهَزَزْتُهُ سَاعَةً، حَتَّى إِذَا لَغَبَ وَذَلَّ مِنْهُ مَا صَعُبَ، وَحَمِيَتِ الْوِسَادَةُ، وَبَرَدَتِ الْمَزَادَةُ، فَإِذَا الزَّادُ قَدْ هَشَّ لَهُ الْفُؤَادُ! تَرَكْتُهُ فَتُرِكَ، وَأَذِنْتُ لَهُ فَبَرَكَ، فِي رَوْضَةٍ خَضِرَةٍ نَضِرَةٍ عَطِرَةٍ، ذَاتِ حَوْذَانَ وَقُرْبَانَ وَعُنْقُرَانَ [(٤٦)] وَعَبَيْثَرَانَ وَجُلَّى وَأَقَاحٍ وَجَثْجَاثٍ وَبَرَارٍ، وَشَقَائِقَ وَنَهَارٍ [(٤٧)] كَأَنَّمَا قَدْ بَاتَ الْجَوُّ بِهَا مَطِيرًا، وَبَاكَرَهَا الْمُزْنُ بُكُورًا، فَخِلَالُهَا شَجَرْ، وَقَرَارُهَا نَهَرْ، فَجَعَلَ يَرْتَعُ أَبًّا، وَأَصِيدُ ضَبًّا، حَتَّى إِذَا أَكَلْتُ وَأَكَلْ! وَنَهَلْتُ وَنَهَلْ، وَعَلَلْتُ وَعَلْ- حَلَلْتُ عِقَالَهُ، وَعَلَوْتُ جِلَالَهُ، وَأَوْسَعْتُ مَجَالَهُ، فَاغْتَنَمَ الْحَمْلَةَ وَمَرَّ كَالنَّبْلَةِ، يَسْبِقُ الرِّيحْ، وَيَقْطَعُ عَرْضَ الْفَسِيحْ، حَتَّى أَشْرَفَ بِي عَلَى وَادْ وَشَجَرٍ، مِنْ شَجَرِ عَادْ مُورِقَةٍ مُونِقَةٍ، قَدْ تَهَدَّلَ أَغْصَانُهَا كَأَنَّمَا بَرِيرُهَا حَبُّ فُلْفُلٍ، فَدَنَوْتُ فَإِذَا أَنَا بِقُسِّ بْنِ سَاعِدَةَ فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ بِيَدِهِ قَضِيبٌ مِنْ أَرَاكٍ يَنْكُتُ بِهِ الْأَرْضَ وَهُوَ يَتَرَنَّمُ بِشِعْرٍ، وَهُوَ:
يَا نَاعِيَ الْمَوْتِ وَالْمَلْحُودِ [(٤٨)] فِي جَدَثٍ عَلَيْهِمُ مِنْ بَقَايَا بَزِّهِمْ خِرَقُ
_________________
(١) [(٤١)] في (هـ): «ما حنّ» . [(٤٢)] في (هـ): «الأوضاع» . [(٤٣)] في (م): «المور» . [(٤٤)] في (هـ) و(م): «يشقشق» . [(٤٥)] في (م): «فمرح»، وفي (هـ): «فخرج» . [(٤٦)] في (هـ): «وغربان» . [(٤٧)] في (ح) و(م): «وأنهار» . [(٤٨)] في (هـ): «الأموات في جدث» .
[ ٢ / ١١١ ]
دَعْهُمْ فَإِنَّ لَهُمْ يَوْمًا يُصَاحُ بِهِمْ فَهُمْ إِذَا أُنْبِهُوَا مِنْ نَوْمِهِمْ فَرِقُوا
حَتَّى يَعُودُوا لِحَالٍ [(٤٩)] غَيْرِ حَالِهِمُ خَلْقًا جَدِيدًا كَمَا مِنْ قَبْلِهِ خُلِقُوا
مِنْهُمْ عُرَاةٌ وَمِنْهُمْ فِي ثِيَابِهِمُ مِنْهَا الْجَدِيدُ وَمِنْهَا الْمَنْهَجُ الْخَلَقُ
قَالَ: فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ السَّلَامَ، وَإِذَا بِعَيْنٍ خَرَّارَةٍ، فِي أَرْضٍ خَوَّارَةٍ، وَمَسْجِدٍ بَيْنَ قَبْرَيْنِ، وَأَسَدَيْنِ عَظِيمَيْنِ يَلُوذَانِ بِهِ، وَيَتَمَسَّحَانِ بِأَثْوَابِهِ، وَإِذَا أَحَدُهُمَا يَسْبِقُ صَاحِبَهُ إِلَى الْمَاءِ فَتَبِعَهُ الْآخَرُ وَطَلَبَ الْمَاءَ، فَضَرَبَهُ بِالْقَضِيبِ الَّذِي فِي يَدِهِ، وَقَالَ: ارْجِعْ، ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، حَتَّى يَشْرَبَ الَّذِي وَرَدَ قَبْلَكَ. فَرَجَعَ ثُمَّ وَرَدَ بَعْدَهُ. فَقُلْتُ لَهُ: ما هذا الْقَبْرَانِ؟ فَقَالَ: هَذَانِ قَبْرَا أَخَوَيْنِ لِي كَانَا يَعْبُدَانِ اللهَ تَعَالَى [(٥٠)]، مَعِي فِي هَذَا الْمَكَانِ، لَا يُشْرِكَانِ بِاللهِ شَيْئًا، فَأَدْرَكَهُمَا الْمَوْتُ فَقَبَرْتُهُمَا، وها أنا بَيْنَ قَبْرَيْهِمَا، حَتَّى أَلْحَقَ بِهِمَا، ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْهِمَا، فَتَغَرْغَرَتْ عَيْنَاهُ بِالدِّمُوعِ، فَانْكَبَّ عليهما وجعل يقول:
خَلِيلَيَّ هُبَّا طَالَمَا قَدْ رَقَدْتُمَا أَجَدَّكُمَا لَا تَقْضِيَانِ كَرَاكُمَا
أَلَمْ تَرَيَا أَنِّي بِسَمْعَانَ مُفْرَدٌ وَمَالِيَ فِيهَا مِنْ خَلِيلٍ سُوَاكُمَا
مُقِيمٌ عَلَى قَبْرَيْكُمَا لَسْتُ بَارِحًا طَوَالَ اللَّيَالِي أَوْ يُجِيبُ صَدَاكُمَا
أُبَكِّيكُمَا طُولَ الْحَيَاةِ وَمَا الَّذِي يَرُدُّ عَلَى ذِي عَوْلَةٍ [(٥١)] إِنْ بَكَاكُمَا
أَمِنْ طُولِ نَوْمٍ لَا تُجِيبَانِ دَاعِيًا كَأَنَّ الَّذِي يَسْقِي الْعَقَارَ سَقَاكُمَا
كَأَنَّكُمَا وَالْمَوْتُ أَقْرَبُ غَايَةٍ بِرُوحِي فِي قَبْرَيْكُمَا قَدْ أَتَاكُمَا
فَلَوْ جُعِلَتْ نَفْسٌ لِنَفْسٍ وِقَايَةً لَجُدْتُ بِنَفْسِي أَنْ تكون فداكما
_________________
(١) [(٤٩)] في (هـ): «بجال» . [(٥٠)] ليست في (ص) ولا في (م) . [(٥١)] في (هـ): «ذي لوعة» .
[ ٢ / ١١٢ ]
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ، ﵌: رَحِمَ اللهُ قُسًّا، إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَبْعَثَهُ اللهُ أُمَّةً وَحْدَهُ [(٥٢)] .
[وَقَدْ رُوِيَ مِنْ وَجْهٍ آخَرٍ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، مُنْقَطِعًا، وَرُوِيَ مُخْتَصَرًا مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَإِذَا رُوِيَ حَدِيثٌ مِنْ أَوْجُهٍ وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا ضَعِيفًا دَلَّ عَلَى أَنَّ لِلْحَدِيثِ أَصْلًا والله أعلم] [(٥٣)] .
_________________
(١) [(٥٢)] يبعث امة وحده: الأمة: الشخص المنفرد بدين، اي يقوم مقام جماعة. [(٥٣)] الفقرة الأخيرة من الحاصرتين سقطت من (هـ) . قال الحافظ عماد الدين بن كثير: هذه الطرق على ضعفها كالمتعاضدة على إثبات اصل القصة. وقال الحافظ في الإصابة طرقه كلها ضعيفة. وقال الشيخ رحمه الله تعالى في تهذيب موضوعات ابن الجوزي، أمثل طرقه الأول، فإن ابن أخي الزهري ومن فوقه من رجال البخاري ومسلم، وعلي بن محمد المدائني ثقة. وأحمد بن عبيد قال ابن عديّ: صدوق له مناكير. قلت: وقال الذهبي: صويلح. قال الحافظ: ليّن الحديث. انتهى. قال الشيخ رحمه الله تعالى: فإذا ضمّ طريق خلف بن أعين إليه حكم بحسنه بلا توقف. انتهى. إذا علمت ذلك فالحديث ضعيف لا موضوع، خلافا لابن الجوزي ومن تبعه. وقد رواه البيهقي من وجه آخر عن ابن عباس. فذكر حديثا طويلا مسجّعا فيه أشعار كثيرة.
[ ٢ / ١١٣ ]
حَدِيثُ الدَّيْرَانِيِّ الَّذِي أَخْبَرَ مَنْ نَزَلَ بِقُرْبِهِ مِنَ الْعَرَبِ- بِبَعْثَةِ النَّبِيِّ، ﵌، وَاسْمِهِ، وَحَضَّ عَلَى مُتَابَعَتِهِ
أَنْبَأَنِي شَيْخُنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ: أَنَّ أَبَا أَحْمَدَ: الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، أَخْبَرَهُ [قَالَ] [(١)]: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ: مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ:
حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ مِسْمَارٍ، أَبُو الْفَضْلِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ الْفَضْلِ- وَقَالَ غَيْرُهُ: ابْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سَوِيَّةَ- عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ. وَلَمْ يُقِمْ شَيْخُنَا إِسْنَادَهُ عَنْ خَلِيفَةَ بْنِ عَبْدَةَ قَالَ:
سَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَدِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ [سُوَاءَةَ] [(٢)] بْنِ جُشَمَ بْنِ سَعْدٍ: كَيْفَ سَمَّاكَ أَبُوكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مُحَمَّدًا؟ قَالَ: أَمَا إِنِّي قَدْ [(٣)] سَأَلْتُ أَبِي عَمَّا سَأَلْتَنِي عَنْهُ، فَقَالَ: خَرَجْتُ رَابِعَ أَرْبَعَةٍ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ أَنَا أَحْدَثُهُمْ [(٤)] وَسُفْيَانُ بْنُ مُجَاشِعِ بْنِ دَارِمٍ، وَيَزِيدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ رَبِيعَةَ، وَأُسَامَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ خِنْدِفَ، نُرِيدُ ابْنَ جَفْنَةَ الْغَسَّانِيَّ بِالشَّامِ، فَلَمَّا وَرَدْنَا الشَّامَ نَزَلْنَا عَلَى غَدِيرٍ عَلَيْهِ شَجَرَاتٌ وَقُرْبُهُ قَائِمٌ لِدَيْرَانِيٍّ. فَقُلْنَا: لَوِ اغْتَسَلْنَا مِنْ هَذَا الْمَاءِ وَادَّهَنَّا، وَلَبِسْنَا ثِيَابَنَا، ثُمَّ أَتَيْنَا
_________________
(١) [(١)] الزيادة من (م) و(ص) . [(٢)] رسمت في (هـ): «سوأة» . [(٣)] ليست في (هـ) . [(٤)] في (ح) و(م): «أحدهم» .
[ ٢ / ١١٤ ]
صَاحِبَنَا؟ فَأَشْرَفَ عَلَيْنَا الدَّيْرَانِيُّ فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ لَلُغةُ قَوْمٍ مَا هِيَ بِلُغَةِ أَهْلِ هَذَا الْبَلَدِ، فَقُلْنَا: نَعَمْ، نَحْنُ قَوْمٌ مِنْ مُضَرَ. فَقَالَ: مِنْ أَيِّ الْمَضَائِرِ؟ فَقُلْنَا: مِنْ خِنْدِفَ. فَقَالَ: أَمَا إِنَّهُ سَوْفَ يُبْعَثُ مِنْكُمْ وَشِيكًا نَبِيٌّ [(٥)] فَتَسَارَعُوا إِلَيْهِ، وَخُذُوا بِحَظِّكُمْ مِنْهُ تَرْشُدُوا، فَإِنَّهُ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ. فَقُلْنَا: مَا اسْمُهُ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. فَلَمَّا انْصَرَفْنَا مِنْ عِنْدِ ابْنِ جَفْنَةَ وَصِرْنَا إِلَى أَهْلِنَا وُلِدَ لِكُلِّ [وَاحِدٍ] [(٦)] مِنَّا غُلَامٌّ فَسَمَّاهُ مُحَمَّدًا [(٧)] .
قُلْتُ: سَقَطَ مِنْ كِتَابِ شَيْخِنَا مِنْ إِسْنَادِهِ شَيْءٌ، وَالصَّوَابُ مَا قال فيه غيره.
_________________
(١) [(٥)] في (ح) و(م): «نبيا» . [(٦)] الزيادة من (م) . [(٧)] رواه الطبراني، وأبو نعيم في دلائل النبوة (٥٥)، وهو في كتاب الوفا (١: ٤٦)، وسبل الهدى (١: ١٣٥) .
[ ٢ / ١١٥ ]
ذِكْرُ حَدِيثِ النَّصْرَانِيِّ الَّذِي أَخْبَرَ أُمَيَّةَ بْنَ أَبِي الصَّلْتِ بِبَعْثَةِ النَّبِيِّ ﵌
* أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ: أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِمْيَرِيُّ، ﵀، قَالَ: حَدَّثَنَا [(١)] أَبُو بَكْرٍ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الشَّافِعِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا [(٢)] مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْعَوَّامِ الرِّيَاحِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْحَكَمِ بْنِ عَوَانَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ الطُّرَيْحِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الثَّقَفِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ:
خَرَجْتُ أَنَا وَأُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ الثَّقَفِيُّ إِلَى الشَّامِ، فَمَرَرْنَا بِقَرْيَةٍ مِنْ قُرَى الشَّامِ فِيهَا نَصَارَى. فَلَمَّا رَأَوْا أُمَيَّةَ أَعْظَمُوهُ وَأَكْرَمُوهُ، وَأَرَادُوهُ عَلَى أَنْ يَنْطَلِقَ مَعَهُمْ، فَقَالَ لِي أُمَيَّةُ: يَا أَبَا سُفْيَانَ انْطَلِقْ مَعِي فَإِنَّكَ تَمْضِي إِلَى رَجُلٍ قَدِ انْتَهَى إِلَيْهِ عِلْمُ النَّصْرَانِيَّةِ. فَقُلْتُ: لَسْتُ أَنْطَلِقُ مَعَكَ. قَالَ: وَلِمَ؟ قُلْتُ: إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُحَدِّثَنِي بِشَيْءٍ فَيُفْسِدَ عَلَيَّ قَلْبِي. فَذَهَبَ مَعَهُمْ، ثُمَّ عَادَ فَرَمَى بِثَوْبِهِ وَلَبِسَ ثَوْبَيْنِ أسودين وانطلق، فو الله مَا جَاءَنِي حَتَّى ذَهَبَ هَدْأَةٌ مِنَ اللَّيْلِ، فَجَاءَ فانْجَدَلَ عَلَى فِرَاشِهِ، فَمَا نَامَ حَتَّى أَصْبَحَ، فَقَالَ: أَلَا تَرْحَلُ بِنَا؟ فَقِيلَ: وهل فيك من
_________________
(١) [(١)] في (م): «أخبرنا» . [(٢)] في (م): «حدثنا» .
[ ٢ / ١١٦ ]
رَحِيلٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَارْتَحَلْنَا. قَالَ: أَلَا تُجَاوِزُ بِنَا الرِّكَابَ؟ قُلْتُ:
بَلَى، فَجَاوَزْنَا [(٣)] الرِّكَابَ، فَقَالَ لِي: يَا صَخْرُ. قُلْتُ: قُلْ يَا أَبَا عُثْمَانَ. قَالَ:
أَيُّ أَهْلِ مَكَّةَ أَشْرَفُ؟ قُلْتُ: عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ. قَالَ: أَيُّ أَهْلِ مَكَّةَ أَكْثَرُ مَالًا وَأَكْبَرُهُمْ سِنًّا؟ قُلْتُ: عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ. قَالَ: إِنَّ الشَّرَفَ وَالْمَالَ أَزْرَيْنَ بِهِ.
قُلْتُ: لَا، وَاللهِ، وَلَكِنْ زَادَهُ شَرَفًا. قَالَ: تَكْتُمْ عَلَيَّ مَا أُحَدِّثُكَ بِهِ؟ قُلْتُ:
نَعَمْ. قَالَ: حَدَّثَنِي هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي انْتَهَى إِلَيْهِ عِلْمُ الْكِتَابِ أَنَّ نَبِيًّا مَبْعُوثٌ.
فَظَنَنْتُ أَنِّي أَنَا هُوَ، فَقَالَ: لَيْسَ مِنْكُمْ هُوَ. هُوَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ. قُلْتُ: فَانْسُبْهُ [(٤)] قَالَ: هُوَ وَسَطٌ مِنْ قَوْمِهِ. فَالَّذِي رَأَيْتَ مِنَ الْهَمِّ مَا صُرِفَ عَنِّي. قَالَ: وَقَالَ لِي: آيَةُ ذَلِكَ: أَنَّ الشَّامَ قَدْ رَجَفَ [(٥)] بَعْدَ عيسى بن مَرْيَمَ، ﵇، ثَمَانِينَ رَجْفَةً، وَبَقِيَتْ رَجْفَةٌ، يَدْخُلُ عَلَى الشَّامِ مِنْهَا شَرٌّ وَمُصِيبَةٌ. فَلَمَّا صِرْنَا قَرِيبًا مِنْ ثَنِيَّةٍ إِذَا رَاكِبٌ [(٦)] قُلْنَا: مِنْ أَيْنَ؟ قَالَ: مِنَ الشَّامِ. قَالَ: هَلْ كَانَ مِنْ حَدَثٍ [(٧)]؟ قَالَ: نَعَمْ، رَجَفَتِ الشَّامُ رَجْفَةً، دَخَلَ عَلَى أَهْلِ الشَّامِ شَرٌّ ومصيبة [(٨)] .
_________________
(١) [(٣)] في (ح) و(م): «فجاوز بنا» . [(٤)] في (هـ): «ما نسبه» . [(٥)] في (هـ) و(م): «رجفت» . [(٦)] في (هـ): «ركب» . [(٧)] في (ح): «من حديث» . [(٨)] الخبر في الاكتفاء (١: ٢٤٤)، والوفا (١: ٥١)، وسبل الهدى والرشاد (١: ١٣٥- ١٣٦)، عن الطبراني والبيهقي.
[ ٢ / ١١٧ ]
ذِكْرُ حَدِيثِ الْجُهَنِيِّ الَّذِي أُتِيَ فِي إِغْمَائِهِ وَأُخْبِرَ بِالِإِطْلَاقِ إِنْ شَكَرَ لِرَبِهِ فَآمَنَ بِالنَّبِيِّ الْمُرْسَلِ وَتَرَكَ سَبِيلَ مَنْ أَشْرَكَ فَأَضَلَّ
* أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ الْعَدْلُ، بِبَغْدَادَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ:
الْحُسَيْنُ بْنُ صَفْوَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الدُّنْيَا، قَالَ:
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْهَرَوِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُجَالِدٌ، عَنْ عَامِرٍ، قَالَ:
انْتَهَيْنَا إِلَى أَفْنِيَةِ جُهَيْنَةَ، فَإِذَا شَيْخٌ جَالِسٌ فِي بَعْضِ أَفْنِيَتِهِمْ، فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ، فَحَدَّثَنِي، قَالَ: إِنَّ رَجُلًا مِنَّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ اشْتَكَى، فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، فَسَجَّيْنَاهُ وَظَنَنَّا أَنْهَ قَدْ مَاتَ، وَأَمَرْنَا بِحُفْرَتِهِ أَنْ تُحْفَرَ، فَبَيْنَا نَحْنُ عِنْدَهُ إِذْ جَلَسَ فَقَالَ:
إِنِّي أُتِيتُ حَيْثُ رَأَيْتُمُونِي، أُغْمِيَ عَلَيَّ، فَقِيلَ لِي: أُمُّكَ هَبِلْ.
أَلَا تَرَى حُفْرَتَكَ تُنْتَثَلْ وَقَدْ كَادَتْ أُمُّكَ تُثْكَلْ.
أَرَأَيْتَ إِنْ حَوَّلْنَاهَا عَنْكَ بِمَحْوَلْ، وَقَذَفْنَا فِيهَا الْقُصَلْ، الَّذِي مَشَى وَأَجْزَلْ.
أَتَشْكُرُ لِرَبِّكَ وَتُصَلِّي وَتَدَعُ سَبِيلَ مَنْ أَشْرَكَ فَأَضَلْ؟
فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَأُطْلِقْتُ، فَانْظُرُوا مَا فَعَلَ الْقُصَلُ.
[ ٢ / ١١٨ ]
مَرَّ آنِفًا. فَذَهَبُوا يَنْظُرُونَ فَوَجَدُوهُ قَدْ مَاتَ فَدُفِنَ فِي الْحُفْرَةِ، وَعَاشَ الرَّجُلُ حَتَّى أَدْرَكَ الْإِسْلَامَ.
* وَأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ صَفْوَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا. قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الْقُرَشِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُجَالِدٌ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ:
حَدَّثَنِي شَيْخٌ مِنْ جُهَيْنَةَ، فَذَكَرَ الْقِصَّةَ، قَالَ: فَرَأَيْتُ الْجُهَنِيَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُصَلِّي وَيَسُبُّ الْأَوْثَانَ وَيَقَعُ فِيهَا.
قَالَ: وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ. عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو الرَّقِّيِّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ:
مَرِضَ رَجُلٌ مِنْ جُهَيْنَةَ فِي بَدْءِ الْإِسْلَامِ حَتَّى ظَنَّ أَهْلُهُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ، وَحُفِرَتْ حُفْرَتُهُ. فَذَكَرَ الْقِصَّةَ وَزَادَ فِي الشِّعْرِ:
ثُمَّ قَذَفْنَا فِيهَا الْقُصَلْ ثُمَّ مَلَأْنَا عَلَيْهِ بِالْجَنْدَلْ
إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ نَفْعَلْ؟
قَالَ: وَزَادَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي هَذَا الشِّعْرِ شَيْئًا آخَرَ:
أَتُؤْمِنُ بِالنَّبِيِّ الْمُرْسَلْ؟
[ ٢ / ١١٩ ]
ذِكْرُ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ [(١)] وَوَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ [(٢)] وَمَا فِي [(٣)] حَدِيثِهِمَا مِنْ آثَارِ رَسُولِ اللهِ، ﵌
_________________
(١) [(١)] زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلِ بْنِ عَبْدِ العزى القرشي العدوي، أحد الحكماء، وهو ابن عم عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. لَمْ يدرك الإسلام، وكان يكره عبادة الأوثان، ولا يأكل مما ذبح عليها، ورحل إلى الشام باحثا عن عبادات أهلها فلم تستمله اليهودية ولا النصرانية، فعاد إلى مكة يعبد الله على دين إبراهيم، وجاهر بعداء الأوثان، فتألب عليه جمع من قريش، فأخرجوه من مكة، فانصرف إلى «حراء» فسلّط عليه عمه: الخطاب شبانا لا يدعونه يدخل مكة، فكان لا يدخلها إلا سرا، وكان عدوا لوأد البنات، لا يعلم ببنت يراد وأدها إلا قصد أباها وكفاه مؤنتها، فيربيها حتى إذا ترعرعت عرضها على أبيها فإن لم يأخذها بحث لها عن كفؤ فزوجها به. رآه النبي ﵌ قبل النبوة، وسئل عنه بعدها، فقال: «يبعث يوم القيامة أمة وحده» . توفي قبل مبعث النبي ﵌ بخمس سنين، وله شعر قليل منه البيت المشهور: أربا واحدا أم ألف رب أدين إذا تقسمت الأمور [(٢)] ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزّى: حكيم جاهلي من قريش، اعتزل الأوثان قبل الإسلام، وامتنع عن أكل ذبائحها، وتنصّر، وقرأ كتب الأديان، وأدرك أوائل عصر النبوة، ولم يدرك الدعوة، وهو ابن عم خديجة بنت خويلد، أم المؤمنين، وكان يكتب اللغة العربية بالحرف العبراني. وفي حديث ابتداء الوحي، بغار حراء، أن النبي ﵌ رجع إلى خديجة، وفؤاده يرتجف، فأخبرها، فانطلقت به خديجة حتى أتت ورقة بن نوفل «وكان شيخا كبيرا قد عمي» فقالت له خديجة: يا ابن عمّ
[ ٢ / ١٢٠ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ، عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ [قَالَ] [(٤)]، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ [قَالَ] [(٥)]، حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ السُّكَّرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ (ح) . * وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حَمْشَاذٍ، الْعَدْلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ الْجَحْدَرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بن عبد الله بن يزيع. قَالَا: حَدَّثَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ:
لَقِيَ رَسُولُ اللهِ، ﵌، زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ بِأَسْفَلَ بَلْدَحٍ [(٦)]، وذلك قبل
_________________
(١) [()] اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: يا ابن أخي مَاذَا تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﵌ خبر ما رأى، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هَذَا الناموس الذي نزّل الله على موسى، يا ليتني فيها جذع! ليتني أكون حيا إذ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، فَقَالَ رَسُولُ الله: أو مخرجيّ هُمْ؟ قَالَ: نَعَمْ! لَمْ يأت رجل قط بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا. وابتداء الحديث ونهايته، في البخاري. ولورقة شعر سلك فيه مسلك الحكماء. وفي المؤرخين من يعده في الصحابة، قال البغدادي: ألف أبو الحسن برهان الدين إبراهيم البقاعي تأليفا في إيمان ورقة بالنبي، وصحبته له، سماه «بذل النصح والشفقة، للتعريف بصحبة السيد ورقة» . وفي وفاته روايتان: إحداهما الراجحة، وهي في حديث البخاري المتقدم، قال: «ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أن توفي» يعني بعد بدء الوحي بقليل، والثانية عن عروة بن الزبير، قال في خبر تعذيب «بلال»: «كانوا يعذبونه برمضاء مكة، يلصقون ظهره بالرمضاء لكي يشرك، فيقول: أحد، أحد! فيمر به ورقة، وهو على تلك الحال، فيقول: «أحد، أحد، يا بلال» وهذا يعني أنه أدرك إسلام بلال. وعالج ابن حجر (في الإصابة) التوفيق بين الروايتين، فلم يأت بشيء. وفي حديث، عن أسماء بنت أبي بكر، أن النبي ﵌ سئل عن ورقة فقال، يبعث يوم القيامة أمة وحده! [(٣)] في (هـ): «وما جاء في حديثهما» . [(٤)] الزياد م من (م) . [(٥)] الزيادة من (م) . [(٦)] (بلدح): واد قبل مكة من جهة المغرب» معجم البلدان (٢: ٢٦٤) .
[ ٢ / ١٢١ ]
أَنْ يَنْزِلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ، ﵌، الْوَحْيُ. فَقُدِّمَتْ إِلَيْهِ سُفْرَةٌ فَأَبَى زَيْدٌ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا. وَقَالَ زَيْدٌ: إِنَّا لَا نَأْكُلُ مِمَّا تَذْبَحُونَ عَلَى أَنْصَابِكُمْ. وَلَا نَأْكُلُ إِلَّا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّ زَيْدَ بْنَ عَمْرٍو كَانَ يَعِيبُ عَلَى قُرَيْشٍ ذَبَائِحَهُمْ، وَيَقُولُ: الشَّاةُ خَلَقَهَا اللهُ تَعَالَى [(٧)]، وَأَنْزَلَ لَهَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً، وَأَنْبَتَ لَهَا مِنَ الْأَرْضِ، ثُمَّ تَذْبَحُونَهَا عَلَى غَيْرِ اسْمِ اللهِ تَعَالَى [(٨)]؟ إِنْكَارًا لِذَلِكَ وَإِعْظَامًا لَهُ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ [(٩)]، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ سُلَيْمَانَ.
قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَقَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ [قَالَ] [(١٠)] حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ. فَذَكَرَ الْحَدِيثَ الَّذِي أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو أَحْمَدَ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُصْعَبٍ: أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ عَبْدِ اللهِ- وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا عَنْ أَبِيهِ:
أَنَّ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ يَسْأَلُ عَنِ الدِّينِ ويَتَّبِعُهُ فَلَقِيَ عَالِمَ [(١١)] الْيَهُودِ، فَسَأَلَهُ عَنْ دِينِهِ، فَقَالَ: إِنِّي لَعَلِّي أَنْ أَدِينَ بِدِينِكُمْ،
_________________
(١) [(٧)] ليست في (م) . [(٨)] ليست في (م) . [(٩)] أخرجه البخاري في: ٦٣- كتاب مناقب الأنصار، (٢٤) باب حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بن نفيل، فتح الباري (٧: ١٤٢)، وفي: ٧٢- كتاب الذبائح والصيد، (١٦) باب ما ذبح على النّصب، فتح الباري (٩: ٦٣٠) . [(١٠)] الزيادة من (م) . [(١١)] في البخاري: «عالما من اليهود» .
[ ٢ / ١٢٢ ]
فَأَخْبِرُونِي [(١٢)] عَنْ دِينِكُمْ، وَقَالَ [(١٣)] لَهُ الْيَهُودِيُّ: إِنَّكَ لَنْ تَكُونَ عَلَى دِينِنَا حَتَّى تَأْخُذَ بِنَصِيبِكَ مِنْ غَضِبِ اللهِ، تَعَالَى [(١٤)] .
قَالَ: مَا أَفِرُّ إِلَّا مِنْ غَضَبِ اللهِ، وَمَا أَحْمِلُ مِنْ غَضَبِ اللهِ شَيْئًا أَبَدًا، وَلَا أَسْتَطِيعُ [(١٥)] فَهَلْ تَدُلُّنِي عَلَى دِينٍ لَيْسَ فِيهِ هَذَا؟ قَالَ: مَا أَعْلَمُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ حَنِيفًا [(١٦)] . قَالَ: وَمَا الْحَنِيفُ؟ قَالَ: دِينُ إِبْرَاهِيمَ ﵇ [(١٧)]، لَمْ يَكُنْ يَهُوَدِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا، وَكَانَ لَا يَعْبُدُ إِلَّا اللهَ، فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِمْ فَسَأَلَ عَنْ عَالِمِ النَّصَارَى، فَقَالَ: لَعَلِّي أَنْ أَدِينَ بِدِينِكُمْ، فَأَخْبِرُونِي عَنْ دِينِكُمْ. قَالَ: إِنَّكَ لَنْ تَكُونَ عَلَى دِينِنَا حَتَّى تَأْخُذَ بِنَصِيبِكَ مِنْ لَعْنَةِ، اللهِ فَقَالَ: لَا أَحْمِلُ مِنْ لَعْنَةِ اللهِ شَيْئًا أَبَدًا. وَأَنَا أَسْتَطِيعُ [(١٨)]، فَهَلْ تَدُلُّنِي عَلَى دِينٍ لَيْسَ فِيهِ هَذَا؟ قَالَ: مَا أَعْلَمُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ حَنِيفًا. قَالَ: وَمَا الْحَنِيفُ؟ قَالَ: دِينُ إِبْرَاهِيمَ، لَمْ يَكُنْ يَهُوَدِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا، وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا. فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِمْ وَقَدْ رَضِيَ بِمَا أَخْبَرُوهُ، وَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ مِنْ شَأْنِ إِبْرَاهِيمَ. فَلَمَّا بَرَزَ رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَى اللهِ، تَعَالَى [(١٩)]، وَقَالَ: إِنِّي أُشْهِدُكَ أَنِّي عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ [(٢٠)] .
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ: مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ فُورَكٍ [﵀] [(٢١)]، قَالَ:
أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ فَارِسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ حبيب،
_________________
(١) [(١٢)] في البخاري: «فأخبرني» . [(١٣)] في (م): «فقال» . [(١٤)] ليست في (م) . [(١٥)] في (م): «وأنا أستطيع»، وفي (هـ): «وإني أستطيع» . [(١٦)] في (هـ): «إلا أن يكون حنيفيا» . [(١٧)] ليست في (م) . [(١٨)] في (هـ): «وإني أستطيع» . [(١٩)] ليست في (م) . [(٢٠)] أخرجه البخاري في الموضع السابق. [(٢١)] الزيادة من (م) .
[ ٢ / ١٢٣ ]
قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمَسْعُودِيُّ، عَنْ نُفَيْلِ بْنِ هِشَامِ بْنِ [(٢٢)] سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ الْعَدَوِيِّ- عَدِيِّ قُرَيْشٍ- عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ:
أَنَّ زَيْدَ بن عمرو بن نفيل، وَوَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلٍ، خَرَجَا يَلْتَمِسَانِ الدِّينَ، حَتَّى انْتَهَيَا إِلَى رَاهِبٍ بِالْمَوْصِلِ، فَقَالَ لِزَيْدِ بْنِ عَمْرٍو، مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ يَا صَاحِبَ الْبَعِيرِ؟ قَالَ: مِنْ بَيْتِ [(٢٣)] إِبْرَاهِيمَ [﵇] [(٢٤)] قَالَ: وَمَا تَلْتَمِسُ؟
قَالَ: أَلْتَمِسُ الدِّينَ، قَالَ: ارْجِعْ فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَظْهَرَ الَّذِي تَطْلُبُ فِي أَرْضِكَ.
فَأَمَّا وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ فَتَنَصَّرَ، وَأَمَّا زَيْدٌ فَعُرِضَ عَلَى النَّصْرَانِيَّةِ فَلَمْ تُوَافِقْهُ فَرَجَعَ وهو يقول:
لَبَّيْكَ حَقًّا حَقًّا تَعَبُّدًا وَرِقًّا
الْبِرُّ أَبْغِي لَا الْخَالُ وَهَلْ مُهَجِّرٌ كَمَنْ قَالَ
آمَنْتُ بِمَا آمَنَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ وَهُوَ يَقُولُ:
أَنْفِي لَكَ عَانٍ رَاغِمُ مَهْمَا تُجَشِّمْنِي فَإِنِّي جَاشِمُ
ثُمَّ يَخِرُّ فَيَسْجُدُ
قَالَ: وَجَاءَ ابْنُهُ إِلَى النَّبِيِّ، ﵌، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبِي كَانَ كَمَا رَأَيْتَ وَكَمَا بَلَغَكَ فَاسْتَغْفِرْ لَهُ. قَالَ: نَعَمْ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أُمَّةً وَحْدَهُ [(٢٥)] .
* أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَفَّانَ الْعَامِرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا
_________________
(١) [(٢٢)] في (ح): «عن سعيد» . [(٢٣)] في (هـ): «ثنية إبراهيم» . [(٢٤)] الزيادة من (م) . [(٢٥)] أخرجه الحاكم في «المستدرك» (٣: ٤٣٩) .
[ ٢ / ١٢٤ ]
أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو. عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، ويَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ. [عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ] [(٢٦)]، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ، ﵌، وَهُوَ مُرْدِفِي إِلَى نُصُبٍ مِنَ الْأَنْصَابِ فَذَبَحْنَا لَهُ شَاةً وَوَضَعْنَاهَا فِي التَّنُّورِ، حَتَّى إِذَا نَضِجَتِ اسْتَخْرَجْنَاهَا فَجَعَلْنَاهَا فِي سُفْرَتِنَا، ثُمَّ أَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ، ﵌، يَسِيرُ وَهُوَ مُرْدِفِي فِي أَيَّامِ الْحَرِّ مِنْ مَكَّةَ، حَتَّى إِذَا كُنَّا عَلَى [(٢٧)] الْوَادِي لَقِيَ فِيهِ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، فَحَيَّا أَحَدُهُمَا الْآخَرَ بِتَحِيَّةِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ، ﵌، مَالِي أَرَى قَوْمَكَ قَدْ شَنَفُوكَ [(٢٨)]؟ قَالَ:
أَمَا وَاللهِ إِنَّ ذَلِكَ مِنِّي لِغَيْرِ ثَائِرَةٍ [(٢٩)] كَانَتْ مِنِّي إِلَيْهِمْ، وَلَكِنِّي أَرَاهُمْ عَلَى ضَلَالَةٍ، فَخَرَجْتُ أَبْتَغِي هَذَا الدِّينَ حَتَّى قَدِمْتُ عَلَى أَحْبَارِ يَثْرِبَ فَوَجَدْتُهُمْ يَعْبُدُونَ اللهَ وَيُشْرِكُونَ بِهِ. فَقُلْتُ: مَا هَذَا بِالدِّينِ الَّذِي أَبْتَغِي. فَخَرَجْتُ حَتَّى قَدِمْتُ [(٣٠)] عَلَى أَحْبَارِ أَيْلَةَ فَوَجَدْتُهُمْ يَعْبُدُونَ اللهَ وَيُشْرِكُونَ بِهِ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا بِالدِّينِ الَّذِي أَبْتَغِي. فَقَالَ لِي حَبْرٌ مِنْ أَحْبَارِ أَهْلِ الشَّامِ: إِنَّكَ تَسْأَلُ عَنْ دِينٍ مَا نَعْلَمُ أَحَدًا يَعْبُدُ اللهَ بِهِ [(٣١)] إِلَّا شَيْخًا بِالْجَزِيرَةِ. فَخَرَجْتُ حَتَّى قَدِمْتُ عَلَيْهِ فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي خَرَجْتُ لَهُ، فَقَالَ: إِنَّ كُلَّ مَنْ رَأَيْتَ فِي ضَلَالَةٍ، إِنَّكَ تَسْأَلُ عَنْ دِينٍ هُوَ دِينُ اللهِ وَدِينُ مَلَائِكَتِهِ، وَقَدْ خَرَجَ فِي أَرْضِكَ نَبِيٌّ أَوْ هُوَ خَارِجٌ، يَدْعُو إِلَيْهِ، ارْجِعْ إِلَيْهِ وَصَدِّقْهُ وَاتَّبِعْهُ وَآمِنْ بِمَا جَاءَ بِهِ. فَرَجَعْتُ فَلَمْ أَخْتَبِرْ شَيْئًا بَعْدُ.
وَأَنَاخَ [(٣٢)] رَسُولُ اللهِ، ﵌، الْبَعِيرَ الَّذِي كَانَ تَحْتَهُ، ثُمَّ قَدَّمْنَا إِلَيْهِ السفرة التي
_________________
(١) [(٢٦)] في (ح) و(هـ): «عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ بن حارثة» . [(٢٧)] في (م): «بأعلى» . [(٢٨)] (شنفوك): أي أبغضوك، (ولغير ثائرة): أي لم أصنع لهم شرا. [(٢٩)] في (هـ): «نائرة» . [(٣٠)] في (م): «أقدم» . [(٣١)] في (م): «بغيره» . [(٣٢)] في (م): «فأناخ» .
[ ٢ / ١٢٥ ]
كَانَ فِيهَا [(٣٣)] الشِّوَاءُ، فَقَالَ: مَا هَذِهِ؟ فَقُلْنَا: هَذِهِ شَاةٌ ذَبَحْنَاهَا لِنُصُبِ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ: إِنِّي لَا آكُلُ مَا ذُبِحَ لِغَيْرِ اللهِ [(٣٤)] .
قَالَ: وَمَاتَ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ، ﵌: يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أُمَّةً وَحْدَهُ.
* وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ: [عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِئُ قَالَ أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ] [(٣٥)]، قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الْقَاضِي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو [(٣٦)] بْنُ عَلِيٍّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَيَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ- يَعْنِي ابْنَ حَاطِبٍ- عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ: زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ، ﵌، حَتَّى إِذَا كَانَ بِأَعْلَى الْوَادِي لَقِيَهُ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ، ﵌: يَا عَمِّ، مَالِي أَرَى قَوْمَكَ قَدْ شَنِفُوا لَكَ؟
فَقَالَ [(٣٧)]: أَمَا وَاللهِ إِنَّ ذَلِكَ بِغَيْرِ نَائِرَةٍ كَانَتْ مِنِّي إِلَيْهِمْ [(٣٨)]، وَلَكِنِّي أَرَاهُمْ عَلَى ضَلَالَةٍ، فَخَرَجْتُ أَبْتَغِي هَذَا الدِّينَ حَتَّى أَتَيْتُ عَلَى شَيْخٍ بِالْجَزِيرَةِ فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي خَرَجْتُ لَهُ، فَقَالَ: مِمَّنْ أَنْتَ؟ قُلْتُ: مِنْ أَهْلِ بَيْتِ اللهِ، مِنْ أَهْلِ الشَّوْكِ وَالْقَرَظَةِ [(٣٩)] . قَالَ: فَإِنَّهُ قَدْ خَرَجَ فِي بَلَدِكَ نَبِيٌّ، أَوْ هُوَ خَارِجٌ، قَدْ طَلَعَ نَجْمُهُ، فَارْجِعْ فَصَدِّقْهُ وَآمِنْ به.
_________________
(١) [(٣٣)] ليست في (م) . [(٣٤)] الخصائص الكبرى (١: ٦١)، عن أبي يعلى، والبغوي، في معجمه، والطبراني، والحاكم، والبيهقي، وأبي نعيم. [(٣٥)] في (ح): عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إسحق. [(٣٦)] في (هـ) و(م): «عمر» . [(٣٧)] في (م): «قال» . [(٣٨)] في (هـ): «فيهم»، وفي (م): «منهم» . [(٣٩)] في (م) و(هـ): «القرظ» .
[ ٢ / ١٢٦ ]
قَالَ: وَمَاتَ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ، ﵌، إِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أُمَّةً وَحْدَهُ [(٤٠)] .
* أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ:
وَكَانَتْ خَدِيجَةُ [(٤١)] بِنْتُ خُوَيْلِدٍ قَدْ ذَكَرَتْ لِوَرَقَةَ بْنِ نوفل بن أسد- وَكَانَ ابْنُ عَمِّهَا، وَكَانَ نَصْرَانِيًّا، قَدْ تَبِعَ الْكُتُبَ، وَعَلِمَ مِنْ عِلْمِ النَّاسِ- مَا ذَكَرَ لَهَا غُلَامُهَا مَيْسَرَةُ مِنْ قَوْلِ الرَّاهِبِ، وَمَا كَانَ رَأَى مِنْهُ إِذْ كَانَ الْمَلَكَانِ يُظِلَّانِهِ. فَقَالَ وَرَقَةُ: لَئِنْ كَانَ هَذَا حَقًّا يَا خَدِيجَةَ إِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ لَنَبِيَّ هَذِهِ الْأُمَّةِ. قَدْ عَرَفْتُ أَنَّهُ كَائِنٌ [(٤٢)] لِهَذِهِ الْأُمَّةِ نَبِيٌّ يُنْتَظَرُ، هَذَا زَمَانُهُ. أَوْ كَمَا قَالَ: فَجَعَلَ وَرَقَةُ يَسْتَبْطِئُ الْأَمْرَ وَيَقُولُ: حَتَّى مَتَى؟ فَكَانَ فِيمَا يَذْكُرُونَ يَقُولُ أَشْعَارًا يَسْتَبْطِئُ فِيهَا خَبَرَ خَدِيجَةَ وَيَسْتَرْيِثُ [(٤٣)] مَا ذَكَرَتْ خَدِيجَةُ [(٤٤)] فَقَالَ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ:
أَتُبْكِرُ أَمْ أَنْتَ الْعَشِيَّةَ رَائِحُ وَفِي الصَّدْرِ مِنْ إِضْمَارِكَ الْحُزْنُ فَادِحُ
لِفُرْقَةِ قَوْمٍ لَا أُحِبُّ فِرَاقَهُمْ كَأَنَّكَ عَنْهُمْ بَعْدَ يَوْمَيْنِ نَازِحُ
وَأَخْبَارُ صِدْقٍ خُبِّرْتُ عَنْ مُحَمَّدٍ يُخَبِّرْهُمَا عَنْهُ إِذَا غَابَ نَاصِحُ
بِفَتَاكِ [(٤٥)] الَّذِي وَجَّهْتِ يَا خَيْرَ حُرَّةٍ بِغَورٍ وَبِالنَّجْدَيْنِ حَيْثُ الصّحاصح
_________________
(١) [(٤٠)] في (م): «قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌ لزيد: يأتي يوم القيامة »، وكذا في (هـ) . والحديث أخرجه الحاكم (٣: ٤٤٠) وصححه. [(٤١)] في (م): «وقد كانت خديجة» . [(٤٢)] في (م): «كان» . [(٤٣)] في (هـ): «يستريب» وهو تصحيف. [(٤٤)] ليست في (م) . [(٤٥)] في (م): «فقال الذي» .
[ ٢ / ١٢٧ ]
إِلَى سُوقِ بُصْرَى وَالرِّكَابِ الَّتِي غَدَتْ وَهُنَّ مِنَ الْأَحْمَالِ قُعْصٌ دَوَالِحُ [(٤٦)]
يُخْبِرُنَا عَنْ كُلِّ حَبْرٍ [(٤٧)] بِعِلْمِهِ وَلِلِحَقِ أَبْوَابٌ لَهُنَّ مَفَاتِحُ
كَأَنَّ ابْنَ عَبْدِ اللهِ أَحْمَدَ مُرْسَلٌ إِلَى كُلِّ مَنْ ضُمَّتْ عَلَيْهِ الْأَبَاطِحُ
وَظَنِي بِهِ أَنْ سَوْفَ يُبْعَثَ صَادِقًا كَمَا أُرْسِلَ الْعَبْدَانِ: هُودٌ وَصَالِحُ
وَمُوسَى وَإِبْرَاهِيمُ حَتَّى يُرَى لَهُ بِهَا، وَمَنْشُورٌ مِنَ الذِّكْرِ وَاضِحُ
وَيَتْبَعُهُ حَيًّا لُؤَيٌّ جَمَاعَةٌ شَبَابُهُمْ وَالْأَشْيَبُونَ الْجَحَاجِحُ
فَإِنْ أَبْقَ حَتَّى يُدْرِكَ النَّاسَ دَهْرُهُ فَإِنِّي بِهِ مُسْتَبْشِرُ الْوُدِّ فَارِحُ
وَإِلَّا فَإِنِّي يَا خَدِيجَةَ فَاعْلَمِي عَنْ أَرْضِكِ فِي الْأَرْضِ العريضة [(٤٨)] سائح [(٤٩)]
_________________
(١) [(٤٦)] في (م): «ذوابح» . [(٤٧)] في (م): «كل خير» . [(٤٨)] في (ح): «الغويصة» . [(٤٩)] الأبيات في الروض الأنف (١: ١٢٧)، ونقل بعضها ابن كثير عن المصنف في البداية والنهاية (٣: ١٠)، وجاء في نسخة (هـ) بعدها ما يلي: «تم الجزء الأول ويليه الجزء الثاني وأوله جماع أبواب المبعث روايته بشرطة المعتبر عند أهل الأثر مسئولا في ذلك متلفظا به، وصح ذلك وثبت في الرابع من ذي القعدة الحرام سنة ست وخمسين وثمانمائة أحسن الله عاقبتها. صحح ذلك. وكتب: علي بن محمد الهيثمي ثم الطّبناوي.
[ ٢ / ١٢٨ ]
جُمَّاعُ أَبْوَابِ الْمَبْعَثِ
بَابُ الْوَقْتُ الَّذِي كُتِبَ فِيهِ محمد ﵌ نَبِيًّا
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ: أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، وأَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ الْفَضْلِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن إسحق الصَّغَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هَانِئٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا بُدَيْلُ بْنُ مَيْسَرَةَ.
(ح) وحَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ إِمْلَاءً، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ الْفَقِيهُ، وَأَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ الْعَنَزِيُّ [(١)] قَالَا: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سنان العوقي، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ عَنْ بُدَيْلِ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ مَيْسَرَةَ الْفَجْرِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَتَى كُنْتَ نَبِيًّا؟ قَالَ: وَآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ» [(٢)] .
_________________
(١) [(١)] في (ح): «العنبري»، وكذا في (ص) . [(٢)] عن طريق ميسرة الفجر وهو صحابي من الأعراب ورد اسمه في تجريد أسماء الصحابة للذهبي، أخرجه الإمام أحمد في «مسنده» (٥: ٥٩)، ومن حديث بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﵌ أخرجه الإمام أحمد في «مسنده» وبإسناده عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شقيق عن رجل.. في (٤: ٦٦)، و(٥: ٣٧٩) . ومن حديث أبي هريرة، أخرجه الترمذي في: ٥٠- كتاب المناقب، (١) باب في فضل النبي ﵌، ح (٣٦٠١)، ص (٥: ٥٨٥)، بلفظ: «مَتَى وَجَبَتِ لَكَ النُّبُوَّةُ؟»، وقال أبو عيسى: «هذا حديث حسن صحيح غريب مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وفي الباب عن ميسرة الفجر.
[ ٢ / ١٢٩ ]
* وَفِي رِوَايَةِ مُعَاذٍ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُول اللهِ، ﵌: «مَتَى كُتِبْتَ نَبِيًّا؟
قَالَ: «كُتِبْتُ وَآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ» .
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْأَبَّارُ قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عُثْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ حَدَّثَنِي الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﵌ مَتَى وَجَبَتِ لَكَ النُّبُوَّةُ؟ قَالَ: بَيْنَ خَلْقِ آدَمَ وَنَفَخِ الرُّوحِ فِيهِ» [(٣)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ بْنِ هَانِئٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَهْلٍ بِشْرُ بْنُ سَهْلٍ اللَّبَّادُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ صَالِحٍ الْمِصْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ هِلَالٍ، عَنْ عِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ، صَاحِبِ رَسُولِ اللهِ ﵌، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ، ﵌، يَقُولُ: إِنِّي عَبْدُ اللهِ وَخَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَأَبِي مُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِهِ وَسَأُخْبِرُكُمْ عَنْ ذَلِكَ، دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ وَبِشَارَةُ عِيسَى وَرُؤْيَا أُمِّي الَّتِي رَأَتْ وَكَذَلِكَ أمهات [النبيين] [(٤)] يرين، وإن أم رسول الله ﵌ رَأَتْ حِينَ وَضَعَتْهُ نُورًا أَضَاءَتْ لَهُ قُصُورُ الشَّامِ ثُمَّ تَلَا يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَداعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجًا مُنِيرًا [(٥)] .
_________________
(١) [(٣)] أشرنا إليه بالحاشية السابقة. [(٤)] هكذا في كل النسخ، وفي (م): «المؤمنين»، وفي هامشها: «النبيين» . [(٥)] الآية الكريمة (٤٦) من سورة الأحزاب، والحديث أخرجه الإمام أحمد في «مسنده» (٤: ١٢٧، ١٢٨) . والحاكم في «المستدرك» (٢: ٦٠٠)، وقال: «هذا حديث صحيح الإسناد»، وأقره الذهبي، وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٨: ٢٢٣)، وقال: «رواه أحمد والطبراني، والبزار، وأحد أسانيد أحمد رجاله رجال الصحيح، غير سعيد بن سويد، وقد وثقه ابن حبان. وقد تقدم الحديث في الجزء الأول في بَابُ ذِكْرِ مَوْلِدِ الْمُصْطَفَى ﵌.
[ ٢ / ١٣٠ ]
بَابُ سِنِّ رَسُولِ اللهِ ﵌ حِينَ بُعِثَ نَبِيًّا
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ سَلْمَانَ الْفَقِيهُ بِبَغْدَادَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُكْرَمٍ، الْبَزَّازُ، قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «بُعِثَ رَسُولُ اللهِ، ﵌، لِأَرْبَعِينَ سَنَةً فَمَكَثَ بِمَكَّةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ يُوحَى إِلَيْهِ ثُمَّ أُمِرَ بِالْهِجْرَةِ فَهَاجَرَ عَشْرَ سِنِينَ وَمَاتَ نبي الله ﵌ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ [سَنَةً] [(٦)] رَوَاهُ الْبُخَارِي فِي الصَّحِيحِ [(٧)] عَنْ مَطَرِ بْنِ الْفَضْلِ، عَنْ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ بِبَغْدَادَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ النَّحْوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ عِمْرَانَ بْنِ عَبْدِ العزيز ابن عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ مُوسَى عَنْ أَبِي الْحُوَيْرِثِ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ يَقُولُ لِقُبَاثِ بْنِ أشيم الكناني ثم الليثي: «يَا قُبَاثُ أَنْتَ أَكْبَرُ أَمْ رَسُولُ اللهِ ﵌ فَقَالَ: رَسُولُ اللهِ ﵌ أَكْبَرُ مِنِّي وَأَنَا أَسَنُّ مِنْهُ، وُلِدَ رَسُولُ اللهِ ﵌، عَامَ الْفِيلِ، وَوَقَفَتْ بِي أُمِّي عَلَى رَوْثِ الْفِيلِ مُحِيلًا أَعْقِلُهُ وَتَنَبَّأَ رسول الله ﵌، عَلَى رَأْسِ أَرْبَعِينَ من الفيل» [(٨)] .
_________________
(١) [(٦)] الزيادة من (هـ) . [(٧)] الحديث أخرجه البخاري في: ٦٣- مناقب الأنصار، (٤٥) باب هِجْرَةِ النَّبِيِّ ﵌، ح (٣٩٠٢)، فتح الباري (٧: ٢٢٧) . [(٨)] الخبر تقدم في الجزء الأول، بَابُ ذِكْرِ مَوْلِدِ الْمُصْطَفَى ﵌، حاشية رقم (٤٤) .
[ ٢ / ١٣١ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ: عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ بِشْرَانَ الْعَدْلُ، بِبَغْدَادَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ السَّمَّاكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَنْبَلُ بن إسحق بْنِ حَنْبَلٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللهِ: أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، هُوَ الْقَطَّانُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، هُوَ الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: «أُنْزِلَ عَلَى النَّبِيِّ ﵌ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ فَمَكَثَ بِمَكَّةَ عَشْرًا وَبِالْمَدِينَةِ عَشْرًا وَمَاتَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ» .
قُلْتُ: وَإِنَّمَا أَرَادَ وَاللهُ أَعْلَمُ مَا قَالَهُ [(٩)] عَامِرٌ الشَّعْبِيُّ مُفَسَّرًا [(١٠)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ السَّمَّاكِ، قَالَ:
حَدَّثَنَا حَنْبَلُ بْنُ إسحق، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيِّ عَنْ دَاوُدَ عَنْ عَامِرٍ، قَالَ «نَزَلَتْ عَلَيْهِ النُّبُوَّةُ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعِينَ سَنَةً فَقُرِنَ بِنُبُوَّتِهِ إِسْرَافِيلَ ثَلَاثَ سِنِينَ فَكَانَ يُعَلِّمُهُ الْكَلِمَةَ وَالشَّيْءَ وَلَمْ يَنْزِلِ الْقُرْآنُ فَلَمَّا مَضَتْ ثَلَاثُ سِنِينَ قُرِنَ بِنُبُوَّتِهِ جِبْرِيلُ ﵇ فَنَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى لِسَانِهِ عِشْرِينَ:
عَشْرًا بِمَكَّةَ، وَعَشْرًا بِالْمَدِينَةِ، فَمَاتَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ [﵌] [(١١)] .
_________________
(١) [(٩)] في (هـ) و(ح): «ما قال» . [(١٠)] هذه الرواية شاذة، قال الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم (١٥: ٩٩): «الصواب أَنَّهُ ﵌ بعث على رأس الأربعين سنة، هذا هو المشهور الذي أطبق عليه العلماء. وقال السهيلي في الروض الأنف (١: ١٦١): «إنه الصحيح عند أهل السير، والعلم بالأثر» . وقال شيخ الإسلام البلقيني: «كان سِنِّ رَسُولِ اللهِ ﵌ حين جاءه جبريل في غار حراء أربعين سنة على المشهور» . قال ابن قيم الجوزية في زاد المعاد: «بعث الله تعالى على رأس الأربعين وهي سن الكمال» . [(١١)] ليست في (ح) ولا في (م)، والخبر في البداية والنهاية (٣: ٤) عن طبقات ابن سعد (١: ١٩١)، وذكره السيوطي في الخصائص الكبرى (١: ٢٢١) . وقال ابن سعد بعد أن أورد الخبر: فذكرت هذا الحديث لمحمد بن عمر- يريد الواقدي- فقال: ليس يعرف أهل العلم ببلدتنا أن إسرافيل قرن بِالنَّبِيِّ ﵌ لم يقرن به غير جبريل.
[ ٢ / ١٣٢ ]
بَابُ الشَّهْرِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ فِيهِ وَالْيَوْمِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ فِيهِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ:
وَالْحَجَّاجُ، قَالَا: حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا غَيْلَانُ بْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَعْبَدِ الزِّمَّانِيِّ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﵌: «قِيلَ لَهُ يَا رَسُولَ اللهِ، صَوْمُ يَوْمِ الْإِثْنَيْنِ. قَالَ: فِيهِ وُلِدْتُ وَفِيهِ أُنْزِلَ عَلَيَّ الْقُرْآنُ» [(١٢)] .
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ مَهْدِيِّ بْنِ مَيْمُونٍ.
أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: [فَابْتُدِئَ] [(١٣)] رَسُولُ اللهِ ﵌ بِالْتَنْزِيلِ فِي رَمَضَانَ يَقُولُ اللهُ ﷿ شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ [(١٤)] وَقَالَ: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [(١٥)] وَقَالَ حم وَالْكِتابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ [(١٦)] وَقَالَ:
إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ [(١٧)] وذلك ملتقى [ملقى] رسول الله ﵌ وَالْمُشْرِكِينَ بِبَدْرٍ. [(١٨)] .
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ: «أَنَّ رَسُولَ
_________________
(١) [(١٢)] صحيح مسلم (٢: ٨١٩)، مسند أحمد (٥: ٢٩٧، ٢٩٩)، السنن الكبرى (٤: ٢٩٣) . [(١٣)] كذا في سيرة هشام، وفي (ح)، أو في (م) و(هـ): «وابتدئ» . [(١٤)] الآية الكريمة (١٨٥) من سورة البقرة. [(١٥)] الآية الكريمة (١) من سورة القدر. [(١٦)] أول سورة الدخان. [(١٧)] الآية الكريمة (٤١) من سورة الأنفال. [(١٨)] سيرة ابن هشام (١: ٢٥٨) .
[ ٢ / ١٣٣ ]
الله ﵌ الْتَقَى هُوَ وَالْمُشْرِكُونَ يَوْمَ بَدْرٍ صَبِيحَةَ الْجُمُعَةِ لِسَبْعَ عَشْرَةَ مِنْ رَمَضَانَ» [(١٩)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ فُورَكٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ بِشْرِ بْنِ حَزْنٍ النَّصْرِيِّ، قَالَ: افْتَخَرَ أَصْحَابُ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﵌ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ [(٢٠)] ﵌، بُعِثَ دَاوُدُ وَهُوَ رَاعِي غَنَمٍ، وَبُعِثَ مُوسَى وَهُوَ رَاعِي غَنَمٍ، وَبُعِثْتُ أَنَا وَأَنَا أَرْعَى غَنَمًا لِأَهْلِي [(٢١)] [بِجِيَادٍ] [(٢٢)] . كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي دَاوُدَ [(٢٣)] وَهُوَ فِي تَارِيخِ الْبُخَارِيِّ عَنْ مَحْمُودٍ عَنْ أَبِي دَاوُدَ عَنْ شُعْبَةَ عَنِ أَبِي إِسْحَاقَ وَسَمِعْتُ عَبْدَ بْنَ حَزْنٍ النَّصْرِيَّ وَكَذَا قَالَ غُنْدَرٌ عَنْ شعبة، وقيل: نصر ابن حَزْنٍ، وَقِيلَ: عُبَيْدَةُ بْنُ حزن.
_________________
(١) [(١٩)] السيرة لابن هشام (١: ٢٥٩) . [(٢٠)] في (ح): «النبي» . [(٢١)] قال العلماء: «الحكمة في إلهام رعي الغنم قبل النبوة: أن يحصل لهم التمرّن برعيها على ما سيكلّفونه من القيام بأمر أمتهم، ولأن في مخالطتها يحصل لهم الحكم والشفقة لأنهم إذا صبروا على رعّيها وجمعها بعد تفرقها في المرعى، ونقلها من مسرح إلى مسرح، ودفع عدوها من سبع وغيره كالسارق، وعلموا اختلاف طباعها، وشدة تفرقها مع ضعفها واحتياجها إلى المعاهدة ألقوا من ذلك الصبر على الأمة، وعرفوا اختلاف طباعها، وتفاوت عقولها، فجبروا كسيرها، ورفقوا بضعيفها، وأحسنوا التعاهد لها، فيكون تحملهم لمشقة ذلك أسهل مما لو كلفوا القيام بذلك من أول وهلة» . [(٢٢)] (جياد): موضع بأسفل مكة من شعابها. [(٢٣)] أخرجه أبو داود الطيالسي، والبغوي، وابن مندة، وأبو نعيم، وابن عساكر، عن بشر بن حرب البصري مرسلا، والإمام أحمد في «مسنده» (٣: ٤٢، ٩٦)، وَعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ أَبِي سعيد الخدري.
[ ٢ / ١٣٤ ]
بَابُ مُبْتَدَأِ الْبَعْثِ وَالتَّنْزِيلِ وَمَا ظَهَرَ عِنْدَ ذَلِكَ مِنْ تَسْلِيمِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ وَتَصْدِيقِ وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ إِيَّاهُ
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُزَكِّي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: [(٢٤)] أَحْمَدُ، وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ- وَهَذَا لَفْظُ حَدِيثِ ابْنِ رَافِعٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: وَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: أَوَّلُ مَا بديء به رسول الله ﵌ مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ [(٢٥)] فِي النَّوْمِ فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ فَكَانَ يَأْتِي حِرَاءَ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ، وَهُوَ التَّعَبُّدُ اللَّيَالِي ذَوَاتَ الْعَدَدِ وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَتُزَوِّدُهُ لِمِثْلِهَا [(٢٦)] حَتَّى فَجَأَهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءَ فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فِيهِ فَقَالَ:
اقْرَأْ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌، فَقُلْتُ: - مَا أَنَا بِقَارِئٍ. قَالَ: فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدُ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ [(٢٧)] . فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدُ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ. فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدُ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فقال: اقْرَأْ
_________________
(١) [(٢٤)] في (هـ): «قال» . [(٢٥)] في صحيح البخاري: «الصادقة» . [(٢٦)] في (ح): «بمثلها» . [(٢٧)] في (م): «اقره» .
[ ٢ / ١٣٥ ]
بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ- حَتَّى بَلَغَ- مَا لَمْ يَعْلَمْ [(٢٨)] فَرَجَعَ بِهَا تَرْجُفُ بَوَادِرُهُ [(٢٩)] حَتَّى دَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ فَقَالَ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ [(٣٠)] فَقَالَ: يَا خَدِيجَةُ مَالِي، فَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ، وَقَالَ: قَدْ خَشِيتُ عَلَيَّ فَقَالَتْ لَهُ:
كَلَّا [(٣١)]، أَبْشِرْ فو الله لَا يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًا: إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَقْرِي الضعيف، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ.
ثُمَّ انْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى ابن قُصَيِّ وَهُوَ ابْنُ عَمِّ خَدِيجَةَ ابْنِ أَخِي أَبِيهَا وكان امرءا تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعَرَبِيَّ [(٣٢)]، يَكْتُبُ بِالْعَرَبِيَّةِ مِنَ الْإِنْجِيلِ مَا شَاءَ اللهُ [﷿] [(٣٣)] أَنْ يَكْتُبَ. وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: أَيِ ابْنَ
_________________
(١) [(٢٨)] أول سورة العلق، وهذا القدر الذي ذكر من سورة العلق هو الذي نزل أولا، بخلاف بقية السورة، فإنما نزل بعد ذلك بزمان. وقد اشتملت هذه الآيات على مقاصد القرآن، ففيها براعة الاستهلال، وهي جديرة أن تسمى عنوان القرآن، لأن عنوان القرآن يجمع مقاصده بعبارة وجيزة في أوله، وانحصر فيها: علم التوحيد، والأحكام، والأخبار، واشتملت على الأمر بالقراءة، والبداءة فيها باسم الله، وفي هذا إشارة إلى الأحكام، وفيها ما يتعلق بتوحيد الرب واثبات ذاته وصفاته من صفات ذات، وصفات فعل، وفي هذا إشارة إلى أصول الدين، وفيها ما يتعلق بالأخبار من قوله: «عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يعلم» . [(٢٩)] (ترجف بوادره): ترجف: تخفق وتضطرب، والبوادر: جمع بادرة، وهي ما بين المنكب والعنق يعني أنه لا يختص بعضو واحد، وهو جيد فيكون إسناد الرجفان إلى القلب لكونه محلّه، وإلى البوادر لأنها مظهره. [(٣٠)] الرّوع: الفزع، والرّوع: موضع الفزع من القلب. [(٣١)] (كلا): هي كلمة نفي وإبعاد، وقد تأتي بمعنى حقا، وبمعنى الاستفتاح، وقال القزّاز: هي بمعنى الرد لما خشي على نفسه، أي لا خشية عليك. [(٣٢)] وفي رواية: «فكان يكتب الكتاب العبراني»، والجميع صحيح، لأن ورقة تعلم اللسان العبراني، فكان يكتب الكتاب العربي، كما كان يكتب الكتاب العبراني. [(٣٣)] الزيادة من (هـ) .
[ ٢ / ١٣٦ ]
عَمِّ! اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ. فَقَالَ وَرَقَةُ: ابْنُ أَخِي مَا تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﵌ مَا رَآهُ. فَقَالَ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ: هَذَا النَّامُوسُ [(٣٤)] الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى موسى.
باليتني فِيهَا جَذَعًا [(٣٥)] أَكُونُ حَيًّا حِينَ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: أو مخرجيّ هُمْ؟ قَالَ وَرَقَةُ: نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا. ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ [(٣٦)] وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللهِ ابن مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ [(٣٧)] .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْقَطِيعِيُّ [(٣٨)] قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ.
[﵂] [(٣٩)] أَنَّهَا قَالَتْ: «أوّل ما بديء به رسول الله ﵌ من الوحي
_________________
(١) [(٣٤)] (الناموس): صاحب السر كما جزم به البخاري في أحاديث الأنبياء، يقال: نمست السر: كتمته، ونمست الرجل، ونامسته: ساررته، والمراد به هنا جبريل﵇- لأن الله خصه بالغيب والوحي. [(٣٥)] في (هـ): «خذعا» تحريف، و(جذعا) قال النووي: (الجذع): الصغير من البهائم، كأنه تمنى أن يكون عند ظهور النبي ﵌ شابا ليكون أمكن لنصره. [(٣٦)] لم ينشب: أي لم يلبث. [(٣٧)] أخرجه البخاري في كتاب التعبير، صحيح البخاري (٩: ٣٧)، وفي التفسير عن سعيد بن مروان، وفي كتاب الإيمان عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وفي أول كتاب كتاب الوحي، الصحيح (١: ٣) عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ. وأخرجه مسلم في: ١- كتاب الإيمان، (٧٣) باب بدء الوحي إِلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ (١: ١٣٩)، كما أخرجه الترمذي، والنسائي في التفسير، والإمام أحمد في مسنده (٦: ٢٣٢- ٢٣٣) . وأخرجه ابن حبان في صحيحه في: ٢- كتاب الوحي، الحديث/ ٣٤، (١: ١١٥- ١١٧) من تحقيقنا. [(٣٨)] في (ح): «القطيفي» . [(٣٩)] ليست في (م) .
[ ٢ / ١٣٧ ]
الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ- فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَاهُ وَزَادَهُ فِي آخِرِهِ: وَفَتَرَ الْوَحْيُ فَتْرَةً حَتَّى حَزِنَ رَسُولُ اللهِ ﵌ فِيمَا بَلَغَنَا حُزْنًا غَدَا مِنْهُ مِرَارًا لِكَيْ يتردى من رؤوس شَوَاهِقِ الْجِبَالِ كُلَّمَا أَوْفَى بِذِرْوَةِ جَبَلٍ لِكَيْ يُلْقِي نَفْسَهُ تَبَدَّا لَهُ جِبْرِيلُ ﵇ فَقَالَ، يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ رَسُولُ اللهِ حَقًّا فَيَسْكُنُ لِذَلِكَ جَأْشُهُ وَتَقَرُّ نَفْسُهُ، وَيَرْجِعُ، فَإِذَا طَالَتْ عَلَيْهِ فَتْرَةُ الْوَحْيِ غَدَا مِثْلَ ذَلِكَ فَإِذَا أوفى بذورة جَبَلٍ تَبَدَّا لَهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ» [(٤٠)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ: قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُزَكِّي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يحيى ومحمد بْنُ رَافِعٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْيِ فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: «فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ [فَجُئِثْتُ] [(٤١)] مِنْهُ رُعْبًا فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي فَدَثَّرُونِي فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ [(٤٢)] قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الصَّلَاةُ- وهي الأوثان» [(٤٣)] .
_________________
(١) [(٤٠)] الزيادة أيضا أخرجها ابن حبان (١: ١١٧) . [(٤١)] في (ح): «فجئت» وهو تحريف. (وجئت): فزعت، وخفت. النهاية (١: ٢٣٩) . [(٤٢)] (١- ٥) أول سورة المدثر. [(٤٣)] أخرجه البخاري في: ٦٥- كتاب التفسير، (٤) باب وثيابك فطهّر، فتح الباري (٨: ٦٧٨)، عَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، ثم أخرجه بعده في (٥) باب والرجز واهجر، فتح الباري (٨: ٦٧٩) . وأخرجه مسلم في: ١- كتاب الإيمان، (٧٣) باب بدء الوحي إِلَى رَسُولِ اللهِ ﵌، ح (٢٥٣) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ، وحديث (٢٥٥) عن أبي الطاهر. صحيح مسلم (١: ١٤٣) . وأخرجه الترمذي في تفسير سورة المدثر، والإمام أحمد في «مسنده» (٣: ٣٢٥) .
[ ٢ / ١٣٨ ]
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللهِ ابن مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ، قَالَ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ شَرِيكٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ الْأَنْصَارِيَّ [(٤٤)] وَكَانَ يَسْكُنُ دِمَشْقَ أَخْبَرَهُ «أَنَّ الْمَلَكَ جَاءَ رَسُولَ اللهِ ﵌ فَقَالَ اقْرَأْ [قَالَ] [(٤٥)] فَقُلْتُ مَا أَنَا بِقَارِئٍ. فَعَادَ إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ. فَعَادَ إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ [لِي] [(٤٦)] اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ [(٤٧)] قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ النُّعْمَانِ: فَرَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﵌ بِذَلِكَ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَسَمِعْتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ، يَقُولُ: قَالَتْ، عَائِشَةُ زَوْجِ النَّبِيِّ ﵌: فَرَجَعَ إِلَى خَدِيجَةَ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ فَقَالَ زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي فَزُمِّلَ، فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْهُ قَالَ لِخَدِيجَةَ، لَقَدْ أَشْفَقْتُ عَلَى نَفْسِي قَالَتْ خَدِيجَةُ أَبْشِرْ فو الله لَا يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ، انْطَلِقْ بِنَا فَانْطَلَقَتْ خَدِيجَةُ إِلَى وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، وَكَانَ رَجُلًا قَدْ تَنَصَّرَ شَيْخًا أَعْمَى يَقْرَأُ الْإِنْجِيلَ بِالْعَرَبِيَّةِ، فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: أَيِ ابْنَ عَمٍّ [(٤٨)] اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ. فَقَالَ لَهُ
_________________
(١) [(٤٤)] مُحَمَّدُ بْنُ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ الْأَنْصَارِيَّ، أبو سعيد ذكره مسلم في الطبقة الأولى من أهل المدينة، وروى له الجماعة سوى أبي داود، وروى عنه الزّهري، وثقه العجلي، وذكره ابن حبان في الثقات. تهذيب التهذيب (٩: ٤٩٢) . [(٤٥)] الزيادة من (هـ) و(م) . [(٤٦)] الزيادة من (م)، و(هـ) . [(٤٧)] الآيتان الكريمتان أول سورة العلق. [(٤٨)] الثابت أن خديجة هي: بِنْتُ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بن قصي، وورقة هو: ابن نوفل بن أسد ابن عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ، فهو ابن أخي أبيها، وقد ورد في رواية ابن حبان «أي عم»، وهو خطأ، وقد جاء في البخاري ما يوافق رواية البيهقي أيضا.
[ ٢ / ١٣٩ ]
وَرَقَةُ: مَاذَا تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﵌ فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى عَلَى مُوسَى، يا ليتني أكون حِينَ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌ أَمُخْرِجِيَّ هُمْ؟ قَالَ: نَعَمْ لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا [(٤٩)] .
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ: [أَخْبَرَنِي] [(٥٠)] جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأَنْصَارِيُّ «أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﵌ يَقُولُ: ثُمَّ فَتَرَ الْوَحْيُ عَنِّي فَبَيْنَمَا أَنَا أَمْشِي سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ فَرَفَعْتُ بَصَرِي قِبَلَ السَّمَاءِ فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي كان [يجيبني] [(٥١)] قَاعِدٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ [فَجُئِثْتُ] [(٥٢)] مِنْهُ فَرَقًا حَتَّى هَوَيْتُ إِلَى الْأَرْضِ فَجِئْتُ إِلَى أَهْلِي فَقُلْتُ لَهُمْ زَمِّلُونِي فَزَمَّلُونِي فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ [(٥٣)] .
قَالَ أَبُو سَلَمَةَ [(٥٤)]: الرِّجز: الْأَوْثَانُ. قَالَ: ثُمَّ جَاءَ الْوَحْيُ بعد وتتابع» .
_________________
(١) [(٤٩)] رواية الزهري في دلائل النبوة لأبي نعيم (١٦٨) . [(٥٠)] ليست في (ص) . [(٥١)] في (ح): «يجيئني» . [(٥٢)] في (هـ): «فجئثت»، وفي (ح): «فجيثت» وقد سبق شرح معناها بالحاشية (٤١) من هذا الباب. [(٥٣)] الآيات الكريمات (١- ٥) من سورة المدثر. [(٥٤)] أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ القرشي الزهري، الحافظ، أحد الأعلام بالمدينة، قيل اسمه: «عبد الله»، وقيل: «إسماعيل» ولد سنة بضع وعشرين. كان ثقة، فقيها، كثير الحديث، وأمه تماضر بنت الأصبغ بن عمرو، من أهل دومة الجندل، أدركت حياة النبي ﵌، وهي أول كلبية نكحها قرشي. قال شعبة عن أبي إسحق: أبو سلمة في زمانه خير من ابن عمر في زمانه. وقال عنه مالك: كان عندنا من رجال أهل العلم توفي بالمدينة سنة أربع وتسعين في خلافة الوليد. لَهُ
[ ٢ / ١٤٠ ]
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ [(٥٥)] عَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ، وَزَادَ فِي أَوَّلِ حَدِيثِ عُرْوَةِ عَنْ عَائِشَةَ: مَا رُوِّينَاهُ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ. وَزَادَ فِي آخِرِهِ: ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ وَفَتَرَ الْوَحْيُ. ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ وَقَالَ فِي آخِرِهِ: ثُمَّ حَمِيَ الْوَحْيُ وَتَتَابَعَ.
وَرَوَاهُ [(٥٦)] مُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ [(٥٧)] .
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ بِبَغْدَادَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ ابْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَتَّابٍ الْعَبْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ. قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ عَمِّهِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ. قَالَ: ثُمَّ إِنَّ اللهَ ﷿ بَعَثَ مُحَمَّدًا ﵌ عَلَى رَأْسِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً مِنْ بُنْيَانِ الْكَعْبَةِ» [(٥٨)] .
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﵌ أنها
_________________
(١) [()] ترجمة في طبقات ابن سعد (٥: ١٥٥)، أخبار القضاة (١: ١١٦)، تذكرة الحفاظ، العبر (١: ١١٢)، البداية والنهاية (٩: ١١٦)، تهذيب التهذيب (١٢: ١١٥) . [(٥٥)] فتح الباري (٨: ٦٧٨) . [(٥٦)] في (م) و(هـ): «رواه» . [(٥٧)] صحيح مسلم في كتاب الإيمان (١: ١٤٤)، وأخرجه الترمذي في التفسير، والإمام أحمد في «مسنده» (٣: ٣٠٦) . [(٥٨)] كذا رواه أيضا عبد الرزاق، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مجاهد، وكذا أيضا رواه ابن عبد البرّ من طريق: محمد بن جبير، وبه جزم موسى بن عقبة في مغازيه. والذي جزم به ابن إسحاق أن بنيان قريش كان قبل المبعث بخمس سنين، سيرة ابن هشام (١: ٢٠٩)، وقال الحافظ ابن حجر: «وهو أشهر» .
[ ٢ / ١٤١ ]
قَالَتْ: «تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﵌ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ» [(٥٩)] .
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَحَدَّثَنِي مِثْلَ ذَلِكَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ.
«وَكَانَ فِيمَا بَلَغَنَا أَوَّلُ مَا رَأَى أَنَّ اللهَ﷿- أَرَاهُ رُؤْيَا فِي الْمَنَامِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَذَكَرَهَا رسول الله ﵌ لِامْرَأَتِهِ خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدِ فَعَصَمَهَا اللهُ﷿- مِنْ التَّكْذِيبِ، وَشَرَحَ صَدْرَهَا بِالتَّصْدِيقِ، فَقَالَتْ: أَبْشِرْ فَإِنَّ اللهَ ﷿ يَصْنَعَ بِكَ إِلَّا خَيْرًا، ثُمَّ إِنَّهُ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهَا فَأَخْبَرَهَا أَنَّهُ رَأَى بَطْنَهُ شُقَّ، ثُمَّ طُهِّرَ وَغُسِّلَ، ثُمَّ أُعِيدَ كَمَا كَانَ. قَالَتْ: هَذَا وَاللهِ خَيْرٌ فَأَبْشِرْ [(٦٠)]، ثُمَّ اسْتَعْلَنَ لَهُ جِبْرِيلُ ﵇ وَهُوَ بِأَعْلَى مَكَّةَ فَأَجْلَسَهُ عَلَى مَجْلِسٍ كَرِيمٍ مُعْجَبٍ كَانَ النَّبِيُّ ﵌ يَقُولُ: أَجْلَسَنِي عَلَى بِسَاطٍ كَهَيْئَةِ الدَّرْنُوكِ [(٦١)] فِيهِ الْيَاقُوتُ وَاللُّؤْلُؤُ فَبَشَّرَهُ بِرِسَالَةِ اللهِ ﷿ حَتَّى اطْمَأَنَّ النَّبِيُّ ﵌، فَقَالَ [لَهُ] [(٦٢)] جِبْرِيلُ ﵇ [(٦٣)]، اقْرَأْ. فَقَالَ كَيْفَ أَقْرَأُ. قَالَ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [(٦٤)]
وَيَزْعُمُ نَاسٌ أَنَّ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ [(٦٥)] أَوَّلُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ [(٦٦)] عَلَيْهِ وَاللهُ أَعْلَمُ. [(٦٧)] .
_________________
(١) [(٥٩)] أخرجه البخاري فِي: ٦١- كِتَابِ الْفَضَائِلِ (١٩) بَابُ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﵌، فتح الباري (٦: ٥٥٩)، وأعاده في: ٦٤- كتاب المغازي (٨٥) باب وَفَاةِ النَّبِيِّ ﵌، فتح الباري (٨: ١٥٠)، كلاهما عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُوسُفَ، عَنِ اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ. [(٦٠)] في (م)، و(هـ): «وأبشر» . [(٦١)] (الدّرنوك): ستر له حمل، وجمعه درانك. [(٦٢)] ليست في (هـ) . [(٦٣)] في (م): ﵌. [(٦٤)] (١- ٥) أول سورة العلق. [(٦٥)] أول سورة المدثر. [(٦٦)] في (ح): «نزلت» . [(٦٧)] نقله ابن كثير في «البداية والنهاية» (٣: ١٣)، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بن
[ ٢ / ١٤٢ ]
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَكَانَتْ خَدِيجَةُ أَوَّلَ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَصَدَّقَ رَسُولَ اللهِ ﵌ قبل أن تقرض الصَّلَاةُ، قَالَ: وَقَبِلَ [(٦٨)] الرَّسُولُ [﵌] [(٦٩)] رِسَالَةَ رَبِهِ ﷿ وَاتَّبَعَ الَّذِي جَاءَهُ بِهِ جِبْرِيلُ ﵇ مِنْ عِنْدِ اللهِ ﷿، فَلَمَّا قَبِلَ الَّذِي جَاءَهُ مِنْ عِنْدِ اللهِ تَعَالَى وَانْصَرَفَ مُنْقَلِبًا إِلَى بَيْتِهِ جَعَلَ لَا يَمُرُّ عَلَى شَجَرَةٍ وَلَا صَخْرٍ [(٧٠)] إِلَّا سَلَّمَ عَلَيْهِ، فَرَجَعَ مَسْرُورًا إِلَى أَهْلِهِ مُوقِنًا، قَدْ رَأَى أَمْرًا عَظِيمًا، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ قَالَ أَرَأَيْتُكِ الَّذِي كُنْتُ أُحَدِّثُكِ [(٧١)] أَنِّي رَأَيْتُهُ فِي الْمَنَامِ فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ ﵇ اسْتَعْلَنَ لِي، أَرْسَلَهُ إليّ ربي وأخبرها [(٧٢)] بِالَّذِي جَاءَهُ مِنَ اللهِ ﷿ [(٧٣)] وَمَا سَمِعَ منه فقالت أبشر فو الله لَا يَفْعَلُ اللهُ بِكَ إِلَّا خَيْرًا، فَاقْبَلِ الَّذِي جَاءَكَ مِنْ [عِنْدِ] اللهِ [﷿] [(٧٤)] فَإِنَّهُ حَقٌّ، وَأَبْشِرْ فَإِنَّكَ رَسُولُ اللهِ حَقًّا.
ثُمَّ انْطَلَقَتْ مَكَانَهَا حَتَّى أَتَتْ غُلَامًا لِعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ نَصْرَانِيًّا مِنْ أَهْلِ نِينَوَى يُقَالُ لَهُ عَدَّاسٌ، فَقَالَتْ لَهُ يَا عَدَّاسٌ أُذَكِّرُكَ بِاللهِ إِلَّا مَا أَخْبَرْتَنِي هَلْ عِنْدَكَ عَلِمٌ مِنْ جِبْرِيلَ. فَقَالَ عَدَّاسٌ: قُدُّوسٌ قُدُّوسٌ، مَا شَأْنُ جِبْرِيلَ يُذْكَرُ بِهَذِهِ الْأَرْضِ الَّتِي أَهْلُهَا أَهْلُ الْأَوْثَانِ! أَخْبِرْنِي بِعِلْمِكِ فِيهِ، قَالَ فَإِنَّهُ أَمِينُ [(٧٥)] اللهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّينَ وَهُوَ صَاحِبُ مُوسَى وَعِيسَى ﵉.
_________________
(١) [()] المسيب، وذكره السيوطي في «الخصائص الكبرى» (١: ٩٣) عن أبي نعيم، وعن البيهقي من طريق مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. [(٦٨)] فِي (ح): «فقبل» . [(٦٩)] ليست في (م) ولا في (ح) . [(٧٠)] في (ح): «ولا حجر» . [(٧١)] في (ح): «أخبرتك» . [(٧٢)] في (ح): «فأخبرهما» . [(٧٣)] في (هـ): «تعالى» . [(٧٤)] الزيادة من (هـ) . [(٧٥)] في (ح): «أمر» .
[ ٢ / ١٤٣ ]
فَرَجَعَتْ خَدِيجَةُ مِنْ عِنْدِهِ فَجَاءَتْ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلٍ وَكَانَ وَرَقَةُ قَدْ كَرِهَ عبادة الأوثان، وهو وَزَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وَكَانَ زَيْدٌ قَدْ حَرَّمَ كُلَّ شَيْءٍ حَرَّمَهُ اللهُ [﷿] [(٧٦)] مِنْ الدَّمِ وَالذَّبِيحَةِ عَلَى النُّصُبِ، وَمِنْ أَبْوَابِ الظُّلْمِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَعَمَدَ هُوَ وَوَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ يَلْتَمِسَانِ الْعِلْمَ حَتَّى وَقَفَا بِالشَّامِ فَعَرَضَتِ الْيَهُودُ عَلَيْهِمَا دِينَهُمْ فَكَرِهَاهُ وسَأَلَا رُهْبَانَ النَّصْرَانِيَّةِ، فَأَمَّا وَرَقَةُ فَتَنَصَّرَ وَأَمَّا زَيْدٌ فَكَرِهَ النَّصْرَانِيَّةَ فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ مِنَ الرُّهْبَانِ: إِنَّكَ تَلْتَمِسُ دِينًا لَيْسَ يُوجَدُ الْيَوْمَ فِي الْأَرْضِ! فَقَالَ لَهُ زَيْدٌ: أَيُّ دِينٍ ذَلِكَ؟ قَالَ الْقَائِلُ: دِينُ الْقَيِّمِ دِينُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ. قَالَ: وَمَا كَانَ مِنْ دِينِهِ؟ قَالَ: كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا، فَلَمَّا وَصَفَ لَهُ دِينَ إِبْرَاهِيمَ [﵇] [(٧٧)] قَالَ زَيْدٌ أَنَا عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ وَأَنَا سَاجِدٌ نَحْوَ الْكَعْبَةِ الَّتِي بَنَى إِبْرَاهِيمُ، فَسَجَدَ نَحْوَ الْكَعْبَةِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. فَقَالَ زَيْدٌ لَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ الهدى:
أَسْلَمْتُ [(٧٨)] وَجْهِيَ لِمَنْ أَسْلَمَتْ لَهُ الْمُزْنُ يَحْمِلْنَ عَذْبًا زُلَالَا
ثُمَّ تُوُفِّيَ زَيْدٌ وَبَقِيَ وَرَقَةُ بَعْدَهُ كَمَا يَزْعُمُونَ سَنَتَيْنِ [(٧٩)] فَقَالَ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ وَهُوَ يَبْكِي زيد بن عمرو بن نفيل:
رَشَدْتَ وَأَنْعَمْتَ ابْنَ عَمْرٍو وَإِنَّمَا تَجَنَّبْتَ تَنُّورًا مِنَ النَّارِ حَامِيَا
بِدِينِكَ رَبًّا لَيْسَ رَبٌّ كَمِثْلِهِ وَتَرْكِكَ جنّان الجبال كماهيا
_________________
(١) [(٧٦)] ليست في (ح) . [(٧٧)] الزيادة من (هـ) . [(٧٨)] في (ح): «وأسلمت» . [(٧٩)] في (ح): «سنين» .
[ ٢ / ١٤٤ ]
تَقُولُ إِذَا جَاوَزْتَ أَرْضًا مَخُوفَةً بِاسْمِ الْإِلَهِ بِالْغَدَاةِ وَسَارِيًا
تَقُولُ إِذَا صَلَّيْتَ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ حَنَانَيْكَ لَا تُظْهِرْ عَلَيَّ الْأَعَادِيَا
فَلَمَّا وَصَفَتْ خَدِيجَةُ لِوَرَقَةَ حِينَ جَاءَتْهُ شَأْنَ مُحَمَّدٍ ﵇ ﵌ [(٨٠)] وَذَكَرَتْ لَهُ جِبْرِيلَ ﵇ وَمَا جَاءَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ مِنْ عِنْدِ اللهِ ﷿ قَالَ [(٨١)] لَهَا وَرَقَةُ: يَا بُنَيَّةَ أَخِي [(٨٢)] مَا أَدْرِي لَعَلَّ صَاحِبَكِ النَّبِيُّ الَّذِي يَنْتَظِرُ أَهْلُ الْكِتَابِ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَأُقْسِمُ بِاللهِ لَئِنْ كَانَ إِيَّاهُ ثُمَّ أَظْهَرَ دُعَاءَهُ [(٨٣)] وَأَنَا حَيٌّ لَأُبْلِيَنَّ اللهَ فِي طَاعَةِ رَسُولِهِ ﵌ وَحُسْنِ مُؤَازَرَتِهِ الصَّبْرَ وَالنَّصْرَ. فَمَاتَ وَرَقَةُ [(٨٤)] .
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ هَذِهِ الْقِصَّةَ بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا وَزَادَ فِيهَا: «فَفَتَحَ جِبْرِيلُ [﵇] [(٨٥)] عَيْنًا مِنْ مَاءٍ فَتَوَضَّأَ وَمُحَمَّدٌ ﵌ ينظر إليه وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ وَمَسَحَ رَأْسَهُ [(٨٦)] وَرِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ثُمَّ نَضَحَ فَرْجَهُ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ مُوَاجَهَةَ الْبَيْتِ، فَفَعَلَ مُحَمَّدٌ كَمَا رَأَى جبريل يفعل» .
_________________
(١) [(٨٠)] الزيادة من (هـ) . [(٨١)] في (ح): «فقال» . [(٨٢)] الثابت أن خديجة ابنة عم ورقة، وراجع الحاشية (٤٨) من هذا الباب. [(٨٣)] في (ح): «دعاه» . [(٨٤)] نقله ابن كثير في «البداية والنهاية (٣: ١٣- ١٤)، عن المصنف، والسيوطي في «الخصائص الكبرى» (١: ٩٣) . [(٨٥)] الزيادة من (هـ) . [(٨٦)] في (ح): «برأسه» .
[ ٢ / ١٤٥ ]
أَخْبَرَنَا بِذَلِكَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ وَحَسَّانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَا:
حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ. وَذَكَرَ الْقِصَّةَ بِأَجْمَعِهَا شَيْخُنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيِّ عَنْ أَبِي عُلَاثَةَ: مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ مِنْ شِعْرِ وَرَقَةَ إِلَّا الْبَيْتَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ.
وَلَمْ يَذْكُرْ مَا قَالَ الزُّهْرِيُّ فِي إِسْلَامِ خَدِيجَةَ وَالَّذِي ذُكِرَ [فِيهِ] [(٨٧)] مِنْ شَقِّ بَطْنِهِ، يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حِكَايَةً مِنْهُ لِمَا صُنِعَ بِهِ فِي صِبَاهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ شُقَّ مَرَّةً أُخْرَى ثُمَّ مَرَّةً ثَالِثَةً حِينَ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ وَاللهُ أَعْلَمُ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ اللهِ [(٨٨)] بْنِ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ الْعَلَاءِ بْنِ جَارِيَةَ الثَّقَفِيُّ وَكَانَ وَاعِيَةً [(٨٩)] عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ حِينَ أَرَادَ اللهُ ﷿ كَرَامَتَهُ [وَابْتَدَأَهُ] لَا يَمُرُّ بِحَجَرٍ وَلَا شَجَرٍ إِلَّا سَلَّمَ عَلَيْهِ وَسَمِعَ مِنْهُ، فَيَلْتَفِتُ رَسُولُ اللهِ ﵌ خَلْفَهُ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ وَلَا يَرَى إِلَّا الشَّجَرُ وَمَا حَوْلَهُ مِنَ الْحِجَارَةِ وَهِيَ تُحَيِّيهِ بِتَحِيَّةِ النُّبُوَّةِ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ [(٩٠)] .
_________________
(١) [(٨٧)] في (م) و(هـ): «فيها» . [(٨٨)] في السيرة لابن هشام «عبد الملك بن عبيد الله» . [(٨٩)] «واعية»: أي حافظا، من قولهم: وعن العلم يعيه إذا حفظة، وأدخلت التاء للمبالغة. [(٩٠)] سيرة ابن هشام (١: ٢٥٢- ٢٥٣)، وطبقات ابن سعد (١: ١٥٧)، وتاريخ الإسلام للذهبي (٢: ٧١)، وقد أخرج مسلم في صحيحه في كتاب الفضائل، حديث (٢)، ص (١٧٨٢) من حديث جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «إِنِّي لَأَعْرِفُ حَجَرًا بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُبْعَثَ. إِنِّي لأعرفه الآن» . وقد أخرج هذا الحديث أيضا الترمذي في المناقب (٥: ٥٩٣)، والدارمي في المقدمة، والإمام أحمد في «مسنده» (٥: ٨٩) .
[ ٢ / ١٤٦ ]
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﵌ يَخْرُجُ إِلَى حِرَاءَ فِي كُلِّ عَامٍ شَهْرًا مِنَ السَّنَةِ يَنْسُكُ فِيهِ، وَكَانَ مَنْ نَسَكَ مِنْ قُرَيْشٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُطْعِمُ مَنْ جَاءَ مِنَ الْمَسَاكِينِ حَتَّى إِذَا انْصَرَفَ مِنْ مُجَاوَرَتِهِ وَقَضَائِهِ [(٩١)] لَمْ يَدْخُلْ بَيْتَهُ حَتَّى يَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ، حَتَّى إِذَا كَانَ الشَّهْرُ الَّذِي أَرَادَ اللهُ [تَعَالَى] [(٩٢)] بِهِ مَا أَرَادَ مِنْ كَرَامَتِهِ مِنَ السَّنَةِ الَّتِي بُعِثَ فِيهَا، وَذَلِكَ الشَّهْرُ رَمَضَانُ فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﵌ كَمَا كَانَ يَخْرُجُ لِجِوَارِهِ وَخَرَجَ مَعَهُ بِأَهْلِهِ حَتَّى إِذَا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي أَكْرَمَهُ اللهُ فِيهَا بِرِسَالَتِهِ وَرَحِمَ الْعِبَادَ بِهِ جَاءَهُ جِبْرِيلُ ﵇ بِأَمْرِ اللهِ ﷿، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: فَجَاءَنِي، وَأَنَا نَائِمٌ، فَقَالَ: اقْرَأْ. فَقُلْتُ: مَا أَقْرَأُ؟ فَغَتَّنِي [(٩٣)] حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ الْمَوْتُ، ثُمَّ كَشَفَهُ عَنِّي، فقال: أقر: فَقُلْتُ: وَمَا أَقْرَأُ؟ فَعَادَ لِي [(٩٤)] بِمِثْلِ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: اقْرَأْ.
فَقُلْتُ: وَمَا أَقْرَأُ وَمَا أَقُولُهَا إِلَّا تَنَجِّيًا [(٩٥)] أَنْ يَعُودَ لِي بِمِثْلِ الَّذِي صَنَعَ، فَقَالَ:
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْإِنْسانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [(٩٦)] .
ثُمَّ انْتَهَى، فَانْصَرَفَ عَنِّي وَهَبَبْتُ مِنْ نَوْمِي فَكَأَنَّمَا صَوَّرَ فِي قَلْبِي كِتَابًا وَلَمْ يَكُنْ فِي خَلْقِ اللهِ ﷿ أَحَدٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ شَاعِرٍ أَوْ مَجْنُونٍ فَكُنْتُ لَا أُطِيقُ أَنْظُرُ إِلَيْهِمَا، فَقُلْتُ: إِنَّ الْأَبْعَدَ يَعْنِي نَفْسَهُ لَشَاعِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ثُمَّ قلت لا تحدث
_________________
(١) [(٩١)] في سيرة ابن هشام: «فإذا قضى جواره » . [(٩٢)] الزيادة من (هـ) . [(٩٣)] في (هـ) و(م): «فزتني» وهو تحريف، ومعنى «غتني»: «حبس نفسي»، قال ابن الأثير: «الغت والغط سواء، كأنه أراد عصرني عصرا شديدا، حتى وجدت منه المشقة، كما يجد من يغمس في الماء قهرا» . [(٩٤)] في (هـ): «فعاودني» . [(٩٥)] في سيرة ابن هشام: «إلا افتداء منه أَنْ يَعُودَ لِي بِمِثْلِ ما صنع» . [(٩٦)] (١- ٥) من سورة القلم.
[ ٢ / ١٤٧ ]
عَنِّي قُرَيْشٌ بِهَذَا أَبَدًا، لَأَعْمِدَنَّ إِلَى حَالِقٍ مِنَ الْجَبَلِ فَلَأَطْرَحَنَّ [(٩٧)] نَفْسِي مِنْهُ فَلَأَقْتُلَنَّهَا فَلَأَسْتَرِيحَنَّ، فَخَرَجْتُ مَا أُرِيدُ غَيْرَ ذَلِكَ فَبَيْنَا أَنَا عَامِدٌ لِذَلِكَ إِذْ سَمِعْتُ مُنَادِيًا يُنَادِي مِنَ السَّمَاءِ يَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ رَسُولُ اللهِ وَأَنَا جِبْرِيلُ، فَرَفَعْتُ، رَأْسِي إِلَى السَّمَاءِ انْظُرُ فَإِذَا جِبْرِيلُ [﵇] [(٩٨)] فِي صُورَةِ رَجُلٍ صَافٍّ قَدَمَيْهِ فِي أُفُقِ السَّمَاءِ يَقُولُ يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ رَسُولُ اللهِ وَأَنَا جِبْرِيلُ فَرَفَعْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهِ وَشَغَلَنِي عَنْ ذَلِكَ وَعَمَّا أُرِيدُ فَوَقَفْتُ وَمَا أَقْدِرُ عَلَى أَنْ أَتَقَدَّمَ: وَلَا أَتَأَخَّرَ، وَمَا أَصْرِفُ وَجْهِي فِي نَاحِيَةٍ مِنَ السَّمَاءِ إِلَّا رَأَيْتُهُ فِيهَا، فَمَا زِلْتُ وَاقِفًا مَا أَتَقَدَّمُ وَلَا أَتَأَخَّرُ حَتَّى بَعَثَتْ خَدِيجَةُ رُسُلَهَا فِي طَلَبِي، حَتَّى بَلَغُوا مَكَّةَ، وَرَجَعُوا فَلَمْ أَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى كَادَ النَّهَارُ يَتَحَوَّلُ، ثُمَّ انْصَرَفَ عَنِّي وَانْصَرَفْتُ رَاجِعًا إِلَى أَهْلِي حَتَّى أَتَيْتُ خَدِيجَةَ فَجَلَسْتُ إِلَى فَخِذِهَا مُضِيفًا إِلَيْهَا فَقَالَتْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ! أَيْنَ كنت؟
فو الله لَقَدْ بَعَثْتُ رُسُلِي فِي طَلَبِكَ، حَتَّى بَلَغُوا مَكَّةَ وَرَجَعُوا، فَقُلْتُ لَهَا: إِنَّ الْأَبْعَدَ لَشَاعِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ. فَقَالَتْ أُعِيذُكَ بِاللهِ تَعَالَى [(٩٩)] مِنْ ذَلِكَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، مَا كَانَ اللهُ لِيَفْعَلَ بِكَ ذَلِكَ مَعَ مَا أَعْلَمُ مِنْ صِدْقِ حَدِيثِكَ، وَعِظَمِ أَمَانَتِكَ، وَحُسْنِ خُلُقِكَ، وَصِلَةِ رَحِمِكَ.
وَمَا ذَاكَ يَا ابْنَ عَمٍّ لَعَلَّكَ رَأَيْتَ شَيْئًا أَوْ سَمِعْتَهُ. فَأَخْبَرْتُهَا الْخَبَرَ. فَقَالَتْ:
أَبْشِرْ يَا ابْنَ عَمٍّ وَاثْبُتْ لَهُ فَوَالَّذِي يُحْلَفُ بِهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ نَبِيَّ هَذِهِ الْأُمَّةِ.
ثُمَّ قَامَتْ فَجَمَعَتْ ثِيَابَهَا عَلَيْهَا ثُمَّ انْطَلَقَتْ إِلَى وَرَقَةِ بْنِ نوفل وهو ابْنُ عَمِّهَا، وَكَانَ قَدْ قَرَأَ الْكُتُبَ وَتَنَصَّرَ وَسَمِعَ مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، فَأَخْبَرْتُهُ الْخَبَرَ وَقَصَّتْ عَلَيْهِ مَا قَصَّ عَلَيْهَا رَسُولُ اللهِ ﵌ أَنَّهُ رَأَى وَسَمِعَ. فقال ورقة: قدوس
_________________
(١) [(٩٧)] في (هـ): «ولأطرحنّ» . [(٩٨)] الزيادة من (هـ) . [(٩٩)] الزيادة من (هـ) .
[ ٢ / ١٤٨ ]
قُدُّوسٌ، وَالَّذِي نَفْسُ وَرَقَةَ بِيَدِهِ لَئِنْ [(١٠٠)] كُنْتِ صَدَقْتِينِي يَا خَدِيجَةُ، إِنَّهُ لَنَبِيُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَإِنَّهُ لَيَأْتِيهِ النَّامُوسُ الْأَكْبَرُ الَّذِي كَانَ يَأْتِي مُوسَى [﵇] [(١٠١)]، فَقُولِي لَهُ فَلْيَثْبُتْ.
فَرَجَعَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ فَأَخْبَرَتْهُ مَا قَالَ لَهَا وَرَقَةُ فَسَهَّلَ ذَلِكَ عَلَيْهِ بَعْضَ مَا هُوَ فِيهِ مِنَ الْهَمِّ بِمَا جَاءَهُ.
فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ ﵌ جِوَارَهُ صَنَعَ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ: بَدَأَ بِالْكَعْبَةِ فَطَافَ بِهَا فَلَقِيَهُ وَرَقَةُ وَهُوَ يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي! أَخْبِرْنِي بِالَّذِي رَأَيْتَ وَسَمِعْتَ، فَقَصَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﵌ خَبَرَهُ، فَقَالَ وَرَقَةُ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُ لَيَأْتِيكَ النَّامُوسُ [(١٠٢)] الْأَكْبَرُ الَّذِي كَانَ يَأْتِي مُوسَى وَإِنَّكَ لَنَبِيُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَلَتُؤْذَيَنَّ، وَلَتُكَذَّبَنَّ، وَلَتُقَاتَلَنَّ، وَلَتُنْصَرَنَّ، وَلَئِنْ أَنَا أَدْرَكْتُ ذَلِكَ لَأَنْصُرَنَّكَ نَصْرًا يَعْلَمُهُ اللهُ، ثُمَّ أَدْنَى إِلَيْهِ رَأْسَهُ فَقَبَّلَ يَافُوخَهُ، ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﵌ إِلَى مَنْزِلِهِ وَقَدْ زَادَهُ اللهُ [﷿] [(١٠٣)] مِنْ قَوْلِ وَرَقَةَ ثَبَاتًا، وَخَفَّفَ عَنْهُ بَعْضَ مَا كَانَ فِيهِ مِنَ الْهَمِّ» [(١٠٤)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: [مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ] [(١٠٥)] قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ،، قَالَ: حَدَّثَنَا يونس عن ابن إسحق، قَالَ: وَكَانَ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيِّ قَالَ فِيمَا ذَكَرَتْ لَهُ خَدِيجَةُ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ
_________________
(١) [(١٠٠)] في (ح): «إن» . [(١٠١)] الزيادة من (م) و(ص) . [(١٠٢)] (الناموس): جبريل، وأصل الناموس: صاحب سر الخير، ومندة الجاسوس: صاحب سر الشر. [(١٠٣)] الزيادة من (هـ) . [(١٠٤)] سيرة ابن هشام (١: ٢٥٤- ٢٥٧)، ونقله الذهبي في «تاريخ الإسلام» (٣: ٧١- ٧٢) . [(١٠٥)] الزيادة من (ح) .
[ ٢ / ١٤٩ ]
الله ﵌ فيما يزعمون:
فَإِنْ يَكُ [(١٠٦)] حَقًّا يَا خَدِيجَةُ فَاعْلَمِي حَدِيثَكِ إِيَّانَا فَأَحْمَدُ مُرْسَلُ
وَجِبْرِيلُ يَأْتِيهِ وَمِيكَالُ مَعْهُمَا مِنَ اللهِ وَحْيٌ يَشْرَحُ الصَّدْرَ مُنْزَلُ
يَفُوزُ بِهِ مَنْ فَازَ فِيهَا بِتَوْبَةٍ وَيَشْقَى بِهِ الْعَاتِي الْغَوِيُّ الْمُضَلَّلُ [(١٠٧)]
فَرِيقَانِ مِنْهُمْ فِرْقَةٌ فِي جِنَانِهِ وَأُخْرَى بِإِخْوَانِ الْجَحِيمِ تُغَلَّلُ
إِذَا مَا دُعُوا بِالْوَيْلِ فِيهَا تَتَابَعَتْ مَقَامِعُ فِي هَامَاتِهَا ثُمَّ تُشْعَلُ
فَسُبْحَانَ مَنْ تَهْوِي الرِّيَاحُ بِأَمْرِهِ وَمَنْ هُوَ فِي الْأَيَّامِ مَا شَاءَ يَفْعَلُ
وَمَنْ عَرْشُهُ فَوْقَ السَّمَوَاتِ كُلِّهَا وَأَقْضَاؤُهُ فِي خَلْقِهِ لَا تُبَدَّلُ
وَقَالَ وَرَقَةُ بْنُ نوفل في ذلك:
يَا لِلرِّجَالِ وَصَرْفِ الدَّهْرِ وَالْقَدَرِ وَمَا لِشَيْءٍ قَضَاهُ اللهُ مِنْ غِيَرِ
حَتَّى خَدِيجَةُ تَدْعُونِي لِأُخبِرَهَا وَمَا لَهَا بَخَفِيِّ الْغَيْبِ مِنْ خَبَرِ
جَاءَتْ لِتَسْأَلَنِي عَنْهُ لِأُخبِرَهَا أَمْرًا أُرَاهُ سَيَأْتِي النَّاسَ مِنْ أخر
_________________
(١) [(١٠٦)] في (م) و(هـ): «إن» . [(١٠٧)] ابن كثير: «ويشقى به العاني الغرير المضلل» .
[ ٢ / ١٥٠ ]
فَخَبَّرَتْنِي بِأَمْرٍ قَدْ سَمِعْتُ بِهِ فِيمَا مَضَى مِنْ قَدِيمِ الدَّهْرِ وَالْعُصُرِ
بِأَنَّ أَحْمَدَ يَأْتِيهِ فَيُخْبِرُهُ جِبْرِيلُ أَنَّكَ مَبْعُوثٌ إِلَى الْبَشَرِ
فَقُلْتُ علَّ الَّذِي تَرْجِينَ يُنْجِزُهُ لَكِ الْإِلَهُ فَرَجِّي الْخَيْرَ وانْتَظِرِي
وَأَرْسِلِيهِ إِلَيْنَا كَيْ نُسَائِلَهُ عَنْ أَمْرِهِ مَا يَرَى فِي النَّوْمِ وَالسَّهَرِ
فَقَالَ حِينَ أَتَانَا مَنْطِقًا عَجَبًا يَقِفُّ مِنْهُ أَعَالِي الْجِلْدِ وَالشَّعَرُ
إِنِّي رَأَيْتُ أَمِينَ اللهِ وَاجَهَنِي فِي صُورَةٍ أُكْمِلَتْ مِنْ أَهْيَبِ الصُّوَرِ
ثُمَّ اسْتَمَرَّ فَكَادَ الْخَوْفُ يَذْعُرُنِي مِمَّا يُسَلِّمُ مِنْ حَوْلِي مِنَ الشَّجَرِ
فَقُلْتُ ظَنِّي وَمَا أَدْرِي أَيَصْدُقُنِي أَنْ سَوْفَ تُبْعَثَ تَتَلُو مُنْزَلَ السُّوَرِ
وَسَوْفَ أُنْبِيكَ إِنْ أَعْلَنْتَ دَعْوَتَهُمْ مِنَ الْجِهَادِ بِلَا مَنٍّ وَلَا كَدَرِ [(١٠٨)]
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، قَالَ:
حَدَّثَنَا يُونُسُ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي حَكِيمٍ مَوْلَى الزُّبَيْرِ أَنَّهُ حَدَّثَ عَنْ خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ «أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﵌ فِيمَا تُثَبِّتُهُ- فِيمَا
_________________
(١) [(١٠٨)] نقل الأبيات الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية (٣: ١٠- ١١)، وقال: «هكذا أورد ذلك الحافظ البيهقي في الدلائل، وعندي في صحتها عن ورقة نظر، والله أعلم» .
[ ٢ / ١٥١ ]
أَكْرَمَهُ اللهُ [تَعَالَى] [(١٠٩)] بِهِ مِنْ نُبُوَّتِهِ- يَا ابْنَ عَمٍّ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُخْبِرَنِي بِصَاحِبِكَ هَذَا الَّذِي يَأْتِيكَ إِذَا جَاءَكَ فَقَالَ: نَعَمْ، فَقَالَتْ: إِذَا جَاءَكَ فَأَخْبِرْنِي.
فَبَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﵌، عِنْدَهَا إِذْ جَاءَ جِبْرِيلُ، فَرَآهُ رَسُولُ اللهِ ﵌، فَقَالَ:
يَا خَدِيجَةُ هَذَا جِبْرِيلُ. فَقَالَتْ: أَتُرَاهُ الْآنَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَتْ: فَاجْلِسْ إِلَى شِقِّي الْأَيْمَنِ، فَتَحَوَّلَ فَجَلَسَ، فَقَالَتْ هَلْ تَرَاهُ الْآنَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَتْ فَاجْلِسْ فِي حِجْرِي فَتَحَوَّلَ رَسُولُ اللهِ ﵌ فَجَلَسَ. فَقَالَتْ: هَلْ تَرَاهُ الْآنَ؟ قَالَ:
نَعَمْ. فَتَحَسَّرَتْ رَأْسَهَا فَأَلْقَتْ خِمَارَهَا وَرَسُولُ اللهِ ﵌ جَالِسٌ فِي حِجْرِهَا، فَقَالَتْ: هَلْ تَرَاهُ الْآنَ؟ قَالَ لَا. قَالَتْ: مَا هَذَا شَيْطَانٌ إِنَّ هَذَا [لَمَلَكٌ] [(١١٠)] يَا ابْنَ عَمٍّ، فَاثْبُتْ وَأَبْشِرْ، ثُمَّ آمَنَتْ بِهِ وَشَهِدَتْ أَنَّ الَّذِي جَاءَ بِهِ الْحَقَّ» .
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَحَدَّثْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ الْحَسَنِ هَذَا [(١١١)] الْحَدِيثَ، فَقَالَ:
قَدْ سَمِعْتُ فَاطِمَةَ بِنْتَ الْحُسَيْنِ تُحَدِّثُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ خَدِيجَةَ إِلَّا أَنِّي سَمِعْتُهَا تَقُولُ: «أَدْخَلَتْ رَسُولُ اللهِ ﵌، بَيْنَهَا وَبَيْنَ دِرْعِهَا فَذَهَبَ عِنْدَ ذَلِكَ جِبْرِيلُ ﵇.
قُلْتُ: وَهَذَا شَيْءٌ كَانَتْ خَدِيجَةُ﵂- تَصْنَعُهُ تَسْتَثْبِتُ بِهِ الْأَمْرَ احْتِيَاطًا لِدِينِهَا وَتَصْدِيقِهَا، فَأَمَّا النَّبِيُّ ﵌ فَقَدْ كَانَ [قَدْ] [(١١٢)] وَثِقَ بِمَا قَالَ لَهُ جِبْرِيلُ وَأَرَاهُ مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى وَمَا كَانَ مِنْ تَسْلِيمِ الشَّجَرِ وَالْحَجَرِ عَلَيْهِ وَمَا كَانَ مِنْ إِجَابَةِ الشجر لدعائه وذلك بعد ما كَذَّبَهُ قَوْمُهُ وَشَكَاهُمْ إِلَى جِبْرِيلَ ﵇ فَأَرَادَ أَنْ يُطَيِّبَ قلبه» [(١١٣)] .
_________________
(١) [(١٠٩)] الزيادة من (هـ) . [(١١٠)] في (ح): «الملك» . [(١١١)] في (ح): «بهذا» . [(١١٢)] ليست في (هـ) . [(١١٣)] دلائل النبوة لأبي نعيم (١٧٢) و(١٧٤) . و«البداية والنهاية» لابن كثير (٣: ١٥) .
[ ٢ / ١٥٢ ]
حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ الْأَصْبَهَانِيُّ ﵀ إِمْلَاءً، قَالَ:
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَطَّانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَارِثِ الْبَغْدَادِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ [(١١٤)]، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: إِنِّي لَأَعْرِفُ حَجَرًا بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُبْعَثَ إِنِّي لَأَعْرِفُهُ الْآنَ» .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ [(١١٥)]، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي بُكَيْرٍ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّزَّازُ، قَالَ:
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ.
(ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ فُورَكٍ ﵀، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ الْأَصْبَهَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ مُعَاذٍ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ قَالَ: إِنَّ بِمَكَّةَ لَحَجَرًا كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ لَيَالِيَ بُعِثْتُ. إِنِّي لَأَعْرِفُهُ إِذَا مَرَرْتُ عَلَيْهِ» [(١١٦)] .
حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْمُزَنِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى الْمَرْوَرُّوذِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ أَبِي ثَوْرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ [(١١٧)] عَنْ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﵌ بِمَكَّةَ فَخَرَجَ فِي
_________________
(١) [(١١٤)] في (هـ) و(م): «ابن بكير» . [(١١٥)] سبق ذكره وتخريجه في الحاشية (٩٠) من هذا الباب. [(١١٦)] انظر الحديث السابق، وهذا الحديث في الترمذي (٥: ٥٩٢- ٥٩٣) . [(١١٧)] في جامع الترمذي: «عباد بن أبي يزيد، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طالب.
[ ٢ / ١٥٣ ]
بَعْضِ نَوَاحِيهَا فَمَا اسْتَقْبَلَهُ شَجَرٌ وَلَا جَبَلٌ [(١١٨)] إِلَّا قَالَ لَهُ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ» [(١١٩)] .
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ ابن نُصَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَنْبَسَةَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنَ، هُوَ السُّدِّيُّ، عَنْ عَبَّادٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا [﵁] [(١٢٠)] يَقُولُ: «لَقَدْ رَأَيْتُنِي أَدْخُلُ مَعَهُ- يَعْنِي النَّبِيَّ ﵌- الْوَادِيَ فَلَا يَمُرُّ بِحَجَرٍ وَلَا شَجَرٍ إِلَّا قَالَ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ وَأَنَا أَسْمَعُهُ» [(١٢١)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْمُقْرِئُ الْإِسْفَرَايِنِيُّ بِهَا، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إسحق، قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: «جَاءَ جِبْرِيلُ ﵇ إِلَى النَّبِيِّ ﵌ وَهُوَ خَارِجٌ مِنْ مَكَّةَ قَدْ خَضَبَهُ أَهْلُ مَكَّةَ بِالدِّمَاءِ، قَالَ، مَالِكٌ قَالَ: خَضَبَنِي هَؤُلَاءِ بِالدِّمَاءِ وَفَعَلُوا وَفَعَلُوا، قَالَ تُرِيدُ أَنْ أُرِيكَ آيَةً؟ قَالَ نَعَمْ قَالَ ادْعُ تِلْكَ الشَّجَرَةَ فَدَعَاهَا رَسُولُ اللهِ ﵌ فَجَاءَتْ تَخُطُّ الْأَرْضَ حَتَّى قَامَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ مُرْهَا فَلْتَرْجِعْ قَالَ: ارْجِعِي إِلَى مَكَانِكِ، فَرَجَعَتْ إِلَى مَكَانِهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌:
حسبي» [(١٢٢)] .
_________________
(١) [(١١٨)] في (ح): «فَمَا اسْتَقْبَلَهُ شَجَرٌ وَلَا مدر» . [(١١٩)] أخرجه الترمذي في: ٥٠- كتاب المناقب، ح (٣٦٢٦) ص (٥: ٥٩٣)، وقال: «هذا حديث غريب» . [(١٢٠)] الزيادة من (م) . [(١٢١)] نقله ابن كثير عن المصنف في البداية والنهاية (٣: ١٦) . [(١٢٢)] ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» باختلاف يسير (٩: ١٠)، وقال: رواه البزار وأبو يعلى، وإسناد أبي يعلى حسن.
[ ٢ / ١٥٤ ]
بَابٌ أَوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ مِنَ الْقُرْآنِ
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ دَاوُدَ الْعَلَوِيُّ، ﵀، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو حَامِدِ بْنُ الشَّرْقِيِّ إِمْلَاءً، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرِ بْنِ الْحَكَمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [(١٢٣)] .
هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ وَقَدَ مَضَى مَعْنَاهُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّابِتَةِ [(١٢٤)] عَنْ مَعْمَرٍ وَعُقَيْلٍ وَكَذَلِكَ [(١٢٥)]، عَنِ الزُّهْرِيِّ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، وأَبُو عَبْدِ اللهِ: إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ السُّوسِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ- يَعْنِي ابْنَ مَزْيَدٍ- قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: «سَأَلْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَيُّ الْقُرْآنِ نَزَلَ قَبْلُ؟ فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ» قَالَ: قُلْتُ أَوِ: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ؟ قَالَ:
سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ أَيُّ الْقُرْآنِ أُنْزِلَ قَبْلُ؟ فَقَالَ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قَالَ: قُلْتُ أَوِ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [(١٢٦)] قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: إِنِّي جَاوَرْتُ بِحِرَاءَ شَهْرًا فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي نَزَلْتُ فَاسْتَبْطَنْتُ الْوَادِيَ فَنُودِيتُ فَنَظَرْتُ بَيْنَ يَدَيَّ وَخَلْفِي وعن
_________________
(١) [(١٢٣)] أخرجه ابن جرير الطبري، والحاكم وصححه، وابن مردويه. الدر المنثور (٦: ٣٦٨) . [(١٢٤)] في (هـ) و(ص): «الثانية» . [(١٢٥)] في (ص): «وكذا» . [(١٢٦)] ليست في (ح) .
[ ٢ / ١٥٥ ]
يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، ثُمَّ نَظَرْتُ إِلَى السَّمَاءِ فَإِذَا هُوَ عَلَى الْعَرْشِ فِي الْهَوَاءِ، فَأَخَذَتْنِي وَحْشَةٌ، فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ فَأَمَرْتُهُمْ فَدَثَّرُونِي فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ- حَتَّى بَلَغَ- وَثِيَابَكَ فطهّر» .
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ الْأَوْزَاعِيِّ، وَأَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ [(١٢٧)] .
وَقَدْ مَضَى فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرِ أَنَّ نُزُولَ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ كَانَ بَعْدَ مَا فَتَرَ الْوَحْيُ، وَفِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ نُزُولَهَا كَانَ بَعْدَ نُزُولِ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ.
أَخْبَرَنَاهُ [(١٢٨)] أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَهْلٍ بِشْرُ بْنُ أَحْمَدَ ابن مُحَمَّدٍ الْمِهْرَجَانِيُّ مِنْ أَصْلِ كِتَابِهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ الْحُسَيْنِ [بن أزدن] [(١٢٩)] بْنِ عُقَيْلٍ هُوَ الْخُسْرَوْجِرْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي جابر
_________________
(١) [(١٢٧)] أخرجه البخاري في: ٦٥- كتاب التفسير (٧٤) سورة المدثر، ح (٤٩٢٢)، فتح الباري (٨: ٦٧٦)، عَنْ يَحْيَى، عَنْ وَكِيعٍ، عن عَلِيِّ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرحمن عن أَوَّلَ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ ، وأخرجه البخاري أيضا في الباب الأول من كتاب بدء الوحي عَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ، وأعاده في التفسير عنه أيضا، فتح الباري (٨: ٦٧٨)، وبعده (٨: ٦٧٩)، وفي كتاب الأدب. كما أعاده البخاري أيضا في تفسير سورة العلق عن سعيد بن مروان في قصة فتور الوحي، وفي بدء الخلق عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ معمر أربعتهم عن الزهري. أخرجه مسلم في: ١- كتاب الإيمان، (٧٣) باب بدء الوحي إِلَى رَسُولِ اللهِ ﵌، ح (٢٥٧) عن الأوزاعي- كما أشار المصنف، صفحة (١٤٤) . [(١٢٨)] كذا في (م) و(ح)، وفي (ص) و(هـ): أخبرنا. [(١٢٩)] الزيادة من (هـ) .
[ ٢ / ١٥٦ ]
ابن عَبْدِ اللهِ «أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﵌ يَقُولُ: ثُمَّ فَتَرَ الْوَحْيُ عَنِّي فَتْرَةً فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ فَرَفَعْتُ بَصَرِي قِبَلَ السَّمَاءِ، فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءَ قَاعِدٌ عَلَى كُرْسِيٍّ، [فَجُئِثْتُ] [(١٣٠)] مِنْهُ فَرَقًا، حَتَّى صِرْتُ [(١٣١)] إِلَى الْأَرْضِ، فَجِئْتُ أَهْلِي فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فَزَمَّلُونِي، فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿ يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ.
قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: الرُّجْزُ الْأَوْثَانُ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ شعيب، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ بُكَيْرٍ، عَنِ اللَّيْثِ [(١٣٢)]، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ، وَفِي ذَلِكَ بَيَانُ مَا قُلْنَاهُ [(١٣٣)] .
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِي، ثُمَّ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ «أَنَّ أَوَّلَ سُورَةٍ أُنْزِلَتِ اقْرَأْ باسم ربك» [(١٣٤)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ بِبَغْدَادَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي الليث، قال: حدثني عقيل عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي [(١٣٥)] مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ ابن جَعْفَرٍ الْمَخْزُومِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ بَعْضَ عُلَمَائِهِمْ، يَقُولُ: «كَانَ أَوَّلُ مَا أَنْزَلَ اللهُ ﷿ عَلَى نَبِيِّهِ ﵌: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، إِلَى: عَلَّمَ الإنسان ما لم
_________________
(١) [(١٣٠)] في (هـ): «فجثثت»، وفي (ح): «فجثيت»، وسبق شرحها بالحاشية (٤١) من هذا الباب. [(١٣١)] في (ص): «ضربت» وهو تحريف. [(١٣٢)] سبق تخريج الحديث بالحاشية (٤٣) من هذا الباب. [(١٣٣)] في (هـ): «ما قلنا» . [(١٣٤)] الدر المنثور (٦: ٣٦٨) . [(١٣٥)] في (ح): «حدثني» .
[ ٢ / ١٥٧ ]
يعلم [(١٣٦)] فَقَالُوا: هَذَا صَدْرُهَا الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ يَوْمَ حِرَاءَ ثُمَّ أُنْزِلَ آخِرُهَا بَعْدَ ذَلِكَ بِمَا شَاءَ اللهُ» وَأَمَّا الْحَدِيثَ الَّذِي
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ قَالَ لِخَدِيجَةَ إِنِّي إِذَا خَلَوتُ وَحْدِي سَمِعْتُ نِدَاءً وَقَدْ وَاللهِ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ هَذَا أَمْرًا فَقَالَتْ مَعَاذَ اللهِ مَا كَانَ اللهُ لِيَفْعَلَ بِكَ فو الله إنك لتؤدّي الأمانة، او تصل الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، فَلَمَّا دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَلَيْسَ رسول الله ﵌، ثَمَّ ذَكَرَتْ خَدِيجَةُ حَدِيثَهُ لَهُ وَقَالَتْ يَا عَتِيقُ اذْهَبْ مَعَ مُحَمَّدٍ إِلَى وَرَقَةَ، فَلَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﵌ أَخَذَ أَبُو بَكْرٍ بِيَدِهِ، فَقَالَ: انْطَلِقْ بِنَا إِلَى وَرَقَةَ، فَقَالَ:
وَمَنْ أَخْبَرَكَ؟ قَالَ: خَدِيجَةُ، فَانْطَلَقَا إِلَيْهِ، فَقَصَّا عَلَيْهِ، فَقَالَ إِذَا خَلَوتُ وَحْدِي سَمِعْتُ نِدَاءً خَلْفِي: يَا مُحَمَّدُ، يَا مُحَمَّدُ، فَأَنْطَلِقُ هَارِبًا [(١٣٧)] فِي الْأَرْضِ، فَقَالَ: لَا تَفْعَلْ فَإِذَا [(١٣٨)] أَتَاكَ فَاثْبُتْ حَتَّى تَسْمَعَ مَا يَقُولُ [(١٣٩)] ثُمَّ ائْتِنِي فَأَخْبِرْنِي، فَلَمَّا خَلَا نَادَاهُ يَا مُحَمَّدُ قُلْ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. حَتَّى بَلَغَ. وَلَا الضَّالِّينَ قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَأَتَى وَرَقَةَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ أَبْشِرْ، ثُمَّ أَبْشِرْ، فَأَنَا أَشْهَدُ أَنَّكَ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ ابْنُ مَرْيَمَ، وَأَنَّكَ عَلَى مِثْلِ نَامُوسِ مُوسَى، وَأَنَّكَ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ [(١٤٠)]، وَأَنَّكَ سَوْفَ تُؤْمَرُ [(١٤١)] بِالْجِهَادِ بَعْدَ يَوْمِكَ هَذَا وَلَئِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ لَأُجَاهِدَنَّ مَعَكَ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ وَرَقَةُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: لَقَدْ رَأَيْتُ الْقِسَّ فِي الْجَنَّةِ عَلَيْهِ ثِيَابُ الْحَرِيرِ، لِأَنَّهُ آمَنَ بِي
_________________
(١) [(١٣٦)] أول سورة العلق. [(١٣٧)] في (ح): «هارب» ! [(١٣٨)] في (ح): «إذا» . [(١٣٩)] في (ح): «ما تقول» . [(١٤٠)] في (ح): «نبي» فقط. [(١٤١)] في (ح): «تأمر قومي» .
[ ٢ / ١٥٨ ]
وَصَدَّقَنِي- يَعْنِي وَرَقَةَ،
فَهَذَا مُنْقَطِعٌ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنْ نُزُولِهَا بَعْدَ مَا نَزَلَتْ عَلَيْهِ، اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ، وَيا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، وَاللهُ أَعْلَمُ [(١٤٢)] .
_________________
(١) [(١٤٢)] رواه ابن كثير في «البداية والنهاية» (٣: ٩) عن البيهقي، وأبي نعيم، وقال: «هذا لفظ البيهقي وهو مرسل، وفيه غرابة وهو كون الفاتحة أول ما نزل» . ثم تابع ابن كثير قائلا: «وقد قدّمنا من شعره ما يدل على إضماره الإيمان، وعقده عليه، وتأكده عنده، وذلك حين أخبرته خديجة ما كان من أمره مع غلامها ميسرة، وكيف كانت الغمامة تظلله في هجير القيظ، فقال ورقة في ذلك أشعارا قدمناها قبل هذا منها قوله: لججت وكنت في الذكرى لجوجا لأمر طالما بعث النشيجا ووصف من خديجة بعد وصف فقد طال انتظاري يا خديجا إلخ
[ ٢ / ١٥٩ ]
بَابُ مَنْ [تَقَدَّمَ إِسْلَامُهُ] [(١)] مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃، وَمَا ظَهَرَ لِأَبِي بَكْرٍ مِنْ آيَاتِهِ، وَمَا سَمِعَ طَلْحَةُ مِنْ قَوْلِ الرَّاهِبِ، وَمَا ظَهَرَ لِابْنِ مَسْعُودٍ مِنْ آيَاتِهِ، وَمَا رَأَى خَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ فِي مَنَامِهِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قال: «وَكَانَتْ خَدِيجَةُ أَوَّلَ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَصَدَّقَ بِمَا جَاءَ بِهِ، قَالَ: ثُمَّ إِنَّ جِبْرِيلَ ﵇ أَتَى رَسُولَ اللهِ ﵌ حِينَ افْتُرِضَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ» فَهَمَزَ [(٢)] لَهُ بِعَقِبِهِ فِي نَاحِيَةِ الْوَادِي فَانْفَجَرَتْ لَهُ عَيْنٌ مِنْ مَاءِ مُزْنٍ فَتَوَضَّأَ جِبْرِيلُ وَمُحَمَّدٌ ﵉ ثُمَّ صَلَّيَا [(٣)] رَكْعَتَيْنِ وِسَجَدَا أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ ثُمَّ رَجَعَ النَّبِيُّ ﵌، قَدْ أَقَرَّ اللهُ عَيْنَهُ وَطَابَتْ نَفْسُهُ وَجَاءَهُ مَا يُحِبُّ مِنَ اللهِ فَأَخَذَ بِيَدِ خَدِيجَةَ حَتَّى أَتَى بِهَا الْعَيْنَ فَتَوَضَّأَ كَمَا تَوَضَّأَ جِبْرِيلُ ثُمَّ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ هُوَ وَخَدِيجَةُ ثُمَّ كَانَ هُوَ وَخَدِيجَةُ يُصَلِّيَانِ سِرًّا [(٤)] .
_________________
(١) [(١)] كذا ورد العنوان في (م) و(ص) و(هـ)، وأما في (ح)، فجاء: «باب من تفقه وأسلم من الصحابة » [(٢)] الزيادة من (ح)، وكلمة «همز» سقطت من (م) . [(٣)] في (ح) و(هـ): «صلى» . [(٤)] الخبر في سيرة ابن هشام (١: ٢٦٣)، ونقله عنه الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية» (٣: ٢٤)، وقال: «صلاة جبريل هذه غير الصلاة التي صلاها به عند البيت مرتين، فبين له أوقات الصلاة الخمس، أولها وآخرها، فإن ذلك كان بعد فرضيتها ليلة الإسراء» .
[ ٢ / ١٦٠ ]
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: [ثُمَّ] [(٥)] إِنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ [﵁] [(٦)] جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ بِيَوْمٍ فَوَجَدَهُمَا يُصَلِّيَانِ، فَقَالَ عَلِيٌّ [﵁] [(٧)] مَا هَذَا يَا مُحَمَّدُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: دِينُ اللهِ الَّذِي اصْطَفَى لِنَفْسِهِ وَبَعَثَ بِهِ رُسُلَهُ فَأَدْعُوكَ إِلَى اللهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَإِلَى عِبَادَتِهِ وَكُفْرٍ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى. فَقَالَ عَلِيٌّ: هَذَا أَمْرٌ لَمْ أَسْمَعْ [بِهِ] [(٨)] قَبْلَ الْيَوْمِ فَلَسْتُ بِقَاضٍ أَمْرًا حَتَّى أُحَدِّثَ بِهِ أَبَا طَالِبٍ، وَكَرِهَ رَسُولُ الله ﵌ أَنْ يُفْشِيَ عَلَيْهِ سَرَّهُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَعْلِنَ [(٩)] أَمْرُهُ فَقَالَ لَهُ يَا عَلِيُّ إِذَا [(١٠)] لَمْ تُسْلِمْ فَاكْتُمْ. فَمَكَثَ عَلِيٌّ تِلْكَ اللَّيْلَةَ [ثُمَّ إِنَّ اللهَ﵎- أَوْقَعَ فِي قَلْبِ عَلِيٍّ﵁ الْإِسْلَامَ، فَأَصْبَحَ غَادِيًا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﵌] [(١١)] حَتَّى جَاءَهُ فَقَالَ: ماذا عَرَضْتَ عَلَيَّ يَا مُحَمَّدُ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﵌: تَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَتَكْفُرُ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى، وَتَبْرَأُ مِنَ الْأَنْدَادِ، فَفَعَلَ عَلِيٌّ، وَأَسْلَمَ فَمَكَثَ عَلِيٌّ يَأْتِيهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ أَبِي طَالِبٍ، وَكَتَمَ عَلِيٌّ إِسْلَامَهُ وَلَمْ يُظْهِرْهُ، وَأَسْلَمَ ابْنُ حَارِثَةَ، فَمَكَثَا قَرِيبًا مِنْ شَهْرٍ، يَخْتَلِفُ عَلِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﵌، وَكَانَ مِمَّا أَنْعَمَ اللهُ عَلَى عَلِيٍّ أَنَّهُ كَانَ فِي حِجْرِ رَسُولِ اللهِ ﵌ قَبْلَ الْإِسْلَامِ» [(١٢)] .
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمَّارُ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: حدّثني سلمة
_________________
(١) [(٥)] سقطت من (ص) . [(٦)] الزيادة من (ح) . [(٧)] الزيادة من (م) و(ص) . [(٨)] الزيادة من (ح) . [(٩)] حرفت في (ح) إلى «يستغلن» . [(١٠)] في (ح) «إذا»، وفي بقية النسخ «إذ» . [(١١)] الزيادة بين الحاصرتين من (م) فقط. [(١٢)] سيرة ابن هشام (١: ٢٦٤- ٢٦٥) .
[ ٢ / ١٦١ ]
ابن الْفَضْلِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ بن [مُجَاهِدِ بْنِ جَبْرٍ أَبِي الْحَجَّاجِ] [(١٣)] قَالَ: وَكَانَ مِنْ نِعْمَةِ اللهِ عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ [﵁] [(١٤)] مِمَّا صَنَعَ إِلَيْهِ وَأَرَادَ بِهِ مِنَ الْخَيْرِ، أَنَّ قُرَيْشًا أَصَابَتْهُمْ أَزْمَةٌ شَدِيدَةٌ وَكَانَ أَبُو طَالِبٍ ذَا عِيَالٍ كَثِيرٍ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌ لِلْعَبَّاسِ عَمِّهِ وَكَانَ أَيْسَرَ بَنِي هَاشِمٍ: يَا عَبَّاسُ إِنَّ أَخَاكَ أَبَا طَالِبٍ كَثِيرُ الْعِيَالِ وَقَدْ أَصَابَ النَّاسَ، مَا تَرَى مِنْ هَذِهِ الْأَزْمَةِ، فَانْطَلِقْ حَتَّى تُخِفِّفَ عَنْهُ مِنْ عِيَالِهِ فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﵌ عَلِيًّا فَضَمَّهُ إِلَيْهِ فَلَمْ يَزَلْ عَلِيٌّ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﵌ حَتَّى بَعَثَهُ اللهُ ﷿ نَبِيًّا فَاتَّبَعَهُ عَلِيٌّ وَآمَنَ بِهِ وَصَدَّقَهُ.
قُلْتُ وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي سِنِّهِ يَوْمَ أَسْلَمَ» [(١٥)] وَقَدْ مَضَتِ الرِّوَايَاتُ فِيهِ فِي كِتَابِ اللَّقِيطِ مِنْ كِتَابِ السُّنَنِ [(١٦)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي الْأَشْعَثِ الْكِنْدِيُّ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، قَالَ:
حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِيَاسِ بْنِ عَفِيفٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَفِيفٍ أَنَّهُ قَالَ:
كُنْتُ امْرَأً تَاجِرًا فَقَدِمْتُ مِنًى أَيَّامَ الْحَجِّ وَكَانَ الْعَبَّاسُ بن عبد المطلب امرءا تَاجِرًا فَأَتَيْتُهُ أَبْتَاعُ مِنْهُ وَأَبِيعُهُ. قَالَ: فَبَيْنَا نَحْنُ إِذْ خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ خِبَاءٍ يُصَلِّي فَقَامَ تُجَاهَ الْكَعْبَةِ ثُمَّ خَرَجَتِ امْرَأَةٌ فَقَامَتْ تُصَلِّي وَخَرَجَ غُلَامٌ فَقَامَ يُصَلِّي مَعَهُ فَقُلْتُ: يَا عَبَّاسُ مَا هَذَا الدِّينُ إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَا نَدْرِي مَا هُوَ؟ فَقَالَ هَذَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ يَزْعُمُ أَنَّ اللهَ [﵎] [(١٧)] أَرْسَلَهُ وَأَنَّ كُنُوزَ كِسْرَى وَقَيْصَرَ ستفتح عليه،
_________________
(١) [(١٣)] في (ح) و(م): «مجاهد بن جبر بن أبي الحجاج» وهو غلط. [(١٤)] الزيادة من (ح) . [(١٥)] سيرة ابن هشام (١: ٢٦٤) . [(١٦)] السنن الكبرى في كتاب اللقطة (٦: ٢٠٦- ٢٠٧) . [(١٧)] الزيادة من (هـ) .
[ ٢ / ١٦٢ ]
وَهَذِهِ امْرَأَتُهُ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ آمَنَتْ بِهِ، وَهَذَا الْغُلَامُ ابْنُ عَمِّهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ آمَنَ بِهِ قَالَ عَفِيفٌ: فَلَيْتَنِي كُنْتُ آمَنْتُ بِهِ يَوْمَئِذٍ فَكُنْتُ أَكُونُ ثَالِثًا [(١٨)] تَابَعَهُ إِبْرَاهِيمُ بن سعد عن محمد بن إسحق وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: إِذْ خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ خِبَاءٍ قَرِيبٍ مِنْهُ فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ فَلَمَّا رَآهَا قَدْ مَالَتْ قَامَ يُصَلِّي ثُمَّ ذَكَرَ قِيَامَ خَدِيجَةَ خَلْفَهُ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ:
حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحْرِزُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: [حَدَّثَنَا] عَبْدُ العزيز ابن مُحَمَّدٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ: أَنَّ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِرَسُولِ اللهِ ﵌ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدِ، وَأَوَّلَ رَجُلَيْنِ أَسْلَمَا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵄، وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ [الصِّدِّيقَ] [(١٩)] أَوَّلُ مَنْ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ وَأَنَّ عَلِيًّا كَانَ يَكْتُمُ الْإِسْلَامَ فَرَقًا مِنْ أَبِيهِ حَتَّى لَقِيَهُ أَبُو طَالِبٍ فَقَالَ: أَسْلَمْتَ. قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: وَآزِرِ ابْنَ عَمِّكَ وَانْصُرْهُ وَقَالَ: أَسْلَمَ عَلِيٌّ قَبْلَ أَبِي بَكْرٍ [(٢٠)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ [مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ] [(٢١)] قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: ثُمَّ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ﵁- لَقِيَ رَسُولُ اللهِ ﵌
_________________
(١) [(١٨)] حديث صحيح أخرجه البخاري في «التاريخ الكبير» عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، وابن كثير في التاريخ، والحاكم في المستدرك، وقال: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه»، ووافقه الذهبي. ورواه الطبري في «التاريخ» وابن عبد البر في الاستيعاب، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٩: ١٠٣): «رواه أحمد، وأبو يعلى بنحوه، والطبراني بأسانيد، ورجال أحمد ثقات» . [(١٩)] الزيادة من (هـ) . [(٢٠)] البداية والنهاية (٣: ٢٧) . [(٢١)] الزيادة من (هـ) .
[ ٢ / ١٦٣ ]
فَقَالَ: أَحَقٌّ مَا تَقُولُ قُرَيْشٌ يَا مُحَمَّدُ مِنْ تَرْكِكَ آلِهَتَنَا وَتَسْفِيهِكَ عُقُولَنَا وَتَكْفِيرِكَ آبَاءَنَا [(٢٢)] فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: بَلَى إِنِّي رَسُولُ اللهِ وَنَبِيُّهُ، بَعَثَنِي لِأُبَلِّغَ رِسَالَتَهُ وَأَدْعُوكَ إِلَى اللهِ بالحق، فو الله إِنَّهُ لَلْحَقُّ، أَدْعُوكَ يَا أَبَا بَكْرٍ إِلَى اللهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَلَا تَعْبُدْ [(٢٣)] غَيْرَهُ، وَالْمُوَالَاةَ عَلَى طَاعَتِهِ- وَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ فَلَمْ يُقِرَّ وَلَمْ يُنْكِرْ فَأَسْلَمَ وَكَفَرَ بِالْأَصْنَامِ وَخَلَعَ الْأَنْدَادَ وَآمَنَ بِحَقِّ الْإِسْلَامِ، وَرَجَعَ أَبُو بَكْرٍ وَهُوَ مُؤْمِنٌ مُصَدِّقٌ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحُصَيْنِ التَّمِيمِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌، قَالَ: «مَا دَعَوْتُ أَحَدًا إِلَى الْإِسْلَامِ إِلَّا كَانَتْ عَنْهُ كَبْوَةٌ وَتَرَدُّدٌ وَنَظَرٌ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ مَا عَتَّمَ مِنْهُ [(٢٤)] حِينَ ذَكَرْتُهُ وَمَا تَرَدَّدَ فِيهِ [(٢٥)] .
قُلْتُ: وَهَذَا لِأَنَّهُ كَانَ يَرَى دَلَائِلَ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﵌ وَيَسْمَعُ [(٢٦)] آثَارَهُ [(٢٧)] قَبْلَ دَعْوَتِهِ فَحِينَ دَعَاهُ كَانَ [قَدْ] [(٢٨)] سَبَقَ فِيهِ تَفَكُّرُهُ وَنَظَرُهُ فَأَسْلَمَ فِي الْحَالِ» .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أبي إسحق، عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ كَانَ إِذَا بَرَزَ سَمِعَ مَنْ يُنَادِيهِ: يَا محمد.
_________________
(١) [(٢٢)] في (ح): رسمت: «آبانا» . [(٢٣)] في (ح): «يعبد» وهو تحريف. [(٢٤)] في (ح): «عنه» . [(٢٥)] نقله ابن كثير، عن المصنف في «البداية والنهاية» (٣: ٢٦- ٢٧)، وهذا الذي ذكره المصنف عن ابن إسحق ليس في سيرة ابن هشام. [(٢٦)] في (هـ): «وسمع» . [(٢٧)] في (ص): «إنشاده»، وفي (م): «إنشاره» . [(٢٨)] الزيادة من (ص) و(هـ) .
[ ٢ / ١٦٤ ]
فَإِذَا سَمِعَ الصَّوْتَ انْطَلَقَ هَارِبًا فَأَسَرَّ ذَلِكَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَكَانَ نَدِيمًا لَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ» .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ- هُوَ الْأَصَمُّ- قَالَ:
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إسحق قَالَ:
«كَانَ أَوَّلُ مَنِ اتَّبَعَ رَسُولَ اللهِ ﵌ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ زَوْجَتُهُ ثُمَّ كَانَ أَوَّلُ ذَكَرٍ آمَنَ بِهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ، ثُمَّ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ ثُمَّ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، فَلَمَّا أَسْلَمَ أَبُو بَكْرٍ أَظْهَرَ إِسْلَامَهُ وَدَعَا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ.
وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَجُلًا مَأْلَفًا لِقَوْمِهِ مُحَبَّبًا سَهْلًا، وَكَانَ أَنْسَبَ قُرَيْشٍ لِقُرَيْشٍ وَأَعْلَمَ قُرَيْشٍ [بِمَا كَانَ فِيهَا] [(٢٩)] مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ [(٣٠)] .
وَكَانَ رَجُلًا تَاجِرًا ذَا خُلُقٍ وَمَعْرُوفٍ، وَكَانَ جُلُّ قَوْمِهِ يَأْتُونَهُ وَيَأَلَفُونَهُ لِغَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الْأَمْرِ لِعِلْمِهِ وَتِجَارَتِهِ وَحُسْنِ مُجَالَسَتِهِ، فَجَعَلَ يَدْعُو إِلَى الْإِسْلَامِ مَنْ وَثِقَ بِهِ مِنْ قَوْمِهِ، مَنْ يَغْشَاهُ وَيَجْلِسُ إِلَيْهِ، فَأَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ فِيمَا بَلَغَنِي: الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ، وَسَعْدٌ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، فَانْطَلَقُوا حَتَّى أَتَوْا رَسُولَ اللهِ ﵌ وَمَعَهُمْ أَبُو بَكْرٍ، فَعَرَضَ عَلَيْهِمُ الْإِسْلَامَ، وَقَرَأَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ، وَأَنْبَأَهُمْ بِحَقِّ الْإِسْلَامِ، وَبِمَا وَعَدَهُمُ اللهُ مِنَ الْكَرَامَةِ فَآمَنُوا وَأَصْبَحُوا مُقِرِّينَ بِحَقِّ الْإِسْلَامِ، فَكَانَ هَؤُلَاءِ النَّفَرُ الثَّمَانِيَةُ الَّذِينَ سَبَقُوا إِلَى الْإِسْلَامِ، فَصَلَّوْا وَصَدَّقُوا رَسُولَ اللهِ ﵌ وَآمَنُوا بِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللهِ» [(٣١)] .
حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ إِمْلَاءً، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ أحمد
_________________
(١) [(٢٩)] ليست في (م) . [(٣٠)] في (هـ): «لخير وشر» . [(٣١)] سيرة ابن هشام (١: ٢٦٨)، «البداية والنهاية» (٣: ٢٩) . وانظر الدّرر في اختصار المغازي والسير لابن عبد البر (٣٨- ٣٩) .
[ ٢ / ١٦٥ ]
ابن بُطَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْجَهْمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ [(٣٢)] بْنُ الْفَرَجِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ، [حَدَّثَهُ] [(٣٣)] عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ الْوَالِبِيِّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ، قَالَ: قَالَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ: «حَضَرْتُ سُوقَ بُصْرَى فَإِذَا رَاهِبٌ فِي صَوْمَعَتِهِ يَقُولُ: سَلُوا أَهْلَ [هَذَا] [(٣٤)] الْمَوْسِمِ أَفِيهِمْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرَمِ، قَالَ طَلْحَةُ:
قُلْتُ نَعَمْ أَنَا. فَقَالَ: هَلْ ظَهَرَ أَحْمَدُ [بَعْدُ] [(٣٥)]؟ قَالَ: قُلْتُ وَمَنْ أَحْمَدُ؟
قَالَ: ابْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، هَذَا شَهْرُهُ الَّذِي يَخْرُجُ فِيهِ وَهُوَ آخِرُ الْأَنْبِيَاءِ مَخْرَجُهُ مِنَ الْحَرَمِ وَمُهَاجَرُهُ إِلَى نَخْلٍ وَحَرَّةٍ وَسِبَاخٍ فَإِيَّاكَ أَنْ تُسْبَقَ إِلَيْهِ.
قَالَ طَلْحَةُ: فَوَقَعَ فِي قَلْبِي مَا قَالَ فَخَرَجْتُ سَرِيعًا حَتَّى قَدِمْتُ مَكَّةَ فَقُلْتُ:
هَلْ كَانَ مِنْ حَدَثٍ؟ قَالُوا: نَعَمْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأَمِينُ، تَنَبَّأَ [(٣٦)]، وَقَدْ تَبِعَهُ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ، قَالَ: فَخَرَجْتُ حَتَّى دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فَقُلْتُ أَتَبِعْتَ هَذَا الرَّجُلَ؟ قَالَ: نَعَمْ فَانْطَلِقْ إِلَيْهِ فَادْخُلْ عَلَيْهِ فَاتَّبِعْهُ فَإِنَّهُ يَدْعُو إِلَى الْحَقِّ، فَأَخْبَرَهُ طَلْحَةُ بِمَا قَالَ الرَّاهِبُ فَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ بِطَلْحَةَ، فَدَخَلَ بِهِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﵌، فَأَسْلَمَ طَلْحَةُ وَأَخْبَرَ رسول الله ﵌ بِمَا قَالَ الرَّاهِبُ، فَسَّرَ رَسُولُ اللهِ ﵌ بِذَلِكَ، فَلَمَّا أَسْلَمَ أَبُو بَكْرٍ وَطَلْحَةُ، أَخَذَهُمَا نوفل بن خويلد بن الْعَدَوِيَّةِ فَشَدَّهُمَا فِي حَبَلٍ وَاحِدٍ، وَلَمْ يَمْنَعْهُمَا بَنُو تَيْمٍ، وَكَانَ نَوْفَلُ بْنُ خُوَيْلِدٍ يُدْعَى: أَسَدَ قُرَيْشٍ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ أَبُو بَكْرٍ وَطَلْحَةُ: الْقَرِينَيْنِ» [(٣٧)] .
وأَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ قَتَادَةَ، قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ
_________________
(١) [(٣٢)] في (ح): «الحسن» . [(٣٣)] في (ح): «حدثني» . [(٣٤)] الزيادة من (ح) . [(٣٥)] سقطت من (ح) . [(٣٦)] رسمت في (ح): «تنبى» . [(٣٧)] البداية والنهاية (٣: ٢٩)، عن المصنف.
[ ٢ / ١٦٦ ]
مَطَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو خُبَيْبٍ الْعَبَّاسُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْقَاضِي الْبِرْتِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ الطَّلْحِيُّ أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عُبَيْدُ الله بن إسحق عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ الْوَاقِدِيِّ فَذَكَرَهُ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ. إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي آخِرِهِ، «وَكَانَ [(٣٨)] نَوْفَلُ بْنُ خُوَيْلِدٍ مِنْ أَشَدِّ قُرَيْشٍ وَلِذَلِكَ سُمِّيَ أَبُو بَكْرٍ وَطَلْحَةُ: الْقَرِينَيْنِ [(٣٩)] وَنَوْفَلُ بْنُ خُوَيْلِدٍ الَّذِي قَالَ النَّبِيُّ ﵌: «اللهُمَّ اكْفِنَا شَرَّ ابْنِ الْعَدَوِيَّةِ» [(٤٠)] .
قُلْتُ وَيُذْكَرُ عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ أَخَا طَلْحَةَ قَرَنَ طَلْحَةَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ لِيَحْبِسَهُ عَنِ الصَّلَاةِ وَيَرُدَّهُ عَنْ دِينِهِ وَحَرَّرَ يَدَهُ مِنْ يَدِ أَبِي بَكْرٍ، فَلَمْ يَرْعَهُمْ إِلَّا وَهُوَ يُصَلِّي مَعَ أَبِي بَكْرٍ» .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَارِمٍ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَسَّانَ السَّمْتِيُّ قال:
حدثنا إسمعيل بْنُ مُجَالِدٍ، (ح) .
وأَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأَدِيبُ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إسمعيل بْنُ مُجَالِدٍ [(٤١)] عَنْ بَيَانٍ، عَنْ وَبَرَةَ، عَنْ هَمَّامٍ، قَالَ:
قَالَ عَمَّارُ- هُوَ ابْنُ يَاسِرٍ-: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ وَمَا مَعَهُ إِلَّا خَمْسَةُ أَعْبُدٍ، وَامْرَأَتَانِ، وَأَبُو بَكْرٍ» .
وَفِي رِوَايَةِ السَّمْتِيِّ، قَالَ: «سَمِعْتُ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ يَقُولُ» .
_________________
(١) [(٣٨)] في (م) و(ص): «فكان» . [(٣٩)] في (ح): «القرينان» !. [(٤٠)] البداية والنهاية (٣: ٢٩) . [(٤١)] في (ح) و(ص) و(م): «عن مجالد» وهو خطأ.
[ ٢ / ١٦٧ ]
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ [(٤٢)] عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ، وَعَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الطَّيِّبِ، عن إسمعيل.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا: عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُهَاجِرٍ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ [(٤٣)]، قَالَ: «أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ فِي أَوَّلِ مَا بُعِثَ وَهُوَ بِمَكَّةَ وَهُوَ حِينَئِذٍ مُسْتَخْفٍ، فَقُلْتُ: مَا أَنْتَ قَالَ [(٤٤)] أَنَا نَبِيٌّ. فَقُلْتُ: وَمَا النَّبِيُّ؟ قَالَ: رَسُولُ اللهِ. قُلْتُ: آللَّهُ أَرْسَلَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: بِمَا أَرْسَلَكَ؟ قَالَ: بِأَنْ يُعْبَدَ اللهُ وَتُكَسَّرَ الْأَوْثَانُ، وَتُوصَلَ الْأَرْحَامِ. قَالَ، قُلْتُ: نِعْمَ مَا أَرْسَلَكَ بِهِ، فَمَنْ تَبِعَكَ عَلَى هَذَا؟ قَالَ: حُرٌّ، وَعَبْدٌ، يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ وَبِلَالًا، قَالَ: وَكَانَ عَمْرٌو يَقُولُ لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَأَنَا رُبُعُ أَوْ رَابِعُ أَرْبَعٍ [(٤٥)] قَالَ: فَأَسْلَمْتُ. قُلْتُ فَأَتَّبِعُكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: لَا وَلَكِنِ الْحَقْ بِقَومِكَ فَإِذَا أُخْبِرْتَ أَنِّي قَدْ خَرَجْتُ فَاتَّبِعْنِي» [(٤٦)] .
_________________
(١) [(٤٢)] في كتاب المناقب (باب) في فضل أبي بكر عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الطيب، وفي كتاب المناقب، (باب) إسلام أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ، كلاهما عن إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُجَالِدٍ، عَنْ بَيَانِ بْنِ بِشْرٍ، عن وبرة بن عبد الرحمن، عن همام، عن عمار. تحفة الأشراف (٧: ٤٨٣- ٤٨٤) . [(٤٣)] عمرو بن عبسة بن خالد بن حذيفة، الإمام الأمير، أو نجيح السّلمي البجلي، أحد السابقين، ومن كان يقال هو: ربع الإسلام. كان من أمراء الجيش يوم وقعة اليرموك. ترجمته في التاريخ لابن معين (٢: ٤٤٩)، طبقات ابن سعد (٤: ٢١٤)، تهذيب التهذيب (٨: ٦٩)، والإصابة، وغيرها. [(٤٤)] في (ح): «فقال» . [(٤٥)] في (ح): «ربع أو رابع» . [(٤٦)] أخرجه مسلم في: ٦- كتاب صلاة المسافرين وقصرها (٥٢) باب إسلام عمرو بن عبسة، ح (٢٩٤)، ص (٥٦٩) وتمامه: «قال: فذهبت إلى أهلي، وَقَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﵌ المدينة، وكنت في
[ ٢ / ١٦٨ ]
هَذَا حَدِيثٌ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ شَدَّادِ ابن عَمَّارٍ، وَيَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو الْبِسْطَامِيُّ، قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، قَالَ:
أَخْبَرَنِي الْهَيْثَمُ الدُّورِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ هَاشِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: سمعت سعد ابن أَبِي وَقَّاصٍ، يَقُولُ: مَا أَسْلَمَ أَحَدٌ إِلَّا فِي الْيَوْمِ الَّذِي أَسْلَمْتُ فِيهِ ولقد
_________________
(١) [()] أهلي. فجعلت أتخبر الأخبار وأسأل النّاس حين قدم المدينة. حتّى قدم عليّ نفر من أهل يثرب من أهل المدينة. فقلت: ما فعل هذا الرّجل الّذي قدم المدينة؟ فقالوا: النّاس إليه سراع. وقد أراد قومه قتله فلم يستطيعوا ذلك. فقدمت المدينة. فَدَخَلَتُ عَلَيْهِ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أتعرفني؟ قال «نعم. أنت الّذي لقيتني بمكّة؟» قال فقلت: بلى. فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، أخبرني عمّا علّمك الله وأجهله. أخبرني عن الصّلاة؟ قال «صلّ صلاة الصّبح. ثمّ أقصر عن الصّلاة حتّى تطلع الشّمس حتّى ترتفع. فإنّها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان. وحينئذ يسجد لها الكفّار. ثمّ صلّ. فإنّ الصّلاة مشهودة محضورة. حتّى يستقلّ الظّلّ بالرّمح. ثمّ أقصر عن الصّلاة. فإنّ، حينئذ، تسجر جهنّم. فإذا أقبل الفيء فصلّ. فإنّ الصّلاة مشهودة محضورة. حتّى تصلّي العصر. ثمّ أقصر عن الصّلاة. حتّى تغرب الشّمس. فإنّها تغرب بين قرني شيطان. وحينئذ يسجد لها الكفّار» . قال فقلت: يا نبيّ الله! فالوضوء؟ حدّثني عنه. قال «ما منكم رجل يقرّب وضوءه فيتمضمض ويستنشق فينتثر إلّا خرّت خطايا وجهه وفيه وخياشيمه. ثمّ إذا غسل وجهه كما أمره الله إلّا خرّت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء ثمّ يغسل يديه إلى المرفقين إلّا خرّت خطايا يديه من أنامله مع الماء. ثمّ يمسح رأسه إلّا خرّت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء. ثمّ يغسل قدميه إلى الكعبين إلّا خرّت خطايا رجليه من أنامله مع الماء. فإن هو قام فصلّى، فحمد الله وأثنى عليه، ومجّده بالّذي هو له أهل، وفرّغ قلبه لله، إلّا انصرف من خطيئته كهيئته يوم ولدته أمّه» فحدّث عمرو بن عبسة بهذا الحديث أبا أمامة صاحب رسول الله ﵌. فقال له أبو أمامة: يا عمرو بن عبسة! انظر ما تقول في مقام واحد يعطى هذا الرّجل؟ قال عمرو: يا أبا أمامة! لقد كبرت سنّي، ورقّ عظمي، واقترب أجلي، وما بي حاجة أن أكذب على الله، ولا على رسول الله. لو لم أسمعه من رسول الله ﵌ إلّا مرّة أو مرّتين أو ثلاثا (حتّى عدّ سبع مرّات) ما حدّثت به أبدا. ولكنّي سمعته أكثر من ذلك.
[ ٢ / ١٦٩ ]
مَكَثْتُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَإِنِّي لثلث الْإِسْلَامِ» .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ [(٤٧)] عن إسحق، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الرُّوذْبَارِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ الْمُحَمَّدَابَاذِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو قِلَابَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَايِدَةُ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ:
«أَوَّلُ مَنْ أَظْهَرَ إِسْلَامَهُ سَبْعَةٌ: النَّبِيُّ ﵌، وَأَبُو بَكْرٍ- زَادَ فِيهِ غَيْرُهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي بُكَيْرٍ-: وَعَمَّارٌ، وأمه سمية، وصهيب، وبلال، والمقداد» [(٤٨)] .
_________________
(١) [(٤٧)] أخرجه البخاري فِي: ٦٢- كِتَابِ فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ (١٥) باب مناقب سعد بن أبي وقاص الزّهري، فتح الباري (٧: ٧٣) . قال الصالحي في السيرة الشامية (٢: ٤١١) . قال الحافظ: قال ذلك سعد بحسب اطلاعه، والسبب فيه أن من كان أسلم في ابتداء الأمر كان يخفي إسلامه ولعله أراد بالاثنين الآخرين خديجة وأبابكر، أو النبي ﵌ وأبابكر. وقد كانت خديجة أسلمت قطعا، فلعله خصّ الرجال. وبما ذكر يحصل الجمع بين حديث عمار بن ياسر وبين حديثي عمار وسعد، أو يحمل قول سعد على الأحرار البالغين ليخرج الأعبد المذكورون أو لم يكن اطلع على أولئك. ويدل على هذا الأخير أنه وقع عند الإسماعيلي بلفظ: «ما أسلم أحد قبلي» وهو مقتضى رواية البخاري، وهي مشكلة لأنه قد أسلم قبله جماعة لكن يحمل ذلك على مقتضى ما كان اتصل بعلمه حينئذ. ورواه ابن مندة بلفظ: ما أسلم أحد في اليوم الذي أسلمت فيه وهذه لا إشكال فيها إذ لا مانع أن لا يشاركه أحد في الإسلام يوم أسلم. لكن رواه الخطيب من الطريق التي رواها ابن مندة فأثبت «إلا» فتعيّن الحمل على ما قلته. انتهى. [(٤٨)] أخرجه ابن حبان في صحيحه، والحاكم في المستدرك من وجه فيه زيادة وبنفس الإسناد (٣: ٣٨٤)، وقال «صحيح الإسناد، ولم يخرجاه»، ووافقه الذهبي. وأخرجه ابن ماجة في المقدمة (١١) باب في فضائل أصحاب رسول الله ﵌، حديث رقم
[ ٢ / ١٧٠ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو أَحْمَدَ الدَّارِمِيُّ. قَالَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إسحق بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسٍ، قَالَ: «سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ زيد بن عمرو ابن نُفَيْلٍ فِي مَسْجِدِ الْكُوفَةِ يَقُولُ [(٤٩)]: وَاللهِ لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَإِنَّ عُمَرَ لَمُوثِقِي، وَأُخْتَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ عُمَرُ وَلَوْ أَنَّ أُحُدًا ارْفَضَّ لِلَّذِي صَنَعْتُمْ بِعُثْمَانَ، لَكَانَ [مَحْقُوقًا أَنْ يَرْفَضَّ] [(٥٠)] رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ.
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ فُورَكٍ- رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ [بْنِ مَسْعُودٍ]، قَالَ:
«كُنْتُ غُلَامًا يَافِعًا أَرْعَى غَنَمًا لِعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ بِمَكَّةَ فَأَتَى عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﵌، وَأَبُو بَكْرٍ، وَقَدْ فَرَّا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَا: يَا غُلَامُ! عِنْدَكَ لَبَنٌ تَسْقِينَا؟ قُلْتُ: إِنِّي مُؤْتَمَنٌ، وَلَسْتُ بِسَاقِيكُمَا، فَقَالَا: هَلْ عِنْدَكَ مِنْ جَذَعَةٍ لَمْ يَنْزُ عَلَيْهَا الْفَحْلُ بَعْدُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَأَتَيْتُهُمَا بِهَا، فَاعْتَقَلَهَا أَبُو بَكْرٍ، وَأَخَذَ رسول الله ﵌ الضَّرْعَ فَدَعَا، فَحَفَلَ الضَّرْعُ، وَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ بِصَخْرَةٍ مُنْقَعِرَةٍ، فَحَلَبَ فِيهَا، ثُمَّ شَرِبَ هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ سَقَانِي، ثُمَّ قَالَ لِلضَّرْعِ: اقْلُصْ، فَقَلَصَ فَلَمَّا كَانَ بَعْدُ، أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌، فَقُلْتُ: عَلِّمْنِي مِنْ هَذَا الْمَقُولِ الطَّيِّبِ- يَعْنِي الْقُرْآنَ- فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «إِنَّكَ غُلَامٌ مُعَلَّمٌ»، فأخذت من
_________________
(١) [()] (١٥٠)، صفحة (١: ٥٣)، والإمام أحمد في «مسنده» (١: ٤٤٠)، وذكره الهيثمي في الزوائد، وقال: «إسناده ثقات» . [(٤٩)] في (ح): «يقول في مسجد الكوفة» . [(٥٠)] الزيادة من صحيح البخاري، والحديث أخرجه البخاري في: ٦٣- كتاب مناقب الأنصار (٣٤) باب إسلام سعيد بن زيد، حديث (٣٨٦٢)، فتح الباري (٧: ١٧٦) .
