الجزء الرابع
السفر الرابع من دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة
تكملة أبواب جمّاع الغزوات
غزوة بني المصطلق حديث الإفك جُمَّاعُ أَبْوَابِ عُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ جُمَّاعُ أَبْوَابِ غَزْوَةِ خَيْبَرَ جماع أبواب السرايا جماع أبواب عمرة القضاء.
[ ٤ / ٣ ]
بَابُ مَرْجِعِ النَّبِيِّ ﷺ من الْأَحْزَابِ وَمَخْرَجِهِ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ
[(١)] وَمُحَاصَرَتِهِ إِيَّاهُمْ وَمَا ظَهَرَ فِي رُؤْيَةِ مَنْ رَأَى مِنَ الصَّحَابَةِ جِبْرِيلَ ﵇ فِي صُورَةِ دِحْيَةَ بْنِ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيِّ ثُمَّ فِي قَذْفِ الرُّعْبِ فِي قُلُوبِ بَنِي قُرَيْظَةَ وَإِنْزَالِهِمْ مِنْ حُصُونِهِمْ مِنْ آثَارِ النُّبُوَّةِ أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو الْبِسْطَامِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا، الْفَارَيَابِيُّ، وَعِمْرَانُ بْنُ مُوسَى، قَالَا: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ (ح) .
قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: وأَخْبَرَنَا، الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا، أَبُو بكر ابن أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الْخَنْدَقِ وَوَضَعَ السِّلَاحَ وَاغْتَسَلَ أَتَاهُ جِبْرِيلُ﵇- وَقَالَ: قَدْ وَضَعْتَ السِّلَاحَ، وَاللهِ مَا وَضَعْنَاهُ، فَاخْرُجْ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: فَأَيْنَ؟ قَالَ: ها هنا، وَأَشَارَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَيْهِمْ.
_________________
(١) [(١)] انظر في أخبار هذه الغزوة: مغازي الواقدي (٢: ٤٩٦)، سيرة ابن هشام (٣: ١٨٧)، طبقات ابن سعد (٢: ٧٤)، انساب الأشراف (١: ١٦٧)، صحيح البخاري (٥: ١١١)، تاريخ الطبري (٢: ٥٨١)، ابن حزم (١٩١)، البداية والنهاية (٤: ١١٦)، عيون الأثر (٢: ٩٤)، نهاية الأرب للنويري (١٧: ١٨٦)، السيرة الحلبية (٢: ٤٢٧)، والسيرة الشامية (٥: ٧)، وشرح المواهب (٢: ١٢٦) .
[ ٤ / ٥ ]
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ومُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ [(٢)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ: أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ ابن عَبْدُوسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ: أَنَّ جَرِيرَ بْنَ حَازِمٍ حَدَّثَهُمْ، قَالَ: حَدَّثَنَا، حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى الْغُبَارِ سَاطِعًا مِنْ سِكَّةِ بَنِي غَنْمٍ مَوْكِبَ جِبْرِيلَ ﵇، حِينَ سَارَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ [(٣)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّزَّازُ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُلَاعِبٍ، قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ: مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ عَنْ، نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَادَى فِيهِمْ يَوْمَ انْصَرَفَ عَنْهُمُ الْأَحْزَابُ: أَلَّا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الظُّهْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ، فَأَبْطَأَ نَاسٌ، فَتَخَوَّفُوا فَوْتَ وَقْتِ الصَّلَاةِ، يَعْنِي: فَصَلَّوْا، وَقَالَ: آخَرُونَ لَا نُصَلِّي إِلَّا حَيْثُ أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَمَا عَنَّفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَاحِدًا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ.
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحِ [(٤)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو الْأَدِيبُ. قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الإسماعيلي قال: أخبرنا
_________________
(١) [(٢)] رواه البخاري في: ٦٤- كتاب المغازي (٣٠) بَابُ مَرْجِعِ النَّبِيِّ ﷺ من الأحزاب فتح الباري (٧: ٤٠٧) . وأخرجه مسلم في: ٣٢- كتاب الجهاد والسير، (٢٢) باب جواز إخراج من نقض العهد، الحديث (٦٥)، ص (١٣٨٩) . [(٣)] الْبُخَارِيُّ، عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ في: ٦٤- كتاب المغازي، (٣٠) بَابُ مَرْجِعِ النَّبِيِّ ﷺ من الأحزاب، الحديث (٤١١٨)، فتح الباري (٧: ٤٠٧) . [(٤)] أخرجه البخاري في المغازي (٣٠) بَابُ مَرْجِعِ النَّبِيِّ ﷺ من الأحزاب، الحديث (٤١١٩)، فتح الباري (٧: ٤٠٧- ٤٠٨)، ومسلم في: ٣٢- كتاب الجهاد والسير، (٢٣) باب المبادرة بالغزو، الحديث (٦٩) ص (١٣٩١) .
[ ٤ / ٦ ]
أَبُو يَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ، يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ قَالَ: حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: نَادَى، فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ انْصَرَفَ مِنَ الْأَحْزَابِ: أَلَّا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الظُّهْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ، قَالَ: فَتَخَوَّفَ نَاسٌ فَوْتَ الْوَقْتِ، فَصَلَّوْا دُونَ قُرَيْظَةَ، وَقَالَ: الْآخَرُونَ: لَا نُصَلِّي إِلَّا حَيْثُ أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَإِنْ فَاتَنَا الْوَقْتُ، فَمَا عَنَّفَ وَاحِدًا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ.
قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: كَذَا فِي كِتَابِي «الظُّهْرُ» قُلْتُ: رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ، هَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْهُ [(٥)] .
وَقَالَ: الْعَصْرَ بَدَلَ الظُّهْرِ، وَكَذَلِكَ قَالَ أَهْلُ الْمَغَازِي: مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ، وَغَيْرُهُمَا.
أخبرنا أبو عبد الله الْحَافِظُ، وأَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي قَالَا:
حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا، مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ خُلَيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيِّ، قَالَ:
أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ [(٦)] بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ عَمَّهُ: عَبْدَ [(٧)] اللهِ بْنَ كَعْبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا رَجَعَ مِنْ طَلَبِ الْأَحْزَابِ وَضَعَ عَنْهُ اللَّأْمَةَ واغتسل، واستجمر [(٨)] فتبدّى لَهُ جِبْرِيلُ﵇- فَقَالَ: عَذِيرَكَ [(٩)] مِنْ مُحَارِبٍ أَلَا أَرَاكَ قَدْ وَضَعْتَ اللَّأْمَةَ [(١٠)] وَمَا وَضَعْنَاهَا بَعْدُ، قَالَ: فَوَثَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَزِعًا، فَعَزَمَ عَلَى النَّاسِ أَلَّا يُصَلُّوا صَلَاةَ الْعَصْرِ حَتَّى يَأْتُوا بَنِي قُرَيْظَةَ.
_________________
(١) [(٥)] انظر الحاشية السابقة. [(٦)] (ص): «عبيد»، وهو تصحيف. [(٧)] (أ): «عبد» وهو تصحيف. [(٨)] (استجمر): «تبخر» . [(٩)] (عذيرك) أي: هات من يعذرك. فعيل بمعنى فاعل. [(١٠)] (اللأمة) «الدرع»، وقيل: السلاح، ولأمة الحرب: آلته.
[ ٤ / ٧ ]
قَالَ: فَلَبِسَ النَّاسُ السِّلَاحَ، فَلَمْ يَأْتُوا بَنِي قُرَيْظَةَ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ فَاخْتَصَمَ النَّاسُ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ عزم علينا أن لا نُصَلِّيَ حَتَّى نَأْتِيَ بَنِي قُرَيْظَةَ، فَإِنَّمَا نَحْنُ فِي عَزِيمَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلَيْسَ عَلَيْنَا إِثْمٌ، وَصَلَّى طَائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ احْتِسَابًا، وَتَرَكَتْ [(١١)] طَائِفَةٌ مِنْهُمُ الصَّلَاةَ، حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَصَلَّوْهَا حِينَ جَاءُوا بَنِي قُرَيْظَةَ، احْتِسَابًا فَلَمْ يُعَنِّفْ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَاحِدًا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ [(١٢)] .
وحَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ إِمْلَاءً قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ كَامِلٍ أَبُو بَكْرٍ الْقَاضِي قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ حَمَّادٍ الْبَرْبَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: أَبُو عَبْدِ اللهِ الْمُسَيِّيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نَافِعٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ أَخِيهِ: عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أن رسول الله ﷺ كَانَ عِنْدَهَا فَسَلَّمَ عَلَيْنَا رَجُلٌ وَنَحْنُ فِي الْبَيْتِ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَزِعًا، فَقُمْتُ فِي أَثَرِهِ، فَإِذَا بِدِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ. فَقَالَ: هَذَا جِبْرِيلُ يَأْمُرُنِي أَنْ أَذْهَبَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، فَقَالَ: قَدْ وَضَعْتُمُ السِّلَاحَ، لَكِنَّا لَمْ نَضَعْ طَلَبْنَا الْمُشْرِكِينَ، حَتَّى بَلَغْنَا حَمْرَاءَ الْأَسَدِ، وَذَلِكَ حِينَ رَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الْخَنْدَقِ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَزِعًا فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: عَزَمْتُ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُصَلُّوا صَلَاةَ الْعَصْرِ، حَتَّى تَأْتُوا بَنِي قُرَيْظَةَ. فَغَرَبَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَأْتُوهُمْ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يُرِدْ أَنْ تَدَعُوا الصَّلَاةَ، فَصَلَّوْا. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: وَاللهِ إنّا
_________________
(١) [(١١)] في (ص): «وترك» . [(١٢)] بهذا الإسناد عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ نقله ابن كثير عن البيهقي في التاريخ (٤: ١١٧)، وقد أخرجه الإمام أحمد والشيخان مختصرا، والحاكم مطوّلا عن عائشة، ومن طريق جابر أخرجه أبو نعيم في الدلائل، والطبري عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أبي اوفى.
[ ٤ / ٨ ]
لَفِي عَزِيمَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَا عَلَيْنَا مِنْ إِثْمٍ، فَصَلَّتْ طَائِفَةٌ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، وَتَرَكَتْ طَائِفَةٌ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، وَلَمْ يَعِبِ النَّبِيُّ ﷺ وَاحِدًا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ [(١٣)] .
وَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فَمَرَّ بِمَجَالِسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَنِي قُرَيْظَةَ، فَقَالَ: هَلْ مَرَّ بِكُمْ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالُوا: مَرَّ عَلَيْنَا دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ [(١٤)] عَلَى بَغْلَةٍ شَهْبَاءَ، تَحْتَهُ قَطِيفَةُ [(١٥)] دِيبَاجٍ [(١٦)]، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَيْسَ ذَلِكَ بِدِحْيَةَ، وَلَكِنَّهُ جِبْرِيلُ ﵇ أُرْسِلَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ لِيُزَلْزِلَهُمْ، وَيَقْذِفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، فَحَاصَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَسْتُرُوا بِالْجَحَفِ، حَتَّى يُسْمِعَهُمْ كَلَامَهُ، فَنَادَاهُمْ يَا إخوة القردة والخنازير،
_________________
(١) [(١٣)] نقله ابن كثير عن المصنف في «البداية والنهاية» (٤: ١١٧- ١١٨)، وعقب عليه بقوله: وقد اختلف العلماء في المصيب من الصحابة يومئذ من هو؟ بل الإجماع على أن كلا من الفريقين مأجور ومعذور غير معنف. فقالت طائفة من العلماء: الذين أخروا الصلاة يومئذ عن وقتها المقدر لها حتى صلوها في بني قريظة هم المصيبون، لان أمرهم يومئذ بتأخير الصلاة خاص فيقدم على عموم الأمر بها في وقتها المقدر لها شرعا، قال أبو محمد بن حزم الظاهري في كتاب السيرة: وعلم الله أنا لو كنا هناك لم نصلّ العصر إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ ولو بعد أيام. وهذا القول منه ماش على قاعدته الاصلية في الأخذ بالظاهر. وقالت طائفة اخرى من العلماء: بل الذين صلوا الصلاة في وقتها لما أدركتهم وهم في مسيرهم هم المصيبون لأنهم فهموا أن المراد انما هو تعجيل السير الى بني قريظة لا تأخير الصلاة فعملوا بمقتضى الادلة الدالة على أفضلية الصلاة في أول وقتها مع فهمهم عن الشارع ما أراد، ولهذا لم يعنفهم ولم يأمرهم باعادة الصلاة في وقتها التي حولت اليه يومئذ كما يدعيه أولئك، وأما أولئك الذين أخرّوا فعذروا بحسب ما فهموا، وأكثر ما كانوا يؤمرون بالقضاء وقد فعلوه. وأما على قول من يجوز تأخير الصلاة لعذر القتال كما فهمه البحتري حيث احتج على ذلك بحديث ابن عمر المتقدم في هذا فلا إشكال على من أخرّ ولا على من قدم ايضا والله اعلم. [(١٤)] هو دحية بن خليفة بن فروة بن فضالة من الخزرج صاحب رسول الله ﷺ الذي أتاه جبريل على صورته. [(١٥)] (القطيفة) كساء له خمل. [(١٦)] (الديباج) فارسي معرب.
[ ٤ / ٩ ]
قَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ لَمْ تَكُ فَحَّاشًا. فَحَاصَرَهُمْ، حَتَّى نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، وَكَانُوا حُلَفَاءَهُ فَحَكَمَ فِيهِمْ، أَنْ يُقْتَلَ مُقَاتِلَتُهُمْ، وَتُسْبَى ذَرَارِيُّهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ [(١٧)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ: عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِئُ [(١٨)] قَالَ حَدَّثَنَا مِقْدَامُ بْنُ دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمِّي سَعِيدُ بْنُ عِيسَى.
قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَشْرَسَ الْأَنْصَارِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ أَخِيهِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سَمِعَ صَوْتَ وَثْبَةٍ شَدِيدَةٍ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ فَاتَّبَعْتُهُ، أَنْظُرُ، فَإِذَا هُوَ مُتَّكِئٌ على عرف برزونه، وَإِذَا هُوَ دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ- فِيمَا كُنْتُ أَرَى- وَإِذَا هُوَ مُعْتَمٌّ، مُرْخٍ مِنْ عِمَامَتِهِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ، قُلْتُ: لَقَدْ وَثَبْتَ وَثْبَةً شَدِيدَةً، ثُمَّ خَرَجْتَ، فَذَهَبْتُ أَنْظُرُ فَإِذَا هُوَ دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ، قَالَ: أو رأيته؟
قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: ذَاكَ جِبْرِيلُ، أَمَرَنِي أَنْ أَخْرُجَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ.
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، مِثْلَهُ.
وَرَوَاهُ خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَخِيهِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ [(١٩)]، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عائشة.
_________________
(١) [(١٧)] نقله الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية» (٤: ١١٨)، وقال: «لهذا الحديث طرق جيدة عن عائشة وغيرها»، وقد أخرجه الحاكم في «المستدرك» (٣: ٣٤- ٣٥)، وقال: «صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه» . وأخرجه ابو نعيم في دلائل النبوة (٤٣٧)، والصالحي في السيرة الشامية: (٥: ٩) [(١٨)] في (أ) و(ح): «المصري» . [(١٩)] كذا في الأصل، وفي هامش (أ): «صوابه: ويحيى»، وفي حاشية (ح): «لعله: ويحيى» .
[ ٤ / ١٠ ]
وَشَاهِدُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي رُؤْيَةِ عَائِشَةَ جِبْرِيلَ ﵇، وَقَوْلِهَا: فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، يَمْسَحُ الْغُبَارَ عَنْ وَجْهِ جِبْرِيلَ. فَقُلْتُ: هَذَا دِحْيَةُ يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ: هَذَا جِبْرِيلُ.
فِي مَغَازِي يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ عَنْبَسَةَ بْنِ الْأَزْهَرِ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، وَفِي رُؤْيَةِ نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، مَرَّ بِهِمْ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: هَلْ مَرَّ عَلَيْكُمْ أَحَدٌ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ مَرَّ عَلَيْنَا دِحْيَةُ. [بْنُ خَلِيفَةَ] [(٢٠)] الْكَلْبِيُّ عَلَى بَغْلَةٍ بَيْضَاءَ، عَلَيْهَا رِحَالُهُ عَلَيْهَا قَطِيفَةُ دِيبَاجٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ذَاكَ جِبْرِيلُ، بَعَثَهُ اللهُ ﷿ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ يُزَلْزِلُ بِهِمْ حُصُونَهُمْ، وَيَقْذِفُ الرُّعْبَ فِي قُلُوبِهِمْ.
فِي مَغَازِي يُونُسَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ أَخْبَرَنَا بِهِمَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ. قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ فَذَكَرَهُمَا [(٢١)] .
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ ثُمَّ قَدَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ﵁- إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، مَعَهُ رَايَتُهُ، وابْتَدَرَهَا النَّاسُ [(٢٢)] .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ محمد بن الفضل ابن مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَدِّي قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ.
(ح) وَأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ
_________________
(١) [(٢٠)] ليست في (ص) . [(٢١)] راجع الحاشية (١٧) . [(٢٢)] سيرة ابن هشام (٣: ١٨٨) .
[ ٤ / ١١ ]
ابْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَتَّابٍ الْعَبْدِيُّ. قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ. قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ عَمِّهِ: مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ. قَالَ:
فَبَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيمَا يَزْعُمُونَ فِي الْمُغْتَسَلِ يُرَجِّلُ [(٢٣)] رَأْسَهُ قَدْ رَجَّلَ أَحَدَ شِقَّيْهِ، أَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇ عَلَى فَارِسٍ عَلَيْهِ لَأْمَتُهُ، حَتَّى وَقَفَ بِبَابِ الْمَسْجِدِ، عِنْدَ مَوْضِعِ الْجَنَائِزِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: غَفَرَ اللهُ لَكَ. أَقَدْ وَضَعْتَ السِّلَاحَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ جِبْرِيلُ: لَكِنْ نَحْنُ لَمْ نَضَعْهُ مُنْذُ نَزَلَ بِكَ الْعَدُوُّ، وَمَا زِلْتَ فِي طَلَبِهِمْ. فَقَدْ هَزَمَهُمُ اللهُ، وَيَقُولُونَ: إِنَّ عَلَى وَجْهِ جِبْرِيلَ ﵇ لَأَثَرَ الْغُبَارِ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: إِنَّ اللهَ قَدْ أَمَرَكَ بِقِتَالِ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَأَنَا عَامِدٌ لَهُمْ بِمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ لِأُزَلْزَلَ بِهِمُ الْحُصُونَ، فَاخْرُجْ بِالنَّاسِ.
فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي أَثَرِ جِبْرِيلَ، فَمَرَّ عَلَى مَجْلِسِ بَنِي غَنْمٍ وَهُمْ يَنْتَظِرُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَسَأَلَهُمْ: مَرَّ عَلَيْكُمْ فَارِسٌ آنِفًا؟ فَقَالُوا: مَرَّ عَلَيْنَا دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ، عَلَى فَرَسٍ أَبْيَضَ، تَحْتَهُ نَمَطٌ أَوْ قَطِيفَةٌ مِنْ دِيبَاجٍ، عَلَيْهِ اللَّأْمَةُ فَذَكَرُوا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ذَاكَ جِبْرِيلُ.
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُشَبِّهُ دِحْيَةَ الْكَلْبِيَّ بِجِبْرِيلَ ﵇، فَقَالَ:
الْحَقُونِي بِبَنِي قُرَيْظَةَ، فَصَلُّوا فِيهِمُ الْعَصْرَ، فَقَامَ وَمَنْ شَاءَ اللهُ ﷿ مِنْهُمْ، فَانْطَلَقُوا إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ فَحَانَتِ الْعَصْرُ، وَهُمْ فِي الطَّرِيقِ، فَذَكَرُوا الصَّلَاةَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَكُمْ أَنْ تُصَلُّوا الْعَصْرَ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ! وَقَالَ آخَرُونَ: هِيَ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى مِنْهُمْ قَوْمٌ، وَأَخَّرَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمُ الصَّلَاةَ، حَتَّى صَلَّوْهَا بِبَنِي قُرَيْظَةَ، بَعْدَ أَنْ غَابَتِ الشَّمْسُ، فَذَكَرُوا لِرَسُولِ اللهِ
_________________
(١) [(٢٣)] (يرجل رأسه): يسرحه.
[ ٤ / ١٢ ]
ﷺ مَنْ عَجَّلَ مِنْهُمُ الصَّلَاةَ، وَمَنْ أَخَّرَهَا، فَذَكَرُوا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمْ يُعَنِّفْ أَحَدًا مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ.
قَالَ: وَلَمَّا رَأَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ رَسُولَ الله ﷺ مُقْبِلًا، تَلَقَّاهُ، وَقَالَ: ارْجِعْ يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِنَّ اللهَ كَافِيكَ الْيَهُودَ، وَكَانَ عَلِيٌّ سَمِعَ مِنْهُمْ قَوْلًا سَيِّئًا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَزْوَاجِهِ فَكَرِهَ عَلِيٌّ أَنْ يَسْمَعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لِمَ تَأْمُرُنِي بِالرُّجُوعِ؟ فَكَتَمَهُ مَا سَمِعَ مِنْهُمْ، فَقَالَ: أَظُنُّكَ سَمِعْتَ لِيَ مِنْهُمْ أَذًى، فَامْضِ فَإِنَّ أَعْدَاءَ اللهِ لَوْ قَدْ رَأَوْنِي لَمْ يَقُولُوا شَيْئًا مِمَّا سَمِعْتَ.
فَلَمَّا نَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِحِصْنِهِمْ، وَكَانُوا فِي أَعْلَاهُ، نَادَى بأعلا صَوْتِهِ نَفَرًا مِنْ أَشْرَافِهَا، حَتَّى أَسْمَعَهُمْ فَقَالَ: أَجِيبُونَا يَا مَعْشَرَ يَهُودَ: يَا إِخْوَةَ الْقِرَدَةِ، قَدْ نَزَلَ بِكُمْ خِزْيُ اللهِ، فَحَاصَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِكَتَائِبِ الْمُسْلِمِينَ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، وَرَدَّ اللهُ ﷿ حُيَيَّ بْنَ أَخْطَبَ، حَتَّى دَخَلَ حِصْنَ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَقَذَفَ الله ﷿ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ وَاشْتَدَّ، عَلَيْهِمُ الْحِصَارُ، فَصَرَخُوا بِأَبِي لُبَابَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُنْذِرِ [(٢٤)] وكانوا حُلَفَاءَ لِلْأَنْصَارِ. فَقَالَ أَبُو لُبَابَةَ: لَا آتِيهِمْ، حَتَّى يَأْذَنَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقَالَ رسول الله ﷺ قَدْ أَذِنْتُ لَكَ فَأَتَاهُمْ أَبُو لُبَابَةَ، فَبَكَوْا إِلَيْهِ وَقَالُوا:
يَا أَبَا لُبَابَةَ مَاذَا تَرَى؟ وَمَاذَا تَأْمُرُنَا؟ فَإِنَّهُ لَا طَاقَةَ لَنَا بِالْقِتَالِ، فَأَشَارَ أَبُو لُبَابَةَ بِيَدِهِ إِلَى حَلْقِهِ، وَأَمَرَّ عَلَيْهِ أَصَابِعَهُ يُرِيهِمْ، أَنَّمَا يُرَادُ بِكُمُ الْقَتْلُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَبُو لُبَابَةَ سُقِطَ فِي يَدِهِ، وَرَأَى أَنَّهُ قَدْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ عَظِيمَةٌ، فَقَالَ: وَاللهِ لَا أَنْظُرُ فِي وَجْهِ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتَّى أُحْدِثَ لِلَّهِ ﷿ تَوْبَةً نَصُوحًا يَعْلَمُهَا اللهُ ﷿ مِنْ نَفْسِي، فَرَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَرَبَطَ يَدَيْهِ إِلَى جِذْعٍ مِنْ جُذُوعِ الْمَسْجِدِ، فَزَعَمُوا أَنَّهُ ارْتَبَطَ قَرِيبًا مِنْ عِشْرِينَ لَيْلَةً. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كَمَا ذُكِرَ حِينَ رَاثَ عليه أبو
_________________
(١) [(٢٤)] هو أبو لبابة الانصاري أحد النقباء، كان مناصحا لهم لأن ماله وولده وعياله في بني قريظة.
[ ٤ / ١٣ ]
لُبَابَةَ: أَمَا فَرَغَ أَبُو لُبَابَةَ مِنْ حُلَفَائِهِ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، قد وَاللهِ انْصَرَفَ مِنْ عِنْدِ الْحِصْنِ، وَمَا نَدْرِي أَيْنَ سَلَكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَقَدْ حَدَثَ لِأَبِي لُبَابَةَ أَمْرٌ، مَا كَانَ عَلَيْهِ، فَأَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْ عِنْدِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ رَأَيْتُ [(٢٥)] أَبَا لُبَابَةَ، ارْتَبَطَ بِحَبْلٍ إِلَى جِذْعٍ مِنْ جُذُوعِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لَقَدْ أَصَابَتْهُ بَعْدِي فِتْنَةٌ، وَلَوْ جاءني لاستغفرت له. فإذا فَعَلَ هَذَا فَلَنْ أُحَرِّكَهُ مِنْ مَكَانِهِ، حَتَّى يَقْضِيَ اللهُ فِيهِ مَا يَشَاءُ [(٢٦)] .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عُلَاثَةَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ. قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي. قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ. قَالَ: قَالَ أَبُو الْأَسْوَدِ. قَالَ: عُرْوَةُ فَبَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يُرَجِّلُ رَأْسَهُ، قَدْ رَجَّلَ أَحَدَ جَانِبَيْهِ، أَتَاهُ أَمَرَ اللهُ ﷿، فَأَقْبَلَ جِبْرِيلُ ﵇ عَلَى فَرَسٍ، عَلَيْهِ لَأْمَتُهُ، فَذَكَرَ هَذِهِ الْقِصَّةَ، بِمَعْنَى مَا ذَكَرَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، إِلَّا أَنَّهُ زَادَ عَنْهُ قَوْلَهُ: فَاخْرُجْ بِالنَّاسِ. قَالَ فَرَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَلَبِسَ لَأْمَتَهُ وَأَذِنَ بِالْخُرُوجِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا السِّلَاحَ، فَفَزِعَ النَّاسُ لِلْحَرْبِ، فَبَعَثَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ عَلَى الْمُقَدَّمَةِ، وَدَفَعَ إِلَيْهِ اللِّوَاءَ وَأَمَرَ أَنْ يَنْطَلِقَ حَتَّى يَقِفَ بِهِمْ، إِلَى حِصْنِ بَنِي قُرَيْظَةَ، فَفَعَلَ وَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى آثَارِهِمْ، فَمَرَّ عَلَى مَجْلِسٍ مِنَ الْأَنْصَارِ فِي بَنِي غَنْمٍ، يَنْتَظِرُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَزَعَمُوا أَنَّهُ قَالَ: مَرَّ بِكُمُ الْفَارِسُ آنِفًا. قَالُوا: مَرَّ بِنَا دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ عَلَى فَرَسٍ، تَحْتَهُ قَطِيفَةٌ حَمْرَاءُ، عَلَيْهِ لَأْمَةٌ. فَزَعَمُوا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ذَاكَ جِبْرِيلُ ﵇. وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُشَبِّهُ دِحْيَةَ الْكَلْبِيَّ بِجِبْرِيلَ ﵇، ثُمَّ ذَكَرَ بَاقِيَ الْقِصَّةِ بِنَحْوِهِ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ: بِضْعَ عشرة ليلة [(٢٧)] .
_________________
(١) [(٢٥)] في (ص): «رأيت» . [(٢٦)] نقلها عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ابن كثير في التاريخ (٤: ١١٨- ١١٩) . [(٢٧)] أشار هذه الرواية ابن كثير في التَّارِيخَ (٤: ١١٩) .
[ ٤ / ١٤ ]
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: فَحَدَّثَنِي [(٢٨)] وَالِدِي: إِسْحَاقُ بْنُ يَسَارٍ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ السُّلَمِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَاصَرَهُمْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً حَتَّى أَجْهَدَهُمُ الْحِصَارُ، وَقَذَفَ اللهُ ﷿ الرُّعْبَ فِي قُلُوبِهِمْ وَكَانَ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ دَخَلَ مَعَ بَنِي قُرَيْظَةَ فِي حِصْنِهِمْ حِينَ رَجَعَتْ قُرَيْشٌ وَغَطَفَانُ، وَفَاءً لِكَعْبِ بْنِ أَسَدٍ بِمَا كَانَ عَاهَدَهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا أَيْقَنُوا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ. حَتَّى يُنَاجِزَهُمْ، قَالَ: كَعْبُ بْنُ أَسَدٍ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ! إِنَّهُ قَدْ نَزَلَ بِكُمْ مِنَ الْأَمْرِ مَا تَرَوْنَ، وَإِنِّي عَارِضٌ عَلَيْكُمْ خِلَالًا ثَلَاثًا فَخُذُوا أَيَّهَا شِئْتُمْ، فَقَالُوا: مَا هُوَ [(٢٩)]؟ قَالَ نُبَايِعُ هَذَا الرَّجُلَ وَنُصَدِّقُهُ، فو الله لَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ أَنَّهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَأَنَّهُ الَّذِي تَجِدُونَهُ فِي كِتَابِكُمْ، فَتَأْمَنُوا عَلَى دِمَائِكُمْ، وَأَمْوَالِكُمْ وَنِسَائِكُمْ فَقَالُوا: لَا نُفَارِقُ حُكْمَ التَّوْرَاةِ أَبَدًا، وَلَا نَسْتَبْدِلُ بِهِ غَيْرَهُ، قَالَ: فَإِذَا أَبَيْتُمْ عَلَيَّ هَذَا فَهَلُمُّوا فَلْنَقْتُلْ أَبْنَاءَنَا، وَنِسَاءَنَا ثُمَّ نَخْرُجُ إِلَى مُحَمَّدٍ رِجَالًا مُصْلِتِينَ السُّيُوفَ [(٣٠)] لَمْ نَتْرُكْ وَرَاءَنَا ثَقَلًا يَهُمُّنَا، حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ، فَإِنْ نَهْلِكْ، نَهْلِكْ، وَلَمْ نَتْرُكْ وَرَاءَنَا نَسْلًا، يَهُمُّنَا نَخَافُ عَلَيْهِ، وَإِنْ نَظْهَرْ فَلَعَمْرِي لَنَجِدَنَّ النِّسَاءَ، وَالْأَبْنَاءَ، فَقَالُوا:
نَقْتُلُ هَؤُلَاءِ الْمَسَاكِينَ!! فَمَا خَيْرُ الْعَيْشِ بَعْدَهُمْ؟ فَقَالَ: فَإِذَا أَبَيْتُمْ هَذِهِ عَلَيَّ، فَإِنَّ اللَّيْلَةَ لَيْلَةُ السَّبْتِ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ قَدْ أَمِنُونَا فِيهَا، فَانْزِلُوا، فَلَعَلَّنَا نُصِيبُ مِنْهُمْ غِرَّةً فَقَالُوا: نُفْسِدُ سَبْتَنَا، وَنُحْدِثُ فِيهِ مَا أَحْدَثَ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا فَأَصَابَهُمْ مَا قَدْ عَلِمْتَ، مِنَ الْمَسْخِ، فَقَالَ: مَا بَاتَ رَجُلٌ مِنْكُمْ لَيْلَةً وَاحِدَةً، مُنْذُ وَلِدَ حازما.
_________________
(١) [(٢٨)] في (ص): «حدثني» . [(٢٩)] في (ص): «ما هن»، وفي ابن هشام «ما هي» . [(٣٠)] (مصلتين السيوف): مجردين لها، وقد أخرجناها من أغمادها.
[ ٤ / ١٥ ]
ثُمَّ بَعَثُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ابْعَثْ إِلَيْنَا أَبَا لُبَابَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُنْذِرِ، وَكَانُوا حُلَفَاءَ الْأَوْسِ، نَسْتَشِيرُهُ فِي أَمْرِنَا، فَأَرْسَلَهُ رَسُولُ الله ﷺ إِلَيْهِمْ فَلَمَّا رَأَوْهُ، قَامَ إِلَيْهِ الرِّجَالُ، وَجَهَشَ إِلَيْهِ النِّسَاءُ، وَالصِّبْيَانُ، يَبْكُونَ فِي وَجْهِهِ، فَرَقَّ لَهُمْ وَقَالُوا لَهُ: يَا أَبَا لُبَابَةَ أَتَرَى أَنْ تَنْزِلَ عَلَى حُكْمِ مُحَمَّدٍ. فَقَالَ: نَعَمْ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى حَلْقِهِ: أَنَّهُ الذَّبْحُ.
قَالَ أَبُو لبابة: فو الله، مَا زَالَتْ قَدَمَايَ تَرْجُفَانِ، حِينَ عَرَفْتُ أَنِّي قَدْ خُنْتُ اللهَ وَرَسُولَهُ.
ثُمَّ انْطَلَقَ أَبُو لُبَابَةَ عَلَى وَجْهِهِ وَلَمْ يَأْتِ رَسُولَ الله ﷺ حَتَّى ارْتَبَطَ فِي الْمَسْجِدِ إِلَى عَمُودٍ مِنْ عُمُدِهِ. وَقَالَ: لَا أَبْرَحُ مَكَانِي هَذَا حَتَّى يَتُوبَ اللهُ عَلَيَّ، مِمَّا صَنَعْتُ وَعَاهَدَ اللهَ أَنْ لَا يَطَأَ بَنِي قُرَيْظَةَ أَبَدًا، وَلَا يَرَانِي فِي بَلَدٍ خُنْتُ اللهَ وَرَسُولَهُ فِيهِ،
فَلَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَبَرُهُ، وَكَانَ قَدِ اسْتَبْطَأَهُ، قَالَ: أَمَا لَوْ جَاءَنِي لَاسْتَغْفَرْتُ لَهُ. فَأَمَّا إِذْ فَعَلَ الَّذِي فَعَلَ، مَا أَنَا بِالَّذِي يُطْلِقُهُ مِنْ مَكَانِهِ حَتَّى يَتُوبَ اللهُ عَلَيْهِ
[(٣١)] .
هَكَذَا قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ بِإِسْنَادِهِ، وَزَعَمَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، أَنَّ ارْتِبَاطَهُ بِسَارِيَةِ التَّوْبَةِ كَانَ بَعْدَ تَخَلُّفِهِ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، حِينَ أَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَهُوَ عَلَيْهِ عَاتِبٌ بِمَا فَعَلَ يَوْمَ قُرَيْظَةَ، ثُمَّ تَخَلَّفَ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ فِيمَنْ تَخَلَّفَ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَفِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، وعَطِيَّةَ بْنِ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي ارْتِبَاطِهِ، حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، مَا يُؤَكِّدُ قَوْلَ ابْنِ الْمُسَيِّبِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ.
_________________
(١) [(٣١)] الخبر بطوله في سيرة ابن هشام (٣: ١٨٨- ١٩٠) .
[ ٤ / ١٦ ]
قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ. قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُسَيْطٍ، أَنَّ تَوْبَةَ أَبِي لُبَابَةَ نَزَلَتْ عَلَى رسول الله ﷺ وَهُوَ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، فَقَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ من السَّحَرِ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقُلْتُ مَا يُضْحِكُكَ؟ - أَضْحَكَ اللهُ سِنَّكَ- فَقَالَ: تِيبَ عَلَى أَبِي لُبَابَةَ فَقُلْتُ أَلَا أُبَشِّرُهُ يَا رَسُولَ اللهِ بِذَاكَ؟ فَقَالَ بَلَى إِنْ شِئْتِ،
فَقُمْتُ عَلَى بَابِ حُجْرَتِي فَقُلْتُ: - وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ عَلَيْنَا الْحِجَابُ- يَا أَبَا لُبَابَةَ! أَبْشِرْ، فَقَدْ تَابَ اللهُ عَلَيْكَ، فَثَارَ النَّاسُ إِلَيْهِ لِيُطْلِقُوهُ، فَقَالَ: لَا وَاللهِ حَتَّى يَكُونَ رَسُولُ اللهِ ﷺ هُوَ الَّذِي يُطْلِقُنِي بِيَدِهِ، فَلَمَّا مَرَّ عَلَيْهِ خَارِجًا إِلَى صلاة الصبح أطلقه [(٣٢)] .
_________________
(١) [(٣٢)] أخرجه ابن هشام في السيرة (٣: ١٩١) .
[ ٤ / ١٧ ]
بَابُ نُزُولِ بَنِي قُرَيْظَةَ عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ﵁، وَمَا جَرَى فِي قَتْلِهِمْ، وَسَبْيِ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ فُورَكٍ ﵀ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ ابْنُ جَعْفَرٍ الْأَصْبَهَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ.
قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ.
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ. قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَلْمَانَ. قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ بْنَ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: نَزَلَ أَهْلُ قُرَيْظَةَ عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى سَعْدٍ، فَأَتَاهُ عَلَى حِمَارٍ، فَلَمَّا دَنَا قَرِيبًا مِنَ الْمَسْجِدِ. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ، أَوْ إِلَى خَيْرِكِمْ. فَقَالَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ قَدْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِكَ. فَقَالَ: تُقْتَلُ مُقَاتِلَتُهُمْ، وَتُسْبَى ذُرِيَّتُهُمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
لَقَدْ حَكَمْتَ عَلَيْهِمْ بِحُكْمِ اللهِ، وَرُبَّمَا قَالَ: بِحُكْمِ الْمَلِكِ.
لَفْظُ حَدِيثِ عَفَّانَ، أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ [(١)] .
_________________
(١) [(١)] أخرجه البخاري في: ٥٦- كتاب الجهاد، (١٦٨) باب إذا نزل العدو على حكم رجل، وأخرجه مسلم في (٣٢) كتاب الجهاد، (٢٢) باب جواز قتال من نقض العهد.
[ ٤ / ١٨ ]
أخبرنا أبو عبد الله الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَدِّي، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ.
(ح) وَأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بكر ابن عَتَّابٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ عَمِّهِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ قَالَ: وَقَالَ: رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ سَأَلُوهُ أَنْ يُحَكِّمَ فِيهِمْ رَجُلًا، اخْتَارُوا مَنْ شِئْتُمْ، مِنْ أَصْحَابِي، فَاخْتَارُوا سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ، فَرَضِيَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ،
فَنَزَلُوا عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِسِلَاحِهِمْ، فَجُعِلَ فِي قُبَّتِهِ، وَأَمَرَ بِهِمْ فَكُتِّفُوا، وَأُوثِقُوا، وَجُعِلُوا فِي دَارِ أُسَامَةَ، وَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، فَأَقْبَلَ عَلَى حِمَارِ أَعْرَابِيٍّ، يَزْعُمُونَ أَنَّ وَطْأَةَ بَرْذَعَتِهِ مِنْ لِيفٍ [(٢)]، وَاتَّبَعَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، فَجَعَلَ يَمْشِي مَعَهُ، وَيُعَظِّمُ حَقَّ بَنِي قُرَيْظَةَ. وَيَذْكُرُ حِلْفَهُمْ، وَالَّذِي أَبْلَوْهُ يَوْمَ بُعَاثٍ، وَيَقُولُ: اخْتَارُوكَ عَلَى مَنْ سِوَاكَ مِنْ قَوْمِكَ رَجَاءَ رَحْمَتِكَ، وَعَطْفِكَ، وَتَحَنُّنِكَ عَلَيْهِمْ، فَاسْتَبْقِهِمْ فَإِنَّهُمْ لَكَ جَمَالٌ، وَعَدَدٌ.
قَالَ: فَأَكْثَرَ ذَلِكَ الرَّجُلُ، وَلَا يُرْجِعُ إِلَيْهِ سَعْدٌ شَيْئًا، حَتَّى دَنَوْا، فَقَالَ الرَّجُلُ: أَلَا تُرْجِعُ إِلَيَّ فِيمَا أُكَلِّمُكَ فِيهِ. فَقَالَ سَعْدٌ: قَدْ آنَ لِي أَنْ لَا تَأْخُذَنِي فِي اللهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ، فَفَارَقَهُ الرَّجُلُ فَأَتَى قَوْمَهُ. فَقَالُوا: مَا وَرَاءَكَ فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَبْقِيهِمْ، وَأَخبَرَهُمْ بِالَّذِي كَلَّمَهُ بِهِ، وَالَّذِي رَجَعَ سَعْدٌ إِلَيْهِ، فَحَكَمَ فِيهِمْ أَنْ تُقْتَلَ مُقَاتِلَتُهُمْ، وَتُسْبَى ذَرَارِيُّهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ، وَتُقَسَّمَ أَمْوَالُهُمْ.
فَذَكَرُوا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لِسَعْدٍ: لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللهِ ﷿.
_________________
(١) [(٢)] في «البداية والنهاية»: «على حمار قد وطئوا له بوسادة من آدم» .
[ ٤ / ١٩ ]
فَقَتَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُقَاتِلَتَهُمْ، وَكَانُوا زَعَمُوا سِتَّمِائَةِ مُقَاتِلٍ، قُتِلُوا عِنْدَ دَارِ أَبِي جَهْلٍ الَّتِي بِالْبَلَاطِ، وَلَمْ تكن يومئذ بلاط، فَزَعَمُوا أَنَّ دِمَاءَهُمْ بَلَغَتْ أَحْجَارَ الزَّيْتِ، الَّتِي كَانَتْ بِالسُّوقِ، وَسَبَى نِسَاءَهُمْ وَذَرَارِيَّهُمْ، وَقَسَّمَ أَمْوَالَهُمْ بَيْنَ مَنْ حَضَرَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
وَكَانَتْ جَمِيعُ الْخَيْلِ الَّتِي كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ سِتَّةً وَثَلَاثِينَ فَرَسًا، فَقَسَمَ لَهَا لِكُلِّ فَرَسٍ سَهْمَيْنِ.
وَأُخْرِجَ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: هَلْ أَخْزَاكَ اللهُ. قَالَ لَهُ: لَقَدْ ظَهَرْتَ عَلَيَّ وَمَا أَلُومُ إِلَّا نَفْسِي فِي جِهَادِكَ، وَالشِّدَّةِ عَلَيْكَ، فَأَمَرَ بِهِ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ. وَكُلُّ ذَلِكَ بِعَيْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، وَكَانَ عمرو بن سعد الْيَهُودِيُّ فِي الْأَسْرَى، فَلَمَّا قَدِمُوا إِلَيْهِ لِيَقْتُلُوهُ فَقَدُوهُ، فَقَالَ ابْنُ عَمْرٍو: قَالُوا: وَاللهِ مَا نَرَاهُ، وَإِنَّ هَذِهِ لَرُمَّتُهُ الَّتِي كَانَ فِيهَا. فَمَا نَدْرِي كَيْفَ انْفَلَتَ! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَفْلَتَنَا بِمَا عَلِمَ اللهُ فِي نَفْسِهِ.
وَأَقْبَلَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، أَخُو بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: هَبْ لِيَ الزُّبَيْرَ، وَامْرَأَتَهُ فَوَهَبَهُمَا، فَرَجَعَ ثَابِتٌ إِلَى الزُّبَيْرِ، فَقَالَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ هَلْ تَعْرِفُنِي؟ وَكَانَ الزُّبَيْرُ يَوْمَئِذٍ كَبِيرًا، أَعْمَى، قَالَ هَلْ يُنْكِرُ الرَّجُلُ أَخَاهُ! قَالَ ثَابِتٌ: أَرَدْتُ أَجْزِيكَ الْيَوْمَ بِتِلْكَ قَالَ افْعَلْ فَإِنَّ الْكَرِيمَ يَجْزِي الْكَرِيمَ. قَالَ قَدْ فَعَلْتُ. قَدْ سَأَلْتُكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَوَهَبَكَ لِي، فَأَطْلَقَ عَنْكَ الْإِسَارَ، قَالَ الزُّبَيْرُ: لَيْسَ لِي قَائِدٌ، وَقَدْ أَخَذْتُمُ امْرَأَتِي، وَبَنِيَّ فَرَجَعَ ثَابِتٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَسَأَلَهُ ذُرِّيَّةَ الزُّبَيْرِ وَامْرَأَتَهُ فَوَهَبَهُمَا لَهُ، فَرَجَعَ ثَابِتٌ إِلَى الزُّبَيْرِ، فَقَالَ: قَدْ رَدَّ إِلَيْكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ امْرَأَتَكَ وَبَنِيكَ، قَالَ الزُّبَيْرُ:
فَحَائِطٌ لِي فِيهِ أَغْدُقٌ لَيْسَ لِي وَلِأَهْلِي عَيْشٌ إِلَّا بِهِ
فَرَجَعَ ثَابِتٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَسَأَلَهُ حَائِطَ الزُّبَيْرِ، فَوَهَبَهُ لَهُ، فَرَجَعَ
[ ٤ / ٢٠ ]
ثَابِتٌ إِلَى الزُّبَيْرِ فَقَالَ قَدْ رَدَّ إِلَيْكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَهْلَكَ وَمَالَكَ، فَأَسْلِمْ تَسْلَمْ.
قَالَ: مَا فَعَلَ الْمَجْلِسَانِ، فَذَكَرَ رِجَالًا مِنْ قَوْمِهِ بِأَسْمَائِهِمْ، فَقَالَ ثَابِتٌ: قَدْ قُتِلُوا وَفُرِغَ مِنْهُمْ، وَلَعَلَّ اللهَ أَنْ يَهْدِيَكَ وَأَنْ يَكُونَ أَبْقَاكَ لِخَيْرٍ قَالَ الزُّبَيْرُ أَسْأَلُكَ بِاللهِ، وَبِيَدِي عِنْدَكَ إِلَّا مَا أَلْحَقْتَنِي بِهِمْ. فَمَا فِي الْعَيْشِ خَيْرٌ بَعْدَهُمْ، فَذَكَرَ ذَلِكَ ثَابِتٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَمَرَ بِالزُّبَيْرِ فَقُتِلَ [(٣)] .
فَلَمَّا قَضَى اللهُ ﷿ قَضَاءَهُ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَرَفَعَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ بَلَاءَ تِلْكَ الْمَوَاطِنِ، نَزَلَ الْقُرْآنُ يُعَرِّفُ اللهُ فِيهِ الْمُؤْمِنِينَ نِعْمَةَ اللهِ ﵎، الَّتِي أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِهَا، حِينَ أَرْسَلَ عَلَى عَدُوِّهِمُ الرِّيحَ وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا، عَلَى الْجُنُودِ الَّتِي جَاءَتْهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ، وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ، وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ، وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ، ويظنون بالله الظنونا حِينَ نَزَلَ الْبَلَاءُ، وَالشِّدَّةُ بِأَحَادِيثِ الْمُنَافِقِينَ، فَإِنَّهُ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ: مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا، وَوَقَعَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَفْرَقُونَ عَنْ نَصْرِ اللهِ، وَرَسُولِهِ، وَيَدْعُونَ إِخْوَانَهُمْ، وَيَأْمُرُونَ بِتَرْكِ رسول الله ﷺ، وَذَكَرَ حِدَّةَ أَلْسِنَتِهِمْ، وَضَعْفَهُمْ عَنِ الْبَأْسِ ثُمَّ ذَكَرَ الْمُسْلِمِينَ وَتَصْدِيقَهُمْ عِنْدَ الْبَلَاءِ، وَذَكَرَ أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ، وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ رَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا، وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ، وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا [(٤)] .
ثُمَّ ذَكَرَ بَنِي قُرَيْظَةَ وَمُظَاهَرَتَهُمْ عَدُوَّ اللهِ، وَرَسُولِهِ. فَقَالَ: وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ، وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ [(٥)] .
_________________
(١) [(٣)] عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ذكره ابن عبد البر في «الدرر» (١٨٠- ١٨٢) مختصرا، والخبر أخرجه ايضا ابن هشام في السيرة (٣: ١٩٦) وستأتي رواية ابن إسحاق لها بعد قليل. [(٤)] [الأحزاب- ٢٥] . [(٥)] [الأحزاب- ٢٦] .
[ ٤ / ٢١ ]
وَمَا سَلَّطَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَتْلِهِمْ وَسِبَائِهِمْ وَمَا أَوْرَثَهُمْ [(٦)] مِنْ أَرْضِهِمْ وَدِيَارِهِمْ وأموالهم وَأَرْضًا لَمْ تَطَؤُها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا.
وَأَنْزَلَ فِي الْقُرْآنِ قُرْآنًا إِذَا قَرَأْتَهُ عَرَفْتَهُ، تِسْعًا وَعِشْرِينَ آيَةً، فاتحها يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا [(٧)] .
وَ
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: وَأَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، حَتَّى سَأَلُوهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ حَكَمًا، يَنْزِلُونَ عَلَى حُكْمِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ اخْتَارُوا مِنْ أَصْحَابِي مَنْ أَرَدْتُمْ.
وَذَكَرَ الْقِصَّةَ. بِمَعْنَى مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، إِلَّا أَنَّهُ زَادَ فِي قَوْلِهِ: وأرضا لم تطؤوها. فَيَزْعُمُونَ أَنَّهَا خَيْبَرُ، وَلَا أَحْسَبُهَا إِلَّا كُلَّ أَرْضٍ فَتَحَهَا اللهُ ﷿ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، أَوْ هُوَ فَاتِحُهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، فَذَكَرَ قِصَّةَ نُزُولِهِمْ عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، وَمَا قِيلَ لِسَعْدٍ وَمَا قَالَ سَعْدٌ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ:
ثُمَّ اسْتُنْزِلُوا، فَحَبَسَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ، فِي دَارِ زَيْنَبَ بِنْتِ الْحَارِثِ، امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ، ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى مَوْضِعِ خَنَادِقِ،
_________________
(١) [(٦)] في التلاوة: وأورثكم أرضهم-[الأحزاب- ٢٧] . [(٧)] [الأحزاب- ٩] .
[ ٤ / ٢٢ ]
سُوقِ الْمَدِينَةِ، الَّتِي هِيَ سُوقُهَا الْيَوْمَ، فَخَنْدَقَ فِيهَا، ثُمَّ بَعَثَ إِلَيْهِمْ، فَضَرَبَ أَعْنَاقَهُمْ، فِي تِلْكَ الْخَنَادِقِ، يُخْرَجُ بِهِمْ إِلَيْهِ أَرْسَالًا [(٨)] وَفِيهِمْ عَدُوُّ اللهِ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ، وَكَعْبُ بْنُ أسيد، وَهُوَ رَأْسُ الْقَوْمِ، وَهُمْ ثمان مائة أو تسع مائة، وَالْمُكَثِّرُ لَهُمْ يَقُولُ: مَا بَيْنَ الثَّمَانِمِائَةِ وَالتِّسْعِمِائَةِ وَقَدْ قَالُوا لِكَعْبِ بْنِ أَسَدٍ، وَهُوَ يُذْهَبُ بِهِمْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَرْسَالًا: يَا كَعْبُ مَا تُرَاهُ يَصْنَعُ؟ فَقَالَ: فِي كُلِّ مَوْطِنٍ لَا تَعْقِلُونَ. أَلَا تَرَوْنَ الدَّاعِيَ لَا يَنْزِعُ. وَأَنَّهُ مَنْ ذُهِبَ بِهِ مِنْكُمْ لَا يَرْجِعُ.
هُوَ وَاللهِ الْقَتْلُ. فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ الدَّأَبَ، حَتَّى فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْهُمْ فَأُتِيَ بِحُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ عَلَيْهِ حُلَّةٌ فُقَّاحِيَّةٌ [(٩)]، قَدْ شَقَّقَهَا عَلَيْهِ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ كَمَوْضِعِ الْأُنْمُلَةِ لِكَيْلَا يُسْتَلَبَهَا، مَجْمُوعَةٌ يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ بِحَبْلٍ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، قَالَ: أَمَا وَاللهِ مَا لُمْتُ نَفْسِي فِي عَدَاوَتِكَ وَلَكِنَّهُ مَنْ يَخْذُلِ اللهَ يُخْذَلْ.
ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَمْرِ اللهِ: كِتَابٌ، وَقَدَرٌ، وَمَلْحَمَةٌ كَتَبَهَا اللهُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، ثُمَّ جَلَسَ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ. فَقَالَ جَبَلُ بْنُ جَوَّالٍ الثَّعْلَبِيُّ [(١٠)]
لَعَمْرُكَ مَا لَامَ ابْنُ أَخْطَبَ نَفْسَهُ وَلَكِنَّهُ مَنْ يَخْذُلِ اللهَ يُخْذَلِ
يُجَاهِدُ، حَتَّى أَبْلَغَ النَّفْسَ جَهْدَهَا وَقَلْقَلَ يَبْغِي الْعِزَّ كُلُّ مُقَلْقَلِ
وَبَعْضُ النَّاسِ، يَقُولُ: حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ قَالَهَا.
قَالَ ابنُ إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ أَنَّ الزُّبَيْرَ بْنَ بَاطَا الْقُرَظِيَّ، وَكَانَ يُكْنَى بِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، كَانَ قَدْ مَرَّ عَلَى ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ الشَّمَّاسِ، فَذَكَرَ قِصَّتَهُ بِمَعْنَى مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، وَأَتَمَّ مِنْهُ، وَذَكَرَ فِيمَنْ سَأَلَ عَنْهُ ثَابِتًا، كَعْبَ بْنَ أَسَدٍ،
_________________
(١) [(٨)] (أرسالا) طوائق. [(٩)] (فقّاحية) أي تضرب إلى الحمرة نسبة الى الفقاح وهو الزهر إذا انشقت أكمته، وتفتقت براعيمه [(١٠)] جَبَلُ بْنُ جَوَّالٍ الثَّعْلَبِيُّ من بني ثعلبة، قال الدارقطني: «له ججبه» وقال ابو عبيد: «كان يهوديا فأسلم» .
[ ٤ / ٢٣ ]
وَحُيَيَّ بْنَ أَخْطَبَ وَغَيْرَهُمَا، ثُمَّ قَالَ: فَإِنِّي أَسْأَلُكَ يَا ثَابِتُ. بِيَدِي عِنْدَكَ ألا ألحقتني بالقوم! فو الله مَا فِي الْعَيْشِ بَعْدَ هَؤُلَاءِ مِنْ خَيْرٍ. فَمَا أَنَا بِصَابرٍ حَتَّى أَلْقَى الْأَحِبَّةَ. فَقَدَّمَهُ ثَابِتٌ فَضُرِبَ عُنُقُهُ. فَلَمَّا بَلَغَ أَبَا بَكْرٍ ﵁ قَوْلُهُ أَلْقَى الْأَحِبَّةَ، قَالَ: يَلْقَاهُمْ وَاللهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ أَمَرَ بِقَتْلِ كُلِّ مَنْ أَنْبَتَ مِنْهُمْ [(١١)] .
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: ثُمَّ قَسَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَمْوَالَ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَنِسَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، قَالَ: لَمْ تَقَعِ الْقِسْمَةُ وَلَا السَّهْمُ، إِلَّا فِي غَزَاةِ بَنِي قُرَيْظَةَ، كَانَتِ الْخَيْلُ يَوْمَئِذٍ ست وَثَلَاثِينَ فَرَسًا، فَفِيهَا أَعْلَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سُهْمَانَ الْخَيْلِ، وَسُهْمَانَ الرِّجَالِ، فَعَلَى سُنَّتِهَا جَرَتِ الْمَقَاسِمُ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ لِلْفَارِسِ وَفَرَسِهِ ثَلَاثَةَ أَسْهُمٍ. لَهُ سَهْمٌ وَلِفَرَسِهِ سَهْمَانِ، وَلِلرَّاجَلِ سَهْمًا.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: ثُمَّ بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَعْدَ بْنَ زَيْدٍ أَخَا بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، بِسَبَايَا بَنِي قُرَيْظَةَ، إِلَى نَجْدٍ فَابْتَاعَ لَهُ بِهِمْ خَيْلًا، وَسِلَاحًا، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدِ اصْطَفَى، لِنَفْسِهِ مِنْ نِسَائِهِمْ رَيْحَانَةَ بِنْتَ عَمْرِو بْنِ خنافة، إِحْدَى نِسَاءِ بَنِي عَمْرِو بن قريظة، وكَانَتْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتَّى تُوُفِّيَ وَهِيَ فِي مِلْكِهِ، وقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَرَضَ عَلَيْهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا وَيَضْرِبَ عَلَيْهَا الْحِجَابَ. قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ بَلْ تَتْرُكُنِي فِي مَالِكَ فَهُوَ أَخَفُّ عَلَيْكَ وَعَلَيَّ، فَتَرَكَهَا وَقَدْ كَانَتْ حِينَ سَبَاهَا تَعَصَّتْ بِالْإِسْلَامِ، وَأَبَتْ إِلَّا الْيَهُودِيَّةَ، فَعَزَلَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَوَجَدَ فِي نَفْسِهِ لِذَلِكَ مِنْ أَمْرِهَا. فَبَيْنَمَا هُوَ فِي مَجْلِسٍ مَعَ أَصْحَابِهِ إِذْ سَمِعَ وَقْعَ نَعْلَيْنِ خَلْفَهُ. فَقَالَ إِنَّ هَذَا لَثَعْلَبَةُ بْنُ سَعْيَةَ يُبَشِّرُنِي بإسلام
_________________
(١) [(١١)] أي نبت شعره.
[ ٤ / ٢٤ ]
رَيْحَانَةَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ أَسْلَمَتْ رَيْحَانَةُ، فَسَرَّهُ ذَلِكَ [(١٢)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ فُورَكٍ (﵀) قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ.
قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ. قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَطِيَّةَ الْقُرَظِيِّ قَالَ: كُنْتُ فِي سَبْيِ بَنِي قُرَيْظَةَ فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَنْ أَنْبَتَ أَنْ يُقْتَلَ، فَكُنْتُ فِيمَنْ لَمْ يُنْبِتْ فتركت
[(١٣)] .
_________________
(١) [(١٢)] سيرة ابن هشام (٣: ١٩٦- ١٩٨)، وتاريخ ابن كثير (٤: ١٢٥- ١٢٦) . [(١٣)] رواه ابن هشام في السيرة (٣: ١٩٧) .
[ ٤ / ٢٥ ]
بَابُ دُعَاءِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ﵁ فِي جِرَاحَتِهِ وَإِجَابَةِ اللهِ تَعَالَى إِيَّاهُ فِي دَعْوَتِهِ وَمَا ظَهَرَ فِي ذَلِكَ مِنْ كَرَامَتِهِ
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَالْحُسَيْنُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: أُصِيبَ سَعْدٌ يَوْمَ الْخَنْدَقِ: رَمَاهُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ. يُقَالُ لَهُ حَبَّانُ بْنُ الْعَرَقَةِ، رَمَاهُ فِي الْأَكْحَلِ، فَضَرَبَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَيْمَةً فِي الْمَسْجِدِ، لِيَعُودَهُ مِنْ قَرِيبٍ [(١)] .
فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الْخَنْدَقِ، وَوَضَعَ السِّلَاحَ وَاغْتَسَلَ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ وَهُوَ يَنْفُضُ رَأْسَهُ مِنَ الْغُبَارِ، قَالَ: قَدْ وَضَعْتَ السِّلَاحَ! وَاللهِ مَا وَضَعْنَاهَا. اخْرُجْ إِلَيْهِمْ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: فَأَيْنَ؟ قال: ها هنا، وَأَشَارَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَنَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَرَدَّ الْحُكْمَ فِيهِ إِلَى سَعْدٍ. قَالَ: فَإِنِّي أَحْكُمُ فِيهِمْ أَنْ تُقْتَلَ الْمُقَاتِلَةُ، وَتُسْبَى الذُّرِّيَّةُ، وَتُقَسَّمَ أَمْوَالُهُمْ. قَالَ أَبِي فَأُخْبِرْتُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ. قَالَ: لَقَدْ
_________________
(١) [(١)] الحديث تقدم في الباب السابق، وقد أخرجه البخاري في الصلاة مقطعا، وفي المغازي، ومسلم في المغازي، وأبو داود في الجنائز حديث (٣١٠١)، ص (٣: ١٨٦) .
[ ٤ / ٢٦ ]
حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللهِ [(٢)] .
قَالَ: وَحَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ سَعْدًا تَحَجَّرَ كَلْمُهُ [(٣)] لِلْبُرْءِ، فَقَالَ: اللهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أُجَاهِدَ فِيكَ مِنْ قَوْمٍ كَذَّبُوا رَسُولَكَ ﷺ وَأَخْرَجُوهُ، اللهُمَّ فَإِنِّي أَظُنُّ أَنَّكَ قَدْ وَضَعْتَ الْحَرَبَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، فَإِنْ كَانَ بَقِيَ مِنْ حَرْبِ قُرَيْشٍ، فَأَبْقِنِي لهم حيّ، أُجَاهِدُهُمْ فِيكَ. وَإِنْ كُنْتَ قد وضعت الحرب بيننا وَبَيْنَهُمْ، فَافْجُرْهَا وَاجْعَلْ مَوْتِي فِيهَا.
قَالَ: فَانْفَجَرَ مِنْ لِيَّتِهِ فَلَمْ تَرُعْهُمْ، وَمَعَهُمْ فِي الْمَسْجِدِ أَهْلُ خَيْمَةٍ مِنْ بَنِي غِفَارٍ- إِلَّا الدَّمُ يَسِيلُ إِلَيْهِمْ. فَقَالَ يَا أَهْلَ الْخَيْمَةِ. مَا هَذَا الَّذِي يَأْتِينَا مِنْ قِبَلِكُمْ؟ فَإِذَا سَعْدٌ جُرْحُهُ يَغْذُو، فَمَاتَ مِنْهَا.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ اللهِ بن نمير [(٤)] .
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ [(٥)] .
ورَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قتادة، وَقَالَ فِي دُعَائِهِ: وَإِنْ كُنْتَ وَضَعْتَ الْحَرْبَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، فَاجْعَلْهُ لِي شَهَادَةً وَلَا تُمِتْنِي حَتَّى تُقِرَّ عَيْنِي مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ كَمَا مَضَى [(٦)] .
وأَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ: الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الرُّوذْبَارِيُّ. قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ ابن الْحَسَنِ بْنِ أَيُّوبَ الطُّوسِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مسرة، قال حدثنا
_________________
(١) [(٢)] البخاري في: ٦٤- كتاب المغازي، (٣٠) بَابُ مَرْجِعِ النَّبِيِّ ﷺ من الأحزاب، ومسلم في:
(٢) كتاب الجهاد، باب جواز قتال من نقض العهد، الحديث (٦٥)، ص (١٣٨٩) . [(٣)] (تحجّر كلمه) أي يبس جرحه. [(٤)] أخرجه البخاري في: ٦٤- كتاب المغازي، (٣٠) بَابُ مَرْجِعِ النَّبِيِّ ﷺ من الأحزاب. [(٥)] أخرجه مسلم في: ٣٢- كتاب الجهاد والسير، الحديث (٦٧)، ص (٣: ١٣٩٠) . [(٦)] سيرة ابن هشام (٣: ٢٠٣) .
[ ٤ / ٢٧ ]
الْمُقْرِئُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: رُمِيَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ يَوْمَ الْأَحْزَابِ، فَقَطَعُوا أَكْحَلَهُ، فَحَسَمَهُ رَسُولُ الله ﷺ بِالنَّارِ، فَانْتَفَخَتْ يَدُهُ فَتَرَكَهُ فَنَزَفَ الدَّمُ، فَحَسَمَهُ أُخْرَى، فَانْتَفَخَتْ يَدُهُ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَالَ: اللهُمَّ لَا تُخْرِجْ نَفْسِي حَتَّى تُقِرَّ عَيْنِي مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ، فَاسْتَمْسَكَ عِرْقُهُ، فَمَا قَطَرَتْ مِنْهُ قَطْرَةٌ، حَتَّى نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَحَكَمَ أَنْ تُقْتَلَ رِجَالُهُمْ، وَتُسْبَى نِسَاؤُهُمْ، وَذَرَارِيُّهُمْ، يَسْتَعِينُ بِهِمُ الْمُسْلِمُونَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِسَعْدِ أَصَبْتَ حُكْمَ اللهِ فيهم وكانوا أربع مائة فَلَمَّا فُرِغَ مِنْ قَتْلِهِمُ انْفَتَقَ عِرْقُهُ،
فَمَاتَ﵀-[(٦)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْعَطَّارُ النَّيْسَابُورِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ بَالَوَيْهِ الْعَفْصِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ الْقُرَشِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إن هَذَا الَّذِي تَحَرَّكَ لَهُ الْعَرْشُ، يَعْنِي سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ، وَشَيَّعَ جِنَازَتَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، لَقَدْ ضُمَّ ضَمَّةً، ثُمَّ فُرِّجَ عَنْهُ [(٧)] .
قَالَ: وحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَلَمَةَ. قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ. قَالَ: أَخْبَرَنَا الْمُعْتَمِرُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: اهْتَزَّ لَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ فَرَحًا بِرُوحِهِ [(٨)] .
_________________
(١) [(٦)] أخرجه الترمذي في كتاب السير، (٢٩) بَابُ مَا جَاءَ فِي النزول على الحكم، الحديث (١٥٨٢)، ص (٤: ١٤٤- ١٤٥)، وقال: «حسن صحيح»، والإمام أحمد في مسنده (٣: ٣٥٠) . [(٧)] نقله ابن كثير في التاريخ (٤: ١٢٨) بإسناده عن ابن عمر، وعزاه للبزار. [(٨)] فيه انقطاع، وله ذكر عند ابن هِشَامٍ (٣: ٢٠٣) .
[ ٤ / ٢٨ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، وَشُعَيْبُ بْنُ اللَّيْثِ، قَالَا: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْهَادِ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ رِفَاعَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ ﵇ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ:
مَنْ هَذَا الْعَبْدُ الصَّالِحُ الَّذِي مَاتَ، فَفُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَتَحَرَّكَ لَهُ الْعَرْشُ. قَالَ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَإِذَا سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: فَجَلَسَ رَسُولُ اللهِ ﷺ على قَبْرِهِ وَهُوَ يُدْفَنُ، فَبَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ إِذْ قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ مَرَّتَيْنِ، فَسَبَّحَ الْقَوْمُ ثُمَّ قَالَ اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، فَكَبَّرَ الْقَوْمُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَجِبْتُ لِهَذَا الْعَبْدِ الصَّالِحِ شُدِّدَ عَلَيْهِ فِي قَبْرِهِ، حَتَّى كَانَ هَذَا حِينَ فُرِّجَ لَهُ [(٩)] .
وَ
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ الزُّرَقِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ شِئْتُ مِنْ رِجَالِ قَوْمِي، أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَى النبي ﷺ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، مُعْتَجِرًا بِعِمَامَةٍ مِنْ إِسْتَبْرَقٍ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ مَنْ هَذَا الْمَيِّتُ الَّذِي فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ؟ وَاهْتَزَّ لَهُ الْعَرْشُ؟ فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَجُرُّ ثَوْبَهُ، مُبَادِرًا إِلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فَوَجَدَهُ قَدْ قُبِضَ [(١٠)] .
وأَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ. قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: لَمَّا وُضِعَ سعد بن
_________________
(١) [(٩)] مسند أحمد (٣: ٣٢٧)، ومعاذ به رفاعة أخرج له البخاري، وصنفه ابن معين. [(١٠)] سيرة ابن هشام (٣: ٢٠٣)، البداية والنهاية (٤: ١٢٩) .
[ ٤ / ٢٩ ]
مُعَاذٍ فِي حُفْرَتِهِ، سَبَّحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَسَبَّحَ النَّاسُ مَعَهُ، ثُمَّ كَبَّرَ وَكَبَّرَ الْقَوْمُ، مَعَهُ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ بِمَ سَبَّحْتَ. فَقَالَ: هَذَا الْعَبْدُ الصَّالِحُ. لَقَدْ تَضَايَقَ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى فَرَّجَهُ اللهُ عَنْهُ [(١١)] .
وَ
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ. قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ. قَالَ: حَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، أَنَّهُ سَأَلَ بَعْضَ أَهْلِ سَعْدٍ: مَا بَلَغَكُمْ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي هَذَا؟ فَقَالُوا ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: كَانَ يُقَصِّرُ فِي بَعْضِ الطَّهُورِ من البول.
_________________
(١) [(١١)] الخبر في سيرة ابن هشام (٣: ٢٠٣) .
[ ٤ / ٣٠ ]
بَابُ إِسْلَامُ ثَعْلَبَةَ وَأُسَيْدٍ ابْنَيْ سَعْيَةَ، وَأَسَدِ بْنِ عُبَيْدٍ وَمَا فِي ذَلِكَ مِنْ آثَارِ النُّبُوَّةِ
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِئُ الْإِسْفَرَائِنِيُّ بِهَا، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الْقَاضِي. قَالَ:
أَخْبَرَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ شَيْخٍ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ، قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا مِنَ الشَّامِ رَجُلٌ يَهُودِيٌّ، يُقَالُ لَهُ ابْنُ الْهَيَّبَانِ، وَاللهِ مَا رَأَيْنَا رَجُلًا قَطُّ، خَيْرًا مِنْهُ، فَأَقَامَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، فَكُنَّا نَقُولُ لَهُ إِذَا احْتَبَسَ الْمَطَرُ:
اسْتَسْقِ لَنَا، فَيَقُولُ: لَا وَاللهِ، حَتَّى تُخْرِجُوا أَمَامَ مَخْرَجِكُمْ صَدَقَةً، فَيَقُولُونَ:
مَاذَا فَيَقُولُ: صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ. أَوْ مُدٌّ مِنْ شَعِيرٍ، فَنَفْعَلُ، فَيَخْرُجُ بنا إلى ظاهر حرّينا، فو الله مَا يَبْرَحُ مَجْلِسَهُ، حَتَّى تَمُرَّ بِنَا الشِّعَابُ. تَسِيلُ، قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَلَا مَرَّتَيْنِ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ. قَالَ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ أَمَا تَرَوْنَهُ أَخْرَجَنِي مِنْ أَرْضِ الْخَمْرِ وَالْخَمِيرِ، إِلَى أَرْضِ الْبُؤْسِ وَالْجُوعِ! قُلْنَا أَنْتَ أَعْلَمُ، قَالَ: أَخْرَجَنِي نَبِيٌّ أَتَوَقَّعُهُ يُبْعَثُ الْآنَ فَهَذِهِ الْبَلْدَةُ، مُهَاجَرُهُ وَإِنَّهُ يُبْعَثُ بِسَفْكِ الدِّمَاءِ، وَسَبْيِ الذُّرِّيَّةِ فَلَا يَمْنَعَنَّكُمْ ذَلِكَ مِنْهُ وَلَا تُسْبَقُنَّ إِلَيْهِ ثُمَّ مَاتَ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ
[ ٤ / ٣١ ]
إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ شَيْخٍ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ، أَنَّهُ قَالَ: هَلْ تَدْرِي عَمَّا كَانَ إِسْلَامُ ثَعْلَبَةَ وَأُسَيْدٍ ابْنَيْ سَعْيَةَ وَأَسَدِ بْنِ عُبَيْدٍ نَفَرٍ مِنْ هَزَلٍ، لَمْ يَكُونُوا مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَلَا نَضِيرٍ كَانُوا فَوْقَ ذَلِكَ، فَقُلْتُ: لَا، قَالَ:
فَإِنَّهُ قَدِمَ عَلَيْنَا رَجُلٌ، مِنَ الشَّامِ مِنْ يَهُودَ، يُقَالُ لَهُ ابْنُ الْهَيِّبَانِ، فَذَكَرَ الْقِصَّةَ بِمَعْنَى رِوَايَةِ جَرِيرٍ، وَزَادَ: قَالَ: فَلَمَّا كَانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةُ الَّتِي افْتُتِحَتْ فيها قريظة، قال: أوليك الْفِتْيَةُ الثَّلَاثَةُ، وَكَانُوا شَبَابًا أَحْدَاثًا، يَا مَعْشَرَ يَهُودَ هَذَا الَّذِي كَانَ ذَكَرَ لَكُمُ ابْنُ الْهَيِّبَانِ. قَالُوا مَا هُوَ؟ قَالَ: بَلَى. وَاللهِ إِنَّهُ لَهُوَ يَا مَعْشَرَ يَهُودَ. إِنَّهُ وَاللهِ لَهُوَ بِصِفَتِهِ، ثُمَّ نَزَلُوا فَأَسْلَمُوا وَخَلُّوا أَمْوَالَهُمْ وَأَوْلَادَهُمْ وَأَهْالِيَهُمْ.
قَالُوا: وكَانَتْ أَمْوَالُهُمْ فِي الْحِصْنِ مَعَ الْمُشْرِكِينَ، فَلَمَّا فُتِحَ رُدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ.
وَخَرَجَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ- فِيمَا زَعَمَ- ابْنُ إِسْحَاقَ عَمْرُو بْنُ سُعْدَى الْقُرَظِيُّ، فَمَرَّ بِحَرِسِ رَسُولِ الله ﷺ وَعَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، فَلَمَّا رَآهُ. قَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: أَنَا عَمْرُو بْنُ سُعْدَى. وَكَانَ عَمْرٌو قَدْ أَبَى أَنْ يَدْخُلَ مَعَ بَنِي قُرَيْظَةَ فِي غَدْرِهِمْ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَقَالَ لَا أَغْدِرُ بِمُحَمَّدٍ أَبَدًا. فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ حِينَ عَرَفَهُ: اللهُمَّ لَا تَحْرِمْنِي عَثَرَاتِ الْكِرَامِ. ثُمَّ خَلَّى سَبِيلَهُ فَخَرَجَ، حَتَّى بَاتَ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، ثُمَّ ذَهَبَ فَلَمْ يُدْرَ أَيْنَ ذَهَبَ مِنَ الْأَرْضِ إِلَى يَوْمِهِ هَذَا،
فَذُكِرَ شَأْنُهُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ ذَاكَ رَجُلٌ نَجَّاهُ اللهُ بِوَفَائِهِ،
وَبَعْضُ النَّاسِ يَزْعُمُ أَنَّهُ كَانَ أُوثِقَ فِيمَنْ أُوثِقَ، مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ حِينَ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ الله ﷺ فَأَصْبَحَتْ رُمَّتُهُ مُلْقَاةً وَلَا يُدْرَى أَيْنَ ذَهَبَ فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿ فِي أَمْرِ الْخَنْدَقِ وَأَمْرِ بَنِي قُرَيْظَةَ الْقُرْآنَ فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ. يَذْكُرُ فِيهَا مَا نَزَلَ مِنَ الْبَلَاءِ وَنِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ، وَكِفَايَتَهُ إِيَّاهُمْ، إِذْ فَرَّجَ ذَلِكَ عَنْهُمْ بَعْدَ سُوءِ الظَّنِّ، وَقَوْلَ مَنْ قَالَ مِنْ أَهْلِ النِّفَاقِ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا الآية [(١)] .
_________________
(١) [(١)] ذكر ابن إسحاق قصة إسلامهما في سياق غزوة بني قريظة، ولهما ترجمة في الاصابة (١: ٣٣) ونقل ما ذكره ابن إسحاق، وقال: رواه الطبري وابن مندة من طريق أخرى عن ابن إسحاق.
[ ٤ / ٣٢ ]
بَابُ قَتْلِ أَبِي رَافِعٍ عَبْدِ اللهِ بْنِ أبي الْحُقَيْقِ، وَيُقَالُ: سَلَّامُ بْنُ أَبِي الْحُقَيْقِ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: كَانَ بِخَيْبَرَ، وَيُقَالُ: فِي حِصْنٍ لَهُ بِأَرْضِ الْحِجَازِ وَمَا ظَهَرَ فِي قِصَّتِهِ مِنَ الْآثَارِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: فَلَمَّا انْقَضَى أَمْرُ [(١)] الْخَنْدَقِ، وَأَمْرُ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَكَانَ أَبُو رَافِعٍ سَلَّامُ بْنُ أَبِي الْحُقَيْقِ مِمَّنْ كَانَ حَزَّبَ الْأَحْزَابَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكَانَتِ الْأَوْسُ قَبْلَ أُحُدٍ قَدْ قَتَلَتْ كَعْبَ بْنَ الْأَشْرَفِ فِي عَدَاوَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَتَحْرِيضِهِ عَلَيْهِ، فَاسْتَأْذَنَتِ الْخَزْرَجُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي قَتْلِ سَلَّامِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ، وَكَانَ بِخَيْبَرَ، فَأَذِنَ لَهُمْ فِيهِ [(٢)] .
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ.
قَالَ: كَانَ مِمَّا صَنَعَ اللهُ لِرَسُولِهِ ﷺ، أَنَّ هَذَيْنِ الْحَيَّيْنِ مِنَ الْأَنْصَارِ: الْأَوْسَ وَالْخَزْرَجَ، كَانَا يَتَصَاوَلَانِ [(٣)] مَعَهُ تَصَاوُلَ الْفَحْلَيْنِ، لَا يَصْنَعُ أَحَدُهُمَا شَيْئًا إلا
_________________
(١) [(١)] في سيرة ابن هشام (٣: ٢٣١): «شأن» . [(٢)] الخبر أخرجه ابن هشام في السيرة (٣: ٢٣١)، ونقله الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية» (٤: ١٣٧)، مختصرا. [(٣)] (يتصاولان) يقال: تصاول الفحلان إذا دفع هذا على هذا، وهذا على هذا، وأراد ان كل واحد من الحيين كان يدفع عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ويتفاخران بذلك، فإذا فعل أحدهما شيئا فعل الآخر مثله.
[ ٤ / ٣٣ ]
صَنَعَ الْآخَرُ مِثْلَهُ، فَلَمَّا قَتَلَتِ الْأَوْسُ كَعْبَ بْنَ الْأَشْرَفِ، تَذَكَّرَتِ الْخَزْرَجُ رَجُلًا، هُوَ فِي الْعَدَاوَةِ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ مِثْلُهُ، فَذَكَرُوا ابْنَ أَبِي الْحُقَيْقِ بِخَيْبَرَ، فَاسْتَأْذَنُوا رسول الله ﷺ فِي قَتْلِهِ، فَأَذِنَ لَهُمْ فَخَرَجَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عتيك، وَأَبُو قَتَادَةَ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَنَسٍ، وَمَسْعُودُ بْنُ سِنَانٍ، وَالْأَسْوَدُ بْنُ خُزَاعِيٍّ، حَلِيفٌ مِنْ أَسْلَمَ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَحَسِبْتُ أَنَّ فِيهِمْ فُلَانَ بْنَ سَلَمَةَ، فَخَرَجُوا إِلَيْهِ، فَلَمَّا جَاءُوهُ، صَعِدُوا إِلَيْهِ فِي عُلَيَّةٍ لَهُ فَنَوَّهَتْ بِهِمُ امْرَأَتُهُ، فَصَيَّحَتْ، وَكَانَ قَدْ نَهَاهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ بَعَثَهُمْ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ، وَالْوِلْدَانِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَحْمِلُ عَلَيْهَا السَّيْفَ ثُمَّ يَذْكُرُ نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ، فَيُمْسِكُ يَدَهُ، قَالَ:
فَابْتَدَرُوهُ بِأَسْيَافِهِمْ، وَتَحَامَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُنَيْسٍ فِي بَطْنِهِ بِالسَّيْفِ حَتَّى قَتَلَهُ [(٤)] .
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أنيس، أَنَّهُ قَتَلَهُ ابْنُ عَتِيكٍ وَابْنُ أُنَيْسٍ ذَفَّفَ عَلَيْهِ، وَقِيلَ فِيهِ أَنَّهُ قَتَلَهُ ابْنُ عَتِيكٍ وَذَفَّفَ عَلَيْهِ.
وَالصَّحِيحُ مَا أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأَدِيبُ. قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ. قَالَ:
أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ:
بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَهْطًا مِنَ الْأَنْصَارِ إِلَى أَبِي رَافِعٍ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ الله ابن عَتِيكٍ بَيْتَهَ لَيْلًا، فَقَتَلَهُ وهو نائم.
_________________
(١) [(٤)] سيرة ابن هشام (٣: ٢٣٢)، البداية والنهاية (٤: ١٣٧) .
[ ٤ / ٣٤ ]
ورَوَاهُ [(٥)] الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ نَصْرٍ، وغيره، عن يحيى ابن آدَمَ [(٦)] .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ الْحَافِظُ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْخَثْعَمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ الْأَوْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُرَيْحُ بْنُ مَسْلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يوسف ابن أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ، الْبَرَاءَ، قَالَ:
بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى أَبِي رَافِعٍ: عَبْدَ اللهِ بْنَ عَتِيكٍ، وَعَبْدَ اللهِ بْنَ عُتْبَةَ فِي أُنَاسٍ مَعَهُمْ، فَانْطَلَقُوا حَتَّى دَنَوْا مِنَ الْحِصْنِ، فَقَالَ لَهُمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَتِيكٍ: امْكُثُوا أَنْتُمْ حَتَّى أَنْطَلِقَ أَنَا فَأَنْظُرَ، قَالَ: فَتَلَطَّفْتُ أَنْ أَدْخُلَ الْحِصْنَ، قَالَ: فَفَقَدُوا حِمَارًا لَهُمْ، فَخَرَجُوا بِقَبَسٍ يَطْلُبُونُهُ، قَالَ: فَخَشِيتُ أَنْ أُعْرَفَ، فَغَطَّيْتُ رَأْسِي، وَجَلَسْتُ كَأَنِّي أَقْضِي حَاجَةً قَالَ: فَنَادَى صَاحِبُ الْبَابِ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ فَلْيَدْخُلْ قَبْلَ أَنْ أُغْلِقَهُ، قَالَ: فَدَخَلْتُ ثُمَّ اخْتَبَأْتُ فِي مِرْبَطِ حِمَارٍ عِنْدَ بَابِ الْحِصْنِ، قَالَ: فَتَعَشَّوْا عِنْدَ أَبِي رَافِعٍ، وَتَحَدَّثُوا حَتَّى ذَهَبَ سَاعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى بُيُوتِهِمْ، فَلَمَّا هَدَأَتِ الْأَصْوَاتُ وَلَا أَسْمَعُ حَرَكَةً خَرَجْتُ، قَالَ: وَرَأَيْتُ صَاحِبَ الْبَابِ حَيْثُ وَضَعَ مِفْتَاحَ الْحِصْنِ، فِي كُوَّةٍ فَأَخَذْتُ، فَفَتَحْتُ بِهِ بَابَ الْحِصْنِ.
قَالَ: قُلْتُ: إِنْ نَذِرَ بِيَ الْقَوْمُ، انْطَلَقْتُ عَلَى مَهْلِي، قَالَ: ثُمَّ عَمَدْتُ إِلَى أَبْوَابِ بُيُوتِهِمْ، فَغَلَّقْتُهَا عَلَيْهِمْ مِنْ ظَاهِرٍ، ثُمَّ صَعِدْتُ إِلَى أَبِي رَافِعٍ فِي سُلَّمٍ، فَإِذَا الْبَيْتُ مُظْلِمٌ، قَدْ طُفِئَ سِرَاجُهُ فَلَمْ أَدْرِ أَيْنَ الرَّجُلُ، فَقُلْتُ: يَا أبا
_________________
(١) [(٥)] في (ح): «رواه» . [(٦)] الْبُخَارِيُّ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ نَصْرٍ في: ٦٤- كتاب المغازي، (١٦) بَابُ قَتْلِ أَبِي رَافِعٍ، الحديث (٤٠٣٨)، فتح الباري (٧: ٣٤) .
[ ٤ / ٣٥ ]
رَافِعٍ. قَالَ: مَنْ هَذَا. قَالَ: فَعَمَدْتُ إِلَى الصَّوْتِ فَأَصَبْتُهُ، قَالَ: فَصَاحَ فَلَمْ يُغْنِ شَيْئًا.
قَالَ: ثُمَّ جِئْتُ كَأَنِّي أُغِيثُهُ، فَقُلْتُ: مالك يَا أَبَا رَافِعٍ؟ وَغَيَّرْتُ صَوْتِي، [قَالَ] [(٧)] أَلَا أُعْجِبُكَ، لِأُمِّكَ الْوَيْلُ، دَخَلَ عَلَيَّ رَجُلٌ فَضَرَبَنِي بِالسَّيْفِ، قَالَ: فَعَمَدْتُ لَهُ أَيْضًا، فَأَضْرِبُهُ أُخْرَى، فَلَمْ تُغْنِ شَيْئًا. فَصَاحَ وَقَامَ أَهْلُهُ.
قَالَ: ثُمَّ جِئْتُ وَغَيَّرْتُ صَوْتِي كَهَيْئَةِ الْمُغِيثِ، وَإِذَا هُوَ مستلقى عَلَى ظَهْرِهِ. قَالَ فَأَضَعُ السَّيْفَ فِي بَطْنِهِ، ثُمَّ أَتَّكِئُ عَلَيْهِ، حَتَّى سَمِعْتُ صَوْتَ الْعَظْمِ، ثُمَّ خَرَجْتُ دَهِشًا، حَتَّى أَتَيْتُ السُّلَّمَ أُرِيدُ أَنْزِلَ، فَأَسْقُطُ مِنْهُ فَانْخَلَعَتْ [(٨)] رِجْلِي، فَعَصَبْتُهَا، ثُمَّ أَتَيْتُ أَصْحَابِي أَحْجِلُ. فَقُلْتُ: انْطَلِقُوا فَبَشِّرُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَإِنِّي لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَسْمَعَ النَّاعِيَةَ.
قَالَ: فَلَمَّا كَانَ فِي وَجْهِ الصُّبْحِ صَعِدَ النَّاعِيَةُ، فَقَالَ: أَنْعِي أَبَا رَافِعٍ، قَالَ: فَقُمْتُ أَمْشِي مَا بِي قَلَبَةٌ، فَأَدْرَكْتُ أَصْحَابِي قَبْلَ أَنْ يَأْتُوا النَّبِيَّ ﷺ، فَبَشَّرْتُهُ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ [(٩)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو الْبِسْطَامِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، قَالَ:
أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ، هُوَ ابْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: وَأَخْبَرَنِي الْمَنِيعِيُّ، وَالْحَسَنُ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، قَالَ:
_________________
(١) [(٧)] الزيادة من (ح) . [(٨)] في (ح) و(أ): «فاختلفت» وأثبتّ ما في (ص) وهو موافق للبخاري. [(٩)] الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ في: ٦٤- كتاب المغازي، (١٦) بَابُ قَتْلِ أَبِي رَافِعٍ، الحديث (٤٠٤٠)، فتح الباري (٧: ٣٤١) .
[ ٤ / ٣٦ ]
أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ. قَالَ:
بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى أَبِي رَافِعٍ الْيَهُودِيِّ رِجَالًا مِنَ الْأَنْصَارِ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللهِ بْنَ فُلَانٍ [(١٠)]، وَكَانَ أَبُو رَافِعٍ يُؤْذِي رَسُولَ اللهِ ﷺ وَيُعِينُ عَلَيْهِ، وَكَانَ فِي حِصْنٍ لَهُ بِأَرْضِ الْحِجَازِ، فَلَمَّا دَنَوْا مِنْهُ وَقَدْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَرَاحَ النَّاسُ بِسَرْحِهِمْ، قَالَ عَبْدُ اللهِ لِأَصْحَابِهِ: اجْلِسُوا مَكَانَكُمْ فَإِنِّي مُنْطَلِقٌ فَمُتَلَطِّفٌ لِلْبَوَّابِ [(١١)]، فَلَعَلِّي أَدْخُلُ. قَالَ: فَأَقْبَلَ حَتَّى دَنَا مِنَ الْبَابِ، ثُمَّ تَقَنَّعَ بِثَوْبِهِ كَأَنَّهُ يَقْضِي حَاجَتَهُ، وَقَدْ دَخَلَ النَّاسُ، فَهَتَفَ بِهِ الْبَوَّابُ، يَا عَبْدَ اللهِ. إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تَدْخُلَ. فَادْخُلْ، فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُغْلِقَ الْبَابَ. فَدَخَلْتُ، فَكَمَنْتُ، فَلَمَّا دَخَلَ النَّاسُ أَغْلَقَ الْبَابَ، ثُمَّ عَلَّقَ الْأَقَالِيدَ عَلَى وَدٍّ. قَالَ: فَقُمْتُ إِلَى الْأَقَالِيدِ فَفَتَحْتُ الْبَابَ، وَكَانَ أَبُو رَافِعٍ يُسْمَرُ عِنْدَهُ، وَكَانَ فِي عَلَالِيٍّ فَلَمَّا أَنْ ذَهَبَ عَنْهُ أَهْلُ سَمَرِهِ، صَعِدْتُ إِلَيْهِ فَجَعَلْتُ كُلَّمَا فَتَحْتُ بَابًا أَغْلَقْتُهُ عَلَيَّ مِنْ دَاخِلٍ. قُلْتُ:
إِنِ الْقَوْمُ نَذِرُوا بِي لَمْ يَخْلُصُوا إِلَيَّ، حَتَّى أَقْتُلَهُ، فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ فِي بَيْتٍ مُظْلِمٍ، وَسْطَ عِيَالِهِ، لَا أَدْرِي أَيْنَ هُوَ مِنَ الْبَيْتِ. قُلْتُ: يَا أَبَا رَافِعٍ! قَالَ: مَنْ هَذَا فَأَهْوَيْتُ نَحْوَ الصَّوْتِ، فَأَضْرِبُهُ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ وَأَنَا دَهِشٌ. فَمَا أَغْنَى شَيْئًا، فَصَاحَ. قَالَ: فَخَرَجْتُ مِنَ الْبَيْتِ فَأَمْكُثُ غَيْرَ بَعِيدٍ ثُمَّ دَخَلْتُ إِلَيْهِ. فَقُلْتُ: مَا هَذَا الصَّوْتُ يَا أَبَا رَافِعٍ. قَالَ: لِأُمِّكَ الْوَيْلُ. إِنَّ رَجُلًا فِي الْبَيْتِ ضَرَبَنِي قَبْلُ بِالسَّيْفِ. قَالَ: فَأَضْرِبُهُ ضَرْبَةً أَثْخَنَتْهُ. وَلَمْ أَقْتُلْهُ، ثُمَّ وَضَعْتُ صَدْرَ السَّيْفِ فِي بَطْنِهِ، حَتَّى أَخَذَ فِي ظَهْرِهِ، فَعَلِمْتُ أَنِّي قَدْ قَتَلْتُهُ. فَجَعَلْتُ أَفْتَحُ الْأَبْوَابَ بَابًا فَبَابًا. حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى دَرَجِهِ، فَوَضَعْتُ رِجْلِي وَأَنَا أَرَى أَنِّي قَدِ انْتَهَيْتُ إِلَى الْأَرْضِ، فَوَقَعْتُ فِي ليلة معمرة، فَانْكَسَرَتْ سَاقِي، فَعَصَبْتُهَا بِعِمَامَةٍ [(١٢)]، ثم
_________________
(١) [(١٠)] في صحيح البخاري: «عبد الله بن عنيك» . [(١١)] كذا في (أ) و(ح) وفي (ص): «بالبواب»، وفي صحيح البخاري: «ومتلطف للبواب» . [(١٢)] كذا في (أ) و(ح) وصحيح البخاري، وفي (ص): «بعمامتي» .
[ ٤ / ٣٧ ]
انْطَلَقْتُ حَتَّى جَلَسْتُ عِنْدَ الْبَابِ، فَقُلْتُ لَا أَبْرَحُ اللَّيْلَةَ حَتَّى أَعْلَمَ: أَقَتَلْتُهُ؟
فَلَمَّا صَاحَ الدِّيكُ، قَامَ النَّاعِي عَلَى السُّورِ، فَقَالَ: أَنْعِي أَبَا رَافِعٍ، فَانْطَلَقْتُ إِلَى أَصْحَابِي، فَقُلْتُ: النَّجَاءَ النَّجَاءَ فَقَدْ قَتَلَ اللهُ أَبَا رَافِعٍ
فَانْتَهَيْنَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ حَدَّثْنَاهُ. فَقَالَ: ابْسُطْ رِجْلَكَ فَبَسَطْتُهَا فَمَسَحَهَا فَكَأَنَّمَا لَمْ أَشْكُهَا قَطُّ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مُوسَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مُوسَى [(١٣)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: وَكَانَ سَلَّامُ بْنُ أَبِي الْحُقَيْقِ قَدْ أَجْلَبَ فِي غَطَفَانَ، وَمَنْ حَوْلَهُ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ، يَدْعُوهُمْ إِلَى قِتَالِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَيَجْعَلُ لَهُمُ الْجُعْلَ الْعَظِيمَ، فَاجْتَمَعَتْ مَعَهُمْ غَطَفَانُ، وَحُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ بِمَكَّةَ قَدِ اسْتَغَوَى أَهْلَ مَكَّةَ، حَدَّثَهُمْ أَنَّ عَشِيرَتَهُمْ يَتَرَدَّدُونَ بِتِلْكَ الْبِلَادِ، يَنْتَظِرُونَ الْمَدَدَ وَالْأَمْوَالَ، وَأَطَاعَتْ لَهُمْ غَطَفَانُ، وَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى ابْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ عَبْدَ اللهِ بْنَ عتيك بْنِ قَيْسِ بْنِ الْأَسْوَدِ، وأبا قتادة بن ربعي، وَأَسْوَدَ الْخُزَاعِيَّ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَتِيكٍ فَبَيَّتُوهُ لَيْلًا فَقَتَلُوهُ [(١٤)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ بِبَغْدَادَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَتَّابٍ الْعَبْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ:
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، قَالَ:
_________________
(١) [(١٣)] الْبُخَارِيُّ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مُوسَى في الموضع السابق. فتح الباري (٧: ٣٤٠) . [(١٤)] «الدرر» لابن عبد البر (١٨٣) .
[ ٤ / ٣٨ ]
بُعِثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَتِيكٍ، وَعَبْدَ اللهِ بْنَ أُنَيْسٍ، وَمَسْعُودَ بْنَ سِنَانِ بْنِ الْأَسْوَدِ، وأبا قَتَادَةَ بْنَ رِبْعِيِّ بْنِ بِلْدَمَةَ، مِنْ بَنِي سَلِمَةَ، وَأَسْوَدَ بْنَ خُزَاعِيٍّ حَلِيفًا، لَهُمْ وَيُقَالُ: نَجْدَةُ، فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ، وَأَسْعَدَ بْنَ حُرَامٍ وَهُوَ أَحَدُ الْبُرَكِ حَلِيفٌ لِبَنِي سَوَّادٍ، فَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ: عَبْدَ اللهِ بْنَ عَتِيكٍ، فَطَرَقُوا أَبَا رَافِعِ بْنَ أَبِي الْحُقَيْقِ الْيَهُودِيَّ بِخَيْبَرَ فَقَتَلُوهُ فِي بَيْتِهِ.
قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: قَالَ ابْنُ كَعْبٍ: فَقَدِمُوا عَلَى رَسُولِ الله ﷺ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَالَ: أَفْلَحَتِ الْوُجُوهُ قَالُوا: أَفْلَحَ وَجْهُكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: أَقَتَلْتُمُوهُ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: نَاوِلُونِي السَّيْفَ، فَسَلَّهُ.
فَقَالَ: أَجَلْ هَذَا طَعَامُهُ فِي ذُبَابِ السيف [(١٥)] .
_________________
(١) [(١٥)] رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ذكرها ابن عبد البر في «الدرر» (١٨٦) باختصار، ونقلها الحافظ بن كثير في البداية والنهاية (٤: ١٣٩) . وانظر اخبارا اخرى في قتله في صحيح البخاري فتح الباري (٦: ١٥٤- ١٥٥)، وسيرة ابن هشام (٣: ٢٣٢)، وطبقات ابن سعد (٢: ٩١)، وتاريخ الطبري (٢: ٤٩٣)، وابن حزم (١٩٨)، وتاريخ ابن كثير (٤: ١٣٧)، ونهاية الأرب (١٧: ١٩٧) .
[ ٤ / ٣٩ ]
بَابُ قَتْلِ ابْنِ نُبَيْحٍ الْهُذَلِيِّ، ومَا ظَهَرَ فِي ذَلِكَ مِنْ آثَارِ النُّبُوَّةِ بِوُجُودِ الصِّدْقِ فِي خَبَرِهِ
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ، قَالَ بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُنَيْسٍ [(١)] السَّلَمِيَّ إِلَى سُفْيَانَ بْنِ خَالِدٍ الْهُذَلِيِّ، ثُمَّ اللِّحْيَانِيِّ لِيَقْتُلَهُ وَهُوَ بِعُرَنَةِ [(٢)] وَادِي مَكَّةَ.
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ بِبَغْدَادَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَتَّابٍ. قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي
_________________
(١) [(١)] هُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أنيس بن أسعد بن حرام بن حبيب بن مالك بن غنم شهد بدرا وأحدا وما بعدهما وله ترجمة في أسد الغابة (٣: ١١٩)، وقال ابن حجر في الإصابة (٢: ٢٧٨): «بَعَثَهُ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى ابْنِ نبيح العتري وحده فقتله، ودخل مصر، وخرج الى افريقية» . وقال الجاحظ في البيان والتبيين (٣: ١١): «ومما يدلك على استحسانهم شأن المخصرة: حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أنيس ذي المخصرة، وهو صاحب ليلة الجهني وكان النبي﵇- أعطاه مخصرة، وقال: تلقاني في الجنة.» [(٢)] (عرنة): موضع بقرب عرفة موقف الحجيج، وانظر معجم ما استعجم (٣: ٩٣٥) مادة عرنة، و(٤: ١١٩) مادة محسر.
[ ٤ / ٤٠ ]
أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، قَالَ: وَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُنَيْسٍ السَّلَمِيَّ، إِلَى سُفْيَانَ بْنِ عبد الله ابن نُبَيْحٍ الْهُذَلِيِّ، ثُمَّ اللِّحْيَانِيِّ وَهُوَ بِعُرَنَةَ مِنْ وَرَاءِ مَكَّةَ، أَوْ بِعَرَفَةَ، قَدِ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ النَّاسُ لِيَغْزُوَ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِهِمْ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَقْتُلَهُ.
قَالَ عَبْدُ اللهِ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ مَا نَحْوُهُ يَا رَسُولَ اللهِ [انْعَتْهُ لِي] قَالَ إِذَا رأيته هبته. وفرقت مِنْهُ. قَالَ عَبْدُ اللهِ فَمَا فَرِقْتُ مِنْ شَيْءٍ قَطُّ.
فَانْطَلَقَ عَبْدُ اللهِ يَتَوصَّلُ بِالنَّاسِ، وَيَعْتَزِي إِلَى خُزَاعَةَ، وَيُخْبِرُ مَنْ لَقِيَ أَنَّمَا يُرِيدُ سُفْيَانَ لِيَكُونَ مَعَهُ، فَلَقِيَ سُفْيَانَ وَهُوَ يَمْشِي بِبَطْنِ عُرَنَةَ وَوَرَاءَهُ الْأَحَابِيشُ [(٣)] مِنْ حَاضِرَةِ مَكَّةَ قَالَ عَبْدُ اللهِ فَلَمَّا رَأَيْتُهُ، هِبْتُهُ وَفَرِقْتُ مِنْهُ فَقُلْتُ: صَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ ثُمَّ كَمَنْتُ لَهُ، حَتَّى إِذَا هَدَأَ النَّاسُ، اغررته [(٤)] فَقَتَلْتُهُ.
فَيَزْعُمُونَ أَنْ رَسُولَ اللهِ ﷺ أُخْبِرَ بِقَتْلِهِ قَبْلَ قُدُومِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُنَيْسٍ.
قَالَ مُوسَى: وَذَكَرُوا، وَاللهُ أَعْلَمُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَعْطَاهُ عَصًا [(٥)] فَقَالَ: تَخَصَّرْ بِهَا، أَوْ أَمْسِكْهَا. فَكَانَتْ عِنْدَهُ حَتَّى زَعَمُوا [(٦)] حَتَّى أَمَرَ بِهَا فَجُعِلَتْ فِي كَفَنِهِ، بَيْنَ جِلْدِهِ وَثِيَابِهِ.
وَلَا نَدْرِي مِنْ أَيْنَ بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ابْنَ أُنَيْسٍ إِلَى ابْنِ نُبَيْحٍ أَمِنَ الْمَدِينَةِ أَمْ مِنْ غَيْرِهَا.
هَذَا لَفْظُ حَدِيثِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، وَلَيْسَ فِي رِوَايَةِ عُرْوَةَ قصة العصا [(٧)] .
_________________
(١) [(٣)] الأحابيش: أحياء من القارة انصحوا إلى بني ليث في محاربتهم قرينا والتحبش: التجمع. [(٤)] (اغتررته) أخذته في غفلة. [(٥)] رسمت في (أ) و(ح): «عصى» . [(٦)] في (ص): «فَكَانَتْ عِنْدَهُ حَتَّى زَعَمُوا» . [(٧)] أشار إلى رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ: ابن سيد الناس في عيون الأثر (٢: ٥٥)، وابن كثير في التاريخ (٤: ١٤١)، والصالحي (٥: ٥٧)، وأبو نعيم في الدلائل (٤٥١) .
[ ٤ / ٤١ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرِ بْنُ قَتَادَةَ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سَعْدٍ الْحَافِظُ.
قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ إِبْرَاهِيمَ الْعَبْدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُنَيْسٍ، عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُنَيْسٍ، قَالَ:
دَعَانِي رَسُولُ الله ﷺ فَقَالَ: إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ ابْنَ نُبَيْحٍ الْهُذَلِيَّ يَجْمَعُ النَّاسَ لِيَغْزُوَنِي، وَهُوَ بنخله [(٨)]، أو بعرنة فأتيه فَاقْتُلْهُ.
قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ. انْعَتْهُ لِي، حَتَّى أَعْرِفَهُ. قَالَ: آيَةُ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ.
أَنَّكَ إِذَا رَأَيْتَهُ، وَجَدْتَ لَهُ قُشَعْرِيرَةً [(٩)] . قَالَ فَخَرَجْتُ مُتَوَشِّحًا بِسَيْفِي، حَتَّى دَفَعْتُ إِلَيْهِ فِي ظُعُنٍ يَرْتَادُ بِهِنَّ مَنْزِلًا، حِينَ كَانَ وَقْتُ الْعَصْرِ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُ وَجَدْتُ لَهُ مَا وَصَفَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الْقُشَعْرِيرَةِ، فَأَقْبَلْتُ نَحْوَهُ، وَخَشِيتُ أَنْ تَكُونَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ مُحَاوَلَةٌ تَشْغَلُنِي عَنِ الصَّلَاةِ، فَصَلَّيْتُ وَأَنَا أَمْشِي نَحْوَهُ، أُومِئُ بِرَأْسِي إِيمَاءً، فَلَمَّا انْتَهَيْتُ إِلَيْهِ، قَالَ: مَنِ الرَّجُلُ؟ قُلْتُ: رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ، سَمِعَ بِكَ وَبِجَمْعِكَ لِهَذَا الرَّجُلِ، فَجَاءَ لِذَلِكَ، قَالَ: أَجَلْ، نَحْنُ فِي ذَلِكَ، قَالَ:
فَمَشَيْتُ مَعَهُ شَيْئًا، حَتَّى إِذَا أَمْكَنَنِي، حَمَلْتُ عَلَيْهِ بِالسَّيْفِ فَقَتَلْتُهُ، ثُمَّ خَرَجْتُ وَتَرَكْتُ ظَعَائِنَهُ مُكِبَّاتٍ عَلَيْهِ، فَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ قَالَ: أَفْلَحَ الْوَجْهُ، قُلْتُ: قَدْ قَتَلْتُهُ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: صَدَقْتَ. ثُمَّ قَامَ بِي رَسُولُ اللهِ ﷺ فَدَخَلَ بِي بَيْتَهُ، فَأَعْطَانِي عَصًا، فَقَالَ: أَمْسِكْ هَذِهِ عِنْدَكَ يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ أُنَيْسٍ! فَخَرَجْتُ بِهَا عَلَى النَّاسِ، فَقَالُوا: مَا هَذِهِ الْعَصَا مَعَكَ يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ أُنَيْسٍ؟
قُلْتُ: أَعْطَانِيهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَأَمَرَنِي أَنْ أُمْسِكَهَا عِنْدِي. قَالُوا: أَفَلَا تَرْجِعُ إِلَيْهِ فَتَسْأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ. قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ لِمَ أَعْطَيْتَنِي هذه
_________________
(١) [(٨)] (نخلة): «اسم مكان» . [(٩)] (القشعريرة) انقباض الجلد واجتماعه.
[ ٤ / ٤٢ ]
الْعَصَا؟ قَالَ: آيَةٌ بَيْنِي وَبَيْنَكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. إِنَّ أَقَلَّ النَّاسِ الْمُتَخَصِّرُونَ [(١٠)] يَوْمَئِذٍ.
قَالَ: فَقَرَنَهَا عَبْدُ اللهِ بِسَيْفِهِ فَلَمْ تَزَلْ مَعَهُ، حَتَّى إِذَا مَاتَ أَمَرَ بِهَا فَضُمَّتْ مَعَهُ فِي كَفَنِهِ، فَدُفِنَا جَمِيعًا [(١١)] .
رَوَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ، وَقَالَ: إِلَى خَالِدِ بْنِ سُفْيَانَ الْهُذَلِيِّ [(١٢)]
_________________
(١) [(١٠)] (المتخصرون) المتكئون على المخاصر وهي العصي، واحدتها: مخصرة. [(١١)] أخرجه الإمام أحمد في «مسنده» (٣: ٤٩٦) . [(١٢)] رواه أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ، عن ابن إسحاق.. وانظر في سيرة ابن هشام (٤: ٢٢٨) .
[ ٤ / ٤٣ ]
بَابُ غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ [(١)] وَهِيَ غَزْوَةُ الْمُرَيْسِيعِ، وَمَا ظَهَرَ فِيهَا مِنْ آثَارِ النُّبُوَّةِ [(٢)]
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ، قَالَ: وَبَنُو الْمُصْطَلِقِ وَلِحْيَانَ فِي شَعْبَانَ مِنْ سَنَةِ خمس [(٣)] .
_________________
(١) [(١)] المصطلق- بضم الميم وسكون الصاد وفتح الطاء المهملتين وكسر اللام بعدها قاف- مفتعل من الصلق وهو رفع الصوت، وهو لقب واسمه جذيمة- بجيم فذال معجمتين مفتوحة فتحتية ساكنة- ابن سعد بْنُ عَمْرِو بْنِ رَبِيعَةَ بن حارثة: بطن من بني خزاعة. والمريسيع- بضم الميم وفتح الراء وسكون التحتانيتين سين مهملة مكسورة وآخره عين مهملة- وهو ماء لبني خزاعة بينه وبين الفرع مسيرة يوم، مأخوذ من قولهم: رسعت عن الرجل إذا دمعت من فساد. [(٢)] انظر في هذه الغزوة: طبقات ابن سعد (٢: ٦٣)، سيرة ابن هشام (٣: ٢٤٧)، مغازي الواقدي ص (١: ٤٠٤)، صحيح البخاري (٥: ١١٥)، تاريخ الطبري (٢: ٦٠٤)، انساب الأشراف (١: ٦٤)، ابن حزم (٢٠٣)، دلائل النبوة لأبي نعيم (٤٤٧)، تاريخ ابن كثير (٤: ١٥٦)، نهاية الأرب (١٧: ١٦٤)، عيون الأثر (٢: ١٢٢)، السيرة الحلبية (٢: ٣٦٤)، السيرة الشامية (٤: ٤٨٦) . [(٣)] اختلف في زمن هذه الغزوة، فقال ابن إسحاق: في شعبان سنة ست، وبه جزم خليفة بن خياط والطبري.
[ ٤ / ٤٤ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ الْعَدْلُ بِبَغْدَادَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ السَّمَّاكِ. قَالَ: حَدَّثَنَا حَنْبَلُ بْنُ إِسْحَاقَ. قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بن المنذر الخراميّ. قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، فِي ذِكْرِ مَغَازِي رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: ثُمَّ قَاتَلَ بني المصطلق وبني لحيان فِي شَعْبَانَ مِنْ سَنَةِ خَمْسٍ.
وَرُوِّينَا، عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ قَالَ: كَانَتِ الْمُرَيْسِيعُ سَنَةَ خَمْسٍ مِنْ هِجْرَتِهِ.
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْأَصْبَهَانِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْجَهْمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَرَجِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَاقِدِيُّ، قَالَ: [(٤)] وَغَزْوَةُ الْمُرَيْسِيعِ فِي سَنَةِ خَمْسٍ. خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ
_________________
(١) [()] وقال قتادة، وعروة: كَانَتْ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ خمس. ووقع في صحيح البخاري نقلا عن ابن عُقْبَةَ أَنَّهَا كَانَتْ فِي سنة أربع. قال الحافظ: وكأنه سبق قلم، أراد أن يكتب سنة خمس فكتب سنة أربع. والذي فِي مَغَازِي مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ من عدة طرق أخرجها الحاكم وأبو سعد النيسابوري والبيهقي في الدلائل وغيرهم: سنة خمس. ولفظه عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: ثم قَاتَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَنِي المصطلق وبني لحيان في شعبان سنة خمس. ويؤيده ما أخرجه البخاري في الجهاد عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ غَزَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بَنِي المصطلق. وقال الحاكم في الإكليل: قول عروة وغيره انها كانت في سنة خمس أشبه من قول ابن إسحاق. قال الحافظ: ويؤيده ما ثبت في حديث الإفك أَنَّ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ تنازع هو وسعد بن عبادة في أصحاب الإفك، أي المذكور في الحوادث، فلو كانت هذه الغزوة فِي شَعْبَانَ سَنَةَ سِتٍّ، مع أن الإفك كان فيها، لكان ما وقع في الصحيح من ذكر سعد بن معاذ غلطا، لأن سعد بن معاذ مات ايام قريظة وكانت سنة خمس على الصحيح، كما سيأتي تقريره، وإن كانت سنة اربع فهو أسد، فظهر أن غزوة بني المصطلق كانت سنة خمس في شعبان، فتكون وقعت قبل الخندق، لأن الخندق كانت في شوال من سنة خمس، فتكون بعدها، فيكون سعد بن معاذ موجودا في المريسيع. ورمى بعد ذلك بسهم في الخندق، ومات من جراحته بعد أن حكم في بني قريظة. [(٤)] الخبر في المغازي (١: ٤٠٤) .
[ ٤ / ٤٥ ]
الِاثْنَيْنِ، لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْ شَعْبَانَ، وَقَدِمَ الْمَدِينَةَ لِهِلَالِ رَمَضَانَ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: فَحَدَّثَنِي شُعَيْبُ بْنُ عَبَّادٍ عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ رِفَاعَةَ. قَالَ خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي سبع مِائَةٌ.
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: ثُمَّ غَزَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِبَنِي الْمُصْطَلِقِ مِنْ خُزَاعَةَ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ سِتٍّ [(٥)] .
كَذَا قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، وَعَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، كُلٌّ قَدْ حَدَّثَ بِبَعْضِ الْحَدِيثِ، فَأَجْمَعُ حَدِيثَهُمْ. قَالُوا: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَبَلَغَهُ أَنَّ بَنِيَ الْمُصْطَلِقِ يَجْمَعُونَ لَهُ، وَقَائِدُهُمُ: الْحَارِثُ بْنُ أَبِي ضِرَارٍ، أَبُو جُوَيْرِيَةَ زَوْجِ النبي ﷺ فَسَارَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى نَزَلَ بِالْمُرَيْسِيعِ، مَاءٌ مِنْ مِيَاهِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، فَأَعَدُّوا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَتَزَاحَفَ النَّاسُ، فَاقْتَتَلُوا، فَهَزَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، بَنِي الْمُصْطَلِقِ، فَقَتَلَ مَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ، وَنَفَّلَ رسول الله ﷺ أَبْنَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ [فَأَفَاءَهُمْ] [(٦)]، وَأَقَامَ عَلَيْهِ مِنْ نَاحِيَةِ قُدَيْدٍ وَالسَّاحِلِ [(٧)] .
أخبرنا أبو عبد الله الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْأَصْبَهَانِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْجَهْمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَرَجِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَاقِدِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، ابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ، وَمَعْمَرِ بْنِ رَاشِدٍ فِي
_________________
(١) [(٥)] سيرة ابن هشام (٣: ٢٤٧) . [(٦)] الزيادة من (ص) فقط، وثابتة في السيرة لابن هشام. [(٧)] الخبر أورده ابن هشام في السيرة (٣: ٢٤٨) .
[ ٤ / ٤٦ ]
آخَرِينَ [(٨)]، قَالُوا: إِنَّ بَنِي الْمُصْطَلِقِ مِنْ خُزَاعَةَ، كَانُوا يَنْزِلُونَ نَاحِيَةَ الْفُرْعِ، وَهُمْ حُلَفَاءُ بَنِي مُدْلِجٍ، وَكَانَ رَأْسَهُمُ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي ضِرَارٍ، وَكَانَ قَدْ صَارَ فِي قَوْمِهِ وَمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ مِنَ الْعَرَبِ، فَدَعَاهُمْ إِلَى حَرْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وابْتَاعُوا خَيْلًا وَسِلَاحًا وَتَهَيَّئُوا لِلْمَسِيرِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَجَعَلَتِ الرُّكْبَانُ تَقْدَمُ مِنْ نَاحِيَتِهِمْ، فَيُخْبِرُونَ بِسَيْرِهِمْ، فَبَلَغَ رسول الله ﷺ فَبَعَثَ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيَّ فَعَلِمَ عِلْمَ ذَلِكَ، فَرَجَعَ، وَأَخْبَرَهُ خَبَرَ الْقَوْمِ، فَنَدَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ النَّاسَ فَأَسْرَعُوا الْخُرُوجَ [(٩)] .
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي الْأَبْيَضِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدَّتِهِ، وَهِيَ مَوْلَاةُ جُوَيْرِيَةَ، قَالَتْ: سَمِعْتُ جُوَيْرِيَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ، تَقُولُ:
أَتَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَنَحْنُ عَلَى الْمُرَيْسِيعِ، فَأَسْمَعُ أَبِي يَقُولُ: أَتَانَا مَا لَا قِبَلَ لَنَا بِهِ، قَالَتْ: وَكُنْتُ أَرَى مِنَ النَّاسِ وَالْخَيْلِ، وَالسِّلَاحِ، مَا لَا أَصِفُ مِنَ الْكَثْرَةِ.
فَلَمَّا أَنْ أَسْلَمْتُ وَتَزَوَّجَنِي رسول الله ﷺ وَرَجَعْنَا، جَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسُوا كَمَا كُنْتُ أَرَى، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ رُعْبٌ مِنَ اللهِ ﷿ يُلْقِيهِ فِي قُلُوبِ الْمُشْرِكِينَ، وَكَانَ رَجُلٌ مِنْهُمْ قَدْ أَسْلَمَ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، يَقُولُ: لَقَدْ كُنَّا نَرَى رِجَالًا بِيضًا، عَلَى خُيُولٍ بُلْقٍ، مَا كُنَّا نَرَاهُمْ قَبْلُ وَلَا بَعْدُ [(١٠)] .
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: ثُمَّ انْتَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الْمُرَيْسِيعِ، وَهُوَ الْمَاءُ، فَنَزَلَ وَضَرَبَ رسول الله ﷺ قُبَّةً لَهُ مِنْ أَدَمٍ، وَمَعَهُ مِنْ نِسَائِهِ: عَائِشَةُ، وَأُمُّ سَلَمَةَ، وَقَدِ اجْتَمَعُوا عَلَى الْمَاءِ، وَأَعَدُّوا وَتَهَيَّئُوا لِلْقِتَالِ، وَصَفَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ
_________________
(١) [(٨)] الْوَاقِدِيُّ (١: ٤٠٤) عَنْ «مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الله»، وعبد الله بن جعفر، وابن أبي سبرة، ومحمد بن صالح وعبد الحميد بن جعفر، وابن ابي حبيبة، وهشام بن سعد، ومعمر بن راشد، وأبو معشر، وخالد بن إلياس، وعائذ بن يحيى، وعمر بن عثمان المخزومي، وعبد اللهِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ قسيط، وعبد اللهِ بْنَ يَزِيدَ الْهُذَلِيَّ، كل هؤلاء حدثوه بطائفة، وغير هؤلاء قد حدّثه قالوا » . [(٩)] الخبر في مغازي الواقدي (١: ٤٠٤- ٤٠٥) . [(١٠)] الخبر في مغازي الواقدي (١: ٤٠٨- ٤٠٩) .
[ ٤ / ٤٧ ]
أَصْحَابَهُ، وَدَفَعَ رَايَةَ الْمُهَاجِرِينَ، إِلَى أَبِي بَكْرٍ، وَرَايَةَ الْأَنْصَارِ إِلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، وَيُقَالُ: كَانَتْ مَعَ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ رَايَةُ الْمُهَاجِرِينَ، ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَنَادَى فِي النَّاسِ قُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللهَ تَمْنَعُوا بِهَا أَنْفُسَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، فَفَعَلَ عُمَرُ، فَأَبَوْا فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ رَمَى رَجُلٌ مِنْهُمْ بِسَهْمٍ. فَرَمَى الْمُسْلِمُونَ سَاعَةً بِالنَّبْلِ، ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَحْمِلُوا، فَحَمَلُوا حَمْلَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَمَا أَفْلَتَ مِنْهُمْ إِنْسَانٌ، وَقُتِلَ عَشَرَةٌ مِنْهُمْ، وَأُسِرَ سَائِرُهُمْ، وَسَبَى رَسُولُ اللهِ ﷺ الرِّجَالَ، وَالنِّسَاءَ، وَالذُّرِّيَّةَ وَالنَّعَمَ، وَالشَّاءَ، وَمَا قُتِلَ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ. وَكَانَ أَبُو قَتَادَةَ يُحَدِّثُ قَالَ: حَمَلَ لِوَاءَ الْمُشْرِكِينَ صَفْوَانُ ذُو الشَّفْرَةِ، فَلَمْ تَكُنْ لِي نَاهِيَةٌ حَتَّى شَدَدْتُ عَلَيْهِ، فَقَتَلْتُهُ وَكَانَ الْفَتْحُ وَكَانَ شِعَارُهُمْ. يَا مَنْصُورُ أَمِتْ [(١١)] .
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ السَّعْدِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ، قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى نَافِعٍ أَسْأَلُهُ عَنِ الدُّعَاءِ قَبْلَ الْقِتَالِ، قَالَ: فَكَتَبَ إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، قَدْ أَغَارَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ، وَهُمْ غَارُّونَ وَأَنْعَامُهُمْ تُسْقَى عَلَى الْمَاءِ فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ، وَسَبَى سَبْيَهُمْ، فَأَصَابَ يَوْمَئِذٍ أَحْسَبُهُ قَالَ: جُوَيْرِيَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ، قَالَ نَافِعٌ:
وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ- يَعْنِي بِذَلِكَ- وَكَانَ فِي ذَلِكَ الْجَيْشِ.
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحِ. مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَوْنٍ [(١٢)] .
_________________
(١) [(١١)] الخبر في مغازي الواقدي (١: ٤٠٧)، و(يا منصور أمت) معناه: أمر بالموت، والمراد به: التفاؤل بالنصر، بعد الإماته، مع حصول الغرض للشعار، فإنهم جعلوا هذه الكلمة علامة بينهم يتعارفون بها لأجل ظلمة الليل. [(١٢)] أخرجه البخاري في: ٤٩- كتاب العتق،، (١٣) باب من ملك من العرب رقيقا فوهب وباع وجامع وفدى وسبى الذرية، الحديث (٢٥٤١)، فتح الباري (٥: ١٧٠)، وأخرجه مسلم في:
[ ٤ / ٤٨ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِئُ. قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الْقَاضِي قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ، قَالَ:
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ رَبِيعَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنِ ابْنِ مُحَيْرِزٍ، أَنَّهُ قَالَ: دَخَلْنَا أَنَا وَأَبُو صِرْمَةَ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، فَسَأَلَهُ أَبُو صِرْمَةَ، فَقَالَ: يَا أَبَا سَعِيدٍ! هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَذْكُرُ الْعَزْلَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ غَزْوَةَ بَنِي الْمُصْطَلِقِ فَسَبَيْنَا كِرَامَ الْعَرَبِ، فَطَالَتْ عَلَيْنَا الْعُزْبَةُ، وَرَغِبْنَا فِي الْفِدَاءِ فَأَرَدْنَا أَنْ نَسْتَمْتِعَ، وَنَعْزِلَ [(١٣)]، فَقُلْنَا نَفْعَلُ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ أَظْهُرِنَا لَا نَسْأَلُهُ! فَسَأَلْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا [(١٤)] مَا كَتَبَ اللهَ ﷿ خَلْقَ نَسَمَةٍ هِيَ كَائِنَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا سَتَكُونُ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ [(١٥)] فِي الصَّحِيحِ، عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ.
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ: أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ:
مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: لَمَّا قَسَّمَ رَسُولُ الله ﷺ سَبَايَا بَنِي الْمُصْطَلِقِ، وَقَعَتْ جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ فِي السَّهْمِ لِثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، أَوْ لابن عمّ له،
_________________
(١) [(٣٢-)] كتاب الجهاد والسير (١) باب جواز الإغارة على الكفار، الحديث (١)، ص (١٣٥٦) وأخرجه ابو داود في الجهاد عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ. [(١٣)] (العزل) هو نزع الذكر من الفرج وقت الإنزال، خوفا من الإنجاب. [(١٤)] (لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تفعلوا) معناه ما عليكم ضرر في ترك العزل، لأن كل نفس قدّر الله خلقها لا بد ان يخلقها سواء عزلتم أم لا، فلا فائدة في عزلكم. [(١٥)] أخرجه البخاري في: ٣٤- كتاب البيوع (١٠٩) باب بيع الرقيق، فتح الباري (٤: ٤٢٠)، ومسلم في: ١٦- كتاب النكاح، (٢٢) باب حكم العزل، الحديث (١٢٥)، ص (١٠٦١) .
[ ٤ / ٤٩ ]
فَكَاتَبَتْهُ عَلَى نَفْسِهَا، وَكَانَتِ امْرَأَةً حُلْوَةً مُلَاحَةً، لَا يَرَاهَا أَحَدٌ إِلَّا أَخَذَتْ بِنَفْسِهِ، فَأَتَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَسْتَعِينُهُ فِي كِتَابَتِهَا، قَالَتْ عائشة: فو الله مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتُهَا فَكَرِهْتُهَا، وَقُلْتُ سَيَرَى مِنْهَا مِثْلَ مَا رَأَيْتُ، فَلَمَّا دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَنَا جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ سَيِّدِ قَوْمِهِ، وَقَدْ أَصَابَنِي مِنَ الْبَلَاءِ مَا لَمْ يَخْفَ عَلَيْكَ، وَقَدْ كَاتَبْتُ عَلَى نَفْسِي فَأَعِنِّي عَلَى كِتَابَتِي. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَوْ خير مِنْ ذَلِكَ أُؤَدِّي عَنْكِ كِتَابَتَكِ وَأَتَزَوَّجُكِ، فَقَالَتْ: نَعَمْ، فَفَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَبَلَغَ النَّاسَ أَنَّهُ قَدْ تَزَوَّجَهَا، فَقَالُوا: أَصْهَارُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَرْسَلُوا مَا كَانَ فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، فَلَقَدْ أُعْتِقَ بِهَا مِائَةُ أَهْلِ بَيْتٍ مِنْ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، فَمَا أَعْلَمُ امْرَأَةً أَعْظَمَ بَرَكَةً عَلَى قَوْمِهَا مِنْهَا [(١٦)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ بْنُ بُطَّةَ، قَالَ:
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْجَهْمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَرَجِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَاقِدِيُّ، قَالَ: فَحَدَّثَنِي حِزَامُ بْنُ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَتْ جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ: رَأَيْتُ قَبْلَ قُدُومِ النَّبِيِّ ﷺ بِثَلَاثِ لَيَالٍ، كَأَنَّ الْقَمَرَ يَسِيرُ مِنْ يَثْرِبَ حَتَّى وَقَعَ فِي حِجْرِي، فَكَرِهْتُ أَنْ أُخْبِرَ بِهَا أَحَدًا، مِنَ النَّاسِ حَتَّى قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَلَمَّا سُبِينَا رَجَوْتُ الرُّؤْيَا، قَالَتْ: فَأَعْتَقَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَتَزَوَّجَنِي وَاللهِ مَا كَلَّمْتُهُ فِي قَوْمِي، حَتَّى كَانَ الْمُسْلِمُونَ هُمُ الَّذِينَ أَرْسَلُوهُمْ، وَمَا شَعَرْتُ إِلَّا بِجَارِيَةٍ مِنْ بَنَاتِ عَمِّي تُخْبِرُنِي الْخَبَرَ، فَحَمِدْتُ اللهَ ﷿.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَيُقَالُ أن رسول الله ﷺ جَعَلَ صَدَاقَهَا عِتْقَ كُلِّ أَسِيرٍ مِنْ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، وَيُقَالُ: جَعَلَ صَدَاقَهَا عِتْقَ أَرْبَعِينَ مِنْ قَوْمِهَا [(١٧)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَتَّابٍ قَالَ: حدثنا
_________________
(١) [(١٦)] الخبر في سيرة ابن هشام (٣: ٢٥٢)، ونقله ابن كثير في التاريخ (٤: ١٥٩) . [(١٧)] أخرجه الواقدي في مغازيه (١: ٤١١- ٤١٢) .
[ ٤ / ٥٠ ]
الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابن إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ عَمِّهِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ بِالْمُرَيْسِيعِ، قَالَ: فَهَزَمَهُمُ اللهِ، وَسَبَى فِي غَزْوَتِهِ تِلْكَ جويرية بنت الحارث، ابن أَبِي ضِرَارٍ، فَقَسَمَ لَهَا فَكَانَتْ مِنْ نِسَائِهِ، وَزَعَمَ بَعْضُ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، أَنَّ أَبَاهَا طَلَبَهَا فَافْتَدَاهَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، ثُمَّ خَطَبَهَا، فزوجها إياه [(١٨)] .
_________________
(١) [(١٨)] أشار ابن كثير إلى رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ في البداية والنهاية (٤: ١٥٩) .
[ ٤ / ٥١ ]
بَابُ مَا ظَهَرَ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ مِنْ نِفَاقِ عبد الله بن أبي بن سَلُولَ
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ وَعَبْدُ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ وَعَاصِمُ ابن عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، فِي قِصَّةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ فَبَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مُقِيمٌ هُنَاكَ، إِذَا اقْتَتَلَ عَلَى الْمَاءِ جَهْجَاهُ بْنُ سَعِيدٍ الْغِفَارِيُّ، وَكَانَ أَجِيرًا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، وَسِنَانُ بْنُ زَيْدٍ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، قَالَ: ازْدَحَمَا عَلَى الْمَاءِ، فَاقْتَتَلَا، فَقَالَ سِنَانٌ، يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، وَقَالَ الْجَهْجَاهُ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ، وَزَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ وَنَفَرٌ مِنَ الْأَنْصَارِ عِنْدَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ، فَلَمَّا سَمِعَهَا قَالَ: قَدْ ثَاوَرُونَا فِي بِلَادِنَا، وَاللهِ مَا عِزُّنَا وَجَلَابِيبُ قُرَيْشٍ هَذِهِ، إِلَّا كَمَا قَالَ الْقَائِلُ سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ [(١)]، وَاللهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى مَنْ عِنْدَهُ مِنْ قَوْمِهِ، فَقَالَ: هَذَا مَا صَنَعْتُمْ بِأَنْفُسِكُمْ، أَحْلَلْتُمُوهُمْ بِلَادَكُمْ، وَقَاسَمْتُمُوهُمْ أَمْوَالَكُمْ، أَمَا وَاللهِ لَوْ كَفَفْتُمْ عَنْهُمْ، لتحوّلوا
_________________
(١) [(١)] هذا مثل من أمثال العرب، وفي ضده تقول العرب «جوع كلبك يتبعك» .
[ ٤ / ٥٢ ]
عَنْكُمْ مِنْ بِلَادِكُمْ، إِلَى غيرها، فَسَمِعَهَا زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ، فَذَهَبَ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ غُلَيِّمٌ، وَعِنْدَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ! خُذْ عَبَّادَ بْنَ بِشْرٍ، فَلْنَضْرِبْ عُنُقَهُ، فَقَالَ ﷺ: فَكَيْفَ إِذَا تَحَدَّثَ النَّاسُ يَا عُمَرُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ، لَا. وَلَكِنْ نَادِ يَا عُمَرُ فِي الرَّحِيلِ، فَلَمَّا بَلَغَ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ أَنَّ ذَلِكَ قَدْ بَلَغَ رسول الله ﷺ أَتَاهُ، فَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ، وَحَلَفَ لَهُ بِاللهِ مَا قَالَ مَا قَالَ! عَلَيْهِ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ، وَكَانَ عِنْدَ قَوْمِهِ بِمَكَانٍ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! عَسَى أَنْ يَكُونَ هَذَا الغلام أو هم، وَلَمْ يُثْبِتْ مَا قَالَ الرَّجُلُ، وَرَاحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُهَجِّرًا فِي سَاعَةٍ كَانَ لَا يَرُوحُ فِيهَا، فَلَقِيَهُ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ بِتَحِيَّةِ النُّبُوَّةِ، ثُمَّ قَالَ: وَاللهِ لَقَدْ رُحْتَ فِي سَاعَةٍ مُنْكَرَةٍ، مَا كُنْتَ تَرُوحُ فِيهَا فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَمَا بَلَغَكَ مَا قَالَ صَاحِبُكَ ابْنُ أُبَيٍّ، زَعَمَ أَنَّهُ إِذَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ أَنَّهُ سَيُخْرِجُ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ، قَالَ: فَأَنْتَ وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ الْعَزِيزُ، وَهُوَ الذَّلِيلُ، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ ارْفُقْ به، فو الله لَقَدْ جَاءَ اللهُ بِكَ، وَإِنَّا لَنَنْظِمُ الْخَرَزَ لِنُتَوِّجَهُ، فَإِنَّهُ لَيَرَى أَنْ قَدِ اسْتَلَبْتَهُ مُلْكًا، فَسَارَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالنَّاسِ، حَتَّى أَمْسَوْا وَلَيْلَتَهُ، حَتَّى أَصْبَحُوا وَصَدْرَ يَوْمِهِ، حَتَّى اشْتَدَّ الضُّحَى ثُمَّ نَزَلَ بِالنَّاسِ لِيَشْغَلَهُمْ عَمَّا كَانَ مِنِ الْحَدِيثِ، فَلَمْ يَأْمَنِ النَّاسُ أَنْ وَجَدُوا مَسَّ الْأَرْضِ، فَنَامُوا وَنَزَلَتْ سُورَةُ الْمُنَافِقِينَ [(٢)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَزَاةٍ، فَكَسَعَ [(٣)] رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ. فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: يَا
_________________
(١) [(٢)] سيرة ابن هشام (٣: ٢٤٨- ٢٤٩) . [(٣)] (كسع): الكسع: ان تضرب بيدك او برجلك عجز إنسان، وقيل: الضرب بالسيف على المؤخر.
[ ٤ / ٥٣ ]
لَلْأَنْصَارِ وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ مَا بَالُ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ، دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ،! فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أبيّ بن سلول، أو قد فَعَلُوهَا، وَاللهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ، قَالَ جَابِرٌ: وَكَانَتِ الْأَنْصَارُ بِالْمَدِينَةِ أَكْثَرَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ حِينَ قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ، ثُمَّ كَثُرَ الْمُهَاجِرُونَ بَعْدَ ذَلِكَ. قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ دَعْهُ. لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ، عَنِ الْحُمَيْدِيِّ [(٤)] .
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَغَيْرِهِ، عَنْ سُفْيَانَ [(٥)] .
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَحْبُوبِيُّ بِمَرْوَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَسْعُودٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْأَزْدِيِّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ، قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكَانَ مَعَنَا أُنَاسٌ مِنَ الْأَعْرَابِ، فَكُنَّا نَبْتَدِرُ الْمَاءَ، وَكَانَ الْأَعْرَابُ يَسْبِقُونَا فَيَسْبِقُ الْأَعْرَابِيُّ أَصْحَابَهُ، فَيَمْلَأُ الْحَوْضَ، وَيَجْعَلُ حَوْلَهُ حِجَارَةً، وَيَجْعَلُ النِّطْعَ [(٦)] عَلَيْهِ، حَتَّى يَجِيءَ أَصْحَابُهُ، فَأَتَى رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ الْأَعْرَابِيَّ، فَأَرْخَى زِمَامَ نَاقَتِهِ لِتَشْرَبَ، فَأَبَى أَنْ يَدَعَهُ فَانْتَزَعَ حَجَرًا فَفَاضَ، فَرَفَعَ الْأَعْرَابِيُّ خَشَبَةً فَضَرَبَ بِهَا رَأْسَ الْأَنْصَارِيِّ، فَشَجَّهُ فَأَتَى عَبْدَ اللهِ بْنَ أبي بن سَلُولَ، رَأْسَ الْمُنَافِقِينَ، فَأَخْبَرَهُ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِهِ. فَغَضِبَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ، ثُمَّ قَالَ: [لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ
_________________
(١) [(٤)] أخرجه البخاري عن الحميدي في: ٦٥- كتاب التفسير، تفسير سورة المنافقين، (٧) باب يقولون: لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ، فتح الباري (٨: ٦٥٢) . [(٥)] أخرجه مسلم في كتاب الأدب، (١٦) باب نصر الأخ ظالما ومظلوما، الحديث (٦٣)، ص (١٩٩٨) . [(٦)] (النطع): بساط من الجلد.
[ ٤ / ٥٤ ]
حَتَّى يَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِهِ] يَعْنِي الْأَعْرَابَ وَكَانُوا يَحْضُرُونَ رسول الله ﷺ عِنْدَ الطَّعَامِ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ لِأَصْحَابِهِ إِذَا انْفَضُّوا مِنْ عِنْدِ محمد فأتوا مُحَمَّدًا بِالطَّعَامِ، فَلْيَأْكُلْ هُوَ وَمَنْ عِنْدَهُ، ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَلْيُخْرِجِ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ، قَالَ زَيْدٌ: وَأَنَا رِدْفُ عَمِّي [(٧)] فَسَمِعْتُ، عَبْدَ اللهِ وَكُنَّا أَخْوَالَهُ، فَأَخْبَرْتُ عَمِّي فَانْطَلَقَ، فَأَخْبَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَحَلَفَ وَجَحَدَ فَصَدَّقَهُ رسول الله ﷺ، وَكَذَّبَنِي فَجَاءَ إِلَيَّ عَمِّي، فَقَالَ مَا أَرَدْتَ أَنْ مَقَتَكَ رَسُولُ الله ﷺ وَكَذَّبَكَ الْمُسْلِمُونَ، فَوَقَعَ عَلَيَّ مِنَ الْغَمِّ مَا لَمْ يَقَعْ عَلَى أَحَدٍ قَطُّ، فَبَيْنَمَا أَنَا أَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي سَفَرٍ وَقَدْ خَفَفْتُ بِرَأْسِي مِنَ الْهَمِّ، إِذْ أَتَانِي رَسُولُ اللهِ ﷺ فَفَرَكَ أُذُنِي وَضَحِكَ فِي وَجْهِي، فَمَا كَانَ يَسُرُّنِي أَنَّ لِيَ بِهَا الْخُلْدَ أَوِ الدُّنْيَا، ثُمَّ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ لَحِقَنِي فَقَالَ: مَا قَالَ لَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ؟ قُلْتُ: مَا قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ شَيْئًا غَيْرَ أَنْ عَرَكَ أُذُنِي، وَضَحِكَ فِي وَجْهِي، فَقَالَ أَبْشِرْ، ثُمَّ لَحِقَنِي عُمَرُ، فَقُلْتُ لَهُ مِثْلَ قَوْلِي لِأَبِي بَكْرٍ، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا قَرَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سُورَةَ الْمُنَافِقِينَ إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ، قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ حَتَّى بَلَغَ.. هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا.. حَتَّى بَلَغَ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ.. [(٨)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، فِي تَفْسِيرِ آدَمَ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي بِهَمَذَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا آدَمُ ابن أَبِي إِيَاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيِّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَمِّي، فَسَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أبي بن سَلُولَ يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ:
لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ، حَتَّى يَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِهِ، وَقَالَ: لَئِنْ رجعنا
_________________
(١) [(٧)] كذا في الأصول وفي الترمذي: ردف رسول الله ﷺ. [(٨)] أخرجه الترمذي في كتاب التفسير، تفسير سورة المنافقين، عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ، الحديث (٣٣١٣)، ص (٥: ٤١٥- ٤١٧) بطوله.
[ ٤ / ٥٥ ]
إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ، قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَمِّي، فَذَكَرَهُ عَمِّي لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِعَبْدِ الله ابن أُبَيٍّ وَأَصْحَابِهِ، فَحَلَفُوا مَا قَالُوا، فَصَدَّقَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَكَذَّبَنِي فَأَصَابَنِي هَمٌّ لَمْ يُصِبْنِي مِثْلُهُ قَطُّ، وَجَلَسْتُ فِي بَيْتِي، فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿.. إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ.. إِلَى قَوْلِهِ هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: لَا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا.. إِلَى قَوْلِهِ: لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ فَأَرْسَلَ إِلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَرَأَهَا عَلَيَّ، وَقَالَ: إِنَّ اللهَ ﷿ قَدْ صَدَّقَكَ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ آدَمَ [(٩)] .
وذَكَرَ ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ وَذَكَرَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ فِي مَغَازِيهِمَا هَذِهِ الْقِصَّةَ، وَزَعَمَا أَنَّ أَوْسَ بْنَ أَقْرَمَ، وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، هُوَ الَّذِي سَمِعَ قَوْلَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ. فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَذَكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى ابْنِ أُبَيٍّ فَسَأَلَهُ عَمَّا تَكَلَّمَ بِهِ، فَحَلَفَ بِاللهِ، مَا قَالَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إِنْ كَانَ سَبَقَ مِنْكَ قَوْلٌ، فَتُبْ، فَجَحَدَ وَحَلَفَ، فَوَقَعَ رِجَالٌ بِأَوْسِ بْنِ أَقْرَمَ، وَقَالُوا أَسَأْتَ بِابْنِ عَمِّكَ، وَظَلَمْتَهُ وَلَمْ يُصَدِّقْكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَبَيْنَمَا هُمْ يَسِيرُونَ، إِذْ رَأَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ يُوحَى إِلَيْهِ، فَلَمَّا قَضَى اللهُ قَضَاءَهُ فِي مَوْطِنِهِ ذَلِكَ، وَسُرِّيَ عَنْهُ، نَظَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَإِذَا هُوَ بِأَوْسِ بْنِ أَقْرَمَ فَأَخَذَ بِأُذُنِهِ فَعَصَرَهَا، حَتَّى اسْتَشْرَفَ الْقَوْمُ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: أَبْشِرْ فَقَدْ صَدَّقَ اللهُ حَدِيثَكَ. ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْهِ سُورَةَ الْمُنَافِقِينَ، حَتَّى بَلَغَ مَا أَنْزَلَ اللهُ فِي ابْنِ أُبَيٍّ.. هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ، حَتَّى يَنْفَضُّوا..
حَتَّى بَلَغَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ [(١٠)] .
_________________
(١) [(٩)] أخرجه البخاري في تفسير سورة المنافقين، (٢) باب اتخذوا ايمانهم جنّة ، فتح الباري (٨: ٦٤٦) . [(١٠)] نقله ابن عبد البر مختصرا في الدرر (١٨٩) .
[ ٤ / ٥٦ ]
أَخْبَرَنَاهُ أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو عُلَاثَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي. قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ (ح) .
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ. قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَتَّابٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ. قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ:
أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، فَذَكَرَاهُ، وَذَكَرَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ فِيمَا سَمِعَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ فِي قِصَّةٍ أُخْرَى.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ. قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَتَّابٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ عَمِّهِ مُوسَى ابن عُقْبَةَ. قَالَ: فَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ الْفَضْلِ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: حَزِنْتُ عَلَى مَنْ أُصِيبَ بِالْحَرَّةِ مِنْ قَوْمِي، فَكَتَبَ إِلَيَّ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ وَبَلَغَهُ شِدَّةُ حُزْنِي يَذْكُرُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ. يَقُولُ: اللهُمَّ اغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَلِأَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ، وَشَكَّ ابْنُ الْفَضْلِ، يَعْنِي عَبْدَ اللهِ بْنِ الْفَضْلِ، فِي أَبْنَاءِ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ قَالَ ابْنُ الْفَضْلِ: فَسَأَلَ أَنَسًا بَعْضُ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَقَالَ:
هُوَ الَّذِي يَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: هَذَا الَّذِي أَوْفَى اللهُ لَهُ بِأُذُنِهِ [(١١)] قَالَ: وَذَاكَ حِينَ سَمِعَ رَجُلًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ، يَقُولُ: وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَخْطُبُ، لَئِنْ كَانَ هَذَا صَادِقًا، لَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الْحَمِيرِ، فَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ، فَهُوَ وَاللهِ صَادِقٌ وَلَأَنْتَ شَرٌّ مِنَ الْحِمَارِ، ثُمَّ رَفَعَ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَجَحَدَهُ الْقَائِلُ، فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿ هَذِهِ الْآيَةَ تَصْدِيقًا لِزَيْدٍ يَعْنِي قَوْلَهُ:.. يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قالُوا الْآيَةُ.
أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ إِلَى قَوْلِهِ هذا
_________________
(١) [(١١)] كأنه جعل اذنه ضامنة بتصديق ما ذكرت انها سمعت.
[ ٤ / ٥٧ ]
الَّذِي أُوفِيَ لَهُ بِأُذُنِهِ [(١٢)]، وَلَعَلَّ مَا بَعْدَهُ مِنْ قَوْلِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ [(١٣)] . وَقَدْ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ بِإِسْنَادِهِ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَذَكَرَ مَا بَعْدَهُ، عَنْ مُوسَى، عَنِ ابْنِ شهاب.
_________________
(١) [(١٢)] فتح الباري (٨: ٦٥٠) في تفسير سورة المنافقين. [(١٣)] قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (٨: ٦٥١): «وقع في رواية الإسماعيلي في آخر هذا الحديث من رواية مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ: «قال ابن شهاب سَمِعَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ رجلا من المنافقين يقول والنبي ﷺ يخطب: لئن كان هذا صادقا لنحن شر من الحمير، فقال زيد: قد والله صدق، ولانت شر من الحمار، ورفع ذلك الى النبي ﷺ فجحده القائل، فأنزل الله على رسوله: «يحلفون بالله ما قالوا» الآية، فكان مما انزل الله في هذه الآية تصديقا لزيد» انتهى. عقب ابن حجر بقوله: «وهذا مرسل جيد، وكأن البخاري حذفه لكونه على غير شرطه، ولا مانع من نزول الآيتين في القصتين في تصديق زيد» .
[ ٤ / ٥٨ ]
بَابُ هُبُوبِ الرِّيحِ الَّتِي دَلَّتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ على مَوْتِ عَظِيمٍ مِنْ عُظَمَاءِ الْمُنَافِقِينَ، وَمَا ظَهَرَ فِي رَاحِلَتِهِ الَّتِي ضَلَّتْ وَتَكَلَّمَ الْمُنَافِقُ فِيهَا بِمَا تَكَلَّمَ بِهِ مِنْ آثَارِ النُّبُوَّةِ
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو عُلَاثَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ (ح) .
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَتَّابٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ الْجَوْهَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، فِي قِصَّةِ غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، قَالَا: فَلَمَّا نَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ صَنْعَاءَ مِنْ طَرِيقِ عُمَانَ، سَرَّحَ النَّاسُ ظَهْرَهُمْ، وَأَخَذَتْهُمْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، حَتَّى أَشْفَقَ النَّاسُ مِنْهَا، وَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا شَأْنُ هَذِهِ الرِّيحِ؟ فَزَعَمُوا أَنَّهُ قَالَ: مَاتَ الْيَوْمَ مُنَافِقٌ عَظِيمُ النِّفَاقِ، وَلِذَلِكَ عَصَفَتِ الرِّيحُ، وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ مِنْهَا بَأْسٌ، إِنْ شَاءَ اللهُ- وَكَانَ مَوْتُهُ غَائِظًا لِلْمُنَافِقِينَ.
زَادَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ فِي رِوَايَتِهِ. قَالَ جَابِرٌ: فَرَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ، فَوَجَدْنَا مُنَافِقًا عَظِيمَ النِّفَاقِ قَدْ مَاتَ يَوْمَئِذٍ، ثُمَّ اتَّفَقَا وَسَكَنَتِ الرِّيحُ آخِرَ النَّهَارِ، فَجَمَعَ النَّاسُ ظَهْرَهَمْ، وَفُقِدَتْ رَاحِلَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ بَيْنِ الْإِبِلِ، فَسَعَى لَهَا الرِّجَالُ
[ ٤ / ٥٩ ]
يَلْتَمِسُونَهَا فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ كَانَ فِي رُفْقَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ: أَيْنَ يَسْعَى هَؤُلَاءِ؟ قَالَ أَصْحَابُهُ: يَلْتَمِسُونَ رَاحِلَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حُلَّتْ، وَفِي رِوَايَةِ عُرْوَةَ ضَلَّتْ. فَقَالَ الْمُنَافِقُ: أَفَلَا يُحَدِّثَهُ اللهُ بِمَكَانِ رَاحِلَتِهِ؟ فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ مَا قَالَ. وَقَالُوا: قَاتَلَكَ اللهُ، نَافَقْتَ فَلِمَ خَرَجْتَ وَهَذَا فِي نَفْسِكَ؟ قَالَ: خَرَجْتُ لِأُصِيبَ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا! وَلَعَمْرِي إِنَّ مُحَمَّدًا لَيُحَدِّثُنَا مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ شَأْنِ النَّاقَةِ، فَسَبَّهُ أَصْحَابُهُ، وَقَالُوا: وَاللهِ مَا نَكُونُ مِنْكَ بِسَبِيلٍ، وَلَوْ عَلِمْنَا أَنَّ هَذَا فِي نَفْسِكَ مَا صَحِبْتَنَا سَاعَةً، فَمَكَثَ الْمُنَافِقُ شَيْئًا، ثُمَّ قَامَ وَتَرَكَهُمْ، فَعَمَدَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ يَسْمَعُ الْحَدِيثَ، فَوَجَدَ اللهَ قَدْ حَدَّثَهُ حَدِيثَهُ،
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: وَالْمُنَافِقُ يَسْمَعُ: إِنَّ رَجُلًا مِنِ الْمُنَافِقِينَ شَمِتَ أَنْ حُلَّتْ أَوْ ضَلَّتْ نَاقَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَقَالَ: أفلا يحدثه الله بمكان نَاقَتِهِ، وَإِنَّ اللهَ ﷿ قَدْ أَخْبَرَنِي بِمَكَانِهَا وَلَا يَعْلَمُ الْغَيْبَ إِلَّا اللهُ، وَهِيَ فِي الشِّعْبِ الْمُقَابِلِ لَكُمْ، وَقَدْ تَعَلَّقَ زِمَامُهَا بِشَجَرَةٍ،
فَعَمَدُوا إِلَيْهَا فجاؤوا بِهَا، وَأَقْبَلَ الْمُنَافِقُ سَرِيعًا حَتَّى أَتَى النَّفَرَ الَّذِينَ قَالَ عِنْدَهُمْ مَا قَالَ، فَإِذَا هُمْ جُلُوسٌ مَكَانَهُمْ، لَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ مِنْ مَجْلِسِهِ، فَقَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللهِ هَلْ أَتَى أَحَدٌ مِنْكُمْ مُحَمَّدًا فَأَخْبَرَهُ بِالَّذِي قُلْتُ؟
قَالُوا: اللهُمَّ لَا، وَلَا قُمْنَا مِنْ مَجْلِسِنَا هَذَا بَعْدُ، قَالَ: فَإِنِّي وَجَدْتُ عِنْدَ الْقَوْمِ حَدِيثِي، وَقَالَ: وَاللهِ لَكَأَنِّي لَمْ أُسْلِمْ إِلَّا الْيَوْمَ وَإِنْ كُنْتُ لَفِي شَكٍّ مِنْ شَأْنِهِ، فَأَشْهَدُ أَنَّهُ رَسُولُ اللهِ قَالَ أَصْحَابُهُ: فَاذْهَبْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلْيَسْتَغْفِرْ لَكَ، فَزَعَمُوا أَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَاعْتَرَفَ بِذَنَبِهِ وَاسْتَغْفَرَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، يَزْعُمُونَ أَنَّهُ ابْنُ اللَّصِيبِ، وَفِي رِوَايَةِ عُرْوَةَ بْنُ اللَّصِيتِ أَوِ ابْنُ اللَّصِيتِ، وَلَمْ يَزَلْ- زَعَمُوا- فَشِلًا حَتَّى مَاتَ.
هَذَا لَفْظُ حَدِيثِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، وَزَعَمَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ الَّذِيَ أُخْبِرَ بِمَوْتِهِ، عِنْدَ هُبُوبِ الرِّيحِ، زَيْدُ بْنُ رفاعة بن التابوت [(١)] .
_________________
(١) [(١)] مغازي الواقدي (٢: ٤٢٣) .
[ ٤ / ٦٠ ]
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ شُيُوخِهِ الَّذِينَ رَوَى عَنْهُمْ قِصَّةَ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، قَالُوا: فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى إِذَا كَانَ بِبَقْعَاءَ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ دُونَ الْبَقِيعِ، هَبَّتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، فَخَافَهَا النَّاسُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لَا تَخَافُوهَا فَإِنَّهَا هَبَّتْ لِمَوْتِ عَظِيمٍ مِنْ عُظَمَاءِ الْكُفْرِ،
فَوَجَدُوا رِفَاعَةَ بْنَ زَيْدِ بْنِ التَّابُوتِ، مَاتَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَكَانَ مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ، وَكَانَ قَدْ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ، وَكَانَ كَهْفًا لِلْمُنَافِقِينَ [(٢)] .
وَأَخْبَرَنَا أبو عبد الله الْحَافِظُ، وأَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي قَالَا:
حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ (ح) .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الثَّقَفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حدثنا حفص ابن غِيَاثٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ.
أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدِمَ مِنَ سَفَرٍ، فَلَمَّا كَانَ قُرْبَ الْمَدِينَةِ، هَاجَتْ رِيحٌ تَكَادُ أَنْ تَدْفِنَ الرَّاكِبَ، فَزَعَمَ أن رسول الله ﷺ، قَالَ: بُعِثَتْ هَذِهِ الرِّيحُ لِمَوْتِ مُنَافِقٍ، قَالَ: فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَإِذَا مُنَافِقٌ عَظِيمٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ قَدْ مَاتَ.
لَفْظُ حَدِيثِ حَفْصٍ،
وَفِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، قَالَ: هَبَّتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ وَالنَّبِيُّ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ. فَقَالَ: هَذِهِ لِمَوْتِ مُنَافِقٍ. قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، إِذَا هُوَ قَدْ مَاتَ عَظِيمٌ مِنْ عظماء المنافقين.
_________________
(١) [(٢)] الخبر رواه ابن هشام في السيرة (٣: ٢٥٠) .
[ ٤ / ٦١ ]
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ [(٣)] .
أَخْبَرَنَا أبو عبد الله الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ مِنْ بَنِي الْمُصْطَلِقِ أَتَاهُ عَبْدُ اللهِ بن عبد الله ابن أُبَيٍّ، قَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكَ تُرِيدُ قَتْلَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ، فَإِنْ كُنْتَ فَاعِلًا فَأْمُرْنِي بِهِ، فَأَنَا أَحْمِلُ إِلَيْكَ رَأْسَهُ [(٤)] فو الله لَقَدْ عَلِمَتِ الْخَزْرَجُ مَا كَانَ بِهَا رَجُلٌ أَبَرَّ بِوَالِدِهِ مِنِّي، وَلَكِنِّي أَخْشَى أَنْ تَأْمُرَ بِهِ رَجُلًا مُسْلِمًا فَيَقْتُلَهُ فلا تذعني نَفْسِي أَنْ أَنْظُرَ إِلَى قَاتَلِ عَبْدِ اللهِ يَمْشِي فِي الْأَرْضِ حَيًّا حَتَّى أَقْتُلَهُ، فَأَقْتُلَ مُؤْمِنًا بِكَافِرٍ فَأَدْخُلَ النَّارَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: بَلْ نُحْسِنُ صُحْبَتَهُ وَنَتَرَفَّقُ بِهِ مَا صَحِبَنَا [(٥)] .
وعَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بن أبي بكر، قا ل: كان عبد الله ابن أُبَيٍّ إِذَا طَلَعَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَعِنْدَهُ أَصْحَابُهُ مِنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، وَقَدْ كَانُوا قَدْ عَرَفُوا ضِغْنَهُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَيُعْجِبُهُمْ أَنْ يَعْرِفَ لَهُ شَرَفَهُ، وَيَكْرَهُونَ أَنْ يَقُولُوا ذَلِكَ لَهُ، لِمَا تَعْرِفُونَ مِنْ ضِغْنِهِ عَلَيْهِ، فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: هَذَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ، فَإِذَا سَمِعَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ لَهُ: ادنه.
_________________
(١) [(٣)] أخرجه مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ في: ٥٠- كتاب صفات المنافقين، الحديث (١٥) ص (٤:
(٢) ٢١٤٦) . [(٤)] وفي هذا البرهان النير من أعلام النبوة، فإن العرب كانت اشدّ خلق الله حميّة وتعصبا، فبلغ الإيمان منهم، ونور اليقين، الى ان يرغب الرجل منهم في قتل أبيه وولده تقربا إلى الله، وتزلفا الى رسوله. [(٥)] رواه ابن هشام في السيرة (٣: ٢٥٠)، ونقله ابن كثير في التاريخ (٤: ١٥٨) .