[ ٢ / ١٧١ ]
فِيهِ سَبْعِينَ سُورَةً مَا يُنَازِعُنِي فِيهَا أَحَدٌ [(٥١)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الرُّوذْبَارِيُّ وأَبُو عَبْدِ اللهِ الْحُسَيْنُ بْنُ عُمَرَ بْنِ بُرْهَانَ الْغَزَّالُ، وَأَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ، وأَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ السُّكَّرِيُّ، قَالُوا: أَخْبَرَنَا [(٥٢)] إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ ابن عَرَفَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ عَنْ زِرِّ ابن حُبَيْشٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: «كُنْتُ أَرْعَى غَنَمًا لِعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ فَمَرَّ بِي رَسُولُ اللهِ ﵌، وَأَبُو بَكْرٍ ﵁ فَقَالَ لِي يَا غُلَامُ هَلْ مِنْ لَبَنٍ؟ قَالَ قُلْتُ: نَعَمْ وَلَكِنِّي مُؤْتَمَنٌ. قَالَ: فَهَلْ مِنْ شَاةٍ لَمْ يَنْزُ عَلَيْهَا الْفَحْلُ؟
قَالَ: فَأَتَيْتُهُ بِشَاةٍ فَمَسَحَ ضَرْعَهَا فَنَزَلَ لَبَنٌ فَحَلَبَهُ فِي إِنَاءٍ فَشَرِبَ وَسَقَى أَبَا بَكْرٍ، قَالَ: ثُمَّ قَالَ لِلضَّرْعِ اقْلُصْ فَقَلَصَ، قَالَ: ثُمَّ أَتَيْتُهُ بَعْدَ هَذَا فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ عَلِّمْنِي مِنْ هَذَا الْقَوْلِ. قَالَ، فَمَسَحَ رَأْسِي وَقَالَ يَرْحَمُكَ اللهُ فَإِنَّكَ غُلَيِّمٌ مُعَلَّمٌ» [(٥٣)] .
حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ بْنُ بُطَّةَ الْأَصْبَهَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْجَهْمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَرَجِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ قَالَ حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، قَالَ: «كَانَ إِسْلَامُ خَالِدٍ: يَعْنِي ابْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ قَدِيمًا، وَكَانَ أَوَّلَ إِخْوَتِهِ أَسْلَمَ وَكَانَ بُدُوُّ إِسْلَامِهِ أَنَّهُ رَأَى فِي النَّوْمِ أَنَّهُ وُقِفَ بِهِ عَلَى شَفِيرِ النَّارِ، فَذَكَرَ مِنْ سِعَتِهَا مَا اللهُ أَعْلَمُ بِهِ [(٥٤)]، وَيَرَى فِي النَّوْمِ كَأَنَّ أَبَاهُ يَدْفَعُهُ فِيهَا، وَيَرَى رسول الله ﵌ أَخَذَ بِحِقْوَيهِ لَا يَقَعُ. فَفَزِعَ مِنْ نَوْمِهِ،
_________________
(١) [(٥١)] انظر تخريجه في الخبر التالي. [(٥٢)] في (ح): «قال» . [(٥٣)] أخرجه الإمام أحمد في «مسنده» (١: ٣٧٩)، والفسوي في «المعرفة والتاريخ» (٢: ٥٣٧) . [(٥٤)] في (هـ): «ما الله تعالى أعلم به» . وفي (ح): «ما الله به أعلم» . وأثبت ما في (م) و(ص) .
[ ٢ / ١٧٢ ]
فَقَالَ [(٥٥)]: أَحْلِفُ بِاللهِ أَنَّ هَذِهِ لَرُؤْيَا حَقٌّ.
فَلَقِيَ أَبَا بَكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ﵁- فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ:
أُرِيدَ بِكَ خَيْرٌ. هَذَا رَسُولُ اللهِ ﵌ فَاتَّبِعْهُ فَإِنَّكَ سَتَتَّبِعُهُ وَتَدْخُلُ مَعَهُ فِي الْإِسْلَامِ، وَالْإِسْلَامُ يَحْجِزُكَ أَنْ تَدْخُلَ فِيهَا. وَأَبُوكَ وَاقِعٌ فِيهَا.
فَلَقِيَ رَسُولَ اللهِ ﵌ وَهُوَ بِأَجْيَادٍ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! إِلَى مَنْ تَدْعُو؟
فَقَالَ: أَدْعُو إِلَى اللهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَتَخْلَعُ مَا أَنْتَ عَلَيْهِ مِنْ عِبَادَةِ حَجَرٍ لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ وَلَا يَدْرِي مَنْ عَبَدَهُ مِمَّنْ لَمْ يَعْبُدْهُ.
قَالَ خَالِدٌ: فَإِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ، فَسُرَّ رَسُولُ اللهِ ﵌ بِإِسْلَامِهِ.
وَتَغَيَّبَ خَالِدٌ، وَعَلِمَ أَبُوهُ بِإِسْلَامِهِ فَأَرْسَلَ فِي طَلَبِهِ، فَأَتَى بِهِ فَأَنَّبَهُ وَضَرَبَهُ بِمِقْرَعَةٍ فِي يَدِهِ حَتَّى كَسَرَهَا عَلَى رَأْسِهِ، وَقَالَ: وَاللهِ لَأَمْنَعَنَّكَ الْقُوتَ. فَقَالَ خَالِدٌ إِنْ مَنَعْتَنِي فَإِنَّ اللهَ يَرْزُقُنِي مَا أَعِيشُ بِهِ. وَانْصَرَفَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ فَكَانَ يَلْزَمُهُ وَيَكُونُ مَعَهُ» [(٥٦)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ- هُوَ الْأَصَمُّ- قَالَ:
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عن ابن إسحق [(٥٧)]، قَالَ ثُمَّ أَسْلَمَ أَبُو عُبَيْدَةَ، وَاسْمُهُ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْجَرَّاحِ، وَأَبُو سَلَمَةَ وَاسْمُهُ عَبْدُ اللهِ ابن عَبْدِ الْأَسَدِ، والْأَرْقَمُ بْنُ أَبِي الْأَرْقَمِ الْمَخْزُومِيُّ وَعُبَيْدَةُ بن الحارث [(٥٨)] .
_________________
(١) [(٥٥)] في (ح): «وقال» . [(٥٦)] في (ح): «فكان يليه، ويكون معه»، والخبر نقله ابن كثير في «البداية والنهاية» (٣: ٣٢) عن المصنف. [(٥٧)] سيرة ابن هشام (١: ٢٦٩) . [(٥٨)] اضطربت الفقرة في جميع النسخ، وأثبتّ ما في سيرة ابن هشام.
[ ٢ / ١٧٣ ]
قَالَ يُونُسُ، عَنِ ابْنِ إسحق: وَعُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ الْجُمَحِيُّ: حَتَّى أَتَوْا رَسُولَ اللهِ ﵌، فَأَسْلَمُوا قَالَ: ثُمَّ أُنَاسٌ مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ مِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نفيل أَخُو بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ وَامْرَأَتُهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ الْخَطَّابِ أُخْتُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَأَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ، وَعَائِشَةُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ، وَهِيَ صَغِيرَةُ، وَقُدَامَةُ ابن مَظْعُونٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ مَظْعُونٍ الْجُمَحِيَّانِ، وَخَبَّابُ بْنُ الْأَرَتِّ حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ وَعُمَيْرُ [(٥٩)] بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ الزُّهْرِيُّ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ، وَمَسْعُودُ بْنُ الْقَارِئِ، وَسُلَيْطُ بْنُ عَمْرٍو أَخُو بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ وَعَيَّاشُ بن أبي ربيعة المخزومي وَامْرَأَتُهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ سَلَامَةَ التَّمِيمِيُّ وَخُنَيسُ بْنُ حُذَافَةَ السَّهْمِيُّ وَعَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ حَلِيفُ بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ جَحْشٍ الْأَسْدِيُّ، وَأَبُو أَحْمَدَ بْنُ جَحْشٍ، وَجَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبِ وَامْرَأَتُهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ [(٦٠)]، وَحَاطِبُ بْنُ الْحَارِثِ الْجُمَحِيُّ وَامْرَأَتُهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ الْمُجَلِّلِ [(٦١)]، وَالْخَطَّابُ بْنُ الْحَارِثِ وَامْرَأَتُهُ فُكَيْهَةُ بِنْتُ يَسَارٍ، وَمَعْمَرُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ مَعْمَرٍ الْجُمَحِيُّ، وَالسَّائِبُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ، وَالْمُطَّلِبُ بْنُ أَزْهَرَ بْنِ عَبْدِ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ، وَامْرَأَتُهُ رَمْلَةُ بِنْتُ أَبِي عَوْفِ بْنِ صُبَيْرَةَ [(٦٢)] وَالنَّحَّامُ وَاسْمُهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ أَخُو بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ وَعَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ [الصِّدِّيقِ]، وَخَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ وَامْرَأَتُهُ أَمِينَةُ بِنْتُ خَلَفِ بْنِ أَسْعَدَ بْنِ عَامِرِ بْنِ بَيَاضَةَ مِنْ خُزَاعَةَ، وَحَاطِبُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ أَخُو بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ وَأَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَوَاقِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ التَّمِيمِيُّ حَلِيفُ بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ، وخالد ابن الْبُكَيْرِ، وَإِيَاسُ بْنُ الْبُكَيْرِ، زَادَ غَيْرُهُ فِيهِ: وَعَامِرُ بْنُ الْبُكَيْرِ وَعَاقِلُ بْنُ
_________________
(١) [(٥٩)] في (ح): «وغدير» مصحفا. [(٦٠)] في (هـ): «عميش» . [(٦١)] في (ح): «المحلل» . [(٦٢)] في (م) و(ح): «صبرة» .
[ ٢ / ١٧٤ ]
الْبُكَيْرِ. قَالَ يُونُسُ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ وَعَمَّارُ بْنُ ياسر حلف بَنِي مَخْزُومٍ وَصُهَيْبُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: ثُمَّ دَخَلَ النَّاسُ أَرْسَالًا مِنَ النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ حَتَّى فَشَا [(٦٣)] ذِكْرُ الْإِسْلَامِ بِمَكَّةَ وَتُحُدِّثَ بِهِ. فَلَمَّا أَسْلَمَ هَؤُلَاءِ وَفَشَا أَمْرُهُمْ أَعْظَمَتْ ذَلِكَ قُرَيْشٌ وَغَضِبَتْ لَهُ، وَظَهَرَ لِرَسُولِ اللهِ ﵌ الْبَغْيُ وَالْحَسَدُ وَشَخَصَ لَهُ مِنْهُمْ رِجَالٌ فَبَادَوْهُ وَأَصْحَابَهُ بِالْعَدَاوَةِ، مِنْهُمْ: أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ، وَأَبُو لَهَبٍ» وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أسماءهم [(٦٤)] .
_________________
(١) [(٦٣)] رسمت في (م)، و(هـ): «فش» . [(٦٤)] أورد المصنف هذا مختصرا من سيرة ابن هشام (١: ٢٦٩- ٢٧٤) .
[ ٢ / ١٧٥ ]
بَابٌ مُبْتَدَأُ الْفَرْضِ عَلَى رَسُولِ اللهِ [(٦٥)] ﵌ ثُمَّ عَلَى النَّاسِ وَمَا وُجِدَ فِي جَمْعِهِ قُرَيْشًا وَإِطْعَامِهِ إِيَّاهُمْ مِنَ الْبَرَكَةِ فِي طَعَامِهِ
قَالَ اللهُ ﷿: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [(٦٦)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْفَقِيهُ، وأَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ الْفَضْلِ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْمُزَنِيُّ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: «قَامَ رَسُولُ اللهِ ﵌ حِينَ أَنْزَلَ اللهُ [﷿] [(٦٧)] عَلَيْهِ: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ اللهِ لَا [(٦٨)] أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللهِ-[﵌] [(٦٩)]- لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ لَا أُغْنِي عنك من الله شيئا» .
_________________
(١) [(٦٥)] في (م) و(ص): «النبي» . [(٦٦)] الآية الكريمة (٢١٤) من سورة الشعراء. [(٦٧)] الزيادة من (هـ) و(ص) . [(٦٨)] في (ح) «ولا» . [(٦٩)] الزيادة من (ح) و(هـ) .
[ ٢ / ١٧٦ ]
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي الْيَمَانِ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الزُّهْرِيِّ [(٧٠)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا جرير بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ:
«لَمَّا نَزَلَتْ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ دَعَا النَّبِيُّ ﵌ قُرَيْشًا، فَاجْتَمَعُوا فَعَمَّ وَخَصَّ، فَقَالَ: يَا بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ. يَا بَنِي مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ. يَا بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ. يَا بَنِي هَاشِمٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ.
يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ. [يَا فَاطِمَةُ أَنْقِذِي نَفْسَكِ مِنَ النَّارِ
_________________
(١) [(٧٠)] أخرجه البخاري في: ٥٥- كتاب الوصايا (١١) باب هل يدخل النساء والولد في الأقارب؟، حديث (٢٧٥٣)، فتح الباري (٥: ٣٨٢) عَنْ أَبِي الْيَمَانِ، عَنْ شُعَيْبٍ، عن الزهري، وأعاده في تفسير «وأنذر عشيرتك الأقربين، فتح الباري (٨: ٥٠١) . وأخرج البخاري في: ٦٢- كتاب المناقب (١٣) باب من انتسب إلى آبائه في الإسلام والجاهلية، ح (٣٥٢٧): فتح الباري (٦: ٥٥١): «حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شعيب، أخبرنا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ قَالَ: «يَا بَنِي عَبْدِ مناف، اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ اللهِ، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ اللهِ، يا أم الزبير بن العوام عمة رسول الله، يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ! اشتريا أنفسكما من الله، لا أملك لكما من الله شيئا، سلاني من مالي ما شئتما» . والحديث أخرجه النسائي في الوصايا عن محمد بن خالد، عن بِشْرُ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ أَبِيهِ والدارمي في الرقاق، والإمام أحمد في «مسنده» (١: ٢٠٦) . أما مسلّم فقد أخرجه في: ١- كتاب الإيمان (٨٩) باب قوله تعالى: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ حديث (٣٥١:، ص (١٩٢- ١٩٣) من طريق حرملة بن يحيى، عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب الزهري، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة.
[ ٢ / ١٧٧ ]
فَإِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا غَيْرَ أَنَّ لَكُمْ رَحِمًا سَأَبُلُّهَا بِبَلَالِهَا] [(٧١)]» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ وَزُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ جَرِيرٍ [(٧٢)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الْوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا التَّيْمِيُّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ الْمُخَارِقِ وَزُهَيْرِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَا: لَمَّا نَزَلَتْ: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ انْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ ﵌ إِلَى رَضْمَةٍ [(٧٣)] مِنْ جَبَلٍ فَعَلَا أَعْلَاهَا حَجَرًا [(٧٤)] ثُمَّ نَادَى: يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ! إِنِّي نَذِيرٌ إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ رَأَى الْعَدُوَّ فَانْطَلَقَ يربؤ [(٧٥)] أَهْلَهُ فَخَشِيَ أَنْ يَسْبِقُوهُ فَهَتَفَ يَا صَبَاحَاهُ [(٧٦)]» .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي كَامِلٍ [(٧٧)] .
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ محمد بن
_________________
(١) [(٧١)] ما بين الحاصرتين لم يرد في (ح)، وثابت في بقية النسخ. [(٧٢)] أخرجه مسلّم في: ١- كتاب الإيمان، (٨٩) باب في قوله تعالى: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ»، حديث (٣٤٨)، ص (١٩٢)، بإسناده الذي ذكره المصنف. (سأبلها ببلالها): معنى الحديث: سأصلها. شبهت قطيعة الرحم بالحرارة، ووصلها بإطفاء الحرارة ببرودة، ومنه: بلّوا أرحامكم. أي: صلوها. [(٧٣)] (رضمة): حجارة مجتمعة منثورة في الأرض. [(٧٤)] أي رقي في أرفعها وأعلاها. [(٧٥)] رسمت في النسخ هكذا، وفي صحيح مسلّم: يربأ، على وزن يقرأ، ومعناها: يطلع، من ربيئة: العين والطليعة. [(٧٦)] كلمة يعتادونها عند وقوع أمر عظيم، ليجتمعوا. [(٧٧)] الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي: ١- كتاب الإيمان، حديث رقم (٣٥٣)، ص (١٩٣) بإسناده الذي ذكره المصنف.
[ ٢ / ١٧٨ ]
يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: فَحَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ الحارث بْنِ نَوْفَلٍ وَاسْتَكْتَمَنِي اسْمَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ [﵁] [(٧٨)] قَالَ: «لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﵌: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [(٧٩)] . قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌ عَرَفْتُ أَنِّي إِنْ بَادَأْتُ بِهَا قَوْمِي رَأَيْتُ مِنْهُمْ مَا أَكْرَهُ [(٨٠)] فَصَمَتُّ عَلَيْهَا فَجَاءَنِي جِبْرِيلُ ﵇ فَقَالَ لِي [(٨١)]: يَا مُحَمَّدُ! إِنَّكَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ مَا أَمَرَكَ بِهِ رَبُّكَ عَذَّبَكَ رَبُّكَ. قَالَ عَلِيٌّ: فَدَعَانِي فَقَالَ يَا عَلِيُّ إِنَّ اللهَ قَدْ أَمَرَنِي أَنْ أُنْذِرَ عَشِيرَتِي الْأَقْرَبِينَ فَعَرَفْتُ أَنِّي إِنْ بَادَأْتُهُمْ بِذَلِكَ رَأَيْتُ مِنْهُمْ مَا أَكْرَهُ فَصَمَتُّ عَنْ ذَلِكَ ثُمَّ جَاءَنِي جِبْرِيلُ [﵇] [(٨٢)] فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ مَا أُمِرْتَ بِهِ عَذَّبَكَ رَبُّكَ فَاصْنَعْ لَنَا يَا عَلِيُّ رِجْلَ شَاةٍ عَلَى صَاعٍ مِنْ طَعَامٍ وَأَعِدَّ لَنَا عُسَّ [(٨٣)] لَبَنٍ ثُمَّ اجْمَعْ لِي بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَفَعَلْتُ فَاجْتَمَعُوا لَهُ وَهُمْ يَوْمَئِذٍ أَرْبَعُونَ رَجُلًا يزيدون رجلا أن يَنْقُصُونَهُ فِيهِمْ أَعْمَامُهُ أَبُو طَالِبٍ وَحَمْزَةُ وَالْعَبَّاسُ وَأَبُو لَهَبٍ الْكَافِرُ الْخَبِيثُ فَقَدَّمْتُ إِلَيْهِمْ تِلْكَ الْجَفْنَةَ فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﵌ مِنْهَا حُذْيَةً فَشَقَّهَا بِأَسْنَانِهِ ثُمَّ رَمَى بِهَا فِي نَوَاحِيهَا وَقَالَ كُلُوا بِسْمِ اللهِ فَأَكَلَ الْقَوْمُ حَتَّى نَهِلُوا عَنْهُ مَا يُرَى إِلَّا آثَارُ أَصَابِعِهِمْ وَاللهِ إِنْ كَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَأْكُلُ مِثْلَهَا. ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌ اسْقِهِمْ يَا عَلِيُّ فجيت بِذَلِكَ الْقَعْبِ فَشَرِبُوا مِنْهُ حَتَّى نَهِلُوا جَمِيعًا وَايْمُ اللهِ إِنْ كَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ لَيَشْرَبُ مِثْلَهُ فَلَمَّا أَرَادَ رَسُولُ اللهِ ﵌ أَنْ يُكَلِّمَهُمْ بَدَرَهُ أبو
_________________
(١) [(٧٨)] الزيادة من (ح) . [(٧٩)] (٢١٤- ٢١٥) من سورة الشعراء. [(٨٠)] في (ح): «ما أكده» . [(٨١)] الزيادة من (هـ) . [(٨٢)] الزيادة من (ح) و(هـ) . [(٨٣)] (العسّ): القدح الكبير.
[ ٢ / ١٧٩ ]
لَهَبٍ إِلَى الْكَلَامِ، فَقَالَ: لهدّما [(٨٤)] سَحَرَكُمْ صَاحِبُكُمْ. فَتَفَرَّقُوا وَلَمْ يُكَلِّمْهُمْ رَسُولُ اللهِ. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌ يَا عَلِيُّ عُدْ لَنَا بِمِثْلِ الَّذِي كُنْتَ صَنَعْتَ لَنَا بِالْأَمْسِ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فَإِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ بَدَرَنِي إِلَى مَا قَدْ سَمِعْتَ قَبْلَ أَنْ أُكَلِّمَ الْقَوْمَ. فَفَعَلْتُ، ثُمَّ جَمَعْتُهُمْ لَهُ فَصَنَعَ رَسُولُ اللهِ ﵌ كَمَا صَنَعَ بِالْأَمْسِ فَأَكَلُوا حَتَّى نَهِلُوا عَنْهُ ثُمَّ سَقَيْتُهُمْ فَشَرِبُوا مِنْ ذَلِكَ الْقَعْبِ حَتَّى نَهِلُوا عَنْهُ وَايْمُ اللهِ إِنْ كَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ لَيَأْكُلُ مِثْلَهَا وَيَشْرَبُ مِثْلَهَا. ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌ يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إِنِّي وَاللهِ مَا أَعْلَمُ شَابًّا مِنَ الْعَرَبِ جَاءَ قَوْمَهُ بِأَفْضَلَ مِمَّا جِئْتُكُمْ بِهِ. إِنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِأَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ [(٨٥)] .
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ بَلَغَنِي أَنَّ ابْنَ إِسْحَاقَ إِنَّمَا سَمِعَهُ مِنْ عَبْدِ الْغَفَّارِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ مَرْيَمَ عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَ مَا أَخْفَى النَّبِيُّ ﵌ أَمْرَهُ واسْتَسَرَّ بِهِ إِلَى أَنْ أُمِرَ بِإِظْهَارِهِ ثَلَاثَ سِنِينَ مِنْ مَبْعَثِهِ» .
قُلْتُ وَقَدْ رَوَى شَرِيكٌ الْقَاضِي عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْأَسْدِيِّ عَنْ عَلِيٍّ فِي إِطْعَامِهِ إِيَّاهُمْ بِقَرِيبٍ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى مختصرا.
_________________
(١) [(٨٤)] في (ح): «لقدما»، ومعنى «لهدّما»: كلمة تعجب. وما أجلده. [(٨٥)] طبقات ابن سعد مختصرا (١: ١٨٧)، والوفا لابن الجوزي (١: ١٨٤) . وتكملة الخبر: «ثم قال: من يؤازرني عَلَى مَا أَنَا عَلَيْهِ؟ قال علي: فَقُلْتُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ وإني أحدثهم سنا، وسكت القوم، ثم قالوا: يا أبا طالب ألا ترى ابنك. قال: دعوه، فلن يألو ابن عمه خيرا.
[ ٢ / ١٨٠ ]
باب ما رد أبو لهب على النبي ﵌ حين دعاهم إلى الإيمان وما أنزل الله تعالى فيه من القرآن وقطع بأنه يصلى نارا ذات لهب وامرأته حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد فلم يسلم واحد منهما حتى صار الخبر بقضية الإسلام صدقا ولا يقطع بمثل
بَابُ مَا رَدَّ أَبُو لَهَبٍ عَلَى النَّبِيِّ ﵌ حِينَ دَعَاهُمْ إِلَى الْإِيمَانِ وَمَا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيهِ مِنَ الْقُرْآنِ وَقَطَعَ بِأَنَّهُ يَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ فِي جِيدِهَا حَبَلٌ مِنْ مَسَدٍ فَلَمْ يُسْلِمْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا حَتَّى صَارَ الْخَبَرُ بِقَضِيَّةِ الْإِسْلَامِ صِدْقًا وَلَا يَقْطَعُ بِمِثْلِ ذَلِكَ إِلَّا مَنْ عَرَفَهُ حَقًّا وَلَا سَبِيلَ لِلْبَشَرِ إِلَى مَعْرِفَتِهِ إِلَّا عَنْ وَحْيٍ
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ وَأَبُو أُسَامَةَ وأخبرنا أَبُو عَبْدِ اللهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى الْمُتَكَلِّمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ الْأَنْمَاطِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هَمَّامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «لَمَّا نَزَلَتْ: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [(٨٦)]، وَرَهْطَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [(٨٧)]، خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﵌ حَتَّى صَعِدَ الصَّفَا فَهَتَفَ يَا صَبَاحَاهُ. قَالُوا مَنْ هَذَا الَّذِي يَهْتِفُ؟ قَالُوا مُحَمَّدٌ فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ قَالَ أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا تَخْرُجُ بِسَفْحِ هَذَا الْجَبَلِ أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟ قَالُوا مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبًا قَالَ فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ. قَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ أَمَا جَمَعْتَنَا إِلَّا لِهَذَا؟ ثُمَّ قَامَ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ
_________________
(١) [(٨٦)] الشعراء: ٢١٤. [(٨٧)] (وَرَهْطَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ): قال الإمام النووي: «الظاهر أن هذا كان قرآنا أنزل، ثم نسخت تلاوته، ولم تقع هذه الزيادة في روايات البخاري.
[ ٢ / ١٨١ ]
وَتُبْ* [(٨٨)] إِلَى آخِرِ السُّورَةِ» .
لَفْظُ حَدِيثِ أَبِي هَمَّامٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ [(٨٩)] عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ، وَقَالَ: «وَقَدْ تَبَّ» كَذَا قَرَأَ الْأَعْمَشُ [(٩٠)] .
وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ [(٩١)] عَنْ يُوسُفَ بْنِ مُوسَى، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو الْأَدِيبُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْمَعْرُوفِ الْفَقِيهُ، قَالَ: أخبرنا بشر ابن أَحْمَدَ الِاسْفَرَايِنِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ نَصْرٍ الْحَذَّاءُ، قَالَ:
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «صَعِدَ رسول الله ﵌ ذَاتَ يَوْمٍ الصَّفَا فَقَالَ: يَا صَبَاحَاهُ. قَالَ: فَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ قُرَيْشٌ فَقَالُوا مالك، قَالَ: أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ الْعَدُوَّ يُصَبِّحُكُمْ أَوْ يمَسِّيكُمْ كُنْتُمْ تُصَدِّقُونِي؟ قَالُوا:
نَعَمْ أَوْ بَلَى، قَالَ فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ، قَالَ، فَقَالَ. أَبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا؟ قَالَ: فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ» .
_________________
(١) [(٨٨)] الآية الأولى من سورة المسد (١١١- المسد/ ١) . [(٨٩)] (كذا قرأ الأعمش) معناه أن الأعمش زاد لفظة (قد) بخلاف القراءة المشهورة. [(٩٠)] الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي: ١- كتاب الإيمان، (٨٩) باب في قوله تعالى: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ، حديث (٣٥٥)، ص (١٩٣- ١٩٤) . [(٩١)] أخرجه البخاري في: ٦٥- كتاب التفسير (١١١) سورة تبت يدا أبي لهب وتبّ، فتح الباري (٨:
(٢) ٧٣٧) . كما أخرجه الإمام أحمد في «مسنده» (١: ٣٠٧) .
[ ٢ / ١٨٢ ]
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ [(٩٢)] عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ [(٩٣)] عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إسحق الصَّغَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ الرَّضَاعِ، قَالَ عُرْوَةُ: «وثُوَيْبَةُ مَوْلَاةُ أَبِي لَهَبٍ كَانَ أَبُو لَهَبٍ أَعْتَقَهَا فأرضعت النبي ﵌، فَلَمَّا مَاتَ أَبُو لَهَبٍ أُرِيَهُ بَعْضُ أَهْلِهِ فِي النَّوْمِ بِشَرِّ خَيْبَةٍ فَقَالَ لَهُ: مَاذَا لَقِيتَ؟ فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: أَلَمْ أَلْقَ بَعْدَكُمْ رَخَاءً [(٩٤)] . غَيْرَ أَنِّي سُقِيتُ فِي هَذِهِ مِنِّي بِعَتَاقَتِي ثُوَيْبَةَ، وَأَشَارَ إِلَى النُّقَيْرَةِ الَّتِي بَيْنَ الْإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا مِنَ الْأَصَابِعِ» .
أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي الْيَمَانِ وَفِي ذَلِكَ آيَةٌ كَبِيرَةٌ مِنْ آيَاتِ النُّبُوَّةِ.
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ كَامِلٍ الْقَاضِي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ بن محمد العوفي، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ:
حَدَّثَنِي عَمِّي الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَطِيَّةَ، قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ، قَالَ: كَانَتْ تَحْمِلُ الشَّوْكَ فَتَطْرَحُهُ عَلَى طَرِيقِ النَّبِيِّ ﵌ لِيَعْقُرَهُ وَأَصْحَابَهُ وَيُقَالُ حمّالة الحطب نَقَّالَةُ الْحَدِيثِ، حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ قَالَ هِيَ حِبَالٌ تَكُونُ بِمَكَّةَ وَيُقَالُ الْمَسَدُ الْعَصَا الَّتِي تَكُونُ فِي الْبَكَرَةِ وَيُقَالُ الْمَسَدُ قِلَادَةٌ لَهَا من ودع.
_________________
(١) [(٩٢)] فتح الباري (٨: ٧٣٧) . [(٩٣)] صحيح مسلّم، ١- كتاب الإيمان، ح (٣٥٦) ص (١٩٤) . [(٩٤)] في (ح): «خيرا» .
[ ٢ / ١٨٣ ]
بَابُ قَوْلِ اللهِ ﷿: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [(١)] وَمَا جَاءَ فِي عِصْمَةِ اللهِ [تَعَالَى] [(٢)] إِيَّاهُ حَتَّى بَلَّغَ الرِّسَالَةَ وَأَدَّى الْأَمَانَةَ وَنَصَحَ الْأُمَّةَ [(٣)] ﵌.
حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ الْأَصْبَهَانِيُّ ﵀، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ الْقَطَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الْهِلَالِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﵌ يُحْرَسُ حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ فَأَخْرَجَ رَأْسَهُ مِنَ الْقُبَّةِ فَقَالَ لَهُمْ أَيُّهَا النَّاسُ انْصَرِفُوا فَقَدْ عَصَمَنِي اللهُ [تَعَالَى] [(٤)]» .
أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي عَمْرٍو، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: «لَمَّا بَعَثَ اللهُ ﷿ نَبِيَّهُ ﵌ أَنْزَلَ عَلَيْهِ فَرَائِضَهُ كَمَا شَاءَ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ثُمَّ أَتْبَعَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا فَرْضًا بَعْدَ فَرْضٍ، فِي حِينٍ غَيْرَ حِينِ الْفَرْضِ قَبْلَهُ، قَالَ: وَيُقَالُ وَاللهُ أَعْلَمُ [(٥)] إِنَّ
_________________
(١) [(١)] الآية الكريمة (٦٧) من سورة المائدة. [(٢)] الزيادة من (هـ) . [(٣)] في (م): «للأمة» . [(٤)] الزيادة من (هـ)، والحديث أخرجه الترمذي في: ٤٨- كتاب تفسير القرآن، تفسير سورة المائدة، ح (٣٠٤٦)، صفحة (٥: ٢٥١) . [(٥)] في (ح): «يعلم» .
[ ٢ / ١٨٤ ]
أَوَّلَ مَا نَزَّلَ اللهُ ﷿ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابِهِ: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [(٦)] ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْهِ بَعْدُ- مَا لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِ بِأَنْ يَدْعُوَ إِلَيْهِ الْمُشْرِكِينَ. فَمَرَّتْ لِذَلِكَ مُدَّةٌ ثُمَّ يُقَالُ أَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇ عَنِ اللهِ ﷿ بِأَنْ يُعَلِّمَهُمْ نُزُولَ الْوَحْيِ عَلَيْهِ وَيَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِيمَانِ بِهِ فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَخَافَ التَّكْذِيبَ وَأَنْ يُتَنَاوَلَ فَنَزَلَ عَلَيْهِ:
يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [(٧)] قَالَ فَقَالَ يَعْصِمُكَ مِنْ قَتْلِهِمْ أَنْ يَقْتُلُوكَ حَتَّى تُبَلِّغَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ فبلَّغ مَا أُمر بِهِ ﵌» .
أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْمَشٍ [(٨)] الْفَقِيهُ ﵀، قَالَ:
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَطَّانُ [(٩)] قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَزْهَرِ، قَالَ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأَنْصَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عن محمد ابن الْمُنْكَدِرِ، عَنْ رَبِيعَةَ الدُّؤَلِيِّ [(١٠)] قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ بِذِي الْمَجَازِ يَتْبَعُ النَّاسَ فِي مَنَازِلِهِمْ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللهِ ﷿، وَوَرَاءَهُ رَجُلٌ أَحْوَلُ تَقِدُ وَجْنَتَاهُ وَهُوَ يَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ لَا يَغُرَّنَّكُمْ هَذَا مِنْ دِينِكُمْ وَدِينِ آبَائِكُمْ. قُلْتُ: مَنْ هُوَ؟
قَالُوا [(١١)]: هَذَا أَبُو لَهَبٍ» [(١٢)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَفْصٍ الْمُقْرِئِ ابْنِ الْحَمَّامِيِّ [(١٣)] ﵀ بِبَغْدَادَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَلْمَانَ، قال:
_________________
(١) [(٦)] أول سورة العلق. [(٧)] (٦٧- المائدة) . [(٨)] في (ح): «محمس» . [(٩)] في (ح): «الحسن العطار» وهو تصحيف. [(١٠)] في (ح): «الدوي» وهو تصحيف. [(١١)] كذا في (ح)، وفي بقية النسخ: «قال» . [(١٢)] مسند أحمد (٣: ٤٩٢) . [(١٣)] في (ص) و(هـ): «أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بن حَفْصٍ الْمُقْرِئِ بْنِ الْحَمَّامِيِّ» .
[ ٢ / ١٨٥ ]
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ:
حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عِبَادٍ- رَجُلٍ مِنْ بَنِي الدِّيلِ كَانَ جَاهِلِيًّا فَأَسْلَمَ- أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللهِ ﵌ بِذِي الْمَجَازِ وَهُوَ يَمْشِي بَيْنَ ظَهْرَانَيِ النَّاسِ يَقُولُ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ تُفْلِحُوا وَإِذَا وَرَاءَهُ رَجُلٌ أَحْوَلُ ذُو غَدِيرَتَيْنِ يَقُولُ إِنَّهُ صَابِئٌ كَاذِبٌ. قَالَ: فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي وَرَاءَهُ فَقِيلَ لِي هَذَا أَبُو لَهَبٍ عَمِّ رَسُولِ اللهِ ﵌. قَالَ رَبِيعَةُ بْنُ عَبَّادٍ: أَنَا يَوْمَئِذٍ أَزْفَرُ الْقِرْبَةَ لِأَهْلِي» [(١٤)] .
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْمُقْرِئُ الْإِسْفَرَايِنِيُّ بِهَا، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الْقَاضِي، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْأَشْعَثِ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ كَنَانَةَ، قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ بِسُوقِ ذِي الْمَجَازِ وَهُوَ يَقُولُ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ تُفْلِحُوا وَإِذَا رَجُلٌ خَلْفَهُ يُسْفِي عَلَيْهِ التُّرَابَ فَإِذَا هُوَ أَبُو جَهْلٍ وَإِذَا هُوَ يَقُولُ يَا أَيُّهَا النَّاسُ لَا يَغُرَّنَّكُمْ هَذَا عَنْ دِينِكُمْ فَإِنَّمَا يُرِيدُ أَنْ تَتْرُكُوا عِبَادَةَ اللَّاتِ والْعُزَّى» [(١٥)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَقِيلُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: «جَاءَتْ قُرَيْشٌ إِلَى أَبِي طَالِبٍ، فَقَالُوا: إِنَّ ابْنَ أَخِيكَ هَذَا قَدْ آذَانَا فِي نَادِينَا وَمَسْجِدِنَا فَانْهَهُ عَنَّا. فَقَالَ: يَا عَقِيلُ انْطَلِقْ فَأْتِنِي بِمُحَمَّدٍ، فَانْطَلَقْتُ إِلَيْهِ فَاسْتَخْرَجْتُهُ مِنْ كِبْسٍ [(١٦)] أَوْ قَالَ: مِنْ حِفْشٍ- يَقُولُ بَيْتٌ صَغِيرٌ- فَجَاءَ به في
_________________
(١) [(١٤)] مسند أحمد (٣: ٤٩٢) . [(١٥)] أخرجه الإمام أحمد في «مسنده» (٣: ٤٩٢) . [(١٦)] في (ح): «كنس» وهو تصحيف، والكبس: الكن يأوي إليه الإنسان.
[ ٢ / ١٨٦ ]
الظَّهِيرَةِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ، فَلَمَّا أَتَاهُمْ، قَالَ أَبُو طَالِبٍ: إِنَّ بَنِي عَمِّكَ هَؤُلَاءِ قَدْ زَعَمُوا أَنَّكَ تُؤْذِيهِمْ فِي نَادِيهِمْ وَمَسْجِدِهِمْ فَانْتَهِ عَنْ أَذَاهُمْ فَحَلَّقَ رَسُولُ اللهِ ﵌ بِبَصَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ: أَتَرَوْنَ هَذِهِ الشَّمْسَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَمَا أَنَا بِأَقْدَرِ عَلَى أَنْ أَدَعَ ذَلِكَ مِنْكُمْ عَلَى أَنْ تَسْتَشْعِلُوا [(١٧)] مِنْهَا شُعْلَةً، فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: وَاللهِ مَا كَذَّبْتَ ابْنَ أَخِي قَطُّ فَارْجِعُوا» .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَلَاءِ، عَنْ يُونُسَ [(١٨)] .
وأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عقبة بن المغيرة ابن الْأَخْنَسِ، أَنَّهُ حُدِّثَ: «أَنَّ قُرَيْشًا حِينَ قَالَتْ لِأَبِي طَالِبٍ هَذِهِ الْمَقَالَةَ بَعَثَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﵌. فَقَالَ لَهُ يَا ابْنَ أَخِي إِنَّ قَوْمَكَ قَدْ جاءُونِي فَقَالُوا كَذَا وَكَذَا فَأَبْقِ عَلَيَّ وَعَلَى نَفْسِكَ وَلَا تُحَمِّلْنِي مِنَ الْأَمْرِ مَا لَا أُطِيقُ أَنَا وَلَا أَنْتَ فَاكْفُفْ عَنْ قَوْمِكِ مَا يَكْرَهُوَنَ مِنْ قَوْلِكَ، فَظَنَّ رَسُولُ اللهِ ﵌ أَنْ قَدْ بَدَا لِعَمِّهِ فِيهِ وَأَنَّهُ خَاذِلُهُ وَمُسْلِمُهُ وَضَعُفَ عَنِ الْقِيَامِ مَعَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: يَا عَمِّ لَوْ وُضِعَتِ الشَّمْسُ فِي يَمِينِي وَالْقَمَرُ فِي يَسَارِي مَا تَرَكْتُ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يُظْهِرَهُ اللهُ [تَعَالَى] [(١٩)] أَوْ أَهْلِكَ فِي طَلَبِهِ.
ثُمَّ اسْتَعْبَرَ رَسُولُ اللهِ ﵌ فَبَكَى، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ لَهُ حِينَ رَأَى مَا بَلَغَ الْأَمْرُ بِرَسُولِ اللهِ ﵌: يَا ابْنَ أَخِي! فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: امْضِ عَلَى أَمْرِكَ وَافْعَلْ مَا أحببت، فو الله لَا أُسْلِمُكَ لِشَيْءٍ أَبَدًا» [(٢٠)] .
_________________
(١) [(١٧)] في البخاري: «تشعلوا»، وفي (ح): «يستشعلوا» . [(١٨)] رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي «التَّارِيخِ الكبير» (٤: ١: ٥١) . [(١٩)] الزيادة من (هـ) . [(٢٠)] سيرة ابن هشام (١: ٢٧٨) .
[ ٢ / ١٨٧ ]
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: ثُمَّ قَالَ أَبُو طَالِبٍ فِي شِعْرٍ قَالَهُ حِينَ أَجْمَعَ لِذَلِكَ مِنْ نُصْرَةِ رَسُولِ الله ﵌ عَلَيْهِ وَالدِّفَاعِ عَنْهُ عَلَى مَا كَانَ مِنْ عَدَاوَةِ قَوْمِهِ:
وَاللهِ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ بِجَمْعِهِمْ حَتَّى أُوَسَّدَ فِي التُّرَابِ دَفِينَا
فَامْضِي [(٢١)] لِأَمْرِكَ مَا عَلَيْكَ غَضَاضَةٌ أَبْشِرْ وَقِرَّ بِذَاكَ مِنْكَ عُيونَا
وَدَعَوتَنِي وَزَعَمْتَ أَنَّكَ نَاصِحِي فَلَقَدْ صَدَقْتَ وَكُنْتَ قَبْلُ [(٢٢)] أَمِينَا
وَعَرَضْتَ دِينًا قَدْ عَرَفْتُ بِأَنَّهُ مِنْ خَيْرِ أَدْيَانِ الْبَرِيَّةِ دِينَا
لَوْلَا الْمَلَامَةُ أَوْ حِذَارِي سُبَّةً لَوَجَدْتَنِي سَمْحًا بِذَاكَ مُبِينَا
وَذُكِرَ لِأَبِي طَالِبٍ فِي ذَلِكَ أَشْعَارًا [(٢٣)] .
وَفِي [كُلِّ] [(٢٤)] ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ اللهَ ﷿ عَصَمَهُ بِعَمِّهِ مَعَ خِلَافِهِ إِيَّاهُ فِي دِينِهِ، وَقَدْ كَانَ يَعْصِمُهُ- حَيْثُ لَا يَكُونُ عَمُّهُ- بِمَا شَاءَ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ» .
وَقَدْ أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ الْعَدْلُ بِبَغْدَادَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إسماعيل ابن مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ، قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ دُنُوقَا، قَالَ: أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّا بْنُ عَدِيٍّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مُعْتَمِرُ [(٢٥)] بْنُ سُلَيْمَانَ [ح] .، وأخبرنا أبو عبد
_________________
(١) [(٢١)] كذا في الأصل بإثبات الياء للوزن. [(٢٢)] في سبل الهدى (١: ٤٣٧): «وكنت ثمّ أمينا» . [(٢٣)] في سيرة ابن هشام (١: ٢٨٠- ٢٨٢) . [(٢٤)] الزيادة من (ح) . [(٢٥)] في (هـ): «معمر» مصحفا.
[ ٢ / ١٨٨ ]
اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي [أحمد بن] [(٢٦)] محمد بْنِ صَالِحٍ السَّمَرْقَنْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ (ح) . وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ الْعَنَزِيُّ، وأَخْبَرَنَا أَبُو زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمُزَكِّي، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدُوسٍ الْعَنَزِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارَامِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي نُعَيْمُ بْنُ أَبِي هِنْدَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «قَالَ أَبُو جَهْلٍ هَلْ: يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وَجْهَهُ [(٢٧)] بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟ فَقِيلَ: نَعَمْ، فَقَالَ: وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى! لَئِنْ رَأَيْتُهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لَأَطَأَنَّ عَلَى رَقَبَتِهِ وَلَأُعَفِّرَنَّ وَجْهَهُ فِي التُّرَابِ.
فَأَتَى رَسُولُ اللهِ ﵌ وَهُوَ يُصَلِّي لِيَطَأَ عَلَى رَقَبَتِهِ فَمَا فَجِئَهُمْ [(٢٨)] مِنْهُ إِلَّا وَهُوَ يَنْكُصُ عَلَى عَقِبَيْهِ [(٢٩)] وَيَتَّقِي بِيَدَيْهِ. فَقِيلَ لَهُ مَا لَكَ؟ فَقَالَ [(٣٠)] إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ لَخَنْدَقًا [(٣١)] مِنْ نَارٍ. زَادَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَهَوْلًا وَأَجْنِحَةً- ثُمَّ اتَّفَقَا- فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «لَوْ دَنَا مِنِّي لَاخْتَطَفَتْهُ الْمَلَائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا» .
قَالَ وَأَنْزَلَ اللهُ ﷿- لَا أَدْرِي فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَوْ شَيْءٍ بَلَغَهُ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى [(٣٢)]- إِلَى قَوْلِهِ- إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى، يَعْنِي أَبَا جَهْلٍ- فَلْيَدْعُ ناديه قومه. سندع الزبانية- الْمَلَائِكَةَ» هَذَا لَفْظُ حَدِيثِ مُسَدَّدٍ وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ بشران نزول الآية.
_________________
(١) [(٢٦)] الزيادة من (ح) . [(٢٧)] أي يسجد ويلصق وجهه بالعفر وهو التراب. [(٢٨)] في (م): «فجأهم» . [(٢٩)] أي رجع يمشي إلى ورائه. [(٣٠)] في (ح): «قال» . [(٣١)] في (ح): «خندقا» . [(٣٢)] سورة العلق.
[ ٢ / ١٨٩ ]
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ [(٣٣)] عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مُعَاذٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى.
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: «حَدَّثَنِي شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ قَدِيمٌ مُنْذُ بِضْعٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قِصَّةٍ طَوِيلَةٍ جَرَتْ بَيْنَ مُشْرِكِي مَكَّةَ وَبَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﵌: فَلَمَّا قَامَ عَنْهُمْ رَسُولُ اللهِ ﵌، قَالَ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ أَبَى إِلَّا مَا تَرَوْنَ مِنْ عَيْبِ دِينِنَا، وَشَتْمِ آبَائِنَا، وَتَسْفِيهِ أَحْلَامِنَا، وَسَبِّ آلِهَتِنَا، وَإِنِّي أُعَاهِدُ اللهَ لَأَجْلِسَنَّ لَهُ غَدًا بِحَجَرٍ، فَإِذَا سَجَدَ فِي صَلَاتِهِ فَضَحْتُ بِهِ رَأْسَهُ فَلْيَصْنَعْ بَعْدَ ذَلِكَ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ مَا بَدَا لَهُمْ.
فَلَمَّا أَصْبَحَ أَبُو جَهْلٍ أَخَذَ حَجَرًا ثُمَّ جَلَسَ لِرَسُولِ اللهِ ﵌ يَنْتَظِرُ، وَغَدَا رَسُولُ الله ﵌ كَمَا يَغْدُو وَكَانَتْ قِبْلَتُهُ الشَّامَ فَكَانَ [(٣٤)] إِذَا صَلَّى، صَلَّى بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ الْأَسْوَدِ وَالْيَمَانِيِّ، وَجَعَلَ الْكَعْبَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّامِ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﵌ ثَمَّةَ [(٣٥)] يُصَلِّي وَقَدْ غَدَتْ قُرَيْشٌ فَجَلَسُوا فِي أَنْدِيَتِهِمْ يَنْظُرُونَ، فَلَمَّا سَجَدَ رسول الله ﵌ احْتَمَلَ أَبُو جَهْلٍ الْحَجَرَ ثُمَّ أَقْبَلَ نَحْوَهُ حَتَّى إِذَا دَنَا مِنْهُ رجع منتها مُنْتَقِعًا [(٣٦)] لَوْنُهُ مُرْعُوبًا، قَدْ يَبُسَتْ يَدَاهُ عَلَى حَجَرِهِ حَتَّى قَذَفَ الْحَجَرَ مِنْ يَدِهِ، وَقَامَتْ إِلَيْهِ رِجَالٌ من قريش فقالوا مالك يَا أَبَا الْحَكَمِ، فَقَالَ: قُمْتُ إِلَيْهِ لِأَفْعَلَ مَا قُلْتُ لَكُمُ الْبَارِحَةَ فَلَمَّا دَنَوْتُ مِنْهُ [(٣٧)] عَرَضَ لِي دُونَهُ فَحْلٌ مِنَ الْإِبِلِ، والله ما
_________________
(١) [(٣٣)] أخرجه مسلم في صحيحه في ٥٠- كتاب المنافقين، (٦) باب قوله: إن الإنسان ليطغى، ح (٣٨)، ص (٢١٥٤)، والإمام أحمد (٢: ٣٧) . [(٣٤)] في (ح) «وكان» . [(٣٥)] في بقية النسخ «بمكة» . [(٣٦)] متغيرا. [(٣٧)] في (ح): «قمت إليه ودنوت منه» .
[ ٢ / ١٩٠ ]
رَأَيْتُ مِثْلَ هَامَتِهِ وَلَا قَصَرَتِهِ وَلَا أَنْيَابِهِ لِفَحْلٍ قَطُّ، فَهَمَّ أَنْ يَأْكُلَنِي [(٣٨)] .
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: فَذُكِرَ لِي أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ قَالَ ذَلِكَ جِبْرِيلُ ﵇ لَوْ دَنَا مِنِّي لَأَخَذَهُ» [(٣٩)] .
حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي [(٤٠)] أَبُو النَّضْرِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الْفَقِيهُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارَامِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ عَنْ أَبَانَ بْنِ صَالِحٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، قَالَ: «كُنْتُ يَوْمًا فِي الْمَسْجِدِ فَأَقْبَلَ أَبُو جَهْلٍ، فَقَالَ: إِنَّ لِلَّهِ عَلَيَّ إِنْ رَأَيْتُ مُحَمَّدًا سَاجِدًا أَنْ أَطَأَ عَلَى رَقَبَتِهِ، فَخَرَجْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ حَتَّى دَخَلْتُ عَلَيْهِ فَأَخْبَرْتُهُ بِقَوْلِ أَبِي جَهْلٍ فَخَرَجَ غَضْبَانًا حَتَّى جَاءَ الْمَسْجِدَ فَعَجِلَ أَنْ يَدْخُلَ مِنَ الْبَابِ فَاقْتَحَمَ الْحَائِطَ فَقُلْتُ هَذَا يَوْمُ شَرٍّ فَاتَّزَرْتُ ثُمَّ اتَّبَعْتُهُ فَدَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﵌ يَقْرَأُ: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ فَلَمَّا بَلَغَ شَأْنَ أَبِي جَهْلٍ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى [(٤١)] قَالَ إِنْسَانٌ لِأَبِي جَهْلٍ يَا أَبَا الْحَكَمِ هَذَا مُحَمَّدٌ فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ أَلَا تَرَوْنَ مَا أَرَى وَاللهِ لَقَدْ سَدَّ أُفُقَ السَّمَاءِ عَلَيَّ فَلَمَّا بَلَغَ رسول الله ﵌ آخِرَ السُّورَةِ سَجَدَ» [(٤٢)] .
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ
_________________
(١) [(٣٨)] سيرة ابن هشام (١: ٣١٨) . [(٣٩)] سيرة ابن هشام (١: ٣١٩) . [(٤٠)] في (ح): «أخبرك» . [(٤١)] الآيات الكريمات من سورة العلق. [(٤٢)] نقله ابن كثير في «البداية والنهاية» (٣: ٤٢) عن المصنف، وقد جاء هذا الخبر بنفس مكانه هنا كما في نسخة (ح) وتأخر في بقية النسخ إلى آخر هذا الباب.
[ ٢ / ١٩١ ]
الْقَطِيعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ:
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «قَالَ أَبُو جَهْلٍ لَئِنْ رَأَيْتُ مُحَمَّدًا يُصَلِّي عِنْدَ الْكَعْبَةِ لَأَطَأَنَّ عَلَى عُنُقِهِ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﵌ فَقَالَ لَوْ فَعَلَ لَأَخَذَتْهُ الْمَلَائِكَةُ عِيَانًا» .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ [(٤٣)] .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ [(٤٤)] بْنُ يَعْقُوبَ الْعَدْلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ (ح) .، قَالَ: وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عِيسَى الْحِيرِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ محمد القتياني [(٤٥)]، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ الرِّفَاعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيُّ عَنْ دَاوُدَ بْنُ أَبِي هِنْدَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «مَرَّ أَبُو جَهْلٍ بِالنَّبِيِّ ﵌ وَهُوَ يُصَلِّي فَقَالَ أَلَمْ أَنْهَكَ عَنْ أَنْ تُصَلِّيَ يَا مُحَمَّدُ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا بِهَا أَحَدٌ أَكْثَرُ نَادِيًا مِنِّي فَانْتَهَرَهُ النَّبِيُّ ﵌، فَقَالَ جِبْرِيلُ ﵇ فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ سَنَدْعُ الزّبانية وَاللهِ لَوْ دَعَا نَادِيَهُ لَأَخَذَتْهُ زَبَانِيَةُ الْعَذَابِ» [(٤٦)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بن بكير، عن ابن
_________________
(١) [(٤٣)] أخرجه البخاري في: ٦٥- كتاب التفسير، تفسير سورة العلق (٤) باب «كلا لئن لم ينته لنسفعن بالناصية، فتح الباري (٨: ٧٢٤)، كما أخرجه الترمذي في تفسير سورة العلق، والإمام أحمد في «مسنده» (١: ٢٤٨) . [(٤٤)] في (ح): «الحسين» . [(٤٥)] كذا في (ح) وفي بقية النسخ: «القباني» . [(٤٦)] الحديث في مسند آخر (١: ٢٥٦)، ونقله ابن كثير في البداية والنهاية (٣: ٤٣) وعزاه للترمذي والنسائي أيضا.
[ ٢ / ١٩٢ ]
إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ [(٤٧)] الثَّقَفِيُّ، قَالَ: «قَدِمَ رَجُلٌ مِنْ إِرَاشٍ بِإِبِلٍ لَهُ مَكَّةَ فَابْتَاعَهَا مِنْهُ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ فَمَطَلَهُ بِأَثْمَانِهَا وَأَقْبَلَ الْإِرَاشِيُّ حَتَّى وَقَفَ عَلَى نَادِي قُرَيْشٍ وَرَسُولُ اللهِ ﵌ جَالِسٌ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ! مَنْ رَجُلٌ يُؤَدِّينِي؟ [وَفِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ:
يُعَدِّينِي] [(٤٨)] عَلَى أَبِي الْحَكَمِ بْنِ هِشَامٍ فَإِنِّي غَرِيبٌ ابْنُ سَبِيلٍ وَقَدْ غَلَبَنِي عَلَى حَقِّي فَقَالَ أَهْلُ الْمَجْلِسِ تَرَى ذَلِكَ الرَّجُلَ- وَهُمْ يُهْوُونَ لَهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ لِمَا يَعْلَمُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ مِنَ الْعَدَاوَةِ- اذْهَبْ إِلَيْهِ فَهُوَ يُؤَدِّيكَ عَلَيْهِ [وَفِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ يُعَدِّيكَ عَلَيْهِ] [(٤٩)]، فَأَقْبَلَ الْإِرَاشِيُّ حَتَّى وَقَفَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَامَ مَعَهُ فَلَمَّا رَأَوْهُ قَامَ مَعَهُ، قَالُوا لِرَجُلٍ مِمَّنْ مَعَهُمُ اتْبَعْهُ فَانْظُرْ مَا يَصْنَعُ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﵌ حَتَّى جَاءَهُ فَضَرَبَ عَلَيْهِ بَابَهُ فَقَالَ مَنْ هَذَا قَالَ مُحَمَّدٌ، فَاخْرُجْ إِلَيَّ فَخَرَجَ إِلَيْهِ [وَمَا فِي وَجْهِهِ بَايِحَةٌ] [(٥٠)] وَقَدِ انْتَقَعَ لَوْنُهُ قَالَ: أَعْطِ هَذَا الرَّجُلَ حَقَّهُ، قَالَ: لَا تَبْرَحْ حَتَّى أُعْطِيَهُ الَّذِي لَهُ فَدَخَلَ فَخَرَجَ إِلَيْهِ بِحَقِّهِ فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﵌ وَقَالَ لِلْإِرَاشِيِّ:
الْحَقْ بِشَأْنِكَ [(٥١)] فَأَقْبَلَ الْإِرَاشِيُّ حَتَّى وَقَفَ عَلَى ذَلِكَ الْمَجْلِسِ فَقَالَ جَزَاهُ اللهُ خَيْرًا فَقَدْ أَخَذَ الَّذِي لِي.
وَجَاءَ الرَّجُلُ الَّذِي بَعَثُوا [(٥٢)] مَعَهُ فَقَالُوا وَيْحَكَ مَاذَا رَأَيْتَ؟ فَقَالَ: عَجَبًا مِنَ الْعَجَبِ وَاللهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ ضَرَبَ عَلَيْهِ بَابَهُ فَخَرَجَ وَمَا مَعَهُ رُوحُهُ فَقَالَ أَعْطِ هَذَا
_________________
(١) [(٤٧)] في (ح): «سمير» وهو خطأ. [(٤٨)] الزيادة من (ح) . [(٤٩)] الزيادة من (ح) . [(٥٠)] ليست في (ح)، وفي البداية «وما في وجهه قطرة دم» . [(٥١)] في (ح): «شأنك» . [(٥٢)] في (م): «بعثته»، وكذا في (ص) و(هـ) .
[ ٢ / ١٩٣ ]
الرَّجُلَ حَقَّهُ فَقَالَ نَعَمْ لَا تَبْرَحْ حَتَّى أُخْرِجَ إِلَيْهِ حَقَّهُ، فَدَخَلَ [(٥٣)] فَأَخْرَجَ إِلَيْهِ حَقَّهُ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ.
ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ أَنْ جَاءَ أَبُو جَهْلٍ فَقَالُوا له ويلك مالك فو الله مَا رَأَيْنَا مِثْلَ مَا صَنَعْتَ! فَقَالَ: وَيْحَكُمْ وَاللهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ ضَرَبَ عَلَيَّ بَابِي [(٥٤)] [وَسَمِعْتُ صَوْتَهُ] [(٥٥)] فَمُلِئتُ رُعْبًا ثُمَّ خَرَجْتُ إِلَيْهِ وَإِنَّ فَوْقَ رَأْسِي لَفَحَلًا مِنَ الْإِبِلِ مَا رَأَيْتُ مِثْلَ هَامَتِهِ وَلَا قَصَرَتِهِ وَلَا أَنْيَابِهِ لفحل قط فو الله لو أبيت لأكلني» [(٥٦)] .
_________________
(١) [(٥٣)] في (هـ): «ودخل» . [(٥٤)] في (ح): «يأيي» . [(٥٥)] الزيادة لم ترد في (ح) وثابتة في بقية النسخ. [(٥٦)] ذكره ابن إسحاق في السيرة، ونقله ابن كثير في البداية والنهاية (٣: ٤٥) .
[ ٢ / ١٩٤ ]
بَابُ قَوْلِ اللهِ ﷿ وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا [(١)] وَمَا جَاءَ فِي تَحْقِيقِ ذَلِكَ
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ الْفَقِيهُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ:
حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنِ ابْنِ تَدْرُسَ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَتْ: «لَمَّا نَزَلَتْ تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ [(٢)] أَقْبَلَتِ الْعَوْرَاءُ أُمُّ جَمِيلِ بِنْتُ حَرْبٍ وَلَهَا وَلْوَلَةٌ وَفِي يَدِهَا فِهْرٌ وَهِيَ تقول:
مُذَمَّمًا أَبَيْنَا، وَدِينَهُ قَلَيْنَا وَأَمْرَهُ عَصَيْنَا.
وَالنَّبِيُّ ﵌ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ [﵁] [(٣)] فَلَمَّا رَآهَا أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ أَقْبَلَتْ وَأَنَا أَخَافُ أَنْ تَرَاكَ قَالَ النَّبِيُّ [(٤)] ﵌ إِنَّهَا لَنْ تَرَانِي وَقَرَأَ قُرْآنًا فَاعْتَصَمَ بِهِ كَمَا قَالَ. وَقَرَأَ وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا فَوَقَفَتْ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَلَمْ تَرَ رَسُولَ اللهِ ﵌ فَقَالَتْ: يَا أَبَا بَكْرٍ إِنِّي أُخْبِرْتُ أَنَّ صَاحِبَكَ هَجَانِي، فَقَالَ: لَا
_________________
(١) [(١)] الآية الكريمة (٤٥) من سورة الإسراء. [(٢)] أول سورة اللهب. [(٣)] الزيادة من (ح) . [(٤)] كذا في (ح)، وفي بقية النسخ «رسول الله» .
[ ٢ / ١٩٥ ]
وَرَبِّ هَذَا الْبَيْتِ مَا هَجَاكِ. قَالَ: فَوَلَّتْ وَهِيَ تَقُولُ قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أَنِّي ابْنَةُ سَيِّدِهَا» .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ [(٥)] عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَصِينٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مِنْجَابٌ هُوَ ابْنُ الْحَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ مُسْهِرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ أَبِيهِ، قال:
حدّثني أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ «أَنَّ أُمَّ جَمِيلٍ دَخَلَتْ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعِنْدَهُ رسول الله ﵌ فَقَالَتْ: يَا ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ مَا شَأْنُ صَاحِبِكَ يَنْشُدُ فِي الشِّعْرِ؟ فَقَالَ: وَاللهِ مَا صَاحِبِي بِشَاعِرٍ وَمَا يَدْرِي مَا الشِّعْرُ فَقَالَتْ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ فِي جِيدِهَا حَبَلٌ من مسد فَمَا يُدْرِيهِ مَا فِي جِيدِي فَقَالَ النَّبِيُّ ﵌ قُلْ لَهَا تَرَيْنَ عِنْدِي أَحَدًا فَإِنَّهَا لَنْ تَرَانِي، قَالَ: جُعِلَ بَيْنِي وَبَيْنَهَا حِجَابٌ، فَسَأَلَهَا أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَتْ: أَتَهْزَأُ بِي يَا ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ!، وَاللهِ مَا أَرَى عِنْدَكَ أَحَدًا» .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الْفَقِيهُ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ الْغَسِيلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِبْرَاهِيمَ التَّرْجُمَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ فَذَكَرَهُ بِإِسْنَادِهِ نَحْوَهُ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ مَحْبُورٍ [(٦)] الدِّهَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ اللَّبَّادُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ بِلَالٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ عَنِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «فِي قَوْلِهِ [﷿] [(٧)] وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا [(٨)] قَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ سَدًّا غطاء فأغشيناهم يَقُولُ أَلْبَسْنَا أَبْصَارَهُمْ وَغَشَيْنَاهُمْ
_________________
(١) [(٥)] في (هـ) أبو الحسين. [(٦)] ليست في (ح) . [(٧)] كذا في (هـ)، وفي (م) و(ص): تعالى: ولا شيء في (ح) . [(٨)] الآية، الكريمة (٩) من سورة يسن.
[ ٢ / ١٩٦ ]
فهم لا يبصرون النبي ﵌ فَيُؤْذُونَهُ.
وَذَلِكَ أَنَّ أُنَاسًا مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ تَوَاصَوْا بِالنَّبِيِّ ﵌ لِيَقْتُلُوهُ [(٩)] مِنْهُمْ: أَبُو جَهْلٍ، وَالْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، وَنَفَرٌ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ، فَبَيْنَا النَّبِيُّ ﵌ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَلَمَّا سَمِعُوا قِرَاءَتَهُ أَرْسَلُوا الْوَلِيدَ لِيَقْتُلَهُ، فَانْطَلَقَ حَتَّى انْتَهَى [(١٠)] إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي كَانَ يُصَلِّي النَّبِيُّ ﵌ فِيهِ، فَجَعَلَ يَسْمَعُ قِرَاءَتَهُ وَلَا يَرَاهُ، فَانْصَرَفَ إِلَيْهِمْ فَأَعْلَمَهُمْ ذَلِكَ، فَأَتَاهُ مِنْ بَعْدِهِ: أَبُو جَهْلٍ، وَالْوَلِيدُ، وَنَفَرٌ مِنْهُمْ، فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي هُوَ فِيهِ يُصَلِّي سَمِعُوا قِرَاءَتَهُ فَيَذْهَبُونَ إِلَى الصَّوْتِ فَإِذَا الصَّوْتُ مِنْ خَلْفِهِمْ فَيَنْتَهُوَنَ إِلَيْهِ [(١١)] فَيَسْمَعُونَهُ أَيْضًا مِنْ خَلْفِهِمْ، فَانْصَرَفُوا وَلَمْ يَجِدُوا إِلَيْهِ سَبِيلًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا إِلَى آخِرِ الْآيَةِ» .
وَرُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ مَا يُؤَكِّدُ هذا [(١٢)] .
_________________
(١) [(٩)] في (ح): «ليقتلونه» . [(١٠)] في (ح): «أتى» . [(١١)] في (ح): «فيذهبون إليه» . [(١٢)] وفي تفسير القرطبي (١٥: ٩: لما عاد أبو جهل إلى أصحابه، ولم يصل إِلَى النَّبِيِّ ﵌، وسقط الحجر من يده، أخذ الحجر رجل آخر من بني مخزوم، وقال: «أقتله بهذا الحجر، فلما دنا مِنَ النَّبِيِّ ﵌ طمس الله على بصره، فلم ير النبي ﵌، فرجع إلى أصحابه فلم يبصرهم حتى نادوه، فهذا معنى الآية.
[ ٢ / ١٩٧ ]
بَابُ اعْتِرَافِ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ بِمَا فِي كِتَابِ اللهِ [تَعَالَى] [(١)] مِنَ الْإِعْجَازِ وَأَنَّهُ لَا يُشْبِهُ شَيْئًا مِنْ لُغَاتِهِمْ مَعَ كَوْنِهِمْ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَأَرْبَابِ اللِّسَانِ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الصَّنْعَانِيُّ بِمَكَّةَ، قال: حدّثنا إسحق بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [﵄] [(٢)] «أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﵌ فَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ فَكَأَنَّهُ رَقَّ لَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا جَهْلٍ، فَأَتَاهُ، فَقَالَ: يَا عَمِّ! إِنَّ قَوْمَكَ يَرَوْنَ أَنْ يَجْمَعُوا لَكَ مَالًا. قَالَ: لِمَ؟ قَالَ لِيُعْطُوكَهُ فَإِنَّكَ أَتَيْتَ مُحَمَّدًا لِتَعْرِضَ لِمَا قِبَلَهُ، قَالَ: قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أَنِّي مِنْ أَكْثَرِهَا مَالًا، قَالَ: فَقُلْ فِيهِ قَوْلًا يَبْلُغُ قَوْمَكَ أَنَّكَ مُنْكِرٌ لَهُ [أَوْ أَنَّكَ كَارِهٌ لَهُ] [(٣)] قَالَ: وَمَاذَا أَقُولُ فو الله مَا فِيكُمْ رَجُلٌ أَعْلَمَ بِالْأَشْعَارِ مِنِّي، وَلَا أَعْلَمَ بِرَجَزِهِ وَلَا بِقَصِيدَتِهِ مِنِّي، وَلَا بِأَشْعَارِ الْجِنِّ. وَاللهِ مَا يُشْبِهُ الَّذِي يَقُولُ شَيْئًا مِنْ هَذَا، وو الله إِنَّ لِقَوْلِهِ الَّذِي يَقُولُ حَلَاوَةً، وَإِنَّ عَلَيْهِ لَطَلَاوَةً وَإِنَّهُ لَمُثْمِرٌ أَعْلَاهُ، مُغْدِقٌ أَسْفَلُهُ، وَإِنَّهُ لَيَعْلُو وَمَا يُعْلَا، وَأَنَّهُ لَيَحْطِمُ مَا تَحْتَهُ.
قَالَ: لَا يَرْضَى عَنْكَ قَوْمُكَ حَتَّى تَقُولَ فِيهِ. قَالَ: فَدَعْنِي حَتَّى أفكر
_________________
(١) [(١)] الزيادة من (هـ)، وليست في (ح)، وفي (م) و(ص): «﷿» . [(٢)] الزيادة من (ح) فقط. [(٣)] في (ح): «كاره أوله» وليست في «البداية والنهاية» .
[ ٢ / ١٩٨ ]
فِيهِ، فَلَمَّا فَكَّرَ، قَالَ: «هَذَا سِحْرٌ يُؤْثَرُ يَأْثُرُهُ عَنْ غَيْرِهِ، فَنَزَلَتْ ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا [(٤)] .
هَكَذَا حَدَّثَنَاهُ مَوْصُولًا
وَفِي حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: «جَاءَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﵌، فَقَالَ لَهُ اقْرَأْ عَلَيَّ، فَقَرَأَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى، وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [(٥)] . قَالَ: أَعِدْ، فَأَعَادَ النَّبِيُّ ﵌، فَقَالَ: وَاللهِ إِنَّ لَهُ لَحَلَاوَةً، وَإِنَّ عَلَيْهِ لَطَلَاوَةً، وَإِنَّ أَعْلَاهُ لَمُثْمِرٌ، وَإِنَّ أَسْفَلُهُ لَمُغْدِقٌ وَمَا يَقُولُ هَذَا بَشَرٌ» [(٦)] .
وَهَذَا فِيمَا رَوَاهُ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الْقَاضِي، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ حَمَّادٍ، هَكَذَا مُرْسَلًا.
وَكَذَلِكَ [(٧)] رَوَاهُ [مَعْمَرٌ] [(٨)] عَنْ عَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ مُرْسَلًا.
وَرَوَاهُ أَيْضًا: مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، فَذَكَرَهُ أَتَمَّ مِنْ ذَلِكَ مُرْسَلًا.
وَكُلُّ ذَلِكَ يُؤَكِّدُ بَعْضُهُ بَعْضًا [(٩)] .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بن بكير عن ابن إسحاق،
_________________
(١) [(٤)] الآية الكريمة (١١) من سورة المدثر، والحديث أخرجه الحاكم في «المستدرك» (٢: ٥٠٦)، وقال: «هذا حديث صحيح الإسناد، على شرط البخاري، ولم يخرجاه»، ونقله الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية» (٣: ٦١) . [(٥)] الآية الكريمة (٩٠) من سورة النحل. [(٦)] في (ح): «البشر» . [(٧)] في (ح): «وهكذا» . [(٨)] ليست في (ح) . [(٩)] البداية والنهاية (٣: ٦١) .
[ ٢ / ١٩٩ ]
قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَوْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عباس «أن الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ اجْتَمَعَ وَنَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَكَانَ ذَا سِنٍّ فِيهِمْ، وَقَدْ حَضَرَ الْمَوَاسِمَ، فَقَالَ [(١٠)] إِنَّ وُفُودَ الْعَرَبِ سَتَقْدَمُ عَلَيْكُمْ فِيهِ وَقَدْ سَمِعُوا بِأَمْرِ صَاحِبِكُمْ هَذَا فَأَجْمِعُوا فِيهِ رَأْيًا وَاحِدًا وَلَا تَخْتَلِفُوا فَيُكَذِّبُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَيَرُدُّ قَوْلَ بَعْضِكُمْ بَعْضًا.
فَقَالُوا: فَأَنْتَ يَا أَبَا عَبْدِ شَمْسٍ، فَقُلْ، وَأَقِمْ لَنَا رَأْيًا نَقُومُ بِهِ، فَقَالَ: بَلْ أَنْتُمْ فَقُولُوا أَسْمَعْ، فَقَالُوا: نَقُولُ كَاهِنٌ، فَقَالَ: مَا هُوَ بِكَاهِنٍ، لَقَدْ رَأَيْتُ الْكُهَّانَ فَمَا هُوَ بِزَمْزَمَةِ الْكُهَّانِ [(١١)]، فَقَالُوا نَقُولُ: مَجْنُونٌ، فَقَالَ: مَا [(١٢)] هُوَ بِمَجْنُونٍ وَلَقَدْ رَأَيْنَا الْجُنُونَ وَعَرَفْنَاهُ فَمَا هُوَ بِخَنْقِهِ وَلَا تَخَالُجِهِ وَلَا وَسْوَسَتِهِ.
قَالُوا: فَنَقُولُ شَاعِرٌ، قَالَ مَا هُوَ [(١٣)] بِشَاعِرٍ قَدْ عَرَفْنَا الشِّعْرَ: بِرَجَزِهِ، وَهَزَجِهِ، وَقَرِيضِهِ، وَمَقْبُوضِهِ، وَمَبْسُوطِهِ فَمَا هُوَ بِالشِّعْرِ. قَالُوا: فَنَقُولُ سَاحِرٌ، قَالَ: فَمَا هُوَ بِسَاحِرٍ: قَدْ رَأَيْنَا السُّحَارَ وَسِحْرَهُمْ، فَمَا هُوَ بِنَفْثِهِ وَلَا عُقَدِهِ، فَقَالُوا: مَا نَقُولُ يَا أَبَا عَبْدِ شَمْسٍ قَالَ: وَاللهِ إِنَّ لِقَوْلِهِ حَلَاوَةً، وَإِنَّ أَصْلَهُ لمغدق وَإِنَّ فَرْعَهُ لَجَنًا، فَمَا أَنْتُمْ بِقَائِلِينَ مِنْ هَذَا شَيْئًا إِلَّا عُرِفَ أَنَّهُ بَاطِلٌ وَإِنَّ أَقْرَبَ الْقَوْلِ لَأَنْ تَقُولُوا سَاحِرٌ فَتَقُولُوا [(١٤)] هُوَ سَاحِرٌ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَبَيْنَ أَبِيهِ وَبَيْنَ الْمَرْءِ وَبَيْنَ أَخِيهِ، وَبَيْنَ الْمَرْءِ وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ، وَبَيْنَ الْمَرْءِ وَعَشِيرَتِهِ فَتَفَرَّقُوا عَنْهُ بِذَلِكَ [(١٥)] فَجَعَلُوا يَجْلِسُونَ لِلنَّاسِ حِينَ قَدِمُوا الْمَوْسِمَ لَا يَمُرُّ بِهِمْ أَحَدٌ إِلَّا حَذَّرُوهُ إِيَّاهُ، وَذَكَرُوا لَهُمْ مِنْ [(١٦)] أَمْرِهِ فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿ فِي الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَذَلِكَ مِنْ
_________________
(١) [(١٠)] في (هـ): «فقالوا» . [(١١)] في (م) و(ح): «الكاهن» . [(١٢)] في (ح): «وما» . [(١٣)] في (ح): «فما هو» . [(١٤)] في (ح): «فيقولوا» . [(١٥)] في (ح): «عند ذلك» . [(١٦)] الزيادة من (م) .
[ ٢ / ٢٠٠ ]
قَوْلِهِ: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا- إِلَى قَوْلِهِ- سَأُصْلِيهِ سَقَرَ [(١٧)] .
وَأَنْزَلَ اللهُ ﷿ فِي النَّفَرِ الَّذِينَ كَانُوا معه ويصنّفون [(١٨)] لَهُ الْقَوْلَ فِي رَسُولِ اللهِ ﵌ فِيمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ: الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ [(١٩)] أي أصنافا فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [(٢٠)] أُولَئِكَ النَّفَرُ الَّذِينَ يَقُولُونَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﵌ لِمَنْ لَقُوا مِنَ النَّاسِ قَالَ وَصَدَرَتِ الْعَرَبُ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْسِمِ بِأَمْرِ رَسُولِ اللهِ ﵌ وَانْتَشَرَ ذِكْرُهُ فِي بِلَادِ الْعَرَبِ كُلِّهَا» [(٢١)] .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ أَظُنُّهُ عَنْ شَيْخٍ مِنْ أَهْلِ مُضَرَ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «قَامَ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ كَلْدَةَ بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ! إِنَّهُ وَاللهِ لَقَدْ نَزَلَ بِكُمْ أَمْرٌ مَا ابْتُلِيتُمْ بِمِثْلِهِ، لَقَدْ كَانَ مُحَمَّدٌ فِيكُمْ غُلَامًا حَدَثًا أَرْضَاكُمْ فِيكُمْ وَأَصْدَقَكُمْ حَدِيثًا وَأَعْظَمَكُمْ أَمَانَةً، حَتَّى إِذَا رَأَيْتُمْ فِي صُدْغَيْهِ الشَّيْبَ وَجَاءَكُمْ بِمَا جَاءَكُمْ قُلْتُمْ:
سَاحِرٌ. لَا وَاللهِ مَا هُوَ بِسَاحِرٍ، قَدْ رَأَيْنَا السَّحَرَةَ وَنَفْثَهُمْ وَعَقْدَهُمْ، وَقُلْتُمْ: كَاهِنٌ لَا وَاللهِ مَا هُوَ بِكَاهِنٍ قَدْ رَأَيْنَا الْكَهَنَةَ وَحَالَهُمْ وَسَمِعْنَا سَجْعَهُمْ. وَقُلْتُمْ: شَاعِرٌ. لَا وَاللهِ مَا هُوَ بِشَاعِرٍ: لَقَدْ رَأَيْنَا الشِّعْرَ [(٢٢)] وَسَمِعْنَا أَصْنَافَهُ كُلَّهَا هَزَجَهُ وَرَجَزِهِ وَقَرِيضَهُ، وَقُلْتُمْ: مَجْنُونٌ وَلَا وَاللهِ مَا هُوَ بِمَجْنُونٍ لَقَدْ رَأَيْنَا الْجُنُونَ فَمَا هُوَ بِخَنْقِهِ وَلَا وَسْوَسَتِهِ وَلَا تَخْلِيطِهِ.
يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ انْظُرُوا فِي شَأْنِكُمْ فَإِنَّهُ وَاللهِ لَقَدْ نَزَلَ بِكُمْ أمر عظيم.
_________________
(١) [(١٧)] الآيات الكريمات من (١١- ٢٦) من سورة المدثر. [(١٨)] في (ح): «ويصفون»، وفي (هـ): «يضيفون» . [(١٩)] الآية الكريمة (١٩) من سورة الحجر. [(٢٠)] [الحجر- ٢٠] . [(٢١)] البداية والنهاية (٣: ٦١)، عن المصنف، وعن الحاكم. [(٢٢)] في (م) و(ح): «روينا» .
[ ٢ / ٢٠١ ]
وَكَانَ النَّضْرُ [(٢٣)] مِنْ شَيَاطِينِ قُرَيْشٍ وَمِمَّنْ كَانَ [(٢٤)] يُؤْذِي رَسُولَ اللهِ ﵌ وَيَنْصِبُ لَهُ الْعَدَاوَةَ» [(٢٥)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، وأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ السُّلَمِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفُضَيْلِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَجْلَحُ عَنِ الذَّيَّالِ بْنِ حَرْمَلَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: «قَالَ أبو
_________________
(١) [(٢٣)] هو النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ كَلَدَةَ صاحب لواء المشركين ببدر، كان من شجعان قريش ووجوهها، له اطلاع على كتب الفرس، وغيرهم، وكان ابن خالة النبي ﵌، ولما ظهر الإسلام استمر على عقيدة الجاهلية، وآذى رسول الله ﵌ كثيرا. وكان إذا جلس النبي مجلسا للتذكير بالله والتحذير من مثل ما أصاب الأمم الخالية من نقمة الله، جلس النضر بعده فحدث قريشا بأخبار ملوك فارس ورستم وإسفنديار، ويقول: أنا أحسن منه حديثا! إنما يأتيكم محمد بأساطير الأولين!. وشهد وقعة «بدر» مع مشركي قريش، فأسره المسلمون، وقتلوه بالأثيل (قرب المدينة) بعد انصرافهم من الوقعة. وهو أبو «قتيلة» صاحبة الأبيات المشهورة التي منها: «ما كان ضرك لو مننت، وربما منّ الفتى وهو المغيظ المحنق» رثته بها قبل إسلامها. وفي «الإصابة» و«البيان والتبيين» ما مؤداه، عرضت قتيلة (وسماها الجاحظ: ليلى) للنبي ﵌ وهو يطوف بالبيت واستوقفته، وجذبت رداءه حتى انكشف منكبه، وأنشدته أبياتها هذه، فرقّ لها حتى دمعت عيناه، وقال: لو بلغني شعرها قبل أن أقتله لوهبته لها. وفي المؤرخين من يقول إنها أخت النضر. وفي الرواة من يرى أن الشعر مصنوع وأن النضر لم يقتل «صبرا» وإنما أصابته جراحة، فامتنع عن الطعام والشراب ما دام في أيدي المسلمين، فمات. [(٢٤)] في (هـ): «وكان ممن» . [(٢٥)] السيرة لابن هشام (١: ٣١٩- ٣٢٠) ط. كتاب التحرير. بتحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد.
[ ٢ / ٢٠٢ ]
جَهْلٍ وَالْمَلَأُ مِنْ قُرَيْشٍ لَقَدِ انْتَشَرَ عَلَيْنَا أَمْرُ مُحَمَّدٍ فَلَوِ الْتَمَسْتُمْ رَجُلًا عَالِمًا بِالسِّحْرِ وَالْكِهَانَةِ وَالشِّعْرِ فَكَلَّمَهُ ثُمَّ أَتَانَا بِبَيَانٍ مِنْ أَمْرِهِ فَقَالَ عُتْبَةُ لقد سمعت يقول السَّحَرَةِ [(٢٦)] وَالْكِهَانَةِ وَالشِّعْرِ وَعَلِمْتُ مِنْ ذَلِكَ عِلْمًا وَمَا يَخْفَى عَلَيَّ إِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَأَتَاهُ فَلَمَّا أَتَاهُ قَالَ لَهُ [(٢٧)] عُتْبَةُ يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ خَيْرٌ أَمْ هَاشِمٌ أَنْتَ خَيْرٌ أَمْ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ أَنْتَ خَيْرُ أَمْ عَبْدُ اللهِ؟ فَلَمْ يُجِبْهُ قَالَ: فِيمَ تَشْتُمُ آلِهَتَنَا، وَتُضَلِّلُ آبَاءَنَا، فَإِنْ كُنْتَ إِنَّمَا بِكَ الرِّئَاسَةُ عَقَدْنَا أَلْوِيَتَنَا لَكَ [(٢٨)] فَكُنْتَ رَأْسَنَا مَا بَقِيتَ، وَإِنْ كَانَ بِكَ الْبَاءَةُ زَوَّجْنَاكَ عَشْرَ نِسْوَةٍ تَخْتَارُ مِنْ أَيِّ أَبْيَاتِ قُرَيْشٍ شِئْتَ، وَإِنْ كَانَ بِكَ الْمَالُ جَمَعْنَا لَكَ مِنْ أَمْوَالِنَا مَا تَسْتَغْنِي بِهَا أَنْتَ وَعَقِبُكَ مِنْ بَعْدِكَ، وَرَسُولُ الله ﵌ سَاكِتٌ لَا يَتَكَلَّمُ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ.
حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ- فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ- أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ [(٢٩)] فَأَمْسَكَ عُتْبَةُ عَلَى فِيهِ وَنَاشَدَهُ الرَّحِمَ [(٣٠)] أُن يَكُفَّ عَنْهُ وَلَمْ يَخْرُجْ إِلَى أَهْلِهِ وَاحْتَبَسَ عَنْهُمْ.
فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ وَاللهِ مَا نَرَى عُتْبَةَ إِلَّا قَدْ صَبَا إِلَى مُحَمَّدٍ وَأَعْجَبَهُ طَعَامَهُ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا مِنْ حَاجَةٍ أَصَابَتْهُ، انْطَلِقُوا بِنَا إِلَيْهِ فَأَتَوْهُ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: وَاللهِ يَا عُتْبَةُ مَا حَسِبْنَا إِلَّا أَنَّكَ صَبَوْتَ إِلَى مُحَمَّدٍ وَأَعْجَبَكَ أَمْرُهُ فَإِنْ كَانَتْ بِكَ حَاجَةٌ جَمَعْنَا لَكَ مِنْ أَمْوَالِنَا مَا يُغْنِيكَ عَنْ طَعَامِ مُحَمَّدٍ. فَغَضِبَ وَأَقْسَمَ بِاللهِ لَا يُكَلِّمُ مُحَمَّدًا أَبَدًا. قَالَ وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي مِنْ أَكْثَرِ قُرَيْشٍ مَالًا وَلَكِنِّي أَتَيْتُهُ فَقَصَّ عَلَيْهِمُ الْقِصَّةَ فَأَجَابَنِي بِشَيْءٍ وَاللهِ مَا هُوَ بِسِحْرٍ وَلَا شِعْرٍ وَلَا كَهَانَةٍ قرأ
_________________
(١) [(٢٦)] في (ح): «السحر» . [(٢٧)] الزيادة من (م) . [(٢٨)] في (هـ): «لك ألويتنا» . [(٢٩)] ابتداء من أول سورة فصلت. [(٣٠)] في (ح): «الرحمن» .
[ ٢ / ٢٠٣ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ.
قَالَ يَحْيَى كَذَا قَالَ يَعْقِلُونَ حَتَّى بَلَغَ فَقَالَ: أَنْذَرْتُكُمْ. صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ فَأَمْسَكْتُ بِفِيهِ وَنَاشَدْتُهُ الرَّحِمَ أَنْ يَكُفَّ وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ مُحَمَّدًا إِذَا قَالَ شَيْئًا لَمْ يَكْذِبْ فَخِفْتُ أَنْ يَنْزِلَ بِكُمُ الْعَذَابُ» [(٣١)] .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ زِيَادٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: «حُدِّثْتُ أَنَّ عتبة بن ربيعة [(٣٢)] وَكَانَ سَيِّدًا حَلِيمًا- قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ وَهُوَ جَالِسٌ فِي نَادِي قُرَيْشٍ وَرَسُولُ الله ﵌ جَالِسٌ وَحْدَهُ فِي الْمَسْجِدِ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أَلَا أَقُومُ إِلَى هَذَا فَأُكَلِّمَهُ فَأَعْرِضَ عَلَيْهِ أُمُورًا لَعَلَّهُ أَنْ يَقْبَلَ مِنَّا بَعْضَهَا وَيَكُفَّ عَنَّا؟
قَالُوا بَلَى يَا أَبَا الْوَلِيدِ، فَقَامَ عُتْبَةُ حَتَّى جَلَسَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِيمَا قَالَ لَهُ عُتْبَةُ وَفِيمَا عَرَضَ عَلَيْهِ مِنَ الْمَالِ وَالْمُلْكِ وَغَيْرِ ذَلِكَ حَتَّى إِذَا فَرَغَ عُتْبَةُ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌ أَفَرَأَيْتَ يَا أَبَا الْوَلِيدِ؟ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَاسْمَعْ مِنِّي قَالَ أَفْعَلُ.
_________________
(١) [(٣١)] أخرجه عبد بن حميد في مسنده، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أبي شيبة، ونقله الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٣: ٦٢) عنه، وعن المصنف. [(٣٢)] عتبة بن ربيعة (٠٠٠- ٢ هـ،،، - ٦٢٤ م) . عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ عبد شمس، أبو الوليد: كبير قريش وأحد ساداتها في الجاهلية. كان موصوفا بالرأي والحلم والفضل، خطيبا، نافذ القول. نشأ يتيما في حجر حرب بن أمية. وأول ما عرف عنه توسطه للصلح في حرب الفجار (بين هوازن وكنانة) وقد رضي الفريقان بحكمه، وانقضت الحرب على يده. وكان يقال: لم يسد من قريش مملق إلا عتبة وأبو طالب، فإنهما سادا بغير مال. أدرك الإسلام، وطغى فشهد بدرا مع المشركين. وكان ضخم الجثة، عظيم الهامة، طلب خوذة يلبسها يوم «بدر» فلم يجد ما يسع هامته، فاعتجر على رأسه بثوب له. وقاتل قتالا شديدا، فأحاط به علي ابن أبي طالب وحمزة وعبيدة بن الحارث، فقتلوه.
[ ٢ / ٢٠٤ ]
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا [(٣٣)] فَمَضَى رَسُولُ اللهِ ﵌ فقرأها [(٣٤)] عليه فما سَمِعَهَا عُتْبَةُ أَنْصَتَ لَهَا وَأَلْقَى بِيَدَيْهِ خَلْفَ ظَهْرِهِ مُعْتَمِدًا عَلَيْهِمَا يَسْتَمِعُ مِنْهُ حَتَّى انْتَهَى رَسُولُ اللهِ ﵌ إِلَى السَّجْدَةِ فَسَجَدَ فِيهَا ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتَ يَا أَبَا الْوَلِيدِ؟ قَالَ سَمِعْتُ قَالَ فَأَنْتَ وَذَاكَ.
فَقَامَ عُتْبَةُ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ نَحْلِفُ بِاللهِ لَقَدْ جَاءَكُمْ أَبُو الْوَلِيدِ بِغَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي ذَهَبَ بِهِ فَلَمَّا جَلَسَ إِلَيْهِمْ قَالُوا مَا وَرَاءَكَ يَا أَبَا الْوَلِيدِ؟ قَالَ وَرَائِي أَنِّي وَاللهِ قَدْ سَمِعْتُ قَوْلًا مَا سَمِعْتُ بِمِثْلِهِ قَطُّ وَاللهِ مَا هُوَ بِالشِّعْرِ وَلَا السِّحْرِ وَلَا الْكِهَانَةِ. يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أَطِيعُونِي وَاجْعَلُوهَا بِي. خَلُّوا بَيْنَ هَذَا الرَّجُلِ وَبَيْنَ مَا هُوَ فِيهِ واعتزلوه فو الله لَيَكُونَنَّ لِقَوْلِهِ الَّذِي سَمِعْتُ نَبَأٌ فَإِنْ تُصِبْهُ الْعَرَبُ فَقَدْ كُفِيتُمُوهُ بِغَيْرِكُمْ، وَإِنْ يَظْهَرْ عَلَى الْعَرَبِ فَمُلْكُهُ مُلْكُكُمْ، وَعِزُّهُ عِزُّكُمْ وَكُنْتُمْ أَسْعَدَ النَّاسِ بِهِ. قَالُوا سَحَرَكَ وَاللهِ يَا أَبَا الْوَلِيدِ بِلِسَانِهِ فَقَالَ هَذَا رَأْيِي لَكُمْ فَاصْنَعُوا مَا بَدَا لَكُمْ ثُمَّ ذَكَرَ شِعْرًا قَالَهُ أَبُو طَالِبٍ يَمْدَحُ عُتْبَةَ فِيمَا قَالَ» [(٣٥)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ الْأَصْبَهَانِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو قُتَيْبَةَ سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ الْآدَمِيُّ بِمَكَّةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو أَيُّوبَ أَحْمَدُ بْنُ بِشْرٍ الطَّيَالِسِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا دَاوُدُ بْنُ عَمْرٍو الضَّبِّيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى بْنُ زُرْعَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «لَمَّا قَرَأَ النَّبِيُّ ﵌ عَلَى عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [(٣٦)] أَتَى أَصْحَابَهُ فَقَالَ لَهُمْ يَا قَوْمُ أَطِيعُونِي فِي هَذَا الْيَوْمِ واعصوني فيما بعده فو الله لَقَدْ سَمِعْتُ مِنَ هَذَا
_________________
(١) [(٣٣)] الآيات الكريمات من أول سورة فصلت. [(٣٤)] في (م): «يقرؤها» . [(٣٥)] ونقله الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية» (٣: ٦٣- ٦٤) عن المصنف. [(٣٦)] أول سورة فصلت.
[ ٢ / ٢٠٥ ]
الرَّجُلِ كَلَامًا مَا سَمِعَتْ أُذُنَايَ قَطُّ كَلَامًا مِثْلَهُ وَمَا دَرَيْتُ مَا أَرُدُّ عَلَيْهِ» [(٣٧)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ قَالَ: «حُدِّثْتُ أَنَّ أَبَا جَهْلٍ، وَأَبَا سُفْيَانَ، وَالْأَخْنَسَ بْنَ شَرِيقٍ، خَرَجُوا لَيْلَةً لِيَسْتَمِعُوا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﵌ وَهُوَ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ فِي بَيْتِهِ وَأَخَذَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ مَجْلِسًا لِيَسْتَمِعَ فِيهِ، وَكُلٌّ لَا يَعْلَمُ بِمَكَانِ صَاحِبِهِ، فَبَاتُوا يَسْتَمِعُونَ لَهُ، حَتَّى إِذَا أَصْبَحُوا وَطَلَعَ الْفَجْرُ تَفَرَّقُوا فَجَمَعَتْهُمُ الطَّرِيقُ فَتَلَاوَمُوا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لَا تَعُودُوا فَلَوْ رَآكُمْ بَعْضُ سُفَهَائِكُمْ لَأَوقَعْتُمْ فِي نَفْسِهِ شَيْئًا.
ثُمَّ انْصَرَفُوا حَتَّى إِذَا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الثَّانِيَةُ عَادَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ إِلَى مَجْلِسِهِ فَبَاتُوا يَسْتَمِعُونَ لَهُ حَتَّى إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ تَفَرَّقُوا، فَجَمَعَتْهُمُ الطَّرِيقُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ مِثْلَ مَا قَالُوا أَوَّلَ مَرَّةٍ.
ثُمَّ انْصَرَفُوا فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الثَّالِثَةُ أَخَذَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ مَجْلِسَهُ، فَبَاتُوا يَسْتَمِعُونَ لَهُ حَتَّى إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ تَفَرَّقُوا فَجَمَعَتْهُمُ الطَّرِيقُ، فَقَالُوا: لَا نَبْرَحُ حَتَّى نَتَعَاهَدَ لَا نَعُودُ فَتَعَاهَدُوا عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ تَفَرَّقُوا فَلَمَّا أَصْبَحَ الْأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ أَخَذَ عَصَاهُ ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى أَتَى أَبَا سُفْيَانَ فِي بَيْتِهِ فَقَالَ أَخْبِرْنِي يَا أَبَا حَنْظَلَةَ عَنْ رَأْيِكَ فِيمَا سَمِعْتَ مِنْ مُحَمَّدٍ فَقَالَ يَا أَبَا ثَعْلَبَةَ وَاللهِ لَقَدْ سَمِعْتُ أَشْيَاءَ أَعْرِفُهَا وَأَعْرِفُ مَا يُرَادُ بِهَا. فَقَالَ الْأَخْنَسُ وَأَنَا وَالَّذِي حَلَفْتُ بِهِ. ثُمَّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ حَتَّى أَتَى أَبَا جَهْلٍ فَدَخَلَ عَلَيْهِ بَيْتَهُ فَقَالَ يَا أَبَا الْحَكَمِ مَا رَأْيُكَ فِيمَا سَمِعْتَ من مُحَمَّدٍ فَقَالَ مَاذَا سَمِعْتَ؟ تَنَازَعْنَا نَحْنُ وَبَنُو عَبْدِ مَنَافٍ الشَّرَفَ، أَطْعَمُوا فَأَطْعَمْنَا وَحَمَلُوا فَحَمَلْنَا وَأَعْطَوْا فَأَعْطَيْنَا حَتَّى إِذَا تَجَاثَيْنَا عَلَى الرُّكَبِ وَكُنَّا كَفَرَسَيْ رِهَانٍ قالوا: منّا نبيّ
_________________
(١) [(٣٧)] «البداية والنهاية» (٣: ٦٤)، وقال: «غريب من هذا الوجه» .
[ ٢ / ٢٠٦ ]
يَأْتِيهِ الْوَحْيُ مِنَ السَّمَاءِ فَمَتَى نُدْرِكُ [(٣٨)] هَذِهِ، وَاللهِ لَا نُؤْمِنُ بِهِ أَبَدًا وَلَا نُصَدِّقُهُ فَقَامَ عَنْهُ الْأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ» [(٣٩)] .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: «إِنَّ أَوَّلَ يَوْمٍ عَرَفْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ أَنِّي كُنْتُ أَمْشِي أَنَا وَأَبُو جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ فِي بَعْضِ أَزِقَّةِ مَكَّةَ، إِذْ لَقِينَا رَسُولَ اللهِ ﵌ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌ لِأَبِي جَهْلٍ: يَا أَبَا الْحَكَمِ هَلُمَّ إِلَى اللهِ ﷿ وَإِلَى رَسُولِهِ أَدْعُوكَ إِلَى اللهِ قَالَ أَبُو جَهْلٍ يَا مُحَمَّدُ هَلْ أَنْتَ مُنْتَهٍ عَنْ سَبِّ آلِهَتِنَا هَلْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ نَشْهَدَ أَنْ قَدْ بَلَّغْتَ فَنَحْنُ نَشْهَدُ أَنْ قَدْ بَلَّغْتَ، فو الله لَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنَّ ما تقول حقّا مَا اتَّبَعْتُكَ فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﵌.
وَأَقْبَلَ عَلَيَّ فَقَالَ: فو الله إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّ مَا يَقُولُ حَقٌّ وَلَكِنَّ بَنِي قُصَيٍّ قَالُوا: فِينَا الْحِجَابَةُ فَقُلْنَا نَعَمْ. فَقَالُوا فِينَا النَّدْوَةُ فَقُلْنَا نَعَمْ، ثُمَّ قَالُوا فِينَا اللِّوَاءُ فَقُلْنَا نَعَمْ. قَالُوا فِينَا السِّقَايَةُ فَقُلْنَا نَعَمْ، ثُمَّ أَطْعَمُوا وَأَطْعَمْنَا حَتَّى إِذَا تَحَاكَّتِ الرُّكَبُ، قَالُوا: مِنَّا نَبِيٌّ والله لا أفعل» [(٤٠)] .
_________________
(١) [(٣٨)] في (ح): «تدرك» . [(٣٩)] البداية والنهاية (٣: ٦٤) . [(٤٠)] البداية والنهاية (٣: ٦٤) .
[ ٢ / ٢٠٧ ]
بَابُ ذِكْرِ إِسْلَامِ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ ﵁ وَمَا فِي قِصَّتِهِ مِنْ تَنْزِيهِ [(١)] أَخِيهِ أُنَيْسٍ وَهُوَ أَحَدُ الشُّعَرَاءِ رَسُولَ اللهِ ﵌ عَمَّا كَانُوا يَقُولُونَ فِيهِ مِمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ، وَاعْتِرَافِهِ بِإِعْجَازِ الْقُرْآنِ، ثُمَّ مَا فِيهَا مِنِ اكْتِفَاءِ أَبِي ذَرٍّ ثَلَاثِينَ ليلة ويوم بِمَاءِ زَمْزَمَ عَنِ الطَّعَامِ حَتَّى سَمِنَ
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ النَّجَّادُ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئُ وأخبرنا أَبُو عَبْدِ اللهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رجاء وعمران ابن مُوسَى قَالَا: حَدَّثَنَا [(٢)] هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ:
«خَرَجْنَا عَنْ [(٣)] قَوْمِنَا غِفَارٍ وَكَانُوا يُحِلُّونَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ، فَخَرَجْتُ أَنَا وَأَخِي أُنَيْسٌ وَأُمُّنَا، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى نَزَلْنَا عَلَى خَالٍ لَنَا ذِي مَالٍ وَذِي هَيْئَةٍ، فَأَكْرَمَنَا خَالُنَا، وَأَحْسَنَ إِلَيْنَا، فَحَسَدَنَا قَوْمُهُ، فَقَالُوا: إِنَّكَ إِذَا خَرَجْتَ عَنْ أَهْلِكَ خَالَفَ إِلَيْهِمْ أُنَيْسٌ، قَالَ: فَجَاءَ خَالُنَا فَنَثَا عَلَيْنَا [(٤)] مَا قِيلَ لَهُ، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: أَمَّا مَا مَضَى مِنْ مَعْرُوفِكَ فَقَدْ كَدَّرْتَهُ، وَلَا جِمَاعَ لَكَ فِيمَا بَعْدُ، قَالَ: فَقَرَّبْنَا صِرْمَتَنَا [(٥)] فَاحْتَمَلْنَا عَلَيْهَا وَتَغَطَّى خَالُنَا ثَوْبَهُ فَجَعَلَ يَبْكِي، قَالَ: فَانْطَلَقْنَا حَتَّى نَزَلْنَا بحضرة
_________________
(١) [(١)] في (ح) «تبرئة» . [(٢)] في (ح): «قال: أنبأنا» . [(٣)] في (ح): «عن» . [(٤)] «فنثا علينا» أي: أشاعه وأفشاه. [(٥)] «فقرّبنا صرمتنا»: الصرمة هي القطعة من الإبل، وتطلق أيضا على القطعة من الغنم.
[ ٢ / ٢٠٨ ]
مَكَّةَ، قَالَ: فَنَافَرَ [(٦)] أُنَيْسٌ عَنْ صِرْمَتِنَا وَعَنْ مِثْلِهَا، فَأَتَيْنَا الْكَاهِنَ فَخَيَّرَ أُنَيْسًا، فَأَتَانَا بِصِرْمَتِنَا وَمِثْلِهَا مَعَهَا [(٧)] .
قَالَ: وَقَدْ صَلَّيْتُ يَا ابْنَ أَخِي قَبْلَ أَنْ أَلْقَى رَسُولَ اللهِ ﵌ بِثَلَاثِ سِنِينَ، فَقُلْتُ: لِمَنْ؟ قَالَ: لِلَّهِ. قُلْتُ فَأَيْنَ تَوَجَّهُ؟ قَالَ: أَتَوَجَّهُ حَيْثُ يوَجِّهُنِي اللهُ، أُصَلِّي عِشَاءً حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ أُلْقِيتُ كَأَنِّي خِفَاءٌ [(٨)]- فِي حَدِيثِ الْمُقْرِئِ يَعْنِي الثَّوْبَ- حَتَّى تَعْلُوَنِي الشَّمْسُ، قَالَ أُنَيْسٌ: إِنَّ لِي حَاجَةً بِمَكَّةَ فَاكْفِنِي حَتَّى آتِيَكَ، فَانْطَلَقَ أُنَيْسٌ حَتَّى أَتَى مَكَّةَ، فَرَاثَ [(٩)] عَلَيَّ ثُمَّ أَتَانِي، فَقُلْتُ: مَا حَبَسَكَ؟ قَالَ: لَقِيتُ رَجُلًا بِمَكَّةَ يَزْعُمُ أَنَّ اللهَ أَرْسَلَهُ. قَالَ: قُلْتُ مَا يَقُولُ النَّاسُ؟
قَالَ: يَقُولُونَ إِنَّهُ لَشَاعِرٌ، وَسَاحِرٌ، وَكَاهِنٌ قَالَ: وَكَانَ أُنَيْسٌ أَحَدَ الشُّعَرَاءِ، قَالَ:
فَقَالَ أُنَيْسٌ: لَقَدْ سَمِعْتُ قَوْلَ الْكَهَنَةِ فَمَا هُوَ بِقَوْلِهِمْ، وَلَقَدْ وَضَعْتُ قَوْلَهُ عَلَى أَقْوَالِ الشُّعَرَاءِ وَقَالَ غَيْرُهُ عَلَى أَقْرَاءِ [(١٠)] الشِّعْرِ فو الله مَا يَلْتَئِمُ، عَلَى لِسَانِ أَحَدٍ بَعْدِي، إِنَّهُ شِعْرٌ، وو الله إِنَّهُ لَصَادِقٌ، وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ.
قَالَ قُلْتُ لَهُ: هَلْ أَنْتَ كَافِينِي حَتَّى أَنْطَلِقَ فَأَنْظُرَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ وَكُنْ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ عَلَى حَذَرٍ فَإِنَّهُمْ قَدْ شَنِفُوا لَهُ وَتَجَهَّمُوا، فَانْطَلَقْتُ حَتَّى قدمت مكة
_________________
(١) [(٦)] فنافر: من المنافرة وهي المفاخرة والمحاكمة، فيفخر كل واحد من الرجلين على الآخر ثم يتحاكما إلى رجل ليحكم أيهما خير وأعز نفرا، وكانت هذه المفاخرة في الشعر: أيهما أشعر. [(٧)] (عَنْ صِرْمَتِنَا وَعَنْ مِثْلِهَا) معناه تراهن هو وآخر: أيهما أفضل، وكان الرهن صرمة ذا وصرمة ذاك، فأيهما كان أفضل أخذ الصرمتين، فتحاكما إلى الكاهن، فحكم بأن أنيسا أفضل، وهو معنى قوله: فخيّر أنيسا، أي: جعله الخيار والأفضل. [(٨)] في (ح): «كأني جفاء»، ومعنى «خفاء»: هو الكساء، وجمع أخفية. ككساء وأكسية. [(٩)] أي: أبطأ. [(١٠)] (أقراء الشعر) أي طرقه وأنواعه.
[ ٢ / ٢٠٩ ]
فَتَضَعَّفْتُ [(١١)] رَجُلًا مِنْهُمْ فَقُلْتُ: أَيْنَ هَذَا الَّذِي تَدْعُونَهُ [(١٢)]: الصَّابِئُ قَالَ:
فَأَشَارَ إِلَى الصابي [(١٣)] . قَالَ فَمَالَ عَلَيَّ أَهْلُ الْوَادِي بِكُلِّ مَدَرَةٍ وَعَظْمٍ، حَتَّى خَرَرْتُ مَغْشِيًّا عَلَيَّ، قَالَ: فَارْتَفَعْتُ حِينَ ارْتَفَعَتُ، كَأَنِّي نُصُبٌ أَحْمَرُ، فَأَتَيْتُ زَمْزَمَ فَشَرِبْتُ مِنْ مَائِهَا، وَغَسَلَتُ عَنِّي الدَّمَ، فَدَخَلْتُ بَيْنَ الْكَعْبَةِ وَأَسْتَارِهَا، وَلَقَدْ لَبِثْتُ يَا ابْنَ أَخِي ثَلَاثِينَ مِنْ بَيْنِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَمَالِي طَعَامٌ إِلَّا ماء زمزم، فسمنت حتى تَكَسَّرَتْ عُكَنُ بَطْنِي [(١٤)] وَمَا وَجَدْتُ عَلَى كَبِدِي سُخْفَةَ جُوعٍ [(١٥)] قَالَ فَبَيْنَمَا أَهْلُ مَكَّةَ فِي لَيْلَةٍ قَمْرَاءَ [(١٦)] إِضْحِيَانٍ [(١٧)] قَدْ ضَرَبَ اللهُ تَعَالَى عَلَى أَصْمِخَةِ [(١٨)] أَهْلِ مَكَّةَ، فَمَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ أَحَدٌ غَيْرُ امْرَأَتَيْنِ فَأَتَتَا عَلَيَّ وَهُمَا يَدْعُوَانِ إِسَافًا ونَائِلَةَ، قَالَ: فَأَتَتَا عَلَيَّ فِي طَوَافِهِمَا فَقُلْتُ: أَنْكِحَا أَحَدَهُمَا الْأُخْرَى، قَالَ فَمَا تَنَاهَيَتَا عَنْ قَوْلِهِمَا، وَقَالَ غَيْرُهُ فَمَا ثَنَاهُمَا ذَلِكَ عَمَّا قَالَا قَالَ: فَأَتَيَا عَلَيَّ فَقُلْتُ: هَنٌ مِثْلُ الْخَشَبَةِ [(١٩)] غَيْرَ أَنِّي لَا أُكَنِّي، فَانْطَلَقَتَا تُوَلْوِلَانِ [(٢٠)] وَتَقُولَانِ:
_________________
(١) [(١١)] يعني: نظرت إلى أضعفهم فسألته، لأن الضعيف مأمون الفائلة. [(١٢)] في (ح): «يدعونه» . [(١٣)] (الصابئ): منصوب على الإغراء، أي: انظروا وخذوا هذا الصابئ. [(١٤)] (عكن بطني) جمع عكنة، وهو الطيّ في البطن من السمن، معنى تكسرت: أي انثنت وانطوت طاقات لحم بطنه. [(١٥)] سخفة: بفتح السين وضمها: هي رقة الجوع وضعفه وهزاله. [(١٦)] (قمراء) مقمرة. [(١٧)] (أضحيان): أي مضيئة، منوّرة. [(١٨)] أصمخة، ويقال: أسمخة: المراد هنا: الآذان، أي ناموا. قال تعالى: فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ أي: أنمناهم. [(١٩)] (هن مثل الخشبة) الهن، والهنة بتخفيف نونهما، هو كناية عن كل شيء، وأكثر ما يستعمل كناية عن الفرج والذكر، فقال لهما: أو مثل الخشبة في الفرج، وأراد بذلك: سب إساف ونائلة وغيظ الكفار بذلك. [(٢٠)] (الولولة) الدعاء بالويل.
[ ٢ / ٢١٠ ]
لو كان ها هنا أَحَدٌ مِنْ أَنْفَارِنَا.
قَالَ فَاسْتَقْبَلَهُمَا رَسُولُ اللهِ ﵌ وَأَبُو بَكْرٍ وَهُمَا هَابِطَانِ مِنَ الْجَبَلِ، فَقَالَا لَهُمَا: مَا لَكُمَا؟ قَالَتْا: الصَّابِئُ بَيْنَ الْكَعْبَةِ وَأَسْتَارِهَا، قَالَ: مَا قَالَ لَكُمَا؟ قَالَتَا: قَالَ لَنَا كَلِمَةً تَمْلَأُ الْفَمَ [(٢١)] .
فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﵌ هُوَ وَصَاحِبُهُ فَاسْتَلَمَ الْحَجَرَ، ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ هُوَ وَصَاحِبُهُ، ثُمَّ صَلَّى، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ، قَالَ أَبُو ذَرٍّ: فَأَتَيْتُهُ فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ حَيَّاهُ بِتَحِيَّةِ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ وَعَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللهِ.
ثُمَّ قَالَ: مِمَّنْ أَنْتَ؟ قُلْتُ: مِنْ غِفَارٍ، قَالَ: فَأَهْوَى بِيَدِهِ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى جَبِينِهِ فَقُلْتُ فِي نَفْسِي [كَرِهَ] أَنِ انْتَمَيْتُ إِلَى غِفَارٍ، قَالَ: فَأَهْوَيْتُ لِآخُذَ بِيَدِهِ فَقَدَعَنِي [(٢٢)] صَاحِبُهُ وَكَانَ أَعْلَمَ بِهِ مِنِّي ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ متى كنت هاهنا؟
قلت قد كنت هاهنا منذ ثلاثين ليلة ويوم قَالَ: فَمَنَ كَانَ يُطْعِمُكَ؟ قُلْتُ: مَا كَانَ لِي طَعَامٌ إِلَّا مَاءُ زَمْزَمَ، فَسَمِنْتُ حَتَّى تَكَسَّرَتْ عُكَنُ بَطْنِي، وَمَا وَجَدْتُ عَلَى كَبِدِي سُخْفَةَ جُوعٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ إِنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ وَشِفَاءُ سُقْمٍ.
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللهِ! ائْذَنْ لِي فِي إِطْعَامِهِ اللَّيْلَةَ، فَفَعَلَ فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ ﵌ وَأَبُو بَكْرٍ وَانْطَلَقْتُ مَعَهُمَا حَتَّى فَتَحَ أَبُو بَكْرٍ بَابًا، فَجَعَلَ يَقْبِضُ لَنَا مِنْ زَبِيبِ الطَّائِفِ فَكَانَ ذَاكَ أَوَّلُ طَعَامٍ أَكَلْتُهُ بِهَا، قَالَ: فَغَبَرْتُ مَا غَبَرْتُ [(٢٣)] ثُمَّ أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: إِنِّي قَدْ وُجِّهْتُ إِلَى أَرْضٍ ذَاتِ نَخْلٍ [(٢٤)] لَا أَحْسَبُهَا إِلَّا يَثْرِبَ، فَهَلْ أَنْتَ مُبَلِّغٌ عَنِّي قَوْمَكَ لَعَلَّ اللهَ أَنْ ينفعهم
_________________
(١) [(٢١)] تملأ الضم أي عظيمة لا شيء أقبح منها. [(٢٢)] (قد عني) كفّني. [(٢٣)] (غبرت ما غبرت): أي بقيت ما بقيت. [(٢٤)] (وجّهت لي أرض) أي: أريت جهتها.
[ ٢ / ٢١١ ]
بِكَ، وَيَأْجُرَكَ فِيهِمْ، فَانْطَلَقْتُ حَتَّى أَتَيْتُ أَخِي أُنَيْسًا فَقَالَ لِي: مَا صَنَعْتَ؟
قُلْتُ: صَنَعْتُ أَنِّي أَسْلَمْتُ وَصَدَّقْتُ، قَالَ: فَمَا بِي رَغْبَةٌ عَنْ دِينِكِ [(٢٥)] فَإِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ وَصَدَّقْتُ، ثُمَّ أَتَيْنَا أُمَّنَا، فَقَالَتْ مَا بِي رَغْبَةٌ عَنْ دِينِكُمَا فَإِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ وَصَدَّقْتُ، قَالَ: ثُمَّ احْتَمَلْنَا حَتَّى أتينا قومنا غفار فَأَسْلَمَ نِصْفُهُمْ قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ رَسُولُ اللهِ ﵌، وَكَانَ يَؤُمُّهُمْ خُفَافُ بْنُ إِيمَاءِ بْنِ رَحَضَةَ الْغِفَارِيُّ، قَالَ: وَكَانَ سَيِّدَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَقَالَ بَقِيَّتُهُمْ إِذَا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﵌ أَسْلَمْنَا.
قَالَ فَقَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﵌ الْمَدِينَةَ فَأَسْلَمَ بَقِيَّتُهُمْ وَجَاءَتْ أَسْلَمُ، فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللهِ إِخْوَانُنَا، نُسْلِمُ عَلَى الَّذِي أَسْلَمُوا عَلَيْهِ فَأَسْلَمُوا فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌:
غِفَارٌ غَفَرَ اللهُ لَهَا، وَأَسْلَمُ سَالَمَهَا اللهُ» .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ [(٢٦)] عَنْ هَدَّابِ بْنِ خَالِدٍ.
حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الرُّومِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ عَنْ أَبِي زُمَيْلٍ سِمَاكِ بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ مَلَكِ بْنِ مَرْثَدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: «كُنْتُ رُبُعَ [(٢٧)] الْإِسْلَامِ أَسْلَمَ قَبْلِي ثَلَاثَةُ نَفَرٍ وَأَنَا الرَّابِعُ، أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﵌ فَقُلْتُ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ فَرَأَيْتُ الِاسْتِبْشَارَ فِي وَجْهِ رَسُولِ اللهِ ﵌» . [(٢٨)]
_________________
(١) [(٢٥)] أي: لا أكرهه، بل أدخل فيه. [(٢٦)] أخرجه مسلم في صحيحه، فِي: ٤٤- كِتَابِ الْفَضَائِلِ (٢٨) بَابُ من فضائل أَبِي ذَرٍّ﵁- حديث رقم (١٣٢)، ص (١٩١٩)، وأخرجه الإمام أحمد في «مسنده» (٥: ١٧٤) . [(٢٧)] في (ح): «رابع» . [(٢٨)] أخرجه الحاكم في «المستدرك» (٣: ٣٤١- ٣٤٢) .، والهيثمي في مجمع الزوائد (٩: ٣٢٧) .
[ ٢ / ٢١٢ ]
بَابُ ذِكْرِ إِسْلَامِ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ﵁ وَمَا فِي ذَلِكَ مِنْ وَعْظِ رَسُولِ اللهِ ﵌. إِيَّاهُ حَتَّى أَلْقَى الله ﷿ فِي نَفْسِهِ الْإِيمَانَ بِمَا قَالَ
حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ إِمْلَاءً، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ حَدَّثَنِي رجل من أَسْلَمَ وَكَانَ وَاعِيَةً «أَنَّ أَبَا جَهْلٍ اعْتَرَضَ رَسُولَ اللهِ ﵌ عِنْدَ الصَّفَا فَآذَاهُ وَشَتَمَهُ وَنَالَ مِنْهُ مَا يَكْرَهُ مِنَ الْعَيْبِ لِدِينِهِ فَذُكِرَ ذَلِكَ لِحَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَأَقْبَلَ نَحْوَهُ حَتَّى إِذَا قَامَ عَلَى رَأْسِهِ. رَفَعَ الْقَوْسَ، فَضَرَبَهُ بِهَا ضَرْبَةً شَجَّهُ مِنْهُ شَجَّةً مُنْكَرَةً، وَقَامَتْ رِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ إِلَى حَمْزَةَ لِيَنْصُرُوا أَبَا جَهْلٍ مِنْهُ، فَقَالُوا: مَا نَرَاكَ يَا حَمْزَةُ إِلَّا قَدْ صَبَأْتَ، فَقَالَ حَمْزَةُ وَمَا يَمْنَعُنِي وَقَدِ اسْتَبَانَ لِي مِنْهُ. أَنَا أَشْهَدُ أَنَّهُ رَسُولُ اللهِ وَأَنَّ الَّذِي يَقُولُ حَقٌّ، فو الله لَا أَنْزِعُ فَامْنَعُونِي إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ دَعُوا أَبَا عُمَارَةَ فَإِنِّي وَاللهِ لَقَدْ سَبَبْتُ ابْنَ أَخِيهِ سَبًّا قَبِيحًا [(١)] .
فَلَمَّا أَسْلَمَ حَمْزَةُ عَرَفَتْ قُرَيْشٌ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ قَدْ عَزَّ وَامْتَنَعَ فَكَفُّوا عَنْ بَعْضِ مَا كَانُوا يَتَنَاوَلُونَ مِنْهُ وَقَالَ حَمْزَةُ فِي ذَلِكَ شِعْرًا [(٢)] . قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: ثُمَّ
_________________
(١) [(١)] قصة إسلام حَمْزَةَ﵁- فِي سيرة ابن هشام (١: ٣١٢)، والبداية والنهاية (٣: ٣٣) . وغيرها. [(٢)] ذكر السهيلي في الروض الأنف قطعة له هي: حمدت الله حين هدى فؤادي إلى الإسلام والدين الحنيف
[ ٢ / ٢١٣ ]
رَجَعَ حَمْزَةُ إِلَى بَيْتِهِ فَأَتَاهُ الشَّيْطَانُ فَقَالَ: أَنْتَ سَيِّدُ قُرَيْشٍ اتَّبَعْتَ هَذَا الصَّابِئَ وَتَرَكْتَ دِينَ آبَائِكَ، لَلْمَوْتُ خَيْرٌ لَكَ مِمَّا صَنَعْتَ، فَأَقْبَلَ عَلَى حَمْزَةَ بثه وقال: مَا صَنَعْتُ؟ اللهُمَّ إِنْ كَانَ رُشْدًا فَاجْعَلْ تَصْدِيقَهُ فِي قَلْبِي، وَإِلَّا فَاجْعَلْ لِي مِمَّا وَقَعَتُ فِيهِ مَخْرَجًا. فَبَاتَ بِلَيْلَةٍ لَمْ يَبِتْ بِمِثْلِهَا مِنْ وَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ حَتَّى أَصْبَحَ فَغَدَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ فَقَالَ يَا ابْنَ أَخِي! إِنِّي قَدْ وَقَعْتُ فِي أَمْرٍ لَا أَعْرِفُ الْمَخْرَجَ مِنْهُ وَإِقَامَةُ مِثْلِي عَلَى مَا لَا أَدْرِي مَا هُوَ أَرُشْدٌ هُوَ أَمْ غَيٌّ شَدِيدٌ، فَحَدِّثْنِي حَدِيثًا فَقَدِ اشْتَهَيْتُ يَا ابْنَ أَخِي أَنْ تُحَدِّثَنِي.
فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﵌ فَذَكَّرَهُ، وَوَعَظَهُ، وَخَوَّفَهُ، وَبَشَّرَهُ، فَأَلْقَى اللهُ فِي نَفْسِهِ الْإِيمَانَ بِمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ الصَّادِقُ شَهَادَةَ الصِّدْقِ.
فَأَظْهِرْ يَا ابْنَ أَخِي دِينَكَ، فو الله مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي مَا أَظَلَّتِ السَّمَاءُ وَأَنِّي عَلَى دِينِيَ الْأَوَّلِ، فَكَانَ حَمْزَةُ [﵁] [(٣)] مِمَّنْ أَعَزَّ اللهُ [﷿] [(٤)] بِهِ الدين» .
_________________
(١) [()] لدين جاء من ربّ عزيز خبير بالعباد بهم لطيف إذا تليت رسائله علينا تحدّر دمع ذي اللّب الحصيف رسائل جاء أحمد من هداها بآيات مبيّنة الحروف وأحمد مصطفى فينا مطاع فلا تغسوه بالقول الضعيف فلا والله نسلمه لقوم ولمّا نقض فيهم بالسيوف ونترك منهم قتلى بقاع عليها الطير كالورد العكوف وقد خبرت ما صنعت ثقيف به فجزى القبائل من ثقيف إله الناس شرّ جزاء قوم ولا أسقاهم صوب الخريف [(٣)] ليست في م. [(٤)] الزيادة من (م) .
[ ٢ / ٢١٤ ]
بَابُ ذِكْرِ إِسْلَامِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ حِينَ قَرَأَ الْقُرْآنَ، وَعَلِمَ إِعْجَازَهُ، وَمَا كَانَ مِنْ إِجَابَةِ اللهِ﷿- فِيهِ دَعْوَةَ رَسُولِ اللهِ ﵌ بِإِعْزَازِ دِينِهِ بِإِسْلَامِ أَحَدِ الرَّجُلَيْنِ
أَخْبَرَنَا أَبُو زَكَرِيَّاءَ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمُزَكِّي، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو محمد عبد الله ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ [بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ قَالَ حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ] [(١)] قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: «مَا زِلْنَا أَعِزَّةً مُنْذُ أَسْلَمَ عُمَرُ» .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ [(٢)] عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى [(٣)]، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الرُّوذْبَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ الزَّاهِدُ النَّحْوِيُّ غُلَامُ ثَعْلَبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ، قَالَ:
_________________
(١) [(١)] ما بين الحاصرتين سقطت من نسخة (ح)، وثابتة في بقية النسخ. [(٢)] الحديث أخرجه البخاري فِي: ٦٢- كِتَابِ فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ (٦) باب مناقب عمر بن الخطاب القرشي العدوي، فتح الباري (٧: ٤١)، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، وأعاده في: ٦٣- كتاب مناقب الأنصار (٣٥) باب إسلام عمر بن الخطاب، ح (٣٨٦٣) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَثِيرٍ، عن سفيان. فتح الباري (٧: ١٧٧) . [(٣)] في (ح): «مثنى» .
[ ٢ / ٢١٥ ]
حَدَّثَنَا خَارِجَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «اللهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ بِأَحَبِّ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ إِلَيْكَ: أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ، أَوْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ» قَالَ: فَكَانَ يَعْنِي عُمَرَ [﵁] [(٤)] أَحَبُّهُمَا إِلَى اللهِ ﷿ [(٥)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ: عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ الْمُقْرِئُ ابْنُ الْحَمَّامِيِّ بِبَغْدَادَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بُرْدٍ الْأَنْطَاكِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحُنَيْنِيُّ، قَالَ: ذَكَرَهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: «قَالَ لَنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ أَتُحِبُّونَ أَنْ أُعْلِمَكُمْ كَيْفَ كَانَ إِسْلَامِي؟ قَالَ: قُلْنَا، نَعَمْ. قَالَ:
كُنْتُ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﵌، فَبَيْنَا أَنَا فِي يَوْمٍ حَارٍّ شَدِيدِ الْحَرِّ بِالْهَاجِرَةِ فِي بَعْضِ طَرِيقِ مَكَّةَ إِذْ لَقِيَنِي رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟ فَقُلْتُ: أُرِيدُ الَّتِي وَالَّتِي وَالَّتِي! [(٦)] قَالَ: عَجَبًا لَكَ يا ابن الخطاب، عمنت تَزْعُمُ أَنَّكَ كَذَلِكَ، وَقَدْ دَخَلَ عَلَيْكَ الْأَمْرُ فِي بَيْتِكَ.
قَالَ: قُلْتُ وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ أُخْتُكَ قَدْ أَسْلَمَتْ، قَالَ: فَرَجَعْتُ مُغْضَبًا حَتَّى قَرَعْتُ الْبَابَ، وقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﵌ إِذَا أَسْلَمَ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ مِمَّنْ لَا شَيْءَ لَهُ ضَمَّهُمَا [رَسُولُ اللهِ ﵌] [(٧)] إِلَى الرَّجُلِ الَّذِي فِي يَدِهِ السَّعَةِ فَيَنَالَاهُ مِنْ فَضْلِ [(٨)] طَعَامِهِ وَقَدْ كَانَ ضَمَّ إِلَى زَوْجِ أُخْتِي رَجُلَيْنِ فَلَمَّا قَرَعْتُ الْبَابَ قِيلَ: مَنْ هَذَا؟
_________________
(١) [(٤)] الزيادة من (ص) و(م) . [(٥)] أخرجه الترمذي في: ٥٠- كتاب المناقب (باب) في مناقب عمر بن الخطاب﵁- ح (٣٦٨١)، ص (٥: ٦١٧)، وابن سعد في الطبقات. [(٦)] في (ص): «التي والتي» . [(٧)] الزيادة من (ح) . [(٨)] في (ح): «فضلة» .
[ ٢ / ٢١٦ ]
قُلْتُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَتَبَادَرُوا فَاخْتَفَوْا مِنِّي، وَقَدْ كانوا يقرأون صَحِيفَةً بَيْنَ أَيْدِيهِمْ تَرَكُوهَا أَوْ نَسُوهَا. فَقَامَتْ أُخْتِي تَفْتَحُ الْبَابَ، فَقُلْتُ: يَا عَدُوَّةَ نَفْسِهَا أَصَبَوْتِ؟ وَضَرَبْتُهَا بِشَيْءٍ فِي يَدِي عَلَى رَأْسِهَا، فَسَالَ الدَّمُ، فَلَمَّا رَأَتِ الدَّمَ بَكَتْ، فَقَالَتْ: يَا ابْنَ الْخَطَّابِ! مَا كُنْتَ فَاعِلًا فَافْعَلْ، فَقَدْ صَبَوْتُ.
قَالَ: وَدَخَلْتُ حَتَّى جَلَسْتُ عَلَى السَّرِيرِ فَنَظَرْتُ إِلَى الصَّحِيفَةِ وَسْطَ الْبَيْتِ، فقلت ما هذا؟ ناولنيها، فَقَالَتْ: لَسْتَ مِنْ أَهْلِهَا أَنْتَ لَا تَطْهُرُ مِنَ الْجَنَابَةِ وَهَذَا كِتَابٌ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ. فَمَا زِلْتُ بِهَا حَتَّى نَاوَلَتْنِيهَا، فَفَتَحْتُهَا فَإِذَا فِيهَا: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَلَمَّا مَرَرْتُ بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ﷿- ذُعِرْتُ مِنْهُ، فَأَلْقَيْتُ الصَّحِيفَةَ، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى نَفْسِي فَتَنَاوَلْتُهَا، فَإِذَا فِيهَا سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [(٩)]، فَلَمَّا مَرَرْتُ بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ ذُعِرْتُ، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى نَفْسِي، فَقَرَأْتُهَا حَتَّى بَلَغْتُ: آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [(١٠)] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، فَقُلْتُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَخَرَجُوا إِلَيَّ مُتَبَادِرِينَ وَكَبَّرُوا وَقَالُوا: أَبْشِرْ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ دَعَا يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، فَقَالَ: اللهُمَّ أَعِزَّ دِينَكَ بِأَحَبِّ الرَّجُلَيْنِ إِلَيْكَ: إِمَّا أَبُو جَهْلِ بْنَ هشام، وَإِمَّا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَإِنَا نَرْجُو أَنْ تَكُونَ دَعْوَةُ رَسُولِ اللهِ ﵌ لَكَ فَأَبْشِرْ.
قَالَ: قُلْتُ، فَأَخْبِرُونِي أَيْنَ رَسُولُ الله ﵌؟ فَلَمَّا عَرَفُوا الصِّدْقَ مِنِّي قَالُوا: فِي بَيْتٍ بِأَسْفَلِ الصَّفَا، فَخَرَجْتُ، حَتَّى قَرَعْتُ الْبَابَ عَلَيْهِمْ، فَقَالُوا: مَنْ هَذَا؟ قُلْتُ: ابْنُ الْخَطَّابِ، قَالَ: وَقَدْ عَلِمُوا مِنْ شِدَّتِي عَلَى رَسُولِ اللهِ ﵌، وَمَا يَعْلَمُونَ بِإِسْلَامِي، فما اجترأ أحد بفتح الْبَابَ [(١١)] حَتَّى قَالَ: افْتَحُوا لَهُ إِنْ يُردِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يَهْدِهِ، فَفَتَحُوا لِيَ الْبَابَ فَأَخَذَ رَجُلَانِ بِعَضُدَيَّ، حَتَّى أَتَيَا بِيَ النَّبِيَّ
_________________
(١) [(٩)] أول سورة الحديد. [(١٠)] الآية الكريمة (٧) من سورة الحديد. [(١١)] في (هـ): «يفتح» .
[ ٢ / ٢١٧ ]
﵌ فَقَالَ خَلُّوا عَنْهُ، ثُمَّ أَخَذَ بِمَجَامِعِ قَمِيصِي، ثُمَّ جَذَبَنِي إِلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَسْلِمْ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، اللهُمَّ اهْدِهِ، فَقُلْتُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
فَكَبَّرَ الْمُسْلِمُونَ تَكْبِيرَةً سُمِعَتْ بِفِجَاجِ مَكَّةَ، وَكَانُوا مُسْتَخْفِينَ فَلَمْ أَشَأْ أَنْ أَرَى رَجُلًا يُضْرَبُ فَيَضْرِبُ إِلَّا رَأَيْتُهُ وَلَا يُصِيبُنِي [(١٢)] مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ.
فَخَرَجْتُ، حَتَّى جِئْتُ خَالِي وَكَانَ شَرِيفًا فَقَرَعْتُ عَلَيْهِ الْبَابَ [(١٣)]، فَقَالَ:
مَنْ هَذَا؟ فَقُلْتُ: ابْنُ الْخَطَّابِ، قَالَ: فَخَرَجَ إِلَيَّ فَقُلْتُ: عَلِمْتَ أني قد صبوت قال أو فعلت؟ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ لَا تَفْعَلْ، فَقُلْتُ: قَدْ فَعَلْتُ، فَدَخَلَ وَأَجَافَ الْبَابَ دُونِي، فَقُلْتُ: مَا هَذَا شَيْءٌ، فَذَهَبْتُ إِلَى رَجُلٍ مِنْ عُظَمَاءِ قُرَيْشٍ فَنَادَيْتُهُ، فَخَرَجَ إِلَيَّ فَقُلْتُ مِثْلَ مَقَالَتِي لِخَالِي، وَقَالَ مِثْلَ مَا قَالَ، وَدَخَلَ وَأَجَافَ الْبَابَ دُونِي.
فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: مَا هَذَا شَيْءٌ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ يُضْرَبُونَ وَأَنَا لَا أُضْرَبُ. فَقَالَ لِي رَجُلٌ أَتُحِبُّ أَنْ يُعْلَمَ بِإِسْلَامِكَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِذَا جَلَسَ النَّاسُ فِي الْحِجْرِ فَأْتِ فُلَانًا- لِرَجُلٍ لَمْ يَكُنْ يَكْتُمُ السِّرَّ- فَقُلْ لَهُ فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ: إِنِّي قَدْ صَبَوْتُ فَإِنَّهُ قَلَّ مَا يَكْتُمُ السِّرَّ.
قَالَ: فَجِئْتُ وَقَدِ اجْتَمَعَ النَّاسُ فِي الْحِجْرِ فَقُلْتُ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِنِّي قد صبوت. قال: أو فعلت؟ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ إِنَّ ابْنَ الْخَطَّابِ قَدْ صَبَأَ فَبَادَرَ إِلَيَّ أُولَئِكَ النَّاسُ فَمَا زِلْتُ أَضْرِبُهُمْ وَيَضْرِبُونَنِي فَاجْتَمَعَ عَلَيَّ النَّاسُ.
فَقَالَ خَالِي: مَا هَذِهِ الْجَمَاعَةُ قِيلَ عُمَرُ قَدْ صَبَأَ، فَقَامَ عَلَى الْحِجْرِ فَأَشَارَ بِكُمِّهِ هَكَذَا أَلَا إِنِّي قَدْ أَجَرْتُ ابْنَ أَخِي، فَتَكَشَّفُوا عَنِّي، فَكُنْتُ لَا أَشَاءُ أن أرى
_________________
(١) [(١٢)] في (ص): «يصبني» . [(١٣)] في (ص): «فقرعت الباب» .
[ ٢ / ٢١٨ ]
رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَضْرِبُ وَيُضْرَبُ إِلَّا رَأَيْتُهُ فَقُلْتُ: مَا هَذَا بِشَيْءٍ حَتَّى يُصِيبَنِي فَأَتَيْتُ خَالِي فَقُلْتُ جِوَارُكَ عَلَيْكَ رَدٌّ فَقُلْ [(١٤)] مَا شِئْتَ فَمَا زِلْتُ أَضْرِبُ وَأُضْرَبُ حَتَّى أَعَزَّ اللهُ الْإِسْلَامَ» [(١٥)] .
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ بِشْرَانَ بِبَغْدَادَ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو الرَّزَّازُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ الْمُنَادِي، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ يَعْنِي الْأَزْرَقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عُثْمَانَ الْبَصْرِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ:
«خَرَجَ عُمَرُ متقلد السَّيْفَ، فَلَقِيَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ، فَقَالَ لَهُ: أَيْنَ تَعَمِدُ يَا عُمَرُ؟ فَقَالَ أُرِيدُ أَنْ أَقْتُلَ مُحَمَّدًا! قَالَ: وَكَيْفَ تَأْمَنُ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي زُهْرَةَ وَقَدْ قَتَلْتَ مُحَمَّدًا؟ قَالَ: فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: مَا أَرَاكَ إِلَّا قَدْ صَبَوْتَ وَتَرَكْتَ دِينَكَ الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ، قَالَ: أَفَلَا أَدُلُّكَ عَلَى الْعَجَبِ إِنَّ خَتَنَكَ وَأُخْتَكَ قَدْ صَبَوَا وَتَرَكَا دِينَكَ الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ، قَالَ: فَمَشَى عُمَرُ ذَامِرًا حَتَّى أَتَاهُمَا، وَعِنْدَهُمَا رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ يُقَالُ لَهُ خَبَّابٌ، قَالَ: فَلَمَّا سَمِعَ خَبَّابٌ بِحِسِّ عُمَرَ تَوَارَى فِي الْبَيْتِ فَدَخَلَ عَلَيْهِمَا، فَقَالَ: مَا هَذِهِ الْهَيْنَمَةُ الَّتِي سَمِعْتُهَا عِنْدَكُمْ؟ قال وكانوا يقرأون: طه فَقَالَا: مَا عَدَا حَدِيثًا تَحَدَّثْنَاهُ بَيْنَنَا. قَالَ: فَلَعَلَّكُمَا قَدْ صَبَوْتُمَا، فَقَالَ لَهُ خَتَنُهُ: يَا عُمَرُ إِنْ كَانَ الْحَقُّ فِي غَيْرِ دِينِكَ؟ قَالَ: فَوَثَبَ عُمَرُ عَلَى خَتَنِهِ، فَوَطِئَهُ وطأ شَدِيدًا. قَالَ: فَجَاءَتْ أُخْتُهُ لِتَدْفَعَهُ عَنْ زَوْجِهَا، فَنَفَحَهَا نَفْحَةً بِيَدِهِ فَدَمِيَ وَجْهُهَا فَقَالَتْ وَهِيَ غَضْبَى: وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ فِي غَيْرِ دِينِكَ، إِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ.
فَقَالَ عُمَرُ أَعْطُونِي الْكِتَابَ الَّذِي هُوَ عِنْدَكُمْ فَأَقْرَأَهُ [(١٦)]- قَالَ: وَكَانَ عُمَرُ
_________________
(١) [(١٤)] في (هـ): «عليك ردّ»، وفي (ح): «جوارك رد عليك» . [(١٥)] أخرجه البزار، والطبراني، عن أسلم مولى عمر. [(١٦)] في (ص) رسمت هكذا «فأقرؤه» .
[ ٢ / ٢١٩ ]
يَقْرَأُ الْكُتُبَ [(١٧)]- فَقَالَتْ أُخْتُهُ إِنَّكَ رِجْسٌ، وَإِنَّهُ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ، فَقُمْ فَاغْتَسِلْ أَوْ تَوَضَّأْ. قَالَ: فَقَامَ عُمَرُ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ أَخَذَ الْكِتَابَ فَقَرَأَ: طه- حَتَّى انْتَهَى إِلَى- إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ: لَا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي، وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [(١٨)] .
قَالَ فَقَالَ عُمَرُ: دُلُّونِي عَلَى مُحَمَّدٍ، فَلَمَّا سَمِعَ خَبَّابٌ قَوْلَ عُمَرَ، خَرَجَ مِنَ الْبَيْتِ فَقَالَ: أَبْشِرْ يَا عُمَرُ، فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ تكون دعوة رسول الله ﵌ لَيْلَةَ الْخَمِيسِ: اللهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، أَوْ بِعَمْرِو بْنِ هِشَامٍ.
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﵌، فِي الدَّارِ الَّتِي فِي أَصْلِ الصَّفَا. قَالَ: فَانْطَلَقَ عُمَرُ، حَتَّى أَتَى الدَّارَ وَعَلَى بَابِ الدَّارِ: حَمْزَةُ وَطَلْحَةُ، ونَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﵌، فَلَمَّا رَأَى حَمْزَةُ وَجَلَ الْقَوْمِ مِنْ عُمَرَ فَقَالَ حَمْزَةُ هَذَا عُمَرُ إِنْ يُرِدِ اللهُ بِعُمَرَ خَيْرًا يُسْلِمْ فَيَتْبَعِ النَّبِيَّ ﵌، وَإِنْ يُرِدْ غَيْرَ ذَلِكَ يَكُنْ قَتْلُهُ عَلَيْنَا هَيِّنًا.
قَالَ: وَالنَّبِيُّ ﵌ دَاخِلٌ يُوحَى إِلَيْهِ، قَالَ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﵌، حَتَّى أَتَى عُمَرَ، فَأَخَذَ بِمَجَامِعِ ثَوْبِهِ وَحَمَائِلِ السَّيْفِ، فَقَالَ: مَا أَنْتَ بِمُنْتَهٍ يَا عُمَرُ حَتَّى يُنْزِلَ اللهُ ﷿ بِكَ مِنَ الْخِزْيِ وَالنَّكَالِ مَا أَنْزَلَ بِالْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ- فَهَذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: اللهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ أَوِ الدِّينَ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ- فَقَالَ عُمَرُ:
أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلا اللهُ وَأَنَّكَ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَأَسْلَمَ وَقَالَ: اخْرُجْ يَا رَسُولَ اللهِ [(١٩)] .
وَقَدْ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ [(٢٠)] فِي الْمَغَازِي، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ «وَكَانَ عُمَرُ يَقْرَأُ الْكُتُبَ فَقَرَأَ طه- حَتَّى إِذَا بَلَغَ- إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها
_________________
(١) [(١٧)] هكذا في (ح)، وفي بقية النسخ «الكتاب» . [(١٨)] الآيات الكريمة (١- ١٤) من سورة طه. [(١٩)] روى قصة إسلام عمر بن الخطاب عن أنس: ابن اسحق، وابن سعد، وأبو يعلى، والحاكم. [(٢٠)] سيرة ابن هشام (١: ٣٦٦) .
[ ٢ / ٢٢٠ ]
لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى، إِلَى قَوْلِهِ: فَتَرْدى [(٢١)] .
وَقَرَأَ: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ- حَتَّى بَلَغَ- عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ [(٢٢)] فَأَسْلَمَ عِنْدَ ذَلِكَ» أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ عَنِ ابْنِ إسحاق [(٢٣)] فَذَكَرَهُ، وَقَالَ فِيهِ: وَزَوْجُ أُخْتِهِ سَعِيدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأَدِيبُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو يَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «إِنِّي لَعَلَى سَطْحٍ فَرَأَيْتُ النَّاسَ مُجْتَمِعِينَ عَلَى رَجُلٍ وَهُمْ يَقُولُونَ صَبَأَ عُمَرُ، صَبَأَ عُمَرُ، فَجَاءَ الْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ عَلَيْهِ قُبَاءٌ دِيبَاجٌ فَقَالَ إِذَا كَانَ عُمَرُ قَدْ صَبَأَ فَمَهْ أَنَا لَهُ جَارٌ، قَالَ: فَتَفَرَّقَ النَّاسُ عَنْهُ، قَالَ:
فَعَجِبْتُ مِنْ عِزِّهِ» .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ [(٢٤)]، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ سُفْيَانَ أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ: قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: «كَانَ إِسْلَامُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بَعْدَ خُرُوجِ مَنْ خَرَجَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﵌ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَارِثِ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ أُمِّهِ لَيْلَى، قَالَتْ: «كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَلَيْنَا فِي إِسْلَامِنَا، فَلَمَّا تَهَيَّأْنَا لِلْخُرُوجِ إِلَى أرض
_________________
(١) [(٢١)] [١- ١٦] من سورة طه. [(٢٢)] [١- ١٤] من سورة التكوير. [(٢٣)] سيرة ابن هشام (١: ٣٦٥) . [(٢٤)] أخرجه البخاري في: ٦٣- كتاب مناقب الأنصار (٣٥) باب إِسْلَامِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ﵁- ح (٣٨٦٥) عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الله المديني، فتح الباري (٧: ١٧٧) .
[ ٢ / ٢٢١ ]
الْحَبَشَةِ جَاءَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَأَنَا عَلَى بَعِيرٍ نُرِيدُ أَنْ نَتَوَجَّهَ، فَقَالَ: أَيْنَ يَا أُمَّ عَبْدِ اللهِ؟ فَقُلْتُ لَهُ: آذَيْتُمُونَا فِي دِينِنَا، فَنَذْهَبُ فِي أَرْضِ اللهِ حَيْثُ لَا نُؤْذَى فِي عِبَادَةِ اللهِ فَقَالَ: صَحِبَكُمُ اللهُ، ثُمَّ ذَهَبَ، فَجَاءَ زَوْجِي عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا رَأَيْتُ مِنَ رِقَّةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ: تَرْجِينَ يُسْلِمُ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فو الله لَا يُسْلِمُ حَتَّى يُسْلِمَ حِمَارُ الْخَطَّابِ- وَهَذَا مِنْ شِدَّتِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ [(٢٥)]-.
ثُمَّ رَزَقَهُ اللهُ تَعَالَى الْإِسْلَامَ- قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَالْمُسْلِمُونَ يَوْمَئِذٍ بِضْعٌ وَأَرْبَعُونَ رَجُلًا وَإِحْدَى عَشْرَةَ امْرَأَةً» .
وَقَدْ رُوِيتْ قِصَّةٌ عَجِيبَةٌ فِي إِسْلَامِ عُمَرَ بِإِسْنَادٍ مَجْهُولٍ لَمْ أُخَرِّجْهَا، فَفِي الْأَحَادِيثِ الْمَشْهُوَرَةِ غُنْيَةٌ عَنْهَا وَهِيَ مُخَرَّجَةٌ فِي كِتَابِ الْفَضَائِلِ.
_________________
(١) [(٢٥)] سيرة ابن هشام (١: ٣٦٥) .
[ ٢ / ٢٢٢ ]
بَابُ إِسْلَامِ ضِمَادٍ وَمَا ظَهَرَ لَهُ فِيمَا سَمِعَ مِنَ النَّبِيِّ ﵌ مِنْ آثَارِ النُّبُوَّةِ
أَخْبَرَنَا أَبُو صَالِحِ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ الْعَنْبَرِيُّ قَالَ: [(١)] أَخْبَرَنَا جَدِّي يَحْيَى بْنُ مَنْصُورٍ الْقَاضِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: [(٢)] حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «قَدِمَ ضِمَادٌ مَكَّةَ وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ أُزْدِ شَنُوءَةَ وَكَانَ يَرْقِي مِنْ هَذِهِ الرِّيَاحِ [(٣)]، فَسَمِعَ سُفَهَاءَ مِنْ سُفَهَاءِ النَّاسِ [(٤)] يَقُولُونَ إِنَّ مُحَمَّدًا مَجْنُونٌ، فَقَالَ: آتِي هَذَا الرَّجُلَ لَعَلَّ اللهَ أَنْ يَشْفِيَهُ عَلَى يَدِي، قَالَ: فَلَقِيتُ مُحَمَّدًا، فَقُلْتُ: إِنِّي أَرْقِي مِنْ هَذِهِ الرِّيَاحِ وَإِنَّ اللهَ يَشْفِي عَلَى يَدِي مَنْ شَاءَ فَهَلُمَّ، [(٥)] فَقَالَ مُحَمَّدٌ: إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ [ثَلَاثَ مَرَّاتٍ] [(٦)] فَقَالَ: وَاللهِ لَقَدْ سَمِعْتُ،
_________________
(١) [(١)] ليست في (ص) . [(٢)] ليست في (ص) . [(٣)] في صحيح مسلم: «من هذه الريح» والمراد بها هنا: الجنون، ومس الجن. [(٤)] في صحيح مسلم: «فسمع سفهاء من أهل مكة يقولون» . [(٥)] في صحيح مسلم: «فهل لك»، أي: فهل لك رغبة في رغبتي، وهل تميل إليها. [(٦)] ليست في الصحيح، ومكانها: «فقال: أعد عليّ كلماتك هؤلاء» .
[ ٢ / ٢٢٣ ]
قَوْلَ الْكَهَنَةِ وَقَوْلَ السَّحَرَةِ، وَقَوْلَ الشُّعَرَاءِ، فَمَا سَمِعْتُ مِثْلَ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتَ، فَهَلُمَّ يَدَكَ أُبَايِعْكَ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَبَايَعَهُ رَسُولُ اللهِ ﵌ وَقَالَ لَهُ: وَعَلَى قَوْمِكَ؟
فَقَالَ: وَعَلَى قَوْمِي.
فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﵌ سَرِيَّةً فَمَرُّوا بِقَوْمِ ضِمَادٍ فَقَالَ صَاحِبُ الْجَيْشِ لِلْسَرِيَّةِ هَلْ أَصَبْتُمْ مِنْ هَؤُلَاءِ شَيْئًا فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ أَصَبْتُ مِنْهُمْ مِطْهَرَةً، فَقَالَ: رُدُّوهَا عَلَيْهِمْ فَإِنَّهُمْ قَوْمُ ضِمَادٍ» .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ [(٧)] عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى زَادَ فِيهِ ابْنُ الْمُثَنَّى: وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أما بعد [رواه أَيْضًا] [(٨)] وَلَقَدْ بَلَغْنَ نَاعُوسَ الْبَحْرِ [(٩)] يُرِيدُ كَلِمَاتِهِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْأَعْلَى فَذَكَرَهُ بِزِيَادَتِهِ [وَمَعْنَاهُ] [(١٠)] وَرُوِيَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدَ بِزِيَادَتِهِ، وَزِيدَ أَيْضًا: وَنُؤْمِنُ بِاللهِ، وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا. إِلَّا أَنَّهُ لَا يَذْكُرُ قِصَّةَ السَّرِيَّةِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّقَاشِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ فَذَكَرَهُ بِإِسْنَادِهِ ومعناه.
_________________
(١) [(٧)] أخرجه مسلم في: ٧- كتاب الجمعة (١٣) باب تخفيف الصلاة والخطبة، الحديث (٤٦)، ص (٥٩٣)، وعنه وعن المصنف نقله ابن كثير في البداية والنهاية (٣: ٣٦) . [(٨)] في (ح): «وزاد أيضا» . [(٩)] ناعوس البحر، وفي بعض نسخ صحيح مسلم: قاعوس، وهو وسطه، ولجته، وقعره الأقصى. [(١٠)] ليست في (م) .
[ ٢ / ٢٢٤ ]
بَابُ ذِكْرِ إِسْلَامِ الْجِنِّ وَمَا ظَهَرَ فِي ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ الْمُصْطَفَى ﵌
قَالَ اللهُ ﷿ وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ. قالُوا يَا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ [(١١)] وَمَا بَعْدَهُمَا مِنَ الْآيَاتِ.
وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ إِنَّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَدًا [(١٢)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ: قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنِي [(١٣)] يَحْيَى بْنُ محمد بْنِ يَحْيَى وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ [(١٤)] عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ، قَالَا: حَدَّثَنَا [(١٥)] أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ،
_________________
(١) [(١١)] الآية الكريمة (٢٩) من سورة الأحقاف. [(١٢)] الآية الكريمة (٢) من سورة الجن. [(١٣)] في (م) و(ص): «حدثنا» . [(١٤)] في (ح): «أبو الحسين» . [(١٥)] في (م) و(ص) و(هـ): «قال: أخبرنا» .
[ ٢ / ٢٢٥ ]
عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: [مَا قَرَأَ رَسُولُ اللهِ ﵌ عَلَى الْجِنِّ وَمَا رآهم] [(١٥)] انطلق رسول الله ﵌ فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظَ [(١٦)] وَقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّيَاطِينِ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ وَأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمُ الشُّهُبُ فَرَجَعَتِ الشَّيَاطِينُ إِلَى قَوْمِهِمْ فَقَالُوا: مَا لَكُمْ قَالُوا: حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ وَأُرْسِلَتْ عَلَيْنَا الشُّهُبُ. قَالُوا: مَا حَالَ [(١٧)] بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ إِلَّا شَيْءٌ حَدَثَ [(١٨)] فَاضْرِبُوا مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا [(١٩)] وَانْظُرُوا مَا هَذَا الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ [(٢٠)] وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ.
فَانْطَلَقُوا يَضْرِبُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا يَبْتَغُونَ مَا هَذَا الَّذِي حَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ فَانْصَرَفَ أُولَئِكَ النَّفَرُ الَّذِينَ تَوَجَّهُوا نَحْوَ تِهَامَةَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ وَهُوَ بِنَخْلَةَ عَامِدًا إِلَى سُوقِ عُكَاظَ، وَهُوَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ صَلَاةَ الْفَجْرِ، فَلَمَّا سَمِعُوا الْقُرْآنَ اسْتَمَعُوا لَهُ، فَقَالُوا: هَذَا وَاللهِ الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خبر السماء، فهنا لك حِينَ رَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ قَالُوا: يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَدًا [(٢١)]، فَأَنْزَلَ اللهُ﷿- عَلَى نَبِيِّهِ قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ [(٢٢)] وَإِنَّمَا أُوحِيَ إليه قول الجن.
_________________
(١) [(١٥)] من صحيح مسلم، ولم ترد في البخاري. [(١٦)] سوق عكاظ: موضع بقرب مكة، كانت تقام به في الجاهلية سوق يقيمون فيه أياما هلال ذي القعدة، وتستمر عشرين يوما تجتمع قبائل العرب فيتعاكظون، أي يتفاخرون ويتناشدون. [(١٧)] كذا في (ح)، وفي بقية النسخ: ما جبل. [(١٨)] في صحيح مسلم: «مَا ذَاكَ إِلَّا مِنْ شيء حدث» [(١٩)] أي سيروا فيها كلها. [(٢٠)] في الصحيح: «بيننا» . [(٢١)] [سورة الجن- ٢] . [(٢٢)] أول سورة الْجِنِّ.
[ ٢ / ٢٢٦ ]
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ [(٢٣)] عَنْ مُسَدَّدٍ.
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ [(٢٤)] عَنْ شَيْبَانَ بْنِ فَرُّوخَ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ.
وَهَذَا الَّذِي حَكَاهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ، إِنَّمَا هُوَ فِي أَوَّلِ مَا سَمِعَتِ الْجِنُّ قِرَاءَةَ النَّبِيِّ ﵌، وَعَلِمَتْ بِحَالِهِ، وَفِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لَمْ يَقْرَأْ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَرَهُمْ، كَمَا حَكَاهُ، ثُمَّ أَتَاهُ دَاعِيَ الْجِنِّ مَرَّةً أُخْرَى فَذَهَبَ مَعَهُ وَقَرَأَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ، كَمَا حَكَاهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَرَأَى آثَارَهُمْ، وَآثَارَ نِيرَانِهِمْ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَعَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ [(٢٥)] حَفِظَ الْقِصَّتَيْنِ جَمِيعًا فَرَوَاهُمَا:
_________________
(١) [(٢٣)] صحيح البخاري: ٦٥- كتاب التفسير، تفسير سورة الجن، فتح الباري (٨: ٦٦٩) . [(٢٤)] صحيح مسلم في: ٤- كتاب الصلاة (٣٣) باب الجهر بالقراءة، ح (١٤٩)، ص (٣٣١) . كما أخرجه الترمذي في تفسير سورة الجن، عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ، عن ابي الوليد، عن أبي عوانة، وقال: حسن صحيح. وأخرجه النسائي في السنن الكبرى في كتاب التفسير، عن أبي داود الحراني، عن أبي الوليد، مقطعا، وعن عمرو بن منصور، عن محمد بن محبوب عن أبي عوانة تحفة الاشراف (٤: ٣٩٧) . [(٢٥)] حديث ابن مسعود في هذا المجال له روايات وطرق كثيرة. يستخلص من بعضها انه لم يشهد هذه الليلة مَعَ رَسُولِ اللهِ ﵌. ومن بعضها الآخر أنه شهدها معه. ومن الروايات الأخرى أنهم افتقدوه ﵌ بمكة. ويتلخص ذلك فيما يلي:
(٢) ما رواه احمد بسنده عن علقمة قال «قلت لعبد الله بن مسعود ﵁ هل صحب رسول الله ﵌ ليلة الجن منكم أحد فقال ما صحبه منا أحد ولكنا فقدناه ذات ليلة بمكة» إلى آخر الخبر.
(٣) وفي مسلم عن عامر «سألت علقمة هل كان ابن مسعود ﵁ شهد مع رسول الله ﵌ ليلة الجن فقال علقمة انا سألت ابن مسعود ﵁ فقلت هل شهد أحد منكم مع رسول الله ﵌ ليلة الجن فقال لا ولكنا كنا مع رسول الله ﵌ ذات ليلة ففقدناه فالتمسناه في الأودية» إلى آخره.
(٤) ومن طريق أخرى أوردها ابن جرير قال ابن مسعود (سمعت رسول الله ﵌ يقول: بت الليلة أقرأ على الجن واقفا بالحجون) .
[ ٢ / ٢٢٧ ]
(أَمَّا الْقِصَّةُ الْأُولَى) فَفِيمَا أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا، عَبْدَانُ الْأَهْوَازِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ زِرٍّ عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: «هَبَطُوا عَلَى النَّبِيِّ ﵌ وَهُوَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ بِبَطْنِ نَخْلَةَ فَلَمَّا سَمِعُوهُ، قَالُوا: أَنْصِتُوا، قَالُوا: صَهٍ، وَكَانُوا سَبْعَةً أَحَدُهُمْ زَوْبَعَةُ فأنزل الله [تبارك و] [(٢٦)] تعالى وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا- الْآيَةَ- إِلَى ضَلالٍ مُبِينٍ [(٢٧)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ: قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ يعقوب
_________________
(١) [()] ٤- طريق أخرى عند ابن جرير وفيها أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ معه ليلة الجن قَالَ (قَالَ- رَسُولُ اللهِ ﵌ لِأَصْحَابِهِ وَهُوَ بِمَكَّةَ: مَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَحْضُرَ الجن الليلة فَلْيَفْعَلْ) فَلَمْ يَحْضُرْ مِنْهُمْ غيري. قال فانطلقنا إلخ.
(٢) وعند أبي نعيم بسنده عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ (اسْتَتْبَعَنِي رَسُولُ اللهِ ﵌ فانطلقنا) إلخ.
(٣) وعند ابن جرير ايضا من طريق عبد الله بن عمرو بن غيلان الثقفي.
(٤) وأخرج المصنف أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي الجوزاء عن ابن مسعود وفيه قال (انطلقت مَعَ رَسُولِ اللهِ ﵌) . وهناك روايات أخرى كثيرة كلها عن ابن مسعود. ويمكن للباحث أن يرجع إليها في تفسير ابن كثير في سورة الأحقاف وقد أشار الى أكثرها القرطبي مختصرا لها، ثم نقل عن الدارقطني قوله: وقيل أن ابن مسعود لم يشهد مَعَ النَّبِيِّ ﵌ ليلة الجن. كذلك رواه علقمة بن قيس وأبو عبيدة بن عبد الله وغيرهما عنه أن قال (ما شهدت ليلة الجن) . حدثنا أبو محمد بن صاعد حدثنا أبو الأشعث حدثنا بشر بن المفضل حدثنا داود بن أبي هند عن عامر عن علقمة بن قيس قال قلت لعبد الله بن مسعود: أشهد رسول الله ﵌ أحد منكم ليلة أتاه ساعي الجن؟ قال: لا) . قال الدارقطني هذا إسناد صحيح لا يختلف في عدالة راويه وعن عمرو بن مرة قال قلت لأبي عبدة حضر عبد الله بن مسعود ليلة الجن؟ فقال لا. ابن كثير والقرطبي في تفسير سورة الأحقاف. [(٢٦)] ليست في (ح) . [(٢٧)] [الأحقاف- ٢٩- ٣١] .
[ ٢ / ٢٢٨ ]
إِمْلَاءً، قَالَ: حَدَّثَنَا [أَبُو عَمْرٍو] [(٢٨)] الْمُسْتَمْلِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو قُدَامَةَ عُبَيْدُ اللهِ ابن سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ مِسْعَرٍ عَنْ مَعْنٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، قَالَ:
«سَأَلْتُ مَسْرُوقًا مَنْ آذَنَ النَّبِيَّ ﵌ لَيْلَةَ اسْتَمَعُوا الْقُرْآنَ. فَقَالَ: حَدَّثَنِي أَبُوكَ- يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ أَنَّهُ آذَنَتْهُ [(٢٩)] بِهِمْ شَجَرَةٌ» .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ [(٣٠)] وَمُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي قُدَامَةَ.
(وَأَمَّا الْقِصَّةُ الْأُخْرَى) فَفِيمَا أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ: قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ عَنِ الشعبي وابن أبي زايدة، قَالَ: أَخْبَرَنَا دَاوُدُ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَلْقَمَةَ، قَالَ: «قُلْتُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ هَلْ صَحِبَ رَسُولَ اللهِ ﵌ لَيْلَةَ الْجِنِّ مِنْكُمْ أَحَدٌ؟ فَقَالَ: مَا صَحِبَهُ مِنَّا أَحَدٌ، وَلَكِنَّا فَقَدْنَاهُ ذَاتَ لَيْلَةٍ بِمَكَّةَ، فَقُلْنَا اغْتِيلَ، اسْتُطِيرَ [(٣١)] مَا فَعَلَ؟ قَالَ: فَبِتْنَا بِشَرِّ لَيْلَةٍ بَاتَ بِهَا قَوْمٌ فَلَمَّا كَانَ فِي وَجْهِ الصُّبْحِ أَوْ قَالَ فِي السَّحَرِ إذا نحن يَجِيءُ مِنْ قِبَلِ حِرَاءَ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ! فَذَكَرُوا الَّذِي كَانُوا فِيهِ فَقَالَ: إِنَّهُ أَتَانِي دَاعِيَ الْجِنِّ، فَأَتَيْتُهُمْ، فَقَرَأْتُ عَلَيْهِمْ، قَالَ فَانْطَلَقَ فَأَرَانَا آثَارَهَمْ وَآثَارَ نِيرَانِهِمْ.
قَالَ: وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: سَأَلُوهُ الزَّادَ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، قَالَ عَامِرٌ:
سَأَلُوهُ لَيْلَتَئِذٍ الزَّادَ وَكَانُوا مِنْ جِنِّ الْجَزِيرَةِ فَقَالَ: كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ يَقَعُ فِي أَيْدِيكُمْ أَوْفَرَ مَا كَانَ لَحْمًا وَكُلُّ بَعْرَةٍ أَوْ رَوْثَةٍ عَلَفٌ لِدَوَابِّكُمْ قَالَ: فَلَا تَسْتَنْجُوا بِهِمَا فَإِنَّهُمَا زَادُ إِخْوَانِكُمْ مِنَ الْجِنِّ» .
_________________
(١) [(٢٨)] في (ح): «عمرو» . [(٢٩)] (من آذن): أي اعلم. [(٣٠)] أخرجه البخاري، في: ٦٣- كتاب مناقب الأنصار، (٣٢) باب ذر الجن، فتح الباري (٧: ١٧١)، ومسلم في: ٤- كتاب الصلاة (٣٣) باب الجهر بالقراءة في الصبح، حديث (١٥٣)، ص (٣٣٣) . [(٣١)] (استطير): طارت به الجن، (اغتيل): قتل سرا.
[ ٢ / ٢٢٩ ]
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ [(٣٢)] عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُجْرٍ عن إسماعيل بن عُلَيَّةَ وَالْأَحَادِيثُ الصِّحَاحُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ لَمْ يَكُنْ مَعَ النَّبِيِّ ﵌ لَيْلَةَ الْجِنِّ، وَإِنَّمَا كَانَ مَعَهُ حِينَ انْطَلَقَ بِهِ وَبِغَيرِهِ وَيُرِيَهُمْ آثَارَ الْجِنِّ وَآثَارَ نِيرَانِهِمْ.