[ ٤ / ٦٢ ]
بَابُ حَدِيثِ الْإِفْكِ [(١)]
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ﵀- قَالَ النُّعْمَانُ بْنُ رَاشِدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: كَانَ حَدِيثُ الْإِفْكِ فِي غَزْوَةِ الْمُرَيْسِيعِ.
أَخْبَرَنَاهُ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ: عَلِيُّ بن مُحَمَّدٍ الْمِصْرِيُّ، قَالَ: وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ جَنَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زيد، عن النُّعْمَانِ بْنِ رَاشِدٍ، وَمَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا. أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ [(٢)] . قَالَتْ: فَأَقْرَعَ بَيْنَنَا فِي غَزَاةِ الْمُرَيْسِيعِ فَخَرَجَ سَهْمِي، فَهَلَكَ [فيّ] [(٣)] من هلك.
_________________
(١) [(١)] انظر في خبر الإفك: سيرة ابن هشام (٣: ٢٥٤)، تاريخ الطبري (٢: ٦١٠- ٦١٩)، مغازي الواقدي (٢: ٤٢٦)، الدرر في اختصار المغازي والسير ص (١٩٠)، عيون الأثر (٢: ١٢٨)، البداية والنهاية (٤: ١٦٠) . [(٢)] الحديث أخرجه ابن ماجة في: ٩- كتاب النكاح، (٤٧) باب القسمة بين النساء، الحديث (١٩٧٠)، ص (١: ٦٣٣)، واعاده في: ١٣- كتاب الأحكام (٢٠) باب القضاء بالقرعة، الحديث (٢٣٤٧)، ص (٢: ٧٨٦) . [(٣)] الزيادة من (ح) .
[ ٤ / ٦٣ ]
قُلْتُ: وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَصْحَابُ الْمَغَازِي: مُحَمَّدُ بْنُ يَسَارٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْوَاقِدِيُّ.
وَرَوَى الْوَاقِدِيُّ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ يَحْيَى بْنُ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عِيسَى بْنِ مَعْمَرٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: يَا أُمَّاهُ حَدِّثِينِي حَدِيثَكِ فِي غَزْوَةِ الْمُرَيْسِيعِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ، قَالَ أَبُو سَهْلِ بْنُ زِيَادٍ الْقَطَّانُ:
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ شَرِيكٍ الْبَزَّازُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُكَيْرٍ (ح) .
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ: عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ شَرِيكٍ وَابْنُ مِلْحَانَ فَرَّقَهُمَا (ح) .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ الْفَقِيهُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مِلْحَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍ، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الْإِفْكِ مَا قَالُوا، فَبَرَّأَهَا اللهُ مِمَّا قَالُوا، وَكُلٌّ حَدَّثَنِي طَائِفَةً مِنَ الْحَدِيثِ.
وَبَعْضُ حَدِيثِهِمْ يُصَدِّقُ بَعْضًا، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضٍ الَّذِي حَدَّثَنِي عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ، وَزَعَمُوا فِي رِوَايَةِ الْقَطَّانِ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ أَوْعَى لَهُ وَزَعَمُوا أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَتْ:
كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ [(٤)] أَنْ يَخْرُجَ أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا، خَرَجَ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مَعَهُ.
_________________
(١) [(٤)] في (أ): «إذا أراد الرحل» .
[ ٤ / ٦٤ ]
قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَقْرَعَ بَيْنَنَا فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا [(٥)]، فَخَرَجَ سَهْمِي، فَخَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بَعْدَ مَا نَزَلَ [(٦)] الْحِجَابُ، وَأَنَا أُحْمَلُ فِي هَوْدَجِي وَأَنْزِلُ فِيهِ، وَسِرْنَا، حَتَّى فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ غَزْوَتِهِ تِلْكَ، وَقَفَلَ [(٧)] وَدَنَوْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ قَافِلِينَ، آذَنَ [(٨)] بِالرَّحِيلِ، فَقُمْتُ حِينَ آذَنُوا بِالرَّحِيلِ، فَمَشَيْتُ حَتَّى جَاوَزْتُ الْجَيْشَ، فَلَمَّا قَضَيْتُ شَأْنِي أَقْبَلْتُ، إِلَى رَحْلِي فَإِذَا عِقْدٌ لِي مِنْ جَزْعِ ظَفَارٍ [(٩)]، قَدِ انْقَطَعَ، فَالْتَمَسْتُ عِقْدِي وَحَبَسَنِي ابْتِغَاؤُهُ، وَأَقْبَلَ الرَّهْطُ الَّذِينَ كَانُوا يَرْحَلُونَ بِي، وَاحْتَمَلُوا هَوْدَجِي فَرَحَلُوهُ عَلَى بَعِيرِي الَّذِي كُنْتُ رَكِبْتُ، وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنِّي فِيهِ، وَكَانَ النِّسَاءُ إذ ذاك خفاقا لَمْ يُثْقِلْهُنَّ [(١٠)] اللَّحْمُ، إِنَّمَا يَأْكُلْنَ الْعُلْقَةَ [(١١)] مِنَ الطَّعَامِ، فَلَمْ يَسْتَنْكِرِ الْقَوْمُ خِفَّةَ الْهَوْدَجِ حِينَ رَفَعُوهُ. وَكُنْتُ جَارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ، فَبَعَثُوا الْجَمَلَ وَسَارُوا، فَوَجَدْتُ عِقْدِي بعد ما اسْتَمَرَّ الْجَيْشُ. فَجِئْتُ مَنَازِلَهُمْ وَلَيْسَ بِهَا دَاعٍ وَلَا مُجِيبٌ، فَأَقَمْتُ، وَفِي رِوَايَةِ الْقَطَّانِ: فَأَتَيْتُ مَنْزِلِي الَّذِي كُنْتُ فِيهِ، وَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ سَيَفْقِدُونِي فَيَرْجِعُونَ إِلَيَّ، وَفِي رِوَايَةِ الْقَطَّانِ: فَيَوجِّهُونُ إِلَيَّ فَبَيْنَا أَنَا جَالِسَةٌ فِي مَنْزِلِي، غَلَبَتْنِي عَيْنِي، فَنِمْتُ، وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ، ثُمَّ الذَّكْوَانِيُّ [(١٢)] مِنْ وراء الجيش،
_________________
(١) [(٥)] هي غزوة بني المصطلق، وتعرف بغزوة المريسيع. [(٦)] في البخاري: «أنزل» . [(٧)] (قفل) رجع. [(٨)] (آذن) أعلم. [(٩)] (جزع ظفار): خرز يمان يوجد في اليمن في معادن العقيق، ومنه ما يؤتى به من الصين وهو أصناف. [(١٠)] لم يكنّ سمينات، وفي رواية: «لم يغشهن اللحم» . [(١١)] (العلقة) القليل مما يسد الرمق. [(١٢)] صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ صفوان اما من الصفا او من صفن ففي الاول النون زائدة والمعطل بضم الميم وفتح العين المهملة وتشديد الطاء المهملة ابن وبيصة بن المؤمل بن خزاعى بن محارب بن مرة بن هلال بن فالج بن ذكوان بن ثعلبة بن بهنة بن سليم ذكره الكلبي وغيره ونسبه خليفة رحيضة موضع وبيصة وفي محارب محاربي قولها «السلمى» بضم السين المهملة وفتح
[ ٤ / ٦٥ ]
فَأَدْلَجَ فَأَصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي، فَرَأَى سَوَادَ إِنْسَانٍ نَائِمٍ، فَأَتَانِي فَعَرَفَنِي حِينَ رَآنِي، وَكَانَ يَرَانِي قَبْلَ الْحِجَابِ، فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ حِينَ عَرَفَنِي، فَخَمَّرْتُ وَجْهِي بِجِلْبَابِي وَاللهِ مَا كَلَّمَنِي كَلِمَةً، وَلَا سَمِعْتُ مِنْهُ كَلِمَةً، غَيْرَ اسْتِرْجَاعِهِ، فَأَنَاخَ رَاحِلَتَهُ، فَوَطِئَ عَلَى يَدَيْهَا، فَرَكِبْتُهَا فَانْطَلَقَ يَقُودُ بِيَ الرَّاحِلَةَ، حَتَّى أَتَيْنَا الْجَيْشَ بَعْدَ مَا نَزَلُوا موغر بين فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ، فَهَلَكَ مَنْ هَلَكَ وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى الْإِفْكَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ بن سَلُولَ [(١٢)]، فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فَاشْتَكَيْتُ حين قدمت
_________________
(١) [()] اللام نسبة الى سليم المذكور في نسبة وهو من شواذ النسب لان القياس فيه السليمي قولها «ثم الذكواني» بفتح الذال المعجمة نسبة الى ذكوان المذكور في نسبه وكان صفوان على الساقة يلتقط ما يسقط من متاع الجيش ليرده إليهم وقيل انه كان ثقيل النوم لا يستيقظ حتى يرتحل الناس وقد جاء في سنن ابي داود «شكت امرأته ذلك منه لسيدنا رسول الله ﷺ فَقَالَ أَنَا اهل بيت نوم عرف لنا ذلك لا نكاد نستيقظ حتى تطلع الشمس» وذكر القاضي ابو بكر بن العربي انه كان حصور لم يكشف كنف أنثى قط وفي السير لقد سئل عن صفوان فوجدوه لا يأتي النساء وأول مشاهده المريسيع وذكر الواقدي انه شهدا الخندق وما بعدها وكان شجاعا خيرا شاعرا وعن ابن إسحاق قتل في غزوة ارمينية شهيدا سنة تسع عشرة وقيل توفي في خلافة معاوية سنة ثمان وخمسين واندقت رجله يوم قتل فطاعن بها وهي منكسرة حتى مات ولما ضرب حسان بن ثابت بسيفه لما هجاه ولم يقتصه منه سيدنا رسول الله ﷺ استوهب من حسان جنايته فوهبه لرسول الله ﷺ فعوضه منها حائطا من نخيل. [(١٢)] ان الذين جاؤ بالإفك هم عبد الله بن أبي وحمنة بنت جحش وعبد الله ابو احمد أخوها ومسطح وحسان وقيل حسان لم يكن منهم وقال النسفي في هذه الآية اهل الافك هم عبد الله بن ابي رأس المنافقين ويزيد بن رفاعة وحسان بن ثابت ومسطح بن اثاثة وحمنة بنت جحش ومن ساعدهم وفي صحيح مسلم وكان الذين تكلموا مسطح وحمنة وحسان واما المنافق عبد الله بن ابي فهو الذي كان يستوشيه ويجمعه وهو الذي تولى كبره وحمنة قوله يستوشيه اي يستخرجه بالبحث والمسألة ثم يفشيه ويشيعه ويحركه ولا يدعه يخمد وقال النسفي في قوله تعالى: وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ هو عبد الله بن أبي الذي تولى عظمه وبدا به ومعظم الشر كان منه قال الله تعالى وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ لا معانه في عداوة رسول الله ﷺ وانتهازه الفرص وطلبه سبيلا الى الغميزة.
[ ٤ / ٦٦ ]
شَهْرًا، وَالنَّاسُ يُفِيضُونَ [(١٣)] فِي قَوْلِ أَصْحَابِ الْإِفْكِ لَا أَشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ يَرِيبُنِي فِي وَجَعِي أَنِّي لَا أَعْرِفُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ اللُّطْفَ الَّذِي كَنْتُ أَرَى مِنْهُ حِينَ أَشْتَكِي،
إِنَّمَا يَدْخُلُ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَيُسَلِّمُ، ثُمَّ يَقُولُ: كَيْفَ تِيكُمْ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ
فَذَلِكَ الَّذِي يَرِيبُنِي، وَلَا أَشْعُرُ بِالشَّرِّ، حَتَّى خَرَجْتُ يَوْمًا بَعْدَ مَا نَقِهْتُ، فَخَرَجْتُ مَعَ أُمِّ مِسْطَحٍ قِبَلَ الْمَنَاجِعِ، وَهُوَ مَبْرَزُنَا، وَكُنَّا لَا نَخْرُجُ إِلَّا لَيْلًا إِلَى اللَّيْلٍ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تُتَّخَذَ الْكُنُفُ [(١٤)] قَرِيبًا مِنْ بُيُوتِنَا، وَأَمْرُنَا أَمْرُ الْعَرَبِ الْأُوَلِ فِي التَّبَرُّزِ قِبَلَ الْغَائِطِ، وَكُنَّا نَتَأَذَّى بِالْكُنُفِ أَنْ نَتَّخِذَهَا عِنْدَ بُيُوتِنَا، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ وَهِيَ ابْنَةُ أَبِي رُهْمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَأُمُّهَا ابْنَةُ صَخْرِ بْنِ عَامِرٍ، خَالَةُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَابْنُهَا مِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَأَقْبَلْتُ أَنَا، وَأُمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ بَيْتِي قَدْ فَرَغْنَا مِنْ شَأْنِنَا، فَعَثَرَتْ أُمُّ مِسْطَحٍ فِي مِرْطِهَا [(١٥)]، فَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٌ، فَقُلْتُ لَهَا: بِئْسَ مَا قُلْتِ، أَتَسُبِّينَ رَجُلًا شَهِدَ بَدْرًا! قَالَتْ: أَيْ هَنْتَاهُ [(١٦)] ! أَوَلَمْ تَسْمَعِي مَا قَالَ؟ قَالَتْ: وَمَاذَا قَالَ، وَفِي رواية القطان: رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ قالت: أو ما عَلِمْتِ مَا قَالَ؟ قُلْتُ: لَا وَاللهِ قَالَتْ: فَأَخْبَرَتْنِي بِقَوْلِ أَهْلِ الْإِفْكِ.
قَالَتْ: فَازْدَدْتُ مَرَضًا عَلَى مَرَضِي،
قَالَتْ: فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى بَيْتِي وَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ الله ﷺ فَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: كَيْفَ تِيكُمْ [(١٧)]؟ فَقُلْتُ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ آتِيَ أَبَوَيَّ؟ قَالَتْ وَأَنَا حِينَئِذٍ أُرِيدُ أَنْ أَسْتَيْقِنَ الْخَبَرَ مِنْ قِبَلِهِمَا، قَالَتْ: فَأَذِنَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ فَجِئْتُ أَبَوَيَّ، فَقُلْتُ لِأُمِّي: يَا أُمَّتَاهُ مَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ؟ قَالَتْ: يا
_________________
(١) [(١٣)] أي يخوضون فيه، من الإفاضة، وهي التكثير والتوسعة. [(١٤)] جمع كنيف، وهو مكان الغائط. [(١٥)] (المرط): كساء من صوف يؤتزر به. [(١٦)] (يا هنتاه) هذه الكلمة تختص بالنداء، ومعناها يا هذه، وقيل: يا امرأة. [(١٧)] (كيف تيكم) إشارة الى المؤنث
[ ٤ / ٦٧ ]
بنية هوّني عليك. فو الله لَقَلَّ مَا كَانَتِ امْرَأَةٌ قَطُّ، وَضِيئَةً عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا لَهَا ضَرَائِرُ، إِلَّا أَكْثَرْنَ [(١٨)] عَلَيْهَا. قَالَتْ: فَقُلْتُ: سُبْحَانَ اللهِ، وَلَقَدْ تَحَدَّثَ النَّاسُ بِهَذَا؟ قَالَتْ: فَبَكَيْتُ اللَّيْلَةَ حَتَّى أَصْبَحْتُ لَا تَرْقَأُ لِي [(١٩)] دَمْعٌ، وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ.
قَالَتْ: ثُمَّ أَصْبَحْتُ أَبْكِي، فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ حِينَ اسْتَلْبَثَ الْوَحْيُ يَأْمُرُهُمَا فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ، قَالَتْ: فأما أسامة ابن زَيْدٍ فَأَشَارَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالَّذِي يَعْلَمُ مِنْ بَرَاءَةِ أَهْلِهِ، وَبِالَّذِي يَعْلَمُ لَهُمْ فِي نَفْسِهِ مِنَ الْوُدِّ، فَقَالَ أُسَامَةُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَهْلُكَ، وَلَا نَعْلَمُ إِلَّا خَيْرًا وَأَمَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ لَمْ يُضَيِّقِ اللهُ عَلَيْكَ، النِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ، وَإِنْ تَسْأَلِ الْجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ.
قَالَتْ: فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بَرِيرَةَ، فَقَالَ: أَيْ بَرِيرَةُ! هَلْ رَأَيْتِ مِنَ شَيْءٍ يَرِيبُكِ؟ قَالَتْ بَرِيرَةُ: لَا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، إِنْ رَأَيْتُ عَلَيْهَا أَمْرًا أَغْمِصُهُ [(٢٠)] عَلَيْهَا أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ تَنَامُ عَنْ عَجِينِ أَهْلِهَا فَتَأْتِي الدَّاجِنُ [(٢١)] فَتَأْكُلُهُ.
فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَاسْتَعْذَرَ [(٢٢)] يَوْمَئِذٍ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ بن سَلُولَ، قَالَتْ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ! مَنْ يَعْذِرُنَا مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَنَا أَذَاهُ فِي أَهْلِ بيتي، فو الله مَا عَلِمْتُ فِي أَهْلِي إلا خيرا، ولقد
_________________
(١) [(١٨)] في (أ): «كثرن عليها» . [(١٩)] (لا يرقأ) لا ينقطع. [(٢٠)] (أغمصه) أعيبها عليه. [(٢١)] (الداجن) الشاة التي تألفت البيت ولا تخرج للمرعى. [(٢٢)] (استعذر) أي قال: من يعذرني فيمن آذاني في اهلي، وقيل: معناه: «من ينصرني»، والعذير: الناصح.
[ ٤ / ٦٨ ]
ذَكَرُوا رَجُلًا مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا مَعِي، فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ الْأَنْصَارِيُّ [(٢٣)]، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَنَا أَعْذِرُكَ مِنْهُ، إِنْ كَانَ مِنَ الْأَوْسِ ضَرَبْتُ عُنُقَهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا مِنَ الْخَزْرَجِ أَمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا أَمْرَكَ.
قَالَتْ: فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وهو سيد الْخَزْرَجِ وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ رَجُلًا صَالِحًا، وَلَكِنِ احْتَمَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ: كَذَبْتَ لَعَمْرُو اللهِ لَا تَقْتُلُهُ، وَلَا تَقْدِرُ عَلَى قَتْلِهِ! فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ [(٢٤)]، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ،
_________________
(١) [(٢٣)] فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ أَنَا أَعْذِرُكَ مِنْهُ قال ذلك لان الأوس من قومه وهم بنو النجار ومن آذى رسول الله ﷺ وجب قتله ثم ان الموجود في الأصول سعد بن معاذ ووقع في موضع آخر سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَقَالَ ابن حزم هذا عندنا وهم لان سعد بن معاذ مات اثر غزوة بني قريظة بلا شك وبنو قريظة كان في آخر ذي القعدة من سنة اربع فبين الغزوتين نحو من سنتين والوهم لم يعر منه احد من البشر وقال ابن العربي ذكر سعد بن معاذ هنا وهم اتفق فيه الرواة وقال ابن عمر هو وهم وخطأ وتبعه على ذلك جماعة وقال القاضي عياض قال بعض شيوخنا ذكر سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي هذا وهم الأشبه انه غيره ولهذا لم يذكره ابن إسحاق في السير وانما قال ان المتكلم أولا وآخر أسيد بن حضير وقال القاضي هذا مشكل لان هذه القصة كانت في غزوة المريسيع وهي غزوة بني المصطلق سنة ست وسعد بن معاذ مات في أثر غزاة الخندق من الرمية التي اصابته وذلك في سنة اربع ولهذا قيل ان ذكره وهم والأشبه انه غيره وقال القاضي في الجواب ان موسى بن عقبة ذكر ان المريسيع كانت سنة اربع وهي سنة الخندق فيحتمل ان المريسيع وحديث الافك كانا في سنة اربع قبل الخندق قلت هذا يبين صحة ما ذكره البخاري من انه سعد بن معاذ وهو الذي في الصحيحين. [(٢٤)] أسيد بضم الهمزة فهو ابن حضير بضم الحاء المهملة وفتح الضاد المعجمة ابن سماك بن عتيك ابن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل بن جشم بن الحارث بن عمرو بن مالك بن الأوس الانصاري الاوسي الاشهلي ابو يحيى اسلم على يد مصعب بن عمير بالمدينة بعد العقبة الاولى وقيل الثانية واختلف في شهوده بدرا فنفاه ابن إسحاق والكلبي وأثبته غيرهما وشهدا أحدا وما بعدها من المشاهد وشهد مع عمر ﵁ فتح البيت المقدس مات بالمدينة سنة عشرين وصلى عليه عمر ﵁ قولها «وكان قبل ذلك رجلا صالحا» وفي مسلم وكان رجلا صالحا يعني لم يكن قبل ذلك يحمي لمنافق قولها «ولكن احتملته الحمية» بحاء مهملة وميم اي أغضبته وعند مسلم اجتهلته بجيم وهاء اي أغضبته وحملته على الجهل فالروايتان صحيحتان.
[ ٤ / ٦٩ ]
فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: كَذَبْتَ لَعَمْرُو اللهِ لَنَقْتُلَنَّهُ فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ، فَتَثَاوَرَ الْحَيَّانِ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ حَتَّى هَمُّوا أَنْ يَقْتَتِلُوا، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُخَفِّضُهُمْ حَتَّى سَكَتُوا، وَسَكَتَ.
قَالَتْ: فَبَكَيْتُ يَوْمِي ذَلِكَ لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، قَالَتْ:
فَأَصْبَحَ أَبَوَايَ عِنْدِي، وَقَدْ بَكَيْتُ لَيْلَتَيْنِ وَيَوْمًا لَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ وَلَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ يَظُنَّانِ أَنَّ الْبُكَاءَ فَالِقٌ كبدي.
قالت: فبينا هُمَا جَالِسَانِ عِنْدِي وَأَنَا أَبْكِي فَاسْتَأْذَنَتْ عَلَيَّ امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَأَذِنْتُ لَهَا، فَجَلَسَتْ تَبْكِي مَعِي. قَالَ: فبينا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَسَلَّمَ ثُمَّ جَلَسَ، قَالَتْ: فَلَمْ يَجْلِسْ عِنْدِي مُنْذُ قِيلَ لِي مَا قِيلَ قَبْلَهَا، وَقَدْ لَبِثَ شَهْرًا لَا يُوحَى إِلَيْهِ فِي شَأْنِي قَالَتْ: فَتَشَهَّدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ جَلَسَ ثُمَّ
قَالَ: أَمَّا بَعْدُ يَا عَائِشَةُ فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي عَنْكِ كَذَا وَكَذَا فَإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيبَرِّئُكِ اللهِ وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرِي اللهَ، وَتُوبِي إِلَيْهِ، فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ بِذَنَبِهِ، ثُمَّ تَابَ إِلَى اللهِ تَابَ اللهُ عَلَيْهِ،
قَالَتْ: فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مَقَالَتُهُ قَلَصَ دَمْعِي حَتَّى مَا أُحِسُّ قَطْرَةً، فَقُلْتُ لِأَبِي: أَجِبْ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِيمَا قَالَ، قَالَ: وَاللهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقُلْتُ: لِأُمِّي أَجِيبِي رَسُولَ اللهِ ﷺ، قَالَتْ: مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ.
قُلْتُ: وَأَنَا يَوْمَئِذٍ حَدِيثَةُ السِّنِّ لَا أَقْرَأُ كَثِيرًا مِنَ الْقُرْآنِ: إِنِّي وَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتُ لَقَدْ سَمِعْتُمْ هَذَا الْحَدِيثَ حَتَّى اسْتَقَرَّ فِي أَنْفُسِكُمْ، وَصَدَّقْتُمْ بِهِ، فَلَئِنْ قُلْتُ لَكُمْ: إِنِّي بَرِيئَةٌ وَاللهُ يَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ لَا تُصَدِّقُونِي بِذَلِكَ، وَلَئِنِ اعْتَرَفْتُ لَكُمْ بِأَمْرٍ وَاللهُ يَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ لَتُصَدِّقُنِّي، وَاللهِ مَا أَجِدُ لَكُمْ مَثَلًا إِلَّا قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ ﵉، قَالَ: «فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى ما تصفون» [(٢٥)] .
_________________
(١) [(٢٥)] [سورة يوسف- ١٨] .
[ ٤ / ٧٠ ]
قَالَتْ ثُمَّ تَحَوَّلْتُ فَاضْطَجَعْتُ عَلَى فِرَاشِي، قَالَتْ: وَأَنَا حِينَئِذٍ أَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ، وَإِنَّ اللهَ﷿- يُبَرِّئُنِي بِبَرَاءَتِي، وَفِي رِوَايَةِ الْقَطَّانِ سَيُبَرِّئُنِي بَرَاءَتِي وَلَكِنْ وَاللهِ مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ اللهَ مُنْزِلٌ فِي شَأْنِي وَحْيًا يُتْلَى وَلَشَأْنِي فِي نَفْسِي كَانَ أَحْقَرَ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللهُ فِيَّ بِأَمْرٍ- وَفِي رِوَايَةِ الْقَطَّانِ: أَمْرٌ يُتْلَى- وَلَكِنْ كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْيَوْمِ رُؤْيَا يُبَرِّئُنِي اللهُ بِهَا.
قالت: فو الله مَا قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَلَا خَرَجَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ حَتَّى نَزَلَ عَلَيْهِ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ مِنَ الْبُرَحَاءِ حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنْهُ مِثْلُ الْجُمَانِ مِنَ الْعَرَقِ فِي يَوْمٍ شاتي، مِنْ ثِقَلِ الْقَوْلِ الَّذِي يَنْزِلُ عَلَيْهِ،
قَالَتْ: فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ سُرِّيَ عَنْهُ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَكَانَ أَوَّلَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا يَا عَائِشَةُ أَمَا وَاللهِ لَقَدْ بَرَّأَكِ اللهُ،
قَالَتْ: فَقَالَتْ أُمِّي: قُومِي إِلَيْهِ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَاللهِ! لَا أَقُومُ إِلَيْهِ وَلَا أَحْمَدُ، إِلَّا اللهَ، وَأَنْزَلَ اللهُ ﷿: إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ، بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ [(٢٦)] . الْعَشْرَ الْآيَاتِ كُلَّهَا.
فَلَمَّا أَنْزَلَ اللهُ ﷿ هَذَا فِي بَرَاءَتِي، قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحِ بْنِ أُثَاثَةَ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ وَفَقْرِهِ: وَاللهِ لَا أُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ شَيْئًا أَبَدًا بَعْدَ الَّذِي قَالَ لِعَائِشَةَ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [(٢٧)]، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: بَلَى، وَاللهِ إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لِي، فَرَجَعَ إِلَى مِسْطَحٍ النَّفَقَةَ الَّتِي كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: وَاللهِ لَا أَنْزِعُهَا مِنْهُ أَبَدًا.
_________________
(١) [(٢٦)] [سورة النور- ١١] . [(٢٧)] [سورة النور- ٢٢] .
[ ٤ / ٧١ ]
قَالَتْ عَائِشَةُ فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَسْأَلُ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ، عَنْ أَمْرِي، فَقَالَ: يَا زَيْنَبُ مَا عَلِمْتِ أَوْ مَا رَأَيْتِ؟ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي، مَا عَلِمْتُ إِلَّا خَيْرًا قَالَتْ: وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ، فَعَصَمَهَا اللهُ بِالْوَرَعِ وَطَفِقَتْ أُخْتُهَا حَمْنَةُ تُحَارِبُ لَهَا، فَهَلَكَتْ فِيمَنْ هَلَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْإِفْكِ.
لَفْظُ حَدِيثِ أَبِي عَبْدِ اللهِ الْقَطَّانِ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الله بن بكير [(٢٨)] .
وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ [(٢٩)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ السُّكَّرِيُّ بِبَغْدَادَ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلُ الصَّفَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ:
كُنْتُ عِنْدَ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَقَالَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ: عَلِيٌّ، فَقُلْتُ: لَا، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَعَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍ، وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، كُلُّهُمْ سَمِعَ عَائِشَةَ﵂- تَقُولُ:
الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ: عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ، قَالَ فَقَالَ لِي: فَمَا كَانَ جُرْمُهُ؟ قال قلت:
_________________
(١) [(٢٨)] البخاري عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُكَيْرٍ في تفسير سورة النور فتح الباري (٨: ٤٥٢)، وفي التوحيد بَابُ (٥٢)، قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ «الماهر بالقرآن مع الكرام البررة»، وأخرجه البخاري ايضا في: ٥٢- كتاب الشهادات (١٥) باب تعديل النساء بعضهن بعضا، الحديث (٢٦٦١)، فتح الباري (٥: ٢٦٩- ٢٧٢) بطوله، وفي تفسير سورة النور كلاهما من طريق الليث،، وانظر تحفة الأشراف (١١: ٤١٣- ٤١٤) . [(٢٩)] أخرجه مسلم في: ٤٩- كتاب التوبة (١٠) باب في حديث الإفك، وقبول توبة القاذف، الحديث (٥٦)، ص (٤: ٢١٢٩)، عن حبان بن موسى، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ المبارك، عن يونس ابن يزيد الأيلي.
[ ٤ / ٧٢ ]
سُبْحَانَ اللهِ! مِنْ قَوْمِكَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ أَنَّهُمَا سَمِعَا عَائِشَةَ، تَقُولُ: كَانَ مُسِيئًا فِي أَمْرِي.
أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ مَعْمَرٍ [(٣٠)] .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الرُّوذْبَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ شَوْذَبٍ الْمُقْرِئُ بِوَاسِطَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مَعْشَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَفْلَحُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ عَنْ عُرْوَةَ، وَابْنِ الْمُسَيِّبِ وَعَلْقَمَةَ، وعُبَيْدُ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَائِشَةَ لَمْ يَذْكُرْ أَبَا سَلَمَةَ، وَأَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَزَادَ: قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، وَمَا ذَاكَ قَالَ:
إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ غَزَا غَزْوَةَ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، فَسَاهَمَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَخَرَجَ سَهْمِي، وَسَهْمُ أُمِّ سَلَمَةَ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأَدِيبُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّا، قَالَ: حَدَّثَنَا بُنْدَارٌ، وَابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: دَخَلَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ عَلَى عَائِشَةَ فَشَبَّبَ بِأَبْيَاتٍ لَهُ، فَقَالَ:
حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ وَتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لحوم الفوافل [(٣١)]
قَالَتْ: لَسْتَ كَذَاكَ، قُلْتُ: تَدَعِينَ مِثْلَ هَذَا يَدْخُلُ عَلَيْكِ وَقَدْ أَنْزَلَ اللهُ ﷿: وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ فَقَالَتْ: وَأَيُّ عَذَابٍ أَشَدُّ من العمى.
_________________
(١) [(٣٠)] البخاري في تفسير سورة النور، فتح الباري (٨: ٤٥١) . [(٣١)] (حصان) محصنة عفيفة، (رزان) كاملة العقل، (ما تزنّ) ما تتهم (غرثى) جائعة.
[ ٤ / ٧٣ ]
قَالَ وَقَالَتْ: قَدْ كَانَ يَرُدُّ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ بُنْدَارٍ [(٣٢)] .
ورَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى [(٣٣)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ:
مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: لَمَّا تلى رسول الله ﷺ الْقِصَّةَ الَّتِي نَزَلَ بِهَا عُذْرِي عَلَى النَّاسِ نَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَمَرَ بِرَجُلَيْنِ وَامْرَأَةٍ مِمَّنْ كَانَ بَاءَ بِالْفَاحِشَةِ فِي عَائِشَةَ فَجُلِدُوا الْحَدَّ، قَالَ: وَكَانَ رَمَاهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ، وَمِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ، وَحَسَّانُ، وَحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ أُخْتُ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، رَمَوْهَا بِصَفْوَانَ بْنِ الْمُعَطَّلِ السُّلَمِيِّ [(٣٤)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ، قَالَ: وَكَانَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ قَدْ كَثَّرَ عَلَى صَفْوَانَ بْنِ الْمُعَطَّلِ فِي شَأْنِ عَائِشَةَ، ثُمَّ قَالَ بَيْتَ شِعْرٍ يُعَرِّضُ بِهِ فيه وبأشباهه، فقال:
أَمْسَى الْجَلَابِيبُ قَدْ عَزُّوا وَقَدْ كَثُرُوا وَابْنُ الْفُرَيْعَةِ أمسى بيضة البلد [(٣٥)]
_________________
(١) [(٣٢)] الْبُخَارِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ في تفسير سورة النور، فتح الباري (٨: ٤٨٥)، وعن عثمان بن أبي شيبة في المغازي، فتح الباري (٧: ٤٣٦) . [(٣٣)] أخرجه مسلم عن ابن المثنى في: ٤٤- فضائل الصحابة، الحديث (١٥٥)، ص (٤: ١٩٣٤) . [(٣٤)] سيرة ابن هشام (٣: ٢٥٩)، ونقله ابن كثير في البداية والنهاية (٤: ١٦٣) . [(٣٥)] (الجلابيب) هذا القب كان المشركون في مكة يلقبون به أصحاب النبي ﷺ، (والفريعة) أم حسان بن ثابت، و(بيضة البلد) انه أصبح وحيدا لا نظير له، ولا يقوى على أحد، وهذه عبارة تقال للردح والذم.
[ ٤ / ٧٤ ]
فَاعْتَرَضَهُ صَفْوَانُ لَيْلَةً، وَهُوَ آتٍ مِنْ عِنْدِ أَخْوَالِهِ بَنِي سَاعِدَةَ فَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ على رأسه، فيعدوا عَلَيْهِ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، فَجَمَعَ يَدَيْهِ إِلَى عُنُقِهِ بِحَبْلٍ أَسْوَدَ، وَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى دَارِ بَنِي حَارِثَةَ، فَلَقِيَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ، فَقَالَ لَهُ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: مَا أَعْجَبَكَ عَدَا عَلَى حَسَّانَ بِالسَّيْفِ، فو الله مَا أُرَاهُ إِلَّا قَدْ قَتَلَهُ، فَقَالَ: هَلْ عَلِمَ رسول الله ﷺ بِمَا صَنَعْتَ بِهِ؟ فَقَالَ: لَا، فَقَالَ: وَاللهِ لَقَدِ اجْتَرَأْتَ، خَلِّ سبيله، فستغدوا علي رسول الله ﷺ، فَذَكَرُوا لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: أَيْنَ ابْنُ الْمُعَطَّلِ، فَقَامَ إِلَيْهِ، فقال: ها أنا ذَا يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: مَا دَعَاكَ إِلَى مَا صَنَعْتَ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ آذَانِي وَكَثَّرَ عَلَيَّ، وَلَمْ يَرْضَ حَتَّى عَرَّضَ فِي الْهِجَاءِ، فَاحْتَمَلَنِي الْغَضَبُ، وها أنا ذا. فَمَا كَانَ عَلَيَّ مِنْ حَقٍّ فَخُذْنِي بِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ادعو إِلَيَّ حَسَّانَ، فَأُتِيَ بِهِ، فَقَالَ: يَا حَسَّانُ! أَتَشَوَّهْتَ عَلَى قَوْمِكَ أَنْ هَدَاهُمُ اللهُ لِلْإِسْلَامِ، يَقُولُ: تَنَفَّسْتَ عَلَيْهِمْ، يَا حَسَّانُ أَحْسِنْ فِيمَا أَصَابَكَ، فَقَالَ: هِيَ لَكَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ سِيرِينَ الْقِبْطِيَّةَ، فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ حَسَّانَ، وَأَعْطَاهُ أَرْضًا كَانَتْ لِأَبِي طَلْحَةَ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ [(٣٦)] .
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ الْأَخْنَسِ: أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ الْمُعَطَّلِ، قَالَ حِينَ ضَرَبَ حَسَّانَ:
تَلَقَّ ذُبَابَ السَّيْفِ عَنْكَ فَإِنَّنِي غُلَامٌ إِذَا هو جيت لَسْتُ بِشَاعِرِ
وَقَالَ حَسَّانُ لعائشة:
رَأَيْتُكِ وَلْيَغِفِرْ لَكِ اللهُ حُرَّةً مِنَ الْمُحْصَنَاتِ غَيْرِ ذَاتِ غَوَائِلِ
حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ وَتُصْبِحُ غرثى من لحوم الفوافل
_________________
(١) [(٣٦)] رواه ابن هشام في السيرة (٣: ٢٦١- ٢٦٢)، ونقله ايضا ابن كثير في التاريخ (٤: ١٦٣) .
[ ٤ / ٧٥ ]
وَإِنَّ الَّذِي قَدْ قِيلَ لَيْسَ بِلَائِطٍ بِكِ الدَّهْرَ بَلْ قِيلُ امْرِئٍ مُتَمَاحِلِ [(٣٧)]
فَإِنْ كُنْتُ أَهْجُوكُمْ كَمَا بَلَّغُوكُمُ فَلَا رَجَعَتْ سَوْطِي إِلَيَّ أَنَامِلِي
فَكَيْفَ وَوُدِّي مَا حَيِيتُ وَنُصْرَتِي لِآلِ رَسُولِ اللهِ زَيْنُ الْمَحَافِلِ
وَإِنَّ لَهُمْ عِزًّا يُرَى النَّاسُ دُونَهُ قِصَارٌ وَطَالَ الْعِزُّ كُلَّ التَّطَاولِ [(٣٨)]
وَأَخْبَرَنَا الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَتَّابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ عَمِّهِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، في ذِكْرِ مَا جَرَى بَيْنَ جَهْجَاهٍ وَبَيْنَ فِتْيَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ عَلَى الْمَاءِ فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، قَالَ: وَبَلَغَ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ الشَّاعِرَ الَّذِي كَانَ بَيْنَ جَهْجَاهٍ الْغِفَارِيِّ وَبَيْنَ الْفِتْيَةِ الْأَنْصَارِيِّينَ قَالَ فَغَضِبَ وَقَالَ وَهُوَ يُرِيدُ الْمُهَاجِرِينَ مِنَ الْقَبَائِلِ الَّذِينَ يَقْدَمُونَ عَلَى رسول الله ﷺ للإسلام:
أَمْسَى الْجَلَابِيبُ قَدْ زَاغُوا وَقَدْ كَثُرُوا وَابْنُ الْفُرَيْعَةِ أَمْسَى بَيْضَةَ الْبَلَدِ
فَخَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ مُغْضَبًا مِنْ قَوْلِ حَسَّانَ فَرَصَدَهُ فَلَمَّا خَرَجَ ضَرَبَهُ السُّلَمِيُّ حَتَّى قِيلَ قَتَلَهُ لَا يُرَى إِلَّا أَنَّهُ صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ فَإِنَّهُ بَلَغَنَا أَنَّهُ ضَرَبَ حَسَّانَ بِالسَّيْفِ فَلَمْ يَقْطَعْ رَسُولُ الله ﷺ يَدَهُ فِي ضَرْبِهِ إِيَّاهُ بِالسَّيْفِ فَبَلَغَ رَسُولَ الله ﷺ ضَرْبَ السُّلَمِيِّ حَسَّانَ فَقَالَ لَهُمْ خُذُوهُ فَإِنْ هَلَكَ حَسَّانُ فَاقْتُلُوهُ بِهِ فَخُذُوهُ فَأْسِرُوهُ وَأَوْثِقُوهُ فَبَلَغَ ذَلِكَ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ، فَخَرَجَ فِي قَوْمِهِ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: أَرْسِلُوا الرَّجُلَ فَأَبَوْا عَلَيْهِ فَقَالَ عَمَدْتُمْ إِلَى قَوْمِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَتَشْتُمُونَهُمْ وَتُؤذُونَهُمْ وَقَدْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ نَصَرْتُمُوهُمْ فَغَضِبَ سَعْدٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَلِقَومِهِ فَقَالَ أَرْسِلُوا الرجل
_________________
(١) [(٣٧)] في سيرة ابن هشام: «ولكنه قول امرئ بي ماهل» . [(٣٨)] سيرة ابن هشام (٣: ٢٦٣) .
[ ٤ / ٧٦ ]
فَأَبَوْا عَلَيْهِ حَتَّى كَادَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ ثُمَّ أَرْسَلُوهُ فَخَرَجَ بِهِ سَعْدٌ إِلَى أَهْلِهِ فَكَسَاهُ حُلَّةً، ثُمَّ أَرْسَلَهُ فَبَلَغَنَا أَنَّ السُّلَمِيَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ لِيُصَلِّيَ فِيهِ، فَرَآهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: مَنْ كَسَاكَ كَسَاهُ اللهُ مِنْ ثِيَابِ الْجَنَّةِ؟ فَقَالَ: كَسَانِي سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ.
ثُمَّ ذَكَرَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ قِصَّةَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَنُزُولِ إِذَا جاءك المنافقون، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِذِكْرِ حَدِيثِ الْإِفْكِ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ وَفِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ عَنِ الْجَمَاعَةِ عَنْ عَائِشَةَ حَتَّى اسْتَعْذَرَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ، فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ الْأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَنَا أَعْذِرُكَ مِنْهُ، وَقَدْ مَضَى الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ رَمْيِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فِي أَكْحَلِهِ وَوَفَاتِهِ مِنْ تِلْكِ الرَّمِيَّةِ بَعْدَ قُرَيْظَةَ، فَإِنْ كَانَ قَوْلُ مَنْ قَالَ إِنَّ قِصَّةَ الْإِفْكِ كَانَتْ فِي غَزْوَةِ الْمُرَيْسِيعِ وَهِيَ غَزْوَةُ بَنِي الْمُصْطَلِقِ مَحْفُوظًا فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ جُرْحُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ﵁ لَمْ يَنْفَجِرْ حَتَّى كَانَ بَعْدَ الْمُرَيْسِيعِ، وَحَدِيثِ الْإِفْكِ.
وَذَكَرَ أَبُو عَبْدِ اللهِ بْنِ مَنْدَةَ الْحَافِظُ أَنَّ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ تُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ خَمْسٍ مِنَ الْهِجْرَةِ.
وَذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ غَزْوَةَ بَنِي الْمُصْطَلِقِ كَانَتْ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ خَمْسٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، فَكَأَنَّ سَعْدًا مَاتَ بَعْدَ شَعْبَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَاللهُ أَعْلَمُ.
[ ٤ / ٧٧ ]
بَابُ سَرِيَّةِ نَجْدٍ يُقَالُ إِنَّهَا كَانَتْ فِي الْمُحْرِمِ سَنَةَ سِتٍّ مِنَ الْهِجْرَةِ، بُعِثَ فِيهَا مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَجَاءَ بِسَيِّدِ أَهْلِ الْيَمَامَةِ ثُمَامَةَ بْنِ أَثَالٍ وَمَا ظَهَرَ فِي أَخْذِهِ وَإِسْلَامِهِ مِنَ الْآثَارِ
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ﵀- قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ الْفَقِيهُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، هُوَ ابْنُ مِلْحَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ﵁-، يَقُولُ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ ثُمَامَةُ بْنُ أَثَالٍ سَيِّدُ أَهْلِ الْيَمَامَةِ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ فَخَرَجَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: مَاذَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟ قَالَ: عِنْدِي يَا مُحَمَّدُ خَيْرٌ إِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ، فَتَرَكَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى كَانَ بَعْدَ الْغَدِ، فَقَالَ: مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟ فَقَالَ: عِنْدِي مَا قُلْتُ لَكَ إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ وَإِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ،
فَانْطَلَقَ إِلَى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَاغْتَسَلَ ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، يَا مُحَمَّدُ! وَاللهِ مَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ، وَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الْوُجُوهِ كُلِّهَا إِلَيَّ، وَاللهِ مَا كان دِينٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ دِينِكَ، فَأَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الدِّينِ كُلِّهِ إِلَيَّ، وَاللهِ مَا كَانَ مِنْ بَلَدٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ بَلَدِكَ، فَأَصْبَحَ بَلَدُكَ أَحَبَّ الْبِلَادِ كُلِّهَا إِلَيَّ، وَإِنَّ خَيْلَكَ أَخَذَتْنِي وَأَنَا أُرِيدُ
[ ٤ / ٧٨ ]
الْعُمْرَةَ، فَمَاذَا تَرَى، فَيَسَّرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ، فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ، قَالَ لَهُ قَائِلٌ: صَبَأْتَ [(١)] يَا ثُمَامَةُ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنِّي أَسْلَمْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فو الله لَا يَأْتِيكُمْ مِنَ الْيَمَامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ.
واه الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يوسف، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ قُتَيْبَةَ كِلَاهُمَا عَنِ اللَّيْثِ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ هَكَذَا [(٢)] .
وَخَالَفَهُمَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ [(٣)] عَنِ الْمَقْبُرِيِّ فِي كَيْفِيَّةِ أَخْذِهِ، وَذَكَرَ أَوَّلًا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ أَنَّ ثُمَامَةَ بْنَ أَثَالٍ كَانَ رَسُولَ مُسَيْلِمَةَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَدَعَا اللهَ أَنْ يُمَكِّنَهُ مِنْهُ.
ثُمَّ رُوِيَ عَنِ الْمَقْبُرِيِّ مَا أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ وَأَبُو مُحَمَّدٍ بْنُ موسى ابن الْفَضْلِ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ إِسْلَامُ ثُمَامَةَ بْنِ أَثَالٍ الْحَنَفِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَعَا اللهَ حِينَ عَرَضَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ بِمَا عَرَضَ لَهُ أَنْ يُمَكِّنَهُ اللهُ مِنْهُ، وَكَانَ عَرَضَ لَهُ وَهُوَ مُشْرِكٌ، فَأَرَادَ قَتْلَهُ فَأَقْبَلَ ثُمَامَةُ مُعْتَمِرًا وَهُوَ عَلَى شِرْكِهِ، حَتَّى دَخَلَ الْمَدِينَةَ فَتَحَيَّرَ فِيهَا، حَتَّى أُخِذَ فَأُتِيَ بِهِ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ مُشْرِكٌ فَأَمَرَ بِهِ فَرُبِطَ إِلَى عَمُودٍ مِنْ عُمُدِ الْمَسْجِدِ، فَخَرَجَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: مَا لَكَ يَا ثُمَامُ؟ هَلْ أَمْكَنَ اللهُ مِنْكَ؟ فَقَالَ: قَدْ كَانَ ذَلِكَ يَا محمد: إن تقتل تقتل ذَا دَمٍ، وَإِنْ تَعْفُ تَعْفُ عَنْ شَاكِرٍ، وَإِنْ تسأل مالا تعطه
_________________
(١) [(١)] في الأصول: «صبوت» وهو صحيح، وصبأ إذا خرج من دينه، وصبأت النجوم: إذا خرجت من مطالعها. [(٢)] رواه البخاري مختصرا في صحيحه (٦: ٢)، ومسلم مطولا (١٢: ٨٧) شرح مسلم للنووي. [(٣)] رواية ابن إسحاق ذكرها ابن هشام في السيرة (٤: ٢٤٦- ٢٤٧) .
[ ٤ / ٧٩ ]
فَمَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ وَتَرَكَهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ الْغَدُ مَرَّ بِهِ، فَقَالَ: مالك يَا ثُمَامُ؟ فَقَالَ: خَيْرًا يا محمد: إن تقتل تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ تَعْفُ تَعْفُ عَنْ شَاكِرٍ، وَإِنْ تَسْأَلْ مَالًا تُعْطَهْ ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ رَسُولُ الله ﷺ.
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَجَعَلْنَا الْمَسَاكِينَ نَقُولُ: بَيْنَنَا مَا يَصْنَعُ بِدَمِ ثُمَامَةَ، وَاللهِ لَأَكْلَةٌ مِنْ جَزُورٍ سَمِينَةٍ مِنْ فِدَائِهِ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ دَمِ ثُمَامَةَ.
فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ، مَرَّ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: مالك يَا ثُمَامُ؟ فَقَالَ خَيْرًا يا محمد إن تقتل تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ تَعْفُ تَعْفُ عَنْ شَاكِرٍ، وَإِنْ تَسْأَلْ مَالًا تُعْطَهْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: عَفَوْتُ عَنْكَ يَا ثُمَامُ.
فَخَرَجَ ثُمَامَةُ حَتَّى أَتَى حَائِطًا مِنْ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ، فَاغْتَسَلَ بِهِ وَتَطَهَّرَ، وَطَهَّرَ ثِيَابَهُ، ثُمَّ جَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ فِي أَصْحَابِهِ، فَقَالَ:
يَا مُحَمَّدُ وَاللهِ لَقَدْ كُنْتَ وَمَا وَجْهٌ أَبْغَضُ إِلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ، وَلَا دِينٌ أبغض إلي من دينك، وَلَا بَلَدٌ أَبْغَضُ إِلَيَّ مِنْ بَلَدِكَ، ثُمَّ لَقَدْ أَصْبَحْتُ وَمَا وَجْهٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ، وَلَا دِينٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ دِينِكَ، وَلَا بَلَدٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ بَلَدِكَ، وإِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي كُنْتُ خَرَجْتُ معمرا، وَأَنَا عَلَى دِينِ قَوْمِي فَيَسِّرْنِي صَلَّى الله عَلَيْكَ فِي عُمْرَتِي، فَيَسَّرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي عُمْرَتِهِ وَعَلَّمَهُ، فَخَرَجَ مُعْتَمِرًا.
فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ وَسَمِعَتْهُ قُرَيْشٌ يَتَكَلَّمُ بِأَمْرِ مُحَمَّدٍ مِنَ الْإِسْلَامِ، قَالُوا: صَبَأَ ثُمَامَةُ فَأَغْضَبُوهُ فَقَالَ: إِنِّي وَاللهِ مَا صَبَوْتُ وَلَكِنِّي أَسْلَمْتُ، وَصَدَّقْتُ مُحَمَّدًا، وَآمَنْتُ بِهِ، وَايْمُ الَّذِي نَفْسُ ثُمَامَةَ بِيَدِهِ. لَا تَأْتِيكُمْ حَبَّةٌ مِنَ الْيَمَامَةِ- وَكَانَتْ رِيفَ مَكَّةَ- مَا بَقِيتُ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا مُحَمَّدٌ ﷺ. وَانْصَرَفَ إِلَى بَلَدِهِ، وَمَنَعَ الْحَمْلَ إِلَى مَكَّةَ، حَتَّى جَهَدَتْ قُرَيْشٌ، فَكَتَبُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يَسْأَلُونَهُ بِأَرْحَامِهِمْ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى ثُمَامَةَ يُخَلِّي حَمْلَ الطَّعَامِ، فَفَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ [(٤)] .
_________________
(١) [(٤)] الخبر رواه ابن هشام في السيرة (٤: ٢٤٦- ٢٤٧) .
[ ٤ / ٨٠ ]
وأَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ الْفَقِيهُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَامِدِ بْنُ بِلَالٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: فَأَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أَمَّرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعْنِي ثُمَامَةَ- فَرُبِطَ بِعَمُودٍ مِنْ عَمَدِ الْحُجْرَةِ ثَلَاثَ لَيَالٍ. فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَاهُ.
وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تُوهِمُ أَنْ يَكُونَ صَدْرُ الْحَدِيثِ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ مِنْ قَوْلِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ شُيُوخِهِ، وَرِوَايَةُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَمَنْ تَابَعَهُ أَصَحُّ فِي كَيْفِيَّةِ أَخْذِهِ وَالَّذِي رُوِيَ فِي حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ مِنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِ فِي إِرَادَةِ فِدَائِهِ يَدُلُّ عَلَى شُهُودِ أَبِي هُرَيْرَةَ ذَلِكَ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ إِنَّمَا قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ بِخَيْبَرَ فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ قِصَّةُ ثُمَامَةَ فِيمَا بَيْنَ خَيْبَرَ وَفَتَحِ مَكَّةَ وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو قُتَيْبَةَ: سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ الْآدَمِيُّ بِمَكَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ هَاشِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ الرَّازِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو ثميلة يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمُؤْمِنِ بْنُ خَالِدٍ الْحَنَفِيُّ، عَنْ عَلْبَاءَ بْنِ أَحْمَرَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ ابْنَ أَثَالٍ الْحَنَفِيَّ لَمَّا أُتِيَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ أَسِيرٌ خَلَّى سَبِيلَهُ، فَأَسْلَمَ فَلَحِقَ بِمَكَّةَ يَعْنِي ثُمَّ رَجَعَ فَحَالَ بَيْنَ أَهْلِ مَكَّةَ وَبَيْنَ الْمِيرَةِ مِنَ الْيَمَامَةِ، حَتَّى أَكَلَتْ قُرَيْشٌ الْعِلْهِزَ [(٥)]، فَجَاءَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: أَلَسْتَ تَزْعُمُ أَنَّكَ بُعِثْتَ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ قَالَ بَلَى قَالَ: فَقَدْ قَتَلْتَ الْآبَاءَ بِالسَّيْفِ وَالْأَبْنَاءَ بِالْجُوعِ، فَأَنْزَلَ اللهُ ﵎: وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ [(٦)] .
_________________
(١) [(٥)] (العلهز) شيء كانوا يتخذونه في سني المجاعة، يخلطون فيه الدم بأوبار الإبل، ثم يشوونه بالنار ويأكلونه. [(٦)] [المؤمنون- ٧٦] .
[ ٤ / ٨١ ]
بَابُ ذِكْرِ السَّرَايَا [(١)] الَّتِي كَانَتْ فِي سَنَةِ سِتٍّ مِنَ الْهِجْرَةِ فِيمَا زَعَمَ الْوَاقِدِيُّ
أَخْبَرَنَا أبو عبد اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْأَصْبَهَانِيُّ، قَالَ:
_________________
(١) [(١)] (السرايا) جمع سرية، وهي الطائفة من الجيش يبلغ أقصاها اربعمائة تبعث الى العدو، وسمّوا بذلك لأنهم يكونون خلاصة العسكر وخيارهم من الشيء السّري: النفيس. وقيل: سموا بذلك لأنهم ينفذون سرا، وخفية، وليس بالوجه، لأن لام السرّ راء وهذا ياء. النهاية لابن الأثير. وقال الصالحي في السيرة الشامية (٦: ٩- ١١): «ذكر ابن إسحاق السرايا والبعوث ثمانية وثلاثون، وذكرها ابو عمر (ابن عبد البر) في أول الاستيعاب سبعة وأربعين وذكرها محمد بن عمر الواقدي ثمانية وأربعين، ونقل المسعودي عن بعضهم انها ستون، وعلى ذلك جرى الحافظ العراقي. وذكر الحافظ أبو عبد الله الحاكم- رحمه الله تعالى في الإكليل أنها فوق المائة. قال العراقي: ولم أجد هذا القول لأحد سواه. قال الحافظ: لعل الحاكم أراد بضم المغازي إليها. قلت عبارة الحاكم كما رواها عنه ابن عساكر بعد ان روى عن قتادة ان مغازي رسول الله ﷺ وسراياه كانت ثلاثين وأربعين. قال الحاكم: هكذا كتبناه. وأظنه أراد السرايا دون الغزوات، فقد ذكرت في كتاب الإكليل على الترتيب بعوث رسول الله ﷺ وسراياه زيادة على المائة. قال: «وأخبرني الثقة من أصحابنا ببخارى أنه قرأ في كتاب عبد الله محمد بن نصر السرايا والبعوث دون الحروب بنفسه نيفا وسبعين» انتهى. قال في البداية: وهذا الذي ذكره الحاكم غريب جدا، وحمله كلام قتادة على ما قال، فيه نظر فقد روى الإمام أحمد عن أزهر بن القاسم الراسبي عن هشام الدستوائي عن قتادة أن مغازي
[ ٤ / ٨٢ ]
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْجَهْمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَرَجِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَاقِدِيُّ، قَالَ: وَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، أَوْ قَالَ: الْآخِرِ سَنَةَ سِتٍّ مِنْ قُدُومِهِ الْمَدِينَةَ عُكَّاشَةَ بْنَ مِحْصَنٍ الْأَسَدِيَّ [(٢)] فِي أَرْبَعِينَ رَجُلًا إِلَى الْغَمْرِ [(٣)]، وَفِيهِمْ ثَابِتُ بْنُ أَقْرَمَ وَسِبَاعُ بْنُ وَهْبٍ، فَأَغَذَّا السَّيْرَ وَنَذِرَ الْقَوْمُ بِهِمْ، فَهَرَبُوا فَنَزَلَ عَلَى مِيَاهِهِمْ، وَبَعَثَ الطَّلَائِعَ، فَأَصَابُوا مَنْ دَلَّهُمْ عَلَى بَعْضِ مَاشِيَتِهِمْ، فَوَجَدُوا مِائَتَيْ بَعِيرٍ، فَسَاقُوهَا إِلَى الْمَدِينَةِ [(٤)] .
قَالَ: وَفِيهَا بعث سريّة أَبُو عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ إِلَى الْقَصَّةِ فِي أَرْبَعِينَ رَجُلًا، فَسَارُوا لَيْلَهُمْ مُشَاةً، وَوَافَوْا ذَا الْقَصَّةِ مَعَ عمائة الصُّبْحِ، فَأَغَارَ عَلَيْهِمْ وَأَعْجَزَهُمْ هَرَبًا فِي الْجِبَالِ، وَأَصَابُوا رَجُلًا وَاحِدًا فَأَسْلَمَ فَتَرَكَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ [(٥)] .
وَبَعَثَ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ سِتٍّ مِنْ قُدُومِهِ الْمَدِينَةَ فِي عَشَرَةِ نَفَرٍ، فَكَمَنَ الْقَوْمُ بِهِمْ. حَتَّى نَامَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، فَمَا شَعَرُوا إِلَّا بِالْقَوْمِ
_________________
(١) [()] رسول الله ﷺ وَسَرَايَاهُ ثَلَاثٌ وأربعون. وانظر في هذه السرايا: سيرة ابن هشام (٤: ٢١٨- ٢٤٨)، ومغازي الواقدي بطوله، والمغازي من صحيح البخاري، وتاريخ الطبري في الجزأين الثاني والثالث، والجزء الثاني من طبقات ابن سعد، نهاية الأرب، الجزء السابع عشر، عيون الأثر، (٢: ١٠٨- ٢٦٦)، البداية والنهاية (٤:
(٢) ٣٥٦)، تاريخ الخميس (١: ٣٥٥- ٤٧٠) و(٢: ٦٧- ١٤٦)، الزرقاني على المواهب (١: ٣٨٧- ٤٦٠) و(٢: ٨- ٣٤٩) و(٣: ٢: ١١٢) . [(٢)] عُكَّاشَةَ بْنَ مِحْصَنٍ الْأَسَدِيَّ حليف قريش، من السابقين الأولين البدريين اهل الجنة، واستعمله النبي ﷺ على سرية الغمر، فلم يلقوا كيدا. واستشهد فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ الصديق، وفي بدر انكسر سَيْفُهُ فَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ ﷺ عرجونا من نخل، أو عودا، فعاد في يده سيفا. [(٣)] الغمر: ماء لبني اسد على ليلتين من فيد. [(٤)] ذكره الواقدي في المغازي (٢: ٥٥٠)، واختصرها المصنف عنه هنا. [(٥)] من مغازي الواقدي (٢: ٥٥٢) .
[ ٤ / ٨٣ ]
فَقُتِلَ أَصْحَابُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ، وَأَفْلَتَ مُحَمَّدٌ جَرِيحًا [(٦)] .
وَفِيهَا يَعْنِي سَنَةَ سِتٍّ كَانَتْ سَرِيَّةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ بِالْحَمُومِ فَأَصَابَ امْرَأَةً مِنْ مُزَيْنَةَ، يُقَالُ لَهَا: حَلِيمَةُ، فَدَلَّتْهُمْ عَلَى مَحِلَّةٍ مِنْ مَحَالِّ بَنِي سُلَيْمٍ، فَأَصَابُوا نَعَمًا وَشَاءً وَأُسَرَاءَ، وَكَانَ فِي أَوَّلِ الْأُسَرَاءِ زَوْجُ حَلِيمَةَ، فَلَمَّا قَفَلَ بِمَا أَصَابَ وَهَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، لِلْمُزَنِيَّةِ نَفْسَهَا وَزَوْجَهَا [(٧)] .
قَالَ: وَفِيهَا- يَعْنِي سَنَةَ سِتٍّ سَرِيَّةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ إِلَى الطَّرْفِ فِي جُمَادَى الْأُولَى إِلَى بَنِي ثَعْلَبَةَ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَهَرَبَتِ الْأَعْرَابِ، وَخَافُوا أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، سَارَ إِلَيْهِمْ فَأَصَابَ مِنْ نَعَمِهِمْ عِشْرِينَ بَعِيرًا قَالَ: وَغَابَ أَرْبَعَ لَيَالٍ.
قَالَ: وَفِيهَا يَعْنِي سَنَةَ سِتٍّ كَانَتْ سَرِيَّةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ. إِلَى الْعِيصِ فِي جُمَادَى الْأُولَى وَفِيهَا أُخِذَتِ الْأَمْوَالُ الَّتِي كَانَتْ مَعَ أَبِي الْعَاصِ، فَاسْتَجَارَ بِزَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَجَارَتْهُ [(٨)] .
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَقْبَلَ دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ مِنْ عِنْدِ قَيْصَرَ قَدْ أَجَازَ دِحْيَةَ بِمَالٍ وَكَسَاهُ كُسًى، فَأَقْبَلَ حَتَّى كَانَ بِحِسْمَى فَلَقِيَهُ نَاسٌ مِنْ جُذَامٍ فَقَطَعُوا عَلَيْهِ الطَّرِيقَ، فَلَمْ يَتْرُكُوا مَعَهُ شَيْئًا، فَجَاءَ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَهُ، فَأَخْبَرَهُ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ إِلَى حِسْمَى.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عُتْبَةَ، قَالَ: خَرَجَ عَلِيٌّ ﵁ فِي مِائَةِ رَجُلٍ إِلَى فَدَكٍ إِلَى حَيٍّ مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ بكر، وذلك
_________________
(١) [(٦)] عن مغازي الواقدي باختصار (٢: ٥٥١) . [(٧)] الخبر مطولا في الواقدي (٢: ٥٥٣) . [(٨)] المصدر السابق.
[ ٤ / ٨٤ ]
أَنَّهُ بَلَغَ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنَّ لَهُمْ جَمْعًا يُرِيدُونَ أَنْ يَمُدُّوا يَهُودَ خَيْبَرَ، فَسَارَ إِلَيْهِمُ اللَّيْلَ وَكَمَنَ النَّهَارَ، وَأَصَابَ عَيْنًا وَأَقَرَّ أَنَّهُ بَعَثَ إِلَى خَيْبَرَ يَعْرِضُ عَلَيْهِمْ نَصْرَهُمْ عَلَى أَنْ يَجْعَلُوا لَهُمْ ثَمَرَ خَيْبَرَ [(٩)] .
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَفِيهَا يَعْنِي سَنَةَ سِتٍّ سَرِيَّةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ إِلَى دُومَةِ الْجَنْدَلِ فِي شَعْبَانَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، إِنْ أَطَاعُوا فَتَزَوَّجِ ابْنَةَ مَلِكِهِمْ، فَأَسْلَمَ الْقَوْمُ وَتَزَوَّجَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ تُمَاضِرَ بِنْتَ الْأَصْبَعِ وَهِيَ أُمُّ أَبِي سَلَمَةَ وَكَانَ أَبُوهَا رَأْسَهُمْ وَمَلِكَهُمْ [(١٠)] .
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَكَانَتْ سَرِيَّةُ كُرْزِ بْنِ جَابِرٍ الْفِهْرِيِّ إِلَى الْعُرَنِيِّينَ الَّذِينَ قَتَلُوا رَاعِيَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَاسْتَاقُوا الْإِبِلَ فِي شَوَّالٍ مِنْ سَنَةِ سِتٍّ بَعَثَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي عِشْرِينَ فَارِسًا.
أَمَا قِصَّةُ أَبِي الْعَاصِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْوَاقِدِيُّ فَفِيمَا
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ، قَالَ: خَرَجَ أَبُو الْعَاصِ بْنُ الرَّبِيعِ تَاجِرًا إِلَى الشَّامِ وَكَانَ رَجُلًا مَأْمُونًا، وَكَانَتْ مَعَهُ بَضَائِعُ لِقُرَيْشٍ، فَأَقْبَلَ قَافِلًا فَلَقِيَتْهُ سَرِيَّةٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَاسْتَاقُوا عِيرَهُ، وَأَفْلَتَ، وقَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِمَا أَصَابُوا فَقَسَمَهُ بَيْنَهُمْ، وَأَتَى أَبُو الْعَاصِ، حَتَّى دَخَلَ عَلَى زَيْنَبَ، فَاسْتَجَارَ بِهَا، وَسَأَلَهَا أَنْ تَطْلُبَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، رَدَّ مَالِهِ عَلَيْهِ، وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ، فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، السَّرِيَّةَ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ مِنَّا حَيْثُ قَدْ عَلِمْتُمْ، وَقَدْ أَصَبْتُمْ لَهُ مَالًا وَلِغَيْرِهِ مِمَّا كَانَ مَعَهُ، وَهُوَ فَيْءُ اللهِ الَّذِي أَفَاءَ عَلَيْكُمْ، فَإِنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تردوا
_________________
(١) [(٩)] المغازي للواقدي (٢: ٥٦٢) . [(١٠)] عن مغازي الواقدي (٢: ٥٦٠) .
[ ٤ / ٨٥ ]
عَلَيْهِ، فَافْعَلُوا، وَإِنْ كَرِهْتُمْ فَأَنْتُمْ وَحَقُّكُمْ، قَالُوا: بَلْ نَرُدُّ عَلَيْهِ يَا رَسُولَ اللهِ،
فَرَدُّوا- وَاللهِ عَلَيْهِ- مَا أَصَابُوا حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَأْتِي بِالشَّنَّةِ وَالرَّجُلَ بِالْإِدَاوَةِ، وَالرَّجُلَ بِالْحَبْلِ، فَمَا تَرَكُوا قَلِيلًا أَصَابُوهُ وَلَا كَبِيرًا إِلَّا وَرَدُّوهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، فَأَدَّى إِلَى النَّاسِ بَضَائِعَهُمْ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ، قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ هَلْ بَقِيَ لِأَحَدٍ مِنْكُمْ مَعِي مَالٌ لَمْ أَرُدَّهُ عَلَيْهِ. قَالُوا: لَا فَجَزَاكَ اللهُ خَيْرًا، قَدْ وَجَدْنَاكَ وَفِيًّا كَرِيمًا. فَقَالَ: أَمَا وَاللهِ مَا مَنَعَنِي أَنْ أُسْلِمَ قَبْلَ أَنْ أَقْدَمَ عَلَيْكُمْ، إِلَّا تَخَوُّفًا مِنْ أَنْ تَظُنُّوا أَنِّي إِنَّمَا أَسْلَمْتُ لِأَذْهَبَ بِأَمْوَالِكُمْ، فَإِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ [(١١)] .
وَذَكَرَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ أَنَّ أَمْوَالَ أَبِي الْعَاصِ إِنَّمَا أَخَذَهَا أَبُو نُصَيْرٍ فِي الْهُدْنَةِ وَذَلِكَ يَرِدُ بَعْدَ هَذَا إِنْ شَاءَ اللهُ [تَعَالَى] [(١٢)] وَأَمَّا قِصَّةُ الْعُرَنِيِّينَ فَفِيمَا أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ الْأَصْبَهَانِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدِ بْنُ الْأَعْرَابِيِّ قَالَ:
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا سَعِيدُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ أَنَّ رَهْطًا مِنْ عُكْلٍ وعُرَيْنَةَ أَتَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّا أُنَاسٌ مِنْ أَهْلِ ضَرْعٍ وَلَمْ نَكُنْ مِنْ أَهْلِ رِيفٍ فَاسْتَوخَمْنَا الْمَدِينَةَ فَأَمَرَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِزَوْدٍ وَزَادٍ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَخْرُجُوا فيها فيشربون مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا، فَانْطَلَقُوا حَتَّى إِذَا كَانُوا فِي نَاحِيَةِ الْحَرَّةِ قَتَلُوا رَاعِيَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَاسْتَاقُوا الزَّوْدَ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ فَبَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ فِي طَلَبِهِمْ، فَأَمَرَ بِهِمْ فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وَسَمَّرَ أَعْيُنَهُمْ وَتَرَكَهُمْ فِي نَاحِيَةِ الْحَرَّةِ، حَتَّى مَاتُوا وَهُمْ كَذَلِكَ قَالَ قَتَادَةُ فَذُكِرَ لَنَا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ يَعْنِي قَوْلَهُ: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ قَالَ قَتَادَةُ بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَحُثُّ فِي خُطْبَتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الصَّدَقَةِ وَيَنْهَى عَنِ المثلة.
_________________
(١) [(١١)] المغازي (٢: ٥٥٣) . [(١٢)] الزيادة من (ص) .
[ ٤ / ٨٦ ]
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ عَنِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ مِنْ عُكْلٍ أَوْ عُرَيْنَةَ. وَقَالَ هَمَّامٌ وَشُعْبَةُ وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ قَتَادَةَ مِنْ عُرَيْنَةَ وَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسٍ مِنْ عُرَيْنَةَ وَقَالَ ثَابِتٌ وَحُمَيْدٌ عَنْ أَنَسٍ مِنْ عُرَيْنَةَ.
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ طَلْحَةُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الصَّقْرِ الْبَغْدَادِيُّ بِهَا قَالَ حدثنا محمد ابن عَبْدِ اللهِ الشَّافِعِيُّ أَبُو بَكْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سَلَّامٍ حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ نَفَرًا مِنْ عُرَيْنَةَ أَتَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَسْلَمُوا وَبَايَعُوهُ، وَقَدْ وَقَعَ فِي الْمَدِينَةِ الْمُومُ وَهُوَ الْبِرْسَامُ فَقَالُوا هَذَا الْوَجَعُ. قَدْ وَقَعَ يَا رَسُولَ اللهِ فَلَوْ أَذِنْتَ لَنَا فَرُحْنَا إِلَى الْإِبِلِ قَالَ نَعَمْ فَاخْرُجُوا وَكُونُوا فِيهَا
فَخَرَجُوا فَقَتَلُوا أَحَدَ الرَّاعِيَيْنِ وَذَهَبُوا بِالْإِبِلِ وَجَاءَ الْآخَرُ وَقَدْ جُرِحَ قَالَ قَدْ قَتَلُوا صَاحِبِي وَذَهَبُوا بِالْإِبِلِ وَعِنْدَهُ شَبَابٌ مِنَ الْأَنْصَارِ قَرِيبٌ مِنْ عِشْرِينَ فَأَرْسَلَهُمْ إِلَيْهِمْ فَبَعَثَ مَعَهُمْ قَائِفًا يَقْتَصُّ أَثَرَهُمْ فَأُتِيَ بِهِمْ فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ هَارُونَ ابْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَالِكِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ. وَقَالَ أَبُو قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ مِنْ عُكْلٍ.
أَخْبَرَنَا أَبُو محمد عبد اللهِ بْنُ يُوسُفَ الْأَصْبَهَانِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو بكر محمد ابن الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ الْقَطَّانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي عِيسَى الْهِلَالِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بن الوليد القدني قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ قَالَ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَدْ قَدِمَ رَهْطٌ مِنْ عُكْلٍ فَأَسْلَمُوا وَاجْتَوَوَا الْأَرْضَ فَأَتَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْحَقُوا بِالْإِبِلِ وَاشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا
قَالَ: فَذَهَبُوا فَكَانُوا فِيهَا مَا شَاءَ اللهُ فَقَتَلُوا الرَّاعِيَ وَسَاقُوا الْإِبِلَ قَالَ: فَجَاءَ الصَّرِيخُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَرْسَلَ فِي طَلَبِهِمْ فَلَمْ تَرْتَفِعِ الشَّمْسُ حَتَّى أُتِيَ بِهِمْ فَأَمَرَ بِمَسَامِيرَ فَأُحْمِيَتْ لَهُمْ فَكَوَاهُمْ وَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وَأَلْقَاهُمْ فِي الْحَرَّةِ يَسْتَسْقُونَ فَلَا يُسْقَوْنَ حَتَّى
[ ٤ / ٨٧ ]
مَاتُوا وَلَمْ يَحْسِمْهُمْ.
أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ حَمَّادٍ وَغَيْرِهِ عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ يُوسُفَ إِمْلَاءً قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ خَمِيرَوَيْهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِدْرِيسَ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ نَفَرٌ مِنْ عُرَيْنَةَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ. زَادَ فَبَعَثَ فِي طَلَبِهِمْ وَدَعَا عَلَيْهِمْ فقال اللهم عمّي عَلَيْهِمُ الطَّرِيقَ وَاجْعَلْ عَلَيْهِمْ أَضْيَقَ مِنْ مَسْكِ جَمَلٍ قَالَ فَعَمَّى الله عَلَيْهِمُ السَّبِيلَ فَأُدْرِكُوا فَأُتِيَ بِهِمُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وسمل أعينهم [(١٣)] .
_________________
(١) [(١٣)] الحديث أخرجه البخاري في: ٨٦- كتاب الحدود (١٧) باب لم يسق المرتدون حتى ماتوا. فتح الباري (١٢: ١١١)، كما أخرجه البخاري أطرافه في (١٤) موضعا من صحيحه. وأخرجه مسلم في: ٢٨- كتاب القسامة (٢) باب حكم المحاربين والمرتدين، حديث (٩)، ص (١٢٩٦) . وأخرجه ابو داود في كتاب الحدود، (بَابُ) مَا جَاءَ فِي المحاربة حديث رقم (٤٣٦٤)، ص (٤: ١٣٠) . أخرجه الترمذي في كتاب الطهارة (بَابُ) مَا جَاءَ فِي بول ما يؤكل لحمه، حديث رقم (٧٢)، صفحة (١: ١٠٦- ١٠٧) . وأخرجه النسائي في كتاب التحريم في ثلاثة أبواب متتابعة (٧- ٨- ٩) من صفحة (٧: ٩٣- ١٠١) - جامعا طرقه كلها. وأخرجه ابن ماجة في كتاب الحدود، حديث رقم (٢٠)، والإمام أحمد في «مسنده» (٣:
(٢) ١٧٧- ١٩٨) . (اجتووا) المدينة أي: كرهوا المقام فيها لسقم أصابهم، من الجوى، وهو داء في الجوف، وقيل: تضرروا، وقال القزاز: «لم يوافقهم طعامها»، وقال ابن العربي: «الجوى داء يأخذ من الوباء يؤيده رواية: استوضحوا» . (سمل أعينهم): فقأها وأذهب ما فيها. قال أنس: «إنما سمل أعينهم لأنهم سملوا أعين الرعاء. (فائدة- ١): هذا الحديث منسوخ بالحدود، (وأيضا) بالنهي عن المثلة.
[ ٤ / ٨٨ ]
_________________
(١) [()] قال ابن شاهين- عقب حديث عمران بن حصين في النهي عن المثلة: هذا الحديث ينسخ كل مثلة» . ويدل عليه ما رواه البخاري في كتاب الجهاد من حديث أبي هريرة في النهي عن التهذيب بالنار، بعد الإذن فيه، وقصة العرنيين قبل إسلام أبي هريرة، وقد حضر الإذن ثم النهي. وقد نسخت المثلة بالآية الكريمة «إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله.. [الآية ٣٣ من سورة المائدة] . وقال قتادة، عن محمد بن سيرين ان الحدود لما نزلت نسخت المثلة. وما مثل رسول الله ﷺ- بعد آية الحدود- ونهى عن المثلة، فقال: لا تمثلوا بشيء. وراجع الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار للحازمي من تحقيقنا. (فائدة- ٢): كلمة ألبانها وأبوالها: لقد وقع الترخيص في إصابة بول الإبل للتداوي لهؤلاء خاصة، وذلك في صدر الإسلام ثم نسخ، وقيل: «للمتداوي أن يصيبه كأكل الميتة لكسر عادية الجوع.
[ ٤ / ٨٩ ]
جُمَّاعُ أَبْوَابِ عُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ [(١)]
بَابُ تَارِيخِ خُرُوجِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى الْحُدَيْبِيَةِ [(٢)]
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ بِبَغْدَادَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ
_________________
(١) [(١)] انظر في عمرة الحديبية: - طبقات ابن سعد (٢: ٩٥) . - سيرة ابن هشام (٣: ٢٦٥) . - المغازي للواقدي (١: ٣٨٣) . - صحيح البخاري (٥: ١٢١) . - صحيح مسلم بشرح النووي (١٢: ١٣٥) . - تاريخ الطبري (٢: ٦٢٠) . - الدرر لابن عبد البر (١٩١) - ابن حزم (٢٠٧) . - البداية والنهاية (٤: ١٦٤) . - نهاية الأرب (١٧: ٢١٧) . - عيون الأثر (٢: ١٤٨) . - شرح المواهب (٤: ١٦٤) . - السيرة الشامية (٥: ٥٥) . [(٢)] الحديبية: بحاء مهملة مضمومة، فدال مهملة مفتوحة فموحدة مكسورة فتحتية مفتوحة. قال الإمام الشافعي﵀- وأهل اللغة وبعض أهل الحديث﵏- التحتية مخففة. وقال اكثر أهل الحديث مشددة. قال النووي﵀- فهما وجهان مشهوران.