وَقَدْ رُوِيَ مِنْ أَوْجُهٍ أُخَرَ أَنَّهُ كَانَ مَعَهُ لَيْلَتَئِذٍ مِنْهَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ: قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْبَلْخِيِّ بِبَغْدَادَ مِنْ أَصْلِ كِتَابِهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْمَاعِيلَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ السُّلَمِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: [حَدَّثَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ] [(٣٣)] قَالَ:
حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو عُثْمَانَ بْنُ سَنَّةَ الْخُزَاعِيُّ- وَكَانَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الشَّامِ- أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ، يَقُولُ:
«إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ قَالَ لِأَصْحَابِهِ وَهُوَ بِمَكَّةَ: مَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَحْضُرَ اللَّيْلَةَ أَمْرَ الْجِنِّ فَلْيَفْعَلْ، فَلَمْ يَحْضُرْ مِنْهُمْ أَحَدٌ غَيْرِي فَانْطَلَقْنَا حَتَّى إِذَا كُنَّا بِأَعْلَى مَكَّةَ خَطَّ لِي بِرِجْلِهِ خَطًّا ثُمَّ أَمَرَنِي أَنْ أَجْلِسَ فِيهِ ثُمَّ انْطَلَقَ حَتَّى قَامَ فَافْتَتَحَ الْقُرْآنَ فَغَشِيَتْهُ أَسْوِدَةٌ كَثِيرَةٌ حَالَتْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، حَتَّى مَا أَسْمَعُ صَوْتَهُ، ثُمَّ أَنْطَلَقُوا فَطَفِقُوا يَتَقَطَّعُونَ مِثْلَ قِطَعِ السَّحَابِ ذَاهِبِينَ حَتَّى بَقِيَ مِنْهُمْ رَهْطٌ، وَفَزِعَ رَسُولُ الله ﵌ مَعَ الْفَجْرِ فَانْطَلَقَ فَبَرَزَ، ثُمَّ أَتَانِي، فَقَالَ: مَا فَعَلَ الرَّهْطُ؟ فَقُلْتُ هم أولئك يا رسول اللهِ، فَأَخَذَ عَظْمًا وَرَوْثًا فَأَعْطَاهُمْ إِيَّاهُ زَادًا، ثُمَّ نَهَى أَنْ يَسْتَطِيبَ أَحَدٌ بِعَظْمٍ أَوْ بِرَوْثٍ» .
قُلْتُ: يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: مَا صَحِبَهُ مِنَّا أَحَدٌ أَرَادَ بِهِ فِي حَالِ ذَهَابِهِ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ عَلَيْهِمْ، إِلَّا أَنَّ مَا رُوِيَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ إِعْلَامِهِ أَصْحَابَهُ بِخُرُوجِهِ إِلَيْهِمْ يُخَالِفُ مَا رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ مِنْ فُقْدَانِهِمْ إِيَّاهُ
_________________
(١) [(٣٢)] أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي: ٤- كتاب الصلاة، (٣٣) باب الجهر بالقراءة في الصبح، حديث (١٥٠)، ص (٣٣٢) . [(٣٣)] ليست في (هـ) .
[ ٢ / ٢٣٠ ]
حَتَّى قِيلَ اغْتِيلَ اسْتُطِيرَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِمَنْ فَقَدَهُ غَيْرَ الَّذِي عَلِمَ بِخُرُوجِهِ وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عبد الرحمن السُّلَمِيُّ وَأَبُو نَصْرِ بْنُ قَتَادَةَ، قَالَا: أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ يَحْيَى بْنُ مَنْصُورٍ الْقَاضِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ البوسنجي، قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ صَلَاحٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: «اسْتَتْبَعَنِي رَسُولُ اللهِ ﵌ فَقَالَ إِنَّ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ خَمْسَةَ عَشَرَ بَنِي إِخْوَةٍ وَبَنِي عَمٍّ يَأْتُونَنِي اللَّيْلَةَ فَأَقْرَأُ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي أَرَادَ، فَخَطَّ لِي خَطًّا، وَأَجْلَسَنِي فِيهِ وَقَالَ:
لِي: لَا تَخْرُجْ مِنْ هَذَا، فَبِتُّ فِيهِ حَتَّى أَتَانِي رَسُولُ اللهِ ﵌ مَعَ السَّحَرِ فِي يَدِهِ عَظْمٌ حَائِلٌ وَرَوْثَةٌ وَحُمَمَةٌ، فَقَالَ لِي: إِذَا ذَهَبْتَ إِلَى الْخَلَاءِ فَلَا تَسْتَنْجِي بِشَيْءٍ مِنْ هَؤُلَاءِ، قَالَ فَلَمَّا أَصْبَحْتُ قُلْتُ لَأَعْلَمَنَّ عِلْمِي حَيْثُ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﵌ قَالَ فَذَهَبْتُ فَرَأَيْتُ مَوْضِعَ مَبْرَكِ سِتِّينَ بَعِيرًا» [(٣٤)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْوَاسِطِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ هُوَ ابْنُ هَارُونَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ «أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ أَبْصَرَ زُطًا فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ، فَقَالَ: مَا هَؤُلَاءِ؟ قَالُوا: هَؤُلَاءِ الزُّطُّ، قَالَ: مَا رَأَيْتُ شِبْهَهُمْ إِلَّا الْجِنَّ لَيْلَةَ الْجِنِّ وَكَانُوا مُسْتَنْفَرِينَ يَتْبَعُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا» [(٣٥)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، فِي آخَرِينَ قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ- هُوَ الْأَصَمُّ- قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ عَنْ مُسْتَمِرِّ بْنِ الرَّيَّانِ عَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: «انْطَلَقْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﵌ لَيْلَةَ الْجِنِّ حَتَّى إِذَا أَتَى الْحَجُونَ، فَخَطَّ عَلَيَّ خَطًّا ثُمَّ تَقَدَّمَ إليهم
_________________
(١) [(٣٤، ٣٥)] راجع الحاشية (٢٥) من هذا الباب.
[ ٢ / ٢٣١ ]
فَازْدَحَمُوا عَلَيْهِ فَقَالَ سَيِّدٌ لَهُمْ يُقَالُ لَهُ: وَرْدَانُ: إِنِّي أَنَا أُرَحِّلُهُمْ عَنْكَ فَقَالَ إِنِّي [(٣٦)] لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللهِ أَحَدٌ» [(٣٧)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ دَاوُدَ الْعَلَوِيُّ، ﵀، قَالَ:
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَطَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَزْهَرِ أَحْمَدُ بْنُ الْأَزْهَرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ محمد ابن الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: «لَمَّا قَرَأَ رَسُولُ اللهِ ﵌ «الرَّحْمَنُ» [(٣٨)] عَلَى النَّاسِ سَكَتُوا، فَلَمْ يَقُولُوا شَيْئًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: لَلْجِنُّ، كَانُوا أَحْسَنَ جَوَابًا مِنْكُمْ، لَمَّا قَرَأْتُ عَلَيْهِمْ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ [(٣٩)] قالوا ولا بشيء من آلَائِكَ رَبَّنَا نُكَذِّبُ» .
وحَدَّثَنَا الْإِمَامُ أَبُو الطَّيِّبِ سَهْلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الدَّقَّاقُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إبراهيم البوسنجي، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ الدِّمَشْقِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْعَنْبَرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: «قَرَأَ رَسُولُ اللهِ ﵌ سُورَةَ الرَّحْمَنُ حَتَّى خَتَمَهَا ثُمَّ قَالَ: مَالِي أَرَاكُمْ سُكُوتًا؟ لَلْجِنُّ كَانُوا أَحْسَنَ مِنْكُمْ رَدًّا. مَا قَرَأْتُ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الْآيَةَ مِنْ مَرَّةٍ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ إِلَّا قَالُوا وَلَا بِشَيْءٍ مِنْ نِعَمِكَ رَبَّنَا نُكَذِّبُ فَلَكَ الْحَمْدُ» [(٤٠)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّزَّازُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْخَلِيلِ الْبُرْجُلَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، قَالَ:
_________________
(١) [(٣٦)] في (ح): «إنه» . [(٣٧)] راجع الهامش (٢٥) من هذا الباب. [(٣٨)] أول سورة الرحمن. [(٣٩)] الآية الكريمة (١٣) من سورة الرحمن. [(٤٠)] تراجع الحاشية (٢٥) من هذا الباب.
[ ٢ / ٢٣٢ ]
حَدَّثَنَا الْمَسْعُودِيُّ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ الْهُذَلِيِّ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ ابن مَسْعُودٍ «أَيْنَ قَرَأَ رَسُولَ اللهِ ﵌ عَلَى الْجِنِّ فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَيْهِمْ بِشِعْبٍ يُقَالُ لَهُ الْحَجُونُ» أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأَدِيبُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ هُوَ ابْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى عَنْ جَدِّهِ سَعِيدِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: «كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَتْبَعُ رَسُولَ اللهِ ﵌ بِإِدَاوَةٍ لِوُضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ، فَأَدْرَكَهُ يَوْمًا فَقَالَ مَنْ هَذَا قَالَ: أَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: ائْتِنِي بِأَحْجَارٍ أَسْتَنْجِي بِهَا، وَلَا تَأْتِنِي بِعَظْمٍ وَلَا رَوْثَةٍ، فَأَتَيْتُهُ بِأَحْجَارٍ فِي ثَوْبِي فَوَضَعْتُهَا إِلَى جَنْبِهِ، حَتَّى إِذَا فَرِغَ وَقَامَ اتَّبَعْتُهُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ مَا بَالُ الْعَظْمِ وَالرَّوْثَةِ فَقَالَ أَتَانِي [وَفْدُ جِنِّ] [(٤١)] نَصِيبِينَ، فَسَأَلُونِي الزَّادَ فَدَعَوْتُ اللهَ لَهُمْ أَنْ لَا يَمُرُّوا بِرَوْثَةٍ وَلَا بِعَظْمٍ إِلَّا وَجَدُوا طَعَامًا.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ [(٤٢)] عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عَمْرٍو.
_________________
(١) [(٤١)] في (ح): «أتاني وفد» . [(٤٢)] أخرجه البخاري في: ٦٣- كتاب مناقب الأنصار، (٣٢) باب ذكر الجن، حديث (٣٨٦٠)، صفحة (٧: ١٧١) .
[ ٢ / ٢٣٣ ]
بَابُ بَيَانِ الْوَجْهِ الَّذِي كَانَ يَخْرُجُ قَوْلُ الْكُهَّانِ عَلَيْهِ حَقًّا ثُمَّ بَيَانِ [(١)] أَنَّ ذَلِكَ انْقَطَعَ بِظُهُورِ نبينا ﵌ أَوِ انْقَطَعَ أَكْثَرُهُ
قَالَ اللهُ ﷿ إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ. وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ. دُحُورًا وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ. إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ [(٢)] .
وَقَالَ: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ [(٣)] .
وَقَالَ: وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ. إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ [(٤)] .
وَقَالَ فِيمَا أَخْبَرَ عَنِ الْجِنِّ: وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا. وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا [(٥)] .
_________________
(١) [(١)] في (م): «البيان» . [(٢)] الآيات [٦- ١٠] من سورة الصافات. [(٣)] الآية الكريمة (٥) من سورة الملك. [(٤)] الآيات [١٦- ١٨] من سورة الحجر. [(٥)] الآيتان [٨- ٩] من سورة الجن.
[ ٢ / ٢٣٤ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ بِشْرَانَ الْعَدْلُ بِبَغْدَادَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ يَحْيَى ابن عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ [﵂] [(٦)] قَالَتْ:
«قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ الْكُهَّانَ قَدْ كَانُوا يُحَدِّثُونَنَا بِالشَّيْءِ فَيَكُونُ حَقًّا. قَالَ: تِلْكَ الْكَلِمَةُ مِنَ الْحَقِّ يَخْطَفُهَا الْجِنِّيُّ فَيَقْذِفُهَا فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ فَيَزِيدُ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ كِذْبَةٍ» .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ [(٧)] عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ.
وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرٍ عَنْ مَعْمَرٍ [(٨)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ الْفَقِيهُ، قَالَ: بشر ابن مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ [عِكْرِمَةَ يَقُولُ سَمِعْتُ] [(٩)] أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ «إِنَّ نبي الله ﵌، قَالَ: إِذَا قَضَى اللهُ الْأَمْرَ فِي السَّمَاءِ ضَرَبْتِ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ ربكم قالوا
_________________
(١) [(٦)] ليست في (م) ولا في (ص) . [(٧)] أخرجه مسلم في: ٣٩- كتاب السلام، (٣٥) باب تحريم الكهانة، حديث (١٢٢)، ص (١٧٥٠)، عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ. وحديث (١٢٣) أيضا مطولا عَنْ سَلَمَةَ بْنِ شَبِيبٍ. [(٨)] أخرجه البخاري في: ٧٦- كتاب الطب، (٤٦) باب الكهانة، حديث (٥٧٦٢)، فتح الباري (١٠: ٢١٦)، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الله المديني، عن هشام بن يوسف، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: كما أخرجه البخاري أيضا في: ٧٨- كتاب الأدب (١١٧) باب قول الرجل للشيء: «ليس بشيء»، حديث (٦٢١٣)، فتح الباري (١٠: ٥٩٥)، عن محمد بن سلام، عن مخلد بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ جريج، عن الزهري. وأخرجه الإمام أحمد في «مسنده» (٦: ٨٧) . [(٩)] ما بين الحاصرتين ليست في (ح) .
[ ٢ / ٢٣٥ ]
[لَلَّذِي قَالَ:] [(١٠)] الْحَقُّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ فَيَسْمَعُهَا مُسْتَرِْقُ السّمع- ومسترقوا السَّمْعِ هَكَذَا بَعْضُهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ وَوَصَفَ سُفْيَانُ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ- قَالَ:
فَيَسْمَعُ الْكَلِمَةَ فَيُلْقِيهَا إِلَى مَنْ تَحْتَهُ ثُمَّ يُلْقِيهَا الْآخَرُ إِلَى مَنْ تَحْتَهُ حَتَّى يُلْقِيَهَا عَلَى لِسَانِ السَّاحِرِ أَوِ الْكَاهِنِ فَرُبَّمَا أَدْرَكَهُ الشِّهَابُ قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَهَا وَرُبَّمَا أَلْقَاهَا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِائَةَ كِذْبَةٍ فَيُقَالُ أَلَيْسَ قَدْ قَالَ لَنَا: يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، كَذَا وَكَذَا لِلْكَلِمَةِ الَّتِي سُمِعَتْ مِنَ السَّمَاءِ فَيُصَدَّقُ بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ الَّتِي سُمِعَتْ مِنَ السَّمَاءِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنِ الْحُمَيْدِيِّ [(١١)] .
مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ مَزْيَدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ:
حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ من الأنصار «أنهم بيناهم جُلُوسٌ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﵌، إِذْ رُمِيَ بِنَجْمٍ فَاسْتَنَارَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: مَا كُنْتُمْ [(١٢)] تَقُولُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا رُمِيَ بِمِثْلِ هَذَا؟ قَالُوا اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، كُنَّا نَقُولُ وُلِدَ اللَّيْلَةَ رَجُلٌ عَظِيمٌ وَمَاتَ اللَّيْلَةَ رَجُلٌ عَظِيمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌ إِنَّهُ لَا يُرْمَى بِهَا لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لحياته ولكن
_________________
(١) [(١٠)] ليست في (ح)، وثابتة في جميع النسخ، وفي صحيح البخاري. [(١١)] الحديث أخرجه البخاري، في: ٦٥- كتاب التفسير، أول تفسير سورة الحجر، حديث (٤٧٠١)، فتح الباري (٨: ٣٨٠) عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الله المديني، عن سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ أبي هريرة. وأما عن الحميدي، فقد خرّجه البخاري (أيضا) في كتاب التفسير، تفسير سورة سبأ، (١) باب حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قلوبهم، حديث (٤٨٠٠)، فتح الباري (٨: ٥٣٧) . والحديث أخرجه ابن ماجة أيضا في المقدمة (١٣) باب في الجهمية، حديث (١٩٤)، صفحة (١:
(٢) ٧٠)، عن يَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ كاسب، عَنْ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عكرمة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. [(١٢)] فِي صحيح مسلم: «ماذا كنتم» .
[ ٢ / ٢٣٦ ]
رَبُّنَا﷿- إِذَا قَضَى أَمْرًا سَبَّحَتْ حَمَلَةُ الْعَرْشِ ثُمَّ سَبَّحَ أَهْلُ السَّمَاءِ [(١٣)] الَّذِينَ يَلُونَهُمْ حَتَّى يَبْلُغَ التَّسْبِيحُ أَهْلَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا، ثُمَّ يَقُولُ الَّذِينَ يَلُونَ حَمَلَةَ الْعَرْشِ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ فَيَسْتَخْبِرُ أَهْلُ السَّمَوَاتِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا حَتَّى يَبْلُغَ الْخَبَرُ أَهْلَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَتَخْطَفُ [(١٤)] الْجِنُّ السَّمْعَ فَيُلْقُونَهُ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ وَيرْمَوْنَ فَمَا جَاءُوا بِهِ عَلَى وَجْهِهِ فَهُوَ الْحَقُّ وَلَكِنَّهُمْ يَقْذِفُونَ فِيهِ وَيَزِيدُونَ» .
وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عَنِ الزُّهْرِيِّ: وَلَكِنَّهُمْ يَقْرِفُونَ [(١٥)] فِيهِ أَيْ يَزِيدُونَ [(١٦)] .
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ [(١٧)] .
ورَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ، فَقَالَ فِي آخِرِهِ: «ثُمَّ إِنَّ اللهَ ﷿ حَجَبَ الشَّيَاطِينَ عَنِ السَّمْعِ بِهَذِهِ النُّجُومِ فَانْقَطَعَتِ الْكَهَنَةُ فَلَا كِهَانَةَ» .
وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَقَالَ فِي آخِرِهِ: قَالَ: فَقُلْتُ لِلزُّهْرِيِّ أَوَ كَانَ يُرْمَى بِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: يَقُولُ اللهُ ﷿ وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ
_________________
(١) [(١٣)] في (ح): ثم سبحت ملائكة أَهْلُ السَّمَاءِ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» . [(١٤)] في (م): «فتختطف»، وفي (ص) و(ح): فيختطف. وأثبت ما في (هـ) وهو موافق لرواية مسلم. [(١٥)] في (م) ضبطت هكذا: «يرقّون»، وفي (ح) و(هـ): «يرقون»، وأثبتّ ما في صحيح مسلم، ومعنى (يقرفون): يخلطون فيه الكذب، اما رواية (يرقون)، فقد قال القاضي عياض: «ضبطناه عن شيوخنا بضم الياء وفتح الراء وتشديد القاف»، وهذا موافق لرواية (م)، وفي رواية مسلم الثانية (يرقون) . [(١٦)] في (ح): «يتزيدون» . [(١٧)] صحيح مسلم، ٣٩- كتاب السلام (٣٥) باب تحريم الكهانة، ح (١٢٤)، ص (١٧٥١) . والحديث أخرجه الترمذي ايضا في تفسير سورة (٣٤)، والإمام أحمد في «مسنده» (١: ٢١٨) .
[ ٢ / ٢٣٧ ]
مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا [(١٨)] قَالَ غُلِّظَتْ وَاشْتَدَّ أَمْرُهَا حِينَ بُعِثَ النَّبِيُّ ﵌.
أَخْبَرَنَاهُ أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْفَضْلِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: فَبَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ ﵌ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ جَالِسٌ إِذْ رُمِيَ بِنَجْمٍ فَاسْتَنَارَ فَذَكَرَ مَعْنَى حَدِيثِ الْأَوْزَاعِيِّ، ثُمَّ ذَكَرَ مَعْمَرٌ لِلزُّهْرِيِّ وَهَذَا يُوَافِقُ ظَاهَرَ الْكِتَابِ لِأَنَّهُ قَالَ خيرا عَنِ الْجِنِّ وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا [(١٩)] فَأَخْبَرَتِ [(٢٠)] الْجِنُّ أَنَّهُ زِيدَ فِي حِرَاسَةِ السَّمَاءِ [(٢١)] وَشُهُبِهَا حَتَّى امْتَلَأَتْ مِنْهَا وَمِنْهُمْ.
فَذَلِكَ دَلِيلٌ [(٢٢)] عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ فِيهَا حُرَّاسٌ [(٢٣)] وَشُهُبٌ مُعَدَّةٌ مَعَهُمْ وَالشِّهَابُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ النَّارُ الْمُتَوَقِّدَةُ.
فَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو الْأَدِيبُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو يَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا شيبان ابن فَرُّوخَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «مَا قَرَأَ رَسُولُ اللهِ ﵌ عَلَى الْجِنِّ وَمَا رآهم. انطلق رسول الله ﵌ فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَرَجَعْتِ الشَّيَاطِينُ إِلَى قومهم فقالوا مالكم قَالُوا حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ وَأُرْسِلَتْ عَلَيْنَا الشُّهُبُ، قَالُوا: مَا ذَاكَ إِلَّا مِنْ شيء
_________________
(١) [(١٨)] الآية (٦) من سورة الجن. [(١٩)] الآية الكريمة (٥) من سورة الجن. [(٢٠)] كذا في (ح)، وفي بقية النسخ (وأخبرت) . [(٢١)] كذا في (ح)، وفي بقية النسخ (حرّاس) . [(٢٢)] في (ح): «وذلك دليل» . [(٢٣)] في (ح): «منها حرس» .
[ ٢ / ٢٣٨ ]
حَدَثَ، فَاضْرِبُوا مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، فَمَرَّ النَّفَرُ الَّذِينَ أَخَذُوا نَحْوَ تِهَامَةَ وَهُوَ بِنَخْلٍ عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظَ وَهُوَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ صَلَاةَ الْفَجْرِ، فَلَمَّا سَمِعُوا الْقُرْآنَ اسْتَمَعُوا لَهُ، وَقَالُوا: هَذَا الَّذِي حَالَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ فَرَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ وقَالُوا [(٢٤)]: يَا قَوْمَنَا إِنَا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِهِ أَحَدًا، فَأَوْحَى اللهُ [تَعَالَى] [(٢٥)] إِلَى نَبِيِّهِ ﵌: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ» .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ شَيْبَانَ بْنِ فَرُّوخَ.
وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ [(٢٦)] مُسَدَّدٍ وَغَيْرِهِ.
فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ مَا عَلِمُوا بِهِ، وَأَمَّا قَوْلُهُمْ حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، فَإِنَّمَا أَرَادُوا بِمَا زِيدَ فِي الْحُرَّاسِ وَالشُّهُبِ.
وَهَكَذَا مَا أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «إِنَّ الشَّيَاطِينَ كَانُوا يَصْعَدُونَ إِلَى السَّمَاءِ فَيَسْتَمِعُونَ الْكَلِمَةَ مِنَ الْوَحْيِ فَيَهْبِطُونَ [بِهَا] [(٢٧)] إِلَى الْأَرْضِ فَيَزِيدُونَ مَعَهَا تِسْعًا فَيَجِدُ أَهْلُ الْأَرْضِ تِلْكَ الْكَلِمَةَ حَقًّا وَالتِّسْعَ بَاطِلًا، فَلَمْ يَزَالُوا كَذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللهُ مُحَمَّدًا ﵌ فَمُنِعُوا تِلْكَ الْمَقَاعِدَ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِإِبْلِيسَ، فَقَالَ: لَقَدْ حَدَثَ فِي الْأَرْضِ حَدَثٌ فَبَعَثَهُمْ، فَوَجَدُوا رَسُولَ الله ﵌ يتلو الْقُرْآنَ بَيْنَ جَبَلَيْ نَخْلٍ، قَالُوا هَذَا وَاللهِ لَحَدَثٌ، وإنهم ليرمون
_________________
(١) [(٢٤)] في (ح): «فقالوا» . [(٢٥)] ليست في (ح) . [(٢٦)] فتح الباري (٨: ٦٦٩)، صحيح مسلم (١: ٣٣١) . [(٢٧)] ليست في (ح) .
[ ٢ / ٢٣٩ ]
فَإِذَا تَوَارَى النَّجْمُ عَنْكُمْ فَقَدْ أَدْرَكَهُ لَا يُخْطِئُ أَبَدًا لَا يَقْتُلُهُ يحْرِقُ وَجْهَهُ، جَنْبَهُ [(٢٨)] يَدَهُ» .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ: قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ السايب، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ ﷿ حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ [(٢٩)] قَالَ:
«كَانَ لِكُلِّ قَبِيلٍ مِنَ الْجِنِّ مَقْعَدٌ مِنَ السَّمَاءِ يَسْتَمِعُونَ مِنْهُ الْوَحْيَ، وَكَانَ إِذَا نَزَلَ الْوَحْيُ سُمِعَ لَهُ صَوْتٌ كَإِمْرَارِ السِّلْسِلَةِ عَلَى الصَّفْوَانِ، فَلَا يَنْزِلُ عَلَى أَهْلِ سَمَاءٍ إِلَّا صُعِقُوا [حَتَّى إِذَا] [(٣٠)] فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ، قَالُوا: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا:
الحق وهو الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ. ثُمَّ يَقُولُ: يَكُونُ الْعَامُ كَذَا وَيَكُونُ كَذَا، فَيَسْمَعُهُ الْجِنُّ فَيُخْبِرُونَ الْكَهَنَةَ بِهِ، وَالْكَهَنَةُ النَّاسَ يَكُونُ كَذَا وَكَذَا فَيَجِدُونَهُ كَذَلِكَ فَلَمَّا بَعَثَ اللهُ [﷿] [(٣١)] مُحَمَّدًا ﵌ دُحِرُوا، فَقَالَتِ الْعَرَبُ حِينَ لَمْ تُخْبِرْهُمُ الْجِنُّ بِذَلِكَ هَلَكَ مَنْ فِي السَّمَاءِ فَجَعَلَ صَاحِبُ الْإِبِلِ يَنْحَرُ كُلَّ يَوْمٍ بَعِيرًا، وَصَاحِبُ الْبَقَرِ يَنْحَرُ كُلَّ يَوْمٍ بَقَرَةً، وَصَاحِبُ الْغَنَمِ شَاةً، حَتَّى أَسْرَعُوا فِي أَمْوَالِهِمْ، فَقَالَتْ ثَقِيفٌ وَكَانَتْ أَعْقَلَ الْعَرَبِ: أَيُّهَا النَّاسُ أَمْسِكُوا عَلَيْكُمْ [(٣٢)] أَمْوَالَكُمْ فَإِنَّهُ لَمْ يَمُتْ مَنْ فِي السَّمَاءِ، وَإِنَّ هَذَا لَيْسَ بِانْتِثَارٍ، أَلَسْتُمْ تَرَوْنَ مَعَالِمَكُمْ مِنَ النُّجُومِ كَمَا هِيَ، وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَاللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، قَالَ: فَقَالَ إِبْلِيسُ: لَقَدْ حَدَثَ الْيَوْمَ فِي الْأَرْضِ
_________________
(١) [(٢٨)] في (ص): «جنبيه» أخرجه احمد في المسند، ونقله ابن كثير في البداية والنهاية (٣: ١٨- ٢٠) . [(٢٩)] الآية الكريمة (٣٣) من سورة سبأ. [(٣٠)] في (ص) و(م) و(هـ): «فإذا» . [(٣١)] الزيادة من (م) و(هـ): [(٣٢)] في (م) و(ص) و(هـ): «أمسكوا على» .
[ ٢ / ٢٤٠ ]
حَدَثٌ فَأْتُونِي مِنْ تُرْبَةِ كُلِّ أَرْضٍ، فَأَتَوْهُ بِهَا فَجَعَلَ يَشُمُّهَا فَلَمَّا شَمَّ تُرْبَةَ مَكَّةَ، قَالَ: مِنْ هَاهُنَا جَاءَ الْحَدَثُ، فَنَصَتُوا، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ ﵌ قَدْ بُعِثَ.
أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرِ بْنُ قَتَادَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ النَّضْرَوِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ نَجْدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: «كَانَتِ النُّجُومُ لَا تُرْمَى حَتَّى بَعَثَ اللهُ مُحَمَّدًا ﵌ فَرُمِيَ بِهَا فَسَيَّبُوا أَنْعَامَهُمْ وَأَعْتَقُوا رَقِيقَهُمْ، فَقَالَ عَبْدُ يَالِيلَ انْظُرُوا، فَإِنْ كَانَتِ النُّجُومُ الَّتِي تُعْرَفُ فَهِيَ [(٣٣)] عِنْدَ فَنَاءِ النَّاسِ وَإِنْ كَانَتْ لَا تُعْرَفُ فَهُوَ مِنْ أَمْرٍ حَدَثَ، فَنَظَرُوا فَإِذَا هِيَ لَا تُعْرَفُ، قَالَ: فَأَمْسِكُوا وَلَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى جَاءَهُمْ خُرُوجُ النَّبِيِّ ﵌» .
وَأَمَّا الْحَدِيثَ الَّذِي أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ كَامِلٍ الْقَاضِي قَالَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدِ بْنِ مَحَمَّدٍ الْعَوْفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي عمر الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَطِيَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ عَطِيَّةَ بْنِ سَعْدِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «لَمْ تَكُنْ سَمَاءُ الدُّنْيَا تُحْرَسُ فِي الْفَتْرَةِ بين عيسى وَمُحَمَّدٌ [(٣٤)] ﵌ [(٣٥)]، وَكَانُوا يَقْعُدُونَ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَلَمَّا بَعَثَ اللهُ﷿- مُحَمَّدًا ﵌ حُرِسَتِ السَّمَاءُ حَرَسًا شَدِيدًا، وَرُجِمَتِ الشَّيَاطِينُ، فَأَنْكَرُوا ذَلِكَ، فَقَالُوا: لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ رَبُّهُمْ رَشَدًا.
فَقَالَ إِبْلِيسُ: لَقَدْ حَدَثَ فِي الْأَرْضِ حَدَثٌ فَاجْتَمَعَتْ [(٣٦)] إِلَيْهِ الْجِنُّ، فَقَالَ: تَفَرَّقُوا فِي الْأَرْضِ فَأَخْبِرُونِي مَا هَذَا الْخَبَرُ الَّذِي حَدَثَ فِي السَّمَاءِ وَكَانَ
_________________
(١) [(٣٣)] في (ح): «فهو»، والخبر في البداية والنهاية (٣: ١٩) . [(٣٤)] في (م) و(ص): «بين عيسى وبين محمد» . [(٣٥)] في (م) و(ص) و(هـ): «﵌» . [(٣٦)] هكذا في (ح)، وفي بقية النسخ: «واجتمعت» .
[ ٢ / ٢٤١ ]
أَوَّلَ بَعْثٍ بُعِثَ رَكْبٌ فِي [(٣٧)] أَهْلِ نَصِيبِينَ وَهُمْ أَشْرَافُ الْجِنِّ وَسَادَتِهِمْ [(٣٨)] فَبَعَثَهُمْ إِلَى تِهَامَةَ فَانْدَفَعُوا حَتَّى بَلَغُوا الْوَادِيَ وَادِيَ نَخْلَةَ فَوَجَدُوا نَبِيَّ اللهِ ﵌ يُصَلِّي صَلَاةَ الْغَدَاةِ بِبَطْنِ نَخْلَةَ فَاسْتَمَعُوا فَلَمَّا سَمِعُوهُ يَتْلُو الْقُرْآنَ، قَالُوا: أَنْصِتُوا وَلَمْ يَكُنْ نَبِيُّ الله ﵌ عَلِمَ أَنَّهُمُ اسْتَمَعُوا إِلَيْهِ وَهُوَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَلَمَّا قَضَى يَقُولُ فَلَمَّا [(٣٩)] فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ يَقُولُ: مُؤْمِنِينَ» [(٤٠)] .
فَهَذَا يُوَافِقُ الْحَدِيثَ الثَّابِتَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، إِلَّا أَنَّ فِيهِ زِيَادَةً يَنْفَرِدُ بِهَا عَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ، وَهِيَ قَوْلُهُ «لَمْ تَكُنْ سَمَاءُ الدُّنْيَا تُحْرَسُ فِي الْفَتْرَةِ بين عيسى محمد ﵌» .
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ تُحْرَسُ الْحِرَاسَةَ الشَّدِيدَةَ حَتَّى بُعِثَ نَبِيُّنَا ﵌ فَمُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وشهبا والله أعلم [(٤١)] .
_________________
(١) [(٣٧)] في (ح): «من» . [(٣٨)] في (ص) و(ح): «وساداتهم» . [(٣٩)] في (ح): «لما» . [(٤٠)] سبل الهدى والرشاد (٢: ٢٦٧)، البداية والنهاية (٣: ١٩- ٢٠) . [(٤١)] السيرة لابن هشام (٢: ٣١)، الدّرر في اختصار المغازي والسير لابن عبد البر، ص (٥٩- ٦١)، صحيح البخاري (٥: ٤٦)، عيون الأثر (١: ١٦٩- ١٧١) . وتفسير ابن كثير.
[ ٢ / ٢٤٢ ]
بَابُ إِعْلَامِ الْجِنِّيِّ صَاحِبَهُ بِخُرُوجِ النَّبِيِّ ﵌ وَمَا سُمِعَ مِنَ الْأَصْوَاتِ بِخُرُوجِهِ دُونَ رُؤْيَةِ قَائِلِهَا
حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ فِي «الْمُسْتَدْرَكِ»، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللهِ حَدَّثَهُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: «مَا سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ [﵁] [(١)]، يَقُولُ لِشَيْءٍ قَطُّ إِنِّي لَأَظُنُّ كَذَا وَكَذَا» [(٢)] . وأَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْبِسْطَامِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ هَانِئٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الرَّمَادِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّ سَالِمًا حَدَّثَهُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ:
«مَا سَمِعْتُ عمر ﵁ لِشَيْءٍ قَطُّ يَقُولُ إِنِّي لَأَظُنُّهُ كَذَا إِلَّا كَانَ كَمَا يَظُنُّ، بَيْنَا عُمَرُ جَالِسٌ إِذْ مَرَّ بِهِ رَجُلٌ جَمِيلٌ فَقَالَ: لَقَدْ أَخْطَأَ ظَنِّي، أَوْ أَنَّ هَذَا عَلَى دِينِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، أَوْ لَقَدْ كَانَ كَاهِنَهُمْ عَلَيَّ الرَّجُلَ فَدُعِيَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لقد أخظأ ظَنِّي أَوْ إِنَّكَ عَلَى دِينِكِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، أَوْ لَقَدْ كُنْتَ كَاهِنَهُمْ. فَقَالَ: ما
_________________
(١) [(١)] الزيادة من (ح) . [(٢)] هكذا في (ح)، وهي توافق ما في صحيح البخاري، وفي (م) و(هـ): «إِنِّي لَأَظُنُّ كَذَا وَكَذَا إلا كان كذا وكذا»، وأخرج الحديث البخاري في الصحيح. فتح الباري (٧: ١٧٧) ومعناها أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كان من المحدثين الملهمين، والملهم: الذي يلقى في نفسه الشيء فيخبر به حدسا وفراسة.
[ ٢ / ٢٤٣ ]
رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ اسْتُقْبِلَ بِهِ رَجُلٌ مُسْلِمٌ قَالَ: فَإِنِّي أَعْزِمُ عَلَيْكَ إِلَّا مَا أَخْبَرْتَنِي.
قَالَ: كُنْتُ كَاهِنَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. قَالَ: فَمَا أَعْجَبُ مَا جَاءَتْكَ بِهِ جِنِّيَّتُكَ.
قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا يَوْمًا فِي سُوقٍ [(٣)] جَاءَتْنِي أَعْرِفُ فِيهَا الْفَزَعَ قَالَتْ [(٤)]:
أَلَمْ تَرَ الْجِنَّ وَإِبْلَاسَهَا وَيَأْسَهَا بَعْدُ وَإِبْلَاسَهَا
وَإِيَاسَهَا مِنْ إِمْسَاكِهَا وَلُحُوقِهَا بِالْقِلَاصِ وَأَحْلَاسِهَا [(٥)]
قَالَ عُمَرُ: صَدَقَ، بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ عِنْدَ آلِهَتِهِمْ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ بِعِجْلٍ [(٦)] فَذَبَحَهُ فَصَرَخَ مِنْهُ صَارِخٌ لَمْ أَسْمَعْ صَارِخًا قَطُّ أَشَدَّ صَوْتًا مِنْهُ، يَقُولُ: يَا جَلِيحْ، أَمْرٌ نَجِيحْ. رَجُلٌ فَصِيحْ [(٧)] يَقُولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ. فَوَثَبَ الْقَوْمُ، قُلْتُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَعْلَمَ مَا وَرَاءَ هَذَا، ثُمَّ نَادَى يَا جَلِيحْ. أَمْرٌ نَجِيحْ. رَجُلٌ يَصِيحْ [(٨)] يَقُولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ. قُلْتُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَعْلَمَ مَا وَرَاءَ هَذَا، ثُمَّ نَادَى يَا جَلِيحْ أَمْرٌ نَجِيحْ رَجُلٌ يَصِيحْ يَقُولُ لا إليه إِلَّا اللهُ. فَقُمْتُ فَمَا نَشِبْتُ أَنْ قِيلَ هَذَا نَبِيٌّ» .
أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سُلَيْمَانَ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ هَكَذَا [(٩)] .
_________________
(١) [(٣)] في الصحيح: «في السوق» . [(٤)] في الصحيح: «فقالت» . [(٥)] كذا في (ح)، وفي (م) و(ص)، و(هـ) .: ولحوقها بالقلاص وأحلاسها وإياسها من انساكها وفي صحيح البخاري: أَلَمْ تَرَ الْجِنَّ وَإِبْلَاسَهَا ويأسها من بعد إنكاسها ولحوقها بالقلاص وأحلاسها [(٦)] في (ح): «بفحل»، وأثبت ما في بقية النسخ، وهو موافق لما في صحيح البخاري. [(٧)] في نسخ الدلائل: «يصيح»، وأثبت ما في البخاري. [(٨)] في البخاري: «فصيح» . [(٩)] أخرجه البخاري في: ٦٣- كتاب مناقب الأنصار (٣٥) باب إسلام عمر بن الخطاب. حديث (٣٨٦٦)، صفحة (٧: ١٧٧) .
[ ٢ / ٢٤٤ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ شَاكِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ يَعْنِي الْبُخَارِيَّ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، فَذَكَرَهُ، وَظَاهِرُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ يُوهِمُ أَنَّ عُمَرَ ﵁، بِنَفْسِهِ سَمِعَ الصَّارِخَ يَصْرُخُ مِنَ الْعِجْلِ [(١٠)] الَّذِي ذُبِحَ وَكَذَلِكَ هُوَ صَرِيحٌ فِي رِوَايَةٍ ضَعِيفَةٍ عَنْ عُمَرَ فِي إِسْلَامِهِ وَسَائِرُ الرِّوَايَاتِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْكَاهِنَ أَخْبَرَ بِذَلِكَ عَنْ رُؤْيَتِهِ وَسَمَاعِهِ. وَاللهُ أَعْلَمُ.
حَدَّثَنَا [(١١)] أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ الْعَدْلُ بِبَغْدَادَ إِمْلَاءً، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ السَّمَّاكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ مُحَمَّدُ بْنُ الْهَيْثَمِ الْقَاضِي، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ كَثِيرِ بْنِ عُفَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ عَنِ ابْنِ الْهَادِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سُلَيْمٍ [(١٢)]، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «بَيْنَمَا عُمَرُ ﵁ جَالِسٌ إِذْ رَأَى رَجُلًا فَقَالَ قَدْ كُنْتُ مَرَّةً ذَا فِرَاسَةٍ وَلَيْسَ لِي رَأْيٌ إِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ يَنْظُرُ وَيَقُولُ فِي الْكِهَانَةِ ادْعُوهُ لِي فَدَعَوْهُ، فَقَالَ عُمَرُ: مِنْ أَيْنَ قَدِمْتَ؟ قَالَ مِنَ الشَّامِ. قَالَ: فَأَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: أَرَدْتُ هَذَا الْبَيْتَ وَلَمْ أَكُنْ أَخْرَجُ حَتَّى آتِيَكَ، فَقَالَ: عُمَرُ أَلَا تُخْبِرُنِي عَنْ شَيْءٍ أَسْأَلُكَ عَنْهُ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: هَلْ كُنْتَ تَنْظُرُ فِي الْكِهَانَةِ شَيْئًا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ بَعْضِ مَا رَأَيْتَ. قَالَ: إِنِّي ذَاتَ لَيْلَةٍ بِوَادٍ إِذْ سَمِعْتُ صَائِحًا يَقُولُ: يَا جَلِيحْ خَبَرَ نَجِيحْ رَجُلٌ يَصِيحْ يَقُولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ لِلْجِنِّ وَإِيَاسِهَا وَالْإِنْسِ وَإِبْلَاسِهَا وَالْخَيْلِ وَأَحْلَاسِهَا. فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا إِنَّ هَذَا لَخَبَرٌ يَئِسَتْ مِنْهُ الْجِنُّ وَأَبْلَسَتْ منه الإنس
_________________
(١) [(١٠)] في (ح): «الفحل» . [(١١)] في (ص): «أخبرنا» . [(١٢)] كذا في (ح)، وفي بقية النسخ: «سليمان» .
[ ٢ / ٢٤٥ ]
وأعلمت فِيهِ الْخَيْلُ، فَمَا حَالَ [(١٣)] الْحَوْلُ حَتَّى بُعِثَ رَسُولُ اللهِ ﵌» [(١٤)] .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الله الحافظ وأبو سعيد بن أبي عمرو، قالا: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ مزيد، قال:
أخبرني أبي، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جَابِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ مِسْكِينٍ الْأَنْصَارِيُّ، قَالَ: «بَيْنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ جَالِسٌ ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ مَرَّ بِهِ رَجُلٌ، فَقَالَ لِجُلَسَائِهِ:
لَقَدْ كَانَ هَذَا فِيمَا أَظُنُّ كَاهِنًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ رَجُلًا فَدَعَاهُ. فَقَالَ:
أَنْشُدُكَ [(١٥)] بِاللهِ هَلْ كُنْتَ كَاهِنًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟ فَقَالَ [(١٦)] يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا لَنَا وَلِذِكْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَقَدْ جَاءَ اللهُ ﷿ بِالْإِسْلَامِ. فَقَالَ: نَشَدْتُكَ بِاللهِ أَكُنْتَ كَاهِنًا؟ قَالَ: اللهُمَّ نَعَمْ. قَالَ فَمَا أَعْجَبُ أَتَتْكَ بِهِ شَيْطَانَتُكَ؟ قَالَ: اللهُمَّ نَعَمْ، بَيْنَا أَنَا جَالِسٌ يَوْمًا إِذْ قَالَتْ لِي: أَلَمْ تَرَ إِلَى الشَّيَاطِينِ وَإِبْلَاسِهَا. وَإِيَاسِهَا مِنْ نُسَّاكِهَا. وَلُحُوقِهَا بِالْقِلَاصِ وَأَحْلَاسِهَا. قَالَ: عُمَرُ اللهُ أَكْبَرُ. قَالَ: أَتَيْتُ مَكَّةَ فَإِذَا بِرَجُلٍ عِنْدَ بَعْضِ تِلْكَ الْأَنْصَابِ يَذْبَحُ عِجْلًا فَوَقَفْتُ رَجَاءَ أَنْ أُصِيبَ مِنْ لَحْمِهِ فَلَمَّا ذَبَحَهُ صَاحَ مِنْ جَوْفِهِ شَيْءٌ. فَقَالَ: يَا آلَ ذَرِيحْ. أَمْرٌ نَجِيحْ رَجُلٌ يَصِيحْ، يَقُولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ. قَالَ: فَارْتَعَدَتْ فَرَائِصِي حَتَّى وَقَعْتُ» .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ ابن مَحْمَوَيهِ الْعَسْكَرِيُّ بِالْأَهْوَازِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ غَيْلَانَ النَّرْسِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو حَاضِرُ بْنُ مُطَهَّرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ قَالَ: سَمِعْتُ لَيْثًا، قَالَ:
حَدَّثَنِي رُزَيْقٌ عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: «إِنَّ بَنِي غِفَارٍ قَرَّبُوا عِجْلًا لِيَذْبَحُوهَ عَلَى نُصُبٍ مِنْ أَنْصَابِهِمْ فَبَيْنَا هُوَ مَوْقُوفٌ إِذْ صَاحَ فَقَالَ يَا آلَ ذَرِيحْ. أَمْرٌ نَجِيحْ صائح يصيح
_________________
(١) [(١٣)] في (هـ): «حان»، وفي (ص) و(م): «حار» . [(١٤)] أخرجه البزار، والطبراني، عن أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الخطاب عنه. [(١٥)] في (م) و(ص) و(هـ): «وقال: نشدتك» . [(١٦)] هكذا في (ح)، وفي بقية النسخ: «قال» .
[ ٢ / ٢٤٦ ]
بِلِسَانٍ فَصِيحْ يَدْعُو بِمَكَّةَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، قَالَ: فَكَفُّوا عَنْهُ وَذَهَبُوا يَنْظُرُونَ فَإِذَا النَّبِيُّ ﵌ قَدْ بُعِثَ» .
قَالَ الْمُعْتَمِرُ: فَسَأَلْتُ عَنْهُ الْحَجَّاجَ بْنَ أَرْطَأَةَ، فَقَالَ، سَمِعْتُهُ مِنْ مُجَاهِدٍ وَحَدَّثَنِي الْحَجَّاجُ بِبَعْضِهِ وَرَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ الْبُرْسَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ كَثِيرٍ الدَّارِيُّ عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شَيْخٌ أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ وَنَحْنُ فِي غَزْوَةِ رُودِسَ يُقَالُ لَهُ ابْنُ عِيسَى، قَالَ: «كُنْتُ أَسُوقُ لِآلٍ لَنَا بَقَرَةً، قَالَ فَسَمِعْتُ مِنَ جَوْفِهَا يَا آلَ ذَرِيحْ. قَوْلٌ فَصِيحْ. رَجُلٌ يَصِيحْ. أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، قَالَ: فَقَدِمْنَا مَكَّةَ فَوَجَدْنَا النَّبِيَّ ﵌ قَدْ خَرَجَ بِمَكَّةَ» .
وَهَذَا فِيمَا أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو عُثْمَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْأَزْدِيُّ [(١٧)]، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَفِيدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قَالَ:
حَدَّثَنِي أَبِي فَذَكَرَهُ قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَبْدُ اللهِ: هَذَا حَدِيثٌ غريب بإسناد جيد.
_________________
(١) [(١٧)] في (ص): «الأززي»، وفي (م) و(هـ): «الأرزّي» .
[ ٢ / ٢٤٧ ]
حَدِيثُ سَوَادِ بْنِ قَارِبٍ [(١)] وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا هُوَ الْكَاهِنُ الَّذِي لَمْ يُذْكَرِ اسْمُهُ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ
أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حُبَيْبٍ الْمُفَسِّرُ مِنْ أَصْلِ سماعه،
_________________
(١) [(١)] سواد بن قارب الدوسي، على ما رواه ابن أبي خيثمة، من بني دوس، كان يتكهن في الجاهلية، وكان شاعرا، قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ الكبير (٢: ٢: ٢٠٢): له صحبة، وكذا قال أبو حاتم، والبرزنجي، والدارقطني، وذكره ابن عبد البر في الاستيعاب، والذهبي في تجريد أسماء الصحابة، وابن حجر في الإصابة. أسلم، وداعبه عمر بن الخطاب يوما، فقال: ما فعلت كهانتك يا سواد، فغضب وقال: ما كنا عليه نحن وأنت يا عمر من جاهليتنا وكفرنا شر من الكهانة، فما لك تعيرني بشيء تبت منه، وأرجو من الله العفو عنه. وقد روى ابن عبد البر أن عمر قال له- وهو خليفة-: كيف كهانتك اليوم؟ فقال سواد: يا أمير المؤمنين! ما قالها لي احد قبلك، فاستحيا عمر، ثم قال: ايه يا سواد! الذي كنا عليه من الشرك أعظم من كهانتك، ثم سأله عن حديثه في بدء الإسلام، وما أتاه به رئيه من ظهور رسول الله ﵌، فأخبره الخبر وحديث سواد بن قارب رواه البخاري في الصحيح، فتح الباري (٧: ١٧٧) في: ٦٣- كتاب مناقب الأنصار، (٥٣) باب إسلام عمر بن الخطاب، وحدّثنا يحي بن سليمان قال حدّثني ابن وهب قال حدّثني عمر أنّ سالما حدّثه عن عبد الله بن عمر قال ما سمعت عمر لشيء قطّ يقول إنّي لأظنّه كذا إلّا كان كما يظن بينما عمر جالس إذ مرّ به رجل جميل فقال عمر لقد أخطأ ظنّي أو إنّ هذا على دينه في الجاهليّة أو لقد كان كاهنهم عليّ الرّجل فدعي له فقال له ذلك فقال ما رأيت كاليوم استقبل به رجل مسلم قال فإنّي أعزم عليك إلّا ما أخبرتني قال كنت كاهنهم في الجاهليّة قال فما أعجب ما جاءتك به جنّيّتك قال بينما أنا
[ ٢ / ٢٤٨ ]
قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الصَّفَّارُ الْأَصْبَهَانِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُوسَى الْحَمَّارُ الْكُوفِيُّ بِالْكُوفَةِ، قَالَ: حَدَّثَنَا [زِيَادُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ بَارَوِيَّةَ أَبُو بَكْرٍ الْقَصْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ تَرَّاسٍ الْكُوفِيُّ] [(٢)]، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: «بَيْنَمَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ [﵁] [(٣)]، يَخْطُبُ النَّاسَ عَلَى مِنْبَرِ النَّبِيِّ ﵌ إِذْ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ أَفِيكُمْ سَوَادُ بْنُ قَارِبٍ؟ قَالَ: فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ تِلْكَ السَّنَةَ، فَلَمَّا كَانَتِ السَّنَةُ الْمُقْبِلَةُ: قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ أَفِيكُمْ سَوَادُ بْنُ قَارِبٍ؟ قَالَ: فَقُلْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَمَا سَوَادُ بْنُ قَارِبٍ؟ قَالَ: إِنَّ سَوَادَ بْنَ قَارِبٍ كَانَ بَدْءُ إِسْلَامِهِ شَيْئًا عَجِيبًا [(٤)] . قَالَ: فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ طَلَعَ سَوَادُ بْنُ قَارِبٍ، قَالَ: فَقَالَ له عمر
_________________
(١) [()] يوما في السّوق جَاءَتْنِي أَعْرِفُ فِيهَا الْفَزَعَ فقالت أَلَمْ تَرَ الْجِنَّ وَإِبْلَاسَهَا ويأسها من بعد إنكاسها وَلُحُوقِهَا بِالْقِلَاصِ وَأَحْلَاسِهَا قَالَ عمر صدق بينما أنا عِنْدَ آلِهَتِهِمْ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ بِعِجْلٍ فَذَبَحَهُ فَصَرَخَ به صَارِخٌ لَمْ أَسْمَعْ صَارِخًا قَطُّ أَشَدَّ صَوْتًا مِنْهُ يَقُولُ يَا جَلِيحْ أَمْرٌ نَجِيحْ رَجُلٌ فَصِيحْ يَقُولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ فَوَثَبَ الْقَوْمُ قُلْتُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَعْلَمَ مَا وَرَاءَ هَذَا ثُمَّ نَادَى يَا جَلِيحْ أَمْرٌ نَجِيحْ رَجُلٌ فَصِيحْ يَقُولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ فَقُمْتُ فما نشبنا أَنْ قِيلَ هَذَا نَبِيٌّ. ولم يصرح البخاري بأن الكاهن هو سواد بن قارب، وفي فتح الباري صرح الحافظ ابن حجر ان الكاهن: سواد بن قارب، وكذا العيني في عمدة القاري (١٧: ٦، ٧) . وفي التاريخ الكبير للبخاري (٢: ٢: ٢٠٢) . سواد بن قارب الأزدي، له صحبة، قَالَ: كُنْتُ نَائِمًا عَلَى جَبَلٍ مِنْ جِبَالِ الشراة، فَأَتَانِي آتٍ فَضَرَبَنِي بِرِجْلِهِ، وَقَالَ: «قُمْ يَا سَوَادُ بْنَ قَارِبْ! أَتَاكَ رَسُولٌ من لؤي بن غالب» . وقد روى الخبر ابن اسحق عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كعب مولى عثمان بن عفان، وابن الجوزي عن محمد بن كعب القرظي، وابو يعلى والخرائظي عن سواد بن قارب مطوّلا، وعنهم، وعن البيهقي، نقله الصالحي في السيرة الشامية (٢: ٢٨١) . [(٢)] ليست في (ح)، وثابتة في بقية النسخ. [(٣)] الزيادة من (ح) . [(٤)] هكذا في (ص) و(ح)، و«عجبا» في (م) و(هـ) .
[ ٢ / ٢٤٩ ]
يَا سَوَادُ حَدَّثَنَا بِبَدءِ إِسْلَامِكَ كَيْفَ كَانَ؟ قَالَ سَوَادُ: فَإِنِّي كُنْتُ نَازِلًا بِالْهِنْدِ وَكَانَ لِي رَئِيٌّ مِنَ الْجِنِّ. قَالَ: فَبَيْنَا أَنَا ذَاتَ لَيْلَةٍ نَائِمٌ إِذْ جَاءَنِي [فِي مَنَامِي ذَلِكَ] [(٥)] قَالَ: قُمْ فَافْهَمْ وَاعْقِلْ إِنْ كُنْتَ تَعْقِلُ، قَدْ بُعِثَ رَسُولٌ مِنْ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ، ثُمَّ أنشأ يقول:
عَجِبْتُ لِلْجِنِّ وَأَنْجَاسِهَا وَشَدِّهَا الْعِيسَ بِأَحْلَاسِهَا
تَهْوِي إِلَى مَكَّةَ تَبْغِي الْهُدَى مَا مُؤمِنُوهَا مِثْلَ أَرْجَاسِهَا
فَانْهَضْ إِلَى الصَّفْوَةِ مِنْ هَاشِمٍ وَاسْمُ بِعَيْنَيْكَ إِلَى رَاسِهَا
ثُمَّ أَنْبَهَنِي وَأَفْزَعَنِي، وَقَالَ: يَا سَوَادُ بْنَ قَارِبٍ إِنَّ اللهَ ﷿ بَعَثَ نَبِيًّا فَانْهَضْ إِلَيْهِ تَهْتَدِ وَتَرْشُدْ. فَلَمَّا كَانَ فِي اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ أَتَانِي فَأَنْبَهَنِي ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ كَذَلِكَ:
عَجِبْتُ لِلْجِنِّ وَتَطْلَابِهَا وَشَدِّهَا الْعِيسَ بِأَقْتَابِهَا
تَهْوِي إِلَى مَكَّةَ تَبْغِي الْهُدَى لَيْسَ قُدَامَاهَا كَأَذْنَابِهَا
فَانْهَضْ إِلَى الصَّفْوَةِ مِنْ هَاشِمٍ وَاسْمُ بِعَيْنَيْكَ إِلَى نَابِهَا
فَلَمَّا كَانَ فِي اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ أَتَانِي فَأَنْبَهَنِي ثُمَّ قَالَ كَذَلِكَ:
عَجِبْتُ لِلْجِنِّ وَتَخْبَارِهَا وَشَدِّهَا الْعِيسَ بِأَكْوَارِهَا
تَهْوِي إِلَى مَكَّةَ تَبْغِي الْهُدَى لَيْسَ ذَوُو الشَّرِّ كَأَخْيَارِهَا
فَانْهَضْ إِلَى الصَّفْوَةِ مِنْ هَاشِمٍ مَا مُؤمِنُو الْجِنِّ كَكُفَّارِهَا
قَالَ: فَلَمَّا سَمِعْتُهُ يُكَرِّرُ لَيْلَةً بَعْدَ لَيْلَةٍ وَقَعَ فِي قَلْبِي حُبُّ الْإِسْلَامِ مِنْ أَمْرِ النَّبِيِّ ﵌ مَا شَاءَ اللهُ، قَالَ: فَانْطَلَقْتُ إِلَى رَحْلِي فَشَدَدْتُهُ عَلَى رَاحِلَتِي فَمَا حَلَلْتُ نِسْعَةً، وَلَا عَقَدْتُ أُخْرَى حَتَّى أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﵌، فَإِذَا هُوَ بِالْمَدِينَةِ والناس
_________________
(١) [(٥)] ليست في (ح) .
[ ٢ / ٢٥٠ ]
عَلَيْهِ كَعُرْفِ الْفَرَسِ،
فَلَمَّا رَآنِي النَّبِيُّ ﵌، قَالَ: مَرْحَبًا بِكَ يَا سَوَادُ بْنَ قَارِبٍ! قَدْ عَلِمْنَا مَا جَاءَ بِكَ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ! قَدْ قُلْتُ شِعْرًا فَاسْمَعْهُ مِنِّي،
قَالَ سواد فقلت:
أَتَانِي رَئِيٌّ بَعْدَ لَيْلٍ وَهَجْعَةٍ وَلَمْ يَكُ فِيمَا قَدْ بَلَوْتُ بِكَاذِبِ
ثَلَاثَ لَيَالٍ قَوْلُهُ كُلَّ لَيْلَةٍ أَتَاكَ رَسُولٌ [(٦)] مِنْ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ
فَشَمَّرْتُ عَنْ سَاقِي الْإِزَارَ وَوَسَّطَتْ بِيَ الذِّعْلِبُ الْوَجْنَاءُ عِنْدَ السَّبَاسِبِ
فَأَشْهَدُ أَنَّ اللهَ لَا شَيْءَ غَيْرُهُ وَأَنَّكَ مَأْمُونٌ عَلَى كُلِّ غَايبِ
وَأَنَّكَ أَدْنَى الْمُرْسَلِينَ شَفَاعَةً إِلَى الله يا ابن الْأَكْرَمِينَ الْأَطَايِبِ
فَمُرْنَا بِمَا يَأْتِيكَ يَا خَيْرَ مَنْ مَشَى وَإِنْ كَانَ فِيمَا جَاءَ شَيْبُ الذَّوَايِبِ
وَكُنْ لِي شَفِيعًا يَوْمَ لَا ذُو شَفَاعَةٍ سِوَاكَ بِمُغْنٍ عَنْ سَوَادِ بْنِ قَارِبِ [(٧)]
قَالَ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ ﵌ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، وَقَالَ لِي أَفْلَحْتَ يَا سَوَادُ.
فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: هَلْ يَأْتِيكَ رَئِيُّكَ الْآنَ؟ فَقَالَ: مُنْذُ قَرَأْتُ الْقُرْآنَ لَمْ يَأْتِنِي وَنِعْمَ الْعِوَضُ كِتَابُ اللهِ ﷿ مِنَ الْجِنِّ» .
هَكَذَا رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَرُوِيَ مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنَ
_________________
(١) [(٦)] هكذا في (ح)، وفي بقية النسخ «نبي» . [(٧)] البيت الأخير ليس في (ح)، وورد في سبل الهدى هكذا. وكن لي شفيعا حين لا ذو قرابة بمعن فتيلا عَنْ سَوَادِ بْنِ قَارِبِ
[ ٢ / ٢٥١ ]
(أَحَدُهُمَا) مَا حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ السُّلَمِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ صُبَيْحٍ الْجَوْهَرِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُبَارَكٍ [(٨)] الْفَقِيهُ الْهَرَوِيُّ، وبشر بن أحمد الاسفرايني، وَاللَّفْظُ لِلْهَرَوِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو يَعْلَى أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْمَعْنِيُّ [(٩)] الْمَوْصِلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حُجْرٍ السَّامِيُّ، قَالَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَنْصُورٍ الْأَنْبَارِيُّ [(١٠)] قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو [(١١)] عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْوَقَّاصِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، قَالَ: «بَيْنَمَا عُمَرُ ذَاتَ يَوْمٍ جَالِسًا إِذْ مَرَّ بِهِ رَجُلٌ فَقِيلَ أَتَعْرِفُ هَذَا الْمَارَّ؟ قَالَ: وَمَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا سَوَادُ بْنُ قَارِبٍ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عُمَرُ، فَقَالَ:
أَأَنْتَ [(١٢)] سَوَادُ بْنُ قَارِبٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ: أَأَنْتَ الَّذِي أَتَاهُ رَئِيُّهُ بِظُهُورِ رَسُولِ اللهِ ﵌؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَأَنْتَ عَلَى مَا كُنْتَ عَلَيْهِ مِنْ كَهَانَتِكَ. فَغَضِبَ وَقَالَ: مَا اسْتَقْبَلَنِي بِهَذَا أَحَدٌ مُنْذُ أَسْلَمْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ عُمَرُ: يَا سُبْحَانَ اللهِ مَا كُنَّا عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ أَعْظَمُ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي بِإِتْيَانِكَ رَئِيُّكَ بِظُهُورِ رَسُولِ اللهِ ﵌.
قَالَ: بَيْنَا أَنَا ذَاتُ لَيْلَةٍ بَيْنَ النَّائِمِ واليقظان إذ أَتَانِي رَئِيِّي فَضَرَبَنِي بِرِجْلِهِ، فَقَالَ: قُمْ يَا سَوَادُ بْنَ قَارِبٍ اسْمَعْ مَقَالَتِي وَاعْقِلْ إِنْ كُنْتَ تَعْقِلُ إِنَّهُ قَدْ بُعِثَ رَسُولٌ مِنْ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ يَدْعُو إِلَى اللهِ وَإِلَى عِبَادَتِهِ، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: فَذَكَرَ الْأَبْيَاتَ بِمَعْنَى مَا رُوِّينَا فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ يَزِيدُ لَفْظًا وَيُبَدِّلُ لَفْظًا بِآخَرَ وَزَادَ فِي آخِرِهِ، ثُمَّ أَنْشَأَ عُمَرُ يَقُولُ: كُنَّا يَوْمًا فِي حَيٍّ مِنْ قُرَيْشٍ يُقَالُ لَهُ آل ذريح، وقد [(١٣)]
_________________
(١) [(٨)] هكذا في (ح)، وفي بقية النسخ «شارك» . [(٩)] كذا في (ح)، وفي بقية النسخ «المثنى» . [(١٠)] كذا في (ح)، و(هـ) وفي بقية النسخ «الانباري» . [(١١)] في (ح): «ابن» . [(١٢)] كذا في (م)، وفي بقية النسخ «أنت» . [(١٣)] في (ح): الشامي.
[ ٢ / ٢٥٢ ]
ذَبَحُوا عِجْلًا وَالْجَزَّارُ يُعَالِجُهُ إِذْ سَمِعْنَا صَوْتًا مِنْ جَوْفِ الْعِجْلِ وَمَا نَرَى شَيْئًا، وَهُوَ يَقُولُ: يَا آلَ ذَرِيحْ أَمْرٌ نَجِيحْ. صَائِحٌ يَصِيحْ بِلِسَانٍ فَصِيحْ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» .
وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ شَيْبَانَ الْمَوْصِلِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ حُجْرٍ السَّامِيِّ. وأَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ الْفَقِيهُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللهِ الْبَصْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْفَرَّاءُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ حُجْرٍ السَّامِيُّ بِالْبَصْرَةِ فِي الْمَسْجِدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ- فَذَكَرَهُ بِمَعْنَاهُ دُونَ الزِّيَادَةِ فِي آخِرِهِ- وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَنْ بِشْرِ بْنِ حُجْرٍ السَّامِيِّ أَبِي حَاتِمٍ [(١٤)] . وَالْوَجْهُ الثَّانِي مَا أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ [(١٥)] أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَالِينِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَدِيٍّ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ حَمَّادِ بْنِ جَابِرٍ بِالرَّمْلَةِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ يَعْلَى بْنِ [(١٦)] عَطَاءٍ الْمُحَارِبِيُّ، قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ عَبَّادُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي سَوَادُ بْنُ قَارِبٍ، قَالَ:
«كُنْتُ نَائِمًا عَلَى جَبَلٍ مِنْ جِبَالِ السَّرَاةِ [(١٧)] فَأَتَانِي آتٍ فَضَرَبَنِي بِرِجْلِهِ وَقَالَ قُمْ يَا سَوَادُ بْنَ قَارِبْ أَتَاكَ رَسُولٌ مِنْ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبْ، قَالَ: فَاسْتَوَيْتُ قَاعِدًا وَأَدْبَرَ وَهُوَ يقول:
عَجِبْتُ لِلْجِنِّ وَإِرْجَاسِهَا وَرَحْلِهَا العيس بأحلاسها
_________________
(١) [(١٤)] هكذا في (ح)، وفي بقية النسخ: «ابن حاتم» . [(١٥)] في (ح) أبو سعيد. [(١٦)] وقع في (ح) عن، والصواب «بن» كما في بقية النسخ، وله ترجمة في «التاريخ الكبير» . (١: ٢: ٣٤٠) وهكذا ذكره غيره. [(١٧)] في «التاريخ الكبير» (الشراة)، وهي الرواية التي ذكرها البخاري في «التاريخ الكبير» (٢: ٢: ٢٠٢)، وعقب عليها بقوله: «ولا يصح الحكم بن يعلى» .
[ ٢ / ٢٥٣ ]
تَهْوِي إِلَى مَكَّةَ تَبْغِي الْهُدَى مَا صَالِحُوهَا مِثْلُ أَرْجَاسِهَا
قَالَ: ثُمَّ عُدْتُ فَنِمْتُ فَأَتَانِي فَضَرَبَنِي بِرِجْلِهِ، وَقَالَ: قُمْ يَا سَوَادُ بْنَ قَارِبْ أَتَاكَ رَسُولٌ مِنْ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبْ، قَالَ: فَاسْتَوَيْتُ قَاعِدًا فَأَدْبَرَ وَهُوَ يَقُولُ:
عَجِبْتُ لِلْجِنِّ وَأَخْبَارِهَا وَرَحْلِهَا الْعِيسَ بِأَكْوَارِهَا
تَهْوِي إِلَى مَكَّةَ تَبْغِي الْهُدَى مَا مُؤمِنُوهَا مِثْلُ كُفَّارِهَا
قَالَ: ثُمَّ عُدْتُ فَنِمْتُ فَأَتَانِي فَضَرَبَنِي بِرِجْلِهِ وَقَالَ: قُمْ يَا سَوَادُ بْنَ قَارِبْ أَتَاكَ رَسُولٌ مِنْ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبْ، فَاسْتَوَيْتُ قَاعِدًا فَأَدْبَرَ وَهُوَ يَقُولُ:
عَجِبْتُ، لِلْجِنِّ وَتَطْلَابِهَا وَرَحْلِهَا الْعِيسَ بِأَقْتَابِهَا
تَهْوِي إِلَى مَكَّةَ تَبْغِي الْهُدَى مَا صَادِقُوهَا مِثْلُ كُذَّابِهَا
فَارْحَلْ إِلَى الصَّفْوَةِ مِنْ هَاشِمٍ وَاسْمُ بِعَيْنَيْكَ إِلَى نابها
قال: فأصبحت واقتعدبّ بَعِيرًا حَتَّى أَتَيْتُ مَكَّةَ فَإِذَا رَسُولُ اللهِ ﵌ قَدْ ظَهَرَ فَأَخْبَرْتُهُ الْخَبَرَ وَتَابَعْتُهُ» [(١٨)] . قَوْلُهُ: حَتَّى أَتَيْتُ مَكَّةَ أَقْرَبُ إِلَى الصِّحَّةِ مِمَّا رُوِّينَا فِي الروايتين الأولتين وَفِي الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ غُنْيَةٌ عَنْ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ، وَاللهُ أعلم.
_________________
(١) [(١٨)] هكذا في (ح)، وفي بقية النسخ: «وبايعته» .
[ ٢ / ٢٥٤ ]
سَبَبُ إِسْلَامِ مَازِنٍ الطَّائِيِّ [(١)]
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ بِبَغْدَادَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حَرْبٍ الطَّائِيُّ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ وثَلَاثِمِائَةٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَدِّي أَبُو [(٢)] عَلِيِّ بْنُ حَرْبِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حَيَّانَ بْنِ مَازِنٍ الْوَافِدُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﵌، قَالَ: «لَقِيتُ أَبَا الْمُنْذِرِ هِشَامَ بْنَ مُحَمَّدٍ الْكَلْبِيَّ، فَقَالَ لِي: مِمَّنِ الرَّجُلُ: فَقُلْتُ: مِنْ طيّء ثُمَّ قَالَ لِي: ثُمَّ مِمَّنْ قُلْتُ مِنْ وَلَدِ نَبْهَانَ. قَالَ ثُمَّ مِمَّنْ؟ قُلْتُ مِنْ وَلَدِ خِطَامَةَ فَقَالَ لِي: لَعَلَّكَ مِنْ وَلَدِ السَّادِنِ. قُلْتُ نَعَمْ فَأَكْرَمَنِي وَأَدْنَانِي وَقَرَّبَنِي ثُمَّ قَالَ لِي:
كُنْتُ لَقِيتُ شُيُوخًا مِنْ شيوخ طيّء الْمُتَقَدِّمِينَ فَسَأَلْتُهُمْ عَنْ قِصَّةِ مَازِنٍ وَسَبَبِ إِسْلَامِهِ وَوُفُودِهِ علي رسول الله ﵌ وَإِقْطَاعِهِ أَرْضَ عُمَانَ وَذَلِكَ بِمَنِّ اللهِ وَفَضْلِهِ فَكَانَ مَازِنٌ بِأَرْضِ عُمَانَ بِقَرْيَةٍ تُدْعَى سَمَايِلُ وَكَانَ يَسْدُنُ الْأَصْنَامَ لِأَهْلِهِ وَكَانَ لَهُ صَنَمٌ يُقَالُ لَهُ بَاجِرُ [(٣)] قَالَ مَازِنٌ فَعَتَرْتُ ذَاتَ يَوْمٍ عَتِيرَةً وَهِيَ الذبيحة فسمعت
_________________
(١) [(١)] هو مازن بن الغضوبة بن غراب بن بشر الطائي ذكره ابن السكن، في الصحابة، وقال ابن حبان: يقال ان له صحبة. الثقات (٣: ٤٠٧)، وذكره ابن عبد البر في الاستيعاب، وابن حجر في الإصابة (٣: ٣٣٦) . [(٢)] هكذا في (ح)، وفي بقية النسخ: «ابو جدي» . [(٣)] في (ح): «ناجر» .
[ ٢ / ٢٥٥ ]
صَوْتًا مِنَ الصَّنَمِ يَقُولُ يَا مَازِنُ أَقْبِلْ إِلَيَّ أَقْبِلْ. تَسْمَعْ مَا لَا يُجْهَلْ. هَذَا نَبِيٌّ مُرْسَلْ جَاءَ بِحَقٍّ مُنْزَلْ. فَآمِنْ بِهِ كَيْ تَعْدَلْ عَنْ حَرِّ نَابٍ تُشْعَلْ. وَقُودُهَا بِالْجَنْدَلْ. قَالَ مَازِنٌ فَقُلْتُ إِنَّ هَذَا وَاللهِ لَعَجَبٌ ثُمَّ عَتَرْتُ بَعْدَ أَيَّامٍ عَتِيرَةً أُخْرَى فَسَمِعْتُ صَوْتًا أَبْيَنَ مِنَ الْأَوَّلِ وَهُوَ يَقُولُ:
يَا مَازِنُ اسْمَعْ تُسَرْ. ظَهَرَ خَيْرٌ وَبَطَنَ شَرْ. بُعِثَ نَبِيٌّ مِنْ مُضَرْ بِدِينِ اللهِ الْكُبَرْ. فَدَعْ نَحِيتًا [(٤)] مِنْ حَجَرْ. تَسْلَمْ مِنْ حَرِّ سَقَرْ. قَالَ مَازِنٌ فَقُلْتُ إِنَّ هَذَا وَاللهِ لَعَجَبٌ وَإِنَّهُ لَخَيْرٌ يُرَادُ بِي. وَقَدِمَ عَلَيْنَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ فَقُلْنَا مَا الْخَبَرُ وَرَاءَكَ قَالَ خَرَجَ رَجُلٌ بِتِهَامَةَ يَقُولُ لِمَنْ أَتَاهُ أَجِيبُوا دَاعِيَ اللهِ ﷿ يُقَالُ لَهُ أَحْمَدُ. قَالَ، فَقُلْتُ: هَذَا وَاللهِ نَبَأُ مَا سَمِعْتُ. فَثُرْتُ إِلَى الصَّنَمِ فَكَسَرْتُهُ أَجْذَاذًا وَشَدَدْتُ رَاحِلَتِي وَرَحَلْتُ حَتَّى أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ فَشَرَحَ لِيَ الْإِسْلَامَ فأسلمت وأنشأت أقول: -
كَسَرْتُ بَاجِرَ أَجْذَاذًا وَكَانَ لَنَا رَبًّا نَطِيفُ بِهِ ضَلًّا بِتَضْلَالِ
بِالْهَاشِمِيِّ هَدَانَا مِنْ ضَلَالَتِنَا وَلَمْ يَكُنْ دِينُهُ مِنِّي عَلَى بَالِ
يَا رَاكِبًا بَلِّغَا [(٥)] عَمْرًا وَإِخْوَتَهُ أَنِّي لِمَنْ قَالَ دِينِي نَاجِرٌ [(٦)] قَالِي
يَعْنِي بِعَمْرٍو إِخْوَتَهُ: بَنِي خِطَامَةَ،
قَالَ مَازِنٌ: فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي امْرُؤٌ مُولَعٌ بِالطَّرَبِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالْهَلُوكِ مِنَ النِّسَاءِ وَأَلَحَّتْ عَلَيْنَا السِّنُونَ فَأَذْهَبْنَ الْأَمْوَالَ وَأَهْزَلْنَ الذَّرَارِيَّ وَالرِّجَالَ، وَلَيْسَ لِي وَلَدٌ فَادْعُ اللهَ أَنْ يُذْهِبَ عَنِّي مَا أَجِدُ وَيَأْتِيَنِي بِالْحَيَا وَيَهِبَ لِي وَلَدًا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﵌: «اللهُمَّ أَبْدِلْهُ بِالطَّرَبِ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ وَبِالْحَرَامِ الْحَلَالَ وَآتِهْ بِالْحَيَا وَهَبْ لَهُ وَلَدًا» .
قَالَ مَازِنٌ فَأَذْهَبَ الله
_________________
(١) [(٤)] في (ح): «سنحيتا» . [(٥)] هكذا في (ح)، وفي بقية النسخ: «ابلغن» . [(٦)] في (ص) و(هـ): «لما قال ربي باجر» .
[ ٢ / ٢٥٦ ]
عني كلما كُنْتُ أَجِدُ وَأَخْصَبَتْ عُمَانُ وَتَزَوَّجْتُ أَرْبَعَ حَرَائِرَ وَوَهْبَ اللهُ لِي حَيَّانَ بْنَ مازن وأنشأت أقول:
إِلَيْكَ رَسُولَ اللهِ خَبَّتْ مَطِيَّتِي تَجُوبُ الْفَيَافِي مِنْ عُمَانَ إِلَى الْعَرْجِ
لِتَشْفَعَ لِي يَا خَيْرَ مَنْ وطيء الْحَصَا فَيَغْفِرَ لِي رَبِّي فَأَرْجِعَ بِالْفَلْجِ
إِلَى مَعْشَرٍ خَالَفْتُ فِي اللهِ دِينَهُمْ فَلَا رَأْيُهُمْ رَأْيِي وَلَا شرجهم شرجي
وكنت امرأ بِالزَّعْبِ وَالْخَمْرِ مُولَعًا شَبَابِي حَتَّى آذَنَ الْجِسْمُ بِالنَّهْجِ
فَأَصْبَحْتُ هَمِّي فِي جِهَادٍ وَنِيَّةٍ [(٧)] فَلِلَّهِ مَا صَوْمِي وَلِلَّهِ مَا حَجِّي
قَالَ مَازِنٌ: فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى قَوْمِي أَنَّبُونِي وَشَتَمُونِي وَأَمَرُوا شَاعِرَهُمْ فَهَجَانِي، فَقُلْتُ: إِنْ هَجَوْتُهُمْ فَإِنَّمَا أَهْجُو نَفْسِي فَتَرَكْتُهُمْ وَأَنْشَأْتُ أَقُولُ:
وَشَتْمُكُمْ عِنْدَنَا مُرٌّ مَذَاقَتُهُ وَشَتْمُنَا عِنْدَكُمْ يَا قَوْمَنَا لَئِنُ
لَا يَنْشَبُ الدَّهْرُ أَنْ يُثْبِتَ [(٨)] مَعَايِبَكُمْ وَكُلُّكُمُ أَبَدًا فِي عَيْبِنَا فَطِنُ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ إِلَى هَهُنَا [(٩)] حَفِظْتُ وَأَخَذْتُهُ مِنْ أَصْلِ جَدِّي كَأَنَّهُ يُرِيدُ الْبَاقِيَ:
_________________
(١) [(٧)] هكذا في (ح)، وفي بقية النسخ: «ونيتي» . [(٨)] في (م) و(ص) و(هـ): «إن بثّت» . [(٩)] في (م) و(ص) و(هـ): «إلى هنا» .
[ ٢ / ٢٥٧ ]
فَشِعْرُنَا مُفْحِمٌ [(١٠)] عَنْكُمْ وَشَاعِرُكُمْ فِي حَرْبِنَا مُبْلِغٌ فِي شَتْمِنَا لَسِنُ
مَا فِي الصُّدُورِ عَلَيْكُمْ فَاعْلَمُوا وَغَرٌ وَفِي صُدُورِكُمُ الْبَغْضَاءُ وَالْإِحَنُ
فَحَدَّثَنَا مُوَادُّنَا مِنْ أَهْلِ عُمَانَ عَنْ سَلَفِهِمْ أَنَّ مَازِنًا لَمَّا تَنَحَّى عَنْ قَوْمِهِ أَتَى مَوْضِعًا فَابْتَنَى مَسْجِدًا يَتَعَبَّدُ فِيهِ فَهُوَ لَا يَأْتِيهِ مَظْلُومٌ يَتَعَبَّدُ فِيهِ ثَلَاثًا ثُمَّ يَدْعُو مُحِقًّا عَلَى مَنْ ظَلَمَهُ يَعْنِي، إِلَّا اسْتُجِيبَ. وَفِي أَصْلِ السَّمَاعِ فَيَكَادُ أَنْ يُعَافَى مِنَ الْبَرَصِ فَالْمَسْجِدُ يُدْعَى مُبْرِصًا إِلَى الْيَوْمِ قَالَ أَبُو الْمُنْذِرِ: قَالَ مَازِنٌ: ثُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ نَدِمُوا أَوْ كُنْتُ الْقَيِّمُ بِأُمُورِهِمْ فَقَالُوا مَا عَسَانَا أَنْ نَصْنَعَ بِهِ فَجَاءَنِي مِنْهُمْ أَرْفَلَةٌ عَظِيمَةٌ فَقَالُوا يَا ابْنَ عَمٍّ، عِبْنَا عَلَيْكَ أَمْرًا فَنَهَيْنَاكَ عَنْهُ فَإِذْ أَبِيتَ فَنَحْنُ تَارِكُوكَ ارْجِعْ مَعَنَا. فَرَجَعْتُ مَعَهُمْ فَأَسْلَمُوا بَعْدُ كُلُّهُمْ» .
هَكَذَا أخبرنا به غالبا وَقَدْ ذَكَرَهُ شَيْخُنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ ﵀ [عَنْ أَبِي أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَنْظَلِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَرْبٍ عَنْ أَبِي الْمُنْذِرِ هِشَامِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ] [(١١)] . عَنْ عَبْدِ اللهِ الْعُمَانِيِّ عَنْ مَازِنِ بْنِ الغضوية، قَالَ: كُنْتُ أَسْدُنُ صَنَمًا بِالسَّمَالِ قَرْيَةٍ بِعُمَانَ فَعَتَرْنَا ذَاتَ يَوْمٍ عِنْدَهُ عَتِيرَةً وَهِيَ الذَّبِيحَةُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى مَا رُوِّينَا وَزَادَ بَيْتًا بَعْدَ قَوْلِهِ:
وَكُنْتُ امْرَءًا فَقَالَ:
فَبَدَّلَنِي بِالْخَمْرِ خَوْفًا وَخَشْيَةً وَبِالْعَهْرِ إِحْصَانًا وَحَصَّنَ لِي فَرْجِي
وَقَدْ رُوِيَ فِي مَعْنَى مَا رُوِّينَا عَنْ مَازِنٍ أَخْبَارٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ
_________________
(١) [(١٠)] في (ح): «شاعرنا معجم» . [(١١)] ما بين الحاصرتين ليس في (ح) .
[ ٢ / ٢٥٨ ]
جَبَلَةَ فِيمَا سَمِعَ مِنْ جَوْفِ الصَّنَمِ «يَا عِصَامْ يَا عِصَامْ جَاءَ الْإِسْلَامْ وَذَهَبَتِ الْأَصْنَامْ» [وَمِنْهَا حَدِيثُ طَارِقِ مِنْ بَنِي هِنْدِ بْنِ حَرَامٍ، يَا طَارِقْ، يَا طَارِقْ:
بُعِثَ النَّبِيُّ الصَّادِقْ] [(١٢)] .
وَمِنْهَا حَدِيثُ ابْنِ دَقْشَةَ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ رَئِيُّهُ فَنَظَرَ إِلَى ذُبَابِ بْنِ الْحَارِثِ، وَقَالَ: «يَا ذُبَابْ، يَا ذُبَابْ، اسْمَعِ الْعَجَبَ الْعُجَابْ. بُعِثَ مُحَمَّدٌ بِالْكِتَابْ يَدْعُو بِمَكَّةَ وَلَا يُجَابْ» .
وَمِنْهَا حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ الْغَطَفَانِيِّ فِيمَا رَأَى مِنَ النُّورِ السَّاطِعِ فِي الْكَعْبَةِ فِي نَوْمِهِ ثُمَّ مَا سَمِعَ مِنَ الصَّوْتِ «أَقْبَلَ حَقٌّ فَسَطَعْ. وَدُمِّرَ بَاطِلٌ فَانْقَمَعْ» .
وَمِنْهَا حَدِيثُ الْعَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسِ فِيمَا سَمِعَ مِنَ الصَّوْتِ.
وَمِنْهَا حَدِيثُ خَالِدِ بْنِ سَطَيحٍ حِينَ أَتَتْهُ تَابِعَتُهُ فَقَالَتْ: «جَاءَ الْحَقُّ الْقَائِمْ وَالْخَيْرُ الدَّايِمْ» وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَطُولُ بِسِيَاقِ جَمِيعِهِ الكتاب وبالله التوفيق.
_________________
(١) [(١٢)] الزيادة ليست في (ح) .
[ ٢ / ٢٥٩ ]
سَبَبُ إِسْلَامِ خُفَافِ بْنِ نَضْلَةَ الثَّقَفِيِّ
فِيمَا أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدَانَ النَّيْسَابُورِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُؤَمَّلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَوَّارٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَنْطَاكِيُّ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَلَوِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْبَرَاءُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ سَمَاعَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بن البراء ابن مَالِكِ الْأَنْصَارِيُّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ قُدَامَةَ بْنَ عَقِيلٍ الْغَطَفَانِيَّ أَخْبَرَهُ عَنْ جُمُعَةَ أَوْ قَالَ جُمَيْعَةَ بِنْتِ ذا بل بْنِ طُفَيْلِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِيهَا ذَابِلِ بْنِ طُفَيْلِ بْنِ عَمْرٍو الدَّوْسِيِّ: «أَنَّ رَسُولَ الله [(١٣)] ﵌ قَعَدَ فِي مَسْجِدِهِ مُنْصَرَفَهُ مِنَ الْأَبَاطِلِ فَقَدِمَ عَلَيْهِ خُفَافُ بْنُ نَضْلَةَ بْنِ عَمْرٍو بن بَهْدَلَةَ الثَّقَفِيُّ فَأَنْشَدَ رَسُولَ اللهِ ﵌:
كَمْ قَدْ تَحَطَّمَتِ الْقَلُوصُ بِيَ الدُّجَى فِي مَهْمِهٍ قَفْرٍ مِنَ الْفَلَوَاتِ
فُلٌّ مِنَ النَّوْرِيسِ لَيْسَ بِقَاعِهِ نَبْتٌ مِنَ الْأَسَنَاتِ وَالْأَزَمَاتِ
إِنِّي أَتَانِي فِي الْأَنَامِ مُسَاعِدٌ مِنْ جِنِّ وَجْرَةَ كَانَ لِي وَمُوَاتِي [(١٤)]
يَدْعُو إِلَيْكَ لَيَالِيًا وَلَيَالِيَا ثُمَّ احْزَأَلَّ [(١٥)] وَقَالَ لَسْتُ بِآتِي [(١٦)]
_________________
(١) [(١٣)] في (م) و(ص) و(هـ): «النبي» . [(١٤)] كذا في (ح)، وفي بقية النسخ «وموات» . [(١٥)] في (ص): «احزأنّ» . [(١٦)] في (م) و(ص) و(هـ): «بآت» .
[ ٢ / ٢٦٠ ]
فَرَكِبْتُ نَاجِيَةً أَضَرَّ بُنَيَّهَا جَمْرٌ تَخُبُّ بِهِ عَلَى الْأَكَمَاتِ
حَتَّى وَرَدْتُ إِلَى الْمَدِينَةِ جَاهِدًا كَيْمَا أَرَاكَ فَتُفْرِجَ الْكُرُبَاتِ
قَالَ: فَاسْتَحْسَنَهَا رَسُولُ الله ﵌ وَقَالَ: إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ كَالسِّحْرِ وَإِنَّ مِنَ الشِّعْرِ كَالْحُكْمِ»
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ بِبَغْدَادَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ، قَالَ:
«إِنَّ أَوَّلَ خَبَرٍ قَدِمَ الْمَدِينَةَ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ يَثْرِبَ تُدْعَى فُطَيْمَةَ كَانَ لَهَا تَابَعٌ مِنَ الْجِنِّ فَجَاءَهَا يَوْمًا فَوَقَعَ عَلَى جدارها، فقالت: مالك لَا تَدْخُلُ؟ فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ بُعِثَ نَبِيٌّ يُحَرِّمُ الزِّنَا فَحَدَّثَتْ بِذَلِكَ الْمَرْأَةُ عَنْ تَابِعِهَا مِنَ الْجِنِّ فَكَانَ أَوَّلُ خَبَرٍ يَحْدُثُ بِالْمَدِينَةِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﵌» .
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ أَحْمَدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ [(١٧)] الشَّعْرَانِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْفُضَيْلِ [(١٨)] بْنِ جَابِرِ، قَالَا حَدَّثَنَا [(١٩)] يَحْيَى بْنُ يُوسُفَ الزِّمِّيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «أَوَّلُ خَبَرٍ قَدِمَ الْمَدِينَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﵌ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، كَانَ لَهَا تَابِعٌ فَجَاءَ فِي صُورَةِ طَائِرٍ حَتَّى وَقَعَ عَلَى حَائِطِ دَارِهِمْ فَقَالَتْ لَهُ الْمَرْأَةُ: انْزِلْ تُخْبِرْنَا وَنُخْبِرْكَ [(٢٠)] قَالَ: لَا إِنَّهُ بُعِثَ بِمَكَّةَ نَبِيٌّ مَنَعَ مِنَّا الْقَرَارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْنَا الزِّنَا» .
لَفْظُ حَدِيثِ الشَّعْرَانِيِّ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ جَابِرٍ «فَوَقَعَ عَلَى حَائِطِ دَارِهَا فَقَالَتْ لَهُ:
انْزِلْ نُخْبِرْكَ وَتُخْبِرْنَا قَالَ: إِنَّهُ بُعِثَ نَبِيٌّ بِمَكَّةَ مَنَعَ مِنَّا الْقَرَارَ وحرّم علينا الزنا» .
_________________
(١) [(١٧)] في (ح): «زيد» . [(١٨)] في بقية النسخ: «الفضيل» . [(١٩)] في (ح): «قال: أخبرنا» . [(٢٠)] كذا في (ح): وفي النسخ الأخرى: «نخبرك وتخبرنا» .
[ ٢ / ٢٦١ ]
بَابُ سُؤَالِ الْمُشْرِكِينَ رَسُولَ اللهِ [(١)] ﵌ بِمَكَّةَ أَنْ يُرِيَهُمْ آيَةً فَأَرَاهُمُ انْشِقَاقَ الْقَمَرِ
قَالَ اللهُ ﷿: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ [(٢)] . أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ بِشْرَانَ الْعَدْلُ بِبَغْدَادَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْبَخْتَرِيِّ الرَّزَّازُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، قَالَ:
حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: إِنَّ أَهْلَ مَكَّةَ سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ ﵌ أَنْ يُرِيَهُمْ آيَةً فَأَرَاهُمُ انْشِقَاقَ الْقَمَرِ مَرَّتَيْنِ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ [(٣)] عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدٍ.
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ [(٤)] كِلَاهُمَا عَنْ يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدٍ.
_________________
(١) [(١)] في (ص) و(م) و(هـ): «النبي» . [(٢)] [١- ٢: سورة القمر] . [(٣)] أخرجه البخاري في: ٦١- كتاب المناقب (٢٧) باب سؤال المشركين ان يريهم النبي ﵌ آيَةً، فَأَرَاهُمُ انْشِقَاقَ الْقَمَرِ، حديث (٣٦٢٧)، فتح الباري (٦: ٦٣١) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ محمد، عن يونس، عن شَيْبَانُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أنس، وأعاده في: ٦٣- كتاب مناقب الأنصار (٣٦) باب انشقاق القمر، حديث (٣٨٦٨)، فتح الباري (٧: ١٨٣) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عبد الوهاب، عن بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، عَنْ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أنس، وبالإسناد الاول اعاده البخاري في تفسير وانشق القمر. فتح الباري (٨: ٦١٧) . [(٤)] أخرجه مسلم في: ٥٠- كتاب المنافقين (٨) باب انشقاق القمر، حديث (٤٣، ٤٧، ٤٨) عن عبد
[ ٢ / ٢٦٢ ]
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ:
حَدَّثَنَا الثَّقَفِيُّ، يَعْنِي أَبَا الْعَبَّاسِ السَّرَّاجَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ:
«سَأَلَ أَهْلُ مَكَّةَ النَّبِيَّ ﵌ آيَةً فَانْشَقَّ الْقَمَرُ بِمَكَّةَ فِرْقَتَيْنِ مَرَّتَيْنِ وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ [(٥)] يَقُولُ ذَاهِبٌ» .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ [(٦)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِئُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الْقَاضِي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمِنْهَالِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ: «أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ سَأَلُوا النَّبِيَّ ﵌ آيَةً فَأَرَاهُمُ الْقَمَرَ مَرَّتَيْنِ انْشِقَاقَهُ» . وَكَانَ يَذْكُرُ هَذَا الْحَدِيثَ عِنْدَ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ خَلِيفَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ وَلَا فِي حَدِيثِ يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ شَيْبَانَ قَوْلَهُ مَرَّتَيْنِ [(٧)]، وَقَدْ حِفْظَهُ عن
_________________
(١) [()] الله بن مسعود، وعن انس، وعن ابن عباس. (٤: ٢١٥٨- ٢١٥٩)، وأخرجه الإمام احمد في «مسنده» (١: ٣٧٧، ٤١٣، ٤٤٧) و(٣: ٢٧٥، ٢٧٨) و(٤: ٨٢) . [(٥)] الآية الكريمة (٢) من سورة القمر. [(٦)] صحيح مسلم (٤: ٢١٥٩) من طريق مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عن قتادة، عن أنس. [(٧)] فتح الباري (٧: ١٨٣)، قال الحافظ ابن حجر: قال الحافظ ابن كثير: «في الرواية التي فيها مرتين» . نظر، ولعل قائلها أراد فرقتين، قلت: وهذا الذي لا يتجه غيره جمعا بين الروايات، ثم راجعت نظم شيخنا فوجدته يحتمل التأويل المذكور، ولفظه. فصار فرقتين: فرقة علت وفرقة للطود منه نزلت وذاك مرتين بالإجماع والنص والتواتر والسماع
[ ٢ / ٢٦٣ ]
قَتَادَةَ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَأَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ فُورَكٍ ﵀، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بن جعفر ابن أَحْمَدَ الْأَصْبَهَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: «انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﵌» .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ عَنْ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ [(٨)] .
وَأَخْرَجَاهُ [(٩)] أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى الْقَطَّانِ وَغَيْرِهِ عَنْ شُعْبَةَ.
أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ الْأَصْبَهَانِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعْدَانُ بْنُ نَصْرٍ (ح) وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ بِبَغْدَادَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعْدَانُ، قَالَ:
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ: «انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﵌ بِشِقَّتَيْنِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌ اشْهَدُوا» .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنِ الْحُمَيْدِيِّ، وغيره [(١٠)] .
_________________
(١) [()] فجمع بين قوله: «فرقتين»، وبين قوله، «مرتين» فيمكن ان يتعلق قوله بالإجماع بأصل الإنشقاق لا بالتعدد» . أ. هـ. فتح الباري (٧: ١٨٣) . [(٨)] صحيح مسلم (٤: ٢١٥٩)، الحديث رقم (٤٧) من كتاب المنافقين (٨)، باب انشقاق القمر. [(٩)] فتح الباري (٨: ٦١٧)، صحيح مسلم (٤: ٢١٥٩)، تحفة الاشراف (١: ٣٣٠) . [(١٠)] مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بن مسعود، وفِيهِ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «اشهدوا» أخرجه البخاري في: ٦٥- كتاب التفسير (١) باب وانشق القمر، ح (٤٨٦٤)، فتح الباري (٨: ٦١٧)، وفي: ٦١- كتاب المناقب (٢٧) باب سؤال المشركين ان يريهم النبي ﵌ آيَةً، فَأَرَاهُمُ انْشِقَاقَ الْقَمَرِ، ح (٣٦٢٦)، الفتح (٦: ٦٣١)، وفي: ٦٣- كتاب مناقب الأنصار (٢٦) باب انشقاق القمر، ح (٣٨٦٩)، الفتح (٧: ١٨٢) وهذا الحديث الأخير هو الذي قال فيه البخاري: «قال ابو الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ: «انْشَقَّ بمكة» .
[ ٢ / ٢٦٤ ]
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ، وَعَمْرٍو النَّاقِدِ كُلُّهُمْ عَنْ سُفْيَانَ [(١١)] .
قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي حَدِيثِ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ [(١٢)] عَبْدِ اللهِ: انْشَقَّ الْقَمَرُ بِمَكَّةَ. تَابَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ.
يُرِيدُ مَا أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو زَكَرِيَّا الْعَنْبَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، ومُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: «رَأَيْتُ الْقَمَرَ مُنْشَقًّا شِقَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ بِمَكَّةَ قَبْلَ مَخْرَجِ النَّبِيِّ ﵌ شِقَّةً عَلَى أَبِي قُبَيْسٍ وَشِقَّةً عَلَى السُّوَيْدَاءَ فَقَالُوا سُحِرَ الْقَمَرُ فَنَزَلَتِ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ يَقُولُ كَمَا رَأَيْتُمُ الْقَمَرَ مُنْشَقًّا فَإِنَّ الَّذِي أَخْبَرْتُكُمْ عَنِ اقْتِرَابِ السَّاعَةِ حَقٌّ [(١٣)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ الْحَسَنُ بْنُ يَعْقُوبَ الْعَدْلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا السّريُّ بْنُ خُزَيْمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: «انْفَلَقَ الْقَمَرُ ونَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﵌ فَصَارَتْ فِلْقَةٌ مِنْ وَرَاءِ الْجَبَلِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌ اشْهَدُوا» .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي الصحيح عن عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ [(١٤)] .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْمُثَنَّى وَالْعَبَّاسُ بْنُ الْفَضْلِ قَالَا: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى عن شعبة
_________________
(١) [(١١)] صحيح مسلم (٤: ٢١٥٨)، وقد تقدم. [(١٢)] في (هـ): «عن مسروق وعبد الله» . [(١٣)] البداية والنهاية (٣: ١٢١) . [(١٤)] تقدم في الأحاديث السابقة.
[ ٢ / ٢٦٥ ]
وَسُفْيَانُ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: «انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﵌ فِرْقَتَيْنِ فِلْقَةً فَوْقَ الْجَبَلِ وَفِلْقَةً دُونَهُ، فَقَالَ:
رَسُولُ اللهِ ﵌ اشْهَدُوا» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ مُسَدَّدٍ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ أَوْجُهٍ أُخَرَ عَنْ شُعْبَةَ [(١٥)] .
أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ فُورَكٍ﵀-[(١٦)] قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنِ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﵌، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ هَذَا سِحْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ، قَالَ: فَقَالُوا، انْتَظَرُوا مَا يَأْتِيكُمْ بِهِ السُّفَّارُ فَإِنَّ مُحَمَّدًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْحَرَ النَّاسَ كُلَّهُمْ، قَالَ، فَجَاءَ السُّفَّارُ فَقَالُوا ذَلِكَ [(١٧)]» .
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُسْلِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ مغيرة، عن أبي الضحى عن مسروق، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: «انْشَقَّ الْقَمَرُ بِمَكَّةَ فَقَالَتْ قُرَيْشٌ هَذَا سِحْرٌ سَحَرَكُمْ بِهِ ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ» .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ عَنْ أَبِي الضحى عن مسروق عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ:
«انْشَقَّ الْقَمَرُ بِمَكَّةَ حَتَّى صَارَ فِرْقَتَيْنٍ، فَقَالَ كُفَّارُ أَهْلِ مَكَّةَ هَذَا سِحْرٌ يَسْحَرَكُمْ بِهِ ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ، انْظُرُوا السُّفَّارَ فَإِنْ كَانُوا رَأَوْا مَا رَأَيْتُمْ فَقَدْ صَدَقَ وَإِنْ كَانُوا لَمْ
_________________
(١) [(١٥)] البخاري عن مسدد. فتح الباري (٨: ٦١٧)، ومسلم من طريق فيها شعبة في الصحيح (٤: ٢١٥٩)، الأحاديث رقم (٤٥، ٤٦، ٤٧)، من كتاب صفات المنافقين. [(١٦)] من (ح)، وليست في النسخ الأخرى. [(١٧)] دلائل النبوة لأبي نعيم (٢٣٤) ونقله الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٣: ١٢١) عنهما.
[ ٢ / ٢٦٦ ]
يَرَوْا مَا رَأَيْتُمْ فَهُوَ سِحْرٌ سَحَرَكُمْ بِهِ. قَالَ فَسُئِلَ السُّفَّارُ، قَالَ: وَقَدِمُوا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَقَالُوا رَأَيْنَا» . اسْتَشْهَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ [(١٨)] فِي أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِمَكَّةَ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، وَأَبُو طَاهِرٍ الْفَقِيهُ، وَأَبُو زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمُزَكِّي، وَأَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي عَمْرٍو، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، قَالَ: حدّثنا إسحاق ابن بَكْرِ [(١٩)] بْنِ مُضَرَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ الْقَمَرَ انْشَقَّ عَلَى زَمَانِ رَسُولِ اللهِ ﵌» .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ صَالِحٍ عَنْ بَكْرِ بْنِ مُضَرَ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ مُوسَى بْنِ قُرَيْشٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ بَكْرِ [(٢٠)] بْنِ مُضَرَ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الله الْحَافِظُ، وأَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، قَالَا:
حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ فِي قَوْلِهِ ﷿: «اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ قَالَ وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﵌ انْشَقَّ فِلْقَتَيْنِ فِلْقَةً مِنْ دُونِ الْجَبَلِ وَفِلْقَةً مِنْ خَلْفِ الْجَبَلِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌ اللهُمَّ اشْهَدْ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ مِنْ أَوْجُهٍ عَنْ شُعْبَةَ [(٢١)] .
_________________
(١) [(١٨)] فتح الباري (٧: ١٨٢) . [(١٩)] في (ح) و(هـ): «بكير» . [(٢٠)] أخرجه البخاري في: ٦٥- كتاب التفسير تفسير سورة القمر (١) باب وانشقّ القمر، حديث رقم (٤٨٦٦) عَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ، عن بكر، عن جعفر، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابْنِ عباس، فتح الباري (٨: ٦١٧)، وأخرجه مسلم في: ٥٠- كتاب المنافقين، (٨) باب انشقاق القمر، حديث (٤٨)، ص (٤: ٢١٥٩) . [(٢١)] صحيح مسلم (٤: ٢١٥٩) باب انشقاق القمر، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مُعَاذٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ.
[ ٢ / ٢٦٧ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي عَمْرٍو، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الصَّفَّارُ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبِرْتِيُّ الْقَاضِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ قَالَ: فِي قَوْلِهِ ﷿ «وَانْشَقَّ الْقَمَرُ. قَالَ انْشَقَّ الْقَمَرُ وَنَحْنُ بِمَكَّةَ» [(٢٢)] .
وأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ أَحْمَدُ بْنُ يَعْقُوبَ الثَّقَفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الْحُلْوَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْوَاسِطِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: وَأَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، فِي قَوْلِهِ ﷿ «اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ، قَالَ: انْشَقَّ الْقَمَرُ وَنَحْنُ بِمَكَّةَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﵌» [(٢٣)] .
أَقَامَ إِسْنَادَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ وَهُشَيْمٌ، وَأَبُو كُرَيْبٍ وَالْمُفَضَّلُ بْنُ يُونُسَ، عَنْ حُصَيْنٍ.
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِئُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﵌ حَتَّى صَارَ فِرْقَتَيْنِ عَلَى هَذَا الْجَبَلِ وَعَلَى هَذَا الْجَبَلِ. فَقَالَ النَّاسُ سَحَرَنَا مُحَمَّدٌ فَقَالَ رَجُلٌ: إِنْ كَانَ سَحَرَكُمْ فَلَمْ يَسْحَرِ النَّاسَ كلهم» [(٢٤)] .
_________________
(١) [(٢٢)] نقله الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٣: ١١٩)، وقال: وأما جبير بن مطعم فقال الامام أَحْمَدُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ عَنْ حُصَيْنَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ [عَنْ أَبِيهِ] . قَالَ انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﵌ فصار فرقتين. فرقة على هذا الجبل، وفرقة على هذا الجبل، فقالوا سحرنا محمد، فقالوا إن كان سحرنا فإنه لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْحَرَ الناس كلهم. تفرد به أحمد. وهكذا رواه ابن جرير مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ فضيل وغيره عن حصين به. وقد رواه البيهقي من طريق إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ وَهُشَيْمٌ كلاهما عَنْ حُصَيْنَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ به، فزاد رجلا في الاسناد. [(٢٣)] راجع الحاشية السابقة. [(٢٤)] راجع الحاشية (٢٢) من هذا الباب.
[ ٢ / ٢٦٨ ]
بَابُ ذِكْرِ أَسْوِلَتِهِمْ رَسُولَ اللهِ ﵌ بِمَكَّةَ
حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ قُتَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «قَالَتْ قُرَيْشٌ لِلْيَهُودِ أَعْطُونَا شَيْئًا نَسْأَلُ عَنْهُ هَذَا الرَّجُلَ فَقَالُوا: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ فنزلت يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [(١)] .
قَالُوا: نَحْنُ لَمْ نُؤتَ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا وَقَدْ أُوتِينَا التَّوْرَاةَ فِيهَا حُكْمُ [(٢)] اللهِ وَمَنْ أُوتِيَ التَّوْرَاةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا؟ قَالَ: فَنَزَلَتْ قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَدًا» [(٣)] .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بن بكير عن ابن
_________________
(١) [(١)] الآية الكريمة (٨٥) من سورة الإسراء. [(٢)] في (م) و(ص) و(هـ): «حكم» . [(٣)] الآية الكريمة (١٠٩) من سورة الكهف. والحديث أخرجه الترمذي في: ٤٨- كتاب التفسير، تفسير سورة الإسراء، حديث (٣١٤٠)، ص (٥: ٣٠٤)، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه.
[ ٢ / ٢٦٩ ]
إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ بَعَثُوا النَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ، وَعُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ إِلَى أَحْبَارِ الْيَهُودِ بِالْمَدِينَةِ وَقَالُوا لَهُمْ: سَلُوهُمْ عَنْ مُحَمَّدٍ وَصِفُوا لَهُمْ صِفَتَهُ وَأَخْبِرُوهُمْ بِقَوْلِهِ فَإِنَّهُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ الْأَوَّلِ وَعِنْدَهُمْ عِلْمُ مَا لَيْسَ عِنْدَنَا مِنْ عِلْمِ الْأَنْبِيَاءِ [(٤)] فَخَرَجَا حَتَّى قَدِمَا الْمَدِينَةَ فَسَأَلُوا أَحْبَارَ الْيَهُودِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﵌، وَوَصَفُوا لَهُمْ أَمَرَهُ بِبَعْضِ قَوْلِهِ فَقَالَتْ لَهُمْ أَحْبَارُ يَهُودَ: سَلُوهُ عَنْ ثَلَاثٍ نَأْمُرُكُمْ بِهِنَّ فَإِنْ أَخْبَرَكُمْ بِهِنَّ فَهُوَ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَالرَّجُلُ مُتَقَوِّلٌ فَرَوْا فِيهِ رَأْيَكُمْ، سَلُوهُ عَنْ فِتْيَةٍ ذَهَبُوا فِي الدَّهْرِ الْأَوَّلِ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ فَإِنَّهُ كَانَ لَهُمْ حَدِيثٌ عَجِيبٌ [(٥)]، وَسَلُوهُ عَنْ رَجُلٍ طَوَّافٍ قَدْ بَلَغَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، وَمَا كَانَ نبأه، وَسَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ مَا هُوَ.
فَأَقْبَلَ النَّضْرُ وَعُقْبَةُ حَتَّى قَدِمَا مَكَّةَ عَلَى قُرَيْشٍ، فَقَالَا: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ قَدْ جِئْنَاكُمْ بِفَصْلِ مَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ، قَدْ أَمَرَنَا أَحْبَارُ يَهُودَ أَنْ نَسْأَلَهُ عَنْ أُمُورٍ، فَأَخْبَرُوهُمْ بِهَا فَجَاءُوا رَسُولَ اللهِ ﵌، فَقَالُوا يَا مُحَمَّدُ! أَخْبِرْنَا. فَسَأَلُوهُ عَمَّا أَمَرُوهُمْ بِهِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﵌: أُخْبِرُكُمْ بِمَا سَأَلْتُمْ عَنْهُ غَدًا، وَلَمْ يَسْتَثْنِ، فَانْصَرَفُوا عَنْهُ. فَمَكَثَ رَسُولُ اللهِ ﵌ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً لَا يُحْدِثُ اللهُ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ وَحْيًا وَلَمْ يَأْتِهِ جِبْرِيلُ حَتَّى أَرْجَفَ أَهْلُ مَكَّةَ وَقَالُوا وَعَدَنَا مُحَمَّدٌ غَدًا وَالْيَوْمُ خَمْسَ عَشْرَةَ قَدْ أَصْبَحْنَا فِيهَا لَا يُخْبِرُنَا بِشَيْءٍ مِمَّا سَأَلْنَاهُ عَنْهُ، حَتَّى أَحْزَنَ رَسُولَ اللهِ ﵌ مُكْثُ الْوَحْيِ عَنْهُ وَشَقَّ عَلَيْهِ مَا يَتَكَلَّمُ بِهِ أَهْلُ مَكَّةَ، ثُمَّ جَاءَهُ جِبْرِيلُ﵇- مِنَ اللهِ ﷿ بِسُورَةِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ فِيهَا مُعَاتَبَتُهُ إِيَّاهُ عَلَى حُزْنِهِ وَخَبَرُ مَا سَأَلُوهُ عَنْهُ مِنْ أَمْرِ الْفِتْيَةِ وَالرَّجُلِ الطَّوَّافِ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى:
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [(٦)]
_________________
(١) [(٤)] في (م) و(ص): «الأشياء» . [(٥)] في (م) و(ص): «عجب» . [(٦)] [٨٥- الإسراء] .
[ ٢ / ٢٧٠ ]
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَبَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ افْتَتَحَ السُّورَةَ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ [(٧)] يَعْنِي مُحَمَّدًا أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ نَبِيٌّ تَحْقِيقًا لِمَا سَأَلُوهُ مِنْ نُّبُوَّتِهِ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا قَيِّمًا [(٨)] أَيْ مُعْتَدِلًا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ [(٩)] قَالَ عَاجِلُ عُقُوبَةٍ فِي الدُّنْيَا وَعَذَابٌ فِي الْآخِرَةِ أَيْ مِنْ عِنْدِ رَبِّكَ الَّذِي بَعَثَكَ رَسُولًا. قُلْتُ: كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُمْ سَأَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ أَيْضًا» [(١٠)] .
وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ [(١١)] يَدُلُّ عَلَى أَنَّ سُؤَالَ الْيَهُودِ عَنِ الرُّوحِ وَنُزُولِ الْآيَةِ فِيهِ كَانَ بِالْمَدِينَةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَنْبَرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ إِيَاسٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «سَأَلَ أَهْلُ مَكَّةَ رَسُولَ اللهِ ﵌ أَنْ يَجْعَلَ لَهُمُ الصَّفَا ذَهَبًا وَأَنْ تُنَحَّى عَنْهُمُ الْجِبَالَ فَيَزْرَعُوا فِيهَا فَقَالَ اللهُ ﷿: إِنَّ شِئْتَ آتَيْنَاهُمْ مَا سَأَلُوا، فَإِنْ كَفَرُوا أُهْلِكُوا كَمَا أُهْلِكَ مَنْ قَبْلَهُمْ وَإِنْ شِئْتَ أَنْ أَسْتَأْنِيَ بهم لعلنا
_________________
(١) [(٧، ٨، ٩)]: [١- ٢ سورة الكهف] . [(١٠)] السيرة لابن هشام (١: ٣٢١- ٣٢٣) . [(١١)] حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مسعود في البخاري، في ٩٦- كتاب الاعتصام بالسنة (٣) باب ما يكره من كثرة السؤال. ح (٧٢٩٧)، الفتح (١٣: ٢٦٥)، وفي صحيح مسلم في: ٥٠- كتاب صفات المنافقين (٤) باب سؤال اليهود النبي ﵌ عن الروح حديث (٣٢)، ص (٢١٥٢) ونصه كما يلي: حدثنا عمر ابن حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا الأعمش قال: حدّثني إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: بَيْنَمَا انا أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ ﵌ في حرث، وهو متّكئ على عسيب، إذ مرّ بنفر من اليهود، فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح. فقالوا ما رابكم اليه؟ لا يستقبلكم بشيء تكرهونه. فقالوا سلوه. فقام اليه بعضهم فسأله عن الرّوح. قال: فأسكت النبي ﵌ فلم يردّ عليه شيئا. فعلمت أنّه يوحى اليه. قال: فقمت مكاني: فلمّا نزل الوحي قال: ويَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ، قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إلّا قليلا [١٧: الإسراء: ٨٥] .
[ ٢ / ٢٧١ ]
نَسْتَحْيِي مِنْهُمْ، وَأَنْزَلَ اللهُ ﷿ وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً [(١٢)] الْآيَةَ.
وأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَتَّابٍ الْعَبْدِيُّ بِبَغْدَادَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «قِيلَ لِرَسُولِ اللهِ ﵌ إِنْ أَصْبَحَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةُ لَنَا ذَهَبًا آمَنَّا بِكَ وَصَدَّقْنَاكَ. قَالَ: فَأَوْحَى اللهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ إِلَيْهِ:
إِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ يُصْبِحَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةُ ذَهَبًا فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ عَذَّبْتُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ وَإِنْ شِئْتَ أَنْ أَفْتَحَ لَهُمْ بَابَ التَّوْبَةِ وَالرَّحْمَةِ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌ لَا بَلْ تَفْتَحُ لَهُمْ بَابَ التَّوْبَةِ وَالرَّحْمَةِ» [(١٣)] .
قَالَ: وَأَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَتَّابِ فِي عَقِبِهِ بِهِ قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ شَاكِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ مُوسَى أَبُو عُقْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ عِمْرَانَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﵌ بِمِثْلِهِ أَوْ نَحْوِهِ. وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْعَلَوِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ السُّلَمِيُّ الْوَزِيرُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سُلَيْمَانَ الْمِصْرِيُّ، قال: حدّثنا هارون ابن سَعِيدِ بْنِ الْهَيْثَمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُؤَمَّلُ [(١٤)] بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «قَالَتْ قُرَيْشٌ لِلنَّبِيِّ ﵌ لَا نُؤْمِنُ لَكَ حَتَّى تُحَوِّلَ لَنَا الصَّفَا ذَهَبًا فَإِنْ تَحَوَّلَ لَنَا الصَّفَا ذَهَبًا آمَنَّا بِكَ. فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ رَبَّكَ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ وَيَقُولُ إن شئت يصبح
_________________
(١) [(١٢)] الآية الكريمة (٥٩) من سورة الإسراء، والحديث أخرجه النسائي في التفسير، في السنن الكبرى. تحفة الاشراف (٤: ٤٠٢) . [(١٣)] انظر الحاشية السابقة. [(١٤)] في (م) و(ص) و(هـ): «أبو بكر» .
[ ٢ / ٢٧٢ ]
لَهُمُ الصَّفَا ذَهَبًا فَإِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا أَنْزَلْتُ عَلَيْهِمُ الْعَذَابَ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ نُزُولِ الْآيَةِ مُنَاظَرَةٌ [(١٥)] وَإِنْ شِئْتَ فَتَحْتُ لَهُمْ بَابَ التَّوْبَةِ وَالرَّحْمَةِ فَقَالَ لَا بَلِ افْتَحْ لَهُمْ بَابَ التَّوْبَةِ والرَّحْمَةُ» [(١٦)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنْ عِيسَى بْنِ عَبْدِ اللهِ التَّمِيمِيِّ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسِ الْبَكْرِيِّ، قَالَ: «قَالَ النَّاسُ لِرَسُولِ اللهِ ﵌ لَوْ جِئْتَنَا بِآيَةٍ كَمَا جَاءَ بِهَا صَالِحٌ وَالنَّبِيُّونَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌ إِنْ شِئْتُمْ دَعَوْتُ اللهَ فَأَنْزَلَهَا عَلَيْكُمْ فَإِنْ عَصَيْتُمْ هَلَكْتُمْ يَقُولُ يُنْزَلُ الْعَذَابُ فَقَالُوا لَا نُرِيدُهَا» .
_________________
(١) [(١٥)] هكذا في (ح)، وفي بقية النسخ: «منّا غيره» . [(١٦)] انظر الحاشية (١٢) من هذا الباب.
[ ٢ / ٢٧٣ ]
بَابُ ذِكْرِ مَا لَقِيَ رَسُولُ اللهِ ﵌ وَأَصْحَابِهِ ﵃ مِنْ أَذَى الْمُشْرِكِينَ حَتَّى أَخْرَجُوهُمْ [(١)] إِلَى الْهِجْرَةِ وَمَا ظَهَرَ مِنَ الْآيَاتِ بِدُعَائِهِ عَلَى سَبْعَةٍ مِنْهُمْ ثُمَّ بِوَعْدِهِ أُمَّتَهُ خِلَالَ ذَلِكَ مَا يَفْتَحُ اللهُ ﷿ عَلَيْهِمْ وَأَنَّهُ يُتَمِّمُ هَذَا الْأَمْرَ لَهُمْ ثُمَّ كَانَ كَمَا قَالَ، وَمَا رُوِيَ فِي شَأْنِ الزِّنِّيرَةِ
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، وأَبُو عَبْدِ اللهِ إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ السُّوسِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ الْقَاضِي، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ مَزْيَدَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، قَالَ: سَمِعْتُ الْأَوْزَاعِيَّ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إبراهيم ابن الْحَارِثِ التَّيْمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، قال: سَأَلْتُ عَبْدَ اللهِ بْنِ عمرو ابن الْعَاصِ، قَالَ: قُلْتُ «حَدِّثْنِي بِأَشَدِّ شَيْءٍ صَنَعَهُ الْمُشْرِكُونَ بِرَسُولِ اللهِ ﵌ قَالَ: أَقْبَلَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ وَرَسُولُ الله ﵌ يُصَلِّي عِنْدَ الْكَعْبَةِ فَلَوَى ثَوْبَهُ فِي عُنُقِهِ فَخَنَقَهُ خَنْقًا شَدِيدًا، فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ. [﵁] [(٢)] فَأَخَذَ بِمَنْكِبَيْهِ فَدَفَعَهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﵌ ثُمَّ قَالَ: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ من ربكم» [(٣)] .
_________________
(١) [(١)] في (ح) «حتى أحوجهم» . [(٢)] الزيادة من (ح) . [(٣)] الآية الكريمة (٢٨) من سورة المؤمن.
[ ٢ / ٢٧٤ ]
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ [(٤)] عَنْ عَبَّاسِ بْنِ الْوَلِيدِ وَغَيْرِهِ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، ثُمَّ تَابَعَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ [(٥)]، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ [بْنِ الزُّبَيْرِ] [(٦)]، قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو.
أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، ومُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ الْفَضْلِ، قَالَا:
حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ:
حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عن ابن إسحق، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ عُرْوَةَ، قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: «مَا أَكْثَرُ مَا رَأَيْتَ قُرَيْشًا أَصَابَتْ [(٧)] رَسُولَ اللهِ ﵌ فِيمَا كَانَتْ [(٨)] تُظْهِرُهُ مِنْ عَدَاوَتِهِ؟ فَقَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُهُمْ وَقَدِ اجْتَمَعَ أَشْرَافُهُمْ يَوْمًا فِي الْحِجْرِ، فَذَكَرُوا رَسُولَ الله ﵌، وَقَالُوا: مَا رَأَيْنَا مِثْلَ مَا صَبَرْنَا عَلَيْهِ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ قَطُّ: سَفَّهَ أَحْلَامَنَا، وَشَتَمَ آبَاءَنَا، وَعَابَ دِينَنَا وَفَرَّقَ جَمَاعَتَنَا وَسَبَّ آلِهَتَنَا، وَصَبَرْنَا مِنْهُ [(٩)] عَلَى أَمْرٍ عَظِيمٍ أَوْ كَمَا قَالُوا، فبيناهم فِي ذَلِكَ طَلَعَ [(١٠)] رَسُولُ اللهِ ﵌ فَأَقْبَلَ يَمْشِي حَتَّى اسْتَلَمَ الرُّكْنَ، ثُمَّ مَرَّ بِهِمْ طَائِفًا بِالْبَيْتِ غَمَزُوهُ [(١١)] بِبَعْضِ الْقَوْلِ، فَعَرَفْتُ ذَلِكَ فِي وَجْهِ رَسُولِ اللهِ ﵌، فَمَضَى فَلَمَّا مَرَّ بِهِمُ الثَّانِيَةَ غَمَزُوهُ بِمِثْلِهَا فَعَرَفْتُهَا فِي وَجْهِهِ، فَمَضَى ثُمَّ مَرَّ الثَّالِثَةَ
_________________
(١) [(٤)] الحديث أخرجه البخاري فِي: ٦٢- كِتَابِ فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ (٥) بَابُ قَوْلَ النَّبِيِّ ﵌: «لو كنت متخذا خليلا»، حديث (٣٦٧٨)، فتح الباري (٧: ٢٢)، واعاده في: ٦٣- كتاب مناقب الأنصار، (٢٩) باب ما لقي النبي ﵌ وأصحابه من المشركين بمكة، حديث (٣٨٥٦)، فتح الباري (٧: ١٦٥)، وفي: ٦٥- كتاب التفسير، ٤٠، تفسير سورة المؤمن، حديث (٤٨١٥)، فتح الباري (٨: ٥٥٣) . [(٥)] سيرة ابن هشام (١: ٣١١) . [(٦)] الزيادة من سيرة ابن هشام. [(٧)] في سيرة ابن هشام «أصابوا» . [(٨)] في سيرة ابن هشام «فيما كانوا» . [(٩)] في سيرة ابن هشام: «ولقد صبرنا منه» . [(١٠)] في سيرة ابن هشام: «إذ طلع» . [(١١)] (غمزوه): أي طعنوا فيه بالقول.
[ ٢ / ٢٧٥ ]
فَغَمَزُوهُ بِمِثْلِهَا فَوَقَفَ ثُمَّ
قَالَ: «أَتَسْمَعُونَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ: أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِالذَّبْحِ» فَأَخَذَتِ الْقَوْمَ كَلِمَتُهُ حَتَّى مَا مِنْهُمْ مِنْ رَجُلٍ إِلَّا وَكَأَنَّمَا عَلَى رَأْسِهِ طَائِرٌ وَاقِعٌ، حَتَّى إِنَّ أَشَدَّهُمْ فِيهِ وَصَاةً [(١٢)] قَبْلَ ذَلِكَ لَيَرْفَؤُهُ [(١٣)] أَحْسَنَ مَا يَجِدُ مِنَ الْقَوْلِ حَتَّى إِنَّهُ لَيَقُولُ: انْصَرِفْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ رَاشِدًا فَمَا أَنْتَ بِجَهُولٍ.
فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﵌ حَتَّى إِذَا كَانَ الْغَدُ اجْتَمَعُوا فِي الْحِجْرِ وَأَنَا مَعَهُمْ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ. ذَكَرْتُمْ مَا بَلَغَ مِنْكُمْ وَمَا بَلَغَكُمْ عَنْهُ حَتَّى إِذَا بَادَأَكُمْ بِمَا تَكْرَهُونَ تركتموه، فبيناهم عَلَى ذَلِكَ طَلَعَ رَسُولُ اللهِ ﵌ فَوَثَبُوا إِلَيْهِ وَثْبَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ فَأَحَاطُوا بِهِ يَقُولُونَ أَنْتَ [(١٤)] الَّذِي تَقُولُ كَذَا وَكَذَا لِمَا كَانَ يَبْلُغُهُمْ عَنْهُ مِنْ عَيْبِ آلِهَتِهِمْ وَدِينِهِمْ، فَيَقُولُ رَسُولُ الله ﵌: نَعَمْ أَنَا الَّذِي أَقُولُ ذَلِكَ، فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا مِنْهُمْ أَخَذَ بِمَجَامِعِ رِدَائِهِ
وَقَامَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقِ [﵁] [(١٥)] يَبْكِي دُونَهُ وَيَقُولُ: وَيْلَكُمْ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ: رَبِّيَ اللهُ، ثُمَّ انْصَرَفُوا عَنْهُ وَإِنَّ ذَلِكَ لَأَكْثَرُ مَا رَأَيْتُ قُرَيْشًا بَلَغَتْ مِنْهُ قَطُّ.
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ: أَنَّهُ ﵌ أَوْعَدَهُمْ بِالذَّبْحِ وَهُوَ الْقَتْلُ فِي مِثْلِ تِلْكَ الْحَالِ ثُمَّ صَدَقَ اللهُ تَعَالَى قَوْلَهَ بَعْدَ ذَلِكَ بِزَمَانٍ فَقَطَعَ دَابِرَهُمْ، وَكَفَى الْمُسْلِمِينَ شَرَّهَمْ» .
قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَقَالَ عَبْدَةُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قيل لعمرو ابن الْعَاصِ. قُلْتُ وَكَذَلِكَ قَالَهُ سليمان بن بلال عن هشام.
_________________
(١) [(١٢)] (الوصاة): الوصية، يعني الذين كانوا يحرصون عليه ويوصون بإيذائه. [(١٣)] (يرفؤه): يهدئه، ويسكنه. [(١٤)] في (م): «أأنت» . [(١٥)] الزيادة من (ح)، ومن سيرة ابن هِشَامٍ.
[ ٢ / ٢٧٦ ]
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي ومُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ الْفَضْلِ، قَالَا:
حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدِ الْقَطَوَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: «مَا تُنُوِّلَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﵌ شَيْءٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ أَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ ضُحًى، فَلَقُوهُ حِينَ فَرِغَ فَأَخَذُوا بِمَجَامِعِ رِدَائِهِ وَقَالُوا: أَنْتَ الَّذِي تَنْهَانَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا. فَقَالَ: أَنَا ذَاكَ فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ [﵁] [(١٦)] فَالْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ ثُمَّ قَالَ: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ [(١٧)] رَافِعًا صَوْتَهُ بِذَلِكَ وَعَيْنَاهُ تَسِيحَانِ [(١٨)] حَتَّى أَرْسَلُوهُ [(١٩)] .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو.
أَخْبَرَنَا أَبُو عبد الله الْحَافِظُ، وَأَبُو زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمُزَكِّي، قَالَا:
حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَنْبَرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ. قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَضَّاحُ بْنُ يَحْيَى النَّهْشَلِيُّ الْكُوفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ فَاطِمَةَ، قَالَتِ: «اجْتَمَعَتْ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ فِي الْحِجْرِ فَقَالُوا إِذَا مَرَّ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِمْ ضَرَبَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا ضَرْبَةً فَسَمِعَتْهُ، فَدَخَلَتْ عَلَى أَبِيهَا فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّةُ اسْكُتِي، ثُمَّ خَرَجَ فَدَخَلَ عليهم المسجد فرفعوا رؤوسهم ثُمَّ نَكَّسُوا فَأَخَذَ قَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ فَرَمَى بِهَا نَحْوَهُمْ ثُمَّ قَالَ: شَاهَتِ
_________________
(١) [(١٦)] الزيادة من (ح) . [(١٧)] [٢٨- سورة المؤمن] . [(١٨)] هكذا في (ح)، وفي بقية النسخ: «تسفحان» . [(١٩)] ابو يعلى، والطبراني، عن عروة.
[ ٢ / ٢٧٧ ]
الْوجُوهُ، فَمَا أَصَابَ رَجُلًا مِنْهُمْ إِلَّا قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ كَافِرًا» [(٢٠)]
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ فُورَكٍ ﵀، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَحْمَدَ الْأَصْبَهَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ مَيْمُونٍ يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: «بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ ﵌ سَاجِدٌ وَحَوْلَهُ نَاسٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَثَمَّ سَلَا بَعِيرٍ فَقَالُوا مَنْ يَأْخُذُ سَلَا هَذَا الْجَزُورِ أَوِ الْبَعِيرِ فَيَقْذِفُهُ عَلَى ظَهْرِهِ فَجَاءَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ فَقَذَفَهُ عَلَى ظَهْرِ النبي ﵌، [فَلَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ حَتَّى جَاءَتْ] [(٢١)] فَاطِمَةُ فَأَخَذَتْهُ مِنْ ظَهْرِهِ وَدَعَتْ عَلَى مَنْ صَنَعَ ذَلِكَ- قَالَ عَبْدُ اللهِ:
فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ دَعَا عَلَيْهِمْ إِلَّا يَوْمَئِذٍ فَقَالَ: اللهُمَّ عَلَيْكَ الْمَلَأَ مِنْ قُرَيْشٍ، اللهُمَّ عَلَيْكَ أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وعقبة بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، أَوْ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ، شَكَّ شُعْبَةُ، قَالَ: عَبْدُ اللهِ: فَقَدْ رَأَيْتُهُمْ قُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ وَأُلْقُوا فِي الْقَلِيبِ، أَوْ قَالَ فِي بِئْرٍ غَيْرَ أَنَّ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ، أَوْ أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ كَانَ رَجُلًا بَادِنًا فَتَقَطَّعَ قَبْلَ أَنْ يُبْلَغَ بِهِ الْبِئْرَ» .
أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ [(٢٢)] مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ بْنِ الْحَجَّاجِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ جَنَاحُ بْنُ نَذِيرِ بْنِ جَنَاحٍ الْقَاضِي بِالْكُوفَةِ، قال: حدثنا أبو
_________________
(١) [(٢٠)] ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٨: ٢٢٨)، وقال: «رواه احمد بإسنادين، ورجال أحدهما رجال الصحيح. [(٢١)] الزيادة من صحيح البخاري. [(٢٢)] من حديث شعبة الذي رواه المصنف أخرجه البخاري في: ٥٨- كتاب الجزية والموادعة (٢١) باب طرح جيف المشركين في البئر، حديث (٣١٨٥)، فتح الباري (٦: ٢٨٢- ٢٨٣) . كما أخرجه البخاري بالإسناد نفسه في: ٤- كتاب الوضوء (٦٩) باب إذا ألقي على ظهر المصلي قذر او جيفة لم تفسد عليه صلاته، الحديث (٢٤٠)، فتح الباري (١: ٣٤٩) . والحديث أخرجه مسلم في: ٣٢- كتاب الجهاد والسير (٣٩) باب ما لقي النبي ﵌ من أذى المشركين والمنافقين، حديث (١٠٨)، ص (٣: ١٤١٩) .
[ ٢ / ٢٧٨ ]
جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دُحَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمِ بْنِ أَبِي غَرَزَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ الْعُمَرِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّوْرِيُّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﵌ يُصَلِّي فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَنَاسٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَقَدْ نُحِرَتْ جَزُورٌ [(٢٣)] فِي نَاحِيَةِ مَكَّةَ، فَبَعَثُوا فَجَاءُوا مِنْ سَلَاهَا [(٢٤)] فَطَرَحُوهُ بَيْنَ كَتِفَيِ النَّبِيِّ ﵌، قَالَ فَجَاءَتْ فَاطِمَةُ فَطَرَحَتْهُ عَنْهُ، قَالَ فَلَمَّا انْصَرَفَ وَكَانَ يَسْتَحِثُّ [(٢٥)] ثَلَاثًا قَالَ اللهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ ثَلَاثًا بِأَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ، وَبِعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَبِشَيبَةَ [بْنِ رَبِيعَةَ] [(٢٦)] وَبِالْوَلِيدِ ابن عُتْبَةَ، وَبِأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَبِعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، قَالَ عَبْدُ اللهِ: ثُمَّ لَقَدْ رَأَيْتُهُمْ فِي قَلِيبِ بَدْرٍ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: وَنَسِيتُ السَّابِعَ» .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ومُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَوْنٍ [(٢٧)]
. وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي، أَبُو الْوَلِيدِ حَسَّانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْفَقِيهُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْحَاسِبُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَبَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ زَكَرِيَّا، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الْأَوْدِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: «بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ ﵌ يُصَلِّي عِنْدَ الْبَيْتِ وَأَبُو جَهْلٍ وَأَصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ وَقَدْ نُحِرَتْ جَزُورٌ بِالْأَمْسِ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: أَيُّكُمْ يَقُومُ إِلَى سَلَا
_________________
(١) [(٢٣)] (جزور) أي ناقة. [(٢٤)] (سلا): هو اللفافة التي يكون فيها الولد في بطن الناقة وسائر الحيوان، وهي من الآدمية: المشيمة [(٢٥)] يستحث: يلح في الدعاء، وفي نسخ الأصل: «تسبيحه» . [(٢٦)] الزيادة من (ح) . [(٢٧)] الحديث بهذا الاسناد عَنِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَوْنٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي إسحق أخرجه البخاري في: ٥٦- كتاب الجهاد، (٩٨) باب الدعاء على المشركين بالهزيمة والزلزلة، حديث (٢٩٣٤)، فتح الباري (٦: ١٠٦)، وأخرجه مسلم في: ٣٢- كتاب الجهاد والسير، حديث (١٠٩)، ص (١٤١٩) .
[ ٢ / ٢٧٩ ]
جَزُورٍ [(٢٨)] فَيَأْخُذُهُ فَيَضَعُهُ عَلَى كَتِفَيْ مُحَمَّدٍ إِذَا سَجَدَ، فَانْبَعَثَ أَشْقَى الْقَوْمِ [(٢٩)] فَأَخَذَهُ فَلَمَّا سَجَدَ النَّبِيُّ ﵌ وَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ. قَالَ: فَاسْتَضْحَكُوا [(٣٠)] وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَمِيلُ إِلَى بَعْضٍ وَأَنَا قَائِمٌ، أَنْظُرُ لَوْ كَانَتْ لِي مَنَعَةٌ طَرَحْتُهُ [(٣١)] عَنْ ظَهْرِ رَسُولِ اللهِ ﵌. وَالنَّبِيُّ ﵌ سَاجِدٌ مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ حَتَّى انْطَلَقَ إِنْسَانٌ فَأَخْبَرَ فَاطِمَةَ فَجَاءَتْ وَهِيَ جُوَيْرِيَةُ [(٣٢)] فَطَرَحَتْ عَنْهُ ثُمَّ أَقْبَلَتْ عَلَيْهِمْ تَسُبُّهُمْ [(٣٣)]، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ﵌ صَلَاتَهُ رَفَعَ صَوْتَهُ، ثُمَّ دَعَا عَلَيْهِمْ- وَكَانَ إِذَا دَعَا دَعَا ثَلَاثًا وَإِذَا سَأَلَ سَأَلَ ثَلَاثًا- ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﵌: «اللهُمَّ! عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ» ثَلَاثُ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا سَمِعُوا صَوْتَهُ ذَهَبَ عَنْهُمُ الضَّحِكَ، وَخَافُوا دَعْوَتَهُ. ثُمَّ قَالَ: اللهُمَّ عَلَيْكَ بِأَبِي جَهْلِ بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وَالْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ وَذَكَرَ السَّابِعَ ولم أحفظه فو الذي بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ! لَقَدْ رَأَيْتُ الَّذِينَ سَمَّى صَرْعَى يَوْمَ بَدْرٍ ثُمَّ سُحِبُوا إِلَى قَلِيبِ بَدْرٍ» .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ [(٣٤)] عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ أَبَانَ.
أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُؤَمَّلِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللهِ النَّصْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ،
_________________
(١) [(٢٨)] في صحيح مسلم: «سلا جزور بني فلان فيأخذه » . [(٢٩)] أي بعثته نفسه الخبيثة من دونهم فأسرع السير، وهو عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، كما جاء في رواية اخرى. [(٣٠)] في (ح): «واستضحكوا» . ومعناها: حملوا أنفسهم على الضحك والسخرية، ثم أخذهم الضحك جدا فجعلوا يضحكون يميل بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنَ كثرة الضحك. [(٣١)] (لَوْ كَانَتْ لِي مَنَعَةٌ): أي لو كان لي قوة تمنع اذاهم، او لو كان لي عشيرة بمكة تمنعني. [(٣٢)] (جويرية): تصغير جارية. بمعنى شابة، يعني إنها إذ ذاك ليست بكبيرة. [(٣٣)] كذا في كل النسخ، وفي الصحيح: «تشتمهم» ومعناه: الإزراء بهم. [(٣٤)] في: ٣٢- كتاب الجهاد والسير (٣٩) باب ما لقي النبي ﵌ من أذى المشركين والمنافقين، حديث (١٠٧)، ص (١٤١٨) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ ابان الجعفي
[ ٢ / ٢٨٠ ]
عَنْ خَبَّابٍ، قَالَ: «كُنْتُ رَجُلًا قَيْنًا وَكَانَ لِي عَلَى الْعَاصِ بْنِ وَائِلِ دَيْنٌ فَأَتَيْتُهُ أَطْلُبُهُ فَقَالَ: وَاللهِ لَا أَقْضِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ، قَالَ: قُلْتُ وَاللهِ لَا أَكْفُرُ بِهِ أَبَدًا حَتَّى تَمُوتَ ثُمَّ تُبْعَثَ، قَالَ: فَإِنِّي إِذَا بُعِثْتُ كَانَ لِي ثَمَّ مَالٌ وَوَلَدٌ [فَتَأْتِينِي] [(٣٥)] فَأَقْضِيكَ فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿ أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا [(٣٦)] .
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحِ مِنْ أَوْجُهٍ أُخَرَ عَنْ الْأَعْمَشِ [(٣٧)] .
حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، إِمْلَاءً قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْبَخْتَرِيِّ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجُعْفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، [عَنْ عَاصِمٍ] [(٣٨)] عَنْ زِرٍّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: «إِنَّ أَوَّلَ مَنْ أَظْهَرَ إِسْلَامَهُ سَبْعَةٌ: رَسُولُ اللهِ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعَمَّارٌ، وَأُمُّهُ سمية، وصهيب، وبلال، والمقداد. فَأَمَّا رَسُولُ اللهِ ﵌ فَمَنَعَهُ اللهُ ﷿ بِعَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ، وَأَمَّا أَبُو بَكْرٍ فَمَنَعَهُ اللهُ بِقَوْمِهِ، وَأَمَّا سَائِرُهُمْ فَأَخَذَهُمُ الْمُشْرِكُونَ فَأَلْبَسُوهُمْ أَدْرَاعَ الْحَدِيدِ وَأَوقَفُوهُمْ فِي الشَّمْسِ فَمَا مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ وَاتَاهُمْ عَلَى مَا أَرَادُوا غَيْرَ بِلَالَ، فَإِنَّهُ هَانَتْ عَلَيْهِ نَفْسَهُ فِي الله، وهان
_________________
(١) [(٣٥)] ليست في (ح) . [(٣٦)] الآية الكريمة (٧٧) من سورة مريم. [(٣٧)] أخرجه البخاري في: ٣٤- كتاب البيوع (٢٩) باب ذكر القين والحداد، حديث (٢٠٩١)، فتح الباري (٤: ٣١٧)، وفي ١٥: كتاب الإجارة (١٥) باب هل يؤاجر الرجل نفسه من مشرك في أرض الحرب، الحديث (٢٢٧٥)، فتح الباري (٤: ٤٥٢)، وفي: ٤٤- كتاب الخصومات (١٠) باب التقاضي، حديث (٢٤٢٥)، فتح الباري (٥: ٧٧)، وفي تفسير سورة مريم، (٣) باب «أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ: لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا» حديث (٤٧٣٢)، الفتح (٨: ٤٢٩)، والأبواب التي تليه. فتح الباري (٨: ٤٣٠- ٤٣١) . وأخرجه مسلم في: ٥٠- كتاب المنافقين، الحديث (٣٦)، والترمذي في التفسير، تفسير سورة مريم. والإمام أحمد في «مسنده» (٥: ١١٠- ١١١) . [(٣٨)] من (ح) فقط، وثابتة في «المستدرك» .
[ ٢ / ٢٨١ ]
عَلَى قَوْمِهِ، فَأَعْطُوهُ الْوِلْدَانَ فَجَعَلُوا يَطُوفُونَ بِهِ فِي شِعَابِ مَكَّةَ وَجَعَلَ يَقُولُ:
أَحَدٌ أَحَدٌ» [(٣٩)] .
وحَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عِصْمَةَ الْعَدْلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا السَّرِيُّ بْنُ خُزَيْمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللهِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ مَرَّ بِعَمَّارِ وَأَهْلِهِ وَهُمْ يُعَذَّبُونَ فَقَالَ أَبْشِرُوا آلَ عَمَّارٍ أَوْ آلَ يَاسِرٍ فَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الْجَنَّةُ [(٤٠)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ بِبَغْدَادَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ السَّمَّاكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَنْبَلُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ الله يزيد بْنُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: «أَوَّلُ شَهِيدٍ كَانَ فِي الْإِسْلَامِ اسْتُشْهِدَ أُمُّ عَمَّارٍ سُمَيَّةُ طَعَنَهَا أَبُو جَهْلٍ بِحَرْبَةٍ فِي قُبُلِهَا [(٤١)]» .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ: «أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَعْتَقَ مِمَّنْ كَانَ يُعَذَّبُ فِي اللهِ سَبْعَةً فذكر منهم
_________________
(١) [(٣٩)] أخرجه الحاكم في «المستدرك» (٣: ٢٨٤)، وقال: «صحيح الإسناد، ولم يخرجاه»، ووافقه الذهبي، وأخرجه ابو نعيم في «حلية الأولياء» (١: ١٤٩)، وابن عبد البر في الاستيعاب. [(٤٠)] أخرجه الحاكم في «المستدرك» (٣: ٣٨٨)، وقال: «صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه»، ووافقه الذهبي، وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٩: ٢٩٣) من طريق الأعمش، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الجعد، عن عثمان، وقال: «رواه الطبراني ورجاله ثقات»، وهو في سيرة ابن هشام (١: ٣٤٢): «صبرا آل ياسر موعدكم الجنة» . [(٤١)] الاستيعاب (٤: ٣٣٠) على هامش الإصابة والإصابة (٤: ٣٣٥) كلاهما في ترجمة سمية أم عمار ابن ياسر.
[ ٢ / ٢٨٢ ]
الزِّنِّيرَةَ [(٤٢)] . قَالَ فَذَهَبَ بَصَرُهَا وَكَانَتْ مِمَّنْ يُعَذَّبُ فِي اللهِ عَلَى الْإِسْلَامِ فَتَأْبَى إِلَّا الْإِسْلَامَ فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: مَا أَصَابَ بَصَرَهَا إِلَّا اللَّاتُ وَالْعُزَّى. فَقَالَتْ:
كَلَّا، وَاللهِ مَا هُوَ كَذَلِكَ فَرَدَّ اللهُ عَلَيْهَا بَصَرَهَا» [(٤٢)] .
أخبرنا أبو عبد الله الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ الْفَقِيهُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَيَانُ بْنُ بِشْرٍ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، قَالَا: سَمِعْنَا قَيْسًا يَقُولُ سَمِعْتُ خَبَّابًا يَقُولُ: «أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ وَقَدْ لَقِينَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ شِدَّةً شَدِيدَةً، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَلَا تَدْعُو اللهَ لَنَا فَقَعَدَ وَهُوَ مُحْمَرٌّ وَجْهُهُ فَقَالَ إِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ لَيُمَشَّطُ أَحَدُهُمْ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ عَظْمِهِ مِنْ لَحْمٍ أَوْ عَصَبٍ مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُوضَعُ الْمِنْشَارُ عَلَى مَفْرِقِ رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَيْنِ [(٤٣)] مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ وَلَيُتِمَّنَّ اللهُ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللهَ ﷿- زَادَ بَيَانٌ: وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ» .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنِ الْحُمَيْدِيِّ [(٤٤)] .
وَأَخْرَجَاهُ مِنْ أَوْجُهٍ أُخَرَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ [(٤٥)] .
_________________
(١) [(٤٢)] زنيرة مولاة أبي بكر الصديق، كانت من السابقات إلى الإسلام، وممن يعذب في الله، وذكر الخبر في ترجمتها ابن عبد البر في الاستيعاب (٤: ٣٢٢) على هامش الإصابة، وابن حجر في الإصابة (٤: ٣١١) . [(٤٣)] في (م) و(ص) و(هـ): «باثنتين» . [(٤٤)] البخاري عن الحميدي في: ٦٣- كتاب مناقب الأنصار، (٢٩) باب ما لقي النبي ﵌ من المشركين بمكة، حديث (٣٨٥٢)، فتح الباري (٧: ١٦٤- ١٦٥) . [(٤٥)] كذا في الأصل، وليس في مسلم، إنما أخرجه البخاري ايضا في الإكراه عن مسدّد، فتح الباري (١٢: ٣١٥)، وفي علامات النبوة في الإسلام، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، عن يحيى، عن إسماعيل، فتح الباري (٦: ٦١٩)، وأبو داود في الجهاد عن عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، عَنْ هشيم، وخالد بْنِ عَبْدِ اللهِ،
[ ٢ / ٢٨٣ ]
أخبرنا أبو عبد الله الْحَافِظُ، وَأَبُو بَكْرٍ الْقَاضِي، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: «مَرَّ النَّبِيُّ ﵌ عَلَى أَبِي جَهْلٍ، وَأَبِي سُفْيَانَ، وَهُمَا جَالِسَانِ فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: هَذَا نَبِيِّكُمْ يَا بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ.
فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: وَتَعْجَبُ أَنْ يَكُونَ مِنَّا نَبِيٌّ وَالنَّبِيُّ يَكُونُ فِيمَنْ هُوَ أَقَلُّ مِنَّا وَأَذَلُّ.
فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: عَجِبْتُ أَنْ يَخْرُجَ غُلَامٌ مِنْ بَيْنِ شُيُوخٍ نَبِيًّا وَرَسُولُ الله ﵌ يَسْمَعُ فَأَتَاهُمْ، فَقَالَ أَمَّا أَنْتَ يَا أَبَا سُفْيَانَ، فَمَا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ غَضِبْتَ وَلَكِنَّكَ حَمِيتَ لِلْأَصْلِ وَأَمَّا أَنْتَ يَا أَبَا الحكم فو الله لَتَضْحَكَنَّ قَلِيلًا وَلَتَبْكِيَنَّ كَثِيرًا [(٤٦)] . قَالَ [(٤٧)]:
بِئْسَمَا تَعِدُنِي ابْنَ أَخِي مِنْ نبوتك» .
_________________
(١) [()] كلاهما عن إسماعيل، تحفة الأشراف (٣: ١١٧)، والإمام احمد في «مسنده» (٥: ١٠٩)، وذكره ابن كثير في «البداية والنهاية (٣: ٥٩- ٦٠)، وقال: «انفرد به البخاري دون مسلم» . [(٤٦)] نقله الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية» . (٣: ٦٥) عن المصنف، وقال: «هذا مرسل من هذا الوجه، وفيه غرابة» . [(٤٧)] نهاية المقابلة مع النسخة المرموز إليها بالرمز (م)، وانظر وصف النسخة في تقدمتنا للكتاب في الجزء الاول.
[ ٢ / ٢٨٤ ]
بَابُ الْهِجْرَةِ الْأُولَى إِلَى الْحَبَشَةَ ثُمَّ الثَّانِيَةِ وَمَا ظَهَرَ فِيهَا مِنَ الْآيَاتِ وَتَصْدِيقِ النَّجَاشِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ [مِنَ الْقُسُسِ] [(١)] وَالرُّهْبَانِ رَسُولَ الله ﵌
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ بِبَغْدَادَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَتَّابٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ عَمِّهِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ فِي كِتَابِ الْمَغَازِي، قَالَ: «ثُمَّ إِنَّ قُرَيْشًا، ائْتَمَرَتْ رَوِيَّتَهُمْ [(٢)] وَاشْتَدَّ مَكْرُهُمْ، وَهَمُّوا بِقَتْلِ رَسُولِ اللهِ ﵌، أَوْ إِخْرَاجِهِ حِينَ رَأَوْا أَصْحَابَهُ يَزْدَادُونَ وَيَكْثُرُونَ، فَعَرَضُوا عَلَى قَوْمِهِ أَنْ يُعْطُوهُمْ دِيَتَهُ وَيَقْتُلُوهُ، فَأَبَى ذَلِكَ قَوْمُهُ وَمَنَعَ اللهُ ﷿ رَسُولَهُ بِحَمِيَّةِ رَهْطِهِ، وَاشْتَدُّوا عَلَى مَنِ اتَّبَعَهُ عَلَى دِينِ اللهِ مِنْ أَبْنَائِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَقَبَائِلِهِمْ، فَكَانَتْ فِتْنَةً شَدِيدَةً وَزِلْزَالًا شَدِيدًا فَمِنْهُمْ مَنْ عَصَمَ اللهُ وَمِنْهُمْ مَنِ افْتُتِنَ، فَلَمَّا فُعِلَ بِالْمُسْلِمِينَ ذَلِكَ [(٣)] أَمَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﵌ حِينَ دَخَلَ الشِّعْبَ مَعَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بِالْخُرُوجِ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ.
وَكَانَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ مَلِكٌ يقال له النجاشي [(٤)]
_________________
(١) [(١)] في (هـ): «ومن تبعه من القسيسين»، وفي (ص): «ومن معه من القسيسين» . [(٢)] في (ص) و(هـ): «اختمرت رؤوسهم» . [(٣)] في (ص) و(هـ): «فما فعل ذلك بالمسلمين» . [(٤)] النجاشي: واسمه اصحمة ملك الحبشة، معدود في الصَّحَابَةِ ﵃- وكان ممن حسن
[ ٢ / ٢٨٥ ]
لَا يُظْلَمُ بِأَرْضِهِ أَحَدٌ [(٥)]، وَكَانَ يُثْنِي عَلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ خَيْرًا، فَانْطَلَقَ إِلَيْهَا عَامَّتُهُمْ حِينَ قُهِرُوا وَخَافُوا الْفِتْنَةَ، وَمَكَثَ رَسُولُ اللهِ ﵌ فَلَمْ يَبْرَحْ، وَذَلِكَ قَبْلَ خُرُوجِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَأَصْحَابِهِ ﵃ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَأَنَّهُمْ خَرَجُوا مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ رَجَعَ الَّذِينَ خَرَجُوا الْمَرَّةَ الْأُولَى قَبْلَ خُرُوجِ جَعْفَرِ وَأَصْحَابِهِ حِينَ أَنْزَلَ اللهُ [﷿] [(٦)] عَلَيْهِ سُورَةَ النَّجْمِ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ يَذْكُرُ آلِهَتَنَا بِخَيْرٍ أَقْرَرْنَاهُ [(٧)] وَأَصْحَابَهُ وَلَكِنَّهُ لَا يَذْكُرُ مَنْ خَالَفَ دِينَهُ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى بِمِثْلِ مَا يَذْكُرُ بِهِ آلِهَتَنَا مِنَ الشَّتْمِ وَالشَّرِّ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﵌ قَدِ اشْتَدَّ عَلَيْهِ مَا نَالَهُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ مِنْ أَذَاهُمْ وَتَكْذِيبِهِمْ وَأَحْزَنَتْهُ [(٨)] ضَلَالَتُهُمْ وَكَانَ يَتَمَنَّى هُدَاهُمْ فَلَمَّا أَنْزَلَ اللهُ ﷿ سُورَةَ النَّجْمِ قَالَ: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى [(٩)] أَلْقَى الشَّيْطَانُ عِنْدَهَا كَلِمَاتٍ حِينَ ذَكَرَ اللهُ ﷿ آخِرَ الطَّوَاغِيتِ فَقَالَ: «وَإِنَّهُنَّ الْغَرَانِيقُ الْعُلَى وَإِنَّ شَفَاعَتَهُنَّ لَهِيَ الَّتِي تُرْتَجَى» وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ سَجْعَ الشَّيْطَانِ وَفِتْنَتِهِ، فَوَقَعَتْ هَاتَانِ الْكَلِمَتَانِ فِي قَلْبِ كُلِّ مُشْرِكٍ بِمَكَّةَ، وَزَلَّتْ بِهَا أَلْسِنَتُهُمْ وَتَبَاشَرُوا بِهَا، وَقَالُوا: إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ رَجَعَ إِلَى دِينِهِ [(١٠)] الْأَوَّلِ وَدِينِ قَوْمِهِ، فَلَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللهِ ﵌ آخِرَ النَّجْمِ سَجَدَ، وَسَجَدَ كُلُّ مَنْ حَضَرَ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ مُشْرِكٍ، غَيْرَ أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا رَفَعَ مِلْءَ كَفَّيْهِ تُرَابًا فَسَجَدَ [(١١)] عَلَيْهِ، فَعَجِبَ الْفَرِيقَانِ كِلَاهُمَا مِنْ جَمَاعَتِهِمْ فِي السُّجُودِ بِسُجُودِ رَسُولِ اللهِ ﵌: فأما
_________________
(١) [()] إسلامه ولم يهاجر ولا له رؤية، فهو تابعي من وجه، صحابي من وجه، وقد توفي فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﵌ فصلى عليه بالناس صلاة الغائب، وأصحمة بالعربية يعني: عطية. [(٥)] في (ص): «أحد بأرضه» . [(٦)] الزيادة من (ص) و(هـ) . [(٧)] في (ص) و(هـ): «قرّرناه» . [(٨)] في (ح): «وأحزنه» . [(٩)] الآيتان الكريمتان (١٩- ٢٠) من سورة النجم. [(١٠)] في (ص) و(هـ): «ديننا» . [(١١)] في (ص): «وسجد» .
[ ٢ / ٢٨٦ ]
الْمُسْلِمُونَ فَعَجِبُوا لِسُجُودِ الْمُشْرِكِينَ مَعَهُمْ عَلَى غَيْرِ إِيمَانٍ وَلَا يَقِينٍ، وَلَمْ يَكُنِ الْمُسْلِمُونَ سَمِعُوا الَّذِي أَلْقَى الشَّيْطَانُ عَلَى أَلْسِنَةِ الْمُشْرِكِينَ، وَأَمَّا الْمُشْرِكُونَ فَاطْمَأَنَّتْ أَنْفُسُهُمْ إِلَى النَّبِيِّ ﵌ وَأَصْحَابِهِ لِمَا أُلْقِيَ فِي أُمْنِيَّةِ النَّبِيِّ [(١٢)] ﵌، وَحَدَّثَهُمُ الشَّيْطَانُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ قَدْ قَرَأَهَا فِي السَّجْدَةَ، فَسَجَدُوا لِتَعْظِيمِ آلِهَتِهِمْ، وَفَشَتْ تِلْكَ الْكَلِمَةُ فِي النَّاسِ وَأَظْهَرَهَا الشَّيْطَانُ حَتَّى بَلَغَتْ أَرْضَ الْحَبَشَةِ، وَمَرَّ بِهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ وَأَصْحَابُهُ، وَحُدِّثُوا أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ قَدْ أَسْلَمُوا كُلُّهُمْ وَصَلَّوْا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﵌، وَبَلَغَهُمْ سُجُودُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَلَى التُّرَابِ عَلَى كَفَّيْهِ، وَحُدِّثُوا أَنَّ الْمُسْلِمِينَ قَدْ آمَنُوا بِمَكَّةَ، فَأَقْبَلُوا سِرَاعًا وَقَدْ نَسْخَ اللهُ ﷿ مَا أَلْقَى الشَّيْطَانُ وَأَحْكَمَ اللهُ آيَاتِهِ وَحَفِظَهَا مِنَ الْبَاطِلِ فَقَالَ اللهُ ﷿: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ، فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطانُ، ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ، لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ [(١٣)] .
_________________
(١) [(١٢)] في (ص) و(هـ): «رسول الله» . [(١٣)] سورة الحج آيتا (٥٢- ٥٣)، وقصة الغرانيق هذه لها طرق كثيرة، ثلاثة أسانيد منها على شرط الصحيح، وهي مراسيل يحتج بها من يحتج بالمرسل، وكذا من لا يحتج به لاعتقاد بعضها بعضا. روى (الأول): الطبري، وابن المنذر، وابن ابي حاتم، والمقدسي في صحيحه كلهم عن سعيد ابن جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ- (والثاني): رواه ابن جرير عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحارث بن هشام. (الثالث: رواه ابن جرير عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ. قَالَ السهيلي: «واهل الحديث يدفعون هذا الحديث بالحجة» ثم أضاف: «والحديث غير مقطوع بصحته» . وقال القاضي عبد الجبار في «تنزيه القرآن عن المطاعن» ص (٢٤٣): «فإن قيل: فما المراد بقوله: إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ» وكيف يصح ذلك على الأنبياء؟. وجوابنا ان المراد: إذا تلى يلحقه السهو في قراءته وذلك معروف في اللغة، فلذلك قال بعده:
[ ٢ / ٢٨٧ ]
_________________
(١) [()] «فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته» ولو كان المراد غير ما ذكرناه من التلاوة لم يصح ذلك. أما ما يرويه الحشوية من أنه ﵌ ذكر في قراءته أصنامهم، وقال: «إن الغرانيق العلى شفاعتهن ترتجى» حتى فرح الكفار فلا أصل له، ومثل ذلك لا يكون إلا من دسائس الملحدة» . وحديث الغرانيق هذا متهافت من عدة وجوه وأحسن ما جاء في ردها ما كتبه الأستاذ الكبير: محمد حسين هيكل في كتاب «حياة محمد» ﵌ ص (١٧٧- ١٨٢) وكنت أريد كتابة فحواها إلا اني رأيت ان اضيفها هنا لاهميتها: هذه الحجج التي يسوقها من يقولون بصحة حديث الغرانيق، هي حجج واهية لا تقوم امام التمحيص، ونبدأ بدفع حجة المستشرق موير، فالمسلمون الذين عادوا من الحبشة إنما دفعهم الى العود الى مكة سببان: أولهما ان عمر بن الخطاب اسلم بعد هجرتهم بقليل. وقد دخل عمر في دين الله بالحميّة التي كان يحاربه من قبل بها، لم يخف إسلامه ولم يستتر، بل ذهب يعلنه على رؤوس الملأ ويقاتلهم في سبيله. ولم يرض عن استخفاء المسلمين وتسللهم إلى شعاب مكة يقيمون الصلاة بعيدين عن أذى قريش، بل دأب على نضال قريش حتى صلى عند الكعبة وصلى المسلمون معه. هنالك أيقنت قريش ان ما تنال به محمدا وأصحابه من الأذى يوشك ان يثير حربا اهلية لا يعرف احد مداها ولا على من تدور دائرتها. فقد اسلم من قبائل قريش وبيوتاتها رجال تثور لقتل أيّ واحد منهم قبيلته وإن كانت على غير دينه. فلا مفرّ إذا من الالتجاء في محاربة محمد إلى وسيلة لا يترتب عليها هذا الخطر. وإلى ان تتفق قريش على هذه الوسيلة. هادنت المسلمين فلم تنل أحدا منهم بأذى وهذا هو ما اتصل بالمهاجرين الى الحبشة، ودعاهم الى التفكير في العود إلى مكة. وربما تردّدوا في هذا العود لو لم يكن السبب الثاني الذي ثبّت عزمهم، ذلك ان الحبشة شبّت بها يومئذ ثورة على النجاشي، كان دينه وكان ما أبدى من عطف على المسلمين بعض ما أذيع فيها من تهم وجهت اليه. ولقد أبدى المسلمون احسن الأماني ان ينصر الله النجاشي على خصومه، لكنهم لم يكونوا ليشاركوا في هذه الثورة وهم أجانب، ولم يك قد مضى على مقامهم بالحبشة غير زمن قليل. أما وقد ترامت إليهم أنباء الهدنة بين محمد وقريش، هدنة أنجت المسلمين مما كان يصيبهم من الأذى، فخير لهم أن يدعوا الفتنة وراء ظهورهم وان يلحقوا بأهليهم، وهذا ما فعلوه كلهم او بعضهم. على أنهم ما كادوا يبلغون مكة حتى كانت قريش قد ائتمرت ما تصنع بمحمد وأصحابه، واتّفقت عشائرها وكتبوا كتابا تعاقدوا فيه على مقاطعة بني هاشم مقاطعة تامة، فلا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم، ولا يبيعوهم ولا يبتاعوا منهم، وبهذا الكتاب عادت الحرب العوان
[ ٢ / ٢٨٨ ]
_________________
(١) [()] بين الفريقين، ورجع الذين عادوا من الحبشة، وذهب معهم من استطاع اللحاق بهم. وقد وجدوا هذه المزة عنتا من قريش إذ حاولت ان تمنعهم من الهجرة. ليس الصلح الذي يشير إليه المستشرق موير، هو إذا الذي دعا المسلمين إلى العودة من بلاد الحبشة، إنما دعاهم هذه الهدنة التي حدثت على إثر إسلام عمر وحماسته في تأييد دين الله. فتأييد حديث الغرانيق إذا بحجة الصلح تأييد غير ناهض. أمّا احتجاج المحتجين من كتاب السيرة والمفسرين بالآيات: وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ ووَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فهو احتجاج أشدّ تهافتا من حجة السير موير ويكفي أن نذكر من الآيات الأولى قوله تعالى: وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا لنرى أنه إن كان الشيطان قد ألقى في أمنية الرسول حتى لقد كان يركن إليهم شيئا قليلا فقد ثبّته الله فلم يفعل، ولو أنه فعل لأذاقه الله ضعف الحياة وضعف الممات. وإذا فالاحتجاج بهذه الآيات احتجاج مقلوب. فقصة الغرانيق تجري بأن محمدا ركن الى قريش بالفعل. وان قريشا فتنته بالفعل فقال على الله ما لم يقل. والآيات هنا تفيد أن الله ثبّته فلم يفعل. فإذا ذكرت كذلك أن كتب التفسير واسباب النزول جعلت لهذه الآيات موضعا غير مسألة الغرانيق، رأيت ان الاحتجاج بها في مسألة تتنافى في عصمة الرسل في تبليغ رسالاتهم، وتتنافى مع تاريخ محمد كله، احتجاج متهافت، بل احتجاج سقيم. أما الآيات وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ فلا صلة لها بحديث الغرانيق البتة، فضلا عن ذكرها ان الله ينسخ ما يلقي الشيطان ويجعله فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم، ويحكم الله آياته والله عليم حكيم. وندع هذا إلى تمحيص القصة التمحيص العلمي الذي يثبت عدم صحتها. وأول ما يدل على ذلك تعدّد الروايات فيها، فقد رويت، كما سبق القول. على انها: تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى. ورواها بعضهم: «الغرانقة العلا إن شفاعتهم ترتجى» . وروى آخرون: «إن شفاعتهم ترتجى» دون ذكر الغرانقة او الغرانيق. وفي رواية رابعة: «وإنها لهي الغرانيق العلا» وفي رواية خامسة: «وإنهن لهن الغرانيق العلا. وإن شفاعتهم لهي التي ترتجى» وقد وردت في بعض كتب الحديث روايات اخرى غير هذه الروايات الخمس. وهذا التعدّد في الروايات يدلّ على أن الحديث موضوع، وانه من وضع الزنادقة. كما قال ابن إسحاق، وان الغرض منه التشكيك في صدق تبليغ محمد رسالات ربه. ودليل آخر أقوى واقطع، ذلك سياق سورة النجم وعدم احتماله لمسألة الغرانيق. فالسياق يجري بقوله تعالى: لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى، أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزى. إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ.
[ ٢ / ٢٨٩ ]
_________________
(١) [()] إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى. وهذا السياق صريح في أن اللّات والعزّى أسماء سمّاها المشركون هم وآباؤهم ما أنزل الله بها من سلطان. فكيف يحتمل ان يجري السياق بما يأتي: «أفرأيتم اللّات والعزى. ومناة الثالثة الأخرى. تلك الغرانيق العلا. إن شفاعتهنّ ترتجى. ألكم الذكر وله الأنثى. تلك إذا قسمة ضيزى. إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان» إن في هذا السياق من الفساد والاضطراب والتناقض، ومن مدح اللّات والعزّى ومناة الثالثة الأخرى وذمها في أربع آيات متعاقبة، ما لا يسلّم به عقل ولا يقول به إنسان، ولا تبقى معه شبهة في أن حديث الغرانيق مفترى وضعه الزنادقة لغاياتهم، وصدّقه من يسيغون كل غريب ومن تقبل عقولهم ما لا يسيغ العقل المنطقي. وحجة اخرى ساقها المغفور له الأستاذ محمد عبده حين كتب يفندّ قصة الغرانيق. تلك أن وصف العرب لآلهتهم بأنها الغرانيق لم يرد في نظمهم ولا في خطبهم، ولم ينقل عن أحد أن ذلك الوصف كان جاريا على ألسنتهم، وإنما ورد الغرنوق والغرنيق على أنه اسم لطائر مائي أسود او أبيض، والشابّ الأبيض الجميل. ولا شيء من ذلك يلائم معنى الآلهة، أو وصفها عند العرب. بقيت حجة قاطعة، نسوقها للدلالة على استحالة قصة الغرانيق هذه من حياة محمد نفسه، فهو منذ طفولته وصباه وشبابه لم يجرب عليه الكذب قط حتى سمى الأمين ولمّا يبلغ الخامسة والعشرين من عمره. وكان صدقه أمرا مسلما به عند الناس جميعا، حتى لقد سأل قريشا يوما بعد بعثه: «أرأيتم لو أخبرتكم ان خيلا بسفح هذا الجبل أكنتم تصدّقوني؟» فكان جوابهم: «نعم! أنت عندنا غير متّهم وما جرّبنا عليك كذبا قط» . فالرجل الذي عرف بالصدق في صلاته بالناس منذ نعومة أظفاره إلى كهولته كيف يصدّق إنسان أنه يقول على ربّه ما لم يقل، ويخشى الناس والله أحق ان يخشاه! هذا امر مستحيل، يدرك استحالته الذين درسوا هذه النفوس القويّة الممتازة التي تعرف الصلابة في الحق ولا تداجى فيه لأي اعتبار. وكيف ترى يقول محمد: لو وضعت قريش الشمس في يمينه والقمر في شماله على أن يترك هذا الأمر او يموت دونه ما فعل، ثم يقول على الله ما لم يوح إليه، ويقوله لينقض به أساس الدّين الذي بعثه الله به هدّى وبشرى للعالمين! ومتى رجع إلى قريش يمدح آلهتهم؟ بعد عشر سنوات أو نحوها من بعثه. وبعد ان احتمل هو وأصحابه في سبيل الرسالة من ألوان الأذى وصنوف التضحية ما احتمل، وبعد ان أعزّ الله الإسلام بحمزة وعمر، وبعد ان بدأ المسلمون يصبحون قوّة بمكة، ويمتدّ خبرهم إلى بلاد العرب كلها وإلى الحبشة وإلى مختلف نواحي العالم. إن القول بذلك حديث خرافة وأكذوبة ممجوجة. ولقد شعر الذين اخترعوها بسهولة افتضاحها، فأرادوا سترها بقولهم: إن محمدا ما كاد يسمع كلام قريش إذ جعل لآلهتهم نصيبا في الشفاعة حتى كبر ذلك عليه، وحتى رجع إلى الله تائبا أوّل ما أمسى
[ ٢ / ٢٩٠ ]
فَلَمَّا بَيَّنَ اللهُ ﷿ قَضَاءَهُ وَبَرَّأَهُ مِنْ سَجْعِ الشَّيْطَانِ، انْقَلَبَ الْمُشْرِكُونَ بِضَلَالَتِهِمْ وَعَدَاوَتِهِمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَاشْتَدُّوا عَلَيْهِمْ.
قَالَ: وَكَانَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ وَأَصْحَابُهُ فِيمَنْ رَجَعَ فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا أَنْ يَدْخُلُوا مَكَّةَ حَتَّى بَلَغَهُمْ شِدَّةُ الْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ إِلَّا بِجِوَارٍ فَأَجَارَ الوليد ابن الْمُغِيرَةِ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ، فَلَمَّا رَأَى عُثْمَانُ الَّذِي يَلْقَى رَسُولُ اللهِ ﵌ وَأَصْحَابُهُ مِنَ الْبَلَاءِ وَعُذِّبَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ بِالنَّارِ وَالسِّيَاطِ وَعُثْمَانُ مُعَافًى لَا يُعْرَضُ لَهُ، اسْتَحَبَّ الْبَلَاءَ عَلَى الْعَافِيَةِ فَقَالَ أَمَّا مَنْ كَانَ فِي عَهْدِ اللهِ ﷿ وَذِمَّتِهِ وذمة رسوله ﵌ الَّتِي اخْتَارَ اللهُ لِأَوْلِيَائِهِ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ مُبْتَلًى وَمَنْ دَخَلَ فيه
_________________
(١) [()] ببيته وجاءه جبريل فيه. لكن هذا السّتر أحرى ان يفضحها. فما دام الأمر قد كبر على محمد منذ سمع مقالة قريش، فما كان أحراه أن يراجع الوحي لساعته! وما كان أحراه ان يجري الوحي الصواب على لسانه؟ وإذا فلا أصل لمسألة الغرانيق إلا الوضع والاختراع. قامت بهما طائفة الذين أخذوا أنفسهم بالكيد للإسلام بعد انقضاء الصدر الأول. وأعجب ما في جرأة هؤلاء المفترين انهم عرضوا للافتراء في أمّ مسائل الإسلام جميعا: في التوحيد! في المسألة التي بعث محمد لتبليغها للناس منذ اللحظة الاولى، والتي لم يقبل فيها منذ تلك اللحظة هوادة، ولا أماله عنها ما عرضت عليه قريش ان يعطوه ما يشاء من المال او يجعلوه ملكا عليهم. وعرضوا ذلك عليه حين لم يكن قد اتّبعه من أهل مكة إلا عدد يسير. وما كان أذى قريش لأصحابه ليجعله يرجع عن دعوة امره ربه ان يبلغها للناس. فاختيار المفترين لهذه المسألة التي كانت صلابة محمد فيها غاية ما عرف عنه من الصلابة، يدلّ على جرأة غير معقولة، ويدلّ في الوقت نفسه على أن الذين مالوا إلى تصديقهم قد خدعوا فيما لا يجوز أن يخدع فيه احد. لا أصل إذا لمسألة الغرانيق على الإطلاق، ولا صلة البتة بينها وبين عودة المسلمين من الحبشة، إنما عادوا، كما قدّمنا، بعد أن أسلم عمر ونصر الإسلام بمثل الحميّة التي كان يحاربه من قبل بها، حتى اضطرّت قريش لمهادنة المسلمين. وعادوا حين شبّت في بلاد الحبشة ثورة خافوا مغبّتها. فلما علمت قريش بعودتهم ازدادت مخاوفها أن يعظم امر محمد بينهم، فأتمرت ما تصنع. وقد انتهت بوضع الصحيفة التي قرّروا فيها فيما قرروا ألا يناكحوا بني هاشم ولا يبايعوهم ولا يخالطوهم، كما أجمعوا فيما بينهم ان يقتلوا محمدا إن استطاعوا.
[ ٢ / ٢٩١ ]
فَهُوَ خَائِفٌ وَأَمَّا مَنْ كَانَ فِي عَهْدِ الشَّيْطَانِ وَأَوْلِيَائِهِ مِنَ النَّاسِ فَهُوَ مُعَافًى، فَعَهِدَ إِلَى الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ فَقَالَ يَا عَمِّ قَدْ أَجَرْتَنِي وَأَحْسَنْتَ إِلَيَّ فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ تُخْرِجَنِيَ إِلَى عَشِيرَتِكَ فَتَبْرَأَ مِنِّي بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ، فَقَالَ الْوَلِيدُ: يَا ابْنَ أَخِي لَعَلَّ أَحَدًا مِنْ قَوْمِكَ آذَاكَ أَوْ شَتَمَكَ وَأَنْتَ فِي ذِمَّتِي فَأَكْفِيكَ ذَاكَ، قَالَ: لَا وَاللهِ مَا اعْتَرَضَ لِي أَحَدٌ وَلَا آذَانِي، فَلَمَّا أَبَى إِلَّا أَنْ يَبْرَأَ مِنْهُ الْوَلِيدُ، أَخْرَجَهُ إِلَى الْمَسْجِدِ وَقُرَيْشٌ فِيهِ كَأَحْفَلِ مَا كَانُوا، وَلَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ الشَّاعِرُ يُنْشِدُهُمْ فَأَخَذَ الْوَلِيدُ بِيَدِ عُثْمَانَ فَأَتَى بِهِ قُرَيْشًا فَقَالَ إِنَّ هَذَا قَدْ غَلَبَنِي وَحَمَلَنِي عَلَى أَنْ أَتَبَرَّأَ مِنْ جِوَارِهِ، وَإِنِّي أُشْهِدُكُمْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ، فَقَالَ عُثْمَانُ: صَدَقَ، أَنَا وَاللهِ أَكْرَهْتُهُ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ مني بريء ثم جلسنا مَعَ الْقَوْمِ وَلَبِيدٌ يُنْشِدُهُمْ فقال لبيد:
أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللهَ بَاطِلُ
فَقَالَ عُثْمَانُ صَدَقْتَ، ثُمَّ أَتَمَّ لَبِيدٌ الْبَيْتَ فَقَالَ:
وَكُلُّ نَعِيمٍ لَا مَحَالَةَ زَائِلُ
فَقَالَ عُثْمَانُ: كَذَبْتَ [(١٤)]، فَأَسْكَتَ الْقَوْمُ وَلَمْ يَدْرُوا مَا أَرَادَ بِكَلِمَتِهِ ثُمَّ أَعَادُوهَا [(١٥)] الثَّانِيَةَ وَأَمَرُوهُ بِذَلِكَ فَقَالَ عُثْمَانُ حِينَ أَعَادَهَا مِثْلَ كَلِمَتَيْهِ الأولتين صَدَّقَهُ مَرَّةً وَكَذَّبَهُ مَرَّةً [(١٦)] وَإِذَا ذَكَرَ مَا خَلَا اللهَ بَاطِلُ صَدَّقَهُ وَإِذَا ذَكَرَ كُلُّ نُعَيْمٍ لَا مَحَالَةَ زَائِلُ كَذَّبَهُ، لِأَنَّ نَعِيمَ الْجَنَّةِ لَا يَزُولُ، فَنَزَلَ عِنْدَ ذَلِكَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فَلَطَمَ عَيْنَ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ﵁- فَاخْضَرَّتْ. فَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ وَأَصْحَابُهُ: قَدْ كُنْتَ فِي ذِمَّةٍ مَانِعَةٍ مَمْنُوعَةٍ [(١٧)] فَخَرَجْتَ مِنْهَا وكنت عن الذي
_________________
(١) [(١٤)] في السيرة لابن هشام: «كذبت، نَعِيمَ الْجَنَّةِ لَا يَزُولُ» . [(١٥)] في (ص): «أعادوا الثانية»، وفي (ح): «أعادها» . [(١٦)] في (ح): «أخرى» . [(١٧)] في (هـ): «في ذمة مانعة، ومنعة ممنوعة» . وفي (ص): «في ذمة ومنعة ممنوعة» .
[ ٢ / ٢٩٢ ]
لَقِيتَ غَنِيًّا. فَقَالَ عُثْمَانُ: بَلْ كُنْتُ إِلَى الَّذِي لَقِيتُ مِنْكُمْ فَقِيرًا، وَعَيْنِيَ الَّتِي لَمْ تُلْطَمْ إِلَى مِثْلِ مَا لَقِيَتْ صَاحِبَتُهَا فَقِيرَةٌ، وَلِيَ فِيمَنْ هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْكُمْ أُسْوَةٌ [(١٨)]، فَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ: إِنْ شِئْتَ أَجَرْتُكَ الثَّانِيَةَ، فَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ: لَا أَرَبَ لِي فِي جِوَارِكَ [(١٩)] .
وَخَرَجَ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ فِي رَهْطٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ ذَلِكَ فِرَارًا [(٢٠)] بِدِينِهِمْ أَنْ يُفْتَنُوا عَنْهُ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَبَعَثَتْ قُرَيْشٌ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ، وَعُمَارَةَ بْنَ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَأَمَرُوهُمَا أَنْ يُسْرِعَا السَّيْرَ، فَفَعَلَا وَأَهْدَوْا لِلنَّجَاشِيِّ فَرَسًا، وَجُبَّةَ دِيبَاجٍ، وَأَهْدَوْا لِعُظَمَاءِ الْحَبَشَةِ هَدَايَا، فَلَمَّا قَدِمَا عَلَى النَّجَاشِيِّ قَبِلَ هَدَايَاهُمْ، وَأَجْلَسَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ عَلَى سَرِيرِهِ، فَقَالَ عَمْرٌو: إِنَّ بِأَرْضِكَ رِجَالًا مِنَّا سُفَهَاءَ لَيْسُوا عَلَى دِينِكُمْ وَلَا عَلَى دِينِنَا، فَادْفَعْهُمْ إِلَيْنَا، فَقَالَتْ عُظَمَاءُ الْحَبَشَةِ لِلنَّجَاشِيِّ: أَجَلْ فَادْفَعْهُمْ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ النَّجَاشِيُّ:
لَا وَاللهِ، لَا أَدْفَعُهُمْ إِلَيْهِمْ حَتَّى أُكَلِّمَهُمْ وَأَعْلَمَ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ هُمْ. فَقَالَ عمرو ابن الْعَاصِ: هُمْ أَصْحَابُ الرَّجُلِ الَّذِي خَرَجَ فِينَا وَسَنُخْبِرُكَ بِمَا نَعْرِفُ مِنْ سَفَهِهِمْ وَخِلَافِهِمُ الْحَقَّ أَنَّهُمْ لَا يَشْهَدُونَ أَنَّ عِيسَى ابْنُ اللهِ، وَلَا يَسْجُدُونَ لَكَ إِذَا دَخَلُوا عَلَيْكَ كَمَا يَفْعَلُ مَنْ أَتَاكَ فِي سُلْطَانِكَ.
فَأَرْسَلَ النَّجَاشِيُّ إِلَى جَعْفَرٍ وَأَصْحَابِهِ، وَأَجْلَسَ النَّجَاشِيُّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ عَلَى سَرِيرِهِ فَلَمْ يَسْجُدْ لَهُ جَعْفَرٌ وَلَا أَصْحَابُهُ، وَحَيَّوْهُ بِالسَّلَامِ، فَقَالَ عَمْرٌو وَعُمَارَةُ: أَلَمْ نُخْبِرْكَ خَبَرَ الْقَوْمِ وَالَّذِي يُرَادُ بِكَ؟ فَقَالَ النَّجَاشِيُّ: أَلَا تُحَدِّثُونِي أَيُّهَا الرَّهْطُ! مَا لَكُمْ لَا تُحَيُّونِي كَمَا يُحَيِّينِي مَنْ أَتَانِي مِنْ قَوْمِكُمْ وَأَهْلِ بلادكم
_________________
(١) [(١٨)] في السيرة لابن هشام بعده: «وإني لفي جوار من هو أعز منك وأقدر يَا أَبَا عَبْدِ شَمْسٍ» . [(١٩)] الخبر في سيرة ابن هشام (١: ٣٩١- ٣٩٢) . [(٢٠)] في (ص): «فارّين» .
[ ٢ / ٢٩٣ ]
وَآخَرُونَ؟ [وَأَخْبِرُونِي] [(٢١)] مَاذَا تَقُولُونَ في عيسى بن مَرْيَمَ؟ وَمَا دِينُكُمْ:
أَنَصَارَى أَنْتُمْ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: أَفَيَهُودُ أَنْتُمْ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَعَلَى دِينِ قَوْمِكُمْ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَمَا دِينُكُمْ؟ قَالُوا: الْإِسْلَامُ. قَالَ: وَمَا الْإِسْلَامُ؟
قَالُوا: نَعْبُدُ اللهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ [(٢٢)] وَلَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا.
قَالَ: مَنْ جَاءَكُمْ بِهَذَا؟ قَالُوا: جَاءَنَا بِهِ رَجُلٌ مِنْ أَنْفُسِنَا قَدْ عَرَفْنَا وَجْهَهُ وَنَسَبَهُ، بَعَثَهُ [(٢٣)] اللهُ إِلَيْنَا كَمَا بَعَثَ الرُّسُلَ إِلَى مَنْ قَبْلَنَا، فَأَمَرَنَا بِالْبِرِّ وَالصِّدْقِ وَالْوَفَاءِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، وَنَهَانَا أَنْ نَعْبُدَ الْأَوْثَانَ، وَأَمَرَنَا أَنْ نَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ لَا نُشْرِكُ بِهِ، فَصَدَّقْنَاهُ وَعَرَّفَنَا كَلَامَ اللهِ تَعَالَى، وَعَلَّمَنَا أَنَّ الَّذِي جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ، فَلَمَّا فَعَلْنَا ذَلِكَ عَادَانَا قَوْمُنَا وَعَادَوُا النَّبِيَّ ﵌ الصَّادِقَ، وَكَذَّبُوهُ، وَأَرَادُوا قَتْلَهُ، وَأَرَادُونَا عَلَى عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، فَفَرَرْنَا إِلَيْكَ بِدِينِنَا وَدِمَائِنَا مِنْ قَوْمِنَا، وَلَوْ أَقَرُّونَا اسْتَقْرَرْنَا.
فَقَالَ النَّجَاشِيُّ: وَاللهِ إِنْ خَرَجَ هَذَا الْأَمْرُ إِلَّا مِنَ الْمِشْكَاةِ الَّتِي خَرَجَ مِنْهَا أَمْرُ عِيسَى ﵇ [(٢٤)] قَالَ جَعْفَرٌ: وَأَمَّا التَّحِيَّةُ فَإِنَّ رَسُولَنَا أَخْبَرَنَا أَنَّ تَحِيَّةَ أَهْلِ الْجَنَّةِ السَّلَامُ وَأَمَرَنَا بِذَلِكَ فَحَيَّيْنَاكَ بِالَّذِي يُحَيِّي [بِهِ] [(٢٥)] بَعْضُنَا بَعْضًا.
وَأَمَّا عيسى بن مَرْيَمَ ﵇ فَهُوَ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَابْنُ الْعَذْرَاءِ الْبَتُولِ فَخَفَّضَ النَّجَاشِيُّ يَدَهُ إِلَى الْأَرْضِ فَأَخَذَ مِنْهَا عُودًا وَقَالَ: وَاللهِ مَا زَادَ ابْنُ مَرْيَمَ عَلَى هَذَا وَزْنَ هذا العود.
_________________
(١) [(٢١)] الزيادة من (ص) . [(٢٢)] الزيادة في (ح) فقط. [(٢٣)] في (ص): «فبعثه» . [(٢٤)] في (ح) «موسى» وكذا في البداية والنهاية (٣: ٧٣)، واثبتّ ما في (ص) . [(٢٥)] زيادة من (ح) .
[ ٢ / ٢٩٤ ]
فَقَالَ عُظَمَاءُ الْحَبَشَةِ: وَاللهِ لَئِنْ سَمِعَتْ هَذَا الْحَبَشَةُ لَتَخْلَعَنَّكَ. فَقَالَ النَّجَاشِيُّ: وَاللهِ لَا أَقُولُ فِي عِيسَى غَيْرَ هَذَا أَبَدًا، وَمَا أَطَاعَ اللهُ [﷿] [(٢٦)] النَّاسَ فِيَّ حِينَ رَدَّ إِلَيَّ مُلْكِي، فَأَنَا أُطِيعُ النَّاسَ فِي دِينِ اللهِ، مَعَاذَ اللهِ مِنْ ذَلِكَ [(٢٧)] .
وَكَانَ أَبُو النَّجَاشِيِّ مَلَكَ الْحَبَشَةَ، فَمَاتَ وَالنَّجَاشِيُّ غُلَامٌ صَغِيرٌ، فَأَوْصَى إِلَى أَخِيهِ: أَنْ إِلَيْكَ مُلْكُ قَوْمِي حَتَّى يَبْلُغَ ابْنِي، فَإِذَا بَلَغَ فَلَهُ الْمُلْكُ، فَرَغِبَ أَخُوهُ فِي الْمُلْكِ فَبَاعَ النَّجَاشِيَّ مِنْ بَعْضِ التُّجَّارِ، فَقَالَ لِلْتَاجِرِ: دَعْهُ حَتَّى إِذَا أَرَدْتَ الْخُرُوجَ فَآذِنِّي فَأَدْفَعَهُ إِلَيْكَ فَآذَنَهُ التَّاجِرُ بِخُرُوجِهِ فَأَرْسَلَ بِالنَّجَاشِيِّ حَتَّى أَوْقَفَهُ عِنْدَ السَّفِينَةِ وَلَا يَدْرِي النَّجَاشِيُّ مَا يُرَادُ بِهِ، فَأَخَذَ اللهُ ﷿ عَمَّهُ الَّذِي بَاعَهُ صَعْقًا فَمَاتَ [(٢٨)]، فَجَاءَتِ الْحَبَشَةُ بِالتَّاجِ فَجَعَلُوهُ عَلَى رَأْسِ النَّجَاشِيِّ، وَمَلَّكُوهُ.
فَلِذَلِكَ قَالَ النَّجَاشِيُّ: وَاللهِ مَا أَطَاعَ اللهُ النَّاسَ فِيَّ حِينَ رَدَّ [اللهُ] [(٢٩)] عَلَيَّ مُلْكِي وَزَعَمُوا أَنَّ التَّاجِرَ الَّذِي كَانَ ابْتَاعَهُ قَالَ: مَا لِي بُدٌّ مِنْ غُلَامِيَ الَّذِي ابْتَعْتُ أَوْ مَالِي، قَالَ النَّجَاشِيُّ: صَدَقْتَ، فَادْفَعُوا إِلَيْهِ مَالَهُ [(٣٠)] .
فَقَالَ النَّجَاشِيُّ حِينَ كَلَّمَهُ جَعْفَرٌ بِمَا كَلَّمَهُ وَحِينَ أَبَى أَنْ يدفعهم إلى
_________________
(١) [(٢٦)] زيادة من (ص) . [(٢٧)] هذه رواية ام سلمة للحديث وهي في سيرة ابن هشام (١: ٣٦٢) عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حارث بْنِ هِشَامٍ، عَنْ أُمِّ سلمة، وأخرجه احمد في «مسنده» . (١: ٢٠١) و(٥: ٢٩٠)، والهيثمي في «مجمع الزوائد» (٦: ٢٤- ٢٧)، وقال: «رواه احمد، ورجاله رجال الصحيح»، ونقله الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية» (٣: ٧٢) . [(٢٨)] في (ح): «قعصا» وكذا في (ص)، والأوكد انها صعقا، حيث انه اصابته صاعقة فقتلته. [(٢٩)] من (ص) . [(٣٠)] رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ. البداية والنهاية (٣: ٧٦)، وقال: وسياق ابن إسحاق أحسن وأبسط.
[ ٢ / ٢٩٥ ]
عَمْرٍو: أَرْجِعُوا إِلَى هَذَا هَدِيَّتَهُ- يُرِيدُ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ- وَاللهِ لَوْ رَشَوْنِي فِي هَذَا دَبْرَ ذَهَبٍ وَالدَّبْرُ فِي لِسَانِ الْحَبَشَةِ الْجَبَلُ- مَا قَبِلْتُهُ.
وَقَالَ لِجَعْفَرٍ وَأَصْحَابِهِ: امْكُثُوا فَإِنَّكُمْ سُيُومٌ وَالسُّيُومُ الْآمِنُونَ، قَدْ مَنَعَكُمُ اللهُ ﷿. وَأَمَرَ لَهُمْ بِمَا يُصْلِحُهُمْ مِنَ الرِّزْقِ وَقَالَ: مَنْ نَظَرَ إِلَى هَؤُلَاءِ الرَّهْطِ نَظْرَةً تُؤْذِيهِمْ فَقَدْ رَغِمَ أَيْ فَقَدْ عَصَانِي [(٣١)] .
وَكَانَ اللهَ ﷿ قَدْ أَلْقَى الْعَدَاوَةَ بَيْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَعُمَارَةَ فِي مَسِيرِهِمَا قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَا إِلَى النَّجَاشِيِّ، ثُمَّ اصْطَلَحَا حِينَ قَدِمَا عَلَى النَّجَاشِيِّ لِيُدْرِكَا حَاجَتَهُمَا الَّتِي خَرَجَا إِلَيْهَا مِنْ طَلَبِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَمَّا أَخْطَأَهُمَا ذَلِكَ رَجَعَا إِلَى أَشَدِّ مَا كَانَا عَلَيْهِ مِنَ الْعَدَاوَةِ وَسُوءِ ذَاتِ الْبَيْنِ، فَمَكَرَ عَمْرٌو بِعُمَارَةَ، فَقَالَ:
يَا عُمَارَةُ! إِنَّكَ رَجُلٌ جَمِيلٌ فَاذْهَبْ إِلَى امْرَأَةِ النَّجَاشِيِّ فَتَحَدَّثْ عِنْدَهَا إِذَا خَرَجَ زَوْجُهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ عَوْنٌ لَنَا فِي حَاجَتِنَا، فَرَاسَلَهَا عُمَارَةُ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهَا، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهَا انْطَلَقَ عَمْرٌو إِلَى النَّجَاشِيِّ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ صَاحِبِي هَذَا صَاحِبُ نِسَاءٍ، وَإِنَّهُ يُرِيدُ أَهْلَكَ فَاعْلَمْ عِلْمَ ذَلِكَ، فَبَعَثَ النَّجَاشِيُّ فَإِذَا عُمَارَةُ عِنْدَ امْرَأَتِهِ، فَأَمَرَ بِهِ فَنُفِخَ فِي إِحْلِيلِهِ، ثُمَّ أُلْقِيَ فِي جَزِيرَةٍ مِنَ الْبَحْرِ فَجُنَّ وَاسْتَوحَشَ مَعَ الْوَحْشِ، وَرَجَعَ عَمْرٌو إِلَى مَكَّةَ قَدْ أَهْلَكَ اللهُ صَاحِبَهُ وَخَيَّبَ مَسِيرَهُ وَمَنْعَهُ حَاجَتَهُ [(٣٢)] .
وَقَدْ رُوِّينَا قِصَّةَ إِلْقَاءِ الشَّيْطَانِ فِي أُمْنِيَّتِهِ» عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بن يَسَارٍ.
وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ قِصَّةَ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ سَمَاعًا مِنْهُ عَمَّنْ حَدَّثَهُ، وَذَلِكَ فِيمَا أَخْبَرَنَاهُ أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ الْأَصَمَّ حَدَّثَهُمْ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عبد
_________________
(١) [(٣١)] سيرة ابن هشام (١: ٣٦٠- ٣٦١) . [(٣٢)] مجمع الزوائد (٦: ٣١) وقال: «رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح» .
[ ٢ / ٢٩٦ ]
الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ فَذَكَرَ الْقِصَّتَيْنِ، بِمَعْنَى مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، وَأَمَّا قِصَّةُ الْهِجْرَةِ فَهِيَ مَرْوِيَّةٌ فِي أَحَادِيثَ مَوْصُولَةٍ.
أَمَا الْهِجْرَةُ الْأُولَى إِلَى الْحَبَشَةِ فَفِيهَا:
أَنْبَأَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ دُرُسْتَوَيْهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ، قَالَ حَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ مُوسَى الْخَفَّافُ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ زِيَادِ الْبُرْجُمِيُّ إِمَامُ مَسْجِدِ مُحَمَّدِ بْنِ وَاسِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، قَالَ: «إِنَّ أَوَّلَ مَنْ هَاجَرَ إِلَى اللهِ ﷿ بِأَهْلِهِ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ [وَسَمِعْتُ النَّضْرَ بْنَ أَنَسٍ يَقُولُ سَمِعْتُ أَبَا حَمْزَةَ يَعْنِي أَنَسًا يَقُولُ خَرَجَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ومَعَهُ رُقَيَّةُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ ﵌] [(٣٣)] إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ فَأَبْطَأَ خَبَرُهُمْ عَلَى رَسُولِ الله ﵌ [(٣٤)]، فَقَدِمَتِ امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ فَقَالَتْ: يَا مُحَمَّدُ! قَدْ رَأَيْتُ خَتَنَكَ، وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ، قَالَ: عَلَى أَيِّ حَالٍ رَأَيْتِيهِمَا، قَالَتْ: رَأَيْتُهُ قَدْ حَمَلَ امْرَأَتَهُ عَلَى حِمَارٍ مِنْ هَذِهِ الدَّبَّانةِ، وَهُوَ يَسُوقُهَا فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌ صَحِبَهُمَا اللهُ إِنَّ عُثْمَانَ لَأَوَّلُ مَنْ هَاجَرَ بِأَهْلِهِ بَعْدَ لُوطٍ» [(٣٥)] وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ إِسْحَاقَ الْخُرَاسَانِيُّ بِبَغْدَادَ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ عَنِ الزِّبْرِقَانَ قَالَ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُوسَى، فَذَكَرَهُ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ عَالِيًا.
وَأَمَّا الْهِجْرَةُ الثَّانِيَةُ إِلَى الْحَبَشَةِ وَهِيَ فِيمَا زَعَمَ الْوَاقِدِيُّ سَنَةَ خَمْسٍ مِنْ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﵌ فَفِيمَا حَدَّثَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ فُورَكٍ﵀- قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَحْمَدَ الْأَصْبَهَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ
_________________
(١) [(٣٣)] الزيادة من (ص)، ومكانها في (ح): ومَعَهُ رُقَيَّةُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ ﵌» . [(٣٤)] في (ح): «فأبطأ علي رسول الله ﵌ خبرهم» . [(٣٥)] ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٩: ٨٠- ٨١) وقال: «رواه الطبراني، وفيه عثمان بن خالد العثماني وهو متروك» .
[ ٢ / ٢٩٧ ]
ابن حَبِيبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَدِيجُ بْنُ مُعَاوِيَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ [عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ] [(٣٦)]، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ:
«بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ ﵌ إِلَى النَّجَاشِيِّ، وَنَحْنُ ثَمَانُونَ رَجُلًا، وَمَعَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ، وَبَعَثَتْ قُرَيْشٌ عُمَارَةَ وَعَمْرَو بْنَ الْعَاصِ وَبَعَثُوا مَعَهُ بِهِدِيَّةٍ إِلَى النَّجَاشِيِّ، فَلَمَّا دَخَلَا عَلَيْهِ سَجَدَا لَهُ وَبَعَثَا إِلَيْهِ بِالْهَدِيَّةِ، وَقَالَا:
إِنَّ نَاسًا مِنْ قَوْمِنَا [(٣٧)] رَغِبُوا عَنْ دِينِنَا وَقَدْ نَزَلُوا بِأَرْضِكَ قَالَ وَأَيْنَ هُمْ؟ قَالَا هُمْ فِي أَرْضِكَ فَبَعَثَ إِلَيْهِمُ النَّجَاشِيُّ فَقَالَ جَعْفَرٌ: أَنَا خَطِيبُكُمُ الْيَوْمَ، فَاتَّبَعُوهُ حَتَّى دَخَلُوا عَلَى النَّجَاشِيِّ فَلَمْ يَسْجُدُوا لَهُ، فَقَالُوا: مَا لَكُمْ لَمْ تَسْجُدُوا لِلْمَلِكِ، فَقَالَ: إِنَّ اللهَ ﷿ بَعَثَ إِلَيْنَا نَبِيَّهُ فَأَمَرَنَا أَنْ لَا نَسْجُدَ إِلَّا لِلَّهِ ﵎، فَقَالَ النَّجَاشِيُّ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ إِنَّهُمْ يُخَالِفُونَكَ فِي عِيسَى قَالَ فَمَا يَقُولُونَ فِي عِيسَى وَأُمِّهِ قَالُوا نَقُولُ كَمَا قَالَ اللهُ ﷿ هُوَ رُوحُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى الْعَذْرَاءِ [الْبَتُولِ] [(٣٨)] الَّتِي لَمْ يَمَسَّهَا بَشَرٌ وَلَمْ يَفْرِضْهَا وَلَدٌ، فَتَنَاوَلَ النَّجَاشِيُّ عُودًا، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْقِسِّيسِينَ وَالرُّهْبَانَ مَا تَزِيدُونَ عَلَى مَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ مَا تَزِنُ هَذِهِ فَمَرْحَبًا بِكُمْ وَبِمَنْ جِئْتُمْ مِنْ عِنْدِهِ، فَأَنَا أَشْهَدُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، وَلَوَدِدْتُ أَنِّي عِنْدَهُ فَأَحْمِلُ نَعْلَيْهِ، أَوْ قَالَ: أَخْدُمُهُ، فَانْزِلُوا حَيْثُ شِئْتُمْ مِنْ أَرْضِي- فَجَاءَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَبَادَرَ فَشَهِدَ بَدْرًا» [(٣٩)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ وَأَبُو زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمُزَكِّي، قَالَا:
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ قَالَ أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عِيسَى، عَنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: «خرج عبد الله ابْنُ مَسْعُودٍ فِي رَهْطٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﵌ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ في البحر وكان
_________________
(١) [(٣٦)] سقطت من (ح) . [(٣٧)] في (ص): «قريشا»، وفي «البداية والنهاية» «بني عمنا» . [(٣٨)] ليست في (ص) . [(٣٩)] «البداية والنهاية» (٣: ٦٩) .
[ ٢ / ٢٩٨ ]
بِهَا سُوقٌ يَبِيعُونَ وَيَشْتَرُونَ، فَانْطَلَقَ عَبْدُ اللهِ وَحْدَهُ وَأَخَذَ مَا مَعَهُ فَقَالَ لَهُ صَاحِبُ مَنْزِلِهِ: إِنِّي أَرَاكَ تَنْطَلِقُ وَحْدَكَ وَإِنِّي أُحَذِّرُكَ رَجُلًا بَلَغَ مِنْ شَرِّهِ لَا يَلْقَى غَرِيبًا إِلَّا ضَرَبَهُ أَوْ قَتَلَهُ وَأَخَذَ مَا مَعَهُ.
قَالَ: ثُمَّ وَصَفَ لِي صِفَةَ الرَّجُلِ فَلَمَّا جِئْتُ السُّوقَ عَرَفْتُهُ بِالصِّفَةِ فَجَعَلْتُ أَسْتَخْفِي مِنْهُ بِالنَّاسِ لَا يَأْخُذُ طَرِيقًا إِلَّا أَخَذْتُ غَيْرَهُ حَتَّى بِعْتُ مَا مَعِي بِدِينَارَيْنِ ثُمَّ إِنِّي غَفَلْتُ غَفْلَةً فَلَمْ أَشْعُرْ إِلَّا وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِي قَدْ أَخَذَ بِيَدِي فَجَعَلَ.
يَسْأَلُنِي مَا مَعَكَ قَالَ قُلْتُ لَهُ أَتَجْعَلُ لِي إِنْ يُخَلِّي سَبِيلِي أُعْطِكَ مَا مَعِي قَالَ وَكَمْ مَعَكَ قُلْتُ دِينَارَانِ قَالَ: زِدْنِي، قُلْتُ: مَا بِعْتُ إِلَّا بِهِمَا، قَالَ: زِدْنِي، قَالَ: فَبَيْنَمَا هُوَ إِذْ بَصُرَ بِهِ رَجُلَانِ وَهُمَا عَلَى تَلٍّ فَانْحَطَّا نَحْوَهُ، فَلَمَّا رَآهُمَا خَلَّى سَبِيلِي وَهَرَبَ، فَجَعَلْتُ أُنَادَيهَ هَاكَ الدِّينَارَيْنِ فَقَالَ لَا حَاجَةَ لِي فيهما واتبعاه وَرَجَعْتُ إِلَى أَصْحَابِي» .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ بِبَغْدَادَ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ السَّمَّاكِ قَالَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سَلَّامٍ ح وأَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْخَالِقِ بْنُ عَلِيِّ ابن عَبْدِ الْخَالِقِ الْمُؤَذِّنُ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَبِيبٍ [(٤٠)]، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ: الْحَسَنُ بْنُ سَلَّامٍ السَّوَّاقُ سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ، قَالَ:
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ «أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﵌ أَنْ نَنْطَلِقَ مَعَ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، قَالَ: فَقَدِمْنَا فَبُعِثَ إِلَيْنَا قَالَ لَنَا جَعْفَرٌ لَا يَتَكَلَّمْ [(٤١)] مِنْكُمْ أَحَدٌ أَنَا خَطِيبُكُمُ اليوم.
_________________
(١) [(٤٠)] في (ص): «خنب» . [(٤١)] في (ص): «لا يتكلمن» .
[ ٢ / ٢٩٩ ]
قَالَ: فَانْتَهَيْنَا إِلَى النَّجَاشِيِّ وَهُوَ جَالِسٌ فِي مَجْلِسِهِ فَزَبَرَنَا مَنْ عِنْدَهُ مِنَ الْقِسِّيسِينَ وَالرُّهْبَانَ اسْجُدُوا لِلْمَلِكِ فَقَالَ جَعْفَرٌ لَا نَسْجُدُ إِلَّا لِلَّهِ قَالَ لَهُ النَّجَاشِيُّ:
وَمَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ؟ قَالَ: لَا نَسْجُدُ إِلَّا لِلَّهِ، قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: إِنَّ اللهَ ﷿ بَعَثَ إِلَيْنَا رَسُولَهُ، وَهُوَ الرَّسُولُ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ عِيسَى بن مَرْيَمَ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ، فَأَمَرَنَا أَنْ نَعْبُدَ اللهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَنُقِيمَ الصَّلَاةَ وَنُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَأَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَى عَنِ الْمُنْكَرِ.
فَأَعْجَبَ النَّجَاشِيَّ قَوْلُهُ قَالَ فَمَا يَقُولُ صَاحِبُكَ فِي ابْنِ مَرْيَمَ، قَالَ: يَقُولُ فِيهِ هُوَ رُوحُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَخْرَجَهُ مِنَ الْعَذْرَاءِ الْبَتُولِ الَّتِي لَمْ يَقْرَبْهَا بَشَرٌ، فَتَنَاوَلَ النَّجَاشِيُّ عُودًا مِنَ الْأَرْضِ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْقِسِّيسِينَ وَالرُّهْبَانِ: مَا يَزِيدُ هَؤُلَاءِ عَلَى مَا تَقُولُونَ فِي ابْنِ مَرْيَمَ مَا تَزِنُ هَذِهِ. مَرْحَبًا بِكُمْ وَبِمَنْ جِئْتُمْ مِنْ عِنْدِهِ فَأَنَا أَشْهَدُ أَنَّهُ رَسُولُ اللهِ وَإِنَّهُ بَشَّرَ بِهِ عيسى بن مَرْيَمَ، وَلَوْلَا مَا أَنَا فِيهِ مِنَ الْمُلْكِ لَأَتَيْتُهُ حَتَّى أَحْمِلَ نَعْلَيْهِ امْكُثُوا فِي أَرْضِي مَا شِئْتُمْ وَأَمَرَ لَنَا بِطَعَامٍ وَكِسْوَةٍ» .
قُلْتُ هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ [(٤٢)] وَظَاهِرُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَبَا مُوسَى كَانَ بِمَكَّةَ، وَأَنَّهُ خَرَجَ مَعَ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَالصَّحِيحُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ جَدِّهِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى «أَنَّهُ بَلَغَهُمْ مَخْرَجُ رَسُولِ اللهِ ﵌ وَهُمْ بِالْيَمَنِ فَخَرَجُوا مُهَاجِرِينَ فِي بِضْعٍ وَخَمْسِينَ رَجُلًا فِي سَفِينَةٍ فَأَلْقَتْهُمْ سَفِينَتُهُمْ إِلَى النَّجَاشِيِّ بِالْحَبَشَةِ فَوَافَقُوا جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَأَصْحَابَهُ عِنْدَهُ فَأَمَرَهُمْ جَعْفَرٌ بِالْإِقَامَةِ فَأَقَامُوا حَتَّى قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ زَمَنَ خَيْبَرَ» .
فَأَبُو مُوسَى شَهِدَ مَا جَرَى بَيْنَ جَعْفَرٍ وَبَيْنَ النَّجَاشِيِّ، فَأَخْبَرَ عَنْهُ وَلَعَلَّ الرَّاوِي وَهِمَ فِي قَوْلِهِ أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﵌ أَنْ نَنْطَلِقَ وَاللهُ أعلم.
_________________
(١) [(٤٢)] وأخرجه أبو نعيم في الدلائل، ونقله الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية» (٣: ٧٠) .
[ ٢ / ٣٠٠ ]
وَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارَ بِإِسْنَادِهِ قِصَّةً طَوِيلَةً فِي هَذِهِ الْهِجْرَةِ.
وَهِيَ فِيمَا
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الله الحافظ وأبو بكر أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي وأبو سَعِيدِ بْنُ أَبِي عَمْرٍو، قَالُوا حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْعُطَارِدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﵌ أَنَّهَا قَالَتْ «لَمَّا ضَاقَتْ عَلَيْنَا مَكَّةُ وَأُوذِيَ أصحاب رسول الله ﵌، وَفُتِنُوا وَرَأَوْا مَا يُصِيبُهُمْ مِنَ الْبَلَاءِ وَالْفِتْنَةِ فِي دِينِهِمْ وَأَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ لَا يَسْتَطِيعُ دَفْعَ ذَلِكَ عَنْهُمْ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﵌ فِي مَنَعَةٍ مِنْ قَوْمِهِ وَمِنْ عَمِّهِ، لَا يَصِلُ إِلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا يَكْرَهُ مِمَّا يَنَالُ أَصْحَابُهُ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﵌: إِنَّ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ مَلِكًا لَا يُظْلَمُ أَحَدٌ عِنْدَهُ فَالْحَقُوا بِبِلَادِهِ حَتَّى يَجْعَلَ اللهُ لَكُمْ فَرَجًا وَمَخْرَجًا مِمَّا أَنْتُمْ فِيهِ، فَخَرَجْنَا إِلَيْهَا أَرْسَالًا حَتَّى اجْتَمَعْنَا بِهَا فَنَزَلْنَا بِخَيْرِ دَارٍ وَإِلَى خَيْرِ جَارٍ آمَنَّا عَلَى دِينِنَا، وَلَمْ نَخْشَ مِنْهُ ظُلْمًا.
فَلَمَّا رَأَتْ قُرَيْشٌ أَنَّا قَدْ أَصَبْنَا دَارًا وَأَمْنًا اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَبْعَثُوا إِلَيْهِ فِينَا فَيُخْرِجُنَا مِنْ بِلَادِهِ، وَلِيَرُدَّنَا عَلَيْهِمْ، فَبَعَثُوا عَمْرَو بن العاص وَعَبْدُ اللهِ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ فَجَمَعُوا لَهُ هَدَايَا وَلِبَطَارِقَتِهِ، فَلَمْ يَدَعُوا مِنْهُمْ رَجُلًا إِلَّا هَيَّئُوا لَهُ هَدِيَّةً عَلَى حِدَةٍ، قَالُوا لَهُمَا: ادْفَعُوا إِلَى كُلِّ بِطْرِيقٍ هَدِيَّتَهُ قبل تَتَكَلَّمُوا فِيهِمْ، ثُمَّ ادْفَعُوا هَدَايَاهُ وَإِنِ اسْتَطَعْتُمَا أَنْ يَرُدَّهُمْ عَلَيْكُمْ قَبْلَ أَنْ يُكَلِّمَكُمْ فَافْعَلُوا.
فَقَدِمَا عَلَيْنَا فَلَمْ يَبْقَ بِطْرِيقٌ مِنْ بَطَارِقَتِهِ إِلَّا قَدَّمُوا إِلَيْهِ هَدِيَّتَهُ وَكَلَّمُوهُ فَقَالُوا لَهُ إِنَّا قَدِمْنَا عَلَى هَذَا الْمَلِكِ فِي سُفَهَاءَ مِنْ سُفَهَائِنَا فَارَقُوا أَقْوَامَهُمْ فِي دِينِهِمْ وَلَمْ يَدْخُلُوا فِي دِينِكُمْ فَبَعَثَنَا قَوْمُهُمْ لِيَرُدَّهُمُ الْمَلِكُ عَلَيْهِمْ فَإِذَا نَحْنُ كَلَّمْنَاهُ فَأَشِيرُوا عَلَيْهِ بِأَنْ يَفْعَلَ فَقَالُوا نَفْعَلُ ثُمَّ قَدَّمُوا إِلَى النَّجَاشِيِّ هَدَايَاهُ وَكَانَ مِنْ أَحَبِّ مَا يُهْدَى إِلَيْهِ مِنْ مَكَّةَ الْأُدْمُ فَلَمَّا أَدْخَلُوا عَلَيْهِ هَدَايَاهُ قَالُوا لَهُ أَيُّهَا الْمَلِكُ إِنَّ فِتْيَةً مِنْ
[ ٢ / ٣٠١ ]
سُفَهَائِنَا [(٤٣)] فَارَقُوا دِينَ قَوْمِهِمْ وَلَمْ يَدْخُلُوا فِي دِينِكَ وَجَاءُوا بِدِينٍ مُبْتَدَعٍ لَا نعرفه وقد لجأوا إِلَى بِلَادِكَ، فَبَعَثَنَا إِلَيْكَ فِيهِمْ عَشَائِرُهُمْ آبَاؤُهُمْ وَأَعْمَامُهُمْ وَقَوْمُهُمْ لِتَرُدَّهُمْ عَلَيْهِمْ فَهُمْ أَعْلَاهُمْ [(٤٤)] عَيْنًا فَقَالَتْ بَطَارِقَتُهُ صَدَقُوا أَيُّهَا الْمَلِكُ لَوْ رَدَدْتَهُمْ عَلَيْهِمْ كَانُوا أَعْلَاهُمْ عَيْنًا [(٤٥)] . فَإِنَّهُمْ لَمْ يَدْخُلُوا فِي دِينِكَ فَتَمْنَعَهُمْ بِذَلِكَ فَغَضِبَ ثُمَّ قَالَ لَا لعمر اللهِ لَا أَرُدُّهُمْ إِلَيْهِمْ حَتَّى أَدْعُوَهُمْ فَأُكَلِّمَهُمْ وَأَنْظُرَ ما أمرهم. قوم لجأوا إِلَى بِلَادِي وَاخْتَارُوا جِوَارِي عَلَى جِوَارِ غَيْرِي، فَإِنْ كَانُوا كَمَا تَقُولُونَ رَدَدْتُهُمْ عَلَيْهِمْ وَإِنْ كَانُوا عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ مَنَعْتُهُمْ، وَلَمْ أُخَلِّ مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُمْ وَلَمْ أُنْعِمْهُمْ عَيْنًا.
فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمُ النَّجَاشِيُّ فَجَمَعَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَبْغَضَ إِلَى عمرو بن العاص وَعَبْدُ اللهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ مِنْ أَنْ يَسْمَعَ كَلَامَهُمْ فَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولُ النَّجَاشِيِّ، اجْتَمَعَ الْقَوْمُ فَقَالَ مَاذَا تَقُولُونَ فَقَالُوا وَمَاذَا نَقُولُ نَقُولُ وَاللهِ مَا نَعْرِفُ وَمَا نَحْنُ عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِ دِينِنَا وَمَا جَاءَنَا بِهِ نَبِيُّنَا ﵌ كَائِنٌ فِي ذَلِكَ مَا كَانَ. فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ كَانَ الَّذِي يكَلِّمُهُ مِنْهُمْ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ لَهُ النَّجَاشِيُّ مَا هَذَا [الدِّينُ] [(٤٦)] الَّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ فَارَقْتُمْ دِينَ قَوْمِكُمْ وَلَمْ تَدْخُلُوا فِي يَهُودِيَّةٍ وَلَا نَصْرَانِيَّةٍ فَمَا هَذَا الدِّينُ؟ فَقَالَ جَعْفَرٌ أَيُّهَا الْمَلِكُ كُنَّا قَوْمًا عَلَى الشِّرْكِ نَعْبُدُ الْأَوْثَانَ وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةُ وَنُسِيءُ الْجِوَارَ وَنَسْتَحِلُّ الْمَحَارِمَ بَعْضُنَا مِنْ بَعْضٍ فِي سَفْكِ الدِّمَاءِ وَغَيْرِهَا لَا نُحِلُّ شَيْئًا وَلَا نُحَرِّمُهُ، فَبَعَثَ اللهُ إِلَيْنَا نَبِيًّا مِنْ أَنْفُسِنَا نَعْرِفُ وَفَاءَهُ وَصِدْقَهُ وَأَمَانَتَهُ، فَدَعَانَا إِلَى أَنْ نَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَنَصِلَ الرَّحِمَ، وَنُحْسِنَ الْجِوَارَ، وَنُصَلِّيَ لِلَّهِ، وَنَصُومَ لَهُ، وَلَا نَعْبُدَ غَيْرَهُ.
_________________
(١) [(٤٣)] في (ص): «منا سفهاء» . [(٤٤)] في (ص): «أعلا بها» . [(٤٥)] في (ص): «كانوا هم أعلى بهم عينا» . [(٤٦)] ليست في (ص) .
[ ٢ / ٣٠٢ ]
قَالَ فَقَالَ: فَهَلْ مَعَكَ شَيْءٌ مِمَّا جَاءَ بِهِ وَقَدْ دَعَا أَسَاقِفَتَهُ فَأَمَرَهُمْ فَنَشَرُوا الْمَصَاحِفَ حَوْلَهُ فَقَالَ لَهُ جَعْفَرٌ نَعَمْ فَقَالَ هَلُمَّ فَاتْلُ عَلَيَّ مَا جَاءَ بِهِ فَقَرَأَ عَلَيْهِ صَدْرًا مِنْ كهيعص، فَبَكَى وَاللهِ النَّجَاشِيُّ حَتَّى اخْضَلَّتْ لِحْيَتُهُ وَبَكَتْ أَسَاقِفَتُهُ، حَتَّى أَخْضَلُوا مَصَاحِفَهُمْ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَيَخْرُجُ مِنَ الْمِشْكَاةِ الَّتِي جَاءَ بِهَا عِيسَى، انْطَلِقُوا رَاشِدِينَ لَا وَاللهِ لَا أَرُدُّهُمْ عَلَيْكُمْ وَلَا أُنْعِمُكُمْ عَيْنًا.
فَخَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِ وَكَانَ أَبْقَى الرَّجُلَيْنِ فِينَا عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي ربيعة فقال عمرو ابن الْعَاصِ: وَاللهِ لَآتِيَنَّهُ غَدًا بِمَا أَسْتَأْصِلُ بِهِ خَضْرَاءَهُمْ فَلَأُخْبِرَنَّهُ [(٤٧)] أَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ إِلَهَهُ الَّذِي يَعْبُدُ عِيسَى بن مَرْيَمَ عَبْدٌ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَبِيعَةَ لَا تَفْعَلْ فَإِنَّهُمْ وَإِنْ كَانُوا خَالَفُونَا فَإِنَّ لهم رحما ولهم حقا فَقَالَ وَاللهِ لَأَفْعَلَنَّ.
فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ دَخَلَ عَلَيْهِ فَقَالَ: أَيُّهَا الْمَلِكُ إِنَّهُمْ يَقُولُونَ فِي عِيسَى قَوْلًا عَظِيمًا، فَأَرْسِلْ إِلَيْهِمْ فَاسْأَلْهُمْ عَنْهُ فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ وَلَمْ يَنْزِلْ بِنَا مِثْلُهَا فَقَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ مَاذَا تَقُولُونَ لَهُ فِي عِيسَى إِنْ هُوَ سَأَلَكُمْ عَنْهُ فَقَالَ نَقُولُ وَاللهِ الَّذِي قَالَ اللهُ تَعَالَى فِيهِ وَالَّذِي أَمَرَنَا بِهِ نَبِيُّنَا ﵌ أَنْ نَقُولَ فِيهِ.
فَدَخَلُوا عَلَيْهِ وَعِنْدَهُ بَطَارِقَتُهُ فَقَالَ مَاذَا تَقُولُونَ فِي عيسى بن مَرْيَمَ: فَقَالَ لَهُ جَعْفَرٌ: نَقُولُ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَكَلِمَتُهُ وَرُوحُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ الْبَتُولِ، فَدَلَّى النَّجَاشِيُّ يَدَهُ إِلَى الْأَرْضِ وَأَخَذَ عُوَيْدًا بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ فَقَالَ مَا عَدَا عِيسَى بن مَرْيَمَ مَا قُلْتَ هَذَا العويد، فتناحرت بَطَارِقَتُهُ، فَقَالَ: وَإِنْ تَنَاخَرْتُمْ وَاللهِ. اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ سُيُومٌ فِي أَرْضِي وَالسُّيُومُ الْآمِنُونَ. مَنْ سَبَّكُمْ غَرِمَ ثُمَّ مَنْ سَبَّكُمْ غَرِمَ ثُمَّ مَنْ سَبَّكُمْ غَرِمَ ثَلَاثًا مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي دَبْرًا وَأَنِّي آذَيْتُ رَجُلًا مِنْكُمْ وَالدَّبْرُ بِلِسَانِهِمُ الذَّهَبُ فو الله مَا أَخَذَ اللهُ مِنِّي الرِّشْوَةَ حِينَ رَدَّ عَلَيَّ ملكي فآخذ الرشوة فيه وَلَا أَطَاعَ النَّاسَ فِيَّ فَأُطِيعَ النَّاسَ فِيهِ، رُدُّوا عَلَيْهِمَا هَدَايَاهُمَا فَلَا حَاجَةَ لِي بِهَا
_________________
(١) [(٤٧)] في (ص): «ولأخبرنه» .
[ ٢ / ٣٠٣ ]
فَاخْرُجَا [(٤٨)] مِنْ بِلَادِي، فَرَجَعَا مَقْبُوحَيْنِ مَرْدُودًا عَلَيْهِمَا مَا جَاءَا بِهِ.
فَأَقَمْنَا مَعَ خَيْرِ جَارٍ وَفِي خَيْرِ دَارٍ فَلَمْ يَنْشِبْ أَنْ خَرَجَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ الْحَبَشَةِ يُنَازِعُهُ فِي مُلْكِهِ فو الله مَا عَلِمْنَا حُزْنًا حَزِنَّا قَطُّ كَانَ أَشَدَّ مِنْهُ فَرَقًا مِنْ أَنْ يَظْهَرَ ذَلِكَ الْمَلِكُ عَلَيْهِ فَيَأْتِيَ مَلِكٌ لَا يَعْرِفُ مِنْ حَقِّنَا مَا كَانَ يَعْرِفُهُ، فَجَعَلْنَا نَدْعُو اللهَ [وَنَسْتَنْصِرَهُ] [(٤٩)] لِلنَّجَاشِيِّ فَخَرَجَ إِلَيْهِ سَائِرًا، فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﵌ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: مَنْ رَجُلٌ يَخْرُجُ فَيَحْضُرَ الْوَقْعَةَ حَتَّى يَنْظُرَ مَا يَكُونُ، فَقَالَ الزُّبَيْرُ- وَكَانَ مِنْ أَحْدَثِهِمْ سِنًّا- أَنَا فَنَفَخُوا لَهُ قِرْبَةً فَجَعَلَهَا فِي صَدْرِهِ ثُمَّ خَرَجَ يَسْبَحُ عَلَيْهَا فِي النِّيلِ حَتَّى خَرَجَ مِنْ شِقِّهِ الْآخَرِ إِلَى حَيْثُ الْتَقَى النَّاسُ فَحَضَرَ الْوَقْعَةَ فَهَزَمَ اللهُ ذَلِكَ الْمَلِكَ وَقَتَلَهُ، وَظَهَرَ النَّجَاشِيُّ عَلَيْهِ، فَجَاءَنَا الزُّبَيْرُ فَجَعَلَ يُلَيِّحُ إِلَيْنَا بِرِدَائِهِ وَيَقُولُ: أَلَا أَبْشِرُوا فَقَدْ أظهر الله النجاشي، فو الله مَا عَلِمْنَا فَرَحَنَا بِشَيْءٍ قَطُّ فَرَحَنَا بِظُهُورِ النَّجَاشِيِّ [(٥٠)] .
ثُمَّ أَقَمْنَا عِنْدَهُ حَتَّى خَرَجَ مَنْ خَرَجَ مِنَّا رَاجِعًا إِلَى مَكَّةَ وَأَقَامَ مَنْ أَقَامَ» .
قَالَ الزُّهْرِيُّ فَحَدَّثْتُ بِهَذَا الْحَدِيثَ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، فَقَالَ عُرْوَةُ: هَلْ تَدْرِي مَا قَوْلُهُ مَا أَخَذَ اللهُ مِنِّي الرِّشْوَةَ حِينَ رَدَّ عَلَيَّ مُلْكِي فآخذ الرشوة فيه، ولا أَطَاعَ النَّاسَ فِيَّ فَأُطِيعُ النَّاسَ فِيهِ؟ قَالَ فَقَالَ لَا إِنَّمَا حَدَّثَنِي بِذَلِكَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ.، فَقَالَ عُرْوَةُ: فَإِنَّ عَائِشَةَ حَدَّثَتْنِي أَنَّ أَبَاهُ كَانَ مَلِكَ قَوْمِهِ وَكَانَ لَهُ أَخٌ مِنْ صُلْبِهِ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، وَلَمْ يَكُنْ لِأَبِي النَّجَاشِيِّ وَلَدٌ غَيْرُ النَّجَاشِيِّ، فَأَدَارَتِ الْحَبَشَةُ رَأْيَهَا بَيْنَهَا فَقَالُوا: إِنَّا إِنْ قَتَلْنَا أَبَا النَّجَاشِيِّ، وَمَلَّكَنَا أَخَاهُ فَإِنَّ لَهُ اثْنَى عَشَرَ رَجُلًا مِنْ صُلْبِهِ فَتَوَارَثُوا الْمُلْكَ لَبَقِيَتِ الْحَبَشَةُ عَلَيْهِمْ دَهْرًا طَوِيلًا لَا يَكُونُ بَيْنَهُمُ اخْتِلَافٌ، فَعَدَوْا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ، وملكوا
_________________
(١) [(٤٨)] في (ص): «واخرجا» . [(٤٩)] الزيادة من (ص) . [(٥٠)] الخبر بطوله في سيرة ابن هشام (١: ٣٥٧- ٣٦١) . والبداية والنهاية (٣: ٧٢- ٧٥) .
[ ٢ / ٣٠٤ ]
أَخَاهُ، فَدَخَلَ النَّجَاشِيُّ لِعَمِّهِ حَتَّى غَلَبَ عَلَيْهِ فَلَا يُدَبِّرُ أَمْرَهُ غَيْرُهُ وَكَانَ لَبِيبًا فَلَمَّا رَأَتِ الْحَبَشَةُ مَكَانَهُ مِنْ عَمِّهِ قَالُوا لَقَدْ غَلَبَ هَذَا الْغُلَامُ أَمْرَ عَمِّهِ، فَمَا نَأْمَنُ أَنْ يُمَلِّكَهُ عَلَيْنَا وَقَدْ عَرَفَ أَنَّا قَدْ قَتَلْنَا أَبَاهُ فَإِنْ فَعَلَ لَمْ يَدَعْ مِنَّا شَرِيفًا إِلَّا قَتَلَهُ، فَكَلَّمُوهُ فِيهِ فَلْنَقْتُلْهُ، أَوْ نُخْرِجْهُ مِنْ بِلَادِنَا فَمَشُوا إِلَى عَمِّهِ فَقَالُوا: قَدْ رَأَيْنَا مَكَانَ هَذَا الْفَتَى مِنْكَ وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّا قَدْ قَتَلْنَا أَبَاهُ وَجَعَلْنَاكَ مَكَانَهُ وَإِنَّا لَا نَأْمَنُ أَنْ تُمَلِّكَهُ عَلَيْنَا فَيَقْتُلَنَا، فَإِمَّا أَنْ نَقْتُلَهُ وَإِمَّا أَنْ تُخْرِجَهُ مِنْ بِلَادِنَا! قَالَ: فَقَالَ وَيْحَكُمْ قَتَلْتُمْ أَبَاهُ بِالْأَمْسِ وَأَقْتُلُهُ الْيَوْمَ، بَلْ أُخْرِجَهُ مِنْ بِلَادِكُمْ.
فَخَرَجُوا بِهِ فَوَقَفُوهُ بِالسُّوقِ فَبَاعُوهُ مِنْ تَاجِرٍ مِنَ التُّجَّارِ فَقَذَفَهُ فِي سفينة بستمئة دِرْهَمٍ أَوْ بِسَبْعِمِائَةِ دِرْهَمٍ.. فَانْطَلَقَ بِهِ فَلَمَّا كَانَ الْعَشِيُّ هَاجَتْ سَحَابَةٌ مِنْ سَحَابِ الْخَرِيفِ فَجَعَلَ عَمُّهُ يَتَمَطَّرُ تَحْتَهَا فَأَصَابَتْهُ صَاعِقَةٌ فَقَتَلَتْهُ، فَفَزِعُوا إِلَى وَلَدِهِ فَإِذَا هُمْ مُحَمَّقِينَ [(٥١)] لَيْسَ فِي أَحَدٍ مِنْهُمْ خَيْرٌ. فَمَرَجَ [(٥٢)] عَلَى الْحَبَشَةِ أَمْرُهُمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: تَعْلَمُونَ وَاللهِ إِنَّ مَلِكَكُمُ الَّذِي لَا يُصْلِحُ أَمْرَكُمْ غَيْرُهُ للّذي يعتم بِالْغَدَاةِ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ بِأَمْرِ الْحَبَشَةِ حَاجَةٌ فَأَدْرِكُوهُ قَبْلَ أَنْ يَذْهَبَ.
فَخَرَجُوا فِي طَلَبِهِ حَتَّى أَدْرَكُوهُ فَرَدُّوهُ فَعَقَدُوا عَلَيْهِ تَاجَهُ وَأَجْلَسُوهُ عَلَى سَرِيرِهِ وَمَلَّكُوهُ، فَقَالَ التَّاجِرُ: رُدُّوا عَلَيَّ مَالِي كَمَا أَخَذْتُمْ مِنِّي غُلَامِي، فَقَالُوا لَا نُعْطِيكَ فَقَالَ إِذًا [وَاللهِ] [(٥٣)] أُكَلِّمَهُ فَقَالُوا وَإِنْ. فَمَشَى إِلَيْهِ فَكَلَّمَهُ فَقَالَ أَيُّهَا الْمَلِكُ إِنِّي ابْتَعْتُ غُلَامًا فَقَبَضُوا مِنِّي الَّذِي بَاعُونِيهِ ثَمَنَهُ ثُمَّ عَدَمُوا عَلَى غُلَامِي فَنَزَعُوهُ مِنْ يَدِي وَلَمْ يَرُدُّوا عَلَيَّ مَالِي فَكَانَ أَوَّلُ مَا خُبِرَ مِنْ صَلَابَةِ حُكْمِهِ وَعَدْلِهِ أَنْ قال لتردّنّ عليه ما له أَوْ لَيَجْعَلَنَّ غُلَامُهُ يَدَهُ فِي يَدِهِ فَلْيَذْهَبَنَّ بِهِ حَيْثُ شَاءَ فَقَالُوا بَلْ نُعْطِيهِ مَالَهُ
_________________
(١) [(٥١)] «محمق»: الذي يلد الحمقى. [(٥٢)] (مرج): قلق واضطرب. [(٥٣)] من (ح) .
[ ٢ / ٣٠٥ ]
فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ فَلِذَلِكَ يَقُولُ مَا أَخَذَ اللهُ مِنِّي الرِّشْوَةَ فَآخُذُ الرِّشْوَةَ مِنْهُ حَيْثُ [(٥٤)] رَدَّ عَلَيَّ مُلْكِي وَمَا أَطَاعَ النَّاسَ فِيَّ فَأُطِيعُهُمْ فِيهِ» [(٥٥)] .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ وَأَبُو سعيد بن أَبِي عَمْرٍو، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حدثنا يونس ابْنِ بُكَيْرٍ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: إِنَّمَا كَانَ يُكَلِّمُ النَّجَاشِيَّ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ﵁.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ حَدَّثَنَا يُونُسُ [بْنُ بُكَيْرٍ] [(٥٦)] عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: «ثُمَّ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ عِشْرُونَ رَجُلًا وَهُوَ بِمَكَّةَ أَوْ قَرِيبٍ مِنْ ذَلِكَ مِنَ النَّصَارَى حِينَ ظَهَرَ خَبَرُهُ مِنَ الْحَبَشَةِ فَوَجَدُوهُ فِي الْمَجْلِسِ فَكَلَّمُوهُ وَسَاءَلُوهُ، وَرِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ فِي أَنْدِيَتِهِمْ حَوْلَ الْكَعْبَةِ، فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْ مَسْأَلَتِهِمْ رَسُولَ اللهِ ﵌ عَمَّا أَرَادُوا، دَعَاهُمْ رَسُولُ اللهِ ﵌ إِلَى اللهِ ﷿ وَتَلَا عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ، فَلَمَّا سَمِعُوا فَاضَتْ أَعْيُنُهُمْ مِنَ الدَّمْعِ ثُمَّ اسْتَجَابُوا لَهُ وَآمَنُوا بِهِ وَصَدَّقُوهُ، وَعَرَفُوا مِنْهُ مَا كَانَ يُوصَفُ لَهُمْ فِي كِتَابِهِمْ مِنْ أَمْرِهِ، فَلَمَّا قَامُوا مِنْ عِنْدِهِ اعْتَرَضَهُمْ أَبُو جَهْلٍ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَالُوا: خَيَّبَكُمُ اللهُ مِنْ رَكْبٍ: بَعَثَكُمْ مَنْ وراكم مِنْ أَهْلِ دِينِكُمْ تَرْتَادُونَ لَهُمْ، فَتَأْتُونَهُمْ بِخَبَرِ الرَّجُلِ فَلَمْ نَطْمَئِنْ مَجَالِسَكُمْ عِنْدَهُ حَتَّى فَارَقْتُمْ دِينَكُمْ وَصَدَّقْتُمُوهُ بِمَا قَالَ لَكُمْ، مَا نَعْلَمُ رَكْبًا أَحْمَقَ مِنْكُمْ أَوْ كَمَا قَالُوا لَهُمْ، فَقَالُوا: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نُجَاهِلُكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا نَأْلُوا أَنْفُسَنَا خَيْرًا.
فَيُقَالُ إِنَّ النَّفَرَ النَّصَارَى مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ» وَاللهُ أَعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ. وَيُقَالُ وَاللهُ أَعْلَمُ إِنَّ فِيهِمْ نَزَلَتْ هَؤُلَاءِ الْآيَاتُ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ
_________________
(١) [(٥٤)] في (ص): «حين» . [(٥٥)] سيرة ابن هشام (١: ٣٦٢- ٣٦٣)، والبداية والنهاية (٣: ٧٥- ٧٦) . [(٥٦)] من (ص) .
[ ٢ / ٣٠٦ ]
إِلَى قَوْلِهِ لَا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ [(٥٧)] .
أَنْبَأَنَا الْفَقِيهُ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الطُّوسِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِلَالُ بْنُ الْعَلَاءِ الرَّقِّيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبِي الْعَلَاءُ بْنُ هِلَالٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي هِلَالُ بْنُ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي غَالِبٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ: «قَدِمَ وَفْدُ النَّجَاشِيِّ عَلَى النَّبِيِّ ﵌ فَقَامَ يَخْدُمُهُمْ، فَقَالَ أَصْحَابُهُ نَحْنُ نَكْفِيكَ، فَقَالَ: إِنَّهُمْ كَانُوا لِأَصْحَابِنَا مُكْرِمِينَ وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أُكَافِئَهُمْ» .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ الْأَصْبَهَانِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدِ بْنُ الْأَعْرَابِيِّ [قَالَ] [(٥٨)] حَدَّثَنَا هِلَالُ بْنُ الْعَلَاءِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا طَلْحَةُ بْنُ يَزِيدَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ «قَدِمَ وَفْدُ النَّجَاشِيِّ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ فَقَامَ يَخْدُمُهُمْ فَقَالَ أَصْحَابُهُ نَحْنُ نَكْفِيكَ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ إِنَّهُمْ كَانُوا لِأَصْحَابِنَا مُكْرِمِينَ وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أُكَافِئَهُمْ» تَفَرَّدَ بِهِ طَلْحَةُ بْنُ زَيْدٍ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ السَّمَّاكِ قَالَ حَدَّثَنَا حَنْبَلُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ «لَمَّا قَدِمَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ جَلَسَ فِي بَيْتِهِ فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ فَقَالُوا مَا شأنه ماله لَا يَخْرُجُ. فَقَالَ عَمْرٌو: إِنَّ أَصْحَمَةَ يَزْعُمُ أَنَّ صاحبكم نبي» .
_________________
(١) [(٥٧)] الآية الكريمة (٥٥) من سورة القصص، والخبر نقله ابن كثير (٣: ٨٢) عن المصنف. [(٥٨)] الزيادة من (ص) .
[ ٢ / ٣٠٧ ]
بَابُ مَا جَاءَ فِي كِتَابِ النَّبِيِّ ﵌ إِلَى النَّجَاشِيِّ
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ حَدَّثَنَا يُونُسُ بن بكير عن ابن إِسْحَاقَ قَالَ: هَذَا كِتَابٌ مِنَ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ﵌ إِلَى النَّجَاشِيِّ «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذَا كِتَابٌ مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ إِلَى النَّجَاشِيِّ الْأَصْحَمِ عَظِيمِ الْحَبَشَةِ سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى وَآمَنَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَشَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَمْ يَتَّخِذْ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَأَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ اللهِ [(٥٩)] فَإِنِّي أَنَا رَسُولُهُ فَأَسْلِمْ تَسْلَمْ. يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ: أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللهَ، وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ- فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [(٦٠)] . فَإِنْ أَبَيْتَ فَعَلَيْكَ إِثْمُ النَّصَارَى مِنْ قَوْمِكَ [(٦١)] .
_________________
(١) [(٥٩)] في (ص): «الإسلام» . [(٦٠)] [آل عمران- ٦٤] . [(٦١)] أخرجه الحاكم في «المستدرك» (٢: ٦٢٣)، ونقله الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية» (٣: ٨٢) عن المصنف، وقال: «هكذا ذكره البيهقي بعد قصة هجرة الحبشة، وفي ذكره هاهنا نظر، فإن الظاهر أن هذا الكتاب إنما هو الى النجاشي صاحب جعفر وأصحابه، وذلك حين كتب الى ملوك الأرض يدعوهم إلى الله قبيل الفتح كما كتب إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ قيصر الشام، وإلى كسرى ملك الفرس، وإلى صاحب مصر، وإلى النجاشي، قال الزهري: كانت كتب النبي ﵌ إليهم واحدة، يعني نسخة واحدة، وكلها فيها هذه الآية، وهي من سورة آل عمران، وهي مدنية
[ ٢ / ٣٠٨ ]
وَفِي كِتَابٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ الْحَافِظِ فِي الْجُزْءِ الَّذِي أَجَازَ لِي رِوَايَتَهُ عَنْهُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْفَقِيهُ، بِمَرْوَ، قال: حدثنا حماد ابن أَحْمَدَ، قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ، عَنْ محمد ابن إِسْحَاقَ، قَالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﵌ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ إِلَى النَّجَاشِيِّ فِي شَأْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَأَصْحَابِهِ، وَكَتَبَ مَعَهُ كِتَابًا: «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ إِلَى النَّجَاشِيِّ الْأَصْحَمِ مَلِكِ الْحَبَشَةِ سَلَامٌ عَلَيْكَ فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكَ اللهَ الْمَلِكَ الْقُدُّوسَ الْمُؤْمِنَ الْمُهَيْمِنَ وَأَشْهَدُ أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رُوحُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ الْبَتُولِ الطَّيِّبَةِ الْحَصِينَةِ فَحَمَلَتْ بِعِيسَى فَخَلَقَهُ مِنْ رُوحِهِ وَنَفَخَهُ كَمَا خَلَقَ آدَمَ بِيَدِهِ وَنَفَخَهُ، وَإِنِّي أَدْعُوكَ إِلَى اللهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَالْمُوَالَاةِ عَلَى طَاعَتِهِ، وَأَنْ تَتَّبِعَنِي وَتُؤْمِنَ بِي وَبِالَّذِي جَاءَنِي فَإِنِّي رَسُولُ اللهِ، وَقَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكُمُ ابْنَ عَمِّي جَعْفَرًا وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَإِذَا جَاءُوكَ فَاقْرِهِمْ وَدَعِ التَّجَبُّرَ فَإِنِّي أَدْعُوكَ وَجُنُودَكَ إِلَى اللهِ وَقَدْ بَلَّغْتُ وَنَصَحْتُ فَاقْبَلُوا نَصِيحَتِي وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى» .
وَكَتَبَ النَّجَاشِيُّ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ مِنَ النَّجَاشِيِّ الْأَصْحِمِ بْنِ أَبْجَرَ سَلَامٌ عَلَيْكَ يَا نَبِيَّ اللهِ مِنَ اللهِ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الَّذِي هَدَانِي إِلَى الْإِسْلَامِ، فَقَدْ بَلَغَنِي كِتَابُكَ يَا رَسُولَ اللهِ فِيمَا ذَكَرْتَ مِنْ أَمْرِ عِيسَى فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ عِيسَى مَا يَزِيدُ عَلَى مَا ذَكَرْتَ، وَقَدْ عَرَفْنَا مَا بَعَثْتَ بِهِ إِلَيْنَا وَقَدْ قَرَيْنَا ابْنَ عَمِّكَ وَأَصْحَابَهُ، فَأَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ صَادِقًا مُصَدَّقًا وَقَدْ بَايَعْتُكَ وَبَايَعْتُ [(٦٢)] ابْنَ عَمِّكَ وَأَسْلَمَتُ على يديه لله
_________________
(١) [()] بلا خلاف، فهذا الكتاب إلى الثاني لا إلى الاول، وقوله فيه: إلى النجاشي الأصحم، لعل الأصحم مقحم فيه من الراوي بحسب ما فهم، والله اعلم. وانسب من هذا هاهنا ما ذكره البيهقي ايضا عن الحاكم وهي الرواية التالية، أنه أرسل الكتاب مع ابن عمه جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. [(٦٢)] في (ص): «تابعتك، وتابعت ابن عمك» .
[ ٢ / ٣٠٩ ]
رَبِّ الْعَالَمِينَ وَقَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكَ يَا نَبِيَّ اللهِ بِأَرِيحَا بْنِ الْأَصْحَمِ بْنِ أَبْجَرَ فَإِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَإِنْ شِئْتَ أَنْ آتِيَكَ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِنِّي أَشْهَدُ أَنَّ مَا تَقُولُ حَقٌّ» [(٦٣)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ كَانَ اسْمُ النَّجَاشِيِّ مَصْحَمَةَ، وَهُوَ بِالْعَرَبِيَّةِ عَطِيَّةُ، وَإِنَّمَا النَّجَاشِيُّ اسْمُ الْمَلِكِ كَقَوْلِكَ كِسْرَى هِرَقْلَ كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةَ مَصْحَمَةُ وَالَّذِي رُوِّينَا عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ فِي الْكِتَابِ أَصْحَمُ أَصَحُّ فَفِي حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ صَلَّى عَلَى أَصْحَمَةَ النجاشي» [(٦٤)] .
_________________
(١) [(٦٣)] البداية والنهاية (٣: ٨٣- ٨٤) . [(٦٤)] من حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله أخرجه البخاري في كتاب الجنائز. باب التكبير عن الجنائز أربعا، وفي كتاب المناقب، باب موت النجاشي، والنسائي (٤: ٦٩) في الجنائز، باب الصفوف على الجنازة ولفظ البخاري: «مَاتَ الْيَوْمَ رَجُلٌ صَالِحٌ فقوموا فصلوا على أخيكم اصحمة» . وفي الباب روايات مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وعمران بن حصين، وحذيفة بن أسيد، ومجمع بن حَارِثَةَ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ عمر، وجرير بن عبد الله.
[ ٢ / ٣١٠ ]
بَابُ دُخُولِ النَّبِيِّ ﵌ مَعَ مَنْ بَقِيَ مِنْ أَصْحَابِهِ شِعْبَ أَبِي طَالِبٍ، وَمَا ظَهَرَ مِنَ الْآيَاتِ فِي صَحِيفَةِ الْمُشْرِكِينَ الَّتِي كَتَبُوهَا عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ حِينَ مَنَعُوا رَسُولَ اللهِ ﵌ مِمَّنْ أَرَادَ قَتْلَهُ
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَتَّابٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ عَمِّهِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ.
(ح) وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ الشَّعْرَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَدِّي، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ، وَهَذَا لَفْظُ حَدِيثِ الْقَطَّانِ، قَالَ: «ثُمَّ إِنَّ الْمُشْرِكِينَ اشْتَدُّوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ كَأَشَدِّ مَا كَانُوا، حَتَّى بَلَغَ الْمُسْلِمِينَ الْجَهْدُ، وَاشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الْبَلَاءُ، وَاجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ فِي مَكْرِهَا أَنْ يَقْتُلُوا رَسُولَ اللهِ ﵌ عَلَانِيَةً، فَلَمَّا رَأَى أَبُو طَالِبٍ عَمَلَ الْقَوْمِ جَمَعَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُدْخِلُوا رَسُولَ اللهِ ﵌ شِعْبَهُمْ، وَيَمْنَعُوهُ مِمَّنْ أَرَادَ قَتْلَهُ، فَاجْتَمَعُوا عَلَى ذَلِكَ مُسْلِمُهُمْ وَكَافِرُهُمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ فَعَلَهُ حَمِيَّةً، وَمِنْهُمْ مَنْ فَعَلَهُ إِيمَانًا وَيَقِينًا فَلَمَّا عَرَفَتْ قُرَيْشٌ أَنَّ الْقَوْمَ قَدْ مَنَعُوا رَسُولَ الله ﵌ وَاجْتَمَعُوا عَلَى ذَلِكَ، اجْتَمَعَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ قُرَيْشٍ فَأَجْمِعُوا أَمْرَهُمْ أَنْ لَا يُجَالِسُوهُمْ وَلَا يُبَايِعُوهُمْ وَلَا يَدْخُلُوا بُيُوتَهُمْ حَتَّى يُسْلِمُوا رَسُولَ اللهِ ﵌ لِلْقَتْلِ، وَكَتَبُوا فِي مَكْرِهِمْ صَحِيفَةً وَعُهُودًا وَمَوَاثِيقَ لَا يَقْبَلُوا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ أَبَدًا صُلْحًا وَلَا تَأْخُذُهُمْ بِهِ رَأْفَةٌ حَتَّى
[ ٢ / ٣١١ ]
يُسْلِمُوهُ لِلْقَتْلِ فَلَبِثْ بَنُو هَاشِمٍ فِي شِعْبِهِمْ يَعْنِي ثَلَاثَ سِنِينَ [(١)] وَاشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الْبَلَاءُ وَالْجَهْدُ، وَقَطَعُوا عَنْهُمُ الْأَسْوَاقَ فَلَا يَتْرُكُوا طَعَامًا يَقْدَمُ مَكَّةَ وَلَا بَيْعًا إِلَّا بَادَرُوهُمْ إِلَيْهِ فَاشْتَرَوْهُ، يُرِيدُونَ بِذَلِكَ أَنْ يُدْرِكُوا سَفْكَ دَمِ رَسُولِ اللهِ ﵌.
وَكَانَ أَبُو طَالِبٍ إِذَا أَخَذَ النَّاسُ مَضَاجِعَهُمْ أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﵌ فَاضْطَجَعَ عَلَى فِرَاشِهِ حَتَّى يَرَى ذَلِكَ مَنْ أَرَادَ مَكْرًا بِهِ وَاغْتِيَالَهُ، فَإِذَا نَوَّمَ النَّاسُ أَمَرَ أَحَدَ بَنِيهِ أَوْ إِخْوَتِهِ أَوْ بَنِي عَمِّهِ فَاضْطَجَعَ عَلَى فِرَاشِ رَسُولِ اللهِ ﵌، وَأَمَرَ رَسُولَ اللهِ ﵌ أَنْ يَأْتِيَ بَعْضَ فُرُشِهِمْ فَيَنَامَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا كَانَ رَأْسُ ثَلَاثِ سِنِينَ تَلَاوَمَ رِجَالٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ وَمِنْ بَنِي قُصَيٍّ، وَرِجَالٌ سِوَاهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ قَدْ وَلَدَتْهُمْ نِسَاءٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ قَطَعُوا الرَّحِمَ واسْتَخَفُّوا بِالْحَقِّ، وَاجْتَمَعَ أَمْرُهُمْ مِنْ لَيْلَتِهِمْ عَلَى نَقْضِ مَا تَعَاهَدُوا عَلَيْهِ مِنَ الْغَدْرِ وَالْبَرَاءَةِ مِنْهُ وَبَعَثَ الله ﷿ عَلَى صَحِيفَتِهِمُ الَّتِي الْمَكْرُ فِيهَا بِرَسُولِ اللهِ ﵌ الأرضة [(٢)] فلحست كلما كَانَ فِيهَا مِنْ عَهْدٍ وَمِيثَاقٍ.
وَيُقَالُ كَانَتْ مُعَلَّقَةً فِي سَقْفِ الْبَيْتِ، وَلَمْ تَتْرُكِ اسْمًا لِلَّهِ ﷿ فِيهَا إِلَّا لَحَسَتْهُ، وَبَقِيَ مَا كَانَ فِيهَا مِنْ شِرْكٍ أَوْ ظُلْمَةٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ، وَأَطْلَعَ الله﷿- رَسُولَهُ عَلَى الَّذِي صَنَعَ بِصَحِيفَتِهِمْ، فَذَكَرَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﵌ لِأَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: لَا وَالثَّوَاقِبِ [(٣)] مَا كَذَبَنِي، فَانْطَلَقَ يَمْشِي بِعِصَابَةٍ [(٤)] مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ، وَهُوَ حَافِلٌ مِنْ قُرَيْشٍ فلما رأوهم
_________________
(١) [(١)] كان هذا العقد والحصار لبني هاشم وبني الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ فِي ليلة هلال المحرم سنة سبع من البعثة، وظلوا محاصرين إلى السنة العاشرة، وقيل: بل إلى السنة التاسعة. [(٢)] (الأرصنة): دويّبة تأكل الخشب. [(٣)] (الثواقب): «النجوم، جمع ثاقب، وهو النجم المضيء» . [(٤)] (العصابة): الجماعة.
[ ٢ / ٣١٢ ]
عَامِدِينَ لِجَمَاعَتِهِمْ، أَنْكَرُوا ذَلِكَ، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ خَرَجُوا مِنْ شِدَّةِ الْبَلَاءِ فَأَتَوْا [(٥)] لِيُعْطُوهُمْ رسول الله ﵌، فَتَكَلَّمَ أَبُو طَالِبٍ فَقَالَ: قَدْ حَدَثَتْ أُمُورٌ بَيْنَكُمْ لَمْ نَذْكَرْهَا لَكُمْ فَأْتُوا بِصَحِيفَتِكُمُ الَّتِي تَعَاهَدْتُمْ عَلَيْهَا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ صُلْحٌ، وَإِنَّمَا قَالَ. ذَلِكَ خَشْيَةَ أَنْ يَنْظُرُوا فِي الصَّحِيفَةِ قَبْلَ أَنْ يَأْتُوا بِهَا، فَأَتَوْا بِصَحِيفَتِهِمْ مُعْجَبِينَ بِهَا لَا يَشُكُّونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ مدفوعا إِلَيْهِمْ، فَوَضَعُوهَا بَيْنَهُمْ وَقَالُوا: قَدْ آنَ لَكُمْ أَنْ تَقْبَلُوا وَتَرْجِعُوا إِلَى أَمْرٍ يَجْمَعُ قَوْمَكُمْ، فَإِنَّمَا قَطَعَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ رَجُلٌ وَاحِدٌ جَعَلْتُمُوهُ خَطَرًا لِهَلَكَةِ قَوْمِكُمْ وَعَشِيرَتِكُمْ وَفَسَادِهِمْ، فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: إِنَّمَا أَتَيْتُكُمْ لِأُعْطِيَكُمْ أَمْرًا لَكُمْ فِيهِ نَصَفٌ [(٦)]، إِنَّ ابْنَ أَخِي قَدْ أَخْبَرَنِي وَلَمْ يَكْذِبْنِي: أَنَّ اللهَ ﷿ بَرِيءٌ مِنْ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ الَّتِي في أيديكم، ومحاكل اسْمٍ هُوَ لَهُ فِيهَا، وَتَرَكَ فِيهَا غَدْرَكُمْ وَقَطِيعَتَكُمْ إِيَّانَا وَتَظَاهُرَكُمْ عَلَيْنَا بِالظُّلْمِ، فَإِنْ كَانَ الْحَدِيثُ الَّذِي قَالَ ابْنُ أَخِي كَمَا قَالَ فَأَفِيقُوا، فو الله لَا نُسْلِمُهُ أَبَدًا حَتَّى نَمُوتَ مِنْ عِنْدِ آخِرِنَا، وَإِنْ كَانَ الَّذِي قَالَ بَاطِلًا دَفَعْنَاهُ إِلَيْكُمْ فَقَتَلْتُمْ أَوِ اسْتِحْيِيتُمْ.
قَالُوا: قَدْ رَضِينَا بِالَّذِي يَقُولُ فَفَتَحُوا الصَّحِيفَةَ فَوَجَدُوا الصَّادِقَ الْمَصْدُوقَ ﵌ قَدْ أَخْبَرَ خَبَرَهَا، فَلَمَّا رَأَتْهَا قُرَيْشٌ كَالَّذِي قَالَ أَبُو طَالِبٍ، قَالُوا:
وَاللهِ! إِنْ كَانَ هَذَا قط إلا سحر مِنْ صَاحِبِكُمْ، فَارْتَكَسُوا وَعَادُوا بِشَرِّ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ كُفْرِهِمْ وَالشِّدَّةِ عَلَى رسول الله ﵌ وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ رَهْطِهِ، وَالْقِيَامِ بِمَا تَعَاهَدُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ أُولَئِكَ النَّفَرُ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: أَنْ أَوْلَى بِالْكَذِبِ وَالسِّحْرِ غَيْرُنَا فَكَيْفَ تَرَوْنَ فَإِنَّا نَعْلَمُ أَنَّ الَّذِيَ اجْتَمَعْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ قَطِيعَتِنَا أَقْرَبُ إِلَى الْجِبْتِ وَالسِّحْرِ مِنْ أَمَرِنَا، وَلَوْلَا أَنَّكُمُ اجْتَمَعْتُمْ عَلَى السِّحْرِ لَمْ تَفْسُدْ صَحِيفَتُكُمْ
_________________
(١) [(٥)] في (ص): فأتوهم»، في (هـ): «وأتوهم» . [(٦)] (نصف): في الأصل هو المرأة بين الحدثة والمسنة، أي في أمر وسط بيننا وبينكم لا فيه حيف علينا ولا عليكم.
[ ٢ / ٣١٣ ]
وَهِيَ فِي أَيْدِيكُمْ طَمَسَ اللهُ مَا كَانَ فِيهَا مِنِ اسْمٍ وَمَا كَانَ مِنْ بَغِيٍّ تَرَكَهُ أَفَنَحْنُ السَّحَرَةُ أَمْ أَنْتُمْ؟ فَقَالَ عِنْدَ ذَلِكَ النَّفَرُ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافِ وَبَنِي قُصَيِّ وَرِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَلَدَتْهُمْ نِسَاءٌ [مِنْ] [(٧)] بَنِي هَاشِمٍ مِنْهُمْ: أَبُو الْبَخْتَرِيِّ، وَالْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ، وَزُهَيْرُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَزَمْعَةُ بْنُ الْأَسْوَدِ، وَهِشَامُ بْنُ عَمْرٍو، وَكَانَتِ الصَّحِيفَةُ عِنْدَهُ وَهُوَ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيِّ فِي رِجَالٍ مِنْ أَشْرَافِهِمْ وَوجُوهِهِمْ: نَحْنُ بُرَآءُ مِمَّا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ. فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: هَذَا أَمْرٌ قُضِيَ بِلَيْلٍ، وَأَنْشَأَ أَبُو طَالِبٍ يَقُولُ الشِّعْرَ فِي شَأْنِ صَحِيفَتِهِمْ وَيَمْتَدِحُ النَّفَرَ الذين تبرأوا مِنْهَا وَنَقَضُوا مَا كَانَ فِيهَا مِنْ عَهْدٍ وَيَمْتَدِحُ النَّجَاشِيَّ»، وَذَكَرَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ تِلْكَ الْأَبْيَاتِ [(٨)] وَهَكَذَا ذَكَرَ شَيْخُنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ ﵀ هَذِهِ الْقِصَّةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ [(٩)] .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: «فَلَمَّا مَضَى رَسُولُ اللهِ ﵌ عَلَى الَّذِي بُعِثَ بِهِ، وَقَامَتْ بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ [(١٠)] دُونَهُ وَأَبَوْا أَنْ يُسْلِمُوهُ وَهُمْ مِنْ خِلَافِهِ عَلَى مِثْلِ مَا قَوْمُهُمْ عَلَيْهِ
_________________
(١) [(٧)] الزيادة من (ص) و(هـ) . [(٨)] الأبيات في سيرة ابن هشام (١: ٣٧٣) من قصيدة مطلعها: ألم تعلموا أنّا وجدنا محمّدا* نبيّا كموسى خطّ في أوّل الكتب [(٩)] أنظر في تعاقد قريش عَلَى بَنِي هَاشِمٍ، وَبَنِي المطلب وكتابتهم صحيفة هذا العقد: ابن هشام (١: ٣٧١)، وابن سعد (١: ١: ١٣٩)، والطبري (٢: ٣٣٥)، وابن كثير (٣: ٨٤)، والنويري (١٦: ٢٥٨)، والسيرة الحلبية (١: ٤٤٩)، والدّرر في اختصار المغازي والسير (٥٣)، وسبل الهدى والرشاد (٢: ٥٠٢) . [(١٠)] في (ص) و(هـ): «وبنو عبد المطلب»، وهو تحريف ظاهر من الناسخ، فهم بنو الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ.
[ ٢ / ٣١٤ ]
إِلَّا أَنَّهُمْ أَنِفُوا أَنْ يُسْتَذَلُّوا وَيُسْلِمُوا أَخَاهُمْ لِمَنْ فَارَقَهُ مِنْ قَوْمِهِ فَلَمَّا فَعَلَتْ ذَلِكَ بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ وَعَرَفَتْ قُرَيْشٌ أَنْ لَا سَبِيلَ إِلَى مُحَمَّدٍ [﵌] [(١١)] مَعَهُمُ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَكْتُبُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ أَنْ لَا يُنْكِحُوهُمْ وَلَا يَنْكِحُوا إِلَيْهِمْ وَلَا يُبَايِعُوهُمْ وَلَا يَبْتَاعُوا مِنْهُمْ، وَكَتَبُوا صَحِيفَةً فِي ذَلِكَ وَعَلَّقُوهَا بِالْكَعْبَةِ ثُمَّ عَدَوْا عَلَى مَنْ أَسْلَمَ فَأَوْثَقُوهُمْ وَآذُوهُمْ وَاشْتَدَّ [(١٢)] الْبَلَاءُ عَلَيْهِمْ وَعَظُمَتِ الْفِتْنَةُ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا ثُمَّ ذَكَرَ الْقِصَّةَ بِطُولِهَا فِي دُخُولِهِمْ شِعْبِ أَبِي طَالِبٍ، وَمَا بَلَغُوا فِيهِ مِنَ الْجَهْدِ الشَّدِيدِ حَتَّى كَانَ يُسْمَعُ أَصْوَاتُ صِبْيَانِهِمْ يَتَضَاغَوْنَ مِنْ وَرَاءِ الشِّعْبِ مِنَ الْجُوعِ وَحَتَّى كَرِهَ عَامَّةُ قُرَيْشٍ مَا أَصَابَهُمْ وَأَظْهَرُوا كَرَاهِيَّتَهُمْ لِصَحِيفَتِهِمُ الظَّالِمَةِ وَذُكِرَ أَنَّ اللهَ ﷿ بِرَحْمَتِهِ أَرْسَلَ عَلَى صَحِيفَةِ قُرَيْشٍ الْأَرَضَةَ فَلَمْ تَدَعْ فِيهَا اسْمًا هُوَ لِلَّهِ [تَعَالَى] [(١٣)] إِلَّا أَكَلَتْهُ وَبَقِيَ فِيهَا الظُّلْمُ وَالْقَطِيعَةُ وَالْبُهْتَانُ فَأَخْبَرَ اللهُ ﷿ بِذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﵌ وَأَخْبَرَ الرَّسُولُ أَبَا طَالِبٍ ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةَ أَبِي طَالِبٍ مَعَهُمْ وَمَا جَرَى بَيْنَهُمْ فِي نَقْضِ الصَّحِيفَةِ- بِمَعْنَى مَا رُوِّينَا عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ وَأَتَمَّ مِنْهُ.
قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ: فَلَمَّا أَفْسَدَ اللهُ ﷿ صَحِيفَةَ مَكْرِهِمْ خَرَجَ النَّبِيُّ ﵌ وَرَهْطُهُ فَعَاشُوا وَخَالَطُوا الناس [(١٤)] .
_________________
(١) [(١١)] من (ص) . [(١٢)] في (ص): «واشتدوا» . [(١٣)] من (ص) . [(١٤)] سيرة ابن هشام (١: ٣٧١) وما بعدها.
[ ٢ / ٣١٥ ]
بَابُ قَوْلِ اللهِ ﷿: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ [الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [(١٥)]] الْآيَةَ وَمَا ظَهَرَ فِي كِفَايَةِ الْمُسْتَهْزِئِينَ مِنَ الْآيَاتِ
أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ [بْنِ مَحْمَشٍ] [(١٦)] الْفَقِيهُ ﵀ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَطَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ السُّلَمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَزِينٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ جَعْفَرِ ابن إِيَاسٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِ اللهِ ﷿: إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ، قال: «المستهزءون: الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، وَالْأَسْوَدُ بن عبد يغوث الزهري [(١٧)]، وَالْأَسْوَدُ بْنُ الْمُطَّلِبِ أَبُو زَمْعَةَ مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عبد
_________________
(١) [(١٥)] الآية الكريمة (٩٤) من سورة الحجر، وفي نسخة (ح) حتى قوله تعالى: «إنا كفيناك المستهزئين» . [(١٦)] ليست في (ص) ولا في (هـ)، وهو أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ محمش الزيادي، الفقيه الشافعي عالم نيسابور، تقدمت ترجمته في تقدمتنا للجزء الأول في باب شيوخ البيهقي. [(١٧)] الأسود بن عبد يغوث بن وهب بن زهرة، وهو ابن خال رسول الله ﵌. قال البلاذري: كان إذا رأى المسلمين قال لأصحابه: قد جاءكم ملوك الأرض الذين يرثون ملك. كسرى وقيصر. ويقول لِلنَّبِيِّ ﵌: أما كلّمت اليوم من السماء يا محمد. وما أشبه هذا القول. فخرج من عند أهله فأصابته السّموم فاسود وجهه حتى صار حبشيا، فأتى أهله فلم يعرفوه وأغلقوا دونه الباب، فرجع متلدّدا حتى مات عطشا. ويقال إن جبريل ﵌ أومأ إلى رأسه فضربته الأكلة فامتخض رأسه قيحا ويقال أومأ إلى بطنه فسقى بطنه ومات حبنا. ويقال إنه عطش فشرب الماء حتى انشق بطنه.
[ ٢ / ٣١٦ ]
العزى [(١٨)]، والحارث بن عنطلة السَّهْمِيُّ [(١٩)]، وَالْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ [(٢٠)]، فأتاه
_________________
(١) [(١٨)] الأسود بن المطلّب بن أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى. قال البلاذريّ ﵀: كان هو وأصحابه يتغامزون بالنبي ﵌ وأصحابه ويقولون: قد جاءكم ملوك الأرض ومن يغلب على كنوز كسرى وقيصر ثم يمكّون ويصفّرون. وكلّم رسول الله ﵌ بكلام شقّ عليه فدعا عليه رسول الله ﵌ أن يعمى الله بصره ويثكله ولده فخرج يستقبل ابنه وقد قدم من الشام. فلما كان ببعض الطريق جلس في ظل شجرة فجعل جبريل ﵌ يضرب وجهه وعينيه بورقة من ورقها خضراء وبشوك من شوكها حتى عمى فجعل يستغيث بغلامه. فقال له غلامه: ما أرى أحدا يصنع بك شيئا غير نفسك ويقال إن جبريل ﵌ أومأ إلى عينيه فعمى فشغل عن رسول الله ﵌. ولما كان يوم بدر قتل ابنه زمعة بن الأسود، قتله أبو دجانة ويقال قتله ثابت بن الجذع، قتل ابنه عقيل أيضا، قتله حمزة ابن عبد المطلب، وعلي ﵄ اشتركا فيه. وقيل قتله عليّ وحده ﵁. [(١٩)] الحارث بن قيس السهمي وهو ابن العنطلة ينسب الى أمه، وكان يأخذ حجرا يعبده فإذا رأى أحسن منه تركه وأخذ الأحسن. وفيه نزلت: «أرأيت من اتخذ إلهه هواه» أي مهويّه قدّم المفعول الثاني لأنه أهم وجمله «من» مفعول أول لأرأيت. «أفأنت تكون عليه وكيلا» حافظا تحفظه من اتباع هواه لا. وكان يقول: لقد عزّ محمد نفسه وأصحابه أن وعدهم أن يحيوا بعد الموت، والله ما يهلكنا إلا الدهر ومرور الأيام والأحداث. فأكل حوتا مملوحا فلم يزل يشرب عليه الماء حتى انقدّ بطنه، ويقال إنه أصابته الذبحة. وقال بعضهم: امتخض رأسه قيحا. قلت: القول الأول رواه عبد الرزاق وابن جرير وغيرهما عن قتادة ومقسم مولى ابن عباس. [(٢٠)] العاصي بن وائل السّهمي. قال البلاذري: ركب حمارا له ويقال بغلة بيضاء فلما نزل شعبا من تلك الشعاب وهو يريد الطائف ربض به الحمار أو البغلة على شبرقة فأصابت رجله شوكة منها فانتفخت. حتى صارت كعنق البعير ومات. ويقال إنه لما ربض به حماره أو بغله لدغ فمات مكانه قلت: القول الأول رواه البلاذري والقول الثاني رواه أبو نعيم بسند ضعيف عن ابن عباس. وروى الشيخان وابن إسحاق عن خبّاب بن الأرتّ قال: كنت قينا. أي حدّادا- في الجاهلية فعملت للعاصي بن وائل سيوفا- وفي رواية سيفا- فجئته أتقاضاه فقال: لا أعطيك حتى تكفر بمحمد ﵌. للعاصي بن وائل سيوفا- وفي رواية سيفا- فجئته أتقاضاه فقال: لا أعطيك حتى تكفر بمحمد ﵌. فقلت: لا أكفر حتى يميتك الله ثم تبعث قال: وإني لميت ثم مبعوث؟! قلت: بلى. قال: دعني أموت وأبعث فنؤتي مالا وولدا فأعطيك هنا لك حقك وو الله لا تكون أنت وصاحبك يا خبّاب آثر عند الله مني ولا أعظم حظا فأنزل الله تعالى فيه «أفرأيت الذي كفر بآياتنا» العاصي بن وائل وقال لخباب ابن الأرت القائل له: تبعث بعد الموت والمطالب له بمال: «لأوتينّ» على تقدير البعث «مالا وولدا» فأقضيك. قال تعالى: «أطّلع الغيب» أي أعلمه وأن يوتى ما قاله، واستغنى بهمزة
[ ٢ / ٣١٧ ]
جِبْرِيلُ ﵇ شَكَاهُمْ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﵌ فَأَرَاهُ الْوَلِيدَ أَبَا عَمْرِو بْنِ الْمُغِيرَةِ فَأَوْمَأَ جِبْرِيلُ ﵇ إِلَى أَبْجَلِهِ فَقَالَ مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ كُفِيتَهُ، ثُمَّ أَرَاهُ الأسود ابن الْمُطَّلِبِ، فَأَوْمَأَ جِبْرِيلُ إِلَى عَيْنَيْهِ فَقَالَ: مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: كُفِيتَهُ، ثُمَّ أَرَاهُ الْأَسْوَدَ بْنَ عَبْدِ يَغُوثَ الزُّهْرِيَّ، فَأَوْمَأَ إِلَى رَأْسِهِ فَقَالَ مَا صَنَعْتَ قَالَ كُفِيتَهُ، ثُمَّ أَرَاهُ الْحَارِثَ بن غَيْطِلَةَ السَّهْمِيَّ، فَأَوْمَأَ إِلَى رَأْسِهِ أَوْ قَالَ إِلَى بَطْنِهِ فَقَالَ مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: كَفِيتَهُ، وَمَرَّ بِهِ الْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ فَأَوْمَأَ إِلَى أَخْمَصِهِ فَقَالَ مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: كُفِيتَهُ، فَأَمَّا الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ فَمَرَّ بِرَجُلٍ مِنْ خُزَاعَةَ وَهُوَ يَرِيشُ نَبْلًا لَهُ فَأَصَابَ أَبْجَلَهُ فَقَطَعَهَا، وَأَمَّا الْأَسْوَدُ بْنُ الْمُطَّلِبِ فَعَمِيَ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ عَمِيَ هَكَذَا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ نَزَلَ تَحْتَ سَمُرَةٍ فَجَعَلَ يَقُولُ يَا بَنِيَّ أَلَا تَدْفَعُونَ عَنِّي قَدْ قُتِلْتُ فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: مَا نَرَى شَيْئًا، وَجَعَلَ يَقُولُ: يَا بَنِيَّ! أَلَا تَمْنَعُونَ عَنِّي، قَدْ هلكت ها هوذا أُطْعَنُ بِالشَّوْكِ فِي عَيْنَيَّ، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: مَا نَرَى شَيْئًا! فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى عَمِيَتْ عَيْنَاهُ، وَأَمَّا الْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ الزُّهْرِيُّ فَخَرَجَ فِي رَأْسِهِ قُرُوحٌ فَمَاتَ مِنْهَا، وَأَمَّا الحارث بن عنطلة فَأَخَذَهُ الْمَاءُ الْأَصْفَرُ فِي بَطْنِهِ حَتَّى خَرَجَ مِنْ فِيهِ فَمَاتَ مِنْهَا، وَأَمَّا الْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ يَوْمًا إِذْ دَخَلَ فِي رَأْسِهِ شِبْرِقَةٌ [(٢١)] حَتَّى امْتَلَأَتْ مِنْهَا فَمَاتَ مِنْهَا وَقَالَ غَيْرُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: فَرَكِبَ إِلَى الطَّائِفِ عَلَى حِمَارٍ فَرَبَضَ عَلَى شِبْرِقَةٍ فَدَخَلَتْ فِي أُخْمُصِ قَدَمِهِ شَوْكَةٌ فَقَتَلَتْهُ [(٢٢)] .
_________________
(١) [()] الاستفهام عن همزة الوصل فحذفت «أم اتخذ عند الرحمن عهدا» بأن يوتي ما قاله «كلّا» أي لا يوتي ذلك «سنكتب» نأمر بكتب «ما يقول ونمدّ له من العذاب مدّا» نزيده بذلك عذابا فوق عذاب كفره «ونرثه ما يقول» من المال والولد «ويأتينا يوم القيامة فردا» لا مال له ولا ولد. [(٢١)] الشّبرقة: رطب الضّريع. [(٢٢)] قال الجمهور ومنهم ابن عباس في أكثر الروايات عنه: «المستهزؤون كانوا خمسة، وقال في رواية: كانوا ثمانية» . وقد عدّهم البيهقي خمسة، اما الثلاثة فهم: مالك بن الطلاطلة بن عمرو بن غبشان، ذكره ابن الكلبي، والبلاذري [أنساب الأشراف (١: ١٥٤)] وكان سفيها فَدَعَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﵌ واستعاذ بالله من شره، فعصر جبريل بطنه حتى خرج خلاؤه من بطنه، فمات.
[ ٢ / ٣١٨ ]
_________________
(١) [()] (والسابع): الحكم بن أبي العاص بن أمية: قال البلاذري: كان ممن يؤذى رسول الله ﵌ يشتمه ويسمعه ما يكره، وكان رسول الله ﵌ يمشي ذات يوم وهو خلفه يخلج بأنفه وفمه فبقى على ذلك، وأظهر الإسلام يوم الفتح وكان مغموصا عليه في دينه، - فاطلّع يوما على رسول الله ﵌ وهو في بعض حجر نسائه فخرج إليه بعزة وقال: من عذيري من هذا الوزغة؟ لو أدركته لفقأت عينه أو كما قال ﵌ ولعنه وما ولد وغرّبه من المدينة فلم يزل خارجا منها إلى أن مات عمر بن الخطاب ﵁. قلت: وروى أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عمر ﵄ قال: كان رجل خلف النبي ﵌ يحاكيه ويلمض فرآه النبي ﵌ فقال كذلك كن. فرجع إلى أهله فلبط به مغشيا عليه شهرا ثم أفاق حين أفاق وهو كما يحاكى رسول الله ﵌. وهذا المبهم الظاهر أنه الحكم. أفاق وو كما يحاكى رسول الله ﵌. وهذا المبهم الظاهر أنه الحكم. أما الأخير فهو ابو لهب وكان من أشد الناس عداوة للنبي ﵌. قال البلاذريّ: وكان يطرح القذر والنتن على باب رسول الله ﵌، فرآه حمزة بن عبد المطلب وقد طرح من ذلك شيئا فأخذه وطرحه على رأسه، فجعل أبو لهب ينفض رأسه ويقول: صابئ أحمق. فأقصر عما كان يفعل، لكنه كان يدّس من يفعله. قال: وروى ابن أبي الزّناد عن هشام بن عروة عن عائشة قالت. قال رسول الله ﵌ كنت بين شرّ جارين، بين أبي لهب، وعقبة بن أبي معيط، إن كانا ليأتيان بالفروث فيطرحانها على بابي. قالت: وكان رسول الله ﵌ يقول: يا بني عبد مناف أيّ جواد هذا؟ ثم يميطه عن بابه. قالوا: وبعث أبو لهب ابنه عتبة بشيء يؤذي به رسول الله ﵌ فسمعه يقرأ «والنجم إذا هوى» فقال: أنا كافر برب النجم. فقال رسول الله ﵌: سلط الله عليك كلبا من كلابه، فخرج في تجارة فجاء الأسد وهو بين أصحابه نائم بحوران من أرض الشام فجعل يهمس ويشمّ حتى انتهى إليه فمضغه مضغة أتت عليه، فجعل يقول وهو بآخر رمق: ألم أقل لكم إن محمدا أصدق الناس؟ ثم مات. قلت: صوابه عتيبة بالتصغير كما سيأتي بسط ذلك في أبواب إجابة دعواته. ومات أبو لهب بداء يعرف- بالعدسة، كانت العرب تتشاءم به وتفرّ ممن ظهر به، فلما أصاب أبا لهب تركه أهله حتى مات ومكث مدة لا يدفن حتى خافوا العار فحفروا له حفرة فرموه فيها. كما سيأتي بيان ذلك. وكانت امرأته أم جميل ابنة حرب تؤذي رسول الله ﵌ كثيرا وهي حمّالة الحطب، وإنما سماها الله تعالى بذلك لأنها كانت تحمل الشوك فتطرحه بالليل على طريق رسول الله ﵌ حيث يمرّ هو وأصحابه لتعقرهم بذلك، فبينا هي ذات يوم تحمل حزمة أعيت فقعدت على حجر تستريح أتاها ملك فجذبها من خلفها بالحبل الذي في عنقها فخنقها به. وروى الشيخان عن ابن عباس ﵄ ان رسول الله ﵌ لما نزلت «وأنذر عشيرتك الأقربين»
[ ٢ / ٣١٩ ]
_________________
(١) [()] صعد رسول الله ﵌ على الصفا فجعل ينادي: يا بني فهر، يا بني عدي لبطون من قريش، حتى اجتمعوا فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا ينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش فقال رسول الله ﵌: أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدّقيّ؟ قالوا: نعم ما جرّبنا عليك إلا صدقا قال: فإني لكم نذير بين يدي عذاب شديد. فقال أبو لهب: تبّا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا! فأنزل الله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ «تَبَّتْ» خسرت. والتباب: الخسران المفضي إلى الهلاك «يدا أبى لهب» جملته، وعبر عنها باليدين مجازا لأن أكثر الأفعال تداول بهما، وكنى بأبي لهب لحسنه وجماله وإنما كناه لأنه كان مشتهرا بكنيته دون اسمه وقيل لأن اسمه عبد العزى فلا يناسب في القرآن عبديّة شخص إلى غير الله تعالى وهذه الجملة دعاء «وتبّ»: خسر هو، وهذه خبر كقولهم أهلكه الله وقد أهلكه. ولمّا خوّفه النبي ﵌ بالعذاب قال: إن كان ما يقول ابن أخي حقا فإني أفتدى منه بمالي وولدي، نزل «ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ» وكسبه: أي ولده وأغنى بمعنى يغنى «سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ» أي تلهّب وتوقد فهي مآل تكنيته «وَامْرَأَتُهُ»: عطف على ضمير يصلي سوّغه الفصل بالمفعول وصفته وهي أم جميل «حَمَّالَةَ» بالرفع «الْحَطَبِ» الشوك والسعدان تلقيه في طريق النبي ﵌ «فِي جِيدِها»: عنقها «حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ» أي ليف وهذه الجملة حال من حمالة الحطب الذي هو نعت لامرأته أو خبر مبتدأ مقدر. وذكر البلاذري ممن كان يؤذي رسول الله ﵌: أبو الأصداء وكان يقول لرسول الله ﵌ إنما يعلمك أهل الكتاب أساطيرهم ويقول للناس هو معلّم مجنون فدعا عليه رسول الله ﵌ فإنه لعلى جبل إذ اجتمعت عليه الأروى فنطحته حتى قتلته. وذكر ابن إسحاق فيهم: أمية بن خلف الجمحي. قال ابن إسحاق: وكان إذا رأى رسول الله ﵌ همزه ولمزه فأنزل الله ﷾: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ الَّذِي جَمَعَ مالًا وَعَدَّدَهُ. قال ابن هشام: الهمزة: الذي يشتم الرّجل علانية ويكسر عينه عليه ويغمز به وجمعه همزات. واللمزة: الذي يعيب الناس سرّا ويؤذيهم. والنضر بن الحارث. قال ابن إسحاق: ابن كلدة بن علقمة.
[ ٢ / ٣٢٠ ]
_________________
(١) [()] قال الخشني: والصواب علقمة بن كلدة. كان إذا جلس رسول الله مجلسا فدعا فيه إلى الله وتلا عليهم القرآن وحذّر قريشا ما أصاب الأمم الماضية خلفه في مجلسه إذا قام فحدّثهم عن ملوك الفرس، ثم يقول: والله ما محمد بأحسن حديثا منّي، وما أحاديثه إلا أساطير الأولين اكتتبها كما اكتتبتها فأنزل الله: وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ أكاذيبهم، جمع أسطورة بالضم «اكتتبها» انتسخها من القوم بغيره «فهي تملى» تقرأ «عليه» ليحفظها «بكرة وأصيلا» غدوة وعشيا. قال تعالى ردا عليهم: «قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ» الغيب «فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُورًا» للمؤمنين «رَحِيمًا» بهم. قال ابن إسحاق: وجلس رسول الله ﵌ يوما فيما بلغني مع الوليد بن المغيرة في المسجد فجاء النضر ابن الحارث حتى جلس معهم وفي المجلس غير واحد من رجال قريش فتكلم رسول الله ﵌ فعرض له النّضر فكلّمه رسول الله ﵌ حتى أفحمه ثم تلا عليه وعليهم: «إِنَّكُمْ» يا أهل مكة «وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ» أي غيره من الأوثان «حَصَبُ جَهَنَّمَ» وقودها «أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ» داخلون فيها «لَوْ كانَ هؤُلاءِ» الأوثان «آلِهَةً» كما زعمتم «ما وَرَدُوها» دخلوها «وَكُلٌّ» من العابدين والمعبودين «فِيها خالِدُونَ» لا خلاص لهم عنها «لَهُمْ» للعابدين «فِيها زَفِيرٌ» صياح «وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ» . ثم قام رسول الله ﵌ وأقبل عبد الله بن الزّبعري- بزاى فباء موحدة مكسورتين فعين مهملة ساكنة فراء فألف مقصورة- وأسلم بعد ذلك، حتى جلس إليهم فقال الوليد بن المغيرة لعبد الله بن الزبعري والله ما قام النضر بن الحارث لابن عبد المطلب آنفا وما قعد وقد زعم محمد أنّا وما نعبد من- آلهتنا هذه حصب جهنم. فقال عبد الله: أما والله لو وجدته لخصمته فسلوا محمدا أكل ما يعبد من دون الله في جهنم مع من عبده؟ فنحن نعبد الملائكة واليهود تعبد عزيرا والنصارى تعبد عيسى بن مريم. فعجب الوليد ومن كان معه في المجلس من قول عبد الله ورأوا أنه قد احتجّ وخاصم. فذكر ذلك لرسول الله ﵌ فقال رسول الله ﵌: كلّ من أحبّ أن يعبد من دون الله فهو مع من عبده، إنهم إنما يعبدون الشياطين ومن أمرتهم بعبادته. فأنزل الله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا» المنزلة «الْحُسْنى» وهي السعادة أو التوفيق للطاعة أو البشرى بالجنة ومنهم من ذكر «أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ» لأنهم يرفعون إلى أعلى علّيين «لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها» صوتها: «وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ» من النعيم «خالِدُونَ» دائمون لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ» وهو أن يؤمر بالعبد إلى النار «وَتَتَلَقَّاهُمُ» تستقبلهم «الْمَلائِكَةُ» عند خروجهم من القبور يقولون لهم «هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ» في الدنيا ومنهم أبي بن خلف وعقبة بن أبي معيط. قال ابن إسحاق: وكانا متصافيين حسنا ما بينهما.
[ ٢ / ٣٢١ ]
_________________
(١) [()] روى ابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل بسند صحيح من طريق سعيد بن جبير وعبد الرزّاق في المصنّف وابن جرير وابن المنذر عن مقسم مولى ابن عباس كلاهما عنه، أن أبا معيط وفي رواية عقبة بن أبي معيط كان يجلس مع رسول الله ﵌ بمكة ولا يؤذيه وكان رجلا حليما، وكان قريش إذا جلسوا معه آذوه وكان لأبي معيط خليل غائب عنه بالشام. وفي رواية أنه أمية بن خلف فقالت قريش: صبأ أبو معيط. وفي رواية وكان لا يقدم من سفر إلا صنع طعاما فدعا أهل مكة كلهم فصنع طعاما ثم دعا رسول الله ﵌ إلى طعامه فقال: ما أنا بالذي آكل من طعامك حتى تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله. فقال: اطعم يا ابن أخي. فقال: ما أنا بالذي أفعل حتى تقول. فشهد بذلك وطعم من طعامه. وقدم خليله من الشام ليلا فقال لامرأته ما فعل محمد مما كان عليه؟ فقالت: أشدّ ما كان أمرا فقال: ما فعل خليلي أبو معيط؟ فقالت: صبأ فبات بليلة سوء فلما أصبح أتاه أبو معيط فحيّاة فلم يردّ عليه التحية فقال: مالك لا تردّ عليّ تحيتي. فقال: كيف أردّ تحيتك وقد صبأت. قال: أوقد فعلتها قريش؟ لا والله ما صبأت ولكن دخل عليّ رجل فأبى أن يأكل من طعامي إلا أن أشهد له. فاستحييت أن يخرج من بيتي قبل أن يطعم، فشهدت له قال: ما أنا بالذي أرضى عنك حتى تأتيه فتبزق في وجهه. وفي رواية: فقال: ما يبرئ صدورهم إن أنا فعلت؟ قال: تأتيه في مجلسه فتبزق في وجهه وتشتمه بأخبث ما تعلم من الشتم. ففعل فلم يزد النبي ﵌ أن مسح وجهه من البزاق. ونقل جماعة منهم أبو ذر الخشني عن أبي بكر النقّاش أن عقبة لما تفل في وجه النبي ﵌ رجع ما خرج منه إلى وجهه فصار برصا. انتهى. ثم التفت إليه النبي ﵌ فقال: إن وجدتك خارجا من جبال مكة ضربت عنقك صبرا. وقال أبيّ بن خلف: والله لأقتلن محمدا. فبلغ ذلك رسول الله ﵌ فقال: بل أنا أقتله إن شاء الله. فلما بلغ أبيّا ذلك أفزعه لأنهم لم يسمعوا من النبي ﵌ قولا إلا كان حقا. فلما كان يوم بدر، وخرج أصحاب عقبة أبي أن يخرج فقال له أصحابه: اخرج معنا. فقال: قد وعدني هذا الرجل إن وجدني خارجا من جبال مكة أن يضرب عنقي صبرا. فقالوا: لك جمل أحمر لا يدرك فلو كانت الهزيمة طرت عليه. فخرج معهم، فلما هزم الله المشركين وحل به جمله في أخدود من الأرض فأخذه رسول الله ﵌ أسيرا في سبعين من قريش وقدّم إليه أبو معيط فقال: أتقتلني بين هؤلاء؟ قال: نعم. فقام إليه علي بن أبي طالب فضرب عنقه. ولم يقتل من الأسارى يومئذ غيره. فلما كان يوم أحد خرج أبيّ مع المشركين فجعل يلتمس غفلة رسول الله ﵌ ليحمل عليه فيحول رجل بين النبي ﵌ وبينه، فلما رأى ذلك رسول الله ﵌ قال لأصحابه: خلوا عنه. فأخذ الحربة ورماه بها فوقعت في ترقوته فلم يخرج منه دم كثير واحتقن الدم في جوفه، فجعل يخور كما يخور الثّور فاحتمله
[ ٢ / ٣٢٢ ]
_________________
(١) [()] أصحابه وهو يخور فقالوا: ما هذا الذي بك! فو الله ما بك إلا خدش. فقال: والله لو لم يصبني إلا بريقه لقتلني! أليس قد قال: أنا أقتله. والله لو كان الذي بي بأهل ذي المجاز لقتلهم. فما لبث إلا يوما حتى مات. وأنزل الله تعالى في أبي معيط: «وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ» ندما وتحسرّا في القيامة. قال سفيان الثوري: يأكل يديه ثم تنبت. رواه ابن أبي حاتم. وقال أبو عمران الجوني: بلغني أنه يعضهما حتى ينكسر العظم ثم يعود. يقول: «يا» للتنبيه «لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ» محمد ﵌ «سَبِيلًا» طريقا إلى الهدى «يا وَيْلَتى» الألف عوض عن ياء الإضافة أي ويلتي ومعناه هلكتي «لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا. لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ» القرآن «بَعْدَ إِذْ جاءَنِي» بأن ردني عن الإيمان به. قال تعالى: «وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ» الكافر «خذولا» بأن يتركه ويتبرأ منه عند البلاء.
[ ٢ / ٣٢٣ ]
باب دَعَا رَسُولُ اللهِ ﵌ عَلَى مَنِ اسْتَعْصَى مِنْ قُرَيْشٍ بِالسَّنَةِ وَإِجَابَةِ اللهِ ﷿ دُعَاءَهُ وَمَا ظَهَرَ فِي ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ ابن دُحَيْمٍ الشَّيْبَانِيُّ، قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمِ بْنِ أَبِي عَزْرَةَ [(١)]، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ.
(ح) وأَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ محمد الْفَقِيهُ، وَأَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى ابن إِبْرَاهِيمَ الْمُزَكِّي، قَالَا: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ قَالَ أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ قَالَ أَخْبَرَنَا الْأَعْمَشُ عن مسلم ابن صُبَيْحٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يُحَدِّثُ فِي الْمَسْجِدِ إِذْ قَالَ فِيمَا يَقُولُ: يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ [(٢)] قَالَ: دُخَانٌ يَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَأْخُذُ بِأَسْمَاعِ الْمُنَافِقِينَ وَأَبْصَارِهِمْ، وَيَأْخُذُ الْمُؤْمِنَ مِنْهُ كَهَيْئَةِ الزُّكْمَةِ فَقُمْنَا فَدَخَلْنَا عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ فِي بَيْتِهِ فَأَخْبَرْنَاهُ وَكَانَ مُتَّكِئًا فَاسْتَوَى قَاعِدًا ثُمَّ قَالَ أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ عَلِمَ مِنْكُمْ عِلْمًا فَلْيَقُلْ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلِ اللهُ أَعْلَمُ فَإِنَّ مِنَ الْعِلْمِ أَنْ يَقُولَ الْعَالِمُ لِمَا لَا يَعْلَمُ. اللهُ أَعْلَمُ:، قَالَ اللهُ ﷿: لِرَسُولِهِ ﵇: قُلْ مَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ [(٣)]، وسأحدثكم
_________________
(١) [(١)] في (هـ): «عروة» . [(٢)] الآية الكريمة (١٠) من سورة الدخان. [(٣)] الآية الكريمة (٨٦) من سورة (ص) .
[ ٢ / ٣٢٤ ]
عَنِ الدُّخَانِ:
أنَّ قُرَيْشًا لَمَّا اسْتَعْصَتْ عَلَى رَسُولِ الله ﵌ وَأَبْطَأوا عَنِ الْإِسْلَامِ قَالَ اللهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ،
قَالَ: فَأَصَابَتْهُمْ سَنَةٌ فَحَصَّتْ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَكَلُوا الْجِيَفَ وَالْمَيْتَةَ حَتَّى إِنَّ أَحَدَهُمْ كَانَ يَرَى مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ مِنَ الْجُوعِ [(٤)] .
زَادَ مُحَمَّدٌ: ثُمَّ دَعَوْا فَكُشِفَ ذَلِكَ عَنْهُمْ [(٥)]- قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ: ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللهِ: إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ [(٦)] .
قَالَ: فَعَادُوا، فَكَفَرُوا، فَأُخِّرُوا إِلَى يَوْمِ بَدْرٍ، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: إِنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَانَ لَا يُكْشَفُ عَنْهُمْ: يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ [(٧)] . قَالَ يَوْمَ بَدْرٍ» لَفْظُ حَدِيثِ أَحْمَدَ بْنِ حَازِمٍ.
وَأَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأَدِيبُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: «جَلَسْتُ إِلَى رَجُلٍ فِي مَسْجِدِ الْجَامِعِ وَهُوَ يُحَدِّثُ النَّاسَ فَذَكَرَ قَوْلَ الرَّجُلِ وَدُخُولِهِ عَلَى عَبْدِ اللهِ، وَقَوْلَ عَبْدِ اللهِ بِمَعْنَى حَدِيثِ جَعْفَرِ بْنِ عَوْنٍ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ:
قَالُوا: رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ [(٨)] قَالَ: فَقِيلَ لِلنَّبِيِّ ﵌: إِنَّا لَوْ كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ عَادُوا، قَالَ: فَكُشِفَ عَنْهُمْ فَعَادُوا، فَانْتَقَمَ مِنْهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ فلذلك قَوْلُهُ: يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ- إلى قوله:
_________________
(١) [(٤)] فتح الباري (٨: ٥٧٣) ونقله الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية» (٣: ١٠٧) . [(٥)] في (ص): «فكشف الله عنهم ذلك» . [(٦)] الآية الكريمة (١٥) من سورة الدخان. [(٧)] [١٦- الدخان] . [(٨)] الآية الكريمة (١٢) من سورة الدخان.
[ ٢ / ٣٢٥ ]
يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ [(٩)]» .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ يَحْيَى، عَنْ وَكِيعٍ [(١٠)] .
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنِ الْأَشَجِّ، عَنْ وَكِيعٍ [(١١)] .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُتْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ ثَابِتٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَسْبَاطُ بْنُ نَصْرٍ، عَنْ مَنْصُورٍ [(١٢)] عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: «لَمَّا رَأَى رَسُولُ اللهِ ﵌ مِنَ النَّاسِ إِدْبَارًا، قَالَ: «اللهُمَّ سَبْعٌ كَسَبْعِ يُوسُفَ»، فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ، حَتَّى أَكَلُوا الْمَيْتَةَ، وَالْجُلُودَ، وَالْعِظَامَ، فَجَاءَهُ أَبُو سُفْيَانَ، وَنَاسٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ! إِنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّكَ بُعِثْتَ رَحْمَةً وإِنَّ قَوْمَكَ قَدْ هَلَكُوا، فَادْعُ اللهَ لَهُمْ، فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﵌ فَسُقُوا الْغَيْثَ فَأَطْبَقَتْ عَلَيْهِمْ سَبْعًا فَشَكَا النَّاسُ كَثْرَةَ الْمَطَرِ فَقَالَ: «اللهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا، فَانْحَدَرَتِ السَّحَابَةُ عَنْ رَأْسِهِ فَسُقِيَ النَّاسُ حَوْلَهُمْ.
قَالَ: لَقَدْ مَضَتْ آيَةُ الدُّخَانِ وَهُوَ الْجُوعُ الَّذِي أَصَابَهُمْ، وَهُوَ [(١٣)] قَوْلُهُ ﷿: إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ [(١٤)] وَآيَةُ اللِّزَامِ [(١٥)]، وَالْبَطْشَةُ الْكُبْرَى، وانشقاق
_________________
(١) [(٩)] الآية الكريمة (٢) من سورة الدخان وما بعدها. [(١٠)] أخرجه البخاري عَنْ يَحْيَى، عَنْ وَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ في: ٦٥- كتاب التفسير، تفسير سورة الدخان، فتح الباري (٨: ٥٧٢) . [(١١)] أخرجه مسلم في: ٥٠- كتاب صفات المنافقين (٧) باب الدخان، حديث (٤٤) مكرر عن أبي سعيد الأشج، صفحة (٤: ٢١٥٧) . [(١٢)] في (ح): «موسى»، وأثبت ما في (ص) و(هـ)، وهو موافق للرواية التي أشار إليها البخاري. [(١٣)] في (ص) و(هـ): «وذلك» . [(١٤)] [الدخان- ١٥] . [(١٥)] في (ح): «وآية الروم» .
[ ٢ / ٣٢٦ ]
الْقَمَرِ، وَذَلِكَ كُلُّهُ يَوْمَ بَدْرٍ يُرِيدُ وَاللهُ أَعْلَمُ: الْبَطْشَةُ الْكُبْرَى، وَالدُّخَانُ وَآيَةُ اللِّزَامِ كُلُّهَا حَصَلَتْ بِبَدْرٍ وَأَشَارَ الْبُخَارِيُّ إِلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ [(١٦)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُؤَمَّلٍ [(١٧)] قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ عمرو ابن عَبْدِ اللهِ الْبَصْرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ.
(ح) وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ:
حَدَّثَنَا، مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ: «خَمْسٌ قَدْ مَضَيْنَ:
اللِّزَامُ، وَالرُّومُ، وَالدُّخَانُ، وَالْبَطْشَةُ، وَالْقَمَرُ» [(١٨)] .
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ، [(١٩)] .
وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ: أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ قَدْ وُجِدَتْ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﵌ كَمَا أَخْبَرَ بِهِنَّ قبل وجودهنّ.
_________________
(١) [(١٦)] في: ٦٥- كتاب التفسير (٥) باب «ثم تولوا عنه، وقالوا: معلّم مجنون» . ح (٤٨٢٤)، فتح الباري (٨: ٥٧٣)، مِنْ حَدِيثِ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنِ أبي مسعود. [(١٧)] في (ص)، و(هـ): «المؤملي» . [(١٨)] (اللزام) من قوله تعالى: «فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا» . (الروم): من قوله تعالى «الم، غُلِبَتِ الرُّومُ» . (الدخان): يجيء قبل قيام الساعة، فيدخل في أسماع الكفار والمنافقين، حتى يكون كالرأس الحنيذ، ويعتري المؤمن منه كهيئة الزكام، وتكون الأرض كلها كبيت أوقد فيه النار، ولم يأت بعد، وهو آت. (والبطشة): فيما قال الله تعالى: يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى (والقمر): فيما قال الله تعالى: «وَانْشَقَّ الْقَمَرُ» . [(١٩)] أخرجه البخاري في: ٦٥- كتاب التفسير، تفسير سورة الدخان، ح (٤٨٢٥)، فتح الباري (٨: ٥٧٤)، وأخرجه الترمذي في أول تفسير سورة الدخان (٥: ٣٧٩)، والإمام احمد في «مسنده» (٥: ١٢٨) .
[ ٢ / ٣٢٧ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَحْبُوبِيُّ بِمَرْوَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَيَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عن عبد اللهِ: وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ [(٢٠)] قَالَ يَوْمَ بَدْرٍ [(٢١)] .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّفَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ طَلْحَةَ، قال: حدثنا أسباط ابن نَصْرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِ اللهِ ﷿:
وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ، قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ [(٢٢)] قَالَ: يَوْمَ بَدْرٍ فُتِحَ لِلنَّبِيِّ ﵌ فَلَمْ يَنْفَعِ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ بَعْدَ الْمَوْتِ [(٢٣)] .
حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ كَامِلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْمُسْتَمْلِي، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ الْبَلْخِيُّ قَدِمَ عَلَيْنَا هَرَاةَ، قَالَ: حدثنا محمد ابن عَلِيٍّ النَّجَّارُ بِصَنْعَاءَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «جَاءَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ إِلَى
_________________
(١) [(٢٠)] الآية الكريمة (٢١) من سورة السجدة. [(٢١)] وهكذا قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الحارث، والحسين بن علي، وقال ابن عباس أنه الحدود، وقال مقاتل: الجوع سبع سنين بمكة حتى أكلوا الجيف، وقال مجاهد: العذاب الأدنى: عذاب القبر. تفسير القرطبي (١٤: ١٠٧) . [(٢٢)] [٢٨- ٢٩- من سورة السجدة] . [(٢٣)] وقال الفرّاء: يعني فتح مكة، وأولى من هذا ما قاله مجاهد: يعني يوم القيامة، وقال القرطبي في التفسير (١٤: ١١٢): «إن كان يوم الفتح يوم بدر او فتح مكة، ففي بدر قتلوا، ويوم الفتح هربوا، فلحقهم خالد بن الوليد فقتلهم» .
[ ٢ / ٣٢٨ ]
رَسُولَ اللهِ ﵌ يَسْتَغِيثُ مِنَ الْجُوعِ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوا شَيْئًا حَتَّى أَكَلُوا الْعِلْهِزَ [بِالدَّمِ] [(٢٤)] فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿: وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ [(٢٥)] قَالَ فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﵌ حَتَّى فُرِّجَ عَنْهُمْ» [(٢٦)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ السَّيَّارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ، قَالَ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ النَّحْوِيُّ، أَنَّ عِكْرِمَةَ حَدَّثَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «جَاءَ أَبُو سُفْيَانَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! أَنْشُدُكَ اللهَ وَالرَّحِمَ قَدْ أَكَلْنَا الْعِلْهِزَ [يَعْنِي] [(٢٧)] الْوَبَرَ وَالدَّمَ فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿: وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ [(٢٨)]» وقد رُوِي فِي قِصَّةِ أَبِي سُفْيَانَ مَا دَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ وَلَعَلَّهُ كَانَ مرتين والله أعلم [(٢٩)] .
_________________
(١) [(٢٤)] الزيادة من (ص) و(هـ)، والعلهز هو: الصوف والوبر كانوا يبلّونه بالدم ثم يشوونه ويأكلونه. [(٢٥)] الآية الكريمة (٧٦) من سورة المؤمنون. [(٢٦)] وقال ابن عباس: نزلت في قصة ثمامة بن أثال لما أسرته السرية واسلم، وخلى رسول الله ﵌ سبيله، حال بين مكة وبين الميرة، وقال: والله لَا يَأْتِيكُمْ مِنَ الْيَمَامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا رَسُولُ اللهِ ﵌، وأخذ الله قريشا بالقحط والجوع، حتى كانوا الميتة، والكلاب، والعلهز تفسير القرطبي (١٢: ١٤٣) . [(٢٧)] الزيادة من (ص) و(هـ)، ليست في (ح) . [(٢٨)] [٧٦- سورة المؤمنون] . [(٢٩)] انظر الحاشية (٢٦) من هذا الباب، وقد نقل الخبر الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية» (٣:
(٢) ١٠٨) .
[ ٢ / ٣٢٩ ]
بَابُ مَا جَاءَ فِي آيَةِ الرُّومِ وَمَا ظَهَرَ فِيهَا مِنَ الْآيَاتِ [فِي أَدْنَى الْأَرْضِ] [(١)]
قَالَ اللهُ ﷿: الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ [(٢)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ ﵀، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ بْنِ هَانِئٍ، قَالَ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ الْبَجَلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو الْأَزْدِيُّ، قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «كَانَ الْمُسْلِمُونَ يُحِبُّونَ أَنْ يَظْهَرَ الرُّومُ عَلَى فَارِسَ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يُحِبُّونَ أَنْ يَظْهَرَ فَارِسُ عَلَى الرُّومِ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ الْأَوْثَانِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ لِأَبِي بَكْرٍ، فَذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ لِلنَّبِيِّ ﵌، فَقَالَ لَهُ [(٣)] النَّبِيُّ ﵌: «أَمَا إِنَّهُمْ سَيَظْهَرُونَ [(٤)]» فَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ لَهُمْ ذَلِكَ، فَقَالُوا: اجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَجَلًا إِنْ ظَهَرُوا كَانَ لَكَ كَذَا وَكَذَا، وَإِنْ ظَهَرْنَا كَانَ لَنَا كَذَا وَكَذَا، فَجَعَلَ بَيْنَهُمْ أجل
_________________
(١) [(١)] ما بين الحاصرتين ليست في (ص) ولا في (هـ) . [(٢)] [(١- ٤) - سورة الروم] . [(٣)] في (ص) و(هـ): «لهم» . [(٤)] في جامع الترمذي: «سيغلبون» .
[ ٢ / ٣٣٠ ]
خَمْسِ سِنِينَ، فَلَمْ يَظْهَرُوا، فَذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ لِلنَّبِيِّ ﵌، فَقَالَ: أَلَا جَعَلْتَهُ- أَرَاهُ قَالَ دُونَ الْعَشَرَةِ- قَالَ: فَظَهَرَتِ الرُّومُ بَعْدَ ذَلِكَ،
فَذَلِكَ قَوْلُهُ ﷿: الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ قَالَ فَغُلِبَتِ الرُّومُ ثُمَّ غَلَبَتْ بَعْدُ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ [(٥)] قَالَ سُفْيَانُ: وَسَمِعْتُ أَنَّهُمْ ظَهَرُوا يَوْمَ بَدْرٍ» [(٦)] .
وَأَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ قَالَ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ شَرِيكٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، فَذَكَرَهُ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ، زَادَ فِي رِوَايَتِهِ قَالَ سَعِيدٌ: الْبِضْعُ مَا دُونَ الْعَشَرَةِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: الم غُلِبَتِ الرُّومُ [(٧)] قَالَ: ذَكَرَ غَلَبَةَ فَارِسَ الرُّومَ، وَإِدَالَةَ الرُّومِ عَلَى فَارِسَ، وَفَرِحَ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللهِ أَهْلَ الْكِتَابِ عَلَى أَهْلِ الْأَوْثَانِ، قَالَ: وَالْبِضْعُ مَا بَيْنَ الثَّلَاثِ إِلَى الْعَشَرَةِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ قَالَ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ كَامِلٍ الْقَاضِي قَالَ أخبرنا
_________________
(١) [(٥)] [(٤- ٥) - سورة الروم] . [(٦)] الحديث أخرجه الترمذي في جامعه، في: ٤٨- كتاب تفسير القرآن، (٣١) باب ومن سورة الروم، ح (٣١٩٣)، صفحة (٥: ٣٤٣- ٣٤٤)، وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب، إنما نعرفه مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ. [(٧)] [(١- ٢) - سورة الروم] .
[ ٢ / ٣٣١ ]
مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْعَوْفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ حَدَّثَنِي عَمِّي الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَطِيَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي عَطِيَّةَ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ] [(٨)] . فِي قَوْلِهِ: الم، غُلِبَتِ الرُّومُ قَالَ: «قَدْ مَضَى كَانَ ذَلِكَ فِي أَهْلِ فَارِسَ وَالرُّومِ. وَكَانَتْ فَارِسُ قَدْ غَلَبَتْهُمْ، ثُمَّ غَلَبَتِ الرُّومُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَقِيَ نبي الله ﵌ مُشْرِكِي الْعَرَبِ، وَالْتَقَتِ الرُّومُ وَفَارِسُ فَنَصَرَ اللهُ ﷿ النَّبِيَّ ﵌ ومن معه من الْمُسْلِمِينَ عَلَى مُشْرِكِي الْعَرَبِ، ونصر أَهْلَ الْكِتَابِ عَلَى مُشْرِكِي الْعَجَمِ»، فَفَرِحَ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللهِ إِيَّاهُمْ، وَنَصْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى الْعَجَمِ، قَالَ عَطِيَّةُ: وَسَأَلْنَا أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ «الْتَقَيْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﵌ وَمُشْرِكِي الْعَرَبِ وَالْتَقَتِ الرُّومُ وَفَارِسُ فَنَصَرَنَا [اللهُ تَعَالَى] [(٩)] عَلَى مُشْرِكِي الْعَرَبِ ونصر أَهْلَ الْكِتَابِ عَلَى الْمَجُوسِ فَفَرِحْنَا بِنَصْرِ اللهِ إِيَّانَا عَلَى الْمُشْرِكِينَ وَفَرِحنَا بِنَصْرِ اللهِ أَهْلَ الْكِتَابِ عَلَى الْمَجُوسِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ ﷿: وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ [(١٠)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ وَابْنُ بُكَيْرٍ، قَالَا:
حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: «كَانَ الْمُشْرِكُونَ يُجَادِلُونَ الْمُسْلِمِينَ وَهُمْ بِمَكَّةَ يَقُولُونَ: الرُّومُ أَهْلُ كِتَابٍ وَقَدْ غَلَبَتْهُمُ الْفُرْسُ، وَأَنْتُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّكُمْ سَتَغْلِبُونَ بِالْكِتَابِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى نَبِيِّكُمْ، فَسَنَغْلِبُكُمْ كَمَا غَلَبَتْ فَارِسُ الرُّومَ، فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿: الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ [(١١)]»
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ الزهري
_________________
(١) [(٨)] الزيادة ليست في (ح)، وأثبتها من (هـ) و(ص) . [(٩)] الزيادة من (ص) و(هـ) . [(١٠)] تفسير القرطبي (١٤: ٢) . [(١١)] [(١- ٤) من سورة الروم] .
[ ٢ / ٣٣٢ ]
فَأَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ «أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ هَاتَانِ الْآيَتَانِ نَاحَبَ [(١٢)] أَبُو بَكْرٍ بَعْضَ الْمُشْرِكِينَ قَبْلَ أَنْ يُحَرَّمَ الْقِمَارُ [(١٣)] عَلَى شَيْءٍ إِنْ لَمْ تُغْلَبْ فَارِسُ فِي سَبْعِ سِنِينَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌ لِمَ فَعَلْتَ فَكُلُّ مَا دُونَ الْعَشْرِ بِضْعٌ وَكَانَ ظُهُورُ فَارِسَ عَلَى الرُّومِ فِي تِسْعِ سِنِينَ [(١٤)]
ثُمَّ أَظْهَرَ اللهُ الرُّومَ عَلَى فَارِسَ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ فَفَرِحَ الْمُسْلِمُونَ بِظُهُورِ أَهْلِ الْكِتَابِ» .
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ «الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الأرض» قَالَ: غَلَبَهُمْ أَهْلُ فَارِسَ عَلَى أَدْنَى الشَّامِ، «وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ» الْآيَةَ. قَالَ: لَمَّا أَنْزَلَ اللهُ ﷿ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ، صَدَّقَ الْمُسْلِمُونَ رَبَّهُمْ وَعَرَفُوا أَنَّ الرُّومَ سَتَظْهَرُ عَلَى أَهْلِ فَارِسَ، فَاقْتَمَرَهُمْ وَالْمُشْرِكُونَ خَمْسَ قَلَائِصَ، وَأَجَّلُوا بَيْنَهُمْ خَمْسَ سِنِينَ، قَالَ: فَوَلِيَ قِمَارَ الْمُسْلِمِينَ أَبُو بَكْرٍ ﵁، وَوَلِيَ قِمَارَ الْمُشْرِكِينَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُنْهَى عَنِ الْقِمَارِ فِي الْأَجَلِ، وَلَمْ تَظْهَرِ الرُّومُ عَلَى فَارِسَ، فَسَأَلَ الْمُشْرِكُونَ قِمَارَهُمْ، فَذَكَرَ ذَلِكَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﵌ لِلنَّبِيِّ ﵌ فَقَالَ: «لَمْ يَكُونُوا أَحِقَّاءَ أَنْ يُؤَجِّلُوا أَجَلًا دُونَ الْعَشْرِ، فَإِنَّ الْبِضْعَ مَا بَيْنَ الثَّلَاثِ إِلَى الْعَشْرِ، فَزَايدُوهُمْ وَمَادُّوهُمْ فِي الْأَجَلِ»، فَفَعَلُوا فَأَظْهَرَ اللهُ الرُّومَ عَلَى فَارِسَ عِنْدَ رَأْسِ السَّبْعِ مِنْ قِمَارِهِمُ الْأَوَّلِ، فَكَانَ ذَلِكَ مَرْجِعَهُمْ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَفَرِحَ الْمُسْلِمُونَ بِفَلْجِهِمُ الَّذِي كَانَ مِنْ ظُهُورِ أَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى الْمَجُوسِ، وَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا شَدَّ اللهُ بِهِ الْإِسْلَامَ فَهُوَ قوله:
_________________
(١) [(١٢)] (ناحب): تراهن. [(١٣)] في تفسير القرطبي «القمار»، وفي بعض نسخه «الرهان» كما في حاشيته. [(١٤)] في (ص): «سبع سنين»، وقال القرطبي (١٤: ٣): «قال الشعبي: فظهروا في تسع سنين، وقال القشيري: المشهور في الروايات ان ظهور الروم كان في السابعة من غلبة فارس للروم، ولعل رواية الشعبي تصحيف من السبع الى التسع من بعض النقلة» .
[ ٢ / ٣٣٣ ]
وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ [(١٥)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ:
حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ صَالِحٍ وَأَبُو تَقِيٍّ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، قَالَا: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أُسَيْدٌ الْكِلَابِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ الْعَلَاءَ بْنَ الزُّبَيْرِ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «رَأَيْتُ غَلَبَةَ فَارِسَ الرُّومَ ثُمَّ رأيت غلبة الروم فارسا، ثُمَّ رَأَيْتُ غَلَبَةَ الْمُسْلِمِينَ فارسا وَالرُّومَ، وَظُهُورَهُمْ عَلَى الشَّامِ وَالْعِرَاقِ كُلُّ ذَلِكَ فِي خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً [(١٦)] [وَبِاللهِ العصمة] [(١٧)] .
_________________
(١) [(١٥)] تفسير القرطبي (١٤: ٥) . [(١٦)] البداية والنهاية (٣: ١٠٨) . [(١٧)] ليست في (ص)، ولا في (هـ) .
[ ٢ / ٣٣٤ ]
بَابُ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﵌ عَلَى سَبْعَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ يُؤْذُونَهُ ثُمَّ عَلَى ابْنِ أَبِي لَهَبٍ وَمَا ظَهَرَ فِي ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ بِبَغْدَادَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ كَامِلٍ الْقَاضِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مِلْحَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عمرو ابن خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: «اسْتَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﵌ الْبَيْتَ فَدَعَا عَلَى نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ سَبْعَةٍ فِيهِمْ أَبُو جَهْلٍ، وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وَعُتْبَةُ بْنُ ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وعقبة بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ، قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَأُقْسِمُ بِاللهِ لَقَدْ رَأَيْتُهُمْ صَرْعَى عَلَى بَدْرٍ قَدْ غَيَّرَتْهُمُ الشَّمْسُ وَكَانَ يَوْمًا حَارًّا» .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ [(١)] .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ
_________________
(١) [(١)] أخرجه البخاري في: ٦٤- كتاب المغازي (٧) بَابُ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﵌ على كفار قريش، حديث (٣٩٦٠)، الفتح (٧: ٢٩٣)، وقد أورده البخاري عن حديث ابن مسعود في كتاب الطهارة بأتم منه سياقا، وأورده في الطهارة لقصة سلي الجزور ووضعه على ظهر المصلي فلم تفسد صلاته، وفي الصلاة مستدلا به على أن ملاصقة المرأة في الصلاة لا تفسدها، وفي الجهاد في باب الدعاء على المشركين، وفي الجزية مستدلا به على أن جيف المشركين لا يفادى بها، وفي المبعث في باب ما لقي المسلمون من المشركين بمكة.
[ ٢ / ٣٣٥ ]
ابن سُلَيْمَانَ الْبَاغَنْدِيُّ [(٢)] قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْحَرَّانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَعْيَنَ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، فَذَكَرَهُ بِإِسْنَادِهِ نَحْوَهُ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ شَبِيبٍ [(٣)]، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ محمد
_________________
(١) [(٢)] ليست في (هـ) ولا في (ص) . [(٣)] أخرجه مسلم في: ٣٢- كتاب الجهاد والسير، (٣٩) باب ما لقي النبي ﵌ من أذى المشركين، حديث (١١٠)، ص (١٤٢٠)، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ شَبِيبٍ. وهؤلاء النفر كانوا من أشد المعارضين، والمؤذين لِرَسُولِ اللهِ ﵌، حتى نزل فيهم قرآنا، قال ابن هشام في السيرة (١: ٣٨٥- ٣٨٧): وأبيّ بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح، وعقبة بن أبي معيط، وكانا متصافيين، حسنا ما بينهما، فكان عقبة قد جلس إلى رسول الله ﵌، وسمع منه، فبلغ ذلك أبيّا، فأتى عقبة، فقال له: ألم يبلغني أنك جالست محمدا وسمعت منه؟ ثم قال: وجهي من وجهك حرام أن أكلمك، واستغلظ [له] من اليمين، إن أنت جلست إليه أو سمعت منه، أو لم تأته فتتفل في وجهه، ففعل ذلك عدوّ الله عقبة ابن أبي معيط، لعنه الله، فأنزل الله تعالى فيهما (٢٥: ٢٧- ٢٩): وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا إلى قوله تعالى: لِلْإِنْسانِ خَذُولًا. ومشى أبيّ بن خَلَف إلى رسول الله ﵌ بعَظَمٍ بالٍ قد ارْفتّ فقال: يا محمد، أنت تزعم أن الله يبعث هذا بعد ما أرمّ ثم فتّه بيده، ثم نفخه في الريح نحو رسول الله ﵌، فقال رسول الله ﵌: «نعم أنا أقول ذلك، يبعثه الله وإيّاك بعد ما تكونان هكذا، ثمّ يدخلك الله النّار» فأنزل الله تعالى فيه (٣٦: ٧٨- ٨٠): وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نارًا فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ. واعترض رسول الله ﵌ وهو يطوف بالكعبة، فيما بلغني، الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزّى، والوليد بن المغيرة، وأميّة بن خلف، والعاص بن وائل السّهمي، وكانوا ذوي أسنان في قومهم، فقالوا: يا محمد، هلمّ فلنعبد ما تعبد، وتعبد ما نعبد، فنشترك نحن وأنت في الأمر: فان كان الذي تعبد خيرا مما نعبد كنا قد أخذنا بحظنا منه، وإن كان ما نعبد خيرا مما تعبد كنت قد أخذت بحظك منه، فأنزل الله تعالى فيهم (١٠٩: ١- ٦): قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ السورة كلّها، أي: إن كنتم لا تعبدون الله إلا أن أعبد ما تعبدون فلا حاجة لي بذلك منكم، لكم دينكم جميعا ولي دين.
[ ٢ / ٣٣٦ ]
_________________
(١) [()] وأبو جهل بن هشام، لما ذكر الله شجرة الزّقّوم تخويفا بها لهم قال: يا معشر قريش، هل تدرون ما شجرة الزقوم التي يخوّفكم بها محمد؟ قالوا: لا، قال: عجوة يثرب بالزّبد، والله لئن استمكنّا منها لنتزقّمنّها تزقما، فأنزل الله تعالى فيه (٤٤: ٤٣- ٤٨): إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ كَغَلْيِ الْحَمِيمِ أي: ليس كما يقول. قال ابن هشام: المهل: كل شيء أذبته من نحاس أو رصاص، أو ما أشبه ذلك، فيما أخبرني أبو عبيدة، وأمية بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح، كان إذا رأى رسول الله ﵌ همزة ولمزه، فأنزل الله تعالى فيه (١٠٤- ١- ٩) وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ الَّذِي جَمَعَ مالًا وَعَدَّدَهُ يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ. قال ابن هشام: والهمزة: الذي يشتم الرجل علانية، ويكسر عينه عليه، ويغمز به، قال حسان بن ثابت: همزتك فاختضعت لذلّ نفس بقافية تأجّج كالشّواظ وهذا البيت في قصيدة له. وجمعه همزات، واللّمزة: الذي يعيب الناس سرا ويؤذيهم، قال رؤبة بن العجاج: في ظلّ عصري باطلي ولمزي وهذا البيت في أرجوزة له. وجمعه: لمزات. قال ابن إسحاق: والعاص بن وائل السّهميّ، كان خبّاب بن الأرتّ صاحب رسول الله ﵌ قينا بمكة يعمل السيوف، وكان قد باع من العاص بن وائل سيوفا عملها له، حتى إذا كان له عليه مال، فجاء يتقاضاه، فقال له: يا خبّاب، أليس يزعم محمد صاحبكم هذا الذي أنت على دينه أن في الجنة ما ابتغى أهلها من ذهب أو فضة أو ثياب أو خدم؟ قال خباب: بلى، قال: فأنظرني إلى يوم القيامة يا خبّاب حتى أرجع إلى تلك الدار فأقضيك هنا لك حقك، فو الله لا تكون أنت وأصحابك، يا خبّاب، آثر عند الله مني، ولا أعظم حظا في ذلك، فأنزل الله تعالى فيه (١٩: ٧٧- ٨٠): أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَدًا أَطَّلَعَ الْغَيْبَ إلى قوله تعالى: وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ وَيَأْتِينا فَرْدًا. ولقي أبو جهل بن هشام رسول الله ﵌، فيما بلغني، فقال له: والله يا محمد لتتركنّ سبّ آلهتنا أو لنسبّنّ إلهك الذي تعبد، فأنزل الله تعالى عليه فيه (٦: ١٠٨): وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ فذكر لي أن رسول الله ﵌ كفّ عن سبّ آلهتهم، وجعل يدعوهم إلى الله.
[ ٢ / ٣٣٧ ]
ابن أَعْيَنَ.
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا تَمْتَامٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ الْفَضْلِ الْأَزْرَقُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأسود ابن شَيْبَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نَوْفَلِ بْنُ أَبِي عَقْرَبٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «كَانَ لهب ابن أَبِي لَهَبٍ يَسُبُّ النَّبِيَّ ﵌، وَيَدْعُو عَلَيْهِ، قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﵌: اللهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبَكَ،
قَالَ: وَكَانَ أَبُو لَهَبٍ يَحْمِلُ الْبَزَّ إِلَى الشَّامِ، وَيَبْعَثُ بِوَلَدِهِ مَعَ غِلْمَانِهِ وَوُكَلَائِهِ وَيَقُولُ: إِنَّ ابْنِي أَخَافُ عَلَيْهِ دَعْوَةَ مُحَمَّدٍ فَيُعَاهِدُوهُ، قَالَ:
وَكَانُوا إِذَا نَزَلَ الْمَنْزِلَ أَلْزَقُوهُ إِلَى الْحَائِطِ، وَغَطُّوا عَلَيْهِ الثِّيَابَ وَالْمَتَاعَ، قَالَ:
فَفَعَلُوا ذَلِكَ بِهِ زَمَانًا، فَجَاءَ سَبْعٌ فَنَشَلَهُ فَقَتَلَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا لَهَبٍ فَقَالَ: أَلَمْ أَقَلْ لَكُمْ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْهِ دَعْوَةَ مُحَمَّدٍ» .
كَذَا قَالَ عَبَّاسُ بْنُ الْفَضْلِ وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ.
لَهَبُ بْنُ أَبِي لَهَبٍ، وَأَهْلُ الْمَغَازِي يَقُولُونَ: عُتْبَةُ بْنُ أَبِي لَهَبٍ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: عُتَيْبَةُ.
وَفِيمَا أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، قَالَ: «كَانَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ يعني ابنة
_________________
(١) [()] والنّضر بن الحرث بْنِ كَلْدَةَ بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ، كان إِذَا جَلَسَ رَسُولُ اللهِ ﵌ مجلسا فدعا فيه إلى الله تعالى، وتلا فيه القرآن، وحذّر قريشا ما أصاب الأمم الخالية، خلفه في مجلسه إذا قام، فحدثهم عن رستم السّنديذ وعن إسفنديار وملوك فارس، ثم يقول: والله ما محمد بأحسن حديثا مني، وما حديثه إلا أساطير الأولين اكتتبتها كما اكتتبها، فأنزل الله فيه (٢٥: ٥- ٦): وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا ونزل فيه (٦٨: ١٥): إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ونزل فيه (٤٥: ٧- ٨): يْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ. قال ابن هشام: الأفّاك: الكذاب، وَفِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى (٣٧: ١٥١- ١٥٢): أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ.
[ ٢ / ٣٣٨ ]
رسول الله ﵌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ عُتَيْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ، وَكَانَتْ رُقَيَّةُ تَحْتَ أَخِيهِ:
عُتْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ، فَلَمَّا أَنْزَلَ اللهُ ﷿: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ قَالَ أَبُو لَهَبٍ لِابْنَيهِ: عتيبة، وعتبة: رأسي ورؤوسكما حَرَامٌ إِنْ لَمْ تُطَلِّقَا ابْنَتَيْ مُحَمَّدٍ، وَسَأَلَ النَّبِيُّ ﵌ عُتْبَةَ طَلَاقَ رُقَيَّةَ، وَسَأَلَتْهُ رُقَيَّةُ ذَلِكَ وَقَالَتْ لَهُ أُمُّ كُلْثُومِ بِنْتُ حرب ابن أُمَيَّةَ- وَهِيَ حَمَّالَةُ الْحَطَبِ-: طَلِّقْهَا يَا بُنَيَّ فَإِنَّهَا قَدْ صَبَتْ فَطَلَّقَهَا، وَطَلَّقَ عُتَيْبَةُ أُمَّ كُلْثُومٍ، وَجَاءَ النَّبِيُّ ﵌ حِينَ فَارَقَ أُمَّ كُلْثُومٍ فَقَالَ: كَفَرْتُ بِدِينِكَ، وَفَارَقْتُ ابْنَتَكَ، لَا تُحِبُّنِي وَلَا أُحِبُّكَ، ثُمَّ تَسَلَّطَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ فَشَقَّ قَمِيصَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: أَمَا إِنِّي أَسْأَلُ اللهَ أَنْ يُسَلِّطَ عَلَيْهِ كَلْبَهُ،
فَخَرَجَ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ حَتَّى نَزَلُوا فِي مَكَانٍ مِنَ الشَّامِ يُقَالُ لَهُ الزَّرْقَاءُ لَيْلًا فَأَطَافَ بِهِمُ الْأَسَدُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَجَعَلَ عُتَيْبَةُ يَقُولُ: يَا وَيْلُ أُمِّي هُوَ وَاللهِ آكِلِي كَمَا دَعَا مُحَمَّدٌ عَلَيَّ، قَتَلَنِي ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ وَهُوَ بِمَكَّةَ وَأَنَا بِالشَّامِ، فَعَوَى عَلَيْهِ الْأَسَدُ مِنْ بَيْنِ الْقَوْمِ وَأَخَذَ بِرَأْسِهِ فَضَغَمَهُ ضَغْمَةً فَذَبَحَهُ» .
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ فَحَدَّثَنَا بِجَمِيعِ ذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْحَافِظُ، قَالَ:
حَدَّثَنَا الثَّقَفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ الْعَلَاءِ الْعَبْدِيُّ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ زُهَيْرٌ: وَحَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ: «أَنَّ الْأَسَدَ لَمَّا طَافَ بِهِمْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ انْصَرَفَ عَنْهُمْ فَنَامُوا وَجُعِلَ عُتَيْبَةُ فِي وَسْطِهِمْ فَأَقْبَلَ الْأَسَدُ يَتَخَطَّاهُمْ حَتَّى أَخَذَ بِرَأْسِ عُتَيْبَةَ، فَفَدَغَهُ، وَتَزَوَّجَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رُقَيَّةَ فَتُوُفِّيَتْ عِنْدَهُ، وَلَمْ تَلِدْ لَهُ، وَتَزَوَّجَ أَبُو الْعَاصِ بْنُ الرَّبِيعِ زَيْنَبَ فَوَلَدَتْ لَهُ أُمَامَةَ» .
[ ٢ / ٣٣٩ ]
بَابُ وَفَاةِ أَبِي طَالِبٍ عَمِّ رَسُولِ اللهِ ﵌ وَمَا وَرَدَ فِي امْتِنَاعِهِ مِنَ الْإِسْلَامِ
قَالَ اللهُ ﷿: وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ. وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ [(١)] .
وَقَالَ: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [(٢)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ يَحْيَى السُّكَّرِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ الصَّفَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ:
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَحْبُوبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَيَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عمن سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ فِي قَوْلِ اللهِ ﷿: وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ [(٣)] وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ [(٤)] قَالَ: نَزَلَتْ فِي أَبِي طَالِبٍ: كَانَ يَنْهَى الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُؤْذُوهُ وَيَنْأَى عَنْهُ. وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَيَنْأَى عَمَّا جَاءَ بِهِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ جمشاد، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
_________________
(١) [(١)] الآية الكريمة (٢٦) من سورة الأنعام. [(٢)] الآية الكريمة (٥٦) من سورة القصص. [(٣)] النهي: الزجر. [(٤)] النأي: البعد.
[ ٢ / ٣٤٠ ]
مَنْدَهِ الْأَصْبَهَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ بَكَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمْزَةُ بْنُ حَبِيبٍ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِ اللهِ ﷿: وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ قَالَ نَزَلَتْ فِي أَبِي طَالِبٍ: كَانَ يَنْهَى الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ ﵌، وَيَتَبَاعَدُ عَمَّا جَاءَ به [(٥)] .