[ ٤ / ٩٠ ]
جَعْفَرِ بْنِ دُرُسْتَوَيْهِ [النَّحْوِيُّ] [(٣)] قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ أَبِي نُعَيْمٍ، عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: كَانَتِ الْحُدَيْبِيَةُ سَنَةَ سِتٍّ بَعْدَ مَقْدَمِ النَّبِيِّ ﷺ الْمَدِينَةَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ.
قُلْتُ: هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الزُّهْرِيُّ وَقَتَادَةُ، وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ، وَغَيْرُهُمْ. وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ [(٤)] .
_________________
(١) [()] وقال في المطالع: ضبطنا التخفيف عن المتقنين واما عامة الفقهاء والمحدثين فيشددونها. وقال البكري﵀- أهل العراق يشددون، وأهل الحجاز يخففون. وقال النحاس﵀- سألت كلّ من لقيت ممن أثق بعلمه عن «الحديبية» فلم يختلفوا عن قراءتها مخففة. قال أحمد بن يحيى﵀- لا يجوز فيها غيره، ونص في البارع على التخفيف. وحكى التشديد ابن سيده﵀- في المحكم، قال في تهذيب المطالع: ولم أره لغيره، وأشار بعضهم الى أنّ التثقيل لم يسمع حتى يصح، ووجهه ان التثقيل إنما يكون في المنسوب، نحو الإسكندرية فإنها منسوبة الى الإسكندر وأما الحديبية» فلا تعقل فيها النسبة، وياء النسبة في غير منسوب قليلة، ومع قلته موقوف على السماع. والقياس ان يكون أصلها حدباء بزيادة «ألف للإلحاق ببنات الأربعة، فلما صغرت انقلبت الألف ياء، وقيل: حديبة وشهد لصحة هذا أقوالهم لييلة بالتصغير ولم يرد لها مكبر فقدره الأئمة ليلة لأن المصغر فرع المكبر، ويمتنع وجود فرع بدون أصله. قال المحب الطبري﵀-: هي قريبة من مكة أكثرها في الحرم. وفي صحيح البخاري عن البراء «الحديبية» بئر. قال الحافظ﵀- يشير إلى ان المكان المعروف بالحديبية سمى ببئر كانت هنالك، هذا اسمها، ثم عرف المكان كله بذلك، وبينها وبين مكة نحو مرحلة واحدة، وبين المدينة تسع مراحل وانظر حول المسافة التي بين الحديبية وكل من مكة والمدينة في شرح المواهب (٢: ١٧٩) . [(٣)] الزيادة من (ح) . [(٤)] قالوا كانت سنة ستّ، قاله الجمهور، في ذي القعدة، وقال هشام بن عروة عن أبيه- رحمهما الله- في شوال، وشذّ بذلك هشام عن الجمهور. وقد وافق أبو الأسود عن عروة الجمهور. وفي البخاري عن عائشة﵂- قالت: ما اعتمر رسول اللهﷺ- إلّا في ذي القعدة، وفيه عن أنس﵁- اعتمر رسول اللهﷺ- أربع عمر كلهن في ذي القعدة، فذكر منها عمرة «الحديبية» .
[ ٤ / ٩١ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ الْخَلِيلِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الْحُدَيْبِيَةِ فِي رَمَضَانَ، وَكَانَتِ الْحُدَيْبِيَةُ فِي شَوَّالٍ.
قَالَ يَعْقُوبُ: قَالَ حَسَّانَ بْنَ عَبْدِ اللهِ عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ تجهز يُرِيدُ الْعُمْرَةَ وَتَجَهَّزَ مَعَهُ نَاسٌ كَثِيرٌ، وَذَلِكَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ مِنْ سَنَةِ سِتٍّ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأَدِيبُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ هَاشِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ: أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ أَخْبَرَهُ.
أَنَّ نَبِيَّ الله ﷺ اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عمر كلهن في ذي الْقَعْدَةِ، إِلَّا الْعُمْرَةَ الَّتِي مَعَ حَجَّتِهِ: عُمْرَةَ الْحُدَيْبِيَةِ، أَوْ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَعُمْرَةً مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ، وَعُمْرَةً مِنَ الجعرانة حيث قسم غنائم حُنَيْنٍ فِي ذِي الْقَعْدَةِ وعمرة مع حجته.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ومُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ هُدْبَةَ بْنِ خَالِدٍ [(٥)] .
_________________
(١) [(٥)] البخاري عن هدبة في: ٦٤- كتاب المغازي، (٣٥) باب غزوة الحديبية، الحديث (٤١٤٨)، فتح الباري (٧: ٤٣٩)، وأخرجه مسلم عن هدبة في كتاب الحج، (٣٥) باب بيان عدد عُمُرِ النَّبِيِّ ﷺ، الحديث (٢١٧)، ص (٢: ٩١٦) . والحديث أخرجه أبو داود أيضا في الحج عن أبي الوليد، وعن هدبة، والترمذي في الحج عن حبان، وقال: «حسن صحيح» .
[ ٤ / ٩٢ ]
بَابُ عَدَدِ مَنْ كَانَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِالْحُدَيْبِيَةِ
حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ: عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ الْأَصْبَهَانِيُّ﵀- قَالَ:
أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدِ: أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ الْبَصْرِيُّ بِمَكَّةَ، قال: أخبرنا الحسن ابن مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ الزهري، عن عروة ابن الزُّبَيْرِ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ.
أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي بِضْعَ عَشْرَةَ مِائَةً مِنْ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا كَانَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ [(١)] قَلَّدَ الْهَدْيَ [(٢)] وَأَشْعَرَهُ، وَأَحْرَمَ مِنْهَا.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ [(٣)] .
وَاخْتَلَفَتِ الرُّوَاةُ فِي الْبِضْعِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، مِنْهُمْ مَنْ قَالَ:
كانوا ألفا وثلاثمائة [(٤)] .
_________________
(١) [(١)] (ذو الحليفة) قرية بينها وبين المدينة ستة أميال. [(٢)] (قلّد الهدي) علّق في عنقها قطعة من حبل ليعلم أنها هدي، فيكف الناس عنها. [(٣)] أخرجه البخاري في المغازي في باب الحديبية، فتح الباري (٧: ٤٤٤) . [(٤)] وقال الصالحي في السيرة الشامية: اختلفت الروايات في عدة مَنْ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللهِﷺ- فيها، ففي رواية عبد العزيز الأفاقي عن الزّهري في حديث المسور، ومروان: ألف وثمانمائة.
[ ٤ / ٩٣ ]
_________________
(١) [()] وفي رواية إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء: كنّا أربع عشرة مائة. وفي رواية زهير بن معاوية عن أبي إسحاق كانوا ألفا وأربعمائة أو أكثر. وفي رواية لسالم بن أبي الجعد عن جابر: أنهم كانوا خمس عشرة مائة، وكذلك رواية سعيد بن المسيّب عنه، وكذلك رواية ابن أبي شيبة عن مجمّع بن جارية. قال الحافظ﵀- والجمع بين هذا الاختلاف أنهم كانوا أكثر من ألف وأربعمائة، فمن قال ألف وخمسمائة جبر الكسر، ومن قال ألف وأربعمائة ألغاه. ويؤيده قول البراء في رواية عنه: كنّا ألفا وأربعمائة أو أكثر، واعتمد على هذا الجمع النووي﵀. وأما البيهقي﵀- فمال إلى التّرجيح، وقال: إن رواية من قال ألفا وأربعمائة أرجح، ثم روى من طريق أبي الزبير ومن طريق سفيان بن عمر بن دينار، كلاهما عن جابر كذلك. ومن رواية معقل بن يسار عن سلمة بن الأكوع، والبراء بن عازب ومن طريق قتادة عن سعيد بن المسيّب عن أبيه، ومعظم هذه الطرق عن مسلم. ووقع عند ابن سعد﵀- في حديث معقل بن يسار: زهاء ألف وأربعمائة، وهو أيضا في عدم التحديد. وأما قول عبد الله بن أبي أوفى﵀-، كنّا ألفا وثلاثمائة كما رواه البخاري، فيمكن حمله على ما اطّلع عليه، واطلع غيره على زيادة أناس لم يطّلع هو عليهم، والزيادة من الثّقة مقبولة. أو العدد الّذي ذكره عدد المقاتلة. والزّيادة عليها من الأتباع من الخدم والنّساء والصّبيان الّذين لم يبلغوا الحكم. وأمّا قول ابن إسحاق﵀- إنّهم كانوا سبعمائة فلم يوافقه [أحد] عليه، لأنّه قاله استنباطا من قول جابر﵁-: نحرنا البدنة عن عشرة، وكانوا نحروا سبعين بدنة. وهذا لا يدلّ على أنّهم لم ينحروا غير البدن. مع أنّ بعضهم لم يكن أحرم أصلا. وقال ابن القيّم: ما ذكره ابن إسحاق غلط بيّن، واستدلّ به من أنّهم نحروا سبعين بدنة، والبدنة جاء إجزاؤها عن سبعة وعن عشرة، وهذا لا يدل على ما قاله فإنّه قد صرّح أن البدنة في هذه العمرة عن سبعة، فلو كانت السّبعون عن جميعهم كانوا أربعمائة وتسعين رجلا، وقد قال في تمام الحديث بعينه: إنّهم كانوا ألفا وأربعمائة. وأمّا ما وقع في حديث المسور ومروان عن البخاري أنهم خرجوا مع رسول اللهﷺ- بضع عشرة مائة، فيجمع أيضا بأنّ الّذين بايعوا كانوا كما تقدم. وأمّا الّذين زادوا على ذلك فكانوا غائبين عنها، كمن توجّه مع عثمان﵁- إلى مكة، على أنّ لفظ البضع يصدق على الخمس
[ ٤ / ٩٤ ]
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ فُورَكٍ﵀- قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ ابن جَعْفَرِ بْنِ أَحْمَدَ الْأَصْبَهَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، سَمِعَ ابْنَ أَبِي أَوْفَى صَاحِبَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكَانَ قَدْ شَهِدَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ، قَالَ: كُنَّا يَوْمَئِذٍ أَلْفًا وَثَلَاثَمِائَةٍ، وَكَانَتْ أَسْلَمُ يَوْمَئِذٍ ثُمُنَ الْمُهَاجِرِينَ.
وَأَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ دُرُسْتَوَيْهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍو يَعْنِي ابْنَ مُرَّةَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى، قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ الشَّجَرَةِ أَلْفًا وَثَلَاثَمِائَةٍ، وَكَانَتْ أَسْلَمُ ثُمُنَ الْمُهَاجِرِينَ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مُعَاذٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُثَنَّى، عَنْ أَبِي دَاوُدَ [(٥)] .
وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فَقَالَ: وَقَالَ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ [(٦)]، فَذَكَرَهُ ثُمَّ اسْتَشْهَدَ بِرِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ، وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، فَقِيلَ عنه: ألف وخمس
_________________
(١) [()] والأربع، فلا تخالف. وجزم ابن عقبة بأنّهم كانوا ألفا وستمائة، وفي حديث سلمة بن الأكوع عند ابن أبي شيبة ألفا وسبعمائة. وحكى ابن سعد: أنهم كانوا ألفا وخمسمائة وخمسة وعشرين. وهذا إن ثبت تحرير بالغ. وزاد ابن مردويه عن ابن عبّاس، وفيه ردّ على ابن دحية، حيث زعم أنّ سبب الاختلاف في عددهم، أنّ الّذي ذكر عددهم لم يقصد التّحديد، وإنما ذكره بالحدس والتّخمين. [(٥)] مُسْلِمٌ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ معاذ، في: ٣٣- كتاب الإمارة (١٨) باب استحباب مبايعة الإمام، الحديث (٧٥)، ص (١٤٨٥) . [(٦)] البخاري في المغازي، باب الحديبية تعليقا، الحديث (٤١٥٥)، فتح الباري (٧: ٤٤٣) .
[ ٤ / ٩٥ ]
مائة، وقيل: ألف وأربع مائة.
أخبرنا أبو عبد الله الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّيْدَلَانِيُّ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا رِفَاعَةُ بْنُ الْهَيْثَمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ جَابِرٍ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: لَوْ كُنَّا مِائَةَ أَلْفٍ لَكَفَانَا [(٧)]: كُنَّا خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةً.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ الْهَيْثَمِ [(٨)] .
وَأَخْرَجَاهُ مِنْ أَوْجُهٍ أُخَرَ عن حُصَيْنٍ كَذَلِكَ [(٩)] .
وَخَالَفَهُ الْأَعْمَشُ عَنْ سَالِمٍ، فَقَالَ: كَمَا أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ الْحَافِظُ أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ جَابِرٍ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: وَقُلْتُ لِجَابِرٍ: كَمْ كُنْتُمْ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: كُنَّا أَلْفًا وأربع مائة أَصْحَابَ الشَّجَرَةِ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عُثْمَانَ [(١٠)]، واستشهد البخاري بهذه
_________________
(١) [(٧)] (لَوْ كُنَّا مِائَةَ أَلْفٍ لكفانا) هذا مختصر من الحديث الصحيح في بئر الحديبية، ومعناه أن الصحابة لما وصلوا الحديبية وجدوا بئرها إنما تنز مثل الشراك، فبصق النبي ﷺ، وَدَعَا فِيهَا بِالْبَرَكَةَ، فجاشت، فهي إحدى المعجزات لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فقال جابر: كنا ألفا وخمسمائة، وَلَوْ كُنَّا مِائَةَ أَلْفٍ لكفانا. [(٨)] أخرجه مسلم في: ٣٣- كتاب الإمارة، الحديث (٧٣) عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ الْهَيْثَمِ، عن خَالِدٌ الطَّحَّانُ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ..، ص (١٤٨٤) . [(٩)] فتح الباري (٧: ٤٤١) باب غزوة الحديبية، ومسلم (٣: ١٤٨٤)، الحديث (٧٢) . [(١٠)] مسلم عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شيبة، في الموضع السابق، الحديث (٧٤)، ص (١٤٨٤) .
[ ٤ / ٩٦ ]
الرِّوَايَةِ، وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ جَرِيرٍ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي طَاهِرٍ الدَّقَّاقُ بِبَغْدَادَ قَالَ:
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْخَرَقِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو قِلَابَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ أَبُو زَيْدٍ الْهَرَوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: كَمْ كَانَ الَّذِينَ شَهِدُوا بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ؟
قَالَ: خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةً، قَالَ قُلْتُ: فَإِنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: كَانُوا أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً، قَالَ- يَرْحَمُهُ اللهُ- وَهِمَ، هُوَ حَدَّثَنِي أَنَّهُمْ كَانُوا خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةً.
أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ [(١١)] مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، وَاسْتَشْهَدَ بِرِوَايَةِ قُرَّةَ بْنِ خَالِدٍ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ فِي الْقَدِيمِ يَقُولُ خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةً، ثُمَّ ذَكَرَ الْوَهْمَ، فَقَالَ: أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً.
أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ الْأَصْبَهَانِيُّ، قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْبَصْرِيُّ، قَالَ أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، قَالَ: سَمِعَ عَمْرٌو جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، يَقُولُ: كُنَّا يوم الحديبية ألفا وأربع مائة، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، أَنْتُمْ خَيْرُ أَهْلِ الْأَرْضِ، وَلَوْ كُنْتُ الْيَوْمَ أُبْصِرُ لرأيتكم مَوْضِعَ الشَّجَرَةِ [(١٢)] .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، فَذَكَرَهُ.
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ.
_________________
(١) [(١١)] فتح الباري (٧: ٤٤٣)، الحديث (٤١٥٣) . ط. السلفية. [(١٢)] البخاري في الموضع السابق، الحديث (٤١٥٤)، فتح الباري (٧: ٤٤٣) .
[ ٤ / ٩٧ ]
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، وَابْنُ بُكَيْرٍ، وَابْنُ رُمْحٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ خَلَّادٍ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قال: كُنَّا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ أَلْفًا وأربع مائة [(١٣)] .
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: نَحَرْنَا عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ سَبْعِينَ بَدَنَةً: الْبَدَنَةُ عَنْ سَبْعَةٍ، فَقُلْنَا لِجَابِرٍ: كَمْ كُنْتُمْ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: ألفا وأربع مائة بِخَيْلِنَا وَرِجَالِنَا.
وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ أَصَحُّ فَكَذَلِكَ قَالَهُ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ وَمَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ وَسَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ.
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ هُوَ الْأَصَمُّ، قَالَ، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ الدُّورِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ، قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ تحت الشجرة ألفا وأربع مائة [(١٤)] .
_________________
(١) [(١٣)] صحيح مُسْلِمٌ عَنْ قُتَيْبَةَ عَنِ الليث في الإمارة، ح (٦٧)، ص (١٤٨٣) . [(١٤)] راجع الحاشية (٤) من هذا الباب.
[ ٤ / ٩٨ ]
بَابُ سِيَاقِ قِصَّةِ الْحُدَيْبِيَةِ وَمَا ظَهَرَ مِنَ الْآثَارِ فِيهَا
أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأَدِيبُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بكر أحمد ابن إِبْرَاهِيمَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حدثنا محمد ابن يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِيمَا حَدَّثَنَا عَنِ الْمَغَازِي، قَالَ: قَالَ مَعْمَرٌ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: أَخْبَرَنَا عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ (ح) .
قَالَ: وأَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ بْنِ زِيَادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَهَذَا حَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَمَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ يُصَدِّقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَدِيثَ صَاحِبِهِ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي بِضْعَ عَشْرَةَ مِائَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِذِي الْحُلَيْفَةِ قَلَّدَ رَسُولُ الله ﷺ الْهَدْيَ، وَأَشْعَرَهُ [(١)]، وَأَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ، وَبَعَثَ بَيْنَ يَدَيِهِ عَيْنًا لَهُ مِنْ خُزَاعَةَ يُخْبِرُهُ [(٢)] عَنْ قُرَيْشٍ، وَسَارَ رسول
_________________
(١) [(١)] (أشعره) وخز سنامها حتى يعلم أنها هدي. [(٢)] في (ح): «تخبره» .
[ ٤ / ٩٩ ]
الله ﷺ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِغَدِيرِ الْأَشْطَاطِ [(٣)] قَرِيبًا مِنْ عُسْفَانَ [(٤)] أَتَاهُ عُيَيْنَةُ الْخُزَاعِيُّ، فَقَالَ: إِنِّي تَرَكْتُ كَعْبَ بْنَ لُؤَيٍّ، وَعَامِرَ بْنَ لُؤَيٍّ، قَدْ جَمَعُوا لَكَ الْأَحَابِيشَ [(٥)]، وَجَمَعُوا لَكَ جُمُوعًا، وَهُمْ قَاتِلُوكَ أَوْ مُقَاتِلُوكَ، وَقَالَ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ زِيَادٍ: وَهُمْ مُقَاتِلُوكَ، قَالَا: جَمِيعًا: وَصَادُّوكَ عَنِ الْبَيْتِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ أَشِيرُوا عَلَيَّ أَتَرَوْنَ أَنْ نَمِيلَ إِلَى ذَرَارِيِّ هَؤُلَاءِ [(٦)] الَّذِينَ أَعَانُوهُمْ فَنُصِيبَهُمْ، فَإِنْ قَعَدُوا قَعَدُوا مَوْتُورِينَ مَحْرُوبِينَ، وَإِنْ نَجَوْا تَكُنْ عُنُقًا قَطَعَهَا اللهُ، أَمْ تَرَوْنَ أَنْ نَؤُمَّ الْبَيْتَ، فَمَنْ صَدَّنَا عَنْهُ قَاتَلْنَاهُ؟.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. إِنَّمَا جِئْنَا معتمرين، ولم نجيء لِقِتَالِ [أَحَدٍ] [(٧)]، وَلَكِنْ مَنْ حَالِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْبَيْتِ قَاتَلْنَاهُ.
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «فَرُوحُوا إذا» .
الزُّهْرِيُّ فِي حَدِيثِهِ: فَرَاحُوا حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ بِالْغَمِيمِ فِي خَيْلٍ لِقُرَيْشٍ طَلِيعَةً فخذوا ذات اليمين»،
فو الله مَا شَعَرَ بِهِمْ خَالِدٌ حَتَّى إِذَا هُوَ بِقَتَرَةِ الْجَيْشِ [(٨)]، فَانْطَلَقَ يَرْكُضُ نَذِيرًا لِقُرَيْشٍ، وَسَارَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالثَّنِيَّةِ الَّتِي يُهْبَطُ عَلَيْهِمْ مِنْهَا بَرَكَتْ
_________________
(١) [(٣)] (الأشطاط): «جمع شط، وهو جانب الوادي» . [(٤)] (عسفان) قرية بينها وبين مكة ثلاث مراحل. [(٥)] (الأحابيش) هم: بنو الهون بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ، وبنو الحارث، وبنو عبد مناة، وبنو المصطلق من خزاعة، وجاء في شرح المواهب (٢: ١٨٢): «الأحابيش كانوا تحالفوا مع قريش تحت جبل يقال له: الحبش، أسفل مكة، وقيل: سموا بذلك لتحبشهم أي تجمعهم» . [(٦)] رسمت في (ح): «هاؤلاء» . [(٧)] الزيادة من (ح) فقط. [(٨)] (قترة الجيش) الغبار الأسود الذي تثيره حوافر الدواب» .
[ ٤ / ١٠٠ ]
رَاحِلَتُهُ، فَقَالَ النَّاسُ: حَلْ حَلْ [(٩)]، فَأَلَحَّتْ [(١٠)]، فَقَالُوا: خَلَأَتِ [(١١)] الْقَصْوَاءُ [(١٢)]، خَلَأَتِ الْقَصْوَاءُ.
قَالَ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ زِيَادٍ فِي حَدِيثِهِ: لَمَّا بَلَغَ قَوْلَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ فَرُوحُوا إِذًا
قَالَ الزُّهْرِيُّ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَكْثَرَ مُشَاوَرَةً لِأَصْحَابِهِ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
قَالَ الْمِسْوَرُ وَمَرْوَانُ فِي حَدِيثِهِمَا: فَرَاحُوا حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ بِالْغَمِيمِ فِي خَيْلٍ لِقُرَيْشٍ، رَجَعَ الْحَدِيثُ إِلَى مَوْضِعِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ مَا خَلَأَتِ الْقَصْوَاءُ، وَمَا ذَلِكَ لَهَا بِخُلُقٍ، وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ، ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَسْأَلُونِي خُطَّةً [(١٣)] يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللهِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا [(١٤)]، ثُمَّ زَجَرَهَا فَوَثَبَتْ بِهِ، قَالَ: فَعَدَلَ حَتَّى نَزَلَ بِأَقْصَى الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى ثَمَدٍ [(١٥)] قَلِيلِ الْمَاءِ إِنَّمَا يَتَبَرَّضُهُ [(١٦)] الناس تبرضا،
_________________
(١) [(٩)] (حل حل) كلمة تقال للناقة إذا تركت السير، قال الخطابي «إن قلت «حل» واحدة فبالسكون، وإن أعدتها نونت الأولى وسكّنت الثانية. [(١٠)] (ألحّت) تمادت على عدم القيام، وهو من الإلحاح الإصرار على الشيء. [(١١)] (خلأت) بخاء معجمة والمد للإبل كالحران للخيل، قال ابن قتيبة: «لا يكون الخلأ إلا للنوق خاصة» . [(١٢)] في شرح المواهب (٢: ١٨٤): «القصو: قطع طرف الأذن، ويقال: بعير أقصى، وناقة قصواء، وزعم الداودي أنها كانت لا تسبق فقيل لها القصواء. [(١٣)] (خطّة) أي خصلة يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللهِ، ومعنى قوله: يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللهِ: أي ترك القتال في الحرم والجنوح إلى المسالمة، والكف عن إراقة الدماء. [(١٤)] (أعطيتهم إياها): أجبتهم إليها. [(١٥)] (الثمد) حضيرة فيها ماء قليل، ويقال: «ماء مثمود» قَلِيلِ الْمَاءِ. [(١٦)] (إِنَّمَا يَتَبَرَّضُهُ الناس) يأخذونه قليلا قليلا، وقال صاحب العين: هو جمع الماء بالكفين.
[ ٤ / ١٠١ ]
فَلَمْ يُلْبِثْهُ [(١٧)] النَّاسُ أَنْ نَزَحُوهُ، فَشَكَوْا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ الْعَطَشَ فَانْتَزَعَ سَهْمًا من كنانة ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهُ فيه قال فو الله مَا زَالَ يَجِيشُ لَهُمْ بِالرَّمِيِّ حَتَّى صَدَرُوا عَنْهُ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذَا جَاءَهُ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيُّ فِي نَفَرٍ مِنْ خُزَاعَةَ وَكَانُوا عَيْبَةَ [(١٨)] نُصْحِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ أَهْلِ تِهَامَةَ، فَقَالَ: إِنِّي تَرَكْتُ كَعْبَ بْنَ لُؤَيٍّ، وَعَامِرَ بْنَ لُؤَيٍّ نَزَلُوا أَعْدَادَ [(١٩)] مِيَاهِ الْحُدَيْبِيَةِ مَعَهُمُ الْعُوذُ الْمَطَافِيلُ، وَهُمْ مُقَاتِلُوكَ وَصَادُّوكَ عَنِ الْبَيْتِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إنا لم نجيء لِقِتَالِ أَحَدٍ، وَلَكِنَّا جِئْنَا مُعْتَمِرِينَ، وَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ نَهِكَتْهُمُ [(٢٠)] الْحَرْبُ وَأَضَرَّتْ بِهِمْ، فَإِنْ شَاءُوا مَادَدْتُهُمْ [(٢١)] مُدَّةً، وَيُخَلُّوا بَيْنِي وَبَيْنَ النَّاسِ، فَإِنْ شَاءُوا أَنْ يَدْخُلُوا فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ فَعَلُوا، وَإِلَّا فَقَدْ جَمُّوا، وإن هم أبوا فو الذي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأُقَاتِلَنَّهُمْ عَلَى أَمْرِي هَذَا حَتَّى تَنْفَرِدَ سَالِفَتِي، أَوْ لَيُنْفِذَنَّ اللهُ ﷿ أَمْرَهُ» .
فَقَالَ بُدَيْلٌ: سَأُبَلِّغُهُمْ مَا تَقُولُ، فَانْطَلَقَ حَتَّى أَتَى قُرَيْشًا، فَقَالَ: إِنَّا قَدْ جِئْنَاكُمْ مِنْ عِنْدِ هَذَا الرَّجُلِ، وَسَمِعْنَاهُ يَقُولُ قَوْلًا، فَإِنْ شِئْتُمْ نَعْرِضُ عَلَيْكُمْ فَعَلْنَا فَقَالَ سُفَهَاؤُهُمْ لَا حَاجَةَ لَنَا فِي أَنْ تُحَدِّثَنَا عَنْهُ بِشَيْءٍ، وَقَالَ ذُو الرَّأْيِ مِنْهُمْ:
هَاتِ مَا سَمِعْتَهُ، يَقُولُ: قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: كَذَا وَكَذَا، فَحَدَّثَهُمْ بِمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ، فَقَامَ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ، فَقَالَ: أَيْ قَوْمِ! أَلَسْتُمْ بِالْوَالِدِ؟ قَالُوا بَلَى قَالَ: أَلَسْتُ بِالْوَلَدِ [(٢٢)]؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: هَلْ تَتَّهِمُونِي؟ قَالُوا: لا،
_________________
(١) [(١٧)] أي لم يتركوه أن يقيم. [(١٨)] (عيبة نصح) أي أنهم موضع النصح له، والأمانة على سره. [(١٩)] (الأعداد) الذي لا انقطاع له. [(٢٠)] (نهكتهم) أي أضعفتهم. [(٢١)] (ماددتهم) جعلت بينك وبينهم مدة بترك الحرب. [(٢٢)] (ألستم بالوالد وأ لست بالولد): أنتم حي قد ولدني، لكون أمي منكم. [كانت أمه: سبيعة بنت عبد شمس] .
[ ٤ / ١٠٢ ]
قَالَ: أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنِّي اسْتَنْفَرْتُ أَهْلَ عُكَاظٍ فَلَمَّا بَلَّحُوا [(٢٣)] عَلَيَّ جِئْتُكُمْ بِأَهْلِي وَوَلَدِي وَمَنْ أَطَاعَنِي، قَالُوا: بَلَى. قَالَ: فَإِنَّ هَذَا قَدْ عَرَضَ عَلَيْكُمْ خُطَّةَ رُشْدٍ فَاقْبَلُوهَا، وَدَعُونِي آتِيهِ، قَالُوا: ائْتِهِ، فَأَتَاهُ فَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نَحْوًا مِنْ قَوْلِهِ لِبُدَيْلٍ، فَقَالَ عُرْوَةُ عَنْ ذَلِكَ، أَيْ مُحَمَّدُ! أَرَأَيْتَ إِنِ اسْتَأْصَلْتَ قَوْمَكَ هَلْ سَمِعْتَ بِأَحَدٍ مِنَ الْعَرَبِ اجْتَاحَ أَصْلَهُ قَبْلَكَ، وَإِنْ تكن الأخرى فو الله إِنِّي لَأَرَى وُجُوهًا وَأَرَى أَوْشَابًا [(٢٤)] مِنَ النَّاسِ خُلَقَاءَ أَنْ يَفِرُّوا وَيَدَعُوكَ.
فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ ﵁: امْصُصْ بَظْرَ اللَّاتِ [(٢٥)]، أَنَحْنُ نَفِرُّ عَنْهُ وَنَدَعُهُ، قَالَ: مَنْ ذَا [(٢٦)]؟ قال أبو بكر: أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا يَدٌ [(٢٧)] كَانَتْ لَكَ عِنْدِي لَمْ أَجْزِكَ بِهَا لَأَجَبْتُكَ، قَالَ: وَجَعَلَ يُكَلِّمُ النبي ﷺ كُلَّمَا كَلَّمَهُ أَخَذَ بِلِحْيَتِهِ [(٢٨)] وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَعَهُ السَّيْفُ وَعَلَيْهِ الْمِغْفَرُ، فَكُلَّمَا أَهْوَى عُرْوَةُ إِلَى لِحْيَةِ النَّبِيِّ ﷺ ضَرَبَ يَدَهُ بِنَعْلِ السَّيْفِ، وَقَالَ:
أَخِّرْ يَدَكَ عَنْ لِحْيَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَرَفَعَ عُرْوَةُ رَأْسَهُ فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا:
الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: أَيْ غُدَرُ [(٢٩)]؟ أَوَلَسْتُ أَسْعَى فِي غَدْرَتِكَ؟
قَالَ: وَكَانَ
_________________
(١) [(٢٣)] (بلّحوا عليّ) امتنعوا من الإجابة. [(٢٤)] (الأوشاب) الأخلاط. [(٢٥)] (امصص بظر اللات) البظر) القطعة التي تبقى بعد ختان المرأة ، (واللات) اسم أحد الأصنام، وكانت عادة العرب الشتم بذلك، وبلفظ الأمر: أراد أَبُو بَكْرٍ﵁- المبالغة في ذلك. [(٢٦)] في (ص): «من هذا» . [(٢٧)] (اليد): النعمة والإحسان. [(٢٨)] كانت عادة العرب أن يتناول الرجل لحية من يكلمه، ولا سيما عند الملاطفة، وفي الغالب: إنما يفعل ذلك النظير بالنظير، لكن كان الرسول ﷺ يغضي لعروة عن ذلك استمالة له وتأليفا، والمغيرة يمنعه إجلالا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ. [(٢٩)] (غدر) على وزن عمر، مبالغة في الوصف بالغدر، وهو ترك الوفاء.
[ ٤ / ١٠٣ ]
الْمُغِيرَةُ صَحِبَ قَوْمًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَقَتَلَهُمْ وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ ثُمَّ جَاءَ فَأَسْلَمَ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ أَمَّا الْإِسْلَامُ فَأَقْبَلُ، وَأَمَّا الْمَالُ فَلَسْتُ مِنْهُ فِي شَيْءٍ.
ثُمَّ إِنَّ عُرْوَةَ جَعَلَ يَرْمُقُ [(٣٠)] صَحَابَةَ النَّبِيِّ ﷺ، فو الله مَا تَنَخَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ يُدَلِّكُ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ، وَإِذَا أَمَرَهُمُ ابْتَدَرُوا لِأَمْرِهِ، وَإِذَا تَوَضَّأَ ثَارُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ، وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ، وَمَا يُجِدُّنَ [(٣١)] إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ.
قَالَ: فَرَجَعَ عُرْوَةُ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: أَيْ قَوْمِ وَاللهِ لَقَدْ وَفَدْتُ عَلَى الْمُلُوكِ: وَفَدْتُ عَلَى قَيْصَرَ، وَكِسْرَى، وَالنَّجَاشِيِّ، وَاللهِ إِنْ رَأَيْتُ مَلِكًا قَطُّ يُعَظِّمُهُ أَصْحَابُهُ مَا يُعَظِّمُ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ مُحَمَّدًا، وَاللهِ إِنْ تَنَخَّمَ نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَدَلَّكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ، وَإِذَا أَمَرَهُمُ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ، وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ، وَإِذَا تَكَلَّمُوا خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ، وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ، وَإِنَّهُ قَدْ عَرَضَ عَلَيْكُمْ خُطَّةَ رُشْدٍ فَاقْبَلُوهُ،
فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي كنانة: دعوني ءاته، فقالوا ائتيه، فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ قَالَ: رَسُولُ اللهِ ﷺ: هَذَا فُلَانٌ وَهُوَ مِنْ قَوْمٍ يُعَظِّمُونَ الْبُدْنَ فَابْعَثُوهَا لَهُ فَبَعَثَ لَهُ فَاسْتَقْبَلَهُ الْقَوْمُ يُلَبُّونَ
فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَالَ سُبْحَانَ اللهِ مَا يَنْبَغِي لِهَؤُلَاءِ أَنْ يُصَدُّوا عَنِ الْبَيْتِ، فَرَجَعَ لِأَصْحَابِهِ، فَقَالَ: رَأَيْتُ الْبُدْنَ قَدْ قُلِّدَتْ وَأُشْعِرَتْ، فَمَا أَرَى أَنْ يُصَدُّوا عَنِ الْبَيْتِ.
فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ مِكْرَزُ بْنُ حَفْصٍ فَقَالَ دَعُونِي آتِهِ. قالوا: ائتيه
فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ هَذَا مِكْرَزٌ وَهُوَ رَجُلٌ فَاجِرٌ
[(٣٢)]، فَجَعَلَ يُكَلِّمُ
_________________
(١) [(٣٠)] (يرمق) يلحظ. [(٣١)] في (ح): «وما يحدون» . [(٣٢)] استشكل قَوْلِهِﷺ- في مكرز هذا رجل فاجر أو غادر مع أنه لم يقع منه في قصة الحديبية فجور ظاهر، بل فيها ما يشعر بخلاف ذلك كما سبق في القصة، وفي إجازته أبا جندل لأجل رسول
[ ٤ / ١٠٤ ]
النبي ﷺ فَبَيْنَمَا هُوَ يُكَلِّمُهُ إِذْ جَاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو.
قَالَ مَعْمَرٌ: وَأَخْبَرَنِي أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّهُ لَمَّا جَاءَ سُهَيْلٌ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: قَدْ سَهُلَ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ.
قَالَ الزُّهْرِيُّ فِي حَدِيثِهِ: فَجَاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فَقَالَ هَاتِ اكْتُبْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ كِتَابًا، فَدَعَا الْكَاتِبَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ اكْتُبْ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فقال سهيل أما الرحمن فو الله مَا أَدْرِي مَا هُوَ وَلَكِنْ بِاسْمِكَ اللهُمَّ كَمَا كُنْتَ تَكْتُبُ، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: وَاللهِ لَا نَكْتُبُهَا إِلَّا بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللهُمَّ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، فَقَالَ سُهَيْلٌ: وَاللهِ لَوْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ مَا صَدَدْنَاكَ عَنِ الْبَيْتِ، وَلَكِنِ اكْتُبْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِنِّي لَرَسُولُ اللهِ وَإِنْ كَذَّبْتُمُونِي، اكْتُبْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ.
قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ لَا يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللهِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أَنْ تُخَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْبَيْتِ، فَنَطُوفَ، فَقَالَ سُهَيْلٌ: وَاللهِ لَا تَتَحَدَّثُ الْعَرَبُ أَنَّا أُخِذْنَا ضُغْطَةً، وَلَكِنْ لَكَ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ، فَكَتَبَ فَقَالَ سُهَيْلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَأْتِيكَ مِنَّا رَجُلٌ وَإِنْ كَانَ عَلَى دِينِكَ إِلَّا رَدَدْتَهُ إِلَيْنَا، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: سُبْحَانَ اللهِ كَيْفَ يُرَدُّ إِلَى الْمُشْرِكِينَ، وَقَدْ جَاءَ مُسْلِمًا فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ جَاءَ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو يَرْسُفُ فِي قُيودِهِ،
_________________
(١) [()] اللهﷺ- لمّا امتنع سهيل بْنِ عَمْرٍو﵁- قبل إسلامه، وأجيب: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ في مغازيه في غزوة «بدر» أن عتبة بن ربيعة قال لقريش كيف نخرج من مكة وبنو كنانة خلفنا لا نأمنهم على ذرارينا؟ قال: وذلك أنّ حفص بن الأخيف- بخاء معجمة فتحتية وبالفاء- والد مكرز كان له ولد وضيء فقتله رَجُلٌ مِنْ بَنِي بَكْرٍ ابن عبد مناة بدم لهم، كان في قريش، فتكلّمت قريش في ذلك. ثمّ اصطلحوا، فعدا مكرز بن حفص بعد ذلك على عامر بن يزيد، سيّد بني بكر غرّة فقتله، فنفرت من ذلك كنانة، فجاءت وقعة بدر في أثناء ذلك، وكان مكرز معروفا بالغدر وتقدّم في القصة أنه أراد أن يبيّت المسلمين بالحديبية، فكأنّهﷺ- أشار إلى هذا.
[ ٤ / ١٠٥ ]
قَدْ خَرَجَ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ حَتَّى رَمَى بِنَفْسِهِ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ سُهَيْلٌ:
هَذَا يَا مُحَمَّدُ أَوَّلُ مَنْ أُقَاضِيكَ عَلَيْهِ أَنْ تَرُدَّهُ، قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّا لَمْ نَقْضِ الكتاب بعد، قال: فو الله إِذًا لَا نُصَالِحُكَ عَلَى شَيْءٍ أَبَدًا، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: فَأَجِرْهُ لِي، قَالَ: مَا أَنَا بِمُجِيرِهِ لَكَ، قَالَ: بَلَى فَافْعَلْ، قَالَ: مَا أَنَا بِفَاعِلٍ، قَالَ مِكْرَزٌ: بَلَى قَدْ أَجَرْنَاهُ.
قَالَ أَبُو جَنْدَلٍ: مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ أَأُرَدُّ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ جِئْتُ مُسْلِمًا! أَلَا تَرَوْنَ مَا قَدْ لَقِيتُ! وَكَانَ قَدْ عُذِّبَ عَذَابًا شَدِيدًا فِي اللهِ.
فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابٍ ﵁: وَاللهِ، مَا شَكَكْتُ مُنْذُ أَسْلَمْتُ إِلَّا يَوْمَئِذٍ فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَلَسْتَ نَبِيَّ اللهِ؟ قَالَ: بَلَى، قُلْتُ أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى الْبَاطِلِ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا إِذًا؟ قَالَ: إِنِّي رَسُولُ اللهِ، وَلَسْتُ أَعْصِيهِ، وَهُوَ نَاصِرِي. قُلْتُ: أَوَلَسْتَ كُنْتَ تُحَدِّثُنَا أَنَّا سَنَأْتِي الْبَيْتَ فَنَطُوفُ حَقًّا؟ قَالَ: بَلَى أَنَا أَخْبَرْتُكُ أَنَّكَ تَأْتِيهِ الْعَامَ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَإِنَّكَ آتِيهِ وَتَطُوفُ بِهِ،
قَالَ: فَأَتَيْتُ أَبَا بَكْرٍ ﵁ فَقُلْتُ يَا أَبَا بَكْرٍ! أَلَيْسَ هَذَا نَبِيَّ اللهِ حَقًّا؟ قَالَ: بَلَى، قُلْتُ: أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى الْبَاطِلِ؟ قَالَ: بلى، قلت: فلم نعط الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا إِذًا؟
قَالَ: أَيُّهَا الرَّجُلُ إِنَّهُ رَسُولُ اللهِ وَلَيْسَ يَعْصِي رَبَّهُ، وَهُوَ نَاصِرُهُ، فَاسْتَمْسِكْ بغرزة [(٣٣)] حتى تموت، فو الله إِنَّهُ لَعَلَى الْحَقِّ، قُلْتُ: أو ليس كَانَ يُحَدِّثُنَا أَنَّهُ سَيَأْتِي الْبَيْتَ وَيَطُوفُ بِهِ؟ قَالَ: بَلَى أَفَأَخْبَرَكَ أَنَّكَ تَأْتِيهِ الْعَامَ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَإِنَّكَ آتِيهِ، وَتَطُوفُ بِهِ.
قَالَ الزُّهْرِيُّ: قَالَ عُمَرُ: فَعَمِلْتُ لِذَلِكَ أَعْمَالًا، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قَضِيَّةِ الْكِتَابِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: قُومُوا فَانْحَرُوا، ثُمَّ احْلِقُوا، قَالَ: فو الله ما قام
_________________
(١) [(٣٣)] في (أ) «بغرزم»، والغرز هو ركاب كور البعير إذا كان من جلد أو خشب.
[ ٤ / ١٠٦ ]
مِنْهُمْ رَجُلٌ حَتَّى قَالَ ثَلَاثَ مِرَارٍ،
فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، قَامَ فَدَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ، فَذَكَرَ لَهَا مَا لَقِيَ مِنَ النَّاسِ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا نَبِيَّ اللهِ! أَتُحِبُّ ذَلِكَ؟ اخْرُجْ ثُمَّ لَا تُكَلِّمْ أَحَدًا كَلِمَةً حَتَّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ وَتَدْعُوَ بِحَالِقِكَ فَيَحْلِقَكَ، فَقَامَ، فَخَرَجَ فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ، حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ: نَحَرَ بُدْنَهُ، وَدَعَا حَالِقَهُ فَحَلَقَهُ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَامُوا فَنَحَرُوا، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَحْلِقُ بَعْضًا، حَتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا غَمًّا، ثُمَّ جَاءَهُ نِسْوَةٌ مُؤْمِنَاتٌ، وَأَنْزَلَ اللهُ ﷿: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ حَتَّى بَلَغَ بِعِصَمِ الْكَوافِرِ [(٣٤)] فَطَلَّقَ عُمَرُ يَوْمَئِذٍ امْرَأَتَيْنِ كَانَتَا لَهُ فِي الشِّرْكِ، فَتَزَوَّجَ إِحْدَاهُمَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَالْأُخْرَى: صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ.
ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَجَاءَهُ أَبُو بَصِيرٍ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَهُوَ مُسْلِمٌ، فَأَرْسَلُوا فِي طَلَبِهِ رَجُلَيْنِ، فَقَالُوا: الْعَهْدَ الَّذِي جَعَلْتَ لَنَا، فَدَفَعَهُ إِلَى الرَّجُلَيْنِ، فَخَرَجَا بِهِ حتى بلغ بِهِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، فَنَزَلُوا يَأْكُلُونَ مِنْ ثَمَرٍ لَهُمْ، فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ لِأَحَدِ الرّجلين: والله إني لا أرى سيفك جيّد جِدًّا، فَاسْتَلَّهُ الْآخَرُ فَقَالَ: أَجَلْ وَاللهِ إِنَّهُ لَجَيِّدٌ، لَقَدْ جَرَّبْتُ بِهِ ثُمَّ جَرَّبْتُ،
فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ: أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْهِ فَأَمْكَنَهُ مِنْهُ، فَضَرَبَهُ حَتَّى بَرَدَ، وَفَرَّ الْآخَرُ حَتَّى بَلَغَ الْمَدِينَةَ، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ يَعْدُو فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ رَآهُ: لَقَدْ رَأَى هَذَا ذُعْرًا، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: قُتِلَ وَاللهِ صَاحِبِي، وَإِنِّي لَمَقْتُولٌ. قَالَ: فَجَاءَ أَبُو بَصِيرٍ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ! قَدْ وَاللهِ أَوْفَى اللهُ ذِمَّتَكَ، قَدْ رَدَدْتَنِي إِلَيْهِمْ ثُمَّ أَنْجَانِي اللهُ مِنْهُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «وَيْلُ امِّهِ مِسْعَرَ حَرْبٍ [(٣٥)]، لَوْ كَانَ لَهُ أحد،
فلما
_________________
(١) [(٣٤)] [الممتحنة- ١٠] . [(٣٥)] ويل أمّه- بضم اللّام ووصل الهمزة وكسر الميم المشددة: وهي كلمة ذمّ تقولها العرب في المدح ولا يقصدون معنى ما فيها من الذّمّ، لأنّ الويل الهلاك، فهو كقولهم: لأمّه الويل قال الفرّاء: أصل ويل وي لفلان، أي حزن له: فكثر الاستعمال، فألحقوا بها اللّام، فصارت كأنها منها، وأعربوها، وتبعه ابن مالك، إلّا أنه قال تبعا للخليل إن وي كلمة تعجب، وهي من أسماء
[ ٤ / ١٠٧ ]
سَمِعَ ذَلِكَ عَرَفَ أَنَّهُ سَيَرُدُّهُ إِلَيْهِمْ، فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى سِيفَ الْبَحْرِ.
وَيَتَفَلَّتُ مِنْهُمْ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلٍ فَلَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ فَلَا يَخْرُجُ مِنْ قُرَيْشٍ رَجُلٌ قَدْ أَسْلَمَ إِلَّا لَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ، حَتَّى اجْتَمَعَتْ مِنْهُمْ عِصَابَةٌ.
قَالَ: فو الله لَا يَسْمَعُونَ بِعِيرٍ لِقُرَيْشٍ خَرَجَتْ إِلَى الشَّامِ إِلَّا اعْتَرَضُوا لَهَا فَقَتَلُوهُمْ وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ، فَأَرْسَلَتْ قُرَيْشٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ تُنَاشِدُهُ اللهَ وَالرَّحِمَ، لَمَا أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ مَنْ أَتَاهُ مِنْهُمْ، فَهُوَ آمِنٌ فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْهِمْ فَأُنْزِلَ: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ [(٣٦)] حَتَّى بَلَغَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ، وَكَانَتْ حَمِيَّتُهُمْ أَنَّهُمْ لَمْ يُقِرُّوا بِنَبِيِّ اللهِ ﷺ وَلَمْ يُقِرُّوا بِبِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَحَالُوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْبَيْتِ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدٍ [(٣٧)]، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَلِهَذِهِ الرِّوَايَةِ فِي قِصَّةِ الْحُدَيْبِيَةِ شَوَاهِدُ وَفِيهَا زِيَادَاتٌ نَذْكُرُهَا إِنْ شَاءَ اللهُ مُفَصَّلَةً فِي أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَاللهُ الْمُوَفِّقُ لِلسَّدَادِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْحَمَّامِيِّ الْمُقْرِئُ بِبَغْدَادَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْخُطَبِيُّ، قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أبي، قال:
_________________
(١) [()] الأفعال، واللام بعدها مكسورة، ويجوز ضمها إتباعا للهمزة، وحذفت الهمزة تخفيفا. مسعر حرب- بكسر الميم، وسكون السّين، وفتح العين المهملتين وبالنّصب على التمييز، وأصله من مسعر حرب أي مسعرها، قال الخطابي: كأنّه يصفه بالإقدام في الحرب، والتّسعير لنارها. [(٣٦)] [الفتح- ٢٤] . [(٣٧)] الحديث بطوله أخرجه الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ في: ٥٤- كتاب الشروط، (١٥) باب الشروط في الجهاد، فتح الباري (٥: ٣٢٩) .
[ ٤ / ١٠٨ ]
حَدَّثَنَا قُرَّةُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: مَنْ يَصْعَدِ الثَّنِيَّةَ ثَنِيَّةَ الْمُرَارِ [(٣٨)] فَإِنَّهُ يُحَطُّ عَنْهُ مَا حُطَّ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ صَعِدَ خَيْلُ بَنِي الْخَزْرَجِ ثُمَّ تَبَادَرَ النَّاسُ بَعْدُ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
«كُلُّكُمْ مَغْفُورٌ لَهُ إِلَّا صَاحِبَ الْجَمَلِ الْأَحْمَرِ» [(٣٩)] فَقُلْنَا تَعَالَ يَسْتَغْفِرْ لَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ وَاللهِ لَأَنْ أَجِدَ ضَالَّتِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لِي صَاحِبُكُمْ، وَإِذَا هُوَ رَجُلٌ يَنْشُدُ ضَالَّةً.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ معاذ [(٤٠)] .
_________________
(١) [(٣٨)] (ثنية المرار): أصل الثنية: الطريق بين الجبلين، قال الحازمي: هي مهبط الحديبية. [(٣٩)] (إِلَّا صَاحِبَ الْجَمَلِ الْأَحْمَرِ) هو: الجد بن قيس المنافق. [(٤٠)] أخرجه مُسْلِمٌ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ معاذ في: ٥٠- كتاب المنافقين، الحديث (١٢)، ص (٢١٤٤) .
[ ٤ / ١٠٩ ]
بَابُ مَا ظَهَرَ فِي الْبِئْرِ الَّتِي دَعَا فِيهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهِيَ الْحُدَيْبِيَةُ مِنْ دَلَالَاتِ النُّبُوَّةِ
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ بِبَغْدَادَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ النَّحْوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاءٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ (ح) .
وأَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو الْأَدِيبُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ هُوَ ابْنُ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا [(١)] أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ تَعُدُّونَ أَنْتُمُ الْفَتْحَ فَتْحَ مَكَّةَ، وَقَدْ كَانَ فَتْحُ مَكَّةَ فَتْحًا، وَنَحْنُ نَعُدُّ الْفَتْحَ: بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ أربع عَشْرَةَ مِائَةً، وَالْحُدَيْبِيَةُ بِئْرٌ فَنَزَحْنَاهَا، فَلَمْ نَتْرُكْ [(٢)] فِيهَا قَطْرَةً، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ، فَأَتَاهَا فَجَلَسَ عَلَى شَفِيرِهَا [(٣)]، ثُمَّ دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ مَاءٍ مِنْهَا، فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ مَضْمَضَ، وَدَعَا، ثُمَّ صَبَّهُ فِيهَا، فَتَرَكَهَا غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ إِنَّهَا أَصْدَرَتْنَا نَحْنُ وركائبنا.
_________________
(١) [(١)] في (ح): «قال حدثنا» . [(٢)] في الأصول: «فما ترك» وأثبتّ ما في الصحيح. [(٣)] (شفير البئر) حرفها.
[ ٤ / ١١٠ ]
لَفْظُ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللهِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ رَجَاءٍ مِثْلُهُ إِلَى قَوْلِهِ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ، قَالَ: نَزَلْنَا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ وَهِيَ بِئْرٌ فَوَجَدْنَا النَّاسَ قَدْ نَزَحُوهَا، فَلَمْ يدعو فِيهَا قَطْرَةً، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَدَعَا بِدَلْوٍ فَنَزَعَ مِنْهَا، ثُمَّ أَخَذَ مِنْهُ بِفِيهِ فَمَجَّهُ فِيهَا، وَدَعَا اللهَ فَكَثُرَ مَاؤُهَا حَتَّى صَدَرْنَا وَرَكَائِبُنَا وَنَحْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مُوسَى [(٤)] وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ زُهَيْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَنْ أبي إسحاق.
وأخبرنا الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ رَجَاءٍ، قَالَ أَحْمَدُ وَحَدَّثَنَا تَمْتَامٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى هَوُ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَا: حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، قَالَ: قَالَ أَخْبَرَنَا أَبِي، قَالَ: قَدِمْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْحُدَيْبِيَةَ، وَنَحْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً، وَعَلَيْهَا خَمْسُونَ شَاةً لَا تَرْوِيهَا. قال: فعقدَ رَسُولُ الله ﷺ عَلَى جَبَاهَا [(٥)]: فَإِمَّا دَعَا، وأمَّا بَزقَ فِيهَا، فَجَاشَتْ [(٦)] فَسَقَيْنَا، وَاسْتَقَيْنَا.
لَفْظُ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَجَاءٍ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ [(٧)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، وأَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، قَالَا:
_________________
(١) [(٤)] في: ٦٤- كتاب المغازي (٣٥) باب غزوة الحديبية، الحديث (٤١٥٠)، فتح الباري (٧: ٤٤١) . [(٥)] كذا بالأصول، وفي صحيح مسلم: جبا الرّكيّة، ومعناها: حول البئر. [(٦)] (فجاشت) ارتفعت وفاضت. [(٧)] هو جزء من حَدِيثٍ طَوِيلٍ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ في: ٣٢- كتاب الجهاد والسير، (٤٥) بَابُ غَزْوَةِ ذِي قَرَدٍ الحديث (١٣٢)، ص (١٤٣٣) .
[ ٤ / ١١١ ]
حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ والمسور بْنِ مَخْرَمَةَ، أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ جَمِيعًا: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ يُرِيدُ زِيَارَةَ الْبَيْتِ، لَا يُرِيدُ حَرْبًا، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. قَالَ فِيهِ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَيُّهَا النَّاسُ انْزِلُوا»، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ مَا بِالْوَادِي مِنْ مَاءٍ يَنْزِلُ عَلَيْهِ النَّاسُ، فَأَخْرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ، فَأَعْطَاهُ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ لَهُ: انْزِلْ فِي بَعْضِ هَذِهِ الْقُلُبِ [(٨)] فَاغْرِزْهِ فِي جَوْفِهِ، فَفَعَلَ، فَجَاشَ بِالْمَاءِ بِالرَّوَاءِ حَتَّى ضَرَبَ النَّاسُ [عَنْهُ] بِعَطَنٍ [(٩)] .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو عُلَاثَةَ: مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَسْوَدِ، قَالَ: قَالَ عُرْوَةُ: فَذَكَرَ خُرُوجَ النبي ﷺ قَالَ وَخَرَجَتْ قُرَيْشٌ مِنْ مَكَّةَ فَسَبَقُوهُ إِلَى بَلْدَحَ، وَإِلَى الْمَاءِ، فَنَزَلُوا عَلَيْهِ فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَدْ سُبِقَ نَزَلَ إِلَى الْحُدَيْبِيَةِ وَذَلِكَ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، وَلَيْسَ بِهَا إِلَّا بِئْرٌ وَاحِدَةٌ، فَأَشْفَقَ الْقَوْمُ مِنَ الظَّمَاءِ وَالْقَوْمُ كَثِيرٌ، فَنَزَلَ فِيهَا رجال يميجونها، وَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ، فَتَوَضَّأَ فِي الدَّلْوِ، وَمَضْمَضَ فَاهُ، ثُمَّ مَجَّ بِهِ وَأَمَرَ أَنْ يُصَبَّ فِي الْبِئْرِ، وَنَزَعَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ، فَأَلْقَاهُ فِي الْبِئْرِ وَدَعَا اللهَ ﵎، فَفَارَتْ بِالْمَاءِ، حَتَّى جَعَلُوا يَغْتَرِفُونَ بِأَيْدِيهِمْ مِنْهَا وَهُمْ جُلُوسٌ عَلَى شَفَتَيْهَا.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ وَأَبُو بَكْرٍ الْقَاضِي، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ هُوَ الْأَصَمُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عن ابن
_________________
(١) [(٨)] جمع قليب وهو البئر. [(٩)] العطن مبرك الإبل، والخبر في سيرة ابن هشام (٣: ٢٦٧) .
[ ٤ / ١١٢ ]
إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ رِجَالٍ مِنْ أَسْلَمَ أَنَّ الَّذِي نَزَلَ فِي الْقَلِيبِ بِسَهْمِ رَسُولِ اللهِ ﷺ نَاجِيَةُ بْنُ جُنْدُبٍ الْأَسْلَمِيُّ صَاحِبُ بُدْنِ رَسُولِ الله ﷺ، وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ كَانَ يَقُولُ أَنَا الَّذِي نَزَلْتُ بِسَهْمِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، قَالَ: وَأَنْشَدَتْ أَسْلَمُ أَبْيَاتَ شِعْرٍ قَالَهَا نَاجِيَةُ، فَزَعَمَتْ أَسْلَمُ أَنَّ جَارِيَةً مِنَ الْأَنْصَارِ أَقْبَلَتْ بِدَلْوِهَا وَنَاجِيَةُ فِي الْقَلِيبِ يَمِيحُ [(١٠)] عَلَى النَّاسِ، فقالت:
يَا أَيُّهَا الْمَائِحُ دَلْوِي دُونَكَا إِنِّي رَأَيْتُ النَّاسَ يَحْمَدُونَكَا [(١١)]
يُثْنُونَ خَيْرًا وَيُمَجِّدُونَكَا [(١٢)]
فَقَالَ نَاجِيَةُ وَهُوَ فِي الْقَلِيبِ يَمِيحُ عَلَى النَّاسِ:
قَدْ عَلِمَتْ جَارِيَةٌ يَمَانِيَهْ أَنِّي أَنَا الْمَائِحُ وَاسْمِي نَاجِيَهْ
وَطَعْنَةٍ ذَاتِ رَشَاشٍ وَاهِيَهْ طَعَنْتُهَا تَحْتَ صُدُورِ الْعَادِيَهْ [(١٣)]
وَذَكَرَ مُوسَى بْنَ عُقْبَةَ أَنَّ الَّذِي نَزَلَ فِي الْبِئْرِ خَلَّادُ بْنُ عَبَّادٍ الْغِفَارِيُّ، وَدَلَّاهُ رَسُولُ الله ﷺ بِعِمَامَتِهِ، فَمَاحَ فِي الْبِئْرِ، فَكَثُرَ الْمَاءُ، حَتَّى روي الناس، قال:
_________________
(١) [(١٠)] يميح على الناس: يملأ لهم الدلاء. [(١١)] المائح: هو الرجل يكون في أسفل البئر يملأ الدلاء للقوم، والماتح بالتاء المثناة- هو الذي يكون في أعلى البئر ينتزع الدلاء المملوءة، وقولها «دلوي دونكا» هو من شواهد بعض النحاة على جواز تقديم معمول اسم الفعل عليه، وتأوله قوم بأنه من باب حذف العامل، وأصله: خذ دلوي دونكا [(١٢)] يمجدونكا: يشرفونك، والتمجيد: التشريف ويروى الرجز هكذا: إنّي رأيت النّاس يمنحونكا يثنون خيرا ويمجّدونكا ويمنحونك: أي يعطونك، والمنحة: العطية، تريد أنهم يعطونه دلاءهم. [(١٣)] سيرة ابن هشام (٢: ٢٦٧- ٢٦٨)، والبداية والنهاية (٤: ١٦٥) .
[ ٤ / ١١٣ ]
وَيُقَالُ بَلِ الْمَائِحُ فِي الْبِئْرِ: نَاجِيَةُ بْنُ جُنْدُبٍ الْأَسْلَمِيُّ [(١٤)] .
أَخْبَرَنَاهُ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَتَّابٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ عَمِّهِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، قَالَ: فَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ لَهُ النَّاسُ: لَيْسَ لَنَا مَاءٌ، فَأَخْرَجَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ، فَأَمَرَ بِهِ فَوُضِعَ فِي قَعْرِ قَلِيبٍ لَيْسَ فِيهِ مَاءٌ، فَرَوِيَ النَّاسُ حَتَّى ضَرَبُوا بِعَطَنٍ.
قَالَ: وَيُقَالُ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَنْ رَجُلٌ يَنْزِلُ فِي الْبِئْرِ؟ فَنَزَلَ خَلَّادُ بْنُ عَبَّادٍ الْغِفَارِيُّ فذكره نحوه.
_________________
(١) [(١٤)] الدرر لابن عبد البر (١٩٣)، وسيرة ابن هشام (٣: ٢٦٧)، والبداية والنهاية (٤: ١٦٥) .
[ ٤ / ١١٤ ]
بَابُ مَا ظَهَرَ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ بِخُرُوجِ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِ رَسُولِ اللهِ ﷺ حِينَ لَمْ يَكُنْ لِأَصْحَابِهِ ماء يشربونه ويتوضّؤون بِهِ مِنْ دَلَالَاتِ النُّبُوَّةِ وَالْأَشْبَهُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مَرْجِعَهُمْ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ حِينَ دَعَا فِي أَزْوَادِهِمْ بِالْبَرَكَةِ
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ فُورَكٍ﵀-، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ ابن جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، قَالَ: سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ أَبِي الْجَعْدِ.
قال شُعْبَةُ: وَأَخْبَرَنِي حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ أَبِي الْجَعْدِ، قَالَ: قُلْتُ لِجَابِرٍ: كَمْ كُنْتُمْ يَوْمَ الشَّجَرَةِ؟ قَالَ: كنا ألفا وخمس مائة، وَذَكَرَ عَطَشًا أَصَابَهُمْ، قَالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَاءٍ فِي تَوْرٍ، فَوَضَعَ يَدَهُ فِيهِ، فَجَعَلَ الْمَاءَ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ كَأَنَّهُ الْعُيونُ، قَالَ: فَشَرِبْنَا وَوَسِعَنَا وَكَفَانَا، قَالَ قُلْتُ: كَمْ كُنْتُمْ قَالَ: لَوْ كُنَّا مِائَةَ أَلْفٍ كَفَانَا. كُنَّا أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ [(١)] .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عُمَرَ الْبِسْطَامِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، قَالَ:
_________________
(١) [(١)] أخرجه البخاري في: ٦٤- كتاب المغازي (٣٥) باب غزوة الحديبية، الحديث (٤١٥٢) عَنْ يُوسُفَ بْنِ عِيسَى، عن ابن فضيل، عن حصين، عن سالم، عن جابر. فتح الباري (٧: ٤٤١)، وأخرجه مسلم في المغازي عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أبي شيبة، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بن نمير، كلاهما عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ إدريس، عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ الْهَيْثَمِ، عَنْ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عن حصين، وعن أبي موسى وبندار، عن غندر، عن شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ.
[ ٤ / ١١٥ ]
أَخْبَرَنِي عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ جَابِرٍ ابن عَبْدِ اللهِ، قَالَ: عَطِشَ النَّاسُ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ يَدَيْهِ رَكْوَةٌ يَتَوَضَّأُ مِنْهَا، إِذْ جَهَشَ الناس نحوه، فقال: مالكم؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! لَيْسَ عِنْدَنَا مَاءٌ نَشْرَبُ، وَلَا مَاءٌ نَتَوَضَّأُ، إِلَّا مَا بَيْنَ يَدَيْكَ، قَالَ: فَوَضَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَهُ فِي الرَّكْوَةِ، فَجَعَلَ الْمَاءُ يَثُورُ [(٢)] بَيْنَ أَصَابِعِهِ مِثْلَ الْعُيونِ، قَالَ:
فَشَرِبُوا، وَتَوَضَّئُوا، قَالَ: قُلْتُ كَمْ كُنْتُمْ؟ قَالَ: لَوْ كُنَّا مِائَةَ أَلْفٍ كَفَانَا، كُنَّا خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةً.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ [(٣)] .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ الْحَافِظُ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْخَثْعَمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِهِ إِلَّا أَنَّهُ، قَالَ: فَجَعَلَ الْمَاءَ يَغُورُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ، كَأَمْثَالِ الْعُيونِ، فَشَرِبْنَا وَتَوَضَّأْنَا. ثُمَّ ذَكَرَهُ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ يُوسُفَ بْنِ عِيسَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ [(٤)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو الْأَدِيبُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا
_________________
(١) [(٢)] في البخاري: «يفور» . [(٣)] أنظر (١)، وأخرجه عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ في علامات النبوة في الإسلام من كتاب المناقب، فتح الباري (٦: ٥٨١) . [(٤)] فتح الباري (٧: ٤٤١) .
[ ٤ / ١١٦ ]
الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ (ح) .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَالِمُ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، هَذَا الْحَدِيثَ، قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَقَدْ حَضَرَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ وَلَيْسَ مَعَنَا مَاءٌ غَيْرُ فَضْلَةٍ، فَجُعِلَ فِي إِنَاءٍ فَأُتِيَ بِهِ رَسُولَ اللهِ ﷺ، قَالَ: فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهِ، وَفَرَّجَ أَصَابِعَهُ، وَقَالَ: حَيَّ عَلَى أَهْلِ الْوُضُوءِ وَالْبَرَكَةُ مِنَ اللهِ، قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ الْمَاءَ يَتَفَجَّرُ من بين أَصَابِعِهِ قَالَ فَتَوَضَّأَ النَّاسُ، وَشَرِبُوا، قَالَ: فَجَعَلْتُ لَا آلوا مَا جَعَلْتُ فِي بَطْنِي مِنْهُ، وَعَلِمْتُ أَنَّهُ بَرَكَةٌ، قَالَ قُلْتُ لِجَابِرٍ: كَمْ كُنْتُمْ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ جَرِيرٍ [(٥)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ الْخَلِيلِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ نُبَيْحٍ الْعَنَزِيِّ، قَالَ: قَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، غَزَوْنَا أَوْ سَافَرْنَا، ونَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَنَحْنُ يَوْمَئِذٍ بِضْعَ عَشْرَةَ مِائَةً، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: هَلْ فِي الْقَوْمِ مِنْ طَهُورٍ؟ فَجَاءَ رَجُلٌ يَسْعَى بِإِدَاوَةٍ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ مَاءٍ لَيْسَ فِي الْقَوْمِ مَاءٌ غَيْرُهُ، فَعَبَّهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي قَدَحٍ، ثُمَّ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ انْصَرَفَ وَتَرَكَ الْقَدَحَ، قَالَ فَرَكِبَ الناس ذلك القدح، وقال: تَمَسَّحُوا تَمَسَّحُوا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: على رسلكم
_________________
(١) [(٥)] البخاري من حديث الأعمش، عن سالم، عن جابر، في: ٧٤- كتاب الأشربة (٣١) باب شرب البركة، والماء المبارك، الحديث (٥٦٣٩)، فتح الباري (١٠: ١٠١) .
[ ٤ / ١١٧ ]
حِينَ سَمِعَهُمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ، قَالَ: فَوَضَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كَفَّهُ فِي الْمَاءِ وَالْقَدَحِ، وَقَالَ: سُبْحَانَ اللهِ، ثُمَّ قال: أسبغوا الوضوء.
فو الذي ابْتَلَانِي بِبَصَرِي، لَقَدْ رَأَيْتُ الْعُيونَ: عُيونَ الْمَاءِ تَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِ رَسُولِ اللهِ وَلَمْ يَرْفَعْهَا حَتَّى تؤووا أَجْمَعُونَ [(٦)] .
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ، قَالَ:
حَدَّثَنَا تَمْتَامٌ وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى، يَعْنِي [ابْنُ] [(٧)] إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ (ح) .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ الْعِجْلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ، فَأَصَابَنَا جَهْدٌ [(٨)]، حَتَّى هَمَمْنَا أَنْ نَنْحَرَ بَعْضَ ظَهْرِنَا، فَأَمَرَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ فَجَمَعْنَا مَزَاوِدَنَا [(٩)]، فَبَسَطْنَا [(١٠)] لَهُ نِطْعًا [(١١)] فَاجْتَمَعَ زَادُ الْقَوْمِ عَلَى النِّطْعِ، قال: فتطاولت لأحزركم [(١٢)] هو؟
_________________
(١) [(٦)] سنن الدارمي، باب ما أكرم اللهُ النَّبِيَّ ﷺ من تفجير الماء بين أصابعه من المقدمة (١: ٢١) . [(٧)] سقطت من (أ) . [(٨)] (جهد) بفتح الجيم، وهو المشقة. [(٩)] (مزاودنا) هكذا هو في بعض النسخ أو أكثرها. وفي بعضها: أزوادنا. وفي بعضها: تزاودنا، بفتح التاء وكسرها. والمزاود جمع مزود، كمنبر، وهو الوعاء الذي يحمل فيه الزاد، وهو ما تزوده المسافر لسفره من الطعام. والتزاود معناه ما تزودناه. [(١٠)] (فبسطنا له) أي للمجموع مما في مزاودنا. [(١١)] (نطعا) أي سفرة من أديم، أو بساطا. [(١٢)] (فتطاولت لأحزره) أي أظهرت طولي لأحزره، أي لأقدّره وأخمنه.
[ ٤ / ١١٨ ]
فَحَزَرْتُهُ كَرَبْضَةِ الْعَنْزِ [(١٣)]، وَنَحْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً قَالَ فَأَكَلْنَا حَتَّى شَبِعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ حَشَوْنَا جُرُبَنَا، ثُمَّ قَالَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ: هَلْ مِنْ وَضُوءٍ؟ قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ بِإِدَاوَةٍ لَهُ فِيهَا نُطْفَةٌ فَأَفْرَغَهَا فِي قَدَحٍ، فَتَوَضَّأْنَا كُلُّنَا نُدَغْفِقُهُ دَغْفَقَةً [(١٤)] أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً، قَالَ: ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَمَانِيَةٌ، فَقَالُوا: هَلْ مِنْ طَهُورٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
فَرَغَ الْوَضُوءُ لَفْظُ حَدِيثِ النَّضْرِ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُوسُفَ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَتَّابٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ (ح) .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ الشَّعْرَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَدِّي قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ كَلَّمَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ فَقَالُوا جَهَدْنَا، وَفِي النَّاسِ ظَهْرٌ فَانْحَرْهُ لَنَا فَنَأْكُلَ مِنْ لُحُومِهِ وَلِنَدَّهِنَ مِنْ شُحُومِهِ، وَلِنَحْتَذِيَ مِنْ جُلُودِهِ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابٍ ﵁: لَا تَفْعَلْ يَا رَسُولَ اللهِ! فَإِنَّ النَّاسَ إِنْ يَكُنْ مَعَهُمْ بَقِيَّةُ ظَهْرٍ أَمْثَلُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ابْسُطُوا أَنْطَاعَكُمْ، وَعَبَاكُمْ. فَفَعَلُوا ثُمَّ قَالَ: مَنْ كَانَ عِنْدَهُ بَقِيَّةٌ مِنْ زَادٍ وَطَعَامٍ فَلْيَنْثُرْهُ وَدَعَا لَهُمْ ثُمَّ قَالَ: قَرِّبُوا أَوْعِيَتَكُمْ فَأَخَذُوا مَا شَاءَ اللهُ.
يُحَدِّثُهُ نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ.
هَذَا لَفْظُ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ فُلَيْحٍ، قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ.
_________________
(١) [(١٣)] (كربضة العنز) أي كمبركها، أو كقدرها وهي رابضة. والعنز الأنثى من المعز إذا أتى عليها حول. [(١٤)] أي نصبه صبا شديدا.
[ ٤ / ١١٩ ]
وَحَدَّثَنِيهِ نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ.
وحَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ الْأَصْبَهَانِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدِ بْنُ الْأَعْرَابِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ الطَّائِفِيُّ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا نَزَلَ مَرَّ فِي صُلْحِ قُرَيْشٍ قَالَ أَصْحَابُ النبي ﷺ يَا رَسُولُ اللهِ لَوِ انْتَحَرْنَا مِنْ ظُهُورِنَا فَأَكَلْنَا مِنْ لُحُومِهَا وَشُحُومِهَا وَحَسَوْنَا مِنَ الْمَرَقِ أَصْبَحْنَا غَدًا إِذَا غَدَوْنَا عَلَيْهِمْ وَبِنَا جَمَامٌ قَالَ لَا وَلَكِنِ ائْتُونِي بِمَا فَضَلَ مِنْ أَزْوَادِكُمْ، فَبَسَطُوا أَنْطَاعًا، ثُمَّ صَبُّوا عَلَيْهَا فُضُولَ مَا فَضَلَ مِنْ أَزْوَادِهِمْ، فَدَعَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْبَرَكَةِ، فَأَكَلُوا حَتَّى تَضَلَّعُوا شِبَعًا، ثُمَّ لَفَّفُوا فُضُولَ مَا فَضَلَ مِنْ أَزْوَادِهِمْ فِي جُرُبِهِمْ [(١٥)] .
_________________
(١) [(١٥)] أخرجه مسلم في: ٣١- كتاب اللقطة، (٥) باب استحباب خلط الأزواد إذا قلّت، الحديث (١٩)، ص (١٣٥٤) .
[ ٤ / ١٢٠ ]
بَابُ ذِكْرِ الْبَيَانِ أَنَّ خُرُوجَ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِ رَسُولِ اللهِ ﷺ كَانَ غَيْرَ مَرَّةٍ وَزِيَادَةَ مَاءِ الْبِئْرِ بِبَرَكَةِ دُعَائِهِ كَانَتْ لَهُ عَادَةً، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَلِيلٌ وَاضِحٌ مِنْ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، وأَبُو زَكَرِيَّا [(١)] بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمُزَكِّي فِي آخَرِينَ، قَالُوا: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ (ح) .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو الْأَدِيبُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ الْحُبَابِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ هُوَ الْقَعْنَبِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ إِسْحَاقَ ابْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ:
رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، وَحَانَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ، وَالْتَمَسَ النَّاسُ الْوَضُوءَ، فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَأُتِيَ بِوَضُوءٍ فَوَضَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَهُ فِي ذَلِكَ الْإِنَاءِ، وَأَمَرَ الناس أن يتوضؤوا مِنْهُ، قَالَ: فَرَأَيْتُ الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ تَحْتِ أَصَابِعِهِ، فَتَوَضَّأَ النَّاسُ حَتَّى تَوَضَّئُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ [(٢)] .
_________________
(١) [(١)] في (أ) رسمت: «زكرياء» . [(٢)] الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللهِ بن مسلمة القعنبي في: ٦١- كتاب المناقب (٢٥) باب علامات النبوة في الإسلام، الحديث (٣٥٧٣)، فتح الباري (٦: ٥٨٠) .
[ ٤ / ١٢١ ]
وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ مَعْنٍ، وَابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ [(٣)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِئُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الْقَاضِي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ ثَابِتٍ (ح) .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو الْبِسْطَامِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا أَبُو يَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ.
أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعَا بِمَاءٍ، فَأُتِيَ بِقَدَحٍ رَحْرَاحٍ [(٤)]، فَجَعَلَ الْقَوْمَ يتوضأون، فَحَزَرْتُ مَا بَيْنَ السَّبْعِينَ إِلَى الثَّمَانِينَ، قَالَ: فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى الْمَاءِ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ.
لَفْظُ حَدِيثِ أَبِي الرَّبِيعِ.
وَفِي رِوَايَةِ مُسَدَّدٍ دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ مَاءٍ، فَأُتِيَ بِقَدَحٍ رَحْرَاحٍ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ مَاءٍ فَوَضَعَ أَصَابِعَهُ فِيهِ، قَالَ أَنَسٌ: فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى الْمَاءِ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ، قَالَ أَنَسٌ: فَحَزَرْتُ مَنْ تَوَضَّأَ مِنْهُ مَا بَيْنَ السَّبْعِينَ إِلَى الثَّمَانِينَ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عن مسدد [(٥)] .
_________________
(١) [(٣)] مُسْلِمٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ موسى الأنصاري، عن معن، عن مالك فِي: ٤٣- كِتَابِ الْفَضَائِلِ (٣) بَابُ في معجزات النبي ﷺ، الحديث (٥)، ص (١٧٨٣) . وأخرجه النسائي في الطهارة، والترمذي في المناقب، وقال: «حسن صحيح» . [(٤)] «رحراح» الواسع القصير الجدار. [(٥)] أخرجه البخاري في: ٤- كتاب الوضوء (٤٦) باب الوضوء من التّور، الحديث (٢٠٠)، فتح الباري (١: ٣٠٤) .
[ ٤ / ١٢٢ ]
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنِ الرَّبِيعِ [(٦)] .
وأَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الرُّوذْبَارِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ:
الْقَاسِمُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ الْهَمَذَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ دِيزِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَخِي، عَنْ سُلَيْمَانَ هُوَ ابْنُ بِلَالٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى قُبَاءَ، فَأُتِيَ مِنْ بَعْضِ بُيُوتِهِمْ بِقَدَحٍ صَغِيرٍ، قَالَ:
فَأَدْخَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَهُ فَلَمْ يَسَعْهُ الْقَدَحُ، فَأَدْخَلَ أَصَابِعَهُ الْأَرْبَعَ، وَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُدْخِلَ إِبْهَامَهُ، ثُمَّ قَالَ لِلْقَوْمِ: هَلُمُّوا إِلَى الشَّرَابِ، قَالَ أَنَسٌ: بَصُرَ عَيْنِي يَنْبُعُ الْمَاءُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ، فَلَمْ يَزَلِ الْقَوْمُ يَرِدُونَ الْقَدَحَ حَتَّى رَوَوْا مِنْهُ جَمِيعًا [(٧)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَرَجِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بَكْرٍ السَّهْمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسٍ، قَالَ:
حَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَقَامَ مَنْ كَانَ قَرِيبَ الدَّارِ إِلَى أَهْلِهِ يَتَوَضَّأُ وَبَقِيَ قَوْمٌ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ بِمِخْضَبٍ مِنْ حِجَارَةٍ فِيهِ مَاءٌ فَصَغُرَ الْمِخْضَبُ أَنْ يَبْسُطَ فِيهِ كَفَّهُ فَتَوَضَّأَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ. قُلْنَا: كم هم [(٨)]؟ قال: ثمانين وَزِيَادَةٌ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُنِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بَكْرٍ السهمي [(٩)] .