_________________
(١) [(٥)] كذا جاء عن ابن عباس أيضا في تفسير القرطبي (٦: ٤٠٥)، وتابع بقوله: وقال أهل السير: كَانَ النَّبِيُّ ﵌ قد خرج إلى الكعبة يوما وأراد أن يصلي، فلما دخل في الصلاة قال أبو جهل- لعنه الله-: من يقوم إلى هذا الرجل فيفسد عليه صلاته. فقام ابن الزّبعرى فأخذ فرثا ودما فلطّخ به وَجْهِ النَّبِيِّ ﵌، فانفتل النبي ﵌ من صلاته، ثم أتى أبا طالب عمّه فقال: «يا عمّ ألا ترى إلى ما فعل بي» فقال أبو طالب: من فعل هذا بك؟ فقال النبي ﵌: عبد الله بن الزّبعرى، فقام أبو طالب ووضع سيفه على عاتقه ومشى معه حتى أتى القوم، فلما رأوا أبا طالب قد أقبل جعل القوم ينهضون، فقال أبو طالب: والله لئن قام رجل لجلّلته بسيفي فقعدوا حتى دنا إليهم، فقال: يا بنيّ من الفاعل بك هذا؟ فقال: «عبد الله بن الزّبعرى»، فأخذ أبو طالب فرثا ودما فلطّخ به وجوههم ولحاهم وثيابهم وأساء لهم القول، فنزلت هذه الآية: وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ فقال النبي ﵌: «يا عمّ نزلت فيك آية» قال: وما هي؟ قال: «تمنع قريشا أن تؤذيني وتأبى أن تؤمن بي» فقال أبو طالب. والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتّى أوسّد في التّراب دفينا فأصدع بأمرك ما عليك غضاضة وابشر بذاك وقرّ منك عيونا ودعوتني وزعمت أنك ناصحي فلقد صدقت وكنت قبل أمينا وعرضت دينا قد عرفت بأنّه من خير أديان البريّة دينا لولا الملامة أو حذار مسبّة لوجدتني سمحا بذاك يقينا فقالوا، يا رسول الله هل تنفع أبا طالب نصرته؟ قال: «نعم دفع عنه بذاك الغلّ ولم يقرن مع الشياطين ولم يدخل في جبّ الحيّات والعقارب إنما عذابه في نعلين من نار [في رجليه] يغلى منهما دماغه في رأسه وذلك أهون أهل النار عذابا» . وأنزل الله على رسوله: فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﵌ لعمه: «قل لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة» قال: لولا تعيّرني قريش يقولون: إنما حمله على ذلك الجزع لأقررت بها عينك، فأنزل الله تعالى: «إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ» كذا الرواية المشهورة «الجزع» بالجيم والزاي ومعناه الخوف. وقال أبو عبيد: «الخرع» بالخاء المنقوطة والراء المهملة. [قال] يعني الضّعف والخور، وفي صحيح مسلم أيضا عن ابن عباس قال قال رسول الله ﵌: «أهون
[ ٢ / ٣٤١ ]
أخبرنا أبو عبد الله الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ قَرْقُوبٍ التَّمَّارُ بِهَمَذَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ دِيزِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ (ح) وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ بِشْرَانَ الْعَدْلُ بِبَغْدَادَ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ مَا لَا أُحْصِي عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِيهِ [(٦)]، قَالَ: «لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ دَخَلَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﵌، فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، وَعَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ، قَالَ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ
_________________
(١) [()] أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا أَبُو طالب وهو منتعل بنعلين من نار يغلي منهما دماغه» . وَأَمَّا عَبْدُ اللهِ بْنُ الزّبعري فإنه أسلم عام الفتح وحسن إسلامه، واعتذر إِلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ فقبل عذره، وكان شاعرا مجيدا، فقال يمدح النبي ﵌، وله في مدحه أشعار كثيرة ينسخ بها ما قد مضى في كفره، منها قوله: منع الرّقاد بلابل وهموم واللّيد معتلج الرّواق بهيم ممّا أتاني أنّ أحمد لامني فيه فبتّ كأنّني محموم يا خير من حملت على أوصالها عيرانة سرح اليدين غشوم إنّي لمعتذر إليك من الّذي أسديت إذ أنا في الضّلال أهيم أيام تأمرني بأغوى خطّة سهم وتأمرني بها مخزوم وأمدّ أسباب الرّدى ويقودني امر الغواة وأمرهم مشئوم فاليوم آمن بالنبيّ محمّد قلبي ومخطئ هذه محروم مضت العداوة فانقضت أسبابها وأتت أواصر بيننا وحلوم فَاغْفِرْ فِدًى لَكَ وَالِدَايَ كِلَاهُمَا زَلَلِي فَإِنَّكَ رَاحِمٌ مرحوم وعليك من سمة المليك علامة نور أغرّ وخاتم مختوم أعطاك بعد محبّة برهانه شرفا وبرهان الإله عظيم ولقد شهدت بأنّ دينك صادق حقّا وأنّك في العباد جسيم والله يشهد أنّ أحمد مصطفى مستقبل في الصّالحين كريم قرم علا بنيانه من هاشم فرع تمكّن في الذّرى وأروم [(٦)] هو المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم- والد سعيد بن المسيب.
[ ٢ / ٣٤٢ ]
﵌: يَا عَمِّ! قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ، وَقَالَ أَبُو جَهْلٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: أَيْ أَبَا طَالِبٍ أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، قَالَ: فَكَانَ آخِرَ كَلِمَةٍ أَنْ قَالَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، قَالَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﵌: لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ، قَالَ: فَنَزَلَتْ مَا كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ إِلَى- وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ [(٧)] قَالَ لَمَّا مَاتَ وَهُوَ كَافِرٌ [(٨)] .
وَنَزَلَتْ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ لَفْظُ حَدِيثِ مَعْمَرٍ.
وَفِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ [(٩)] قَالَ: جَاءَهُ رَسُولُ اللهِ ﵌ فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ.، وَزَادَ: فَلَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ ﵌ يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ، وَيُعَانِدَانِهِ بِتِلْكَ الْمَقَالَةِ حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ: عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَأَبَى أَنْ يَقُولَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ- ثُمَّ ذَكَرَ الْبَاقِي بِمَعْنَاهُ [إِلَّا أَنَّهُ] [(١٠)] قَالَ: فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿ [(١١)] وَقَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى وَأَنْزَلَ اللهُ [تَعَالَى] [(١٢)] فِي أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ لِرَسُولِهِ [﵌] [(١٣)] وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَهُ لَمَّا مَاتَ وَهُوَ كَافِرٌ» .
_________________
(١) [(٧)] الآية الكريمة (١١٢) من سورة التوبة، و(١١٣) . [(٨)] أخرجه البخاري في: ٦٥- كتاب التفسير، تفسير سورة التوبة، (١٦) باب «وما كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أن يستغفروا للمشركين، حديث (٤٦٧٥)، فتح الباري (٨: ٣٤١) . [(٩)] رواية شعيب أخرجها البخاري في: ٦٥- كتاب التفسير، تفسير سورة القصص (١) باب إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي من يشاء، حديث (٤٧٧٢)، فتح الباري (٨: ٥٠٦)، من طريق أَبِي الْيَمَانِ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِيهِ. [(١٠)] ليست في (ص) ولا في (هـ) . [(١١)] الزيادة من (ص) . [(١٢)] الزيادة من (ص) و(هـ) . [(١٣)] من (ص) و(هـ) .
[ ٢ / ٣٤٣ ]
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ [(١٤)] وَمَحْمُودٍ [(١٥)] .
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ إِسْحَاقَ [الْقَاضِي] [(١٦)] وَعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ، كُلُّهُمْ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ [(١٧)] .
وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي الْيَمَانِ [(١٨)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو صَالِحِ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ الْعَنْبَرِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا جَدِّي يَحْيَى بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ، قَالَ:
حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌ لِعَمِّهِ: قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ أَشْهَدُ لَكَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. فقال: لولا أَنْ تُعَيِّرَنِيَ [(١٩)] قُرَيْشٌ إِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ الْجَزَعُ لَأَقْرَرْتُ بِهَا عَيْنَكَ فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [(٢٠)] .
قَالَ:
وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ هَاشِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا
_________________
(١) [(١٤)] رواية البخاري في الصحيح عن إسحق بن إبراهيم هي في تفسير سورة التوبة، فتح الباري (٨: ٣٤١)، وفي الجنائز باب (٨٠)، عن إسحق، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عن أبيه، عن صالح، ثلاثتهم عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِيهِ. [(١٥)] رواية البخاري عَنْ مَحْمُودِ بْنِ غَيْلَانَ، أخرجها في (٦٣) كتاب مناقب الأنصار (٤٠) باب قصة أبي طالب، حديث (٣٨٨٤)، فتح الباري (٧: ١٩٣) . [(١٦)] الزيادة من (ح) فقط. [(١٧)] رواية مسلم عن إسحق بن إبراهيم في: ١- كتاب الإيمان، (٩) باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت، ما لم يشرع في النزع وهو الغرغرة، ونسخ جواز الاستغفار للمشركين، حديث (٤٠)، صفحة (١: ٥٤) . [(١٨)] رواية الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي الْيَمَانِ أخرجها في تفسير القصص، فتح الباري (٨: ٥٠٦) . [(١٩)] في (ص): «تعايرني» . [(٢٠)] [القصص- ٥٦] .
[ ٢ / ٣٤٤ ]
أَبُو أُسَامَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ سَمِعَ أَبَا حَازِمٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
«لَمَّا حَضَرَتْ وَفَاةُ أَبِي طَالِبٍ أَتَاهُ النَّبِيُّ ﵌ فَقَالَ يَا عَمَّاهُ قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ أَشْهَدُ لَكَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقَالَ: لَوْلَا أَنْ تُعَيِّرَنِي قُرَيْشٌ يَقُولُونَ مَا حَمَلَهُ عَلَيْهَا إِلَّا جَزَعُهُ مِنَ الْمَوْتِ [(٢١)] لَأَقْرَرْتُ عَيْنَكَ بِهَا فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿ عَلَى نَبِيِّهِ ﵌ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ [(٢٢)] عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَاتِمٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ الْقَطَّانِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عبد الله الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ [(٢٣)] الْحَافِظُ بِالْكُوفَةِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأَسْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «مَرِضَ أَبُو طَالِبٍ، فَجَاءَتْ قُرَيْشٌ وَجَاءَ النَّبِيُّ ﵌ وَعِنْدَ رَأْسِ أَبِي طَالِبٍ مَجْلِسُ رَجُلٍ، فَقَامَ أَبُو جَهْلٍ كَيْ يَمْنَعَهُ ذَلِكَ وَشَكَوْهُ إِلَى أَبِي، فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي مَا تُرِيدُ مِنْ قَوْمِكَ؟ قَالَ: يَا عَمِّ! إِنَّمَا أُرِيدُ مِنْهُمْ كَلِمَةً تَذِلُّ لَهُمْ بِهَا الْعَرَبُ، وَتُؤَدِّي إِلَيْهِمْ بِهَا الْجِزْيَةَ الْعَجَمُ، كَلِمَةً وَاحِدَةً قَالَ مَا هِيَ؟ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ. قَالَ فَقَالُوا:
أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهًا واحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجابٌ [(٢٤)] قَالَ: وَنَزَلَ فِيهِمْ ص، وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ- حَتَّى بَلَغَ- إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ [(٢٥)] .
_________________
(١) [(٢١)] في (ص) و(هـ): «جزع الموت» . [(٢٢)] عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَاتِمٍ بن ميمون، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ القطان، عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ الأشجعي، عن أبي هريرة، أخرجه مسلم في: ١- كتاب الإيمان (٩) باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت حديث (٤٢)، صفحة (١: ٥٥) . [(٢٣)] في (ح) «دارم» . [(٢٤)] الآية الكريمة (٥) من سورة (ص) . [(٢٥)] [(١- ٧) من سورة (ص)]، والحديث أخرجه الترمذي في: ٤٨- كتاب التفسير (٣٩) باب ومن سورة ص، حديث (٣٢٣٢)، صفحة (٥: ٣٦٥- ٣٦٦)، وقال أبو عيسى: «هذا حديث حَسَنٌ» .
[ ٢ / ٣٤٥ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَعْبَدٍ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «لَمَّا أَتَى رَسُولُ اللهِ ﵌ أَبَا طَالِبٍ فِي مَرَضِهِ فَقَالَ لَهُ: أَيْ عَمِّ! قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ أَسْتَحِلُّ لَكَ بِهَا الشَّفَاعَةَ [يَوْمَ الْقِيَامَةِ] [(٢٦)] فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي [وَاللهِ] [(٢٧)] لَوْلَا أَنْ تَكُونَ سُبَّةً عَلَيْكَ وَعَلَى أَهْلِ بَيْتِكَ مِنْ بَعْدِي يَرَوْنَ أَنِّي قُلْتُهَا جَزَعًا حِينَ نَزَلَ بِيَ الْمَوْتُ لَقُلْتُهَا- لَا أَقُولُهَا إِلَّا لِأَسُرَّكَ بِهَا- فَلَمَّا ثَقُلَ أَبُو طَالِبٍ رُئِيَ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ فَأَصْغَى إِلَيْهِ الْعَبَّاسُ لِيَسْتَمِعَ قَوْلَهُ فَرَجَعَ [(٢٨)] الْعَبَّاسُ عَنْهُ فَقَالَ:
يَا رَسُولَ الله قَدْ وَاللهِ قَالَ الْكَلِمَةَ الَّتِي سَأَلْتَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﵌ لَمْ أَسْمَعْ [(٢٩)] .
هَذَا إِسْنَادٌ مُنْقَطِعٌ وَلَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ الْعَبَّاسُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتُ، وَحِينَ أَسْلَمَ سَأَلَ النبي ﵌ عَنْ حَالِ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ مَا فِي الْحَدِيثِ الثَّابِتِ الَّذِي أَخْبَرَنَاهُ أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَالْحَجَبِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنَّهُ قَالَ: «يَا رَسُولَ اللهِ هَلْ نَفَعْتَ أَبَا طَالِبٍ بِشَيْءٍ فَإِنَّهُ كَانَ يَحُوطُكَ وَيَغْضَبُ لَكَ. قَالَ: نَعَمْ هُوَ فِي ضَحْضَاحٍ مِنَ النَّارِ، وَلَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ» [(٣٠)] .
_________________
(١) [(٢٦)] الزيادة من (ص) و(هـ) . [(٢٧)] الزيادة من (ص) و(هـ) . [(٢٨)] في (): فرفع. [(٢٩)] سيرة ابن هشام (٢: ٢٧)، البداية والنهاية (٣: ١٢٣)، وقال: «قد تكلمنا على ذلك في التفسير»، وانظر تفسير سورة (ص) من كتاب تفسير ابن كثير. [(٣٠)] الحديث أخرجه البخاري، ومسلم، والإمام أحمد في مسنده: (١: ٢٠٦)، (٣: ٩، ٥٠، ٥٥) .
[ ٢ / ٣٤٦ ]
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ مُوسَى [(٣١)] .
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ [(٣٢)] وَغَيْرُهُ كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ.
وَكَذَلِكَ رَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ.
وَ
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ قَالَ:
أَخْبَرَنَا ابْنُ مِلْحَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْهَادِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ خَبَّابٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ «أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﵌ وَذُكِرَ عِنْدَهُ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ فَقَالَ: لَعَلَّهُ تَنْفَعُهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُجْعَلَ فِي ضَحْضَاحٍ مِنَ النَّارِ يَبْلُغُ كَعْبَيْهِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ» [(٣٣)] .
قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ شَرِيكٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي صَرِيمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ الْهَادِ: أَنَّ عبد الله ابن خَبَّابٍ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ «رَسُولَ الله ﵌ ذُكِرَ عِنْدَهُ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ فَذَكَرَهُ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يوسف ورواه
_________________
(١) [(٣١)] من طريق مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنِ العباس بن عبد المطلب أخرجه البخاري في: ٧٨- كتاب الأدب (١١٥) باب كنية المشرك، حديث (٦٢٠٨)، فتح الباري (١٠: ٥٩٢) . كما أخرجه البخاري أيضا في: ٦٣- كتاب مناقب الأنصار، (٤٠) باب قصة أبي طالب، حديث (٣٨٨٣)، فتح الباري (٧: ١٩٣) عن مسدد، عن يحيى، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الحارث، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المطلب. [(٣٢)] مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ أبي بكر المقدّمي، عن أبي عوانة أخرجه مسلم في: ١- كتاب الإيمان (٩٠) باب شفاعة النبي ﵌، حديث (٣٥٧)، صفحة (١: ١٩٤) . (والضحضاح): هو ما رقّ من الماء على وجه الأرض إلى نحو الكعبين، واستعير في النار. [(٣٣)] صحيح مسلم: ١- كتاب الإيمان، حديث (٣٦٠) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، صفحة (١: ١٩٥) .
[ ٢ / ٣٤٧ ]
مُسْلِمٌ عَنْ قُتَيْبَةَ كِلَاهُمَا عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ [(٣٤)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو النَّضْرِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الطُّوسِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ (ح) قَالَ: وَأَخْبَرَنِي أَبُو عَمْرِو يَعْنِي ابْنَ أَحْمَدَ، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌، قَالَ: «أَهْوَنُ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا أَبُو طَالِبٍ مُنْتَعِلًا بِنَعْلَيْنِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ» .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ [(٣٥)] عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ.
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ فُورَكٍ ﵀ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ ابن جَعْفَرِ بْنِ أَحْمَدَ الْأَصْبَهَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ سَمِعْتُ تاجية بْنَ كَعْبٍ، يَقُولُ: «شَهِدْتُ عَلِيًّا يَقُولُ: لَمَّا تُوُفِّيَ أَبِي أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ فَقُلْتُ:
إِنَّ عَمَّكَ قَدْ تُوُفِّيَ، فَقَالَ: اذْهَبْ فَوَارِهِ، فَقُلْتُ: إِنَّهُ مَاتَ مُشْرِكًا، فَقَالَ:
اذْهَبْ فَوَارِهِ، وَلَا تُحْدِثَنَّ حَتَّى تَأْتِيَنِي، فَفَعَلْتُ ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَأَمَرَنِي أَنْ أَغْتَسِلَ» [(٣٦)] .
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمِصْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفِرْيَابِيُّ، قَالَ: حدّثنا
_________________
(١) [(٣٤)] مر الحديث ضمن الأحاديث السابقة. [(٣٥)] صحيح مسلم (١: ١٩٥) . [(٣٦)] أخرجه النسائي في كتاب الجنائز، والإمام أحمد في «مسنده» (١: ٩٧، ١٠٣، ١٣٠، ١٣١)، وابن خزيمة في صحيحه.
[ ٢ / ٣٤٨ ]
سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ نَاجِيَةَ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، قَالَ: «لَمَّا مَاتَ أَبُو طَالِبٍ أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﵌ فَقُلْتُ إِنَّ عَمَّكَ الشَّيْخَ الضَّالَّ قَدْ مَاتَ فَمَنْ يُوَارِيهِ؟ قَالَ اذْهَبْ فَوَارِ أَبَاكَ وَلَا تُحْدِثَنَّ شَيْئًا حَتَّى تَأْتِيَنِي فَأَتَيْتُهُ فَأَمَرَنِي فَاغْتَسَلْتُ، ثُمَّ دَعَا لِي بِدَعَوَاتٍ مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِيَ بِهِنَّ مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ» [(٣٧)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ الْمَالِينِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَدِيِّ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ بْنِ حُمَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رِزْمَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ عَارَضَ جَنَازَةَ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ وَصَلَتْكَ رَحِمٌ وَجُزِيتَ خَيْرًا يَا عَمِّ» وَرَوَى عَنْ أَبِي الْيَمَانِ الْهَوْزَنِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﵌ مُرْسَلًا [(٣٨)] وَزَادَ «وَلَمْ يَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ» وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ هَذَا هُوَ الْخَوَارَزْمِيُّ تَكَلَّمُوا فِيهِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الله الحافظ وأبو سعيد بن أبي عمرو قالا: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قال: حدّثنا يونس ابن بُكَيْرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ رَسُولَ الله ﵌، قَالَ: مَا زَالَتْ قُرَيْشٌ كَاعِّينَ عَنِّي [(٣٩)] حَتَّى مَاتَ أَبُو طَالِبٍ» .
وحَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عُقْبَةُ الْمُجَدَّرُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ [﵂] [(٤٠)] عن
_________________
(١) [(٣٧)] رواه أبو داود، والنسائي من حديث سفيان، عن أبي إسحق، عن ناجية، عن علي. [(٣٨)] نقله الحافظ ابن كثير عن المصنف. البداية والنهاية (٣: ١٢٥) . [(٣٩)] الزيادة من (ح) فقط. [(٤٠)] الزيادة من (ص) فقط.
[ ٢ / ٣٤٩ ]
النبي ﵌ قَالَ: «مَا زَالَتْ قُرَيْشٌ كَاعَّةٌ عَنِّي حَتَّى تُوُفِّيَ أَبُو طَالِبٍ» .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّغَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ بُهْلُولٍ قَالَ:
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: «لَمَّا مَاتَ أَبُو طَالِبٍ عَرَضَ لِرَسُولِ اللهِ ﵌ سَفِيهٌ مِنْ سُفَهَاءِ قُرَيْشٍ فَأَلْقَى عَلَيْهِ تُرَابًا فَرَجَعَ إِلَى بَيْتِهِ فَأَتَتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِهِ تَمْسَحُ عَنْ وَجْهِهِ التُّرَابَ وَتَبْكِي، قَالَ فَجَعَلَ يَقُولُ: أَيْ بُنَيَّةُ لَا تَبْكِيَنَّ فَإِنَّ اللهَ [﷿] [(٤١)] مَانِعٌ أَبَاكِ، وَيَقُولُ مَا بَيْنَ ذَلِكَ مَا نَالَتْ مِنِّي قُرَيْشٌ شَيْئًا أَكْرَهُهُ حَتَّى مات أبو طالب» [(٤٢)] .
_________________
(١) [(٤١)] ليست في (ص) . [(٤٢)] راجع في خبر موت أبي طالب أيضا: سيرة ابن هشام (٢: ٢٦- ٢٧)، وابن سعد (١: ١: ١٤١)، والروض الأنف (١: ٢٥٨)، والبداية والنهاية (٣: ١٢٢)، والنويري (١٦: ٢٧٧)، والسيرة الحلبية (١: ٤٦٦)، السيرة الشامية (٢: ٥٦٣) .
[ ٢ / ٣٥٠ ]
بَابُ وَفَاةِ خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ زَوْجِ رَسُولِ اللهِ ﵌ وَرَضِيَ عَنْهَا وَمَا فِي إِخْبَارِ جِبْرِيلِ ﵇ إِيَّاهُ بِمَا يَأْتِيهِ بِهِ مِنَ الْآيَاتِ
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الله الحافظ، وأبو سعيد بن أَبِي عَمْرٍو، قَالَا: حَدَّثَنَا أبو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ﵂- قَالَتْ: «مَا غِرْتُ عَلَى امْرَأَةٍ لِرَسُولِ اللهِ ﵌ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ مِمَّا كُنْتُ أَسْمَعُ مِنْ ذِكْرِهِ لَهَا، وَمَا تَزَوَّجَنِي إِلَّا بَعْدَ مَوْتِهَا بِثَلَاثِ سِنِينَ، وَلَقَدْ أَمَرَهُ رَبُّهُ أَنْ يُبَشِّرَهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ، لَا نَصَبٌ فِيهِ وَلَا صَخَبٌ» .
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحِ مِنْ أَوْجُهٍ أُخَرَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ [(١)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنِي قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ عُمَارَةَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: «أَتَى جِبْرِيلُ ﵇ إِلَى النَّبِيِّ ﵌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ هَذِهِ خَدِيجَةُ أَتَتْكَ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامُ طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ فَاقْرَأْ ﵍ مِنْ رَبِّهَا وَمِنِّي وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ من
_________________
(١) [(١)] أخرجه البخاري في: ٦٣- كتاب مناقب الأنصار (٢٠) باب تَزْوِيجَ النَّبِيِّ ﵌ خديجة وفضلها﵂- حديث (٣٨١٧)، فتح الباري (٧: ١٣٣)، وأخرجه مسلم في فضائل الصحابة، حديث (٧١، ٧٢، ٧٤)، والإمام أحمد في «مسنده» (٦: ٥٨، ٢٠٢، ٢٧٩) .
[ ٢ / ٣٥١ ]
قَصَبٍ، لَا صَخَبٌ فِيهِ وَلَا نَصَبٌ» .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ قُتَيْبَةَ [(٢)] .
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ [(٣)] عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ «وَقَدْ كَانَتْ خَدِيجَةُ تُوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الصَّلَاةُ» [(٤)] .
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَجَّاجُ بْنُ أَبِي مَنِيعٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا جَدِّي، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: «تُوُفِّيَتْ خَدِيجَةُ بِمَكَّةَ قَبْلَ خُرُوجِ رَسُولِ اللهِ ﵌ إِلَى الْمَدِينَةِ وَقَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الصَّلَاةُ» .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: «ثُمَّ إِنَّ خَدِيجَةَ بِنْتَ خُوَيْلِدٍ وَأَبَا طَالِبٍ مَاتَا فِي عَامٍ وَاحِدٍ فَتَتَابَعَتْ عَلَى رَسُولِ الله ﵌ الْمَصَائِبُ بِهَلَاكِ خَدِيجَةِ وَأَبِي طَالِبٍ، وَكَانَتْ خَدِيجَةُ وَزِيرَةَ صِدْقٍ عَلَى الْإِسْلَامِ، كَانَ يَسْكُنُ إِلَيْهَا قُلْتُ وَبَلَغَنِي أَنَّ مَوْتَ خَدِيجَةَ كَانَ بَعْدَ مَوْتِ أَبِي
_________________
(١) [(٢)] من طريق قُتَيْبَةَ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أبي هريرة أخرجه البخاري في: ٦٣- كتاب مناقب الأنصار، (٢٠) باب تَزْوِيجَ النَّبِيِّ ﵌ خديجة ، حديث (٣٨٢٠)، فتح الباري (٧: ١٣٣- ١٣٤) . [(٣)] من طريق أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شيبة، عن ابن فضيل أخرجه مسلم فِي: ٤٤- كِتَابِ فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ، (١٢) باب فضائل خديجة أم المؤمنين، حديث (٧١)، صفحة (١٨٨٧) . [(٤)] أنساب الأشراف (١: ١٨٦) .
[ ٢ / ٣٥٢ ]
طَالِبٍ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَاللهُ أَعْلَمُ» [(٥)] . ذَكَرَهُ أَبُو عَبْدِ اللهِ بْنُ مَنْدَهْ فِي كِتَابِ الْمَعْرِفَةِ وَكَذَلِكَ ذَكَرَهُ شَيْخُنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ﵀-[(٦)] وَزَعَمَ الْوَاقِدِيُّ «أَنَّهُمْ خَرَجُوا مِنَ الشِّعْبِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَتْ خَدِيجَةُ وَأَبُو طَالِبٍ بَيْنَهُمَا خَمْسٌ وَثَلَاثُونَ لَيْلَةً الْمُتَقَدِّمَةُ خَدِيجَةُ» وَهَذَا فِيمَا أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ السُّكَّرِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ الشَّافِعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَزْهَرِ قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ غَسَّانَ قَالَ وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ فذكره.
_________________
(١) [(٥)] توفيت السيدة خديجة قبل الهجرة بثلاث سنوات، وتوفي أبو طالب بعدها بخمس وثلاثين ليلة، وقيل: بل توفيت بعده بثلاثة أيام، وأن وفاته كانت بعد نقض الصحيفة بثمانية أشهر وواحد وعشرين يوما. وروى البخاري عن عروة قَالَ: تُوُفِّيَتْ خَدِيجَةُ قَبْلَ مَخْرَجِ النَّبِيِّ ﵌ وروى البلاذريّ عنه قال: توفيت قبل الهجرة بسنتين أَوْ قَرِيبٍ مِنْ ذَلِكَ. وقال بعضهم: ماتت قبل الهجرة بخمس سنين. قال البلاذري: وهو غلط. وروى ابن الجوزي عن حكيم بن جزام وثعلبة بن صعير- بصاد فعين مهملتين مصغرا- أنه كان بين وفاة أبي طالب ووفاة خديجة شهر وخمسة أيام. وروى الحاكم أن موتها بعد موت أبي طالب بثلاثة أيام. وقال محمد بن عمر الأسلمي: توفيت لعشر خلون من رمضان وهي بنت خمس وستين سنة. ثم روى عن حكيم بن حزام أنها توفيت سنة عشر من البعثة بعد خروج بني هاشم من الشّعب ودفنت بالحجون، ونزل رسول الله ﵌ قبرها، ولم تكن الصلاة على الجنازة شرعت. وروى يعقوب بن سفيان عن عائشة ﵂ قالت: ماتت خديجة قبل أن تفرض الصلاة. وكانت خديجة ﵂ وزيرة صدق للنبي ﵌ على الإسلام وكان يسكن إليها، وكانت تدعى في الجاهلية الطاهرة، وستأتي ترجمتها وبعض مناقبها في أبواب أزواجه ﵌. [(٦)] في (ص) و(هـ): «رحمهما الله» .
[ ٢ / ٣٥٣ ]
بَابُ الْإِسْرَاءِ بِرَسُولِ اللهِ ﵌ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى وَمَا ظَهَرَ فِي ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ
قَالَ اللهُ ﷿: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [(١)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ بِبَغْدَادَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَتَّابٍ الْعَبْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ عَمِّهِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ.
(ح) وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ الشَّعْرَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَدِّي، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، قَالَ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ:
«أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللهِ ﵌ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ قَبْلَ خُرُوجِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ بِسَنَةٍ» [(٢)] .
وَكَذَلِكَ ذَكَرَهُ ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أخبرناه أبو
_________________
(١) [(١)] الآية الكريمة (١) من سورة الإسراء. [(٢)] البداية والنهاية (٣: ١٠٨) .
[ ٢ / ٣٥٤ ]
الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، وَحَسَّانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ فَذَكَرَهُ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنْ أَسْبَاطِ بْنِ نَصْرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ السُّدِّيِّ، قَالَ: «فُرِضَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ الْخَمْسُ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ قَبْلَ مُهَاجَرِهِ بِسِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا» [(٣)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ قَالَ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ (ح) .
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ: عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ بِشْرَانَ الْعَدْلُ بِبَغْدَادَ، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَبَّاسِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَبُو إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْعَلَاءِ بْنِ الضَّحَّاكِ الزُّبَيْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَالِمٍ الْأَشْعَرِيِّ، عَنِ الزُّبَيْدِيِّ: مُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ ابن عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ جُبَيْرَ بْنَ نُفَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ قَالَ: «قُلْنَا يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ أُسْرِيَ بِكَ؟ قَالَ صَلَّيْتُ لِأَصْحَابِي صَلَاةَ الْعَتَمَةِ بِمَكَّةَ مُعْتَمًّا، وَأَتَانِي جِبْرِيلُ﵇- بِدَابَّةٍ بَيْضَاءَ فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ، فَقَالَ: ارْكَبْ فَاسْتَصْعَبَتْ عَلَيَّ، فَدَارَهَا بِأُذُنِهَا، ثُمَّ حَمَلَنِي عَلَيْهَا، فَانْطَلَقَتْ تَهْوِي بِنَا: يَقَعُ حَافِرُهَا حَيْثُ أَدْرَكَ طَرْفُهَا، حَتَّى بَلَغْنَا أَرْضًا ذات نخل
_________________
(١) [(٣)] اختلف العلماء في تحديد في أي زمان وقع الإسراء، والاتفاق أنه كان بعد البعثة وقبل الهجرة، وجزم جمع بأنه كان قبل الهجرة بسنة، ورجع النووي أنه كان «ليلة سبع وعشرين من ربيع الأول قبل الهجرة بسنة.
[ ٢ / ٣٥٥ ]
فَأَنْزَلَنِي، فَقَالَ: صَلِّ. فَصَلَّيْتُ، ثُمَّ رَكِبْنَا فَقَالَ: أَتَدْرِي أَيْنَ صَلَّيْتَ؟ قُلْتُ اللهُ أَعْلَمُ* قَالَ: صَلَّيْتَ بِيَثْرِبَ، صَلَّيْتَ بِطَيْبَةَ، فَانْطَلَقَتْ تَهْوَى بِنَا يَقَعُ حَافِرُهَا حَيْثُ أَدْرَكَ طَرْفُهَا، ثُمَّ بَلَغْنَا أَرْضًا فَقَالَ: انْزِلْ، فَنَزَلَتْ، ثُمَّ قَالَ: صَلِّ فَصَلَّيْتُ، ثُمَّ رَكِبْنَا، فَقَالَ: أَتَدْرِي أَيْنَ صَلَّيْتَ؟ قُلْتُ: اللهُ أَعْلَمُ، قَالَ:
صَلَّيْتَ بِمَدْيَنَ، صَلَّيْتَ عِنْدَ شَجَرَةِ مُوسَى ﵇، ثُمَّ انْطَلَقَتْ تَهْوَى بِنَا يَقَعُ حَافِرُهَا حَيْثُ أَدْرَكَ طَرْفُهَا، ثُمَّ بَلَغْنَا أَرْضًا بَدَتْ لَنَا قُصُورٌ، فَقَالَ: انْزِلْ فَنَزَلَتُ فَقَالَ: صَلِّ فَصَلَّيْتُ، ثُمَّ رَكِبْنَا، قَالَ: أَتَدْرِي أَيْنَ صَلَّيْتَ؟ قُلْتُ اللهُ أَعْلَمُ. قَالَ: صَلَّيْتَ بِبَيْتِ لَحْمٍ، حَيْثُ وُلِدَ عِيسَى﵇- المسيح بن مَرْيَمَ، ثُمَّ انْطَلَقَ بِي حَتَّى دَخَلْنَا الْمَدِينَةَ مِنْ بَابِهَا الْيَمَانِيِّ فَأَتَى قِبْلَةَ الْمَسْجِدِ فَرَبَطَ بِهِ دَابَّتَهُ وَدَخَلْنَا الْمَسْجِدَ مِنْ بَابٍ فِيهِ تَمِيلُ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ، فَصَلَّيْتُ مِنَ الْمَسْجِدِ حَيْثُ شَاءَ اللهُ وَأَخَذَنِي [(٤)] مِنَ الْعَطَشِ أَشَدُّ مَا أَخَذَنِي، فَأُتِيتُ بِإِنَاءَيْنِ فِي أَحَدِهِمَا لَبَنٌ، وَفِي الْآخَرِ عَسَلٌ، أُرْسِلَ إِلَيَّ بِهِمَا جَمِيعًا، فَعَدَلْتُ بَيْنَهُمَا ثُمَّ هَدَانِي اللهُ ﷿ فَأَخَذْتُ اللَّبَنَ فَشَرِبْتُ، حَتَّى قَرَعْتُ بِهِ جَبِينِي وَبَيْنَ يَدَيَّ شَيْخٌ مُتَّكِئٌ عَلَى مَثْرَاةٍ لَهُ فَقَالَ: أَخَذَ صَاحِبُكَ الْفِطْرَةَ إِنَّهُ لَيُهْدَى، ثُمَّ انْطَلَقَ لي حَتَّى أَتَيْنَا الْوَادِي الَّذِي فِي الْمَدِينَةِ، فَإِذَا جَهَنَّمُ تَنْكَشِفُ عَنْ مِثْلِ الزَّرَابِيِّ، قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ! كَيْفَ وَجَدْتَهَا؟ قَالَ: مِثْلُ الْحُمَةِ السُّخْنَةِ، ثُمَّ انْصَرَفَ بِي فَمَرَرْنَا بِعِيرٍ لِقُرَيْشٍ بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا قَدْ أَضَلُّوا بَعِيرًا لَهُمْ فَجَمَعَهُ فُلَانٌ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِمْ فَقَالَ بَعْضُهُمْ هَذَا صَوْتُ مُحَمَّدٍ ثُمَّ أَتَيْتُ أَصْحَابِي قَبْلَ الصُّبْحِ بِمَكَّةَ فَأَتَانِي أَبُو بَكْرٍ ﵁، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ أَيْنَ كُنْتَ اللَّيْلَةَ فَقَدِ الْتَمَسْتُكَ فِي مَكَانِكَ.
فَقَالَ عَلِمْتَ أَنِّي أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ اللَّيْلَةَ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّهُ مَسِيرَةَ شَهْرٍ فَصِفْهُ لِي. قَالَ فَفُتِحَ لِي صِرَاطٌ كَأَنِّي أَنْظُرُ فِيهِ لَا يَسَلْنِي [(٥)] عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَنْبَأْتُهُ
_________________
(١) [(٤)] في (ص): «وأتاني» . [(٥)] في (ص) و(هـ): «لا يسألني» .
[ ٢ / ٣٥٦ ]
عَنْهُ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: انْظُرُوا إِلَى ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ يَزْعُمُ أَنَّهُ أَتَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ اللَّيْلَةَ، قَالَ فَقَالَ إِنَّ مِنْ آيَةِ مَا أَقُولُ لَكُمْ أَنِّي مَرَرْتُ بِعِيرٍ لَكُمْ بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا قَدْ أَضَلُّوا بَعِيرًا لَهُمْ فَجَمَعَهُ فُلَانٌ، وَإِنَّ مَسِيرَهُمْ يَنْزِلُونَ بِكَذَا ثُمَّ بِكَذَا وَيَأْتُونَكُمْ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا يَقْدُمُهُمْ جَمَلٌ آدَمُ عَلَيْهِ مِسْحٌ أَسْوَدُ وَغِرَارَتَانِ سَوْدَاوَانِ، فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ أَشْرَفَ النَّاسُ يَنْتَظِرُونَ حَتَّى كان قريب مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ حَتَّى أَقْبَلَتِ الْعِيرُ يَقْدُمُهُمْ ذَلِكَ الْجَمَلُ الَّذِي وَصَفَهُ رَسُولُ اللهِ ﵌» .
هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ [(٦)] وَرُوِي ذَلِكَ مُفَرَّقًا فِي أَحَادِيثَ غَيْرِهِ وَنَحْنُ نَذْكُرُ مِنْ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى مَا حَضَرَنَا.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَلِيمٍ الْمَرْوَزِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْمُوَجِّهِ: مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
أُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﵌ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ بِإِنَاءٍ فِيهِ خَمْرٌ [وَإِنَاءٍ فِيهِ لَبَنٌ] [(٧)] فَنَظَرَ إِلَيْهِمَا فَأَخَذَ اللَّبَنَ فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ ﵇ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَاكَ لِلْفِطْرَةِ لَوْ أَخَذْتَ الْخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ [(٨)]» .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو الْبِسْطَامِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو يَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو صَفْوَانَ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ
_________________
(١) [(٦)] حديث شداد بن أوس أخرجه البزار، والطبراني. [(٧)] في (ص) و(هـ): «بإيلياء بقدحين من خمر ولبن» وهو تحريف شديد. [(٨)] أخرجه من حديث طويل: ابن جرير الطبري، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه من طريق أبي العالية.
[ ٢ / ٣٥٧ ]
شِهَابٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ. فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ سَوَاءً.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدَانَ [(٩)] .
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي خَيْثَمَةَ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ [(١٠)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، قَالَ: أَخْبَرَنَا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ الْوَهْبِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ (ح) .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نُعَيْمٍ، محمد بْنُ النَّضْرِ، قَالَ ابْنُ النَّضْرِ أَخْبَرَنَا وَقَالَ ابْنُ نُعَيْمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُجَيْنُ بن الْمَعْنِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْفَضْلِ الْهَاشِمِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: لَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي الْحِجْرِ وَقُرَيْشٌ تَسَلْنِي عَنْ مَسْرَايَ، فَسَأَلُونِي، عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لَمْ أُثْبِتْهَا فَكُرِبْتُ كَرْبًا مَا كُرِبْتُ مِثْلَهُ قَطُّ، فَرَفَعَهُ اللهُ لِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ مَا يَسَلُونِي [(١١)] عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَنْبَأْتُهُمْ بِهِ، وَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فَإِذَا مُوسَى قَائِمٌ يُصَلِّي، فَإِذَا رَجُلٌ ضَرْبٌ جَعْدٌ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شنوءة، وإذا عيسى بن مَرْيَمَ قَائِمٌ يُصَلِّي أَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا: عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ، وَإِذَا إِبْرَاهِيمُ قَائِمٌ يُصَلِّي أَشْبَهُ النَّاسِ بِهِ صَاحِبُكُمْ- يَعْنِي نَفْسَهُ، فَحَانَتِ الصَّلَاةُ، فَأَمَمْتُهُمْ، فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنَ الصَّلَاةِ قَالَ لِي قَائِلٌ: يَا مُحَمَّدُ! هَذَا مَالِكٌ صَاحِبُ النَّارِ، فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَالْتَفَتُّ
_________________
(١) [(٩)] في: ٦٥- كتاب التفسير، تفسير سورة الإسراء (٣) باب أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ المسجد الحرام»، حديث (٤٧٠٩)، فتح الباري (٨: ٣٩١) . [(١٠)] أخرجه مسلم في: ١- كتاب الإيمان، حديث (٢٧٢)، والإمام أحمد في «مسنده» (٢: ٢٨٢) . [(١١)] في (ص) و(هـ): «ما يسألوني» .
[ ٢ / ٣٥٨ ]
إِلَيْهِ فَبَدَأَنِي بِالسَّلَامِ- لَفْظُ حَدِيثِهِمَا سَوَاءٌ إِلَّا أَنَّ في رواية الواهبي وَأَنَا أُخْبِرُ قُرَيْشًا عَنْ مَسْرَايَ» .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ [(١٢)] أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ بِبَغْدَادَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُكْرَمٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُكَيْرٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سلمة ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الْأَنْصَارِيَّ يُحَدِّثُ «أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﵌ يَقُولُ: لَمَّا كَذَّبَتْنِي قُرَيْشٌ قُمْتُ فِي الْحِجْرِ فَجَلَّى اللهُ [﷿] [(١٣)] لِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَطَفِقْتُ أخبرهم عن آياته وأنا أَنْظُرُ إِلَيْهِ» .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ بُكَيْرٍ [(١٤)] .
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنِ اللَّيْثِ [(١٥)]
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدِ الدُّورِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أبي عن صالح ابن كَيْسَانَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ: «إِنَّ رَسُولَ اللهِ
_________________
(١) [(١٢)] في: ١- كتاب الإيمان، (٧٤) بَابُ الْإِسْرَاءِ بِرَسُولِ اللهِ ﵌، الحديث (٢٧٢)، ص (١: ١٥٤) . [(١٣)] الزيادة من (ص)، وفي (هـ): «تعالى» . [(١٤)] عَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أخرجه البخاري في: ٦٣- كتاب مناقب الأنصار (٤١) باب حديث الإسراء، الحديث (٣٨٨٦)، فتح الباري (٧: ١٩٦) . وأخرجه البخاري (أيضا) عن أحمد بْنُ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ وهب، عن يونس، في تفسير سورة الإسراء. [(١٥)] مُسْلِمٌ عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ، عن ليث، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، في: ١- كتاب الإيمان (٧٥) باب ذكر المسيح، الحديث (٢٧٦)، ص (١: ١٥٦) . كما أخرجه الترمذي في تفسير سورة الإسراء، عن قتيبة، وقال: «حسن صحيح» .
[ ٢ / ٣٥٩ ]
﵌ حِينَ انْتَهَى إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ لَقِيَ فِيهِ: إِبْرَاهِيمَ، وَمُوسَى، وَعِيسَى ﵈، وَأَنَّهُ أُتِيَ بِقَدَحَيْنِ: قَدَحُ لَبَنٍ وَقَدَحُ خَمْرٍ، فَنَظَرَ إِلَيْهِمَا، ثُمَّ أَخَذَ قَدَحَ اللَّبَنِ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ هُدِيتَ [الْفِطْرَةَ] لَوْ أَخَذْتَ الْخَمْرَ لَغَوَتْ أُمَّتُكَ [(١٦)]، ثُمَّ رَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﵌ إِلَى مَكَّةَ فَأَخْبَرَ أَنَّهُ أُسْرِيَ بِهِ فَافْتَتَنَ نَاسٌ كَثِيرٌ كَانُوا قَدْ صَلَّوْا مَعَهُ.
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: قَالَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: فَتَجَهَّزَ نَاسٌ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالُوا لَهُ: هَلْ لَكَ فِي صَاحِبِكَ يَزْعُمُ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَكَّةَ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أو قال ذَلِكَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ فَأَشْهَدُ، لَئِنْ كَانَ قَالَ ذَلِكَ لَقَدْ صَدَقَ. قَالُوا: فَتُصَدِّقُهُ بِأَنْ يَأْتِيَ الشَّامَ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى مَكَّةَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ؟ قَالَ: نَعَمْ إِنِّي أُصَدِّقُهُ بِأَبْعَدِ مِنْ ذَلِكَ:
أُصَدِّقُهُ بِخَبَرِ السَّمَاءِ، قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: فَبِهَا سُمِّيَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁.
قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: فَسَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﵌ يَقُولُ: لَمَّا كَذَّبَتْنِي قُرَيْشٌ حِينَ أُسْرِيَ بِي إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ قُمْتُ فِي الْحِجْرِ فَجَلَّى اللهُ ﷿ لِي بَيْتَ المقدس فطفقت أخبرهم عن آيَاتِهِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ» [(١٧)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو سَهْلٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمِهْرَانِيُّ الْمُزَكِّي، قَالَ:
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ: أَحْمَدُ بْنُ سَلْمَانَ الْفَقِيهُ بِبَغْدَادَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْهَيْثَمِ الْقَاضِي: أَبُو الْأَحْوَصِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ الْمِصِّيصِيُّ.
«ح» وحَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُكْرَمُ بْنُ أَحْمَدَ الْقَاضِي، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْهَيْثَمِ الْبَلَدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ
_________________
(١) [(١٦)] انظر حاشية (٨، ٩) من هذا الباب. [(١٧)] مضى في الحاشيتين (١٤، ١٥) من هذا الباب.
[ ٢ / ٣٦٠ ]
الصَّنْعَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «لَمَّا أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ ﵌ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى أَصْبَحَ يَتَحَدَّثُ النَّاسُ بِذَلِكَ فَارْتَدَّ نَاسٌ مِمَّنْ كَانُوا آمَنُوا بِهِ وَصَدَّقُوهُ وَسَعَوْا بِذَلِكَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁ فَقَالُوا هَلْ لَكَ فِي صَاحِبِكَ يَزْعُمُ أَنَّهُ أُسْرِيَ بِهِ فِي اللَّيْلِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ قال أو قال ذَلِكَ؟ قَالُوا نَعَمْ قَالَ لَئِنْ كَانَ قَالَ ذَلِكَ لَقَدْ صَدَقَ قَالُوا وَتُصَدِّقُهُ أَنَّهُ ذَهَبَ اللَّيْلَةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَجَاءَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ، قَالَ: نَعَمْ، إِنِّي لَأُصَدِّقُهُ بِمَا هُوَ أَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ: أُصَدِّقُهُ بِخَبَرِ السَّمَاءِ فِي غَدْوَةٍ أَوْ رَوْحَةٍ.
فَلِذَلِكَ سُمِّيَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقَ» لَفْظُ حَدِيثِ أَبِي عَبْدِ [(١٨)] اللهِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِئُ قَالَ: أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الْقَاضِي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ:
حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: «حَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﵌ أَنَّ النَّبِيَّ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ مَرَّ عَلَى مُوسَى وَهُوَ يُصَلِّي، فِي قَبْرِهِ [(١٩)] .
قَالَ وَذَكَرَ لِي أَنَّهُ حُمِلَ عَلَى الْبُرَاقِ قَالَ فَأَوْثَقْتُ الْفَرَسَ أَوْ قَالَ الدَّابَّةَ بِالْخُرَابَةِ قَالَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ صِفْهَا لِي يَا رَسُولَ اللهِ: قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: هِيَ كَذِهِ وَذِهِ قَالَ كَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَدْ رَآهَا» كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى «كَرِيمَةٍ وَدِيمَةٍ»
وَالصَّحِيحُ هُوَ الْأَوَّلُ.
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ قَالَ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عبيد
_________________
(١) [(١٨)] أخرجه الحاكم في «المستدرك» (٣: ٦٢- ٦٣)، وقال: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه»، ووافقه الذهبي، وأخرجه ابن مردويه من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عنها. [(١٩)] أخرجه مسلم فِي: ٤٣- كِتَابِ الْفَضَائِلِ، (٤٢) بَابُ من فضائل موسى ﵌، حديث (١٦٤)، ص (١٨٤٥) .
[ ٢ / ٣٦١ ]
الصَّفَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ مِقْلَاصٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبِ بْنِ مُسْلِمٍ أَبُو مُحَمَّدٍ الْقُرَشِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الزُّهْرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عُتْبَةَ ابْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: «لَمَّا جَاءَ جِبْرِيلُ ﵇ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ بِالْبُرَاقِ فَكَأَنَّهَا أَمَرَّتْ ذَنَبَهَا، فَقَالَ لَهَا جِبْرِيلُ: مه يا براق! فو الله إِنْ رَكِبَكَ مِثْلُهُ، وَسَارَ رَسُولُ اللهِ ﵌ فَإِذَا هُوَ بِعَجُوزٍ عَلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ فَقَالَ: مَا هَذِهِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ سِرْ يَا مُحَمَّدُ فَسَارَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَسِيرَ فَإِذَا شَيْءٌ يَدْعُوهُ مُتَنَحِّيًا عَنِ الطَّرِيقِ يَقُولُ: هَلُمَّ يَا مُحَمَّدُ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: سِرْ يَا مُحَمَّدُ، فَسَارَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَسِيرَ، قَالَ: فَلَقِيَهُ خَلْقٌ مِنَ الْخَلْقِ، فَقَالُوا: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَوَّلُ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا آخِرُ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا حَاشِرُ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: ارْدُدِ السَّلَامَ يَا مُحَمَّدُ، فَرَدَّ السَّلَامَ، ثُمَّ لَقِيَهُ الثَّانِيَةَ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَقَالَتِهِ الْأُولَى، ثُمَّ الثَّالِثَةَ كَذَلِكَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَعُرِضَ عَلَيْهِ الْمَاءُ وَالْخَمْرُ وَاللَّبَنُ فَتَنَاوَلَ رَسُولُ اللهِ ﵌ اللَّبَنَ فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ أَصَبْتَ الْفِطْرَةَ وَلَوْ شَرِبْتَ الْمَاءَ لَغَرِقْتَ وَغَرِقَتْ أُمَّتُكَ، وَلَوْ شَرِبْتَ الْخَمْرَ لَغَوَيْتَ وَغَوِيَتْ [(٢٠)] أُمَّتُكَ، ثُمَّ بُعِثَ لَهُ آدَمُ فَمَنْ دُونَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ فَأَمَّهُمْ رَسُولُ اللهِ ﵌ تِلْكَ اللَّيْلَةُ ثُمَّ قَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: أَمَّا الْعَجُوزُ الَّتِي رَأَيْتَ عَلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ فَلَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا بَقِيَ مِنْ عُمُرِ تِلْكَ الْعَجُوزِ، وَأَمَّا الَّذِي أَرَادَ أَنْ تَمِيلَ إِلَيْهِ فَذَلِكَ عَدُوُّ اللهِ إِبْلِيسُ أَرَادَ أَنْ تَمِيلَ إِلَيْهِ. وَأَمَّا الَّذِينَ سَلَّمُوا عَلَيْكَ فَإِبْرَاهِيمُ وَمُوسَى وَعِيسَى ﵈» .
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمِصْرِيُّ، قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنبَاعِ: رَوْحُ بْنُ الْفَرَجِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى النّيسابوري، قالب: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ «أُتِيَ رَسُولَ اللهِ ﵌
_________________
(١) [(٢٠)] في (ص) و(هـ): «وغوت» .
[ ٢ / ٣٦٢ ]
بِالْبُرَاقِ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ مُسْرَجًا مُلْجَمًا فَاسْتَصْعَبَ، عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا وَاللهِ مَا رَكِبَكَ خَلْقٌ قَطُّ أَكْرَمُ عَلَى اللهِ ﷿ منه قال منه فَارْفَضَّ عَرَقًا» [(٢١)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، قَالَ: أَخْبَرَنَا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ مُنِيبٍ [(٢٢)]، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا، عَوْفٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُرَارَةُ بْنُ أَوْفَى، قَالَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌ لَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ أُسْرِيَ بِي ثُمَّ أَصْبَحْتُ بِمَكَّةَ فُظِعْتُ بِأَمْرِي وَعَلِمْتُ أن الناس يكذبوني، قَالَ: فَقَعَدَ مُعْتَزِلًا حَزِينًا فَمَرَّ بِهِ أَبُو جَهْلٍ عَدُوُّ اللهِ، فَجَاءَ فَجَلَسَ فَقَالَ كَالْمُسْتَهْزِئِ: هَلْ كَانَ مِنْ شَيْءٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌:
نَعَمْ، فَقَالَ: مَا هُوَ؟ قَالَ: إِنِّي أُسْرِيَ بِيَ اللَّيْلَةَ، فَقَالَ: إِلَى أَيْنَ؟ قَالَ: إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ: قَالَ: ثُمَّ أَصْبَحْتَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْنَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قال: فلم ير أنه يكذبه مَخَافَةَ أَنْ يَجْحَدَهُ الْحَدِيثَ، إِذَا دَعَا قَوْمَهُ، قَالَ: أرأيت إن دعوت إليك قَوْمَكَ أَتُحَدِّثُهُمْ بِمَا حَدَّثَتْنِي؟ قَالَ: نَعَمْ: فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: يَا مَعْشَرَ بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ! هَلُمَّ.
قَالَ فَانْفَضَّتِ [(٢٣)] الْمَجَالِسُ فَجَاءُوا حَتَّى جَلَسُوا إِلَيْهِمَا، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ:
حَدِّثْ قَوْمَكَ مَا حَدَّثَتْنِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: إِنِّي أُسْرِيَ بِيَ اللَّيْلَةَ قَالُوا: إِلَى أَيْنَ؟ قَالَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، قَالُوا: ثُمَّ أَصْبَحْتَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْنَا؟ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: نَعَمْ، قَالَ فَمِنْ بَيْنِ مُصَفِّقٍ وَوَاحِدٍ وَاضِعٍ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مُسْتَعْجِبٍ لِلْكَذِبِ، زَعَمَ، قَالَ: وَفِي الْقَوْمِ مَنْ قَدْ سَافَرَ إِلَى ذَلِكَ الْبَلَدِ وَرَأَى
_________________
(١) [(٢١)] أخرجه الترمذي في تفسير سورة الإسراء، عن إسحق بن منصور، عَنْ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ وقال: «حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث عبد الرزاق» . [(٢٢)] في (ص): «أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ منيب» . [(٢٣)] في (ح): «فانتقصت»، وفي مسند أحمد: «فانتفضت إليه» .
[ ٢ / ٣٦٣ ]
الْمَسْجِدَ، فَقَالَ: هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَنْعَتَ لَنَا الْمَسْجِدَ؟ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: فَذَهَبْتُ أَنْعَتُ فَمَا زِلْتُ حَتَّى الْتَبَسَ عَلَيَّ بَعْضُ النَّعْتِ، قَالَ فَجِيءَ بِالْمَسْجِدِ حَتَّى وُضِعَ دُونَ دَارِ عَقِيلٍ أَوْ عِقَالٍ قَالَ فَنَعَتُّهُ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ.
وَقَدْ كَانَ مَعَ هَذَا حَدِيثٌ لَمْ يَحْفَظْهُ عَوْفٌ قَالَ: فَقَالُوا: أَمَّا النَّعْتُ فَقَدْ وَاللهِ أَصَابَ» [(٢٤)] .
وَأَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ قَالَ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا تَمْتَامٌ قَالَ حَدَّثَنَا هَوْذَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَبِي أَوْفَى، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ.
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ فُورَكٍ ﵀، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ ابْنُ جَعْفَرٍ الْأَصْبَهَانِيُّ، قَالَ حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ مسلمة، عَنْ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ أُتِيَ بِالْبُرَاقِ وَهُوَ دَابَّةٌ، أَبْيَضُ فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ فَلَمْ يُزَايِلَا ظَهْرَهُ هُوَ وَجِبْرِيلُ ﵇ حَتَّى انْتَهَيَا بِهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَصَعِدَ بِهِ جِبْرِيلُ إِلَى السَّمَاءِ فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ فَأَرَاهُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ» .
ثُمَّ قَالَ لِي: هَلْ صَلَّى فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ قَالَ اسْمَعْ يَا أُصَيْلِعُ إِنِّي لَأَعْرِفُ وَجْهَكَ وَلَا أَدْرِي مَا اسْمُكَ قَالَ قُلْتُ أَنَا زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ قَالَ:
فَأَيْنَ تَجِدُهُ صَلَّاهَا فَتَأَوَّلْتُ الْآيَةَ: سُبْحَانَ الَّذِي أسرى بعبده إِلَى آخِرِ الْآيَةِ قَالَ فَإِنَّهُ لَوْ صَلَّى لَصَلَّيْتُمْ كَمَا يُصَلُّونَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ قَالَ قُلْتُ لِحُذَيْفَةَ: أَرَبَطَ الدَّابَّةَ بِالْحَلَقَةِ الَّتِي كَانَتْ تَرْبِطُ بِهَا الْأَنْبِيَاءُ، قَالَ أَكَانَ يَخَافُ أَنْ يَذْهَبَ مِنْهُ وَقَدْ أَتَاهُ اللهُ بِهَا؟ قُلْتُ وَبِمَعْنَاهُ رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَاصِمٍ إِلَّا أَنَّهُ لم يحفظ صفة
_________________
(١) [(٢٤)] أخرجه الإمام أحمد في «مسنده» (١: ٣٠٩)، وأبو نعيم، وابن مردويه من طريق قابوس عن أبيه بسند صحيح.
[ ٢ / ٣٦٤ ]
الْبُرَاقِ وَكَانَ حُذَيْفَةُ لَمْ يَسْمَعْ صَلَاتَهُ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ [(٢٥)] .
وَقَدْ رُوِّينَا فِي الْحَدِيثِ الثَّابِتِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ صَلَّى فِيهِ وَأَمَّا الرَّبْطُ فَقَدْ رُوِّينَاهُ أَيْضًا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَالْبُرَاقُ دَابَّةٌ مَخْلُوقَةٌ وَرَبْطُ الدَّوَابِّ عَادَةٌ مَعْهُودَةٌ وَإِنْ كَانَ اللهُ ﷿ لقادر عَلَى حَفِظِهَا وَالْخَبَرُ الْمُثْبِتُ [(٢٦)] أَوْلَى مِنَ النَّافِي وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ.
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ [(٢٧)] قَالَ هِيَ رُؤْيَا عَيْنٍ أُرِيَهَا رَسُولُ اللهِ ﵌ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ، وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ قَالَ هِيَ شَجَرَةُ الزَّقُّومُ» .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ [(٢٨)] عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللهِ [﵀] [(٢٩)] .
_________________
(١) [(٢٥)] أخرجه الترمذي في: ٤٨- كتاب تفسير القرآن، تفسير سورة الإسراء، حديث (٣١٤٧)، صفحة (٥: ٣٠٧)، وقال: «هذا حديث حسن صحيح» . [(٢٦)] في (ص): «الثابت» . [(٢٧)] [الإسراء- ٦٠] . [(٢٨)] في: ٦٥- كتاب التفسير، تفسير سورة الإسراء (٩) باب: وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ، حديث (٤٧١٦)، فتح الباري (٨: ٣٩٨) . [(٢٩)] ليست في (ص) ولا في (هـ) .
[ ٢ / ٣٦٥ ]
بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ فَرَأَى جِبْرِيلَ ﵇ فِي صُورَتِهِ عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى وَقَبْلَ ذَلِكَ كَانَ قَدْ رَأَى جِبْرِيلَ ﵇ فِي صُورَتِهِ وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى
قَالَ اللهُ ﷿ وَالنَّجْمِ إِذا هَوى مَا ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى، وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى، عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى، ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى، وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى، ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى، فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى، فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ مَا أَوْحى، مَا كَذَبَ الْفُؤادُ مَا رَأى، أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى [(١)]» .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الْوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ، قَالَ حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ (ح) .
وأَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأَدِيبُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي الْمَنِيعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ هُوَ ابْنُ عَلِيٍّ، عَنْ زَائِدَةَ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، قَالَ سَأَلْتُ زِرًّا، عَنْ قَوْلِهِ ﷿ فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى [(٢)] فَقَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ أَنَّهُ رَأَى جِبْرِيلَ ﵇ لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ» .
_________________
(١) [(١)] أول سورة النجم. [(٢)] (٩- سورة النجم) .
[ ٢ / ٣٦٦ ]
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ [(٣)] عَنْ طَلْقِ بْنِ غَنَّامٍ عَنْ زَائِدَةَ.
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي الرَّبِيعِ [(٤)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الْوَلِيدِ، قَالَ: أخبرنا الحسن ابْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ مَا كَذَبَ الْفُؤادُ مَا رَأى [(٥)] قَالَ: «رَأَى جِبْرِيلَ لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ [(٦)] .
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ «مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى رَسُولُ اللهِ ﵌ جِبْرِيلَ وَعَلَيْهِ حُلْوٌ مِنْ رَفْرَفٍ قَدْ مَلَأَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ والْأَرْضِ» [(٧)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَافِظُ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى ابن مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ زَكَرِيَّا (ح) .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ:
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نمير،
_________________
(١) [(٣)] فتح الباري (٨: ٦١٠) تفسير سورة النجم، (باب): «فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أوحى» . [(٤)] من حديث أبي الربيع الزهراني، هو في صحيح مسلم، في: ١- كتاب الإيمان، (٧٦) باب في ذكر سدرة المنتهى، الحديث (٢٨٠)، صفحة (١: ١٥٨) . [(٥)] (١١- سورة النجم) . [(٦)] صحيح مسلم، ١- كتاب الإيمان، حديث (٢٨١)، صفحة (١: ١٥٨) . [(٧)] أخرجه الترمذي في تفسير سورة النجم، والإمام أحمد في «مسنده» (١: ٣٩٤، ٤١٨) .
[ ٢ / ٣٦٧ ]
قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا، عَنِ ابْنِ أَشْوَعَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ «قُلْتُ لِعَائِشَةَ فَأَيْنَ قَوْلُهُ تَعَالَى دَنَا فتدلى قَالَتْ إِنَّمَا ذَلِكَ جِبْرِيلُ ﵇ كَانَ يَأْتِيهِ فِي صُورَةِ الرِّجَالِ [(٨)] وَإِنَّهُ أَتَاهُ فِي هَذِهِ الْمَرَّةِ فِي صُورَتِهِ فَسَدَّ أُفُقَ السَّمَاءِ» .
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحِ وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ [(٩)] .
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ نُمَيْرٍ [(١٠)] . أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ لَهِيعَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ نَبِيَّ الله ﵌ كَانَ أَوَّلُ شَأْنِهِ يَرَى فِي الْمَنَامِ فَكَانَ أَوَّلُ مَا رَأَى جِبْرِيلَ بِأَجْيَادٍ أَنَّهُ خَرَجَ لِبَعْضِ حَاجَتِهِ، فَصَرَخَ بِهِ يَا مُحَمَّدُ يَا مُحَمَّدُ! فَنَظَرَ يَمِينًا وَشِمَالًا فَلَمْ يَرَ شَيْئًا، ثُمَّ نَظَرَ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا، فَرَفَعَ بَصَرَهُ فَإِذَا هُوَ يَرَاهُ ثَانِيًا إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى عَلَى أُفُقِ السَّمَاءِ، فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ جِبْرِيلُ جِبْرِيلُ يُسَكِّنُهُ. فَهَرَبَ مُحَمَّدٌ ﵌ حَتَّى دَخَلَ فِي النَّاسِ فَنَظَرَ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا ثُمَّ خَرَجَ مِنَ النَّاسِ فَنَظَرَ فَرَآهُ فَذَلِكَ قَوْلُهُ ﷿ وَالنَّجْمِ إِذا هَوى مَا ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى [(١١)] الْآيَةَ.
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دُحَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ أَبِي الْحُسَيْنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ عُبَيْدٍ الْإِيَادِيُّ، عن أبي عمران
_________________
(١) [(٨)] في (ص): «الرجل» . [(٩)] أخرجه البخاري في أول تفسير سورة النجم. [(١٠)] في: ١- كتاب الإيمان، حديث (٢٩٠) . [(١١)] [(١- ٢) سورة النجم] .
[ ٢ / ٣٦٨ ]
الْجَوْنِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌ بَيْنَا أَنَا جَالِسٌ إِذْ جَاءَ جِبْرِيلُ ﵇، فَوَكَزَ بَيْنَ كَتِفَيَّ فَقُمْتُ- يَعْنِي- إِلَى شَجَرَةٍ فِيهَا مِثْلُ وَكْرَيِ الطَّيْرِ، فَقَعَدَ جِبْرِيلُ فِي أَحَدِهِمَا وَقَعَدْتُ فِي الْآخَرِ، فَسَمَتْ وَارْتَفَعَتْ حَتَّى سَدَّتِ الْخَافِقَيْنِ، وَأَنَا أُقَلِّبُ طَرْفَيَّ، فَلَوْ شِئْتُ أَنْ أَمَسَّ السَّمَاءَ لَمَسَسْتُ [(١٢)] فَالْتَفَتُّ إِلَى جِبْرِيلَ فَإِذَا هُوَ كَأَنَّهُ حِلْسٌ، فَعَرَفْتُ فَضْلَ عَلْمِهِ بِاللهِ عَلَيَّ، فَفُتِحَ لِي بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ السَّمَاءِ وَرَأَيْتُ النُّورَ الْأَعْظَمَ، وَإِذَا دُونِي حِجَابٌ رَفْرَفُ الدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ، فَأَوْحَى إِلَيَّ مَا شَاءَ أَنْ يُوحِيَ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي آخِرِهِ «وَلُطَّ دُونِيَ الْحِجَابُ رَفْرَفُ الدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ» .
هَكَذَا رَوَاهُ الْحَارِثُ بْنُ عُبَيْدٍ، وَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَيْرِ بْنِ عُطَارِدٍ [(١٣)] «أَنَّ رَسُولَ الله ﵌ كَانَ فِي مَلَأٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَجَاءَهُ جِبْرِيلُ، فَنَكَتَ فِي ظَهْرِهِ، فَذَهَبَ بِهِ إِلَى الشَّجَرَةِ فِيهَا مِثْلُ وَكْرَيِ الطَّيْرِ، فَقَعَدَ فِي أَحَدِهِمَا، وَقَعَدَ جِبْرِيلُ فِي الْآخَرِ فَتَسَامَتْ بِنَا حَتَّى بَلَغَتِ الْأُفُقَ، فَلَوْ بَسَطْتُ يَدَيَّ إِلَى السَّمَاءِ لَنُلْتُهَا، فَدَلَّى بِسَبَبٍ، وَهَبَطَ النُّورُ، فَوَقَعَ جِبْرِيلُ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ كَأَنَّهُ حِلْسٌ، فَعَرَفْتُ فَضْلَ خَشْيَتِهِ عَلَى خَشْيَتِي، فَأُوحِيَ إِلَيَّ نَبِيًّا مَلِكًا أَوْ نَبِيًّا عَبْدًا؟ أَوْ إِلَى الْجَنَّةِ مَا أَنْتَ؟ فَأَوْمَأَ إِلَيَّ جِبْرِيلُ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ أَنْ تَوَاضَعَ قَالَ: قُلْتُ لَا [(١٤)]، بَلْ نَبِيًّا عبدا» [(١٥)] .
_________________
(١) [(١٢)] في (ص) و(هـ): «مسست» . [(١٣)] لا تعرف له صحبة، وكان سيد أهل الكوفة في زمانه، روى عنه أبو عمران الجوني. تجريد أسماء الصحابة (٢: ٦٠) . [(١٤)] الزيادة من (ص) و(هـ) . [(١٥)] من طريق أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ عَنْ أنس (مرسل)، ومن طريق مُحَمَّدِ بْنِ عُمَيْرِ بْنِ عطارد عَنِ النَّبِيِّ ﵌ مرسلا، وله شاهد عند الإمام أَحْمَدَ (٢: ٢٣١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ- دون قصة الشجرة- جلس جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ ﵌، فنظر إلى السماء، فإذا ملك ينزل، فقال جبريل: إن هذا الملك ما نزل منذ يوم خلق
[ ٢ / ٣٦٩ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ الْعَدْلُ بِبَغْدَادَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ ابن عَمْرِو بْنِ الْبَخْتَرِيُّ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ مِنْ فِيهِمَا [(١٦)]، قَالَا:
حَدَّثَنَا سَعْدَانُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ قَالَ:
أَنْبَأَنَا الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ﵂- «أَنَّهَا قَالَتْ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ ﷿ فَقَدْ أَعْظَمَ الْفِرْيَةَ عَلَى اللهِ﷿- وَلَكِنْ رَأَى جِبْرِيلَ ﵇ مَرَّتَيْنِ فِي صُورَتِهِ وَخَلْقِهِ، سَادًّا مَا بَيْنَ الْأُفُقِ» .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي الثَّلْجِ عَنْ محمد ابن عَبْدِ اللهِ الْأَنْصَارِيِّ [(١٧)] .
قُلْتُ: فَالْمَرَّةُ الْأُولَى الَّتِي رَآهُ هِيَ الْمَذْكُورَةُ فِيمَا كَتَبْنَا مِنْ سُورَةِ النَّجْمِ، وَقَدْ روينا أنها نزلت بعد ما هَاجَرَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وَعُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ وَأَصْحَابُهُمَا إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ فِي الْهِجْرَةِ الْأُولَى، فَلَمَّا قَرَأَهَا رَسُولُ اللهِ ﵌ فِي الصَّلَاةِ وَسَجَدَ وَسَجَدَ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَبَلَغَهُمُ الْخَبَرُ رَجَعُوا ثُمَّ هَاجَرُوا الْهِجْرَةَ الثَّانِيَةَ مَعَ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وذلك كَانَ قَبْلَ الْمَسْرَى بِسَنَتَيْنِ [(١٨)] .
_________________
(١) [()] قبل الساعة، فلما نزل قال: يا محمد! أرسلني إليك ربك، قال: أفملكا نبيا يجعلك، أو عبدا رسولا؟ - قال جبريل: تواضع لربك يا محمد- قال: بل، عبدا رسولا. [(١٦)] ليست في (هـ)، وفي (ص) و(هـ): فرّقهما. [(١٧)] أخرجه البخاري في: ٥٩- كتاب بدء الخلق (٧) باب إذا قال أحدكم: آمين والملائكة في السماء. الحديث (٣٢٣٤)، فتح الباري (٦: ٣١٣) . والحديث أخرجه مسلم ببداية مختلفة عن البخاري، فرواه عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عن دَاوُدُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، قال: كنت متكئا عند عائشة، فقالت: يا أبا عائشة! ثلاث من تكلّم بواحدة منهنّ فقد أعظم على الله الفرية، قلت: ما هنّ، قَالَتْ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا ﵌ رأى ربه. إلخ الحديث الطويل الذي أخرجه مسلم في: ١- كتاب الايمان (٧) باب معنى قَوْلِ اللهِ ﷿: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى، الحديث (٢٨٧)، صفحة (١: ١٥٩) . [(١٨)] في (ح): «بسنين» .
[ ٢ / ٣٧٠ ]
ثُمَّ رَآهُ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ لَيْلَةَ أُسْرِي بِهِ عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى [فِي صُورَتِهِ الَّتِي هِيَ صُورَتُهُ وَهُوَ قَوْلُ اللهِ ﷿ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى ] [(١٩)] عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى، إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى، مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى، لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى [(٢٠)]، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ السُّورَةَ نَزَلَتْ فِي الْوَقْتِ الَّذِي هُوَ مَشْهُورٌ عِنْدَ أَهْلِ الْمَغَازِي غَيْرَ هَذِهِ الْآيَاتِ، ثُمَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ فِي رُؤْيَتِهِ إِيَّاهُ نَزْلَةً أُخْرَى بَعْدِ الْمَسْرَى فَأُلْحِقَتْ بِالسُّورَةِ وَاللهُ أَعْلَمُ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ عَطَاءَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى، قَالَ رَأَى جِبْرِيلَ ﵇» ورَوَاهُ مُسْلِمٌ [(٢١)] فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ.
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ فُورَكٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ الْأَصْبَهَانِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ الشَّيْبَانِيِّ، قَالَ: مَرَّ بِنَا زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ، فَقُمْتُ إِلَيْهِ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ اللهِ ﷿: لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى [(٢١)] . قَالَ زِرُّ: قَالَ عَبْدُ اللهِ هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ: «رَأَى جِبْرِيلَ﵇- لَهُ سِتُّمِائَةِ جناح» .
_________________
(١) [(١٩)] الزيادة من (ص) و(هـ) . [(٢٠)] الآيات الكريمة (١٢- ١٨) من سورة النجم (٢١) في (ح): رواه البخاري، وأثبت ما في (ص) و(هـ) إذ هو الصحيح، حيث أخرجه مسلم فقط [تحفة الأشراف (١٠: ٢٦٢)] في: ١- كتاب الإيمان، (٧٧) باب معنى قَوْلِهِ﷿: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى، وهل رَأَى النَّبِيَّ ﵌ ربّه ليلة الإسراء؟، الحديث (٢٨٣)، الصفحة (١: ١٥٨) . [(٢١)] الآية الكريمة (١٨) من سورة النجم.
[ ٢ / ٣٧١ ]
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ [(٢٢)] عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مُعَاذٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ شُعْبَةَ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ، عَنْ زِرٍّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ فِي قَوْلِهِ ﷿ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى [(٢٣)]، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «رَأَيْتُ جِبْرِيلَ عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عَلَيْهِ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ يَنْفُضُ مِنْ رِيشِهِ التَّهَاوِيلُ: الدُّرُّ وَالْيَاقُوتُ [(٢٤)]
وَأَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْبَاغَنْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى [(٢٥)] قَالَ: «رَأَى رَفْرَفًا أَخْضَرَ قَدْ مَلَأَ الْأُفُقَ» .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عن قَبِيصَةَ [(٢٦)] .
وَيُرِيدُ ابْنُ مَسْعُودٍ بِذَلِكَ أَنَّهُ رَأَى جِبْرِيلَ ﵇ فِي صُورَتِهِ عَلَى رَفْرَفٍ أَخْضَرَ.
وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ مُبَيَّنًا [(٢٧)] . أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا السَّرِيُّ بْنُ خُزَيْمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ بُهْلُولٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيِّ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ عَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ، عَنْ عبد
_________________
(١) [(٢٢)] في: ١- كتاب الإيمان (٧٦) باب في ذكر سدرة المنتهى، حديث (٢٨٢)، الصفحة (١: ١٥٨) . [(٢٣)] الآية الكريمة (١٣) من سورة النجم. [(٢٤)] الحديث أخرجه الإمام أحمد في «مسنده» (١: ٣٩٥، ٤١٢، ٤٦٠) . [(٢٥)] الآية الكريمة (١٨) من سورة النجم. [(٢٦)] في: ٦٥- كتاب التفسير (باب): لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ ربّه الكبرى، فتح الباري (٨: ٦١١) . [(٢٧)] وأخرجه الترمذي (٥: ٣٩٥)، ومسند أحمد (١: ٣٩٤، ٤١٨، ٤١٩) .
[ ٢ / ٣٧٢ ]
اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: «لَمَّا أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ ﵌ فَانْتَهَى إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى وَهِيَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ- كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ- وَإِلَيْهَا يَنْتَهِي مَا يُصْعَدُ بِهِ حَتَّى يُقْبَضَ مِنْهَا وَإِلَيْهَا يَنْتَهِي مَا يُهْبَطُ بِهِ مِنْ فَوْقِهَا حَتَّى يُقْبَضَ مِنْهَا، إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى [(٢٨)]، قَالَ: غَشِيَهَا فِرَاشٌ مِنْ ذَهَبٍ [(٢٩)] وَأُعْطِيَ رَسُولُ اللهِ ﵌: الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، وَخَوَاتِيمَ سورة البقرة، وعفر لِمَنْ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ، الْمُقْحِمَاتُ [(٣٠)] .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ [(٣١)] عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بن نمير، وَزُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ.
وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودِ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِ الْمِعْرَاجِ
وَقَدْ رواه أنس ابن مَالِكٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﵌ ثُمَّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﵌ ثُمَّ رَوَاهُ مَرَّةً مُرْسَلًا دُونَ ذِكْرِهِمَا. أَمَا رِوَايَتُهُ عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ فَفِيمَا أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ﵀- قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: محمد ابن يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءَ الْخَفَّافُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سَعِيدُ يَعْنِي ابْنَ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ ابن مَالِكٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﵌ أَنَّهُ قَالَ: «بَيْنَمَا أَنَا عِنْدَ الْبَيْتِ بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ إِذْ سَمِعْتُ قَائِلًا يَقُولُ: أَحَدُ الثَّلَاثَةِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ قَالَ: فَأُتِيتُ فَانْطَلَقَ بِي ثُمَّ أُتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ فِيهَا مِنْ مَاءِ زَمْزَمٍ فَشُرِحَ صَدْرِي إِلَى كَذَا وَكَذَا- قَالَ قَتَادَةُ: قُلْتُ لِصَاحِبِي مَا تَعْنِي، قَالَ: إِلَى أسفل بطني فاستخرج
_________________
(١) [(٢٨)] [الآية الكريمة (١٦) من سورة النجم] . [(٢٩)] (الفراش): دويبة ذات جناحين تتهافت في ضوء السراج. واحدتها: فراشة. [(٣٠)] (المقحمات) معناه: الذنوب العظام الكبائر التي تهلك أصحابها وتوردهم النار، وتقحمهم إياها، والتقحم: الوقوع في المهالك. ومعنى الكلام: من مات من هذه الأمة غير مشرك بالله غفر له المقحمات. [(٣١)] صحيح مسلم (١: ١٥٧) من كتاب الإيمان (٣٢) عند مسلم: «قيل» .
[ ٢ / ٣٧٣ ]
قَلْبِي فَغُسِلَ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ أُعِيدَ مَكَانَهُ، قَالَ: وَحُشِيَ أَوْ قَالَ: وَكُنِزَ إِيمَانَا وَحِكْمَةً- الشَّكُّ مِنْ سَعِيدٍ قَالَ- ثُمَّ أُتِيتُ بِدَابَّةٍ أَبْيَضَ يُقَالَ لَهُ: الْبُرَاقُ، فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ، يَقَعُ خَطْوُهُ عِنْدَ أَقْصَى طَرْفِهِ، فَحُمِلْتُ عَلَيْهِ وَمَعِيَ صَاحِبِي لَا يُفَارِقُنِي، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟
فَقَالَ: جِبْرِيلُ. فَقِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: محمد قالوا [(٣٢)]: أو قد بُعِثَ إِلَيْهِ [(٣٣)]؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَفُتِحَ لَنَا قَالُوا [(٣٤)]: مَرْحَبًا بِهِ وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ [(٣٥)] فَأَتَيْتُ عَلَى آدَمَ ﵇ فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا أَبُوكَ آدَمُ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالِابْنِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، ثُمَّ انْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟
قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ [(٣٦)]؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَفُتِحَ لَنَا، وَقَالُوا مَرْحَبًا بِهِ وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَأَتَيْتُ عَلَى يَحْيَى وَعِيسَى.
قَالَ سَعِيدٌ أَحْسَبُهُ قَالَ: ابْنِي الْخَالَةِ [(٣٧)] .
فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِمَا، فَقَالَا: مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، ثُمَّ انْطَلَقْنَا [(٣٨)] حَتَّى أَتَيْنَا السَّمَاءَ الثَّالِثَةَ فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ ﵇، فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ مُحَمَّدٌ قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ:
نَعَمْ، قَالُوا: مَرْحَبًا بِهِ وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَأَتَيْتُ عَلَى يُوسُفَ، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ! مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا أَخُوكَ يُوسُفُ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فقال: مرحبا
_________________
(١) [(٣٢)] عند مسلم «قيل» . [(٣٣)] عند مسلم: «وقد بعث إليه» . [(٣٤)] عند مسلم: «قال» . [(٣٥)] (ولنعم المجيء جاء): فيه حذف الموصول والاكتفاء بالصلة، والمعنى: نعم المجيء الذي جاءه. [(٣٦)] في البخاري: «وقد أرسل إليه؟» . [(٣٧)] عند البخاري بدل هذه العبارة: «فلما خلصت إذا يحيى وعيسى، وهما ابنا خالة» . [(٣٨)] عند البخاري: «ثم صعد بي إلى السماء الثالثة» .
[ ٢ / ٣٧٤ ]
بِالْأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، ثُمَّ انْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا السَّمَاءَ الرَّابِعَةَ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالُوا: مَرْحَبًا بِهِ وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَأَتَيْتُ عَلَى إِدْرِيسَ [﵇] [(٣٩)] فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَا أَخُوكَ إِدْرِيسُ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، [قَالَ- عَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَ سَعِيدٌ وَكَانَ قَتَادَةُ يَقُولُ عِنْدَهَا- قَالَ اللهُ: وَرَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا [(٤٠)]، ثُمَّ انْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا السَّمَاءَ الْخَامِسَةَ فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ قِيلَ وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ:
نَعَمْ، قَالُوا: مَرْحَبًا بِهِ وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، قَالَ: فَأَتَيْتُ عَلَى هَارُونَ فَقُلْتُ:
يَا جِبْرِيلُ! مَنْ هَذَا؟ قَالَ هَذَا أَخُوكَ هَارُونُ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، ثُمَّ انْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا السَّمَاءَ السَّادِسَةَ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالُوا: مَرْحَبًا بِهِ وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، قَالَ:
فَأَتَيْتُ عَلَى مُوسَى﵇- فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا أَخُوكَ مُوسَى، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ، وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، فَلَمَّا جَاوَزْتُهُ بَكَى فَنُودِيَ مَا يُبْكِيكَ، قَالَ: يَا رَبِّ هَذَا غُلَامٌ بَعَثْتَهُ بَعْدِي يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِهِ الْجَنَّةَ أَكْثَرُ مِمَّا يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِي، ثُمَّ انْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا السَّمَاءَ السَّابِعَةَ فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، وَقِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ:
مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالُوا: مَرْحَبًا بِهِ، وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَأَتَيْتُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﵇- فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ! مَنْ هَذَا؟ قَالَ:
هَذَا أَبُوكَ إِبْرَاهِيمُ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالِابْنِ الصَّالِحِ والنبي
_________________
(١) [(٣٩)] الزيادة من (هـ) . [(٤٠)] الزيادة ليست في البخاري.
[ ٢ / ٣٧٥ ]
الصَّالِحِ، وَرُفِعَ لَنَا الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ فَقُلْتُ يَا جِبْرِيلُ مَا هَذَا؟ قَالَ هَذَا الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْهُ لَمْ يَعُودُوا إِلَيْهِ [(٤١)] آخِرَ مَا عَلَيْهِمْ، ثُمَّ رُفِعَتْ لَنَا سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى، فَحَدَّثَ نَبِيُّ الله ﵌ أَنَّ وَرَقَهَا مِثْلُ آذَانِ الْفِيَلَةِ، وَأَنَّ نَبْقَهَا [(٤٢)] مِثْلُ قِلَالِ [(٤٣)] هَجَرَ، وَحَدَّثَ النبي ﵌ أَنَّهُ رَأَى أَرْبَعَةَ أَنْهَارٍ يَخْرُجُ مِنْ أَصْلِهَا نَهْرَانِ بَاطِنَانِ وَنَهْرَانِ ظَاهِرَانِ، فَقُلْتُ: مَا هَذِهِ الْأَنْهَارُ يَا جِبْرِيلُ؟ فَقَالَ: أَمَّا الْبَاطِنَانِ فَنَهْرَانِ فِي الْجَنَّةِ، وَأَمَّا الظَّاهِرَانِ فَالنِّيلُ وَالْفُرَاتُ، قَالَ: وَأُتِيتُ بِإِنَاءَيْنِ: أَحَدُهُمَا خَمْرٌ، وَالْآخَرُ لَبَنٌ، فَعُرِضَا عَلَيَّ، فَاخْتَرْتُ اللَّبَنَ. فَقِيلَ لِي: أَصَبْتَ أَصَابَ اللهُ بِكَ أُمَّتَكَ [(٤٤)] عَلَى الْفِطْرَةِ، وَفُرِضَتْ عَلَيَّ خَمْسُونَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ، أَوْ قَالَ أُمِرْتُ بِخَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ- الشَّكُّ مِنْ سَعِيدٍ- فَجِئْتُ حَتَّى أَتَيْتُ عَلَى مُوسَى، فَقَالَ لِي: بِمَا أُمِرْتَ؟ فَقُلْتُ: أُمِرْتُ بِخَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ، قَالَ: إِنِّي قَدْ بَلَوْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ، وَعَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ، وَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا يُطِيقُونَ ذَلِكَ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ، فَرَجَعْتُ، فَحَطَّ عَنِّي خَمْسَ صَلَوَاتٍ، فَمَا زِلْتُ أَخْتَلِفُ بَيْنَ رَبِّي وَبَيْنَ مُوسَى كُلَّمَا أَتَيْتُ عَلَيْهِ قَالَ لِي مِثْلَ مَقَالَتِهِ حَتَّى رَجَعْتُ بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ، فَلَمَّا أَتَيْتُ عَلَى مُوسَى قَالَ لِي: بِمَا أُمِرْتَ؟ قُلْتُ: أُمِرْتُ بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ، قَالَ: إِنِّي قَدْ بَلَوْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ وَعَالَجْتُ بَنِي إسرائيل أشد المعالجة،
_________________
(١) [(٤١)] في (ح): «فيه» . [(٤٢)] جمع نبقة وهو حمل السدر. [(٤٣)] (القلال): الجرار، يريد: أن ثمرها في الكبر مثل الجرار، وكانت معروفة عند المخاطبين، لذلك وقع التمثيل بها، وورد ذكرها في أحاديث نبوية أخرى: إذا بلغ الماء قلتين، فالقلة: جرّة كبيرة تسع قربتين وأكثر. وهجر: اسم بلد بقرب المدينة المنورة. [(٤٤)] أصاب الله بك: أي: أراد بك الفطرة والخير والفضل، وجاء في الذكر الحكيم: «فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب» [سورة ص- ٣٦]، أي: أراد.
[ ٢ / ٣٧٦ ]
وَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا يُطِيقُونَ ذَلِكَ فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ، قُلْتُ: لَقَدْ رَجَعْتُ إِلَى رَبِّي حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ، وَلَكِنْ أَرْضَى وَأُسَلِّمُ، قَالَ: فَنُودِيتُ أَوْ نَادَانِي مُنَادٍ- الشَّكُّ مِنْ سَعِيدٍ- أَنْ قَدْ أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي، وَجَعَلْتُ بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِهَا» .
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ [(٤٥)] عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، عَنْ مُحَمَّدٍ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ.
وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا عَنْ: مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، عَنْ مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ، قَالَ:
حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ قَالَ- فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَزَادَ فِيهِ- فَأُتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا فَشُقَّ مِنَ النَّحْرِ إِلَى مَرَاقِّ [(٤٦)] الْبَطْنِ فَغُسِلَ بِمَاءِ زَمْزَمَ ثُمَّ مُلِئَ حِكْمَةً وَإِيمَانًا» [(٤٧)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عبد الله الحافظ، قال: أَخْبَرَنَا مَخْلَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ:
حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، فَذَكَرَهُ.
وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ هُدْبَةَ بْنِ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ عَنْ صَعْصَعَةَ «أَنَّ نَبِيَّ الله ﵌ حَدَّثَهُمْ عَنْ لَيْلَةِ أُسْرِيَ بِهِ. بَيْنَمَا أَنَا فِي الْحَطِيمِ- وَرُبَّمَا قَالَ- فِي الْحِجْرِ مُضْطَجِعًا إِذْ أَتَانِي آتٍ، فَقَدَّ، قَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: فَشَقَّ مَا بَيْنَ هَذِهِ إِلَى هَذِهِ. فَقُلْتُ لِلْجَارُودِ وَهُوَ إِلَى جَنْبِي، مَا يَعْنِي بِهِ قَالَ: مِنْ ثُغْرَةِ نَحْرِهِ إِلَى شِعْرَتِهِ، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ:
_________________
(١) [(٤٥)] في: ١- كتاب الإيمان، (٧٤) بَابُ الْإِسْرَاءِ بِرَسُولِ اللهِ ﵌، الحديث (٢٦٤)، ص (١: ١٤٩- ١٥١) . [(٤٦)] مراقّ البطن: ما سفل من البطن ورق من جلده. [(٤٧)] هذه الرواية في صحيح مسلم، في كتاب الايمان، الحديث (٢٦٥)، ص (١: ١٥١) .
[ ٢ / ٣٧٧ ]
مِنْ قَصَّهِ إِلَى شِعْرَتِهِ، فَاسْتُخْرِجَ قَلْبِي ثُمَّ أُتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مَمْلُوءٍ إِيمَانًا، فَغُسِلَ قَلْبِي، ثُمَّ حُشِيَ ثُمَّ أُعِيدَ، ثُمَّ أُتِيتُ بِدَابَّةٍ دُونَ الْبَغْلِ وَفَوْقَ الْحِمَارِ أَبْيَضَ- فَقَالَ لَهُ الْجَارُودُ: هُوَ الْبُرَاقُ يَا أَبَا حَمْزَةَ؟ قَالَ أَنَسٌ: نَعَمْ يَضَعُ خَطْوَهُ عِنْدَ أَقْصَى طَرْفِهِ، فَحُمِلْتُ عَلَيْهِ، فَانْطَلَقَ بِي جِبْرِيلُ حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الدُّنْيَا، فَاسْتَفْتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَلَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ مَرْحَبًا بِهِ فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَفُتِحَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا فِيهَا آدَمُ، فَقَالَ: هَذَا أَبُوكَ آدَمُ، فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ السَّلَامَ، ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالِابْنِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ ثُمَّ ذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ عَلَى هَذَا النَّسَقِ بِمَعْنَى [(٤٨)] حَدِيثِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ بَعْدَ ذِكْرِ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى وَالْأَنْهَارِ «ثُمَّ رُفِعَ لِيَ الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ ثُمَّ أُتِيتُ بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ وَإِنَاءٍ مِنْ عَسَلٍ، فَأَخَذْتُ اللَّبَنَ فَقَالَ هِيَ الْفِطْرَةُ أَنْتَ عَلَيْهَا وَأُمَّتُكَ، ثُمَّ فُرِضَتْ عَلَيَّ الصَّلَاةُ خَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ» ثُمَّ ذَكَرَ بَاقِي الْحَدِيثِ بِمَعْنَاهُ [(٤٩)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ السُّلَمِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ: إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْخَلَّالُ الْجُرْجَانِيُّ [(٥٠)]، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو يَعْلَى: أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى الْمَوْصِلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ: هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، فَذَكَرَهُ بِإِسْنَادِهِ نَحْوَهُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: ثُمَّ رُفِعَ لِيَ الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ [(٥١)] .
قَالَ قَتَادَةُ، وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﵌: أنه رأى
_________________
(١) [(٤٨)] في (هـ): «يعني» . [(٤٩)] رواية البخاري- هذه- التي أشار إليه المصنف هي في: ٦٣- كتاب مناقب الأنصار (٤٢) باب المعراج، الحديث (٣٨٨٧)، فتح الباري (٧: ٣٠١) . [(٥٠)] في (هـ): «الخلالي الجرجاني» . [(٥١)] هذه الرواية أخرجها البخاري في: ٥٩- كتاب بدء الخلق، (٦) باب ذكر الملائكة، الحديث (٢٢٠٧)، فتح الباري (٦: ٣٠٢) .
[ ٢ / ٣٧٨ ]
البيت المعمور يدخله كل يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ لَا يَعُودُونَ فِيهِ.
ثُمَّ رَجَعَ إِلَى حَدِيثِ أَنَسٍ، وَأَمَّا رِوَايَتُهُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ ﵁
فَأَخْبَرَنَاهُ أَبُو الْحَسَنِ [(٥٢)] عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ شَرِيكٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُكَيْرٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ (ح) .
وأَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْبِسْطَامِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ:
أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَرْمَلَةَ بْنِ التُّجِيبِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ كَانَ أَبُو ذَرٍّ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌: قَالَ: «فُرِّجَ [عَنْ] [(٥٣)] سَقْفِ بَيْتِي [(٥٤)] وَأَنَا بِمَكَّةَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ﵇- فَفَرَجَ [(٥٥)] صَدْرِي، ثُمَّ غَسَلَهُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا، ثُمَّ أَفْرَغَهَا [(٥٦)] فِي صَدْرِي، ثُمَّ أَطْبَقَهُ ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَعَرَجَ [(٥٧)] بِي إِلَى السَّمَاءِ فَلَمَّا جِئْنَا [(٥٨)] السَّمَاءَ الدُّنْيَا، قَالَ جِبْرِيلُ لِخَازِنِ السَّمَاءِ [الدُّنْيَا] [(٥٩)] افْتَحْ. قَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا جِبْرِيلُ، قَالَ:
هَلْ مَعَكَ أَحَدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، مَعِي مُحَمَّدٌ. قَالَ: أَأُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نعم،
_________________
(١) [(٥٢)] في (هـ): «أبو الحسين» وهو تحريف. [(٥٣)] الزيادة من صحيح البخاري. [(٥٤)] فُرِّجَ عَنْ سَقْفِ بَيْتِي: أي فتح فيه فتح. [(٥٥)] أي شق صدري. [(٥٦)] في الصحيح: «فأفرغه» . [(٥٧)] (عرج بي): يعني صعد. [(٥٨)] في الصحيح: «فلما جئت» . [(٥٩)] الزيادة من (هـ) فقط، وليست في الصحيح.
[ ٢ / ٣٧٩ ]
[فَلَمَّا فُتِحَ عَلَوْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا فَإِذَا] [(٦٠)] رَجُلٌ عَنْ يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ وَعَنْ يَسَارِهِ أَسْوِدَةٌ [(٦١)] فَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، وَالِابْنِ الصَّالِحِ، قَالَ: قُلْتُ يَا جِبْرِيلُ! مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا آدَمُ﵇- وَهَذِهِ الْأَسْوِدَةُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ نَسَمُ بَنِيهِ [(٦٢)]، فَأَهَلُ الْيَمِينِ أَهْلُ الْجَنَّةِ، وَالْأَسْوِدَةُ الَّتِي عَنْ شِمَالِهِ أَهْلُ النَّارِ، فَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى، قَالَ: ثُمَّ عَرَجَ بِي جِبْرِيلُ ﵇ حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ فَقَالَ لِخَازِنِهَا: افْتَحْ، فَقَالَ لَهُ خَازِنُهَا مِثْلَ مَا قَالَ خَازِنُ السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَفَتَحَ.
قَالَ أَنَسٌ: فَذَكَرَ أَنَّهُ وجد في السموات آدَمَ، وَإِدْرِيسَ وَمُوسَى، وَعِيسَى، وَإِبْرَاهِيمَ﵈- وَلَمْ يُثْبِتْ كَيْفَ مَنَازِلُهُمْ غَيْرَ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ آدَمَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَإِبْرَاهِيمَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، فَلَمَّا مَرَّ جِبْرِيلُ بِرَسُولِ اللهِ ﵌ بِإِدْرِيسَ، قَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالْأَخِ الصَّالِحِ، قَالَ: قُلْتُ مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا إِدْرِيسُ، قَالَ: ثُمَّ مَرَرْتُ بِمُوسَى فَقَالَ [(٦٣)] مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالْأَخِ الصَّالِحِ قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ هَذَا مُوسَى.
قَالَ: ثُمَّ مَرَرْتُ بِعِيسَى فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالْأَخِ الصَّالِحِ، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا عِيسَى.
ثُمَّ مَرَرْتُ بِإِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالِابْنِ الصَّالِحِ، قلت:
_________________
(١) [(٦٠)] أثبت العبارة من الصحيح، وقد جاء في كل النسخ «ففتح، فلما علونا السماء الدنيا إذا» . [(٦١)] (أسودة): جمع سواد، كالأزمنة، جمع زمان، والسواد: الشخص، وقيل: الجماعات، وسواد الناس عوامهم، وكل عدد كثير، ويقال: هي الأشخاص من كل شيء. قال أبو عبيد: «هو شخص كل شيء من متاع أو غيره، والجمع: أسودة، وجمع الجمع: أساودة. [(٦٢)] (نسم بنيه): النسمة هي نفس الروح، والجمع: نسم. والمراد: أرواح بني آدم. [(٦٣)] في (ص): «قَالَ» .
[ ٢ / ٣٨٠ ]
مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا إِبْرَاهِيمُ.
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَأَخْبَرَنِي ابْنُ حَزْمٍ [(٦٤)] أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا حَبَّةَ الْأَنْصَارِيَّ كَانَا يَقُولَانِ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: ثُمَّ عُرِجَ بِي حَتَّى ظَهَرْتُ لِمُسْتَوًى [(٦٥)] أَسْمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الْأَقْلَامِ [(٦٦)] .
قَالَ ابْنُ حَزْمٍ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: [(٦٧)] قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: فَفَرَضَ اللهُ﷿- عَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلَاةً، فَرَجَعْتُ بِذَلِكَ حَتَّى مَرَرْتُ [(٦٨)] بِمُوسَى، فَقَالَ مُوسَى: مَاذَا فَرَضَ رَبُّكَ عَلَى أُمَّتِكَ، قَالَ: فَقُلْتُ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسِينَ صَلَاةً، قَالَ مُوسَى: فَرَاجِعْ رَبَّكَ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ. قَالَ: فَرَاجَعْتُ رَبِّي، فَوَضَعَ شَطْرَهَا، قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى وَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، قَالَ: فَرَاجَعْتُ رَبِّي فَقَالَ: هِيَ خَمْسٌ، وَهِيَ خَمْسُونَ لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ، قَالَ فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، قَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ، فَقُلْتُ: قَدِ اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي، قَالَ ثُمَّ انْطَلَقَ بِي حَتَّى أَتَى سدرة المنتهى،
_________________
(١) [(٦٤)] ابن حزم هو: أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عمرو بن حزم الأنصاري البخاري المدني، وأبو محمد ولد فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﵌، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﵌ أباه أن يكنيه بأبي عبد الملك، وكان فقيها فاضلا، قتل يوم الحرة وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ سنة، وهو تابعي، وذكره ابن الأثير في الصحابة، ولم يسمع الزهري منه لتقدم موته. [(٦٥)] في (ص) و(هـ): بمستوى. وما أثبتناه موافق لما في البخاري. [(٦٦)] صريف الأقلام: وهو تصويتها حال الكتابة، قال الخطابي: هو صوت ما تكتبه الملائكة من أقضية الله تعالى ووحيه وما ينسخونه من اللوح المحفوظ، أَوْ مَا شَاءَ اللهُ تعالى من ذلك أن يكتب، ويرفع لما أراده الله من أمره وتدبيره في خلقه ﷾، لا يعلم الغيب إلا هو الغني عن الاستذكار بتدوين الكتب والاستثبات في الصحف، أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وأحصى كل شيء عددا. [(٦٧)] قال ابن حزم: أي عن شيخه، وقال أنس بن مالك أي عن أبي ذر، والظاهر أنه من جملة مقولة ابن شهاب الزهري، ويحتمل أن يكون تعليقا من البخاري. [(٦٨)] في كل الأصول: «حتى أمرّ» وأثبتّ ما في صحيح البخاري.
[ ٢ / ٣٨١ ]
فَغَشِيَهَا أَلْوَانٌ لَا أَدْرِي مَا هِيَ، ثُمَّ أُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ فَإِذَا جَنَابِذُ [(٦٩)] اللُّؤْلُؤِ وَإِذَا تُرَابُهَا الْمِسْكُ» .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُكَيْرٍ [(٧٠)]، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ حَرْمَلَةَ بْنِ يَحْيَى [(٧١)] .
وَأَنْبَأَنَا [(٧٢)] رِوَايَةَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﵌، فَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ: عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَخْتَوَيْهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُسْلِمٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ الْمُنْذِرِ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ ابن سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ قَالَ: «أُتِيتُ بِالْبُرَاقِ وَهُوَ دَابَّةٌ أَبْيَضُ فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ يَضَعُ حَافِرَهُ عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهِ، قَالَ: فَرَكِبْتُهُ فَسَارَ بِي حَتَّى أَتَيْنَا [(٧٣)] بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَرَبَطْتُ الدَّابَّةَ بِالْحَلَقَةِ الَّتِي يَرْبُطُهَا [(٧٤)] الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ دَخَلْتُ [(٧٥)] فَصَلَّيْتُ ثُمَّ خَرَجْتُ فَأَتَانِي [(٧٦)] جِبْرِيلُ بِإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ وَإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ، فَاخْتَرْتُ اللَّبَنَ، فَقَالَ جِبْرِيلُ: أَصَبْتَ [(٧٧)] الفطرة، قال: ثم
_________________
(١) [(٦٩)] (الجنابذ): جمع جنبذ، وهو ما ارتفع من الشيء واستدار كالقبة، والأظهر أنه فارسي معرب. [(٧٠)] في: ٨- كتاب الصلاة (١) كيف فرضت الصلاة، الحديث (٣٤٩)، فتح الباري (١: ٤٥٨) . كما أخرجه البخاري أيضا في الحج مختصرا عن عبدان، عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنْ يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، وأخرجه أيضا في أحاديث الأنبياء عن عبدان، وعن أحمد بن صالح. [(٧١)] في: ١- كتاب الإيمان (٧٤) بَابُ الْإِسْرَاءِ بِرَسُولِ اللهِ ﵌ الى السموات، وفرض الصلوات، الحديث (٢٦٣)، ص (١: ١٤٨) . [(٧٢)] في (ص) و(هـ): «وأما رواية أنس» . [(٧٣)] عند مسلم «حتى أتيت» . [(٧٤)] كذا في الأصل (ح)، وفي (ص) و(هـ): «يربط بها»، وعند مسلم «التي يربط به» . [(٧٥)] في صحيح مسلم: «ثم دخلت المسجد فصلّيت» . [(٧٦)] عند مسلم: «فجاءني» . [(٧٧)] في الصحيح: «اخترت الفطرة» .
[ ٢ / ٣٨٢ ]
عُرِجَ بِي [(٧٨)] إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ ﵇، فَقِيلَ: مَنْ أَنْتَ؟
قَالَ: أَنَا جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ [(٧٩)] إِلَيْهِ، قَالَ قَدْ أُرْسِلَ. فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذْ بِآدَمَ [(٨٠)] ﵇، قَالَ: فَرَحَّبَ بِي، وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ، ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ؟
فَقَالَ: أَنَا جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟
قَالَ: قَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ، فَفُتِحَ لَنَا فَإِذَا أَنَا بِابْنَيِ الْخَالَةِ، يَحْيَى وَعِيسَى ﵉، قَالَ: فَرَحَّبَا وَدَعَوَا لِي بِخَيْرٍ، ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا جِبْرِيلُ قِيلَ وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ، قَالَ فَفُتِحَ لَنَا فَإِذَا أَنَا بِيُوسُفَ وَإِذَا هُوَ قَدْ أُعْطَى شَطْرَ الْحُسْنِ، قَالَ: فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ، قَالَ: ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ فَقِيلَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا جِبْرِيلُ. قِيلَ:
وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ، قَالَ: وقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ، فَفُتِحَ لَنَا فَإِذَا أَنَا بِإِدْرِيسَ فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ، ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟
قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ، قَالَ: وقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ فَفُتِحَ لَنَا فَإِذَا أَنَا بِهَارُونَ فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ، ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ قِيلَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ:
وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ، قَالَ: وقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ، فَفُتِحَ لَنَا فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى ﵇ فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ، ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ:
مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وقد
_________________
(١) [(٧٨)] في الصحيح: «بنا» . [(٧٩)] عند مسلم: «وقد بعث إليه؟» . [(٨٠)] في الصحيح: «فإذا أنا بآدم» .
[ ٢ / ٣٨٣ ]
أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: وقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ، فَفُتِحَ لَنَا فَإِذَا أَنَا بِإِبْرَاهِيمَ ﵇ فَإِذَا هُوَ مُسْتَنِدٌ [(٨١)] إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، فَرَحَّبَ بِي وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ، فَإِذَا هُوَ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ ثُمَّ لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ قَالَ: ثُمَّ ذَهَبَ بِي إِلَى السِّدْرَةِ الْمُنْتَهَى، فَإِذَا وَرَقُهَا كَآذَانِ الْفِيَلَةِ، وَإِذَا ثَمَرُهَا كَالْقِلَالِ، قَالَ: فَلَمَّا غَشِيَهَا مِنْ أَمْرِ اللهِ مَا غَشِيَ تَغَيَّرَتْ، فَمَا أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللهِ ﷿ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْعَتَهَا مِنْ حُسْنِهَا، قَالَ: فَدَنَا فَتَدَلَّى، فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى، وَفُرِضَ عَلَيَّ فِي كُلِّ يَوْمٍ خَمْسُونَ صَلَاةً، قَالَ: فَنَزَلْتُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى مُوسَى، قَالَ: مَا فَرَضَ رَبُّكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: خَمْسِينَ صَلَاةً فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، قَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسَلْهُ التَّخْفِيفَ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، وَإِنِّي قَدْ بَلَوْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَخَبَرْتُهُمْ قَالَ:
فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ: أَيْ رَبِّ! خَفِّفْ عَنْ أُمَّتِي، فَحَطَّ عَنِّي خَمْسًا، فَرَجَعْتُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ مَا فَعَلْتَ؟ قُلْتُ: قَدْ حَطَّ عَنِّي خَمْسًا، فَقَالَ إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ، فَلَمْ أَزَلْ أَرْجِعُ بَيْنَ رَبِّي وَبَيْنَ مُوسَى حَتَّى قَالَ: هِيَ خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ [(٨٢)] لِكُلِّ صَلَاةٍ عَشَرٌ فَذَلِكَ خَمْسُونَ صَلَاةً.
هَذَا حَدِيثُ أَبِي مُسْلِمٍ، قَالَ: مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ الْمُنْذِرِ الْعَرَّارُ فِي حَدِيثِهِ: فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ حَسَنَةً، فإن علمها كُتِبَتْ عَشْرًا، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ تُكْتَبْ شَيْئًا، فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ وَاحِدَةً. قَالَ فَنَزَلْتُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى مُوسَى فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا فَعَلْتُ، قَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسَلْهُ التَّخْفِيفَ، قَالَ: قُلْتُ قَدْ رَجَعْتُ إِلَى رَبِّي حَتَّى استحييت.
_________________
(١) [(٨١)] في (ص) و(هـ): وإذا هو»، وفي الصحيح: «فإذا أنا بإبراهيم ﵌ مسندا ظَهْرَهُ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ» . [(٨٢)] كذا في (ح) وحاشية (ص) وفي (ص): «في اليوم والليلة» ومثله في (هـ) .
[ ٢ / ٣٨٤ ]
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ شَيْبَانَ بْنِ فَرُّوخَ [(٨٣)]، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ قَوْلَهُ: فَدَنَا فَتَدَلَّى، وَإِنَّمَا قَالَ: فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ ما أوحى، فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ زِيَادَةً فِي الْحَدِيثِ غَيْرَ مَحْفُوظَةٍ، فَإِنْ كَانَتْ مَحْفُوظَةً كَمَا رَوَاهُ حَجَّاجُ ابن مِنْهَالٍ، وَكَمَا رَوَاهُ شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ،
فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ جِبْرِيلُ ﵇ فَعَلَ ذَلِكَ بِالنَّبِيِّ ﵌ حِينَ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى كَمَا فَعَلَهُ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى.
وَفِي حَدِيثِ شَرِيكٍ زِيَادَةٌ تَفَرَّدَ بِهَا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ ﷺ رَأَى رَبَّهُ ﷿، وَقَوْلُ عَائِشَةَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ فِي حَمْلِهِمْ هَذِهِ الْآيَاتِ عَلَى رُؤْيَتِهِ، جِبْرِيلَ ﵇ أَصَحُّ.
فَقَدْ رُوِّينَا عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ ذُكِرَ لَهَا قَوْلُ اللهِ ﷿ وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ [(٨٤)] وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى [(٨٥)] فَقَالَتْ عَائِشَةُ: «أَنَا أَوَّلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ سَأَلَ عَنْ هَذَا رَسُولِ اللهِ ﵌، فَقَالَ [إِنَّمَا هُوَ] جِبْرِيلُ. لَمْ أَرَهُ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا غَيْرَ هَاتَيْنِ الْمَرَّتَيْنِ» [(٨٦)] .
وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ بِشَرْحِهِ فِي كِتَابِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَفِي كِتَابِ الرُّؤْيَةِ وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ.
وَفِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمِعْرَاجَ كَانَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى بيت المقدس.
_________________
(١) [(٨٣)] في ١:- كتاب الايمان (٧٤) بَابُ الْإِسْرَاءِ بِرَسُولِ اللهِ ﵌ إلى السموات، وفرض الصلاة، الحديث (٢٥٩)، ص (١: ١٤٥- ١٤٧) . [(٨٤)] الآية الكريمة (٢٣) من سورة التكوير. [(٨٥)] الآية الكريمة (١٣) من سورة النجم. [(٨٦)] الحديث عند مسلم في: ١- كتاب الإيمان، (٧٧) بَابُ قَوْلِ اللهِ﷿: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أخرى، وهل رَأَى النَّبِيَّ ﵌ ربه ليلة الإسراء، الحديث (٢٨٧)، ص (١: ١٥٩) .
[ ٢ / ٣٨٥ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ: قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الشَّافِعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ الْحَسَنِ، [قَالَ] [(٨٧)] . حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَمِّ نَبِيِّكُمْ ﵌ ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ نَبِيُّ اللهِ ﵌: «رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ﵇- رَجُلًا طُوَالًا جَعْدًا كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شنوءة، ورأيت عيسى بن مَرْيَمَ ﵇ مَرْبُوعَ الْخَلْقِ إِلَى الْحُمْرَةِ وَالْبَيَاضِ، سَبْطَ الرَّأْسِ [(٨٨)] وَأُرِيَ مَالِكًا خَازِنَ جَهَنَّمَ [(٨٩)] وَالدَّجَّالَ فِي آيَاتٍ أَرَاهُنَّ اللهُ ﷿ إِيَّاهُ، قَالَ: فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ [(٩٠)]، قَالَ فَكَانَ قَتَادَةُ يفَسِّرُهَا أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﵌ قَدْ لَقِيَ مُوسَى وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ [(٩١)] قَالَ: جَعَلَ اللهُ مُوسَى هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ» .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ شَيْبَانَ [(٩٢)] .
وَأَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ مُخْتَصَرًا [(٩٣)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، [قَالَ] [(٩٤)]:
_________________
(١) [(٨٧)] ليست في (ص) . [(٨٨)] سبط الرأس: مسترسل الشعر. [(٨٩)] في الصحيح: «خازن النار» . [(٩٠)] [٣٢/ السجدة/ آية ٢٣] . [(٩١)] [١٧/ الإسراء/ آية ٢] . [(٩٢)] في: ١- كتاب الإيمان (٧٤) بَابُ الْإِسْرَاءِ بِرَسُولِ اللهِ ﵌، الحديث (٢٦٧)، ص (١: ١٥١) . [(٩٣)] البخاري في أحاديث الأنبياء عَنْ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، عَنْ غندر، عن شعبة، ومسلم في كتاب الإيمان حديث (٢٧٢) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ. (١: ١٥١) . [(٩٤)] ليست في (ص) .
[ ٢ / ٣٨٦ ]
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﵌: «حِينَ أُسْرِيَ بِهِ لَقِيتُ مُوسَى، فَنَعَتَهُ فَإِذَا رَجُلٌ- حَسِبْتُهُ قَالَ- مُضْطَرِبٌ رَجِلُ الرَّأْسِ، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ، قَالَ: وَلَقِيتُ عِيسَى فَنَعَتَهُ النَّبِيُّ ﵌، قَالَ: رَبْعَةٌ أَحْمَرُ كَإِنَّمَا خَرَجَ مِنْ دِيمَاسٍ يَعْنِي حَمَّامٍ، قَالَ: وَرَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ وَأَنَا أَشْبَهُ وَلَدِهِ بِهِ، قَالَ وَأُتِيتُ بِإِنَاءَيْنِ فِي أَحَدِهِمَا لَبَنٌ وَفِي الْآخَرِ خَمْرٌ قِيلَ لِي: خُذْ أَيَّهُمَا شِئْتَ، فَأَخَذْتُ اللَّبَنَ، فَشَرِبْتُ فَقِيلَ لِي: هُدِيتَ الْفِطْرَةَ، أَوْ أَصَبْتَ الْفِطْرَةَ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَخَذْتَ الْخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ» .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ [(٩٥)] رَافِعٍ.
وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ مَحْمُودٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ [(٩٦)] .
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، وَثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ قَالَ «أَتَيْتُ عَلَى مُوسَى لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عِنْدَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ» [(٩٧)] .
وَرُوِّينَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ قَالَ: وَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فَإِذَا مُوسَى قَائِمٌ يُصَلِّي وَذَكَرَ إِبْرَاهِيمَ وَعِيسَى وَوَصَفَهُمْ، ثُمَّ قَالَ: فَجَاءَتِ الصَّلَاةُ فأممتهم [(٩٨)] .
_________________
(١) [(٩٥)] في: ١- كتاب الايمان، الحديث (٢٧٢)، ص (١: ١٥٤) . [(٩٦)] البخاري عَنْ مَحْمُودِ بْنِ غَيْلَانَ، عن عبد الرزاق في أحاديث الأنبياء وباب (٤٩)، والترمذي في أول تفسير سورة الإسراء، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ غَيْلَانَ. [(٩٧)] أخرجه مسلم في: ٤٣- كتاب الفضائل، حديث (١٦٤)، والنسائي في قيام الليل، والإمام أحمد في «مسنده» (٣: ١٤٨، ٢٤٨) . [(٩٨)] تضافرت الروايات على أَنَّهُ ﵌ صلى بالأنبياء قبل العروج، قال ابن حجر: «وهو الأظهر»، والاحتمال الثاني أَنَّهُ ﵌ صلى بهم بعد أن هبط من السماء أيضا فهبطوا، وصححه الحافظ ابن كثير، وقال: «أثبت الصلاة في بيت المقدس الجمهور من الصحابة» .
[ ٢ / ٣٨٧ ]
وَرُوِّينَا فِي حَدِيثِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ لَقِيَهُمْ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ.
وَرُوِّينَا فِي حَدِيثِ أَنَسِ أَنَّهُ بُعِثَ لَهُ آدَمُ فَمَنْ دُونَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ فَأَمَّهُمْ رَسُولُ اللهِ ﵌ تِلْكَ اللَّيْلَةَ.
وَرُوِّينَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عن مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ وَعَنْ أَنَسٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ رَأَى مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ.
وَلَيْسَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَخْبَارِ مُنَافَاةٌ فَقَدْ يَرَاهُ فِي مَسِيرِهِ وَإِنَّمَا يُصَلِّي فِي قبره لم يسار بِهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ كَمَا أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ ﵌، فَيَرَاهُ فِي السَّمَاءِ وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَنْ رَآهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، فِي الْأَرْضِ ثُمَّ فِي السَّمَاءِ وَالْأَنْبِيَاءُ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ كَالشُّهَدَاءِ فَلَا يُنْكَرُ حُلُولُهُمْ فِي أَوْقَاتٍ بِمَوَاضِعَ مُخْتَلِفَاتٍ كَمَا وَرَدَ خبر الصادق [(٩٩)] به.
_________________
(١) [(٩٩)] الأنبياء كالشهداء بل أفضل، والشهداء أحياء عند ربهم، فلا يبعد أن يحجوا وأن يصلّوا، وأن يتقربوا إلى الله بما استطاعوا لأنهم وإن كانوا قد توفوا فهم في هذه الدنيا التي هي دار العمل حتى إذا فنيت مدتها، وتعقبها: الآخرة التي هي دار الجزاء انقطع العمل. والبرزخ ينسحب عليه حكم الدنيا في استكثارهم من الأعمال وزيادة الأجور. وقال المسبكي رحمه الله تعالى: «إنا نقول إن المنقطع في الآخرة إنما هو التكليف، وقد تحصل الأعمال من غير تكليف على سبيل التلذذ بها والخضوع لله تعالى. ولهذا ورد أنهم يسبّحون ويدعون ويقرأون القرآن وانظر إلى سجود النبي ﵌ وقت الشفاعة، أليس ذلك عبادة وعملا؟ وعلى كلا الجوابين لا يمتنع حصول هذه الأعمال وفي مدة البرزخ» . وقد صح عن ثابت البناني التابعي أنه قال: «اللهم إن كنت أعطيت أحدا أن يصلي في قبره فأعطني ذلك» . فرؤي بعد موته يصلّي في قبره، ويكفي رُؤْيَةِ النَّبِيِّ ﵌ لموسى قائما يصلي في قبره، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵌ وسائر الأنبياء لم يقبضوا حتى خيّروا بين البقاء في الدنيا وبين الآخرة فاختاروا الآخرة. ولا شك أنهم لو بقوا في الدنيا لازدادوا من الأعمال الصالحة ثم انتقلوا إلى الجنة، فلم لم يعلموا أن انتقالهم إلى الله تعالى أفضل لما اختاروه، ولو كان انتقالهم من هذه الدار يفوت عليهم زيادة فيما يقرب إلى الله تعالى لما اختاروه.
[ ٢ / ٣٨٨ ]
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ، قَالَ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا دُبَيْسٌ الْمُعَدِّلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﵌ «لَمَّا أُسْرِيَ بِي مَرَّتْ بِي رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ، فَقُلْتُ: مَا هَذِهِ الرَّائِحَةُ؟ قَالُوا: مَاشِطَةُ ابْنَةِ فِرْعَوْنَ وَأَوْلَادُهَا سَقَطَ مُشْطُهَا مِنْ يَدِهَا، فَقَالَتْ: بِسْمِ اللهِ: فَقَالَتْ بِنْتُ فِرْعَوْنَ أَبِي، قَالَتْ رَبِّي وَرَبُّكِ وَرَبُّ أَبِيكِ، قَالَتْ: أَوَ لَكِ رَبٌّ غَيْرُ أَبِي؟
قَالَتْ: نَعَمْ، رَبِّي وَرَبُّكِ وَرَبُّ أَبِيكِ: اللهُ، قَالَ: فَدَعَاهَا، فَقَالَ: أَلَكِ رَبٌّ غَيْرِي؟ قالت: نعم ربي وربك اللهُ، قَالَ: فَأَمَرَ بِبَقَرَةٍ مِنْ نُحَاسٍ فَأُحْمِيَتْ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا لَتُلْقَى فِيهَا، قَالَتْ إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً، قَالَ: مَا هِيَ؟ قَالَتْ: تَجْمَعْ عِظَامِي وَعِظَامَ وَلَدِي فِي مَوْضِعٍ، قَالَ: ذَاكَ لَكِ لِمَا لَكِ عَلَيْنَا مِنَ الْحَقِّ، قَالَ فَأَمَرَتْهُمْ فَأُلْقُوا وَاحِدًا وَاحِدًا حَتَّى بَلَغَ رَضِيعًا فِيهِمْ، فَقَالَ: قَعِي يَا أُمَّهْ وَلَا تَقَاعَسِي فَإِنَّا عَلَى الْحَقِّ، قَالَ: وَتَكَلَّمَ أَرْبَعَةٌ وَهُمْ صِغَارٌ: هَذَا، وَشَاهِدُ يُوسُفَ، وَصَاحِبُ جُرَيْجٍ، وَعِيسَى بن مَرْيَمَ [(١٠٠)]» .
وَأَخْبَرَنَا عَلِيٌّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي، قَالَ: حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، فَذَكَرَهُ بِنَحْوِهِ.
وَقَدْ رُوِيَ فِي قِصَّةِ الْمِعْرَاجِ سِوَى مَا ذَكَرْنَا أَحَادِيثُ بِأَسَانِيدَ ضعاف وفيما
_________________
(١) [(١٠٠)] أخرجه الهيثمي في الزوائد (١: ٦٥)، وقال: رواه أحمد، والبزار، والطبراني في الكبير، والأوسط، وفيه عطاء بن السائب، وهو ثقة لكنه اختلط. وانظر كشف الأستار (١: ٣٧) وتفسير ابن كثير (٣: ١٥)، وفي الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مرفوعا: «لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة»، فذكر عيسى وصاحب جريج وابن الماشطة. وفي حديث مسلم عن صهيب ﵁ فِي قصة أصحاب الأخدود: أن امرأة جيء بها لتلقى في النار أو لتكفر ومعها صبيّ يرضع فتقاعست فقال: يا أماه اصبري فإنك على الحقّ. وفي رواية عند ابن قتيبة: إنه كان ابن سبعة أشهر. وروى الثعلبي عن الضحاك أن يحيى بن زكرياء تكلم في المهد وذكر البغوي في تفسيره أن إبراهيم الخليل ﵇ تكلم في المهد. وفي سير الواقدي أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ تكلم في أوائل ما ولد.
[ ٢ / ٣٨٩ ]
ثَبَتَ مِنْهَا غُنْيَةٌ، وَأَنَا ذَاكِرٌ بِمَشِيئَةِ اللهِ تَعَالَى مِنْهَا مَا هُوَ أَمْثَلُ إِسْنَادًا وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ.
أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ: قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ:
مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَسَدٍ الْحِمَّانِيُّ، عَنْ أَبِي هَارُونَ الْعَبْدِيِّ [(١٠١)]، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﵌ «أَنَّهُ قَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ يَا رَسُولَ اللهِ! أَخْبِرْنَا عَنْ لَيْلَةِ أُسْرِيَ بِكَ فِيهَا. قَالَ قَالَ اللهُ ﷿ سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [(١٠٢)] . قَالَ فَأَخْبَرَهُمْ قَالَ: بَيْنَا أنا قائم عِشَاءً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِذْ أَتَانِي آتٍ فَأَيْقَظَنِي، فَاسْتَيْقَظْتُ فَلَمْ أَرَ شَيْئًا ثُمَّ عُدْتُ فِي النَّوْمِ، ثُمَّ أَيْقَظَنِي فَاسْتَيْقَظْتُ فَلَمْ أَرَ شَيْئًا ثُمَّ عُدْتُ فِي النَّوْمِ، ثُمَّ أَيْقَظَنِي فَاسْتَيْقَظْتُ فَلَمْ أَرَ شَيْئًا فَإِذَا أَنَا بِكَهَيْئَةِ خَيَالٍ فَأَتْبَعْتُهُ بِبَصَرِي حَتَّى خَرَجْتُ مِنَ الْمَسْجِدِ فَإِذَا أَنَا بدابة أدنى، شبيهة بدوا بكم هَذِهِ، بِغَالِكُمْ هَذِهِ، مُضْطَرِبُ الْأُذُنَيْنِ يُقَالُ لَهُ: الْبُرَاقُ، وَكَانَتِ الْأَنْبِيَاءُ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ تَرْكَبُهُ قَبْلِي يَقَعُ حَافِرُهُ مَدَّ بَصَرِهِ فَرَكِبْتُهُ فَبَيْنَمَا أَنَا أَسِيرُ عَلَيْهِ إِذْ دَعَانِي دَاعٍ عَنْ يَمِينِي يَا مُحَمَّدُ أَنْظِرْنِي
_________________
(١) [(١٠١)] أبو هارون العبد عمارة بن جوين روى عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وابن عمر، ضعّفه شعبة، وقال البخاري: تركه يحيى القطان، وقال ابن معين: «كان عندهم لا يصدق في حديثه، وكانت عنده صحيفة يقول: هذه صحيفة الوحي» . وضعّفه أبو زرعة، وأبو حاتم، وقال النسائي، والحاكم: «متروك»، وقال الجوزجاني: «كذاب مفتر» . وقد ذكر العقيلي في الضعفاء الكبير (٣: ٣١٣) طبعة «دار الكتب العلمية» من تحقيقنا، وقال ابن حبان في المجروحين (٢: ١٧٧): «كان رافضيا يروي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَا ليس من حديثه. له ترجمة في الميزان (٣: ١٧٣)، والتهذيب (٧: ٤١٢) . وغيرهما. [(١٠٢)] أول سورة الإسراء.
[ ٢ / ٣٩٠ ]
أَسْأَلْكَ يَا مُحَمَّدُ أَنْظِرْنِي أَسْأَلْكَ [(١٠٣)] فَلَمْ أُجِبْهُ وَلَمْ أَقِمْ عَلَيْهِ فَبَيْنَمَا أَنَا أَسِيرُ عَلَيْهِ إِذْ دَعَانِي دَاعٍ عَنْ يَسَارِي: يَا مُحَمَّدُ! أَنْظِرْنِي أَسْأَلْكَ يَا مُحَمَّدُ أَنْظِرْنِي أَسْأَلْكَ فَلَمْ أُجِبْهُ ولم أقم عليه وَبَيْنَمَا أَنَا أَسِيرُ عَلَيْهِ إِذَا أَنَا بِامْرَأَةٍ حَاسِرَةٍ عَنْ ذِرَاعَيْهَا وَعَلَيْهَا مِنْ كُلِّ زِينَةٍ خَلَقَهَا اللهُ فَقَالَتْ يَا مُحَمَّدُ أَنْظِرْنِي أَسْأَلْكَ فَلَمْ أَلْتَفِتُ إِلَيْهَا ولم أقم عليها حيت أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَأَوْثَقْتُ دَابَّتِي بِالْحَلْقَةِ الَّتِي كَانَتِ الْأَنْبِيَاءُ تُوثِقُهَا بِهِ فَأَتَانِي جِبْرِيلُ ﵇ بِإِنَاءَيْنِ: أحدهما خمر، والآخر لبن.
فَشَرِبْتُ اللَّبَنَ وَتَرَكَتُ الْخَمْرَ فَقَالَ جِبْرِيلُ أَصَبْتَ الْفِطْرَةَ فَقُلْتُ اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ فَقَالَ جِبْرِيلُ مَا رَأَيْتُ فِيَ وَجْهِكَ هَذَا قَالَ فَقُلْتُ بَيْنَمَا أَنَا أَسِيرُ إِذْ دَعَانِي دَاعٍ عَنْ يَمِينِي يَا مُحَمَّدُ أَنْظِرْنِي أَسْأَلْكَ فَلَمْ أُجِبْهُ وَلَمْ أَقُمْ عَلَيْهِ قَالَ ذَاكَ دَاعِي الْيَهُودِ أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَجَبْتَهُ أَوْ وقفت عليه لتهورت أُمَّتُكَ، قَالَ: وبَيْنَمَا أَنَا أَسِيرُ إِذْ دَعَانِي دَاعٍ عَنْ يَسَارِي، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَنْظِرْنِي أَسْأَلْكَ فَلَمْ أَلْتَفِتُ إِلَيْهِ وَلَمْ أَقُمْ عَلَيْهِ قَالَ ذَاكَ دَاعِي النَّصَارَى أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَجَبْتَهُ لَتَنَصَّرَتْ أُمَّتُكَ، فَبَيْنَمَا أَنَا أَسِيرُ إِذَا أَنَا بِامْرَأَةٍ حَاسِرَةٍ عَنْ ذِرَاعَيْهَا عَلَيْهَا مِنْ كُلِّ زِينَةٍ خَلَقَهَا اللهُ تَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ أَنْظِرْنِي أَسْأَلْكَ فَلَمْ أُجِبْهَا وَلَمْ أَقُمْ عَلَيْهَا قَالَ تِلْكَ الدُّنْيَا أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَجَبْتَهَا لَاختَارَتْ أُمَّتُكَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ.
قَالَ: ثُمَّ دَخَلْتُ أَنَا وَجِبْرِيلُ ﵇ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَصَلَّى كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أُتِيتُ بِالْمِعْرَاجِ الَّذِي تَعْرُجُ عَلَيْهِ أَرْوَاحُ بَنِي آدَمَ فَلَمْ ير الخلايق أَحْسَنَ مِنَ الْمِعْرَاجِ مَا رَأَيْتُمُ الْمَيِّتَ حِينَ يُشَقُّ بَصَرُهُ طَامِحًا إِلَى السَّمَاءِ [فَإِنَّمَا يُشَقُّ بَصَرُهُ طَامِحًا إِلَى السَّمَاءِ [(١٠٤)]] عَجَبٌ [(١٠٥)] بِالْمِعْرَاجِ قَالَ فَصَعَدْتُ أَنَا وَجِبْرِيلُ فَإِذَا أَنَا بِمَلَكٍ يُقَالُ لَهُ إِسْمَاعِيلُ وَهُوَ صَاحِبُ سَمَاءِ الدُّنْيَا وَبَيْنَ يَدَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ مَعَ
_________________
(١) [(١٠٣)] في (ح): «أسلك» وهكذا في سائر الخبر وأثبتنا ما في (هـ) و(ص) . [(١٠٤)] ما بين الحاصرتين ليست في (ص)، وثابتة في بقية النسخ. [(١٠٥)] في (ص) و(هـ): «عجبه» .
[ ٢ / ٣٩١ ]
كل ملك جنده ماية أَلْفِ مَلَكٍ، قَالَ: وَقَالَ اللهِ ﷿ وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ [(١٠٦)] فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ بَابَ السَّمَاءِ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَإِذَا أَنَا بِآدَمَ كَهَيْئَةِ يَوْمِ خَلَقَهُ اللهُ عَلَى صُورَتِهِ تُعْرَضُ عَلَيْهِ أَرْوَاحُ ذُرِّيَّتِهِ الْمُؤْمِنِينَ فَيَقُولُ:
رُوحٌ طَيِّبَةٌ وَنَفْسٌ طَيِّبَةٌ اجْعَلُوهَا عَلَى عِلِّيِّينَ، ثُمَّ تُعْرَضُ [(١٠٧)] عَلَيْهِ أَرْوَاحُ ذُرِّيَّتِهِ الْفُجَّارُ، فَيَقُولُ: رُوحٌ خَبِيثَةٌ وَنَفْسٌ خَبِيثَةٌ اجْعَلُوهَا فِي سِجِّينٍ، ثُمَّ مَضَتْ هُنَيَّةٌ فَإِذَا أَنَا بِأَخْوِنَةٍ- يَعْنِي الْخِوَانَ الْمَائِدَةُ الَّتِي يُؤْكَلُ عَلَيْهَا لَحْمٌ مُشَرَّحٌ- لَيْسَ يَقْرَبُهَا أَحَدٌ وَإِذَا أَنَا بِأَخْوِنَةٍ أُخْرَى عَلَيْهَا لَحْمٌ قَدْ أَرْوَحَ وَنَتِنَ عِنْدَهَا أُنَاسٌ يَأْكُلُونَ مِنْهَا، قُلْتُ: يَا جِبْرِيلَ! مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ مِنْ أُمَّتِكَ يَتْرُكُونَ الْحَلَالَ وَيَأْتُونَ الْحَرَامَ، قَالَ: ثُمَّ مَضَتْ هُنَيَّةٌ فَإِذَا أَنَا بِأَقْوَامٍ بُطُونِهِمْ أَمْثَالِ الْبُيوتِ كُلَّمَا نَهَضَ أَحَدُهُمْ خَرَّ يَقُولُ اللهُمَّ لَا تُقِمِ السَّاعَةَ، قَالَ: وَهُمْ عَلَى سَابِلَةِ آلَ فِرْعَوْنَ، قَالَ: فَتَجِيءُ السَّابِلَةُ فَتَطَأَهُمْ، قَالَ: فَسَمِعْتُهُمْ يَضِجُّونَ إِلَى اللهِ سُبْحَانَهُ.
قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ! مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ مِنْ أُمَّتِكَ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ [(١٠٨)] الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ، قَالَ: ثُمَّ مَضَتْ هُنَيَّةٌ [(١٠٩)]، فَإِذَا أَنَا بِأَقْوَامٍ مَشَافِرُهُمْ كَمَشَافِرِ الْإِبِلِ قَالَ فَتُفْتَحُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَيُلَقَّوْنَ ذَلِكَ الْحَجَرَ، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْ أَسَافِلِهِمْ، فَسَمِعْتُهُمْ يَضِجُّونَ إِلَى اللهِ ﷿، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ هَؤُلَاءِ مِنْ أُمَّتِكَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا قَالَ: ثم مضت هنيئة فَإِذَا أَنَا بِنِسَاءٍ يُعَلَّقْنَ بِثُدِيِّهِنَّ فَسَمِعْتُهُنَّ يَصِحْنَ [(١١٠)] إِلَى اللهِ ﷿ قُلْتُ: يا جبريل!
_________________
(١) [(١٠٦)] الآية الكريمة (٣١) من سورة المدثر. [(١٠٧)] في (ح): «يعرض» . [(١٠٨)] في (ص) «يخبطه» وهو تحريف. [(١٠٩)] في (هـ): «هنيئة» . [(١١٠)] في (ص) و(هـ): «يضججن» .
[ ٢ / ٣٩٢ ]
مَنْ هَؤُلَاءِ النِّسَاءِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الزُّنَاةُ مِنْ أُمَّتِكَ قَالَ ثُمَّ مَضَيْتُ هُنَيَّةً فَإِذَا أَنَا بِأَقْوَامٍ تُقْطَعُ مِنْ جُنُوبِهِمِ اللَّحْمُ فَيُلْقَمُونَ فَيُقَالُ لَهُ: كُلْ كَمَا كُنْتَ تَأْكُلُ مِنْ لَحْمِ أَخِيكَ قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ هَؤُلَاءِ الْهَمَّازُونَ مِنْ أُمَّتِكَ اللَّمَّازُونَ.
ثُمَّ صَعِدْنَا [(١١١)] إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ فَإِذَا أَنَا بِرَجُلٍ أَحْسَنَ مَا خَلَقَ اللهُ قَدْ فُضِّلَ عَنِ النَّاسِ بِالْحُسْنِ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ. قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا أَخُوكَ يُوسُفُ وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ قَوْمِهِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيَّ.
ثُمَّ صَعِدْتُ إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ فَإِذَا أَنَا بِيَحْيَى وَعِيسَى وَمَعَهُمَا نَفَرٌ مِنْ قَوْمِهِمَا، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَا عَلَيَّ.
ثُمَّ صَعَدْتُ إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ فَإِذَا أَنَا بِإِدْرِيسَ قَدْ رَفَعَهُ اللهُ مَكَانًا عَلِيًّا، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وسلم عَلَيَّ.
ثُمَّ صَعَدْتُ إِلَى السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ فَإِذَا أَنَا بِهَارُونَ وَنِصْفُ لِحْيَتِهِ بَيْضَاءُ وَنِصْفُهَا سَوْدَاءُ تَكَادُ لِحْيَتُهُ تُصِيبُ سُرَّتَهُ مِنْ طُولِهَا، قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ! مَنْ هَذَا؟
قَالَ: هَذَا الْمُحَبَّبُ فِي قَوْمِهِ، هَذَا هَارُونُ بْنُ عِمْرَانَ وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيَّ.
ثُمَّ صَعَدْتُ [(١١٢)] إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى بْنِ عِمْرَانَ- رَجُلٌ آدَمُ كَثِيرُ الشَّعْرِ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ قَمِيصَانِ لَنَفِدَ شَعْرُهُ دُونَ الْقَمِيصِ- وَإِذَا هُوَ يَقُولُ: يَزْعُمُ النَّاسُ إِنِّي أَكْرَمُ عَلَى اللهِ مِنْ هَذَا، بَلْ هَذَا أَكْرَمُ عَلَى اللهِ مِنِّي! قَالَ: قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ! مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا أَخُوكَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ، قَالَ: وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ قَوْمِهِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيَّ.
ثُمَّ صَعِدْتُ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَإِذَا أَنَا بِأَبِينَا إِبْرَاهِيمَ خليل الرحمن ساندا
_________________
(١) [(١١١)] في (ص) و(هـ): «صعدا» . [(١١٢)] في (هـ): «ثم صعدني» .
[ ٢ / ٣٩٣ ]
ظَهْرَهُ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ كَأَحْسَنِ الرِّجَالِ، قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ! مَنْ هَذَا؟ قَالَ:
هَذَا أَبُوكَ إِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ الرحمن، وهو نَفَرٌ مِنْ قَوْمِهِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيَّ، وَإِذَا بِأُمَّتِي شَطْرَيْنِ: شَطْرٌ عَلَيْهِمْ ثِيَابٌ بِيضٌ كَأَنَّهَا الْقَرَاطِيسُ، وَشَطْرٌ عَلَيْهِمْ ثِيَابٌ رُمْدٌ.
قَالَ: فَدَخَلْتُ الْبَيْتَ الْمَعْمُورَ، وَدَخَلَ مَعِيَ الَّذِينَ عَلَيْهِمُ الثِّيَابُ الْبِيضُ وَحُجِبَ الْآخَرُونَ الَّذِينَ عَلَيْهِمْ ثِيَابٌ رُمْدٌ، وَهُمْ عَلَى حَرٍّ، فَصَلَّيْتُ أَنَا وَمَنْ مَعِي فِي الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، ثُمَّ خَرَجْتُ أَنَا وَمَنْ مَعِيَ، قَالَ: وَالْبَيْتُ الْمَعْمُورُ يُصَلِّي فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ لَا يَعُودُونَ فِيهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
قَالَ: ثُمَّ رُفِعَتُ إِلَى السِّدْرَةِ الْمُنْتَهَى فَإِذَا كُلُّ وَرَقَةٍ مِنْهَا تَكَادُ أَنْ تُغَطِّيَ هَذِهِ الْأُمَّةَ، وَإِذَا فِيهَا عَيْنٌ تَجْرِي يُقَالُ لَهَا سَلْسَبِيلٌ، فَيَنْشَقُّ مِنْهَا نَهْرَانِ أَحَدُهُمَا:
الْكَوْثَرُ وَالْآخَرُ يُقَالُ لَهُ: نَهَرُ الرَّحْمَةِ، فَاغْتَسَلْتُ فِيهِ، فَغُفِرَ لِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِي وَمَا تَأَخَّرَ.
ثُمَّ إِنِّي دُفِعْتُ إِلَى الْجَنَّةِ فَاسْتَقْبَلَتْنِي جَارِيَةٌ فَقُلْتُ: لِمَنْ أَنْتِ يَا جَارِيَةُ؟ قَالَتْ لِزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَإِذَا أَنَا بِأَنْهَارٍ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من خمر لذة للشاربين، وأنهار مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَإِذَا رُمَّانُهَا كَأَنَّهُ الدِّلَاءُ عِظَمًا وَإِذَا أَنَا بِطَيْرٍ [(١١٣)] كَالْبَخَاتِي [(١١٤)] هَذِهِ، فَقَالَ عِنْدَهَا ﵌ وَعَلَى جَمِيعِ أَنْبِيَائِهِ، إِنَّ اللهَ قَدْ أَعَدَّ لِعِبَادِهِ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، قَالَ: ثُمَّ عَرَضْتُهُ عَلَى النَّارِ فَإِذَا فِيهَا غَضَبُ اللهِ وَرِجْزُهُ ونقمته لو
_________________
(١) [(١١٣)] في (ص) و(هـ): «بطيرها» . [(١١٤)] في (ح) «كأنها بختيكم»، والبخت والبخاتي: نوع من الإبل الواحد: بختي، والأنثى: بختية، والجمع: بخت، وبخاتي، وهو أعجمي معرب، وفي النهاية: البختية: الأنثى من الجمال، والذكر: بختي، وهو جمال طوال الأعناق.
[ ٢ / ٣٩٤ ]
طُرِحَ فِيهَا الْحِجَارَةُ وَالْحَدِيدُ لَأَكَلَتْهَا، ثُمَّ أُغْلِقَتْ دُونِي، ثُمَّ إِنِّي دُفِعْتُ إِلَى السِّدْرَةِ الْمُنْتَهَى فَتَغَشَّى لِي، وَكَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى، قَالَ:
وَنَزَلَ عَلَى كُلِّ وَرَقَةٍ مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، قَالَ: وَقَالَ: فُرِضَتْ عَلَيَّ خَمْسُونَ صَلَاةً، وَقَالَ: لَكَ بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرٌ إِذَا هَمَمْتَ بِالْحَسَنَةِ فَلَمْ تَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَكَ حَسَنَةٌ، فَإِذَا عَمِلْتَهَا كُتِبَتْ لَكَ عَشْرًا وَإِذَا هَمَمْتَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَمْ تَعْمَلْهَا لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْكَ شَيْءٌ، فَإِنْ عَمِلْتَهَا كُتِبَتْ عَلَيْكَ سَيِّئَةً وَاحِدَةً.
ثُمَّ دُفِعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ بِمَا أَمَرَكَ رَبُّكَ قُلْتُ بِخَمْسِينَ صَلَاةً قَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا يُطِيقُونَ ذَلِكَ وَمَتَى لَا تُطِيقُهُ تَكْفُرْ فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي فَقُلْتُ يَا رَبِّ خَفِّفْ عَنْ أُمَّتِي فَإِنَّهَا أَضْعَفُ الْأُمَمِ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا وَجَعَلَهَا أَرْبَعِينَ، فَمَا زِلْتُ أَخْتَلِفُ بَيْنَ مُوسَى وَرَبِّي كُلَّمَا أَتَيْتُ عَلَيْهِ قَالَ لِي مِثْلَ مَقَالَتِهِ حَتَّى رَجَعْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ لِي بِمَ أُمِرْتَ؟ قُلْتُ: أُمِرْتُ بِعَشْرِ صَلَوَاتٍ قَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسَلْهُ التَّخْفِيفَ عَنْ أُمَّتِكَ، فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي فَقُلْتُ أَيْ رَبِّ! خَفِّفْ عَنْ أُمَّتِي فَإِنَّهَا أَضْعَفُ الْأُمَمِ، فَوَضَعَ عَنِّي خَمْسًا، وَجَعَلَهَا خَمْسًا، فَنَادَانِي مَلَكٌ عِنْدَهَا: تَمَّتْ فَرِيضَتِي، وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي، وَأَعْطَيْتُهُمْ بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِهَا، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ: بِمَ أُمِرْتَ؟ قُلْتُ: بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ، قَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسَلْهُ التَّخْفِيفَ فَإِنَّهُ لا يؤوده شَيْءٌ فَسَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ فَقُلْتُ رَجَعْتُ إِلَى رَبِّي حَتَّى اسْتَحْيَيْتُهُ.
ثُمَّ أَصْبَحَ بِمَكَّةَ يُخْبِرُهُمْ بِالْعَجَائِبِ: أَنِّي أَتَيْتُ الْبَارِحَةَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَعُرِجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ، وَرَأَيْتُ كَذَا وَرَأَيْتُ كَذَا،
فَقَالَ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ: أَلَا تَعْجَبُونَ مِمَّا يَقُولُ مُحَمَّدٌ! يَزْعُمُ أَنَّهُ أَتَى الْبَارِحَةَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، ثُمَّ أَصْبَحَ فِينَا، وَأَحَدُنَا يَضْرِبُ مَطِيَّتَهُ مُصْعِدَةً شَهْرًا وَمُنْقَلِبَةً شَهْرًا، فَهَذَا مَسِيرَةُ شَهْرَيْنِ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ.
قَالَ فَأَخْبَرَهُمْ بَعِيرٍ لِقُرَيْشٍ [(١١٥)] لَمَّا كَانَ فِي مَصْعَدِي رَأَيْتُهَا فِي مَكَانِ كَذَا وَكَذَا
_________________
(١) [(١١٥)] في (ص): «بعير قريش» .
[ ٢ / ٣٩٥ ]
وَأَنَّهَا نَفَرَتْ فَلَمَّا رَجَعْتُ رَأَيْتُهَا عِنْدَ الْعَقَبَةِ، وَأَخْبَرَهُمْ بِكُلِّ رَجُلٍ وَبَعِيرِهِ كَذَا وَكَذَا وَمَتَاعِهِ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: يُخْبِرُنَا بِأَشْيَاءَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ: أَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بيت الْمَقْدِسِ وَكَيْفَ بِنَاؤُهُ وَكَيْفَ هيأته وَكَيْفَ قُرْبُهُ مِنَ الْجَبَلِ، فإن يكون مُحَمَّدٌ صَادِقًا فَسَأُخْبِرَكُمْ، وَإِنْ يَكُنْ كَاذِبًا فَسَأُخْبِرَكُمْ، فَجَاءَهُ ذَلِكَ الْمُشْرِكُ فَقَالَ: يَا محمدا أَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ فَأَخْبِرْنِي كَيْفَ بِنَاؤُهُ وكيف هيأته وَكَيْفَ قُرْبُهُ مِنَ الْجَبَلِ؟ قَالَ: فَرُفِعَ لِرَسُولِ اللهِ ﵌ بَيْتُ الْمَقْدِسِ مِنْ مَقْعَدِهِ فَنَظَرَ إِلَيْهِ كَنَظَرِ أَحَدِنَا إِلَى بَيْتِهِ: بِنَاؤُهُ كذا وكذا، وهيأته كَذَا وَكَذَا، وَقُرْبُهُ مِنَ الْجَبَلِ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ الْآخَرُ: صَدَقْتَ. فَرَجَعَ إِلَى الصَّحَابَةِ فَقَالَ: صَدَقَ مُحَمَّدٌ فِيمَا قَالَ»، أَوْ نَحْوًا مِنْ هَذَا الْكَلَامِ [(١١٦)] .
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو يَعْقُوبَ: إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي كَثِيرٍ قَاضِي الْمَدَائِنِ، قَالَ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ أَبُو رَجَاءٍ، حَدَّثَنَا نُوحُ بْنُ قَيْسٍ الْحُدَّانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هَارُونَ الْعَبْدِيُّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: «قُلْنَا يَا رَسُولَ اللهِ حَدَّثَنَا مَا رَأَيْتَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِكَ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌ أُتِيتُ بِدَابَّةٍ أَشْبَهُ الدَّوَابِّ بِالْبَغْلَةِ غَيْرَ أَنَّهُ صِغَارُ الْأُذُنَيْنِ يُقَالُ لَهُ: الْبُرَاقُ، وَهُوَ الَّذِي كَانَتْ تُحْمَلُ عَلَيْهِ الْأَنْبِيَاءُ يَضَعُ حَافِرَهُ حَيْثُ يَبْلُغُ طَرْفُهُ، فَحُمِلْتُ عَلَيْهِ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَتَوَجَّهَ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى قَالَ وَذَكَرَ حَدِيثَ الْمِعْرَاجِ بِطُولِهِ» .
قَالَ وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ أَبِي هَارُونَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مِثْلَهُ أَوْ نَحْوَهُ.
وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنْ أَبِي هَارُونَ بِبَعْضِ مَعْنَاهُ.
أَنْبَأَنَا أَبُو سَعْدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَالِينِيُّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو أَحْمَدَ عَبْدُ الله بن
_________________
(١) [(١١٦)] أخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم، عَنْ أَبِي هَارُونَ الْعَبْدِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وتقدم في الحاشية (١٠١) من هذا الباب القول أن أبا هارون العبدي هذا: متروك.
[ ٢ / ٣٩٦ ]
عَدِيِّ الْحَافِظُ: قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ السُّكَّرِيُّ [(١١٧)] الْبَالِسِيُّ بِالرَّمْلَةِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ وَهُوَ عِيسَى بْنُ مَاهَانَ [(١١٨)]، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَوْ غَيْرِهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﵌.
(ح) وفِيمَا ذَكَرَ شَيْخُنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ. [الْحَافِظُ] [﵀] [(١١٩)] أَنَّ إِسْمَاعِيلَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ بْنِ مُحَمَّدٍ الشَّعْرَانِيَّ، أَخْبَرَهُمْ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَدِّي، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ الزُّبَيْرِيُّ، قَالَ حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ حَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ مَاهَانَ [(١٢٠)]، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﵌ أَنَّهُ قَالَ: فِي هَذِهِ الْآيَةِ سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى [(١٢١)] قَالَ: أُتِيَ بِفَرَسٍ فَحُمِلَ عليه
_________________
(١) [(١١٧)] في (ح): «السلوني» . [(١١٨)] انظر الحاشية (١٢٠) بعد التالية. [(١١٩)] الزيادة من (ص) و(هـ) . [(١٢٠)] عيسى بن ماهان أبو جعفر الرازي التميمي قال ابن معين: يكتب حديثه، ولكنه يخطئ. وقال مرة أخرى: ثقة، وهو يغلط. وقال علي بن المديني: يخلط. وقال عمرو بن علي الفلاس: فيه ضعف. وقال أبو زرعة: شيخ يهم كثيرا. وقال الساجي: صدوق ليس بمتقن. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال ابن خراش: صدوق سيء الحفظ. وذكره العقيلي في الضعفاء الكبير (٣: ٣٨٨) ط. دار الكتب العلمية، من تحقيقنا. وابن حبان في المجروحين (٢: ١٢٠) . الميزان (٣: ٣١٩)، تهذيب التهذيب (١٢: ٥٦) . [(١٢١)] أول سورة الإسراء.
[ ٢ / ٣٩٧ ]
قَالَ كُلُّ خُطْوَةٍ مُنْتَهَى أَقْصَى بَصَرِهِ، فَسَارَ وَسَارَ مَعَهُ جِبْرِيلُ ﵇، فأتى قوم يَزْرَعُونَ فِي يَوْمٍ وَيَحْصُدُونَ فِي يَوْمٍ كُلَّمَا حَصَدُوا عَادَ كَمَا كَانَ، فَقَالَ: يَا جِبْرِيلُ! مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الْمُهَاجِرُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْحَسَنَةُ بِسَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ، ثُمَّ أَتَى عَلَى قَوْمٍ ترضخ رؤوسهم بِالصَّخْرِ كُلَّمَا رُضِخَتْ عَادَتْ كَمَا كَانَتْ لَا يَفْتُرُ عنهم مِنْ ذَلِكَ، شَيْئًا، فَقَالَ: يَا جِبْرِيلُ! مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ تتثاقل رؤوسهم عَنِ الصَّلَاةِ، قَالَ: ثُمَّ أَتَى عَلَى قَوْمٍ عَلَى أَقْبَالِهِمْ رِقَاعٌ وَعَلَى أَدْبَارِهِمْ رِقَاعٌ يَسْرَحُونَ كَمَا تَسْرَحُ الْأَنْعَامُ، عَنِ. الضَّرِيعِ وَالزَّقُومِ، وَرَضْفِ جَهَنَّمَ وَحِجَارَتِهَا، قَالَ: مَا هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَا يُؤَدُّونَ صَدَقَاتِ أَمْوَالِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللهُ وَمَا اللهُ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ، ثُمَّ أَتَى عَلَى قَوْمٍ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ لَحْمٌ فِي قِدْرٍ نَضِجٌ طَيِّبٌ وَلَحْمٌ آخَرُ خَبِيثٌ، فَجَعَلُوا يَأْكُلُونَ مِنَ الْخَبِيثِ وَيَدَعُونَ النَّضِجَ الطَّيِّبَ فَقَالَ: يَا جِبْرِيلُ: مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: هَذَا الَّذِي يَقُومُ وعنده امرأة حلالا طيبا فَيَأْتِي الْمَرْأَةَ الْخَبِيثَةَ فَتَبِيتُ مَعَهُ حَتَّى يُصْبِحَ، ثُمَّ أَتَى عَلَى خَشَبَةٍ عَلَى الطَّرِيقِ لَا يَمُرُّ بِهَا شَيْءٌ إِلَّا قَصَعَتْهُ [(١٢٢)] يَقُولُ اللهُ ﷿ وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ [(١٢٣)] .
ثُمَّ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ قَدْ جَمَعَ حُزْمَةً عَظِيمَةً لَا يَسْتَطِيعُ حَمْلَهَا وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَزِيدَ عَلَيْهَا، قَالَ: يَا جِبْرِيلُ! مَا هَذَا؟ قَالَ: هَذَا رَجُلٌ مِنْ أُمَّتِكَ عَلَيْهِ أَمَانَةٌ لَا يَسْتَطِيعُ أَدَاءَهَا وَهُوَ يَزِيدُ عَلَيْهَا.
ثُمَّ أَتَى عَلَى قَوْمٍ تُقْرَضُ أَلْسِنَتُهُمْ وَشِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ حَدِيدٍ كُلَّمَا قُرِضَتْ عَادَتْ كَمَا كَانَتْ وَلَا يَفْتُرُ عَنْهُمْ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، قَالَ: يا جبريل! من
_________________
(١) [(١٢٢)] في (ص) و(هـ): «قصفته» . [(١٢٣)] الآية الكريمة (٨٦) من سورة الأعراف.
[ ٢ / ٣٩٨ ]
هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ خُطُبُ الْفِتْنَةِ.
ثُمَّ أَتَى عَلَى حَجَرٍ صَغِيرٍ يَخْرُجُ مِنْهُ نُورٌ عَظِيمٌ فَجَعَلَ النُّورُ يُرِيدُ أَنْ يَدْخُلَ مِنْ حَيْثُ خَرَجَ وَلَا يَسْتَطِيعُ، قَالَ: مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ! قَالَ: هَذَا الرَّجُلُ يَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ فَيَنْدَمُ عَلَيْهَا فَيُرِيدُ أَنْ يَرُدَّهَا وَلَا يَسْتَطِيعُ.
ثُمَّ أَتَى عَلَى وَادٍ فَوَجَدَ رِيحًا بَارِدَةً طَيِّبَةً وَوَجَدَ رِيحَ الْمِسْكِ وَسَمِعَ صَوْتًا، فَقَالَ: يَا جِبْرِيلُ! مَا هَذِهِ الرِّيحُ الْبَارِدَةُ الطَّيِّبَةُ وَرِيحُ الْمِسْكِ؟ وَمَا هَذَا الصَّوْتُ؟
قَالَ: هَذَا صَوْتُ الْجَنَّةِ تَقُولُ: يَا رَبِّ ائْتِنِي بِأَهْلِي وَبِمَا وَعَدْتَنِي فَقَدْ كَثُرَ عَرْفِي، وَحَرِيرِي، وَسُنْدُسِي، وَإِستَبْرَقِي، وَعَبْقَرِيِّ، وَلُؤْلُؤِي، وَمَرْجَانِي، وَفِضَّتِي، وَذَهَبِي، وَأَبَارِيقِي، وَفَوَاكِهِي، وَعَسَلِي، وَخَمْرِي، وَلَبَنِي، فَائْتِنِي بِمَا وَعَدْتَنِي، فَقَالَ: لَكِ كُلُّ مُسْلِمٍ وَمَسْلَمَةٍ، وَمُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ، وَمَنْ آمَنَ بِي وَبِرُسُلِي، وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَمْ يُشْرِكْ بِي شَيْئًا، وَلَمْ يَتَّخِذْ مِنْ دُونِي أَنْدَادًا، وَمَنْ خَشِيَنِي آمَنْتُهُ، وَمَنْ سَأَلَنِي أَعْطَيْتُهُ، وَمَنْ أَقْرَضَنِي جَزَيْتُهُ، ومن توكّل عليّ كيفيته، وَأَنَا اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا لَا أُخْلِفُ الْمِيعَادَ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ- إلى- فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [(١٢٤)] قَالَتْ: قَدْ رَضِيتُ.
ثُمَّ أَتَى عَلَى وَادٍ فَسَمِعَ صَوْتًا مُنْكَرًا، قَالَ: يَا جِبْرِيلُ! مَا هَذَا الصَّوْتُ؟
قَالَ: هَذَا صَوْتُ جَهَنَّمَ يَقُولُ: ائْتِنِي بِأَهْلِي وَمَا وَعَدْتَنِي فَقَدْ كَثُرَ: سَلَاسِلِي، وَأَغْلَالِي، وَسَعِيرِي، وَزَقُّومِي، وَحَمِيمِي، وَحِجَارَتِي، وَغَسَّاقِي، وَغِسْلِينِي، وَقَدْ بَعُدَ قَعْرِي، وَاشْتَدَّ حَرِّي فَأْتِنِي بِمَا وَعَدْتَنِي، فَقَالَ: لَكِ كُلُّ مُشْرِكٍ وَمُشْرِكَةٍ، وَكَافِرٍ وَكَافِرَةٍ وَكُلُّ خَبِيثٍ وَخَبِيثَةٍ، وَكُلُّ جَبَّارٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ، قَالَتْ: قَدْ رَضِيتُ.
قَالَ: ثُمَّ سَارَ حَتَّى أَتَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَنَزَلَ فَرَبَطَ فَرَسَهُ إِلَى صَخْرَةٍ، ثُمَّ
_________________
(١) [(١٢٤)] الآيات [(١- ١٤) من سورة «المؤمنون»] .
[ ٢ / ٣٩٩ ]
دَخَلَ فَصَلَّى مَعَ الْمَلَائِكَةِ، فَلَمَّا قُضِيَتْ قَالُوا: يَا جِبْرِيلُ! مَنْ هَذَا مَعَكَ؟ قَالَ:
مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَخَاتَمُ النَّبِيِّينَ، قَالُوا: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالُوا:
حَيَّاهُ اللهُ مِنْ أَخٍ وَخَلِيفَةٍ، فَنِعْمَ الْأَخُ، وَنِعْمَ الْخَلِيفَةُ، وَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ.
قَالَ: ثُمَّ أَتَى أَرْوَاحَ الْأَنْبِيَاءِ فَأَثْنَوْا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ ﵇:
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَأَعْطَانِي مُلْكًا عَظِيمًا، وَجَعَلَنِي أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ يُؤْتَمُّ بِي، وَأَنْقَذَنِي مِنَ النَّارِ، وَجَعَلَهَا عَلَيَّ بَرْدًا وَسَلَامًا.
قَالَ: ثُمَّ إِنَّ مُوسَى أَثْنَى عَلَى رَبِّهِ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَلَّمَنِي تَكْلِيمًا، وَاصْطَفَانِي بِرِسَالَتِهِ وَكَلِمَاتِهِ، وَقَرَّبَنِي إِلَيْهِ نَجِيًّا، وَأَنْزَلَ عَلَيَّ التَّوْرَاةَ، وَجَعَلَ هَلَاكَ آلِ فِرْعَوْنَ عَلَى يَدَيَّ وَنَجَّى بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى يَدَيَّ.
قَالَ: ثُمَّ إِنَّ دَاوُدَ أَثْنَى عَلَى رَبِّهِ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَوَّلَنِي مُلْكًا، وَأَنْزَلَ عَلَيَّ الزَّبُورَ، وَأَلَانَ لِيَ الْحَدِيدَ، وَسَخَّرَ لِيَ الطَّيْرَ وَالْجِبَالَ، وَآتَانِيَ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخَطَّابِ، ثُمَّ إِنَّ سُلَيْمَانَ أَثْنَى عَلَى رَبِّهِ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي سَخَّرَ لِيَ: الرِّيَاحَ، وَالْجِنَّ، وَالْإِنْسَ، وَسَخَّرَ لِي الشَّيَاطِينَ: يَعْمَلُونَ مَا شِئْتُ مِنْ مَحَارِيبَ، وَتَمَاثِيلَ، إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، وَعَلَّمَنِي مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَكُلَّ شَيْءٍ، وَأَسَالَ لِي عَيْنَ الْقِطْرِ، وَأَعْطَانِي مُلْكًا عَظِيمًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي.
ثُمَّ إِنَّ عِيسَى ﵇ أَثْنَى عَلَى رَبِّهِ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَلَّمَنِي التَّوْرَاةَ، وَالْإِنْجِيلَ، وَجَعَلَنِي أُبْرِئُ الْأَكْمَهَ، وَالْأَبْرَصَ، وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِهِ، وَرَفَعَنِي، وَطَهَّرَنِي مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا، وَأَعَاذَنِي وَأُمِّي مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، فَلَمْ يَكُنْ لِلشَّيْطَانِ عَلَيْهَا سَبِيلٌ.
ثُمَّ إِنَّ مُحَمَّدًا أَثْنَى عَلَى رَبِّهِ فَقَالَ: كُلُّكُمْ قَدْ أَثْنَى عَلَى رَبِّهِ وَإِنِّي مُثْنٍ عَلَى رَبِّي، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَرْسَلَنِي رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وَكَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا، وَأَنْزَلَ عَلَيَّ الْفُرْقَانَ فِيهِ تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ، وَجَعَلَ أُمَّتِي خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ
[ ٢ / ٤٠٠ ]
لِلنَّاسِ، وَجَعَلَ أُمَّتِي أُمَّةً وَسَطًا، وَجَعَلَ أُمَّتِي هُمُ الْأَوَّلُونَ وَهُمُ الْآخِرُونَ، وَشَرَحَ صَدْرِي، وَوَضَعَ عَنِّي وِزْرِي، وَرَفَعَ لِي ذِكْرِي وَجَعَلَنِي فَاتِحًا وَخَاتَمًا.
فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: بِهَذَا فَضَلَكُمْ مُحَمَّدٌ.
قَالَ: ثُمَّ أُتِيَ بِآنِيَةٍ ثَلَاثَةٍ مُغَطَّاةٍ أَفْوَاهُهَا: فَأُتِيَ بِإِنَاءٍ مِنْهَا فِيهِ مَاءٌ، فَقِيلَ لَهُ: اشْرَبْ فَشَرِبَ مِنْهُ يَسِيرًا، ثُمَّ رُفِعَ إِلَيْهِ إِنَاءٌ آخَرُ فِيهِ لَبَنٌ فَشَرِبَ مِنْهُ حَتَّى رَوِيَ، ثُمَّ رُفِعَ إِلَيْهِ إِنَاءٌ آخَرُ فِيهِ خَمْرٌ، فَقَالَ: قَدْ رَوِيتُ لَا أُرِيدُهُ، فَقِيلَ لَهُ:
قَدْ أَصَبْتَ، أَمَا إِنَّهَا سَتُحَرَّمُ عَلَى أُمَّتِكَ، وَلَوْ شَرِبْتَ مِنْهَا لَمْ يَتَّبِعْكَ مِنْ أُمَّتِكَ إِلَّا قَلِيلًا، قَالَ: ثُمَّ صُعِدَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ» .
فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِنَحْوٍ مِمَّا رَوَيْنَاهُ فِي الْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ إِلَى أَنْ قَالَ:
«ثُمَّ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ فَقِيلَ: مَنْ هَذَا، قَالَ:
مُحَمَّدٌ، قَالُوا: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالُوا: حَيَّاهُ اللهُ مِنْ أَخٍ وَخَلِيفَةٍ، فَنِعْمَ الْأَخُ، وَنِعْمَ الْخَلِيفَةُ، وَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَدَخَلَ فَإِذَا بِرَجُلٍ أَشْمَطَ جَالِسٍ عَلَى كُرْسِيٍّ عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ وَعِنْدَهُ قَوْمٌ بِيضُ الْوجُوهِ وَقَوْمٌ سُودُ الْوجُوهِ، وَفِي أَلْوَانِهِمْ شَيْءٌ، فَأَتَوْا نَهْرًا فَاغْتَسَلُوا فِيهِ، فَخَرَجُوا مِنْهُ وَقَدْ خَلَصَ مِنْ أَلْوَانِهِمْ شَيْءٌ، ثُمَّ إِنَّهُمْ أَتَوْا نَهْرًا آخَرَ فَاغْتَسَلُوا فِيهِ فَخَرَجُوا وَقَدْ خَلَصَ مِنْ أَلْوَانِهِمْ شَيْءٌ ثُمَّ دَخَلُوا النَّهْرَ الثَّالِثَ فَخَرَجُوا وَقَدْ خَلَصَتْ مِنْ أَلْوَانِهِمْ مِثْلُ أَلْوَانِ أَصْحَابِهِمْ، فَجَلَسُوا إِلَى أَصْحَابِهِمْ فَقَالَ: يَا جِبْرِيلُ! مَنْ هَؤُلَاءِ بِيضُ الْوَجْهِ وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ فِي أَلْوَانِهِمْ [(١٢٥)] شَيْءٌ فَدَخَلُوا النَّهْرَ [فَخَرَجُوا] [(١٢٦)] وَقَدْ خَلَصَتْ أَلْوَانُهُمْ، فَقَالَ:
هَذَا أَبُوكَ إِبْرَاهِيمُ هُوَ أَوَّلُ رَجُلٍ شَمِطَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَهَؤُلَاءِ بِيضُ الْوجُوهِ قَوْمٌ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ، قَالَ: وَأَمَّا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ فِي أَلْوَانِهِمْ شيء: خلطوا
_________________
(١) [(١٢٥)] في (ص): «وجوههم» . [(١٢٦)] الزيادة من (ص) و(هـ) .
[ ٢ / ٤٠١ ]
عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا فَتَابُوا فَتَابَ اللهُ عَلَيْهِمْ.
فَأَمَّا النَّهْرُ [(١٢٧)] الْأَوَّلُ فَرَحْمَةُ اللهِ، وَأَمَّا النَّهْرُ الثَّانِي فَنِعْمَةُ اللهِ، وَأَمَّا النَّهْرُ الثَّالِثُ فَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا.
ثُمَّ انْتَهَى إِلَى السِّدْرَةِ [الْمُنْتَهَى] [(١٢٨)] فَقِيلَ لِي هَذِهِ السِّدْرَةُ إِلَيْهَا مُنْتَهَى كُلِّ أَحَدٍ مِنْ أُمَّتِكَ، وَيَخْرُجُ مِنْ أَصْلِهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ، وأنهار [من لبن] لم يتغير طعمه، وأنهار من خمر لذة للشاربين، وأنهار مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى.
قَالَ: وَهِيَ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي أَصْلِهَا عَامًا لَا يَقْطَعُهَا، وَإِنَّ الْوَرَقَةَ مِنْهَا مُغَطِّيَةُ الْخَلْقِ، قَالَ: فَغَشِيَهَا نُورُ الْخَالِقِ، وَغَشِيَهَا الْمَلَائِكَةُ.
فَكَلَّمَهُ رَبُّهُ عِنْدَ ذَلِكَ، قَالَ لَهُ: سَلْ، قَالَ: إِنَّكَ اتَّخَذْتَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا وَأَعْطَيْتَهُ مُلْكًا عَظِيمًا، وَكَلَّمْتَ مُوسَى تَكْلِيمًا، وَأَعْطَيْتَ دَاوُدَ مُلْكًا عَظِيمًا، وَأَلَنْتَ لَهُ الْحَدِيدَ وَسَخَّرْتَ لَهُ الْجِبَالَ، وَأَعْطَيْتَ سُلَيْمَانَ مُلْكًا عَظِيمًا وَسَخَّرْتَ لَهُ الْجِبَالَ وَالْجِنَّ وَالْإِنْسَ وَسَخَّرْتَ لَهُ الشَّيَاطِينَ وَالرِّيَاحَ وَأَعْطَيْتَهُ مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ، وَعَلَّمْتَ عِيسَى التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَجَعَلْتَهُ يُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَيُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِكَ وَأَعَذْتَهُ وَأُمَّهُ مِنَ الشَّيَاطِينِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِمَا سَبِيلٌ، فَقَالَ لَهُ رَبُّهُ: قَدِ اتَّخَذْتُكَ خَلِيلًا، قَالَ: وَهُوَ مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ، وَأَرْسَلْتُكَ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً بَشِيرًا وَنَذِيرًا، وَشَرَحْتُ لَكَ صَدْرَكَ، وَوَضَعْتُ عَنْكَ وِزْرَكَ، وَرَفَعْتُ لَكَ ذِكْرَكَ، فَلَا أُذْكَرُ إِلَّا ذُكِرْتَ مَعِي يَعْنِي بِذَلِكَ الْأَذَانَ، وَجَعَلْتُ أُمَّتَكَ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، وَجَعَلْتُ أُمَّتَكَ أُمَّةً وَسَطًا، وَجَعَلْتُ أُمَّتَكَ هُمُ الْأَوَّلُونَ وَهُمُ الْآخِرُونَ، وَجَعَلْتُ مِنْ أُمَّتِكَ أَقْوَامًا قُلُوبُهُمْ أَنَاجِيلُهُمْ، وَجَعَلْتُ أُمَّتَكَ لَا تَجُوزُ، عَلَيْهِمْ خُطْبَةٌ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنَّكَ عَبْدِي ورسولي،
_________________
(١) [(١٢٧)] في (ص) و(هـ): «وأما» . [(١٢٨)] ليست في (ص) ولا في (هـ) .
[ ٢ / ٤٠٢ ]
وَجَعَلْتُكَ أَوَّلَ النَّبِيِّينَ خَلْقًا وَآخِرَهُمْ مَبْعَثًا، وَآتَيْتُكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي لَمْ أُعْطِهَا نَبِيًّا قَبْلَكَ، وَأَعْطَيْتُكَ خَوَاتِيمَ [(١٢٩)] سُورَةِ الْبَقَرَةِ مِنْ كَنْزٍ تَحْتَ الْعَرْشِ لَمْ أُعْطِهَا نَبِيًّا قَبْلَكَ وَجَعَلْتُكَ فَاتِحًا وَخَاتَمًا» .
قَالَ وَقَالَ النَّبِيُّ ﵌: «فَضَّلَنِي رَبِّي أَرْسَلَنِي رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ وَكَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا، وَأَلْقَى فِي قَلْبِ عَدُوِّي الرُّعْبَ مِنْ مَسِيرَةِ شَهْرٍ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ، وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَجُعِلَتِ الْأَرْضُ كُلُّهَا لِي مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَأُعْطِيتُ فَوَاتِيحَ الْكَلَامِ وَخَوَاتِمَهُ وَجَوَامِعَهُ، وَعُرِضَتْ عَلَيَّ أُمَّتِي فَلَمْ يَخْفَ عَلَيَّ التَّابِعُ وَالْمَتْبُوعُ.
وَرَأَيْتُهُمْ أَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَنْتَعِلُونَ الشَّعْرَ، وَرَأَيْتُهُمْ أَتَوْا عَلَى قَوْمٍ عِرَاضِ الْوجُوهِ صِغَارِ الْأَعْيُنِ كَأَنَّمَا خُرِمَتْ أَعْيُنُهُمْ بِالْمِخْيَطِ فَلَمْ يَخْفَ عَلَيَّ مَا هُمْ لَاقُونَ مِنْ بَعْدِي، وَأُمِرْتُ بِخَمْسِينَ صَلَاةً فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى» .
فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى مَا رُوِّينَا [(١٣٠)] فِي الْأَسَانِيدِ، الثَّابِتَةِ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ فِي آخِرِهِ: «قَالَ فَقِيلَ لَهُ اصبر على خمس فإنهم يُجْزِينَ عَنْكَ بِخَمْسٍ كُلُّ خَمْسٍ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، قَالَ: فَكَانَ مُوسَى أَشَدَّ عَلَيْهِمْ حِينَ مَرَّ بِهِ وَخَيْرَهُمْ حين رجع إليه» [(١٣١)] .
_________________
(١) [(١٢٩)] في (ح): «خواتم» . [(١٣٠)] في (ص) و(هـ): «ما رويناه» . [(١٣١)] الخبر بطوله رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم، وصححه من طريق أبي العالية والهيثمي في «مجمع الزوائد ٢٢ (١: ٦٧- ٧٢)، وعزاه للبزار أيضا. كما ذكره الهيثمي (أيضا) في «كشف الأستار عن زوائد البزار» (١: ٣٨- ٤٥) بإسناده، عن أبي جعفر الرازي، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ أو غيره، عن أبي هريرة، وقال البزار: «وهذا لا نعلمه يروى إلا بهذا الاسناد من هذا الوجه» . وتقدم في الحاشية (١٢٠) من هذا الباب أن راويه أبا جعفر الرازي: سيء الحفظ، يخلط، وتداخل في هذا الخبر مقتطفات من أحاديث صحاح.
[ ٢ / ٤٠٣ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ أَسْبَاطِ بْنِ نَصْرٍ الْهَمْدَانِيِّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقُرَشِيِّ، قَالَ «لَمَّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللهِ ﵌ وَأَخْبَرَ قَوْمَهُ بِالرِّفْقَةِ وَالْعَلَامَةِ فِي الْعِيرِ، قَالُوا فَمَتَى يَجِيءُ، قَالَ: يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ أَشْرَفَتْ قُرَيْشٌ يَنْظُرُونَ وَقَدْ وَلَّى النَّهَارُ وَلَمْ يجيء فَدَعَا النَّبِيُّ ﵌ فَزِيدَ لَهُ فِي النَّهَارِ سَاعَةٌ، وَحُبِسَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ، فَلَمْ تُرَدِ الشَّمْسُ عَلَى أَحَدٍ إِلَّا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ يَوْمَئِذٍ، وَعَلَى يُوشَعَ بْنِ نُونٍ حِينَ قَاتَلَ الْجَبَّارِينَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَلَمَّا أَدْبَرَتِ الشَّمْسُ خَافَ أَنْ تَغِيبَ قَبْلَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْهُمْ وَيَدْخُلُ السَّبْتُ فَلَا يَحِلُّ لَهُ قِتَالُهُمْ فِيهِ، فَدَعَا اللهَ فَرَدَّ عَلَيْهِ الشَّمْسَ حَتَّى فَرَغَ مِنْ قِتَالِهِمْ [(١٣٢)] .
قُلْتُ: وَقَدْ رُوِيَ فِي الْمِعْرَاجِ أَحَادِيثُ أُخَرُ.
(مِنْهَا): حَدِيثُ أَبِي حُذَيْفَةَ إِسْحَاقَ بْنِ بِشْرٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَجُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [(١٣٣)] وَإِسْحَاقُ بْنُ بِشْرٍ مَتْرُوكٌ لَا يُفْرَحُ بِمَا يَنْفَرِدُ بِهِ.
(وَمِنْهَا): حَدِيثُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُوسَى الْقَوَارِيرِيِّ عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ الْمِصْرِيِّ وَذَلِكَ حَدِيثٌ رَاوِيهِ مَجْهُولٌ وَإِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ، وَقَدْ أَخْبَرَنَاهُ أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدَانُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ يَعْقُوبَ الدَّقَّاقُ بِهَمْدَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْهَمْدَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى الْفَزَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ الْبَصْرِيُّ مِنْ بَنِي نَصْرِ بْنِ قَعِينٍ، قَالَ:
حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ، وَلَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ، وَسُلَيْمَانُ الأعمش، وعطاء بن
_________________
(١) [(١٣٢)] ذكره ابن دحية، ونقله الصالحي في السيرة الشامية (٣: ١٣٣) . [(١٣٣)] عن ابن عباس أخرجه الإمام أحمد، وابن أبي شيبة، والبزار، بطرق كلها مختصرة.
[ ٢ / ٤٠٤ ]
السَّائِبِ بَعْضُهُمْ يَزِيدُ فِي الْحَدِيثِ عَلَى بَعْضٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ [(١٣٤)] ﵁ وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عباس وَمُحَمَّدُ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارَ [(١٣٥)] عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ سُلَيْمَانَ أَوْ سَلَمَةَ الْعُقَيْلِيِّ، عَنْ عَامِرِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَجُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ، قَالُوا «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﵌ فِي بَيْتِ أُمِّ هَانِئٍ [(١٣٦)] رَاقِدًا، وَقَدْ صَلَّى الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ قَالَ لَنَا هَذَا الشَّيْخُ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ فَكَتَبْتُ الْمَتْنَ مِنْ نُسْخَةٍ مَسْمُوعَةٍ مِنْهُ، فَذَكَرَ حَدِيثًا طَوِيلًا يَذْكُرُ فِيهِ عَدَدَ الرُّوحِ وَالْمَلَائِكَةِ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُنْكَرُ شَيْءٌ مِنْهَا فِي قُدْرَةِ اللهِ تَعَالَى إِنْ صَحَّتِ الرِّوَايَةُ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا قَبْلَ حَدِيثِ أَبِي هَارُونَ الْعَبْدِيِّ فِي إِثْبَاتِ الْمَسْرَى وَالْمِعْرَاجِ لَغَايَةٌ وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ.
أَنْبَأَنَا الْإِمَامُ أَبُو عُثْمَانَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو نُعَيْمٍ:
أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْبَزَّازُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَامِدِ بْنُ بِلَالٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو الْأَزْهَرِ، قَالَ: جَابِرُ بْنُ أَبِي حَكِيمٍ قَالَ: رَأَيْتُ فِيَ النَّوْمِ رَسُولِ اللهِ ﵌، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! رَجُلٌ مِنْ أُمَّتِكَ يُقَالُ لَهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ لَا بَأْسَ بِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ [(١٣٧)] ﵌ لَا بَأْسَ بِهِ، حَدَّثَنَا عَنْ أَبِي هَارُونَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْكَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِكَ: أَنَّكَ قُلْتَ: «رَأَيْتُ فِيَ السَّمَاءِ فَحَدَّثْتُهُ بِالْحَدِيثِ، فَقَالَ لِي نَعَمْ، فَقُلْتُ لَهُ يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ نَاسًا مِنْ أُمَّتِكَ يُحَدِّثُونَ عَنْكَ فِي الْمَسْرَى بِعَجَائِبٍ، فَقَالَ لِي: ذَاكَ حَدِيثُ القصاص» .
_________________
(١) [(١٣٤)] عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طالب رواه الإمام أحمد، وابن مردويه. [(١٣٥)] سيرة ابن هشام (٢: ٩) . [(١٣٦)] عن أُمَّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ﵂- رواه الطبراني، وأبو يعلى، وابن عساكر، عن طريق أبي صالح، وابن إسحاق بلفظ آخر. [(١٣٧)] في (ص): «رسول الله» .
[ ٢ / ٤٠٥ ]
بَابُ (كَيْفَ فُرِضَتِ الصَّلَاةُ فِي الِابْتِدَاءِ)
أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ السُّوسِيُّ، قَالَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: سُئِلَ الزُّهْرِيُّ كَيْفَ كَانَتْ صَلَاةُ النَّبِيِّ ﵌ بِمَكَّةَ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ إِلَى الْمَدِينَةِ؟ فَقَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ [﵂] [(١)] قَالَتْ: «فَرَضَ اللهُ الصَّلَاةَ أَوَّلَ مَا فَرَضَهَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَتَمَّهَا فِي الْحَضَرِ، وَأُقِرَّتْ صَلَاةُ الْمُسَافِرِ عَلَى الْفَرِيضَةِ الْأُولَى» [(٢)] .
هَكَذَا رَوَاهُ الْأَوْزَاعِيُّ، وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «فُرِضَتِ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﵌. بِمَكَّةَ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فَلَمَّا خَرَجَ إِلَى الْمَدِينَةِ فُرِضَتْ أَرْبَعًا، وَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ» [(٣)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الله، قال:
_________________
(١) [(١)] الزيادة من (ص) و(هـ) . [(٢)] أخرجه مسلم في صلاة المسافرين، الحديث (٣) صفحة (٤٧٨)، والبخاري في أول كتاب الصلاة، مختصرا، وابن خزيمة (١: ١٥٦) . والبيهقي في السنن الكبرى (١: ٣٦٢) . [(٣)] هو الحديث السابق، وبلفظ للبخاري أخرجه في باب من أين أرخوا التاريخ، وابن خزيمة رواه في كتاب الصلاة (١: ١٥٦) .
[ ٢ / ٤٠٦ ]
أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا فَيَّاضُ بْنُ زُهَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، فَذَكَرَهُ وَمِنْ حَدِيثِ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ، وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ وَاسْتَثْنَى في هذه الرواية عن الْأَرْبَعِ: الْمَغْرِبَ، وَالصُّبْحَ.
وَذَهَبَ الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ إِلَى أَنَّ الصَّلَوَاتِ فُرِضَتْ فِي الِابْتِدَاءِ بِأَعْدَادِهِنَّ، وَذَلِكَ فِيمَا
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ «أن نبي الله ﵌ لَمَّا جَاءَ بِهِنَّ إِلَى قَوْمِهِ يَعْنِي الصَّلَوَاتِ، خَلَّى عَنْهُمْ حَتَّى إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ عَنْ بَطْنِ السَّمَاءِ نُودِيَ فِيهِمُ: الصَّلَاةَ جَامِعَةً، فَفَزِعُوا لِذَلِكَ وَاجْتَمَعُوا فَصَلَّى بِهِمْ رَسُولُ اللهِ ﵌ الظُّهْرَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ لَا يَقْرَأُ فِيهِنَّ عَلَانِيَةً، رسول الله ﵌ بَيْنَ يَدَيِ النَّاسِ وَجِبْرِيلُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ﵌، يَقْتَدِي النَّاسُ بِرَسُولِ اللهِ ﵌، وَيَقْتَدِي رَسُولُ اللهِ ﵌ بِجِبْرِيلَ.
ثُمَّ خَلَّى [(٤)] عَنْهُمْ حَتَّى تَصَوَّبَتِ الشَّمْسُ وَهِيَ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ نُودِيَ بِهِمُ الصَّلَاةَ جَامِعَةً فَاجْتَمَعُوا لِذَلِكَ فَصَلَّى بِهِمْ رَسُولُ اللهِ ﵌ الْعَصْرَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ دُونَ صَلَاةِ الظُّهْرِ، رَسُولُ الله ﵌ بَيْنَ يَدَيِ النَّاسِ، وَجِبْرِيلُ ﵇ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ﵌ يَقْتَدِي النَّاسُ بِرَسُولِ اللهِ ﵌، وَرَسُولُ اللهِ ﵌ يَقْتَدِي بِجِبْرِيلَ.
ثُمَّ خَلَّى عَنْهُمْ حَتَّى إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ نُودِيَ فِيهِمُ الصَّلَاةَ جَامِعَةً فَاجْتَمَعُوا لِذَلِكَ، فَصَلَّى بِهِمْ رَسُولُ اللهِ ﵌ الْمَغْرِبَ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ يَقْرَأُ فِيهِنَّ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ عَلَانِيَةً وَرَكْعَةً لَا يَقْرَأُ فِيهَا عَلَانِيَةً: رَسُولُ اللهِ ﵌ بَيْنَ يَدَيِ النَّاسِ، وَجِبْرِيلُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ﵌: يَقْتَدِي النَّاسُ بِرَسُولِ اللهِ ﵌، وَرَسُولُ اللهِ ﵌
_________________
(١) [(٤)] في (ح) و(هـ): «خلّا» .
[ ٢ / ٤٠٧ ]
يَقْتَدِي بِجِبْرِيلَ ﵉.
ثُمَّ خَلَّى عَنْهُمْ حَتَّى إِذَا غَابَ الشَّفَقُ وَأَبْطَأَ الْعِشَاءُ فَنُودِيَ فِيهِمُ الصَّلَاةَ جَامِعَةً فَاجْتَمَعُوا لِذَلِكَ فَصَلَّى بِهِمْ رَسُولُ اللهِ ﵌ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ: يَقْرَأُ فِي رَكْعَتَيْنِ عَلَانِيَةً وَلَا يَقْرَأُ فِي رَكْعَتَيْنِ يَعْنِي عَلَانِيَةً، يَقْتَدِي النَّاسُ بِنَبِيِّهِمْ، وَرَسُولُ اللهِ ﵌ يَقْتَدِي بِجِبْرِيلَ ﵇.
ثُمَّ بَاتَ النَّاسُ وَلَا يَدْرُونَ أَيُزَادُونَ عَلَى ذَلِكَ أَمْ لَا، حَتَّى إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ نُودِيَ فِيهِمُ الصَّلَاةَ جَامِعَةً، فَاجْتَمَعُوا لِذَلِكَ فَصَلَّى بِهِمْ رَسُولُ اللهِ ﵌ رَكْعَتَيْنِ يَقْرَأُ فِيهِمَا عَلَانِيَةً وَيُطِيلُ فِيهِمَا الْقِرَاءَةَ، وَرَسُولُ اللهِ ﵌ بَيْنَ يَدَيِ النَّاسِ، وَجِبْرِيلُ ﵇ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ﵌ يَقْتَدِي النَّاسُ بِنَبِيِّهِمْ وَيَقْتَدِي رَسُولُ اللهِ ﵌ بجبريل» [(٥)] .
_________________
(١) [(٥)] أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (١: ٣٦٢)، وقال: «ففي هذا الحديث وَمَا رُوِيَ فِي مَعْنَاهُ دليل عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بمكة بعد المعراج، وأن الصلوات الخمس فرضت حينئذ بأعدادهن، وقد ثبت ذلك عَنْ عَائِشَةَ﵂- خلاف ذلك.
[ ٢ / ٤٠٨ ]
بَابُ تَزَوُّجِ النَّبِيِّ ﵌ بِعَائِشَةَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ وَبِسَودَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ بَعْدَ وَفَاةِ خَدِيجَةَ وَقَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَمَا أُرِيَ فِي مَنَامِهِ مِنْ صُورَةِ عَائِشَةَ [﵂] [(١)] وَأَنَّهَا امْرَأَتُهُ
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْعَطَّارُ بِبَغْدَادَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللهِ ﵌ بَعْدَ مُتَوَفَّى خَدِيجَةَ قَبْلَ مَخْرَجِهِ مِنْ مَكَّةَ، وَأَنَا ابْنَةُ سَبْعِ أَوْ سِتِّ سِنِينَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ جَاءَنِي نِسْوَةٌ وَأَنَا أَلْعَبُ فِي أُرْجُوحَةٍ وَأَنَا مُجَمَّمَةٌ [(٢)] فَهَيَّأْنَنِي وَصَنَّعْنَنِي، ثُمَّ أَتَيْنَ بِي إِلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ وَأَنَا ابْنَةُ تِسْعِ سِنِينَ» . [(٣)]
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ، قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا الْفِرْيَابِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ تَزَوَّجَهَا وَهِيَ ابْنَةُ سِتٍّ وَأُدْخِلَتْ عَلَيْهِ وَهِيَ ابنة
_________________
(١) [(١)] الزيادة من (ص) . [(٢)] المجمّمة): التي شعرها نازل إلى أذنيها. [(٣)] أخرجه مسلم في: ١٦- كتاب النكاح (١٠) باب تزويج الأب البكر الصغيرة، الحديث (٦٩)، ص (٢: ١٠٣٨) . وأخرجه ابن ماجة في: ٩- كتاب النكاح (١٣) باب نكاح الصغار يزوجهن الآباء، الحديث (١٨٧٦)، ص (١: ٦٠٣) . وأخرجه أبو داود في كتاب النكاح، باب في تزويج الصغار، ح (٢١٢١)، ص (٢: ٢٣٩) .
[ ٢ / ٤٠٩ ]
تِسْعٍ وَمَكَثَتْ عِنْدَهُ تِسْعًا» [(٤)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ وأبو سعيد بن أَبِي عَمْرٍو قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «تَزَوَّجَ رَسُولُ اللهِ ﵌ عَائِشَةَ بَعْدَ مَوْتِ خَدِيجَةَ بِثَلَاثِ سِنِينَ، وَعَائِشَةُ يَوْمَئِذٍ بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ، وبَنَى بِهَا رَسُولُ اللهِ ﵌ وَهِيَ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ وَمَاتَ رَسُولُ اللهِ ﵌ وَعَائِشَةُ ابْنَةُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً» [(٥)] .
وَرَوَاهُ أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «تُوُفِّيَتْ خَدِيجَةُ قَبْلَ مَخْرَجِ النَّبِيِّ ﵌ [إِلَى الْمَدِينَةِ] [(٦)] بِثَلَاثِ سِنِينَ فَلَبِثَ سَنَتَيْنِ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ وَنَكَحَ عَائِشَةَ وَهِيَ ابْنَةُ سِتِّ سِنِينَ ثُمَّ بَنَى بِهَا [(٧)] وَهِيَ ابْنَةُ تِسْعِ سِنِينَ» [(٨)] .
وَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ هَكَذَا مُرْسَلًا، أَخْبَرَنَاهُ أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ النَّسَوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حماد ابن شَاكِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ فَذَكَرَهُ [(٩)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ وأبو سعيد بن أبي عمرو قالا: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ هشام بن عروة، عن أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ رسول الله ﵌ قال أريتك
_________________
(١) [(٤)] صحيح مسلم (٢: ١٠٣٩)، فتح الباري (٩: ١٩٠) . [(٥)] صحيح مسلم (٢: ١٠٣٩)، فتح الباري (٩: ١٩٠) . [(٦)] الزيادة من (ص) و(هـ) . [(٧)] في (ص) وسمت: «بنا» . [(٨)] صحيح مسلم (٢: ١٠٣٨- ١٠٣٩) . [(٩)] فتح الباري (٩: ١٩٠) و(٩: ٢٣٤) .
[ ٢ / ٤١٠ ]
فِي الْمَنَامِ مَرَّتَيْنِ أَرَى رَجُلًا يَحْمِلُكِ فِي سَرَقَةِ [(١٠)] حَرِيرٍ فَيَقُولُ هَذِهِ امْرَأَتُكَ فَأَكْشِفُ فَأَرَاكِ فَأَقُولُ إِنْ كَانَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ يُمْضِهِ» أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحِ مِنْ أَوْجُهٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ.
(ح) وأَنْبَأَنَا أَبُو الْحَسَنِ: عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ دَاوُدَ الرَّزَّازُ بِبَغْدَادَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو سَهْلِ بْنُ زِيَادِ الْقَطَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ الْأَوْدِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: «لَمَّا مَاتَتْ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ جَاءَتْ خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ إِلَى رسول الله ﵌، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ أَلَا تَزَوَّجُ؟
قَالَ: وَمَنْ؟ قَالَتْ: إِنْ شِئْتَ بِكْرًا وَإِنْ شِئْتَ ثَيِّبًا، فَقَالَ: وَمَنِ الْبِكْرُ وَمَنِ الثَّيِّبُ؟ فَقَالَتْ: أَمَا الْبِكْرُ: فَابْنَةُ أَحَبُّ خَلْقِ اللهِ إِلَيْكَ: عَائِشَةُ، وَأَمَّا الثَّيِّبُ:
فَسَودَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ، قَدْ آمَنَتْ بِكَ، وَاتَّبَعَتْكَ.
قَالَ فَاذْكُرِيهِمَا عَلَيَّ، قَالَتْ: فَأَتَيْتُ أُمَّ رُومَانَ، فَقُلْتُ: يَا أُمَّ رُومَانَ مَاذَا أَدْخَلَ اللهُ عَلَيْكُمْ مِنَ الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ؟ قَالَتْ: وَذَاكَ مَاذَا؟ قَالَتْ: قُلْتُ رَسُولُ اللهِ يَذْكُرُ عَائِشَةَ، قَالَتِ: انْتَظِرِي فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ آتٍ، قَالَتْ: فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: أَفَتَصْلُحُ لَهُ وَهِيَ ابْنَةُ أَخِيهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «أَنَا أَخُوهُ وَهُوَ أَخِي وَابْنَتُهُ تَصْلُحُ لِي» [(١١)] .
قَالَتْ: وَقَامَ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَتْ لِي أُمُّ رُومَانَ: إِنَّ الْمُطْعِمَ بْنَ عَدِيِّ قَدْ كَانَ ذَكَرَهَا عَلَى ابْنِهِ وَاللهِ مَا أَخْلَفَ وَعْدًا قَطُّ- يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ- قَالَتْ: فَأَتَى أَبَا بكر
_________________
(١) [(١٠)] في (ح): شرقة وهو تصحيف، ومعنى سرقة: هي الشقق البيض من الحرير. [(١١)] الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي: ٤٤- كتاب الفضائل.
[ ٢ / ٤١١ ]
الْمُطْعِمُ فَقَالَ: مَا تَقُولُ فِي أَمْرِ هَذِهِ الْجَارِيَةِ، قَالَ: فَأَقْبَلَ عَلَى امْرَأَتِهِ، فَقَالَ لَهَا: مَا تَقُولِينَ يَا هَذِهِ، قَالَ: فَأَقْبَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَتْ: لَعَلَّنَا إِنْ أَنْكَحْنَا هَذَا الْفَتَى إِلَيْكَ تُصِيبُهُ وَتُدْخِلَهُ فِي دِينِكَ الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ! قَالَتْ: فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: مَاذَا تَقُولُ أَنْتَ؟ فَقَالَ: إِنَّهَا لَتَقُولُ مَا تَسْمَعُ، قَالَتْ: فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ وَلَيْسَ فِي نَفْسِهِ مِنَ الْمَوْعِدِ شَيْءٌ.
قَالَتْ: فَقَالَ لَهَا أَبُو بَكْرٍ: قُولِي لِرَسُولِ اللهِ ﵌: فَلْيَأْتِ.
قَالَتْ: فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﵌، فَمَلَكَهَا.
قَالَتْ خَوْلَةُ: ثُمَّ انْطَلَقْتُ إِلَى سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ وَأَبُوهَا شَيْخٌ كَبِيرٌ، قَدْ جَلَسَ عَنِ الْمَوْسِمِ، قَالَتْ: فَحَيَّيْتُهُ بِتَحِيَّةِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَقُلْتُ: أَنْعِمْ صَبَاحًا، قَالَ: مَنْ أَنْتِ قَالَتْ: قُلْتُ خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ، قَالَتْ: فَرَحَّبَ بِي وَقَالَ: مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُولَ، قَالَتْ قُلْتُ محمد بن عبد الله بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَذْكُرُ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ، قَالَ: كُفُؤٌ كَرِيمٌ مَاذَا تَقُولُ صَاحِبَتُكِ قَالَتْ: قُلْتُ تُحِبُّ ذَاكَ قَالَ: قُولِي لَهُ فَلْيَأْتِ، قَالَتْ: فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﵌، فَمَلَكَهَا. قَالَتْ وَقَدِمَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ فَجَعَلَ يَحْثِي عَلَى رَأْسِهِ التُّرَابَ، وَقَالَ بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَ: لَعَمْرُكَ إِنِّي لَسَفِيهٌ يَوْمَ أَحْثِي عَلَى رَأْسِي التُّرَابَ أَنْ تَزَوَّجَ رَسُولُ اللهِ ﵌ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ» [(١٣)] [(١٤)] .
لَفْظُ حَدِيثِ أَبِي الْعَبَّاسِ.
_________________
(١) [(١٣)] باب في فضل عَائِشَةَ﵂-، الحديث (٧٩)، ص (١٨٨٩- ١٨٩٠) . وأخرجه البخاري في: ٩١- كتاب التعبير (٢١) باب ثياب الحرير في المنام، الحديث (٧٠١٢) فتح الباري (١٢: ٣٩٩) . وأخرجه أيضا الإمام أحمد في «مسنده» (٦: ١٦١) . [(١٤)] جزء من حديث طويل رواه الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٩: ٢٢٥- ٢٢٧)، وقال: في الصحيح طرف منه، روى أحمد بعضه، صرّح فيه بالاتصال عن عائشة وأكثره مرسل، وفيه: محمد بن عمرو ابن علقمة: وثقه غير واحد، وبقية رجاله رجال الصحيح» .
[ ٢ / ٤١٢ ]
بَابُ عَرْضِ النَّبِيِّ ﵌ نَفْسَهُ عَلَى قَبَائِلِ الْعَرَبِ وَمَا لَحِقَهُ مِنَ الْأَذَى فِي تَبْلِيغِهِ رِسَالَةَ رَبِّهِ﷿- إِلَى أَنْ أَكْرَمَ اللهُ بِهِ الْأَنْصَارَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَا ظَهَرَ مِنَ الْآيَاتِ لِلَّهِ ﷿ فِي إِكْرَامِهِ نَبِيَّهُ ﵌ بِمَا وَعْدَهُ مِنْ إِعْزَازِهِ وَإِظْهَارِ دِينِهِ
أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيِّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الرُّوذْبَارِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ ابن بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابن كَثِيرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ.
(ح) وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُصْعَبٌ، عَنْ إِسْرَائِيلَ بْنِ يُونُسَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﵌ يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَى النَّاسِ بِالْمَوْقِفِ، فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ رَجُلٍ يَحْمِلُنِي إِلَى قَوْمِهِ فَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي [(١)]- زَادَ مُصْعَبُ بْنُ الْمِقْدَامِ فِي رِوَايَتِهِ- قَالَ: فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ هَمْدَانَ فَقَالَ: أَنَا، فَقَالَ: وَهَلْ عِنْدَ قَوْمِكَ مَنَعَةٌ وَسَأَلَهُ مِنْ أَيْنَ هُوَ، فَقَالَ: مِنْ هَمْدَانَ ثُمَّ إِنَّ الرَّجُلَ الْهَمْدَانِيَّ خَشِيَ أَنْ يَخْفِرَهُ قَوْمُهُ، فَأَتَى رَسُولَ الله ﵌ فقال:
_________________
(١) [(١)] أخرجه الترمذي في: ٤٦- كتاب فضائل القرآن، الحديث (٢٩٢٥)، ص (٥: ١٨٤)، وقال: هذا حديث غريب صحيح. وأخرجه أبو داود في السنة، باب في القرآن، الحديث (٤٧٣٤)، ص (٤: ٢٣٤- ٢٣٥) . وأخرجه ابن ماجة في المقدمة (١٣) باب في الجهمية، الحديث (٢٠١)، صفحة (١: ٧٣) .
[ ٢ / ٤١٣ ]
آتِيهِمْ فَأُخْبِرُهُمْ ثُمَّ أَلْقَاكَ مِنْ عَامٍ قَابِلٍ، قَالَ: نَعَمْ فَانْطَلَقَ وَجَاءَ وَفْدُ الْأَنْصَارِ فِي رَجَبٍ» [(٢)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَتَّابٍ الْعَبْدِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْجَوْهَرِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بن عتبة، عَنْ عَمِّهِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ:
أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ بْنِ مُحَمَّدٍ الشَّعْرَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَدِّي، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَهَذَا لَفْظُ حَدِيثِ الْقَطَّانِ، قَالَ:
«كَانَ رَسُولُ اللهِ ﵌ فِي تِلْكَ السِّنِينَ يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَى قَبَائِلِ الْعَرَبِ فِي كُلِّ مَوْسِمٍ، وَيُكَلِّمُ كُلَّ شَرِيفِ قَوْمٍ لَا يَسَلْهُمْ مَعَ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَرَوْهُ وَيَمْنَعُوهُ وَيَقُولُ:
«لَا أُكْرِهُ أَحَدًا مِنْكُمْ عَلَى شَيْءٍ، مَنْ رَضِيَ مِنْكُمْ بِالَّذِي أَدْعُوهُ إِلَيْهِ فَذَلِكَ، وَمَنْ كَرِهَ لَمْ أُكْرِهْهُ، إِنَّمَا أُرِيدُ أَنْ تُحْرِزُونِي [(٣)] مِمَّا يُرَادُ بِي مِنَ الْقَتْلِ حَتَّى أُبَلِّغَ رِسَالَاتِ رَبِّي وَحَتَّى يَقْضِي اللهُ ﷿ لِي وَلِمَنْ صَحِبَنِي بِمَا شَاءَ اللهُ»
فَلَمْ يَقْبَلْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ، وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الْقَبَائِلِ إِلَّا قَالَ: قَوْمُ الرَّجُلِ أَعْلَمُ بِهِ أَتَرَوْنَ أَنَّ رَجُلًا يُصْلِحُنَا وَقَدْ أَفْسَدَ قَوْمَهُ وَلَفَظُوهُ، فَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا ذَخَرَ اللهُ ﷿ لِلْأَنْصَارِ وَأَكْرَمَهُمْ بِهِ [(٤)] .
_________________
(١) [(٢)] في (ص) و(هـ): «في ركب» . [(٣)] في (ص): «يحرزوني» وهو تحريف. [(٤)] قال ابن الجوزي في وفاء الوفا (١: ٢١٦): ربما عرض لملحد قليل الإيمان فقال: ما وجه احتياج رسول الله ﵌ إلى أن يدخل في خفارة كافر وأن يقول في المواسم: من يؤويني حتى أبلغ رسالة ربي. فيقال له: قد ثبت أن الإله القادر لا يفعل شيئا إلا لحكمة، فإذا خفيت حكمة فعله علينا وجب علينا التسليم. وما جرى لِرَسُولِ اللهِ ﵌ إنما صدر عن الحكيم الذي أقام قوانين الكلّيات وأدار الأفلاك وأجرى المياه والرياح، كلّ ذلك بتدبير الحكيم القادر، فإذا رَأَيْنَا رَسُولَ اللهِ ﵌ يشدّ الحجر من
[ ٢ / ٤١٤ ]
فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو طَالِبٍ ارْتَدَّ الْبَلَاءُ عَلَى رَسُولِ الله ﵌ أَشَدُّ مَا كَانَ، فَعَمَدَ لِثَقِيفٍ بِالطَّائِفِ رَجَاءَ أَنْ يَأْوُوَهُ، فَوَجَدَ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ مِنْهُمْ سَادَةُ ثَقِيفٍ يَوْمَئِذٍ وَهُمْ أُخْوَةٌ: عَبْدُ يا ليل بْنُ عَمْرٍو، وَحَبِيبُ بْنُ عَمْرٍو، وَمَسْعُودُ بْنُ عَمْرٍو، فَعَرَضَ عَلَيْهِمْ نَفْسَهُ، وَشَكَا إِلَيْهِمُ الْبَلَاءَ وَمَا انْتَهَكَ مِنْهُ قَوْمُهُ.
فَقَالَ أَحَدُهُمْ: أَنَا أَمْرُقُ [(٥)] أَسْتَارَ الْكَعْبَةِ إِنْ كَانَ اللهُ بَعَثَكَ بِشَيْءٍ قَطُّ.
وَقَالَ الْآخَرُ: أَعَجَزَ اللهُ أَنْ يُرْسِلَ غَيْرَكَ.
وَقَالَ الْآخَرُ: وَاللهِ لَا أُكَلِّمُكَ بَعْدَ مَجْلِسِكَ هَذَا أَبَدًا، وَاللهِ لَئِنْ كُنْتَ رَسُولَ اللهِ لَأَنْتَ أَعْظَمُ شَرَفًا وَحَقًّا مِنْ أَنْ أُكَلِّمَكَ، وَلَئِنْ كُنْتَ تَكْذِبُ عَلَى اللهِ لَأَنْتَ أَشَرُّ مِنْ أَنْ أُكَلِّمَكَ.
وَتَهَزَّءُوا بِهِ وَأَفْشَوْا فِي قَوْمِهِمُ الَّذِي رَاجَعُوهُ بِهِ وَقَعَدُوا لَهُ صَفَّيْنِ عَلَى طَرِيقِهِ، فَلَمَّا مَرَّ رَسُولُ اللهِ ﵌ بَيْنَ صَفَّيْهِمْ جَعَلُوا لَا يَرْفَعُ رِجْلَيْهِ وَلَا يَضَعُهُمَا إِلَّا رَضَخُوهُمَا بِالْحِجَارَةِ، وَكَانُوا أَعَدُّوهَا حَتَّى أَدْمَوْا [(٦)] رِجْلَيْهِ.
فَخَلَصَ مِنْهُمْ وَهُمَا يَسِيلَانِ الدِّمَاءَ، فَعَمَدَ إِلَى حَائِطٍ مِنْ حَوَائِطِهِمْ، وَاسْتَظَلَّ فِي ظِلِّ حَبَلَةٍ [(٧)] مِنْهُ، وَهُوَ مَكْرُوبٌ مُوجَعٌ تَسِيلُ رِجْلَاهُ دَمًا فَإِذَا فِي الْحَائِطِ: عُقْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، فَلَمَّا رَآهُمَا كَرِهَ مَكَانَهُمَا لِمَا يَعْلَمُ مِنْ عَدَاوَتِهِمَا اللهَ وَرَسُولَهُ، فَلَمَّا رَأَيَاهُ أَرْسَلَا إِلَيْهِ غُلَامًا لَهُمَا يُدْعَى عداسا وهو
_________________
(١) [()] الجوع ويقهر ويؤذى علمنا أن تحت ذلك حكما إن تلمّحنا بعضها لاحت من خلال سجف البلاء حكمتان. إحداهما: اختبار المبتلى ليسكن قلبه إلى الرضا بالبلاء فيؤدّي القلب ما كلّف من ذلك والثانية: أن تبثّ الشبهة في خلال الحجج ليثاب المجتهد في دفع الشبهة. [(٥)] أمرق: أمزق. [(٦)] في (ص) و(هـ): «دمّوا» . [(٧)] الحبلة: طاقات من قضبان العنب.
[ ٢ / ٤١٥ ]
نَصْرَانِيٌّ مِنْ أَهْلِ نِينَوَى مَعَهُ عِنَبٌ،
فَلَمَّا جَاءَهُ عَدَّاسٌ، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﵌: مِنْ أَيِّ أَرْضٍ أَنْتَ يَا عَدَّاسُ؟ قَالَ لَهُ عَدَّاسٌ: أَنَا مِنْ أَهْلِ نِينَوَى، فَقَالَ لَهُ.
النَّبِيُّ ﵌: مِنْ مَدِينَةِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ يُونُسَ بْنِ مَتَى، فَقَالَ لَهُ عَدَّاسٌ: وَمَا يُدْرِيكَ مَنْ يُونُسُ بْنُ مَتَّى، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﵌- وَكَانَ لَا يَحْقِرُ أَحَدًا أَنْ يُبَلِّغَهُ رِسَالَةَ رَبِّهِ- أَنَا رَسُولُ اللهِ، وَاللهُ تَعَالَى أَخْبَرَنِي خَبَرَ يُونُسَ بْنِ مَتَى.
فَلَمَّا أَخْبَرَهُ بِمَا أَوْحَى اللهُ ﷿ مِنْ شَأْنِ يُونُسَ بْنِ مَتَّى، خَرَّ عَدَّاسٌ سَاجِدًا لِرَسُولِ اللهِ ﵌، وَجَعَلَ يُقَبِّلُ قَدَمَيْهِ وَهُمَا يَسِيلَانِ الدِّمَاءَ.
فَلَمَّا أَبْصَرَ عُقْبَةُ وَشَيْبَةُ مَا يَصْنَعُ غُلَامُهُمَا سَكَنَا، فَلَمَّا أَتَاهُمَا، قَالَا: مَا شَأْنُكَ سَجَدْتَ لِمُحَمَّدٍ، وَقَبَّلْتَ قَدَمَيْهِ، وَلَمْ نَرَكَ فَعَلْتَهُ بِأَحَدٍ مِنَّا؟ قَالَ: هَذَا رَجُلٌ صَالِحٌ، أَخْبَرَنِي بِشَيْءٍ عَرَفْتُهُ مِنْ شَأْنِ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللهُ إِلَيْنَا يُدْعَى: يُونُسَ ابن مَتَى، فَضَحِكَا بِهِ، وَقَالَا: لَا يَفْتِنُكَ عَنْ نَصْرَانِيَّتِكَ، فَإِنَّهُ رَجُلٌ خَدَّاعٌ، فَرَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﵌ إِلَى مَكَّةَ» [(٨)] .
حَدَّثَنَا الْإِمَامُ أَبُو الطَّيِّبِ سَهْلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ إِمْلَاءً، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْمِيكَالِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُوسَى الْأَهْوَازِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ السَّرْحِيُّ قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللهِ بن
_________________
(١) [(٨)] هذا خبر موسى بن عقبة، ولم يذكر الدعاء في السياق، وقد نقله الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية» (٣: ١٣٦)، وقد ورد خبر خروج النبي ﵌ إلى الطائف كاملا في سيرة ابن هشام (٢:
(٢) ٣٠) والإمام أحمد (٤: ٣٣٥)، وفيه الدعاء الذي دَعَاهُ رَسُولُ اللهِ ﵌ بعد أن عمد إلى ظل حائط البستان.: «اللهم إني أشكو إليك ضعف قوّتي وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي إلى من تكلني إلى بعيد يتجهّمني أو إلى عدوّ ملكته أمري إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك أو تحلّ علي سخطك لك العتبى حتى ترضى وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلا بك» .
[ ٢ / ٤١٦ ]
وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ، حَدَّثَتْهُ «أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﵌: هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ [كَانَ] [(٩)] أَشَدَّ عَلَيْكَ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ؟ قَالَ: مَا لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ كَانَ أَشَدَّ مِنْهُ يَوْمَ الْعَقَبَةِ، إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي على ابن عبد يا ليل بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ، فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ فَإِذَا هُوَ جِبْرِيلُ ﵇ فَنَادَانِي، فَقَالَ: إِنَّ اللهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكُ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ، ثُمَّ نَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ، فَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ! إِنَّ اللهَ﷿- قد سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ، وَأَنَا مَلَكُ الْجِبَالِ، وَقَدْ بَعَثَنِي إِلَيْكَ رَبُّكَ لِتَأْمُرَنِي بِمَا شِئْتَ: إِنْ شِئْتَ نُطْبِقُ [(١٠)] عَلَيْهِمُ الْأَخْشَبَيْنِ [(١١)] فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﵌: بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللهُ مِنْ أَشْرَارِهِمْ [(١٢)] أَوْ قَالَ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَلَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُوسُفَ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ [(١٣)] .
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ سَوَّادٍ [(١٤)]، وَغَيْرِهِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عن
_________________
(١) [(٩)] الزيادة من صحيح البخاري. [(١٠)] في الصحيح: «أن أطبق عليهم» . [(١١)] هما جبلا مكة: أبو قبيس، والجبل الذي يقابله. [(١٢)] في (ص) و(هـ): «من أسرارهم»، وليست في البخاري ولا في مسلم. [(١٣)] في: ٥٩- كتاب بدء الخلق، (٧) باب إذا قال أحدكم آمين والملائكة في السماء، الحديث (٣٢٣١)، فتح الباري (٦: ٣١٢- ٣١٣) . [(١٤)] في: ٣٢- كتاب الجهاد والسير، (٣٩) باب ما لقي النبي ﵌ من أذى المشركين والمنافقين، الحديث (١١١)، ص (١٤٢٠) .
[ ٢ / ٤١٧ ]
ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، قَالَ: «أَتَى رَسُولُ اللهِ ﵌ كِنْدَةَ فِي مَنَازِلِهِمْ وَفِيهِمْ سَيِّدٌ لَهُمْ يُقَالُ لَهُ: مَلِيحٌ، فَدَعَاهُمْ إِلَى اللهِ ﷿، وَعَرَضَ عَلَيْهِمْ نَفْسَهُ فَأَبَوْا أَنْ يَقْبَلُوا مِنْهُ، نَفَاسَةً عَلَيْهِ، ثُمَّ أَتَى حَيًّا فِي كَلْبٍ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو عَبْدِ اللهِ، فَقَالَ لَهُمْ: يَا بَنِي عَبْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ قَدْ أَحْسَنَ اسْمَ أَبِيكُمْ فَلَمْ يَقْبَلُوا مَا عَرَضَ عَلَيْهِمْ» [(١٥)] .
_________________
(١) [(١٥)] سيرة ابن هشام (٢: ٣٢- ٣٣) .
[ ٢ / ٤١٨ ]
(حَدِيثُ سُوَيْدِ بْنِ الصَّامِتِ)
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بن بكير، عن ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: فَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ [الْأَنْصَارِيُّ] [(١٦)] عَنْ أَشْيَاخٍ مِنْ قَوْمِهِ، قَالُوا: «قَدِمَ سُوَيْدُ بْنُ الصَّامِتِ أَخُو بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ مَكَّةَ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا، وَكَانَ سُوَيْدٌ يُسَمِّيهِ قَوْمُهُ فِيهِمُ: الْكَامِلَ، لِسِنِّهِ وَجَلَدِهِ وَشِعْرِهِ [(١٧)]، قَالَ: فَتَصَدَّى لَهُ رَسُولُ اللهِ ﵌، وَدَعَاهُ إِلَى اللهِ ﷿ وَإِلَى الْإِسْلَامِ، فَقَالَ سُوَيْدٌ: فَلَعَلَّ الَّذِي مَعَكَ مِثْلُ الَّذِي مَعِيَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﵌: وَمَا الَّذِي مَعَكَ؟ فَقَالَ مَجَلَّةُ [(١٨)] لُقْمَانَ، يَعْنِي: حِكْمَةَ لُقْمَانَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌:
أَعْرِضْهَا عَلَيَّ، فَعَرَضَهَا عَلَيْهِ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا الْكَلَامَ حَسَنٌ، وَالَّذِي مَعِيَ أَفْضَلُ مِنْهُ: قُرْآنٌ أَنْزَلَهُ اللهُ ﷿ علي هُوَ هُدًى وَنُورٌ، فَتَلَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﵌ الْقُرْآنَ، وَدَعَاهُ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَلَمْ يَبْعُدْ مِنْهُ وَقَالَ: إِنَّ هَذَا لَقَوْلٌ حَسَنٌ،
ثُمَّ انْصَرَفَ فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ عَلَى قَوْمِهِ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ قَتَلَتْهُ الْخَزْرَجُ، وَكَانَ رِجَالٌ مِنْ قَوْمِهِ يَقُولُونَ: إِنَّا لَنَرَى أَنَّهُ قُتِلَ وَهُوَ مُسْلِمٌ، وَكَانَ قتله قبل بعاث» [(١٩)] .
_________________
(١) [(١٦)] الزيادة من سيرة ابن هشام. [(١٧)] في سيرة ابن هشام ساق طرفا من أشعاره، وخبرا من أخباره (٢: ٣٥) . [(١٨)] أي صحيفة لقمان. [(١٩)] بعاث: موضع كانت فيه حرب بين الأوس والخزرج، والخبر أخرجه ابن هشام في السيرة (٢: ٣٥- ٣٦) .
[ ٢ / ٤١٩ ]
(حَدِيثُ إِيَاسِ بْنِ مُعَاذٍ الْأَشْهَلِيِّ وَحَدِيثُ يَوْمِ بُعَاثٍ)
حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ إِمْلَاءً، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْحُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ [(٢٠)] عَنْ، مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ أَخِي بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ قَالَ: «لَمَّا قَدِمَ أَبُو الْحَيْسَرِ أَنَسُ بْنُ رَافِعٍ مَكَّةَ وَمَعَهُ فِتْيَةٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ فِيهِمْ إِيَاسُ بْنُ مُعَاذٍ يَلْتَمِسُونَ الْحِلْفَ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى قَوْمِهِمْ مِنَ الْخَزْرَجِ، سَمِعَ بِهِمْ رَسُولُ اللهِ ﵌، فَأَتَاهُمْ، فَجَلَسَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ: هَلْ لَكُمْ إلى خَيْرٍ مِمَّا جِئْتُمْ لَهُ فَقَالُوا: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: أَنَا رَسُولُ اللهِ: بَعَثَنِي إِلَى الْعِبَادِ أَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْزَلَ عَلَيَّ الْكِتَابَ، ثُمَّ ذَكَرَ لَهُمُ الْإِسْلَامَ، وَتَلَا عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ، فَقَالَ إِيَاسُ بْنُ مُعَاذٍ، وَكَانَ غُلَامًا حَدَثًا: يَا قَوْمِ [(٢١)] هَذَا وَاللهِ خَيْرٌ مِمَّا جِئْتُمْ لَهُ.
فَأَخَذَ [(٢٢)] أَبُو الْحَيْسَرِ: أَنَسُ بْنُ رَافِعٍ حَفْنَةً مِنَ الْبَطْحَاءِ فَضَرَبَ بِهَا وَجْهَ إِيَاسٍ، وَقَالَ: دَعْنَا مِنْكَ فَلَعَمْرِي لَقَدْ جِئْنَا لِغَيْرِ هَذَا.
_________________
(١) [(٢٠)] في السيرة: «الْحُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بن معاذ. [(٢١)] كذا في الأصول، وفي السيرة: «أي قوم» . [(٢٢)] في (هـ): «فيأخذوا»، وفي (ص)، وسيرة ابن هشام: «فيأخذ» .
[ ٢ / ٤٢٠ ]
فَسَكَتَ وَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﵌ عَنْهُمْ، وَانْصَرَفُوا إِلَى الْمَدِينَةِ، وَكَانَتْ وَقْعَةُ بُعَاثٍ بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ إِيَاسُ بْنُ مُعَاذٍ أَنْ هَلَكَ.
قَالَ مَحْمُودُ بْنُ لَبِيدٍ: فَأَخْبَرَنِي مِنْ حَضَرَنِي مِنْ قَوْمِي أَنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا يَسْمَعُونَهُ يُهَلِّلُ اللهَ وَيُكَبِّرُهُ وَيَحْمَدُهُ وَيُسَبِّحُهُ حَتَّى مَاتَ، وَكَانُوا لَا يَشُكُّونَ أَنْ قَدْ مَاتَ مُسْلِمًا قَدْ كَانَ اسْتَشْعَرَ مِنَ الْإِسْلَامِ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ حِينَ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللهِ مَا سَمِعَ» [(٢٣)] .
أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ: أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، ﵂، قَالَتْ:
«كَانَ يَوْمُ بُعَاثٍ يَوْمًا قَدَّمَهُ اللهُ تَعَالَى [(٢٤)] لِرَسُولِهِ فَقَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﵌ الْمَدِينَةَ وَقَدِ افْتَرَقَ ملأهم وَقُتِلَتْ سَرَوَاتُهُمْ، وَجُرِحُوا فَقَدَّمَهُ اللهُ لِرَسُولِهِ فِي دُخُولِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ [(٢٥)] عَنْ عُبَيْدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ أَبِي أسامة.
_________________
(١) [(٢٣)] الخبر في سيرة ابن هشام (٢: ٣٦- ٣٧) . [(٢٤)] في (ص) و(هـ): - ﷿-. [(٢٥)] أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ في: ٦٣- كتاب مناقب الأنصار (١) باب مناقب الأنصار، الحديث (٣٧٧٧)، فتح الباري (٧: ١١٠) .
[ ٢ / ٤٢١ ]
حَدِيثُ أَبَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْبَجَلِيِّ فِي عَرْضِ رسول الله ﵌ نَفْسَهُ عَلَى قَبَائِلِ الْعَرَبِ وَقِصَّةُ مَفْرُوقِ بْنِ عَمْرٍو [وَأَصْحَابِهِ] [(١)]
حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ السُّلَمِيُّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ: مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْفَقِيهُ الشَّاشِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ صَاحِبِ بْنِ حُمَيْدٍ الشَّاشِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ كَثِيرٍ الرَّقِّيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابن بِشْرٍ الْيَمَانِيُّ، عَنْ أَبَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْبَجَلِيِّ [(٢)]، عن أبان بن ثعلب بن عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مِنْ فِيهِ، قَالَ:
«لَمَّا أَمَرَ اللهُ ﵎ رَسُولَهُ ﵌ أَنْ يَعْرِضَ نَفْسَهُ عَلَى قَبَائِلِ الْعَرَبِ، خَرَجَ وَأَنَا مَعَهُ، وَأَبُو بَكْرٍ ﵁، فَدُفِعْنَا إِلَى مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ الْعَرَبِ، فَتَقَدَّمَ أَبُو بَكْرٍ﵁- وَكَانَ مُقَدَّمًا فِي كُلِّ خَيْرِ، وكان رجلا نسابة
_________________
(١) [(١)] ليست في (ح) . [(٢)] أبان بْنِ عَبْدِ اللهِ الْبَجَلِيِّ وهو أبان بن أبي حازم البجلي الكوفي، وثقه: ابن معين، والعجلي، وابن نمير، وقال الذهبي في الميزان (١: ٩): حسن الحديث، وقد سرده ابن حبان في المجروحين (١: ٩٩)، والعقيلي في الضعفاء (١: ٤٤) ولم يقل أحدهما عنه شيئا، فقد قال العقيلي: «ما سمعت عبد الرحمن حدّث عنه بشيء قط»، وهذا ليس بتضعيف، فقد قال الفلاس: كان ابن مهدي يحدث عن سفيان عنه. تهذيب التهذيب (١: ٩٦)، وقال ابن عدي: «هو عزيز الحديث، عزيز الروايات، لم أجد له حديثا منكر المتن فأذكره»، وقد قال الذهبي: «ومما أنكر عليه مرفوعا: جرير منا أهل البيت » .
[ ٢ / ٤٢٢ ]
فَسَلَّمَ، وَقَالَ: مِمَّنِ الْقَوْمُ؟ قَالُوا: مِنْ رَبِيعَةَ. قَالَ: وَأَيُّ رَبِيعَةَ أَنْتُمْ؟ أَمِنْ هَامِهَا أَيْ مِنْ لَهَازِمِهَا؟ فَقَالُوا: مِنَ الْهَامَةِ الْعُظْمَى، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: وَأَيُّ هَامَتِهَا الْعُظْمَى أَنْتُمْ؟ قَالُوا: مِنْ ذُهْلٍ الْأَكْبَرِ، قَالَ: مِنْكُمْ عَوْفٌ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: لَا حُرَّ بِوَادِي عَوْفٍ؟ قَالُوا: لَا.
قَالَ فَمِنْكُمْ جَسَّاسُ بْنُ مُرَّةَ حَامِي الذِّمَارَ، وَمَانِعُ الْجَارَ؟ قَالُوا: لَا.
قَالَ فَمِنْكُمْ بِسْطَامُ بْنُ قَيْسٍ: أَبُو اللِّوَاءَ، وَمُنْتَهَى الْأَحْيَاءِ؟ قَالُوا: لَا.
قَالَ: فَمِنْكُمُ الْحَوْفَزَانُ قَاتِلُ الْمُلُوكِ وَسَالِبُهَا أَنْفُسَهَا؟ قَالُوا: لَا.
قَالَ: فَمِنْكُمُ الْمُزْدَلِفُ صَاحِبُ الْعِمَامَةِ الْفَرْدَةِ؟ قَالُوا: لَا.
قَالَ: فَمِنْكُمْ أَخْوَالُ الْمُلُوكِ مِنْ كِنْدَةَ؟ قَالُوا: لَا.
قَالَ: فَمِنْكُمْ أَصْحَابُ الْمُلُوكِ مِنْ لَخْمٍ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: أَبُو بَكْرٍ:
فَلَسْتُمْ مِنْ ذُهْلٍ الْأَكْبَرِ أَنْتُمْ مِنْ ذُهْلٍ الْأَصْغَرِ، قَالَ: فَقَامَ إِلَيْهِ غُلَامٌ مِنْ بَنِي شَيْبَانَ يُقَالُ لَهُ دَغْفَلٍ حِينَ تَبَيَّنَ [(٣)] وَجْهُهُ [فَقَالَ] [(٤)]:
إِنَّ عَلَى سَائِلِنَا أَنْ نَسْلَهُ وَالْعَبْوُ لَا نَعْرِفُهُ أَوْ نَجْهَلُهُ [(٥)]
يَا هَذَا قَدْ سَأَلْتَنَا فَأَخْبَرْنَاكَ، وَلَمْ نَكْتُمْكَ شَيْئًا فَمِمَّنِ الرَّجُلُ؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ:
أَنَا مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَالَ الْفَتَى: بَخٍ بَخٍ أَهْلُ الشَّرَفِ وَالرِّيَاسَةِ، فَمِنْ أَيِّ الْقُرَشِيِّينَ أَنْتَ؟ قَالَ: مِنْ وَلَدِ تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ، فَقَالَ الْفَتَى: أَمْكَنْتَ وَاللهِ الرَّامِي مِنْ سَوَاءِ الثُّغْرَةِ. أَمِنْكُمْ قُصَيٌّ الَّذِي جَمَعَ الْقَبَائِلَ مِنْ فِهْرٍ فَكَانَ يُدْعَى فِي قُرَيْشٍ مُجَمِّعًا؟
قَالَ: لَا، قَالَ: فَمِنْكُمْ- أَظُنُّهُ قَالَ- هِشَامٌ الَّذِي هَشَمَ الثَّرِيدَ لِقَوْمِهِ وَرِجَالُ مَكَّةَ مُسْنِتُونَ عِجَافٌ؟ قَالَ: لَا، قَالَ فَمِنْكُمْ شَيْبَةُ الْحَمْدِ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ مطعم طير
_________________
(١) [(٣)] في (ص): «بقل» . [(٤)] سقطت من (ص) . [(٥)] في (هـ): «والعبؤ، وفي دلائل النبوة: «والعبء» .
[ ٢ / ٤٢٣ ]
السَّمَاءِ الَّذِي كَانَ وَجْهُهُ الْقَمَرَ يُضِيءُ فِي اللَّيْلَةِ الدَّاجِيَةِ الظَّلْمَاءِ؟ قَالَ: لَا، قَالَ فَمِنْ أَهْلِ الْإِفَاضَةِ بِالنَّاسِ أَنْتَ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَمِنْ أَهْلِ الْحِجَابَةِ أَنْتَ؟
قَالَ: لَا، قَالَ فَمِنْ أَهْلِ السِّقَايَةِ أَنْتَ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَمِنْ أَهْلِ النَّدَاوَةِ أَنْتَ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَمِنْ أَهْلِ الرِّفَادَةِ أَنْتَ؟ قَالَ: فَاجْتَذَبَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ زِمَامَ النَّاقَةِ رَاجِعًا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ فقال الغلام:
صَادَفَ دَرُّ السَّيْلِ دَرًّا يَدْفَعُهْ يَهْضِبُهُ حِينًا وَحِينًا يَصْدَعُهْ
أَمَا وَاللهِ لَوْ ثَبَتَّ لَأَخْبَرْتُكَ مَنْ قُرَيْشٌ، قَالَ: فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ ﵌، قَالَ عَلِيٌّ: فَقُلْتُ: يَا أَبَا بَكْرٍ! لَقَدْ وَقَعَتَ مِنَ الْأَعْرَابِيِّ عَلَى بَاقِعَةٍ، قَالَ: أَجَلْ أَبَا حَسَنٍ مَا مِنْ طَامَّةٍ إِلَّا وَفَوْقُهَا طَامَّةٌ، وَالْبَلَاءُ مُوَكَّلٌ بِالْمَنْطِقِ، قَالَ: ثُمَّ دُفِعْنَا إِلَى مَجْلِسٍ آخَرٍ عَلَيْهِمُ [(٦)] السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ، فَتَقَدَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَسَلَّمَ، فَقَالَ: مِمَّنِ الْقَوْمُ؟ قَالُوا: مِنْ شَيْبَانَ بْنِ ثَعْلَبَةَ، فَالْتَفَتَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﵌، فَقَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي هَؤُلَاءِ غَرَرُ النَّاسِ، وَفِيهِمْ مَفْرُوقُ بْنُ عَمْرٍو، وَهَانِئُ بْنُ قَبِيصَةَ، وَالْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ، وَالنُّعْمَانُ بْنُ شَرِيكٍ، وَكَانَ مَفْرُوقٌ قَدْ غَلَبَهَمْ جَمَالَا وَلِسَانَا، وَكَانَتْ لَهُ غَدِيرَتَانِ تَسْقُطَانِ عَلَى تَرِيبَتِهِ [(٧)] وَكَانَ أَدْنَى الْقَوْمِ مَجْلِسًا فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ كَيْفَ الْعَدَدُ فِيكُمْ؟ فَقَالَ مَفْرُوقٌ: إِنَّا لَنَزِيدُ عَلَى أَلْفٍ، وَلَنْ تُغْلَبَ أَلْفٌ مِنْ قِلَّةٍ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَكَيْفَ الْمَنْعَمَةُ فِيكُمْ؟
فَقَالَ الْمَفْرُوقٌ: عَلَيْنَا الْجَهْدُ وَلِكُلِّ قَوْمٍ جَهْدٌ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁:
كَيْفَ الْحَرْبُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ عَدُوِّكُمْ؟ فَقَالَ مَفْرُوقٌ: إِنَّا لَأَشُدُّ مَا نَكُونُ غَضَبًا حِينَ نَلْقَى وَإِنَّا لَأَشُدُّ مَا نَكُونُ لِقَاءً حِينَ نَغْضَبُ، وَإِنَّا لَنُؤْثِرُ الْجِيَادَ عَلَى الْأَوْلَادِ، وَالسِّلَاحُ عَلَى اللِّقَاحِ، وَالنَّصْرُ مِنْ عِنْدِ اللهِ يُدِيلُنَا مَرَّةً وَيُدِيلُ عَلَيْنَا أُخْرَى، لَعَلَّكَ أَخَا قُرَيْشٍ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: قَدْ بَلَغَكُمْ أَنَّهُ رَسُولُ اللهِ ألا هوذا،
_________________
(١) [(٦)] في (ص) و(هـ): «عليه» . [(٧)] في الدلائل: «صدره» .
[ ٢ / ٤٢٤ ]
فَقَالَ مَفْرُوقٌ: بَلَغَنَا أَنَّهُ يَذْكُرُ ذَاكَ فَإِلَى مَا تَدْعُو [(٨)] يَا أَخَا قُرَيْشٍ؟ فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللهِ ﵌ فَجَلَسَ وَقَامَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ يُظِلُّهُ بِثَوْبِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌:
أَدْعُوكُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِلَى أَنْ تُؤْوُونِي وَتَنْصُرُونِي، فَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ ظَاهَرَتْ عَلَى أَمْرِ اللهِ، وَكَذَّبْتَ رُسُلَهُ، وَاسْتَغْنَتْ بِالْبَاطِلِ عَنِ الْحَقِّ، وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ.
فَقَالَ مَفْرُوقُ بْنُ عَمْرٍو: وَإِلَامَ تَدْعُونَا يا أخا قريش، فو الله مَا سَمِعْتُ كَلَامًا أَحْسَنُ مِنْ هَذَا، فَتَلَا رَسُولُ الله ﵌ قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ- إِلَى- فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [(٩)] .
فَقَالَ مَفْرُوقٌ: وَإِلَامَ تَدْعُونَا يَا أَخَا قُرَيْشٍ زَادَ فِيهِ غَيْرُهُ فو الله مَا هَذَا مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْأَرْضِ. ثُمَّ رَجَعْنَا إِلَى رِوَايَتِنَا قَالَ: فَتَلَا رَسُولُ اللهِ ﵌ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [(١٠)] .
فَقَالَ مَفْرُوقُ بْنُ عَمْرٍو: دَعَوْتَ وَاللهِ يَا أَخَا قُرَيْشٍ إِلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَمَحَاسِنِ الْأَعْمَالِ، وَلَقَدْ أَفِكَ قَوْمٌ كَذَّبُوكَ وَظَاهَرُوا عَلَيْكَ.
وَكَأَنَّهُ أَحَبَّ أَنْ يَشْرَكَهُ فِي الْكَلَامِ هَانِئُ بْنُ قَبِيصَةَ، فَقَالَ: وَهَذَا هَانِئٌ شَيْخُنَا وَصَاحِبُ دِينِنَا، فَقَالَ هَانِئٌ: قَدْ سَمِعْتُ مَقَالَتْكَ يَا أَخَا قُرَيْشٍ إِنِّي أَرَى أَنَّ تَرْكَنَا دِينَنَا واتِّبَاعَنَا عَلَى دِينِكَ لِمَجْلِسٍ جَلَسْتَهُ إِلَيْنَا لَيْسَ لَهُ أَوَّلٌ وَلَا آخِرٌ أَنَّهُ زَلَلٌ فِي الرَّأْيِ، وَقِلَّةُ نَظَرٍ فِي الْعَاقِبَةِ، وَإِنَّمَا تَكُونُ الزَّلَّةُ مَعَ الْعَجَلَةِ، وَمِنْ وَرَائِنَا قَوْمٌ نَكْرَهُ أن يعقد عليهم عقدا، وَلَكِنْ نَرْجِعُ وَتَرْجِعُ وَنَنْظُرُ وتنظر.
_________________
(١) [(٨)] في (ص): «إلى ماذا تدعو» . [(٩)] الأنعام: ١٥١. [(١٠)] النحل: ٩٠.
[ ٢ / ٤٢٥ ]
وَكَأَنَّهُ أَحَبَّ أَنْ يَشْرَكَهُ الْمُثَنَّى بْنَ حَارِثَةَ، فَقَالَ: وَهَذَا الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ شَيْخُنَا وَصَاحِبُ حَرْبِنَا، فَقَالَ الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ: سَمِعْتُ مَقَالَتْكَ يَا أَخَا قُرَيْشٍ، وَالْجَوَابُ فِيهِ جَوَابُ هَانِئِ بْنِ قَبِيصَةَ فِي تَرْكِنَا دِينِنَا وَمُتَابَعَتُكَ عَلَى دِينِكَ، وَإِنَّا إِنَّمَا نَزَلْنَا بَيْنَ صُرَيَّيْنِ [(١١)] الْيَمَامَةِ، وَالسَّمَامَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌ مَا هَذَانِ الصُّرَيَّانِ؟ فَقَالَ: أَنْهَارُ كِسْرَى وَمِيَاهُ الْعَرَبِ، فَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ أَنْهَارِ كِسْرَى فَذَنْبُ صَاحِبِهِ غَيْرُ مَغْفُورٍ وَعُذْرُهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ، وَأَمَّا مَا كَانَ مِمَّا يَلِي مِيَاهَ الْعَرَبِ فَذَنْبُ صَاحِبِهِ غَيْرُ مَغْفُورٍ وَعُذْرُهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ، وَأَمَّا مَا كَانَ مِمَّا يَلِي مِيَاهَ الْعَرَبِ فَذَنْبُ صَاحِبِهِ مَغْفُورٌ وَعُذْرُهُ مَقْبُولٍ، وَإِنَّا إِنَّمَا نَزَلْنَا عَلَى عَهْدٍ أَخَذَهُ عَلَيْنَا أَنْ لَا نُحْدِثَ حَدَثًا وَلَا نُؤْوِي مُحْدِثًا وَإِنِّي أَرَى أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ الَّذِي تَدْعُونَا إِلَيْهِ يَا قُرَشِيُّ مِمَّا يَكْرَهُ الْمُلُوكُ، فَإِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ نُؤْوِيَكَ وَنَنْصُرَكَ مِمَّا يَلِي مِيَاهَ الْعَرَبِ فَعَلْنَا.
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: مَا أَسَأْتُمْ فِي الرَّدِّ إِذْ أَفْصَحْتُمْ بِالصِّدْقِ وَإِنَّ دِينَ اللهِ لَنْ يَنْصُرَهُ إِلَّا مَنْ حَاطَهُ مِنْ جَمِيعِ جَوَانِبِهِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ لَمْ تَلْبَثُوا إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى يُورِثَكُمُ اللهُ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَيُفْرِشَكُمْ نِسَاءَهُمْ أَتُسَبِّحُونَ اللهَ وَتُقَدِّسُونَهُ؟ فَقَالَ النُّعْمَانُ بْنُ شَرِيكٍ: اللهُمَّ فَلَكَ ذَلِكَ، قَالَ فَتَلَا رَسُولُ اللهِ ﵌: إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَداعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجًا مُنِيرًا [(١٢)] .
ثُمَّ نَهَضَ رَسُولُ اللهِ ﵌ قَابِضًا عَلَى يَدَيْ أَبِي بَكْرٍ وَهُوَ يَقُولُ: يَا أَبَا بَكْرٍ أَيَّةُ أَخْلَاقٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَا أَشْرَفُهَا! بِهَا يَدْفَعُ اللهُ ﷿ بَأْسَ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ وَبِهَا يَتَحَاجَزُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ.
قَالَ: فَدُفِعْنَا إِلَى مَجْلِسِ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ فَمَا نَهَضْنَا حَتَّى بَايَعُوا رسول الله
_________________
(١) [(١١)] الصّريّين: وفي بعض النسخ: صيرين تثنية: صير، والصرى للماء إذا طال مكثه وتغير، وفي النهاية: الصير: الماء الذي يحضره الناس، (اليمامة): مدينة باليمن. [(١٢)] الأحزاب: ٤٥.
[ ٢ / ٤٢٦ ]
﵌ قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ وَقَدْ سُرَّ بِمَا كَانَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ وَمَعْرِفَتِهِ بِأَنْسَابِهِمْ» [(١٣)] .
قَالَ لَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ قَالَ الْحَسَنُ بْنُ صَاحِبٍ: كَتَبَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِّي أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ، قُلْتُ: وَقَدْ رَوَاهُ أَيْضًا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا الْغَلَّابِيُّ، وَهُوَ مَتْرُوكٌ عَنْ شُعَيْبِ بْنِ وَاقِدٍ عَنْ أَبَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْبَجَلِيُّ [أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَحْمَدَ الْعُمَانِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا الْغَلَّابِيُّ، حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ وَاقِدٍ، حَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْبَجَلِيُّ] [(١٤)] فَذَكَرَهُ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ وَرُوِيَ أَيْضًا بِإِسْنَادٍ آخَرٍ مَجْهُولٍ عَنْ أَبَانَ بْنِ تَغْلِبَ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ جَعْفَرُ بْنُ عَنْبَسَةَ الْكُوفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقُرَشِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي نَصْرٍ السَّكُونِيُّ، عَنْ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ الْأَحْمَرِ، عَنْ أَبَانَ بْنِ ثعلب، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَذَكَرَهُ، وَقَالَ: خَرَجَ إِلَى مِنًى [(١٥)] وَأَنَا معه.
_________________
(١) [(١٣)] رواه الحاكم وأبو نعيم في دلائل النبوة (١: ٢٣٧- ٢٤١)، وقال القسطلاني في المواهب: «أخرجه الحاكم والبيهقي وأبو نعيم بإسناد حسن. [(١٤)] ما بين الحاصرتين سقط من (ح) . [(١٥)] في (ص) رسمت «منا» .
[ ٢ / ٤٢٧ ]
(حَدِيثُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ وَمَا سُمِعَ مِنَ الْهَاتِفِ بِمَكَّةَ فِي نُصْرَتِهِمَا رَسُولَ اللهِ ﵌)
حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ قَالَ [(١٦)] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَشْعَثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ الْكَلْبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ أَبِي عِيسَى بْنِ خَيْرٍ كَذَا قَالَ، وَهُوَ عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ أَبِي عَبْسِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعَتْ قُرَيْشٌ [(١٧)] قَائِلًا يَقُولُ فِي اللَّيْلِ عَلَى أَبِي قُبَيْسٍ:
فَإِنْ يُسْلِمِ السَّعْدَانِ يُصْبِحْ مُحَمَّدٌ بِمَكَّةَ لَا يَخْشَى خِلَافَ الْمُخَالِفِ
فَلَمَّا أَصْبَحُوا قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: مَنِ السَّعْدَانِ: أَسَعْدُ بْنُ بَكْرٍ أَمْ سَعْدُ بْنُ [هُذَيْمٍ] [(١٨)] فَلَمَّا كَانَتْ فِي اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ سَمِعُوهُ يَقُولُ:
أَيَا يا سَعْدُ سَعْدَ الْأَوْسِ كُنْ أَنْتَ نَاصِرًا وَيَا سَعْدُ سعد الخزرجين الغطارف
_________________
(١) [(١٦)] ليست في (ص) . [(١٧)] النص ناقص في (ص)، مقدار سطرين. [(١٨)] في (ح) و(هـ): تميم، وفي الروض الأنف (١: ٢٧٢): «فحسبوا أنه يريد بالسعدين القبيلتين: سعد هذيم من قضاعة، وسعد بن زيد بن تميم» .
[ ٢ / ٤٢٨ ]
أَجِيبَا إِلَى دَاعِي الْهُدَى وَتَمَنَّيَا عَلَى اللهِ فِي الْفِرْدَوْسِ مُنْيَةَ عَارِفِ
فَإِنَّ ثَوَابَ اللهِ لِلطَّالِبِ الْهُدَى جِنَانٌ مِنَ الْفِرْدَوْسِ ذَاتُ رَفَارِفِ
فَلَمَّا صَبِحُوا قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: هُوَ وَاللهِ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ [وَسَعْدُ بن عبادة] [(١٩)] .
_________________
(١) [(١٩)] الزيادة من (ص) و(هـ)، والخبر أخرجه ابن أبي الدنيا، والخرائطي، وعن المصنف نقله ابن كثير في «البداية والنهاية» (٣: ١٦٥) .
[ ٢ / ٤٢٩ ]
بَابُ ذِكْرِ الْعَقَبَةِ [الْأُولَى] [(١)] وَمَا جَاءَ فِي بَيْعَةِ مَنْ حَضَرَ الْمَوْسِمَ مِنَ الْأَنْصَارِ رَسُولَ اللهِ ﵌ عَلَى الْإِسْلَامِ
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ بِبَغْدَادَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَتَّابٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بن إبراهيم بن عتبة، عَنْ عَمِّهِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ.
(ح) وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ الشَّعْرَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي جَدِّي، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ فِي قِصَّةِ خُرُوجِ النَّبِيِّ ﵌ إِلَى الطَّائِفِ، قَالَ:
«فَرَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﵌ إِلَى مَكَّةَ، فَلَمَّا حَضَرَ الْمَوْسِمُ [(٢)] حَجَّ نَفَرٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فِيهِمْ: مُعَاذُ بن عَفْرَاءَ، وَأَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ، ورافع بن مالك، وذكوان، وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ ثَعْلَبَةَ، وَأَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ، وَعُوَيْمُ بْنُ سَاعِدَةَ، فَأَتَاهُمْ رَسُولُ اللهِ ﵌ فَأَخْبَرَهُمْ خَبَرَهُ، وَالَّذِي اصطفاه الله به
_________________
(١) [(١)] الزيادة من (ص) و(هـ) . والعقبة موضع على يسار الطريق القاصد منى من مكة. [(٢)] الموسم: أي موسم الحج، وفيه كانت تقام الأسواق المشهورة مثل سوق: عكاظ، وكان يفد عليه العرب من جميع الأنحاء، ولكل قبيلة منزل خاص تنزل بِهِ.
[ ٢ / ٤٣٠ ]
مِنْ كَرَامَتِهِ وَنُبُوَّتِهِ، وَقَرَأَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ، فَلَمَّا سَمِعُوا قَوْلَهُ أَيْقَنُوا بِهِ وَاطْمَأَنَّتْ قُلُوبُهُمْ إِلَى مَا سَمِعُوا مِنْهُ، وَعَرَفُوا مَا كَانُوا يَسْمَعُونَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صِفَتِهِ، فَصَدَّقُوهُ، وَاتَّبَعُوهُ وَكَانُوا مِنْ أَسْبَابِ الْخَيْرِ الَّذِي سُبِّبَ لَهُ ﵌.
ثُمَّ قَالُوا: قَدْ عَلِمْتَ الَّذِي بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ مِنَ الِاخْتِلَافِ وَسَفْكِ الدِّمَاءِ، وَنَحْنُ حِرَاصٌ عَلَى مَا أَرْشَدَكَ اللهُ بِهِ مُجْتَهِدُونَ لَكَ بِالنَّصِيحَةِ، وَإِنَّا نُشِيرُ عَلَيْكَ بِرَأْيِنَا فَامْكُثْ عَلَى رِسْلِكَ بِاسْمِ اللهِ حَتَّى نَرْجِعَ إِلَى قَوْمِنَا، فَنَذْكُرُ لَهُمْ شَأْنَكَ، وَنَدْعُوهُمْ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، فَلَعَلَّ الله ﷿ إن يُصْلِحَ ذَاتَ بَيْنِهِمْ، وَيَجْمَعَ لَهُمْ أَمْرَهُمْ، فَإِنَّا الْيَوْمُ مُتَبَاغِضُونَ مُتَبَاعِدُونَ، وَإِنَّكَ إِنْ تَقْدَمَ عَلَيْنَا وَلَمْ نَصْطَلِحْ لَا يَكُونُ لَنَا جَمَاعَةٌ عَلَيْكَ، وَلَكِنَّا نُوَاعِدُكَ الْمَوْسِمَ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ.
فَرَضِيَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﵌، فَرَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ فَدَعُوهُمْ سِرًّا وَأَخْبَرُوهُمْ بِرَسُولِ اللهِ ﵌ وَالَّذِي بَعَثَهُ اللهُ بِهِ وَتَلَوْا عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ، حَتَّى قَلَّ دَارٌ مِنْ دُورِ الْأَنْصَارِ إِلَّا قَدْ أَسْلَمَ فِيهَا نَاسٌ، ثُمَّ بَعَثُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﵌: معاذ بن عَفْرَاءَ، وَرَافِعَ بْنَ مَالِكٍ: أَنِ ابْعَثْ إِلَيْنَا رَجُلًا مِنْ قِبَلِكَ يُفَقِّهْنَا وَيَدْعُو النَّاسَ بِكِتَابِ اللهِ، فَإِنَّهُ قَمِنٌ أَنْ يُتَّبَعَ.
قَالَ: فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ ﵌: مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ، أَخَا بَنِي عَبْدِ الدَّارِ ابن قُصَيٍّ، فَنَزَلَ فِي بَنِي تَيْمٍ عَلَى أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ، فَجَعَلَ يَدْعُو النَّاسَ سرا، ويفشو الْإِسْلَامُ، وَيَكْثُرُ أَهْلُهُ، وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ شَدِيدٌ اسْتِخْفَاؤُهُمْ.
ثُمَّ إِنَّ أَسْعَدَ بْنَ زُرَارَةَ، وَهُوَ أَبُو أُمَامَةَ أَقْبَلَ هُوَ وَمُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ حَتَّى أَتَيَا بِئْرَ بَنِي مَرْقٍ، فَجَلَسَا هُنَالِكَ وَبَعَثَا إِلَى رَهْطٍ مِنَ الْأَنْصَارِ فَأَتَوْهُمَا مُسْتَخْفِينَ، فَبَيْنَمَا مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ يُحَدِّثُهُمْ، وَيَقُصُّ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ أُخْبِرَ بِهِمْ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ وَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ: بَلْ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، فَأَتَاهُمْ فِي لَأَمْتِهِ مَعَهُ الرُّمْحُ حَتَّى وَقَفَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ لِأَبِي أُمَامَةَ: عَلَامَ تَأْتِينَا فِي دُورِنَا بِهَذَا الْوَحِيدِ الْغَرِيبِ الطَّرِيدِ
[ ٢ / ٤٣١ ]
يُسَفِّهُ ضُعَفَاءَنَا بِالْبَاطِلِ، وَيَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ، لَا أَرَاكَ بَعْدَهَا تُسِيءُ مِنْ جِوَارِنَا، فَقَامُوا وَرَجَعُوا.
ثُمَّ إِنَّهُمْ عَادُوا مَرَّةً أُخْرَى لِبِئْرِ بَنِي مَرْقٍ أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا، فَذُكِرُوا لِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ الثَّانِيَةَ، فَجَاءَهُمْ فَتَوَاعَدَهُمْ وَعِيدًا دُونَ وَعِيدِهِ الْأَوَّلِ فَلَمَّا رَأَى أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ مِنْهُ لِينًا قَالَ لَهُ [يَا ابْنَ خَالَةٍ اسْتَمِعْ مِنْ قَوْلِهِ فَإِنْ سَمِعْتَ مُنْكَرًا فَارْدُدْهُ بِأَهْدَى مِنْهُ، وَإِنْ سَمِعْتَهُ [(٣)] حَقًّا فَأَجِبْ إِلَيْهِ.
فَقَالَ: مَاذَا تَقُولُ؟ فَقَرَأَ عَلَيْهِ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ حم وَالْكِتابِ الْمُبِينِ إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [(٤)] .
فَقَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ: مَا أَسْمَعُ إِلَّا مَا أَعْرِفُ، فَرَجَعَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ وَقَدْ هَدَاهُ اللهُ وَلَمْ يُظْهِرْ لَهُمَا إِسْلَامَهُ حَتَّى رَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ، فَدَعَا بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَأَظْهَرَ لَهُمْ إِسْلَامَهُ وَقَالَ: مَنْ شَكَّ مِنْكُمْ فِيهِ فَلْيَأْتِ بِأَهْدَى مِنْهُ، فو الله لَقَدْ جَاءَ أَمْرٌ لَتُحَزَّنَّ [فِيهِ] [(٥)] الرِّقَابُ، فَأَسْلَمَتْ بَنُو عَبْدِ الْأَشْهَلِ عِنْدَ إِسْلَامِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَدُعَائِهِ- إِلَّا مَنْ لَا يُذْكَرُ فَكَانَتْ أَوَّلُ دَارٍ مِنْ دُورِ الْأَنْصَارِ أَسْلَمَتْ بِأَسْرِهَا.
ثُمَّ إِنَّ بَنِي النَّجَّارِ أَخْرَجُوا مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ وَاشْتَدُّوا عَلَى أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ، فَانْتَقَلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ إِلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فَلَمْ يَزَلْ عِنْدَهُ يَدْعُو آمِنًا وَيَهْدِي اللهُ عَلَى يَدَيْهِ، حَتَّى قَلَّ دَارٌ مِنْ دور الأنصار إِلَّا قَدْ أَسْلَمَ أَشْرَافُهَا.
وَأَسْلَمَ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ وَكُسِرَتْ أَصْنَامُهُمْ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ أعز أهل
_________________
(١) [(٣)] في (هـ): «إن سمعت» . [(٤)] الآيات (١- ٣) من سورة الزخرف. [(٥)] ليست في (هـ) .
[ ٢ / ٤٣٢ ]
الْمَدِينَةِ، وَرَجَعَ مُصْعَبٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ وَكَانَ يُدْعَى الْمُقْرِئُ.
وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وكَانَ أَوَّلَ مَنْ جَمَّعَ الْجُمُعَةَ بِالْمَدِينَةِ لِلْمُسْلِمِينَ قَبْلَ أَنْ يقدمها رسول الله ﵌.
هَكَذَا ذَكَرَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قِصَّةَ الْأَنْصَارِ فِي الْخَرْجَةِ الْأُولَى.
وَذَكَرَهَا ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ شُيُوخِهِ أَتَمَّ مِنْ ذِكْرِهِ وَزَعَمَ أَنَّهُ لَقِيَ أَوَّلًا نَفَرًا مِنْهُمْ فِيهِمْ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ ثُمَّ انْصَرَفُوا حَتَّى إِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ أَتَى الْمَوْسِمَ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ فَلَقَوْهُ بِالْعَقَبَةِ وَهِيَ الْعَقَبَةُ الْأُولَى فَبَايَعُوهُ فِيهِمْ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ وَبَعَثَ بَعْدَهُمْ أَوْ مَعَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﵌ مصعب بن عمير ﵁ وَعَنْ جَمَاعَتِهِمْ وَنَحْنُ نَرْوِي بِإِذْنِ اللهِ ﷿ الْقِصَّةَ بِتَمَامِهَا [(٦)]] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ﵀-، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْعُطَارِدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ:
فَلَمَّا أَرَادَ اللهُ ﷿ إِظْهَارَ دِينِهِ، وَإِعْزَازَ نَبِيِّهِ ﵌، وَإِنْجَازَ مَوْعِدِهِ لَهُ، خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﵌ فِي الْمَوْسِمِ الَّذِي لَقِيَهُ فِيهِ النَّفَرُ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَعَرَضَ نَفْسَهُ عَلَى قَبَائِلِ الْعَرَبِ، كَمَا كَانَ يَصْنَعُ كُلَّ مَوْسِمٍ، فَبَيْنَمَا هُوَ عِنْدَ الْعَقَبَةِ لَقِيَ رَهْطًا [(٧)] مِنَ الْخَزْرَجِ أَرَادَ اللهُ بِهِمْ خَيْرًا.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ أَشْيَاخٍ مِنْ قَوْمِهِ،
_________________
(١) [(٦)] هذه الفقرة كاملة ما بين الحاصرتين ساقطة من (ص) . [(٧)] الرّهط: دون العشرة. بسكون الهاء، وتفتح.
[ ٢ / ٤٣٣ ]
قَالُوا: «لَمَّا لَقِيَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﵌ قَالَ [لَهُمْ] [(٨)]: «مِمَّنْ أَنْتُمْ؟» قَالُوا: نَفَرٌ مِنَ الْخَزْرَجِ.
قَالَ: «أَمِنْ مَوَالِي يَهُودَ؟» قَالُوا: نَعَمْ.
قَالَ: «أَفَلَا تَجْلِسُونَ أُكَلِّمْكُمْ؟» قَالُوا: بَلَى.
قَالَ: فَجَلَسُوا مَعَهُ، فَدَعَاهُمْ رَسُولُ اللهِ ﵌ إِلَى اللهِ﷿-، وَعَرَضَ عَلَيْهِمُ الْإِسْلَامَ، وَتَلَا عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ،
وَكَانَ مِمَّا صَنَعَ اللهُ لَهُمْ فِي الْإِسْلَامِ أَنَّ يَهُودَ [(٩)] كَانُوا مَعَهُمْ بِبِلَادِهِمْ، وَكَانُوا أَهْلَ كِتَابٍ وَعِلْمٍ، وَكَانَتِ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ أَهْلَ شِرْكٍ، وَأَصْحَابَ أَوْثَانٍ، فَكَانُوا إِذَا كَانَ بَيْنَهُمْ شَيْءٌ، قَالَتِ الْيَهُودُ: إِنَّ نَبِيًّا مَبْعُوثٌ الْآنَ قَدْ أَظَلَّ زَمَانُهُ [(١٠)] نَتَّبِعُهُ فَنَقْتُلُكُمْ مَعَهُ قَتْلَ عَادٍ وَإِرَمَ.
فَلَمَّا كَلَّمَ رَسُولُ اللهِ ﵌ أُولَئِكَ النَّفَرَ وَدَعَاهُمْ إِلَى اللهِ﷿- قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ يَا قَوْمِ اعْلَمُوا وَاللهِ أَنَّ هَذَا النَّبِيَّ الَّذِي تَوَعَّدَكُمْ بِهِ يَهُودُ فَلَا تَسْبِقَنَّكُمْ إِلَيْهِ، فَأَجَابُوهُ لَمَّا دَعَاهُمْ إِلَى اللهِ ﷿ وَقَبِلُوا مِنْهُ مَا عَرَضَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْإِسْلَامِ وَقَالُوا لَهُ: إِنَّا قَدْ تَرَكْنَا قَوْمَنَا وَلَا قَوْمٌ بَيْنَهُمْ مِنَ الْعَدَاوَةِ وَالشَّرِّ مَا بَيْنَهُمْ وَعَسَى الله ﷿ أَنْ يَجْمَعَهُمُ اللهُ بِكَ وَسَنَقْدَمُ عَلَيْهِمْ فَنَدْعُوهُمْ إِلَى أَمْرِكَ، وَنَعْرِضُ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَجَبْنَاكَ إِلَيْهِ مِنْ هَذَا الدِّينِ، فَإِنْ يَجْمَعْهُمُ اللهُ عَلَيْكَ فَلَا رَجُلَ أَعَزُّ مِنْكَ.
ثُمَّ انْصَرَفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ ﵌ رَاجِعِينَ إِلَى بِلَادِهِمْ قَدْ آمَنُوا وَصَدَّقُوا وَهُمْ فِيمَا يَزْعُمُونَ سِتَّةُ نَفَرٍ مِنَ الْخَزْرَجِ مِنْهُمْ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ: أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ وَهُوَ أَبُو أُمَامَةَ، وَعَوْفُ بْنُ مَالِكِ بْنِ رِفَاعَةَ، وَرَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ الْعَجْلَانِ، وَقُطْبَةُ بْنُ
_________________
(١) [(٨)] الزيادة من سيرة ابن هشام (٢: ٣٨) . [(٩)] (يهود) لا ينصرف للعلمية والتأنيث. [(١٠)] (أظلّ زمانه): أي قرب ودنا.
[ ٢ / ٤٣٤ ]
عَامِرِ بْنِ حَدِيدَةَ، وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرِ بْنِ زِيَادِ، وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وَذَكَرَ أَنْسَابَهُمْ إِلَّا أَنِّي اخْتَصَرْتُهَا.
قَالَ: فَلَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ إِلَى قَوْمِهِمْ ذَكَرُوا لَهُمْ رَسُولَ اللهِ ﵌ وَدَعَوْهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، حَتَّى فَشَا فِيهِمْ، فَلَمْ يَبْقَ دَارٌ مِنْ دُورِ الْأَنْصَارِ إِلَّا وَفِيهَا ذِكْرٌ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﵌.
حَتَّى إِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ أَتَى [(١١)] الْمَوْسِمَ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ، فَلَقَوْا رَسُولَ اللهِ ﵌ بِالْعَقَبَةِ، وَهِيَ الْعَقَبَةُ الْأُولَى، فَبَايَعُوا رَسُولَ اللهِ ﵌ عَلَى بَيْعَةِ النِّسَاءِ، قَبْلَ أَنْ تُفْتَرَضَ الْحَرْبُ مِنْهُمْ:
أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ، وَعَوْفٌ وَمُعَاذٌ ابْنَا الْحَارِثِ، ورافع بن مالك، وذكوان ابن عَبْدِ قَيْسٍ، وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، وَيَزِيدُ بْنُ ثَعْلَبَةَ، وَعَبَّاسُ بْنُ عُبَادَةَ بْنِ نَضْلَةَ، وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ، وَقُطْبَةُ بْنُ عَامِرٍ، وَأَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ، وَعُوَيْمُ بْنُ سَاعِدَةَ حَلِيفَانِ لَهُمْ» [(١٢)] .
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِئُ الْإِسْفَرَائِنِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الْقَاضِي، قَالَ حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ أَنَّهُ بَيْنَمَا نَفَرٌ مِنْهُمْ قَدْ رَمَوَا الْجَمْرَةَ ثُمَّ انْصَرَفُوا عَنْهَا اعْتَرَضَهُمْ رَسُولُ الله ﵌ فَقَالَ: مِمَّنْ أَنْتُمْ؟ قَالُوا: مِنَ الْخَزْرَجِ. فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى رِوَايَةِ يُونُسَ، إِلَّا أَنَّهُ عَدَّ فِي الستة عوف بن عفراء، ومعاذ بن عفراء بدل مِنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ، وعقبة بن عامر.
_________________
(١) [(١١)] في السيرة: «وافى» . [(١٢)] سيرة ابن هشام (٢: ٣٧- ٤١)، وأسماء الصحابة ممن بايعوا مفصلة تفصيلا تاما.
[ ٢ / ٤٣٥ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بن بكير، عن ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: فَحَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ مَرْثَدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْيَزَنِيِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ الصُّنَابِحِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُسَيْلَةَ، قال: حدثني عبادة ابن الصَّامِتِ، قَالَ: «بَايَعْنَا رَسُولَ اللهِ ﵌ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ الْأُولَى وَنَحْنُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، أَنَا أَحَدُهُمْ فَبَايَعْنَاهُ بَيْعَةَ النِّسَاءِ عَلَى: أَلَا نُشْرِكَ بِاللهِ شَيْئًا، وَلَا نَسْرِقَ، وَلَا نَزْنِيَ، وَلَا نَقْتُلَ أَوْلَادَنَا، وَلَا نَأْتِيَ بِبُهْتَانٍ نَفْتَرِيَهُ بَيْنَ أَيْدِينَا وَأَرْجُلِنَا، وَلَا نَعْصِيَهُ فِي مَعْرُوفٍ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تُفْتَرَضَ الْحَرْبُ. فَإِنْ وَفَّيْتُمْ بِذَلِكَ فَلَكُمُ الْجَنَّةُ وَإِنْ غَشِيتُمْ شَيْئًا فَأَمْرُكُمْ إِلَى اللهِ إِنْ شَاءَ غَفَرَ وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَ» [(١٣)] .
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَرْثَدُ ابن عَبْدِ اللهِ الْيَزَنِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُسَيْلَةَ الصُّنَابِحِيُّ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: كُنَّا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا فِي الْعَقَبَةِ الْأُولَى فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِهِ لَمْ يَقُلْ: وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الْحَرْبُ.
وَذَكَرَهُ جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنِ ابن إسحاق.
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّيْدَلَانِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ نُعَيْمٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ شَاذَانَ، وَأَحْمَدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالُوا: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ هُوَ ابْنُ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ وَهُوَ مَرْثَدٌ، عَنِ الصُّنَابِحِيِّ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، أَنَّهُ قَالَ: «إِنِّي مِنَ النُّقَبَاءِ الَّذِينَ بَايَعُوا رَسُولُ اللهِ ﵌ وقال
_________________
(١) [(١٣)] سيأتي الحديث في الحاشية التالية.
[ ٢ / ٤٣٦ ]
بَايَعْنَاهُ عَلَى أَنْ لَا نُشْرِكَ بِاللهِ شَيْئًا، وَلَا نَسْرِقَ، وَلَا نَزْنِيَ، وَلَا نَقْتُلَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَلَا نَنْتَهِبَ، وَلَا نَعْصِيَ، بِالْجَنَّةِ إِنْ فَعَلْنَا ذَلِكَ. فَإِنْ غَشِينَا مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا كَانَ قَضَاءُ ذَلِكَ إِلَى اللهِ ﷿» .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ومُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ [(١٤)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بن محمد المقري، قَالَ: أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا وَهْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: «ثُمَّ انْصَرَفُوا، وَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﵌ ومَعَهُمْ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ [بْنِ قَتَادَةَ] [(١٥)] أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ إِنَّمَا بَعَثَهُ [(١٦)] بَعْدَهُمْ وَإِنَّمَا كَتَبُوا إِلَيْهِ: أَنَّ الْإِسْلَامَ قَدْ فَشَا فِينَا، فَابْعَثْ إِلَيْنَا رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِكَ يُقْرِئْنَا الْقُرْآنَ، وَيُفَقِّهُنَا فِي الْإِسْلَامِ وَيُقِيمُنَا لِسُنَّتِهِ وَشَرَائِعِهِ، وَيَؤُمُّنَا فِي صَلَاتِنَا، فَبَعَثَ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ فَكَانَ يَنْزِلُ [(١٧)] مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ عَلَى أَبِي أُمَامَةَ أسعد بن زرارة، وكان مُصْعَبُ يُسَمَّى بِالْمَدِينَةِ الْمُقْرِئَ، وَكَانَ أَبُو أُمَامَةَ يَذْهَبُ بِهِ إِلَى دُورِ الْأَنْصَارِ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَيُفَقِّهُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ [(١٨)] .
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أبي بكر، وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ الْمُغِيرَةِ
_________________
(١) [(١٤)] أخرجه البخاري في: ٦٣- كتاب مناقب الأنصار (٤٣) باب وفود الأنصار إِلَى النَّبِيِّ ﵌، الحديث (٣٨٩٣)، فتح الباري (٧: ٢١٩- ٢٢٠) . وأخرجه مسلم في: ٢٩- كتاب الحدود، (١٠) باب الحدود كفارات لأهلها، الحديث (٤٤)، صفحة (٣: ١٣٣٣- ١٣٣٤) . [(١٥)] الزيادة من سيرة ابن هشام. [(١٦)] في (ص) و(هـ): «بعث» . [(١٧)] في (ص) و(هـ): منزل»، وفي سيرة ابن هشام: «وكان منزله» . [(١٨)] أخرجه ابن هشام. في السيرة (٢: ٤٢) .
[ ٢ / ٤٣٧ ]
ابن مُعَيْقِيبٍ: أَنَّ أَسْعَدَ بْنَ زُرَارَةَ خَرَجَ بِمُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ حَتَّى أَتَى بِهِ دَارَ بَنِي ظَفَرٍ وَدَارَ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، فَأَتَاهُمَا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الدَّارَيْنِ مُسْلِمًا وَسَمِعَ بِهِمَا سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ [(١٩)]» .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، قَالَ: «لَمَّا انْصَرَفَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﵌ الْقَوْمُ بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﵌ مَعَهُمْ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ: أَنَّ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ كَانَ يُصَلِّي بِهِمْ وَذَلِكَ أَنَّ الْأَوْسَ وَالْخَزْرَجَ كَرِهَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَؤُمَّهُ بَعْضُ» .
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُغِيرَةِ بْنِ مُعَيْقِيبٍ، قَالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﵌ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ مَعَ النَّفَرِ الِاثْنَيْ عَشَرَ الَّذِينَ بَايَعُوهُ فِي الْعَقَبَةِ الْأُولَى إِلَى الْمَدِينَةِ يُفَقِّهُ أَهْلَهَا، وَيُقْرِئُهُمُ الْقُرْآنَ، قَالَ: وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ يَقُولُ: مَا أَدْرِي مَا الْعَقَبَةُ الْأُولَى.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: بَلَى لَعَمْرِي لَقَدْ كَانَتْ عَقَبَةٌ وَعَقَبَةٌ.
قَالَا: وَكَانَ مَنْزِلُهُ عَلَى أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ، وَكَانَ إِنَّمَا يُسَمَّى بِالْمَدِينَةِ الْمُقْرِئَ، فَخَرَجَ بِهِ يَوْمًا أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ إِلَى دَارِ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ فَدَخَلَ بِهِ حَائِطًا مِنْ حَوَائِطِ بَنِي ظَفَرٍ، وَهِيَ قَرْيَةُ لِبَنِي ظَفَرٍ دُونَ قَرْيَةِ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ- وَكَانَا ابْنَيْ عَمٍّ- يُقَالُ لَهَا بِئْرُ مَرْقٍ [(٢٠)] فَسَمِعَ بِهِمَا سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ وَكَانَ ابْنُ خَالَتِهِ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ، فَقَالَ لِأُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ: ائْتِ أَسْعَدَ بْنَ زُرَارَةَ فَازْدَجِرْهُ عَنَّا
_________________
(١) [(١٩)] سيرة ابن هشام (٢: ٤٣) . [(٢٠)] بئر مرق بالمدينة، ويروى بسكون الراء أيضا.
[ ٢ / ٤٣٨ ]
فَلْيَكُفَّ عَنَّا مَا نَكْرَهُ، فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّهُ قَدْ جَاءَ بِهَذَا الرَّجُلِ الْغَرِيبِ مَعَهُ يَتَسَفَّهُ بِهِ سُفَهَاؤنَا وَضُعَفَاؤُنَا، فَإِنَّهُ لَوْلَا مَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ مِنَ الْقَرَابَةِ كَفَيْتُكَ ذَلِكَ.
فَأَخَذَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ الْحَرْبَةَ، ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى أَتَاهُمَا، فَلَمَّا رَآهُ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ، قَالَ لِمُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ: هَذَا وَاللهِ سَيِّدُ قَوْمِهِ قَدْ جَاءَكَ فَأَبْلِ اللهَ فِيهِ بَلَاءً حَسَنًا.
قَالَ: إِنْ يَقْعُدْ أُكَلِّمْهُ، فَوَقَفَ عَلَيْهِمَا مُتَشَتِّمًا فَقَالَ: يا أسعد! مالنا وَلَكَ تَأْتِينَا بِهَذَا الرَّجُلِ الْغَرِيبِ يَسْفَهُ بِهِ سُفَهَاؤُنَا وَضُعَفَاؤُنَا، فَقَالَ: أَوَ تَجْلِسُ فَتَسْمَعُ فَإِنْ رَضِيتَ أَمْرًا قَبِلْتَهُ، وَإِنْ كَرِهْتَهُ كُفَّ عَنْكَ مَا تَكْرَهُ.
فَقَالَ: قَدْ أَنْصَفْتُمْ، ثُمَّ رَكَزَ الحربة وجلس، فكلمه مصعب بْنُ عُمَيْرٍ وَعَرَضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ، وَتَلَا عَلَيْهِ الْقُرْآنَ، فو الله لَعَرَفْنَا الْإِسْلَامَ فِي وَجْهِهِ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ لِتَسَهُّلِهِ، ثُمَّ قَالَ: مَا أَحْسَنَ هَذَا وَأَجْمَلَهُ، وَكَيْفَ تَصْنَعُونَ إِذَا دَخَلْتُمْ فِي هَذَا الدِّينِ؟ قَالَا: تَغْتَسِلَ، وَتُطَهِّرَ ثيابك، وتشهد شهادة الحق، وَتُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، فَفَعَلَ.
ثُمَّ قَالَ لَهُمَا: إِنَّ وَرَائِي رَجُلًا مِنْ قَوْمِي إِنْ تَابَعَكُمَا لَمْ يُخَالِفْكُمَا أَحَدٌ بَعْدَهُ.
ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى أَتَى سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ، فَلَمَّا رَآهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ مُقْبِلًا قَالَ:
أَحْلِفُ بِاللهِ لَقَدْ رَجَعَ عَلَيْكُمْ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ بِغَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي ذَهَبَ بِهِ، مَاذَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: قَدِ ازْدَجَرْتُهُمَا، وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ بَنِي حَارِثَةَ يُرِيدُونَ أَسْعَدَ بْنَ زُرَارَةَ لِيَقْتُلُوهُ لِيُخْفِرُوكَ فِيهِ، لِأَنَّهُ ابْنُ خَالَتِكَ، فَقَامَ إِلَيْهِ سَعْدٌ مُغْضَبًا فَأَخَذَ الْحَرْبَةَ مِنْ يَدَهِ، قَالَ: وَاللهِ مَا أَرَاكَ أَغْنَيْتَ شَيْئًا، ثُمَّ خَرَجَ فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ قَدْ طَلَعَ عَلَيْهِمَا، قَالَ لِمُصْعَبٍ: هَذَا وَاللهِ سَيِّدُ مَنْ وَرَاءَهُ مِنْ قَوْمِهِ إِنْ هُوَ تَابَعَكَ لَمْ يُخَالِفْكَ أَحَدٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَاصْدُقِ اللهَ فِيهِ، فَقَالَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ: إِنْ يَسْمَعْ مِنِّي أُكَلِّمْهُ.
[ ٢ / ٤٣٩ ]
فَلَمَّا وَقَفَ عَلَيْهِمَا، قَالَ: يَا أَسْعَدُ! مَا دَعَاكَ إِلَى أَنْ تَغْشَانِي بِمَا أَكْرَهُ- وَهُوَ مُتَشَتِمٌ- أَمَا وَاللهِ لَوْلَا مَا بَيْنِي وَبَيْنَكَ مِنَ الْقَرَابَةِ مَا طَمِعْتَ فِي هَذَا مِنِّي، فَقَالَ لَهُ: أَوْ تَجْلِسَ فَتَسْمَعَ فَإِنْ رَضِيتَ أَمْرًا قَبِلْتَهُ، وَإِنْ كَرِهْتَهُ أُعْفِيتَ مِمَّا تَكْرَهُ.
قَالَ: أَنْصَفْتُمَانِي، ثُمَّ رَكَزَ الْحَرْبَةَ وَجَلَسَ فَكَلَّمَهُ مُصْعَبٌ وَعَرَضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ، وَتَلَا عَلَيْهِ الْقُرْآنَ فو الله لَعَرَفْنَا فِيهِ الْإِسْلَامَ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ لِتَسَهُّلِ وَجْهِهِ [(٢١)] .
ثُمَّ قَالَ: مَا أَحْسَنَ هَذَا وَكَيْفَ تَصْنَعُونَ إِذَا دَخَلْتُمْ فِي هَذَا الدِّينِ؟
فَقَالَا لَهُ: تَغْتَسِلُ، وَتُطَهِّرُ ثيابك وتشهد شهادة الحق، وَتَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، فَقَامَ فَفَعَلَ ثُمَّ أَخَذَ الْحَرْبَةَ وَانْصَرَفَ عَنْهُمَا إِلَى قَوْمِهِ.
فَلَمَّا رَآهُ رِجَالُ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، قَالُوا: نُقْسِمُ بِاللهِ لَقَدْ رَجَعَ إِلَيْكُمْ سَعْدٌ بِغَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي ذَهَبَ بِهِ مِنْ عِنْدَكُمْ، فَلَمَّا وَقَفَ عَلَيْهِمْ قَالَ: يَا بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ: أَيُّ رَجُلٍ تَعْلَمُونِي فِيكُمْ؟ قَالُوا: نَعْلَمُكَ وَاللهِ خَيْرَنَا وَأَفْضَلَنَا فِينَا رَأْيًا، قَالَ: فَإِنَّ كَلَامَ نِسَائِكُمْ وَرِجَالِكُمْ عَلَيَّ حَرَامٌ حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ، وَتَصَدِّقُوا بِمُحَمَّدٍ ﵌، فو الله مَا أَمْسَى فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ فِي دَارِ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ رَجُلٌ وَلَا امْرَأَةٌ إِلَّا مُسْلِمًا.
ثُمَّ انْصَرَفَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ إِلَى مَنْزِلِ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ [(٢٢)] .
كَذَا قَالَ يُونُسُ فِي رِوَايَتِهِ: فَأَقَامَ عِنْدَهُ يَدْعُو النَّاسَ إِلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى لَمْ تَبْقَ دَارٌ مِنْ دُورِ الْأَنْصَارِ إِلَّا وَفِيهَا رِجَالٌ وَنِسَاءٌ مُسْلِمُونَ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ دَارِ بَنِي أمية ابن زَيْدٍ وَخَطْمَةَ وَوَائِلِ وَوَاقِفِ. ثُمَّ إِنَّ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ رَجَعَ إِلَى مَكَّةَ.
_________________
(١) [(٢١)] فِي (ص): «لسهولة»، وفي سيرة ابن هشام: «لإشراقه وتسهّله» . [(٢٢)] الخبر بطوله في سيرة ابن هشام (٢: ٤٣- ٤٦) .
[ ٢ / ٤٤٠ ]
وَرُوِّينَا عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ: أَنَّ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ كَانَ أَوَّلَ مَنْ جَمَّعَ الْجُمُعَةَ بِالْمَدِينَةِ لِلْمُسْلِمِينَ قَبْلَ أَنْ يقدمها رسول الله ﵌» .
وَقَدْ أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كُنْتُ قَائِدَ أَبِي حِينَ كُفَّ بَصَرُهُ فَإِذَا خَرَجْتُ بِهِ إِلَى الْجُمُعَةِ فَسَمِعَ الْأَذَانُ بِهَا اسْتَغْفَرَ لِأَبِي أُمَامَةَ: أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ، فَمَكَثْتُ حِينًا أَسْمَعُ ذَلِكَ مِنْهُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ: كَانَ أَسْعَدُ أَوَّلَ مَنْ جَمَّعَ بِنَا بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ مَقْدِمِ النَّبِيِّ ﵌ فِي هَزْمٍ [(٢٣)] مِنْ حَرَّةِ بَنِي بَيَاضَةَ، فِي نَقِيعِ الْخَضِمَاتِ [(٢٤)] قُلْتُ وَكَمْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ أَرْبَعُونَ رَجُلًا.
قُلْتُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يُخَالِفَ هَذَا قَوْلَ ابْنِ شِهَابٍ، وَكَأَنَّ مُصْعَبَ جَمَّعَ بِهِمْ بِمَعُونَةِ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ فَأَضَافَهُ كَعْبٌ إليه والله أعلم [(٢٥)] .
_________________
(١) [(٢٣)] (الهزم): «المنخفض من الأرض» . [(٢٤)] اسم موضع. [(٢٥)] سيرة ابن هشام (١: ٤٢- ٤٣)، وانظر في بيعة العقبة الأولى أيضا: طبقات ابن سعد (١: ٢١٩) ط. بيروت، والطبري (٢: ٣٥٣) وما بعدها. ط- المعارف، وابن سيد الناس (١: ١٩٧)، ط. بيروت، والطبري (٢: ٣٥٣) وما بعدها. ط- المعارف، وابن سيد الناس (١: ١٩٧)، وتاريخ الإسلام للذهبي (٢: ١٩٢)، والبداية والنهاية (٣: ١٤٥)، والنويري (١٦: ٣١٠)، والدرر لابن عبد البر (٦٧) .
[ ٢ / ٤٤١ ]
بَابُ ذِكْرِ الْعَقَبَةِ الثَّانِيَةِ [(١)] وَمَا جَاءَ فِي بَيْعَةِ مَنْ حَضَرَ الْمَوْسِمَ مِنَ الْأَنْصَارِ رَسُولَ اللهِ ﵌ عَلَى الْإِسْلَامِ وعَلَى أَنْ يَمْنَعُوهُ مِمَّا يَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِئُ الْإِسْفَرَايِنِيُّ بِهَا، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الْقَاضِي، قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ الْعَطَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ خثيم، عن ابن الزُّبَيْرِ: مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأَنْصَارِيُّ «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ لَبِثَ عَشْرَ سِنِينَ يَتْبَعُ الْحَاجَّ فِي مَنَازِلِهِمْ في المواسم:
مجنّة، وعكاط، وَمَنَازِلِهِمْ بِمِنًى مَنْ يُؤْوِينِي وَيَنْصُرُنِي حَتَّى أُبَلِّغَ رِسَالَاتِ رَبِّي وَلَهُ الْجَنَّةُ؟ فَلَا يَجِدُ أَحَدًا يُؤْوِيهِ وَلَا يَنْصُرُهُ، حَتَّى أَنَّ الرَّجُلَ يَرْحَلُ صَاحِبُهُ مِنْ مِصْرَ أَوِ الْيَمَنِ فَيَأْتِيهِ قَوْمُهُ أَوْ ذَوُو رَحِمِهِ فَيَقُولُونَ: احْذَرْ فَتَى قُرَيْشٍ لَا يَفْتِنْكَ! يَمْشِي بَيْنَ رِحَالِهِمْ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللهِ ﷿، يُشِيرُونَ إِلَيْهِ بِأَصَابِعِهِمْ، حَتَّى بَعَثَنَا اللهُ ﷿ لَهُ مِنْ يَثْرِبَ، فَيَأْتِيهِ الرَّجُلُ مِنَّا فَيُؤْمِنُ بِهِ وَيقْرِئُهُ الْقُرْآنَ، فَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ فَيسْلِمُونَ بِإِسْلَامِهِ، حَتَّى لَمْ يَبْقَ دَارٌ مِنْ يَثْرِبَ إِلَّا وَفِيهَا رَهْطٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، يُظْهِرُونَ الإسلام.
_________________
(١) [(١)] أنظر العقبة الثانية: طبقات ابن سعد (١: ٢٢١)، تاريخ الطبري (٢: ٣٦١) وما بعدها، وسيرة ابن هشام (٢: ٤٧)، والدرر في اختصار المغازي والسير لابن عبد البر، (٦٨)، وتاريخ الإسلام للذهبي (٢: ٢٠٠)، والبداية والنهاية (٣: ١٥٠)، وابن سيد الناس (١: ١٩٢)، والنويري (١٦: ٣١٢) .
[ ٢ / ٤٤٢ ]
ثُمَّ بَعَثَنَا اللهُ ﷿ وائَتَمَرْنَا وَاجْتَمَعْنَا سَبْعِينَ رَجُلًا مِنَّا فَقُلْنَا: حَتَّى مَتَى نَذَرُ رَسُولَ اللهِ ﵌ يَطُوفُ فِي جِبَالِ مَكَّةَ وَيَخَافُ، فَرَحَلْنَا حَتَّى قَدِمْنَا عَلَيْهِ فِي الْمَوْسِمِ، فَوَاعَدَنَا شِعْبَ الْعَقَبَةِ فَاجْتَمَعْنَا فِيهِ مِنْ رَجُلٍ وَرَجُلَيْنٍ، حَتَّى تَوَافَيْنَا عِنْدَهُ فَقُلْنَا:
يَا رَسُولَ اللهِ! عَلَى مَا نُبَايِعُكَ فَقَالَ بَايعُونِي عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي النَّشَاطِ وَالْكَسَلِ، وَعَلَى النَّفَقَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ، وَعَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَعَلَى أَنْ تَقُولُوا فِي اللهِ لَا تَأْخُذُكُمْ فِيهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ، وَعَلَى أَنْ تَنْصُرُونِي إِذَا قَدِمْتُ عَلَيْكُمْ يَثْرِبَ تَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ [(٢)] أَنْفُسَكُمْ وَأَزْوَاجَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ، وَلَكُمُ الْجَنَّةُ.
فَقُمْنَا نُبَايعُهُ، وَأَخَذَ بِيَدِهِ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ، وَهُوَ أَصْغَرُ السَّبْعِينَ رَجُلًا إِلَّا أَنَا، فَقَالَ: رُوَيْدًا يَا أَهْلَ يَثْرِبَ! إِنَّا لَمْ نَضْرِبْ إِلَيْهِ أكبار الْمَطِيِّ إِلَّا وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللهِ، إِنَّ إِخْرَاجَهُ الْيَوْمَ مُفَارَقَةُ الْعَرَبِ كَافَّةً، وَقَتْلُ خِيَارِكُمْ، وَأَنْ تَعَضَّكُمُ السُّيوفُ، فَإِمَّا أَنْتُمْ قَوْمٌ تَصْبِرُونَ عَلَى عَضِّ السُّيوفِ إِذَا مَسَّتْكُمْ، وَعَلَى قَتْلِ خِيَارِكُمْ، وَعَلَى مُفَارَقَةِ الْعَرَبِ، كَافَّةً فَخُذُوهُ وَأَجْرُكُمْ عَلَى اللهِ، وَإِمَّا أَنْتُمْ تَخَافُونَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ خِيفَةً فَذَرُوهُ فَهُوَ أَعْذَرُ لَكُمْ عند الله ﷿، فَقُلْنَا: أَمِطْ يَدَكَ يَا أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ، فو الله لَا نَذَرُ هَذِهِ الْبَيْعَةَ وَلَا نَسْتَقْبِلُهَا، فَقُمْنَا إِلَيْهِ نُبَايعُهُ رَجُلًا رَجُلًا، يَأْخُذُ عَلَيْنَا شَرْطَهُ، وَيُعْطِينَا عَلَى ذَلِكَ الْجَنَّةَ» [(٣)] .
وحَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ إِمْلَاءً، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمُقْرِئُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي عُمَرَ الْعَدَنِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنِ ابْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ
_________________
(١) [(٢)] في (ص): «به» . [(٣)] وأخرجه الإمام أحمد في «مسنده» (٣: ٣٣٩- ٤٤٠) .
[ ٢ / ٤٤٣ ]
أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْأَنْصَارِيِّ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَاهُ إِلَّا أَنَّهُ زَادَ فِي وَسَطِ الْحَدِيثِ قَالَ «فَقَالَ لَهُ عَمُّهُ الْعَبَّاسُ يَا ابْنَ أَخِي لَا أَدْرِي مَا هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ الَّذِينَ جَاءُوكَ! [(٤)] إِنِّي ذُو مَعْرِفَةٍ بِأَهْلِ يَثْرِبَ فَاجْتَمَعْنَا عِنْدَهُ مِنْ رَجُلٍ وَرَجُلَيْنِ فَلَمَّا نَظَرَ الْعَبَّاسُ فِي وجُوهِنَا، قَالَ: هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا أَعْرِفُهُمْ هَؤُلَاءِ أَحْدَاثٌ، فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللهِ عَلَامَ نُبَايِعُكَ» فَذَكَرَهُ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْعُطَارِدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: فَحَدَّثَنِي مَعْبَدُ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْقَيْنِ، أَخُو بَنِي سَلِمَةَ، عَنْ أَخِيهِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ، كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: «خَرَجْنَا فِي الْحِجَّةِ الَّتِي بَايَعْنَا فِيهَا رَسُولَ اللهِ ﵌ بِالْعَقَبَةِ مَعَ مُشْرِكِي قومنا، ومعنا البراء ابن مَعْرُورٍ كَبِيرُنَا وَسَيِّدُنَا، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِظَاهِرِ الْبَيْدَاءِ، قَالَ: يَا هَؤُلَاءِ! تَعْلَمُنَّ، أَنِّي قَدْ رَأَيْتُ رَأْيًا، وَاللهِ مَا أَدْرِي تُوَافِقُونَ عَلَيْهِ، أَمْ لَا؟ فَقُلْنَا: وَمَا هُوَ يَا أَبَا بِشْرٍ؟ قَالَ: إِنِّي قَدْ أَرَدْتُ أَنْ أُصَلِّيَ إِلَى هَذِهِ الْبَنِيَّةِ، وَلَا أَجْعَلُهَا مِنِّي بِظَهْرٍ [(٥)] .
فَقُلْنَا: لَا، وَاللهِ لَا تَفْعَلُ. وَاللهِ مَا بَلَغَنَا أَنَّ نَبِيَّنَا ﵌ يُصَلِّي إِلَّا إِلَى الشَّامِ [(٦)]، قَالَ: فَإِنِّي وَاللهِ لَمُصَلٍّ إِلَيْهَا، فَكَانَ إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ تَوَجَّهَ إِلَى الْكَعْبَةِ، وَتَوَجَّهْنَا إِلَى الشَّامِ.
حَتَّى قَدِمْنَا مَكَّةَ، فَقَالَ لِيَ الْبَرَاءُ: يَا ابْنَ أَخِي! انْطَلِقْ بِنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﵌، حَتَّى أَسْأَلَهُ عَمَّا صَنَعْتُ فِي سَفَرِي هَذَا، فَلَقَدْ وَجَدْتُ فِي نَفْسِي منه
_________________
(١) [(٤)] في (ح): «ما هذا القوم الذي جاءوك»، وأثبتّ ما في (ص) و(هـ)، وهو موافق لسياق الحديث كما ورد في مسند الإمام أحمد (٣: ٣٣٩) . [(٥)] يعني الكعبة. [(٦)] في السيرة لابن هشام (٢: ٤٧): زيادة: «وما نريد أن نخالفه» .
[ ٢ / ٤٤٤ ]
بِخِلَافِكُمْ إِيَّايَ. قَالَ فَخَرَجْنَا نَسْأَلُ [(٧)] عَنْ رَسُولِ اللهِ ﵌، فَلَقِينَا رَجُلًا بِالْأَبْطَحِ [(٨)]، فَقُلْنَا: هَلْ تَدُلُّنَا عَلَى محمد بن عبد الله بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ فَقَالَ:
وَهَلْ تَعْرِفَانِهِ إِنْ رَأَيْتُمَاهُ؟ فَقُلْنَا: لَا، وَاللهِ مَا نَعْرِفُهُ. وَلَمْ نَكُنْ رَأَيْنَا رَسُولَ اللهِ ﵌، فَقَالَ: فَهَلْ تَعْرِفَانِ الْعَبَّاسَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ فَقُلْنَا: نَعَمْ، وَقَدْ كُنَّا نَعْرِفُهُ: كَانَ يَخْتَلِفُ إِلَيْنَا بِالتِّجَارَةِ، فَقَالَ: فَإِذَا دَخَلْتُمَا المسجد فانظرا العباس، فهو الرجل الَّذِي مَعَهُ.
قَالَ: فَدَخَلْنَا الْمَسْجِدَ فَإِذَا رَسُولُ اللهِ ﵌ وَالْعَبَّاسُ نَاحِيَةَ الْمَسْجِدِ جَالِسَيْنِ، قَالَ: فَسَلَّمْنَا، ثُمَّ جَلَسْنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌ لِلْعَبَّاسِ: هَلْ تَعْرِفُ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ يَا أَبَا الْفَضْلِ؟ قَالَ: نَعَمْ، هَذَا الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ سَيِّدُ قَوْمِهِ، وَهَذَا كَعْبُ بْنُ مالك، فو الله مَا أَنْسَى قَوْلَ رَسُولِ اللهِ ﵌ «الشَّاعِرَ»؟ قَالَ:
نَعَمْ، فَقَالَ لَهُ الْبَرَاءُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنِّي قَدْ كُنْتُ رَأَيْتُ فِيَ سَفَرِي هَذَا رَأْيًا، وَقَدْ أَحْبَبْتُ أَنْ أَسْالَكَ عَنْهُ لِتُخْبِرَنِي عَمَّا صَنَعْتُ فِيهِ، قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ:
رَأَيْتُ أَنْ لَا أَجْعَلَ هَذِهِ الْبَنِيَّةَ مِنِّي بِظَهْرٍ، فَصَلَّيْتُ إِلَيْهَا. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﵌:
«قَدْ كُنْتَ عَلَى قِبْلَةٍ، لَوْ صَبَرْتَ عَلَيْهَا»، فَرَجَعَ إِلَى قِبْلَةِ رَسُولِ اللهِ ﵌،
وَأَهْلُهُ يَقُولُونَ: قَدْ مَاتَ عَلَيْهَا [(٩)]، وَنَحْنُ أَعْلَمُ بِهِ، قَدْ رَجَعَ إِلَى قِبْلَةِ رَسُولِ اللهِ ﵌ وَصَلَّى مَعَنَا إِلَى الشام.
_________________
(١) [(٧)] في (ح): «نسل» . [(٨)] عند ابن هشام: «فلقينا رجلا من أهل مكة» . [(٩)] في سيرة ابن هشام: «وأهله يزعمون أنه صلى إلى الكعبة حتى مات، وليس ذلك كما قالوا، نحن أعلم به منهم، وقال عون بن أيوب الأنصاري: ومنّا المصلّي أوّل النّاس مقبلا* على كعبة الرّحمن بين المشاعر يعني: البراء بن المعرور، وهذا البيت في قصيدة له» .
[ ٢ / ٤٤٥ ]
ثُمَّ قَدْ وَاعَدَنَا رَسُولُ اللهِ ﵌ الْعَقَبَةَ أَوْسَطَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَنَحْنُ سَبْعُونَ رَجُلًا لِلْبَيْعَةِ، وَمَعَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ أَبُو جَابِرٍ، وَإِنَّهُ لَعَلَى شَرْكِهِ، فَأَخَذْنَاهُ فَقُلْنَا يَا أَبَا جَابِرٍ: وَاللهِ إِنَّا لَنَرْغَبُ بِكَ أَنْ تَمُوتَ عَلَى مَا أَنْتَ عَلَيْهِ فَتَكُونَ لِهَذِهِ النَّارِ غَدًا حَطَبًا، وَإِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ رَسُولًا يَأْمُرُ بِتَوحِيدِهِ وَعِبَادَتِهِ، وَقَدْ أَسْلَمَ رِجَالٌ مِنْ قَوْمِكَ، وقَدْ وَاعَدَنَا رَسُولُ اللهِ ﵌ لِلْبَيْعَةِ، فَأَسْلَمَ وَطَهَّرَ ثِيَابَهُ وَحَضَرَهَا مَعَنَا، فَكَانَ نَقِيبًا.
فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي وَاعَدَنَا فِيهَا رَسُولُ اللهِ ﵌ بِمِنًى أَوَّلَ اللَّيْلِ مَعَ قَوْمِنَا فَلَمَّا اسْتَثْقَلَ النَّاسُ فِي النَّوْمِ تَسَلَّلْنَا مِنْ قُرَيْشٍ تَسَلُّلَ الْقَطَا، حَتَّى إِذَا اجْتَمَعْنَا بِالْعَقَبَةِ، فَأَتَانَا رَسُولُ اللهِ ﵌ وَعَمُّهُ الْعَبَّاسُ [(١٠)] لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ، أَحَبَّ أَنْ يَحْضُرَ أَمْرَ ابْنِ أَخِيهِ، فَكَانَ أَوَّلَ مُتَكَلِّمٍ، فَقَالَ:
«يَا مَعْشَرَ الْخَزْرَجِ- وَإِنَّمَا كَانَتِ الْعَرَبُ تُسَمِّي هَذَا الْحَيَّ مِنَ الْأَنْصَارِ- أَوْسَهَا وَخَزْرَجَهَا-: إِنَّ مُحَمَّدًا مِنَّا حَيْثُ قَدْ عَلِمْتُمْ، وَهُوَ فِي مَنَعَةٍ [(١١)] مِنْ قَوْمِهِ وَبِلَادِهِ قَدْ مَنَعْنَاهُ مِمَّنْ هُوَ عَلَى مِثْلِ رَأْيِنَا فِيهِ، وَقَدْ أَبَى إِلَّا الِانْقِطَاعَ إِلَيْكُمْ وَإِلَى مَا دَعَوْتُمُوهُ إِلَيْهِ، فَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّكُمْ وَافُونَ لَهُ بِمَا دَعَوْتُمُوهُ فَأَنْتُمْ وَمَا تَحَمَّلْتُمْ، وَإِنْ كُنْتُمْ تَخْشَوْنَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ خُذْلَانًا فَاتْرُكُوهُ فِي قَوْمِهِ فَإِنَّهُ فِي مَنَعَةٍ مِنْ عَشِيرَتِهِ وَقَوْمِهِ [(١٢)] .
فَقُلْنَا قَدْ سَمِعْنَا مَا قُلْتَ، تَكَلَّمْ يَا رَسُولَ اللهِ [(١٣)]، فَتَكَلَّمَ رَسُولُ اللهِ ﵌، وَدَعَا إِلَى اللهِ ﷿، وَتَلَا الْقُرْآنَ، وَرَغَّبَ فِي الْإِسْلَامِ، فَأَجَبْنَاهُ بالإيمان به
_________________
(١) [(١٠)] في السيرة: «وهو يومئذ على دين قومه» . [(١١)] ابن هشام: «وقد منعناه من قومنا» . [(١٢)] ابن هشام: «فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده» . [(١٣)] ابن هشام: «فخذ لنفسك ولربك ما أحببت» .
[ ٢ / ٤٤٦ ]
وَالتَّصْدِيقِ لَهُ، وَقُلْنَا لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ! خُذْ لِرَبِّكَ وَلِنَفْسِكَ، فَقَالَ: إِنِّي أُبَايِعُكُمْ عَلَى أَنْ تَمْنَعُونِي مِمَّا مَنَعْتُمْ مِنْهُ أَبْنَاءَكُمْ ونسائكم» .
فَأَجَابَهُ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ [(١٤)] فَقَالَ: نَعَمْ وَالَّذِي بَعَثَكَ بالحق مما تمنع مِنْهُ أُزُرَنَا، [(١٥)] فَبَايِعْنَا يَا رَسُولَ اللهِ فَنَحْنُ وَاللهِ أَهْلُ الْحَرْبِ وَأَهْلُ الْحَلْقَةِ [(١٦)]، وَرِثْنَاهَا كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ.
فَعَرَضَ فِي الْحَدِيثِ [(١٧)]، أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إن بَيْنَنَا وَبَيْنَ أَقْوَامٍ حِبَالًا، وَإِنَّا قَاطِعُوهَا، فَهَلْ عَسَيْتَ إِنِ اللهُ أَظْهَرَكَ أَنْ تَرْجِعَ إِلَى قَوْمِكَ وَتَدَعَنَا [(١٨)]؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «بَلِ الدَّمُ الدَّمُ، وَالْهَدْمُ الْهَدْمُ [(١٩)] أَنَا مِنْكُمْ، وَأَنْتُمْ مِنِّي: أُسَالِمُ مَنْ سَالَمْتُمْ، وَأُحَارِبُ مَنْ حَارَبْتُمْ» [(٢٠)] .
_________________
(١) [(١٤)] ابن هشام: «بيده فقال» . [(١٥)] أزرنا: نساءنا، والمرأة يكنى عنها بالإزار. [(١٦)] الحلقة: السلاح عاما. [(١٧)] ابن هشام: «فاعترض القول، والبراء يكلم رسول الله ﵌ أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ» . [(١٨)] ابن هشام: «يعني اليهود» . [(١٩)] في الروض الأنف: «قال ابن قتيبة: كانت العرب تقول عند عقد الحلف والجوار: دمي دمك، وهدمي هدمك، أي: ما هدمت من الدماء هدمته أنا. ويقال أيضا: اللدم اللدم والهدم الهدم، وأنشد: * ثمّ الحقي بهدمي ولدمي* فاللدم جمع لا دم، وهم أهله الذين يلتدمون عليه إذا مات، وهو من لدمت صدره إذا ضربته، والهدم: قال ابن هشام: الحرمة، وإنما كني عن حرمة الرجل وأهله بالهدم لأنهم كانوا أهل نجعة وارتحال ولهم بيوت يستخفونها يوم ظعنهم، فكلما ظعنوا هدموها، والهدم (بالتحريك) بمعنى المهدوم. كالقبض بمعنى المقبوض، ثم جعلوا الهدم وهو البيت المهدوم عبارة عما حوى ثم قال: هدمي هدمك: أي رحلتي مع رحلتك، أي لا أظعن وأدعك» اه. [(٢٠)] سيرة ابن هشام (٢: ٤٧- ٥١)، وعنه الطبري (٢: ٣٦٢) .
[ ٢ / ٤٤٧ ]
فَقَالَ لَهُ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ: ابْسُطْ يَدَكَ يَا رَسُولَ اللهِ نُبَايِعْكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «أَخْرِجُوا إِلَيَّ مِنْكُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا»، فَأَخْرَجُوهُمْ لَهُ.
فَكَانَ نَقِيبَ بَنِي النَّجَّارِ: أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ.
وَكَانَ نَقِيبَ بَنِي سَلِمَةَ: الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورَ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو بن حرام.
وكان نقيب بن سَاعِدَةَ: سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَالْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو.
وَكَانَ نَقِيبَ بَنِي زُرَيْقٍ: رَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ الْعَجْلَانِ.
وَكَانَ نَقِيبَ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ: عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ، وَسَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ.
وَكَانَ نَقِيبَ الْقَوَافِلِ [(٢١)] بَنِي عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ: عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، وَفِي الْأَوْسِ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ: أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، وَأَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ.
وَكَانَ نَقِيبَ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، سَعْدُ بْنُ خَيْثَمَةَ، فَكَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا: تِسْعَةٌ مِنَ الْخَزْرَجِ، وَثَلَاثَةٌ مِنَ الْأَوْسِ.
قَالَ فَأَخَذَ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ بِيَدِ رَسُولِ اللهِ ﵌ فَضَرَبَ عَلَيْهَا، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ بَايَعَ، وَتَتَابَعَ النَّاسُ فَبَايَعُوا، فَصَرَخَ الشَّيْطَانُ عَلَى الْعَقَبَةِ بِأَبْعَدِ- وَاللهِ- صَوْتٍ مَا سَمِعْتُهُ قَطُّ: فَقَالَ يَا أَهْلَ الْجَبَاجِبِ هَلَّا لَكُمْ فِي مُذَمَّمٍ مَا يَقُولُ مُحَمَّدٌ وَالصُّبَّاءُ [(٢٢)] مَعَهُ قَدِ اجْتَمَعُوا عَلَى حَرْبِكُمْ.
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «هَذَا أَزَبُّ الْعَقَبَةِ، هَذَا ابْنُ أُزْيَبٍ [(٢٣)] أَمَا وَاللهِ لَأَفْرُغَنَّ لَكَ، ارْفَضُّوا [(٢٤)] إلى رحالكم»،
_________________
(١) [(٢١)] في (ص): «القلاقل»، وهو تحريف. [(٢٢)] الصباء: جمع صابئ. [(٢٣)] قال ابن الأثير: «هو شيطان اسمه: أزب الكعبة»، وقيل: الإزب: القصير الدميم. [(٢٤)] (ارفضوا إلى رحالكم): تفرقوا إليها.
[ ٢ / ٤٤٨ ]
فَقَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ عُبَادَةَ بْنِ نَضْلَةَ أَخُو بَنِي سَالِمٍ: يَا رَسُولَ اللهِ! وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنْ شِئْتَ لَنَمِيلَنَّ غَدًا عَلَى أَهْلِ مِنًى بِأَسْيَافِنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «إِنَّا لَمْ نُؤْمَرْ بِذَلِكَ، ارْفَضُّوا إِلَى رِحَالِكُمْ»، فَرَجَعْنَا إِلَى رِحَالِنَا فَاضْطَجَعْنَا عَلَى فُرُشِنَا.
فَلَمَّا أَصْبَحْنَا أَقْبَلَتْ جِلَّةٌ مِنْ قُرَيْشٍ فِيهِمْ: الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ فَتًى شَابٌّ وَعَلَيْهِ نَعْلَانِ جَدِيدَانِ، حَتَّى جَاءُونَا فِي رِحَالِنَا، فَقَالُوا: يَا مَعْشَرَ الْخَزْرَجِ! إِنَّهُ قَدْ بَلَغَنَا أَنَّكُمْ جِئْتُمْ إِلَى صَاحِبِنَا لِتَسْتَخْرِجُوهُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا، وَإِنَّهُ وَاللهِ مَا مِنَ الْعَرَبِ أَحَدٌ أَبْغَضُ إِلَيْنَا أَنْ يَنْشِبَ الْحَرْبُ فِيمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ مِنْكُمْ، فَانْبَعَثَ مَنْ هُنَاكَ مِنْ قَوْمِنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَحْلِفُونَ لَهُمْ بِاللهِ مَا كَانَ مِنْ هَذَا شَيْءٌ وَمَا فَعَلْنَاهُ، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى أَبِي جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ، وَهُوَ صَامِتٌ، وَأَنَا صَامِتٌ، فَلَمَّا تَثَوَّرَ الْقَوْمُ لِيَنْطَلِقُوا، قُلْتُ كَلِمَةً كَأَنِّي أَشْرِكُهُمْ فِي الْكَلَامِ: يَا أَبَا جَابِرٍ أَنْتَ سَيِّدٌ مِنْ سَادَتِنَا وَكَهْلٌ مِنْ كُهُولِنَا لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَتَّخِذَ مِثْلَ نَعْلَيْ هَذَا الْفَتَى مِنْ قُرَيْشٍ؟ فَسَمِعَهُ الْفَتَى فَخَلَعَ نَعْلَيْهِ فَرَمَى بِهِمَا إِلَيَّ، وَقَالَ: وَاللهِ لَتَلْبَسَنَّهُمَا، فَقَالَ أَبُو جَابِرٍ: مَهْلًا أحفظت لعمر اللهِ الرَّجُلَ، يَقُولُ أَخْجَلْتَهُ:
ارْدُدْ عَلَيْهِ نَعْلَيْهِ، فَقُلْتُ: وَاللهِ لَا أَرُدُّهُمَا، فَأْلٌ صَالِحٌ: وَاللهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَسْلُبَنَّهُ [(٢٥)] .
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، قَالَ: ثُمَّ انْصَرَفُوا عَنْهُمْ وَأَتَوْا عَبْدَ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ، فَسَأَلُوهُ، وَكَلَّمُوهُ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ جَسِيمٌ، وَمَا كَانَ قَوْمِي لِتَفَوَّتُوا عَلَيَّ بِمِثْلِهِ، فَانْصَرَفُوا عَنْهُ» [(٢٦)] .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بن محمد الْمَقْرِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ محمد
_________________
(١) [(٢٥)] سيرة ابن هشام (٢: ٥٧) . [(٢٦)] السيرة لابن هشام (٢: ٥٧) .
[ ٢ / ٤٤٩ ]
ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، قال:
حدثنا وهب جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، فَذَكَرَ هَذِهِ الْقِصَّةَ بِإِسْنَادِ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ وَمَعْنَاهُ.
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ: أَنَّ الْعَبَّاسَ بْنَ عُبَادَةَ بْنِ نَضْلَةَ: أَخَا بَنِي سَالِمٍ، قَالَ: «يَا مَعْشَرَ الْخَزْرَجِ! هَلْ تَدْرُونَ عَلَى مَا تُبَايعُونَ رَسُولَ اللهِ ﵌: إِنَّكُمْ تُبَايِعُونَهُ عَلَى حَرْبِ الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ، فَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّهَا إِذَا نَهَكَتْ أَمْوَالُكُمْ مُصِيبَةً، وَأَشْرَافُكُمْ قَتْلًا: أَسْلَمْتُمُوهُ، فَمِنَ الْآنَ فَهُوَ وَاللهِ إِنْ فَعَلْتُمْ خِزْيُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّكُمْ مُسْتَضْلِعُونَ لَهُ وَافُونَ لَهُ بِمَا عَاهَدْتُمُوهُ عَلَيْهِ عَلَى مُصِيبَةِ الْأَمْوَالِ، وَقَتْلِ الْأَشْرَافِ، فَهُوَ وَاللهِ خَيْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
قال عاصم: فو الله مَا قَالَ الْعَبَّاسُ هَذِهِ الْمَقَالَةَ إِلَّا لِيَشْتَدَّ لِرَسُولِ اللهِ ﵌ بِهَا الْعَقْدُ.
وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ مَا قَالَهَا إِلَّا لِيُؤَخِّرَ بِهَا أَمْرَ الْقَوْمِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ لِيشْهَدَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ أَمْرَهُمْ فَيَكُونَ أَقْوَى لَهُمْ» .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ بِبَغْدَادَ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ السَّمَّاكِ قَالَ حَدَّثَنَا حَنْبَلُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ عَامِرٍ، قَالَ: «انْطَلَقَ النَّبِيُّ ﵌ مَعَهُ الْعَبَّاسُ عَمُّهُ إِلَى السَّبْعِينَ مِنَ الْأَنْصَارِ عِنْدَ الْعَقَبَةِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، قَالَ: لِيَتَكَلَّمْ مُتَكَلِّمُكُمْ وَلَا يطيل الْخُطْبَةَ فَإِنَّ عَلَيْكُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ عَيْنًا وَإِنْ يَعْلَمُوا بِكُمْ يَفْضَحُوكُمْ، فَقَالَ قَائِلُهُمْ وَهُوَ أَبُو أُمَامَةَ: سَلْ يَا مُحَمَّدُ لِرَبِّكَ مَا شِئْتَ، ثُمَّ سَلْ لِنَفْسِكَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا
[ ٢ / ٤٥٠ ]
شِئْتَ، ثُمَّ أَخْبِرْنَا مَا لَنَا مِنَ الثَّوَابِ عَلَى اللهِ وَعَلَيْكُمْ إِذَا فَعَلْنَا، ذلك، قال: أسلكم لِرَبِّي أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَسَلُكُمْ لِنَفْسِي وَلِأَصْحَابِي أَنْ تُؤْوُونَا وَتَنْصُرُونَا وَتَمْنَعُونَا مِمَّا مَنَعْتُمْ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ، قَالُوا: فَمَا لَنَا إِذَا فَعَلْنَا ذَلِكَ؟ قَالَ لَكُمُ الْجَنَّةُ قَالُوا فَلَكَ ذَلِكَ» .
أَخْبَرَنَا أَبُو زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمُزَكِّي، قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ: محمد ابن يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ عَامِرٍ، قَالَ: «انْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ ﵌ وَمَعَهُ الْعَبَّاسُ وَكَانَ ذَا رَأْيٍ إِلَى السَّبْعِينَ مِنَ الْأَنْصَارِ لَيْلًا عَلَى الْعَقَبَةِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ.
فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِهِ
وَزَادَ: قَالَ: فَسَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ يَقُولُ فَمَا سَمِعَ الشِّيبُ وَلَا الشُّبَّانُ خُطْبَةً أَقْصَرَ وَلَا أَبْلَغَ مِنْهَا.
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ السَّمَّاكِ، قَالَ:
حَدَّثَنَا حَنْبَلُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ يَعْنِي أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا، قَالَ: حَدَّثَنِي مُجَالِدٌ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ بِنَحْوِهِ، قَالَ: وَكَانَ أَبُو مَسْعُودٍ أَصْغَرَهُمْ سِنًّا.
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ السَّمَّاكِ، قَالَ:
حَدَّثَنَا حَنْبَلُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ:
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ، يَقُولُ: مَا سَمِعَ الشِّيبُ وَالشُّبَّانُ خُطْبَةً مِثْلَهَا.
أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْمَشٍ الْفَقِيهُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْفَضْلِ الْفَحَّامُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ الرَّقِّيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ، عَنْ أَبِيهِ: عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ، قَالَ: قَدِمَتْ رَوَايَا
[ ٢ / ٤٥١ ]
خَمْرٍ فَأَتَاهَا عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ فَحَرَّقَهَا [(٢٧)] وَقَالَ: إِنَّا بَايَعْنَا رَسُولَ اللهِ ﵌ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي النَّشَاطِ وَالْكَسَلِ وَالنَّفَقَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ وَعَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ وَعَلَى أَنْ نَقُولَ فِي اللهِ لَا تَأْخُذُنَا فِيهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ وَعَلَى أَنْ نَنْصُرَ رَسُولَ اللهِ ﵌ إِذَا قَدِمَ عَلَيْنَا يَثْرِبَ بِمَا نَمْنَعُ مِنْهُ أَنْفُسَنَا وَأَزْوَاجَنَا وَأَبْنَاءَنَا وَلَنَا الْجَنَّةُ. فَهَذِهِ بَيْعَةُ رَسُولِ اللهِ ﵌ بَايَعْنَاهُ عَلَيْهَا.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَادَةُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ «بَايَعْنَا رَسُولَ اللهِ ﵌ بَيْعَةَ الْحَرْبِ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي: عُسْرِنَا، وَيُسْرِنَا، وَمَنْشَطِنَا، وَمَكْرَهِنَا، وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا، يَقُولُ: وَإِنِ اسْتُؤْثِرَ عَلَيْكُمْ وَقَوْمِي يَلُومُونَنِي عَلَى هَذَا الْحَرْفِ، فَقُلْتُ: وَاللهِ لَأُحَدِّثَنَّكَ مَا سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُنِي وَلَا تُنَازِعُنَّ الْأَمْرَ أهله وأن تقول بِالْحَقِّ أَيْنَمَا كُنَّا لَا نَخَافُ فِي اللهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ» .
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ قَالَ لِأَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ أَنْتَ عَلَى قَوْمِكَ بِمَا فِيهِمْ وَأَنَا عَلَى بَاقِي قَوْمِي كَفَالَةٌ كَكَفَالَةِ الْحَوَارِيِّينَ لِعِيسَى بن مَرْيَمَ ﵇» .
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، عن إِسْحَاقَ، قَالَ: وحَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ قَالَ لَهُمُ ابْعَثُوا لِي مِنْكُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا كُفَلَاءَ عَلَى قَوْمِهِمْ فِيمَا كَانَ مِنْهُمْ كَكَفَالَةِ الحواريين لعيسى بن مَرْيَمَ ﵇، فَقَالَ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ أَحَدُ
_________________
(١) [(٢٧)] في (هـ): «فخرّقها» .
[ ٢ / ٤٥٢ ]
بَنِي النَّجَّارِ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌ وَأَنْتَ نَقِيبٌ عَلَى قَوْمِكَ فَبَايَعُوا رَسُولَ اللهِ ﵌ وَأَخَذَ مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا ثُمَّ سَمَّاهُمْ»
كَمَا مَضَى فِي رِوَايَتِهِ عَنْ مَعْبَدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، قَالَ: «كَانَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ أَحَدَ النُّقَبَاءِ وَكَانَتِ الْأَنْصَارُ مِنْهُمُ اثْنَا عَشَرَ نَقِيبًا وَكَانُوا سَبْعِينَ رَجُلًا» .
قَالَ مَالِكٌ: فَحَدَّثَنِي شَيْخٌ مِنَ الْأَنْصَارِ «أَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ كَانَ يُشِيرُ لَهُ إِلَى مَنْ يَجْعَلُهُ نَقِيبًا، قَالَ مَالِكٌ: كُنْتُ أَعْجَبُ كَيْفَ جَاءَ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلَانِ، وَمِنْ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ، حَتَّى حَدَّثَنِي هَذَا الشَّيْخُ أَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ كَانَ يُشِيرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْبَيْعَةِ، يَوْمَ الْعَقَبَةِ، قَالَ لِي مَالِكٌ: عِدَّةُ النُّقَبَاءِ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا تِسْعَةٌ مِنَ الْخَزْرَجِ، وَثَلَاثَةٌ مِنَ الْأَوْسِ» [(٢٨)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَتَّابٍ،
_________________
(١) [(٢٨)] قَالَ ابن عبد البر في: الدرر في اختصار المغازي والسير ص (٧١): وكان المبايعون لِرَسُولِ اللهِ ﵌ تلك الليلة سبعين رجلا وامرأتين. واختار رسول الله ﵌ مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا، وهم: أسعد بن زرارة بن عدس أبو أمامة، وهو أحد الستة، وأحد الإثني عشر، وأحد السبعين، وسعد بن الربيع، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ، وَرَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ العجلان وهو أيضا أحد الستة وأحد الاثني عشر وأحد السبعين، والبراء بْنُ مَعْرُورَ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو بن حرام، وسعد بن عبادة بن دليم، والمنذر ابن عمرو بن خنيس، وعبادة بن الصامت وهو أحد الستة في قول بعضهم، وأحد الاثني عشر وأحد السبعين. فهؤلاء تِسْعَةٌ مِنَ الْخَزْرَجِ، وَثَلَاثَةٌ من الأوس: أسيد بن حضير، وسعد بن خيثمة بن الحارث، ورفاعة بن عبد المنذر. وهؤلاء هم النقباء. وقد أسقط قوم رفاعة بن عبد المنذر منهم، وعدّوا مكانه أبا الهيثم بن التّيهان، والله أعلم.
[ ٢ / ٤٥٣ ]
قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْجَوْهَرِيُّ، قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي أَوْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ عَمِّهِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ.
(ح) وَأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ فُلَيْحٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: وَحَدَّثَنَا يَعْقُوبُ قَالَ وَذَكَرَ حَسَّانَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ، وَهَذَا لَفْظُ حَدِيثِهِ، عَنِ ابْنِ عَتَّابٍ، قَالَ:
«ثُمَّ حَجَّ الْعَامَ الْمُقْبِلَ مِنَ الْأَنْصَارِ سَبْعُونَ رَجُلًا مِنْهُمْ أَرْبَعُونَ رَجُلًا مِنْ ذَوِي أَسْنَانِهِمْ، وَثَلَاثُونَ مِنْ شَبَابِهِمْ أَصْغَرُهُمْ عُقْبَةُ بْنُ عَمْرِو بْنِ ثَعْلَبَةَ، وَهُوَ أَبُو مَسْعُودٍ، وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، فَلَقَوْهُ بِالْعَقَبَةِ وَمَعَ رَسُولِ اللهِ ﵌ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَلَمَّا أَخْبَرَهُمْ رَسُولُ الله ﵌ بِالَّذِي خَصَّهُ اللهُ ﷿ بِهِ مِنَ النُّبُوَّةَ، وَالْكَرَامَةِ، وَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَإِلَى أَنْ يُبَايِعُوهُ عَلَى أَنْ يَمْنَعُوهُ مِمَّا يَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، أَجَابُوا اللهَ وَرَسُولَهُ، وَصَدَّقُوهُ، وَقَالُوا: اشْتَرِطْ عَلَيْنَا لِرَبِّكَ ﷿ وَلِنَفْسَكَ مَا شِئْتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: أَشْتَرِطُ لِرَبِّي أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَشْتَرِطُ لِنَفْسِي أَنْ تَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ،
فَلَمَّا اطْمَأَنَّتْ بِذَلِكَ أَنْفُسُهُمْ مِنَ الشَّرْطِ أَخَذَ عَلَيْهِمُ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ الْمَوَاثِيقَ لِرَسُولِ اللهِ ﵌ بِالْوَفَاءِ، وَعَظَّمَ الْعَبَّاسُ الَّذِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﵌، وَذَكَرَ أَنَّ أُمَّ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ سَلْمَى بِنْتَ عَمْرِو بْنِ زَيْدِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي مُبَايَعَةِ أَبِي الْهَيْثَمِ بْنِ التَّيِّهَانِ له أَوَّلًا، وَمَا قَالَ وَمَا أَجَابَهُ رَسُولُ اللهِ ﵌ بِمَعْنَى مَا مَضَى فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ، ثُمَّ ذَكَرَ أَسْمَاءَ الَّذِينَ بَايَعُوهُ ﵃، قَالَ عُرْوَةُ: فَجَمِيعُ مَنْ شَهِدَ الْعَقَبَةَ مِنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ سَبْعُونَ رَجُلًا وَامْرَأَةً» [(٢٩)] .
_________________
(١) [(٢٩)] في سيرة ابن هشام أنهم كانوا ثلاثة وسبعين رجلا وامرأتين، وعند ابن سعد: أنهم كانوا سبعين يزيدون رجلا أو رجلين.
[ ٢ / ٤٥٤ ]
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ: قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بن بكير، عن ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: «فَجَمِيعُ من شهد العقبة من الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ وَأَفْنَاءِ الْقَبَائِلِ سَبْعُونَ رَجُلًا وَامْرَأَتَانِ مِنْ بَنِي الْخَزْرَجِ إِحْدَاهُمَا أُمُّ عُمَارَةَ وَزَوْجُهَا وَابْنَاهَا فَجَمِيعُ أَصْحَابِ الْعَقَبَةِ مَعَ الْمَرْأَتَيْنِ خَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ نَفْسًا» [(٣٠)] .
وَسَمَّاهُمُ ابْنُ إِسْحَاقَ وَذِكْرُهُمْ هَهُنَا مِمَّا يَطُولُ بِهِ الْكِتَابُ [(٣١)] .
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: «فَلَمَّا تَفَرَّقَ النَّاسُ عَنْ بَيْعَةِ رَسُولِ اللهِ ﵌ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ، وَكَانَ الْغَدُ فَتَّشَتْ قُرَيْشٌ عَنِ الْخَبَرِ وَالْبَيْعَةِ فَوَجَدُوهُ حَقًّا، فَانْطَلَقُوا فِي طَلَبِ الْقَوْمِ، فَأَدْرَكُوا: سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ وَأَفْلَتَهُمْ مُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو، فَشَدُّوا يَدَيْ سَعْدِ إِلَى عُنُقِهِ بِنِسْعَةٍ [(٣٢)]، وَكَانَ ذَا شَعْرٍ كَثِيرٍ، فَطَفِقُوا يَجْبِذُونَهُ بِجُمَّتِهِ، وَيَصُكُّونَهُ، وَيَلْكِزُونَهُ إِلَى أَنْ جَاءَ مُطْعِمُ بْنُ عَدِيِّ، وَالْحَارِثُ بْنُ أُمَيَّةَ وَكَانَ سَعْدٌ يُجِيرُهُمَا إِذَا قَدِمَا الْمَدِينَةَ حَتَّى أَطْلَقَاهُ مِنْ أَيْدِيهِمْ وَخَلَّيَا سَبِيلَهُ» [(٣٣)] .
وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، قَالَ: «كَانَتْ حَوَّاءُ بِنْتُ زَيْدِ بْنِ السَّكَنِ، عِنْدَ قَيْسِ بْنِ عُبَيْدِ الْخَطِيبِ، كَذَا قَالَ وَإِنَّمَا هُوَ ابْنُ الْخَطِيمِ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَتْ أُمُّهَا عَقْرَبُ بِنْتُ مُعَاذٍ أُخْتَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، فَأَسْلَمَتْ حَوَّاءُ، فَحَسُنَ إِسْلَامُهَا، وَكَانَ زَوْجُهَا قَيْسٌ عَلَى كَفْرِهِ، فَكَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهَا وَهِيَ تُصَلِّي، فَيُؤْذِيهَا، وَكَانَ لَا يَخْفَى عَلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ بِمَكَّةَ أَمْرٌ يَكُونُ بِالْمَدِينَةِ إِلَّا بَلَغَهُ وَأُخْبِرَ به.
_________________
(١) [(٣٠)] سيرة ابن هشام (٢: ٦٣) و(٢: ٧٤) . [(٣١)] أسماؤهم عند ابن هشام على حسب القبائل (٢: ٦٤- ٧٥)، ورتبهم الصالحي مصنف السيرة الشامية أبجديا على الأحرف (٣: ٢٩٣- ٣٠٧) . [(٣٢)] النسع: الشراك الذي يشد به الرحل. [(٣٣)] سيرة ابن هشام (٢: ٥٨- ٥٩) .
[ ٢ / ٤٥٥ ]
قَالَ قَيْسٌ فَقَدِمْتُ مَكَّةَ فِي رَهْطٍ مِنْ مُشْرِكِي قَوْمِي حُجَّاجًا، فَبَيْنَا نَحْنُ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ يَسْأَلُ عَنِّي فَدُلَّ عَلَيَّ فَأَتَانِي فَقَالَ أَنْتَ قَيْسٌ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ زَوْجُ حَوَّاءَ قلت نعم قال فمالك تَعْبَثُ بِامْرَأَتِكَ وَتُؤْذِيهَا عَلَى دِينِهَا فَقُلْتُ: إِنِّي لَا أَفْعَلُ قَالَ فَلَا تَفْعَلْ ذَلِكَ بِهَا دَعْهَا لِي، قُلْتُ: نَعَمْ، فَلَمَّا قَدِمَ قَيْسٌ الْمَدِينَةَ ذَكَرَ ذَلِكَ لِامْرَأَتِهِ وَقَالَ فَشَأْنُكِ بِدِينِكِ فو الله مَا رَأَيْتُهُ إِلَّا حَسَنَ الْوَجْهِ حَسَنَ الْهَيْئَةِ.
وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: كَانَ مُعَاذُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ قَدْ شَهِدَ الْعَقَبَةَ، وَبَايَعَ رَسُولَ الله ﵌ بِهَا، وَكَانَ عَمْرٌو سَيِّدًا مِنْ سَادَاتِ بَنِي سَلِمَةَ، وَكَانَ قَدِ اتَّخَذَ فِي دَارِهِ صَنَمًا مِنْ خَشَبٍ يُقَالُ لَهُ: مُنَافَةُ فَلَمَّا أَسْلَمَ فِتْيَانُ بَنِي سَلِمَةَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَابْنُهُ مُعَاذُ بْنُ عَمْرٍو وَغَيْرُهُمَا كَانُوا يَدْخُلُونَ بِاللَّيْلِ عَلَى صَنَمِ عَمْرٍو فَيَحْمِلُونَهُ فَيَطْرَحُونَهُ فِي بَعْضِ حُفَرِ بَنِي سَلِمَةَ، وَفِيهَا عِذَرُ النَّاسِ مُنَكَّسًا عَلَى رَأْسِهِ، فَإِذَا أَصْبَحَ عَمْرٌو، قَالَ: وَيْلَكُمْ مَنْ عَدَا عَلَى إِلَهِنَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ، ثُمَّ يَغْدُو يَلْتَمِسُهُ حَتَّى إِذَا وَجَدَهُ غَسَّلَهُ وَطَهَّرَهُ وَطَيَّبَهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَا وَاللهِ لَوْ أَعْلَمُ مَنْ يَصْنَعُ هَذَا بِكَ لَأُحَرِّقَهُ، فَإِذَا أَمْسَى وَقَامَ عَمْرٌو عَدَوْا عَلَيْهِ فَفَعَلُوا بِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَفَعَلَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا أَلَحُّوا عَلَيْهِ اسْتَخْرَجَهُ مِنْ حَيْثُ أَلْقَوْهُ فَغَسَلَهُ وَطَهَّرَهُ وَطَيَّبَهُ ثُمَّ جَاءَ بِسَيْفِهِ فَعَلَّقَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: إِنِّي وَاللهِ مَا أَعْلَمُ مَنْ يَصْنَعُ بِكَ مَا تَرَى فَإِنْ كَانَ فِيكَ خَيْرٌ فَامْتَنِعْ، فَهَذَا السَّيْفُ مَعَكَ، فَلَمَّا أَمْسَوْا وَنَامَ عَدَوْا عَلَيْهِ فَأَخَذُوا السَّيْفَ مِنْ عُنُقِهِ، ثُمَّ أَخَذُوا كَلْبًا مَيِّتًا، فَعَلَّقُوهُ، وَقَرَنُوهُ بِحَبْلٍ، ثُمَّ أَلْقَوْهُ فِي بِئْرٍ مِنْ آبَارِ بَنِي سَلِمَةَ فِيهَا عِذَرُ النَّاسِ، وَغَدَا عَمْرٌو فَلَمْ يَجِدْهُ، فَخَرَجَ يَتْبَعُهُ حَتَّى وَجَدَهُ فِي الْبِئْرِ مُنَكَّسًا مَقْرُونًا بِكَلْبٍ مَيِّتٍ، فَلَمَّا رَآهُ أَبْصَرَ شَأْنَهُ وَكَلَّمَهُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ قَوْمِهِ، فَأَسْلَمَ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ، فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، فَقَالَ عَمْرٌو حِينَ أَسْلَمَ، وَعَرَفَ مِنَ اللهِ مَا عَرَفَ وَهُوَ يذكر صنمه ذلك:
. تَاللهِ [(٣٤)] لَوْ كُنْتَ إِلَهًا لَمْ تَكُنْ أَنْتَ وَكَلْبٌ وَسْطَ بِئْرٍ فِي قَرَنْ [(٣٥)]
_________________
(١) [(٣٤)] ابن هشام: «والله» . [(٣٥)] القرن: الحبل.
[ ٢ / ٤٥٦ ]
أُفٍّ لِمَصْرَعِكَ [(٣٦)] إِلَهًا مُسْتَدَنْ الْآنَ فَتَّشْنَاكَ عَنْ سُوءِ الْغَبَنْ [(٣٧)]
الْحَمْدُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ ذِي الْمِنَنْ الْوَاهِبِ الرَّزَّاقِ وَدَيَّانِ الدِّيَنْ
هُوَ الَّذِي أَنْقَذَنِي مِنْ قَبْلِ أَنْ أَكُونَ فِي ظُلْمَةِ قَبْرٍ مُرْتَهَنْ
بِأَحْمَدَ الْمَهْدِيِّ النَّبِيِّ المؤتمن [(٣٨)]
_________________
(١) [(٣٦)] ابن هشام: «أفّ لملقاك» . [(٣٧)] مستدن: ذليل، والغبن يكون في الرأي، وهو سفاهة الرأي. [(٣٨)] الزيادة من سيرة ابن هشام، والخبر عنده (٢: ٦١- ٦٣) .
[ ٢ / ٤٥٧ ]
بَابُ مَنْ هَاجَرَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﵌ إِلَى الْمَدِينَةِ حِينَ أُرِيَهَا دَارَ هِجْرَتِهِ قَبْلَ نُزُولِ الْإِذْنِ لَهُ بِالْخُرُوجِ
حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ: إِمْلَاءً، قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: الْقَاسِمُ بْنُ الْقَاسِمِ السَّيَّارِيُّ بِمَرْوَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ هِلَالٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ عُبَيْدٍ الْكِنْدِيُّ، عَنْ غَيْلَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْعَامِرِيِّ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ جَرِيرٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﵌، قَالَ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَيَّ أَيَّ هَؤُلَاءِ الْبِلَادِ الثَّلَاثِ نَزَلْتَ فَهِيَ دَارُ هِجْرَتِكَ:
الْمَدِينَةُ، أَوِ الْبَحْرَيْنِ، أَوْ قِنَّسْرِينُ، قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ ثُمَّ عَزَمَ لَهُ عَلَى الْمَدِينَةِ فَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالْهِجْرَةِ إِلَيْهَا» [(١)] .
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ أَبِي مَنِيعٍ،
_________________
(١) [(١)] أخرجه الترمذي في: ٥٠- كتاب المناقب (٦٨) باب في فضل المدينة، الحديث (٣٩٢٣)، صفحة (٥: ٧٢١)، وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث الفضل بن موسى. وفي سند الحديث: غَيْلَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ العامري، ذكره ابن حبان في الثقات (٧: ٣١١)، وقال: «يروي عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ حديثا منكرا، وروى عنه: عيسى بن عبيد، قال: ان الله أوحى إليّ أن دار هجرتك بالمدينة» اه. والحديث أيضا عند البخاري في «التاريخ الكبير» (٤: ١: ١٠٥)، ونقله ابن حجر في التهذيب (٨: ٢٥٤) .
[ ٢ / ٤٥٨ ]
قَالَ: حَدَّثَنَا جَدِّي، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «قَالَ النَّبِيُّ ﵌ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ لِلْمُسْلِمِينَ: قَدْ أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ: أريت سبخة [(٢)] ذات نَخْلٍ بَيْنَ لَابَتَيْنِ [(٣)]، وَهُمَا الْحَرَّتَانِ، فَهَاجَرَ مَنْ هَاجَرَ قِبَلَ الْمَدِينَةِ حِينَ ذَكَرَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﵌، وَرَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ بَعْضُ مَنْ كَانَ هَاجَرَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَتَجَهَّزَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ مُهَاجِرًا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﵌: عَلَى رِسْلِكَ فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يُؤْذَنَ لِي، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَتَرْجُو ذَلِكَ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي؟
قَالَ: نَعَمْ فَحَبَسَ أَبُو بَكْرٍ نَفْسَهُ عَلَى رَسُولِ الله ﵌ ليصتحبه، وَعَلَفَ رَاحِلَتَيْنِ عِنْدَهُ وَرَقَ السَّمُرِ [(٤)] أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ» .
أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ [(٥)] فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ عُقَيْلٍ وَغَيْرِهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ بِبَغْدَادَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَتَّابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ عَمِّهِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ (ح) .
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُلَيْحٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَهَذَا لَفْظُ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: «فَلَمَّا اشْتَدُّوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ وَالْمُسْلِمِينَ، أَمَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﵌ بِالْخُرُوجِ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَخَرَجُوا أَرْسَالًا [(٦)] فَخَرَجَ مِنْهُمْ قبل خروج رسول
_________________
(١) [(٢)] سبخة: الأرض تعلوها الملوحة، ولا تكاد تنبت شيئا، إلا بعض الشجر. [(٣)] بين لابتين: الأرض فيها حجارة سود كأنها احترقت بالنار، وكذلك الحرّة. [(٤)] ورق السمر: شجر الطلح. [(٥)] أخرجه البخاري في: ٣٩- كتاب الكفالة (٤) باب جوار أبي بكر فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﵌ وعقده، فتح الباري (٤: ٤٧٥- ٤٧٦) . [(٦)] أرسالا: جماعات.
[ ٢ / ٤٥٩ ]
الله ﵌ إِلَى الْمَدِينَةِ: أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ، وَامْرَأَتُهُ أُمُّ سَلَمَةَ بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ [(٧)]، وَعَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَامْرَأَتُهُ أُمُّ عَبْدِ اللهِ بِنْتُ أَبِي حَثْمَةَ، وَيُقَالُ: أَوَّلُ ظَعِينَةٍ [(٨)] قَدِمَتِ الْمَدِينَةَ أُمُّ سَلَمَةَ. وَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ أُمُّ عَبْدِ اللهِ- وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَمُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، [(٩)] وَعُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ، وَأَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَعَبْدُ الله بن جخش، وَعُثْمَانُ بْنُ الشَّرِيدِ، وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ.
فَنَزَلَ أَبُو سَلَمَةَ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ جَحْشٍ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ.
ثُمَّ خَرَجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَعَيَّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ فِي أَصْحَابٍ لَهُمْ، فَنَزَلُوا فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَطَلَبَ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ وَالْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ والعاص بن هشام وَعَيَّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ وَهُوَ أَخُوهُمْ لِأُمِّهِمْ، فَقَدِمُوا الْمَدِينَةَ فَذَكَرُوا لَهُ حُزْنَ أُمِّهِ وَقَالُوا لَهُ: إِنَّهَا حَلَفَتْ لَا يُظِلُّهَا سَقْفُ بَيْتٍ، وَلَا يَمَسُّ رَأْسَهَا دُهْنٌ حَتَّى تَرَاكَ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ نَطْلُبْكَ فَنُذَكِّرُكَ اللهَ فِي أُمِّكَ، وَكَانَ بِهَا رَحِيمًا وَكَانَ يَعْلَمُ مِنْ حُبِّهَا إِيَّاهُ وَرَأْفَتِهَا بِهِ، فَصَدَّقَ قَوْلَهُمْ وَرَقَّ لَهَا، وَلَمَّا ذَكَرُوا لَهُ مِنْهَا أَبَى أَنْ يَتْبَعْهُمَا حَتَّى عَقَدَ لَهُ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ عَقْدًا، فَلَمَّا خَرَجَا بِهِ أَوْثَقَاهُ فَلَمْ يَزَلْ هُنَالِكَ حَتَّى خَرَجَ مَعَ مَنْ خَرَجَ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﵌ يَدْعُو لَهُ بِالْخَلَاصِ.
قَالَ: وَخَرَجَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، فَنَزَلَ عَلَى سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، فِي بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ.
وَخَرَجَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وطلحة بن عبيد الله، وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ، وَطَائِفَةٌ أخرى.
_________________
(١) [(٧)] ابن عبد البر في الدرر: «وحبست عنه امرأته أُمُّ سَلَمَةَ بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ بمكة نحو سنة، ثم أذن لها في اللحاق بزوجها فانطلقت مهاجرة، وشيعها عثمان بن طلحة بن أبي طلحة وهو كافر إلى المدينة» . [(٨)] الظعينة: المرأة في الهودج. [(٩)] في بعض الروايات أنه أول من هاجر.
[ ٢ / ٤٦٠ ]
فَأَمَّا طَلْحَةُ فَخَرَجَ إِلَى الشَّامِ.
ثُمَّ تَتَابَعَ أَصْحَابُ رسول الله ﵌ كَذَلِكَ إِلَى الْمَدِينَةِ رُسُلًا، وَمَكَثَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ بِمَكَّةَ حَتَّى قَدِمُوا بَعْدَ مَقْدِمِهِ الْمَدِينَةَ، مِنْهُمْ: سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ» .
قُلْتُ: قَدِ اخْتُلِفَ فِي قُدُومِ سَعْدٍ، فَقِيلَ: كَذَا وَقِيلَ إِنَّهُ مِمَّنْ قَدِمَ قَبْلَ قُدُومِ النَّبِيِّ ﵌ [(١٠)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ: «لَمَّا أَجْمَعْنَا الْهِجْرَةَ أُقْعَدْتُ أَنَا وَعَيَّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ، وَهِشَامُ بن العاص ابن وَائِلٍ، وَقُلْنَا: الْمِيعَادَ بَيْنَنَا التَّنَاضُبُ [(١١)] مِنْ إِضَاةِ [(١٢)] بَنِي غِفَارٍ، فمن أصبح
_________________
(١) [(١٠)] الدرر (٧٧- ٧٩) . [(١١)] «التناضب» قال أبو ذر: «بضم الضاد، يقال: هو اسم موضع ومن رواه بكسر الضاد فهو جمع تنضب، وهو شجر، واحدته تنضبة، وقيده الوقشي بكسر الضاد كما ذكرنا» أه كلامه، وقال السهيلي: «التناضب بكسر الضاد، كأنه جمع تنضبة، وهو ضرب من الشجر تألفه الحرباء، قال الشاعر: أنّى أتيح له حرباء تنضبة* لا يرسل السّاق إلّا ممسكا ساقا ودخان التنضب أبيض، ذكره أبو حنيفة في النبات. وقال الجعدي: كأنّ الغبار الّذي غادرت* ضحيّا دواخن من تنضب شبه الغبار بدخان التنضب لبياضه، وقال آخر: وهل أشهدن خيلا كأنّ غبارها* بأسفل علكد دواخن تنقب اه كلامه. وقال ياقوت: «تنضب: قرية من أعمال مكة بأعلى نخلة، فيها عين جارية» اه. [(١٢)] قال أبو ذر: «الأضاة: الغدير يجمع من ماء المطر، يمد ويقصر» اهـ، وقال السهيلي: «والأضاة: الغدير، كأنها مقلوب من وضأة على وزن فعلة (بفتحات) واشتقاقه من الوضاءة بالمد،
[ ٢ / ٤٦١ ]
مِنْكُمْ لَمْ يَأْتِهَا فَقَدْ حُبِسَ فَلْيَمْضِ صَاحِبَاهُ، فَأَصْبَحَتُ عِنْدَهَا أَنَا وَعَيَّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ وَحُبِسَ عَنَّا هِشَامُ، وَفُتِنَ فَافْتَتَنَ، وَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فَكُنَّا نَقُولُ: مَا اللهُ بِقَابِلٍ مِنْ هَؤُلَاءِ تَوْبَةً: عَرَفُوا اللهَ، وَآمَنُوا بِهِ، وَصَدَّقُوا رَسُولَهُ، ثُمَّ رَجَعُوا عَنْ ذَلِكَ لِبَلَاءٍ أَصَابَهُمْ مِنَ الدُّنْيَا، وَكَانُوا يَقُولُونَهُ لِأَنْفُسِهِمْ. فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿ فِيهِمْ:
قُلْ يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ [(١٣)] الْآيَةَ.
قَالَ عُمَرُ: فَكَتَبْتُهَا بِيَدِي كِتَابًا [(١٤)]، ثُمَّ بَعَثْتُ بِهَا إِلَى هِشَامٍ، فَقَالَ هشام ابن الْعَاصِ: فَلَمَّا قَدِمَتْ [(١٥)] عَلَيَّ خَرَجْتُ بِهَا إِلَى ذِي طُوًى فَجَعَلْتُ أُصَعِّدُ بِهَا وَأَصُوبُ لِأَفْهَمُهَا، فَقُلْتُ: اللهُمَّ فَهِّمْنِيهَا فَعَرَفْتُ إِنَّمَا نَزَلَتْ فِينَا، كَمَا كُنَّا نَقُولُ فِي أَنْفُسِنَا، وَيُقَالُ: فِينَا، فَرَجَعْتُ فَجَلَسْتُ عَلَى بَعِيرِي، فَلَحِقْتُ بِرَسُولِ اللهِ ﵌ [(١٦)] فَقُتِلَ هِشَامُ شَهِيدًا بِأَجْنَادِينَ فِي وِلَايَةِ أَبِي بَكْرٍ ﵁» .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جعفر:
_________________
(١) [()] وهي النظافة، لأن الماء ينظف، وجمع الإضاءة إضاء، قال: النابغة: وهنّ إضاء صافنات الغلائل وهذا الجمع يحتمل أن يكون غير مقلوب، فتكون الهمزة بدلا من الواو المكسورة في وضاء، لأن قياس الواو المكسورة يقتضي جواز الهمز، ويكون الواحد مقلوبا، لأن الواو المفتوحة لا تهمز، وقد يجوز أن يكون الجمع محمولا على الواحد فيكون مقلوبا مثله» اه ولا نسلم له أن الواو المفتوحة لا تهمز، فقد قالوا في أسماء: إن همزتها بدل من الواو وأصلها وسماء، وهي فعلاء من الوسامة، وقالوا في قولهم: امرأة أناة: إن الهمزة مبدلة من الواو وأصلها: وناة، من الونى وهو الفتور. وقال السهيلي أيضا: «وأضاة بني غفار: على عشرة أميال من مكة» اه، وقال ياقوت «أضاءة بني غفار: موضع قريب من مكة فوق سرف قرب التناضب، له ذكر في حديث المغازي وغفار: قبيلة من كنانة» اه. [(١٣)] الآية الكريمة (٥٣) من سورة الزمر. [(١٤)] ابن هشام، في صحيفة. [(١٥)] ابن هشام: «أتتني» . [(١٦)] سيرة ابن هشام (٢: ٨٦- ٨٧) .
[ ٢ / ٤٦٢ ]
قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ زُرَارَةَ بْنِ مُصْعَبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: «قَدِمْنَا مِنْ مَكَّةَ فَنَزَلْنَا الْعُصْبَةُ:
عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، وَسَالِمُ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، فَكَانَ يَؤُمُّهُمْ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ لِأَنَّهُ كَانَ أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا» .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاءٍ.
(ح) أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرِ بْنُ قَتَادَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا أَبُو خَلِيفَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاءٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ، فَذَكَرَ حَدِيثَ الْهِجْرَةِ وَالْقِبْلَةِ، قَالَ الْبَرَاءُ: «وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ قَدِمَ عَلَيْنَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ: مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ أَخُو بَنِي عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيِّ، فَقُلْنَا، لَهُ: مَا فَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﵌؟ فَقَالَ: هُوَ مَكَانَهُ، وَأَصْحَابُهُ عَلَى أَثَرِي، ثُمَّ أَتَى بَعْدَهُ عَمْرُو بْنُ أُمُّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى، أَخُو بَنِي فِهْرٍ، فَقُلْنَا لَهُ: مَا فَعَلَ مَنْ وَرَاءَكَ رَسُولُ اللهِ ﵌ وَأَصْحَابُهُ، قَالَ: هُمْ عَلَى الْأَثَرِ، ثُمَّ أَتَى بَعْدَهُ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، وسعد بن أبي وقاص، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَبِلَالٌ، ثُمَّ أَتَانَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي عِشْرِينَ رَاكِبًا، ثُمَّ أَتَانَا بَعْدَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﵌ وَأَبُو بَكْرٍ مَعَهُ.
زَادَ أَبُو خَلِيفَةَ فِي رِوَايَتِهِ: قَالَ الْبَرَاءُ فَلَمْ يَقْدَمْ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﵌ حَتَّى قَرَأْتُ سُورًا مِنَ الْمُفَصَّلِ ثُمَّ خَرَجْنَا نَتَلَقَّى الْعِيرَ فَوَجَدْنَاهُمْ قَدْ حذروا» [(١٧)] .
_________________
(١) [(١٧)] الحديث أخرجه البخاري في: ٦٣- كتاب مناقب الأنصار، (٤٦) باب مَقْدَمِ النَّبِيِّ ﵌ وأصحابه المدينة، الحديث (٣٩٢٥)، فتح الباري (٧: ٢٥٩- ٢٦٠)، وذكره المزي في تحفة الأشراف (٢: ٥٥) ولم يشر أن مسلما قد أخرجه.
[ ٢ / ٤٦٣ ]
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ إِسْرَائِيلَ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، أَنَّهُ ذَكَرَ أَسَامِيَ مَنْ خَرَجَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﵌ إِلَى الْمَدِينَةِ أَتَمَّ مِنْ ذِكْرِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، وَذَلِكَ مِمَّا يَطُولُ بِهِ الْكِتَابُ [(١٨)] .
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: «آخِرُ مَنْ قَدِمَ الْمَدِينَةَ مِنَ النَّاسِ لَمْ يُفْتَنْ فِي دِينِهِ أَوْ يُحْبَسْ: عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وذَلِكَ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ أَخَّرَهُ بِمَكَّةَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَنَامَ عَلَى فِرَاشِهِ، وَأَجَّلَهُ ثَلَاثًا، وَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَدِّيَ إِلَى كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَفَعَلَ، ثُمَّ لَحِقَ بِرَسُولِ اللهِ ﵌» [(١٩)] .
_________________
(١) [(١٨)] انظر سيرة ابن هشام (٢: ٧٧- ٩٢) . [(١٩)] سيرة ابن هشام (٢: ١١١)، وقال ابن إسحق (٢: ٩٨): ولم يعلم، فيما بلغني، بِخُرُوجِ رَسُولِ اللهِ ﵌ أحد حين خرج إلا علي بن أبي طالب وأبو بكر الصديق وآل أبي بكر، أما علي فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌، فيما بلغني، أخبره بخروجه، وأمره أن يتخلّف بعده بمكة حتى يؤدي عَنْ رَسُولِ اللهِ ﵌ الودائع التي كانت عنده للناس، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﵌ ليس بمكة أحد عنده شيء يخشى عليه إلا وضعه عنده، لما يعلم من صدقه وأمانته ﵌.
[ ٢ / ٤٦٤ ]
بَابُ مَكَرِ الْمُشْرِكِينَ بِرَسُولِ اللهِ ﵌ وَعِصْمَةِ اللهِ رَسُولَهُ وَإِخْبَارِهِ إِيَّاهُ بِذَلِكَ حَتَّى خَرَجَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ﵁ مُهَاجِرًا [(١)]-
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ بِبَغْدَادَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: «وَمَكَثَ رسول الله ﵌ بَعْدَ الْحَجِّ بَقِيَّةَ ذِي الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمَ، وَصَفَرَ، ثُمَّ إِنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَمَكْرَهُمْ عَلَى أَنْ يَأْخُذُوا رَسُولَ اللهِ ﵌: فَإِمَّا أَنْ يَقْتُلُوهُ، وَإِمَّا أَنْ يَحْبِسُوهُ، وَإِمَّا أَنْ يُخْرِجُوهُ، وَإِمَّا أَنْ يُوثِقُوهُ، فَأَخْبَرَهُ اللهُ ﷿ بِمَكْرِهِمْ:
وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ [(٢)] .
فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﵌ وأبو بَكْرٍ مِنْ تَحْتِ اللَّيْلِ قِبَلَ الْغَارِ بِثَوْرٍ، وَعَمَدَ عَلِيٌّ ﵁ فَرَقَدَ عَلَى فِرَاشِ رَسُولِ اللهِ ﵌ يُوَارِي عَنْهُ الْعُيُونَ» .
_________________
(١) [(١)] انظر في هجرة الرسول ﵌ إلى المدينة: ابن هشام (٢: ٩٦- ١١٢)، وابن سعد (١: ٢٢٧- ٢٣٨)، وصحيح البخاري (٥: ٥٦)، والطبري (٢: ٣٦٨- ٣٨٣)، وأنساب الأشراف (١: ١٢٠)، والدرر لابن عبد البر (٨٠- ٨٧) وعيون الأثر (١: ٢٢١- ٢٣١)، والبداية والنهاية (٣:
(٢) ٢٠٤)، وتاريخ الإسلام للذهبي (٢: ٢١٨- ٢٣٥)، والنويري (١٦: ٣٣٠) . [(٢)] الآية الكريمة (٣٠) من سورة الأنفال.
[ ٢ / ٤٦٥ ]
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَتَّابٍ الْعَبْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ عَمِّهِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ.
(ح)، وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ الشَّعْرَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَدِّي، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، قَالَ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ، وَهَذَا لَفْظُ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: «وَمَكَثَ رسول الله ﵌ بَعْدَ الْحَجِّ بَقِيَّةَ ذِي الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمَ، وَصَفَرَ، ثُمَّ إِنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ اجْتَمَعُوا أَنْ يَقْتُلُوهُ أَوْ يُخْرِجُوهُ حِينَ ظَنُّوا أَنَّهُ خَارِجٌ، وَعَلِمُوا أَنَّ اللهَ ﷿ قَدْ جَعَلَ لَهُ مَأْوًى وَمَنْعَةً وَلِأَصْحَابِهِ، وَبَلَغَهُمْ إِسْلَامُ مَنْ أَسْلَمَ، وَرَأَوْا مَنْ يَخْرُجُ إِلَيْهِمْ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، فَأَجْمَعُوا أَنْ يَقْتُلُوا رَسُولَ اللهِ ﵌، أَوْ يُثْبِتُوهُ فَقَالَ اللهُ ﷿: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ، وَبَلَغَهُ ﵌ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ الَّذِي أَتَى فِيهِ أَبَا بَكْرٍ أَنَّهُمْ مُبَيِّتُوهُ إِذَا أَمْسَى عَلَى فِرَاشِهِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﵌ وَأَبُو بَكْرٍ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ قِبَلَ الْغَارِ غَارِ ثَوْرٍ، وَهُوَ الْغَارُ الَّذِي ذَكَرَ اللهُ ﷿ فِي الْكِتَابِ، وَعَمَدَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَرَقَدَ عَلَى فِرَاشِ رَسُولِ اللهِ ﵌ يُوَارِي عَنْهُ، وَبَاتَتْ قُرَيْشٌ يَخْتَلِفُونَ وَيَأْتَمِرُونَ:
أَيُّهُمْ يَجْثِمُ عَلَى صَاحِبِ الْفِرَاشِ فَيُوثِقُهُ، فَكَانَ ذَلِكَ أَمْرَهُمْ حَتَّى أَصْبَحُوا، فَإِذَا هُمْ بِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، فَسَأَلُوهُ عَنِ النَّبِيِّ ﵌، فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ، فَعَلِمُوا عِنْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ خَرَجَ فَارًّا مِنْهُمْ، فَرَكِبُوا فِي كُلِّ وَجْهٍ يَطْلُبُونَهُ» .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ
[ ٢ / ٤٦٦ ]
ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: «فَلَمَّا أَيْقَنَتْ قُرَيْشٌ أَنَّ مُحَمَّدًا ﵌ قَدْ بُويِعَ، وَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﵌ مَنْ كَانَ بِمَكَّةَ مِنْ أَصْحَابِهِ أَنْ يَلْحَقُوا بِإِخْوَانِهِمْ بِالْمَدِينَةِ تَآمَرُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ، فَقَالُوا: الْآنَ فَأَجْمِعُوا فِي أَمْرِ مُحَمَّدٍ ﵌ فو الله لَكَأَنَّهُ قَدْ كَرَّ عَلَيْكُمْ بِالرِّجَالِ فَأَثْبِتُوهُ أَوِ اقْتُلُوهُ أَوْ أَخْرِجُوهُ، فَاجْتَمَعُوا لَهُ فِي دَارِ النَّدْوَةِ لِيَقْتُلُوهُ فَلَمَّا دَخَلُوا الدَّارَ اعْتَرَضَهُمُ الشَّيْطَانُ فِي صُورَةِ رَجُلٍ جَمِيلٍ فِي بَتٍّ لَهُ وَالْبَتُّ:
الْكِسَاءُ [(٣)] فَقَالَ: أَدْخُلُ، فَقَالُوا: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ سَمِعَ بِالَّذِي اجْتَمَعْتُمْ لَهُ، فَأَرَادَ أَنْ يَحْضُرَهُ مَعَكُمْ، فَعَسَى أَنْ لَا يَعْدِمَكُمْ مِنْهُ رَأْيٌ وَنُصْحٌ، فَقَالُوا: أَجَلْ فَادْخُلْ.
فَلَمَّا دَخَلَ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ قَدْ كَانَ مِنَ الْأَمْرِ مَا قَدْ عَلِمْتُمْ فَأَجْمِعُوا فِي هَذَا الرَّجُلِ رَأْيًا وَاحِدًا، وَكَانَ مِمَّنِ اجْتَمَعَ لَهُ فِي دَارِ النَّدْوَةِ: شَيْبَةُ وَعُتْبَةُ ابْنَا رَبِيعَةَ، وأبو جهل بن هشام، وَالنَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ، فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ أَرَى أَنْ تَحْبِسُوهُ وَتَرَبَّصُوا بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ حَتَّى يَهْلِكَ كَمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ مِنَ الشُّعَرَاءِ:
زُهَيْرُ بْنُ أَبِي سُلْمَى، وَالنَّابِغَةُ، وَغَيْرُهُمَا.
فَقَالَ النَّجْدِيُّ: وَاللهِ مَا هَذَا لَكُمْ بِرَأْيٍ، وَاللهِ لَئِنْ فَعَلْتُمْ لَيَخْرُجَ رَأْيُهُ وَحَدِيثُهُ حَيْثُ حَبَسْتُمُوهُ إِلَى مَنْ وَرَاءَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَأَوْشَكَ أَنْ يَنْتَزِعُوهُ مِنْ أَيْدِيكُمْ، ثُمَّ يَغْلِبُوكُمْ عَلَى مَا فِي أَيْدِيكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ، فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: بَلْ نُخْرِجُهُ فَنَنْفِيهِ مِنْ بِلَادِنَا، فَإِذَا غُيِّبَ عَنَّا وجهه وحديثه فو الله مَا نُبَالِي أَيْنَ وَقَعَ مِنَ الْبِلَادِ، وَلَئِنْ كَانَ أَجْمَعْنَا بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرَنَا وَأَصْلَحْنَا ذَاتَ بَيْنِنَا، قَالَ النَّجْدِيُّ: لَا وَاللهِ مَا هَذَا لَكُمْ بِرَأْيٍ، أَمَا رَأَيْتُمْ حَلَاوَةَ مَنْطِقِهِ وَحُسْنَ حَدِيثِهِ وَغَلَبَتَهُ عَلَى مَنْ يَلْقَاهُ دُونَ مَنْ خَالَفَهُ، وَاللهِ لَكَأَنِّي بِهِ إِنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ قَدْ دَخَلَ عَلَى قَبِيلَةٍ مِنْ قَبَائِلِ
_________________
(١) [(٣)] وهو الكساء الغليظ المربع، وقيل الطيلسان من خز، وفي تهذيب اللغة: «البت ضرب من الطيالسة، يسمى الساج مربع غليظ أخضر، وجمعه: أبت، وبتات، وبتوت. وفي الصحاح للجوهري: البتي الذي يعمله، ومنه: عثمان بن سليمان البتي المحدث، كان يبيع البتوت.
[ ٢ / ٤٦٧ ]
الْعَرَبِ، فَأَصْفَقَتْ مَعَهُ عَلَى رَأْيِهِ، ثُمَّ سَارَ بِهِمْ إِلَيْكُمْ، حَتَّى يَطَأَكُمْ بِهِمْ، فَلَا وَاللهِ مَا هَذَا لَكُمْ بِرَأْيٍ.
قَالَ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ: وَاللهِ إِنَّ لِي فِيهِ لَرَأْيًا مَا أَرَاكُمْ وَقَعْتُمْ عَلَيْهِ! قَالُوا: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: أَرَى أَنْ تَأْخُذُوا مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ غُلَامًا نَهْدًا جَلْدًا نَسِيبًا وَسِيطًا، ثُمَّ تُعْطُوهُمْ شِفَارًا صَارِمَةً ثُمَّ يَجْتَمِعُوا فَيَضْرِبُوهُ ضَرْبَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمُوهُ تَفَرَّقَ دَمُهُ فِي الْقَبَائِلِ، فَلَمْ تَدْرِ عَبْدُ مَنَافٍ بَعْدَ ذَلِكَ مَا تَصْنَعُ، وَلَمْ يَقْوَوْا عَلَى حَرْبِ قَوْمِهِمْ، فَإِنَّمَا أَقْصَرُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ أَنْ يَأْخُذُوا الْعَقْلَ فَتَدُونَهُ لَهُمْ [(٤)] .
قَالَ النَّجْدِيُّ لِلَّهِ دَرُّ الْفَتَى هَذَا الرَّأْيُ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ [(٥)] .
فَتَفَرَّقُوا عَلَى ذَلِكَ وَاجْتَمَعُوا لَهُ وَأَتَى رَسُولَ اللهِ ﵌ الْخَبَرُ، وَأُمِرَ أَنْ لَا يَنَامَ عَلَى فِرَاشِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَلَمْ يَبِتْ رَسُولُ اللهِ ﵌ حَيْثُ كَانَ يَبِيتُ، وَبَيَّتَ عَلِيًّا فِي مَضْجَعِهِ» [(٦)] .
وَفِيمَا ذَكَرَ أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ: أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ الْمُقْرِئَ، حَدَّثَهُ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ: أَبُو عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عن
_________________
(١) [(٤)] أي تدفعوا لهم الدية. [(٥)] وذكر ابن الكلبي في جمهرة الأنساب أن إبليس لما حمد رأي أبي جهل، قال: الرأي رأيان: رأي ليس يعرفه* هاد ورأي كنصل السيف معروف يكون أوّله عزّ ومكرمة* يوما، وآخره جدّ وتشريف [(٦)] سيرة ابن هشام (٢: ٩٣- ٩٥) .
[ ٢ / ٤٦٨ ]
عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: وَحَدَّثَنِي الْكَلْبِيُّ عَنْ زَاذَانَ مَوْلَى أم هاني، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ نَفَرًا مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ أَشْرَافِ كُلِّ قَبِيلَةٍ اجْتَمَعُوا، فَذَكَرَ مَعْنَى هَذِهِ الْقِصَّةِ إِلَى أَنَّ قَالَ: فَأَتَى جِبْرِيلُ رَسُولَ اللهِ ﵌ فَأَمَرَهُ أَنْ لَا يَبِيتَ فِي مَضْجَعِهِ الَّذِي كَانَ يَبِيتُ فِيهِ وَأَخْبَرَهُ بِمَكْرِ الْقَوْمِ، فَلَمْ يَبِتْ رَسُولُ اللهِ ﵌ فِي بَيْتِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَأَذِنَ اللهُ عِنْدَ ذَلِكَ بِالْخُرُوجِ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ بَعْدَ قُدُومِهِ الْمَدِينَةَ فِي الْأَنْفَالِ يَذْكُرُ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِ وَبَلَاءَهُ عِنْدَهُ: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ [(٧)] . وَأَنْزَلَ فِي قَوْلِهِ تَرَبَّصُوا حَتَّى يَهْلِكَ كَمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ مِنَ الشُّعَرَاءِ أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ [(٨)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: «وَأَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﵌ يَنْتَظِرُ أَمْرَ اللهِ حَتَّى إِذَا اجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ
_________________
(١) [(٧)] سورة الأنفال آية ٣٠. وقال القرطبي (ج ٧ ص ٣٩٨) في تفسير قوله تعالى: «وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ»: المكر من الله هو جزاؤهم بالعذاب على مكرهم من حيث لا يشعرون. وقال الزمخشري (الكشاف ج ١ ص ٣٠٢): أي مكره أنفذ من مكر غيره وأبلغ تأثيرا لأنه لا ينزل إلا ما هو حق وعدل ولا يصيب إلا بما هو مستوجب. وفي النهاية (ج ٤ ص ١٠٣) في حديث الدعاء، اللهم امكر لي ولا تمكر بي. مكر الله إيقاع بلائه بأعدائه دون أوليائه وقيل هو استدراج العبد بالطاعات فيتوهم أنها مقبولة وهي مردودة، والمعنى: ألحق مكرك بأعدائي وأصل المكر الخداع. وفي التاج: قال الليث: المكر من الله تعالى جزاء سمى باسم مكر المجازي. وقال الراغب: مكر الله إمهاله العبد وتمكينه من أغراض الدنيا. وفي الفروق اللغوية لأبي هلال العسكري (طبعة القاهرة سنة ١٣٥٣ هـ ص ٢١٥) أن الكيد والمكر متغايران والشاهد أن الكيد يتعدى بنفسه والمكر يتعدى بحرف فيقال كاده يكيده ومكر به ولا يقال مكره، والذي يتعدى بنفسه أقوى. ونقل الزبيدي في التاج عن البصائر أن المكر ضربان: محمود: وهو ما يتحرى به أمر جميل وعلى ذلك قوله تعالى: والله خير الماكرين، ومذموم: وهو ما يتحرى به فعل ذميم نحو قوله تعالى: «ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله» . [(٨)] الآية (٣٠) من سورة الطور والخبر عند ابن هشام (٢: ٩٥) .
[ ٢ / ٤٦٩ ]
فَمَكَرَتْ بِهِ وَأَرَادُوا بِهِ مَا أَرَادُوا أَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇، فَأَمَرَهُ أَنْ لَا يَبِيتَ فِي مَكَانَهُ الَّذِي كَانَ يَبِيتُ فِيهِ، دَعَا رَسُولُ اللهِ ﵌ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَبِيتَ عَلَى فِرَاشِهِ، وَيَتَسَجَّى بِبُرْدٍ لَهُ أَخْضَرَ فَفَعَلَ، ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﵌ عَلَى الْقَوْمِ وَهُمْ عَلَى بَابِهِ وَخَرَجَ مَعَهُ بِحَفْنَةٍ مِنْ تُرَابٍ فَجَعَلَ يَذَرُّهَا عَلَى رؤوسهم، وَأَخَذَ اللهُ ﷿ بِأَبْصَارِهِمْ عَنْ نَبِيِّهِ وَهُوَ يَقْرَأُ: يَس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ- إِلَى قَوْلِهِ- فَأَغْشَيْناهُمْ [(٩)] فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [(١٠)] وروي عن عكرمة ما يؤكد هذا.
_________________
(١) [(٩)] سورة يس. الآيات (١- ٩)، وفي الروض الأنف (١: ٢٩٢): «في قراءة الآيات الأول من سورة يس من الفقه التذكرة بقراءة الخائضين لها اقتداء به﵇- فقد روى الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ في مسنده عَنِ النَّبِيِّ ﵌ في ذكر فضل يس، أنها: إن قرأها خائف أمن، أو جائع شبع، أو عار كسي، أو عاطش سقي، حتى ذكر خلالا كثيرة. [(١٠)] سيرة ابن هشام (٢: ٩٥- ٩٦) .
[ ٢ / ٤٧٠ ]
بَابُ خُرُوجِ النَّبِيِّ ﵌ مَعَ صَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ﵁- إِلَى الْغَارِ وَمَا ظَهَرَ فِي ذَلِكَ مِنَ الْآثَارِ
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ الْفَقِيهُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، قَالَ وأَخْبَرَنِي أَبُو الْحَسَنِ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عقيل، قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ:
فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﵌ قَالَتْ «لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ [(١)] إِلَّا وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ، وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْنَا يَوْمٌ إِلَّا يَأْتِينَا فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﵌ طَرَفَيِ النَّهَارِ:
بُكْرَةً وَعَشِيَّةً، فَلَمَّا ابْتُلِيَ الْمُسْلِمُونَ، خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ مُهَاجِرًا نَحْو أَرْضِ الْحَبَشَةِ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَرْكَ الْغِمَادِ [(٢)] لَقِيَهُ: ابْنُ الدُّغُنَّةِ [(٣)] وَهُوَ سَيِّدُ الْقَارَةِ، قَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ يَا أَبَا بَكْرٍ؟ قَالَ: أَبُو بَكْرٍ: أَخْرَجَنِي قَوْمِي، فَأُرِيدُ أَنْ أَسِيحَ فِي الْأَرْضِ وَأَعْبُدَ رَبِّي، قَالَ ابْنُ الدُّغُنَّةِ: فَإِنَّ مِثْلَكَ لَا يَخْرُجُ وَلَا يُخْرَجُ، إِنَّكَ تُكْسِبُ الْمَعْدُومَ،
_________________
(١) [(١)] في البخاري: لم أعقل ابويّ قطّ. [(٢)] برك الغماد: موضع بناحية اليمن، مما يلي ساحل البحر، وقال ابن فارس: بضم الغين، وفي التوضيح: برك الغماد: موضع في أقاصي هجر. [(٣)] ابن الدغنة هو: ربيعة بن رفيع أهبان بن ثعلبة السلمي، كان يقال له ابن الدغنة، وهي أُمُّهُ، فَغَلَبَتْ عَلَى اسْمِهِ، شهد حنينا، ثم قدم إِلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ في بني تميم.
[ ٢ / ٤٧١ ]
وَتَصِلَ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ [(٤)]، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ، فَأَنَا لَكَ جَارٌ فَارْجِعْ، فَاعْبُدْ رَبَّكَ بِبَلَدِكَ [(٥)]، فَارْتَحَلَ ابْنُ الدُّغُنَّةِ مَعَ أَبِي بَكْرٍ ﵁، وَطَافَ فِي أَشْرَافِ قُرَيْشٍ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ لَا يَخْرُجُ مِثْلُهُ وَلَا يُخْرَجُ، أَتُخْرِجُونَ رَجُلًا يُكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَيَصِلَ الرَّحِمَ، وَيَحْمِلُ الْكَلَّ، وَيَقْرِي الضَّيْفَ، وَيُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ، فَأَنْفَذَتْ [(٦)] قُرَيْشٌ جِوَارَ ابْنِ الدُّغُنَّةِ، وَأَمَّنُوا أَبَا بَكْرٍ، وَقَالُوا لِابْنِ الدُّغُنَّةِ: مُرْ أَبَا بَكْرٍ فَلْيَعْبُدْ رَبَّهُ فِي دَارِهِ، فَلْيُصَلِّ وَلْيَقْرَأْ مَا شَاءَ، وَلَا يُؤْذِينَا بِذَلِكَ، وَلَا يَسْتَعْلِنُ بِهِ، فَإِنَّا نَخْشَى أَنْ يَفْتِنَ أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا، فَقَالَ ابْنُ الدُّغُنَّةِ ذَلِكَ لِأَبِي بَكْرٍ، فَلَبِثَ أَبُو بَكْرٍ يَعْبُدُ رَبَّهُ فِي دَارِهِ وَلَا يَسْتَعْلِنُ بِالصَّلَاةِ، وَلَا بِالْقِرَاءَةِ فِي غَيْرِ دَارِهِ.
ثُمَّ بَدَا لِأَبِي بَكْرٍ فَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ [وَبَرَزَ] [(٧)] فَكَانَ يُصَلِّي فِيهِ، وَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ، فَيَتَقَذَّفَ [(٨)] عَلَيْهِ نِسَاءُ الْمُشْرِكِينَ وَأَبْنَاؤُهُمْ، يَعْجَبُونَ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَجُلًا بَكَّاءً لَا يَمْلِكُ دَمْعَهُ حِينَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، فَأَفْزَعَ ذَلِكَ أَشْرَافَ قُرَيْشٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَأَرْسَلُوا إِلَى ابْنِ الدُّغُنَّةِ، فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ فَقَالُوا لَهُ:
إِنَّا كُنَّا أَجَرْنَا أَبَا بَكْرٍ عَلَى أَنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ فِي دَارِهِ، وَإِنَّهُ جَاوَزَ ذَلِكَ فَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ، وَأَعْلَنَ الصَّلَاةَ وَالْقِرَاءَةَ، وَإِنَّا قَدْ خَشِينَا أَنْ يَفْتِنَ أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا، فَأْتِهِ فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى أَنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ فِي دَارِهِ فَعَلَ، وَإِنْ أَبَى إِلَّا أَنْ يُعْلِنَ ذَلِكَ فَسَلْهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْكَ ذِمَّتَكَ، فَإِنَّا قَدْ كَرِهْنَا أَنْ نُخْفِرَكَ وَلَسْنَا مُقِرِّينَ لِأَبِي بَكْرٍ الاستعلان.
_________________
(١) [(٤)] تحمل الكلّ: هو ما يثقل حمله من القيام بالعيال ونحوه مما لا يقوم بأمر نفسه. [(٥)] في الصحيح: «فرجع وارتحل..» . [(٦)] في الصحيح: «فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة» . [(٧)] ليست في الصحيح. [(٨)] اي يتدافعون فيتساقطون.
[ ٢ / ٤٧٢ ]
قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَتَى ابْنُ الدُّغُنَّةِ أَبَا بَكْرٍ، فَقَالَ: قَدْ عَلِمْتَ الَّذِي عَاقَدَتُ لَكَ عَلَيْهِ، فَإِمَّا أَنْ تَقْتَصِرَ عَلَى ذَلِكَ، وَإِمَّا أَنْ تَرُدَّ إِلَيَّ ذِمَّتِي، فَإِنِّي لَا أَحَبُّ أَنْ تَسْمَعَ الْعَرَبُ إِنِّي أُخْفِرْتُ فِي رَجُلٍ عَقَدْتُ لَهُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَإِنِّي أَرُدُّ إِلَيْكَ جِوَارَكَ، وَأَرْضَى بِجِوَارِ اللهِ﷿-.
وَرَسُولُ اللهِ ﵌ يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ،
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌ لِلْمُسْلِمِينَ: «قَدْ أُرِيتُ دار هجرتكم، أريت سبخة ذَاتَ نَخْلٍ بَيْنَ لَابَتَيْنِ»،
وَهُمَا الْحَرَّتَانِ، فَهَاجَرَ مَنْ هَاجَرَ قِبَلَ الْمَدِينَةِ، حِينَ ذَكَرَ رَسُولَ اللهِ ﵌، وَرَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ بَعْدُ مَنْ كَانَ هَاجَرَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ،
وَتَجَهَّزَ أَبُو بَكْرٍ مُهَاجِرًا يَعْنِي قِبَلَ الْمَدِينَةِ.
فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﵌: «عَلَى رِسْلِكَ فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يُؤْذَنَ لِي»، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِرَسُولِ اللهِ ﵌: هَلْ تَرْجُو ذَلِكَ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي؟ قَالَ: نَعَمْ.
فَحَبَسَ أَبُو بَكْرٍ نَفْسَهُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ لِيَصْحَبَهُ وَعَلَفَ رَاحِلَتَيْنِ، كَانَتَا عِنْدَهُ وَرَقَ السَّمُرِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ.
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فَبَيْنَا نَحْنُ يَوْمًا جُلُوسٌ فِي بَيْتِنَا فِي نَحْرِ [(٩)] الظَّهِيرَةِ قَالَ قَائِلٌ لِأَبِي بَكْرٍ هَذَا رَسُولُ اللهِ ﵌ مُقْبِلًا مُتَقَنِّعًا فِي سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَأْتِينَا فِيهَا، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فِدَاءٌ لَهُ أَبِي وَأُمِّي، أَمَا وَاللهِ إِنْ جَاءَ بِهِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِلَّا أَمْرٌ، قَالَتْ: فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﵌ فَاسْتَأْذَنَ فَأَذِنَ لَهُ، فَدَخَلَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌ لِأَبِي بَكْرٍ حِينَ دَخَلَ: أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكِ.
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّمَا هُمْ أَهْلُكَ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌:
_________________
(١) [(٩)] (نحر الظهيرة): أي في أول وقت الحرارة، وهي المهاجرة، ويقال: أول الزوال، وهو أشد ما يكون من حر النهار، والغالب في ايام الحر القيلولة فيها.
[ ٢ / ٤٧٣ ]
«فَإِنِّي قَدْ أُذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ»، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: الصَّحَابَةَ [(١٠)] بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ النَّبِيُّ ﵌: «نَعَمْ»، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَخُذْ مِنِّي يَا رَسُولَ اللهِ إِحْدَى رَاحِلَتَيَّ هَاتَيْنِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «بِالثَّمَنِ» [(١١)]،
قَالَتْ عَائِشَةُ:
فَجَهَّزْتُهُمَا [(١٢)] أَحَثَّ الْجِهَازِ [(١٣)] فَصَنَعْنَا لَهُمَا سُفْرَةً فِي جِرَابٍ [(١٤)] فَقَطَعَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ قِطْعَةً مِنْ نِطَاقِهَا [(١٥)] فَأَوْكَتْ بِهِ الْجِرَابَ، فَبِذَلِكَ كَانَتْ تُسَمَّى ذَاتَ النِّطَاقَيْنِ [(١٦)] .
قَالَتْ: ثُمَّ لَحِقَ رَسُولُ اللهِ ﵌ وَأَبُو بَكْرٍ بِغَارٍ فِي جَبَلِ يُقَالُ لَهُ: ثَوْرٌ، فَكَمَنَا [(١٧)] فِيهِ ثَلَاثَ لَيَالٍ: يَبِيتُ عِنْدَهُمَا عَبْدُ الله بن أبي بكر، وَهُوَ غُلَامٌ شَابٌّ لَقِنٌ [(١٨)] ثَقِفٌ [(١٩)] فَيُدْلِجُ [(٢٠)] مِنْ عِنْدِهِمَا بِسَحَرَ فَيُصْبِحُ فِي قُرَيْشٍ بمكة كبائت،
_________________
(١) [(١٠)] أي أريد الصَّحَابَةِ يَا رَسُولَ اللهِ، يَعْنِي المصاحبة. [(١١)] أي لا آخذ إلا بالثّمن، وفي رواية ابن إسحق: لا أركب بعيرا ليس هو لي، قال: فهو لك، قال: لا، ولكن بالثمن الذي ابتعته به، قال: أخذته بكذا وكذا، قال: هو لك، وفي رواية الطبراني عن أسماء، قال: بثمنها يَا أَبَا بَكْرٍ، قَالَ: بثمنها إن شئت. وعن الواقدي ان الثمن ثمانمائة، وان الراحلة التي أَخَذَهَا رَسُولُ اللهِ ﵌ هي القصواء. وانها عاشت بَعْدَ النَّبِيِّ ﵌ قليلا، وماتت فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ، وكانت مرسلة ترعى بالبقيع، وفي رواية أخرجها ابن حبان: انها الجذعاء. [(١٢)] صحيح البخاري: «فجهزناهما» . [(١٣)] أحث الجهاز: أسرعه من وضع الزاد للمسافر والماء. [(١٤)] الجراب: هو إزار فيه تكة تلبسه النساء. [(١٥)] النطاق وهو كل شيء شددت به وسطك. [(١٦)] سميت «ذات النطاقين» لأنها كانت تجعل نطاقا على نطاق، وقيل: كان لها نطاقان: تلبس أحدهما، وتحمل في الآخر الزاد لِرَسُولِ اللهِ ﵌ وهو في الغار. [(١٧)] هكذا ايضا في الصحيح، وفي (ص) و(هـ): فمكثا. [(١٨)] لقن: السريع الفهم. [(١٩)] ثقف: الحاذق الفطن. [(٢٠)] يدّلج: يخرج بالسحر، يقال: أدلج إذا سار في أول الليل، وادّلج: إذا سار في آخره.
[ ٢ / ٤٧٤ ]
فَلَا يَسْمَعُ أَمْرًا يَكِيدُونَ [(٢١)] بِهِ إِلَّا وَعَاهُ حَتَّى يَأْتِيَهُمَا بِخَبَرِ ذَلِكَ حِينَ يَخْتَلِطُ الظَّلَامَ، وَيَرْعَى عَلَيْهِمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ [(٢٢)] مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ مِنْحَةً مِنْ غَنَمٍ فَيَرِيحُ عَلَيْهِمَا حِينَ تَذْهَبُ سَاعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ فَيَبِيتَانِ فِي رِسْلِ مِنْحَتِهِمَا وَرَضِيفِهِمَا، حَتَّى يَنْعِقَ بِهِمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ بِغَلَسٍ، يَفْعَلُ ذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ مِنْ تِلْكَ اللَّيَالِي الثَّلَاثِ.
وَاسْتَأْجَرَ، رَسُولُ اللهِ ﵌ وَأَبُو بَكْرٍ رَجُلًا مِنْ بَنِي الدِّيلِ مِنْ بَنِي عَبْدِ بْنِ عَدِيِّ هَادِيًا خِرِّيتًا [(٢٣)] وَالْخِرِّيتُ الْمَاهِرُ بِالْهِدَايَةِ قَدْ غَمَسَ حِلْفًا فِي آلِ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ، وَهُوَ عَلَى دِينِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، فَأَمِنَاهُ فَدَفَعَا إِلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا، وَوَاعَدَاهُ غَارَ ثَوْرٍ فَأَتَاهُمَا بِرَاحِلَتَيْهِمَا صَبِيحَةَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، فَارْتَحَلَا وَانْطَلَقَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ وَالدَّلِيلُ الدُّؤَلِيُّ فَأَخَذَ بِهِمَا يَدَ بَحْرٍ وَهُوَ طَرِيقُ السَّاحِلِ» .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ [(٢٤)] عَنِ اللَّيْثِ، وَقَالَ: تُكْسِبُ المعدوم.
_________________
(١) [(٢١)] في الصحيح: «يكتادان به» . [(٢٢)] عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ: مَوْلَى أَبِي بكر الصديق، وكان مولدا من مولدي الأزد، واسلم وهو مملوك، فاشتراه أبو بكر واعتقه، شهد بدرا وأحدا، وقتل يوم بئر معونة، قتله عامر بن الطفيل، ودفنته الملائكة. [(٢٣)] قوله خريتا، صفة بعد صفة، وهو بكسر الخاء المعجمة وتشديد الراء وبالياء آخر الحروف الساكنة، وفي آخره تاء مثناة من فوق، والخريت: الماهر بالهداية. أشار به الى تفسير الخريت وهذا مدرج في الخبر من كلام الزهري، وعن الخطابي: الخريت مأخوذ من خرت الابرة كأنه يهتدي لمثل خرتها من الطريق، وخرت الابرة بالضم ثقبها وحكى عن الكسائي خرتنا الأرض إذا عرفناها ولم تخف علينا طرقها، وقال ابن الأثير: الخريت الماهر الذي يهتدي لآخرات المفازة، وهي طرقها الخفية. [(٢٤)] في: ٦٣- كتاب مناقب الأنصار (٤٥) باب هِجْرَةِ النَّبِيِّ ﵌ وأصحابه الى المدينة، فتح الباري (٧: ٢٣٠- ٢٣٢)، بطوله، واخرج البخاري جزءا. من أول هذا الحديث في كتاب الصلاة في باب المسجد يكون في الطريق أخرجه هناك بهذا الاسناد بعينه، وكذلك أخرجه في كتاب الاجازة في باب استئجار المشركين عند الضرورة، عن ابراهيم بن موسى، عن هاشم، عن معمر عن
[ ٢ / ٤٧٥ ]
حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ إِمْلَاءً، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ: أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَبَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا السَّرِيُّ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، قَالَ:
«ذُكِرَ رِجَالٌ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ فَكَأَنَّهُمْ فَضَلُّوا عُمَرَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ ﵄، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ عُمَرُ ﵁، قَالَ: وَاللهِ لَلَيْلَةٌ مِنْ أَبِي بَكْرٍ خَيْرٌ مِنْ آلِ عُمَرَ، وَلَيَوْمٌ مِنْ أَبِي بَكْرٍ خَيْرٌ مِنْ آلِ عُمَرَ، لَقَدْ خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﵌ لَيْلَةَ انْطَلَقَ إِلَى الْغَارِ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ ﵁، فَجَعَلَ يَمْشِي سَاعَةً بَيْنَ يَدَيْهِ وَسَاعَةً خَلْفَهُ، حَتَّى فَطِنَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﵌، فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ مَالِكَ تَمْشِي سَاعَةً بَيْنَ يَدَيَّ وَسَاعَةً خَلْفِي؟ فَقَالَ. يَا رَسُولَ اللهِ أَذْكُرُ الطَّلَبَ، فَأَمْشِي خَلْفَكَ، ثُمَّ أَذْكُرُ الرَّصَدَ فَأَمْشِي بَيْنَ يَدَيْكَ، فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ لَوْ كَانَ شَيْءٌ أَحْبَبْتَ أَنْ يَكُونَ لَكَ دُونِي؟ قَالَ: نَعَمْ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا كَانَتْ لِتَكُنْ مِنْ مُلِمَّةٍ إِلَّا أَحْبَبْتُ أَنْ تَكُونَ لِي دُونَكَ،
فَلَمَّا انْتَهَيْنَا مِنَ الْغَارِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: مَكَانَكَ يَا رَسُولَ اللهِ حَتَّى استبري لَكَ الْغَارَ فَدَخَلَ فَاسْتَبْرَأَهُ حَتَّى إِذَا كَانَ فِي أَعْلَاهُ ذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَبْرِ الْجُحْرَةَ، فَقَالَ: مَكَانَكَ يَا رَسُولَ اللهِ حَتَّى استبري الْجُحْرَةَ، فَدَخَلَ فَاسْتَبْرَأَ، ثُمَّ قَالَ: انْزِلْ يَا رَسُولَ اللهِ، فَنَزَلَ فَقَالَ عُمَرُ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتِلْكَ اللَّيْلَةُ خَيْرٌ مِنْ آلِ عُمَرَ.
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ بِشْرَانَ الْعَدْلُ بِبَغْدَادَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سلمان التجار الْفَقِيهُ إِمْلَاءً، قَالَ: قُرِئَ عَلَى يَحْيَى بْنِ
_________________
(١) [()] الزهري، عن عائشة، من قوله وَاسْتَأْجَرَ رَسُولُ اللهِ ﵌ وَأَبُو بَكْرٍ رَجُلًا من بني الديل إلى قوله وهو على طريق الساحل وكذلك أخرجه في الكفالة بإسناد هذا الباب من قوله أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﵌ قَالَتْ لَمْ أَعْقِلْ ابوي قط إلا وهما يدينان إلى قوله وَرَقَ السَّمُرِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، وكذلك أخرجه في الأدب في باب يزور صاحبه كل يوم له بكرة وعشية، فإنه أخرجه هناك عن ابراهيم عن هشام الى آخره من قوله قَالَتْ لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ الى قوله قد أذن لي بالخروج. وحاصل الكلام ان البخاري اخرج هذا الحديث في هذه المواضع مقطعة مختصرة ولم يخرجه مطولا إلا هنا.
[ ٢ / ٤٧٦ ]
جَعْفَرٍ وَأَنَا أَسْمَعُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الرَّاسِبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي فُرَاتُ بْنُ السَّائِبِ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ ضَبَّةَ بْنِ مِحْصَنٍ الْعَنَزِيِّ، عن عمر ابن الْخَطَّابِ ﵁ فِي قِصَّةٍ ذَكَرَهَا، قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ وَاللهِ لَلَيْلَةٌ مِنْ أَبِي بَكْرٍ وَيَوْمٌ خَيْرٌ مِنْ عُمُرِ عُمَرَ، هَلْ لَكَ أَنْ أُحَدِّثَكَ بِلَيْلَتِهِ وَيَوْمِهِ؟ قَالَ: قُلْتُ نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ أَمَّا لَيْلَتُهُ فَلَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﵌ هارب مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ خَرَجَ لَيْلًا فَتَبِعَهُ أَبُو بَكْرٍ، فَجَعَلَ يَمْشِي مَرَّةً أَمَامَهُ، وَمَرَّةً خَلْفَهُ، وَمَرَّةً عَنْ يَمِينِهِ، وَمَرَّةً عَنْ يَسَارِهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﵌: «مَا هَذَا يَا أَبَا بَكْرٍ مَا أَعْرِفُ هَذَا مِنْ فِعْلِكَ؟» قَالَ: يَا رَسُولُ اللهِ أذكر الرَّصَدَ فَأَكُونُ أَمَامَكَ، وَأَذْكُرُ الطَّلَبَ فَأَكُونُ خَلْفَكَ، وَمَرَّةً عَنْ يَمِينِكِ وَمَرَّةً عَنْ يَسَارِكَ، لَا آمَنَ عَلَيْكَ، قَالَ: فَمَشَى رَسُولُ اللهِ ﵌ لَيْلَتَهُ عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعَهُ، حَتَّى حَفِيَتْ رِجْلَاهُ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ ﵁ أَنَّهَا قَدْ حَفِيَتْ حَمَلَهُ عَلَى كَاهِلِهِ، وَجَعَلَ يَشْتَدُّ بِهِ حَتَّى أَتَى بِهِ فَمَّ الْغَارِ، فَأَنْزَلَهُ، ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا تَدْخُلُهُ حَتَّى أَدْخَلَهُ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ شَيْءٌ نَزَلَ بِي قَبْلَكَ، فَدَخَلَ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا، فَحَمَلَهُ فَأَدْخَلَهُ، وَكَانَ فِي الْغَارِ خَرْقٌ فيه حيات وأفاعي، فَخَشِيَ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُنَّ شَيْءٌ يُؤْذِي رَسُولَ اللهِ ﵌، فَأَلْقَمَهُ قَدَمَهُ فَجَعَلْنَ يَضْرِبْنَهُ وَيَلْسَعْنَهُ: الْحَيَّاتُ وَالْأَفَاعِي، وَجَعَلَتْ دُمُوعُهُ تَنْحَدِرُ وَرَسُولُ الله ﵌، يَقُولُ لَهُ: يَا أَبَا بَكْرٍ! لَا تَحْزَنْ، إِنَّ اللهَ مَعَنَا، فَأَنْزَلَ الله سكينته الاطمئنانية لِأَبِي بَكْرٍ، فَهَذِهِ لَيْلَتُهُ.
وَأَمَّا يَوْمُهُ فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﵌ وَارْتَدَّتِ الْعَرَبُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ:
نُصَلِّي، وَلَا نُزَكِّي وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا نُصَلِّي وَلَا نُزَكِّي، فَأَتَيْتُهُ وَلَا آلُوهُ نُصْحًا، فَقُلْتُ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللهِ تَأَلَّفِ النَّاسَ وَارْفِقْ بِهِمْ، فَقَالَ: جَبَّارٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خَوَّارٌ فِي الْإِسْلَامِ فَبِمَاذَا أَتَأَلَّفُهُمْ أَبِشِعْرٍ مُفْتَعَلٍ أَوْ بِشِعْرٍ مُفْتَرًى؟ قُبِضَ النَّبِيُّ ﵌ وارتفع الوحي، فو الله لَوْ مَنَعُونِي عَقَالًا مِمَّا كَانُوا يُعْطُونَ رَسُولَ اللهِ ﵌ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَيْهِ قَالَ فَقَاتَلْنَا مَعَهُ فَكَانَ وَاللهِ رُشَيْدَ الْأَمْرِ فَهَذَا يَوْمُهُ» .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَتَّابٍ،
[ ٢ / ٤٧٧ ]
قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ عَمِّهِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، أَظُنُّهُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ.
(ح) وفِيمَا ذَكَرَ شَيْخُنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ أَنَّ أَبَا جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيَّ أَخْبَرَهُمْ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عُلَاثَةَ: مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ «أَنَّهُمْ رَكِبُوا فِي كُلِّ وَجْهٍ يَطْلُبُونَ النَّبِيَّ ﵌ وَبَعَثُوا إِلَى أَهْلِ الْمِيَاهِ يَأْمُرُونَهُمْ وَيَجْعَلُونَ لَهُمُ الْجُعَلَ الْعَظِيمَ، وَأَتَوْا عَلَى ثَوْرِ الْجَبَلِ الَّذِي فِيهِ الْغَارُ الَّذِي فِيهِ النَّبِيُّ ﵌ حَتَّى طَلَعُوا فَوْقَهُ، وَسَمِعَ رَسُولُ اللهِ ﵌ وَأَبُو بَكْرٍ أَصْوَاتَهُمْ، فَأَشْفَقَ أَبُو بَكْرٍ وَأَقْبَلَ عَلَيْهِ الْهَمُّ وَالْخَوْفُ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﵌: لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا، وَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﵌، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ سَكِينَةٌ مِنَ اللهِ فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [(٢٥)] .
_________________
(١) [(٢٥)] هذا من الآية الأربعين من سورة التوبة وتمامها: «إلا تنصروه فقد نصره اللَّه إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّه مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّه سَكِينَتَهُ عليه وأيده بجنود لم تروها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّه هِيَ الْعُلْيَا واللَّه عَزِيزٌ حَكِيمٌ» واخرج البخاري في تفسيرها (ج ٦ ص ١٢٦) حديثا رواه انس عن أبي بكر أنه قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﵌ في الغار فرأيت آثار المشركين قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّه لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ رَفَعَ قدمه رآنا قال: «مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّه ثالثهما» وروى في تفسير: «فَأَنْزَلَ اللَّه سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ» اي على ابي بكر بتأمين النبي ﵌ له فسكن جأشه وذهب روعه (تفسير القرطبي ج ٨ ص ١٤٨) . ويرحم اللَّه الشّرف البوصيري حيث قال: ويح قوم جفوا نبيّا بأرض ألفته ضبابها والظّباء وسلوه وحسنّ جذع إليه وقلوه وردّه الغرباء أخرجوه منها وآواه غار وحمته حمامة ورقاء وكفته بنسجها عنكبوت ما كفته الحمامة الحصداء
[ ٢ / ٤٧٨ ]
وَكَانَتْ لِأَبِي بَكْرٍ مِنْحَةٌ تَرُوحُ عَلَيْهِ وَعَلَى أَهْلِهِ بِمَكَّةَ، فَأَرْسَلَ أَبُو بَكْرٍ عامر ابن فُهَيْرَةَ فَرَوَّحَ تِلْكَ الْمِنْحَةَ عَلَى رَسُولِ اللَّه ﵌ فِي الْغَارِ، وَكَانَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ أَمِينًا مُؤْتَمَنًا حَسَنَ الْإِسْلَامِ وَاسْتَأْجَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَبْدِ بْنِ عَدِيِّ يُقَالُ لَهُ أُرَيْقِطٌ كَانَ [(٢٦)] حَلِيفًا فِي قُرَيْشٍ ثُمَّ فِي بَنِي سَهْمٍ ثُمَّ فِي آلِ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ وَذَلِكَ الْعَدَوِيُّ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكٌ وَهُوَ هَادٍ بِالطَّرِيقِ فَخَبَبَا ظَهْرَهُمَا تِلْكَ اللَّيَالِي اللَّاتِي مَكَثَا فِي الْغَارِ وَكَانَ يَأْتِيهِمَا عَبْدُ اللَّه بْنُ أَبِي بَكْرٍ حِينَ يُمْسِي بِكُلِّ خَبَرٍ
_________________
(١) [()] وحيث قال: أقسمت بالقمر المنشقّ أن له من قلبه نسبة مبرورة القسم وما حوى الغار من خير ومن كرم وكلّ طرف من الكفّار عنه عم فالصّدق في الغار والصّديق لم يردا وهم يقولون ما بالغار من أرم ظنّوا الحمام وظنّوا العنكبوت على خير البريّة لم تنسج ولم تحم وقاية اللَّه أغنت عن مضاعفة من الدّروع وعن عال من الأطم لطيفة: سئل بعضهم عن الحكمة في اختفائه ﵌ في غار ثور دون غيره فأجيب بأنه ﵌ كان يحب الفأل الحسن، وقد قيل إن الأرض مستقرة على قرن الثّور فناسب استقراره ﵌ في غار ثور تفاؤلا بالطمأنينة والاستقرار فيما يقصده هو ورفيقه. وروى ابن عديّ وابن عساكر عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﵌ قال لحسّان: «هل قلت في أبي بكر شيئا؟» قال: نعم. قال: «قل وأنا أسمع»، فقال. إذا تذكرت شجوا من أخي ثقة فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا التالي الثاني المحمود شيمته وأول الناس طرا صدق الرسلا والثاني اثنين في الغار المنيف وقد طاف العدوّ به إذ صعّد الجبلا وكان حبّ رسول اللَّه قد علموا من البرّية لم يعدل به رجلا [(٢٦)] قيل رقيط كما في الزرقاني على المواهب (ج ١ ص ٣٣٩) وهو من الديل وقيل الدئل كما في فتح الباري. وكان الأربقط على دين كفار قريش ولم يعرف له إسلام فيما بعد كما جزم به عبد الغني المقدسي وتبعه النووي وقال ابن حجر في الإصابة لم أر من ذكره في الصحابة إلا الذهبي في التجريد وقال السهيلي (ج ١ ص ٨): عبد اللَّه بن أريقط لم يكن إذ ذاك مسلما ولا وجدنا من طريق صحيح انه أسلم بعد ذلك.
[ ٢ / ٤٧٩ ]
يَكُونُ فِي مَكَّةَ وَيَرُوحُ عَلَيْهِمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ الْغَنَمَ كُلَّ لَيْلَةٍ فَيَحْلِبَانِ وَيُدْلِجَانِ ثُمَّ يَسْرَحُ بُكْرَةً فَيُصْبِحُ فِي رُعْيَانِ النَّاسِ فَلَا يُفْطَنُ لَهُ حَتَّى إِذَا هَدَأَتْ عَنْهُمَا الْأَصْوَاتُ وَأَتَاهُمَا إِنْ قَدْ سُكِتَ عَنْهُمَا جَاءَ صَاحِبُهُمَا بِبَعِيرَيْهِمَا وَقَدْ مَكَثَا فِي الْغَارِ يَوْمَيْنِ وَلَيْلَتَيْنِ.
وَفِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ- ثَلَاثَ لَيَالٍ ثُمَّ انْطَلَقَا وَانْطَلَقَا مَعَهُمَا بِعَامِرِ بْنِ فُهَيْرَةَ يَخْدُمُهُمَا وَيُعِينُهُمَا، يُرْدِفُهُ أَبُو بَكْرٍ، وَيُعْقِبُهُ عَلَى رَاحِلَتِهِ، لَيْسَ مَعَهُمَا أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ غَيْرُ عَامِرِ بْنِ فُهَيْرَةَ، وَغَيْرُ أَخِي بَنِي عدي يديهما الطَّرِيقَ فَأَجَازَ بِهِمَا أَسْفَلَ مَكَّةَ ثُمَّ مَضَى بِهِمَا السَّاحِلَ أَسْفَلَ مِنْ عُسْفَانَ ثُمَّ أَجَازَ بِهِمَا حَتَّى عَارَضَ الطَّرِيقَ بَعْدَ أَنْ أَجَازَ قُدَيْدًا» [(٢٧)] .
لَفْظُ حَدِيثِ عُرْوَةَ وَحَدِيثِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ بِمَعْنَاهُ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، وأَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي عَمْرٍو، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا الْأَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ: شَاذَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ جُنْدُبٍ، قَالَ «كَانَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ مَعَ رَسُولِ اللَّه ﵌ فِي الْغَارِ فَأَصَابَ يده حجر، فقال:
إِنْ أَنْتَ إِلَّا أُصْبُعٌ دَمِيتِ وَفِي سَبِيلِ اللَّه مَا لَقِيتِ [(٢٨)]
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه: إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ السُّوسِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ الضَّبِّيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَا: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ حَدَّثَهُ قَالَ «كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّه ﵌ في الغار
_________________
(١) [(٢٧)] البداية والنهاية (٣: ١٨٩) . [(٢٨)] رواه ابن مردويه عَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّه بن سفيان البجلي.
[ ٢ / ٤٨٠ ]
فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّه لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ يَنْظُرُ إِلَى قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرَنَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ قَالَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﵌: «يَا أَبَا بَكْرٍ! مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّه ثَالِثُهُمَا» [(٢٩)] .
وَأَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ قَالَ:
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْقُرَشِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَبَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنِ الْبُنَانِيِّ فَذَكَرَهُ بِإِسْنَادِهِ نَحْوَهُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ «لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ رَفَعَ قَدَمَهُ لَأَبْصَرَنَا مِنْ تَحْتِ قَدَمَيْهِ» .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ [(٣٠)] عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ حَبَّانَ بْنِ هِلَالٍ.
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ: زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ [(٣١)]، وَغَيْرِهِ، عَنْ حَبَّانَ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّه بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْهَاشِمِيُّ بِبَغْدَادَ، قَالَ:
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الدَّقَّاقُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى البري، قَالَ: حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ.
(ح) وأَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ: أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، وَأَبُو صَادِقٍ، مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَطَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْوَرَّاقُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْنُ بْنُ عَمْرٍو الْقَيْسِيُّ، قَالَ:
_________________
(١) [(٢٩)] الحديث أخرجه البخاري فِي: ٦٢- كِتَابِ فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ (٢) باب مناقب المهاجرين وفضلهم، الحديث (٣٦٥٣)، فتح الباري (٧: ٨- ٩)، وأعاده في: ٦٣- مناقب الأنصار، باب (٤٥)، وأخرجه الترمذي في كتاب التفسير، تفسير سورة التوبة، الحديث (٣٠٩٦)، صفحة (٥: ٢٧٨)، وأخرجه الإمام احمد في «مسنده» (١: ٤) . [(٣٠)] فتح الباري (٧: ١٠) . [(٣١)] صحيح مسلم في أول كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل ابي بكر الصديق، الحديث (١)، ص (١٨٥٤) .
[ ٢ / ٤٨١ ]
سَمِعْتُ أَبَا مُصْعَبٍ الْمَكِّيَّ، قَالَ: أَدْرَكْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، وَزَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ، وَالْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ، فَسَمِعْتُهُمْ يَتَحَدَّثُونَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ لَيْلَةَ الْغَارِ أَمَرَ اللَّه ﷿ بِشَجَرَةٍ فَنَبَتَتْ فِي وَجْهِ النَّبِيِّ ﵌ فَسَتَرَتْهُ [(٣٢)]، وَأَمَرَ اللَّه الْعَنْكَبُوتَ فَنَسَجَتْ فِي وَجْهِ النَّبِيِّ ﵌ فَسَتَرَتْهُ، وَأَمَرَ اللَّه حَمَامَتَيْنِ وَحْشِيَّتَيْنِ فَوَقَفَتَا بِفَمِ الْغَارِ، وَأَقْبَلَ فِتْيَانُ قُرَيْشٍ مِنْ كُلِّ بَطْنٍ رَجُلٌ، بِعِصِيِّهِمْ وَهَرَاوِيهِمْ [(٣٣)] وَسُيُوفِهِمْ، حَتَّى إِذَا كَانُوا مِنَ النَّبِيِّ ﵌ بِقَدْرِ أَرْبَعِينَ ذِرَاعًا، فَجَعَلَ رَجُلٌ مِنْهُمْ لِيَنْظُرَ فِي الْغَارِ فَرَأَى حَمَامَتَيْنِ بِفَمِ الْغَارِ، فَرَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالُوا لَهُ مَا لَكَ لَمْ تَنْظُرْ فِي الْغَارِ؟ فَقَالَ: رَأَيْتُ حَمَامَتَيْنِ بِفَمِ الْغَارِ، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَحَدٌ، فَسَمِعَ النبي ﵌ مَا قَالَ، فَعَرَفَ إن اللَّه ﷿ قَدْ دَرَأَ عَنْهُ بِهِمَا، فَدَعَاهُنَّ النَّبِيُّ ﵌ فَسَمَتَ [(٣٤)]، عَلَيْهِنَّ وَفَرَضَ جَزَاءَهُنَّ، وَانْحَدَرْنَ فِي الْحَرَمِ» [(٣٥)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ السُّوسِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدُوسٍ الطَّرَائِفِيُّ إِمْلَاءً، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ:
الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْقُهُنْدُزِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُجَاهِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَشْعَثُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَةِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «فَأَنْزَلَ اللَّه سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ قَالَ: عَلَى أَبِي بَكْرٍ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵌ لَمْ تَزَلِ السَّكِينَةُ معه» .
_________________
(١) [(٣٢)] وفي رواية عند قاسم بن ثابت بن حزم العوفي السرقسطي، سمع من النسائي، وألف كتابا في شرح الحديث سماه: الدلائل، وفاته في سرقسطة ٣٠٢ هـ، جاء في كتاب الدلائل هذا على ما ذكره السهيلي في الروض الأنف (٢: ٤): «أن رسول اللَّه ﵌ لما دخل الغار، وأبو بكر معه أنبت اللَّه على بابه الراءة، وهي شجرة معروفة، فحجبت عن النار أعين الكفار» والراءة شجر مثل قامة الإنسان طولا، ولها خيطان وزهر ابيض كالريش. [(٣٣)] الهراوة: العصا الغليظة. [(٣٤)] بارك. [(٣٥)] أخرجه ابن سعد (١: ٢٢٩)، وابو نعيم في دلائل النبوة، وابن عساكر كلهم عن ابي مصعب المكي.
[ ٢ / ٤٨٢ ]
بَابُ اتِّبَاعِ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ أَثَرَ رَسُولُ اللَّه ﵌ وَمَا ظَهَرَ فِي ذَلِكَ مِنْ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ: مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَطَّانُ بِبَغْدَادَ، وقَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ جَعْفَرِ بْنِ دُرُسْتَوَيْهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّه بْنُ مُوسَى، وَعَبْدُ اللَّه بْنُ رَجَاءٍ: أَبُو عُمَرَ الْغُدَانِيُّ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: «اشْتَرَى أَبُو بَكْرٍ مِنْ عَازِبٍ رَحْلًا بِثَلَاثَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ لِعَازِبٍ: مُرِ الْبَرَاءَ فَلْيَحْمِلْهُ إِلَى رَحْلِي، فَقَالَ لَهُ عَازِبٌ: لَا، حَتَّى تُحَدِّثَنَا كَيْفَ صَنَعْتَ أَنْتَ وَرَسُولُ اللَّه ﵌ حِينَ خَرَجْتُمَا وَالْمُشْرِكُونَ يَطْلُبُونَكُمَا قَالَ: أَدْلَجْنَا مِنْ مَكَّةَ لَيْلًا، فَأَحْيَيْنَا لَيْلَتَنَا وَيَوْمَنَا حَتَّى أَظْهَرْنَا، وَقَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ، فَرَمَيْتُ بِبَصَرِي هَلْ أَرَى مِنْ ظِلٍّ نَأْوِي إِلَيْهِ فَإِذَا صَخْرَةٌ، فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهَا، فَإِذَا بَقِيَّةُ ظِلٍّ لَهَا، فَسَوَّيْتُهُ، ثُمَّ فَرَشْتُ لِرَسُولِ اللَّه ﵌ فَرْوَةً، ثُمَّ قُلْتُ: اضْطَجِعْ يَا رَسُولَ اللَّه، فَاضْطَجَعَ، ثُمَّ ذَهَبْتُ أَنْفُضُ مَا حَوْلِي هَلْ أَرَى مِنَ الطَّلَبِ أَحَدًا، فَإِذَا بِرَاعِي غَنَمٍ يَسُوقُ غَنَمَهُ إِلَى الصَّخْرَةِ يُرِيدُ مِنْهَا الَّذِي نُرِيدُ- يَعْنِي الظِّلَّ- فَسَأَلْتُهُ فَقُلْتُ: لِمَنْ أَنْتَ يَا غُلَامُ؟ فَقَالَ: لِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَسَمَّاهُ، فَعَرَفْتُهُ، فَقُلْتُ: هَلْ فِي غَنَمِكَ مِنْ لَبَنٍ، قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ:
هَلْ أَنْتَ حَالِبٌ لِي، قَالَ: نَعَمْ، فَأَمَرْتُهُ فَاعْتَقَلَ شَاةً مِنْ غَنَمِهِ، وَأَمَرْتُهُ أَنْ يَنْفُضَ ضَرْعَهَا مِنَ التُّرَابِ، ثُمَّ أَمَرْتُهُ أَنْ يَنْفُضَ كَفَّيْهِ، فَقَالَ: هَكَذَا، فَضَرَبَ إِحْدَى كَفَّيْهِ عَلَى الْأُخْرَى، فَحَلَبَ لِي كُثْبَةً [(١)] مِنْ لَبَنٍ وَقَدْ رَوَيْتُ مَعِي لِرَسُولِ اللَّه
_________________
(١) [(١)] الكثبة: كل قليل جمعته من طعام او لبن او غير ذلك، والجمع كثب النهاية.
[ ٢ / ٤٨٣ ]
﵌ إِدَاوَةً عَلَى فَمِهَا خِرْقَةٌ، فَصَبَبْتُ عَلَى اللَّبَنِ حَتَّى بَرُدَ أَسْفَلُهُ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّه ﵌، فَوَافَقْتُهُ وَقَدِ اسْتَيْقَظَ، فَقُلْتُ: أَتَشْرَبُ يَا رَسُولَ اللَّه؟ فَشَرِبَ رَسُولُ اللَّه ﵌، حَتَّى رَضِيتُ، ثُمَّ قُلْتُ: قَدْ آنَ الرَّحِيلُ يَا رَسُولَ اللَّه.
قَالَ: فَارْتَحَلْنَا وَالْقَوْمُ يَطْلُبُونَنَا، فَلَمْ يُدْرِكْنَا أَحَدٌ مِنْهُمْ غَيْرُ سُرَاقَةَ بن مالك ابن جُعْشُمٍ عَلَى فَرَسٍ لَهُ فَقُلْتُ هَذَا الطَّلَبُ قَدْ لَحِقَنَا يَا رَسُولَ اللَّه، قَالَ: لَا تَحْزَنْ، إِنَّ اللَّه مَعَنَا، فَلَمَّا أَنْ دَنَا مِنَّا وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ قِيدَ رُمْحَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ، قُلْتُ: هَذَا الطَّلَبُ قَدْ لَحِقَنَا يَا رَسُولَ اللَّه، وَبَكَيْتُ، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكَ؟
فَقُلْتُ: أَمَا واللَّه مَا عَلَى نَفْسِي أَبْكِي، وَلَكِنِّي إِنَّمَا أَبْكِي عَلَيْكَ، قَالَ: فَدَعَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّه ﵌ فَقَالَ: اللهُمَّ! اكْفِنَا بِمَا شِئْتَ، قَالَ: فَسَاخَتْ بِهِ فَرَسُهُ فِي الْأَرْضِ إِلَى بَطْنِهَا، فَوَثَبَ عَنْهَا، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ هَذَا عَمَلُكَ فَادْعُ اللَّه أَنْ تُنَجِيَنِي مِمَّا أَنَا فِيهِ، فو اللَّه لَأُعَمِّيَنَّ عَلَى مَنْ وَرَائِي مِنَ الطَّلَبِ، وَهَذِهِ كِنَانَتِي فَخُذْ مِنْهَا سَهْمًا، فَإِنَّكَ سَتَمُرُّ بِإِبِلِي وَغَنَمِي بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا، فَخُذْ مِنْهَا حَاجَتَكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﵌: لَا حَاجَةَ لَنَا فِي إِبِلِكَ وَغَنَمِكَ، وَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللَّه ﵌، فَانْطَلَقَ رَاجِعًا إِلَى أَصْحَابِهِ، وَمَضَى رَسُولُ اللَّه ﵌، وَأَنَا مَعَهُ حَتَّى قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ لَيْلًا» [(٢)] .
وأَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرِ بْنُ قَتَادَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَرَ بْنُ مَطَرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو خَلِيفَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ رَجَاءٍ الْغُدَانِيُّ فَذَكَرَهُ بِنَحْوِهِ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ رجاء، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخر عن إسرائيل [(٣)] .
_________________
(١) [(٢)] أخرجه الإمام أحمد في «مسنده» (١: ٢- ٣)، ويعقوب بن سفيان في «المعرفة والتاريخ» (١:
(٢) ٢٤١)، بهذا الإسناد الذي ذكره المصنف، وعنهما وعن البيهقي نقله الصالحي في السيرة الشامية (٣: ٣٤٥- ٣٤٦) . [(٣)] فتح الباري (٧: ٨)، صحيح مسلم في: ٥٣- كتاب الزهد، (١٩) باب في حديث الْهِجْرَةِ، (٤: ٢٣١٠) .
[ ٢ / ٤٨٤ ]
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الْوَلِيدِ الْفَقِيهُ، قَالَ:
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ ابن مُحَمَّدِ بْنِ أَعْيَنَ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، قَالَ:
سَمِعْتُ الْبَرَاءَ، يَقُولُ: «جَاءَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى أَبِي فِي مَنْزِلِهِ فَاشْتَرَى مِنْهُ- رَحْلًا- وَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ إِسْرَائِيلَ إِلَى أَنْ قَالَ: فَارْتَحَلْنَا بَعْدَ مَا زَالَتِ الشَّمْسُ، وَاتَّبَعَنَا سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ، قَالَ: وَنَحْنُ فِي جَلَدٍ [(٤)] مِنَ الْأَرْضِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّه أُتِينَا، فَقَالَ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّه مَعَنَا»، فَدَعَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّه ﵌ فَارْتَطَمَتْ فَرَسُهُ إِلَى بَطْنِهَا [(٥)]
فَقَالَ: إِنِّي قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكُمَا قَدْ دَعَوْتُمَا عَلَيَّ فَادْعُوَا لِي، فَاللهُ لَكُمَا أَنْ أَرُدَّ عَنْكُمَا الطَّلَبَ، فَدَعَا اللَّه فَنَجَا، فَرَجَعَ لَا يَلْقَى أَحَدًا إِلَّا قَالَ: قَدْ كُفِيتُمْ مَا هَهُنَا وَلَا يَلْقَى أَحَدًا إِلَّا رَدَّهُ وَوَفَى لَنَا» .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ شَبِيبٍ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ [(٦)] مِنْ وَجْهٍ آخَرٍ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ.
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ مِلْحَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ.
(ح) وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الْحَسَنِ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّه، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عقيل، قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ، وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَالِكٍ الْمُدْلِجِيُّ، وَهُوَ ابْنُ أَخِي سُرَاقَةَ بن
_________________
(١) [(٤)] (جلد من الأرض) أي: صلبة، وروي جدد، وهو المستوي. [(٥)] أي غاصت قوائمها في تلك الأرض الصلبة. [(٦)] في: ٥٣- كتاب الزهد (١٩) باب في حديث الهجرة، ح (٧٥)، ص (٤: ٢٣٠٩- ٢٣١٠)، وفتح الباري (٧: ٢٣٨) .
[ ٢ / ٤٨٥ ]
جُعْشُمٍ، أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ سُرَاقَةَ بْنَ جُعْشُمٍ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبْدَانَ أَنَّ سُرَاقَةَ بْنَ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ يَقُولُ:
«جَاءَنَا رُسُلُ كُفَّارِ قُرَيْشٍ يَجْعَلُونَ فِي رَسُولِ اللَّه ﵌ وَفِي أَبِي بَكْرٍ دِيَةً كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي قَتْلِهِ أَوْ أَسْرِهِ، فَبَيْنَا أَنَا جَالِسٌ فِي مَجْلِسِ [(٧)] قَوْمِي بَنِي مُدْلِجٍ، أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْهُمْ حَتَّى قَامَ عَلَيْنَا وَنَحْنُ جُلُوسٌ فَقَالَ: يَا سُرَاقَةُ! إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ آنِفًا أَسْوِدَةً بِالسَّاحِلِ، أُرَاهَا مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ قَالَ سُرَاقَةُ: فَعَرَفْتُ أَنَّهُمْ هُمْ- قَالَ ابْنُ عَبْدَانَ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه فِي رِوَايَتِهِ- قَالَ فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّهُمْ لَيْسُوا بِهِمْ، وَلَكِنَّكَ رَأَيْتَ فُلَانًا وَفُلَانًا، انْطَلَقُوا بِأَعْيُنِنَا.
قَالَ: ثُمَّ قَلَّ مَا لَبِثَ فِي الْمَجْلِسِ [(٨)] حَتَّى قُمْتُ فَدَخَلْتُ بَيْتِي، فَأَمَرْتُ جَارِيَتِي أَنْ تَخْرُجَ بِفَرَسِي، فَتُهْبِطَهَا مِنْ وَرَاءِ أَكَمَةٍ فَتَحْبِسَهَا عَلَيَّ فَأَخَذْتُ رُمْحِي وَخَرَجْتُ مِنْ ظَهْرِ الْبَيْتِ، فَخَطَطْتُ بِزُجِّهِ [(٩)] الْأَرْضَ، وَخَفَضْتُ عَالِيَةَ الرُّمْحِ [(١٠)] حَتَّى أَتَيْتُ فَرَسِي فَرَكِبْتُهَا فَرَفَعْتُهَا تَقَرَّبُ [(١١)] حَتَّى إِذَا دَنَوْتُ مِنْهُمْ عَثَرَتْ بِي فَرَسِي، فَقُمْتُ فَأَهْوَيْتُ بِيَدِي إِلَى كِنَانَتِي فَاسْتَخْرَجْتُ منها الأزلام فاستقمت بِهَا أَأَضُرُّهُمْ أَوْ لَا أَضُرُّهُمْ فَخَرَجَ الَّذِي أَكْرَهُ لَا أَضُرُّهُمْ، فَرَكِبْتُ فَرَسِي وَعَصَيْتُ الْأَزْلَامَ فَرَفَعْتُهَا تَقَرَّبُ بِي حَتَّى إِذَا سَمِعْتُ قِرَاءَةَ رَسُولِ اللَّه ﵌ وَهُوَ لَا يَلْتَفِتُ وَأَبُو بَكْرٍ يُكْثِرُ التَّلَفُّتَ سَاخَتْ [(١٢)] يَدَا فَرَسِي فِي الْأَرْضِ حَتَّى بَلَغَتِ الرُّكْبَتَيْنِ،
_________________
(١) [(٧)] صحيح البخاري: «فَبَيْنَمَا أَنَا جَالِسٌ فِي مجلس من مجالس قومي» . [(٨)] صحيح البخاري: «ثم لبثت في المجلس ساعة» . [(٩)] (الزج) الحديدة التي في أسفل الرمح. [(١٠)] حتى لا يظهر بريقه. [(١١)] (التقريب)، السير دون العدو، وفوق العادة، وقيل: «أن ترفع الفرس يديها معا، وتضعهما معا» . [(١٢)] ساخت غاصت.
[ ٢ / ٤٨٦ ]
فَخَرَرْتُ عَنْهَا [(١٣)]، ثُمَّ زَجَرَتُهَا فَنَهَضْتُ فَلَمْ تَكَدْ تُخْرِجُ يَدَيْهَا فَلَمَّا اسْتَوَتْ قَائِمَةً، إِذَا لِأَثَرِ يَدَيْهَا عُثَانٌ [(١٤)] سَاطِعٌ فِي السَّمَاءِ مِثْلُ الدُّخَانِ فَاسْتَقْسَمْتُ بِالْأَزْلَامِ فَخَرَجَ الَّذِي أَكْرَهُ أَنْ لَا أَضُرُّهُمْ، فَنَادَيْتُهُمَا بِالْأَمَانِ فَوَقَفَا لِي، وَرَكِبْتُ فَرَسِي، حَتَّى جِئْتُهُمَا وَوَقَعَ فِي نَفْسِي حِينَ لَقِيتُ مَا لَقِيتُ مِنَ الْحَبْسِ عَنْهُمَا، أَنَّهُ سَيَظْهَرُ رَسُولُ اللهِ ﵌، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ مِنْ قَوْمِكَ قَدْ جَعَلُوا فِيكُمَا الدِّيَةَ، فَأَخْبَرْتُهُمَا أَخْبَارَ مَا يُرِيدُ النَّاسُ بِهِمْ، وَعَرَضْتُ عَلَيْهِمَا الزَّادَ وَالْمَتَاعَ فَلَمْ يَرْزَآنِي شَيْئًا، وَلَمْ يَسَلْنِي إِلَّا أَنْ قَالَ: أَخْفِ عَنَّا، فَسَأَلْتُهُ أَنْ يَكْتُبَ لِي كِتَابَ مُوَادَعَةِ آمَنُ بِهِ، فَأَمَرَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، فَكَتَبَ لِي رُقْعَةً مِنْ أُدُمٍ، ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللهِ ﵌» .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ عَنِ اللَّيْثِ [(١٥)] .
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ بِبَغْدَادَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بكر محمد ابْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَتَّابٍ الْعَبْدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ عَمِّهِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابن مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ الْمُدْلِجِيُّ أَنَّ أَبَاهُ مَالِكًا أَخْبَرَهُ أَنَّ أَخَاهَ سُرَاقَةَ بْنَ جُعْشُمٍ أَخْبَرَهُ:
«أَنَّهُ لَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﵌ مِنْ مَكَّةَ مُهَاجِرًا إِلَى الْمَدِينَةِ جَعَلَتْ قُرَيْشٌ لِمَنْ رَدَّهُ عَلَيْهِمْ مِائَةَ نَاقَةٍ قَالَ: فَبَيْنَمَا أَنَا جَالِسٌ فِي نَادِي قَوْمِي إِذْ جَاءَ رَجُلٌ مِنَّا فَقَالَ: وَاللهِ لَقَدْ رَأَيْتُ رَكْبًا ثَلَاثَةً مَرُّوا عَلَيَّ آنِفًا، إِنِّي لَأَظُنُّهُ مُحَمَّدًا، قَالَ:
فَأَوْمَأْتُ إِلَيْهِ بِعَيْنَيَّ: أَنِ اسْكُتْ، وَقُلْتُ: إِنَّمَا هُمْ بَنُو فُلَانَ يَبْتَغُونَ ضالة
_________________
(١) [(١٣)] أي وثبت. [(١٤)] العثان: الدخان. [(١٥)] أخرجه البخاري في: ٦٣- كتاب مناقب الأنصار، (٤٥) باب هِجْرَةِ النَّبِيِّ ﵌ وأصحابه الى المدينة، حديث (٣٩٠٦)، فتح الباري (٧: ٢٣٨- ٢٣٩) .
[ ٢ / ٤٨٧ ]
لَهُمْ، قَالَ: لَعَلَّهُ، ثُمَّ سَكَتَ.
قَالَ: فَمَكَثْتُ قَلِيلًا، ثُمَّ قُمْتُ فَدَخَلْتُ بَيْتِي وَأَمَرْتُ بِفَرَسِي، فَقُيِّدَ إِلَى بَطْنِ الْوَادِي، وَأَخْرَجْتُ سِلَاحِي مِنْ وَرَاءِ حُجُرَاتِي، ثُمَّ أَخَذْتُ قَدَاحِي أَسْتَقْسِمُ بِهَا، ثُمَّ لَبِسْتُ لَأْمَتِي، ثُمَّ أَخْرَجَتُ قَدَاحِي فَاسْتَقْسَمْتُ بِهَا، فَخَرَجَ السَّهْمُ الَّذِي أَكْرَهُ: لَا تَضُرُّهُ، وَكُنْتُ أَرْجُو أَنْ أَرُدَّهُ فَآخُذَ الْمِائَةَ نَاقَةٍ.
قَالَ: فَرَكِبْتُ عَلَى أَثَرِهِ، فَبَيْنَا فَرَسِي يَسِيرُ بِي عَثَرَ، فَسَقَطْتُ عَنْهُ، قَالَ: فَأَخْرَجَتُ قَدَاحِي فَاسْتَقْسَمْتُ بِهَا فَخَرَجَ السَّهْمُ الَّذِي أَكْرَهُ: لَا تَضُرُّهُ، فَأَبَيْتُ إِلَّا أَنْ أَتْبَعَهُ، فَرَكِبْتُ، فَلَمَّا بَدَا لِي الْقَوْمُ فَنَظَرْتُ إِلَيْهِمْ عَثَرَ بِي فَرَسِي فَذَهَبَتْ يَدَاهُ فِي الْأَرْضِ، فَسَقَطْتُ عَنْهُ، فَاسْتَخْرَجَ يَدَيْهِ وَأَتْبَعْهُمَا دُخَانٌ مِثْلَ الْغُبَارِ، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ قَدْ مُنِعَ مِنِّي، وَأَنَّهُ ظَاهِرٌ، فناديتهم، فقلت: انظروني فو الله لَا آذَيْتُكُمْ، وَلَا يَأْتِيكُمْ مِنِّي شَيْءٌ تَكْرَهُونَهُ.
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: قُلْ لَهُ: مَاذَا تَبْتَغِي؟ قَالَ: قُلْتُ اكْتُبْ لِي كِتَابًا يَكُونُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ آيَةً، قَالَ: اكْتُبْ لَهُ يَا أَبَا بَكْرٍ، قَالَ: فَكَتَبَ لِي ثُمَّ أَلْقَاهُ إِلَيَّ، فَرَجَعْتُ، فَسَكَتُّ، فَلَمْ أَذْكُرْ شَيْئًا مِمَّا كَانَ، حَتَّى إِذَا فَتَحَ اللهُ ﷿ مَكَّةَ، وَفَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﵌ مِنْ أَهْلِ خَيْبَرَ، خَرَجْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ لِأَلْقَاهُ وَمَعِي الْكِتَابُ الَّذِي كَتَبَ لِي، فَبَيْنَمَا أَنَا عَامِدٌ لَهُ دَخَلْتُ بَيْنَ ظَهْرَيْ كَتِيبَةٍ مِنْ كَتَائِبِ الْأَنْصَارِ، قَالَ: فَطَفِقُوا يَقْرَعُونَنِي بِالرِّمَاحِ، وَيَقُولُونَ: إِلَيْكَ، إِلَيْكَ، حَتَّى دَنَوْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﵌ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ أَنْظُرُ إِلَى سَاقِهِ فِي غَرْزِهِ، كَأَنَّهَا جُمَّارَةٌ، فَرَفَعْتُ يَدِي بِالْكِتَابِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! هَذَا كِتَابُكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: يَوْمُ وَفَاءٍ وَبِرٍّ، ادْنُهُ، قَالَ: فَأَسْلَمْتُ،
ثُمَّ ذَكَرْتُ شَيْئًا أَسَلُ عَنْهُ رَسُولَ اللهِ ﵌.
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: إِنَّمَا سَأَلَهُ عَنِ الضَّالَّةِ، وَشَيْءٍ فَعَلَهُ فِي وَجْهِهِ الَّذِي كَانَ فِيهِ، فَمَا ذَكَرْتُ شَيْئًا إِلَّا أَنِّي قَدْ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ: الضَّالَّةُ تَغْشَى حِيَاضِي قَدْ
[ ٢ / ٤٨٨ ]
مَلَأْتُهَا لِإِبِلِي هَلْ لِي مِنْ أَجْرٍ إِنْ سَقَيْتُهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: نَعَمْ فِي كُلِّ كَبِدٍ حَرَّى، قَالَ: وَانْصَرَفْتُ فَسُقْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ صَدَقَتِي» [(١٦)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ قَالَ أَبُو جَهْلٍ فِي أَمْرِ سُرَاقَةَ أَبْيَاتًا: فَقَالَ سُرَاقَةُ يُجِيبُ أَبَا جهل [(١٧)]:
أَبَا حَكَمٍ وَاللَّاتِ لَوْ كُنْتَ شَاهِدًا لِأَمْرِ جَوَادِي إِذْ تَسِيخُ قَوَائِمُهْ
عَجِبْتَ وَلَمْ تَشْكُكْ بِأَنَّ مُحَمَّدًا نَبِيٌّ وَبُرْهَانٌ فَمَنْ ذَا يُقَاوِمُهْ
عَلَيْكَ بِكَفِّ النَّاسِ عَنْهُ فَإِنَّنِي أَرَى أَمْرَهُ يَوْمًا سَتَبْدُو مَعَالِمُهْ
بِأَمْرٍ يَوَدُّ النَّصْرَ فِيهِ بِإِلْبِهَا لَوَ انَّ جَمِيعَ النَّاسِ طُرًّا تُسَالِمُهْ
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي قُمَاشٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْوَاسِطِيُّ بِبَغْدَادَ، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ، عَنْ أَبِي وَهْبٍ، مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ «قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌ لِأَبِي بَكْرٍ فِي مُدْخَلِهِ الْمَدِينَةِ: أَلْهِ النَّاسَ عني فإنه لا
_________________
(١) [(١٦)] سيرة ابن هشام (٢: ١٠٢- ١٠٤)، الدّرر في اختصار المغازي والسير (٨٢)، البداية والنهاية (٣: ١٨٥) . [(١٧)] لما عاد سراقة جعل يقص ما رأى وشاهد مِنْ أَمْرِ النَّبِيِّ ﵌ فخاف أمراء قريش ان يكون ذلك سببا لإسلام كثير من الناس فكتب ابو جهل الى بني مدلج: بني مدلج إني أخاف سفيهكم* سراقة مستفو لنصر محمد عليكم به ألا يفرق جمعكم* فيصبح شتى بعد عز وسؤدد فأجابه سراقة بالأبيات التي ذكرها المصنف.
[ ٢ / ٤٨٩ ]
يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ يَكْذِبَ، قَالَ: فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ إِذَا سُئِلَ مَا أَنْتَ؟ قال: باع، فَإِذَا قِيلَ: مَنِ الَّذِي مَعَكَ؟ قَالَ: هَادٍ يَهْدِينِي» [(١٨)] .
_________________
(١) [(١٨)] السيرة الشامية (٣: ٣٥٧) عن المصنف، وهنا ينتهي الجزء الثاني من نسخة (هـ)، وقد جاء في آخرها: «نجز الجزء الثاني من دلائل النبوة، ومعرفة احوال صاحب الشريعة، من تجزئة ثمانية أجزاء، جمع الإمام الحافظ: أبي بكر احمد بن الحسين بن علي البيهقي، يتلوه في الجزء الثالث إن شاء الله تعالى (باب): اجتياز النبي ﵌ ومن كان معه بخيمة ام معبد الخزاعية، وما ظهر في ذلك من دلائل النبوة، والحمد لله رب العالمين، ووافق الفراغ منه يوم الخميس ثاني عشر شوال سنة ست وخمسين وثمانمائة على يد العبد الفقير إلى الله تعالى: أبي الجود خليل إبراهيم بن عبد الرحمن بن علي الدمياطي منشأ، المنهاجي لقبا، القرشي نسبا، غفر الله له، ولوالديه ولجميع المسلمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم. ثم سماعات الكتاب، ومجالسه من المجلس الأول إلى المجلس العاشر، والتي ذكرناها في تقدمتنا للكتاب فانظرها هناك.
[ ٢ / ٤٩٠ ]
بَابُ اجْتِيَازِ رَسُولِ اللهِ ﵌ بِالْمَرْأَةِ وَابْنِهَا، ومَا ظَهَرَ فِي ذَلِكَ مِنْ آثَارِ النُّبُوَّةِ
أَنْبَأَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الْحُلْوَانِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ جَابِرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، قَالَ:
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زكريا بن أبي زائدة.
(ح) وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ الْعَدْلُ بِبَغْدَادَ، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمِصْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَصْبَهَانِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ﵁- قَالَ:
«خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﵌ مِنْ مَكَّةَ فَانْتَهَيْنَا إِلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ ﵌ إِلَى بَيْتٍ مُنْتَحِيًا فَقَصَدَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا نَزَلْنَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ إِلَّا امْرَأَةٌ، فَقَالَتْ: يَا عَبْدَ اللهِ! إِنَّمَا أَنَا امْرَأَةٌ، وَلَيْسَ مَعِي أَحَدٌ، فَعَلَيْكُمَا بِعَظِيمِ الْحَيِّ إِذَا أَرَدْتُمُ الْقِرَى، قَالَ: فَلَمْ يُجِبْهَا وَذَلِكَ عِنْدَ الْمَسَاءِ، فَجَاءَ ابْنٌ لَهَا بِأَعْنُزٍ لَهُ يَسُوقُهَا، فَقَالَتْ لَهُ: يَا بُنَيَّ انْطَلِقْ بِهَذِهِ الْعَنْزِ وَالشِّفْرَةِ إِلَى هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ فَقُلْ لَهُمَا تَقُولُ لَكُمَا أُمِّي: اذْبَحَا هَذِهِ وَكُلَا وأَطْعِمَانَا، فَلَمَّا جَاءَ، قَالَ لَهُ النَّبِيُّ
[ ٢ / ٤٩١ ]
﵌: انْطَلِقْ بِالشِّفْرَةِ وَجِئْنِي بِالْقَدَحِ، قَالَ: إِنَّهَا قَدْ عَزَبَتْ وَلَيْسَ لَهَا لَبَنٌ، قَالَ: انْطَلِقْ، فَانْطَلَقَ فَجَاءَ بِقَدَحٍ فَمَسَحَ النَّبِيُّ ﵌ ضَرْعَهَا، ثُمَّ حَلَبَ حَتَّى مَلَأَ الْقَدَحَ، ثُمَّ قَالَ: انْطَلِقْ بِهِ إِلَى أُمِّكَ، فَشَرِبَتْ حَتَّى رَوِيَتْ، ثُمَّ جَاءَ بِهِ فَقَالَ:
انْطَلِقْ بِهَذِهِ وَجِئْنِي بِأُخْرَى، فَفَعَلَ بِهَا كَذَلِكَ، ثُمَّ سَقَى أَبَا بَكْرٍ، ثُمَّ جَاءَ بِأُخْرَى فَفَعَلَ بِهَا كَذَلِكَ، ثُمَّ شَرِبَ النَّبِيُّ ﵌» .
قَالَ: فَبِتْنَا لَيْلَتَنَا، ثُمَّ انْطَلَقْنَا فَكَانَتْ تُسَمِّيهِ الْمُبَارَكَ وَكَثُرَتْ غَنَمُهَا، حَتَّى جَلَبَتْ جَلْبًا إِلَى الْمَدِينَةِ، فَمَرَّ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁، فَرَآهُ ابْنُهَا فَعَرَفَهُ، فَقَالَ: يَا أُمَّهْ إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي كَانَ مَعَ الْمُبَارَكِ، فَقَامَتْ إِلَيْهِ، فَقَالَتْ: يَا عَبْدَ اللهِ مَنِ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ مَعَكَ؟ قَالَ: وَمَا تَدْرِينَ مَنْ هُوَ؟ قَالَتْ: لَا، قَالَ: هُوَ النبي ﵌، قَالَتْ: فَأَدْخِلْنِي عَلَيْهِ، قَالَ: فَأَدْخَلَهَا عَلَيْهِ، فَأَطْعَمَهَا وَأَعْطَاهَا- زَادَ ابْنُ عَبْدَانَ فِي رِوَايَتِهِ- قَالَتْ فَدُلَّنِي عَلَيْهِ فَانْطَلَقَتْ مَعِي وَأَهْدَتْ لَهُ شَيْئًا مِنْ أَقِطٍ [(١)] وَمَتَاعِ الْأَعْرَابِ قَالَ فَكَسَاهَا وَأَعْطَاهَا قَالَ: وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا قَالَ أَسْلَمَتْ» [(٢)] .
قُلْتُ: وَهَذِهِ الْقِصَّةُ وَإِنْ كَانَتْ تَنْقُصُ عَمَّا رُوِّينَا فِي قِصَّةِ أُمِّ مَعْبَدٍ وَيَزِيدُ فِي بَعْضِهَا فَهِيَ قَرِيبَةٌ مِنْهَا، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَا وَاحِدَةً.
وَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارَ [(٣)] مِنْ قِصَّةِ أُمِّ مَعْبَدٍ شَيْئًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا وَهَذِهِ وَاحِدَةٌ وَاللهُ أَعْلَمُ [(٤)] .
_________________
(١) [(١)] الأقط: يتخذ من اللبن المخيض، يطبخ، ثم يترك حتى يمصل. [(٢)] نقله الحافظ ابن كثير عن المصنف في البداية والنهاية (٣: ١٩١- ١٩٢)، وعنهما الصالحي في السيرة الشامية (٣: ٣٥٠) . [(٣)] سيرة ابن هشام (١: ١٠٠- ١٠١)، وانظر الروض الأنف (٢: ٨)، وشرح السيرة لأبي ذر (١: ١٢٦) . [(٤)] ورجّح هذا أيضا: الحافظ ابن كثير «البداية والنهاية» (٣: ١٩٢) .
[ ٢ / ٤٩٢ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بن بكير، عن ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: «وَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﵌ بِخَيْمَةِ أُمِّ مَعْبَدٍ وَهِيَ الَّتِي غَرِدَ بِهَا الْجِنُّ بِأَعْلَى مَكَّةَ، وَاسْمُهَا عَاتِكَةُ بِنْتُ خَالِدِ بْنِ مُنْقِذِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ أَصْرَمَ [(٥)]، فَأَرَادُوا الْقِرَى، فَقَالَتْ: وَاللهِ مَا عِنْدَنَا طَعَامٌ وَلَا لَنَا مِنْحَةٌ، وَلَا لَنَا شَاةٌ، إِلَّا حَائِلٌ، فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﵌ بِبَعْضِ غَنَمِهَا، فَمَسَحَ ضَرْعَهَا بِيَدِهِ، وَدَعَا اللهَ، وَحَلَبَ فِي الْعُسِّ [(٦)] حَتَّى رَغَى [(٧)] وَقَالَ: اشْرَبِي يَا أُمَّ مَعْبَدٍ، فَقَالَتِ: اشْرَبْ فَأَنْتَ أَحَقُّ بِهِ، فَرَدَّهُ عَلَيْهَا، فَشَرِبَتْ.
ثُمَّ دَعَا بِحَائِلٍ أُخْرَى، فَفَعَلَ بِهَا مِثْلَ ذَلِكَ فَشَرِبَ.
ثُمَّ دَعَا بِحَائِلٍ أُخْرَى، فَفَعَلَ بِهَا مِثْلَ ذَلِكَ فَسَقَى دَلِيلَهُ.
ثُمَّ دَعَا بِحَائِلٍ أُخْرَى فَفَعَلَ بِهَا مِثْلَ ذَلِكَ فَسَقَى عَامِرًا ثُمَّ يَرُوحُ.
وَطَلَبَتْ قُرَيْشٌ رَسُولَ الله ﵌، حَتَّى بَلَغُوا أُمَّ مَعْبَدٍ فَسَأَلُوهَا عَنْهُ، فَقَالُوا:
رَأَيْتِ مُحَمَّدًا وَحِلْيَتَهُ كَذَا؟ فَوَصَفُوهُ لَهَا فَقَالَتْ: مَا أَدْرِي مَا تَقُولُونَ، قَدْ ضَافَنِي حَالِبُ الْحَائِلِ قَالَتْ قُرَيْشٌ: فَذَاكَ الَّذِي نُرِيدُ.
قُلْتُ: فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَوَّلًا أَيِ الَّتِي فِي كَسْرِ الْخَيْمَةِ، كَمَا رُوِّينَا فِي حَدِيثِ أُمِّ مَعْبَدٍ، ثُمَّ رَجَعَ ابْنُهَا بِأَعْنُزٍ، كَمَا رُوِّينَا فِي حَدِيثِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، ثُمَّ
_________________
(١) [(٥)] أم معبد عَاتِكَةُ بِنْتُ خَالِدِ بْنِ مُنْقِذِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ اصرم، وقيل: عَاتِكَةُ بِنْتُ خَالِدِ بْنِ خليف، بْنِ مُنْقِذِ، بْنِ رَبِيعَةَ، وهي أخت حبيش بن خالد الأشعر، الخزاعي، القديدي وله صحبة ورواية، وهو راوي حديثها، وزوجها ابو معبد الخزاعي مختلف في اسمه، وتوفي فِي حَيَاةِ الرَّسُولِ ﵌، وكان يسكن قديدا وهي موضع قرب مكة، وفي معجم ما استعجم (٣: ١٠٥٤) أن هذه القرية سميت قديدا لتقدد السيول بها، وهي لخزاعة. [(٦)] في النهاية: (العس) القدح الكبير، وجمعه عساس، وأعساس. [(٧)] رغّى علت رغوته.
[ ٢ / ٤٩٣ ]
لَمَّا أَتَى زَوْجُهَا وَصَفَتْهُ له والله أعلم [(٨)] .
_________________
(١) [(٨)] سيرة ابن هشام (٢: ١٠٠)، والسيرة الشامية (٣: ٣٥٠- ٣٥١) . قلت: هكذا ذكر البيهقي، ولم يعرج على قصة ام معبد كما وردت في المستدرك للحاكم، والطبراني، وابو نعيم في الدلائل، وقد رويت عن حبيش بن خالد الخزاعي القديدي أخي أم معبد، كما رواها ابن سعد عن أبي معبد، وابن السكن عن ام معبد والبزار، ولا غنى عن ذكرها في هذا الموطئ، روى الطبراني والحاكم وصححه، وابو نعيم، وابو بكر الشافعي عن حبيش بن خالد اخي أم معبد ﵄، وابن السكن عن أم معبد: ان رسول الله ﵌ حين خرج من مكة مهاجرا إلى المدينة هو وأبو بكر، ومولى ابي بكر عامر بن فهيرة ودليلهم الليثي عبد الله بن الأريقط، مروا على خيمة ام معبد الخزاعية، وهي لا تعرفه، وكانت برزة [وهي الكهلة التي لا تحتجب احتجاب الشواب وهي مع ذلك عفيفة عاقلة تجلس للناس تحدثهم، من البروز وهو الظهور] . جلدة [قوية] تحتبي بفناء القبة ثم تسقي وتطعم، فسألوها لحما وتمرا ليشتروه منها، فلم يصيبوا عندها شيئا من ذلك، وإذا القوم مرملون [أي نفد زادهم] مسنتون [أي أجدبوا وأصابتهم سنة وقحط] . فقالت والله لو كان عندنا شيء ما أعوزناكم، فنظر رسول الله ﵌ إلى شاة في كسر الخيمة [أي جانبها] فقال: ما هذه الشاة يا أم معبد؟ قالت: هي أجهد من ذلك. قال: أتأذنين لي أن أحلبها؟ قالت: بأبي أنت وأمي نعم، ان رأيت بها حلبا فاحلبها، فو الله ما ضربها فحل قط [أي ما ألقحها فحل] فشأنك بها. فدعا بها رسول الله ﵌ فمسح بيده ضرعها وظهرها، وسمّى الله ﷿ ودعا لها في شاتها، فتفاجّت [فتحت ما بين رجليها للحلب] عليه، ودرّت، ودعا بإناء يربض [يروي] الرهط، فحلب فيه ثجّا [كثيرا]، حتى علاه البهاء [بريق الرغوة]، ثم سقاها حتى رويت، ثم سقى أصحابه حتى رووا، ثم شرب ﵌ آخرهم، وقال: «ساقي القوم آخرهم شربا» . [أخرجه الترمذي وابن ماجة]، ثم حلب فيه ثانية بعد بدء حتى ملأ الإناء ثم غادره عندها. فبايعها وارتحلوا عنها. فقلّ ما لبث ان جاء زوجها أبو معبد، يسوق أعنزا عجافا يتساوكن [تتمايل من ضعفها] هزالا، فلما رأى اللبن عجب فقال: من أين لك هذا اللبن يا أم معبد والشاة عازب ولا حلوب في البيت [والشاة العازب اي بعيدة المرعى لا تأوي المنزل في الليل، ولا حلوب اي لا شاة تحلب] . قالت: لا والله إلا أنه مرّ بنا رجل مبارك من حاله كذا وكذا. قال: صفيه لي يا أم معبد. قالت: رأيت رجلا ظاهر الوضاءة [الحسن]، أبلج الوجه [مشرق]،
[ ٢ / ٤٩٤ ]
_________________
(١) [()] حسن الخلق، لم تعبه ثجلة، ولم تزري به صعلة، وسيم قسيم، في عينيه دعج، وفي أشفاره وطف [والأشفار جمع شفر وهو طرف جفن العين الذي ينبت عليه الشعر، والوطف: الطول] وفي صوته صحل [خشونة حادة]، وفي عنقه سطح، وفي لحيته كثاثة، أزج أقرن، ان صمت فعليه الوقار، وإن تكلم سمى وعلاه البهاء، أجمل الناس وأبهاه من بعيد، وأحسنه وأحلاه من قريب، حلو المنطق فصل لا نزر ولا هذر، كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن، ربعة لا تشنؤه من طول، ولا تقتحمه عين من قصر غصن بين غصنين فهو أنضر الثلاثة منظرا وأحسنهم قدرا، له رفقاء يحفّون به، إذا قال استمعوا لقوله، وإذا أمر تبادروا إلى أمره، محفود [الذي يخدمه أصحابه ويعظمونه] محشود لا عابث ولا مفنّد [لا يخطّأ رأيه] . قال أبو معبد: هو والله صاحب قريش، لقد هممت أن أصحبه، ولأفعلنّ إن وجدت الى ذلك سبيلا. فأصبح صوت بمكة عال يسمعون الصوت ولا يدرون من صاحبه، وهو يقول: جزى الله ربّ الناس خير جزائه رفيقين قالا خيمتي أمّ معبد هما نزلا بالبرّ وارتحلا به فأفلح من أمسى رفيق محمّد فيا لقصيّ ما زوى الله عنكم به من فعال لا تجارى وسودد ليهن بني كعب مقام فتاتهم ومقعدها للمؤمنين بمرصد سلوا أختكم عن شاتها وإنائها فإنّكم إن تسألوا الشاة تشهد دعاها بشاة حائل فتحلّبت له بصريح ضرّة الشّاة مزبد فغادرها رهنا لديها لحالب يردّدها في مصدر ثم مورد وقد سجّل شاعر العروبة والإسلام أحمد محرّم في ديوان مجد الإسلام هذا الحدث الجليل من خيمة أم معبد فقال:
[ ٢ / ٤٩٥ ]
_________________
(١) [()] ما حديث لأمّ معبد تستسقيه ظمأى النفوس عذبا نميرا سائل الشّاة كيف درّت وكانت كزّة الضّرع لا ترجّى الدّرورا بركات السّمح المؤمّل يقرى أمم الأرض زائرا أو مزورا مظهر الحق للنبوّة سبحانك ربّا فرد الجلال قديرا
[ ٢ / ٤٩٦ ]
بَابُ اجْتِيَازِهِ مَعَ صَاحِبِهِ بِعَبْدٍ يَرْعَى غَنَمًا وَمَا ظَهَرَ عِنْدَ ذَلِكَ مِنْ آثَارِ النُّبُوَّةِ
حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ إِمْلَاءً، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ ابن أَيُّوبَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ إِيَادِ بْنِ لَقِيطٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ النُّعْمَانِ، قَالَ: لَمَّا انْطَلَقَ النَّبِيُّ ﵌، وَأَبُو بَكْرٍ مُسْتَخْفِينَ مَرُّوا بِعَبْدٍ يَرْعَى غَنَمًا، فَاسْتَسْقِيَاهُ اللَّبَنَ فَقَالَ: مَا عِنْدِي شَاةٌ تُحْلَبُ، غَيْرَ أَنَّ هَهُنَا عَنَاقًا حَمَلَتْ أَوَّلَ الشِّتَاءِ، وَقَدْ أَخْرَجَتْ وَمَا بَقِيَ لَهَا لَبَنٌ، فَقَالَ ادْعُ بِهَا، فَاعْتَقَلَهَا النبي ﵌ وَمَسَحَ ضَرْعَهَا، وَدَعَا حَتَّى أَنْزَلَتْ، قَالَ:
وَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ بِمِجَنٍّ فَحَلَبَ وَسَقَى أَبَا بَكْرٍ ثُمَّ حَلَبَ فَسَقَى الرَّاعِيَ، ثُمَّ حَلَبَ فَشَرِبَ فَقَالَ الرَّاعِي: بِاللهِ مَنْ أَنْتَ؟ فو الله مَا رَأَيْتُ مِثْلَكَ قَطُّ. قال: أو تراك تَكْتُمْ عَلَيَّ حَتَّى أُخْبِرَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنِّي مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، فَقَالَ:
أَنْتَ الَّذِي تَزْعُمُ قُرَيْشٌ أَنَّهُ صَابِئٌ؟ قَالَ: إِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ ذَلِكَ، قَالَ: فَأَشْهَدُ أَنَّكَ نَبِيٌّ وَأَشْهَدُ أَنَّ مَا جِئْتَ بِهِ حَقٌّ، وَأَنَّهُ لَا يَفْعَلُ مَا فَعَلْتَ إِلَّا نَبِيٌّ، وَأَنَا مُتَّبِعُكَ قَالَ إِنَّكَ لَنْ نستطيع ذَلِكَ يَوْمَكَ فَإِذَا بَلَغَكَ أَنِّي قَدْ ظَهَرْتُ فَأْتِنَا» [(١)] .
_________________
(١) [(١)] أخرجه ابو يعلى الموصلي عن جعفر بن حميد الكوفي، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ إياد بن لقيط، ونقله الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٣: ١٩٤) .
[ ٢ / ٤٩٧ ]
بَابُ مَنِ اسْتَقْبَلَ رَسُولَ اللهِ ﵌ وَصَاحِبَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ، ثُمَّ اسْتِقْبَالِ الْأَنْصَارِ إِيَّاهُ وَدُخُولِهِ وَنُزُولِهِ وَفَرَحِ الْمُسْلِمِينَ بِمَجِيئِهِ وَالْآيَاتِ الَّتِي ظَهَرَتْ فِي نُزُولِهِ
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ بِبَغْدَادَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَتَّابٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ عَمِّهِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، قَالَ: «وَيُقَالُ لَمَّا دَنَا رَسُولُ اللهِ ﵌، وأبو بكر من الْمَدِينَةِ، وَقَدِمَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ مِنَ الشَّامِ، خَرَجَ طَلْحَةُ عَامِدًا إِلَى مَكَّةَ كَمَا ذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﵌ وَأَبُو بَكْرٍ، خَرَجَ إِمَّا مُتَلَقِّيًا لَهُمَا، وَإِمَّا عَامِدًا عَمْدَهُ بِمَكَّةَ، مَعَهُ ثِيَابٌ أَهْدَاهَا لِأَبِي بَكْرٍ مِنْ ثِيَابِ الشَّامِ، فَلَمَّا لَقِيَهُ أَعْطَاهُ الثِّيَابَ، فَلَبِسَ رَسُولُ اللهِ ﵌ مِنْهَا وَأَبُو بَكْرٍ.
قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ: وَزَعَمَ [(١)] ابْنُ شِهَابٍ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ [قَالَ: إِنَّ الزُّبَيْرَ] [(٢)] لَقِيَ رَسُولَ اللهِ ﵌ فِي رَكْبٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا تُجَّارًا بِالشَّامِ قَافِلِينَ إِلَى مَكَّةَ، فَعَارَضُوا رَسُولَ اللهِ ﵌، فَكَسَا الزُّبَيْرُ رَسُولَ اللهِ ﵌ وَأَبَا بَكْرٍ ثِيَابًا بِيضًا.
قَالَ: وَسَمِعَ الْمُسْلِمُونَ بِالْمَدِينَةِ بِمَخْرَجِ رَسُولِ اللهِ ﵌ مِنْ مَكَّةَ فَكَانُوا
_________________
(١) [(١)] في (ص) و(هـ): «ويزعم» . [(٢)] ساقطة من (ص) .
[ ٢ / ٤٩٨ ]
يَغْدُونَ كُلَّ غَدَاةٍ إِلَى الْحَرَّةِ يَنْتَظِرُونَ حَتَّى يُؤْذِيَهُمْ حَرُّ الظَّهِيرَةِ، فَانْقَلَبُوا يَوْمًا فَلَمَّا أَوَوْا إِلَى بُيُوتِهِمْ أَوْفَى [(٣)] رَجُلٌ مِنْ يَهُودَ عَلَى أُطُمٍ [(٤)] لِأَمْرٍ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَبَصُرَ بِرَسُولِ اللهِ ﵌ وَأَصْحَابِهِ يَزُولُ [(٥)] بِهِمُ السَّرَابُ مُبَيَّضِينَ [(٦)] فَلَمْ يَمْلِكِ الْيَهُودِيُّ نَفْسَهُ [(٧)] أَنْ صَاحَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ [(٨)] ! هَذَا صَاحِبُكُمُ الَّذِي تَنْتَظِرُونَ، فَثَارَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى سِلَاحِهِمْ، فَتَلَقَّوْا رَسُولَ اللهِ ﵌، فَلَقَوْهُ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَذَلِكَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ لِهِلَالِ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ.
فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ ﵁، فَذَكَّرَ النَّاسَ، وَجَلَسَ رَسُولُ اللهِ ﵌ صَامِتًا، فَطَفِقَ مَنْ جَاءَ مِنَ الْأَنْصَارِ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ رَأَى رَسُولَ اللهِ ﵌ يَحْسِبُهُ أَبَا بَكْرٍ، حَتَّى إِذَا أَصَابَتِ الشَّمْسُ رسول الله ﵌ أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى أَظَلَّ عَلَى رَسُولِ الله ﵌ بِرِدَائِهِ، فَعَرَفَ النَّاسُ عِنْدَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﵌ [(٩)] .
ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ مَرَّ بِعَبْدِ اللهِ بن أبيّ بن سَلُولَ وَهُوَ عَلَى ظَهْرِ الطَّرِيقِ، وَهُوَ فِي بَيْتٍ، فَوَقَفَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﵌ يَنْتَظِرُ أَنْ يَدْعُوَهُ إِلَى الْمَنْزِلِ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ سَيِّدُ الْخَزْرَجِ فِي أَنْفُسِهَا فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ: انْظُرِ الَّذِينَ دَعَوْكَ فَانْزِلْ عَلَيْهِمْ، فَذَكَرَ رَسُولُ اللهِ ﵌ لِنَفَرٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وُقُوفَهُ عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ أبيّ والذي
_________________
(١) [(٣)] (أوفى) طلع إلى مكان عال، وأشرف منه على ما تحته. [(٤)] (الأطم) الحصن، ويقال: بناء من حجارة كالقصر. [(٥)] (يزول بهم السراب) أي: يرفعهم، ويظهرهم، وقال ابن حجر: أي يزول بسبب عروضهم له، وفي بعض الروايات: (يلوح بهم السراب) . [(٦)] (مبيّضين) اي عليهم الثياب البيض التي كساهم إياها: الزبير أو طلحة. [(٧)] ليست في (هـ) . [(٨)] وفي رواية: يا بني قيلة، وهي الجدة الكبرى للأنصار والدة الأوس والخزرج. شرح المواهب (١: ٣٥٠) . [(٩)] رواه الإمام احمد والشيخان عن أبي بكر، وسعيد بن منصور عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزبير، وابن اسحق عن عويم بن ساعده، ويحيى بن الحسن عَنْ عُمَارَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ.
[ ٢ / ٤٩٩ ]
قَالَ لَهُ: فَقَالَ لَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: إِنَّا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ لَقَدْ كُنَّا قَبْلَ الَّذِي خَصَّنَا اللهُ بِهِ مِنْكَ، وَمَنَّ عَلَيْنَا بِقُدُومِكَ، أَرَدْنَا أَنْ نَعْقِدَ عَلَى رَأْسِ عبد الله بن أبي التَّاجَ، وَنُمَلِّكَهُ عَلَيْنَا [(١٠)] .
فَعَمَدَ رَسُولُ اللهِ ﵌ بَعْدَ وُقُوفِهِ عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَعَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، فَنَزَلَ عَلَى كُلْثُومِ بْنِ الْهِدْمِ [(١١)]، وَهُوَ أَحَدُ بَنِي زَيْدِ بْنِ مَالِكٍ، وَكَانَ مَسْكَنُهُ فِي دَارِ ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ.
وَقَدْ كَانَ قَدِمَ عَلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ قُبَيْلَ [(١٢)] قُدُومِ رَسُولِ اللهِ ﵌ وَبَعْدَهُ نَاسٌ كَثِيرٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ فَنَزَلُوا فِيهِمْ، فَعَدَّ أَسْمَاءَ النَّازِلِينَ وَالْمُنْزِلِينَ.
ثُمَّ قَالَ: وَمَكَثَ رَسُولُ الله ﵌ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ثَلَاثَ لَيَالٍ، وَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ: بَلْ مَكَثَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَاتَّخَذَ فِيهِمْ مَسْجِدًا، وَأَسَّسَهُ وَهُوَ الَّذِي ذُكِرَ فِي الْقُرْآنِ أَنَّهُ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى [(١٣)] .
ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ رَكِبَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَمَرَّ عَلَى بَنِي سَالِمٍ، فَصَلَّى فِيهِمُ الْجُمُعَةَ، وَكَانَتْ أَوَّلَ جُمُعَةٍ صَلَّاهَا رَسُولُ اللهِ ﵌ بِالْمَدِينَةِ [(١٤)] حِينَ قَدِمَ وَاسْتَقْبَلَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَلَمَّا أَبْصَرَتْهُ الْيَهُودُ صَلَّى إِلَى قِبْلَتِهِمْ تَذَاكَرُوا بَيْنَهُمْ أَنَّهُ النَّبِيُّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ.
_________________
(١) [(١٠)] وفاء الوفا (١: ١٨٤)، ونقله الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٣: ١٩٩) . [(١١)] كلثوم بن الهدم: هو أبو قيس كلثوم بن الهدم بن الحارث بن زيد وكان شيخا كبيرا، مات بعد قُدُومِ النَّبِيِّ ﵌ المدينة بشيء يسير، وهو أول من مات من الأنصار بعد قُدُومِ النَّبِيِّ ﵌، وكان لكلثوم بن الهدم مربد يبسط فيه التمر ليجف، فأخذه مِنْهُ رَسُولُ اللهِ ﵌ فأسّسه، وبناه مسجدا. [(١٢)] (ص) و(هـ): «قيل» . [(١٣)] (المسجد أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أول يوم) [سورة التوبة- ١٠٨] . [(١٤)] سيرة ابن هشام (٢: ١١٢) .
[ ٢ / ٥٠٠ ]
ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﵌ مِنْ بَنِي سَالِمٍ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ فِينَا الْعَدَدُ وَالْعُدَّةُ وَالْمَنعَةُ، وَقَالَ مُجَمِّعُ بْنُ يَزِيدَ: مَكَثَ رَسُولُ اللهِ ﵌ فِينَا اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، وَكَانَتِ الْأَنْصَارُ قَدِ اجْتَمَعَتْ فَتَلَقَّوْهُ قَبْلَ أَنْ يَرْكَبَ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَمَشَوْا حَوْلَ نَاقَتِهِ
لَا يَزَالُ أَحَدُهُمْ يُنَازِعُ صَاحِبَهُ زِمَامَ النَّاقَةِ شُحًّا عَلَى كَرَامَةِ رَسُولِ اللهِ ﵌ وتعظيما له، ولكما مَرَّ بِدَارٍ مِنْ دُورِ الْأَنْصَارِ دَعَوْهُ إِلَى الْمَنْزِلِ، فَيَقُولُ رَسُولُ اللهِ ﵌: دَعُوهَا فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ إِنَّمَا أَنْزِلُ حَيْثُ أَنْزَلَنِي اللهُ [تَعَالَى] [(١٥)]، فَلَمَّا انْتَهَتْ بِهِ النَّاقَةُ إِلَى بَابِ بَنِي أَيُّوبَ بَرَكَتْ عَلَى الْبَابِ، فَنَزَلَ فَدَخَلَ بَيْتَ أَبِي أَيُّوبَ فَنَزَلَ عَلَيْهِ، فَأَنْزَلَهُ فِي سُفْلِ [(١٦)] بَيْتِهِ وَظَهَرَ أَبُو أَيُّوبَ إِلَى أَعْلَى الْبَيْتِ، فَكَانَ أَبُو أَيُّوبَ فِي الْعُلُوِّ وَرَسُولُ الله ﵌ فِي السُّفْلِ، فَتَذَكَّرَ أَبُو أَيُّوبَ مَنْزِلَهُ فَوْقَ رَأْسِ النَّبِيِّ ﵌ فَبَاتَ سَاهِرًا يَكْرَهُ أَنْ يَأْتِيَ النَّبِيَّ ﵌ فِي اللَّيْلِ فَيَسْتَأْمِرَهُ فِي التَّحْويلِ وَيُعَظِّمَ أَنْ يَكُونَ مَنْزِلُهُ فَوْقَ رَأْسِ النَّبِيِّ ﵌ [(١٧)] . فَلَمْ يَزَلْ سَاهِرًا حَتَّى أَصْبَحَ، فَأَتَاهُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي أَخْشَى أَنْ أَكُونَ قَدْ ظَلَمْتُ نَفْسِي. أَنِّي كُنْتُ سَاكِنًا فَوْقَ رَأْسِ النَّبِيِّ ﵌ فَيَنْتَثِرُ التُّرَابُ مِنْ وَطْءِ أَقْدَامِنَا عَلَيْكَ، وَإِنَّ أَطْيَبَ لِنَفْسِي أَنْ أَكُونَ تَحْتَكَ فِي أَسْفَلِ الْبَيْتِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﵌:
السُّفْلُ أَرْفَقُ بِنَا وَبِمَنْ يَغْشَانَا، فَلَمْ يَزَلْ أَبُو أَيُّوبَ يَتَضَرَّعُ إِلَيْهِ حَتَّى انْتَقَلَ النَّبِيُّ ﵌ إِلَى الْعُلُوِّ، وَأَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﵌ سَاكِنًا فِي بَيْتِ أَبِي أَيُّوبَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ وَيَأْتِيهِ فِيهِ جِبْرِيلُ حَتَّى ابْتَنَى رَسُولُ اللهِ ﵌ مسجده ومسكنه» [(١٨)] .
_________________
(١) [(١٥)] ليست في (هـ) . [(١٦)] روى ابن إسحق، ومسلم عَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: لَمَّا نَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﵌ في بيتي نزل في السّفل وأنا وأم أيوب في العلو، فقلت لَهُ: يَا نَبِيَّ اللهِ! بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، إني لأكره ان أكون فوقك، وتكون تحتي، فأظهر فكن في العلو، وننزل نحن فنكون في السّفل، فقال: إنّ أَرْفَقُ بِنَا، وَبِمَنْ يَغْشَانَا أن نكون في سفل البيت» . [(١٧)] الزيادة من (ص) و(هـ) . [(١٨)] رواه الترمذي وصحّحه، وتكملة الخبر:
[ ٢ / ٥٠١ ]
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سَعِيدِ بْنُ أَبِي عَمْرٍو، قَالَا: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُوَيْمِ بْنِ سَاعِدَةَ، عَنْ رِجَالٍ مِنْ قَوْمِهِ، قَالُوا: «لَمَّا بَلَغَنَا مَخْرَجُ رَسُولِ اللهِ ﵌ مِنْ مَكَّةَ كُنَّا نَخْرُجُ كُلَّ غَدَاةٍ فَنَجْلِسُ لَهُ بِظَاهِرِ الْحَرَّةِ نَلْجَأُ، إِلَى ظِلِّ الْجُدُرِ حَتَّى تَغْلِبَنَا عَلَيْهِ الشَّمْسُ، ثُمَّ نَرْجِعُ إِلَى رِحَالِنَا، حَتَّى إِذَا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي جَاءَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﵌ جلسناكما كنا
_________________
(١) [()] قال أبو أيوب: وكنّا نصنع له العشاء ثم نبعث به إليه، فإذا ردّ علينا فضله تيمّمت أنا وأمّ أيوب موضع يده فأكلنا منه نبتغي بذلك البركة، حتى بعثنا إليه ليلة بعشائه وقد جعلنا له فيه بصلا أو ثوما، فَرَدَّهُ رَسُولُ اللهِ ﵌، ولم أر ليده فيه أثرا. قال: فجئته فزعا فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ بأبي أنت وأمّي رددت عشاءك، ولم أر فيه موضع يدك وكنت إذا رددته علينا تيمّمت أنا وأم أيوب موضع يدك نبتغي بذلك البركة. قال: «إني وجدت فيه ريح هذه الشّجرة وأنا رجل أناجي، فأما أنتم فكلوه» . قال: فأكلناه ولم نضع له تلك الشجرة بعد. وفي كتاب أخبار المدينة ليحيى بن الحسن، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ قَالَ: «لَمَّا نَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﵌ على أبي أيوب لم يدخل منزل رسول الله هدية وأول هدية دخلت بها عليه قصعة مثرودة خبز برّ وسمنا ولبنا، فأضعها بين يديه، فقلت، «يا رسول الله أرسلت بهذه القصعة أمّي»، فقال: «بارك الله فيها»، ودعا أصحابه فأكلوا فلم أرم الباب حتى جاءته قصعة سعد بن عبادة، على رأس غلام مغطاة فأقف على باب أبي أيوب فأكشف غطاءها لأنظر فرأيت ثريدا عليه عراق فدخل بها على رسول الله ﵌» . قال زيد: «فلقد كنّا في بني مالك بن النّجّار ما من ليلة إلا على باب رسول الله ﵌ منا الثلاثة والأربعة يحملون الطعام ويتناوبون بينهم حتى تحوّل رسول الله ﵌ [من بيت أبي أيوب، وكان مقامه فيه سبعة أشهر] وما كانت تخطئه جفنة سعد بن عبادة وجفنة أسعد بن زرارة كل ليلة» . وفيه أنه قيل لأم أيوب: «أي الطعام كان أحب إلى رسول الله ﵌ فإنكم عرفتم ذلك لمقامه عندكم؟ قالت: ما رأيته أمر بطعام فصنع له بعينه، ولا رأيناه أتي بطعام فعابه وقد أخبرني أبو أيوب أنه تعشّى عنده ليلة من قصعة أرسل بها سعد بن عبادة طفيشل. فقال أبو أيوب: فرأيت رسول الله ﵌ ينهل تلك القدر ما لم أره ينهل غيرها، فكنا نعملها له، وكنا نعمل له الهريس وكانت تعجبه. وكان يحضر عشاءه خمسة إلى ستة عشر كما يكون الطعام في الكثرة والقلّة» .
[ ٢ / ٥٠٢ ]
نَجْلِسُ، حَتَّى إِذَا رَجَعْنَا جَاءَ رَسُولُ اللهِ ﵌، فَرَآهُ رَجُلٌ مِنْ يَهُودَ فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا بَنِي قَيْلَةَ هَذَا جَدُّكُمْ قَدْ جَاءَ، فَخَرَجْنَا وَرَسُولُ اللهِ ﵌ قَدْ أَنَاخَ إِلَى ظِلٍّ، هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ [﵁] [(١٩)]- وَاللهِ مَا نَدْرِي أَيُّهُمَا أَسَنُّ، هُمَا فِي سَنٍّ وَاحِدٍ، حتى رأينا أبابكر يَنْحَازُ لَهُ عَنِ الظِّلِّ، فَعَرَفْنَا رَسُولَ اللهِ ﵌ بِذَلِكَ وَقَدْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ قَامَ فَأَظَلَّ رَسُولَ الله ﵌ بِرِدَائِهِ فَعَرَفْنَاهُ» [(٢٠)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ السَّمَّاكِ، قَالَ:
حَدَّثَنَا حَنْبَلُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ خَارِجَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حِمْيَرٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي عَبْلَةَ: أَنَّ عُقْبَةَ بْنَ وَسَّاجٍ حَدَّثَهُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ قَدِمَ يَعْنِي الْمَدِينَةَ وَلَيْسَ فِي أَصْحَابِهِ أَشْمَطُ غَيْرَ أَبِي بَكْرٍ فَغَلَفَهَا بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ» .
أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ [(٢١)] مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ حِمْيَرٍ.
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ هُوَ الْأَصَمُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ.
(ح) وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ: عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْمُقْرِئُ الْإِسْفَرَايِنِيُّ بِهَا، قَالَ أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الْقَاضِي، قَالَ: حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: «قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﵌ الْمَدِينَةَ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ لِلَيْلَتَيْنِ مَضَتَا مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَالْحَدِيثُ الْمَعْرُوفُ أَنَّهُ قَدِمَ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، يوم
_________________
(١) [(١٩)] ليست في (ص) ولا في (هـ) . [(٢٠)] سيرة ابن هشام (٢: ١٠٩)، ونقله أيضا ابن كثير (٣: ١٩٦) . [(٢١)] في الهجرة، عَنْ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عن مُحَمَّدُ بْنُ حِمْيَرٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي عَبْلَةَ، وقال دحيم: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عن الأوزاعي، حدثني ابو عبيد الحاجب عنه. تحفة الأشراف (١: ٢٨٩- ٢٩٠) .
[ ٢ / ٥٠٣ ]
الِاثْنَيْنِ [(٢٢)]، فَأَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﵌ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فِيمَا يَزْعُمُ بَعْضُ النَّاسِ، يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ وَالثُّلَاثَاءِ وَالْأَرْبِعَاءِ وَالْخَمِيسِ، ثُمَّ ظَعَنَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَأَدْرَكَتْهُ الْجُمُعَةُ فِي بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ، فَصَلَّاهَا بِمَنْ مَعَهُ بِبَطْنٍ مَهْزُورٍ، وَيَزْعُمُ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهُ أَقَامَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَاعْتَرَضَهُ عِتْبَانُ بْنُ مَالِكٍ فِي رِجَالٍ مِنْ بَنِي سَالِمِ وَبَنِي الْحُبْلَى، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! أَقِمْ فِينَا فِي الْعِزِّ، وَالثَّرْوَةِ، وَالْعَدَدِ، وَالْقُوَّةِ، وَكَانُوا كَذَلِكَ وَرَسُولُ الله ﵌ عَلَى نَاقَتِهِ، فَقَالَ: خَلُّوا سَبِيلَهَا فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ، ثُمَّ مَرَّ بِبَنِي سَاعِدَةَ فَاعْتَرَضَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَالْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو، وَأَبُو دُجَانَةَ، فَدَعَوْهُ إِلَى الْمَنْزِلِ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: خَلُّوا سَبِيلَهَا فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ، ثُمَّ مَرَّ بِبَنِي بَيَاضَةَ، فَعَرَضَ لَهُ فَرْوَةُ بْنُ عَمْرٍو وَزِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ فَدَعُوهُ إِلَى الْمَنْزِلِ عَلَيْهِمْ فَقَالَ خَلُّوا سَبِيلَهَا فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ، ثُمَّ مَرَّ عَلَى بَنِي النَّجَّارِ فَقَالَ لَهُ صِرْمَةُ بْنُ أَبِي أَنَسٍ، وَأَبُو سَلِيطٍ فِي رِجَالٍ مِنْهُمْ: أَقِمْ عِنْدَنَا يَا رَسُولَ اللهِ فَنَحْنُ أَخْوَالُكَ وَأَقْرَبُ الْأَنْصَارِ بِكَ رَحِمًا، فَقَالَ: خَلُّوا سَبِيلَهَا فَإِنَّهَا مَأْمُورَةُ،
فَلَمَّا انْتَهَتْ إِلَى مَكَانِ مَسْجِدِهِ بِالْمَدِينَةِ وَهُوَ مِرْبَدٌ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ ثُمَّ مِنْ بَنِي غَنْمٍ، وَهُمَا: سُهَيْلُ وَسَهْلٌ ابْنَا رَافِعِ بْنِ أَبِي عَمْرِو بْنِ عَبَّادِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، وَكَانَا فِي حجر معاذ بن عَفْرَاءَ، بَرَكَتْ فَالْتَفَتَتْ [(٢٣)] يَمِينًا وَشِمَالًا ثُمَّ وَثَبَتْ فَمَضَتْ غَيْرَ كَثِيرٍ وَرَسُولُ اللهِ ﵌ وَاضِعًا [(٢٤)] لَهَا زِمَامَهَا لَا يُحَرِّكُهَا فَوَقَفَتْ فَنَظَرَتْ ثُمَّ الْتَفَتَتْ إِلَى مَبْرِكَهَا الْأَوَّلِ فَأَقْبَلَتْ حَتَّى بَرَكَتْ فِيهِ، فَحَصَتْ بِثَفِنَاتِهَا وَاطْمَأَنَّتْ، حَتَّى عَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﵌ أَنْ قَدْ أُمِرَتْ، فَنَزَلَ عَنْهَا وَاحْتَمَلَ أَبُو أيوب رحله
_________________
(١) [(٢٢)] المعتمد أَنَّهُ ﵌ دخل قباء يوم الاثنين كما في الصحيح، في رواية ابن إسحق (٢: ١٠٩) من سيرة ابن هشام: «قدمها لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ من ربيع الاول»، وعند ابي سعيد في شرف المصطفى من طريق أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، قال: «قدم المدينة لثلاث عشرة من ربيع الاول» . وهذا يجمع بينه وبين الذي قبله بالحمل على الاختلاف في رؤية الهلال. [(٢٣)] في (هـ) و(ح): «فلفتت» . [(٢٤)] في (ح) و(هـ): «واضع» .
[ ٢ / ٥٠٤ ]
فَأَدْخَلَهُ مَسْكَنَهُ، وَسَأَلَ رَسُولُ الله ﵌ عَنِ الْمِرْبَدِ لِمَنْ هُوَ فَأُخْبِرَ، فَقَالَ مُعَاذُ بن عَفْرَاءَ: يَا رَسُولَ اللهِ سَأُرْضِيهِمَا مِنْهُ، فَاتَّخَذَهُ مَسْجِدًا وَيَقُولُ قَائِلُونَ: اشْتَرَاهُ.
كُلُّ ذَلِكَ قَدْ سَمِعْنَاهُ.
فَأَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﵌ فِي مَسْكَنِ أَبِي أَيُّوبَ حَتَّى ابْتَنَى الْمَسْجِدَ وَبَنَى لَهُ مَسَاكِنَهُ فِيهِ» .
ثُمَّ انْتَقَلَ. لَفْظُ حَدِيثِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ الْقَاضِي الْفَقِيهُ بِبَغْدَادَ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ النَّجَّادُ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ [بْنُ] [(٢٥)] الصائغ والحسن ابن سَلَّامٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ.
(ح) وأَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأَدِيبُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو خَلِيفَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ، يَقُولُ: «أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْنَا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﵌: مصعب بن عمير، وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَكَانَا يُقْرِئَانِ الْقُرْآنَ.
وَفِي رِوَايَةِ عَفَّانَ: فَجَعَلَا يُقْرِئَانِ النَّاسَ الْقُرْآنَ.
ثُمَّ جَاءَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، وَسَعْدٌ، وَبِلَالٌ، ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فِي عِشْرِينَ، ثُمَّ جَاءَ رَسُولُ اللهِ ﵌، فَمَا رَأَيْتُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ فَرِحُوا بِشَيْءٍ قَطُّ فَرَحَهُمْ بِهِ حَتَّى رَأَيْتُ الْوَلَائِدَ وَالصِّبْيَانَ يَسْعَوْنَ فِي الطُّرُقِ وَيَقُلْنَ [(٢٦)] جَاءَ رَسُولُ اللهِ ﵌ فَمَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ حَتَّى تَعَلَّمْتُ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى [(٢٧)] فِي مِثْلِهَا مِنَ المفصّل.
_________________
(١) [(٢٥)] ليست في (ص) ولا في (هـ) . [(٢٦)] في (ص) و(هـ): «يقولون» . [(٢٧)] أول سورة الأعلى.
[ ٢ / ٥٠٥ ]
وَفِي رِوَايَةِ عَفَّانَ: حَتَّى قَرَأْتُ سُوَرًا مِنَ الْمُفَصَّلِ وَلَمْ يَقُلْ يَسْعَوْنَ فِي الطَّرِيقِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ [(٢٨)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سفان، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاءٍ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ «اشْتَرَى أَبُو بَكْرٍ مِنْ عَازِبٍ رَحْلًا» [(٢٩)] فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي الْهِجْرَةِ، كَمَا [(٣٠)] مَضَى قَالَ أَبُو بَكْرٍ «وَمَضَى رَسُولُ اللهِ ﵌، وَأَنَا مَعَهُ حَتَّى قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ لَيْلًا فَتَنَازَعَهُ الْقَوْمُ: أَيُّهُمْ يَنْزِلُ عَلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: إِنِّي أَنْزَلُ اللَّيْلَةَ عَلَى بَنِي النَّجَّارِ أَخْوَالِ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أُكْرِمُهُمْ بِذَلِكَ، وَخَرَجَ النَّاسُ حِينَ قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فِي الطَّرِيقِ وَعَلَى الْبُيوتِ وَالْغِلْمَانُ وَالْخَدَمُ يَقُولُونَ: جَاءَ رَسُولُ اللهِ ﵌، جَاءَ مُحَمَّدٌ، اللهُ أَكْبَرُ، جَاءَ مُحَمَّدٌ، جَاءَ رَسُولُ اللهِ ﵌، فَلَمَّا أَصْبَحَ انْطَلَقَ فَنَزَلَ حَيْثُ أُمِرَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَجَاءٍ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ إِسْرَائِيلَ [(٣١)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو الْأَدِيبُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، قَالَ:
سَمِعْتُ أَبَا خَلِيفَةَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَائِشَةَ، يَقُولُ: لَمَّا قَدِمَ ﵇
_________________
(١) [(٢٨)] الحديث أخرجه البخاري في: ٦٣- كتاب مناقب الأنصار (٤٦) باب مَقْدَمِ النَّبِيِّ ﵌ وأصحابه المدينة، الحديث (٣٩٢٤) عن أبي الوليد مختصرا، فتح الباري (٧: ٢٥٩)، وكذا مختصرا وقطعة اخرى منه وعن أبي الوليد في: ٦٦- كتاب فضائل القرآن (٦) باب تأليف القرآن، فتح الباري (٩: ٣٩)، ثم مطولا في فتح الباري (٧: ٢٥٩- ٢٦٠) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ. وأشار المزي في تحفة الأشراف (٢: ٥٥) أن النسائي أخرجه في (سننه الكبرى) عن إسماعيل ابن مسعود، عن خالد،. [(٢٩)] في (ص): اشترى أَبُو بَكْرٍ﵁- من عازب رحلا، وفي (هـ) كما في (ح) . [(٣٠)] ومضى الحديث، وسبق ان خرجناه في الحاشية رقم (٣) من بَابُ اتِّبَاعِ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ أَثَرَ رَسُولُ اللهِ ﵌، وَمَا ظَهَرَ فِي ذَلِكَ مِنْ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ. فانظره هناك. [(٣١)] فتح الباري (٧: ٨)، ومسلم (٤: ٢٣١٠) .
[ ٢ / ٥٠٦ ]
الْمَدِينَةَ جَعَلَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ يقلن: -
طَلَعَ الْبَدْرُ عَلَيْنَا مِنْ ثَنِيَّاتِ الْوَدَاعْ وَجَبَ الشُّكْرُ عَلَيْنَا مَا دَعَا لِلَّهِ دَاعْ [(٣٢)]
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ»، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّنْعَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ هُوَ ابْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ «إِنِّي لَأَسْعَى فِي الْغِلْمَانِ يَقُولُونَ: جَاءَ مُحَمَّدٌ، فَأَسْعَى وَلَا أَرَى شَيْئًا، ثُمَّ يَقُولُونَ: جَاءَ مُحَمَّدٌ، فَأَسْعَى وَلَا أَرَى شَيْئًا، حَتَّى جَاءَ النَّبِيُّ ﵌ وَصَاحِبُهُ أَبُو بَكْرٍ فَكَمَنَّا فِي [(٣٣)] بَعْضِ جِدَارِ الْمَدِينَةِ، ثُمَّ بَعَثْنَا رَجُلًا مِنْ بَعْضِ الْبَادِيَةِ لِيُؤْذِنَ بِهِمَا الْأَنْصَارَ فَاسْتَقْبَلَهُمَا زُهَاءَ خَمْسُمِائَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ حَتَّى انْتَهَوْا إِلَيْهِمَا فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ انْطَلِقَا آمِنَيْنِ مُطَاعَيْنِ، فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﵌ وَصَاحِبُهُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، فَخَرَجَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ حَتَّى أَنَّ الْعَوَاتِقَ [(٣٤)] لَفَوْقَ الْبُيوتِ يَتَرَاءَيْنَهُ يَقُلْنَ: أَيُّهُمْ هُوَ؟ أَيُّهُمْ هُوَ؟ قَالَ فَمَا رَأَيْنَا مَنْظَرًا شَبِيهًا بِهِ يَوْمَئِذٍ. قَالَ أَنَسٌ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ يَوْمَ دَخَلَ عَلَيْنَا وَيَوْمَ قُبِضَ فَلَمْ أَرَ يَوْمَيْنِ شَبِيهًا بِهِمَا» [(٣٥)] .
حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ إِمْلَاءً، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حمشاد الْعَدْلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَلِيٍّ السَّدُوسِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ:
حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ «شَهِدْتُ يَوْمَ دَخَلَ النَّبِيُّ ﵌
_________________
(١) [(٣٢)] زاد رزين. أيّها المبعوث فينا* جئت بالأمر المطاع [(٣٣)] كمنّا: «استترنا» . [(٣٤)] (العواتق) جمع عاتق، وهي الشابة أول ما تدرك، وقيل: هي التي لم تبن من والدتها، ولم تزوّج، وقد أدركت وشبّت. [(٣٥)] نقله الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٣: ١٩٧)، وقال: «رواه البيهقي عن الحاكم» .
[ ٢ / ٥٠٧ ]
فَلَمْ أَرَ يَوْمًا أَحْسَنَ وَلَا أَضْوَأَ مِنْهُ» [(٣٦)] .
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: أَخْبَرَنِي أَبُو الْحَسَنِ: عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدٍ الدُّورِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي الْوَرْدِ [(٣٧)] قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ صِرْمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يحيى ابن سَعِيدٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﵌ الْمَدِينَةَ، فَلَمَّا دَخَلَ الْمَدِينَةَ جَاءَتِ الْأَنْصَارُ بِرِجَالِهَا وَنِسَائِهَا، فَقَالُوا:
إِلَيْنَا يَا رَسُولَ اللهِ فَقَالَ: دَعُوا النَّاقَةَ فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ، فَبَرَكَتْ عَلَى بَابِ أَبِي أَيُّوبَ، قَالَ: فَخَرَجَتْ جَوَارٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ يَضْرِبْنَ بِالدُّفُوفِ وهن يقلن:
نَحْنُ جَوَارٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارْ* يَا حَبَّذَا مُحَمَّدٌ مِنْ جَارْ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ ﵌، فَقَالَ: أَتُحِبُّونِي؟ فَقَالُوا: إِي وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، قال: أنا وَاللهِ أُحِبُّكُمْ، وَأَنَا وَاللهِ أحبكم، أنا وَاللهِ أُحِبُّكُمْ» [(٣٨)] .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللهِ بْنُ سُلَيْمَانَ النَّحَّاسُ الْمُقْرِئُ بِبَغْدَادَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ الْحَسَنِ الْحَلَبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ الْمِصِّيصِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ عَوْفٍ الْأَعْرَابِيِّ، عَنْ ثُمَامَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ «مَرَّ رَسُولُ اللهِ ﵌ بِحَيِّ بَنِي النَّجَّارِ وَإِذَا جَوَارٍ يَضْرِبْنَ بِالدُّفِّ يقلن:
نَحْنُ جَوَارٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارْ* يَا حَبَّذَا مُحَمَّدٌ مِنْ جَارْ فَقَالَ النَّبِيُّ ﵌ اللهُ يَعْلَمُ أَنَّ قلبي يحبّكنّ.
_________________
(١) [(٣٦)] سنن ابن ماجة، في ٦:- كتاب الجنائز، (٦٥) باب ذكر وفاته ودفنه ﵌، الحديث (١٦٣١)، ص (١: ٥٢٢)، وأخرجه الإمام أحمد في «مسنده» (٣: ٢٤٠) . [(٣٧)] في (ص) و(هـ): «ابن ابي النجود» . [(٣٨)] ونقله الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٣: ١٩٩- ٢٠٠)، والسيوطي في الخصائص الكبرى (١: ١٩٠) .
[ ٢ / ٥٠٨ ]
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ، قَالَ:
حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ عَمْرٍو الْعُكْبَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عطاف ابن خَالِدٍ حَدَّثَنَا صِدِّيقُ بْنُ مُوسَى، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَاسْتَنَاخَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ بَيْنَ دَارِ جعفر بن محمد بن عَلِيٍّ وَدَارِ الْحَسَنِ بْنِ زَيْدٍ، فَأَتَاهُ النَّاسُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ الْمَنْزِلَ، فَانْبَعَثَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ فَقَالَ:
دَعُوهَا فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ، ثُمَّ خَرَجَتْ بِهِ حَتَّى جَاءَتْ بِهِ مَوْضِعَ الْمِنْبَرِ فَاسْتَنَاخَتْ ثُمَّ تَخَلَّلَتِ النَّاسُ، وَثَمَّ عَرِيشٌ كَانُوا يَرُشُّونَهُ وَيُعَمِّرُونَهُ وَيَتَبَرَّدُونَ فِيهِ، حَتَّى نَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﵌ عَلَى رَاحِلَتِهِ فَآوَى إِلَى الظِّلِّ، فَنَزَلَ فِيهِ فَأَتَاهُ أَبُو أَيُّوبَ، فَقَالَ: يَا رَسُولُ اللهِ إِنَّ مَنْزِلِي أَقْرَبُ الْمَنَازِلِ إِلَيْكَ، فَانْقُلْ رَحَالَكَ إِلَيَّ، فَقَالَ: نَعَمْ، فَذَهَبَ بِرَحْلِهِ إِلَى الْمَنْزِلِ، ثُمَّ أَتَاهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَيْنَ تَحُلُّ، قَالَ:
إِنَّ الرَّجُلَ مَعَ رَحْلِهِ حَيْثُ كَانَ، وَثَبَتَ رَسُولُ اللهِ ﵌ فِي الْعَرْشِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً حَتَّى بُنِيَ الْمَسْجِدُ» [(٣٩)]
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو عَمْرِو الْحِيرِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ثَابِتٌ يَعْنِي ابْنَ زَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَفْلَحٍ مَوْلَى أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ نَزَلَ عَلَيْهِ، فَنَزَلَ النَّبِيُّ ﵌ فِي السُّفْلِ، وَأَبُو أَيُّوبَ فِي الْعُلْوِ فَانْتَبَهَ أَبُو أَيُّوبَ لَيْلَتَهُ [(٤٠)] فَقَالَ نَمْشِي فَوْقَ رَأْسِ رَسُولِ اللهِ ﵌، فَتَنَحَّوْا فَبَاتُوا فِي جَانِبٍ، ثُمَّ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﵌، فَقَالَ النَّبِيُّ ﵌: السُّفْلُ أَرْفَقُ، فَقَالَ لَا أَعْلُو سَقِيفَةً أَنْتَ تَحْتَهَا، فَتَحَوَّلَ النَّبِيُّ ﵌ فِي الْعُلُوِّ، وَأَبُو أَيُّوبَ فِي السُّفْلِ، فَكَانَ يَصْنَعُ لِلنَّبِيِّ ﵌ طَعَامًا فَإِذَا جِيءَ بِهِ سَأَلَ عَنْ مَوْضِعِ أَصَابِعِهِ فَيَتَتَبَّعُ مَوْضِعَ أَصَابِعِهِ، فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا فِيهِ
_________________
(١) [(٣٩)] البداية والنهاية (٣: ٢٠٢) . [(٤٠)] في (ص) و(هـ): «ليلة» .
[ ٢ / ٥٠٩ ]
ثُومٌ فَلَمَّا رُدَّ إِلَيْهِ سَأَلَ عَنْ مَوْضِعِ أَصَابِعِ النَّبِيِّ ﵌ فَقِيلَ لَمْ يَأْكُلْ، فَفَزِعَ وَصَعِدَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: أَحَرَامٌ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﵌ لَا، وَلَكِنِّي أَكْرَهُهُ، قَالَ: فَإِنِّي أَكْرَهُ مَا تَكْرَهُ، أَوْ مَا كَرِهْتَ. قَالَ وَكَانَ النَّبِيُّ ﵌ يُؤْتَى يَعْنِي يَأْتِيهِ الْمَلَكُ» .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ الدَّارِمِيِّ [(٤١)] وَغَيْرِهِ.
وَأَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ مِلْحَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ، أَوْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ أَبِي السَّمَاعِيِّ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ، حَدَّثَهُ «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ نَزَلَ فِي بَيْتِ الْأَسْفَلِ، وَكُنْتُ فِي الْغُرْفَةِ، فَأُهرِقَ، مَاءٌ فِي الْغُرْفَةِ، فَقُمْتُ أَنَا وَأُمُّ أَيُّوبَ نَتْبَعُ الْمَاءَ بِقَطِيفَةٍ لَنَا شَفَقًا أَنْ يَصِلَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ فَنَزَلْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ وَأَنَا مُشْفِقٌ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ لَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ أَكُونَ فَوْقَكَ انْتَقِلْ إِلَى الْغُرْفَةِ فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﵌ فَنُقِلَ مَتَاعُهُ أَظُنُّهُ بِلَيْلٍ قَلِيلٍ [(٤٢)] فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ كُنْتَ تُرْسِلُ إِلَيْنَا بِالطَّعَامِ فَأَنْظُرُ فَإِذَا رَأَيْتُ أَثَرَ أَصَابِعِكَ وَضَعْتُ يَدِي فِيهِ حَتَّى إِذَا كَانَ هَذَا الطَّعَامُ الَّذِي أَرْسَلْتَ بِهِ إِلَيَّ نَظَرْتُ إِلَيْهِ فَلَمْ أَرَ أَثَرَ أَصَابِعِكَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌ أَجَلْ إِنَّ فِيهِ بَصَلًا فَكَرِهْتُ أَنْ آكُلَهُ مِنْ أَجْلِ الْمَلَكِ الَّذِي يَأْتِينِي فَأَمَّا أَنْتُمْ فَكُلُوهُ» .
رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ [(٤٣)]، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ مَرْثَدِ ابن عَبْدِ اللهِ الْيَزَنِيِّ وَهُوَ أَبُو الْخَيْرِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ.
_________________
(١) [(٤١)] رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ، وحجاج بن الشاعر في: ٣٦- كتاب الأشربة، (٣١) باب إباحة أكل الثوم، الحديث (١٧١)، ص (١٦٢٣) . وأخرجه الترمذي في كتاب الأطعمة، (١٣) بَابُ مَا جَاءَ فِي كراهية أكل الثوم والبصل، الحديث (١٨٠٧) عَنْ مَحْمُودِ بْنِ غَيْلَانَ، وقال: «حسن صحيح» . صفحة (٤: ٢٦١) . وأخرجه الإمام احمد في «مسنده» (٤: ٢٤٩، ٢٥٢)، و(٥: ٩٤، ٩٦، ١٠٣، ١٠٦) . [(٤٢)] في (ص): «قليل، أظنه بليل» . [(٤٣)] سيرة ابن هشام (٢: ١١٦)، والبداية والنهاية (٣: ٢٠١) .
[ ٢ / ٥١٠ ]
بَابُ ذِكْرِ التَّارِيخِ لِمَقْدَمِ النَّبِيِّ ﵌ الْمَدِينَةَ وَكَمْ مَكَثَ بَعْدَ الْبَعْثِ بِمَكَّةَ
حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ: إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَقِيهُ بِالرَّيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عابد الدِّمَشْقِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي الْبَدَّاحِ ابن عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﵌ الْمَدِينَةَ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ فَأَقَامَ بِالْمَدِينَةِ عَشَرَ سِنِينَ» [(١)] .
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ الْعَدْلُ بِبَغْدَادَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ السَّمَّاكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَنْبَلُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللهِ: أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: «كَانَ بَيْنَ لَيْلَةِ الْعَقَبَةِ وَبَيْنَ مُهَاجِرِ رَسُولِ اللهِ ﵌ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ أَوْ قَرِيبٌ مِنْهَا وَكَانَتْ بَيْعَةُ الْأَنْصَارِ رَسُولَ اللهِ ﵌ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ فِي ذِي الْحِجَّةِ وَقَدِمَ رَسُولُ الله ﵌ الْمَدِينَةَ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ وَتُوُفِّيَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ لِتَمَامِ مُهَاجَرِهِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ عشر سنين» .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ حَدَّثَنَا يُونُسُ بن بُكَيْرٍ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قال:
_________________
(١) [(١)] انظر الحاشية (٢٢) من الباب السابق.
[ ٢ / ٥١١ ]
«أَقَامَ رَسُولُ اللهِ بِمَكَّةَ بَعْدَ نُزُولِ الْوَحْيِ عَلَيْهِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً ثُمَّ هَاجَرَ فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ [الْأَوَّلِ] [(٢)] لَيْلَةَ الْإِثْنَيْنِ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً مَضَتْ مِنْهُ» .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُوَيْمٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي بَعْضُ قَوْمِي، قَالَ: «قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﵌ وَذَلِكَ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً مَضَتْ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ فَأَقَامَ بِقُبَاءَ الْإِثْنَيْنِ وَالثُّلَاثَاءَ وَالْأَرْبِعَاءَ وَالْخَمِيسَ فَأَسَّسَ الْمَسْجِدَ وَصَلَّى فِيهِ تِلْكَ الْأَيَّامَ حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ خَرَجَ عَلَى نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ [(٣)] وَبَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ لَبِثَ فِيهِمْ ثَمَانَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، ثُمَّ خَرَجَ وَقَدِ اجْتَمَعَ النَّاسُ فَأَدْرَكْتُهُ الصَّلَاةُ فِي بَنِي سَالِمٍ، فَصَلَّاهَا بِمَنْ مَعَهُ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي بِبَطْنِ الْوَادِي، فَكَانَتْ أَوَّلَ جُمُعَةٍ صَلَّاهَا بِالْمَدِينَةِ» [(٤)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الطَّابَرَانِيُّ بِهَا، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَنْصُورٍ الطُّوسِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الصَّائِغُ، قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو ابن دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «مَكَثَ رَسُولُ اللهِ ﵌ بِمَكَّةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَتُوُفِّيَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ» .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ مَطَرِ بْنِ الْفَضْلِ [(٥)] .