_________________
(١) [(٦)] أخرجه مسلم فِي: ٤٣- كِتَابِ الْفَضَائِلِ (٣) بَابُ في معجزات النبي ﷺ، الحديث (٤)، ص (١٧٨٣) . [(٧)] ذكره الحافظ ابن كثير في التاريخ (٦: ٩٤) وعزاه للإمام أحمد، وقال: «وهكذا رواه البخاري عن بندار بن أبي عدي، ومسلم عَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ غندر. [(٨)] في الصحيح: «كم كنتم» . [(٩)] الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللهِ بن منير في: ٤- كتاب الوضوء (٤٥) باب الغسل والوضوء في المخضب والقدح الحديث (١٩٥)، فتح الباري (١: ٣٠١)، وأعاده في: ٦١- كتاب المناقب (٢٥) باب علامات النبوة في الإسلام، الْفَتْحِ (٦: ٥٨١) .
[ ٤ / ١٢٣ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ أَيُّوبَ الْفَقِيهُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُبَارَكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ، يَقُولُ: حَدَّثَنَا أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ لِبَعْضِ مَخَارِجِهِ، وَمَعَهُ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَانْطَلَقُوا يَسِيرُونَ فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلَمْ يَجِدِ القوم ماء يتوضؤون فَانْطَلَقَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فَجَاءَ بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ يَسِيرٍ، فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ، ثُمَّ أَمَرَّ أَصَابِعَهُ الْأَرْبَعَ عَلَى الْقَدَمِ، ثُمَّ قال للقوم: هلموا فتوضؤوا، فَتَوَضَّأَ الْقَوْمُ، حَتَّى بَلَغُوا فِيمَا يُرِيدُونَ مِنَ الْوُضُوءِ، وَسُئِلَ أَنَسٌ كَمْ بَلَغُوا؟ قَالَ: كَانُوا سَبْعِينَ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمُبَارَكِ [(١٠)] .
وَهَذِهِ الرِّوَايَاتُ عَنْ أَنَسٍ تُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ كُلُّهَا خَبَرًا عَنْ وَاقِعَةٍ وَاحِدَةٍ، وَذَلِكَ حِينَ خَرَجَ إِلَى قُبَاءَ، وَرِوَايَةُ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ تُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ خَبَرًا عَنْ وَاقِعَةٍ أُخْرَى وَاللهُ أعلم.
قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْفَضْلِ الْحَسَنُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا سَعِيدٍ (ح) .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الله، حدثنا علي بن جمشاد الْعَدْلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا سَعِيدٌ هُوَ ابْنَ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، كَانَ بِالزَّوْرَاءِ [(١١)] دَعَا بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ فَوَضَعَ كَفَّهُ فِي الْمَاءِ، فَجَعَلَ الْمَاءُ يَنْبُعُ مِنْ بين
_________________
(١) [(١٠)] الحديث أخرجه البخاري في: ٦١- كتاب المناقب، (٢٥) باب علامات النبوة في الإسلام، فتح الباري (٦: ٥٨١) . [(١١)] (الزّوراء) بِالْمَدِينَةِ عِنْدَ السُّوقِ وَالْمَسْجِدِ فيها ثمّة.
[ ٤ / ١٢٤ ]
أَصَابِعِهِ، وَأَطْرَافِ أَصَابِعِهِ، حَتَّى تَوَضَّأَ الْقَوْمُ فَقُلْنَا لِأَنَسٍ: كَمْ كُنْتُمْ؟ قَالَ:
ثَلَاثَمِائَةٍ أَوْ زُهَاءَ الثَّلَاثِمِائَةِ لَفْظُ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ [(١٢)] فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي مُوسَى.
وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ [(١٣)] مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ سَعِيدٍ.
وَرَوَاهُ هِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ وأصحابه كَانُوا بِالزَّوْرَاءِ وَالزَّوْرَاءُ بِالْمَدِينَةِ عِنْدَ السُّوقِ وَالْمَسْجِدِ فَدَعَا بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ فَوَضَعَ كَفَّهُ فِيهِ فَجَعَلَ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ فَتَوَضَّأَ أَصْحَابُهُ جَمِيعًا فَقُلْتُ لِأَنَسٍ يَا أَبَا حَمْزَةَ كَمْ كَانُوا فَقَالَ: زُهَاءَ ثَلَاثِمِائَةٍ.
أَخْبَرَنَاهُ أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي فَذَكَرَهُ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي غَسَّانَ الْمِسْمَعِيِّ عَنْ مُعَاذٍ [(١٤)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ الْعَدْلُ بِبَغْدَادَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الطَّيْبِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ: بِشْرُ بْنُ مُوسَى بْنِ صَالِحِ بْنِ شَيْخِ بْنِ عُمَيْرَةَ الْأَسَدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُقْرِئُ يَعْنِي عَبْدَ اللهِ بْنَ يَزِيدَ، قَالَ:
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بن زياد، قال: حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ نُعَيْمٍ الْحَضْرَمِيُّ، قَالَ:
سَمِعْتُ زِيَادَ بْنَ الْحَارِثِ الصُّدَائِيَّ، صَاحِبَ رَسُولِ اللهِ ﷺ يُحَدِّثُ، قَالَ: أتيت
_________________
(١) [(١٢)] فِي: ٤٣- كِتَابِ الْفَضَائِلِ (٣) بَابُ في معجزات النبي ﷺ، الحديث (٧)، ص (١٧٨٣) . [(١٣)] أخرجه البخاري في: ٦١- كتاب المناقب، (٢٥) باب علامات النبوة في الإسلام، الحديث (٣٥٧٢)، فتح الباري (٦: ٥٨٠) . [(١٤)] هذه الرواية في صحيح مسلم فِي: ٤٣- كِتَابِ الْفَضَائِلِ (٣) بَابُ في معجزات النبي ﷺ، الحديث (٦)، ص (١٧٨٣) .
[ ٤ / ١٢٥ ]
رسول الله ﷺ فَبَايَعْتُهُ عَلَى الْإِسْلَامِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ [(١٥)] إِلَى أَنْ قَالَ: ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اعْتَشَى مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ، قَالَ بِشْرٌ: يَعْنِي سَارَ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ، فَلَزِمْتُهُ وَكُنْتُ قَوِيًّا وَكَانَ أَصْحَابُهُ يَنْقَطِعُونَ عَنْهُ وَيَسْتَأْخِرُونَ، حَتَّى لَمْ يَبْقَ مَعَهُ أَحَدٌ غَيْرِي، فَلَمَّا كَانَ أَذَانُ صَلَاةِ الصُّبْحِ أَمَرَنِي فَأَذَّنْتُ فَجَعَلْتُ أَقُولُ: أُقِيمُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَنْظُرُ إِلَى نَاحِيَةِ الْمَشْرِقِ إِلَى الْفَجْرِ، فَيَقُولُ: لَا، حَتَّى إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ نَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَتَبَرَّزَ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَيَّ وَقَدْ تَلَاحَقَ أَصْحَابُهُ، فَقَالَ: هَلْ مِنْ مَاءٍ يَا أخا صداء؟ فَقُلْتُ: لَا، إِلَّا شَيْءٌ قَلِيلٌ لَا يَكْفِيكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: اجْعَلْهُ فِي إِنَاءٍ ثُمَّ ائْتِنِي بِهِ، فَفَعَلْتُ فَوَضَعَ كَفَّهُ فِي الْمَاءِ. قَالَ الصُّدَائِيُّ فَرَأَيْتُ بَيْنَ إصبعين من أصابعه عينا تَفُورُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ: لَوْلَا أَنِّي أَسْتَحِي مِنْ رَبِّي لَسَقَيْنَا وَاسْتَقَيْنَا، نَادِ فِي أَصْحَابِي مَنْ كان له
_________________
(١) [(١٥)] بقية الحديث وسيأتي تخريجه بعد قليل: فأخبرت أنه قد بَعَثَ جَيْشًا إِلَى قَوْمِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، ارْدُدِ الْجَيْشَ وَأَنَا لَكَ بِإِسْلَامِ قَوْمِي وَطَاعَتِهِمْ، فَقَالَ: اذْهَبْ فَرُدَّهُمْ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ رَاحِلَتِي قد كلّت، ولكن ابعث إليهم رجلا، قَالَ: فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلًا، وكتبت معه إليهم، فردّهم، قال الصدائي: فَقَدِمَ وَفْدُهُمْ بِإِسْلَامِهِمْ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ: يَا أَخَا صُدَاءَ، إِنَّكَ لَمُطَاعٌ فِي قَوْمِكَ، قلت: بَلِ اللهُ هَدَاهُمْ لِلْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَفَلَا أؤمّرك عليهم؟ قلت: بلى، فكتب لي كتابا بذلك، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مر لي بشيء من صدقاتهم، فَكَتَبَ لِي كِتَابًا آخَرَ بذلك، وكان ذَلِكَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَنْزِلًا، فأتى أَهْلُ ذَلِكَ الْمَنْزِلِ يَشْكُونَ عاملهم، يقولون: أَخَذَنَا بِشَيْءٍ كَانَ بَيْنَنَا وبينه في الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَوْ فعل؟ قالوا: نعم، فالتفت إِلَى أَصْحَابِهِ وَأَنَا فِيهِمْ فَقَالَ: لَا خَيْرَ فِي الْإِمَارَةِ لِرَجُلٍ مُؤْمِنٍ، قَالَ الصُّدَائِيُّ: فَدَخَلَ قَوْلُهُ فِي نفسي، قال: ثم أتاه آخر، فقال: يا رسول الله، أعطني، فقال رسول الله ﷺ: من سأل الناس عن ظهر غنى فهو صداع في الرأس وداء في البطن، فقال السائل: فأعطني من الصدقة، فقال رسول الله ﷺ: إن الله لم يرض بحكم نبيّ ولا غيره [في الصدقات] حتى حكم هو فيها، فجزّأها ثمانية أجزاء، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك- أو أعطيناك- حقك، قال الصدائي: فدخل ذلك في نفسي، لأني سألته من الصدقات وأنا غنيّ.
[ ٤ / ١٢٦ ]
حَاجَةٌ فِي الْمَاءِ، فَنَادَيْتُ فِيهِمْ فَأَخَذَ مَنْ أَرَادَ مِنْهُمْ، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الصَّلَاةِ، فَأَرَادَ بِلَالٌ أَنْ يُقِيمَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّ أَخَا صُدَاءٍ هُوَ أَذَّنَ وَمَنْ أَذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ. فَذَكَرَ الْحَدِيثَ [(١٦)] وَقَالَ فِيهِ: فَقُلْنَا يَا نَبِيَّ اللهِ! إِنَّ لَنَا بِئْرًا إِذَا كَانَ الشِّتَاءُ وَسِعَنَا مَاؤُهَا وَاجْتَمَعْنَا عَلَيْهَا، وَإِذَا كَانَ الصَّيْفُ قَلَّ مَاؤُهَا، فَتَفَرَّقْنَا عَلَى مِيَاهٍ حَوْلَنَا، وَقَدْ أَسْلَمْنَا وَكُلُّ مَنْ حَوْلَنَا لَنَا عَدُوٌّ، فَادْعُ اللهَ لَنَا فِي بِئْرِنَا: أَنْ يَسْقِيَنَا مَاؤُهَا فَنَجْتَمِعَ عَلَيْهَا وَلَا نتفرق، فدعا بسبع حصيات فَعَرَكَهُنَّ فِي يَدِهِ، وَدَعَا فِيهِنَّ، ثُمَّ قَالَ: اذْهَبُوا بِهَذِهِ الْحَصَيَاتِ، فَإِذَا أَتَيْتُمُ الْبِئْرَ فَأَلْقُوهَا وَاحِدَةً وَاحِدَةً، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ.
قَالَ الصُّدَائِيُّ: فَفَعَلْنَا مَا قَالَ لَنَا، فَمَا اسْتَطَعْنَا أَنْ نَنْظُرَ إِلَى قَعْرِهَا يَعْنِي الْبِئْرَ [(١٧)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، وأَبُو بَكْرٍ: أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي قَالَ:
_________________
(١) [(١٦)] وتتمته: فأقمت، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ صلاته أَتَيْتُهُ بِالْكِتَابَيْنِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَعْفِنِي مِنْ هَذَيْنِ، فقال: وما بدا لك؟ فقلت: إني سمعتك تَقُولُ: لَا خَيْرَ فِي الْإِمَارَةِ لِرَجُلٍ مُؤْمِنٍ، وَأَنَا أو من بالله ورسوله، وَسَمِعْتُكَ تَقُولُ لِلسَّائِلِ: مَنْ سأل عَنْ ظَهْرِ غِنًى فَهُوَ صُدَاعٌ فِي الرَّأْسِ وَدَاءٌ في البطن، وقد سألتك وأنا غنيّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: هُوَ ذاك، إن شِئْتَ فَاقْبَلْ وَإِنْ شِئْتَ فَدَعْ [فَقُلْتُ: أَدَعُ] فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ: فَدُلَّنِي على رجل أؤمّره عليهم، فَدَلَلْتُهُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْوَفْدِ الَّذِينَ قَدِمُوا عَلَيْهِ، فأمّره علينا، ثم قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ. [(١٧)] الحديث أخرجه الترمذي في الصلاة، باب ما جاء أن من أذن فهو يقيم، الحديث (١٩٩) . ص (١: ٣٨٣- ٣٨٥)، مختصرا، وأبو داود في الصلاة باب في الرجل يؤذن ويقيم آخر، الحديث (٥١٤)، ص (١: ١٤٢) مختصرا أيضا من طريق عبد الله بن عمر بن غانم. وأخرجه ابن ماجة في: ٣- كتاب الآذان، (٣) باب السنة في الآذان، الحديث (٧١٧)، ص (١: ٢٣٧) . ورواه أحمد في المسند (٤: ١٦٩) عن وكيع، عن الثوري، عن عبد الرحمن بن زياد. وقد رواه البيهقي في السنن (١: ٣٨١)، و(١: ٣٩٩) .
[ ٤ / ١٢٧ ]
حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ يَعْنِي الطَّرَسُوسِيَّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّلْتِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو كُدَيْنَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَصْبَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ وَلَيْسَ فِي الْعَسْكَرِ مَاءٌ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ! لَيْسَ فِي الْعَسْكَرِ مَاءٌ، قَالَ: هَلْ عِنْدَكَ شَيْءٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأُتِيَ بِإِنَاءٍ فِيهِ مِنْ مَاءٍ، قَالَ: فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَصَابِعَهُ فِي فَمِ الْإِنَاءِ وَفَتَحَ أَصَابِعَهُ، قَالَ: فَرَأَيْتُ الْعُيونَ تَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ، قَالَ أَمَرَ بِلَالًا يُنَادِي فِي النَّاسِ: الوضوء المبارك [(١٨)] .
_________________
(١) [(١٨)] أخرجه الإمام أحمد في «مسنده» (١: ٢٥١)، ونقله الحافظ ابن كثير في التاريخ (٦: ٩٧)،، وقال: تفرد به أحمد، ورواه الطبراني من حديث عامر الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
[ ٤ / ١٢٨ ]
بَابُ شُهُودِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ إِحْدَى هَذِهِ الْمَرَّاتِ ﵁ الَّتِي خَرَجَ الْمَاءُ فِيهَا مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَسَمَاعِهِمْ تَسْبِيحَ الطَّعَامِ الَّذِي كَانُوا يَأْكُلُونَهُ مَعَهُ
أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْبِسْطَامِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ الْعَبْدِيُّ قَالَ: [حَدَّثَنَا] [(١)] أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: إِنَّكُمْ تَعُدُّونَ الْآيَاتِ عَذَابًا، وَكُنَّا نَعُدُّهَا بَرَكَةً، عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، قَدْ كُنَّا نَأْكُلُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الطَّعَامَ، وَنَحْنُ نَسْمَعُ تَسْبِيحَ الطَّعَامِ، وَأُتِيَ النَّبِيَّ ﷺ بِإِنَاءٍ فَجَعَلَ الْمَاءُ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: حَيَّ عَلَى الطهور المبارك، والبركة مِنَ السَّمَاءِ، حَتَّى تَوَضَّأْنَا كُلُّنَا [(٢)] .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى عَنْ أَبِي أَحْمَدَ.
أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْمَشٍ الْفَقِيهُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَامِدِ بْنُ بِلَالٍ الْبَزَّازُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَرْقَمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ:
_________________
(١) [(١)] الزيادة من (ح) . [(٢)] أخرجه البخاري في: ٦١- كتاب المناقب، (٢٥) باب علامات النبوة في الإسلام، الحديث (٣٥٧٩)، فتح الباري (٦: ٥٨٧) .
[ ٤ / ١٢٩ ]
أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعَا بِتَوْرٍ فِيهِ مَاءٌ، فَوَضَعَ يَدَهُ فِيهِ، وَدَعَا فِيهِ بِالْبَرَكَةِ، وَقَالَ: حَيَّ عَلَى الْوَضُوءِ، وَالْبَرَكَةُ مِنَ اللهِ. فَرَأَيْتُ الْمَاءَ يَفُورُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ [(٣)] .
_________________
(١) [(٣)] أخرجه الترمذي في المناقب، عَنْ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ عَنْ أَبِي أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيِّ، عن إسرائيل، وقال: «حسن صحيح»، وأشار إليه الحافظ ابن كثير في التاريخ (٦: ٩٨) .
[ ٤ / ١٣٠ ]
بَابُ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ غَدَاةَ مُطِرُوا بِالْحُدَيْبِيَةِ
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ: جَعْفَرُ بْنُ هارون ابن إِبْرَاهِيمَ النَّحْوِيّ بِبَغْدَادَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ صَدَقَةَ بْنِ صُبَيْحٍ، قَالَ حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ.
(ح) وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو الْبِسْطَامِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا [(١)] الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ:
حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَأَصَابَنَا مَطَرٌ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَصَلَّى لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ الصُّبْحَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا، فَقَالَ: أَتَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قُلْنَا:
اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: قَالَ اللهُ﷿- أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِي، فَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِرَحْمَةِ اللهِ وَبِفَضْلِ اللهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِنَجْمِ كَذَا فَهُوَ مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ كافر بي.
_________________
(١) [(١)] في (ح): «أخبرني» .
[ ٤ / ١٣١ ]
وَفِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ: ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَخْلَدٍ [(٢)] .
_________________
(١) [(٢)] أخرجه البخاري في: ٦٤- كتاب المغازي (٣٥) باب غزوة الحديبية، الحديث (٤١٤٧)، فتح الباري (٧: ٤٣٩) . وأخرجه البخاري في الصلاة عن القعنبي، وفي صلاة الاستسقاء عن إسماعيل بن أبي أويس، كلاهما عن مالك، وفي التوحيد مختصرا عن مسدد. وأخرجه مسلم في: ١- كتاب الإيمان، (٣٢) باب بيان كفر من قال مطرنا بالنوء، عن يحيى بن يحيى، الحديث (١٢٥)، ص (١: ٨٣) .
[ ٤ / ١٣٢ ]
بَابُ إِرْسَالِ النَّبِيِّ ﷺ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ﵁ إِلَى مَكَّةَ حِينَ نَزَلَ بِالْحُدَيْبِيَةِ وَدُعَائِهِ أَصْحَابَهُ إِلَى الْبَيْعَةِ
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ﵀- قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ: مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْبَغْدَادِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عُلَاثَةَ: محمد ابن عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَسْوَدِ، قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ فِي نُزُولِ النَّبِيِّ ﷺ بِالْحُدَيْبِيَةِ، قَالَ: وَفَزِعَتْ قُرَيْشٌ لِنُزُولِهِ عَلَيْهِمْ، فَأَحَبَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْهِمْ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ، فَدَعَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ﵁- لِيَبْعَثَهُ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنِّي لَا آمَنُهُمْ، وَلَيْسَ بِمَكَّةَ أَحَدٌ مِنْ بَنِي كَعْبٍ يَغْضَبُ لِي إِنْ أُوذِيتُ فَأَرْسِلْ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ (﵁) فَإِنَّ عَشِيرَتَهُ بِهَا وَإِنَّهُ مُبَلِّغٌ لَكَ مَا أَرَدْتَ فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَأَرْسَلَهُ إِلَى قُرَيْشٍ، وَقَالَ: أَخْبِرْهُمْ أَنَّا لَمْ نَأْتِ لِقِتَالٍ، وَإِنَّمَا جِئْنَا عُمَّارًا وَادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْتِيَ رِجَالًا بِمَكَّةَ مُؤْمِنِينَ وَنِسَاءً مُؤْمِنَاتٍ فَيَدْخُلَ عَلَيْهِمْ وَيُبَشِّرَهُمْ بِالْفَتْحِ وَيُخْبِرَهُمْ أَنَّ اللهَ ﷿ وَشِيكٌ أَنْ يُظْهِرَ دِينَهُ بِمَكَّةَ حَتَّى لَا يُسْتَخْفَى فِيهَا بِالْإِيمَانِ تَثْبِيتًا يُثَبِّتُهُمْ،
فَانْطَلَقَ عُثْمَانُ﵁- فَمَرَّ عَلَى قُرَيْشٍ بِبَلْدَحَ، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ. أَيْنَ؟، فَقَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَيْكُمْ لِأَدْعُوَكُمْ إِلَى اللهِ- جَلَّ ثَنَاؤُهُ- وَإِلَى الْإِسْلَامِ، وَيُخْبِرُكُمْ أَنَّا لَمْ نَأْتِ لِقِتَالٍ وَإِنَّمَا جِئْنَا عُمَّارًا، فَدَعَاهُمْ عُثْمَانُ كَمَا أَمَرَهُ رَسُولُ الله ﷺ، فَقَالُوا:
قَدْ سَمِعْنَا مَا تَقُولُ فَانْفُذْ لِحَاجَتِكَ، وَقَامَ إِلَيْهِ أَبَانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، فَرَحَّبَ
[ ٤ / ١٣٣ ]
بِهِ، وَأَسْرَجَ فَرَسَهُ، فَحُمِلَ عُثْمَانُ عَلَى الْفَرَسِ فَأَجَارَهُ وَرَدَفَهُ أَبَانُ، حَتَّى جَاءَ مَكَّةَ، ثُمَّ إِنَّ قُرَيْشًا بَعَثُوا بُدَيْلَ بْنَ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيَّ، وَأَخَا بَنِي كِنَانَةَ، ثُمَّ جَاءَ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ فَمَا قَالُوا وَقِيلَ لَهُمْ وَرَجَعَ عُرْوَةُ إِلَى قُرَيْشٍ فَقَالَ إِنَّمَا جَاءَ الرَّجُلُ وَأَصْحَابُهُ عُمَّارًا فَخَلُّوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ فَلْيَطُوفُوا، فَشَتَمُوهُ، ثُمَّ بَعَثَتْ قُرَيْشٌ: سُهَيْلَ بن عمرو، وَحُوَيْطِبَ بِنَ عَبْدِ الْعُزَّى، وَمِكْرَزَ بْنَ حَفْصٍ، لِيُصْلِحُوا عَلَيْهِمْ فَكَلَّمُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ وَدَعَوْهُ إِلَى الصُّلْحِ وَالْمُوَادَعَةِ، فَلَمَّا لَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَسْتَقِمْ لَهُمْ مَا يَدْعُونَ إِلَيْهِ مِنَ الصُّلْحِ وَالْمُوَادَعَةِ، وَقَدْ أَمِنَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَتَزَاوَرُوا فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ وَطَوَائِفُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُشْرِكِينَ لَا يَخَافُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا يَنْتَظِرُونَ الصُّلْحَ وَالْهُدْنَةَ، إِذْ رَمَى رَجُلٌ مِنْ أَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ رَجُلًا مِنَ الْفَرِيقِ الْآخَرِ فَكَانَتْ مُعَارَكَةً وَتَرَامَوْا بِالنَّبْلِ وَالْحِجَارَةِ، وَصَاحَ الْفَرِيقَانَ كِلَاهُمَا، وَارْتَهَنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ مَنْ فِيهِمْ، فَارْتَهَنَ الْمُسْلِمُونَ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو، وَمَنْ أَتَاهُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَارْتَهَنَ الْمُشْرِكُونَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَمَنْ كَانَ أَتَاهُمْ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الْبَيْعَةِ، ونَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللهِ ﷺ أَلَا إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ قَدْ نَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَمَرَ بِالْبَيْعَةِ، فَاخْرُجُوا عَلَى اسْمِ اللهِ فَبَايعُوا، فَثَارَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَبَايَعُوهُ عَلَى أَنْ لَا يَفِرُّوا أَبَدًا، فَرَغَّبَهُمُ اللهُ تَعَالَى فَأَرْسَلُوا مَنْ كَانُوا ارْتَهَنُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَدَعَوْا بِالْمُوَادَعَةِ وَالصُّلْحِ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي كَيْفِيَّةِ الصُّلْحِ وَالتَّحَلُّلِ مِنَ الْعُمْرَةِ،
قَالَ: وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ وَهُمْ بِالْحُدَيْبِيَةِ قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ: خَلَصَ عُثْمَانُ مِنْ بَيْنِنَا إِلَى الْبَيْتِ فَطَافَ بِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا أَظُنُّهُ طَافَ بِالْبَيْتِ وَنَحْنُ مَحْصُورُونَ»، قَالُوا: وَمَا يَمْنَعُهُ يَا رَسُولَ اللهِ وَقَدْ خَلَصَ، قَالَ: «ذَلِكَ ظَنِّي بِهِ أَنْ لَا يَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ حَتَّى يَطُوفَ مَعَنَا»،
فَرَجَعَ إِلَيْهِمْ عُثْمَانُ، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ:
اشْتَفَيْتَ يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ مِنَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ؟ فَقَالَ عُثْمَانُ: بِئْسَ مَا ظَنَنْتُمْ بي، فو الذي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ مَكَثْتُ بِهَا مُقِيمًا سَنَةً وَرَسُولُ اللهِ ﷺ مُقِيمٌ بِالْحُدَيْبِيَةِ مَا
[ ٤ / ١٣٤ ]
طُفْتُ بِهَا حَتَّى يَطُوفَ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَلَقَدْ دَعَتْنِي قُرَيْشٌ إِلَى الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ فَأَبَيْتُ قَالَ الْمُسْلِمُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ أَعْلَمَنَا بِاللهِ وَأَحْسَنَنَا ظَنًّا [(١)] .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بُلِّغَ أَنَّ عُثْمَانَ قَدْ قُتِلَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لَئِنْ كَانُوا قَتَلُوهُ لَأُنَاجِزَنَّهُمْ، فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ النَّاسَ إِلَى الْبَيْعَةِ فَبَايَعُوهُ عَلَى الْقِتَالِ، عَلَى أَنْ لَا يَفِرُّوا فَبَايَعُوهُ عَلَى ذَلِكَ [(٢)] .
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ حَدَّثَنَا بَعْضُ آلِ عُثْمَانَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ضَرَبَ بِإِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى، وَقَالَ: هَذِهِ لِي وَهَذِهِ لِعُثْمَانَ إِنْ كَانَ حَيًّا، ثُمَّ بَلَغَهُمَا أَنَّ ذَلِكَ الْخَبَرَ بَاطِلٌ فَرَجَعَ عُثْمَانُ [(٣)] .
قَالَ وَلَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْ بَيْعَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ حَضَرَهَا إِلَّا الْجَدُّ بْنُ قَيْسٍ أَخُو بَنِي سَلِمَةَ.
قَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ وَاللهِ لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ لَاصِقٌ بِإِبِطِ نَاقَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، قَدْ صَبَا إِلَيْهَا يَسْتَتِرُ بِهَا مِنَ النَّاسِ [(٤)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ بِبَغْدَادَ، قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ النَّحْوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، يَقُولُ: لَمْ نُبَايِعِ النَّبِيَّ ﷺ على الْمَوْتِ، وَلَكِنْ بَايَعْنَاهُ عَلَى أَنْ لَا نفر.
_________________
(١) [(١)] نقل بعضها الصالحي في السيرة الشامية (٥: ٧٧) وقال: «روى البيهقي عن عروة» . [(٢)] رواه ابن هشام في السيرة (٣: ٢٧٢)، ونقله الحافظ ابن كثير في التاريخ (٤: ١٦٧) . [(٣)] سيرة ابن هشام (٣: ٢٧٢) . [(٤)] سيرة ابن هشام (٣: ٢٧٢) .
[ ٤ / ١٣٥ ]
وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: لَمَّا دَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ النَّاسَ إِلَى الْبَيْعَةِ وَجَدْنَا رَجُلًا مِنَّا يُقَالُ لَهُ الْجَدُّ بْنُ قَيْسٍ مُخْتَبِئًا تَحْتَ بَطْنِ بَعِيرِهِ.
أَخْرَجَ مُسْلِمٌ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ [(٥)] فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شيبة وَغَيْرِهِ عَنْ سُفْيَانَ.
وَأَخْرَجَ الْحَدِيثَ الثَّانِيَ [(٦)] مِنْ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ كُنَّا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ أَلْفًا وأربع مائة، فَبَايَعْنَاهُ، وَعُمَرُ ﵁ آخِذٌ بِيَدِهِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، وَهِيَ سَمُرَةٌ [(٧)]، وَقَالَ: بَايَعْنَاهُ عَلَى أَنْ لَا نَفِرَّ وَلَمْ نُبَايِعْهُ عَلَى الْمَوْتِ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ [(٨)] .
وحَدَّثَنَا الْإِمَامُ أَبُو الطَّيِّبِ: سَهْلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ إِمْلَاءً، قَالَ:
_________________
(١) [(٥)] الحديث الأول «لم نبايع رسول الله ﷺ عَلَى الْمَوْتِ » أخرجه مسلم في: ٣٣- كتاب الإمارة (١٨) باب استحباب مبايعة الإمام الجيش عند إرادة القتال. الحديث (٦٨)، ص (١٤٨٣) . [(٦)] في الموضع السابق الحديث (٦٩)، ص (١٤٨٣) من صحيح مسلم. [(٧)] (سمرة) واحدة السمر، كرجل، شجر الطلح. [(٨)] (بَايَعْنَاهُ عَلَى أَنْ لَا نَفِرَّ وَلَمْ نُبَايِعْهُ عَلَى الموت) وفي رواية سلمة: أنهم بايعوه يومئذ على الموت وهو معنى رِوَايَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ زيد بن عاصم. وفي رواية مجاشع بن مسعود: البيعة على الهجرة، والبيعة على الإسلام والجهاد. وفي حديث ابن عمر وعبادة: بايعنا على السمع والطاعة وأن لا ننازع الأمر أهله. وفي رواية ابن عمر، في غير صحيح مسلم: البيعة على الصبر قال العلماء: هذه الرواية تجمع المعاني كلها وتبين مقصود كل الروايات. فالبيعة عَلَى أَنْ لَا نَفِرَّ معناه الصبر حتى نظفر بعدونا أو نقتل. وهو معنى البيعة على الموت. أي نصبر وإن آل بنا ذلك إلى الموت. لا أن الموت مقصود في نفسه. وكذا البيعة على الجهاد، أي والصبر فيه، وَاللهُ أَعْلَمُ.
[ ٤ / ١٣٦ ]
حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْعَطَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: بَايَعْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ يوم الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى أَنْ لَا نَفِرَّ، وَلَمْ نُبَايِعْهُ عَلَى الْمَوْتِ [(٩)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ قُتَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ خَالِدٍ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْأَعْرَجِ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي يَوْمَ الشَّجَرَةِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ يُبَايِعُ النَّاسَ وَأَنَا رَافِعٌ غُصْنًا مِنْ أَغْصَانِهَا عَنْ رَأْسِهِ وَنَحْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً قَالَ: لَمْ نُبَايِعْهُ عَلَى الْمَوْتِ وَلَكِنْ بَايَعْنَاهُ عَلَى أَنْ لَا نَفِرَّ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى [(١٠)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحُمَيْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: لَمَّا دَعَا النَّبِيُّ ﷺ النَّاسَ إِلَى الْبَيْعَةِ كَانَ أَوَّلَ مَنِ انْتَهَى إِلَيْهِ أَبُو سِنَانٍ الْأَسَدِيُّ [(١١)]، فَقَالَ: ابْسُطْ يَدَكَ أُبَايِعْكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: عَلَى مَا تُبَايعُنِي؟ فَقَالَ أَبُو سِنَانٍ: عَلَى ما في نفسك.
_________________
(١) [(٩)] مضى بمعناه، وراجع الحاشية (٥) من هذا الباب، وسيأتي في الحديث التالي أيضا. [(١٠)] أخرجه مسلم في: ٣٣- كتاب الإمارة، (١٨) باب استحباب مبايعة الإمام، الحديث (٧٦)، ص (١٤٨٥) . [(١١)] الخبر أخرجه أيضا الحافظ ابن حجر في الإصابة (٤: ١٩٥) (في ترجمة أبي سنان بن وهب، واسمه عبد الله، ويقال: وهب بن عبيد الله الأسدي، شهد بدرا، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ بَايَعَ بيعة الرضوان، وبقية الخبر: قال: فتح أو شهادة، قال: نعم، فبايعه، فخرج الناس يبايعون على بيعة أبي سنان.
[ ٤ / ١٣٧ ]
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ يَزِيدُ [بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ] ذَكَرَهُ- عَنْ سلمة، [ابن الْأَكْوَعِ]، قَالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، قَالَ يَزِيدُ قُلْتُ: يَا أَبَا مُسْلِمٍ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تُبَايعُونَ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ:
عَلَى الْمَوْتِ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ [(١٢)] .
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، قَالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، ثُمَّ تَنَحَّيْتُ، فَقَالَ: يَا سَلَمَةُ أَلَا تُبَايِعُ؟ قُلْتُ: قَدْ بَايَعْتُ، قَالَ: أَقْبِلْ فَبَايِعْ، قَالَ: فَدَنَوْتُ فَبَايَعْتُهُ، ثُمَّ قُلْتُ: عَلَى مَا [(١٣)] بَايَعْتَهُ يَا سَلَمَةُ قَالَ: عَلَى الْمَوْتِ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي عَاصِمٍ [(١٤)] .
وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ [(١٥)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قال:
_________________
(١) [(١٢)] أخرجه البخاري في ٦٤- كتاب المغازي، (٣٥) باب غزوة الحديبية، الحديث (٤١٦٩)، فتح الباري (٧: ٤٤٩) . [(١٣)] في البخاري: «عَلَى أَيِّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تبايعون؟» . [(١٤)] البخاري عن أَبِي عَاصِمٍ فِي: ٩٣- كِتَابٍ الأحكام (٤٤) باب من بايع مرتين، فتح الباري (١٣: ١٩٩) . [(١٥)] أخرجه مسلم من هذا الوجه عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عبيد، عن سلمة في: ٣٣- كتاب الإمارة، (١٨) باب استحباب مبايعة الإمام، الحديث (٨٠)، ص (١٤٨٦) .
[ ٤ / ١٣٨ ]
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ: عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ الْيَمَامِيُّ، عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَدِمْنَا الْحُدَيْبِيَةَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَنَحْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً وَعَلَيْهَا خَمْسُونَ شَاةً لَا تَرْوِيهَا. فَقَعَدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى جَبَاهَا يَعْنِي الرَّكِيَّةَ [(١٦)] فَإِمَّا دَعَا وَإِمَّا بَسَقَ [(١٧)] فِيهَا فَجَاشَتْ [(١٨)]، فَسَقَيْنَا وَاسْتَقَيْنَا.
قَالَ: ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَعَانَا إِلَى الْبَيْعَةِ فِي أَصْلِ الشَّجَرَةِ فَبَايَعَهُ أَوَّلُ النَّاسِ، ثُمَّ بَايَعَ وَبَايَعَ، حَتَّى إِذَا كَانَ فِي وَسَطِ النَّاسِ، قَالَ: «بَايِعْنِي يَا سَلَمَةُ!» قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ الله قَدْ بَايَعْتُكَ أَوَّلَ النَّاسِ، قَالَ وَأَيْضًا، قَالَ: وَرَآنِي رسول الله ﷺ عَزِلًا [(١٩)] فَأَعْطَانِي حَجَفَةً أَوْ دَرَقَةً [(٢٠)]، ثُمَّ بَايَعَ حَتَّى إِذَا كَانَ فِي آخِرِ النَّاسِ قَالَ أَلَا تُبَايِعُ يَا سَلَمَةُ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ بَايَعْتُكَ فِي أَوَّلِ النَّاسِ وَأَوْسَطِهِمْ، قَالَ: وَأَيْضًا فَبَايَعْتُهُ الثَّالِثَةَ فَقَالَ: يَا سَلَمَةُ أَيْنَ حَجَفَتُكَ أَوْ دَرَقَتُكَ الَّتِي أَعْطَيْتُكَ، قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ لَقِيَنِي عَامِرٌ عَزِلًا فَأَعْطَيْتُهَا إِيَّاهُ فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ: إِنَّكَ كَالَّذِي قَالَ الْأَوَّلُ [(٢١)] اللهُمَّ ابغني [(٢٢)] حبيبا
_________________
(١) [(١٦)] (جبا الركية) الجبا ما حول البئر. والركيّ البئر. والمشهور في اللغة ركيّ، بغير هاء. ووقع هنا الركية بالهاء. وهي لغة حكاها الأصمعيّ وغيره. [(١٧)] (وإما بسق) هكذا هو في النسخ: بسق. وهي صحيحة. يقال: بزق وبصق وبسق. ثلاث لغات بمعنى. والسين قليلة الاستعمال. [(١٨)] (فجاشت) أي ارتفعت وفاضت. يقال: جاش الشيء يجيش جيشانا، إذا ارتفع. [(١٩)] (عزلا) ضبطوه بوجهين: أحدهما فتح العين مع كسر الزاي. والثاني ضمهما. وقد فسره في الكتاب بالذي لا سلاح معه. ويقال أيضا: أعزل، وهو الأشهر استعمالا. [(٢٠)] (حجفة أو درقة) هما شبيهتان بالترس. [(٢١)] (إِنَّكَ كَالَّذِي قَالَ الْأَوَّلُ) الذي صفة لمحذوف. أي أنك كالقول الذي قاله الأول. فالأول، بالرفع، فاعل، والمراد به، هنا، المتقدم بالزمان. يعني أن شأنك هذا مع عمك يشبه فحوى القول الذي قاله الرجل المتقدم زمانه. [(٢٢)] (أبغني) أي أعطني.
[ ٤ / ١٣٩ ]
هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي،
ثُمَّ إِنَّ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ رَاسَلُونَا الصُّلْحَ [(٢٣)] حَتَّى مَشَى بَعْضُنَا فِي بَعْضٍ [(٢٤)] فَاصْطَلَحْنَا، قَالَ: وَكُنْتُ خَادِمًا لِطَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ [(٢٥)] أَسْتَقِي فَرَسَهُ وَأَحُسُّهُ [(٢٦)]، وَآكُلُ مِنْ طَعَامِهِ، وَتَرَكَتُ أَهْلِي وَمَالِي مُهَاجِرًا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، قَالَ: فَلَمَّا اصْطَلَحْنَا نَحْنُ وَأَهْلُ مَكَّةَ وَاخْتَلَطَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَتَيْتُ شَجَرَةً فَكَسَحْتُ شَوْكَهَا [(٢٧)] وَاضْطَجَعْتُ فِي أَصْلِهَا فَأَتَانِي أَرْبَعَةٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَجَعَلُوا يَقَعُونَ فِي رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَبْغَضْتُهُمْ ثُمَّ فَتَحَوَّلْتُ إِلَى شَجَرَةٍ أُخْرَى فَعَلَّقُوا سِلَاحَهُمْ وَاضْطَجَعُوا فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ نَادَى مُنَادٍ مِنْ أَسْفَلِ الوادي [] الْمُهَاجِرِينَ قُتِلَ ابْنُ زُنَيْمٍ قَالَ فَاخْتَرَطْتُ [(٢٨)] سَيْفِي، فَشَدَدْتُ [(٢٩)] عَلَى أُولَئِكَ الْأَرْبَعَةِ وَهُمْ رُقَّدٌ، فَأَخَذْتُ سِلَاحَهُمْ فَجَعَلْتُهُ ضِغْثًا [(٣٠)] فِي يَدَيَّ ثُمَّ قُلْتُ وَالَّذِي كَرَّمَ وَجْهَ مُحَمَّدٍ ﷺ لَا يَرْفَعُ أَحَدٌ مِنْكُمْ رَأْسَهُ إِلَّا ضَرَبْتُ الَّذِي فِي عَيْنَاهُ [(٣١)]، قَالَ: ثُمَّ جِئْتُ بِهِمْ أَسُوقُهُمْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ
قَالَ وَجَاءَ عَمِّي عَامِرٌ بِرَجُلٍ مِنَ الْعَبَلَاتِ [(٣٢)] يُقَالُ لَهُ مِكْرَزٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَقُودُهُ [على فرس
_________________
(١) [(٢٣)] ([]) هكذا هو في أكثر النسخ: راسلونا، من المراسلة. أي أرسلنا إليهم وأرسلوا إلينا في أمر الصلح. [(٢٤)] (مَشَى بَعْضُنَا فِي بَعْضٍ) في هنا بمعنى إلى. أي مشى بعضنا إلى بعض. وربما كانت بمعنى مع [] المعنى مشى بعضنا مع بعض. [(٢٥)] (كنت تبيعا لطلحة) أي خادما أتبعه. [(٢٦)] (وأحسه) أي أخك ظهره بالمحسة لأزيل عنه الغبار ونحوه. [(٢٧)] (فكسحت شوكها) أي كنست ما تحتها من الشوك. [(٢٨)] (فاخترطت سيفي) أي سللته. [(٢٩)] (شددت) حملت وكررت. [(٣٠)] (ضغثا) الضغث الحزمة. يريد أنه أخذ سلاحهم وجمع بعضه إلى بعض حتى جعله في يده حزمة. قال في المصباح الأصل في الضغث أن يكون له قضبان يجمعها أصل واحد، ثم كثر حتى استعمل فيما يجمع. [(٣١)] (الذي فيه عيناه) يريد رأسه. [(٣٢)] (العبلات) قال الجوهريّ في الصحاح: العبلات من قريش، وهم أمية الصغرى. والنسبة إليهم عبليّ. تردّه إلى الواحد.
[ ٤ / ١٤٠ ]
مُجَفَّفٍ [(٣٣)]] حَتَّى وَقَفْنَا بِهِمْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي سَبْعِينَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ دَعُوهُمْ يَكُونُ لَهُمْ بَدْءُ الْفُجُورِ وَثِنَاهُ [(٣٤)] فَعَفَا عَنْهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ الْآيَةَ [(٣٥)] .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ [(٣٦)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حماد ابن سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ:
أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ هَبَطُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنْ قِبَلِ جَبَلِ التَّنْعِيمِ لِيُقَاتِلُوهُ [(٣٧)]، قَالَ: فَأَخَذَهُمْ رسول الله ﷺ سِلْمًا [(٣٨)]، قَالَ: فَأَعْتَقَهُمْ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ [(٣٩)] .
قَالَ حَمَّادٌ فَأَخْبَرْتُ بِذَلِكَ الْكَلْبِيَّ قَالَ كَذَلِكَ.
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ [(٤٠)] آخَرَ عَنْ حَمَّادِ.
_________________
(١) [(٣٣)] (مجفف) أي عليه تجفاف. وهو ثوب كالجل يلبسه الفرس ليقيه السلاح. وجمعه تجافيف. [(٣٤)] (يكن لَهُمْ بَدْءُ الْفُجُورِ وَثِنَاهُ) البدء هو الابتداء. وأما ثناه فمعناه عودة ثانية. قال في النهاية: أي أوله وآخره والثني الأمر يعاد مرتين. [(٣٥)] الآية الكريمة (٢٤) من سورة الفتح. [(٣٦)] أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي: ٣٢- كتاب الجهاد والسير، (٤٥) بَابُ غَزْوَةِ ذِي قَرَدٍ، الحديث (١٣٢)، ص (١٤٣٣- ١٤٣٥) . [(٣٧)] في صحيح مسلم: «يريدون غرة النبي ﷺ وأصحابه» . [(٣٨)] في الأصول: «أخذا» وأثبت ما في صحيح مسلم. [(٣٩)] الآية (٢٤) من سورة الفتح. [(٤٠)] الحديث في صحيح مسلم، في: ٣٢- كتاب الجهاد والسير، (٤٦) باب قول اللهُ تَعَالَى: «وَهُوَ الَّذِي كفّ أيديهم عنكم الآية»، الحديث (١٣٣)، ص (١٤٤٢) .
[ ٤ / ١٤١ ]
بَابُ فَضْلِ مَنْ بَايَعَ تَحْتِ الشَّجَرَةِ قَالَ اللهُ ﷿: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ [(١)]
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ بِبَغْدَادَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ السَّمَّاكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَنْبَلُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ جَابِرًا، قَالَ: كُنَّا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ أَلْفًا وأربع مائة، قَالَ: فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَنْتُمْ خَيْرُ أَهْلِ الْأَرْضِ الْيَوْمَ.
قَالَ جَابِرٌ: لَوْ كُنْتُ أُبْصِرُ لَأَرَيْتُكُمْ مَوْضِعَ الشَّجَرَةِ، قَالَ سُفْيَانُ: إِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي مَوْضِعِهَا.
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ [(٢)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ طَارِقٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: كَانَ أبي
_________________
(١) [(١)] [الفتح- ١٨] . [(٢)] أخرجه البخاري في: ٦٤- كتاب المغازي، (٣٥) باب غزوة الحديبية. وأخرجه مسلم في: ٣٣- كتاب الإمارة، (١٨) باب استحباب مبايعة الإمام، الحديث (٧١)، ص (١٤٨٤) .
[ ٤ / ١٤٢ ]
مِمَّنْ بَايَعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عِنْدَ الشَّجَرَةِ، قَالَ: فَانْطَلَقْنَا فِي قَابِلٍ [(٣)] حَاجِّينَ فَخَفِيَ عَلَيْنَا مَكَانُهَا [(٤)] فَإِنْ كَانَتْ تَبَيَّنَتْ لَكُمْ فَأَنْتُمْ أَعْلَمُ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ حَامِدِ بْنِ عُمَرَ [(٥)] .
ورَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ [(٦)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ النَّرْسِيُّ.
(ح) وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّغَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ، يَقُولُ: أَخْبَرَتْنِي أُمُّ مُبَشِّرٍ أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ عِنْدَ حَفْصَةَ:
«لَا يَدْخُلُ النَّارَ إِنْ شَاءَ اللهُ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ الَّذِينَ بَايَعُوا تَحْتَهَا أَحَدٌ»، قَالَتْ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، فَانْتَهَرَهَا، فَقَالَتْ حَفْصَةُ: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها [(٧)] فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «قَدْ قَالَ اللهُ ﷿: ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا» [(٨)] .
_________________
(١) [(٣)] (في قابل): صفة لمحذوف. تقديره: في عام قابل أي قادم. [(٤)] حتى لا يفتتن الناس بها. [(٥)] مسلم عَنْ حَامِدِ بْنِ عُمَرَ في: ٣٣- كتاب الإمارة، الحديث (٧٧)، ص (١٤٨٥) . [(٦)] البخاري في: ٦٤- كتاب المغازي، (٣٥) باب غزوة الحديبية. [(٧)] [مريم- ٧١] . [(٨)] [مريم- ٧٢] .
[ ٤ / ١٤٣ ]
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ هَارُونَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ حَجَّاجٍ [(٩)] .
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ عَبْدًا لِحَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ جَاءَ رَسُولَ اللهِ ﷺ، يَشْكُو حَاطِبًا، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَيَدْخُلَنَّ حَاطِبٌ النَّارَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «كَذَبْتَ، لَا يَدْخُلُهَا، فَإِنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا وَالْحُدَيْبِيَةَ» [(١٠)] .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عن قتيبة.
_________________
(١) [(٩)] أخرجه مسلم فِي: ١٤- كِتَابِ فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ، (٣٧) باب من فضائل أصحاب الشجرة، أهل بيعة الرضوان، الحديث (١٦٣)، ص (١٩٤٢) . [(١٠)] أخرجه مسلم فِي: ٤٤- كِتَابِ فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ، (٣٦) باب من فضائل أهل بدر، وقصة حاطب بن أبي بلتعة، الحديث (١٦٢)، ص (١٩٤٢) .
[ ٤ / ١٤٤ ]
بَابُ كَيْفَ جَرَى الصُّلْحُ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَبَيْنَ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الله الْحَافِظُ، وأَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، قَالَا:
حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُرْوَةَ عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَمَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ قِصَّةَ الْحُدَيْبِيَةِ. قَالَا: فَدَعَتْ قُرَيْشٌ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو، فَقَالُوا اذْهَبْ إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فَصَالِحْهُ، وَلَا يَكُونَنَّ فِي صُلْحِهِ إِلَّا أَنْ يَرْجِعَ عَنَّا عَامَهُ هَذَا، لَا تَحَدَّثُ الْعَرَبُ أَنَّهُ دَخَلَهَا عَلَيْنَا عَنْوَةً.
فَخَرَجَ سُهَيْلٌ مِنْ عِنْدِهِمْ، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُقْبِلًا، قَالَ: قَدْ أَرَادَ الْقَوْمُ الصُّلْحَ حِينَ بَعَثُوا هَذَا الرَّجُلُ،
فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ جَرَى بَيْنَهُمَا الْقَوْلُ، حَتَّى وَقَعَ الصُّلْحُ عَلَى أَنْ تُوضَعَ الْحَرْبُ بَيْنَهُمَا عَشْرَ سِنِينَ، وَأَنْ يَأْمَنَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَأَنْ يَرْجِعَ عَنْهُمْ عَامَهُمْ ذَلِكَ حَتَّى إِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ، قَدِمَهَا خَلَّوْا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ، فَأَقَامَ بِهَا ثَلَاثًا، وَأَنَّهُ لَا يَدْخُلُهَا إِلَّا بِسِلَاحِ الرَّاكِبِ، وَالسُّيُوفِ فِي الْقُرُبِ، وَأَنَّهُ مَنْ أَتَانَا مِنْ أَصْحَابِكَ بِغَيْرِ إِذَنِ وَلِيِّهِ لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ، وَأَنَّهُ مَنْ أَتَاكَ مِنَّا بِغَيْرِ إِذَنِ وَلِيِّهِ رَدَدْتَهُ عَلَيْنَا، وَأَنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ عَيْبَةً مَكْفُوفَةً، وَأَنَّهُ لَا إِسْلَالَ وَلَا إِغْلَالَ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ يُكْتَبَ الْكِتَابُ، قَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَأَتَى أَبَا بَكْرٍ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ كما مضى [(١)] .
_________________
(١) [(١)] تقدم الحديث في بَابُ سِيَاقِ قِصَّةِ الْحُدَيْبِيَةِ وَمَا ظَهَرَ مِنَ الْآثَارِ فيها، وسبق تخريجه في الحاشية رقم (٣٧) من ذلك الباب.
[ ٤ / ١٤٥ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ فُورَكٍ (﵀)، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ الْأَصْبَهَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: لَمَّا صَالَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، كَتَبَ بَيْنَهُمْ كِتَابًا: هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ ﷺ، قَالُوا: لَوْ عَلِمْنَا أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ لَمْ نُقَاتِلْكَ. قَالَ لِعَلِيٍّ: امْحُهُ، فَأَبَى، فَمَحَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدِهِ، وَكَتَبَ: هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وَاشْتَرَطُوا عَلَيْهِ أَنْ يُقِيمُوا ثَلَاثًا، وَلَا يَدْخُلُوا مَكَّةَ بِسِلَاحٍ إِلَّا جُلُبَّانَ السِّلَاحِ [(٢)] . قَالَ شُعْبَةُ: قُلْتُ لِأَبِي إِسْحَاقَ: مَا جُلُبَّانُ السِّلَاحِ؟ قَالَ: السَّيْفُ بِقِرَابِهِ أَوْ بِمَا فِيهِ.
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ [(٣)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَخْتَوَيْهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ، وَيُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَا: حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا صَالَحَ قُرَيْشًا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ قَالَ لِعَلِيٍّ (﵁): اكْتُبْ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. فَقَالَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو: لَا نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ الرَّحِيمَ اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللهُمَّ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَلِيٍّ (﵁): «اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللهُمَّ،
_________________
(١) [(٢)] (جلبان السلاح) هو ألطف من الجراب يكون من الأدم، يوضع فيه السيف مغمدا، ويطرح فيه الراكب سوطه وأداته يعلقه في الرحل. [(٣)] أخرجه البخاري في: ٥٣- كتاب الصلح، (٦) باب كيف يكتب: هذا ما صالح فلان بن فلان. وأخرجه مسلم في موضعين منهما: ٣٢- كتاب الجهاد، (٣٤) باب صلح الحديبية، الحديث (٩١)، ص (١٤١٠) . كما أخرجه أبو داود في الحج عن الإمام أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ، عَنِ غندر نحوه.
[ ٤ / ١٤٦ ]
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَلِيٍّ: اكْتُبْ هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ ﷺ. فَقَالَ سهيل بن عمرو: او نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ لَصَدَّقْنَاكَ، وَلَمْ نُكَذِّبْكَ، اكْتُبِ اسْمَكَ وَاسْمَ أَبِيكَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اكْتُبْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ. وَكَتَبَ: مَنْ أَتَانَا مِنْكُمْ رَدَدْنَاهُ عَلَيْكُمْ، وَمَنْ أَتَاكُمْ مِنَّا تَرَكْنَاهُ عَلَيْكُمْ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، نُعْطِيهِمْ هَذَا قَالَ: «مَنْ أَتَاهُمْ مِنَّا فَأَبْعَدَهُ اللهُ وَمَنْ أَتَانَا مِنْهُمْ فَرَدَدْنَاهُ عَلَيْهِمْ جَعَلَ اللهُ لَهُ فَرَجًا وَمَخْرَجًا» .
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ حَمَّادٍ [(٤)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ. قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بُرَيْدَةُ بْنُ سُفْيَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، أَنَّ كَاتِبَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِهَذَا الصُّلْحِ، كَانَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
«اكْتُبْ هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو»، فَجَعَلَ عَلِيٌّ يَتَلَكَأُ وَيَأْبَى أَنْ يَكْتُبَ إِلَّا مُحَمَّدٌ رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اكْتُبْ فَإِنَّ لَكَ مِثْلَهَا تُعْطِيهَا وَأَنْتَ مُضْطَهَدٌ»، فَكَتَبَ هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ سُهَيْلَ بْنِ عَمْرٍو [(٥)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ. قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنُ أَبِي عِيسَى قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ سياه.
_________________
(١) [(٤)] أخرجه مسلم في: ٣٢- كتاب الجهاد والسير، (٣٤) باب صلح الحديبية، الحديث (٩٣)، ص (١٤١١) عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ عفّان، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ. [(٥)] الخبر رواه ابن هشام في السيرة (٣: ٢٧٣) .
[ ٤ / ١٤٧ ]
(ح) وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ:
أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ سِيَاهٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ. قَالَ: قَامَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ يَوْمَ صِفِّينَ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ اتَّهِمُوا أَنْفُسَكُمْ لَقَدْ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ يوم الْحُدَيْبِيَةِ وَلَوْ نَرَى قِتَالًا لَقَاتَلْنَا، وَذَلِكَ فِي الصُّلْحِ الَّذِي كَانَ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ، قَالَ: فَأَتَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَلَسْنَا عَلَى حَقٍّ، وَهُمْ عَلَى بَاطِلٍ، قَالَ:
بَلَى. قَالَ: أَلَيْسَ قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ، وَقَتْلَاهُمْ فِي النَّارِ. قَالَ: بَلَى. قَالَ:
فَفِيمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي أَنْفُسِنَا، وَنَرْجِعُ وَلَمَّا يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنَا، وَبَيْنَهُمْ. قَالَ: يَا ابْنَ الْخَطَّابِ إِنِّي رَسُولُ اللهِ، وَلَنْ يُضَيِّعَنِي اللهُ. قَالَ: فَانْطَلَقَ ابْنُ الْخَطَّابِ وَلَمْ يَصْبِرْ مُتَغَيِّظًا، فَأَتَى أَبَا بَكْرٍ (﵁) فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَهُمْ عَلَى بَاطِلٍ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: أَلَيْسَ قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتْلَاهُمْ فِي النَّارِ؟
قَالَ: بَلَى. قَالَ: فَعَلَى مَا نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا؟ وَنَرْجِعُ وَلَمَّا يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ؟ قال: يا بن الْخَطَّابِ إِنَّهُ رَسُولُ اللهِ، وَلَنْ يُضَيِّعَهُ اللهُ أَبَدًا فَنَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَيَّ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَأَرْسَلَ إِلَى عُمَرَ فَأَقْرَأَهُ إِيَّاهُ. فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ أَوْ فتح هُوَ. قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَطَابَتْ نَفْسُهُ، وَرَجَعَ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ يَعْلَى [(٦)] .
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ [(٧)] .
_________________
(١) [(٦)] أخرجه البخاري في: ٥٨- كتاب الجزية، (١٨) باب حدثنا عَبْدَانَ. [(٧)] أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي: ٣٢- كتاب الجهاد، (٣٤) باب صلح الحديبية، الحديث (٩٤)، ص (١٤١١)
[ ٤ / ١٤٨ ]
بَابُ قَوْلِ اللهِ﷿-: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [(١)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو الْبِسْطَامِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا أَبُو نَاجِيَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ هشام جار أحمد ابن حَنْبَلٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا هُشَيْمُ بْنُ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالْحُدَيْبِيَةِ، وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ، وَقَدْ حَضَرَنَا الْمُشْرِكُونَ، وَكَانَتْ لِي وَفْرَةٌ، فَجَعَلَ الْهَوَامُّ يَتَسَاقَطُ عَلَى وَجْهِي، فَمَرَّ بِي النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: أَتُؤْذِيكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ. قُلْتُ نَعَمْ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا، أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ الْآيَةَ، قَالَ هُشَيْمٌ: وَأَخْبَرَنَا مُغِيرَةُ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: قَالَ كَعْبٌ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَفِيَّ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، وَإِيَّايَ عُنِيَ بِهَا، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوًا مِمَّا ذَكَرَ أَبُو بِشْرٍ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَحْلِقَ رَأْسَهُ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ هِشَامٍ الْمَرْوَزِيِّ [(٢)] .
_________________
(١) [(١)] [البقرة- ١٩٦] . [(٢)] أخرجه البخاري في المغازي عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدِ بْنِ هِشَامٍ الْمَرْوَزِيِّ، عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بن عجرة، وأعاده في تفسير سورة البقرة، فتح الباري (٨: ١٨٦) باسناد آخر. وفي مواضع أخرى. وبأسانيد مختلفة. تحفة الأشراف (٨: ٣٠٠) .
[ ٤ / ١٤٩ ]
بَابُ مَا جَرَى فِي إِحْرَامِهِمْ وَتَحَلُّلِهِمْ حِينَ وَقَعَ الْحَصْرُ
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، وأَبُو بَكْرٍ: أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، قَالَا:
حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ:
حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنِ الْمِسْوَرِ، وَمَرْوَانَ فِي قِصَّةِ الْحُدَيْبِيَةِ، قَالَا: فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الْكِتَابِ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قوموا فانحروا، وحلوا، فو الله مَا قَامَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَدَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ، فَقَالَ: يَا أُمَّ سَلَمَةَ! أَلَا تَرَيْنَ إِلَى النَّاسِ، أَيْ آمُرُهُمْ بِالْأَمْرِ لَا يَفْعَلُونَهُ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! لَا تَلُمْهُمْ، فَإِنَّ النَّاسَ قَدْ دَخَلَهُمْ أَمْرٌ عَظِيمٌ مِمَّا رَأَوْكَ حَمَلْتَ عَلَى نَفْسِكَ فِي الصُّلْحِ، وَرَجْعَتِكَ وَلَمْ يُفْتَحْ عَلَيْكَ، فَاخْرُجْ يَا رَسُولَ اللهِ، وَلَا تُكَلِّمْ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ، حَتَّى تَأْتِيَ هَدْيَكَ فَتَنْحَرَ، وَتَحُلَّ، فَإِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْكَ فَعَلْتَ ذَلِكَ، فَعَلُوا كَالَّذِي فَعَلْتَ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ عِنْدَهَا، فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا، حَتَّى أَتَى هَدْيَهُ، فَنَحَرَ، وَحَلَقَ، فَلَمَّا رَأَى النَّاسُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ، قَامُوا فَفَعَلُوا، وَنَحَرُوا، وَحَلَقَ بَعْضُهُمْ، وَقَصَّرَ بَعْضٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اللهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ»، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ! وَالْمُقَصِّرِينَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
«اللهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ ثَلَاثًا»، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ وَلِلْمُقَصِّرِينَ، فَقَالَ:
[ ٤ / ١٥٠ ]
«وَلِلْمُقَصِّرِينَ» [(١)] .
وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ. قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قِيلَ لَهُ لِمَ ظَاهَرَ رَسُولُ الله ﷺ لِلْمُحَلِّقِينَ ثَلَاثًا، وَلِلْمُقَصِّرِينَ وَاحِدَةً، فَقَالَ: إِنَّهُمْ لَمْ يَشْكُوا.
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ، وَأَبُو بَكْرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: حَلَقَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ كُلُّهُمْ، غَيْرَ رَجُلَيْنِ قَصَّرَا وَلَمْ يَحْلِقَا.
قَالَ: وَحَدَّثَنَا يُونُسُ عَنْ عُمَرَ بْنِ ذَرٍّ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: فَنَحَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْهَدْيَ بِالْحُدَيْبِيَةِ، حَيْثُ حَلَّ عِنْدَ الشَّجَرَةِ وَانْصَرَفَ.
حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ الْأَصْبَهَانِيُّ إِمْلَاءً، قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ الْبَصْرِيُّ بِمَكَّةَ. قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ، قَالَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَارِبٍ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ أَبِي فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: يَرْحَمُ اللهُ الْمُحَلِّقِينَ، قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ! وَالْمُقَصِّرِينَ، فَلَمَّا كَانَتِ الثَّالِثَةُ، قَالَ:
وَالْمُقَصِّرِينَ [(٢)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ الْفَقِيهُ، وَأَبُو مُحَمَّدِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَا: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْقَطَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ.
_________________
(١) [(١)] راجع الحاشية (٣٧) من بَابُ سِيَاقِ قِصَّةِ الْحُدَيْبِيَةِ، وأخرجه البخاري في المغازي. فتح الباري (٧: ٤٥٣) . [(٢)] نقله الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٤: ١٦٩) عن ابن إسحاق، وهو في سيرة ابن هشام (٣: ٢٧٥) .
[ ٤ / ١٥١ ]
قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: نُحِرَ أَوْ نَحَرَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ سَبْعِينَ بَدَنَةً، فِيهَا جَمَلُ أبي جهل، فلما صدّق عَنِ الْبَيْتِ، حَنَّتْ كَمَا تَحِنُّ إِلَى أَوْلَادِهَا.
أَخْبَرَنَا أبو عبد الله الْحَافِظُ، وأَبُو بَكْرٍ: أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، قَالَا:
حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ بَكْرٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَالَ:
أَهْدَى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي عُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ جَمَلًا لِأَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ، وَعَلَيْهِ خِشَاشٌ مِنْ ذَهَبٍ، وَهُوَ الزِّمَامُ قَالَ: وَذَلِكَ أَنَّ الزِّمَامَ يَكُونُ فِي اللَّحْمِ، وَالْخِشَاشُ يَكُونُ فِي الْعَظْمِ، وَمَا فَعَلَ ذَلِكَ إِلَّا لِيَغِيظَ بِهِ قُرَيْشًا [(٣)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو الْأَدِيبُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ،، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو يَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُرَيْحُ بْنُ النُّعْمَانِ، قَالَ:
حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ خَرَجَ مُعْتَمِرًا، فَحَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ، فَنَحَرَ هَدْيَهُ، وَحَلَقَ رَأْسَهُ بِالْحُدَيْبِيَةِ، وَقَاضَاهُمْ عَلَى أَنْ يَعْتَمِرَ الْعَامَ الْمُقْبِلَ، وَلَا يَحْمِلَ سِلَاحًا عَلَيْهَا إِلَّا سُيُوفًا، وَلَا يُقِيمَ بِهَا إِلَّا مَا أَحَبُّوا، فَاعْتَمَرَ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ، فَدَخَلَهَا كَمَا كَانَ صَالَحَهُمْ، فَلَمَّا أَنْ قَامَ بِهَا ثَلَاثًا، أَمَرُوهُ أَنْ يَخْرُجَ فَخَرَجَ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ فليح [(٤)] .
_________________
(١) [(٣)] رواه ابن هشام في السيرة (٣: ٢٧٦)، ونقله ابن كثير في التاريخ (٤: ١٦٩) . [(٤)] أخرجه الْبُخَارِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ، عن سريج بن النعمان، عن فليح في: ٥٣- كتاب الصلح، (٧) باب الصلح مع المشركين، الحديث (٢٧٠١)، فتح الباري (٥: ٣٠٥) .
[ ٤ / ١٥٢ ]
أخبرنا أبو محمد عبد اللهِ بْنُ يُوسُفَ الْأَصْبَهَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ (ح) .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي المعروف الفقيه الاسفرائني بِهَا، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَهْلٍ بِشْرُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ دَاوُدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْبَيْهَقِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ: قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: نَحَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالْحُدَيْبِيَةِ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ، وَيَحْيَى بْنِ يحيى [(٥)] .
_________________
(١) [(٥)] أخرجه مُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ يحيى في المناسك (٦٢) باب الاشتراك في الهدي، الحديث (٣٥٠) ص (٢: ٩٥٥) .
[ ٤ / ١٥٣ ]
بَابُ نُزُولِ سُورَةِ الْفَتْحِ مَرْجِعَهُمْ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ وَمَا ظَهَرَ فِي وَعْدِ اللهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي تِلْكَ السُّورَةِ مِنَ الْفَتْحِ وَالْمَغَانِمِ،
وَدُخُولِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَدُعَاءِ الْمُحَلِّقِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَوَجَدَ تَصْدِيقَ الْفَتْحِ وَالْمَغَانِمَ الْكَثِيرَةِ، وَدُخُولَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فِي حَيَاةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَوَجَدَ تَصْدِيقَ الدُّعَاءِ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ بَعْدَ وَفَاتِهِ. فِي أَيَّامِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَعُمَرَ الْفَارُوقِ (﵄) مِنْ آثَارِ النُّبُوَّةِ، وَدَلَالَاتِ الصِّدْقِ فِي الرِّسَالَةِ وَيُقَالُ إِنَّ ذَلِكَ الْعَامَ وُجِدَ تَصْدِيقُ غَلَبَةِ الرُّومِ فَارِسَ وَهُوَ قَوْلُهُ ﷿ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ [(١)]، ويقال أن أوتي بَأْسٍ شَدِيدٍ» هَوَازِنُ فَعَلَى هَذَا وُجِدَ تَصْدِيقُهُ أَيْضًا.
فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ» .
أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْمِهْرَجَانِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمُزَكِّي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الله البوسنجيّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ ابن مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَسِيرُ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَسِيرُ مَعَهُ لَيْلًا، فَسَأَلَهُ عُمَرُ عَنْ شَيْءٍ، فَلَمْ يُجِبْهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ، فَقَالَ عُمَرُ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ عُمَرُ! نَزَرْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، كُلَّ ذَلِكَ لَمْ يُجِبْكَ، قَالَ عُمَرُ: فَحَرَّكْتُ بَعِيرِي، حَتَّى تَقَدَّمْتُ أَمَامَ النَّاسِ، وَخَشِيتُ أَنْ يَنْزِلَ فِيَّ قُرْآنٌ، فلَمْ أَنْشِبْ أَنْ
_________________
(١) [(١)] [الروم- ٢] .
[ ٤ / ١٥٤ ]
سَمِعْتُ صَارِخًا يَصْرُخُ، قَالَ: قُلْتُ: لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ نَزَلَ فِيَّ قُرْآنٌ، قَالَ: فَجِئْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ سُورَةٌ هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ، ثُمَّ قَرَأَ: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ [(٢)] .
لَفْظُ حَدِيثِ ابْنِ بُكَيْرٍ، وحديث القعبني نَحْوُهُ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْلَمَةَ [(٣)] أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ وأَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: لَمَّا أَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ، جَعَلَتْ نَاقَتُهُ تَثْقُلُ، فَتَقَدَّمْنَا فَأُنْزِلَ عَلَيْهِ إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا فَأَدْرَكَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَبِهِ مِنَ السُّرُورِ مَا شَاءَ اللهُ، فَأَخْبَرَنَا أَنَّهَا نَزَلَتْ عَلَيْهِ، فَبَيْنَا نَحْنُ ذَاتَ لَيْلَةٍ إِذْ عَرَّسْنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَنْ يَحْرُسُنَا؟ فَقُلْتُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، فَأَدْرَكَنِي النَّوْمُ فَنِمْتُ، فَمَا اسْتَيْقَظْنَا إِلَّا بِالشَّمْسِ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظْنَا، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إِنَّ اللهَ لَوْ شَاءَ أَنْ لَا تَنَامُوا عَنْهَا، لَمْ تَنَامُوا، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِمَنْ بَعْدَكُمْ، ثُمَّ قَامَ فَصَنَعَ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا لِمَنْ نَامَ أَوْ نَسِيَ، ثُمَّ ذَهَبَ الْقَوْمُ فِي طَلَبِ رواحلهم، فجاؤوا بِهِنَّ غَيْرَ رَاحِلَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ، اذْهَبْ هَاهُنَا، فَوَجَّهَنِي وَجْهًا، فَذَهَبْتُ حَيْثُ وَجَّهَنِي، فَوَجَدْتُ زِمَامَهَا قَدِ الْتَوَى بِشَجَرَةٍ، فَجِئْتُ بِهَا، وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ وَجَدْتُ زِمَامَهَا قَدِ الْتَوَى بِشَجَرَةٍ مَا كَانَ يَحُلُّهَا إِلَّا يد.
_________________
(١) [(٢)] أول سورة الفتح. [(٣)] أخرجه البخاري في: ٦٥- كتاب التفسير، تفسير سورة الفتح، الحديث (٤٨٣٣)، فتح الباري (٨: ٥٨٢) .
[ ٤ / ١٥٥ ]
كَذَا قَالَ الْمَسْعُودِيُّ، عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ، أَنَّ ذَلِكَ كَانَ حِينَ أَقْبَلُوا مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ.
وَقَدْ أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَحْبُوبِيُّ بِمَرْوَ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا زَافِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَلَمَّا كُنَّا، فَذَكَرَ مَوْضِعًا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَنْ يَكْلَؤُنَا اللَّيْلَةَ، قَالَ، بِلَالٌ: أَنَا. قَالَ: إِذًا تَنَامَ. قَالَ: فَنَامَ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وَاسْتَيْقَظَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ فَقِيلَ: تَكَلَّمُوا لَعَلَّهُ يَسْتَيْقِظُ، فَاسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، قَالَ: افْعَلُوا كَمَا كُنْتُمْ تَفْعَلُونَ، وَكَذَلِكَ يفعل من نام أونسى.
قُلْتُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الْمَسْعُودِيِّ بِذِكْرِ الْحَدِيثِ، تَأْرِيخَ نُزُولِ السُّورَةِ، حِينَ أَقْبَلُوا مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ فَقَطْ، ثُمَّ ذَكَرَ مَعَهُ حَدِيثَ النَّوْمِ عَنِ الصَّلَاةِ، وَحَدِيثَ الرَّاحِلَةِ، وَكَانَا فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُجَمِّعٌ، يَعْنِي ابْنَ يَعْقُوبَ الْأَنْصَارِيَّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ مُجَمِّعِ بْنِ جَارِيَةَ، قَالَ: شَهِدْنَا الْحُدَيْبِيَةَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَلَمَّا انْصَرَفْنَا عَنْهَا، إِذَا النَّاسُ يُوجِفُونَ الْأَبَاعِرَ، [(٤)] قَالَ:
فَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: مَا لِلنَّاسِ ما لوا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، قَالَ: فَخَرَجْنَا نُوجِفُ مَعَ النَّاسِ، حَتَّى وَجَدْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ وَاقِفًا عَنْ كُرَاعِ الْغَمِيمِ، فَلَمَّا اجْتَمَعَ إِلَيْهِ بَعْضُ مَا يُرِيدُ مِنَ النَّاسِ، قَرَأَ عَلَيْهِمْ إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا
_________________
(١) [(٤)] يوجفون الأباعر: يحركون رواحلهم.
[ ٤ / ١٥٦ ]
قَالَ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ. أَوْ فتح هُوَ قَالَ: إِي وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّهُ لَفَتْحٌ.
قَالَ: ثُمَّ قُسِمَتْ خَيْبَرُ عَلَى أَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا، وَكَانَ الجيش ألفا وخمس مائة، فيهم ثلاث مائة فارس، فكان للفارس سهمين. كَذَا رَوَاهُ مُجَمِّعُ بْنُ يَعْقُوبَ فِي قِسْمَةِ خَيْبَرَ وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ فِي ذَلِكَ وَاللهُ أَعْلَمُ [(٥)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو الْأَدِيبُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاجِيَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى وَبُنْدَارٌ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: فِي هَذِهِ الْآيَةِ إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا.. قَالَ الْحُدَيْبِيَةُ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ بُنْدَارٍ [(٦)] .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ الْحَافِظُ، قَالَ:
حَدَّثَنَا [(٧)] أَبُو عَرُوبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الْأَسْفَاطِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا.. [(٨)] قَالَ فَتْحُ الْحُدَيْبِيَةِ [(٩)]، فَقَالَ: رَجُلٌ: هَنِيئًا مَرِيئًا يَا رَسُولَ اللهِ. هَذَا لَكَ، فَمَا لَنَا؟ فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿ لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ، قَالَ شُعْبَةُ: فَقَدِمْتُ الْكُوفَةَ، فَحَدَّثْتُهُمْ، عَنْ قَتَادَةَ،
_________________
(١) [(٥)] أخرجه أبو داود في الجهاد، باب فيمن أسهم له سهما عن محمد بن عيسى، الحديث (٢٧٣٦)، ص (٣: ٧٦) . [(٦)] أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عن بندار في: ٦٥: كتاب التفسير، تفسير سورة الفتح، الحديث (٤٨٣٤)، فتح الباري (٨: ٥٨٣) . [(٧)] في (ح): «أخبرنا» . [(٨)] أول سورة الفتح. [(٩)] الحديث في فتح الباري (٨: ٥٨٣) .
[ ٤ / ١٥٧ ]
عَنْ أَنَسٍ ثُمَّ قَدِمْتُ الْبَصْرَةَ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِقَتَادَةَ، فَقَالَ أَمَّا الْأَوَّلُ، فَعَنْ أَنَسٍ، وَأَمَّا الثَّانِي لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ [(١٠)]، فَعَنْ عِكْرِمَةَ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ. عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادٍ الرَّصَاصِيُّ، عَنْ شُعْبَةَ فَجَعَلَ الْأَوَّلَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ وَجَعَلَ الثَّانِيَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ [(١١)] .
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ، عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ بِشْرَانَ بِبَغْدَادَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ السَّمَّاكِ إِمْلَاءً، قَالَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سَلَّامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا.. إِلَى آخِرِ الْآيَةِ مَرْجِعَهُ من الحديبية، وأصحابه مخالطوا [(١٢)] الْحُزْنِ وَالْكَآبَةِ [(١٣)] فَقَالَ:
نَزَلَتْ عَلَيَّ آيَةٌ هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا، فَلَمَّا تَلَاهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، قَالَ: رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، قَدْ بَيَّنَ اللهُ ﷿ لَكَ مَا يَفْعَلُ، بِكَ فَمَاذَا يَفْعَلُ بِنَا؟ فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿ الْآيَةَ الَّتِي بَعْدَهَا لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ [(١٤)] مِنْ حَدِيثِ هَمَّامٍ، وَسَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، وَشَيْبَانَ بن عبد الرحمن، عن قَتَادَةَ هَكَذَا، وَفِي رِوَايَةِ شيبان وأصحابه،
_________________
(١) [(١٠)] [الفتح- ٥] . [(١١)] ليس لعكرمة بن أبي جهل سوى حديث واحد في الترمذي. وهو ضعيف. تحفة الأشراف (٧: ٣٤٤) . [(١٢)] في الصحيح: «وهم يخالطهم» . [(١٣)] (الكآبة) تغير النفس بالانكسار من شدة الحزن. [(١٤)] في: ٣٢- كتاب الجهاد والسير (٣٤) باب صلح الحديبية، الحديث (٩٧)، ص (١٤١٣) .