_________________
(١) [(٢)] ليست في (هـ) . [(٣)] (ص) و(هـ): «القصوى» . [(٤)] سيرة ابن هشام (٢: ١١٢) . [(٥)] أخرجه البخاري في الهجرة عَنْ مَطَرِ بْنِ الْفَضْلِ، في: ٦٣- كتاب مناقب الأنصار، (٤٥) باب هِجْرَةِ النَّبِيِّ ﵌، وأصحابه إلى المدينة، الحديث (٣٩٠٢)، فتح الباري (٧: ٢٢٧) .
[ ٢ / ٥١٢ ]
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ [(٦)] وَغَيْرِهِ كُلُّهُمْ عَنْ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ.
وَالرِّوَايَةُ فِي مُدَّةِ مُقَامِ النَّبِيِّ ﵌ بِمَكَّةَ بَعْدَ الْبَعْثِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ مُخْتَلِفَةٌ وَسَيَرِدُ ذِكْرُ الِاخْتِلَافِ فِيهَا إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى فِي هَذَا الْكِتَابِ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا أَصَحُّهَا وَاللهُ أَعْلَمُ.
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ الْعَدْلُ بِبَغْدَادَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عمرو عثمان ابْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ السَّمَّاكِ قَالَ حَدَّثَنَا حَنْبَلُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ الْحُمَيْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى يَعْنِي ابْنَ سَعِيدٍ عَنْ عَجُوزٍ لَهُمْ، قَالَتْ: رَأَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَخْتَلِفُ إِلَى صِرْمَةَ بْنِ قَيْسٍ يَرْوِي هَذِهِ الأبيات:
ثَوَى [(٧)] فِي قُرَيْشٍ بِضْعَ [(٨)] عَشْرَةَ حِجَّةً [(٩)] يُذَكِّرُ لَوْ أَلْفَى صَدِيقًا مُوَاتِيَا [(١٠)]
وَيعْرِضُ فِي أَهْلِ الْمَوَاسِمِ نَفْسَهُ فَلَمْ يَرَ مَنْ يُؤْوِي وَلَمْ يَرَ دَاعِيَا
فَلَمَّا أَتَانَا وَاطْمَأَنَّتْ بِهِ النَّوَى [(١١)] وَأَصْبَحَ مَسْرُورًا بِطَيْبَةَ رَاضِيَا
_________________
(١) [(٦)] فِي كِتَابِ الْفَضَائِلِ، (٣٣) بَابُ كم أَقَامَ النَّبِيُّ ﵌، بمكة والمدينة، الحديث (١١٧)، ص (١٨٢٦) . كما أخرجه الترمذي في المناقب عن أحمد بن منيع، عَنْ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ، وقال: حسن غريب. [(٧)] ثوى أقام. [(٨)] البضع من الثلاث إلى التسع. [(٩)] الحجة هنا السنة. [(١٠)] مواتيا موافقا. [(١١)] في سيرة ابن هشام: «فلما أتانا أظهر الله دينه»، والنوى البعد.
[ ٢ / ٥١٣ ]
وَأَصْبَحَ مَا يَخْشَى ظُلَامَةَ ظَالِمٍ بِعَبْدٍ وَلَا يَخْشَى مِنَ النَّاسِ بَاغِيَا [(١٢)]
وحَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الصَّقْرِ أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ الْكَاتِبُ بِهَمْدَانَ قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ دِيزِيلَ قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ: كَمْ لَبِثَ النَّبِيُّ ﵌ بِمَكَّةَ قَالَ عَشْرُ سِنِينَ قُلْتُ فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ لَبِثَ بِضْعَ عَشْرَةَ حِجَّةً. قَالَ إِنَّمَا أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِ الشَّاعِرِ.
قَالَ سُفْيَانُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ سَمِعْتُ عَجُوزًا مِنَ الْأَنْصَارِ تَقُولُ رَأَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَخْتَلِفُ إِلَى صِرْمَةَ بْنِ قَيْسٍ يَتَعَلَّمُ مِنْهُ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ: - ثَوَى فِي قُرَيْشٍ بِضْعَ عَشْرَةَ حِجَّةً فَذَكَرَ الْأَبْيَاتِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا إِلَّا أَنَّهُ قَالَ:
وَاسْتَقَرَّتْ بِهِ النَّوَى وَقَالَ وَمَا يَخْشَى مِنَ النَّاسِ بَاغِيَا وَزَادَ: -
بَذَلْنَا لَهُ الْأَمْوَالَ مِنْ جُلِّ [(١٣)] مَالِنَا وَأَنْفُسَنَا عِنْدَ الْوَغَى وَالْتَآسِيَا [(١٤)]
نُعَادِي الَّذِي عَادَى مِنَ النَّاسِ كُلِّهِمْ جَمِيعًا وَإِنْ كَانَ الْحَبِيبُ الْمُوَاتِيَا [(١٥)]
وَنَعْلَمُ أَنَّ اللهَ لَا شَيْءَ غَيْرُهُ وَأَنَّ كِتَابَ الله أصبح هاديا
_________________
(١) [(١٢)] في (ح): «راعيا» . [(١٣)] في رواية: «من حل» بالحاء. [(١٤)] الوغى الحرب، التأسّي التعاون. [(١٥)] كذا في (ح)، وفي (ص) و(هـ): «المواسيا»، وفي رواية أخرى: «المصافيا» .
[ ٢ / ٥١٤ ]
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بن بكير، عن ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: وَقَالَ صِرْمَةُ بْنُ قَيْسٍ حِينَ قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﵌ الْمَدِينَةَ وَأَمِنَ بِهَا هُوَ وَأَصْحَابُهُ فَذَكَرَ الْأَبْيَاتِ الْخَمْسَةَ مِنْ أَوَّلِهِنَّ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي الْبَيْتِ الرابع:
وَأَصْبَحَ لَا يَخْشَى مِنَ النَّاسِ وَاحِدًا [(١٦)] قَرِيبًا وَلَا يَخْشَى مِنَ النَّاسِ بَاغِيَا [(١٧)]
ثُمَّ ذَكَرَ الْبَيْتَ الْخَامِسَ، ثُمَّ قَالَ:
أَقُولُ إِذَا صَلَّيْتُ فِي كُلِّ بَيْعَةٍ: حَنَانَيْكَ [(١٨)] لَا تُظْهِرْ عَلَيْنَا الْأَعَادِيَا
أَقُولُ إِذَا جَاوَزْتُ أرضا مخوفة تباركت اسْمُ اللهِ أَنْتَ الْمُوَالِيَا
فَطَأْ مُعْرِضًا إِنَّ الْحُتُوفَ كَثِيرَةٌ وَإِنَّكَ لَا تُبْقِي لنفسك باقيا
_________________
(١) [(١٦)] في الأصول الثلاثة: «وأصبح لا يخشى عداوة واحد، وأثبتنا ما في سيرة ابن هشام، وما نقله ابن كثير، والصالحي عنه. [(١٧)] كذا بالأصول، وفي السيرة: «نائيا» . [(١٨)] (حنانيك): أي تحننا بعد تحنن، والتحنن الرأفة، والشفقة، والرحمة.
[ ٢ / ٥١٥ ]
بَابُ قَوْلِ اللهِ ﷿ وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا [(١)]
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ إِمْلَاءً، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ قُتَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ قَابُوسَ بْنِ أَبِي ظَبْيَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﵌ بِمَكَّةَ فَأَمَرَ بِالْهِجْرَةِ وَأُنْزِلَ عَلَيْهِ وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا [(٢)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْعَلَوِيُّ قَالَ أخبرنا علي بن جمشاد الْعَدْلُ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ الْهَيْثَمِ قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي اللَّيْثِ قَالَ حَدَّثَنَا الْأَشْجَعِيُّ.
(ح)، وأَخْبَرَنَا: أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عبد الله ابن جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عيسى بن محمد،
_________________
(١) [(١)] الآية الكريمة (٨٠) من سورة الإسراء. [(٢)] أخرجه الترمذي في: ٤٨- كتاب تفسير القرآن، باب تفسير سورة الإسراء، الحديث (٣١٣٩)، صفحة (٥: ٣٠٤) عن أحمد بن منيع، وقال: «هذا حديث حسن صحيح» .
[ ٢ / ٥١٦ ]
قَالَ: أَخْبَرَنَا الْأَشْجَعِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ قَابُوسَ بْنِ [(٣)] أَبِي ظَبْيَانَ [(٤)]، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «مَكَثَ النَّبِيُّ ﵌ عَشْرَ سِنِينَ بِمَكَّةَ نَبِيًّا» . وَفِي حَدِيثِ الْعَلَوِيِّ يُنَبَّأُ، فَنَزَلَتْ «وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مخرج صدق» [(٥)] .
قَالَ: فَهَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ.
حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الشَّافِعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ المروزي [(٦)]، قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ ﷿ وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ فَأَخْرَجَهُ اللهُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْهِجْرَةِ بِالْمَدِينَةِ مَخْرَجَ صِدْقٍ، وَأَدْخَلَهُ الْمَدِينَةَ مُدْخَلَ صِدْقٍ، قَالَ: وَنَبِيُّ اللهِ ﵌ عَلِمَ أَنَّهُ لَا طَاقَةَ لَهُ بِهَذَا الْأَمْرِ إِلَّا بِسُلْطَانٍ، فَسَأَلَ سُلْطَانًا نَصِيرًا لِكِتَابِ اللهِ وَحُدُودِهِ وَفَرَائِضِهِ وَلِإِقَامَةِ كِتَابِ اللهِ، فَإِنَّ السُّلْطَانَ عِزَّةٌ مِنَ اللهِ جَعَلَهَا بَيْنَ أَظْهُرِ عِبَادِهِ، لَوْلَا ذَلِكَ لَأَغَارَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَأَكَلَ شَدِيدُهُمْ ضَعِيفَهُمْ» [(٧)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، قَالَ: حَدَّثَنِي شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عدي بن
_________________
(١) [(٣)] في (ح): [عن]، وهو تحريف. [(٤)] يرويه هنا قابوس بن أبي طبيان عن ابن عباس مرسلا، وفي المجروحين لابن حبان (٢: ٢١٦): «كان رديء الحفظ، ينفرد عن أبيه بما لا أصل له، ربما رفع المراسيل، وأسند الوقوف»، وذكره العقيلي في الضعفاء الكبير (٣: ٤٨٩) . [(٥)] الفقرة بين الحاصرتين ليست في (ح)، وثابتة في (ص) و(هـ) . [(٦)] (ص) و(هـ): المرووروزي. [(٧)] أضاف القرطبي (١٠: ٣١٣): «قال الضحاك: هو خروجه من مكة، ودخوله مكة يوم الفتح» .
[ ٢ / ٥١٧ ]
الْحَمْرَاءِ الزُّهْرِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﵌ وَهُوَ وَاقِفٌ بِالْحَزْوَرَةِ فِي سُوقِ مَكَّةَ «إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللهِ إِلَيَّ وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ» [(٨)] . هَذَا هُوَ الْمَحْفُوظُ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ يُونُسُ [(٩)] عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ.
وَقَدْ أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ السُّكَّرِيُّ بِبَغْدَادَ فِي أَمَالِي عَبْدِ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ وَقَفَ عَلَى الْحَزْوَرَةِ فَقَالَ:
عَلِمْتُ أَنَّكِ خَيْرُ أَرْضِ اللهِ وَأَحَبُّ أَرْضِ اللهِ وَلَوْلَا أَنَّ أَهْلَكِ أَخْرَجُونِي مِنْكِ مَا خَرَجْتُ» [(١٠)] .
وَهَذَا وَهْمٌ مِنْ مَعْمَرٍ [وَاللهُ أَعْلَمُ] [(١١)] .
وَقَدْ رَوَى بَعْضُهُمْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهُوَ أَيْضًا وَهْمٌ. وَالصَّحِيحُ رِوَايَةُ الجماعة [(١٢)] .
_________________
(١) [(٨)] أخرجه الترمذي في المناقب (باب) في فضل مكة، الحديث رقم (٣٩٢٥)، ص (٧٢٢)، عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَدِيِّ بْنِ حَمْرَاءَ الزُّهْرِيَّ، وقال: «هذا حديث حسن غريب صحيح» . وقد رواه يونس عن الزهري نحوه، ورواه مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﵌، وحديث الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عدي بن حمراء عندي أصح. وأخرجه ابن ماجة في المناسك، عن عيسى بن حماد، عن الليث. [(٩)] في (ص): «وعقيل» . [(١٠)] هذه الرواية أخرجها النسائي من طريق معمر، في المناسك، في سننه الكبرى على ما ذكره المزي في تحفة الأشراف (٥: ٣١٦) و(١١: ٥٤) . [(١١)] الزيادة من (ص) فقط. [(١٢)] نقله الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية» (٣: ٢٠٥- ٢٠٦)، وأضاف: رواه احمد عن ابراهيم ابن خالد، عن رباح، عَنْ مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ بعضهم.
[ ٢ / ٥١٨ ]
حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الْوَلِيدِ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَا: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ قَالَ: اللهُمَّ إِنَّكَ أَخْرَجْتَنِي مِنْ أَحَبِّ الْبِلَادِ إِلَيَّ، فَأَسْكِنِّي أَحَبَّ الْبِلَادِ إِلَيْكَ، فَأَسْكَنَهُ اللهُ الْمَدِينَةَ» [(١٣)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا الْحُبَابِ سَعِيدَ بْنَ يَسَارٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: «قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌ أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ [(١٤)] تَأْكُلُ الْقُرَى [(١٥)]، يَقُولُونَ:
يَثْرِبَ، وَهِيَ الْمَدِينَةُ، تَنْفِي النَّاسَ [(١٦)] كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ» .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُوسُفَ.
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ قُتَيْبَةَ كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ [(١٧)] .
_________________
(١) [()] ورواه الطبراني عن أحمد بن خليد الحلبي، عن الحميدي، عن الدراوردي، عن ابن اخي الزُّهْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ، عن مطعم، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عدي بن الحمراء. فهذه طرق هذا الحديث، وأصحها ما تقدم، والله أعلم. [(١٣)] نقله الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية» (٣: ٢٠٥)، وقال: «هذا حديث غريب جدا، والمشهور ان مكة أفضل من المدينة إلا المكان الذي ضم جسد رسول الله ﵌، وقد استدل الجمهور على ذلك بأدلة يطول ذكرها، ومحلها في كتاب المناسك من الأحكام. [(١٤)] (أمرت بقرية) اي امرني ربي، بالهجرة الى قرية. [(١٥)] (تآكل القرى) اي: تغلبها وتظهر عليها. [(١٦)] (تنفي الناس): اي تنفي الخبيث الرديء منهم. [(١٧)] الحديث في موطأ مالك، أخرجه في: ٤٥- كتاب الجامع، (٢) بَابُ مَا جَاءَ فِي سكنى المدينة والخروج منها الحديث (٥)، ص (٢: ٨٨٧)، وأخرجه البخاري في: ٢٩- كتاب فضائل المدينة، (٢) باب فضل المدينة، وأنها تنفي الناس فتح الباري (٤: ٨٧)، وأخرجه مسلم في: ١٥- كتاب
[ ٢ / ٥١٩ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ:
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَسَافٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ قَالَ: إِنَّ الْإِيمَانَ لَيَأْرِزُ [(١٨)] إِلَى الْمَدِينَةِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا» .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ [(١٩)] عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ.
وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ [(٢٠)] .
أَخْبَرَنَا أبو عبد اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا عَاصِمٌ يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌ إِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ، يَأْرِزُ [بَيْنَ الْمَسْجِدَيْنِ] [(٢١)] كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا» .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ رَافِعٍ [(٢٢)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو الْبِسْطَامِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا
_________________
(١) [()] الحج، (٨٨) باب المدينة تنفي شرارها، الحديث رقم (٤٨٨)، وأخرجه الإمام أحمد في «مسنده» (٢: ٢٣٧، ٢٤٧، ٣٨٤) . [(١٨)] (يأرز): ينضم، ويجتمع. [(١٩)] في: ١- كتاب الإيمان (٦٥) باب بيان إِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا، وسيعود غريبا، وانه يأرز بين المسجدين، الحديث (٢٣٣)، ص (١: ١٣١) . [(٢٠)] في: ٢٩- كتاب فضائل المدينة (٦) باب الايمان يأرز إلى المدينة، الحديث (١٨٧٦)، فتح الباري (٤: ٩٣) . وأخرجه الترمذي في الايمان، وابن ماجة في المناسك، والإمام أحمد في «مسنده» (١: ١٨٤) . [(٢١)] الزيادة من صحيح مسلم. [(٢٢)] صحيح مسلم، في: ١- كتاب الإيمان، الحديث (٢٣٢)، ص (١: ١٣١) .
[ ٢ / ٥٢٠ ]
الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ حَدَّثَنَا يَعْلَى قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الْعُصْفُرِيُّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ [(٢٣)] قَالَ: إِلَى مَكَّةَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُقَاتِلٍ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عُبَيْدٍ. [(٢٤)]
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الله الْحَافِظُ، وَأَبُو بَكْرٍ الْقَاضِي، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَفَّانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ، عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ «لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ قَالَ لَرَادُّكَ إِلَى مَوْلِدِكَ بمكة» [(٢٥)] .
_________________
(١) [(٢٣)] الآية الكريمة (٨٥) من سورة القصص. [(٢٤)] فتح الباري، في تفسير سورة القصص (٨: ٥٠٩- ٥١٠) . [(٢٥)] «الجامع لأحكام القرآن» (١٣: ٣٢١) .
[ ٢ / ٥٢١ ]
بَابُ مَا رُوِيَ فِي خُرُوجِ صُهَيْبِ بْنِ سِنَانٍ ﵁ عَلَى أَثَرِ النَّبِيِّ ﵌ إِلَى الْمَدِينَةِ ومَا ظَهَرَ فِي ذَلِكَ مِنْ آثَارِ النُّبُوَّةِ
حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، إِمْلَاءً قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مِيكَالٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدَانُ الْأَهْوَازِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحَرِيشِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزُّهْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بْنُ حُذَيْفَةَ بْنِ صَيْفِيِّ بْنِ صُهَيْبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي وَعُمُومَتِي عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ صُهَيْبٍ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌ أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ سَبِخَةً بَيْنَ ظَهْرَانَيْ حَرَّةٍ، فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ هَجَرًا [(١)] أَوْ تَكُونَ يَثْرِبَ، قَالَ: وَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﵌ إِلَى الْمَدِينَةِ وَخَرَجَ مَعَهُ أَبُو بَكْرٍ [﵁] [(٢)] وَكُنْتُ قَدْ هَمَمْتُ بِالْخُرُوجِ مَعَهُ فَصَدَّنِي فِتْيَانٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فَجَعَلْتُ لَيْلَتِي تِلْكَ أَقُومُ لَا أَقْعُدُ، فَقَالُوا: قَدْ شَغَلَهُ اللهُ عَنْكُمْ بِبَطْنِهِ، وَلَمْ أَكُنْ شَاكِيًا فَنَامُوا فَخَرَجْتُ فَلَحِقَنِي مِنْهُمْ نَاسٌ بَعْدَ مَا سِرْتُ بَرِيدًا لِيَرُدُّونِي، فَقُلْتُ لَهُمْ هَلْ لَكُمْ أَنْ أُعْطِيَكُمْ أَوَاقِيَ [(٣)] مِنْ ذَهَبٍ وتخلّون سبيلي وتفون لِي، فَفَعَلُوا فَسُقْتُهُمْ [(٤)] إِلَى مَكَّةَ فَقُلْتُ احْفِرُوا تَحْتَ اسكفّة الباب
_________________
(١) [(١)] جزء من حديث أخرجه البخاري في: ٣٩- كتاب الكفالة، فتح الباري (٤: ٤٧٥)، وتقدم في الحاشية (٥) من بَابُ مَنْ هَاجَرَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﵌ إلى المدينة. [(٢)] ليست في (ص) ولا في (هـ) . [(٣)] (ص) و(هـ): «أواق» . [(٤)] في (هـ): «فبعثتهم» .
[ ٢ / ٥٢٢ ]
فَإِنَّ تَحْتَهَا الْأَوَاقِيَ وَاذْهَبُوا إِلَى فُلَانَةَ فَخُذُوا الْحُلَّتَيْنِ وَخَرَجْتُ حَتَّى قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ قُبَاءَ قَبْلَ أَنْ يَتَحَوَّلَ مِنْهَا، فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: يَا أَبَا يَحْيَى! رَبِحَ الْبَيْعُ، ثَلَاثًا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا سَبَقَنِي إِلَيْكَ أَحَدٌ، وَمَا أَخْبَرَكَ إِلَّا جِبْرِيلُ ﵇» [(٥)] .
_________________
(١) [(٥)] أخرجه الحاكم في «المستدرك» (٣: ٤٠٠)، وقال: «صحيح الإسناد، ولم يخرجاه»، ووافقه الذهبي.
[ ٢ / ٥٢٣ ]
بَابُ أَوَّلُ خُطْبَةٍ خَطَبَهَا رَسُولُ اللهِ ﵌ حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْمُغِيرَةُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عثمان بن الأخنس ابن شَرِيقٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: «كَانَتْ أَوَّلُ خُطْبَةٍ خَطَبَهَا رَسُولُ اللهِ ﵌ بِالْمَدِينَةِ أَنَّهُ قَامَ فِيهِمْ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ فَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ، تَعْلَمَنَّ وَاللهِ لَيُصْعَقَنَّ أَحَدُكُمْ، ثُمَّ لَيَدَعَنَّ غَنَمَهُ لَيْسَ لَهَا رَاعٍ، ثُمَّ لَيَقُولَنَّ لَهُ رَبُّهُ لَيْسَ لَهُ تَرْجُمَانٌ وَلَا حَاجِبٌ يَحْجُبُهُ دُونَهُ: أَلَمْ يَأْتِكَ رَسُولِي فَبَلَّغَكَ، وَآتَيْتُكَ مَالًا، وَأَفْضَلْتُ عَلَيْكَ، فَمَا قَدَّمْتَ لِنَفْسِكَ فَلَيَنْظُرَنَّ يَمِينًا وَشِمَالًا فَلَا يَرَى شَيْئًا، ثُمَّ لَيَنْظُرَنَّ قُدَّامَهُ فَلَا يَرَى غَيْرَ جَهَنَّمَ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَقِيَ وَجْهَهُ مِنَ النَّارِ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ [(١)] فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ فَإِنَّ بِهَا تُجْزَى الْحَسَنَةُ عَشَرَ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ وَالسَّلَامُ [عَلَيْكُمْ و] [(٢)] علي رسول الله [﵌] [(٣)] وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ.
ثُمَّ خَطَبَ رَسُولُ اللهِ ﵌ مَرَّةً أُخْرَى فَقَالَ: إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ أَحْمَدُهُ وأستعينه،
_________________
(١) [(١)] في (ص) و(هـ): «بشقة من تمرة» . [(٢)] الزيادة من سيرة ابن هشام. [(٣)] ليست في (ص)، ولا في (هـ) .
[ ٢ / ٥٢٤ ]
نَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ وأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. إِنَّ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَيَّنَهُ اللهُ فِي قَلْبِهِ وَأَدْخَلَهُ فِي الْإِسْلَامِ بَعْدَ الْكُفْرِ وَاخْتَارَهُ عَلَى مَا سِوَاهُ مِنْ أَحَادِيثِ النَّاسِ إِنَّهُ أَحْسَنُ الْحَدِيثِ وَأَبْلَغُهُ أَحِبُّوا مَنْ أَحَبَّ اللهُ، أَحِبُّوا اللهَ مِنْ كُلِّ قُلُوبِكُمْ وَلَا تَمَلُّوا كَلَامَ اللهِ [تَعَالَى] [(٤)] وَذِكْرَهُ وَلَا تَقْسُ عَنْهُ قُلُوبُكُمْ فَإِنَّهُ مِنْ كُلٍّ يَخْتَارُ اللهُ وَيَصْطَفِي فَقَدْ سَمَّاهُ خِيرَتَهُ مِنَ الْأَعْمَالِ، وَمُصْطَفَاهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَالصَّالِحِ مِنَ الْحَدِيثِ، وَمِنْ كُلِّ مَا أَتَى النَّاسُ مِنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، فاعَبْدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَاتَّقُوهُ حَقَّ تُقَاتِهِ، وَأَصْدِقُوا اللهَ صَالِحَ مَا تَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ، وَتَحَابُّوا بِرُوحِ اللهِ بَيْنَكُمْ. إِنَّ اللهَ يَغْضَبُ أَنْ يُنْكَثَ عَهْدُهُ وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وبركاته» [(٥)] .
_________________
(١) [(٤)] ليست في (ص)، وليست في (هـ) . [(٥)] سيرة ابن هِشَامٍ (٣: ١١٨- ١١٩) .
[ ٢ / ٥٢٥ ]
باب ما جاء في دخول عبد الله بن سلام ﵁ على رسول الله ﵌ حين قدم المدينة ووجوده إياه الرسول النبي الأمي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل واعترافه بذلك وإسلامه وكذلك كل من أنصفه من اليهود الذين دخلوا عليه و
بَابُ مَا جَاءَ فِي دُخُولِ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ ﵁ عَلَى رَسُولِ الله ﵌ حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَوُجُودِهِ إِيَّاهُ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَاعْتِرَافِهِ بِذَلِكَ وَإِسْلَامِهِ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ أَنْصَفَهُ مِنَ الْيَهُودِ الَّذِينَ دَخَلُوا عَلَيْهِ وَوَقَفُوا عَلَى صِفَتِهِ دُونَ مَنْ حُرِمَ التَّوْفِيقَ مِنْهُمْ
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ الْعَدْلُ بِبَغْدَادَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ ابن مُحَمَّدٍ الْمِصْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ الْمَكِّيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ أَبِي الْحَجَّاجِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، قَالَ:
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «أَقْبَلَ نَبِيُّ الله ﵌ إِلَى الْمَدِينَةِ وَهُوَ مُرْدِفٌ أَبَا بَكْرٍ، وَأَبُو بَكْرٍ شَيْخٌ يُعْرَفُ، وَرَسُولُ الله [(١)] ﵌ شَابٌّ لَا يُعْرَفُ- يُرِيدُ دُخُولَ الشَّيْبِ فِي لِحْيَتِهِ دُونَهُ لَا السِّنَّ- قَالَ أَنَسٌ: فَيَلْقَى الرَّجُلُ أَبَا بَكْرٍ [﵁] [(٢)] فَيَقُولُ: يَا أَبَا بَكْرٍ! مَنْ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْكَ؟
فَيَقُولُ: هَذَا الرَّجُلُ يَهْدِينِي السَّبِيلَ، فَيَحْسِبُ الْحَاسِبُ أَنَّهُ إِنَّمَا يَهْدِيهِ الطَّرِيقَ وَإِنَّمَا يَعْنِي سَبِيلَ الْخَيْرِ.
قَالَ: فَالْتَفَتَ أَبُو بَكْرٍ فَإِذَا هُوَ بِفَارِسٍ قَدْ لَحِقَهُمْ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ هَذَا فَارِسٌ قَدْ لَحِقَ بِنَا فَالْتَفَتَ نَبِيُّ اللهِ ﵌، فَقَالَ: اللهُمَّ اصْرَعْهُ، فصرعه فرسه [(٣)]
_________________
(١) [(١)] في صحيح البخاري: «ونبي الله»، وكذا في (ص) و(هـ) . [(٢)] زيادة من (ص) و(هـ) . [(٣)] في الصحيح: «فصرعه الفرس» .
[ ٢ / ٥٢٦ ]
ثُمَّ قَامَتْ تُحَمْحِمُ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، امرني بِمَا شِئْتَ، قَالَ: فَقِفْ مَكَانَكَ لَا تَتْرُكَنَّ أَحَدًا يَلْحَقُ بِنَا، قَالَ: فَكَانَ أَوَّلَ النَّهَارِ جَاهِدًا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﵌، وَآخِرَ النَّهَارِ مَسْلَحَةً [(٤)] لَهُ.
قَالَ: فَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﵌ جَانِبَ الْحَرَّةِ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْأَنْصَارِ فَجَاءُوا [رَسُولَ اللهِ ﵌] [(٥)] فَسَلَّمُوا عَلَيْهِمَا، فَقَالُوا: ارْكَبَا آمِنَيْنِ مُطَاعَيْنِ، قَالَ:
فَرَكِبَ نَبِيُّ اللهِ ﵌ وَأَبُو بَكْرٍ وَحَفُّوا حَوْلَهُمَا بِالسِّلَاحِ، قَالَ: فَقِيلَ فِي الْمَدِينَةِ جَاءَ رَسُولُ اللهِ ﵌ جَاءَ رَسُولُ اللهِ، فَاسْتَشْرَفُوا النَّبِيَّ ﵌ يَنْظُرُونَ وَيَقُولُونَ: جَاءَ نَبِيُّ اللهِ جَاءَ نَبِيُّ اللهِ، وَأَقْبَلَ يَسِيرُ حَتَّى نَزَلَ إِلَى جَانِبِ [دَارِ] [(٦)] أَبِي أَيُّوبَ.
قَالَ: فَإِنَّهُ لَيُحَدِّثُ أَهْلَهُ إِذْ سَمِعَ بِهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ وَهُوَ فِي نَخْلٍ لِأَهْلِهِ يَخْتَرِفُ لَهُمْ مِنْهُ فَعَجِلَ أَنْ يَضَعَ الَّتِي يَخْتَرِفُ [(٧)] فِيهَا فَجَاءَ وَهِيَ مَعَهُ، فَسَمِعَ مِنْ نَبِيِّ اللهِ ﵌، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ، فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ ﵌: أَيُّ بُيُوتِ. أَهْلِنَا أَقْرَبُ؟
قَالَ: فَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ: أَنَا يَا نَبِيَّ اللهِ: هَذِهِ دَارِي، وَهَذَا بابي، فقال: اذهب فهيء لَنَا مَقِيلًا، فَذَهَبَ فَهَيَّأَ لَهُمَا مَقِيلًا، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ! قَدْ هَيَّأْتُ لَكُمَا مَقِيلًا، قُومَا عَلَى بَرَكَةِ اللهِ فَقِيلَا.
قَالَ: فَلَمَّا جَاءَ نَبِيُّ اللهِ ﵌ جَاءَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ﵁- فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ حَقًّا، وَأَنَّكَ جِئْتَ بِحَقٍّ، وَلَقَدْ عَلِمَتْ يَهُودُ أَنِّي سَيِّدُهُمْ وَابْنُ سَيِّدِهِمْ وَأَعْلَمُهُمْ وَابْنُ أَعْلَمِهِمْ، فَادْعُهُمْ فَسَلْهُمْ عَنِّي قَبْلَ أَنْ يَعْلَمُوا أَنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ، فَإِنَّهُمْ إِنْ يَعْلَمُوا أَنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ قَالُوا فِيَّ مَا لَيْسَ فِيَّ، فأرسل
_________________
(١) [(٤)] هي قصة سراقة، وقد تقدمت. [(٥)] ليست في (ح) . [(٦)] الزيادة في صحيح البخاري، ومن (ص) . [(٧)] (يخترف) اي: يجني من الثمار.
[ ٢ / ٥٢٧ ]
نَبِيُّ اللهِ ﵌ إِلَيْهِمْ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّ اللهِ ﵌: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ ويلكم اتقوا الله، فو اللهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللهِ حَقًّا، وَأَنِّي جِئْتُكُمْ بِحَقٍّ، أَسْلِمُوا. قَالُوا: مَا نَعْلَمُهُ، فَأَعَادَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ:
فَأَيُّ رَجُلٍ فِيكُمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ، قَالُوا: ذَاكَ سَيِّدُنَا وَابْنُ سَيِّدِنَا وَأَعْلَمُنَا وَابْنُ أَعْلَمِنَا، قَالَ: أَفَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ؟ قَالُوا: حَاشَا لِلَّهِ مَا كَانَ لِيُسْلِمَ [(٨)]، قَالَ: يَا ابْنَ سَلَامٍ اخْرُجْ عَلَيْهِمْ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، [وَيْلَكُمُ] [(٩)] اتَّقُوا الله فو اللهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنَّهُ رَسُولُ اللهِ حَقًّا، وَأَنَّهُ جَاءَ بِحَقٍّ، فَقَالُوا: كَذَبْتَ، فَأَخْرَجَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﵌ [(١٠)] .
قُلْتُ: وَرَوَاهُ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ عَنْ أَبِيهِ وَمِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ، أَخْبَرَنَاهُ أَبُو عَمْرٍو الْأَدِيبُ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَخْتَوَيْهِ بْنِ إِدْرِيسَ الْجُرْجَانِيُّ، وَكَانَ صَدُوقًا أَمِينًا، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عِيسَى الْبِسْطَامِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، فَذَكَرَهُ بِطُولِهِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّغَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: «سَمِعَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ بِقُدُومِ رَسُولِ الله ﵌ وَهُوَ فِي أَرْضٍ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﵌ فَقَالَ: إِنِّي أَسْأَلُكَ عَنْ ثَلَاثٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا نَبِيٌّ: مَا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ؟ وَمَا أَوَّلُ طعام [يأكله] [(١١)] أهل
_________________
(١) [(٨)] في الصحيح العبارة مكررة ثلاث مرات مؤكدا عليهم. [(٩)] ليست في الصحيح. [(١٠)] أخرجه البخاري في: ٦٣- كتاب مناقب الأنصار، (٤٥) باب هِجْرَةِ النَّبِيِّ ﵌ وأصحابه إلى المدينة، الحديث (٣٩١١)، فتح الباري (٧: ٢٤٩- ٢٥٠) . [(١١)] الزيادة من الصحيح.
[ ٢ / ٥٢٨ ]
الْجَنَّةِ؟ وَمَا يَنْزِعُ الْوَلَدُ إِلَى أَبِيهِ وَإِلَى أُمِّهِ [(١٢)]؟
قَالَ: أَخْبَرَنِي بِهِنَّ جِبْرِيلُ ﵇ آنِفًا، قَالَ: جِبْرِيلُ! قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ذَاكَ عَدُوُّ الْيَهُودِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ [(١٣)]، أَمَا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ: فَنَارٌ تَخْرُجُ عَلَى النَّاسِ [(١٤)] مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ، وَأَمَّا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فَزِيَادَةُ كَبِدِ حُوتٍ، وَإِذَا [(١٥)] سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ نَزَعَ الْوَلَدُ [إِلَى أَبِيهِ] [(١٦)] وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الْمَرْأَةِ نَزَعَتِ [الْوَلَدَ] [(١٧)] .
قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ، يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ الْيَهُودَ قَوْمُ بُهْتٍ [(١٨)]، وَإِنَّهُمْ إِنْ يَعْلَمُوا بِإِسْلَامِي قَبْلَ أَنْ تَسَلْهُمْ عَنِّي بَهَتُونِي، فَجَاءَتِ الْيَهُودُ إِلَيْهِ، قَالَ: أَيُّ رَجُلٍ عَبْدُ اللهِ [بْنُ سَلَامٍ] [(١٩)] فِيكُمْ قَالُوا: خَيْرُنَا وَابْنُ خَيْرِنَا وَسَيِّدُنَا وَابْنُ سَيِّدِنَا، قَالَ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ؟
قَالُوا: أَعَاذَهُ اللهُ مِنْ ذَلِكَ، فَخَرَجَ عَبْدُ اللهِ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، قَالُوا: شَرُّنَا وَابْنُ شَرِّنَا وَتَنَقَّصُوهُ، قَالَ: هَذَا الَّذِي كُنْتُ أَخَافُ يَا رَسُولَ اللهِ» .
_________________
(١) [(١٢)] فِي الصحيح: «وما بال الولد ينزع الى أبيه، او الى امه» . [(١٣)] الآية الكريمة (٩٧) من سورة البقرة. [(١٤)] في الصحيح: «تحشرهم» . [(١٥)] في الصحيح: «وأما الولد» . [(١٦)] ليست في (ص)، ولا في (هـ) . [(١٧)] العبارة في الصحيح: «وَأَمَّا الْوَلَدُ فَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ نَزَعَ الْوَلَدُ، وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الْمَرْأَةِ ماء الرجل نزعت الولد» . [(١٨)] (قوم بهت): يبهتون السامع بما يفترون من الكذب. [(١٩)] زيادة من الصحيح.
[ ٢ / ٥٢٩ ]
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ [(٢٠)] عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُنِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بَكْرٍ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ الْأَهْوَازِيُّ، قَالَ: أخبرنا أحمد ابن عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ الْكُوفِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ الْحَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْأَجْلَحِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ آلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ، قَالَ: «كَانَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ حِينَ أَسْلَمَ وَكَانَ حَبْرًا عَالِمًا، قَالَ: [لَمَّا] [(٢١)] سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ يَقُولُ وَعَرَفْتُ صِفَتَهُ وَاسْمَهُ وَهَيْئَتَهُ وَالَّذِي كُنَّا نَتَوَكَّفُ [(٢٢)] لَهُ، فَكُنْتُ مُسِرًّا لِذَلِكَ صَامِتًا عَلَيْهِ، حَتَّى قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﵌ الْمَدِينَةَ فَلَمَّا نَزَلَ بِقُبَاءٍ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَأَقْبَلَ رَجُلٌ حَتَّى أَخْبَرَ بِقُدُومِهِ وَأَنَا فِي رَأْسِ نَخْلَةٍ لِي، أَعْمَلُ فِيهَا وَعَمَّتِي خَالِدَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ تَحْتِي جَالِسَةً، فَلَمَّا سَمِعَتُ الْخَبَرَ بِقُدُومِ رَسُولِ اللهِ ﵌ كَبَّرْتُ، فَقَالَتْ لِي عَمَّتِي حِينَ سَمِعَتْ تَكْبِيرِيَ: لَوْ كُنْتَ سَمِعْتَ بِمُوسَى بْنِ عِمْرَانَ مَا زِدْتَ! قَالَ: قُلْتُ لَهَا: أَيْ عَمَّةُ! هُوَ وَاللهِ أَخُو مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ وَعَلَى دِينِهِ بُعِثَ بِمَا بُعِثَ بِهِ، قَالَ: فَقَالَتْ: يَا ابْنَ أَخِي! أَهُوَ النَّبِيُّ الَّذِي كُنَّا نُخْبَرُ بِهِ: أَنَّهُ يُبْعَثُ مَعَ بَعْثِ السَّاعَةِ؟ قَالَ: قُلْتُ لَهَا: نَعَمْ. قَالَتْ فَذَاكَ إِذًا.
قَالَ ثُمَّ خَرَجْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﵌، فَأَسْلَمْتُ، ثُمَّ رَجَعْتُ إلى أهل بيتي
_________________
(١) [(٢٠)] أخرجه البخاري في كتاب التفسير، تفسير سورة البقرة، (٦) باب قوله: «مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ»، فتح الباري (٨: ١٦٥) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ منير. كما أخرجه البخاري، في: ٦٣- كتاب مناقب الأنصار، (٥١) باب حدثني حامد بن عمر، فتح الباري (٧: ٢٧٢) . [(٢١)] ساقطة من (ص) و(هـ) . [(٢٢)] (نتوكف): نترقب، ونتوقع.
[ ٢ / ٥٣٠ ]
فَأَمَرْتُهُمْ فَأَسْلَمُوا وَكَتَمْتُ إِسْلَامِي مِنَ الْيَهُودِ، ثُمَّ جِئْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌، فَقُلْتُ:
إِنَّ الْيَهُودَ قَوْمٌ بُهْتٌ، وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ تُدْخِلَنِي فِي بَعْضِ بُيُوتِكَ تُغَيِّبُنِي عَنْهُمْ، ثُمَّ تَسَلْهُمْ عَنِّي فَيُخْبِرُوكَ [(٢٣)] كَيْفَ أَنَا فِيهِمْ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمُوا بِإِسْلَامِي. فَإِنَّهُمْ إِنْ عَلِمُوا بِذَلِكَ بَهَتُونِي وَعَابُونِي
قَالَ: فَأَدْخَلَنِي بَعْضَ بُيُوتِهِ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَكَلَّمُوهُ وَسَاءَلُوهُ قَالَ لَهُمْ: أَيُّ رَجُلٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ فِيكُمْ، قَالُوا: سَيِّدُنَا وَابْنُ سَيِّدِنَا وَخَيْرُنَا وَعَالِمُنَا،
قَالَ: فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْ قَوْلِهِمْ خَرَجْتُ عَلَيْهِمْ، فَقُلْتُ لَهُمْ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ! اتَّقُوا اللهَ وَاقْبَلُوا مَا جَاءَكُمْ به، فو الله إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنَّهُ رَسُولُ اللهِ تَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَكُمْ فِي التَّوْرَاةِ بِاسْمِهِ وَصِفَتِهِ، فَإِنِّي أَشْهَدُ أَنَّهُ رَسُولُ اللهِ، وَأُومِنُ بِهِ، وَأُصَدِّقُهُ، وَأَعْرِفُهُ، قَالُوا: كَذَبْتَ، ثُمَّ وَقَعُوا فِيَّ قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَلَمْ أُخْبِرْكَ أَنَّهُمْ قَوْمٌ بُهْتٌ، أَهْلُ غَدْرٍ وَكَذِبٍ وَفُجُورٍ، قَالَ:
فَأَظْهَرْتُ إِسْلَامِي، وَإِسْلَامَ أَهْلَ بَيْتِي، وَأَسْلَمَتْ عَمَّتِي ابْنَةُ الْحَارِثِ [(٢٤)] فَحَسُنَ إِسْلَامُهَا» [(٢٥)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ بِبَغْدَادَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ دُرُسْتَوَيْهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ عوذ اللهِ الْبَصْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ الْأَعْرَابِيُّ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ عَبْدِ الله ابن سَلَامٍ، قَالَ: «لَمَّا أَنْ [(٢٦)] قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﵌ الْمَدِينَةَ وَانْجَفَلَ النَّاسُ قَبْلَهُ، فَقَالُوا: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﵌ قَالَ: فَجِئْتُ فِي النَّاسِ لِأَنْظُرَ إِلَى وَجْهِهِ فَلَمَّا رَأَيْتُ وَجْهَهُ عَرَفْتُ أَنَّهُ وَجْهُهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ، فَكَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْهُ أَنْ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَأَفْشُوا السَّلَامَ، وَصِلُوا الأرحام، وصلّوا والناس
_________________
(١) [(٢٣)] في سيرة ابن هشام: «حتى يخبروك» . [(٢٤)] في السيرة: «خالدة بنت الحارث» . [(٢٥)] الخبر في سيرة ابن هشام (٢: ١٣٨- ١٣٩)، وشرحه الروض الأنف (٢: ٢٥- ٢٦) . [(٢٦)] في (ص): «عند ما» .
[ ٢ / ٥٣١ ]
نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ» [(٢٧)] . وَأَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، فَذَكَرَهُ بِإِسْنَادِهِ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: «وَكُنْتُ فِيمَنْ أَتَاهُ فَجِئْتُ أَسْتَثْبِتُ وَجْهَهُ. ثُمَّ ذَكَرَهُ وَقَالَ: وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ» .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَتَّابٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ.
(ح) وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ الشَّعْرَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَدِّي، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: وَبِالْمَدِينَةِ مَقْدِمَ رَسُولِ اللهِ ﵌ أَوْثَانٌ يَعْبُدُهَا رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَمْ يَتْرُكُوهَا فَأَقْبَلَ عَلَيْهِمْ قَوْمُهُمْ، وَعَلَى تِلْكَ الْأَوْثَانِ، فَهَدَمُوهَا، وَعَمَدَ أَبُو يَاسِرِ بْنُ أَخْطَبَ أَخُو حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ، وَهُوَ أَبُو صَفِيَّةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﵌ فَجَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ ﵌، فَسَمِعَ مِنْهُ وَحَادَثَهُ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تُصْرَفَ الْقِبْلَةُ نَحْوَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَقَالَ أَبُو يَاسِرٍ: يَا قَوْمِ أَطِيعُونِي، فَإِنَّ اللهَ ﷿ قَدْ جَاءَكُمْ بالذي كنتم تنتظرون،
_________________
(١) [(٢٧)] أخرجه الترمذي في الزهد (باب) حديث أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، عَنْ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ، الثَّقَفِيِّ، وغندر، وابن أبي عدي، ويحيى بن سعيد، أربعتهم عن عَوْفُ بْنُ أَبِي جَمِيلَةَ، وقال: «صحيح»، وأخرجه ابن ماجة في كتاب الصلاة، بَابُ مَا جَاءَ فِي قيام الليل عن بندار، وفي أول كتاب الأطعمة عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أبي شيبة. ونقله الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية» (٣: ٢١٠)، وعقب عليه بقوله: «مقتضى هذا السياق أنه سمع بِالنَّبِيِّ ﵌ ورآه أول قدومه حين أناخ بِقُبَاءٍ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وتقدم في رواية عبد العزيز ابن صهيب عن أنس، انه أجتمع به حين أناخ عند دار أبي أيوب عند ارتحاله من قباء إلى دار بني النجار كما تقدم، فلعله رآه أول ما رآه بقباء، واجتمع به بعد ما صار إلى دار بني النجار، والله اعلم.
[ ٢ / ٥٣٢ ]
فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تُخَالِفُوهُ، فَانْطَلَقَ أَخُوهُ حُيَيٌّ حِينَ سَمِعَ ذَلِكَ وَهُوَ سَيِّدُ الْيَهُودَ يَوْمَئِذٍ وَهُمَا مِنْ بَنِي النَّضِيرِ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﵌، فَجَلَسَ إِلَيْهِ، وَسَمِعَ مِنْهُ فَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ وَكَانَ فِيهِمْ مُطَاعًا، فَقَالَ: أَتَيْتُ مِنْ عِنْدِ رَجُلٍ وَاللهِ لَا أَزَالُ لَهُ عَدُوًّا أَبَدًا. فَقَالَ لَهُ أَخُوهُ أَبُو يَاسِرٍ يَا ابْنَ أُمِّ أَطِعْنِي فِي هَذَا الْأَمْرِ ثُمَّ اعْصِنِي فِيمَا شِئْتَ بَعْدَهُ لَا تَهْلِكْ قَالَ لَا وَاللهِ لَا أُطِيعُكَ، وَاسْتَحْوَذَ عَلَيْهِ الشَّيْطَانُ فَاتَّبَعَهُ قَوْمُهُ عَلَى رَأْيِهِ» [(٢٨)] .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَدِّثٌ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ أَنَّهَا قَالَتْ: «لَمْ يَكُنْ مِنْ وَلَدِ أَبِي وَعَمِّي أَحَدٌ أَحَبُّ إِلَيْهِمَا مِنِّي، لَمْ أَلْقَهُمَا قَطُّ مَعَ وَلَدٍ لَهُمَا أَهَشُّ إِلَيْهِمَا إِلَّا أَخَذَانِي دُونَهُ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﵌ قُبَاءَ نَزَلَ قَرْيَةَ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، غَدَا إِلَيْهِ أَبِي وَعَمِّي أَبُو يَاسِرِ بْنُ أَخْطَبَ، مغلّسين، فو الله مَا جَاءَانَا إِلَّا مَعَ مَغِيبِ الشَّمْسِ، فَجَاءَانَا فَاتِرَيْنِ كَسْلَانَيْنِ سَاقِطَيْنِ يَمْشِيَانِ الْهُوَيْنَى [(٢٩)] فَهَشَشْتُ إِلَيْهِمَا كَمَا كُنْتُ أصنع، فو الله مَا نَظَرَ إِلَيَّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا فَسَمِعْتُ عَمِّيَ أَبَا يَاسِرٍ، يَقُولُ لِأَبِي: أَهُوَ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَاللهِ. قَالَ:
تَعْرِفُهُ بِعَيْنِهِ وَصِفَتِهِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، وَاللهِ، قَالَ: فَمَاذَا فِي نَفْسِكَ مِنْهُ، قَالَ:
عَدَاوَتُهُ وَاللهِ مَا بقيت» [(٣٠)] .
خبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو سعيد بن أبي عَمْرٍو، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ مولى زيد
_________________
(١) [(٢٨)] البداية والنهاية (٣: ٢١٢) . [(٢٩)] ضرب من المشيء فيه فتور وضعف. [(٣٠)] سيرة ابن هشام (٢: ١٤٠- ١٤١) .
[ ٢ / ٥٣٣ ]
ابن ثَابِتٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَعِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «لَمَّا أَسْلَمَ عَبْدُ اللهِ بْنِ سَلَامٍ وَثَعْلَبَةُ بْنُ سَعْيَةَ وَأُسَيْدُ بْنُ سَعْيَةَ وَأَسَدُ بْنُ عُبَيْدٍ، وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْ يَهُودَ مَعَهُمْ، فَآمَنُوا وَصَدَّقُوا وَرَغِبُوا فِي الْإِسْلَامِ، وَنَتَجُوا فِيهِ، قَالَتْ أَحْبَارُ يَهُودَ، أَهْلُ الْكُفْرِ مِنْهُمْ: مَا آمَنَ بِمُحَمَّدٍ وَلَا اتَّبَعَهُ إلا أشرارنا، وَلَوْ كَانُوا مِنْ أَخْيَارِنَا مَا تَرَكُوا دِينَ آبَائِهِمْ، وَذَهَبُوا إِلَى غَيْرِهِ. فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ:
لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ- إِلَى قَوْلِهِ- وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ [(٣١)] .
وَكَانَ رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ التَّابُوتِ مِنْ عُظَمَاءِ يَهُودَ إِذَا كَلَّمَ رَسُولَ اللهِ ﵌ لَوَى لِسَانَهُ، وَقَالَ: أَرْعِنَا سَمْعَكَ يَا مُحَمَّدُ، حَتَّى نَفْهَمَكَ، ثُمَّ طَعَنَ فِي الْإِسْلَامِ وَعَابَهُ، فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿ فيه أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ- إِلَى قَوْلِهِ- فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا [(٣٢)] .
وَكَلَّمَ رَسُولُ اللهِ ﵌ رُؤَسَاءَ مِنْ أَحْبَارِ يَهُودَ، مِنْهُمْ: عَبْدُ اللهِ بْنُ صَوْرَى الْأَعْوَرَ، وَكَعْبُ بْنُ أَسَدٍ فَقَالَ لَهُمْ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ اتَّقُوا الله وأسلموا فو الله إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِيَ جِئْتُكُمْ بِهِ الْحَقَّ» قَالُوا: مَا نَعْرِفُ ذَلِكَ يَا مُحَمَّدُ، وَجَحَدُوا مَا عَرَفُوا، وَأَصَرُّوا عَلَى الْكُفْرِ، فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿ فِيهِمْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها [(٣٣)] . الآية [(٣٤)] .
_________________
(١) [(٣١)] الآيتان الكريمتان (١١٣- ١١٤) من سورة آل عمران، والخبر في سيرة ابن هشام (٢: ١٨٥) . [(٣٢)] الآية الكريمة (٤٤) من سورة النساء، والخبر في سيرة ابن هشام (٢: ١٩٠) . [(٣٣)] أصل ص ٣٢٠. [(٣٤)] في (ص) و(هـ): «إِلَى آخِرِ الْآيَةِ» .
[ ٢ / ٥٣٤ ]
قَالَ سُكَيْنٌ وَعَدِيُّ بْنُ يَزِيدَ: يَا مُحَمَّدُ مَا نَعْلَمُ اللهَ أَنْزَلَ عَلَى بِشْرٍ مِنْ شَيْءٍ مِنْ بَعْدِ مُوسَى فَأَنْزَلَ اللهُ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ [(٣٥)] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ.
ودَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ: أَمَا وَاللهِ إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللهِ [(٣٦)] . قَالُوا: مَا نَعْلَمُ ذَلِكَ [(٣٧)] فَأَنْزَلَ اللهُ لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ، أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ [(٣٨)] .
وَأَتَى رَسُولَ اللهِ ﵌ نُعْمَانُ بْنُ أَضَا، وَبَحَرِيُّ بْنُ عَمْرٍو، وَشَأْسُ بْنُ عَدِيٍّ فَكَلَّمُوهُ وَكَلَّمَهُمْ، وَدَعَاهُمْ إِلَى اللهِ ﷿، وَحَذَّرَهُمْ نِقْمَتَهُ قَالُوا مَا تُخَوِّفُنَا يَا مُحَمَّدُ نَحْنُ وَاللهِ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ، كَقَوْلِ النَّصَارَى، فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿ فِيهِمْ وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [(٣٩)] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، فَقَالَ لَهُمْ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَسَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَعُقْبَةُ بْنُ وَهْبٍ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ اتَّقُوا اللَّه فو اللَّه إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّه وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَذْكُرُونَهُ لَنَا قَبْلَ مَبْعَثِهِ وَتَصِفُونَهُ لَنَا بِصِفَتِهِ، فَقَالَ رَافِعُ بْنُ حُرَيْمِلَةَ، وَوَهْبُ بْنُ يهودا: مَا قُلْنَا هَذَا لَكُمْ وَلَا أَنْزَلَ اللَّه مِنْ كِتَابٍ بَعْدَ مُوسَى، وَلَا أَرْسَلَ بَشِيرًا وَلَا نَذِيرًا مِنْ بَعْدِهِ فَأَنْزَلَ اللَّه ﷿ فِي قَوْلِهِمَا يَا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ- إِلَى قَوْلِهِ- وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [(٤٠)] .
ثُمَّ قَصَّ عَلَيْهِمْ مِنْ خَبَرِ مُوسَى وَمَا لَقِيَ مِنْهُمْ وَانْتِقَاضِهِمْ عَلَيْهِ مِنْ أمر اللَّه
_________________
(١) [(٣٥)] الآية الكريمة (١٦٣) من سورة النساء، والخبر في سيرة ابن هشام (٢: ١٩١) . [(٣٦)] في السيرة: «أَمَا واللَّه إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ اني رسول إليكم من اللَّه» . [(٣٧)] في السيرة: «وما نشهد عليه» . [(٣٨)] الآية الكريمة (١٦٦) من سورة النساء، والخبر في سيرة ابن هشام (٢: ١٩٢) . [(٣٩)] الآية الكريمة (١٨) من سورة المائدة، والخبر في سيرة ابن هشام (٢: ١٩٢) . [(٤٠)] الآية الكريمة (١٩) من سورة المائدة، والخبر عند ابن هشام (٢: ١٩٢- ١٩٣) .
[ ٢ / ٥٣٥ ]
حتى تيّهوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ سَنَةً عُقُوبَةً.
وَقَالَ كَعْبُ بْنُ أُسَيْدٍ، وَابْنُ صَلُوبَا، وَعَبْدُ اللَّه بْنُ صَوْرَى [(٤١)] وَشَأْسُ بْنُ قَيْسٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: اذْهَبُوا بِنَا إِلَى مُحَمَّدٍ لَعَلَّنَا نَفْتِنُهُ عَنْ دِينِهِ فَإِنَّمَا هُوَ بَشَرٌ، فَأَتَوْهُ فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ قَدْ عَرَفْتَ أَنَّا أَحْبَارُ يَهُودَ وَأَشْرَافُهُمْ وَسَادَتُهُمْ وَإِنَّا إِنِ اتَّبَعْنَاكَ اتَّبَعَكَ يَهُودُ وَلَمْ يُخَالِفَونَا، وَإِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ بَعْضِ قَوْمِنَا خُصُومَةً فَنُحَاكِمُهُمْ إِلَيْكَ فَتَقْضِي لَنَا عَلَيْهِمْ وَنُؤْمِنُ بِكَ وَنُصَدِّقُكَ، فَأَبَى ذَلِكَ رَسُولُ اللَّه ﵌، فَأَنْزَلَ اللَّه ﷿ فِيهِمْ وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ إلى قوله- يُوقِنُونَ [(٤٢)] .
أخبرنا أبو عبد اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ الصَّفَّارُ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ اللَّبَّادُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ وَقَالَ حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ عَنِ السُّدِّيِّ عَنْ أَبِي مَالِكٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﵌ فِي قَوْلِهِ [تَعَالَى] [(٤٣)] وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ [(٤٤)] قَالَ: كَانَتِ الْعَرَبُ تَمُرُّ بِالْيَهُودِ فَيُؤْذُونَهُمْ وَكَانُوا يَجِدُونَ مُحَمَّدًا [﵌] [(٤٥)] فِي التَّوْرَاةِ فَيَسْأَلُونَ اللَّه [تَعَالَى] [(٤٦)] أَنْ يَبْعَثَهُ نَبِيًّا فَيُقَاتِلُونَ مَعَهُ الْعَرَبَ فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُحَمَّدٌ كَفَرُوا بِهِ حِينَ لَمْ يَكُنْ مِنْ بَنِي إسرائيل» .
_________________
(١) [(٤١)] كذا في سيرة ابن هشام، وفي (ص) و(هـ): «صورياء» . [(٤٢)] (المائدة- ٤٩- ٥٠)، والخبر أخرجه ابن هشام في السيرة (٢: ١٩٦- ٢٩٧) . [(٤٣)] الزيادة من (ص) فقط. [(٤٤)] الآية الكريمة (٨٩) من سورة البقرة. [(٤٥)] الزيادة من (ص) . [(٤٦)] الزيادة من (هـ) .
[ ٢ / ٥٣٦ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ الْكُوفِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ عَنِ الْحَكَمِ قَالَ فَحَدَّثَنِي السُّدِّيُّ عَنْ أَبِي مَالِكٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «وَصَفَ اللَّه ﷿ مُحَمَّدًا ﵌ فِي التَّوْرَاةِ فِي كُتُبِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّه ﵌ حَسَدَهُ أَحْبَارُ الْيَهُودِ فَغَيَّرُوا صِفَتَهُ فِي كِتَابِهِمْ وَقَالُوا: لَا نَجِدُ نَعْتَهُ عِنْدَنَا، وَقَالُوا لِلسِّفْلَةِ: لَيْسَ هَذَا نَعْتَ النَّبِيِّ، الَّذِي يَخْرُجُ كَذَا وَكَذَا، كَمَا كَتَبُوهُ وَغَيَّرُوا، وَنَعْتُ هَذَا كَذَا كَمَا وُصِفَ فَلَبَّسُوا بِذَلِكَ عَلَى النَّاسِ. قَالَ وَإِنَّمَا فَعَلُوا ذَلِكَ لِأَنَّ الْأَحْبَارَ كَانَتْ لَهُمْ مَأْكَلَةٌ تُطْعِمُهُمْ إِيَّاهَا السِّفْلَةُ لِقِيَامِهِمْ عَلَى التَّوْرَاةِ فَخَافُوا أَنْ يُؤْمِنَ السِّفْلَةُ فَتَنْقَطِعَ تِلْكَ الْمَأْكَلَةُ»
.
[ ٢ / ٥٣٧ ]
بَابُ مَا جَاءَ فِي بِنَاءِ مَسْجِدِ [(١)] رَسُولِ اللَّه ﵌ بِالْمَدِينَةِ وَمَا رُوِيَ عَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ الْيَمَامِيِّ فِي ذَلِكَ ثُمَّ فِي رُجُوعِهِ مَعَ قَوْمِهِ بِمَاءِ مَضْمَضَةِ النَّبِيِّ ﵌
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ بِبَغْدَادَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَتَّابٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّه بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ عَمِّهِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ح.
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ بْنِ مُحَمَّدٍ الشَّعْرَانِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا جَدِّي قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ حَدَّثَنَا محمد ابْنُ فُلَيْحٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: «وَكَانَ الْمَسْجِدُ مِرْبَدًا لِلتَّمْرِ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ، فِي حِجْرِ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ، لِسَهْلٍ وَسُهَيْلٍ ابْنَيْ عَمْرٍو، وَزَعَمُوا أَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُصَلُّونَ فِي ذَلِكَ الْمِرْبَدِ قَبْلَ قُدُومِ النَّبِيِّ ﵌ الْمَدِينَةَ، فَأَعْطَيَاهُ رَسُولَ اللَّه ﵌، وَيُقَالُ: عَرَضَ عَلَيْهِمَا أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ نَخْلًا لَهُ فِي بَنِي بَيَاضَةَ ثَوَابًا مِنْ مِرْبَدِهِمَا، فَقَالَا: بَلْ نُعْطِيهِ رَسُولَ اللَّه ﵌، وَيُقَالُ: بَلِ اشْتَرَاهُ رَسُولُ اللَّه ﵌ مِنْهُمَا، فَابْتَنَاهُ مَسْجِدًا، فَطَفِقَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ يَنْقُلُونَ اللَّبِنَ، وَيَقُولُ: وَهُوَ يَنْقُلُ اللبن مع أصحابه:
هَذَا الْحَمَالُ لَا حَمَالَ خَيْبَرْ هَذَا أَبَرُّ رَبَّنَا وأطهر
_________________
(١) [(١)] انظر في بناء هذا المسجد: طبقات ابن سعد (١: ٢٣٩)، سيرة ابن هشام (٢: ١١٤)، صحيح البخاري (١: ٨٩)، تاريخ الطبري (٢: ٣٩٥)، والدرر لابن عبد البر (٨٨)، والبداية والنهاية (٣: ٢١٤)، وعيون الأثر (١: ٢٣٥)، والنويري (١٦: ٣٤٤)، وسبل الهدى (٣: ٤٨٥)، وغيرها.
[ ٢ / ٥٣٨ ]
وَيَقُولُ:
اللهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُ الْآخِرَةْ فَارْحَمِ الْأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَةْ
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَتَمَثَّلَ رَسُولُ اللَّه ﵌ بِشَعْرِ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يُسَمَّ فِي الْحَدِيثِ وَلَمْ يَبْلُغْنِي فِي الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﵌ تَمَثَّلَ بِبَيْتِ شِعْرٍ قَطُّ غَيْرَ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ عُقَيْلٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ فِي قِصَّةِ الْهِجْرَةِ [(٢)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ.
(ح) وأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ الْفَقِيهُ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ قُتَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: «لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّه ﵌ الْمَدِينَةَ نَزَلَ فِي عُلُوِّ الْمَدِينَةِ فِي حَيٍّ يُقَالُ لَهُمْ: بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَأَقَامَ فِيهِمْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى مَلَأِ بَنِي النَّجَّارِ، فَجَاءُوا مُتَقَلِّدِي سُيُوفِهِمْ، قَالَ أَنَسٌ: فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّه ﵌ عَلَى رَاحِلَتِهِ وَأَبُو بَكْرٍ رِدْفُهُ، وَمَلَأُ بَنِي النَّجَّارِ حَوْلَهُ حَتَّى أَلْقَى بِفِنَاءِ أَبِي أَيُّوبَ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّه ﵌ يُصَلِّي حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ، وَيُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ، ثُمَّ إِنَّهُ أَمَرَ بِالْمَسْجِدِ فَأَرْسَلَ إِلَى مَلَأِ بَنِي النَّجَّارِ فَجَاءُوا، فَقَالَ: يَا بَنِي النَّجَّارِ ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ هَذَا، قَالُوا: لَا، واللَّه لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللَّه، قَالَ فَقَالَ أَنَسٌ: فَكَانَ فِيهِ مَا أَقُولُ لَكُمْ، كَانَ فِيهِ قُبُورُ الْمُشْرِكِينَ، وَكَانَ فِيهِ خِرَبٌ، وَكَانَ فِيهِ نخل فأمر رسول
_________________
(١) [(٢)] في: ٦٣- كتاب مناقب الأنصار، (٤٥) باب هِجْرَةِ النَّبِيِّ ﵌ وأصحابه الى المدينة فتح الباري (٧:
(٢) ٢٤٠) .
[ ٢ / ٥٣٩ ]
اللَّه ﵌ بِقُبُورِ الْمُشْرِكِينَ فَنُبِشَتْ وبالخرب فسوّيت، بالنخل فَقُطِعَ، فَصَفُّوا النَّخْلَ قِبْلَةً لَهُ، وَجَعَلُوا عِضَادَتَيْهِ حِجَارَةً، وَجَعَلُوا يَنْقُلُونَ الصَّخْرَ وَهُمْ يَرْتَجِزُونَ وَرَسُولُ اللَّه ﵌ مَعَهُمْ وَيَقُولُونَ:
اللهُمَّ إِنَّهُ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرَ الْآخِرَةْ فَانْصُرِ الْأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَةْ
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ مُسَدَّدٍ، ورَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى [(٣)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الرُّوذْبَارِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ بْنِ دَاسَةَ التَّمَّارُ بِالْبَصْرَةِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ هُوَ ابْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ «كَانَ مَوْضِعُ الْمَسْجِدِ حَائِطًا لِبَنِي النَّجَّارِ فِيهِ حَرْثٌ وَنَخْلٌ وَقُبُورُ الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﵌: ثَامِنُونِي بِهِ، فَقَالُوا: لَا نَبْغِي، فَقَطَعَ النَّخْلَ، وَسَوَّى الْحَرْثَ، وَنَبَشَ قُبُورَ الْمُشْرِكِينَ، قَالَ وَسَاقَ الْحَدِيثَ. وَقَالَ:
فَاغْفِرْ مَكَانَ فَانْصُرْ.
قَالَ مُوسَى: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بِنَحْوِهِ، وَكَانَ عَبْدُ الْوَارِثِ يَقُولُ: خِرَبٌ وَزَعَمَ عَبْدُ الْوَارِثِ أَنَّهُ أَفَادَ حَمَّادًا هَذَا الْحَدِيثَ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ [الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الرُّوذْبَارِيُّ] [(٤)]، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بكر
_________________
(١) [(٣)] أخرجه البخاري في: ٦٣- كتاب مناقب الأنصار (٤٦) باب مَقْدَمِ النَّبِيِّ ﵌ وأصحابه المدينة، الحديث (٣٩٣٢)، فتح الباري (٧: ٢٩٥)، وقد أخرجه البخاري ايضا في كتاب الصلاة، باب: هل تنبش قبور مشركي الجاهلية، ويتخذ مكانها مساجد؟. وفي موضعين من الوصايا في باب: إذا أوقفت جماعة أرضا مشاعا فهو جائز، وباب: إذا قال الواقف: لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إلى اللَّه فهو جائز. وأخرجه مسلم في كتاب المساجد، باب ابتناء مسجد النبي ﵌. كما أخرجه ابو داود في الصلاة عن مسدد، وابن ماجة في الصلاة. [(٤)] الزيادة من (ص) فقط.
[ ٢ / ٥٤٠ ]
ابن دَاسَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا نَافِعٌ، أَنَّ عَبْدَ اللَّه بْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ «أَنَّ الْمَسْجِدَ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّه ﵌ مَبْنِيًّا بِاللَّبِنِ وَسَقْفُهُ الْجَرِيدُ، وَعُمُدُهُ خَشَبُ النَّخْلِ، فَلَمْ يَزِدْ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ شَيْئًا، وَزَادَ فِيهِ عُمَرُ، وَبَنَاهُ عَلَى بُنْيَانِهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّه ﵌ بِاللَّبِنِ وَالْجَرِيدِ، وَأَعَادَ عُمُدَهُ خَشَبًا وَغَيَّرَهُ عُثْمَانُ فَزَادَ فِيهِ زِيَادَةً كَثِيرَةً وَبَنَى جِدَارَهُ بِالْحِجَارَةِ الْمَنْقُوشَةِ وَالْفِضَّةِ وَجَعَلَ عُمُدَهُ مِنْ حِجَارَةٍ مَنْقُوشَةٍ وَسَقْفَهُ بِالسَّاجِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ [(٥)] عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ عَنْ يَعْقُوبَ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَحْبُوبِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاذٍ السُّلَمِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّه بْنُ مُوسَى [بْنِ عِمْرَانَ] [(٦)] .
(ح) أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيِّ الرُّوذْبَارِيُّ، قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ دَاسَةَ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّه بْنُ مُوسَى، عَنْ شَيْبَانَ، عَنْ فِرَاسِ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ «أَنَّ مَسْجِدَ النَّبِيِّ ﵌ كَانَتْ سَوَارِيهِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّه ﵌ مِنْ جُذُوعِ النَّخْلِ أَعْلَاهُ مُظَلَّلٌ [(٧)] بِجَرِيدِ النَّخْلِ، ثُمَّ إِنَّهَا نَخِرَتْ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ ﵁، فَبَنَاهَا بِجُذُوعِ النَّخْلِ، وبِجَرِيدِ النَّخْلِ، ثُمَّ إِنَّهَا نَخِرَتْ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانُ، فَبَنَاهَا بِالْآجُرِّ، فَلَمْ تَزَلْ ثَابِتَةً حَتَّى الْآنَ.
وَفِي رِوَايَةِ أَبِي عَبْدِ اللَّه: حَتَّى السَّاعَةِ. وَقَالَ: خَرِبَتْ بَدَلُ نَخِرَتْ» .
وَقَالَ فِي إِسْنَادِهِ عَنْ عَطِيَّةَ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ عُمَرَ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الصَّفَّارُ، قَالَ:
_________________
(١) [(٥)] في: ٨ كتاب الصلاة (٦٢) باب المساجد، فتح الباري (١: ٥٤) . [(٦)] ليست في (ص)، ولا في (هـ) . [(٧)] في (ص): «معلل» .
[ ٢ / ٥٤١ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ حَمَّادٍ الضَّبِّيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ:
«لَمَّا بَنَى رَسُولُ الله ﵌ الْمَسْجِدَ أَعَانَهُ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ وَهُوَ مَعَهُمْ: يَتَنَاوَلُ اللَّبِنَ حَتَّى اغْبَرَّ صَدْرُهُ، فَقَالَ: ابْنُوهُ عَرِيشًا كَعَرِيشِ مُوسَى، قَالَ: فَقُلْتُ لِلْحَسَنِ:
مَا عَرِيشُ مُوسَى؟ قَالَ: إِذَا رَفَعَ يَدَهُ بَلَغَ الْعَرِيشَ يَعْنِي السَّقْفَ» [(٨)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَمَّادٍ [(٩)]، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ الْمِنْقَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ، عَنْ يَعْلَى بْنِ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ، عَنْ عُبَادَةَ «أَنَّ الْأَنْصَارَ جَمَعُوا مَالًا فَأَتَوْا بِهِ النَّبِيَّ ﵌ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللهِ [ابْنِ لَنَا هَذَا] [(١٠)] الْمَسْجِدَ وَزَيِّنْهُ إِلَى مَتَى نُصَلِّي تَحْتَ هَذَا الْجَرِيدِ؟ فَقَالَ: مَا بِي رَغْبَةٌ عَنْ أَخِي مُوسَى عَرِيشٌ كَعَرِيشِ مُوسَى» [(١١)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْمُقْرِئُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُلَازِمُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بَدْرٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقِ، عَنْ أَبِيهِ طَلْقِ ابن عَلِيٍّ، قَالَ: «بَنَيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﵌ مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ فَكَانَ يَقُولُ: قَرِّبُوا الْيَمَامِيَّ مِنَ الطِّينِ فَإِنَّهُ مِنْ أَحْسَنِكُمْ لَهُ بِنَاءً» .
وَحَدَّثَنِي بَنُوهُ بَعْدُ أَنَّهُ قَالَ: مِنْ أَشَدِّكُمْ سَاعِدًا» . وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ عن أبيه طلق ابن عَلِيٍّ قَالَ «خَرَجْنَا وَفْدًا إِلَى النَّبِيِّ ﵌، فَأَخْبَرْنَاهُ أَنَّ بِأَرْضِنَا بِيَعَةً لَنَا وَاسْتَوْهَبْنَاهُ مِنْ فَضْلِ طَهُورِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَمَضْمَضَ، ثُمَّ صَبَّهُ لَنَا فِي إِدَاوَةٍ، وَقَالَ: اذْهَبُوا
_________________
(١) [(٨)] نقله ابن كثير في «البداية والنهاية» (٣: ٢١٥)، وقال: «وهذا مرسل» . [(٩)] في (ص) و(هـ): «جنّاد» . [(١٠)] (ص) و(هـ): «ابن بهذا» . [(١١)] نقله الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية» (٣: ٢١٥) وقال: «هذا حديث غريب من هذا الوجه» .
[ ٢ / ٥٤٢ ]
بِهَذَا الْمَاءِ، فَإِذَا قَدِمْتُمْ بَلَدَكُمْ فَاكْسِرُوا بِيعَتَكُمْ، وَانْضَحُوا مَكَانَهَا مِنْ هَذَا الْمَاءِ وَاتَّخِذُوا مَكَانَهَا مَسْجِدًا فَقُلْنَا: يَا نَبِيَّ اللهِ! إِنَّ الْبَلَدَ بَعِيدٌ وَالْمَاءٌ يَنْشِفُ، قَالَ:
فَمِدُّوهُ مِنَ الْمَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَزِيدُهُ إِلَّا طِيبًا قَالَ فَتَشَاحَحْنَا عَلَى حَمْلِ الْإِدَاوَةِ أَيُّنَا يَحْمِلُهَا، فَجَعَلْنَاهَا نُوَبًا [بَيْنَنَا] [(١٢)] لِكُلِّ رَجُلٍ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، فَلَمَّا قَدِمْنَا بَلَدَنَا فَعَلْنَا الَّذِي أَمَرَنَا، وَرَاهِبُنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ رَجُلٌ مِنْ طَيٍّ، فَنَادَيْنَا الصَّلَاةَ، فَقَالَ الرَّاهِبُ:
دَعْوَةُ حَقٍّ ثُمَّ هَرَبَ فَلَمْ ير بعد» .
_________________
(١) [(١٢)] الزيادة من (ص) و(هـ) .
[ ٢ / ٥٤٣ ]
بَابُ الْمَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى وَفَضْلِ الصَّلَاةِ فِيهِ
ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ [(١٣)] إِلَى أَنَّهُ مَسْجِدُ قُبَاءٍ،
وَقَدْ أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ صَخْرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: «دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﵌، فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْمَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى، قَالَ: فَقَبَضَ قَبْضَةً مِنَ الْحَصْبَاءِ، ثُمَّ ضَرَبَ بِهَا الْأَرْضَ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا. يَعْنِي مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ [(١٤)] عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ.
حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عبد الله بْنُ يُوسُفَ الْأَصْبَهَانِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ الْفَاكِهِيُّ بِمَكَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى بْنُ أَبِي مَيْسَرَةَ [(١٥)]، قَالَ: حَدَّثَنَا مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْمُزَنِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدٍ سَحْبَلٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ «أن
_________________
(١) [(١٣)] أخرجه النسائي في كتاب المساجد (باب) اتخاذ البيع مساجد، عن هناد، عن ملازم، عن عبد الله ابن بَدْرٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقِ، عَنْ أَبِيهِ. [(١٤)] في مناسك الحج، باب بيان إِنَّ الْمَسْجِدَ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى هُوَ مَسْجِدُ النبي ﵌ بالمدينة، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أبي شيبة، وسعيد بن عمرو الأشعثي، كلاهما عَنْ حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ حميد الخراط. [(١٥)] في (ص) و(هـ): «مسرة» .
[ ٢ / ٥٤٤ ]
رَجُلَيْنِ تَلَاحَيَا فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: هُوَ مَسْجِدُ رَسُولِ اللهِ ﵌، وَقَالَ الْآخَرُ: هُوَ مَسْجِدُ قُبَاءٍ، فَذَهَبَا إِلَى رَسُولِ الله ﵌ فَسَأَلَاهُ عَنِ الْمَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: الْمَسْجِدُ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى هُوَ مَسْجِدِي هَذَا [(١٦)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْمَقْرِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الحسن ابن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَنَّ عَبْدَ الْحَمِيدِ بْنَ جَعْفَرٍ حَدَّثَهُ: أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ أَبِي أَنَسٍ، حَدَّثَهُ أَنَّ سَلْمَانَ الْأَغَرَّ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يُخْبِرُ «أَنَّ رَسُولَ الله ﵌، قَالَ: إِنَّمَا يُسَافِرُ الْمُسَافِرُ إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ وَمَسْجِدِي وَمَسْجِدِ إِيلِيَاءَ وَالصَّلَاةُ فِي مَسْجِدِي أحب إليّ من الصلاة [أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ أَلْفِ صَلَاةٍ فِي غَيْرِهِ إِلَّا مَسْجِدَ الْكَعْبَةِ] [(١٧)] .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ هَارُونَ بْنِ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ [(١٨)] .
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِئُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ سَيَّارِ، بْنِ الْمَعْرُورِ، قَالَ:
«خَطَبَنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ هَذَا الْمَسْجِدَ بَنَاهُ رَسُولُ اللهِ ﵌ وَنَحْنُ مَعَهُ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ فَصَلُّوا فِيهِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ مِنْكُمْ مَكَانًا فَلْيَسْجُدْ عَلَى ظَهْرِ أَخِيهِ» .
_________________
(١) [(١٦)] مسند أحمد (٥: ١١٦) . [(١٧)] من (ص) و(هـ) . [(١٨)] الحديث في مسلم بإسناده عَنْ هَارُونَ بْنِ سَعِيدٍ الأيلي، عن ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جعفر، أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ أَبِي أَنَسٍ، حَدَّثَهُ، أَنَّ سَلْمَانَ الْأَغَرَّ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يُخْبِرُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ قَالَ: «إِنَّمَا يُسَافِرُ إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ، وَمَسْجِدِي، وَمَسْجِدِ إِيلِيَاءَ» والزيادة الواردة جاءت من أحاديث اخرى بنفس الباب في صحيح مسلم (٢: ١٠١٥) (وإيليا) بيت المقدس.
[ ٢ / ٥٤٥ ]
بَابُ مَا أَخْبَرَ عَنْهُ الْمُصْطَفَى ﵌ عِنْدَ بِنَاءِ مَسْجِدِهِ ثُمَّ ظَهَرَ صِدْقُهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ وَفِيهِ وَفِي أَمْثَالِهِ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو عَمْرِو بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ لَهُ وَلِابْنِهِ عَلِيٍّ: «انْطَلِقَا إِلَى أَبِي سَعِيدٍ فَاسْمَعَا مِنْ حَدِيثِهِ، قَالَ عِكْرِمَةُ فَانْطَلَقْنَا [(١)] فَإِذَا هُوَ فِي حَائِطٍ لَهُ يُصْلِحُهُ فَلَمَّا رَآنَا أَخَذَ رِدَاءَهُ، ثُمَّ احْتَبَى، ثُمَّ أَنْشَأَ يُحَدَّثَنَا حَتَّى أَتَى عَلَى ذِكْرِ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: كُنَّا نَحْمِلُ لَبِنَةً لَبِنَةً، وَعَمَّارٌ يَحْمِلُ لَبِنَتَيْنِ لَبِنَتَيْنِ، فَرَآهُ النَّبِيُّ ﵌، فَجَعَلَ يَنْفُضُ عَنْهُ التُّرَابَ وَيَقُولُ:
وَيْحَ عَمَّارٍ تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ: يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ، وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ. قَالَ:
يَقُولُ عَمَّارٌ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الْفِتَنِ» .
ورَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ مُسَدَّدٍ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، إِلَّا إِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ قَوْلَهُ «تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الباغية» [(٢)] .
_________________
(١) [(١)] (ح): «فانطلقا» . [(٢)] أخرجه البخاري في: ٨- كتاب الصلاة، (٦٣) باب التعاون في بناء المسجد، فتح الباري (١: ٥٤١)، عن مسدد، وأخرجه البخاري في كتاب الجهاد عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُوسَى. وانظر حول نفس الموضوع. مسلم في كتاب الفتن (٤: ٢٣٣٥- ٢٣٣٦)، والترمذي في مناقب عمار ابن ياسر (٥: ٦٦٩)، ومسند أحمد (٢: ١٦١) .
[ ٢ / ٥٤٦ ]
وَقَدْ ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْبِسْطَامِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى قَالَ حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ قَالَ أَخْبَرَنَا خَالِدٌ يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ اللهِ الْوَاسِطِيَّ قَالَ وحَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ [قَالَ أَخْبَرَنَا] [(٣)] إِسْحَاقُ بْنُ شَاهِينَ قَالَ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ لِي وَلِعَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ «انْطَلِقَا إِلَى أَبِي سَعِيدٍ فَاسْمَعَا مِنْ حَدِيثِهِ فَأَتَيْنَاهُ فَإِذَا هُوَ فِي حَائِطٍ لَهُ فَلَمَّا رَآنَا جَاءَنَا فَأَخَذَ رِدَاءَهُ ثُمَّ قَعَدَ فَأَنْشَأَ يحَدِّثُنَا حَتَّى أَتَى عَلَى ذِكْرِ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ قَالَ كُنَّا نَحْمِلُ لَبِنَةً لَبِنَةً وَعَمَّارٌ يَحْمِلُ لَبِنَتَيْنِ لَبِنَتَيْنِ فَرَآهُ النَّبِيُّ ﵌ فَجَعَلَ يَنْفُضُ التُّرَابَ عَنْ رَأْسِ عَمَّارٍ وَيَقُولُ: يَا عَمَّارُ أَلَا تَحْمِلُ كَمَا يَحْمِلُ أَصْحَابُكَ؟ قَالَ: إِنِّي أُرِيدُ الْأَجْرَ مِنَ اللهِ، قَالَ: فَجَعَلَ يَنْفُضُ التُّرَابَ عَنْهُ وَيَقُولُ وَيْحَ عَمَّارٍ تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ: يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ، وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ. قَالَ عَمَّارٌ أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنَ الْفِتَنِ» [(٤)] .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو الْبِسْطَامِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ [(٥)] عُمَرُ بْنُ الْحَسَنِ الْحَلَبِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي سَمِينَةَ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ: انْطَلِقْ مَعَ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللهِ إِلَى أَبِي سَعِيدٍ، فَاسْمَعَا مِنْ حَدِيثِهِ، فَأَتَيْنَاهُ فَكَانَ فِيمَا حَدَّثَنَا «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ كَانَ يَبْنِي الْمَسْجِدَ فَمَرَّ بِهِ عَمَّارٌ يَنْقُلُ لَبِنَتَيْنِ، فَقَالَ: وَيْحَكَ ابْنَ سُمَيَّةَ تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ [(٦)] عَنْ إِبْرَاهِيمَ بن
_________________
(١) [(٣)] من (ص) فقط. [(٤)] نقله الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية»، وقال: «لكن روى هذا الحديث الإمام البخاري عَنْ مُسَدَّدٍ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ المختار، عن خالد الحذاء، وعَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُوسَى، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ، عَنْ خالد الحذاء، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ قوله: «تقتلك الفئة الباغية» . [(٥)] (ص): «أبو حسين»، (هـ): «أبو حفيص» . [(٦)] انظر الحاشية (٢) من هذا الباب.
[ ٢ / ٥٤٧ ]
مُوسَى عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ دُونَ هَذِهِ اللَّفْظَةِ
وَكَأَنَّهُ إِنَّمَا تَرَكَهَا لِمُخَالَفَةِ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عِكْرِمَةَ فِي ذَلِكَ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُثَنًّى.
(ح) قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا نَضْرَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ قَالَ لِعَمَّارٍ حِينَ جَعَلَ يَحْفِرُ الْخَنْدَقَ جَعَلَ يَمْسَحُ رَأْسَهُ يَقُولُ: بَؤُسَ ابْنُ سُمَيَّةَ تَقْتُلُكَ فِئَةٌ بَاغِيَةٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ [(٧)] فِي الصَّحِيحِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُثَنَّى، ومحمد بن بشار.
وأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أحمد ابْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بن إبراهيم وإسحاق بْنُ مَنْصُورٍ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي أَبُو قَتَادَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ قَالَ لِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ بُؤْسًا لَكَ يَا ابْنَ سُمَيَّةَ تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي [(٨)] الصَّحِيحِ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ وإسحاق بن منصور، وَرَوَاهُ خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ عَنْ شُعْبَةَ وَقَالَ أُرَاهُ يَعْنِي أَبَا قَتَادَةَ، وَرَوَاهُ داود بن أبي هند عَنْ أَبِي نَضْرَةَ.
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ فُورَكٍ، ﵀، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ الْأَصْبَهَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أبي سعيد
_________________
(١) [(٧)] صحيح مسلم (٤: ٢٣٣٦) في كتاب الفتن. [(٨)] صحيح مسلم في كتاب الفتن (٤: ٢٣٣٥) .
[ ٢ / ٥٤٨ ]
الْخُدْرِيِّ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ لَمَّا حَفَرَ الْخَنْدَقَ وَكَانَ النَّاسُ يَحْمِلُونَ لَبِنَةً لَبِنَةً وَعَمَّارٌ نَاقِهٌ مِنْ وَجَعٍ كَانَ بِهِ، فَجَعَلَ يَحْمِلُ لَبِنَتَيْنِ لَبِنَتَيْنِ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَحَدَّثَنِي أَصْحَابِي أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ كَانَ يَنْفُضُ التُّرَابَ عَلَى رَأْسِهِ وَيَقُولُ: وَيْحَكَ ابْنَ سُمَيَّةَ تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ» [(٩)] .
وَقَدْ بُيِّنَ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مَا سُمِعَ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ وَنُقِلَ فِيهَا حَمْلُ اللَّبِنَةِ وَاللَّبِنَتَيْنِ كَمَا نَقَلَهَا عِكْرِمَةُ، فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ ذَكَرَ الْخَنْدَقَ وَهُمَا فِي رِوَايَةِ أَبِي نَضْرَةَ أَوْ كَانَ قَدْ قَالَهَا عِنْدَ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ وَقَالَهَا يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَاللهُ أَعْلَمُ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ وأَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْمُزَكِّي، قَالَا: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ كَامِلِ بْنِ خَلَفٍ الْقَاضِي، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّقَاشِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌ «تَقْتُلُ عَمَّارًا الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ» [(١٠)] وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أُمِّهِ بِنَحْوِهِ.
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الصَّمَدِ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ خَالِدٍ عَنْ سَعِيدٍ وَالْحَسَنِ عَنْ أمهما [(١١)] .
_________________
(١) [(٩)] مسلم في الفتن، باب لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تعبد دوس ذا الخلصة، (٤: ٢٣٣٥)، والإمام أحمد في «مسنده» (٣: ٥) . [(١٠)] أخرجه مسلم في الفتن (٤: ٢٣٣٦)، والإمام أحمد في «مسنده» (٦: ٢٨٩) . [(١١)] راجع الحواشي (٧)، (٨)، (٩) من هذا الباب.
[ ٢ / ٥٤٩ ]
وأَخْبَرَنَا أَبُو زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمُزَكِّي، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ كَامِلٍ الْقَاضِي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ الْعَوْفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ قَالَ لِعَمَّارٍ يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَهُوَ يَنْقُلُ الْحِجَارَةَ: وَيْحٌ لَكَ يَا ابْنَ سُمَيَّةَ تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ [(١٢)] مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ. دُونَ ذِكْرِ الْخَنْدَقِ.
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ الْعَدْلُ بِبَغْدَادَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أخبرنا معمر عمن سَمِعَ الْحَسَنَ يُحَدِّثُ عَنْ أُمِّهِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: «لَمَّا كَانَ النَّبِيُّ ﵌ وَأَصْحَابُهُ يَبْنُونَ الْمَسْجِدَ، جَعَلَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﵌ يَحْمِلُ كُلُّ رَجُلٍ لَبِنَةً لَبِنَةً، وَعَمَّارٌ يَحْمِلُ لَبِنَتَيْنِ: عَنْهُ لَبِنَةً، وَعَنِ النبي ﵌، فَقَامَ النَّبِيُّ ﵌ فَمَسَحَ ظَهْرَهُ، فَقَالَ: يَا ابْنَ سُمَيَّةَ! لِلنَّاسِ أَجْرٌ وَلَكَ أَجْرَانِ، وَآخِرُ زَادِكَ شَرْبَةٌ مِنْ لَبَنٍ، وَتَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ» [(١٣)] .
وَأَخْبَرَنَا أبو صالح العتر بْنُ الطَّيِّبِ بْنِ مُحَمَّدٍ العتري، قَالَ: أَخْبَرَنَا جَدِّي يَحْيَى بْنُ مَنْصُورٍ الْقَاضِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَزْهَرُ بْنُ مَرْوَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو التَّيَّاحِ، عَنْ أنس ابن مَالِكٍ، قَالَ: «لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﵌ الْمَدِينَةَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي بِنَاءِ الْمَسْجِدِ» قَالَ أَبُو التَّيَّاحِ وَحَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي الْهُذَيْلِ «أَنَّ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ كَانَ رَجُلًا ضَابِطًا وَكَانَ يَنْقُلُ حَجَرَيْنِ حَجَرَيْنِ فَتَلَقَّاهُ رَسُولُ اللهِ ﵌ [وَدَفَعَ] [(١٤)] فِي صَدْرِهِ
_________________
(١) [(١٢)] صحيح مسلم (٤: ٢٣٣٥) . [(١٣)] جزء الحديث الآخر أخرجه الحاكم في «المستدرك» (٣: ٣٨٩)، وقال: «صحيح على شرطهما، ولم يخرجاه»، وأخرجه الإمام أحمد في «مسنده» (٤: ٣١٩) . [(١٤)] (ص) و(هـ): «فدفع» .
[ ٢ / ٥٥٠ ]
فقام، فجعل بنفث التُّرَابَ عَلَى رَأْسِهِ، ويَقُولُ: وَيْحَكَ يَا ابْنَ سُمَيَّةَ تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ» [(١٥)] .
وأَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو الْأَدِيبُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو يَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مِهْرَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ فَذَكَرَهُ بِنَحْوِهِ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: «يَنْفُضُ التُّرَابَ عَنْ رَأْسِهِ وَصَدْرِهِ، وَهُوَ يَقُولُ وَيْحَكَ يَا ابْنَ سُمَيَّةَ تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ» .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ قَالَ أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ ابْنِ طَاوسٍ [(١٦)] عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ، قَالَ «لَمَّا قُتِلَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ دخل عمرو ابن حَزْمٍ عَلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، فَقَالَ: لَا أَدْرِي أَكَانَ مَعَهُ أَمْ أَخْبَرَهُ أَبُوهُ، فَقَالَ: قُتِلَ عَمَّارٌ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ» .
قَالَ: فَقَامَ عَمْرٌو فَزِعًا يَرْتَجِعُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ مَا شَأْنُكَ؟ فَقَالَ: قُتِلَ عَمَّارٌ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: قُتِلَ عَمَّارٌ، فَمَاذَا؟ قَالَ عَمْرٌو:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ يَقُولُ: تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ دَحَضْتَ فِي بَوْلِكَ [(١٧)] أَنَحْنُ قَتَلْنَاهُ إِنَّمَا قَتَلَهُ عَلِيٌّ وَأَصْحَابُهُ جَاءُوا بِهِ حَتَّى أَلْقَوْهُ بَيْنَ رِمَاحِنَا، أَوْ قَالَ: سُيُوفِنَا» [(١٨)]
وحَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو زَكَرِيَّا الْعَنْبَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، قَالَ أخبرنا عطاء
_________________
(١) [(١٥)] البداية والنهاية (٣: ٢١٧) . [(١٦)] في (ص): «ابن أبي طاوس» . [(١٧)] (دحضت في بولك): زللت، وزلقت. [(١٨)] مسند أحمد (٤: ١٩٩)، ومجمع الزوائد (٧: ٢٤٢)، (٩: ٢٩٧) .
[ ٢ / ٥٥١ ]
ابن مُسْلِمٍ الْحَلَبِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ الْأَعْمَشَ، يَقُولُ: قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ «شَهِدْنَا صِفِّينَ فَكُنَّا إِذَا تَوَادَعْنَا دَخَلَ هَؤُلَاءِ فِي عَسْكَرِ هَؤُلَاءِ، وَهَؤُلَاءِ فِي عَسْكَرِ هَؤُلَاءِ فَرَأَيْتُ أَرْبَعَةً يَسِيرُونَ، مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَأَبُو الْأَعْوَرِ السُّلَمِيُّ، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَابْنُهُ، فَسَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو يَقُولُ لِأَبِيهِ عَمْرٍو: وَقَدْ قَتَلْنَا هَذَا الرَّجُلَ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌ فِيهِ مَا قَالَ، قَالَ أَيُّ رَجُلٍ؟ قَالَ: عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، أَمَا تَذْكُرُ يَوْمَ بَنَى رَسُولُ الله ﵌ الْمَسْجِدَ. فَكُنَّا نَحْمِلُ لَبِنَةً لَبِنَةً، وَعَمَّارٌ يَحْمِلُ لَبِنَتَيْنِ لَبِنَتَيْنِ، فَمَرَّ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ فَقَالَ: تَحْمِلُ لَبِنَتَيْنِ لَبِنَتَيْنِ وَأَنْتَ تَرْحَضُ أَمَا إِنَّكَ سَتَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ، وَأَنْتَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَدَخَلَ عَمْرٌو عَلَى مُعَاوِيَةَ فَقَالَ: قَتَلْنَا هَذَا الرَّجُلَ، وَقَدْ قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﵌ مَا قَالَ. فَقَالَ أسكت، فو الله مَا تَزَالُ تَدْحَضُ فِي بَوْلِكَ! أَنَحْنُ قَتَلْنَاهُ؟ إِنَّمَا قَتَلَهُ عَلِيٌّ وَأَصْحَابُهُ جَاءُوا بِهِ حَتَّى أَلْقَوْهُ بَيْنَنَا» .
حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الْفَقِيهُ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ قُرَيْشٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ:
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: «سَمِعْتُ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ بِصِفِّينَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي قُتِلَ فِيهِ وَهُوَ يُنَادِي أُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ، وَزُوِّجْتُ الْحُورَ الْعِينِ، الْيَوْمَ نَلْقَى حَبِيبَنَا مُحَمَّدًا ﵌، عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّ آخِرَ زَادِكَ مِنَ الدُّنْيَا مَنِيحٌ مِنَ اللَّبَنِ» [(١٩)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ:
حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ [(٢٠)] قَالَ: «أُتِيَ عَمَّارٌ يَوْمَ قُتِلَ بِلَبَنٍ فَضَحِكَ فَقِيلَ له
_________________
(١) [(١٩)] (ص) و(هـ): «ابن النمري»، وهو تصحيف شديد. [(٢٠)] المستدرك (٣: ٣٨٩)، ومسند أحمد (٤: ٣١٩) .
[ ٢ / ٥٥٢ ]
مَا يُضْحِكُكَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ يَقُولُ آخِرُ شَرَابٍ تَشْرَبُهُ حِينَ تَمُوتُ لَبَنٌ» .
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا تَمْتَامٌ [(٢١)]، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَشْرَجُ ابْنُ نُبَاتَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُمْهَانَ، عَنْ سَفِينَةَ، قَالَ: «لَمَّا بَنَى النَّبِيُّ ﵌ الْمَسْجِدَ وَضَعَ حَجَرًا، ثُمَّ قَالَ: لِيَضَعْ أَبُو بَكْرٍ حَجَرَهُ إِلَى جَنْبِ حَجَرِي، ثُمَّ لِيَضَعْ عُمَرُ حَجَرَهُ إِلَى جَنْبِ حَجَرِ أَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ قَالَ لِيَضَعْ عُثْمَانُ حَجَرَهُ إِلَى جَنْبِ حَجَرِ عُمَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: هَؤُلَاءِ الْخُلَفَاءُ مِنْ بَعْدِي» [(٢٢)] .
حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ إِمْلَاءً، قَالَ: حَدَّثَنَا الشَّيْخُ أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ بْنُ شَرِيكٍ قَالَ: حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَشْرَجُ بْنُ نُبَاتَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُمْهَانَ عَنْ سَفِينَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ قَالَ: «لَمَّا بَنَى رَسُولُ اللهِ ﵌ الْمَسْجِدَ جَاءَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ بِحَجَرٍ فَوَضَعَهُ، ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ بِحَجَرٍ فَوَضَعَهُ، ثُمَّ جَاءَ عُثْمَانُ بِحَجَرٍ، فَوَضَعَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: هَؤُلَاءِ وُلَاةُ الْأَمْرِ من بعدي» [(٢٣)] .
_________________
(١) [(٢١)] في (ص): «تمام» . [(٢٢)] نقله الحافظ ابن كثير عن المصنف (٣: ٢١٨)، وقال: «هذا الحديث غريب جدا بهذا السياق، والمعروف ما رواه الإمام أحمد عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ حَشْرَجِ بْنِ نُبَاتَةَ الأشجعي، وعن بهز، وزيد بن الحباب، وعبد الصمد، وحماد بن سلمة، كلاهما عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُمْهَانَ عَنْ سَفِينَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌، يقول: «الخلافة ثلاثون عاما، ثم يكون من بعد ذلك الملك» . ثم قال سفينة: خلافة ابي بكر سنتين، وَخِلَافَةَ عُمَرَ عَشْرُ سِنِينَ، وخلافة عثمان اثنتا عشرة سنة، وخلافة علي ست سنين، هذا لفظ أحمد، ورواه أبو داود، والترمذي، والنسائي من طرق، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُمْهَانَ، وقال الترمذي: «حسن» . [(٢٣)] انظر الحاشية السابقة.
[ ٢ / ٥٥٣ ]
بَابُ ذِكْرِ الْمِنْبَرِ الَّذِي اتُّخِذَ لِرَسُولِ اللهِ ﵌ وَمَا ظَهَرَ عِنْدَ وَضْعِهِ وَجُلُوسِ النَّبِيِّ ﵌ مِنْ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ بِنَاءِ المسجد بمدة
أخبرنا أب
وعَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ:
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ قُتَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ (ح) وأَخْبَرَنَا أَبُو صَالِحِ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ الْعَنْبَرِيُّ ابْنُ ابْنَةِ يحيى ابن مَنْصُورٍ الْقَاضِي، قَالَ: حَدَّثَنَا جَدِّي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ:
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقُرَشِيُّ الْإِسْكَنْدَرَانِيُّ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، وَهَذَا حَدِيثُ يَعْقُوبَ، قَالَ:
حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمِ بْنُ دِينَارٍ «أَنَّ رِجَالًا أَتَوْا سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ وَقَدِ امْتَرَوْا فِي الْمِنْبَرِ مِمَّ عُودُهُ، فَسَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: وَاللهِ إِنِّي لَأَعْرِفُ مِمَّ هُوَ؟ وَلَقَدْ رَأَيْتُ أَوَّلَ يَوْمٍ وُضِعَ، وَأَوَّلَ يَوْمٍ جَلَسَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﵌.
أَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ ﵌ إِلَى فُلَانَةَ- امْرَأَةٍ قَدْ سَمَّاهَا سَهْلٌ- أَنْ مُرِي غُلَامَكِ النَّجَّارَ أَنْ يَعْمَلَ لِي أَعْوَادًا أَجْلِسُ عَلَيْهِنَّ إِذَا كَلَّمْتُ النَّاسَ فَأَمَرَتْهُ فَعَمِلَهَا مِنْ طَرْفَاءِ الْغَابَةِ، ثُمَّ جَاءَ بِهَا فَأَرْسَلَتْهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﵌ فَأَمَرَ بِهَا فَوُضِعَتْ ههنا ثُمَّ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ صَلَّى عَلَيْهَا، وَكَبَّرَ، وَهُوَ عَلَيْهَا، ثُمَّ رَكَعَ وَهُوَ عَلَيْهَا، ثُمَّ نَزَلَ الْقَهْقَرَى، فَسَجَدَ فِي أَصْلِ الْمِنْبَرِ، ثُمَّ عَادَ، فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا صَنَعْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا بِي وَلِتَعْلَمُوا صَلَاتِي» .
[ ٢ / ٥٥٤ ]
هَذَا لَفْظُ حَدِيثِ يَعْقُوبَ وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ «فَعَمِلَ هَذِهِ الثَّلَاثَ دَرَجَاتٍ» .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ والْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ [(١)] .
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى [(٢)] عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي فِي آخَرِينَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: سَأَلُوا سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ منبر النبي ﵌، قَالَ:
«مَا بَقِيَ مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، مِنْ أَثْلِ الْغَابَةِ، عَمِلَهُ لَهُ فُلَانٌ مَوْلَى فُلَانَةَ، ولَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ حِينَ صَعِدَ عَلَيْهِ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَكَبَّرَ ثُمَّ قَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ ثُمَّ نَزَلَ الْقَهْقَرَى، فَسَجَدَ ثُمَّ صَعِدَ، فَقَرَأَ، ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ نَزَلَ الْقَهْقَرَى، فَسَجَدَ» .
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحِ [(٣)] مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ: عَبْدُ الْخَالِقِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ الْمُؤَذِّنُ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ خَنْبٍ الْبُخَارِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْمَاعِيلَ
_________________
(١) [(١)] أخرجه البخاري في: ١١- كتاب الجمعة، (٢٦) باب الخطبة على المنبر، الحديث (٩١٧)، فتح الباري (٢: ٣٩٧) . [(٢)] أخرجه مسلم في: ٥- كتاب المساجد (١٠) باب جواز الخطوة والخطوتين في الصلاة، الحديث (٤٤) و(٤٥)، صفحة (١: ٣٨٦) . [(٣)] من طريق سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ﵁- أَخْرَجَهُ البخاري في كتاب الصلاة، باب الصلاة في السطوح، والمنبر، والخشب، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، وأخرجه مسلم في الصلاة، (٦٣) باب جواز الخطوة والخطوتين الى المسجد، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أبي شيبة، وَزُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ.
[ ٢ / ٥٥٥ ]
عن أبي صالح، عن جَابِرٍ وَعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ كُرَيْبٍ عَنْ جَابِرٍ فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ بِمَعْنَاهُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ «فَقَالُوا لَهُ لَوِ اتَّخَذْنَا لَكَ مِثْلَ الْكُرْسِيِّ تَقُومُ إِلَيْهِ فَذَكَرَهُ وَقَالَ: كَمَا تَحِنُّ النَّاقَةُ الْخَلُوجُ» .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ شهاب، عن سعيد ابن الْمُسَيِّبِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ:
«كَانَ النَّبِيُّ ﵌ يَقُومُ إِلَى جِذْعِ نَخْلَةٍ فَيَخْطُبُ قَبْلَ أَنْ يُوضَعَ الْمِنْبَرُ، فَلَمَّا وُضِعَ الْمِنْبَرُ صَعِدَ رَسُولُ اللهِ ﵌ فَحَنَّ ذَلِكَ الْجِذْعُ حَتَّى سَمِعْنَا حَنِينَهُ، قَالَ:
فَأَتَاهُ رَسُولُ اللهِ ﵌، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ فَسَكَنَ» قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ كثير وحدّثنا يحيى ابن سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ مِثْلَهُ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «فَحَنَّ حَنِينَ الْعِشَارِ» [(٤)] .
حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْعَلَوِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ:
مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ النَّسَوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ: إِبْرَاهِيمُ بْنُ فَهْدٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاءٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصِ بْنُ الْعَلَاءِ، عَنْ نَافِعٍ.
(ح) وأَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْبِسْطَامِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْوَزَّانُ، قَالَ:
حَدَّثَنَا بُنْدَارُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصِ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَ: سَمِعْتُ نَافِعًا يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ:
«أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ كَانَ يَخْطُبُ إِلَى جِذْعٍ فَلَمَّا اتَّخَذَ الْمِنْبَرَ تحول إليه،
_________________
(١) [(٤)] سيأتي الحديث في الحاشية التالية.
[ ٢ / ٥٥٦ ]
فَحَنَّ الْجِذْعُ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﵌ فَمَسَحَهُ» .
هَذَا لَفْظُ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ كَثِيرٍ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ رَجَاءٍ «فَلَمَّا وُضِعَ الْمِنْبَرُ حَنَّ الْجِذْعُ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﵌ فَمَسَحَهُ فَسَكَنَ» .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي مُوسَى [(٥)]، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ.
قال الْبُخَارِيُّ: وَقَالَ عَبْدُ الْحَمِيدِ أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ الْعَلَاءِ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، وَأَبُو بَكْرٍ: أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، وَأَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي عَمْرٍو، فِي آخَرِينَ، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ الْعَلَاءِ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
«أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ كَانَ يَخْطُبُ إِلَى جِذْعِ نَخْلَةٍ فَلَمَّا اتَّخَذَ الْمِنْبَرَ حَنَّ الْجِذْعُ فَأَتَاهُ فَالْتَزَمَهُ [فَسَكَنَ] [(٦)]» .
وَأخبرنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ الْأَصْبَهَانِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ: عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ الْفَاكِهِيُّ بِمَكَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى ابْنُ أَبِي مَسَرَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بدل بن المحيّر [(٧)]، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ الْعَلَاءِ، أَخُو أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ، قَالَ: سَمِعْتُ نَافِعًا يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّ
_________________
(١) [(٥)] أخرجه البخاري في: ٦١- كتاب المناقب (٢٥) باب علامات النبوة في الإسلام، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، عن أبي غسان يحيى بن كثير، فتح الباري (٦: ٦٠١) . وبهذا الاسناد، أخرجه الترمذي في صلاة الجمعة (١٠) بَابُ مَا جَاءَ فِي الخطبة على المنبر (٢: ٣٧٩) . [(٦)] الزيادة من الصحيح. [(٧)] في (ص) و(هـ): «المحير»، وهو تصحيف، حيث انه: بدل بن المحبر بن المنبه اليربوعي، أبو المنير البصري، أخرج له البخاري، والأربعة. له ترجمة في التهذيب (١: ٤٢٣) .
[ ٢ / ٥٥٧ ]
رسول الله ﵌ كَانَ يَخْطُبُ إِلَى جِذْعٍ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَلَمَّا جُعِلَ الْمِنْبَرُ تَحَوَّلَ إِلَى الْمِنْبَرِ فَحَنَّ الْجِذْعُ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﵌ فَمَسَحَهُ» .
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إسحق قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ كَانَ يَخْطُبُ إِلَى جِذْعٍ قَبْلَ أَنْ يَتَّخِذَ الْمِنْبَرَ فَلَمَّا اتَّخَذَ الْمِنْبَرَ وَتَحَوَّلَ إِلَيْهِ حَنَّ الْجِذْعُ فَاحْتَضَنَهُ فَسَكَنَ وَقَالَ لَوْ لَمْ أَحْتَضِنْهُ لَحَنَّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» [(٨)]
أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْمَشٍ الزِّيَادِيُّ [(٩)] الْفَقِيهُ مِنْ أَصْلِهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَطَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ: أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الْمَرْوَزِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ بْنِ الْقَاسِمِ الْيَمَامِيُّ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﵌ يَقُومُ مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى جِذْعٍ مَنْصُوبٍ فِي الْمَسْجِدِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَخَطَبَ النَّاسَ فَجَاءَهُ رُومِيٌّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَلَا أَصْنَعُ لَكَ شَيْئًا تَقْعُدُ عَلَيْهِ كَأَنَّكَ قَائِمٌ فَصَنَعَ لَهُ مِنْبَرًا دَرَجَتَيْنِ وَيَقْعُدُ عَلَى الثَّالِثَةِ، فَلَمَّا قَعَدَ رَسُولُ اللهِ ﵌ عَلَى ذَلِكَ الْمِنْبَرِ، خَارَ الْجِذْعُ كَخُوَارِ الثَّوْرِ حَتَّى ارْتَجَّ الْمَسْجِدُ بِخُوَارِهِ، فَنَزَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﵌ فَالْتَزَمَهُ فَسَكَنَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ أَلْتَزِمْهُ لَمَا زَالَ كَذَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ حُزْنًا عَلَى رَسُولِ الله ﵌ ثُمَّ أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﵌ فدفن» [(١٠)] [(١١)] .
_________________
(١) [(٨)] حديث ابن عباس أخرجه الطبراني في الكبير. [(٩)] في الأصل (ح): «ابن محمش الزيادي»، وفي (ص) و(هـ): «ابن محمش الفقيه» وكلاهما صح. [(١٠)] أخرجه الترمذي في المناقب (٩) عَنْ مَحْمُودِ بْنِ غَيْلَانَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ يُونُسَ، قال: «صحيح غريب من هذا الوجه» . [(١١)] انظر فتح الباري (٢: ٣٩٧) .
[ ٢ / ٥٥٨ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ الْفَقِيهُ قَالَ: أَخْبَرَنَا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سُفْيَانَ الطُّوسِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَرْوَزِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَسَنُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ كَانَ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيسْنِدُ ظَهْرَهُ إِلَى خَشَبَةٍ فَلَمَّا كَثُرَ النَّاسُ قَالَ ابْنُوا لِي مِنْبَرًا فَسُوِّيَ لَهُ مِنْبَرٌ- إِنَّمَا كَانَ عَتَبَتَيْنِ- فَتَحَوَّلَ مِنَ الْخَشَبَةِ إِلَى الْمِنْبَرِ قَالَ: فَحَنَّتْ إِلَيْهِ الْخَشَبَةُ حَنِينَ الْوَالِهِ.
قَالَ أَنَسٌ: وَأَنَا فِي الْمَسْجِدِ أَسْمَعُ ذَلِكَ، قال: فو الله مَا زَالَتْ تَحِنُّ حَتَّى نَزَلَ النَّبِيُّ ﵌ مِنَ الْمِنْبَرِ فَمَشَى إِلَيْهَا فَاحْتَضَنَهَا فَسَكَنَتْ، فَبَكَى الْحَسَنُ، وَقَالَ:
يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ! الْخَشَبَةُ تَحِنُّ إِلَى رَسُولِ الله ﵌ شَوْقًا إِلَيْهِ، أَفَلَيْسَ الرِّجَالُ الَّذِينَ يَرْجُونَ لِقَاءَهُ أَحَقَّ أَنْ يَشْتَاقُوا إِلَيْهِ» .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا تميم ابن الْمُنْتَصِرِ.
(ح) وَحَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ أَحْمَدَ الصُّوفِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمْدَانَ الْبُخَارِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْمَاعِيلَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ كَانَ يَقُومُ الْجُمُعَةَ إِذَا خَطَبَ إِلَى خَشَبَةٍ ذَاتَ فَرْضَتَيْنِ- قَالَ أُرَاهَا مِنْ دَوْمٍ كَانَتْ فِي مُصَلَّاهُ- وَكَانَ يَتَّكِئُ إِلَيْهَا فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ النَّاسَ قَدْ كَثُرُوا فَلَوِ اتَّخَذْتَ شَيْئًا تَقُومُ عَلَيْهِ إِذَا خَطَبْتَ يَرَاكَ النَّاسُ فَقَالَ مَا شِئْتُمْ. قَالَ سَهْلٌ: وَلَمْ يَكُنْ بِالْمَدِينَةِ إِلَّا نَجَّارٌ وَاحِدٌ قَالَ: فَذَهَبْتُ أَنَا وَذَلِكَ النَّجَّارُ إِلَى الْغَابَةِ فَقَطَعْنَا هَذَا الْمِنْبَرَ مِنْ أَثَلَةٍ قَالَ فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﵌ فَحَنَّتُ الْخَشَبَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: أَلَا
[ ٢ / ٥٥٩ ]
تَعْجَبُونَ مِنْ حَنِينِ هَذِهِ الْخَشَبَةِ فَأَقْبَلَ النَّاسُ عَلَيْهَا فَرَقُّوا مِنْ حَنِينِهَا حَتَّى كَثُرَ بُكَاؤُهُمْ فَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﵌ فَأَتَاهَا فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا فَسَكَنَتْ فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﵌ بِهَا فَدُفِنَتْ تَحْتَ مِنْبَرِهِ أَوْ جُعِلَتْ فِي السَّقْفِ» [(١١)] .
أَخْبَرَنَا الْفَقِيهُ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الطُّوسِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ نَجْدَةَ بْنِ عُرْفَانَ [(١٢)]، قَالَ: حَدَّثَنَا خَلَّادٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ «أَنَّ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللهِ أَلَا أَجْعَلُ لَكَ مِنْبَرًا تَقْعُدُ عَلَيْهِ فَإِنَّ لِي غُلَامًا نَجَّارًا، قَالَ: إِنْ شِئْتِ، قَالَ: فَعَمِلَتْ لَهُ مِنْبَرًا، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ قَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ الَّذِي صُنِعَ لَهُ، فَصَاحَتِ النَّخْلَةُ الَّتِي كَانَ يَخْطُبُ عِنْدَهَا حَتَّى كَادَتْ أَنْ تَنْشَقَّ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﵌ حَتَّى أَخَذَهَا، فَضَمَّهَا إِلَيْهِ فَجَعَلَتْ تَئِنُّ أَنِينَ الصَّبِيِّ الَّذِي يُسَكَّتُ، حَتَّى اسْتَقَرَّتْ قَالَ بَكَتْ عَلَى مَا كَانَتْ تَسْمَعُ مِنَ الذِّكْرِ عِنْدَهَا» .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ [(١٣)] عَنْ خَلَّادِ بْنِ يَحْيَى.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَاصِمٍ الدِّمَشْقِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ حَفْصِ ابن عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَنَسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، يَقُولُ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﵌ إِذَا خَطَبَ اسْتَنَدَ إِلَى خَشَبَةٍ فَلَمَّا صُنِعَ الْمِنْبَرُ اسْتَنَدَ عَلَيْهِ، فَحَنَّتِ الخشبة
_________________
(١) [(١١)] أنظر فتح الباري (٢: ٢٩٧) . [(١٢)] (ص) و(هـ): «رغبان» . [(١٣)] أخرجه البخاري في: ٨- كتاب الصلاة، (٦٤) باب الاستعانة بالنجّار والصّناع في أعواد المنبر والمسجد، فتح الباري (١: ٥٤٣- ٥٤٤)، وفي البيوع، عن خلاد أيضا، وفي علامات النبوة في الإسلام عن أبي نعيم، فتح الباري (٦: ٦٠١) .
[ ٢ / ٥٦٠ ]
كَمَا تَحِنُّ الْعِشَارُ فَنَزَلَ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا فَسَكَنَتْ» [(١٤)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو الْأَدِيبُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ هَانِئٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي حَفْصُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ، سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ فَذَكَرَهُ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ [(١٥)] عَنِ ابْنِ أَبِي مَرْيَمَ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ [(١٦)]، وَقَدْ أَخْرَجْنَاهُ فِي كِتَابِ الْجُمُعَةِ مِنْ كِتَابِ السُّنَنِ [(١٧)] . وَلِهَذَا الْحَدِيثِ طُرُقٌ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ [(١٨)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، وَأَبُو زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمُزَكِّي، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ ﵀، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَجِيدِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، يَقُولُ: «كَانَ النَّبِيُّ ﵌ إِذَا خَطَبَ يَسْتَنِدُ إِلَى جِذْعِ نَخْلَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، فَلَمَّا صُنِعَ لَهُ الْمِنْبَرُ فَاسْتَوَى عَلَيْهِ اضْطَرَبَتْ تِلْكَ السَّارِيَةُ كَحَنِينِ النَّاقَةِ حَتَّى سَمِعَهَا أَهْلُ الْمَسْجِدِ حَتَّى نَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﵌ فَاعْتَنَقَهَا فَسَكَنَتْ» [(١٩)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ دَاوُدَ الرَّزَّازُ قِرَاءَةً عَلَيْهِ
_________________
(١) [(١٤)] في كتاب الجمعة، باب الخطبة على المنبر، حديث (٩١٨)، الفتح (٢: ٣٩٧) . [(١٥)] في: ١١- كتاب الجمعة (٢٦) باب الخطبة على المنبر، حديث (٩١٨)، فتح الباري (٢: ٣٩٧) . [(١٦)] في كتاب: علامات النبوة في الإسلام من كتاب المناقب، فتح الباري (٦: ٦٠٢) . [(١٧)] (٣: ١٩٥) من السنن الكبرى. [(١٨)] مضى بعضها، وسيأتي الآخر. [(١٩)] أخرجه النسائي في كتاب الجمعة، باب مقام الإمام في الخطبة، (٣: ١٠٢) .
[ ٢ / ٥٦١ ]
بِبَغْدَادَ مِنْ أَصْلِ كِتَابِهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الدَّقَّاقُ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْهَيْثَمِ الْبَلَدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي كَرْبٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﵌ إِذَا خَطَبَ النَّاسَ أَسْنَدَ ظَهْرَهُ إِلَى خَشَبَةٍ، فَلَمَّا صَنَعَ الْمِنْبَرَ فَقَدَتْهُ الْخَشَبَةُ، فَحَنَّتْ حَنِينَ النَّاقَةِ الْخَلُوجِ [(٢٠)] إِلَى وَلَدِهَا فَأَتَاهَا رَسُولُ اللهِ ﵌ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا فَسَكَنَتْ.
أَخْبَرَنَا أَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي خَلَفٍ الصُّوفِيُّ الِاسْفِرَائِينِيُّ [بِهَا] [(٢١)]، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ: مُحَمَّدُ بْنُ يَزْدَادَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ:
«كَانَ النَّبِيُّ ﵌ يَخْطُبُ إِلَى جِذْعٍ فَلَمَّا جُعِلَ لَهُ الْمِنْبَرُ خَطَبَ عَلَيْهِ حَنَّتِ الْخَشَبَةُ حَنِينَ النَّاقَةِ الْخَلُوجِ فَاحْتَضَنَهَا، فَسَكَنَتْ» .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ عَبْدَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا تَمْتَامٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ الْبُنَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ جَابِرٍ، وَعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ «كَانَتْ خَشَبَةٌ فِي الْمَسْجِدِ فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﵌ يَخْطُبُ إِلَيْهَا فَقُلْنَا لَهُ لَوْ جَعَلْنَا لَكَ مِثْلَ الْعَرِيشِ فَقُمْتَ عَلَيْهِ فَفَعَلَ فَحَنَّتِ الْخَشَبَةُ كَمَا تَحِنُّ النَّاقَةُ فَأَتَاهَا رَسُولُ اللهِ ﵌ فَاحْتَضَنَهَا وَوَضَعَ يَدَهُ عليها فسكنت» [(٢٢)] .
_________________
(١) [(٢٠)] (ص) و(هـ): «الخلوة» وهو تحريف. [(٢١)] ليست في (ص) ولا في (هـ) . [(٢٢)] هذا الخبر رواه الطبراني في الكبير، وقد جاء في (ص) و(هـ) متقدما، وفي أوائل هذا الباب، وبروايته عن أبي عَمْرٍو: مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بن حمدان، قال: أجزنا عمران بن موسى، عن تميم بن المنتصر إلخ.
[ ٢ / ٥٦٢ ]
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْمُقْرِئُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى: أَبُو مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْمُسَاوِرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا تَمِيمُ بْنُ الْمُنْتَصِرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْأَزْرَقُ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَمَّارٍ الدُّهْنِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: «كَانَ لِرَسُولِ اللهِ ﵌ خَشَبَةٌ يَسْتَنِدُ إِلَيْهَا إِذَا خَطَبَ فَصُنِعَ لَهُ كُرْسِيٌّ أَوْ مِنْبَرٌ فَلَمَّا فَقَدَتْهُ خَارَتْ كَمَا يَخُورُ الثَّوْرُ حَتَّى سَمِعَهَا أَهْلُ الْمَسْجِدِ فَأَتَاهَا رَسُولُ اللهِ ﵌ فَاحْتَضَنَهَا فَسَكَنَتْ» .
هَذِهِ الْأَحَادِيثُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي أَمْرِ الْحَنَّانَةِ [(٢٣)] كُلُّهَا صَحِيحَةٌ، وَأَمْرُ الْحَنَّانَةِ مِنَ الْأُمُورِ الظَّاهِرَةِ وَالْأَعْلَامِ النَّيِّرَةِ الَّتِي أَخَذَهَا الْخَلَفُ عَنِ السَّلَفِ، وَرِوَايَةُ الْأَحَادِيثِ فِيهِ كَالتَّكْلِيفِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالسُّنَّةِ، وَبِهِ الْعِيَاذُ وَالْعِصْمَةُ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ يعقوب،
_________________
(١) [(٢٣)] أحاديث حنين الجذع رويت عن أنس، وجابر، وسهل بن سعد في البخاري، وحديث أبي بن كعب أخرجه ابن ماجة، وعبد الله بن أحمد في زياداته على المسند، وحديثا: ابن عباس وأم سلمة أخرجهما الطبراني في الكبير، وقد روى أحاديث حنين الجذع ايضا المصنف في السنن الكبرى. (٣: ١٩٨)، وأبو نعيم في الدلائل (ص ١٤٢- ١٤٣) بأسانيده عَنْ جَابِرٍ، وَعَنْ أَبِي بن كعب، وعن سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وَعَنْ أبي سعيد الخدري، وعن عائشة. وفي الباب أحاديث كثيرة، وصحح كثير من العلماء بالسنة ان حديث حنين الجذع من الأحاديث المتواترة لوروده عن جماعة من الصحابة من طرق كثيرة تفيد القطع بوقوع ذلك. وقال الحافظ ابن حجر: «حنين الجذع، وانشقاق القمر نقل كل منهما نقلا مستفيضا يفيد القطع عند من يطلع على طرق ذلك من أثمة الحديث، دون غيرهم ممن لا ممارسة له في ذلك» .
[ ٢ / ٥٦٣ ]
قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله بن عُمَرَ.
(ح) قَالَ: وَأَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ بَالَوَيْهِ، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَ: حَدَّثَنَا موسى ابْنُ هَارُونَ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ أَبُو خَيْثَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي خُبَيْبٌ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﵌، قَالَ: «مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي» .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ مُسَدَّدٍ.
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي خَيْثَمَةَ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ [(٢٤)] .
حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ دَاوُدَ الْعَلَوِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى الْعَلَّافُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ السُّلَمِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَمَّارٍ الدُّهْنِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: «قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌ قَوَايِمُ مِنْبَرِي رَوَاتِبُ في الجنة» [(٢٥)] .
_________________
(١) [(٢٤)] أخرجه البخاري في: ٢٠- كتاب الصلاة في مسجد مكة، (٥) باب فضل ما بين القبر والمنبر، ومسلم في: ١٥- كتاب الحج، (٩٢) باب ما بين القبر والمنبر رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، حديث (٥٠٢) . [(٢٥)] أخرجه النسائي في المساجد (باب) فضل مسجد النبي ﵌ والصلاة فيه (٢: ٣٥- ٣٦) .
[ ٢ / ٥٦٤ ]
بَابُ مَا لَقِيَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﵌ مِنْ وَبَاءِ الْمَدِينَةِ حِينَ قَدِمُوهَا وَعِصْمَةِ اللهِ رَسُولَهُ ﵌ عَنْهَا ثُمَّ مَا وَرَدَ فِي دُعَائِهِ بِتَصْحِيحِهَا لَهُمْ وَنَقْلِ وَبَائِهَا عَنْهُمْ إلى الجحفة، واستجابة دعاءه، ثُمَّ تَحْرِيمِهِ الْمَدِينَةَ، وَدُعَائِهِ لِأَهْلِهَا بِالْبَرَكَةِ
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، وَأَبُو طَاهِرٍ الْفَقِيهُ، وَأَبُو زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ وَأَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي عَمْرٍو، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ:
«لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﵌ الْمَدِينَةَ وُعِكَ أَبُو بَكْرٍ وَبِلَالٌ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ إِذَا أَخَذَتْهُ الْحُمَّى يقول:
كُلُّ امْرِئٍ مُصَبَّحٌ فِي أَهْلِهِ وَالْمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ
وَكَانَ بِلَالٌ إِذَا أُقْلِعَ عَنْهُ يَرْفَعُ صوته ويقول:
أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً بِوَادٍ وَحَوْلِي إِذْخِرٌ وَجَلِيلُ
وَهَلْ أَرِدَنْ يَوْمًا مِيَاهَ مَجَنَّةٍ وَهَلْ يَبْدُوَنْ لِي شَامَةٌ وَطَفِيلُ
اللهُمَّ الْعَنْ عُتْبَةَ بْنَ ربيعة وشيبة بن ربيعة وَأُمَيَّةَ بْنَ [(١)] خَلَفٍ.
وأَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأَدِيبُ، قَالَ: أخبرنا أبو بكر
_________________
(١) [(١)] انظر الحاشية (٣) .
[ ٢ / ٥٦٥ ]
الْإِسْمَاعِيلِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ [(٢)]، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: يَرْفَعُ عَقِيرَتَهُ وَزَادَ: كَمَا أَخْرَجُونَا إِلَى أَرْضِ الْوَبَاءِ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌ «اللهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ، اللهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا وَفِي مُدِّنَا وَصَحِّحْهَا لَنَا، وَانْقُلْ حُمَّاهَا إِلَى الْجُحْفَةِ، قَالَتْ: وَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ وَهِيَ أَوْبَأُ أَرْضِ اللهِ، قَالَتْ: فَكَانَ بُطْحَانُ يَجْرِي نَجْلًا تَعْنِي وَادِيًا بِالْمَدِينَةِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ [(٣)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو ذَرٍّ: عَبْدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْهَرَوِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ زَكَرِيَّا، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِدْرِيسَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: «لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﵌ الْمَدِينَةَ اشْتَكَى أَصْحَابُهُ، وَاشْتَكَى أَبُو بَكْرٍ، وَعَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، وَبِلَالٌ، فَاسْتَأْذَنَتْ عَائِشَةُ [﵂] [(٤)] رَسُولَ اللهِ ﵌ فِي عِيَادَتِهِمْ، فَأَذِنَ لَهَا، وَكَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ الْحِجَابُ، فَقَالَتْ لِأَبِي بَكْرٍ: كَيْفَ تَجِدُكَ؟ فقال:
كُلُّ امْرِئٍ مُصَبَّحٌ فِي أَهْلِهِ وَالْمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ
وَسَأَلَتْ عَامِرَ بْنُ فُهَيْرَةَ فَقَالَ:
إِنِّي وَجَدْتُ الْمَوْتَ قَبْلَ ذَوْقِهِ [(٥)] إِنَّ الْجَبَانَ حَتْفُهُ من فوقه
_________________
(١) [(٢)] في (ح) «حدثنا ابو سلمة، أخبرني اسامة» . [(٣)] صحيح البخاري (٣: ٥٥) . [(٤)] الزيادة من (ص) . [(٥)] في رواية: «لقد وجدت»، وفي رواية اخرى: «قد ذقت طعم الموت قبل ذوقه» .
[ ٢ / ٥٦٦ ]
وسألت بلالا، فقال:
أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً بِفَخٍّ [(٦)] وَحَوْلِي إِذْخِرٌ وَجَلِيلُ
فَأَتَتْ رَسُولَ اللهِ ﵌ فَأَخْبَرَتْهُ بِقَوْلِهِمْ فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ قَالَ اللهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَمَا حَبَّبْتَ إِلَيْنَا مَكَّةَ وَأَشَدَّ. اللهُمَّ بَارِكْ فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا [(٧)] وَانْقُلْ وَبَاهَا إِلَى مَهْيَعَةَ» وَهِيَ الْجُحْفَةُ كَمَا زَعَمُوا [(٨)] .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ وَأَبُو سعيد بن أَبِي عَمْرٍو، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﵌ الْمَدِينَةَ وَهِيَ أَوْبَأُ أَرْضِ اللهِ وَوَادِيهَا بُطْحَانُ نَجْلٌ [(٩)] يَجْرِي عَلَيْهِ الْأَثْلُ.
قَالَ هِشَامٌ: وَكَانَ وَبَاؤُهَا مَعْرُوفًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانَ إِذَا كَانَ الْوَادِي وَبِيئًا فَأَشْرَفَ عَلَيْهِ إِنْسَانٌ قِيلَ لَهُ انْهَقْ كَنَهِيقِ الْحِمَارِ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَضُرَّهُ وَبَاءُ ذَلِكَ الْوَادِي، وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ حِينَ أشرف على المدينة.
لَعَمْرِي لَئِنْ عَشَّرْتُ مِنْ خِيفَةِ الرَّدَى نَهِيقَ الْحِمَارِ إِنَّنِي لَجَزُوعُ [(١٠)]
قَالَتْ عَائِشَةُ فَاشْتَكَى أَبُو بَكْرٍ وَبِلَالٌ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللهِ ﵌ مَا بِأَصْحَابِهِ دَعَا اللهَ فَذَكَرَهُ وَقَالَ فِيهِ: وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِهَا ومدّها» .
_________________
(١) [(٦)] وفي رواية: «بواد» . [(٧)] (ص): «صاعنا ومدّنا» . [(٨)] صحيح البخاري (٥: ١٦٨) و(٣: ٥٦) . [(٩)] استنجل الموضع إذا كثر به النجل وهو الماء يظهر من الأرض. [(١٠)] البداية والنهاية (٣: ٢٢٣) .
[ ٢ / ٥٦٧ ]
وأخبرنا أبو الحسن الْمَقْرِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ هشام ابن عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «قَدِمَ رَسُولُ الله ﵌ الْمَدِينَةَ وَهِيَ وَبِئَةٌ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ،
وَقَالَ: قَالَ هِشَامٌ: فَكَانَ الْمَوْلُودُ يُولَدُ بِالْجُحْفَةِ فَلَا يَبْلُغُ الْحُلُمَ حَتَّى تَصْرَعَهُ الْحُمَّى» [(١١)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْمُقْرِئُ الإسفرائني بِهَا، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى [بْنُ عُقْبَةَ] [(١٢)] حدثني سالم ابن عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، فِي رُؤْيَا النَّبِيِّ ﵌ فِي الْمَدِينَةِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌ «رَأَيْتُ امْرَأَةً سَوْدَاءَ ثَائِرَةَ الرَّأْسِ، خَرَجَتْ مِنَ الْمَدِينَةِ حَتَّى نَزَلَتْ مَهْيَعَةَ فَأَوَّلْتُهَا أَنَّ وَبَاءَ الْمَدِينَةِ، نُقِلَ إِلَى مَهْيَعَةَ، وَهِيَ الْجُحْفَةُ» .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ مُحَمَّدِ [(١٣)] بْنِ أَبِي بَكْرٍ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ [(١٤)]، قَالَ: «قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﵌ الْمَدِينَةَ وَهِيَ أَوْبَأُ أَرْضِ اللهِ مِنَ الْحُمَّى، فَأَصَابَ أَصْحَابَهُ مِنْهَا بَلَاءٌ وَسَقَمٌ، حَتَّى أَجْهَدَهُمْ ذَلِكَ وَصَرَفَ اللهُ ذَلِكَ عَنْ نَبِيِّهِ ﵇» [(١٥)] .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ أَخْبَرَنَا الحسن
_________________
(١) [(١١)] نقله الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية» (٣: ٢٢٣)، عن المصنف. [(١٢)] ليست في (ح) . [(١٣)] الصحيح (٢: ٣٧) . [(١٤)] سيرة ابن هشام (٢: ٢٢٢) . [(١٥)] في (ص) و(هـ): «﵌» .
[ ٢ / ٥٦٨ ]
ابْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا [(١٦)] عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: وَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ وَهِيَ وَبِيئَةٌ [(١٧)] فَاشْتَكَى أَبُو بَكْرٍ، وَاشْتَكَى بِلَالٌ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللهِ ﵌ شَكْوَى أَصْحَابِهِ، قَالَ: اللهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَمَا حَبَّبْتَ مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ، وَصَحِّحْهَا وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا وَحَوِّلْ حُمَّاهَا إِلَى الْجُحْفَةِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي [(١٨)] شَيْبَةَ.
أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ الْفَقِيهُ، وَأَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، وَأَبُو زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، وَأَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي عَمْرٍو، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ صَالِحِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ [(١٩)] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ قَالَ لَا يَصْبِرُ عَلَى لَأْوَاءِ الْمَدِينَةِ وَجَهْدِهَا أَحَدٌ إِلَّا كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا أَوْ شَهِيدًا.
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ [(٢٠)] فِي الصَّحِيحِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ هِشَامٍ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو النَّصْرِ الْفَقِيهُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ، وَالْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، [قَالَا: أَخْبَرَنَا] [(٢١)] أَبُو كَامِلٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﵌ أَنَّهُ قَالَ:
«إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَحَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ، كَمَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مكة، ودعوت
_________________
(١) [(١٦)] (ح): «حدثنا»، (ص): «قال حدثنا»، و«قال أخبرنا» وهكذا في الخبر كله. [(١٧)] ح: «وبية» . [(١٨)] صحيح مسلم بشرح النووي (٩: ١٤٥- ١٤٦) . [(١٩)] (ص) و(هـ): العبارة اضطربت من الناسخ، فكتب: «السمان، يحدث عن أبي صالح» . [(٢٠)] في: ١٥- كتاب الحج، (٨٦) باب الترغيب في سكنى المدينة، والصبر على لأوائها، الحديث (٤٨٨)، صفحة (٢: ١٠٠٥) . [(٢١)] في (ح): «أخبرنا» .
[ ٢ / ٥٦٩ ]
لَهَا فِي مُدِّهَا وَصَاعِهَا بِمِثْلَيْ مَا دَعَا إِبْرَاهِيمُ لِمَكَّةَ» .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ [(٢٢)] عَنْ أَبِي كَامِلٍ.
وَأَخْرَجَاهُ [(٢٣)] مِنْ حَدِيثِ وُهَيْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى.
وَسَائِرُ الْأَحَادِيثِ فِي هَذَا الْمَعْنَى مُخَرَّجَةٌ فِي كِتَابِ الْحَجِّ مِنْ كِتَابِ السُّنَنِ [(٢٤)] .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا [(٢٥)] أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَحْبُوبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى قَالَ: أَخْبَرَنَا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ الْقَرَّاظِ، قَالَ سَمِعْتُهُ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ وَسَعْدًا يَقُولَانِ: «قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: اللهُمَّ بَارِكْ لِأُمَّتِي فِي مُدِّهِمْ، وَبَارِكْ لَهُمْ فِي صَاعِهِمْ، وَبَارِكْ لَهُمْ فِي مَدِينَتِهِمْ، اللهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ عَبْدُكَ وَخَلِيلُكَ، وَإِنِّي عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ، وَإِنَّ إِبْرَاهِيمَ سَأَلَكَ لِمَكَّةَ، وَإِنِّي أَسْأَلُكَ لِلْمَدِينَةِ مِثْلَ مَا سَأَلَكَ إِبْرَاهِيمُ لِمَكَّةَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، إِنَّ الْمَدِينَةَ مُشَبَّكَةٌ بِالْمَلَائِكَةِ عَلَى كُلِّ نَقْبٍ مِنْهَا مَلَائِكَةٌ يَحْرُسُونَهَا لَا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ وَلَا الدَّجَّالُ مَنْ أَرَادَ أَهْلَهَا بِسُوءٍ أَذَابَهُ اللهُ ﷿ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ» .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ [(٢٦)] عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مُوسَى.
_________________
(١) [(٢٢)] أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي المناسك، (٨٥) باب فضل المدينة، الحديث (٤٥٤): ص (٢: ٩٩١) . [(٢٣)] البخاري في البيوع، أول باب بركة صاع النبي ﵌، ومسلم: في مناسك الحج، (٨٥) باب فضل المدينة، ص (٢: ٩٩١) . [(٢٤)] (٤: ٣٢٥) السنن الكبرى للمصنف. [(٢٥)] ص: «قال أخبرنا» وكذا في سائر الحديث، اما في (ح) و(هـ): «أخبرنا» فقط. [(٢٦)] أخرجه مسلم في: ١٥- كتاب الحج، (٨٩) باب من أراد اهل المدينة بسوء اذابه الله، الحديث (٤٩٥)، ص (٢: ١٠٠٨) .
[ ٢ / ٥٧٠ ]
بَابُ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ إِلَى الْكَعْبَةِ
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ بِبَغْدَادَ، قَالَ أَخْبَرَنَا [(١)] عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ دُرُسْتَوَيْهِ قَالَ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاءٍ (ح) . وَأَخْبَرَنَا أَبُو نَضْرٍ [(٢)] عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو خَلِيفَةَ: الْفَضْلُ بْنُ حُبَابٍ الْجُمَحِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاءٍ الْغُدَانِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: اشْتَرَى أَبُو بَكْرٍ مِنْ عَازِبٍ رَحْلًا فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي هِجْرَةِ النَّبِيِّ ﵌ إِلَى الْمَدِينَةِ وَنُزُولِهِ حَيْثُ أَمَرَ، قَالَ: «وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﵌ قَدْ صَلَّى نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﵌ يُحِبُّ أَنْ يُوَجَّهَ نَحْوَ الْكَعْبَةِ، فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [(٣)] .
قَالَ فَوُجِّهَ نَحْوَ الْكَعْبَةِ قَالَ: وَقَالَ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ وَهُمُ الْيَهُودُ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عليها فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿:
_________________
(١) [(١)] كذا في (ص)، وفي (ح) و(هـ): «أخبرنا» وكذا في سائر الخبر. [(٢)] (هـ): «أبو نصر» . [(٣)] الآية الكريمة (١٤٤) من سورة البقرة.
[ ٢ / ٥٧١ ]
قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [(٤)] .
قَالَ: وصَلَّى مَعَ رَسُولِ اللهِ ﵌ رَجُلٌ، فَخَرَجَ بَعْدَ مَا صَلَّى فَمَرَّ عَلَى قَوْمٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَهُمْ رُكُوعٌ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَقَالَ: هُوَ يَشْهَدُ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللهِ ﵌ وَأَنَّهُ قَدْ وُجِّهَ نَحْوَ الْكَعْبَةِ، فَانْحَرَفَ الْقَوْمُ حَتَّى تَوَجَّهُوا نَحْوَ الْكَعْبَةِ» .
لَفْظُ حَدِيثِهِمَا سَوَاءٌ إِلَّا أَنَّ فِيَ رِوَايَةِ الْقَطَّانِ: فَتَحَرَّفَ الْقَوْمُ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَجَاءٍ [(٥)] .
وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ عَنْ إِسْرَائِيلَ [(٦)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا السَّرِيُّ بْنُ خُزَيْمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: «بَيْنَمَا النَّاسُ بِقُبَاءٍ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﵌ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ، فَاسْتَقْبَلُوهَا وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّامِ، فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةَ» .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُوسُفَ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ قُتَيْبَةَ كلاهما عن مالك [(٧)] .
_________________
(١) [(٤)] الآية الكريمة (١٤٢) من سورة البقرة. [(٥)] البخاري في: ٨- كتاب الصلاة (٣١) باب التوجه نحو القبلة، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ رجاء. [(٦)] أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ بن عازب، صحيح مسلم في: ٥- كتاب المساجد، ومواضع الصلاة (٢) باب تحويل القبلة من القدس الى الكعبة، الحديث (١١) وحديث (١٣) . ص (١: ٣٧٤) . [(٧)] الحديث في البخاري، في: ٨- كتاب الصلاة، (٣٢) بَابُ مَا جَاءَ فِي القبلة، وفي مسلم في: ٥-
[ ٢ / ٥٧٢ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، قَالَ:
حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: «قِيلَ هَذَا لِلَّذِينَ مَاتُوا قَبْلَ أَنْ يُحَوَّلَ إِلَى الْقِبْلَةِ وَرِجَالٌ قُتِلُوا فَلَمْ نَدْرِ مَا نَقُولُ فِيهِمْ فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿: وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ [(٨)]» .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ [(٩)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ [عَنْ مَالِكٍ] [(١٠)] عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ «صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﵌ بَعْدَ أَنْ قَدِمَ الْمَدِينَةَ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، ثُمَّ حُوِّلَتْ إِلَى الْكَعْبَةِ قَبْلَ بَدْرٍ بِشَهْرَيْنِ» .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ «صُرِفَتِ الْقِبْلَةُ عَلَى رَأْسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا مِنْ مَقْدَمِ النبي ﵌ الْمَدِينَةَ وَذَلِكَ قَبْلَ بدر بشهرين» [(١١)] .
_________________
(١) [()] كتاب المساجد (٢) باب تحويل القبلة من القدس الى الكعبة، حديث (١٣) . والحديث رواه الشافعي في الرسالة، فقرة (٣٦٥) ط. أحمد شاكر، وأخرجه مالك في الموطأ، في:
(٢) كتاب القبلة، (٤) بَابُ مَا جَاءَ فِي القبلة، حديث (٦)، ص (١: ١٩٥) . [(٨)] الآية الكريمة (١٤٣) من سورة البقرة. [(٩)] تابع للحديث السابق المخرج بالحاشية (٥) من هذا الباب. [(١٠)] ليست في (ح) . [(١١)] أخرجه مالك في: ١٤- كتاب القبلة، (٢٤) بَابُ مَا جَاءَ فِي القبلة، الحديث (٧)، ص (١: ١٩٦)، وقال ابن عبد البر في التمهيد: «أرسله في الموطأ، وقد جاء معناه مسندا من حديث البراء» .
[ ٢ / ٥٧٣ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، وأَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، قَالَا:
حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ:
سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، يَقُولُ: «صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﵌ بَعْدَ مَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا ثُمَّ حُوِّلَ بَعْدَ ذَلِكَ قِبَلَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ قَبْلَ بَدْرٍ بِشَهْرَيْنِ» [(١٢)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَتَّابٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ عَمِّهِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، أَظُنُّهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: «وَصُرِفَتِ الْقِبْلَةُ نَحْوَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فِي رَجَبٍ عَلَى رَأْسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا مِنْ مَخْرَجِ رَسُولِ اللهِ ﵌ مِنْ مَكَّةَ وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﵌ يُقَلِّبُ وَجْهَهُ فِي السَّمَاءِ وَهُوَ يُصَلِّي نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ،
فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿ حِينَ وَجَّهَهُ إِلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ: سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها، قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [(١٣)] وَمَا بَعْدَهَا، مِنَ الْآيَاتِ، فَأَنْشَأَتِ الْيَهُودُ، تَقُولُ: قَدِ اشْتَاقَ الرَّجُلُ إِلَى بَلَدِهِ، وَبَيْتِ أَبِيهِ، وَمَا لَهُمْ، حَتَّى تَرَكُوا قِبْلَتَهُمْ يُصَلُّونَ مَرَّةً وَجْهًا وَمَرَّةً وَجْهًا آخَرَ.
وَقَالَ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﵌: فَكَيْفَ بِمَنْ مَاتَ مِنَّا وَهُوَ يُصَلِّي قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ؟ فَفَرِحَ بِذَلِكَ الْمُشْرِكُونَ، وَقَالُوا: إِنَّ مُحَمَّدًا قَدِ الْتَبَسَ عَلَيْهِ أَمْرُهُ، وَيُوشِكُ أَنْ يَكُونَ عَلَى دِينِكُمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿ في هؤلاء
_________________
(١) [()] فأخرجه البخاري في: ٨- كتاب الصلاة، (٣١) باب التوجه نحو القبلة حيث كان، ومسلم في:
(٢) كتاب المساجد ومواضع الصلاة، (٢) باب تحويل القبلة من القدس الى الكعبة، الحديث (١٢)، ورواه الشافعي في الرسالة، فقرة (٣٦٦) . [(١٢)] راجع الحاشية السابقة. [(١٣)] البقرة الآية (١٤٢)، وما بعدها.
[ ٢ / ٥٧٤ ]
تِلْكَ الْآيَاتِ الَّتِي ذَكَرَ فِيهَا قَوْلَ السُّفَهَاءِ: وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ولِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ» [(١٤)]» .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ:
حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، أَوْ عِكْرِمَةُ شَكَّ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «صُرِفَتِ الْقِبْلَةُ عَنِ الشَّامِ إِلَى الْكَعْبَةِ فِي رَجَبٍ عَلَى رَأْسِ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، مِنْ مَقْدَمِ رَسُولِ اللهِ ﵌ الْمَدِينَةَ، فَأَتَى رَسُولُ اللهِ ﵌ رِفَاعَةُ بْنُ قَيْسٍ وَقُرْدُمُ [(١٥)] بْنُ عَمْرٍو وَكَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ، وَنَافِعُ بْنُ أَبِي نَافِعٍ، وَالْحَجَّاجُ بْنُ عَمْرٍو حَلِيفُ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ، وَالرَّبِيعُ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ، وَكِنَانَةُ بْنُ أَبِي الْحُقَيْقِ، فَقَالَ لَهُ: يَا مُحَمَّدُ! مَا وَلَّاكَ عَنْ قِبْلَتِكَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا وَأَنْتَ تَزْعُمُ أَنَّكَ عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَدِينِهِ؟ ارْجِعْ إِلَى قِبْلَتَكَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا نَتَّبِعْكَ، وَنُصَدِّقْكَ، وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ فِتْنَتَهُ عَنْ دِينِهِ، فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿ فِيهِمْ: سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها- إِلَى قَوْلِهِ- إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ- أَيِ ابْتِلَاءً وَاخْتِبَارًا- وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ، يَقُولُ صَلَاتَكُمْ بِالْقِبْلَةِ الْأُولَى وَتَصْدِيقَكُمْ نَبِيَّكُمْ وَاتِّبَاعَكُمْ إِيَّاهُ إِلَى الْقِبْلَةِ الْآخِرَةِ أَيْ لِيُعْطِيَكُمْ أَجْرَهُمَا جَمِيعًا- إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ ثُمَّ قَالَ: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ- إِلَى قَوْلِهِ- فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [(١٦)] .
_________________
(١) [(١٤)] [البقرة- ١٤٣] . [(١٥)] (ص): «قرذوم»، سيرة ابن هشام: «فردم» . [(١٦)] الخبر في سيرة ابن هشام (٢: ١٧٦- ١٧٧)، وفيه الآيات من (١٤٢- ١٤٧) من سورة البقرة.
[ ٢ / ٥٧٥ ]
بَابُ مُبْتَدَأِ الْإِذْعَانِ بِالْقِتَالِ وَمَا وَرَدَ بَعْدَهُ فِي نَسْخِ الْعَفْوِ عَنِ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ بِفَرْضِ الْجِهَادِ
أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّه بْنُ يَحْيَى [(١)] بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ السُّكَّرِيُّ بِبَغْدَادَ، قَالَ أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ، قَالَ، حَدَّثَنَا [(٢)] أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ أَخْبَرَهُ.
(ح) وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ جَعْفَرِ بْنِ دُرُسْتَوَيْهِ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ (ح) .
وأَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ: مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ الْفَضْلِ: قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّه الْمُزَنِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، قَالَ:
أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بِشْرٍ: شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ، أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، أَخْبَرَهُ.
«أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﵌ رَكِبَ حِمَارًا عَلَيْهِ إِكَافٌ [(٣)] عَلَى قَطِيفَةٍ فَدَكِيَّةٍ [(٤)] وأردف
_________________
(١) [(١)] (ح): عَبْدِ اللَّه مُحَمَّدُ بْنُ يحيى. [(٢)] كذا في (ص)، وفي (ح) و(هـ): «حدثنا» وهكذا في سائر الخبر. [(٣)] (إكاف) هو للحمار بمنزلة السرج للفرس. [(٤)] (قطيفة فدكية) دثار مخمل منسوب الى فدك، بلدة معروفة على مرحلتين أَوْ ثَلَاثٍ مِنَ الْمَدِينَةِ.
[ ٢ / ٥٧٦ ]
أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ وَرَاءَهُ يَعُودُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ فِي بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ [(٥)]، حَتَّى مَرَّ بِمَجْلِسٍ فِيهِ عَبْدُ اللَّه بْنُ أبي بن سَلُولَ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ عَبْدُ اللَّه بْنُ أُبَيٍّ، فَإِذَا فِي الْمَجْلِسِ أَخْلَاطٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَمِنَ الْمُشْرِكِينَ عَبْدَةِ الْأَوْثَانِ، وَالْيَهُودِ، وَفِي الْمُسْلِمِينَ عَبْدُ اللَّه بْنُ رَوَاحَةَ، فَلَمَّا غَشِيَتِ الْمَجْلِسَ عَجَاجَةُ الدَّابَّةِ [(٦)]، خَمَّرَ [(٧)] ابْنُ أُبَيٍّ أَنْفَهُ بِرِدَائِهِ، ثُمَّ قَالَ: لَا تُغَبِّرُوا عَلَيْنَا.
فَسَلَّمَ رَسُولُ اللَّه ﵌، ثُمَّ وَقَفَ فَنَزَلَ فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّه ﷿، وَقَرَأَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّه بْنُ أُبَيٍّ بن سَلُولَ: أَيُّهَا الْمَرْءُ إِنَّهُ لَا أَحْسَنَ مِمَّا تَقُولُ إِنْ كَانَ حَقًّا، فَلَا تُؤْذِنَا [(٨)] بِهِ فِي مَجَالِسِنَا ارْجِعْ إِلَى رَحْلِكَ فَمَنْ جَاءَكَ فَاقْصُصْ عَلَيْهِ.
فَقَالَ عَبْدُ اللَّه بْنُ رَوَاحَةَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّه، فَاغْشَنَا بِهِ فِي مَجَالِسِنَا، فَإِنَّا نُحِبُّ ذَلِكَ، وَاسْتَبَّ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَالْيَهُودُ، حَتَّى كَادُوا يَتَثَاوَرُونَ [(٩)]، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّه ﵌ يُخَفِّضُهُمْ حَتَّى سَكَتُوا، ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّه ﵌ دَابَّتَهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّه ﵌: «أَيَا سَعْدُ أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالَ أَبُو حُبَابٍ يُرِيدُ عَبْدَ اللَّه بْنَ أُبَيٍّ؟» قَالَ: كَذَا وَكَذَا، قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: يَا رَسُولَ اللَّه اعف عنه واصفح، فو الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ لَقَدْ جَاءَ اللَّه بِالْحَقِّ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ، وَلَقَدِ اصْطَلَحَ أَهْلُ هَذِهِ الْبُحَيْرَةِ [(١٠)] عَلَى أَنْ يُتَوِّجُوهُ فَيُعَصِّبُوهُ بِالْعِصَابَةِ فَلَمَّا رَدَّ اللَّه بِالْحَقِّ الَّذِي أَعْطَاكَ شَرِقَ [(١١)] بِذَلِكَ فَذَلِكَ الَّذِي فَعَلَ بِهِ ما
_________________
(١) [(٥)] في مسلم: «وذاك قبل وقعة بدر» . [(٦)] (عجاجة الدابة): ما ارتفع من غبار حوافرها. [(٧)] (خمّر انفه): «غطاه» . [(٨)] (ص) و(هـ): «تؤذينا» . [(٩)] مسلم: «يتواثبوا» . [(١٠)] القرية ويريد هنا مدينة النبي ﵌. [(١١)] (شرق بذلك) أي: غصّى حسدا لِلنَّبِيِّ ﵌.
[ ٢ / ٥٧٧ ]
رَأَيْتَ، فَعَفَا عَنْهُ رَسُولُ اللَّه ﵌ وَكَانَ وَأَصْحَابُهُ يَعْفُونَ عَنِ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ كَمَا أَمَرَهُ اللَّه ﷿، وَيَصْبِرُونَ عَلَى الْأَذَى.
قَالَ اللَّه ﷿: وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [(١٢)] .
وَقَالَ ﷿ [(١٣)]: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [(١٤)] .
وَكَانَ رَسُولُ اللَّه ﵌ يَتَأَوَّلُ فِي الْعَفْوِ مَا أَمَرَهُ اللَّه ﷿ بِهِ حَتَّى إِذَا أَذِنَ اللَّه فِيهِمْ، فَلَمَّا غَزَا رَسُولُ اللَّه ﵌ بَدْرًا وَقَتَلَ اللَّه بِهِ مَنْ قَتَلَ مِنْ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ، قَالَ ابْنُ أبيّ بن سَلُولَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ عَبْدَةِ الْأَوْثَانِ: هَذَا أَمْرٌ قَدْ تَوَجَّهَ، فَبَايَعُوا رَسُولَ اللَّه ﵌ عَلَى الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمُوا» .
هَذَا لَفْظُ حَدِيثِ أَبِي الْيَمَانِ عَنْ شُعَيْبٍ وَانْتَهَى حَدِيثُ مَعْمَرٍ عِنْدَ قَوْلِهِ:
«فَعَفَا عَنْهُ النَّبِيُّ ﵌» .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي الْيَمَانِ [(١٥)] .
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ إِسْحَاقَ [(١٦)] وَعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ عبد الرزاق.
_________________
(١) [(١٢)] الآية الكريمة (١٨٦) من سورة آل عمران. [(١٣)] (ح): «قال اللَّه تعالى» . [(١٤)] الآية الكريمة (١٠٩) من سورة البقرة. [(١٥)] عن أبي اليمان، أخرجه البخاري في: ٧٨- كتاب الأدب (١١٥) باب كنية المشرك وفي تفسير سورة آل عمران، وقد أخرجه البخاري أيضا في الجهاد، وفي اللباس، عن قتيبة، عن ابي صفوان، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ. [(١٦)] صحيح مسلم: ٣٢- كتاب الجهاد والسير، (٤٠) باب فِي دُعَاءِ النَّبِيِّ ﵌ وصبره على أذى المنافقين،
[ ٢ / ٥٧٨ ]
وَأَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ عُقَيْلٍ، وَغَيْرِهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ [(١٧)] وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّه مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّه الصَّفَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مِهْرَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا [(١٨)]: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ [(١٩)] قَالَ: هِيَ أَوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ [(٢٠)] فِي الْقِتَالِ» [(٢١)] .
أَخْبَرَنَا أبو عبد اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا، قَالَ: خَرَجَ نَاسٌ مُؤْمِنُونَ مُهَاجِرِينَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَأَتْبَعَهُمْ كُفَّارُ قُرَيْشٍ، فَأَذِنَ اللَّه لَهُمْ فِي قِتَالِهِمْ فَأَنْزَلَ اللَّه ﷿ [(٢٢)] هَذِهِ الْآيَةَ، فَقَاتَلُوهُمْ.
_________________
(١) [()] الحديث (١١٦)، ص (٣: ١٤٢٢) . [(١٧)] من حديث عقيل البخاري من كتاب المرضى، (باب) عيادة المريض: راكبا وماشيا وردفا على الحمار، ومسلم في: ٣٢- كتاب الجهاد، والسير، (٤٠) باب من دُعَاءِ النَّبِيِّ ﵌، وصبره على أذى المنافقين، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ، عن حجين، عَنِ اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ الزهري، صفحة (٣: ١٤٢٤) . [(١٨)] في (ص): «يقرأ» . [(١٩)] الآية الكريمة (٣٩) من سورة الحج. [(٢٠)] تفسير القرطبي (١٢: ٦٨)، وقال: روي عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مرسلا. [(٢١)] بعد هذه الفقرة ورد في نسختي (ح)، و(هـ): «بَابُ ذِكْرِ الْعَقَبَةِ الْأُولَى، وَمَا جَاءَ فِي بَيْعَةِ مَنْ حَضَرَ الْمَوْسِمَ مِنَ الْأَنْصَارِ رَسُولَ اللَّه ﵌ عَلَى الْإِسْلَامِ» ثُمَّ ساقا الأخبار التي سبق أن وردت تحت هذا الباب وهذا التكرار لم يحدث في نسخة (ص)، وقد استمر التكرار متوازيا في النسختين معا، وواضح أنه في بيعة العقبة، ثم يأتي الحديث على الإذن بالقتال وهو متواصل مع الباب. [(٢٢)] ليست في (ص)، ولا في (هـ) .
[ ٢ / ٥٧٩ ]
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّه الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو يَحْيَى أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ السَّمَرْقَنْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّه، قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّه وَهُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، وَهُوَ ابْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ «أَوَّلُ آيَةٍ أُنْزِلَتْ فِي الْقِتَالِ: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ: وَكَانُوا فِي أَوَّلِ مَا أَذِنَ اللَّه ﷿ [(٢٣)] لَهُمْ فِي الْقِتَالِ لَمْ يؤمروا بأن يبتدءوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً بِالْقِتَالِ بَلْ إِنَّمَا أُمِرُوا أَنْ يُقَاتِلُوا مَنْ قَاتَلَهُمْ خَاصَّةً، وَمَنْ ظَلَمَهُمْ، وَأَخْرَجَهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ عَلَى مَا ذَكَرَ اللَّه ﷿ فِي الْآيَةِ الَّتِي أَذِنَ فِيهَا بِالْقِتَالِ، وَقَالَ ﷿: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا- يَعْنِي فِي قِتَالِهِمْ فَتُقَاتِلُوا غَيْرَ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ- إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ، وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ- إِلَى قَوْلِهِ- فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ [(٢٤)]، فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﵌ وَحَوْلَهَا مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَأَهْلِ الْكِتَابِ جَمَاعَاتٍ لَمْ يُقَاتِلْ أَحَدًا مِنْهُمْ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُمْ بِحَرْبٍ وَكَانَ يَتَعَرَّضُ لِقُرَيْشٍ خَاصَّةً وَيَقْصِدُهُمْ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه إِنَّمَا أَمَرَهُمْ بِقِتَالِ الَّذِينَ ظَلَمُوهُمْ وَأَخْرَجُوهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ. وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ أَيْضًا بِالْمَدِينَةِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ يُؤْذُونَهُ وَأَصْحَابَهُ فَنَدَبَهُمُ اللَّه ﷿ إِلَى الصَّبْرِ عَلَى أَذَاهُمْ وَالْعَفْوِ عَنْهُمْ، فَقَالَ: وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيرًا. وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [(٢٥)] .
وَقَالَ: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ- إِلَى قَوْلِهِ- حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ [(٢٦)] .
_________________
(١) [(٢٣)] الزيادة من (ص) و(هـ) . [(٢٤)] [١٩٠- البقرة]، وما بعدها. [(٢٥)] [١٨٦- آل عمران] . [(٢٦)] [١٠٩- البقرة] .
[ ٢ / ٥٨٠ ]
وَكَانَ رُبَّمَا أَمَرَ بِقَتْلِ الْوَاحِدِ بَعْدَ الْوَاحِدِ مِمَّنْ قَصَدَ إِلَى أَذَاهُ إِذَا ظَهَرَ ذَلِكَ وَأَلَّبَ عَلَيْهِ» .
وأَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي عَمْرٍو قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ قَالَ:
أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ «أَذِنَ اللَّه ﷿ بأن يبتدءوا الْمُشْرِكِينَ بِقِتَالٍ فَقَالَ: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا الْآيَةَ، وَأَبَاحَ لَهُمُ الْقِتَالَ بِمَعْنَى أَبَانَهُ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ، وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ- إِلَى- وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ. فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ يُقَالُ نَزَلَ هَذَا فِي أَهْلِ مَكَّةَ وَهُمْ كَانُوا أَشَدَّ الْعَدُوِّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَفُرِضَ عَلَيْهِمْ فِي قِتَالِهِمْ مَا ذَكَرَ اللَّه ثُمَّ يُقَالُ: نُسِخَ هَذَا كُلُّهُ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْقِتَالِ، حَتَّى يُقَاتَلُوا، أَوِ النَّهْيُ عَنِ الْقِتَالِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ بِقَوْلِ اللَّه ﷿: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ [(٢٧)] وَنُزُولُ هَذِهِ الْآيَةِ بَعْدَ فَرْضِ الْجِهَادِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَلَمَّا مَضَتْ لِرَسُولِ اللَّه ﵌ مُدَّةٌ مِنْ هِجْرَتِهِ أَنْعَمَ اللَّه تَعَالَى فِيهَا عَلَى جَمَاعَاتٍ بِاتِّبَاعِهِ، حَدَثَتْ لَهُمْ بِهَا مَعَ عَوْنِ اللَّه ﷿ قُوَّةٌ بِالْعَدَدِ لَمْ يَكُنْ قَبْلَهَا فَفَرَضَ اللَّه ﷿ عَلَيْهِمُ الْجِهَادَ بَعْدَ أَنْ كَانَ إِبَاحَةً لَا فَرْضًا فَقَالَ ﵎: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ الْآيَةَ [(٢٨)] .
وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
_________________
(١) [(٢٧)] [١٩٣- البقرة] . [(٢٨)] [٢١٦- البقرة] .
[ ٢ / ٥٨١ ]
الْآيَةَ [(٢٩)]، وَذَكَرَ سَائِرَ الْآيَاتِ فِي فَرْضِ الْجِهَادِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمُزَكِّي، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدُوسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ صَالِحٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَوْلُهُ: وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ [(٣٠)]، وَقَوْلُهُ: فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ [(٣١)] وَنَحْوَ هَذَا فِي الْعَفْوِ عَنِ الْمُشْرِكِينَ، نُسِخَ ذَلِكَ كله بقوله:
فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [(٣٢)]، وَقَوْلِهِ: قاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ- إِلَى قَوْلِهِ- وَهُمْ صاغِرُونَ [(٣٣)] فَنُسِخَ هَذَا الْعَفْوَ عَنِ الْمُشْرِكِينَ وَقَوْلِهِ: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ [(٣٤)] يَعْنِي لَا يَكُونُ شِرْكٌ.
_________________
(١) [(٢٩)] [التوبة- ١١١]، وفي الرسالة للشافعي ساق الخبر ص (٣٦١) . [(٣٠)] [الحجر- ٩٤] . [(٣١)] [البقرة- ١٠٩] . [(٣٢)] [التوبة- ٥] . [(٣٣)] [التوبة- ٢٩] . [(٣٤)] [البقرة- ١٩٣]، وانظر الرسالة للإمام الشافعي صفحة (٣٦١) إلى (٣٦٣) .
[ ٢ / ٥٨٢ ]