[ ٤ / ١٥٨ ]
مخالطوا الْحُزْنِ وَالْكَآبَةِ، قَدْ حِيلَ بَيْنَهُمْ، وَبَيْنَ مَنَاسِكِهِمْ، وَنَحَرُوا الْهَدْيَ بِالْحُدَيْبِيَةِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْمُخَرِّمِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ فَذَكَرَهُ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الله الحافظ، وأبو سعيد بن أبي عَمْرٍو، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنْ عِيسَى بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ «وَلَمَّا نَزَلَتْ: وَما أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ [(١٥)] . نَزَلَ بَعْدَهَا، لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ.. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ. قَدْ عَلِمْنَا مَا يُفْعَلُ بِكَ، مَا يُفْعَلُ بِنَا؟ فَأَنْزَلَ اللهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا.. [(١٦)]،
قَالَ: وَالْفَضْلُ الْكَبِيرُ: الْجَنَّةُ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، وأَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي قَالَا:
حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنِ الْمِسْوَرِ وَمَرْوَانَ فِي قِصَّةِ الْحُدَيْبِيَةِ، قَالَا: ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَاجِعًا، فَلَمَّا أَنْ كَانَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، نَزَلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْفَتْحِ، مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا، إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا فَكَانَتِ الْقَضِيَّةُ فِي سُورَةِ الْفَتْحِ، وَمَا ذَكَرَ اللهُ مِنْ بَيْعَةِ رَسُولِهِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، فَلَمَّا أَمِنَ النَّاسُ وَتَفَاوَضُوا، لَمْ يُكَلَّمْ أَحَدٌ، بالإسلام
_________________
(١) [(١٥)] [الأحقاف- ٩] . [(١٦)] [الأحزاب- ٤٧] .
[ ٤ / ١٥٩ ]
إِلَّا دَخَلَ فِيهِ، فَقَدْ دَخَلَ فِي تَيْنِكَ السَّنَتَيْنِ فِي الْإِسْلَامِ أَكْثَرُ مِمَّا كَانَ فِيهِ قَبْلَ ذَلِكَ، وَكَانَ صُلْحُ الْحُدَيْبِيَةِ فَتْحًا عَظِيمًا [(١٧)] أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ، قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَتَّابٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ عَمِّهِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ.
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا [(١٨)] إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَدِّي، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الله بن الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ قَالُوا وَأَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ رَاجِعًا، فَقَالَ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ: مَا هَذَا. بِفَتْحٍ، لَقَدْ صُدِدْنَا عَنِ الْبَيْتِ وَصُدَّ هَدْيُنَا، وَعَكَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْحُدَيْبِيَةِ، وَرَدِّ رَسُولِ اللهِ ﷺ رَجُلَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَرَجَا، فَبَلَغَ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَوْلُ رِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، إِنَّ هَذَا لَيْسَ بِفَتْحٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: بِئْسَ الْكَلَامُ! هَذَا أَعْظَمُ الْفَتْحِ، لَقَدْ رَضِيَ الْمُشْرِكُونَ أَنْ يَدْفَعُوكُمْ بِالرَّاحِ عَنْ بِلَادِهِمْ، وَيَسْأَلُونَكُمُ الْقَضِيَّةَ، وَيَرْغَبُونَ إِلَيْكُمْ فِي الْأَمَانِ، وَقَدْ رَأَوْا مِنْكُمْ مَا كَرِهُوا وَقَدْ أَظْفَرَكُمُ اللهُ﷿- عَلَيْهِمْ، وَرَدَّكُمْ سَالِمِينَ غَانِمِينَ مَأْجُورِينَ، فَهَذَا أَعْظَمُ الْفُتُوحِ، أَنَسِيتُمْ يَوْمَ أُحُدٍ إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ، وَأَنَا أَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ، أَنَسِيتُمْ يَوْمَ الْأَحْزَابِ إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا؟
قَالَ الْمُسْلِمُونَ: صَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ، هُوَ أَعْظَمُ الْفُتُوحِ، والله
_________________
(١) [(١٧)] تقدم الحديث في سياق قصة الحديبية، وراجع الحاشية (٣٧) من ذلك الباب. [(١٨)] في (ح): «أخبرنا» .
[ ٤ / ١٦٠ ]
يَا نَبِيَّ اللهِ مَا فَكَّرْنَا فِيمَا فَكَّرْتَ فِيهِ، وَلَأَنْتَ أَعْلَمُ بِاللهِ﷿، وَبِالْأُمُورِ مِنَّا، وَأَنْزَلَ اللهُ ﷿ سُورَةَ الْفَتْحِ إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا.. إِلَى قَوْلِهِ:
صِراطًا مُسْتَقِيمًا [(١٩)] فَبَشَّرَ اللهُ ﷿ نَبِيَّهُ ﷺ بِمَغْفِرَتِهِ، وَتَمَامِ نِعْمَتِهِ، وَفِي طَاعَةِ مَنْ أَطَاعَ، وَنِفَاقِ مَنْ نَافَقَ، ثُمَّ ذَكَرَ مَا الْمُنَافِقُونَ مُعْتَلُّونَ بِهِ إِذَا أَتَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ، وَإِنَّمَا مَنَعَهُمْ مِنَ الْخُرُوجِ مَعَهُ أَنَّهُمْ ظَنُّوا أَنْ لَنْ يَرْجِعَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا، وَظَنُّوا السُّوءَ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُمْ إِذَا انْطَلَقُوا إِلَى مَغَانِمَ لِيَأْخُذُوهَا، الْتَمَسُوا الْخُرُوجَ مَعَهُمْ لِعَرَضِ الدُّنْيَا، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ سَيُدْعَونَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ، يُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ مَا يَبْتَلِيهِمْ، فَإِنْ أَطَاعُوا، أَثَابَهُمْ عَلَى الطَّاعَةِ.
وَإِنْ تَوَلَّوْا كَفِعْلِهِمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ، عَذَّبَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا، ثُمَّ ذَكَرَ مَنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ مَا أَثَابَهُمْ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الْفَتْحِ، وَالْمَغَانِمِ الْكَثِيرَةِ، «وَعَجَّلَ لَهُمْ مَغَانِمَ كَثِيرَةً»، ثُمَّ ذَكَرَ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ بِكَفِّ أَيْدِي الْعَدُوِّ عَنْهُمْ، ثُمَّ بَشَّرَهُ ﷺ بِمَكَّةَ أَنَّهُ قَدْ أَحَاطَ بِهَا، ثُمَّ ذَكَرَ أَنْ «لَوْ قَاتَلَهُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ، ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا، ولأعطيّنكُم النَّصْرَ وَالظَّفَرَ عَلَيْهِمْ» .
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُشْرِكِينَ وَصَدَّهُمُ الْمُسْلِمِينَ عَنِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ، وَأَخْبَرَ أَنْ لَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لَوْ كَانَ قِتَالٌ، ثُمَّ قَالَ: لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابًا أَلِيمًا [(٢٠)] .
ثُمَّ ذَكَرَ الْحَمِيَّةَ الَّتِي جَعَلَهَا اللهُ فِي قلوبهم حين أبو أَنْ يُقِرُّوا لِلَّهِ ﵎ بِاسْمِهِ، وَلِلرَّسُولِ بِاسْمِهِ، وَذَكَرَ الَّذِي أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى عَلَى رَسُولِهِ ﷺ وَعَلَى
_________________
(١) [(١٩)] [الفتح: ١- ٥] . [(٢٠)] [الفتح- ٢٥] .
[ ٤ / ١٦١ ]
الْمُؤْمِنِينَ مِنَ السَّكِينَةِ حَتَّى لَا يَحْمُوا كَمَا حَمِيَ الْمُشْرِكُونَ لِوَقْعِ الْقِتَالِ، فَيَكُونَ فِيهِ مَعَرَّةٌ، ثُمَّ ذَكَرَ أنه قد دق رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ إِلَى فَتْحًا قَرِيبًا [(٢١)] هَذَا لَفْظُ حَدِيثِ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ، وَحَدِيثِ مُوسَى بْنِ عقبة بمعناه.
قَالَ: وَالْفَتْحُ الْقَرِيبُ، الَّذِي أَعْطَاهُ اللهُ رَسُولَهُ ﷺ مِنَ الظَّفَرِ عَلَى عَدُوِّهِ فِي الْقَضِيَّةِ الَّتِي قَاضَاهُمْ عَلَيْهَا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، عَلَى أَنَّهُ يَرْجِعُ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ الَّذِي صُدَّ فِيهِ آمِنًا هُوَ فِي أَصْحَابِهِ، وَيَقُولُ نَاسٌ: الْفَتْحُ الْقَرِيبُ خَيْبَرُ، وَمَا ذُكِرَ فِيهَا. وَقَدْ سَمَّى اللهُ فَتْحَ خَيْبَرَ فِي آيَةٍ أُخْرَى فَتْحًا قَرِيبًا، قَالَ:
فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا [(٢٢)] فَكَانَ الصُّلْحُ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَبَيْنَ قُرَيْشٍ سَنَتَيْنِ، يَأْمَنُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا.
هَذَا لَفْظُ حَدِيثِ مُوسَى بْنِ عقبة، وحديث عروة بمعناه.
وَقَولُهُمَا سَنَتَيْنِ، يُرِيدَانِ بَقَاءَهُ، حَتَّى نَقْضَ الْمُشْرِكُونَ عَهْدَهُمْ، وَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْهِمْ لِفَتْحِ مَكَّةَ، فَأَمَّا الْمُدَّةُ الَّتِي وَقَعَ عَلَيْهَا عَقْدُ الصُّلْحِ، فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْمَحْفُوظُ مَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ وَهِيَ عَشْرُ سِنِينَ وَاللهُ أَعْلَمُ.
أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرِ بْنُ قَتَادَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ النَّصْرَوِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ نَجْدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ: قَوْلُهُ: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا قَالَ: نَزَلَتْ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَغَفَرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وَبَايَعُوا بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ، وَأُطْعِمُوا نَخِيلَ خَيْبَرَ، وَظَهَرَتِ الرُّومِ عَلَى فَارِسَ، وَفَرِحَ الْمُؤْمِنُونَ بِتَصْدِيقِ كِتَابِ اللهِ، وَظُهُورِ أهل الكتاب على المجوس.
_________________
(١) [(٢١)] [الفتح- ٢٧] . [(٢٢)] [الفتح- ١٨] .
[ ٤ / ١٦٢ ]
قَالَ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُغِيرَةُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ فِي قَوْلِهِ: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا قَالَ: فَتْحُ الْحُدَيْبِيَةِ وَغُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وَأُطْعِمُوا نَخِيلَ خَيْبَرَ، وَفَرِحَ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللهِ أَهْلَ الْكِتَابِ عَلَى الْمَجُوسِ [(٢٣)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدِ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَفَّانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، قَالَ:
حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى فِي قَوْلِهِ: وَأَثابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا، قَالَ: خَيْبَرُ، قَالَ: وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها، قَالَ: فَارِسُ وَالرُّومُ.
قَالَ: وَحَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سِمَاكٍ الْحَنَفِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: قَوْلُهُ، وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها. قَالَ: هُوَ مَا أَصَبْتُمْ بعده [(٢٤)] .
_________________
(١) [(٢٣)] قال الزهري: لم يكن في الإسلام فتح قبل فتح الحديبية أعظم منه، إنما كان القتال حيث التقى الناس، فلما أمن الناس كلهم، كلم بعضهم بعضا وتفاوضوا في الحديث والمنازعة، ولم يكلّم أحد بالإسلام يعقل شيئا إلا بادر إلى الدخول فيه فلقد دَخَلَ فِي تَيْنِكَ السَّنَتَيْنِ مثل من كان دخل في الإسلام قبل ذلك وأكثر. قال ابن هشام: ويدل عليه أَنَّهُ ﷺ خرج في الحديبية في ألف وأربعمائة، ثم خرج بعد سنتين إلى فتح مكة في عشرة آلاف. [(٢٤)] نقله القرطبي في التفسير (١٦: ٢٧٩)، وقال: وهو قول الحسن ومقاتل وابن أبي ليلى. وعن ابن عباس أيضا والضحاك وابن زيد وابن إسحاق: هي خيبر، وعدها الله نبيّه قبل أن يفتحها، ولم يكونوا يرجونها حتى أخبرهم الله بها. وعن الحسن أيضا وقتادة: هو فتح مكة. وقال عكرمة: حنين، لأنه قال: «لم تقدروا عليها» . وهذا يدل على تقدم محاولة لها وفوات درك المطلوب في الحال كما كان في مكة، قاله القشيري. وقال مجاهد: هي ما يكون إلى يوم القيامة. ومعنى «قَدْ أَحَاطَ اللهُ بِهَا»: أي أعدّها لكم، فهي كالشيء الذي قد أحيط به
[ ٤ / ١٦٣ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي عَمْرٍو، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ قَدْ أحاط الله بها أَنَّهَا سَتَكُونُ، لَكُمْ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: قَدْ أَحَاطَ اللهُ بِهَا عِلْمًا أَنَّهَا لَكُمْ [(٢٥)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: أُرِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ بِالْحُدَيْبِيَةِ، أَنَّهُ يَدْخُلُ مَكَّةَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ آمِنِينَ محلقين رؤوسهم وَمُقَصِّرِينَ، فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ حِينَ نَحَرَ بِالْحُدَيْبِيَةِ أَيْنَ رُؤْيَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ إِلَى قَوْلِهِ فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا [(٢٦)] يَعْنِي النَّحْرَ بِالْحُدَيْبِيَةِ ثُمَّ رَجَعُوا فَفَتَحُوا خَيْبَرَ ثُمَّ اعْتَمَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَكَانَ تَصْدِيقُ رُؤْيَاهُ فِي السَّنَةِ الْمُقْبِلَةِ [(٢٧)] .
وَقَالَ فِي قَوْلِهِ: سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابَ: شغلتنا
_________________
(١) [()] من جوانبه، فهو محصور لا يفوت، فأنتم وإن لم تقدروا عليها في الحال فهي محبوسة عليكم لا تفوتكم. وقيل: «أحاط الله بها» علم أنها ستكون لكم، كما قال: «وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحَاطَ بكل شيء علما» . وقيل: حفظها الله عليكم، ليكون فتحها لكم. وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا. [(٢٥)] راجع الحاشية السابقة. [(٢٦)] [الفتح- ٣٧] . [(٢٧)] كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَأَى في المنام أنه يدخل مكة على هذه الصفة، فَلَمَّا صَالَحَ قُرَيْشًا بِالْحُدَيْبِيَةِ ارتاب المنافقون حتى قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إنه يدخل مكة، فأنزل الله تعالى: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ فأعلمهم أنهم سيدخلون في غير ذلك العام، وأن رؤياه ﷺ حق. وقيل: إن أبا بكر هو الذي قال إن المنام لم يكن مؤقتا بوقت، وأنه سيدخل. وروي أن الرؤيا كانت بالحديبية، وأن رؤيا الأنبياء حق. والرؤيا أحد وجوه الوحي إلى الأنبياء.
[ ٤ / ١٦٤ ]
أموالنا [(٢٨)] يَعْنِي أَعْرَابَ الْمَدِينَةِ: [(٢٩)] جُهَيْنَةَ وَمُزَيْنَةَ وَذَلِكَ أَنَّهُ اسْتَتْبَعَهُمُ النبي ﷺ بِخُرُوجِهِ إِلَى مَكَّةَ فَقَالُوا أَنَذْهَبُ مَعَهُ إِلَى قَوْمٍ جَاءُوهُ فَقَتَلُوا أَصْحَابَهُ فَيُقَاتِلُهُمْ فِي دِيَارِهِمْ فَاعْتَلُّوا بِالشُّغْلِ فَأَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ مُعْتَمِرًا فَأَخَذَ أَصْحَابُهُ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الْحَرَمِ غَافِلِينَ، فَأَرْسَلَهُمُ النبي ﷺ فَذَلِكَ الْإِظْفَارُ بِبَطْنِ مَكَّةَ وَهُوَ قَوْلُهُ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ، وَرَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَدْ وَعَدَهُ اللهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً، وَعَجَّلَ لَهُ خَيْبَرَ فَقَالَ لَهُ الْمُخَلَّفُونَ: ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ، وَهِيَ الْمَغَانِمُ الَّتِي قَالَ اللهُ ﷿: إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ وَأَمَّا الْمَغَانِمُ الْكَثِيرَةُ الَّتِي وُعِدُوا فَمَا يَأْخُذُونَ إِلَى الْيَوْمِ وَقَوْلُهُ: أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ، قَالَ:
هُمْ فَارِسُ وَالرُّومُ.
وأَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرِ بْنُ قَتَادَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ النَّصْرَوِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ نَجْدَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَنْصُورٌ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: هُمْ فَارِسُ وَالرُّومُ.
قَالَ: وَحَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ:
فَارِسُ، وَرُوِيَ هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
أَخْبَرَنَا أَبُو زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الطَّرَائِفِيُّ، قال:
_________________
(١) [(٢٨)] [الفتح- ١١] . [(٢٩)] قال مجاهد وابن عباس: يعني أعراب غفار ومزينة وجهينة وأسلم وأشجع والدّيل، وهم الأعراب الذين كانوا حول المدينة، تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ حِينَ أراد السفر إلى مكة عام الفتح، بعد أن كان استنفرهم ليخرجوا معه حذرا من قريش، وأحرم بعمرة وساق معه الهدي، ليعلم النَّاسِ أَنَّهُ لَا يُرِيدُ حربا فتثاقلوا عنه واعتلّوا بالشّغل، فنزلت. وإنما قال: «المخلّفون» لأن الله خلّفهم عن صحبة نبيّه. والمخلّف المتروك. وقد مضى في براءة» . شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا أي ليس لنا من يقوم بهما. فَاسْتَغْفِرْ لَنا جاءوا يطلبون الاستغفار واعتقادهم بخلاف ظاهرهم، ففضحهم الله تعالى بقوله: يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وهذا هو النفاق المحض. قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا.
[ ٤ / ١٦٥ ]
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ يَقُولُ فَارِسُ.
وَقِيلَ فِي ذَلِكَ مَا أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرِ بْنُ قَتَادَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ النَّصْرَوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ نَجْدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنِ الْكَلْبِيِّ، قَالَ: هُمْ بَنُو حَنِيفَةَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ [(٣٠)] .
قَالَ سَعِيدٌ: قِيلَ لِهُشَيْمٍ الْكَلْبِيِّ عَنْ مَنْ قَالَ كُلُّ شَيْءٍ أَقُولُ فَهُوَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَعَلَى هَذَا أُوجِدَ تَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي إِيَاسِ بْنِ بَكْرٍ، وَهُوَ الدَّاعِي إِلَى حَرْبِ مُسَيْلِمَةَ، وَبَنِي حَنِيفَةَ مِنْ أَهْلِ الْيَمَامَةِ، وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَوْلُ عَطَاءٍ وُجِدَ تَصْدِيقُهُ فِي أَيَّامِ عَمْرٍو، وَهُوَ الدَّاعِي إِلَى حَرْبِ كِسْرَى، وَأَهْلِ فَارِسَ، وَعَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: فَارِسُ وَالرُّومُ، فَإِنَّهُ أَرَادَ تَنْحِيَةَ أَهْلِ الرُّومِ عَنْ أَرْضِ الشَّامِ، وَتَصْدِيقُ أَوَائِلِهِ وُجِدَ فِي أَيَّامِ أَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ تَمَّ فِي أَيَّامِ عُمَرَ مَعَ فَتْحِ فَارِسَ [(٣١)] .
_________________
(١) [(٣٠)] لخص المسألة القرطبيّ في تفسيره (٦: ٢٧٢)، فقال: سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ قال ابن عباس وعطاء بن أبي رباح ومجاهد وابن أبي ليلى وعطاء الخرساني: هم فارس. وقال كعب والحسن وعبد الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى: الروم. وعن الحسن أيضا: فارس والروم. وقال ابن جبير: هوازن وثقيف. وقال عكرمة: هوازن. وقال قتادة: هوازن وغطفان يوم حنين. وقال الزّهري ومقاتل: بنو حنيفة أهل اليمامة أصحاب مسيلمة. وقال رافع بن خديج: والله لقد كنا نقرأ هذه الآية فيما مضى سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فلا نعلم من هم حتى دعانا أبو بكر إلى قتال بني حنيفة فعلمنا أنهم هم. وقال أبو هريرة: لم تأت هذه الآية بعد. وظاهر الآية يردّه. [(٣١)] في هذه الآية دليل على صحة إمامة أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄، لأن أبا بكر دعاهم إلى قتال بني حنيفة، وعمر دعاهم إلى قتال فارس والروم. وأما قول عكرمة وقتادة إن ذلك في هوازن وغطفان يوم حنين فلا، لأنه يمتنع أن يكون الداعي لهم الرسول ﵇، لأنه
[ ٤ / ١٦٦ ]
وأَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرِ بْنُ قَتَادَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مَنْصُورٍ النَّصْرَوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ نَجْدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَعِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ: سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ قَالَ هَوَازِنُ يَوْمَ حُنَيْنٍ، فَعَلَى هَذَا وُجِدَ تَصْدِيقُهُ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ.
وَقَدْ أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ: قَالَ: حَدَّثَنَا بُنْدَارٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَعِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ ﷿: سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ قَالَ: هَوَازِنُ، وَبَنُو حَنِيفَةَ. فَعَلَى هَذَا وُجِدَ تَصْدِيقُ أَحَدِهِمَا فِي زَمَانِهِ وَالْآخَرُ فِي زَمَانِ أَبِي بَكْرٍ ﵁.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الشَّافِعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سفيان، عن سلمة ابن كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ [(٣٢)] . قَالَ السَّكِينَةُ لَهَا وَجْهٌ كَوَجْهِ الْإِنْسَانِ ثُمَّ هِيَ بعد ريح هفّافة.
_________________
(١) [()] قال: «لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوّا» فدلّ على أن المراد بالداعي غير النبي ﷺ. ومعلوم أنه لم يدع هؤلاء القوم بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ إلا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄. الزّمخشري: فإن صحّ ذلك عن قتادة فالمعنى لن تخرجوا معي أبدا ما دمتم عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ من مرض القلوب والاضطراب في الدّين. أو على قول مجاهد كان الموعد أنهم لا يتبعون رسول الله ﷺ إلا متطوّعين لا نصيب لهم في المغنم. [(٣٢)] [الْفَتْحِ- ٤] .
[ ٤ / ١٦٧ ]
أخبرنا أبو عبد الله الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ:
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنِ ابْنِ نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: السَّكِينَةُ مِنَ اللهِ كَهَيْئَةِ الرِّيحِ لَهَا رَأْسٌ مِثْلُ رَأْسِ الْهِرَّةِ وَجَنَاحَانِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الطَّرَائِفِيُّ، قَالَ: قَالَ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ ابن صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ السَّكِينَةُ هِيَ: الرَّحْمَةُ [(٣٣)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: الْقَارِعَةُ:
السَّرَايَا، أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دارهم، قَالَ: الْحُدَيْبِيَةُ وَنَحْوُهَا حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللهِ، قَالَ: فَتْحُ مَكَّةَ.
وَأَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْمُؤَدِّبُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمَسْعُودِيُّ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ [(٣٤)]، قال: القارعة
_________________
(١) [(٣٣)] السكينة: هي السكون والطمأنينة، قال ابن عباس: قل سكينة في القرآن هي الطمأنينة إلا التي في البقرة. [(٣٤)] [الرعد- ٣١] .
[ ٤ / ١٦٨ ]
السَّرِيَّةُ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دارِهِمْ قَالَ هُوَ مُحَمَّدٌ ﷺ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللهِ، قال: فتح مكة [(٣٥)] .
_________________
(١) [(٣٥)] وقال القرطبي في تفسير هذه الآية (٩: ٣٢١): أي داهية تفجؤهم بكفرهم وعتوّهم، ويقال: قرعه أمر إذا أصابه، والجمع قوارع، والأصل في القرع الضرب، قال: أفنى تلادي وما جمّعت من نشب قرع القواقيز أفواه الأباريق أي لا يزال الكافرون تصيبهم داهية مهلكة من صاعقة كما أصاب أربد أو من قتل أو من أسر أو جدب، أو غير ذلك من العذاب والبلاء، كما نزل بالمستهزءين، وهم رؤساء المشركين. وقال عكرمة عن ابن عباس: القارعة النكبة. وقال ابن عباس أيضا وعكرمة: القارعة الطلائع والسرايا التي كان ينفذها رسول الله ﷺ لهم. «أو تحلّ» أي القارعة. «قريبا من دارهم» قاله قتادة والحسن. وقال ابن عباس: أو تحلّ أنت قريبا من دارهم. وقيل: نزلت الآية بالمدينة، أي لا تزال تصيبهم القوارع فتنزل بساحتهم أو بالقرب منهم كقرى المدينة ومكة. حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ في فتح مكة، قاله مجاهد وقتادة. وقيل: نزلت بمكة، أي تصيبهم القوارع، وتخرج عنهم إلى المدينة يا محمد، فتحلّ قريبا من دارهم، او تحلّ بهم محاصرا لهم، وهذه المحاصرة لأهل الطائف، ولقلاع خيبر، ويأتي وعد الله بالإذن لك في قتالهم وقهرهم. وقال الحسن: وعد الله يوم القيامة.
[ ٤ / ١٦٩ ]
بَابُ إِسْلَامِ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ ابن أَبِي مُعَيْطٍ [(١)] وهِجْرَتِهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الْهُدْنَةِ
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ، قَالَ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ شَرِيكٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّهُ قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّهُ قاضى رسول
_________________
(١) [(١)] قال ابن عبد البر في الاستيعاب: (أُمُّ كُلْثُومٍ) بِنْتُ عُقْبَةَ بن أبي معيط واسم أبي معيط ابان بن أبي عمرو واسم أبي عمرو ذكوان بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مناف. أمها أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عبد مناف أسلمت أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ بمكة قبل أن يأخذ النساء في الهجرة إلى المدينة ثم هاجرت وبايعت فهي من المهاجرات المبايعات وقيل هي أول من هاجر من النساء كانت هجرتها في سنة سبع في الهدنة التي كانت بَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وبين المشركين من قريش وكانوا صالحوا رسول الله ﷺ على أن يرد عليهم من جاء مؤمنا وفيها نزلت إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات الآية وذلك أنها لما هاجرت لحقها أخواها الوليد وعمارة ابنا عقبة ليرداها فمنعها الله منهما بالإسلام. قال ابن إسحاق وهاجرت الى رسول الله ﷺ أم كلثوم ابنة عقبة بن أبي معيط في هدنة الحديبية فخرج أخواها عمارة والوليد ابنا عقبة حتى قدما على رسول الله ﷺ يسألانه أن يردها عليهما بالعهد الذي كان بينه وبين قريش في الحديبية فلم يفعل وقال أبى الله ذلك، قال أبو عمر يقولون أنها مشت على قدميها من مكة إلى المدينة فلما قدمت المدينة تزوجها زيد بن حارثة فقتل عنها يوم مؤتة فتزوجها الزبير بن العوام فولدت له زينب ثم طلقها فتزوجها عبد الرحمن بن عوف فولدت له إبراهيم وحميدا ومنهم من يقول أنهم ولدت لعبد الرحمن إبراهيم وحميدا ومحمدا وإسماعيل ومات عنها فتزوجها عمرو بن العاص فمكثت عنده شهرا وماتت وهي أخت عثمان لأمه.
[ ٤ / ١٧٠ ]
الله ﷺ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، عَلَى الْمُدَّةِ الَّتِي جَعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، أَنْزَلَ اللهُ﷿- فِيمَا قَضَى بِهِ بَيْنَهُمْ، فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ يُخْبِرَانِ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ أن رسول الله ﷺ لَمَّا كَاتَبَ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو يَوْمَئِذٍ، كَانَ فِيمَا اشْتَرَطَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو عَلَى رَسُولِ الله ﷺ أَنَّهُ لَا يَأْتِيكَ مِنَّا أَحَدٌ وَإِنْ كَانَ عَلَى دِينِكَ إِلَّا رَدَدْتَهُ إِلَيْنَا، فَخَلَّيْتَ بينهما وَبَيْنَهُ فَكَرِهَ الْمُؤْمِنُونَ ذَلِكَ، وَأَبَى سُهَيْلٌ إِلَّا ذَلِكَ، فَكَاتَبَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَرَدَّ يَوْمَئِذٍ: أَبَا جَنْدَلٍ إِلَى أَبِيهِ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، وَلَمْ يَأْتِهِ أَحَدٌ مِنَ الرِّجَالِ إِلَّا رَدَّهُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا، وَجَاءَ الْمُؤْمِنَاتُ، وَكَانَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ مِمَّنْ خَرَجَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ وَهِيَ عَاتِقٌ، فَجَاءَ أَهْلُهَا يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنْ يُرْجِعَهَا إِلَيْهِمْ، فَلَمْ يُرْجِعْهَا إِلَيْهِمْ لِمَا أَنْزَلَ الله فيهم: إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ [(٢)] .
قَالَ عُرْوَةُ: فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَمْتَحِنُهُنَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ:
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلا يَسْرِقْنَ، وَلا يَزْنِينَ، وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ [(٣)] الْآيَةَ.
قَالَ عُرْوَةُ قَالَتْ عَائِشَةُ فَمَنْ أَقَرَّ بِهَذَا الشَّرْطِ مِنْهُنَّ قَالَ لَهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ:
«قَدْ بَايَعْتُكِ كَلَامًا يُكَلِّمُهَا بِهِ، وَاللهِ مَا مَسَّتْ يَدُهُ يَدَ امْرَأَةٍ قَطُّ فِي الْمُبَايَعَةِ مَا بَايَعَهُنَّ إِلَّا بِقَوْلِهِ» .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ [(٤)] .
_________________
(١) [(٢)] الآية (١٠) من سورة الممتحنة، والحديث تقدم بالحاشية (٣٧) من بَابُ سِيَاقِ قِصَّةِ الْحُدَيْبِيَةِ. [(٣)] [الممتحنة- ١٢] . [(٤)] تقدم تخريج الحديث في سياق قصة الحديبية.
[ ٤ / ١٧١ ]
بَابُ مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي بَصِيرٍ الثَّقَفِيِّ وَأَصْحَابِهِ
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَتَّابٍ الْعَبْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ (ح) .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ الشَّعْرَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَدِّي، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، قَالَ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَهَذَا لَفْظُ حَدِيثِ الْقَطَّانِ، قَالَ: ولَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ انْغَلَبَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، مِنْ ثَقِيفٍ يُقَالُ له: أبو بصير ابن أُسَيْدِ بْنِ جَارِيَةَ الثَّقَفِيُّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَأَتَى رَسُولَ الله ﷺ مُسْلِمًا مُهَاجِرًا، فَبَعَثَ فِي أَثَرِهِ الْأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي مُنْقِذٍ: أَحَدُهُمَا زَعَمُوا مَوْلًى، وَالْآخَرُ مِنْ أَنْفُسِهِمُ اسْمُهُ جَحْشُ بْنُ جَابِرٍ، وَكَانَ ذَا جَلَدٍ، وَرَأْيٍ فِي أَنْفُسِ الْمُشْرِكِينَ، وَجَعَلَ لَهُمَا الْأَخْنَسُ فِي طَلَبِ أَبِي بَصِيرٍ جُعْلًا فَقَدِمَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَدَفَعَ أَبَا بَصِيرٍ إِلَيْهِمَا، فَخَرَجَا بِهِ حَتَّى إِذَا كَانَا بِذِي الْحُلَيْفَةِ سَلَّ جَحْشٌ سَيْفَهُ، ثُمَّ هَزَّهُ فَقَالَ:
لَأَضْرِبَنَّ بِسَيْفِي هَذَا فِي الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ يَوْمًا إِلَى اللَّيْلِ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَصِيرٍ: أو
[ ٤ / ١٧٢ ]
صارم سَيْفُكَ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: نَاوِلْنِيهِ أَنْظُرْ إِلَيْهِ، فَنَاوَلَهُ إِيَّاهُ، فَلَمَّا قَبَضَ عَلَيْهِ ضَرَبَهُ بِهِ حَتَّى بَرَدَ، وَيُقَالُ: بَلْ تَنَاوَلَ أَبُو بَصِيرٍ سَيْفَ الْمُنْقِذِيِّ بِفِيهِ، وَهُوَ نَائِمٌ فَقَطَعَ إِسَارَهُ، ثُمَّ ضَرَبَهُ بِهِ حَتَّى بَرَدَ، وَطَلَبَ الْآخَرَ فَجَمَزَ مَذْعُورًا مُسْتَخْفِيًا حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ جَالِسٌ فِيهِ
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ رَآهُ: لَقَدْ رَأَى هَذَا ذُعْرًا، فَأَقْبَلَ حَتَّى اسْتَغَاثَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ، وَجَاءَ أَبُو بَصِيرٍ يَتْلُوهُ، فَسَلَّمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَقَالَ: وَفَتْ ذِمَّتُكَ: دَفَعْتَنِي إِلَيْهِمَا، فَعَرَفْتُ أَنَّهُمْ.
سَيُعَذِّبُونَنِي وَيَفْتِنُونَنِي عَنْ دِينِي، فَقَتَلْتُ الْمُنْقِذِيَّ، وَأَفْلَتَنِي هَذَا، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «وَيْلُ أُمِّهِ مِسْعَرَ حَرْبٍ، لَوْ كَانَ مَعَهُ أَحَدٌ»، وَجَاءَ أَبُو بَصِيرٍ، بِسَلَبِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: خَمِّسْ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ إِنِّي إِذَا خَمَّسْتُهُ لَمْ أُوَفِّ لَهُمْ بِالَّذِي عَاهَدْتُهُمْ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ شَأْنَكَ بِسَلَبِ صَاحِبِكَ، وَاذْهَبْ حَيْثُ شِئْتَ،
فَخَرَجَ أَبُو بَصِيرٍ مَعَهُ خَمْسَةُ نَفَرٍ كَانُوا قَدِمُوا مَعَهُ مُسْلِمِينَ مِنْ مَكَّةَ حَيْثُ قَدِمُوا فَلَمْ يَكُنْ طَلَبَهُمْ أَحَدٌ وَلَمْ تُرْسِلْ قُرَيْشٌ كَمَا أَرْسَلُوا فِي أَبِي بَصِيرٍ، حَتَّى كَانُوا بَيْنَ الْعِيصِ، وَذِي الْمَرْوَةِ مِنْ أَرْضِ جُهَيْنَةَ عَلَى طَرِيقِ عِيرَاتِ قُرَيْشٍ مِمَّا يَلِي سِيفَ الْبَحْرِ لَا يَمُرُّ بِهِمْ عِيرٌ لِقُرَيْشٍ إِلَّا أَخَذُوهَا وَقَتَلُوا أَصْحَابَهَا، وَكَانَ أَبُو بَصِيرٍ يُكْثِرُ أَنْ يقول:
اللهُ رَبِّيَ الْعَلِيُّ الْأَكْبَرُ مَنْ يَنْصُرِ اللهُ فَسَوْفَ يُنْصَرُ
وَيَقَعُ الْأَمْرُ عَلَى مَا يُقَدِّرُ
وَانْفَلَتَ أَبُو جندل ابن سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو فِي سَبْعِينَ رَاكِبًا أَسْلَمُوا وَهَاجَرُوا فَلَحِقُوا بِأَبِي بَصِيرٍ وَكَرِهُوا أَنْ يَقْدَمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي هُدْنَةِ الْمُشْرِكِينَ، وَكَرِهُوا الثَّوَاءَ بَيْنَ ظَهْرَيْ قَوْمِهِمْ، فَنَزَلُوا مَعَ أَبِي بَصِيرٍ فِي مَنْزِلٍ كَرِيهٍ إِلَى قُرَيْشٍ، فَقَطَعُوا بِهِ مَادَّاتِهِمْ مِنْ طَرِيقِ الشَّامِ، وَكَانَ أَبُو بَصِيرٍ زَعَمُوا وَهُوَ فِي مَكَانِهِ ذَلِكَ يُصَلِّي لِأَصْحَابِهِ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ أَبُو جَنْدَلٍ كَانَ هُوَ يَؤُمُّهُمْ، وَاجْتَمَعَ إِلَى أَبِي جَنْدَلٍ حِينَ سَمِعُوا بِقُدُومِهِ نَاسٌ مِنْ بَنِي غِفَارٍ، وَأَسْلَمَ، وَجُهَيْنَةَ، وَطَوَائِفُ مِنَ النَّاسِ، حَتَّى بَلَغُوا ثلاث مائة مُقَاتِلٍ، وَهُمْ مُسْلِمُونَ.
[ ٤ / ١٧٣ ]
قَالَ: فَأَقَامُوا مَعَ أَبِي جَنْدَلِ وَأَبِي بَصِيرٍ لَا يَمُرُّ بِهِمْ عِيرُ قُرَيْشٍ إِلَّا أَخَذُوهَا، وَقَتَلُوا أَصْحَابَهَا، فَأَرْسَلَتْ قُرَيْشٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ يَسْأَلُونَ وَيَتَضَرَّعُونَ إِلَيْهِ أَنْ يَبْعَثَ إِلَى أَبِي بَصِيرٍ، وَأَبِي جَنْدَلِ بْنِ سُهَيْلٍ، وَمَنْ مَعَهُ فَقَدِمُوا عَلَيْهِ، وَقَالُوا: مَنْ خَرَجَ مِنَّا إِلَيْكَ فَأَمْسِكْهُ غَيْرَ حَرِجٍ أَنْتَ فِيهِ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ وَالرَّكْبَ قَدْ فَتَحُوا عَلَيْنَا بَابًا لَا يَصْلُحُ إِقْرَارُهُ، فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِمْ عَلَى الَّذِينَ كَانُوا أَشَارُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنْ يَمْنَعَ أَبَا جَنْدَلٍ مِنْ أَبِيهِ بَعْدَ الْقَضِيَّةِ أَنَّ طَاعَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ خَيْرٌ لَهُمْ فِيمَا أَحَبُّوا وَفِيمَا كَرِهُوا مِنْ رَأْيِ مَنْ ظَنَّ أَنَّ لَهُ قُوَّةً هِيَ أَفْضَلُ مِمَّا خَصَّ اللهُ بِهِ رَسُولَهُ ﷺ مِنَ الْعَوْنِ وَالْكَرَامَةِ، وَلَمْ يَزَلْ أَبُو جَنْدَلٍ وَأَبُو بَصِيرٍ وَأَصْحَابُهُمَا الَّذِينَ اجْتَمَعُوا إِلَيْهَا هُنَالِكَ حَتَّى مَرَّ بِهِمْ أَبُو الْعَاصِ بْنُ الرَّبِيعِ، وَكَانَ تَحْتَهُ زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ الشَّامِ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَأَخَذُوهُمْ وَمَا مَعَهُمْ وَأَسَرُوهُمْ وَلَمْ يَقْتُلُوا مِنْهُمْ أَحَدًا لِصِهْرِ أَبِي الْعَاصِ رَسُولَ اللهِ ﷺ، وَأَبُو الْعَاصِ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكٌ، وَهُوَ ابْنُ أُخْتِ خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ لِأُمِّهَا وَأَبِيهَا، وَخَلَّوْا سَبِيلَ أَبِي الْعَاصِ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ عَلَى امْرَأَتِهِ وَهِيَ بِالْمَدِينَةِ عِنْدَ أَبِيهَا كَانَ أَذِنَ لَهَا أَبُو الْعَاصِ حِينَ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ أَنْ تَقْدَمَ الْمَدِينَةَ فَتَكُونَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَكَلَّمَهَا أَبُو الْعَاصِ فِي أَصْحَابِهِ الَّذِينَ أَسَرَ أَبُو جَنْدَلٍ وَأَبُو بَصِيرٍ وَمَا أَخَذُوا لَهُمْ، فَكَلَّمَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي ذَلِكَ،
فَزَعَمُوا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَامَ فَخَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: «إِنَّا صَاهَرْنَا نَاسًا، وَصَاهَرْنَا أَبَا الْعَاصِ، فَنِعْمَ الصِّهْرُ وَجَدْنَاهُ، وَإِنَّهُ أَقْبَلَ مِنَ الشَّامِ فِي أَصْحَابٍ لَهُ مِنْ قُرَيْشٍ، فَأَخَذَهُمْ أَبُو جَنْدَلٍ وَأَبُو بَصِيرٍ، فَأَسَرُوهُمْ، وَأَخَذُوا مَا كَانَ مَعَهُمْ، وَلَمْ يَقْتُلُوا مِنْهُمْ أَحَدًا، وَإِنَّ زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ ﷺ سَأَلْتَنِي أَنْ أُجِيرَهُمْ، فَهَلْ أَنْتُمْ مُجِيرُونَ أَبَا الْعَاصِ وَأَصْحَابَهُ؟» فَقَالَ النَّاسُ: نَعَمْ،
فَلَمَّا بَلَغَ أَبَا جَنْدَلٍ وَأَصْحَابَهُ قول رسول الله ﷺ فِي أَبِي الْعَاصِ وَأَصْحَابِهِ الَّذِينَ كَانُوا عِنْدَهُ مِنَ الْأَسْرَى رَدَّ إِلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ أُخِذَ مِنْهُمْ حَتَّى الْعِقَالَ، وَكَتَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى أَبِي جندل وأبي بصير يَأْمُرُهُمْ أَنْ يَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَيَأْمُرُ مَنْ مَعَهُمَا مِمَّنِ اتَّبَعَهُمَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَرْجِعُوا
[ ٤ / ١٧٤ ]
إِلَى بِلَادِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ، وَلَا يَعْتَرِضُوا لِأَحَدٍ مَرَّ بِهِمْ مِنْ قُرَيْشٍ وَعِيرَانِهَا، فَقَدِمَ كِتَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ زَعَمُوا عَلَى أَبِي جَنْدَلٍ وَأَبِي بَصِيرٍ، وَأَبُو بَصِيرٍ يَمُوتُ، فَمَاتَ وَكِتَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي يَدِهِ يَقْرَؤُهُ، فَدَفَنَهُ أَبُو جَنْدَلٍ مَكَانَهُ، وَجَعَلَ عِنْدَ قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَقَدِمَ أَبُو جَنْدَلٍ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مَعَهُ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَرَجَعَ سَائِرُهُمْ إِلَى أَهْلِيهِمْ وَأَمِنَتْ عِيرَاتُ قُرَيْشٍ، وَلَمْ يَزَلْ أَبُو جَنْدَلٍ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَشَهِدَ مَا أَدْرَكَ مِنَ الْمَشَاهِدِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَشَهِدَ الْفَتْحَ، وَرَجَعَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَلَمْ يَزَلْ مَعَهُ بِالْمَدِينَةِ حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَقَدِمَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو الْمَدِينَةَ أَوَّلَ خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَمَكَثَ بِالْمَدِينَةِ شَهْرًا، ثُمَّ خَرَجَ مُجَاهِدًا إِلَى الشَّامِ بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ، هُوَ وَالْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ، فَاصْطَحَبَا جَمِيعًا، وَخَرَجَ أَبُو جَنْدَلٍ مَعَ أَبِيهِ سُهَيْلٍ إِلَى الشَّامِ، فَلَمْ يَزَالَا مُجَاهِدَيْنِ بِالشَّامِ، حَتَّى مَاتَا جَمِيعًا، وَمَاتَ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْ وَلَدِهِ إِلَّا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَارِثِ، فَتَزَوَّجَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فَاخِتَةَ بِنْتَ عُتْبَةَ، فَوَلَدَتْ لَهُ أَبَا بَكْرِ ابن عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَأَكَابِرَ وَلَدِهِ، فَهَذَا حَدِيثُ أَبِي جَنْدَلٍ وَأَبِي بَصِيرٍ ﵄ [(١)] .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو عُلَاثَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ، قَالَ: ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ، ثُمَّ إِنَّهُ أَفْلَتَهُمْ رَجُلٌ مِنْ ثَقِيفٍ يُقَالُ لَهُ: أَبُو بَصِيرٍ، فَأَتَى رَسُولَ الله ﷺ بَعْدَ مَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَطَلَبَهُ رَجُلَانِ مِنْ بَنِي مُنْقِذِ بْنِ عَبْدِ بْنِ مَعِيصٍ، فَرَدَّهُ رَسُولُ الله ﷺ إِلَيْهِمَا، فَأَوْثَقَاهُ حَتَّى إِذَا كَانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ نَامَا، فَتَنَاوَلَ السَّيْفَ بِفِيهِ فأمرّه على
_________________
(١) [(١)] ذكرها ابن عبد البر عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ باختصار شديد في الدرر (١٩٥)، ونقل بعضها ابن كثير في البداية والنهاية (٤: ١٧٦)، كما نقله الصالحي في السيرة الشامية (٥: ٩٨- ١٠٣) عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، وعن غيره.
[ ٤ / ١٧٥ ]
الْإِسَارِ فَقَطَعَهُ، فَضَرَبَ أَحَدَهُمَا، وَطَلَبَ الْآخَرَ فَسَبَقَهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، ثُمَّ انْطَلَقَ أَبُو بَصِيرٍ فَنَزَلَ قَرِيبًا مِنْ ذِي الْمَرْوَةِ عَلَى طَرِيقِ عِيرَاتِ قُرَيْشٍ، وَانْفَلَتَ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلٍ فِي سَبْعِينَ رَاكِبًا وَخَرَجُوا مُسْلِمِينَ فَلَحِقُوا بِأَبِي بَصِيرٍ وَكَرِهُوا أَنْ يَقْدَمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي مُدَّةِ الْمُشْرِكِينَ، وَكَرِهُوا الثَّوَاءَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ فَنَزَلُوا مَنْزِلًا قَطَعُوا عَلَى قُرَيْشٍ مَادَّتَهُمْ مِنَ الشَّامِ وَطَرِيقِ عِيرَانِهِمْ، فَأَرْسَلُوا أَبَا سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يَسْأَلُونَهُ وَيَتَضَرَّعُونَ إِلَيْهِ أَنْ يَبْعَثَ إِلَى أَبِي جَنْدَلِ بْنِ سُهَيْلٍ وَمَنْ مَعَهُ، وَقَالُوا: مَنْ خَرَجَ مِنَّا إِلَيْكَ فَهُوَ لَكَ حَلَالٌ غَيْرُ حَرِجٍ أَيْ هَؤُلَاءِ الرَّكْبُ قَدْ فَتَحُوا عَلَيْنَا بَابًا لَا نُحِبُّ أَنْ يَكُونَ سُنَّةً تَقْطَعُ الطَّرِيقَ عَلَيْنَا، فَلَمَّا فَعَلَتْ ذَلِكَ قُرَيْشٌ وَكَتَبُوا بِذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلِمَ الَّذِينَ كَانُوا أَشَارُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي أَبِي جَنْدَلٍ أَنْ يَنْتَزِعَهُ مِنْ أَيْدِي الْقَوْمِ بَعْدَ الْقَضِيَّةِ: أَنَّ طَاعَةَ النَّبِيِّ ﷺ خَيْرٌ فِيمَا كَرِهُوا وَفِيمَا أَحَبُّوا مِنْ رَأْيِ مَنْ شَكَّ أَوْ ظَنَّ أَنَّ لَهُ قُوَّةً أَفْضَلُ مِمَّا خَصَّ اللهُ تَعَالَى بِهِ رَسُولَهُ ﷺ مِنَ الْعَوْنِ وَالْكَرَامَةِ،
فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى أَبِي جَنْدَلِ بْنِ سُهَيْلٍ وَأَصْحَابِهِ، فَقَدِمُوا عَلَيْهِ، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اللهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ مِثْلَ سِنِي يُوسُفَ»،
فَجَهَدُوا حَتَّى أَكَلُوا الْعِلْهِزَ، وَقَدِمَ أَبُو سُفْيَانَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: قَدْ قَطَعْتَ وَأَخَفْتَ مَنْ كَانَ يَحْمِلُ إِلَيْنَا حَتَّى هَلَكَ قَوْمُكَ فَأَمِّنِ النَّاسَ حَتَّى يَحْمِلُوا، فَأَمَّنَ النَّاسَ حَتَّى حَمَلُوا.
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاءٍ قَالَ حَدَّثَنَا حَرْبٌ، عَنْ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا صَلَّى الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ نَصَبَ فِي الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ بَعْدَ مَا يَقُولُ سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَيَقُولُ: اللهُمَّ نَجِّ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ، اللهُمَّ نَجِّ سَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ، اللهُمَّ نَجِّ عَيَّاشَ ابن أَبِي رَبِيعَةَ، اللهُمَّ نَجِّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، اللهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، اللهُمَّ اجْعَلْهَا سِنِينَ مِثْلَ سِنِيِّ يُوسُفَ،
ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يَدْعُو حَتَّى نَجَّاهُمُ اللهُ
[ ٤ / ١٧٦ ]
﷿ ثُمَّ تَرَكَ الدُّعَاءَ لَهُمْ [(٢)] .
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِئُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: فَذَكَرَ الدُّعَاءَ لِلِمُسْتَضْعَفِينَ [(٣)]، ثُمَّ قَالَ: اللهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، وَخُذْهُمْ بِسِنِينَ كَسِنِيِّ يُوسُفَ، فَأَكَلُوا الْعِلْهِزَ،
قَالَ: فَقُلْتُ لِلْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قال الوبر والدّم.
_________________
(١) [(٢)] أخرجه البخاري في: ٦٥- كتاب التفسير، تفسير سورة النساء، (٢١) باب فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم، وكان الله عفوّا غفورا، الحديث (٤٥٩٨)، عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ، عَنْ شيبان، عن يحيى، عن أبي سلمة، فتح الباري (٨: ٢٦٤) . وأخرجه مسلم في: ٥- كتاب المساجد، (٥٤) باب استحباب القنوت في جميع الصلوات، الحديث (٢٩٥) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مِهْرَانَ الرازي، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ يَحْيَى ابن أبي كثير، عَنْ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ص (٤٦٧) . وأخرجه أبو داود في صلاة الوتر، الحديث (١٤٤٢)، ص (٢: ٦٨) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إبراهيم، عن الوليد، عن الأوزاعي [(٣)] راجع الحاشية السابقة.
[ ٤ / ١٧٧ ]
بَابُ غَزْوَةِ ذِي قَرَدٍ [(١)] حِينَ أَغَارَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ الْفَزَارِيُّ أَوِ ابْنُهُ فِي خَيْلٍ مِنْ غَطَفَانَ عَلَى لِقَاحِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالْغَابَةِ
أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْبِسْطَامِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بكر
_________________
(١) [(١)] راجع في هذه الغزوة: - طبقات ابن سعد (٢: ٨٠) ويسميها: الغابة. - سيرة ابن هشام (٣: ٢٣٩) . - صحيح البخاري (٥: ١٣٠) . - مسلم بشرح النووي (١٢: ١٧٣) . - مغازي الواقدي (٢: ٥٣٧) . - أنساب الأشراف (١: ١٦٧) . - تاريخ الطبري (٢: ٥٩٦) . - ابن حزم (٢٠١) . - البداية والنهاية (٤: ١٠٥) . - نهاية الأرب (١٧: ٢٠١) . - شرح المواهب (٢: ١٤٨) . - عيون الأثر (٢: ١١٣) . - السيرة الحلبية (٣: ٤) . - السيرة الشامية (٥: ١٤٩) . وذو قرد بفتح القاف وقيل بضمها: ماء، على نحو بريد من المدينة مما يلي بلاد غطفان، وقيل: على مسافة يوم منها.
[ ٤ / ١٧٨ ]
_________________
(١) [()] يسردها المصنف هنا بعد الحديبية، وقبل خيبر، وأكثر الكتب على أنها قبل الحديبية، وقال البخاري في صحيحه في غزوة ذي قرد: كانت قبل خيبر بثلاث، وذكرها بعد الحديبية، قبل خيبر، وعلى هذا ساقها البيهقي قبل خيبر، ويعد الحديبية، متتبعا أثر البخاري في ذلك. ورجح هذا ابن حجر، فقال: ويؤيد ذلك ما رواه الإمام أحمد ومسلم من حديث إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه فذكر قصة الحديبية، ثم قصة ذي قرد، وقال في آخرها: فرجعنا- أي من الغزوة- إلى المدينة، فو الله ما لبثنا بالمدينة إلّا ثلاث ليال حتى خرجنا إلى خيبر. وأما ابن إسحاق، ومحمد بن عمر وابن سعد فقالوا: كانت غزوة ذي قرد في سنة ستّ قبل الحديبية. قال محمد بن عمر وابن سعد في ربيع الأوّل. وقيل في جمادى الأولى. وقال ابن إسحاق في شعبان فيها، فإنه قال: كانت غزوة بني لحيان في شعبان سنة ست، فلمّا رجع رسول اللهﷺ- إلى المدينة لم يقم إلّا ليالي حتى أغار عيينة بن حصن على لقاحهﷺ- قال ابن كثير: وما ذكره البخاريّ أشبه بما ذكره ابن إسحاق. وقال أبو العباس القرطبي- وهو شيخ صاحب التذكرة والتفسير- تبعا لأبي عمر﵏: لا يختلف أهل السّير أنّ غزوة ذي قرد كانت قبل الحديبية، يكون ما وقع في حديث سلمة وهم من بعض الرّواة. قال: ويحتمل أن يجمع بأن يقال يحتمل أن يكونﷺ- أغزى سريّة فيهم سلمة بن الأكوع إلى خيبر قبل فتحها، فأخبر سلمة عن نفسه وعمّن خرج معه، يعني حيث قال: خرجنا إلى خيبر قال: ويؤيده أن ابن إسحاق ذكر أنّ رسول اللهﷺ- أغزى إليها عبد الله بن رواحة قبل فتحها مرّتين. انتهى. قال الحافظ﵀- تعالى: وسياق الحديث يأبى هذا الجمع، فإن فيه بعد قوله: خرجنا إلى خيبر مع رسول اللهﷺ- فجعل عمّي يرتجز بالقوم، وفيه قول النبيﷺ- من السّائق وفيه مبارزة عمه لمرحب وقتل عامر، وغير ذلك ممّا وقع في غزوة خيبر حيث خرج إليها رسول اللهﷺ- فعلى هذا ما في الصحيح أصحّ مما ذكره أهل السّير. قال الحافظ: ويحتمل في طريق الجمع أن تكون إغارة عيينة بن حصن على اللّقاح وقعت مرّتين، الأولى التي ذكرها ابن إسحاق وهي قبل الحديبية، والثانية بعد الحديبية قبل الخروج إلى خيبر.
[ ٤ / ١٧٩ ]
الْإِسْمَاعِيلِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَلَمَةَ يَقُولُ: خَرَجْتُ قَبْلَ أَنْ يؤَذَّنَ بِالْأُولَى [(٢)] وَكَانَتْ لِقَاحُ [(٣)] رَسُولِ اللهِ ﷺ تَرْعَى بِذِي قَرَدٍ، فَلَقِيَنِي غُلَامٌ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، فَقَالَ: أُخِذَتْ لِقَاحُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، قُلْتُ: مَنْ أَخَذَهَا؟
قَالَ: غَطَفَانُ، فَصَرَخْتُ ثَلَاثَ صَرَخَاتٍ: يَا صَبَاحَاهُ، قَالَ: فَأَسْمَعْتُ مَا بَيْنَ لَابَتَيِ الْمَدِينَةِ، ثُمَّ انْدَفَعْتُ عَلَى وَجْهِي حَتَّى أَدْرَكْتُهُمْ، وَقَدْ أَخَذُوا يَسْتَقُونَ مِنَ الْمَاءِ، فَجَعَلْتُ أَرْمِيهِمْ بِنَبْلِي وكنت راميا وأقول:
أَنَا ابْنُ الْأَكْوَعِ وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ [(٤)]
وَأَرْتَجِزُ حَتَّى اسْتَنْقَذْتُ اللِّقَاحَ مِنْهُمْ، وَاسْتَلَبْتُ [منهم] [(٥)] ثلاثين بردة [(٦)] .
_________________
(١) [()] وكان رأس الذين أغاروا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُيَيْنَةَ كما في سياق سلمة عند مسلم، ويؤيّده أنّ الحاكم ذكر في الإكليل أنّ الخروج إلى ذي قرد تكرّر، ففي الأولى خرج إليها زيد بن حارثة قبل أحد، وفي الثانية خرج إِلَيْهَا النَّبِيُّﷺ- فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ سنة خمس، والثّالثة هذه المختلف فيها- انتهى. [(٢)] يعني صلاة الصبح، ويدل عليه قوله في رواية مسلم أنه تبعهم من الغلس إلى غروب الشمس. [(٣)] (اللقاح) ذوات الدر من الإبل، (واللقوح): الحلوب، وذكر ابن سعد أنها كانت عشرين لقحة. [(٤)] أي يوم هلال اللئام. [(٥)] الزيادة من البخاري. [(٦)] اسْتَنْقَذْتُ اللِّقَاحَ مِنْهُمْ وَاسْتَلَبْتُ منهم ثلاثين بردة، في رواية مسلم «فما زلت كذلك حَتَّى مَا خَلَقَ اللهُ من ظَهْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ من بعير إِلَّا خَلَّفْتُهُ وَرَاءَ ظَهْرِي، ثم اتبعتهم أَرْمِيهِمْ حَتَّى أَلْقَوْا أَكْثَرَ من ثلاثين بردة وثلاثين رمحا يتخففون بها، قال فأتوا مضيقا فأتاهم رجل فجلسوا يتغدون فجلست على رأس قرن، فقال لهم: من هذا؟ فقالوا لقينا من هذا البرج، قال فليقم إليهم منكم أربعة، فتوجهوا إليه فتهددهم فرجعوا، قال: فما برحت مكاني حتى رأيت فوارس رسول الله ﷺ أولهم الأخرم الأسدي، فقلت له احذوهم، فالتقى هو وعبد الرحمن بن عيينة فقتله عبد الرحمن وتحول
[ ٤ / ١٨٠ ]
قَالَ: وَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ، وَالنَّاسُ [(٧)] فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ! قَدْ حَمَيْتُ [(٨)] الْقَوْمَ [الْمَاءَ] وَهُمْ عِطَاشٌ، فَابْعَثْ إِلَيْهِمُ السَّاعَةَ، فَقَالَ: يَا ابْنَ الْأَكْوَعِ مَلَكْتَ فَأَسْجِحْ [(٩)]، قَالَ: ثُمَّ رَجَعْنَا فَيُرْدِفُنِي رَسُولُ الله ﷺ عَلَى نَاقَتِهِ، حَتَّى دَخَلْنَا الْمَدِينَةَ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ قُتَيْبَةَ [(١٠)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُسْلِمٍ: إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، قَالَ: خَرَجْتُ أُرِيدُ الْغَابَةَ، فَسَمِعْتُ غُلَامًا لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، يَقُولُ: أُخِذَتْ لِقَاحُ رَسُولِ الله ﷺ، قَالَ: قُلْتُ مَنْ أَخَذَهَا؟ قَالَ: غَطَفَانُ وَفَزَارَةُ، قَالَ: فَصَعِدْتُ الثَّنِيَّةَ، فَنَادَيْتُ يَا صَبَاحَاهُ، يَا
_________________
(١) [()] على فرسه، فلحقه أبو قتادة فقتل عبد الرحمن وتحول على الفرس، قال واتبعتهم على رجلي حتى ما أرى أحدا، فعدلوا قبل غروب الشَّمْسِ إِلَى شِعْبٍ فِيهِ مَاءٌ يُقَالُ لَهُ ذي قرد فشربوا منه وهم عطاش، قال فجلاهم عنه حتى طردهم، وتركوا فرسين على ثنية فَجِئْتُ بِهِمَا أَسُوقُهُمَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ» وَذَكَرَ ابن إسحاق نحو هذه القصة وقال «أن الأخرم لقب، واسمه محرز بن نضلة» لكن وقع عنده «حبيب بن عيينة بن حصن، بدل عبد الرحمن، فيحتمل أن يكون كان له اسمان. [(٧)] قوله (وَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ والناس) في رواية مسلم «وأتاني عمي عامر بن الأكوع بسطيحة فيها ماء وسطيحة فيها لبن، فتوضأت وشربت» ثُمَّ أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ عَلَى الماء الذي أجليتهم عنه، فإذا هو قد أخذ كل شيء استنقذته منهم، ونحر له بلال ناقته. [(٨)] أي منعتهم من الشرب. [(٩)] أي سهل، (والسجامة): السهولة. [(١٠)] أخرجه البخاري في، ٦٤- كتاب المغازي، (٣٧) باب غزوة ذات القرد، الحديث (٤١٩٤)، فتح الباري (٧: ٤٦٠) . وأخرجه مسلم في: ٣٢- كتاب الجهاد والسير، (٤٥) باب غزوة ذي قرد، الحديث (١٣١)، ص (١٤٣٢) .
[ ٤ / ١٨١ ]
صَبَاحَاهُ، ثُمَّ انْطَلَقْتُ أَسْعَى فِي آثَارِهِمْ، حَتَّى اسْتَنْقَذْتُهَا مِنْهُمْ، وَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ الْقَوْمَ عِطَاشٌ أَعْجَلْنَاهُمْ أَنْ يَسْقُوا لِشَفَتِهِمْ قَالَ يَا ابْنَ الْأَكْوَعِ مَلَكْتَ فَأَسْجِحْ، إِنَّ الْقَوْمَ فِي غَطَفَانَ يُقْرَوْنَ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ [(١١)] فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي عَاصِمٍ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي.
(ح) قَالَ: وأَخْبَرَنِي أَبُو عَمْرِو بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَا: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، قَالَ حَدَّثَنَا إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ:
قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَخَرَجْتُ أَنَا وَرَبَاحٌ غُلَامٌ يَعْنِي بِفَرَسٍ لِطَلْحَةَ أُنَدِّيهِ [(١٢)] مَعَ الْإِبِلِ، فَلَمَّا كَانَ بِغَلَسٍ أَغَارَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَلَى إِبِلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَتَلَ رَاعِيًا فَخَرَجَ فَطَرَدَهَا وَأُنَاسٌ مَعَهُ فِي خَيْلٍ، فَقُلْتُ: يَا رَبَاحُ! اقْعُدْ عَلَى هَذَا الْفَرَسِ فَأَلْحِقْهُ بِطَلْحَةَ وَأَخْبِرْ رَسُولَ اللهِ أَنْ قَدْ أُغِيرَ عَلَى سَرْحِهِ، وَقُمْتُ عَلَى تَلٍّ، فَجَعَلْتُ وَجْهِي مِنْ قِبَلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ نَادَيْتُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ يَا صَبَاحَاهُ! ثُمَّ، اتَّبَعْتُ الْقَوْمَ مَعِي سَيْفِي وَنَبْلِي فَجَعَلْتُ أَرْمِيهِمْ وَأَعْقِرُ بِهِمْ، وَذَلِكَ حِينَ يَكْثُرُ الشَّجَرُ فَإِذَا رَجَعَ إِلَيَّ فَارِسٌ، جَلَسْتُ لَهُ فِي أَصْلِ شَجَرَةٍ، ثُمَّ رَمَيْتُ فَلَا يُقْبِلُ عَلَيَّ فَارِسٌ إِلَّا عَقَرْتُ بِهِ، فجعلت أرميهم وأقول:
_________________
(١) [(١١)] أخرجه البخاري في كتاب الجهاد، (١٦٦) باب من رأى العدو فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا صباحاه حتى يسمع الناس، فتح الباري (٦: ١٦٤) . [(١٢)] (أنديه) أن يورد الماشية الماء فتسقى قليلا ثم ترسل في المرعى، ثم ترد الماء فترد قليلا ثم ترد إلى المرعى.
[ ٤ / ١٨٢ ]
أَنَا ابْنُ الْأَكْوَعِ وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ
فَأَلْحَقُ بِرَجُلٍ فَأَرْمِيهِ، وَهُوَ عَلَى رَحْلِهِ فَيَقَعُ سَهْمِي فِي الرَّجُلِ، حَتَّى انْتَظَمْتُ كَتِفَهُ، قُلْتُ: خُذْهَا وَأَنَا ابْنُ الْأَكْوَعِ، وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ، فَإِذَا كنت بالشجرة أحرقتهم بالنبل، وَإِذَا تَضَايَقَتِ الثَّنَايَا عَلَوْتُ الْجَبَلَ فَرَدَدْتُهُمْ بِالْحِجَارَةِ، فَمَا زَالَ ذَا شَأْنِي وَشَأْنُهُمْ أَتْبَعُهُمْ وَأَرْتَجِزُ، حَتَّى مَا خَلَقَ اللهُ شَيْئًا مِنْ ظَهْرِ النَّبِيِّ ﷺ [(١٣)] إِلَّا خَلَّفْتُهُ وراء ظهري [(١٤)] واستنفذته مِنْ أَيْدِيهِمْ.
قَالَ: ثُمَّ لَمْ أَزَلْ [(١٥)] أَرْمِيهِمْ حَتَّى أَلْقَوْا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ رُمْحًا وَأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ بُرْدَةً، يَسْتَخِفُّونَ [(١٦)] مِنْهَا وَلَا يُلْقُونَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا إِلَّا جَعَلْتُ عَلَيْهِ الْحِجَارَةَ [(١٧)] وَجَمَعْتُهُ عَلَى طَرِيقِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، حَتَّى إِذَا امْتَدَّ الضحى أتاهم
_________________
(١) [(١٣)] (حَتَّى مَا خَلَقَ اللهُ من بعير من ظَهْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ) من، هنا، زائدة. أتى بها لتأكيد العموم. وإنما سميت زائدة لأن الكلام يستقيم بدونها فيصح أن يقال: ما خلق الله بعيرا. ومن، في قوله: من ظهر، بيانية. والمعنى أنه ما زال بهم إلى أن استخلص منهم كل بعير أخذوه مِنْ إِبِلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ. [(١٤)] (إِلَّا خَلَّفْتُهُ وَرَاءَ ظَهْرِي) خلفته أي تركته، يريد أنه جعله في حوزته وحال بينهم وبينه. [(١٥)] (ثم اتبعتهم) هكذا هو في أكثر النسخ: اتبعتهم. وفي نسخة: أتبعتهم، بهمزة القطع. وهي أشبه بالكلام وأجود موقعا فيه. وذلك أن تبع المجرد واتّبع بمعنى مشى خلفه على الإطلاق. وأما اتبع الرباعيّ فمعناه لحق به بعد أن سبقه. ومنه قوله تعالى: فأتبعهم فرعون بجنوده، أي لحقهم مع جنوده بعد أن سبقوه. وتعبيره هنا بثم المفيدة للتراخي يشعر أَنَّه بعد أن استخلص منهم جميع الإبل توقف على اتباعهم ولعل ذلك ريثما جمع الإبل وأقامها على طريق يأمن عليها فيه. والمعنى على هذا الوجه: وبعد أن توقفت عن اتباعهم حتى سبقوني، تبعتهم حتى لحقت بهم. [(١٦)] (يستخفون) أي يطلبون بإلقائها الخفة ليكونوا أقدر على الفرار. [(١٧)] (آراما من الحجارة) الآرام هي الأعلام. وهي حجارة تجمع وتنصب في المفازة ليهتدي بها. واحدها إرم كعنب وأعناب.
[ ٤ / ١٨٣ ]
عُيَيْنَةَ بْنِ بَدْرٍ الْفَزَارِيِّ مَدًّا لَهُمْ وَهُمْ فِي ثَنِيَّةٍ ضَيِّقَةٍ [(١٨)]، ثُمَّ عَلَوْتُ الْجَبَلَ فَأَنَا فَوْقَهُمْ.
قَالَ عُيَيْنَةُ مَا هَذَا الَّذِي أَرَى قَالُوا لَقِينَا مِنْ هَذَا الْبَرْحِ [(١٩)] مَا فَرَّقَنَا بِسَحَرَ حَتَّى الْآنَ وَأَخَذَ كُلَّ شَيْءٍ فِي أَيْدِينَا وَجَعَلَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ فَقَالَ عُيَيْنَةُ لَوْلَا أَنَّ هَذَا يَرَى أَنَّ وَرَاءَهُ طَلَبًا لَقَدْ تَرَكَكُمْ وَقَالَ لِيَقُمْ إِلَيْهِ نَفَرٌ مِنْكُمْ فَقَامَ إِلَيَّ نَفَرٌ مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ فَصَعِدُوا فِي الْجَبَلِ فَلَمَّا أَسْمَعَهُمُ الصَّوْتُ قُلْتُ لَهُمْ أَتَعْرِفُونِي قَالُوا وَمَنْ أَنْتَ؟
قُلْتُ: أَنَا ابْنُ الْأَكْوَعِ وَالَّذِي كَرَّمَ اللهُ وَجْهَ مُحَمَّدٍ ﷺ لَا يَطْلُبُنِي رَجُلٌ مِنْكُمْ فَيُدْرِكَنِي وَلَا أَطْلُبُهُ فَيَفُوتَنِي فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ إِنِّي أَظُنُّ يَعْنِي فَرَجَعُوا فَقَالَ فَمَا بَرِحْتُ مَقْعَدِي ذَلِكَ حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى فَوَارِسِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَتَخَلَّلُونَ [(٢٠)] الشَّجَرَ فَإِذَا أَوَّلُهُمُ الْأَخْرَمُ الْأَسَدِيُّ وَعَلَى أَثَرِهِ أَبُو قَتَادَةَ فَارِسُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَعَلَى أَثَرِ أَبِي قَتَادَةَ المقداد الكندي قال فولوا الْمُشْرِكُونَ مُدْبِرِينَ وَأَنْزِلُ مِنَ الْجَبَلِ فَأَعْرِضُ لِلْأَخْرَمِ فَآخُذُ عِنَانَ فَرَسِهِ قُلْتُ يَا أَخْرَمُ انْذَرِ الْقَوْمَ يَعْنِي احْذَرْهُمْ فَإِنِّي لَا آمَنُ أَنْ يَقْتَطِعُوكَ فَاتَّئِدْ حَتَّى تَلْحَقَ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ، قَالَ: يَا سَلَمَةُ إِنْ كُنْتَ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَتَعْلَمُ أَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ، وَالنَّارَ حَقٌّ، فَلَا تَحُلْ بَيْنِي وَبَيْنَ الشَّهَادَةِ، قَالَ فَخَلَّيْتُ عِنَانَ فَرَسِهِ، فَيَلْحَقُ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَيَعْطِفُ عَلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَقَتَلَهُ، وَتَحَوَّلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلَى فَرَسِ الْأَخْرَمِ، فَيَلْحَقُ أَبُو قَتَادَةَ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَاخْتَلَفَا طَعْنَتَيْنِ فَعَقَرَ بِأَبِي قَتَادَةَ وَقَتَلَهُ أَبُو قَتَادَةَ، وَتَحَوَّلَ أَبُو قَتَادَةَ إِلَى فَرَسِ الْأَخْرَمِ، ثُمَّ إِنِّي خَرَجْتُ أَعْدُو فِي أَثَرِ الْقَوْمِ، حَتَّى مَا أَرَى مِنْ غُبَارِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ شَيْئًا وَيعْرِضُونَ قَبْلَ غَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ إِلَى شعب فيه
_________________
(١) [(١٨)] (حتى أتوا متضايقا من ثنية) الثنية العقبة والطريق في الجبل. أي حتى أتوا طريقا في الجبل ضيقة. [(١٩)] (البرح) أي الشدة. [(٢٠)] (يتخللون الشجر) أي يدخلون من خلالها، أي بينها.
[ ٤ / ١٨٤ ]
مَاءٌ يُقَالُ لَهُ: ذُو قَرَدٍ، فَأَرَادُوا أَنْ يَشْرَبُوا مِنْهُ فَأَبْصَرُونِي أَعْدُو وَرَاءَهُمْ، فَعَطَفُوا عَنْهُ واسندوا فِي الثَّنِيَّةِ ثَنِيَّةِ ذِي شر وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَأَلْحَقُ رَجُلًا فَأَرْمِيهِ، قُلْتُ: خُذْهَا وَأَنَا ابْنُ الْأَكْوَعِ، وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ، قَالَ يَا ثَكِلَتْهُ أُمُّهُ [(٢١)] أَكْوَعُهُ بُكْرَةً [(٢٢)]، قُلْتُ: نَعَمْ أَيْ عَدُوَّ نَفْسِهِ، وَكَانَ الَّذِي رَمَيْتُهُ بُكْرَةً فَاتَّبَعْتُهُ بِسَهْمٍ آخَرَ فَعَلِقَ بِهِ سَهْمَانِ وَيُخَلِّفُونَ فَرَسَيْنِ، فَجِئْتُ بِهِمَا أَسُوقُهُمَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى الماء الذي حلّيتهم عَنْهُ ذُو قَرَدٍ، فَإِذَا نَبِيُّ اللهِ ﷺ فِي خَمْسِمِائَةٍ، وَإِذَا بِلَالٌ قَدْ نَحَرَ جَزُورًا مِمَّا خَلَّفْتُ، فَهُوَ يَشْوِي لِرَسُولِ اللهِ ﷺ من كَبِدِهَا وَسَنَامِهَا،
فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ خَلِّنِي فَأَنْتَخِبَ مِنْ أَصْحَابِكَ مِائَةَ رَجُلٍ، فَآخُذَ عَلَى الْكُفَّارِ بِالْعَشْوَةِ فَلَا يَبْقَى مِنْهُمْ مُخَمِّرٌ إِلَّا قَتَلْتُهُمْ فَقَالَ: «أَكُنْتَ فَاعِلًا ذَاكَ يَا سَلَمَةُ» قُلْتُ نَعَمْ وَالَّذِي أَكْرَمَ وَجْهَكَ فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى رَأَيْتُ نَوَاجِذَهُ فِي ضَوْءِ النَّهَارِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّهُمْ يُقْرَوْنَ [(٢٣)] الْآنَ بِأَرْضِ غَطَفَانَ فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ غَطَفَانَ فَقَالَ مَرُّوا عَلَى فُلَانٍ الْغَطَفَانِيِّ فَنَحَرَ لَهُمْ جَزُورًا فَلَمَّا أَخَذُوا يَكْشِطُونَ جِلْدَهَا رَأَوْا غَبَرَةً فَتَرَكُوهَا وَخَرَجُوا هُرَّابًا، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَيْرُ فُرْسَانِنَا الْيَوْمَ أَبُو قَتَادَةَ وَخَيْرُ رَجَّالَتِنَا سَلَمَةُ فَأَعْطَانِي رَسُولُ اللهِ ﷺ سَهْمَ الرَّاجِلِ وَالْفَارِسِ جَمِيعًا ثُمَّ أَرْدَفَنِي وَرَاءَهُ عَلَى الْعَضْبَاءِ، رَاجِعِينَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلَمَّا كَانَ بَيْنَنَا وبينها قريب من ضمرة وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ كَانَ لَا يُسْبَقُ فَجَعَلَ يُنَادِي هَلْ مِنْ مُسَابِقٍ أَلَا رَجُلٌ يُسَابِقُ الْمَدِينَةَ فَعَلَ ذَلِكَ مِرَارًا وَأَنَا وَرَاءَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مُرْدِفِي قُلْتُ لَهُ أَمَا تُكْرِمُ كَرِيمًا وَلَا تَهَابُ شَرِيفًا، قَالَ: لَا، إِلَّا رَسُولَ اللهِ ﷺ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي خَلِّنِي فَلْأُسَابِقِ الرَّجُلَ، قَالَ: إِنْ شِئْتَ.
قُلْتُ أَذْهَبُ إِلَيْهِ فَطَفَرَ عَنْ راحلته وثنيت رجلي
_________________
(١) [(٢١)] في (أ) و(ص): «يا ثكلتي» . [(٢٢)] أي أنت الأكوع الذي كنت بكرة هذا النهار؟ ولهذا قال: نعم، وبكرة منصوب غير منون. [(٢٣)] (يقرون): يضافون.
[ ٤ / ١٨٥ ]
فَطَفَرْتُ عَنِ النَّاقَةِ، ثُمَّ رَبَطْتُ عَلَيْهِ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ يَعْنِي اسْتَبْقَيْتُ نَفْسِي، ثُمَّ عَدَوْتُ حَتَّى أَلْحَقَهُ فَأَصُكَّ بَيْنَ كَتِفَيْهِ بِيَدِي فَقُلْتُ سَبَقْتُكَ وَاللهِ، قَالَ: فَضَحِكَ وَقَالَ إِنْ أَظُنُّ حَتَّى قَدِمْنَا الْمَدِينَةِ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ [(٢٤)] .
وأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ فَذَكَرَ بِمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَقَالَ: فَسَبَقْتُهُ إِلَى الْمَدِينَةِ قَالَ فَلَمْ نَلْبَثْ إِلَّا ثَلَاثًا حَتَّى خَرَجْنَا إِلَى خَيْبَرَ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ [(٢٥)] عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ.
وَزَعَمَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ هَذِهِ الْغَزْوَةَ كَانَتْ عَقِيبَ غَزْوَةِ بَنِي لِحْيَانَ، وَأَنَّهُمْ فَاتُوا بِبَعْضِ النَّعَمِ حَتَّى انْفَلَتَتِ الْمَرْأَةُ الَّتِي أَسَرُوهَا عَلَى نَاقَةٍ مِنْ إِبِلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَرَكِبَتْهَا، وَجَاءَتْ بِهَا، وَذَلِكَ فِيمَا
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، فِي الْمَغَازِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بن قَتَادَةَ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، وَغَيْرُهُمَا، قَالُوا: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ بَنِي لِحْيَانَ لَمْ يَقُمْ بَعْدَ قُدُومِهِ إِلَّا لَيَالِيَ [قَلَائِلَ] حَتَّى أَغَارَتْ بَنُو فَزَارَةَ: عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ الْفَزَارِيُّ فِي نَفَرٍ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ، عَلَى لِقَاحِ رسول الله ﷺ وَهِيَ بِالْغَابَةِ، وَفِيهَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي
_________________
(١) [(٢٤)] الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي: ٣٢- كتاب الجهاد والسير، (٤٥) بَابُ غَزْوَةِ ذِي قَرَدٍ، الحديث (١٣٢)، ص (١٤٣٥)، وسبق أن ذكر المصنف جزأه الأول في بَابُ إِرْسَالِ النَّبِيِّ ﷺ عُثْمَانَ بن عفان حين نزل الحديبية، وللحديث تتمة عن غزوة خيبر، وستأتي في سياق قصة غزوة خيبر. [(٢٥)] مسلم في الموضع السابق، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شيبة.
[ ٤ / ١٨٦ ]
غِفَارٍ وَامْرَأَتُهُ، فَقَتَلُوا الْغِفَارِيَّ، وَاحْتَمَلُوا امْرَأَتَهُ، وَسَاقُوا لِقَاحَ رسول الله ﷺ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ نَذَرَ بِهِمْ سَلَمَةُ بْنُ عمرو بن الأكوع الْأَسْلَمِيُّ عَدَا وَمَعَهُ قَوْسُهُ وَهُوَ يُرِيدُ الْغَابَةَ فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ نَظَرَ إِلَى الْخَيْلِ تَجُوسُ فِي الْإِبِلِ فَعَلَا فِي سَلْعٍ ثُمَّ صَرَخَ: وَاصَبَاحَاهُ! الْفَزَعَ، الْفَزَعَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَصَرَخَ فِي الْمَدِينَةِ: يَا خَيْلَ اللهِ ارْكَبُوا، فَكَانَ أَوَّلَ فَارِسٍ أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ: الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو الْبَهْرَانِيُّ حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ ثُمَّ تَرَامَتْ إِلَيْهِ الْخُيُولُ حَتَّى كَانُوا ثَمَانِيَةً فِيهِمْ سَعْدُ بْنُ زَيْدٍ أَخُو بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، فَأَمَّرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى الْخَيْلِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ امْضِ فِي طَلَبِ الْقَوْمِ فَإِنِّي بِالْأَثَرِ،
فَمَضَتِ الْخَيْلُ حَتَّى لَحِقُوا بِالْقَوْمِ، فَقَتَلَ أَبُو قَتَادَةَ أَخُو بَنِي سَلِمَةَ حَبِيبَ بْنَ قُتَيْبَةَ، وَأَدْرَكَ عُكَّاشَةُ بْنُ محصن بن عمرو او بار وَأَبَاهُ وَهُمَا مُتَرَادِفَانِ عَلَى بَعِيرٍ فَانْتَظَمَهُمَا جَمِيعًا بِالرُّمْحِ فَقَتَلَهُمَا، وَقَدْ كَانَ سَبَقَ الْخَيْلَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ، يُقَالُ لَهُ: الْأَخْرَمُ حَتَّى أَتَى الْقَوْمَ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ، وَكَانَ عَلَى فَرَسٍ جَامٍّ، فَقَالَ: قِفُوا يَا بَنِي اللَّكِيعَةِ حَتَّى يَلْحَقَ بِكُمْ أَرْبَابُكُمْ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَقَتَلَهُ فَلَمْ يُقْتَلْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ غَيْرُهُ [(٢٦)] .
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ أَنَّهُ كَانَ عَلَى فَرَسٍ لِمَحْمُودِ بْنِ مَسْلَمَةَ يُقَالُ لَهُ: ذُو اللِّمَّةِ، فَلَمَّا قُتِلَ الرَّجُلُ جَالَ الْفَرَسُ فَلَمْ تقدر عَلَيْهِ حَتَّى أَتَى أَرِيَّةً [(٢٧)] فِي بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، قَالَ: وَقَدْ كَانَ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ قَدْ عَارَضَهُمْ بِرَمْيِهِمْ بِنَبْلِهِ وَهُوَ يَشْتَدُّ عَلَى قَدَمَيْهِ، وَهُوَ يَقُولُ: خُذْهَا وَأَنَا ابْنُ الْأَكْوَعِ، الْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ، فَإِذَا أُحْمِلَتْ عَلَيْهِ الْخَيْلُ فَرَّ مِنْهَا، وَكَانَ مِثْلَ السَّبْعِ وَنَضَحَهَا عَنْهُ بِالنَّبْلِ، ثُمَّ يُعَارِضُهُمْ حَتَّى تَلَاحَقَ النَّاسُ، وَقَدْ فَاتُوا بِبَعْضِ النَّعَمِ، وَتَلَاحَقَ النَّاسُ،
وَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْجَبَلِ مِنْ ذِي قَرَدٍ، فَقَالَ لَهُ سَلَمَةُ بن
_________________
(١) [(٢٦)] الخبر رواه ابن هشام في السيرة (٣: ٢٣٩- ٢٤١) . [(٢٧)] (الآرية): الحبل الذي تشد به الدابة، وقد يسمى الموضع الذي تقف فيه الدابة (أريا) أيضا.
[ ٤ / ١٨٧ ]
الْأَكْوَعِ: يَا رَسُولَ اللهِ خَلِّ سَبِيلِي فِي مِائَةِ رَجُلٍ آخُذُ بِأَعْنَاقِهِمْ، فَقَالَ: إِنَّهُمْ يُغْبَقُونَ الْآنَ فِي غَطَفَانَ،
فَأَقَامَ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ وَقَسَمَ بَيْنَ أَصْحَابِهِ لِكُلِّ مِائَةٍ جَزُورٌ فَأَكَلُوهَا ذَلِكَ الْيَوْمَ، ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ رَاجِعًا [(٢٨)] .
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ حَدَّثَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: مَا كَانَ الْأَخْرَمُ إِلَّا عَلَى فَرَسٍ لِعُكَّاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ، يُقَالُ لَهُ: الجناح فقيل وَاسْتُلِبَهُ يَوْمَئِذٍ، وَأَقْبَلَتِ امْرَأَةُ الْغِفَارِيِّ عَلَى نَاقَةٍ مِنْ إِبِلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتَّى قَدِمْتُ عَلَيْهِ فَأَخْبَرْتُهُ الْخَبَرَ، وَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي قَدْ نَذَرْتُ لِلَّهِ نَذْرًا أَنْ أَنْحَرَهَا إِنْ نَجَّانِي اللهُ عَلَيْهَا، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، ثُمَّ قَالَ: بِئْسَمَا جَزَيْتِهَا أَنْ حَمَلَكِ اللهُ عَلَيْهَا وَنَجَّاكِ بِهَا، إِنَّهُ لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ، وَلَا فِيمَا تَمْلِكِينَ، إِنَّمَا هِيَ نَاقَةٌ مِنْ إِبِلِي، ارْجِعِي إِلَى أَهْلِكِ [(٢٩)] .
قُلْتُ: وَزَعَمَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ أَنَّهَا كَانَتِ الْعَضْبَاءَ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الصَّفَّارُ قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، وَعَارِمُ بْنُ الْفَضْلِ.
(ح) قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو الْحِيرِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو يَعْلَى، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: كَانَتِ الْعَضْبَاءُ [(٣٠)] لِرَجُلٍ من بني
_________________
(١) [(٢٨)] رواه ابن هشام في السيرة (٣: ٢٤٢) . [(٢٩)] الخبر في سيرة ابن هشام (٣: ٢٤٢- ٢٤٣) . [(٣٠)] (وأصابوا معه العضباء) أي أخذوها. وهي ناقة نجيبة كانت لِرَجُلٍ مِنْ بَنِي عَقِيلٍ. ثم انتقلت إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ.
[ ٤ / ١٨٨ ]
عَقِيلٍ، وَكَانَتْ مِنْ سَوَابِقِ الْحَاجِّ، فَأُسِرَ الرَّجُلُ وَأُخِذَتِ الْعَضْبَاءُ. قَالَ: فَمَرَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ، وَهُوَ فِي وَثَاقِ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى حِمَارٍ عَلَيْهِ قَطِيفَةٌ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ عَلَى مَا تَأْخُذُونَنِي وَتَأْخُذُونَ سَابِقَةَ الْحَاجِّ [(٣١)]، فَقَالَ: النَّبِيُّ ﷺ نَأْخُذُكَ بِجَرِيرَةِ حُلَفَائِكَ ثَقِيفٍ، قَالَ: وَكَانَتْ ثَقِيفٌ قَدْ أَسَرُوا رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، قَالَ: فَلَمَّا تَشَهَّدَ، قَالَ: إِنِّي مُسْلِمٌ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لَوْ قُلْتَهَا وَأَنْتَ تَمْلِكُ أَمْرَكَ [(٣٢)] أَفْلَحْتَ كُلَّ الْفَلَاحِ. وَمَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنِّي جَائِعٌ فَأَطْعِمْنِي. وَإِنِّي ظَمْآنُ فَاسْقِنِي، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: هَذِهِ حَاجَتُكَ، ثُمَّ إِنَّ الرَّجُلَ فُدِيَ بِالرَّجُلَيْنِ، وَحَبَسَ رَسُولُ الله ﷺ الْعَضْبَاءَ لِرَحْلِهِ، ثُمَّ إِنَّ الْمُشْرِكِينَ أَغَارُوا عَلَى مَسْرَحِ الْمَدِينَةِ، فَذَهَبُوا بِهِ، وَكَانَتِ الْعَضْبَاءُ فِي ذَلِكَ السَّرْحِ، وَأَسَرُوا امْرَأَةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَكَانُوا إِذَا كَانَ اللَّيْلُ أَرَاحُوا إِبِلَهُمْ بِأَفْنِيَتِهِمْ، قَالَ: فَقَامَتِ الْمَرْأَةُ ذَاتَ لَيْلَةٍ بَعْدَ مَا نَوَّمُوا، وَكَانَتْ كُلَّمَا وَضَعَتْ عَلَى بَعِيرٍ رَغَا، حَتَّى أَتَتْ عَلَى الْعَضْبَاءِ، فَأَتَتْ عَلَى نَاقَةٍ ذَلُولٍ مُجَرَّسَةٍ فَرَكِبَتْهَا، ثُمَّ وَجَّهَتْهَا قِبَلَ الْمَدِينَةِ، وَنَذَرَتْ إِنِ اللهُ أَنْجَاهَا عليها لتنحرها، فَلَمَّا قَدِمَتْ عُرِفَتِ النَّاقَةُ، فَقِيلَ نَاقَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِنَذْرِهَا. وَأَتَتْهُ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِئْسَمَا جَزَيْتِهَا، أَوْ بِئْسَمَا. جَزَتْهَا. إِنِ اللهُ تَعَالَى أَنْجَاهَا عَلَيْهَا لَتَنْحَرَنَّهَا لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ. فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي الرَّبِيعِ الزهراني [(٣٣)] .
_________________
(١) [(٣١)] (سابقة الحاج) أراد بها العضباء. فإنها كانت لا تسبق، أو لا تكاد تسبق. معروفة بذلك. [(٣٢)] (لَوْ قُلْتَهَا وَأَنْتَ تَمْلِكُ أمرك) معناه لو قلت كلمة الإسلام قبل الأسر، حين كنت مالك أَمْرَكَ، أَفْلَحْتَ كُلَّ الْفَلَاحِ. لأنه لا يجوز أسرك لو أسلمت قبل الأسر، فكنت فزت بالإسلام وبالسلامة من الأسر ومن اغتنام مالك. وأما إذا أسلمت بعد الأسر فيسقط الخيار في قتلك، ويبقى الخيار بين الاسترقاق والمنّ والفداء. [(٣٣)] أخرجه مسلم في: ٢٦- كتاب النذور (٣) باب لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي معصية، الحديث (٨)، ص (٣: ١٢٦٢- ١٢٦٣) .
[ ٤ / ١٨٩ ]
وَذَكَرَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، أَنَّ عُيَيْنَةَ بْنَ بَدْرٍ الْفَزَارِيَّ، أَغَارَ عَلَى سَرْحِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ بِالْغَابَاتِ، أَوْ قَرِيبٌ مِنْهَا، وَيُقَالُ إِنَّ مَسْعَدَةَ الْفَزَارِيَّ كَانَ رَئِيسَ الْقَوْمِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ يَطْلُبُونَهُمْ، وَأَسْرَعَ نَفَرٌ مِنْهُمْ ثَمَانِيَةٌ، أَمِيرُهُمْ سَعْدُ بْنُ زَيْدٍ أَخُو بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، فَأَدْرَكُوا الْقَوْمَ، فَاعْتَنَقَ أَبُو قَتَادَةَ مَسْعَدَةَ فَقَتَلَهُ اللهُ﷿- بِيَدِ أَبِي قَتَادَةَ، وَأَخَذَ أَبُو قَتَادَةَ بُرْدَةً لَهُ حَمْرَاءَ، كَانَتْ عَلَيْهِ فَسَجَّاهَا عَلَى مَسْعَدَةَ. حِينَ قَتَلَهُ، ثُمَّ نَفَذُوا فِي أَثَرِ السَّرْحِ، وَمَرَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى قَتِيلِ أَبِي قَتَادَةَ. فَلَمَّا رَأَوْا رِدَاءَ أَبِي قَتَادَةَ عَلَى الْقَتِيلِ، ظَنُّوا أَنَّهُ أَبُو قَتَادَةَ فَاسْتَرْجَعَ أَحَدُهُمْ وَقَالَ: هَذَا أَبُو قَتَادَةَ قَتِيلًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَلْ هُوَ قَتِيلُ أَبِي قَتَادَةَ، جَعَلَ عَلَيْهِ رِدَاءَهُ لِتَعْرِفُوهُ، فَخَلُّوا عَنْ قَتِيلِهِ، وَسَلَبِهِ.
ثُمَّ إِنَّ فَوَارِسَ النَّبِيِّ ﷺ أَدْرَكُوا الْعَدُوَّ وَالسَّرْحَ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَاسْتَنْقَذُوا السَّرْحَ، وَهَزَمَ اللهُ الْعَدُوَّ، وَيُقَالُ: قَتَلَ أَبُو قَتَادَةَ قِرْفَةَ امْرَأَةَ مَسْعَدَةَ، وَقُتِلَ يَوْمَئِذٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الْأَجْدَعُ: مُحْرِزُ بْنُ نَضْلَةَ [(٣٤)]، قَتَلَهُ أَوْبَارٌ، فَشَدَّ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ، فَقَتَلَ أَوْبَارًا وَابْنَهُ عَمْرًا، وَيُقَالُ: كَانَا رَدِيفَيْنِ.
أَخْبَرَنَاهُ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَتَّابٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْجَوْهَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ عَمِّهِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، فَذَكَرَهُ، وَمَعْنَاهُ ذَكَرَهُ أَبُو الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ، فِي شَأْنِ أَبِي قَتَادَةَ وَقَتْلِهِ مَسْعَدَةَ، وَقَتْلِ الْأَخْرَمِ أَوْبَارٌ: مُحْرِزِ بْنِ نَضْلَةَ الْأَجْدَعِ، وَقَتْلِ عُكَّاشَةَ بْنِ مِحْصَنَ أَوْبَارًا وَابْنَهُ.
_________________
(١) [(٣٤)] في الأصول: «الأجدع بن محرز بن نضلة»، وليس بصحيح، فالأجدع صفة له، واسمه: محرز بن نضلة بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأَسَدِيُّ، مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ خزيمة، شهد بدرا، وحكى البغوي عن ابن إسحاق: «محرز بن عون بن نضلة» وبعضهم يقول: ابن ناضلة.
[ ٤ / ١٩٠ ]
أَخْبَرَنَاهُ أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ: قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو عُلَاثَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ. فَذَكَرَهُ وَلَمْ يَذْكُرْهُ وَلَمْ يَذْكُرْ سَعْدَ بْنِ زَيْدٍ.
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَبِيبٍ الْأَزْرَقِيُّ بِمَرْوَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَيْفُ بْنُ قَيْسِ بْنِ رَيْحَانَ الْمَرْوَزِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ قَتَادَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عِكْرِمَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ اشْتَرَى فَرَسَهُ مِنْ دَوَابَّ دَخَلَتِ الْمَدِينَةَ، فَلَقِيَهُ مَسْعَدَةُ الْفَزَارِيُّ، فَقَالَ:
يَا أَبَا قَتَادَةَ! مَا هَذَا الْفَرَسُ. فَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ: فَرَسٌ أَرَدْتُ أَنْ أَرْبِطَهَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: مَا أَهْوَنَ قَتْلَكُمْ وَأَشَدَّ جُرْأَتَكُمْ، قَالَ أَبُو قَتَادَةَ: أَمَا إِنِّي أَسْأَلُ اللهَ﷿- أَنْ أَلْقَيَنَّكَ وَأَنَا عَلَيْهَا، قَالَ: آمِينَ.
فَبَيْنَا أَبُو قَتَادَةَ ذَاتَ يَوْمٍ يَعْلِفُ فَرَسَهُ تَمْرًا فِي طَرَفِ بُرْدَتِهِ، إِذْ رَفَعَتْ رَأْسَهَا، وَصَرَّتْ أُذُنَهَا، فَقَالَ: أَحْلِفُ بِاللهِ لَقَدْ حَسَّتْ بِرِيحِ خَيْلٍ، فَقَالَتْ لَهُ [أُمُّهُ]: [(٣٥)] وَاللهِ يَا بُنَيَّ مَا كُنَّا نُرَامُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَكَيْفَ حِينَ جَاءَ اللهُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، ثُمَّ رَفَعَتِ الْفَرَسُ أَيْضًا رَأْسَهَا، وَصَرَّتْ أُذُنَيهَا، فَقَالَ أَحْلِفُ بِاللهِ لَقَدْ حَسَّتْ بِرِيحِ خَيْلٍ. فَوَضَعَ عَلَيْهَا سَرْجَهَا، فَأَسْرَجَهَا وَأَخَذَ سِلَاحَهُ، ثُمَّ نَهَضَ، حَتَّى أَتَى مَكَانًا يُقَالُ لَهُ الزَّوْرَاءُ، فَلَقِيَهُ رَجُلٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا قَتَادَةَ تُسَوِّطُ دَابَّتَكَ وَقَدْ أُخِذَتِ اللِّقَاحُ! وَقَدْ ذَهَبَ النَّبِيُّ ﷺ فِي طَلَبِهَا وَأَصْحَابُهُ.،
فَقَالَ: أَيْنَ فَأَشَارَ لَهُ نَحْوَ الثَّنِيَّةِ، فَإِذَا بِالنَّبِيِّ ﷺ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ جُلُوسًا عِنْدَ دِبَابٍ، فَقَمَعَ دَابَّتَهُ ثُمَّ خَلَّاهَا،
فَمَرَّ بِالنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لَهُ: امْضِ يَا أَبَا قَتَادَةَ صَحِبَكَ اللهُ.
_________________
(١) [(٣٥)] الزيادة من (ح) .
[ ٤ / ١٩١ ]
قَالَ أَبُو قَتَادَةَ فَخَرَجْتُ، فَإِذَا بِإِنْسَانٍ يُحَاكُّنِي، فَلَمْ أَنْشِبْ أَنْ هَجَمْنَا عَلَى الْعَسْكَرِ، فَقَالَ لِي: يَا أَبَا قَتَادَةَ! مَا تَقُولُ، أَمَّا الْقَوْمُ فَلَا طَاقَةَ لَنَا بِهِمْ، فَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ: تَقُولُ إِنِّي وَاقِفٌ حَتَّى يَأْتِيَ النَّبِيَّ ﷺ أُرِيدُ أَنْ تَشُدَّ فِي نَاحِيَةٍ وَأَشُدَّ فِي نَاحِيَةٍ، فَوَثَبَ أَبُو قَتَادَةَ، فَشَقَّ الْقَوْمَ وَرُمِيَ بِسَهْمٍ، فَوَقَعَ فِي جَبْهَتِهِ قَالَ أَبُو قَتَادَةَ فترعت فِدْحَهُ، وَأَنَا أَظُنُّ أَنِّي قَدْ نَزَعْتُ الْحَدِيدَةَ [(٣٦)] . وَمَضَيْتُ عَلَى وَجْهِي، فَلَمْ أَنْشِبْ أَنْ طَلَعَ عَلَيَّ فَارِسٌ عَلَى فَرَسٍ فَارِهٍ، وَأَدَاةٍ كَلِيلَةٍ عَلَى وَجْهِهِ مِغْفَرٌ لَهُ، فأَثْبَتَنِي وَلَمْ أُثْبِتْهُ، قَالَ: لَقَدْ لَقَّانِيكَ اللهُ يَا أَبَا قَتَادَةَ وَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ، فَإِذَا مَسْعَدَةُ الْفَزَارِيُّ، فَقَالَ: أَيُّمَا أَحَبُّ إِلَيْكَ مُجَالَدَةٌ، أَوْ مُطَاعَنَةٌ أَوْ مُصَارَعَةٌ، قَالَ:
فَقُلْتُ ذَاكَ إِلَى اللهِ ﷿ وَإِلَيْكَ، قَالَ: فَقَالَ صِرَاعٌ، فَأَحَالَ رِجْلَهُ عَنْ دَابَّتِهِ وَأَحَلْتُ رِجْلِي عَنْ دَابَّتِي، ثُمَّ عَلَّقْتُ دَابَّتِي وَسِلَاحِي إِلَى شَيْءٍ، وَعَلَّقَ دَابَّتَهُ وَسِلَاحَهُ إِلَى شَيْءٍ، ثُمَّ تَوَاثَبْنَا فَلَمْ أَنْشِبْ أَنْ رَزَقَ اللهُ ﷿ الظَّفَرَ عَلَيْهِ، فَإِذَا أنا على صدره فو الله إِنِّي لَمِنْ أَهَمِّ النَّاسِ مِنْ رَجُلٍ مُتَأَبِّطٍ قَدْ عَالَجْتُ مِنْهُ مَا عَالَجْتُ أَنْ أَقُومَ فَآخُذَ سَيْفِي أَنْ يَقُومَ فَيَأْخُذَ سَيْفَهُ وَأَنَا بَيْنَ عَسْكَرَيْنِ لَا آمَنُ أَنْ يَهْجُمَ عَلَيَّ أَحَدُهُمَا إِذَا شَيْءٌ يَمَسُّ رَأْسِي، فَإِذَا نَحْنُ قَدْ تَعَالَجْنَا، حَتَّى بَلَغْنَا سِلَاحَ مَسْعَدَةَ، فَضَرَبْتُ بِيَدِي إِلَى سَيْفِهِ فَلَمَّا رَأَى أَنَّ السَّيْفَ قَدْ وَقَعَ بِيَدِي، قَالَ: يَا أَبَا قَتَادَةَ اسْتَحْيِنِي، قَالَ: قُلْتُ لَا وَاللهِ، أَوَ تَرِدَ أُمُّكَ الْهَاوِيَةَ، قَالَ: يَا أَبَا قَتَادَةَ فَمَنْ لِلصِّبْيَةِ؟ قَالَ: قُلْتُ النَّارُ، قَالَ ثُمَّ قَتَلْتُهُ، ثُمَّ أَدْرَجْتُهُ فِي بُرْدِي، ثُمَّ أَخَذْتُ ثِيَابَهُ فَلَبِسْتُهَا، وَأَخَذْتُ سِلَاحَهُ ثُمَّ اسْتَوَيْتُ عَلَى فَرَسِهِ وَكَانَتْ فَرَسِي نَفَذَتْ حِينَ تَعَالَجْنَا، فرجعت راجعة إِلَى الْعَسْكَرِ، قَالَ فَعَرْقَبُوهَا ثُمَّ مَضَيْتُ عَلَى وَجْهِي فَلَمْ أَنْشِبْ أَنَا حَتَّى أَشْرَفْتُ عَلَى ابْنِ أَخِيهِ وَهُوَ فِي سَبْعَةَ عَشَرَ فَارِسًا قَالَ فَأَلَحْتُ لَهُمْ فَوَقَفُوا فَلَمَّا أَنْ دَنَوْتُ مِنْهُمْ حَمَلْتُ عَلَيْهِمْ حَمْلَةً فَطَعَنْتُ ابْنَ أَخِيهِ طَعْنَةً دَقَّقَتْ صُلْبَهُ، قَالَ: وَأَكْشَفَ مَنْ مَعَهُ، قَالَ: وَخَشِيتُ اللقاح برمحي.
_________________
(١) [(٣٦)] في (أ): المديدة.
[ ٤ / ١٩٢ ]
قَالَ: وَأَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ ومن مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِمُ الْعَسْكَرُ فَرُّوا، قَالَ: فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَى مَوْضِعِ الْعَسْكَرِ إِذَا بِفَرَسِ أَبِي قَتَادَةَ قَدْ عُرْقِبَتْ، قَالَ: فقال الرجل مِنَ الصَّحَابَةِ يَا رَسُولَ اللهِ عُرْقِبَتْ فَرَسُ أَبِي قَتَادَةَ! قَالَ: فَوَقَفَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: وَيْحُ أُمِّكَ رُبَّ عَدُوٍّ لَكَ فِي الْحَرْبِ مَرَّتَيْنِ، قَالَ: ثُمَّ أَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ حَتَّى إِذَا انْتَهَوْا إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي تَعَالَجْنَا فِيهِ إِذَا هُمْ بِأَبِي قَتَادَةَ فِيمَا يَرَوْنَ سُجِّيَ فِي ثِيَابِهِ، قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الصَّحَابَةِ: يَا رَسُولَ اللهِ! اسْتُشْهِدَ أَبُو قَتَادَةَ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: رَحِمَ اللهُ أَبَا قَتَادَةَ عَلَى آثَارِ الْقَوْمِ يَرْتَجِزُ فَدَخَلَهُمُ الشَّيْطَانُ أَنَّهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَى فَرَسٍ قَدْ عُرْقِبَتْ وَيَنْظُرُونَ إِلَيَّ مُسَجًّى عَلَى ثِيَابِي، قَالَ فَخَرَجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَوْ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ يَسْعَى حَتَّى كَشَفَ الثَّوْبَ فَإِذَا هُوَ مَسْعَدَةُ، فَقَالَ: اللهُ أَكْبَرُ، صَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ: مَسْعَدَةُ يَا رَسُولَ اللهِ، فَكَبَّرَ النَّاسُ وَلَمْ يَنْشِبْ أن طلع عليكم أَبُو قَتَادَةَ يَحُوشُ اللِّقَاحَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ أَفْلَحَ وَجْهُكَ أَبَا قَتَادَةَ، أَبُو قَتَادَةَ سَيِّدُ الْفُرْسَانِ، بَارَكَ اللهُ فِيكَ يَا أَبَا قَتَادَةَ، وَفِي وَلَدِكَ، وَفِي وَلَدِ وَلَدِكَ، وَأَحْسَبُ عِكْرِمَةَ قَالَ:
وَفِي وَلَدِ وَلَدِ وَلَدِكَ، مَا هَذَا بِوَجْهِكَ يَا أَبَا قَتَادَةَ، قَالَ قُلْتُ: بِأَبِي وَأُمِّي سَهْمٌ أَصَابَنِي وَالَّذِي أَكْرَمَكَ بِمَا أَكْرَمَكَ، لَقَدْ ظَنَنْتُ أَنِّي نَزَعْتُهُ، قَالَ: ادْنُ مِنِّي يَا أَبَا قَتَادَةَ، قَالَ: فَدَنَوْتُ مِنْهُ قَالَ فَنَزَعَ النَّصْلَ نَزْعًا رَفِيقًا، ثُمَّ بَزَقَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَوَضَعَ راحته عليه، فو الذي أَكْرَمَ مُحَمَّدًا ﷺ بِالنُّبُوَّةِ مَا ضَرَبَ عَلَيَّ سَاعَةً قَطُّ وَلَا قَرَحَ عَلَيَّ
.
[ ٤ / ١٩٣ ]
جُمَّاعُ أَبْوَابِ غَزْوَةِ خَيْبَرَ
بَابُ التَّارِيخِ لِغَزْوَةِ خَيْبَرَ [(١)]
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَتَّابٍ قَالَ حَدَّثَنَا كما الْقَاسِمُ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَمِّهِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، قَالَ: ولَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ المدينة من الحديبية، مكث
_________________
(١) [(١)] أنظر في هذه الغزوة: - طبقات ابن سعد (٢: ١٠٦) . - سيرة ابن هشام (٣: ٢٨٣) . - مغازي الواقدي (٢: ٦٣٣) . - صحيح البخاري (٥: ١٣٠) . - مسلم بشرح النووي (١٢: ١٦٣) . - تاريخ الطبري (٣: ٥) . - أنساب الأشراف (١: ١٦٩) . - ابن حزم (٢١١) . - عيون الأثر (٢: ١٦٨) . - البداية والنهاية (٤: ١٨١) . - شرح المواهب (٢: ٢١٧) . - السيرة الشامية (٥: ١٨٠) .
[ ٤ / ١٩٤ ]
بِهَا عِشْرِينَ لَيْلَةً، أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا، ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا غَازِيًا إِلَى خَيْبَرَ، وَكَانَ اللهُ وَعَدَهُ إِيَّاهَا وَهُوَ بِالْحُدَيْبِيَةِ [(٢)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ صَالِحٍ عَنِ ابْنُ لَهِيعَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا [(٣)] يَعْقُوبُ وحَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ:
هَذَا ذِكْرُ مَغَازِي النَّبِيِّ ﷺ الَّتِي قَاتَلَ فِيهَا، فَذَكَرَهُنَّ وَقَالَ فِي جُمْلَتِهِنَّ: ثُمَّ قاتل يوم خيبر [(٤)]
_________________
(١) [(٢)] الخبر رواه ابن عبد البر في الدرر (١٩٦) عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، ونقله الحافظ ابن كثير عنه، وعن الحاكم في البداية والنهاية (٤: ١٨١) . [(٣)] من (ح) . [(٤)] خيبر- بخاء معجمة، فتحتية، فموحدة، وزن جعفر: وهي اسم ولاية تشتمل على حصون ومزارع، ونخل كثير، على ثلاثة أيام من المدينة على يسار حاجّ الشّام. والخيبر بلسان اليهود، الحصن، ولذا سمّيت خيابر أيضا- بفتح الخاء، قاله ابن القيم مما ذكر ابْنُ إِسْحَاقَ، وَقَالَ ابْنُ عقبة ومحمد بن عمر وأبو سعد النيسابوري في الشرف: أنها بجبلة- بفتح الجيم والموحدة ابن جوال بفتح الجيم وتشديد الواو، بعدها ألف ولام، وقيل: سمّيت بأول من نزلها، وهو خيبر أخو يثرب ابنا قانية بن مهلايل بن آدم بن عبيل، وهو أخو عاد. وذكر جماعة من الأئمة: أنّ بعضها فتح صلحا، وبعضها فتح عنوة. وبه يجمع بين الرّوايات المختلفة في ذلك. وروي عن الإمام مالك- رحمه الله تعالى- أن الكتيبة أربعون ألف عذق. ولابن زبالة حديث «ميلان في ميل من خيبر مقدس، وحديث «خيبر مقدسة، والسوار فيه مؤتفكة، وحديث «نعم القرية في سنيّات الدجال خيبر» وتوصف خيبر بكثرة التمر. قال حسان بن ثابت﵁: وإنّا ومن يهدي القصائد نحونا كمستبضع تمرا إلى أهل خيبر وروى البخاري عن عائشة﵂- قال: لما فتحت خيبر، قلنا: الآن نشبع من
[ ٤ / ١٩٥ ]
مِنْ سَنَةِ سِتٍّ [(٥)] . وَبِإِسْنَادِهِ قَالَ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ قَالَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ فحدثني عبد الله ابن أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: كَانَ افتتاح خيبر
_________________
(١) [()] التمر. وعن ابْنِ عُمَرَ﵄- قَالَ: ما شبعنا من التّمر حتّى فتحت خيبر، وتوصف خيبر بكثرة الحمّى، قدم خيبر أعرابي بعياله فقال: قلت لحميّ خيبر استقري هاك عيالي فاجهدي وجدّي وباكري بصالد وورد أعانك الله على ذا الجند فحمّ ومات، وبقي عياله. قال أبو عبيد البكري﵀- في معجمه وفي الشّق عين تسمى الحمّة، وهي الّتي سمّاها رسول اللهﷺ- قسمة الملائكة، يذهب ثلثا مائها في فلج، والثلث الآخر في «فلج» والمسلك واحد وقد اعتبرت منذ زمان رسول اللهﷺ- إلى اليوم يطرح فيها ثلاث خشبات أو ثلاث تمرات فتذهب اثنتان في الفلج الذي له ثلثا مائها، وواحدة في الفلج الثاني، ولا يقدر أحد أن يأخذ من ذلك الفلج أكثر من الثلث، ومن قام في الفلج الذي يأخذ الثلثين ليردّ الماء إلى الفلج الثاني غليه الماء وفاض، ولم يرجع إلى الفلج الثاني شيء يزيد على قدر الثلث وتشتمل خيبر على حصون كثيرة، ذكر منها في القصّة كثير. [(٥)] اختلف في أي سنة كانت غزوتها: قال ابن إسحاق: خرج رسول الله ﷺ- في بقية المحرّم سنة سبع، فأقام يحاصرها بضع عشرة ليلة إلى أن فتحها في صفر. وقال يونس بن بكير في المغازي عن ابن إسحاق من حديث المسور ومروان، قالا: «انصرف رسول اللهﷺ- من الحديبية، فنزلت عليه سورة الفتح فيما بين مكة والمدينة» فأعطاه الله فيها خيبر بقوله: وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ ويعني خيبر، فقدم المدينة في ذي الحجة فأقام بها حتى سار إلى خيبر في المحرم. وذكر ابن عقبة عن ابن شهاب أنهﷺ- أقام بالمدينة عشرين ليلة أو نحوها ثم خرج إلى خيبر. وعند ابن عائذ عن ابن عباس: أقام بعد الرجوع من الحديبية عشر ليال. وعند سليمان التيمي خمسة عشر يوما. قال الإمام مالك ﵀- تعالى-: كان فتح خيبر سنة ست. والجمهور- كما في زاد المعاد: أنها في السابعة، وقال الحافظ: إنه الراجح قالا: ويمكن الجمع بأن من أطلق سنة ست بناه على ابتداء السّنة من شهر الهجرة الحقيقي، وهو ربيع الأول. وابن حزم﵀- يرى أنه من شهر ربيع الأول.
[ ٤ / ١٩٦ ]
فِي عَقِبِ الْمُحَرَّمِ، وَقَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي آخِرِ صَفَرٍ [(٦)] .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الله الْحَافِظُ، وأَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، قَالَا:
حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ:
حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، والمسور بْنِ مَخْرَمَةَ، أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ جَمِيعًا، قَالَا: انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْفَتْحِ فِيمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، فَأَعْطَاهُ اللهُ ﷿ فِيهَا خَيْبَرَ وَعَدَكُمُ اللهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هذه خَيْبَرَ فَقَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ فِي ذِي الْحِجَّةِ فَأَقَامَ بِهَا حَتَّى سَارَ إِلَى خَيْبَرَ فِي الْمُحَرَّمِ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالرَّجِيعِ- وَادٍ بَيْنَ خَيْبَرَ وَغَطَفَانَ- فَتَخَوَّفَ أَنْ تَمُدَّهُمْ غَطَفَانُ، فَبَاتَ بِهِ حَتَّى أَصْبَحَ فَغَدَا إِلَيْهِمْ [(٧)] .
قُلْتُ: وَبِمَعْنَاهُ رَوَاهُ الْوَاقِدِيُّ عَنْ شُيُوخِهِ فِي خُرُوجِهِ فِي أَوَّلِ سَنَةِ سَبْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ [(٨)] .
_________________
(١) [(٦)] سيرة ابن هشام (٣: ٢٨٣) . [(٧)] الحديث تقدم في سياق قصة الحديبية، حاشية (٣٧) . [(٨)] مغازي الواقدي (٢: ٦٣٣) .
[ ٤ / ١٩٧ ]
بَابُ اسْتِخْلَافِهِ عَلَى الْمَدِينَةِ حِينَ خَرَجَ إِلَى خَيْبَرَ «سِبَاعَ بْنَ عُرْفُطَةَ» [(١)]
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْمَقْرِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الْقَاضِي، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا خُثَيْمُ بْنُ عِرَاكٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ نَفَرٍ مِنْ بَنِي غِفَارٍ قَالُوا: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، وَقَدْ خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى خَيْبَرَ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ رَجُلًا مِنْ بَنِي غِفَارٍ يُقَالُ لَهُ سِبَاعُ بْنُ عُرْفُطَةَ، قَالَ: أَبُو هُرَيْرَةَ فَوَجَدْنَاهُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ فَقَرَأَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى «كهيعص» وَقَرَأَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ «وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ»، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَأَقُولُ: وَيْلٌ فِي صَلَاتِي وَيْلٌ لِأَبِي فُلَانٍ، لَهُ مِكْيَالَانِ إِذَا اكْتَالَ اكتال بالواف، وإذا كال كال
_________________
(١) [(١)] فال الحافظ ابن حجر في الإصابة (٢: ١٣): سباع بن عرفطة الغفاري ويقال له الكناني.. له ذكر فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فروى ابن خزيمة والبخاري في التاريخ الصغير والطحاوي من طريق جشم بْنُ عِرَاكٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قدمت المدينة وَالنَّبِيُّ ﷺ وآله وسلم بخيبر وقد استخلف على المدينة سباع بن عرفطة فشهدنا معه الصبح وجهرنا فَأَتَيْنَا النَّبِيَّ ﷺ وآله وسلم بخيبر وقال البخاري ورواه وهيب عَنْ أَبِيهِ عَنْ نَفَرٍ مِنْ قَوْمِهِ قَالُوا قَدِمَ أبو هريرة فذكره. (قلت) وطريق وهيب هذه وصلها البيهقي في الدلائل وقال أبو حاتم استعمله النبي ﷺ وآله وسلم على المدينة في غزوة دومة الجندل.
[ ٤ / ١٩٨ ]
بِالنَّاقِصِ [(٢)]، قَالَ فَلَمَّا فَرَغْنَا مِنْ صَلَاتِنَا أَتَيْنَا سِبَاعَ بْنَ عُرْفُطَةَ فَزَوَّدَنَا شَيْئًا حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ الله ﷺ وَقَدْ فَتَحَ خَيْبَرَ فَكَلَّمَ الْمُسْلِمِينَ فَأَشْرَكُونَا فِي سهماتهم [(٣)] .
_________________
(١) [(٢)] في (ص): «إذا كان لنفسه كال بالوافي، وإذا كال للغير كال بالناقص، وذكر ما في نسخة (أ) في حاشيته. [(٣)] راجع مقالة ابن حجر، في الحاشية السابقة حول الحديث الذي وصله البيهقي.
[ ٤ / ١٩٩ ]
بَابُ مَا جَاءَ فِي مَسِيرِهِ إِلَى خَيْبَرَ وَوُصُولِهِ إِلَيْهَا وَوَعْدِهِ أَصْحَابَهُ قَبْلَ فَتْحِهَا بِفَتْحِهَا.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْفَقِيهُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ سُوَيْدَ بْنَ النُّعْمَانِ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ خَيْبَرَ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالصَّهْبَاءِ وَهِيَ أَدْنَى خَيْبَرَ صَلَّى الْعَصْرَ ثُمَّ دَعَا بِأَزْوَادٍ فَلَمْ يُؤْتَ إِلَّا بِالسَّوِيقِ فَأَمَرَ بِهِ فَثُرِّيَ فَأَكَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَكَلْنَا ثُمَّ قَامَ إِلَى الْمَغْرِبِ فَمَضْمَضَ وَمَضْمَضْنَا ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيِّ [(١)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأَدِيبُ، قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو يَعْلَى، قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ- مَوْلَى سَلَمَةَ- عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى خَيْبَرَ فَسِرْنَا لَيْلًا، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ لِعَامِرِ بْنِ الْأَكْوَعِ: أَلَا تُسْمِعُنَا مِنْ هُنَيْهَاتِكَ، وَكَانَ عَامِرٌ رجلا شاعرا، فنزل
_________________
(١) [(١)] أخرجه البخاري في: ٦٤- كتاب المغازي (٣٨) باب غزوة خيبر، الحديث (٤١٩٥) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مسلمة، فتح الباري (٧: ٤٦٣)، وأخرجه البخاري ايضا في الطهارة، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يوسف، وفي الطهارة أيضا عَنْ خَالِدِ بْنِ مَخْلَدٍ، وفي الجهاد، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى.
[ ٤ / ٢٠٠ ]
يحدو بالقوم، ويقول:
اللهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا
فَاخْفِرْ فِدًا لَكَ مَا اقْتَفَيْنَا وَثَبِّتِ الْأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا
وَأَلْقِيَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا إِنَّا إِذَا صِيحَ بِنَا أَتَيْنَا
وَبِالصِّيَاحِ عَوَّلُوا عَلَيْنَا
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَنْ هَذَا السَّابِقُ؟ قَالُوا: عَامِرٌ- قَالَ: يَرْحَمُهُ اللهُ، قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ وَجَبَتْ يَا رَسُولَ اللهِ لَوْلَا أَمْتَعْتَنَا بِهِ.
قَالَ فَأَتَيْنَا خَيْبَرَ فَحَاصَرْنَاهُمْ حَتَّى أَصَابَتْنَا مَخْمَصَةٌ شَدِيدَةٌ. يَعْنِي (الْجُوعَ) . الشَّدِيدَ ثُمَّ إِنَّ اللهَ فَتَحَهَا عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا أَمْسَى النَّاسُ مَسَاءَ الْيَوْمِ الَّذِي فُتِحَتْ عَلَيْهِمْ أَوْقَدُوا نِيرَانًا كَثِيرَةً فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَا هَذِهِ النِّيرَانُ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ تُوقِدُونَ؟ قَالُوا: عَلَى لَحْمٍ، قَالَ عَلَى أَيِّ لَحْمٍ، قَالُوا لَحْمُ حُمُرٍ إِنْسِيَّةٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَهْرِيقُوهَا، وَاكْسِرُوهَا، فَقَالَ رَجُلٌ أَوْ يُهْرِيقُوهَا وَيَغْسِلُوهَا؟
قَالَ: أَوْ ذَلِكَ [(٢)] .
_________________
(١) [(٢)] وذلك إنما نهى عن أكل لحوم الخيل يوم خيبر لأنهم تسارعوا في طبخها قبل ان تخمس، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بإكفاء القدور تشديدا عليهم، وإنكارا لصنيعهم، ولذلك امر بكسر القدور أولا، ثم تركها. وروينا نحو هذا المعنى عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أبي اوفى: فلما رأوا انكار النبي ﷺ، ونهيه عن تناول لحوم الخيل والبغال والحمير اعتقدوا ان سبب التحريم في الكل واحد، حتى نَادَى رَسُولُ اللهِ ﷺ: إِنَّ اللهِ ﷿ وَرَسُولُهُ ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية، فإنها رجس فحينئذ فهموا ان سبب التحريم مختلف، وان الحكم بتحريم الحمار الأهلي على التأييد، وان الخيل انما نهى عن تناول ما لم يخمس، كما ذكرنا فيكون قوله رخص واذن دفعا لهذه الشبهة. وقال آخرون ممن ذهب الى جواز الأكل: الاعتماد على الأحاديث التي تدل على جواز الأكل: لثبوتها وكثرة رواتها، (ومنها) ما رواه أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ امرأته فاطمة بنت المنذر، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بكر قالت: نحرنا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فرسا وأكلناه.
[ ٤ / ٢٠١ ]
قَالَ. فَلَمَّا تَصَافَّ الْقَوْمُ كَانَ سَيْفُ عَامِرٍ فِيهِ قِصَرٌ فَتَنَاوَلَ بِهِ مَسَاقَ يَهُودِيٍّ لِيَضْرِبَهُ وَيُرْجِعَ ذُبَابَ سَيْفِهِ، فَأَصَابَ عَيْنَ رُكْبَةِ عَامِرٍ فَمَاتَ مِنْهُ، فَلَمَّا قَفَلُوا، قَالَ سَلَمَةُ وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِي لَمَّا رَآنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ سَاحِبًا، قَالَ: مالك، قُلْتُ:
فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي زَعَمُوا أَنَّ عَامِرًا حَبِطَ عَمَلُهُ قَالَ: مَنْ قَالَهُ، قُلْتُ: فُلَانٌ وَفُلَانٌ، وَأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ الْأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ: كَذَبَ مَنْ قَالَهُ! لَهُ أَجْرَانِ. وَجَمَعَ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ إِنَّهُ لَجَاهِدٌ مُجَاهِدٌ قَلَّ عَرَبِيٌّ مَشَى بِهَا مِثْلَهُ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ [(٣)] .
وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْلَمَةَ عَنْ حَاتِمٍ [(٤)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْمَشٍ الْفَقِيهُ، قَالَ حَدَّثَنَا عبدوس ابن الْحُسَيْنِ بْنِ مَنْصُورٍ النَّيْسَابُورِيُّ، قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ، قَالَ حَدَّثَنَا [(٥)] مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأَنْصَارِيُّ، قَالَ حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: انْتَهَيْنَا إِلَى خَيْبَرَ لَيْلًا فَلَمَّا أَصْبَحْنَا وَصَلَّيْنَا الْغَدَاةَ رَكِبَ النَّبِيُّ ﷺ، وَرَكِبَ
_________________
(١) [()] هذا حديث ثابت مخرج في الصحيح، وفي رواية اخرى أكلنا لحم فرس عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلَمْ ينكره. وأخرجه البخاري في كتاب الذبائح باب (٢٨)، ومسلم في ٣٤- كتاب الصيد حديث ٣٨ ص ١٥٤١، والنسائي في كتاب الضحايا ٢٣، ٣٣، وابن ماجة في كتاب الذبائح باب ١٢، والإمام أحمد في مسنده: ٦/ ٣٤٥، ٣٤٦، ٣٥٣. [(٣)] مُسْلِمٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عباد في: ٣٤- كتاب الصيد، (٥) باب تحريم أكل لحم الحمر الإنسية، الحديث (٣٣)، ص (١٥٤٠) . [(٤)] الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللهِ بن مسلمة في: ٦٤- كتاب المغازي، (٣٨) باب غزوة خيبر، فتح الباري (٧: ٤٦٣- ٤٦٤) . [(٥)] أخرجه البخاري مختصرا من حديث انس، في: ٦٤- كتاب المغازي، (٣٨) باب غزوة خيبر، الحديث (٤١٩٧)، فتح الباري (٧: ٤٦٧) .
[ ٤ / ٢٠٢ ]
الْمُسْلِمُونَ، فَخَرَجَ، وَخَرَجَ أَهْلُ خَيْبَرَ حِينَ أَصْبَحُوا بِمَسَاحِيهِمْ ومكاتلهم كما كانوا يصنعوا فِي أَرَضِيهِمْ، فَلَمَّا رَأَوَا النَّبِيَّ ﷺ وَالْجَيْشَ، قَالُوا: مُحَمَّدٌ وَاللهِ مُحَمَّدٌ، وَالْخَمِيسُ، ثُمَّ رَجَعُوا هَارِبِينَ إِلَى مَدِينَتِهِمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ اللهُ أَكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ.
قَالَ أَنَسٌ: وَأَنَا رَدِيفُ أَبِي طَلْحَةَ، وَإِنَّ قَدَمَيَّ لَتَمَسُّ قَدَمَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: قُلْتُ لِلْأَنْصَارِيِّ مَا الْخَمِيسُ؟ قَالَ: الْجُنْدُ، الْجَيْشُ.
وأَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْمِهْرَجَانِيُّ، قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمُزَكِّي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبُوشَنْجِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بُكَيْرٍ، قَالَ حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حِينَ خَرَجَ إِلَى خَيْبَرَ أَتَاهَا لَيْلًا وَكَانَ إِذَا أَتَى قَوْمًا بِلَيْلٍ لَمْ يُغِرْ حَتَّى يُصْبِحَ فَلَمَّا أَصْبَحَ خَرَجَتْ يَهُودُ بِمَسَاحِيهِمْ وَمَكَاتِلِهِمْ فَلَمَّا رَأَوْهُ، قَالُوا: مُحَمَّدٌ وَاللهِ مُحَمَّدٌ، وَالْخَمِيسُ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: اللهُ أَكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إذا أنزلنا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُوسُفَ عَنْ مَالِكٍ [(٦)] .
وَأَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ العزيز ابن صُهَيْبٍ وَغَيْرِهِ عَنْ أَنَسٍ [(٧)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ وأَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُجَمِّعٍ الْأَنْصَارِيِّ، عن صالح بن
_________________
(١) [(٦)] راجع الحاشية السابقة. [(٧)] أخرجه البخاري في الجهاد الباب (١٠١) عن القعبني، والترمذي في السير، باب (٣) عن إسحاق ابن موسى، ونقله ابن كثير في تاريخه (٤: ١٨٣) .
[ ٤ / ٢٠٣ ]
كَيْسَانَ، عَنْ أَبِي مَرْوَانَ الْأَسْلَمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى خَيْبَرَ حَتَّى إِذَا كُنَّا قَرِيبًا وَأَشْرَفْنَا عَلَيْهَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِلنَّاسِ: قِفُوا فَوَقَفَ النَّاسُ فَقَالَ: اللهُمَّ رَبَّ السموات السبع وما اظللنا وَرَبَّ الْأَرَضِينَ السَّبْعِ وَمَا أَقْلَلْنَ وَرَبَّ الشَّيَاطِينِ وَمَا أَضْلَلْنَ، فَإِنَّا نَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذِهِ الْقَرْيَةِ، وَخَيْرَ أَهْلِهَا، وَخَيْرَ مَا فِيهَا، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ هَذِهِ الْقَرْيَةِ وَشَرِّ أَهْلِهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا، أَقْدِمُوا بِسْمِ اللهِ [(٨)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ الْفَقِيهُ، قَالَ أَخْبَرَنَا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ الطُّوسِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَمَّادٍ الْأَبِيوَرْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفُضَيْلِ، عَنْ مُسْلِمٍ الْأَعْوَرِ الْمُلَائِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعُودُ الْمَرِيضَ، وَيَتْبَعُ الْجَنَازَةَ، وَيُجِيبُ دَعْوَةَ الْمَمْلُوكِ، وَيَرْكَبُ الْحِمَارَ، وَكَانَ يَوْمَ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ عَلَى حِمَارٍ، وَيَوْمَ خَيْبَرَ عَلَى حِمَارٍ مَخْطُومٍ بِرَسَنٍ مِنْ لِيفٍ وَتَحْتَهُ، إِكَافٌ مِنْ ليف [(٩)] .
_________________
(١) [(٨)] رواه ابن هشام في السيرة (٣: ٢٨٤)، ونقله ابن كثير في التاريخ (٤: ١٨٣) . [(٩)] نقله الحافظ ابن كثير في التاريخ (٤: ١٨٤) . عن المصنف.
[ ٤ / ٢٠٤ ]
بَابُ مَا جَاءَ فِي بَعْثِ السَّرَايَا إِلَى حُصُونِ خَيْبَرَ وَإِخْبَارِ النَّبِيِّ ﷺ بَفَتْحِهَا عَلَى يَدَيْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَدُعَائِهِ لَهُ وَمَا ظَهَرَ ذَلِكَ مِنْ آثَارِ النُّبُوَّةِ وَدَلَالَاتِ الصِّدْقِ
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْإِسْكَنْدَرَانِيُّ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ أَخْبَرَنَا سَهْلُ بْنُ سَعْدُ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ يَوْمَ خَيْبَرَ لَأُعْطِيَنَّ هَذِهِ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يَفْتَحُ اللهُ عَلَى يَدَيْهِ يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ قَالَ فَبَاتَ النَّاسُ يَدُوكُونَ [(١)] لَيْلَتَهُمْ أَيُّهُمْ يُعْطَاهَا فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ غَدَوْا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ كُلُّهُمْ يَرْجُو أَنْ يُعْطَاهَا فَقَالَ:
أَيْنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ هُوَ يَا رَسُولَ اللهِ يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ قَالَ فَأَرْسِلُوا إِلَيْهِ فَأُتِيَ بِهِ فَبَصَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي عَيْنَيْهِ وَدَعَا لَهُ فَبَرَأَ حَتَّى كَانَ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ فَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ، فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: يَا رَسُولَ اللهِ أُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا، قَالَ: انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللهِ فِيهِ، فو الله لَأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ.
_________________
(١) [(١)] حاشية في (ص): يدركون: اي يخوضون، ويموجون، يقال: وقع الناس في دوكة اي اختلاط وخوض.
[ ٤ / ٢٠٥ ]
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ومُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ [(٢)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ الْفَقِيهُ، قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ الطُّوسِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ مُنِيبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ يَفْتَحُ اللهُ عَلَيْهِ، قَالَ عُمَرُ: فَمَا أَحْبَبْتُ الْإِمَارَةَ قَطُّ حَتَّى يَوْمِئِذٍ، فَدَعَا عَلِيًّا فَبُعِثَ، ثُمَّ قَالَ: اذْهَبْ فَقَاتِلْ حَتَّى يَفْتَحَ اللهُ عَلَيْكَ، وَلَا تَلْتَفِتْ، قَالَ عليّ: على ما أُقَاتِلُ النَّاسَ قَالَ:
قَاتِلْهُمْ حتى يشهدوا وأن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ فَقَدْ مَنَعُوا مِنْكَ دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ.
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ [(٣)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأَدِيبُ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، قَالَ أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانُ وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابو بكر ابن عَبْدِ اللهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ هُوَ ابْنُ الْأَكْوَعِ، قَالَ: كَانَ عَلِيٌّ قَدْ تَخَلَّفَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي خَيْبَرَ، وَكَانَ رَمِدًا، فَقَالَ: أَنَا أَتَخَلَّفُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ! فَخَرَجَ عَلِيٌّ فَلَحِقَ بِالنَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا كَانَ مَسَاءُ اللَّيْلَةِ الَّتِي فَتَحَهَا اللهُ فِي صَبَاحِهَا، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا أَوْ لَيَأْخُذَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلٌ يُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، أَوْ قَالَ: يَفْتَحُ اللهُ عَلَيْهِ، فَإِذَا نَحْنُ بِعَلِيٍّ وَمَا نَرْجُوهُ، فَقَالُوا: هَذَا عَلِيٌّ، فَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ الرَّايَةَ فَفَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ.
_________________
(١) [(٢)] أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي المغازي (٣٨) باب غزوة خيبر، ومسلم فِي: ٤٤- كِتَابِ فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ (٤) باب من فضائل علي بن أبي طالب، الحديث (٣٤)، ص (١٨٧٢) . [(٣)] صحيح مسلم. الموضع السابق، الحديث (٣٣)، ص (١٨٧١) .
[ ٤ / ٢٠٦ ]
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ومُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ [(٤)] .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْجَوْهَرِيُّ، وَأَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ:
حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ الْيَمَامِيُّ عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَبِيهِ (ح) .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَلَمَةَ،، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ قَالَ حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ قَالَ حَدَّثَنَا إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، فَذَكَرَ حَدِيثًا طَوِيلًا [(٥)] وَذَكَرَ فِيهِ رُجُوعَهُمْ مِنْ غَزْوَةِ بَنِي فَزَارَةَ قَالَ فَلَمْ نَمْكُثْ إِلَّا ثَلَاثًا حَتَّى خَرَجْنَا إِلَى خَيْبَرَ وَخَرَجَ عَامِرٌ فَجَعَلَ يقول:
تَالَلَّهِ لَوْلَا اللهُ مَا اهْتَدَيْنَا وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا
وَنَحْنُ مِنْ فَضْلِكَ مَا اسْتَغْنَيْنَا فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا
وَثَبِّتِ الْأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا
قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَنْ هَذَا الْقَائِلُ، فَقَالُوا: عَامِرٌ، فَقَالَ: غَفَرَ لَكَ رَبُّكَ.
قَالَ: وَمَا خَصَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَطُّ أَحَدًا بِهِ إِلَّا اسْتُشْهِدَ، فَقَالَ عُمَرُ [بْنُ الْخَطَّابٍ] وَهُوَ عَلَى جَمَلٍ لَهُ: لَوْلَا مَتَّعْتَنَا بِعَامِرٍ. قَالَ: فقدمنا خيبر فخرج مرحبا وَهُوَ يَخْطِرُ [(٦)] بِسَيْفِهِ وَيَقُولُ:
_________________
(١) [(٤)] البخاري في باب غزوة خيبر، ومسلم في الموضع السابق، الحديث (٣٥)، ص (١٨٧٢) . [(٥)] تقدم الحديث في غزوة ذي قرد، وهذا جزء منه. [(٦)] (يخطر بسيفه) أي يرفعه مرة ويضعه أخرى. ومثله: خطر البعير بذنبه يخطر، إذا رفعه مرة ووضعه اخرى.
[ ٤ / ٢٠٧ ]
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ شَاكِي [(٧)] السِّلَاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ [(٨)]
إِذَا الْحُرُوبُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ
فَبَرَزَ لَهُ عَامِرٌ وَهُوَ يَقُولُ
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي عَامِرُ شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مُغَامِرُ [(٩)]
قَالَ فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنِ فَوَقَعَ سَيْفُ مَرْحَبٍ فِي تُرْسِ عَامِرٍ فَذَهَبَ عَامِرٌ يَسْفَلُ [(١٠)] لَهُ فَرَجَعَ بِسَيْفِهِ عَلَى نَفْسِهِ، فَقَطَعَ أَكْحَلَهُ، وَكَانَتْ فِيهَا نَفْسُهُ.
قَالَ سَلَمَةُ: فَخَرَجْتُ فَإِذَا أَنْفُرٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ: بَطَلَ عَمَلُ عَامِرٍ، قَتَلَ نَفْسَهُ، قَالَ: فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَأَنَا أبكي، فقال: مالك؟
فَقُلْتُ: قَالُوا إِنَّ عَامِرًا بَطَلَ عَمَلُهُ، فَقَالَ: مَنْ قَالَ ذَلِكَ؟ فَقُلْتُ: نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِكَ، فَقَالَ: كَذَبَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ [(١١)]، بَلْ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مَرَّتَيْنِ.
قَالَ فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى عَلِيٍّ يَدْعُوهُ وَهُوَ أَرْمَدُ [(١٢)] فَقَالَ لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ الْيَوْمَ رَجُلًا يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ.
قَالَ: فَجِئْتُ بِهِ أَقُودُهُ قَالَ فَبَصَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي عَيْنَيْهِ فَبَرَأَ فَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ، قَالَ: فَبَرَزَ مَرْحَبٌ وَهُوَ يَقُولُ:
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ
إِذَا الْحُرُوبُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ
_________________
(١) [(٧)] (شاكي السلاح) أي تام السلاح. يقال: شاكي السلاح، وشاك السلاح، وشاكّ في السلاح، من الشوكة وهي القوة. والشوكة ايضا السلاح، ومنه قوله تعالى: وتؤدون أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تكون لكم. [(٨)] (بطل مجرب) أي مجرب بالشجاعة وقهر الفرسان. والبطل الشجاع. يقال بطل الرجل يبطل بطالة وبطولة، إذا صار شجاعا. [(٩)] (بطل مغامر) أي يركب غمرات الحرب وشدائدها ويلقي نفسه فيها. [(١٠)] (يسفل له) أي يضربه من أسفله. [(١١)] (كذب من قال) كذب، هنا بمعنى أخطأ. [(١٢)] (وهو أرمد) قال أهل اللغة: يقال رمد الإنسان يرمد رمدا فهو رمد وأرمد. إذا هاجت عينه.
[ ٤ / ٢٠٨ ]
قَالَ فَبَرَزَ لَهُ عَلِيٌّ وهو يقول
أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهْ [(١٣)] كَلَيْثِ غَابَاتٍ [(١٤)] كَرِيهِ الْمَنْظَرَهْ
أُوَفِّيهِمُ بِالصَّاعِ كَيْلَ السَّنْدَرَهْ [(١٥)]
فَضَرَبَ مرحبا فغلق رَأْسَهُ فَقَتَلَهُ، وَكَانَ الْفَتْحُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي عَامِرٍ [(١٦)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الله الْحَافِظُ وأَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ:
حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بُرَيْدَةُ بْنُ سُفْيَانَ بْنِ فَرْوَةَ الْأَسْلَمِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْأَكْوَعِ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَبَا بَكْرٍ﵁- إِلَى بَعْضِ حُصُونِ خَيْبَرَ فَقَاتَلَ ثُمَّ رَجَعَ وَلَمْ يَكُنْ فَتْحٌ، وَقَدْ جَهَدَ ثُمَّ بَعَثَ الْغَدَ عمر رؤي اللهُ عَنْهُ فَقَاتَلَ ثُمَّ رَجَعَ وَلَمْ يَكُنْ فَتْحٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَيُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ يُفْتَحُ عَلَى يَدَيْهِ، ليس بفرار.
_________________
(١) [(١٣)] (أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حيدرة) حيدرة اسم للأسد. وَكَانَ عَلِيٌّ ﵁ قد سمى أسدا في أول ولادته. وكان مرحب قد رأى في المنام أن أسدا يقتله. فذكره علي ﵁ بذلك ليخيفه ويضعف نفسه. وسمى الأسد حيدرة لغلظه والحادر الغليظ القوي. ومراده: أنا الأسد في جراءته وإقدامه وقوته. [(١٤)] (غابات) جمع غابة. وهي الشجر الملتف. وتطلق على عرين الأسد اي مأواه. كما يطلق الغرين على الغابة أيضا ولعل ذلك لاتخاذه إياه داخل الغاب غالبا. [(١٥)] (أُوَفِّيهِمُ بِالصَّاعِ كَيْلَ السَّنْدَرَهْ) معناه أقتل الأعداء قتلا واسعا ذريعا. والسندرة مكيال واسع. وقيل: هي العجلة. أي اقتلهم عاجلا. وقيل: مأخوذ من السندرة: وهي شجرة الصنوبر يعمل منها النبل والقسىّ. [(١٦)] الحديث في صحيح مسلم، في ٣٢- كتاب الجهاد، (بَابُ) غَزْوَةِ ذِي قَرَدٍ، ص (١٤٣٩- ١٤٤١) وقد مضى في الحديبية، وذي قرد.
[ ٤ / ٢٠٩ ]
قَالَ سَلَمَةُ: فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ أَرْمَدُ، فَتَفَلَ فِي عَيْنِهِ، وَقَالَ: خُذْ هَذِهِ الرَّايَةَ فَامْضِ بِهَا حَتَّى يَفْتَحَ اللهُ عَلَيْكَ، فَخَرَجَ بِهَا وَاللهِ يَأْنَحُ [(١٧)] يَقُولُ يُهَرْوِلُ هَرْوَلَةً وَإِنَّا لَخَلْفَهُ نَتَّبِعُ أَثَرَهُ حَتَّى رَكَزَ رَايَتَهُ فِي رَضْمٍ مِنْ حِجَارَةٍ تَحْتَ الْحِصْنِ، فَاطَّلَعَ إِلَيْهِ يَهُودِيٌّ مِنْ رَأْسِ الْحِصْنِ، فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: «عَلَيْتُمْ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى» فَمَا رَجَعَ حَتَّى فَتَحَ اللهُ عَلَى يَدَيْهِ [(١٨)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابن عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ الْمَرْوَزِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ أَخَذَ اللِّوَاءَ أَبُو بَكْرٍ، فَرَجَعَ وَلَمْ يُفْتَحْ لَهُ فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ أَخَذَهُ عُمَرُ فَرَجَعَ وَلَمْ يُفْتَحْ لَهُ وَقُتِلَ مَحْمُودُ بْنُ مَسْلَمَةَ، فَرَجَعَ النَّاسُ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لأدفعن لو أتى غَدًا لِرَجُلٍ يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ لَنْ يَرْجِعَ حَتَّى يُفْتَحَ لَهُ فَبِتْنَا طَيِّبَةً أَنْفُسُنَا أَنَّ الْفَتْحَ غَدًا فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ الْغَدَاةَ، ثُمَّ دَعَا بِاللِّوَاءِ وَقَامَ قَائِمًا فَمَا مِنَّا مِنْ رَجُلٍ لَهُ مَنْزِلَةٌ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَّا وَهُوَ يَرْجُو أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الرَّجُلَ حَتَّى تَطَاوَلَتْ أَثَالُهَا، وَرَفَعْتُ رَأْسِي لِمَنْزِلَةٍ كَانَتْ لِي مِنْهُ فَدَعَا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَهُوَ يَشْتَكِي عَيْنَهُ فَمَسَحَهَا ثُمَّ دَفَعَ إِلَيْهِ اللِّوَاءَ فَفَتَحَ فَسَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ بُرَيْدَةَ، يَقُولُ: حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّهُ كَانَ صَاحِبَ مَرْحَبٍ قَالَ يُونُسُ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ كَانَ أَوَّلُ حُصُونِ خَيْبَرَ فَتْحًا حِصْنَ نَاعِمٍ وَعِنْدَهُ قُتِلَ مَحْمُودُ بْنُ مَسْلَمَةَ أُلْقِيَتْ عَلَيْهِ رَحًا مِنْهُ فَقَتَلَتْهُ [(١٩)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ الْعَدْلُ بِبَغْدَادَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ
_________________
(١) [(١٧)] (يأنح): يجد ثقلا من مرض ونحوه. [(١٨)] رواه ابن هشام في السيرة (٣: ٢٨٩- ٢٩٠)، ونقله ابن كثير في التاريخ (٤: ١٨٦) . وعبارة: «وَمَا أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى» المراد بها القسم بما أنزل عليه. [(١٩)] نقله ابن كثير في التاريخ (٤: ١٨٦) عن المصنف وعن الحاكم.
[ ٤ / ٢١٠ ]
ابن عَمْرٍو الرَّزَّازُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ الْمُسَيِّبِ بْنِ مُسْلِمٍ الْأَزْدِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رُبَّمَا أَخَذَتْهُ الشَّقِيقَةُ [(٢٠)]، فَيَلْبَثُ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ لَا يَخْرُجُ وَلَمَّا نَزَلَ خَيْبَرَ أَخَذَتْهُ الشَّقِيقَةُ فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَى النَّاسِ وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَخَذَ رَايَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ثُمَّ نَهَضَ فَقَاتَلَ قِتَالًا شَدِيدًا ثُمَّ رَجَعَ فَأَخَذَهَا عُمَرُ فَقَاتَلَ قِتَالًا أَشَدَّ مِنَ الْقِتَالِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَجَعَ فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ:
«لَأُعْطِيَنَّهَا غَدًا رَجُلًا يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ يَأْخُذُهَا عَنْوَةً»، وَلَيْسَ ثَمَّ عَلِيٌّ، فَتَطَاوَلَتْ لَهَا قُرَيْشٌ وَرَجَا كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ يَكُونَ صَاحِبَ ذَلِكَ، فَأَصْبَحَ وَجَاءَ عَلِيٌّ عَلَى بَعِيرٍ لَهُ حَتَّى أَنَاخَ قَرِيبًا وَهُوَ أَرْمَدُ قَدْ عَصَبَ عَيْنَهُ بِشَقَّةِ بُرْدٍ قَطَرِيٍّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مالك؟ قَالَ: رَمِدْتُ بَعْدَكَ، قَالَ ادْنُ مِنِّي، فَتَفَلَ فِي عَيْنِهِ فَمَا وَجِعَهَا حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ، ثُمَّ أَعْطَاهُ الرَّايَةَ فَنَهَضَ بِالرَّايَةِ وَعَلَيْهِ جُبَّةُ أُرْجُوَانٍ حَمْرَاءُ، قَدْ أَخْرَجَ خَمْلَهَا فَأَتَى مَدِينَةَ خَيْبَرَ مَرْحَبٌ صَاحِبُ الْحِصْنِ وَعَلَيْهِ مِغْفَرٌ مُظَهَّرٌ يَمَانِيٌّ، وَحَجَرٌ قَدْ نَقَبَهُ مِثْلَ الْبَيْضَةِ عَلَى رَأْسِهِ وَهُوَ يَرْتَجِزُ:
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ شَاكٍ سِلَاحِي بَطَلٌ مُجَرَّبُ
إِذَا اللُّيوثُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ وَأَحْجَمَتْ عَنْ صَوْلِهِ الْمُغَلَّبُ
فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁:
أَنَا الَّذِي سَمَّتْهُ أُمِّي حَيْدَرَهْ كَلَيْثِ غَابَاتٍ شَدِيدِ الْقَسْوَرَهْ
أَكِيلُهُمْ بِالصَّاعِ كَيْلَ السَّنْدَرَهْ
فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنِ فَبَدَرَهُ عَلِيٌّ بِضَرْبَةٍ فَقَدَّ الْحَجَرَ وَالْمِغْفَرَ وَرَأْسَهُ وَوَقَعَ فِي
_________________
(١) [(٢٠)] وهو الصداع وراجع الطب النبوي من تحقيقنا، وجاء في حاشية (ص): صداع يعرض في مقدم الرأس
[ ٤ / ٢١١ ]
الْأَضْرَاسِ وَأَخَذَ الْمَدِينَةَ [(٢١)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِهِ عَنْ أَبِي رَافِعٍ، مَوْلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، قَالَ:
خَرَجْنَا مَعَ عَلِيٍّ حِينَ بَعَثَهُ رَسُولُ الله ﷺ بِرَايَتِهِ فَلَمَّا دَنَا مِنَ الْحِصْنِ خَرَجَ إِلَيْهِ أَهْلُهُ، فَقَاتَلَهُمْ فَضَرَبَهُ رَجُلٌ مِنْ يَهُودَ فَطَرَحَ تُرْسَهُ مِنْ يَدِهِ، فَتَنَاوَلَ عَلِيٌّ بَابَ الْحِصْنِ فَتَرَّسَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ، فَلَمْ يَزَلْ فِي يَدِهِ وَهُوَ يُقَاتِلُ حَتَّى فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ ثُمَّ أَلْقَاهُ مِنْ يَدِهِ، فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي نَفَرٍ مِنْ سَبْعَةٍ أَنَا ثَامِنُهُمْ نَجْهَدُ عَلَى أَنْ نَقْلِبَ ذَلِكَ الْبَابَ فَمَا اسْتَطَعْنَا أَنْ نَقْلِبَهُ [(٢٢)] .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ خَلَفٍ الدُّورِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى السُّدِّيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُطَّلِبُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ دَخَلْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ أَنَّ عَلِيًّا حَمَلَ الْبَابَ يَوْمَ خَيْبَرَ حَتَّى صَعِدَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ فَافْتَتَحُوهَا وَأَنَّهُ حَرِبَ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَمْ يَحْمِلْهُ أَرْبَعُونَ رَجُلًا.
تَابَعَهُ فُضَيْلُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ زِيَادٍ وَرُوِيَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ضَعِيفٍ عَنْ جَابِرٍ ثُمَّ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ سَبْعُونَ رَجُلًا فَكَانَ جُهْدَهُمْ أَنْ أَعَادُوا الْبَابَ [(٢٣)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ وأَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ،
_________________
(١) [(٢١)] نقله ابن كثير في التاريخ (٤: ١٨٧) عن المصنف. وشطره الاول أخرجه الحاكم في المستدرك (٣: ٣٧)، وقال: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه»، ووافقه الذهبي. [(٢٢، ٢٣)]: سيرة ابن هشام (٣: ٢٩٠)، وقال ابن كثير بعد ان نقل الخبر (٤: ١٨٩): فيه جهالة وانقطاع ظاهر.
[ ٤ / ٢١٢ ]
قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو، والْحَكَمِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، قَالَ: كَانَ عَلِيٌّ يَلْبَسُ فِي الْحَرِّ وَالشِّتَاءِ الْعَبَاءَ الْمُخَشَّمَ الثَّخِينَ وَمَا يُبَالِي الْحَرَّ، فَأَتَانِي أَصْحَابِي، فَقَالُوا: إِنَّا قَدْ رَأَيْنَا مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ شَيْئًا فَهَلْ رَأَيْتَهُ، فَقُلْتُ: وَمَا هُوَ؟ قَالُوا:
رَأَيْنَاهُ يَخْرُجُ إِلَيْنَا فِي الْحَرِّ الشَّدِيدِ فِي الْعَبَاءِ الْمَحْشُوِّ الثَّخِينِ، وَمَا يُبَالِي الْحَرَّ وَيَخْرُجُ عَلَيْنَا فِي الْبَرْدِ الشَّدِيدِ فِي الثَّوْبَيْنِ الْخَفِيفَيْنِ وَمَا يُبَالِي الْبَرْدَ، فَهَلْ سَمِعْتَ فِيَ ذَلِكَ شَيْئًا؟ فَقُلْتُ: لَا، فَقَالُوا: سَلْ لَنَا أَبَاكَ عَنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَسْمُرُ مَعَهُ فَأَتَيْتُهُ فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: مَا سَمِعْتُ فِيَ ذَلِكَ شَيْئًا فَدَخَلَ عَلَى عَلِيٍّ ﵁ فَسَمَرَ مَعَهُ ثُمَّ سَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: أَوَمَا شَهِدْتَ مَعَنَا خَيْبَرَ؟ فَقُلْتُ: بَلَى، قَالَ:
فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ حِينَ دَعَا أَبَا بَكْرٍ فَعَقَدَ لَهُ وَبَعَثَهُ إِلَى الْقَوْمِ فَانْطَلَقَ فَلَقِيَ الْقَوْمَ ثُمَّ جَاءَ بِالنَّاسِ وَقَدْ هُزِمُوا فَقَالَ: بَلَى، ثُمَّ قَالَ: ثُمَّ بَعَثَ إِلَى عُمَرَ فَعَقَدَ لَهُ ثُمَّ بَعَثَهُ إِلَى الْقَوْمِ فَانْطَلَقَ فَلَقِيَ الْقَوْمَ فَقَاتَلَهُمْ ثُمَّ رَجَعَ وَقَدْ هُزِمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: «لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ الْيَوْمَ رَجُلًا يُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ ويحب الله ورسوله يَفْتَحُ اللهُ عَلَيْهِ غَيْرَ فَرَّارٍ» فَدَعَانِي فَأَعْطَانِي الرَّايَةَ ثُمَّ قَالَ: «اللهُمَّ اكْفِهِ الْحَرَّ وَالْبَرْدَ» فَمَا وَجَدْتُ بَعْدَ ذَلِكَ بَرْدًا وَلَا حَرًّا [(٢٤)] .
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ فُورَكٍ ﵀ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ ابْنُ جَعْفَرٍ الْأَصْبَهَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ مُغِيرَةَ الضَّبِّيِّ عَنْ أُمِّ مُوسَى، قَالَتْ:
سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ لَا رَمِدْتُ وَلَا صُدِعْتُ مُذْ دَفَعَ إِلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ الراية يوم خيبر [(٢٥)] .
_________________
(١) [(٢٤)] ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٩: ١٢٢)، وقال: رواه الطبراني في الأوسط، وإسناده حسن. [(٢٥)] ذكره الهيثمي في الزوائد (٩: ١٢٢)، وقال: رواه ابو يعلى، وأحمد باختصار، ورجالهما رجال الصحيح، غير ام موسى، وحديثها مستقيم.
[ ٤ / ٢١٣ ]
بَابُ مَنْ زَعَمَ مِنْ أَهْلِ الْمَغَازِي وَغَيْرِهِمْ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ ﵁ كَانَ قَاتِلَ مَرْحَبٍ وَمَا جَاءَ فِي قَتْلِ غَيْرِهِ مِمَّنْ بَارَزَ مِنْ يَهُودِ خَيْبَرَ
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو عُلَاثَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ (ح) .
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَتَّابٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ الْجَوْهَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ عَمِّهِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ.
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَدِّي، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ [(٢٦)] .
أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَامَ يَوْمَ خَيْبَرَ فَوَعَظَ النَّاسَ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ مَوْعِظَتِهِ دعا عليّ ابن أَبِي طَالِبٍ وَهُوَ أَرْمَدُ، فَبَصَقَ فِي عَيْنَيْهِ، وَدَعَا لَهُ بِالشِّفَاءِ، ثُمَّ أَعْطَاهُ الرَّايَةَ وَاتَّبَعَهُ الْمُسْلِمُونَ وَاتَّبَعَتْهُمْ دَعْوَةُ النَّبِيِّ ﷺ وَوَطَّنُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَى الصَّبْرٍ، فَلَمَّا أَنْ
_________________
(١) [(٢٦)] هذه الرواية عن الواقدي، وسيأتي تفصيلها بعد.
[ ٤ / ٢١٤ ]
دَنَا الْمُسْلِمُونَ مِنْ بَابِ الْحِصْنِ خَرَجَتْ إِلَيْهِ الْيَهُودُ بَغَادِيَتِهَا فَقُتِلَ صَاحِبُ غَادِيَةِ الْيَهُودِ، فَانْقَطَعُوا وَقَتَلَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ أَخُو بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ مَرْحَبًا الْيَهُودِيَّ.
لَفْظُ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ فُلَيْحٍ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الله الْحَافِظُ وأَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ سَهْلٍ أَحَدُ بَنِي حَارِثَةَ، عَنْ جابر ابن عَبْدِ اللهِ، قَالَ: خَرَجَ مَرْحَبٌ الْيَهُودِيُّ مِنْ حِصْنِ خَيْبَرَ قَدْ جَمَعَ سِلَاحَهُ وَهُوَ يَرْتَجِزُ، وَهُوَ يَقُولُ: مَنْ يبَارِزُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَنْ لِهَذَا؟ فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: أَنَا لَهُ يَا رَسُولَ اللهِ أَنَا وَاللهِ الْمَوْتُورُ الثَّائِرُ، قَتَلُوا أَخِي بِالْأَمْسِ، فَقَالَ:
قُمْ إِلَيْهِ اللهُمَّ أَعِنْهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا دَنَا أَحَدُهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ دَخَلَتْ بَيْنَهُمَا شَجَرَةٌ عُمْرِيَّةٌ [(٢٧)] مِنْ شَجَرِ الْعُشْرِ، فَجَعَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَلُوذُ مِنْ صَاحِبِهِ بِهَا كُلَّمَا لَاذَ بِهَا أَحَدُهُمَا اقْتَطَعَ بِسَيْفِهِ مَا دُونَهُ، حَتَّى بَرَزَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ، وَصَارَتْ بَيْنَهُمَا كَالرَّجُلِ الْقَائِمِ مَا فِيهَا فَنَنٌ، [(٢٨)] ثُمَّ حَمَلَ عَلَى مُحَمَّدٍ فَضَرَبَهُ فَاتَّقَاهُ بِالدَّرَقَةِ، فَوَقَعَ سَيْفُهُ فِيهَا فَغَضَّتْ بِهِ، فَأَمْسَكَتْهُ، وَضَرَبَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ حَتَّى قَتَلَهُ.
فَزَعَمَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ مُحَمَّدًا ارْتَجَزَ حِينَ ضَرَبَهُ، فَقَالَ:
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَاضِ حُلْوٌ إِذَا شِئْتُ وَسُمٌّ قَاضِ
وَكَانَ ارْتِجَازُ مرحب:
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مجرّب
_________________
(١) [(٢٧)] (عمرية) اي قديمة طويلة العمر. [(٢٨)] (الفنن): الغصن.
[ ٤ / ٢١٥ ]
إِذَا اللُّيوثُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ وَأَحْجَمَتْ عَنْ صَوْلِهِ الْمُغَلَّبُ
أَطْعَنُ أَحْيَانًا وَحِينًا أَضْرِبُ إِنَّ حِمَايَ الْحِمَى لَا يُقْرَبُ [(٢٩)]
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْأَصْبَهَانِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْجَهْمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَرَجِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابن عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرٍ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، وَحَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ سَلَامَةَ، وَمُجَمِّعِ بْنِ يَعْقُوبَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُجَمِّعِ بْنِ جَارِيَةَ قَالُوا [(٣٠)] جَمِيعًا: إِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ قَتَلَ مَرْحَبًا [(٣١)] .
قَالَ: وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْوَاقِدِيُّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مَحْمُودِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ حمل مرحب فَقَطَّرَهُ عَلِيٌّ بِالْبَابِ، وَفَتَحَ عَلِيٌّ الْبَابَ الْآخَرَ وَكَانَ لِلْحِصْنِ بَابَانِ.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ وَقِيلَ: إِنَّ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ ضَرَبَ سَاقَيْ مَرْحَبٍ فَقَطَعَهُمَا، فَقَالَ مَرْحَبٌ: أَجْهِزْ عَلَيَّ يَا مُحَمَّدُ، فَقَالَ مُحَمَّدٌ: ذُقْ ذُقِ الْمَوْتَ كَمَا ذَاقَهُ أَخِي مَحْمُودٌ، وَجَاوَزَهُ وَمَرَّ بِهِ عَلِيٌّ فَضَرَبَ عُنُقَهُ، وَأَخَذَ سَلَبَهُ فَاخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي سَلَبِهِ، فَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَا رَسُولَ اللهِ وَاللهِ مَا قَطَعْتُ رِجْلَيْهِ ثُمَّ تَرَكْتُهُ إِلَّا لِيَذُوقَ الْمَوْتَ، وَقَدْ كُنْتُ قَادِرًا أَنْ أُجْهِزَ عَلَيْهِ، فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: صَدَقَ ضَرَبْتُ عُنُقَهُ بَعْدَ أَنْ قَطَعَ رِجْلَيْهِ وَأُعْطِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَلَبَهُ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ سَيْفَهُ وَرُمْحَهُ وَمِغْفَرَهُ وَبَيْضَتَهُ، وَكَانَ عِنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ سَيْفُهُ فِيهِ كِتَابٌ لَا يُدْرَى مَا هُوَ حَتَّى قَرَأَهُ يَهُودِيٌّ مِنْ يَهُودِ تَيْمَاءَ فَإِذَا فِيهِ هَذَا سَيْفُ مَرْحَبْ. من يذقه يعطب [(٣٢)] .
_________________
(١) [(٢٩)] الخبر في سيرة ابن هشام (٣: ٢٨٩) . [(٣٠)] سيرة ابن هشام (٣: ٢٨٨)، ومغازي الواقدي (٢: ٦٥٥) . [(٣١)] مغازي الواقدي (٢: ٦٥٧) . [(٣٢)] الخبر في مغازي الواقدي (٢: ٦٥٥- ٦٥٦) .
[ ٤ / ٢١٦ ]
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مَحْمُودٍ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ خَرَجَ مِنْ قُصُورِ خَيْبَرَ مُبَارِزًا الْحَارِثُ أَخُو مَرْحَبٍ فِي غَادِيَتِهِ فَقَتَلَهُ عَلِيٌّ، وَرَجَعَ أَصْحَابُ الْحَارِثِ الْحِصْنَ.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: بَرَزَ عَامِرٌ وَكَانَ رَجُلًا طَوِيلًا جَسِيمًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ بَرَزَ وَطَلَعَ عَامِرٌ: «أَتَرَوْنَهُ خَمْسَةَ أَذْرُعٍ وَهُوَ يَدْعُو إِلَى الْبِرَازِ»، فَبَرَزَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَضَرَبَهُ ضَرَبَاتٍ كُلُّ ذَلِكَ لَا يَصْنَعُ شَيْئًا حَتَّى ضَرَبَ سَاقَيْهِ، فَبَرَكَ ثُمَّ ذَفَّفَ [(٣٣)] عَلَيْهِ وَأَخَذَ سِلَاحَهُ [(٣٤)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ يَاسِرٌ وَهُوَ يَقُولُ.
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي يَاسِرُ شاك السِّلَاحِ بَطَلٌ مُغَاوِرُ
إِذَا اللُّيوثُ أَقْبَلَتْ تُبَادِرُ وَأَحْجَمَتْ عَنْ صَوْلِهِ الْمَسَاوِرُ
إِنَّ حِمَايَ فِيهِ مَوْتٌ حَاضِرُ
فَقَالَتْ صَفِيَّةُ، لَمَّا خَرَجَ إِلَيْهِ الزُّبَيْرُ: يَا رَسُولَ اللهِ يَقْتُلُ ابْنِي [يَا رَسُولَ اللهِ]، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «بَلِ ابْنُكِ يَقْتُلُهُ إِنْ شَاءَ اللهُ» .
فَخَرَجَ الزُّبَيْرُ يَقُولُ:
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي زَبَّارْ قَدِمَ لِقَوْمٍ غَيْرُ نَكِسٍ فَرَّارْ
_________________
(١) [(٣٣)] (ذفف عليه) أجهز عليه. [(٣٤)] الخبر في المغازي (٢: ٦٥٧) .
[ ٤ / ٢١٧ ]
ابْنُ حُمَاةِ الْمَجْدِ وَابْنُ الْأَخْيَارْ يَاسِرُ لَا يَغْرُرْكَ جَمْعُ الْكُفَّارْ
فَجَمْعُهُمْ مِثْلُ السَّرَابِ الْجَارْ
ثُمَّ الْتَقَيَا فَقَتَلَهُ الزُّبَيْرُ قَالَ: وَكَانَ ذكر أنه عَلِيًّا هُوَ قَتَلَ يَاسِرًا [(٣٥)] .
_________________
(١) [(٣٥)] الخبر في سيرة ابن هشام (٣: ٢٨٩) دون ذكر الرجز. وقد جزم جماعة من أصحاب المغازي: بِأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ هو الذي قتل مرحبا. ولكن ثبت في صحيح مسلم ما تقدم عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ أَنَّ عَلِيًّا﵁- هو الذي قتل مرحبا. وورد ذلك في حديث بريدة بن الحصيب، وأبي نافع مولى رسول اللهﷺ- وعلى تقدير صحة ما ذكره جابر، وجزم به جماعة، فما في صحيح مسلم مقدم عليه من وجهين: أحدهما أنه أصح إسنادا، والثاني. أن جابرا لم يشهد خيبر كما ذكره ابن إسحاق، ومحمد بن عمر، وغيرهما، وقد شهدها سلمة وبريدة وأبو رافع﵃، - وهم أعلم ممن لم يشهدها، وما قيل من ان محمد بن مسلمة ضرب ساقي مرحب فقطعهما ولم يجهز عليه، ومر به علي فأجهز عليه، يأباه حديث سلمة وأبي رافع والله اعلم. وصحح أبو عمر﵀- أن عليا﵁- هو الذي قتل مرحبا، وقال ابن الأثير: إنه الصحيح.
[ ٤ / ٢١٨ ]
بَابُ مَا جَاءَ فِي قِصَّةِ الْعَبْدِ الْأَسْوَدِ [(١)] الَّذِي أَسْلَمَ يَوْمَ خَيْبَرَ عَلَى بَابِ خَيْبَرَ وَقُتِلَ وَشَهَادَةِ الْمُصْطَفَى لَهُ بِالْمَغْفِرَةِ، وَقِصَّةِ الْمُهَاجِرِ الَّذِي أَسْلَمَ طَلَبَ الشَّهَادَةِ فَأَدْرَكَهَا بِخَيْبَرَ
أَخْبَرَنَا أبو عبد الله الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْبَغْدَادِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عُلَاثَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ.
(ح) وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَتَّابٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ الْجَوْهَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ عَمِّهِ مُوسَى بْنِ عقبة، قال: وَهَذَا لَفْظُ حَدِيثِ مُوسَى، فَذَكَرَ قِصَّةَ خُرُوجِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى خَيْبَرَ، قَالَ: ثُمَّ دَخَلُوا يَعْنِي الْيَهُودَ حِصْنًا لَهُمْ مَنِيعًا يُقَالُ لَهُ الْعَمُوصُ، فَحَاصَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَرِيبًا مِنْ عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَكَانَتْ أَرْضًا وَخِمَةً شَدِيدَةَ الْحَرِّ، فَجَهَدَ الْمُسْلِمُونَ جَهْدًا شَدِيدًا فَوَجَدُوا أَحْمِرَةً إِنْسِيَّةً لِيَهُودَ، فَذَكَرَ قِصَّتَهَا وَنَهْيَ النبي ﷺ عن أكلها [(٢)]،
_________________
(١) [(١)] تراجع قصته في سيرة ابن هشام (٣: ٢٩٣)، والبداية والنهاية (٤: ١٩١)، والسيرة الحلبية (٣: ٤٥)، والسيرة الشامية (٥: ٢٠١) . [(٢)] الخطر متقدم، والرخصة متأخرة فتعين المصير إليها، وراجع الناسخ والمنسوخ في الحديث للحازمي، من تحقيقنا ص (٢٤٥) .
[ ٤ / ٢١٩ ]
ثُمَّ ذَكَرَ خُرُوجَ مَرْحَبٍ وَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي إِعْطَاءِ الرَّايَةِ رَجُلًا يُفْتَحُ عَلَى يَدَيْهِ، قَالَ: وَجَاءَ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ أَسْوَدُ مِنْ أَهْلِ خَيْبَرَ كَانَ فِي غَنَمٍ لِسَيِّدِهِ فَلَمَّا رَأَى أَهْلَ خَيْبَرَ قَدْ أَخَذُوا السِّلَاحَ سَأَلَهُمْ مَا تُرِيدُونَ؟ قَالُوا: نُقَاتِلُ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، فَوَقَعَ فِي نَفْسِهِ ذِكْرُ النَّبِيِّ ﷺ، فَأَقْبَلَ بِغَنَمِهِ حَتَّى عَهِدَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَلَمَّا جَاءَهُ قَالَ: مَاذَا تَقُولُ وَمَاذَا تَدْعُو إِلَيْهِ؟ قَالَ: أَدْعُو إِلَى الْإِسْلَامِ وأَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنِّي مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَأَنْ لَا نَعْبُدَ إِلَّا اللهَ، قَالَ الْعَبْدُ: فَمَاذَا إِلَيَّ إِنْ أَنَا شَهِدْتُ وَآمَنْتُ بِاللهِ؟ قَالَ: لَكَ الْجَنَّةُ إِنْ مُتَّ عَلَى ذَلِكَ، فَأَسْلَمَ.
قَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ إِنَّ هَذِهِ الْغَنَمَ عِنْدِي أَمَانَةٌ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
«أخرجها من عسكرنا وارميها بِالْحَصْبَاءِ فَإِنَّ اللهَ سَيُؤَدِّي عَنْكَ أَمَانَتَكَ» فَفَعَلَ فَرَجَعَتِ الْغَنَمُ إِلَى سَيِّدِهَا فَعَرَفَ الْيَهُودِيُّ أَنَّ غُلَامَهُ قَدْ أَسْلَمَ فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَوَعَظَ النَّاسَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي إِعْطَاءِ الرَّايَةِ عَلِيًّا وَدُنُوِّهِمْ مِنَ الْحِصْنِ وَقَتْلِ مَرْحَبٍ، قَالَ: وَقُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الْعَبْدُ الْأَسْوَدُ وَرَجَعَتْ عَادِيَةُ الْيَهُودِ وَاحْتَمَلَ الْمُسْلِمُونَ الْعَبْدَ الْأَسْوَدَ إِلَى عَسْكَرِهِمْ فَأُدْخِلَ فِي الْفُسْطَاطِ فَزَعَمُوا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اطَّلَعَ فِي الْفُسْطَاطِ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: لَقَدْ أَكْرَمَ اللهُ هَذَا الْعَبْدَ وَسَاقَهُ إِلَى خَيْرٍ قَدْ كَانَ الْإِسْلَامُ مِنْ نَفْسِهِ حَقًّا، وَقَدْ رَأَيْتُ عِنْدَ رَأْسِهِ اثْنَتَيْنِ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ.
زَادَ عُرْوَةُ فِي رِوَايَتِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ يَا نَبِيَّ اللهِ هَذِهِ الْغَنَمُ عِنْدِي أَمَانَةٌ، قَالَ:
أَخْرِجْهَا مِنَ الْمُعَسْكَرِ ثُمَّ صِحْ بها وارميها بِالْحَصْبَاءِ فَإِنَّ اللهَ سَيُؤَدِّي عَنْكَ أَمَانَتَكَ، وَأَعْجَبَتْ رَسُولَ الله ﷺ كَلِمَتُهُ.
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ [(٣)]، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بن محمد العنزي،
_________________
(١) [(٣)] البيهقي عن جابر، والبيهقي عن انس، والبيهقي عن عروة، وعن موسى بن عقبة، ونقله ابن كثير في التاريخ (٤: ١٩٠- ١٩١)، والصالحي في السيرة الشامية (٥: ٢٠١- ٢٠٢) .
[ ٤ / ٢٢٠ ]
قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ عَنِ ابْنِ الْهَادِ عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ خَرَجَتْ سَرِيَّةٌ، فَأَخَذُوا إِنْسَانًا معه غنم يرعاها، فجاؤوا بِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَكَلَّمَهُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يُكَلِّمَهُ بِهِ فَقَالَ لَهُ: إِنِّي قَدْ آمَنْتُ بِكَ وَبِمَا جِئْتَ بِهِ فَكَيْفَ بِالْغَنَمِ يَا رَسُولَ اللهِ فَإِنَّهَا أَمَانَةٌ وَهِيَ لِلنَّاسِ الشَّاةُ وَالشَّاتَانِ وَأَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ:
«احْصِبْ وُجُوهَهَا تَرْجِعْ إِلَى أَهْلِهَا»، فَأَخَذَ قَبْضَةً مِنْ حَصْبَاءَ أَوْ تُرَابٍ فَرَمَى بِهِ وُجُوهَهَا فَخَرَجَتْ تَشْتَدُّ حَتَّى دَخَلَتْ كُلُّ شَاةٍ إِلَى أَهْلِهَا، ثُمَّ تَقَدَّمَ إِلَى الصيف فَأَصَابَهُ سَهْمٌ فَقَتَلَهُ، وَلَمْ يُصَلِّ لِلَّهِ سَجْدَةً قَطُّ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَدْخِلُوهُ الْخِبَاءَ، فَأُدْخِلَ خِبَاءَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتَّى إِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهِ ثُمَّ خَرَجَ، فَقَالَ: لَقَدْ حَسُنَ إِسْلَامُ صَاحِبِكُمْ، لَقَدْ دَخَلْتُ عَلَيْهِ وَإِنَّ عِنْدَهُ لَزَوْجَتَيْنِ لَهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْمَشٍ الْفَقِيهُ قَالَ [(٤)]: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْقَطَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَزْهَرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنِي حَمَّادٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي رَجُلٌ أَسْوَدُ اللَّوْنِ قَبِيحُ الْوَجْهِ مُنْتِنُ الرِّيحِ لَا مَالَ لِي فَإِنْ قَاتَلْتُ هَؤُلَاءِ حَتَّى أُقْتَلَ أَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَالَ: نَعَمْ فَتَقَدَّمَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ فَأَتَى عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ مَقْتُولٌ فَقَالَ: لَقَدْ أَحْسَنَ اللهُ وَجْهَكَ وَطَيَّبَ رُوحَكَ وَكَثَّرَ مَالَكَ قَالَ: وَقَالَ لِهَذَا أَوْ لِغَيْرِهِ لَقَدْ رَأَيْتُ زَوْجَتَيْهِ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ تُنَازِعَانِهِ جُبَّتَهُ عَنْهُ يَدْخُلَانِ فِيمَا بَيْنَ جِلْدِهِ وَجُبَّتِهِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ الْفَقِيهُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ المحمّدابادي، قال:
_________________
(١) [(٤)] رواه النسائي عن سويد بن نصر عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ المبارك نحوه، ونقله ابن كثير في التاريخ (٤: ١٩١) عن البيهقي.
[ ٤ / ٢٢١ ]
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَمَّارٍ، أَخْبَرَهُ عَنْ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَعْرَابِ جَاءَ النَّبِيَّ ﷺ فَآمَنَ وَاتَّبَعَهُ، فَقَالَ: أُهَاجِرُ مَعَكَ، فَأَوْصَى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ بَعْضَ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا كَانَتْ غَزْوَةُ خَيْبَرَ غَنِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَسَّمَ، وَقَسَمَ لَهُ فَأَعْطَى أَصْحَابَهُ مَا قَسَمَ لَهُ، وَكَانَ يَرْعَى ظَهْرَهُمْ فَلَمَّا جَاءَ دَفَعُوهُ إِلَيْهِ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ: قَسْمٌ قَسَمَهُ لَكَ، فَأَخَذَهُ فَجَاءَ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: مَا هَذَا يَا مُحَمَّدُ قَالَ: قَسْمٌ قَسَمْتُهُ لَكَ، قَالَ: مَا عَلَى هَذَا اتَّبَعْتُكَ وَلَكِنِّي اتَّبَعْتُكَ عَلَى أَنْ أُرْمَى هَاهُنَا وَأَشَارَ إِلَى حَلْقِهِ بِسَهْمٍ فَأَمُوتَ فَأَدْخُلَ الْجَنَّةَ، فَقَالَ: إِنْ تَصْدُقِ اللهَ يَصْدُقْكَ، ثُمَّ نَهَضُوا إِلَى قِتَالِ الْعَدُوِّ فَأُتِيَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ يُحْمَلُ قَدْ أَصَابَهُ سَهْمٌ حَيْثُ أَشَارَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: هُوَ هُوَ قَالُوا نَعَمْ. قَالَ: «صَدَقَ اللهَ فَصَدَقَهُ»، فَكَفَّنَهُ النبي ﷺ، ثُمَّ قَدَّمَهُ وَصَلَّى عَلَيْهِ فَكَانَ، مِمَّا ظَهَرَ مِنْ صَلَاتِهِ اللهُمَّ هَذَا عَبْدُكَ خَرَجَ مُهَاجِرًا فِي سَبِيلِكَ قُتِلَ شَهِيدًا أَنَا عَلَيْهِ شَهِيدٌ.
قَالَ عَطَاءٌ وَزَعَمُوا أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ
.
[ ٤ / ٢٢٢ ]
بَابُ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ بِفَتْحِ خَيْبَرَ وَمَا ظَهَرَ عِنْدَ بَعْضِ حُصُونِهَا مِنْ دَلَالَاتِ النُّبُوَّةِ
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، عَنْ بَعْضِ أَسْلَمَ أَنَّ بَعْضَ بَنِي سَهْمٍ مِنْ أَسْلَمَ أَتَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ بِخَيْبَرَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ لَقَدْ جُهِدْنَا وَمَا بِأَيْدِينَا شَيْءٌ، فَلَمْ يَجِدُوا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ شَيْئًا يُعْطِيهِمْ إِيَّاهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: اللهُمَّ إِنَّكَ قَدْ عَلِمْتَ حَالَهُمْ وَأَنَّهُمْ لَيْسَتْ لَهُمْ قُوَّةٌ وَلَيْسَ بِيَدِي مَا أُعْطِيهِمْ إِيَّاهُ، فَافْتَحْ عَلَيْهِمْ أَعْظَمَ حِصْنٍ بِهَا غِنًى أَكْثَرَهُ طَعَامًا وَوَدَكًا، فَغَدَا النَّاسُ فَفَتَحَ اللهُ عَلَيْهِمْ حِصْنَ الصَّعْبِ بْنِ مُعَاذٍ وَمَا بِخَيْبَرَ حِصْنٌ أَكْثَرُ طَعَامًا وَوَدَكًا مِنْهُ فَلَمَّا افْتَتَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ حُصُونِهِمْ مَا افْتَتَحَ وَجَازَ مِنَ الْأَمْوَالِ مَا جَازَ انْتَهَوْا إِلَى حُصَيْنِهِمُ الْوَطِيحِ وَالسَّلَالِمِ وَكَانَ آخِرَ حُصُونِ خَيْبَرَ افْتِتَاحًا فَحَاصَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً [(١)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْأَصْبَهَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْجَهْمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَرَجِ، قَالَ: حَدَّثَنَا
_________________
(١) [(١)] أخرجه ابن هشام في السيرة (٣: ٢٨٧) .
[ ٤ / ٢٢٣ ]
الْوَاقِدِيُّ، قَالَ: لَمَّا تَحَوَّلَتِ الْيَهُودُ مِنْ حِصْنِ نَاعِمٍ وَحِصْنِ الصَّعْبِ بْنِ مُعَاذٍ إِلَى قَلْعَةِ الزُّبَيْرِ، حَاصَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ حِصْنٌ مَنِيعٌ إِنَّمَا هُوَ فِي رَأْسِ قُلَّةٍ فَأَقَامَ عَلَى مُحَاصَرَتِهِمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ يُقَالُ لَهُ غَزَالٌ، فَقَالَ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ! تُؤَمِّنُنِي عَلَى أَنْ أَدُلَّكَ عَلَى مَا تَسْتَرِيحُ مِنْ أَهْلِ النَّطَاةِ وَتَخْرُجُ إِلَى أَهْلِ الشَّقِّ فَإِنَّ أَهْلَ الشَّقِّ قَدْ هَلَكُوا رُعْبًا مِنْكَ، قَالَ: فَأَمَّنَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ على أَهْلِهِ وَمَالِهِ فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: إِنَّكَ لَوْ أَقَمْتَ شَهْرًا مَا بَالَوْا لَهُمْ دُبُولٌ [(٢)] تَحْتَ الْأَرْضِ يَخْرُجُونَ بِاللَّيْلِ فَيَشْرَبُونَ مِنْهَا ثُمَّ يَرْجِعُونَ إِلَى قَلْعَتِهِمْ فَيَمْتَنِعُونَ مِنْكَ فَإِنْ قَطَعْتَ مَشْرَبَهُمْ عَلَيْهِمْ أَصْحَرُوا [(٣)] لَكَ فَسَارَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى دُبُولِهِمْ فَقَطَعَهَا فَلَمَّا قَطَعَ عَلَيْهِمْ مَشَارِبَهُمْ خَرَجُوا فَقَاتَلُوا أَشَدَّ الْقِتَالِ وَقُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ نَفَرٌ [(٤)] وَأُصِيبَ مِنْ يَهُودَ ذَلِكَ الْيَوْمِ عَشَرَةٌ وَافْتَتَحَهُ رسول الله ﷺ وَكَانَ هَذَا آخِرَ حُصُونِ النَّطَاةِ فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ من النَّطَاةِ تَحَوَّلَ إِلَى أَهْلِ الشَّقِّ [(٥)] .
وَبِإِسْنَادِهِ قَالَ حَدَّثَنَا الْوَاقِدِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُمَرَ الْحَارِثِيُّ، عَنْ أَبِي عُفَيْرٍ. مُحَمَّدِ بْنِ سَهْلِ بْنِ أَبِي خَيْثَمَةَ، قَالَ: لَمَّا تَحَوَّلَ رَسُولُ الله ﷺ إِلَى الشَّقِّ وَبِهِ حُصُونٌ ذَوَاتُ عَدَدٍ فَكَانَ أَوَّلَ حِصْنٍ بَدَأَ بِهِ مِنْهَا حِصْنُ أُبَيٍّ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى قَلْعَةٍ يُقَالُ لَهَا: سَمْوَانُ فَقَاتَلَ عَلَيْهَا أَهْلُ الْحِصْنِ قِتَالًا شَدِيدًا، وَخَرَجَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ [يُقَالُ لَهُ] [(٦)] غَزَالٌ، فَدَعَا إِلَى الْبِرَازِ فَبَرَزَ لَهُ الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ، فَاخْتَلَفَا ضَرَبَاتٍ ثُمَّ حَمَلَ عليه الحباب عليه فَقَطَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى مِنْ نِصْفِ الذِّرَاعِ، فَوَقَعَ السَّيْفُ مِنْ يَدِ غَزَالٍ وَكَانَ أعزل فبادر راجعا
_________________
(١) [(٢)] في حاشية (أ): «ما لهم دبول» قال ابن الأثير: اي جداول ماء. [(٣)] في حاشية (ص): اصحروا: اي خرجوا إلى الصحراء. [(٤)] في حاشية (أ): قال ابن الأثير: الانفار جمع نفر، وهم رهط الإنسان وعشيرته، وهم اسم يقع على جماعة من الرجال خاصة مَا بَيْنَ الثَّلَاثَةِ إِلَى العشرة لا واحد له. [(٥)] مغازي الواقدي (٢: ٦٤٦- ٦٤٧) . [(٦)] الزيادة من الواقدي (٢: ٦٦٦) .
[ ٤ / ٢٢٤ ]
مُسْتَهْزِمًا إِلَى الْحِصْنِ وَتَبِعَهُ الْحُبَابُ فَقَطَعَ عَرْقُوبَيْنِ فَوَقَعَ فَذَفَّفَ عَلَيْهِ.
فَخَرَجَ آخَرُ فَصَاحَ مَنْ يبَارِزُ فَبَرَزَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ من آل جحش فقيل الْجَحْشِيُّ، وَقَامَ مَكَانَهُ يَدْعُو إِلَى الْبِرَازِ، فَبَرَزَ لَهُ أَبُو دُجَانَةَ، قَدْ عَصَبَ رَأْسَهُ بِعِصَابَةٍ حَمْرَاءَ فَوْقَ الْمِغْفَرِ يَخْتَالُ فِي مِشْيَتِهِ فَبَدَرَهُ أَبُو دُجَانَةَ فَضَرَبَهُ فَقَطَعَ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ ذَفَّفَ عَلَيْهِ وَأَخَذَ سَلَبَهُ وَدِرْعَهُ وَسَيْفَهُ فَجَاءَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ذَاكَ وأحجوا عَنِ الْبِرَازِ فَكَبَّرَ الْمُسْلِمُونَ ثُمَّ تَحَامَلُوا عَلَى الْحِصْنِ فَدَخَلُوهُ يَقْدُمُهُمْ أَبُو دُجَانَةَ فَوَجَدُوا فِيهِ إناثا وَمَتَاعًا وَغَنَمًا وَطَعَامًا وَهَرَبَ مَنْ كَانَ فِيهِ مِنَ الْمُقَاتِلَةِ وَتَقَحَّمُوا الْجُدُرَ كَأَنَّهُمُ الطَّبَاءُ حَتَّى صَارُوا إِلَى حِصْنِ النَّزَارِ بِالشَّقِّ وَجَعَلَ يَأْتِي مَنْ بَقِيَ مِنْ فَلِّ النَّطَاةِ إِلَى حِصْنِ النَّزَارِ فَغَلَّقُوهُ وَامْتَنَعُوا فِيهِ أَشَدَّ الِامْتِنَاعِ وَزَحَفَ رَسُولُ الله ﷺ إِلَيْهِمْ فِي أَصْحَابِهِ فَقَاتَلَهُمْ فَكَانُوا أَشَدَّ أَهْلِ الشَّقِّ رَمْيًا لِلْمُسْلِمِينَ بِالنَّبْلِ وَالْحِجَارَةِ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ مَعَهُمْ حَتَّى أَصَابَ النَّبْلُ ثِيَابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَعَلَقَتْ بِهِ فَأَخَذَ النَّبْلَ فَجَمَعَهَا ثُمَّ أَخَذَ لَهُمْ كَفًّا مِنْ حَصْبَاءَ فَحَصَبَ بِهِ حِصْنَهُمْ، فَرَجَفَ الْحِصْنُ بِهِمْ ثُمَّ سَاخَ فِي الْأَرْضِ حَتَّى جَاءَ الْمُسْلِمُونَ فَأَخَذُوا أَهْلَهُ أَخْذًا [(٧)] .
وَبِإِسْنَادِهِ قَالَ حَدَّثَنَا الْوَاقِدِيُّ عَنْ شُيُوخِهِ قَالُوا ثُمَّ تَحَوَّلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى أَهْلِ الْكُتَيْبَةِ وَالْوَطِيحِ وَالسَّلَالِمِ حِصْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ الَّذِي، كَانُوا فِيهِ فَحَصَّنُوا أشد التحصين وجأهم كُلُّ فَلٍّ [(٨)] كَانَ انْهَزَمَ مِنَ النَّطَاةِ وَالشَّقِّ فَتَحَصَّنُوا مَعَهُمْ فِي الْقَمُوصِ وَهُوَ فِي الْكُتَيْبَةِ وَكَانَ حِصْنًا مَنِيعًا فِي الْوَطِيحِ وَالسَّلَالِمِ وَجَعَلُوا لَا يَطْلُعُونَ مِنْ حُصُونِهِمْ حَتَّى هَمَّ رَسُولُ الله ﷺ أَنْ يَنْصِبَ الْمَنْجَنِيقَ عَلَيْهِمْ فَلَمَّا أَيْقَنُوا بِالْهَلَكَةِ وَقَدْ حَصَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ
_________________
(١) [(٧)] مغازي الواقدي (٢: ٦٦٧) . [(٨)] (فل القوم): منهزموهم يستوي فيه الواحد والجمع.
[ ٤ / ٢٢٥ ]
الصُّلْحَ، فَأَرْسَلَ ابْنُ أَبِي الْحُقَيْقِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ: نَعَمْ، فَنَزَلَ ابْنُ أَبِي الْحُقَيْقِ فَصَالَحَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى حَقْنِ دِمَاءِ مَنْ فِي حُصُونِهِمْ مِنَ المقابلة، وَتَرْكِ الذُّرِّيَّةِ لَهُمْ وَيَخْرُجُونَ مِنْ خَيْبَرَ، وَأَرْضِهَا بِذَرَارِيِّهِمْ وَيُخَلُّونَ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَبَيْنَ مَا كَانَ لَهُمْ مِنْ مَالٍ وَأَرْضٍ وَعَلَى الصَّفْرَاءِ وَالْبَيْضَاءِ وَالْكُرَاعِ وَالْحَلْقَةِ، وَعَلَى الْبِرِّ الْأَثْوَبِ كَانَ عَلَى ظَهْرِ إِنْسَانٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَبَرِئَتْ مِنْكُمْ ذِمَّةُ اللهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ إن كتمتوني شَيْئًا فَصَالَحُوهُ عَلَى ذَلِكَ [(٩)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنٌ لِمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ مَنْ أَدْرَكَ مِنْ أَهْلِهِ وَحَدَّثَنِيهِ مُكْنَفٌ، قَالَا: حَاصَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَهْلَ خَيْبَرَ فِي حِصْنِهِمُ الْوَطِيحِ وَالسَّلَالِمِ حَتَّى إِذَا أَيْقَنُوا بِالْهَلَكَةِ سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنْ يُسَيِّرَهُمْ وَيَحْقِنَ دِمَاءَهُمْ، فَفَعَلَ وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ حَازَ الْأَمْوَالَ كُلَّهَا: الشَّقَّ وَالنَّطَاةَ وَالْكُتَيْبَةَ، وَجَمَعَ حُصُونَهَمْ إِلَّا مَا كَانَ فِي ذَيْنِكَ الْحِصْنَيْنِ، فَلَمَّا سَمِعَ بِهِمْ أَهْلُ فَدَكٍ قَدْ صَنَعُوا مَا صَنَعُوا بَعَثُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يَسْأَلُونَهُ أَنْ يُسَيِّرَهُمْ وَيَحْقِنَ دِمَاءَهُمْ وَيُخَلُّونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَمْوَالِ، فَفَعَلَ فَكَانَ مِمَّنْ مَشَى بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَبَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ مُحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودٍ أَحَدُ بَنِي حَارِثَةَ فَلَمَّا نَزَلَ أَهْلُ خَيْبَرَ عَلَى ذَلِكَ سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنْ يُعَامِلَهُمُ الْأَمْوَالَ عَلَى النِّصْفِ، وَقَالُوا: نَحْنُ أَعْلَمُ بِهَا مِنْكُمْ وَأَعْمَرُ لَهَا فَصَالَحَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى النِّصْفِ عَلَى أَنَّا إِذَا شِئْنَا أَنْ نُخْرِجَكُمْ أَخْرَجْنَاكُمْ وَصَالَحَهُ أَهْلُ فَدَكٍ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ فَكَانَتْ أَمْوَالُ خيبر فيأ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَكَانَتْ فَدَكٌ خَالِصَةً لِرَسُولِ اللهِ ﷺ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَجْلِبُوا عَلَيْهَا بِخَيْلٍ ولا ركاب [(١٠)] .
_________________
(١) [(٩)] مغازي الواقدي (٢: ٦٧٠- ٦٧١) . [(١٠)] سيرة ابن هشام (٣: ٢٩٢) .
[ ٤ / ٢٢٦ ]
باب ما جرى بعد الفتح في الكنز الذي كتموه واصطفاء صفية بنت حيي، وقسمة الغنيمة والخمس على طريق الاختصار، فقد مضى في كتاب السنن ما احتجنا اليه من ذلك، وفي ذلك تصديق وعد الله ﷿ رسوله وتصديق الله ﷿ رسوله ﷺ فيما أخبر به
بَابُ مَا جَرَى بَعْدَ الْفَتْحِ فِي الْكَنْزِ الَّذِي كَتَمُوهُ وَاصْطِفَاءِ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ، وَقِسْمَةِ الْغَنِيمَةِ وَالْخُمْسِ عَلَى طَرِيقِ الِاخْتِصَارِ، فَقَدْ مَضَى فِي كِتَابِ السُّنَنِ مَا احْتَجْنَا إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ، وَفِي ذَلِكَ تَصْدِيقُ وَعْدِ اللهِ ﷿ رَسُولَهُ وَتَصْدِيقِ اللهِ ﷿ رَسُولَهُ ﷺ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ أُمَّتَهُ مِنْ فَتْحِ خَيْبَرَ ثُمَّ إِجْلَاءِ مَنْ أَجْلَاهُ عُمَرُ ﵁، وَمَا جَرَى فِي الْحُمَّى الَّتِي أَصَابَتْهُمْ
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ علي الْمَقْرِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ ابن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الْقَاضِي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، وثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلَّى الصُّبْحَ بِغَلَسٍ، ثُمَّ رَكِبَ، فَقَالَ: اللهُ أَكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ،
فَخَرَجُوا يَسْعَوْنَ فِي السِّكَكِ، وَيَقُولُونَ: مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسُ، قَالَ حَمَّادٌ وَالْخَمِيسُ: الْجَيْشُ.
قَالَ فَظَهَرَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقُتِلَ الْمُقَاتِلَةَ، وَسَبَى الذَّرَارِيَّ، فَصَارَتْ صَفِيَّةُ لِدِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ، ثُمَّ صَارَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا وَجَعَلَ صَدَاقَهَا عِتْقَهَا.
قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ لِثَابِتٍ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ! أَنْتَ سَأَلْتَ أَنَسًا مَا أَمْهَرَهَا؟ قَالَ:
أَمْهَرَهَا نَفْسَهَا، وَتَبَسَّمَ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عن مسدد [(١)] .
_________________
(١) [(١)] البخاري عن مسدد في ٨- كتاب الصلاة، (١٢) باب ما يذكر في الفخذ.
[ ٤ / ٢٢٧ ]
رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي الرَّبِيعِ عَنْ حَمَّادٍ [(٢)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّغَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ دَاوُدَ الْحَرَّانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ (ح) .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ عَبْدَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ صَالِحٍ الشِّيرَازِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٍ (ح) .
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ زَيْدُ بْنُ أَبِي هَاشِمٍ الْعَلَوِيُّ بِالْكُوفَةِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دُحَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ أَبِي الْحُسَيْنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لِأَبِي طَلْحَةَ حِينَ أَرَادَ الْخُرُوجَ إِلَى خَيْبَرَ الْتَمِسْ لِي غُلَامًا مِنْ غِلْمَانِكُمْ يَخْدُمُنِي فَخَرَجَ بِي أَبُو طَلْحَةَ فَرَدَفَنِي وَأَنَا غُلَامٌ قَدْ رَاهَقْتُ، فَكَانَ إِذَا نَزَلَ خَدَمْتُهُ، فَسَمِعْتُهُ كَثِيرًا مِمَّا يَقُولُ: اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ وَضَلَعِ الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ.
فَلَمَّا فَتَحَ اللهُ الْحِصْنَ ذُكِرَ لَهُ جَمَالُ صَفِيَّةَ، وَكَانَتْ عَرُوسًا وَقُتِلَ زَوْجُهَا، فَاصْطَفَاهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ لِنَفْسِهِ، فَلَمَّا كُنَّا بِسَدِّ الصَّهْبَاءِ حَلَّتْ، فَبَنَى بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَاتَّخَذَ حَيْسًا فِي نِطْعٍ صَغِيرٍ، وَكَانَتْ وَلِيمَتَهُ فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُحَوِّي لَهَا بِعَبَاءَةٍ خَلْفَهُ، وَيَجْلِسُ عِنْدَ نَاقَتِهِ فَيَضَعُ رُكْبَتَهُ، فَتَجِيءُ صَفِيَّةُ فَتَضَعُ رِجْلَهَا عَلَى رُكْبَتِهِ، ثُمَّ تَرْكَبُ، فَلَمَّا بَدَا لَنَا أُحُدٌ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ، فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ، قَالَ: اللهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ اللهُمَّ وَإِنِّي أُحَرِّمُ لَابَتَيْهَا اللهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي صَاعِهِمْ وَمُدِّهِمْ لَفْظُ حَدِيثِ سعيد بن منصور.
_________________
(١) [(٢)] وأخرجه مسلم في: ١٦- كتاب النكاح (١٣) باب فضيلة إعتاق أمته ثم يتزوجها.
[ ٤ / ٢٢٨ ]
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ الْغَفَّارِ بْنِ دَاوُدَ [(٣)] .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ سَعِيدٍ [(٤)] أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ شَرِيكٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسًا، قَالَ:
أَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ خَيْبَرَ وَالْمَدِينَةِ ثَلَاثَ لَيَالٍ يُبْنَى عَلَيْهِ بِصَفِيَّةَ، فَدَعَوْتُ الْمُسْلِمِينَ إِلَى وَلِيمَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ خُبْزٍ وَلَا لَحْمٍ، وَمَا كَانَ إِلَّا أَنْ أَمَرَ بِالْأَنْطَاعِ فَبُسِطَتْ وَأَلْقَى عَلَيْهَا التَّمْرَ، وَالْأَقِطَ، وَالسَّمْنَ، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ هِيَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُهُ، قَالُوا: إِنْ حَجَبَهَا فَهِيَ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِنْ لَمْ يَحْجُبْهَا فَهِيَ مَا مَلَكَتْ يَمِينُهُ، فَلَمَّا ارْتَحَلَ وَطَّأَ لَهَا خَلْفَهُ وَمَدَّ الْحِجَابَ بَيْنَهَا وبَيْنَ النَّاسِ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ [(٥)] أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِئُ الاسفرائيني بِهَا، قَالَ أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ غِيَاثٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عمر، فيما يحب أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، قَاتَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ حَتَّى أَلْجَأَهُمْ إِلَى قَصْرِهِمْ فَغَلَبَ عَلَى الْأَرْضِ وَالزَّرْعِ وَالنَّخْلِ فَصَالَحُوهُ عَلَى أَنْ يَجْلُوا مِنْهَا وَلَهُمْ مَا حَمَلَتْ رِكَابُهُمْ، وَلِرَسُولِ الله ﷺ الصَّفْرَاءُ وَالْبَيْضَاءُ [وَالْحَلْقَةُ] [(٦)]
_________________
(١) [(٣)] في: ٦٤- كتاب المغازي، (٣٨) باب غزوة خيبر، الحديث (٤٢١١)، فتح الباري (٧: ٤٧٨) . [(٤)] أخرجه مسلم في المناسك (٨٥)، عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ، وسعيد بن منصور. تحفة الأشراف (١: ٢٩٤) . [(٥)] أخرجه البخاري في: ٦٤- كتاب المغازي، (٣٨) باب غزوة خيبر، الحديث (٤٢١٣)، فتح الباري (٧: ٤٧٩) . [(٦)] مِنْ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ.
[ ٤ / ٢٢٩ ]
وَيَخْرُجُونَ مِنْهَا وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَكْتُمُوا وَلَا يُغَيِّبُوا شَيْئًا، فَإِنْ فَعَلُوا فَلَا ذِمَّةَ لَهُمْ، وَلَا عَهْدَ فَغَيَّبُوا مَسْكًا فِيهِ مَالٌ وَحُلِيٌّ لِحُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ كَانَ احْتَمَلَهُ مَعَهُ إِلَى خَيْبَرَ حِينَ أُجْلِيَتِ النَّضِيرُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِعَمِّ حُيَيٍّ: مَا فَعَلَ مَسْكُ حُيَيٍّ الَّذِي جَاءَ بِهِ مِنَ النَّضِيرِ، فَقَالَ: أَذْهَبَتْهُ النَّفَقَاتُ وَالْحُرُوبُ، فَقَالَ الْعَهْدُ قَرِيبٌ وَالْمَالُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، فَدَفَعَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الزُّبَيْرِ فَمَسَّهُ بِعَذَابٍ، وَقَدْ كَانَ حُيَيٌّ قَبْلَ ذَلِكَ دَخَلَ خَرِبَةً فَقَالَ قَدْ رَأَيْتُ حُسًّا يَطُوفُ فِي خَرِبَةٍ هَاهُنَا، فَذَهَبُوا فَطَافُوا فَوَجَدُوا الْمَسْكَ فِي الْخَرِبَةِ، فَقَتَلَ رَسُولُ الله ﷺ ابْنَيْ أَبِي حُقَيْقٍ وَأَحَدُهُمَا زَوْجُ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ، وَسَبَى رَسُولُ اللهِ ﷺ نِسَاءَهُمْ وَذَرَارِيَّهُمْ، وَقَسَمَ أَمْوَالَهُمْ بِالنَّكْثِ الَّذِي نَكَثُوا، وَأَرَادَ أَنْ يُجْلِيَهُمْ مِنْهَا، فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ دَعْنَا نَكُونُ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ نُصْلِحُهَا وَنَقُومُ عَلَيْهَا وَلَمْ يَكُنْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَلَا لِأَصْحَابِهِ غِلْمَانٌ يَقُومُونَ عَلَيْهَا، وَكَانُوا لَا يَفْرُغُونَ أَنْ يَقُومُوا عَلَيْهَا، فَأَعْطَاهُمْ خَيْبَرَ عَلَى أَنَّ لَهُمُ الشَّطْرَ مِنْ كُلِّ زَرْعٍ وَنَخْلٍ وَشَيْءٍ مَا بَدَا لِرَسُولِ ﷺ.
وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ يَأْتِيهِمْ كُلَّ عَامٍ فيخرصها عليهم ثم يضمّينهم الشَّطْرَ، فَشَكَوْا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ خَرْصَهُ، وَأَرَادُوا أَنْ يَرْشُوهُ، فَقَالَ: يَا أَعْدَاءَ اللهِ تُطْعِمُونِي السُّحْتَ، وَاللهِ لَقَدْ جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَلَأَنْتُمْ أَبْغَضُ إِلَيَّ مِنْ عِدَّتِكُمْ مِنَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ، وَلَا يَحْمِلُنِي بُغْضِي إِيَّاكُمْ وَحُبِّي إِيَّاهُ عَلَى أَنْ لَا أَعْدِلَ عَلَيْكُمْ، فَقَالُوا: بِهَذَا قَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ.
قَالَ وَرَأَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِعَيْنِ صَفِيَّةَ خُضْرَةً فَقَالَ يَا صَفِيَّةُ مَا هَذِهِ الْخُضْرَةُ؟
فَقَالَتْ: كَانَ رَأْسِي فِي حِجْرِ ابْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ وَأَنَا نَائِمَةٌ فَرَأَيْتُ كَأَنْ وَقَعَ فِي حِجْرِي فَأَخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ فَلَطَمَنِي، وَقَالَ تَمَنَّيْنَ مَلِكَ يَثْرِبَ، قَالَتْ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ أَبْغَضِ النَّاسِ إِلَيَّ قَتَلَ زَوْجِي وَأَبِي فَمَا زَالَ يَعْتَذِرُ إِلَيَّ وَيَقُولُ: إِنَّ أَبَاكِ أَلَّبَ عَلَيَّ الْعَرَبَ، وَفَعَلَ وَفَعَلَ حَتَّى ذَهَبَ ذَلِكَ مِنْ نَفْسِي.
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُعْطِي كُلَّ امْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِهِ ثَمَانِينَ وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ كُلَّ عَامٍ
[ ٤ / ٢٣٠ ]
وَعِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ شَعِيرٍ، فَلَمَّا كَانَ زَمَانُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ غَشُّوا الْمُسْلِمِينَ وَأَلْقَوَا ابْنَ عُمَرَ مِنْ فَوْقِ بَيْتٍ فَفَدَغُوا يَدَيْهِ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مَنْ كَانَ لَهُ سَهْمٌ مِنْ خَيْبَرَ فَلْيَحْضُرْ حَتَّى نَقْسِمَهَا بَيْنَهُمْ، فَقَسَمَهَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ رَئِيسُهُمْ لَا تُخْرِجْنَا دَعْنَا نَكُونُ فِيهَا كَمَا أَقَرَّنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ عُمَرُ لِرَئِيسِهِمْ أَتُرَاهُ سَقَطَ عَنِّي قَوْلُ رسول الله ﷺ كَيْفَ بِكَ إِذَا رَقَصَتْ بِكَ رَاحِلَتُكَ تُخُومَ الشَّامِ يَوْمًا ثُمَّ يَوْمًا ثُمَّ يَوْمًا، وَقَسَمَهَا عُمَرُ بَيْنَ مَنْ كَانَ شَهِدَ خَيْبَرَ مِنْ أَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ.
اسْتَشْهَدَ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ وَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ [(٧)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عُلَاثَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: ثُمَّ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ حَاصَرُوا الْيَهُودَ أَشَدَّ الْحِصَارِ فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ الْأَمَنَةَ عَلَى دِمَائِهِمْ، وَيَبْرُزُونَ لَهُ مِنْ خَيْبَرَ وَأَرْضِهَا، وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ مَالٍ فَقَاضَاهُمْ عَلَى الصَّفْرَاءِ وَالْبَيْضَاءِ وَهُوَ الدِّينَارُ
_________________
(١) [(٧)] والحديث اخرج شطره الأول ابو داود في كتاب الخراج والإمارة والفيء، بَابُ مَا جَاءَ فِي حكم ارض خيبر، الحديث (٣٠٠٦)، ص (٣: ١٥٧- ١٥٨) . وما أشار اليه المصنف أن البخاري أشار إليه مستشهدا به، فقد ورد في: ٥٤- كتاب الشروط، (١٤) إذا اشترط في المزارعة «إذا شئت أخرجتك»، قال البخاري: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أبو غسان الكناني أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ «لما فدع اهل خيبر عبد الله بن عمر قام عمر خطيبا فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَامَلَ يَهُودَ خَيْبَرَ عَلَى أموالهم وَقَالَ: نُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمُ اللهُ، وَإِنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ خَرَجَ إِلَى مَالِهِ هُنَاكَ فَعُدِيَ عَلَيْهِ مِنَ اللَّيْلِ فَفُدِعَتْ يَدَاهُ ورجلاه، وَلَيْسَ لَنَا هُنَاكَ عَدُوٌّ غيرهم، هم عدونا وتهمتنا، وَقَدْ رَأَيْتُ إِجْلَاءَهُمْ. فَلَمَّا أجمع عمر عَلَى ذَلِكَ أَتَاهُ أَحَدُ بني أبي الْحُقَيْقِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أتخرجنا وقد أقرنا محمد ﷺ وَعَامَلَنَا عَلَى الْأَمْوَالِ وَشَرَطَ ذَلِكَ لَنَا؟ فَقَالَ عُمَرُ: أَظَنَنْتَ أَنِّي نَسِيتُ قَوْلَ رَسُولِ اللهِ ﷺ: كَيْفَ بِكَ إِذَا أُخْرِجْتَ مِنْ خَيْبَرَ تَعْدُو بِكَ قَلُوصُكَ لَيْلَةً بعد ليلة. فقال: كان ذلك هزيلة من أبي القاسم. فقال: كَذَبْتَ يَا عَدُوَّ اللهِ. فأجلاهم عمر، وأعطاهم قيمة مَا كَانَ لَهُمْ مِنْ الثمر مَالًا وَإِبِلًا وَعُرُوضًا مِنْ أَقْتَابٍ وَحِبَالٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ» .
[ ٤ / ٢٣١ ]
وَالدِّرْهَمُ، وَعَلَى الْحَلْقَةِ وَهِيَ الْأَدَاةُ، وَعَلَى الْبَزِّ، إِلَّا ثَوْبًا عَلَى ظَهْرِ إِنْسَانٍ وَبَرِئَتْ ذِمَّةُ اللهِ مِنْكُمْ إِنْ كَتَمْتُمْ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْمَلُوا فِي أَمْوَالِكُمْ عَلَى نِصْفِ الثَّمَرِ كُلَّ عَامٍ مَا أَقْرَرْنَاكُمْ، فَإِذَا شِئْنَا أَنْ نُخْرِجَكُمْ أَخْرَجْنَاكُمْ، فَنَزَلُوا عَلَى ذَلِكَ، وَكَتَمَ بَنُو أَبِي الْحُقَيْقِ آنِيَةً مِنْ فِضَّةٍ، وَمَالًا كَثِيرًا كَانَ فِي مَسْكِ جَمَلٍ عِنْدَ كِنَانَةَ ابن رَبِيعِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَيْنَ الْآنِيَةُ وَالْمَالُ الَّذِي خَرَجْتُمْ بِهِ مِنَ الْمَدِينَةِ حِينَ أَجْلَيْنَاكُمْ؟ قَالُوا: ذَهَبَ وَحَلَفُوا عَلَى ذَلِكَ وَأَعْلَمَ اللهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِالْمَالِ الَّذِي عِنْدَهُمَا، فَدَفَعَهُمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الزُّبَيْرِ يُعَذِّبُهُمَا فَاعْتَرَفَ ابْنُ عَمِّ كِنَانَةَ فَدَلَّ عَلَى الْمَالِ، ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ الزُّبَيْرَ فَدَفَعَ كِنَانَةَ بْنَ أَبِي الْحُقَيْقِ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ، فَقَتَلَهُ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّ كِنَانَةَ هُوَ قَتَلَ مَحْمُودَ بْنَ مَسْلَمَةَ.
وَاسْتَحَلَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَبْيَ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ وَابْنَةِ عَمِّهَا وَكَانَتْ تَحْتَ كِنَانَةَ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ، فَأَعْطَى ابْنَةَ عَمِّهَا دِحْيَةَ الْكَلْبِيَّ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَعَدَهَا دِحْيَةَ وَأَمْسَكَ صَفِيَّةَ وَسَبَاهَا، وَهِيَ عَرُوسٌ حِدْثَانٌ مَا دَخَلَتْ بَيْتَهَا، فَأَمَرَ بِلَالًا أَنْ يَذْهَبَ بِهَا إِلَى الرَّحْلِ، فَمَرَّ بِهَا بِلَالٌ وَسْطَ الْقَتْلَى، فَكَرِهَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَقَالَ: أَذَهَبَتْ مِنْكَ الرَّحْمَةُ يَا بِلَالُ، وعُرِضَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَسْلَمْتُ، فَاصْطَفَاهَا لِنَفْسِهِ، وَدَخَلَ بِهَا، وَلَمْ يَشْعُرْ بِذَلِكَ رِجَالٌ كُلُّهُمْ يَرْجُو أَنْ يُعْطِيَهَا إِيَّاهُ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُعْرِضُوا عَنْهَا وَأَبْصَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خُضْرَةً فِي وَجْهِهَا، فَقَالَ: مَا هَذَا بِوَجْهِكِ؟ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ رَأَيْتُ رُؤْيَا قَبْلَ قُدُومِكَ عَلَيْنَا وَلَا وَاللهِ مَا أَذْكُرُ مِنْ شَأْنِكَ مِنْ شَيْءٍ قَصَصْتُهَا عَلَى زَوْجِي، فَلَطَمَ وَجْهِي، وَقَالَ تَمَنَّيْنَ هَذَا الْمَلِكَ الَّذِي بِالْمَدِينَةِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «وَمَاذَا رَأَيْتِ؟» قَالَتْ: رَأَيْتُ الْقَمَرَ زَالَ مِنْ مَكَانِهِ فَوَقَعَ فِي حِجْرِي، فَأُعْجِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِرُؤيَاهَا.
فَلَمَّا أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَرْتَحِلَ قَافِلًا إِلَى الْمَدِينَةِ فَلَمَّا رَكِبَ جَعَلَ ثَوْبَهُ الَّذِي
[ ٤ / ٢٣٢ ]
ارْتَدَى بِهِ عَلَى ظَهْرِهَا وَوَجْهِهَا ثُمَّ شَدَّ طَرَفَهُ تَحْتَهُ فَأَخَّرُوا عَنْهُ فِي الْمَسِيرِ وَعَلِمُوا أَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ نِسْوَتِهِ، ولَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَخِذَهُ لِيَحْمِلَهَا عَلَى الرَّاحِلَةِ أَجَلَّتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنْ تَضَعَ قَدَمَهَا عَلَى فَخِذِهِ، فَوَضَعْتُ رُكْبَتَهَا عَلَى فَخِذِهِ ثُمَّ رَكِبَتْ وَقَدْ بَاتَ أَبُو أَيُّوبَ لَيْلَةَ دَخَلَ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَائِمًا قَرِيبًا مِنْ قُبَّتِهِ آخِذًا بِقَائِمِ السَّيْفِ حَتَّى أَصْبَحَ فَلَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بُكْرَةً كَبَّرَ أَبُو أَيُّوبَ حِينَ أَبْصَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ خَرَجَ، فَسَأَلَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَا بَالُكَ يَا أَبَا أَيُّوبَ؟ قَالَ: لَمْ أَرْقُدْ لَيْلَتِي هَذِهِ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لِمَ يَا أَبَا أَيُّوبَ؟» قَالَ: لَمَّا دَخَلْتَ بِهَذِهِ الْمَرْأَةِ ذَكَرْتُ أَنَّكَ قَتَلْتَ أَبَاهَا وَأَخَاهَا وَزَوْجَهَا وَعَامَّةَ عَشِيرَتِهَا فَخِفْتُ لعمر واللهِ أَنْ تَغْتَالَكَ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَالَ لَهُ مَعْرُوفًا، وَدَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى يَهُودِ خَيْبَرَ الْأَمْوَالَ عَلَى أَنْ يَعْمَلُوهَا وَلَهُمْ نِصْفُ الثَّمَرَةِ.
وَذَكَرَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ فِي الْمَغَازِي هَذِهِ الْقِصَّةَ بِمَعْنَى مَا رَوَيْنَا إِلَّا أَنَّهُ ذَكَرَ فِي قِصَّةِ الْكَنْزِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَأَلَ كِنَانَةَ بْنَ الرَّبِيعِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ عَنْ ذَلِكَ، وَسَأَلَ مَعَ كِنَانَةَ حُيَيَّ بْنَ الرَّبِيعِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ، فَقَالَا: أَنْفَقْنَاهُ فِي الْحَرْبِ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ شَيْءٌ وَحَلَفَا لَهُ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَرِئَتْ مِنْكُمَا ذِمَّةُ اللهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ إِنْ كَانَ عِنْدَكُمَا أَوْ قَالَ نَحْوًا مِنْ هَذَا الْقَوْلِ، فَقَالَا: نَعَمْ فَأَشْهَدَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ أَمَرَ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ أَنْ يُعَذِّبَ كِنَانَةَ فَعَذَّبَهُ حَتَّى خَافَهُ فَلَمْ يَعْتَرِفْ بِشَيْءٍ وَلَا نَدْرِي أعذب حييّ أَوْ لَا، ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ الْكَنْزِ غُلَامًا لَهُمَا يُقَالُ لَهُ ثَعْلَبَةُ كَانَ كَالضَّعِيفِ، فَقَالَ: لَيْسَ لِي عِلْمٌ بِهِ غَيْرَ أَنِّي قَدْ كُنْتُ أَرَى كِنَانَةَ يَطُوفُ كُلَّ غَدَاةٍ بِهَذِهِ الْخَرِبَةِ فَإِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ فَهُوَ فِيهَا فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى تِلْكَ الْخَرِبَةِ فَوَجَدُوا فِيهَا ذَلِكَ الْكَنْزَ فَأُتِيَ بِهِ وَذَكَرَ قصة صفيّة [(٨)] .
_________________
(١) [(٨)] اختصر رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ابن عبد البر في الدرر (٢٠٢) وساق بعضه ابن كثير في التاريخ (٤: ١٩٧)، والصالحي في السيرة الشامية (٥: ٢٠٥) .
[ ٤ / ٢٣٣ ]
أَخْبَرَنَاهُ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَتَّابٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ الْجَوْهَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابن إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ عَمِّهِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، فَذَكَرَ الْقِصَّةَ، قَالَ مُوسَى:
حَدَّثَنَا نَافِعٌ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، قَالَ: لَمَّا فُتِحَتْ خَيْبَرُ سَأَلَتْ يَهُودُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنْ يُقِرَّهُمْ فِيهَا عَلَى أَنْ يَعْمَلُوا عَلَى نِصْفِ مَا خَرَجَ مِنْهَا مِنَ الثَّمَرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «نُقِرُّكُمْ فِيهَا عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا» فَكَانُوا فِيهَا كَذَلِكَ حَتَّى أَخْرَجَهُمْ عُمَرَ [(٩)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ: الْحَسَنُ بْنُ محمد ابن إسحاق الاسفرائيني، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمِرَارُ بْنُ حَمُّوَيْهِ الْهَمَذَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْكِنَانِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا فُدِعْتُ [(١٠)] بِخَيْبَرَ قَامَ عُمَرُ خَطِيبًا فِي النَّاسِ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَامَلَ يَهُودَ خَيْبَرَ عَلَى أَمْوَالِهَا، وَقَالَ: «نُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمُ اللهُ» وَإِنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ خَرَجَ إِلَى مَالِهِ هُنَاكَ فَعُدِيَ عَلَيْهِ مِنَ اللَّيْلِ فَفُدِعَتْ يَدَاهُ، وَلَيْسَ لنا هنا كعدوّ غَيْرُهُمْ، وَهُمْ تُهْمَتُنَا، وَقَدْ رَأَيْتُ إِجْلَاءَهُمْ، فَلَمَّا أَجْمَعَ عَلَى ذَلِكَ أَتَاهُ أَحَدُ بَنِي الْحُقَيْقِ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ تُخْرِجُنَا وَقَدْ أَمَّرَنَا مُحَمَّدٌ وَعَامَلَنَا عَلَى الْأَمْوَالِ، وَشَرَطَ ذَلِكَ لَنَا؟ فَقَالَ عُمَرُ: أَظَنَنْتَ أَنِّي نَسِيتُ قَوْلَ رَسُولِ اللهِ ﷺ: كَيْفَ بِكَ إِذَا أُخْرِجْتَ مِنْ خَيْبَرَ تَعْدُو بِكَ قَلُوصُكَ [(١١)] لَيْلَةً بَعْدَ لَيْلَةٍ، فأجلاهم وأعطاهم مالهم مِنَ التَّمْرِ مَالًا وَإِبِلًا وعروضا من أقتاب
_________________
(١) [(٩)] ذكره الصالحي في السيرة الشامية (٥: ٢٠٧) وعزاه للبخاري وللبيهقي، والحديث أخرجه البخاري في المزارعة والحرث باب (١٧) . [(١٠)] القوا عبد الله بن عمر من فوق بيت، ففدعوا يديه، ويقال: بل سحروه بالليل وهو نائم على فراشه فكوع حتى أصبح كأنه في وثاق، وجاء أصحابه فأصلحوا من يديه. والفدع: اعوجاج الرسغ من اليد او الرجل فينقلب الكف او القدم الى الجانب الآخر. [(١١)] (القلوص): بفتح القاف من الإبل بمنزلة الجارية من النساء، وهي الشابة. الجمع: قلص.
[ ٤ / ٢٣٤ ]
وَحِبَالٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ [(١٢)] عَنْ أَبِي أَحْمَدَ، وَهُوَ مِرَارُ بْنُ حَمُّوَيْهِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الرُّوذْبَارِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ دَاسَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ، مَوْلَى الْأَنْصَارِ، عَنْ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أن رسول الله ﷺ لَمَّا ظَهَرَ عَلَى خَيْبَرَ قَسَمَهَا عَلَى سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ سَهْمًا جَمَعَ كُلَّ سَهْمٍ مِائَةَ سَهْمٍ فَكَانَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَلِلْمُسْلِمِينَ النِّصْفُ مِنْ ذَلِكَ وَعَزَلَ النِّصْفَ الْبَاقِيَ لِمَنْ نَزَلَ بِهِ مِنَ الْوُفُودِ وَالْأُمُورِ وَنَوَائِبِ النَّاسِ [(١٣)] .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِسْكِينٍ الْيَمَامِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، قَالَ:
[حَدَّثَنَا] [(١٤)] سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا أَفَاءَ اللهُ ﷿ عَلَيْهِ خَيْبَرَ قَسَمَهَا سِتَّةً وَثَلَاثِينَ سَهْمًا جَمَعَ فَعَزَلَ لِلْمُسْلِمِينَ الشَّطْرَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا يَجْمَعُ كُلُّ سَهْمٍ مِائَةَ النَّبِيِّ ﷺ مَعَهُمْ لَهُ سَهْمٌ كَسَهْمِ أَحَدِهِمْ، وَعَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا، وَهُوَ الشَّطْرُ لِنَوَائِبِهِ وَمَا يَنْزِلُ بِهِ مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ، فَكَانَ ذَلِكَ الْوَطِيحَ وَالْكُتَيْبَةَ وَالسَّلَالِمَ وَتَوَابِعَهَا فَلَمَّا صَارَتِ الْأَمْوَالُ بِيَدِ النَّبِيِّ ﷺ وَالْمُسْلِمِينَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ عُمَّالٌ يَكْفُونَهُمْ عَمَلَهَا، فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ اليهود فعاملهم [(١٥)] .
_________________
(١) [(١٢)] فتح الباري (٥: ٣٢٧) . [(١٣)] تفرد به أبو داود في كتاب الخراج، بَابُ مَا جَاءَ فِي حكم ارض خيبر، الحديث (٣٠١٢)، صفحة (٣: ١٥٩) . [(١٤)] من (ح) -. [(١٥)] الحديث في سنن ابي داود رقم (٣٠١٤) ص (٣: ١٦٠) .
[ ٤ / ٢٣٥ ]
قُلْتُ: وَهَذَا لِأَنَّ بَعْضَ خَيْبَرَ فُتِحَ عَنْوَةً وَبَعْضَهَا صُلْحًا فَقَسَمَ مَا فُتِحَ عَنْوَةً بَيْنَ أَهْلِ الْخُمْسِ وَالْغَانِمِينَ وَعَزَلَ مَا فُتِحَ صُلْحًا لِنَوَائِبِهِ وَمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَاللهُ أَعْلَمُ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ دَاوُدَ الْعَلَوِيُّ﵀- قَالَ:
أَخْبَرَنَا أَبُو حَامِدِ الشرفي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَزْهَرِ مِنْ أَصْلِهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ خَيْبَرَ يَوْمَ أَشْرَكَهَا النَّبِيُّ ﷺ، كَانَ فِيهَا زَرْعٌ وَنَخْلٌ، فَكَانَ يَقْسِمُ لِنِسَائِهِ كُلَّ سَنَةٍ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ مائة وسق تمر وعشرين وسق شعير لِكُلِّ امْرَأَةٍ، قَالَ أَبُو حَامِدٍ:
حَدَّثَنَا بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ ابْنَ عُمَرَ [(١٦)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ ﵀، قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنٌ لِمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ، عَمَّنْ أَدْرَكَ مِنْ أَهْلِهِ، قَالَ: وَحَدَّثَنِيهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، قَالَ: كَانَتِ الْمَقَاسِمُ عَلَى أَمْوَالِ خَيْبَرَ عَلَى الشَّقِّ وَالنَّطَاةِ وَالْكُتَيْبَةِ، وَكَانَتِ الشَّقُّ وَالنَّطَاةُ فِي سُهْمَانِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَتِ الْكُتَيْبَةُ خُمُسَ اللهِ وَسَهْمَ الرَّسُولِ وَسَهْمَ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ، وَطَعَامَ أَزْوَاجِ النبي ﷺ، وَطَعَامَ رِجَالٍ مَشَوْا فِي الصُّلْحِ، مَشَوْا بَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَهْلِ فَدَكٍ، مِنْهُمْ، مُحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، أَعْطَاهُ مِنْهَا ثَلَاثِينَ وَسْقًا شَعِيرًا وَثَلَاثِينَ وَسْقًا تَمْرًا، وَقُسِمَتْ خَيْبَرُ عَلَى أَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ، مَنْ شَهِدَ مِنْهُمْ خَيْبَرَ، وَمَنْ غَابَ عَنْهَا، وَلَمْ يَغِبْ عَنْهَا إِلَّا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأَنْصَارِيُّ، فَقَسَمَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ كَسَهْمِ مَنْ حَضَرَهَا، فكان واديها: وادي
_________________
(١) [(١٦)] هنا انتهت نسخة دار الكتب المصرية ذات الرقم [٢١٢- حديث]، والمرموز إليها بالحرف (ص) والتي بلغت (٤٧١) لوحة.، وفي وصفها يمكن مراجعة تقدمتنا للسفر الأول من هذا الكتاب.
[ ٤ / ٢٣٦ ]
السُّرَيِّرِ، وَوَادِي خَاصٍ [(١٧)]، وَهُمَا اللَّذَانِ قُسِمَتْ عَلَيْهِمْ خَيْبَرُ، وَكَانَتْ نَطَاةُ، وَالشَّقُّ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا: نَطَاةُ عَنْ ذَلِكَ خَمْسَةُ أَسْهُمٍ، وَالشَّقُّ ثَلَاثَةَ عَشَرَ سَهْمًا، فَقَسَمَهَا على ألف وثماني مائة سَهْمٍ، وَكَانَ ذَلِكَ عَدَدَ الَّذِينَ قُسِمَتْ خَيْبَرُ عَلَيْهِمْ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، خَيْلُهُمْ وَرِجَالُهُمُ: الرِّجَالُ أَلْفٌ وَأَرْبَعُمِائَةِ رَجُلٍ، وَالْخَيْلُ مِائَتَا فَرَسٍ، فَكَانَ لِلْفَرَسِ سَهْمَانِ، وَلِصَاحِبِهِ سَهْمٌ، وَلِكُلِّ رَاجِلٍ سَهْمٌ، وَكَانَ لِكُلِّ مِائَةِ سَهْمٍ رَأْسٌ جُمِعَ إِلَيْهِ مِائَةُ رَجُلٍ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ في ذلك الرؤوس [(١٨)] .
قَالَ: ثُمَّ قَسَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خُمُسَهُ لِلْكُتَيْبَةِ وَهِيَ وَادِي خَاصٍ بَيْنَ أَهْلِ قَرَابَتِهِ وَبَيْنَ نِسَائِهِ، وَبَيْنَ رِجَالٍ وَنِسَاءٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَعْطَاهُمْ مِنْهَا ثُمَّ ذَكَرَ أَسَامِيهِمْ [(١٩)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ النَّحْوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ يَعْنِي ابْنَ عمرو ابن السَّرْحِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ: وَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ كَثِيرٍ مَوْلَى بَنِي مَخْزُومٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عباس.
_________________
(١) [(١٧)] وادي خاص- بالخاء المعجمة، فألف، فصاد مهملة، كذا عند أبي إسحاق وجرى عليه ياقوت والسيد وغيرهما، وقال أبو الوليد الوقشي: إنما هو وادي خلص باللام قال البكري: وهو بضم أوله، وإسكان ثانيه، وبالصاد المهملة. [(١٨)] الخبر رواه ابن هشام في السيرة (٣: ٣٠٤)، وقال: «فكان علي بن أبي طالب رأسا، والزبير ابن العوام وطلحة بن عبيد الله، وعمر بن الخطاب، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وعاصم بْنُ عَدِيٍّ، أَخُو بَنِي العجلان، وأسيد (بن الحضير) وسهم الحرث بن الخزرج، وسهم ناعم، وسهم بني بياضة وسهم بني عبيدة، وسهم بني حرام من بني سلمة، وعبيد السهام. [(١٩)] الخبر رواه ابن هشام في السيرة (٣: ٣٠٤)، وذكر أساميهم واستغرق ذلك من صفحة (٣٠٤- ٣٠٦)، ثم ذكر ما أعطى مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ ﷺ نِسَاءَهُ من قمح خيبر.
[ ٤ / ٢٣٧ ]
أن رسول الله ﷺ قَسَمَ لِمِائَتَيْ فَرَسٍ يَوْمَ خَيْبَرَ سَهْمَيْنِ سَهْمَيْنِ (ح) .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ: أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ لِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَصَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَسَمَ لِمِائَتَيْ فَرَسٍ يَوْمَ خَيْبَرَ: سَهْمَيْنِ سَهْمَيْنِ.
وَأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدُ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، قَالَ: كَانَ مَعَهُمْ يَوْمَئِذٍ مِائَةُ فَرَسٍ، فَقَسَمَ لِكُلِّ فَرَسٍ سهمين.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ السَّمَّاكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَنْبَلُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، قَالَ: كَانُوا يَوْمُ خَيْبَرَ أَلْفًا وأربع مائة، وَكَانَتِ الْخَيْلُ مِائَتَيْ فَرَسٍ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو الْبِسْطَامِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا أَبُو يَعْلَى، وَالْبَغَوِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ أَبُو خَيْثَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمُ بْنُ أَخْضَرَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْأَنْفَالِ يَوْمَ خَيْبَرَ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ وَلِصَاحِبِهِ سَهْمًا.
أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ زَائِدَةَ [(٢٠)] عَنْ عُبَيْدِ اللهِ يَذْكُرُ خَيْبَرَ فِيهِ.
_________________
(١) [(٢٠)] الْبُخَارِيُّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَابِقٍ، عن زائدة بن قدامة الثقفي الكوفي،
[ ٤ / ٢٣٨ ]
وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ بَيْنَ أَهْلِ الْمَغَازِي.
وَقَدْ أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الرُّوذْبَارِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ:
مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُجَمِّعُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ مُجَمِّعِ بْنِ يَزِيدَ الْأَنْصَارِيُّ، قَالَ:
سَمِعْتُ أَبِي يَعْقُوبَ بْنِ مُجَمِّعٍ، يَذْكُرُ عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ عَمِّهِ مُجَمِّعِ بْنِ جَارِيَةَ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: وَكَانَ أحد القراء الذين قرأوا الْقُرْآنَ، قَالَ: شَهِدْنَا الْحُدَيْبِيَةَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلَمَّا انْصَرَفْنَا عَنْهَا إِذَا النَّاسُ يَهُزُّونَ [(٢١)] الْأَبَاعِيرَ، فَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ مَا لِلنَّاسِ قَالُوا أُوحِيَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَخَرَجْنَا مَعَ النَّاسِ نُوجِفُ فَوَجَدْنَا النَّبِيَّ ﷺ وَاقِفًا عَلَى رَاحِلَتِهِ عِنْدَ كُرَاعِ الْغَمِيمِ، فَلَمَّا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ قَرَأَ عَلَيْهِمْ: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ [(٢٢)]، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ أَفَتْحٌ هُوَ، قَالَ: نَعَمْ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنَّهُ لَفَتْحٌ، فَقُسِمَتْ خَيْبَرُ عَلَى أَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ، فَقَسَمَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ على ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا وَكَانَ الجيش ألفا وخمس مائة فِيهِمْ ثَلَاثُمِائَةِ فَارِسٍ فَأَعْطَى الْفَارِسَ سَهْمَيْنِ، وَأَعْطَى الرَّاجِلَ سهما.
_________________
(١) [()] عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عمر، في: ٦٤- كتاب المغازي (٣٨) باب غزوة خيبر. وأما بالإسناد الذي ساقه المصنف، وفيه: سليم بن اخضر البصري، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ أبي عمر، فقد أخرجه مسلم في ٣٢- كتاب الجهاد والسير، (١٧) باب كيفية قسمة الغنيمة بين الحاضرين الحديث (٥٧)، ص (١٣٨٣)، وكذا أخرجه الترمذي في السير، وقال: «حسن صحيح» . [(٢١)] اي يحركون رواحلهم. [(٢٢)] أول سورة الفتح.
[ ٤ / ٢٣٩ ]
كَذَا رَوَاهُ مُجَمِّعُ بْنُ يَعْقُوبَ،
وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْأَكْثَرَ مِنْ حُفَّاظِ الرُّوَاةِ قَالُوا كانوا ألفا وأربع مائة وَرُوِّينَا عَنْ جَمَاعَةٍ أَنَّهُ كَانَ فِيهِمْ مِائَتَا فَرَسٍ وَاللهُ أَعْلَمُ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ: عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَرَجِ الْأَزْرَقُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ زَنْبَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ [(٢٣)]: أَعْطَى النَّبِيُّ ﷺ الزُّبَيْرَ يَوْمَ خَيْبَرَ أَرْبَعَةَ أَسْهُمٍ: سَهْمَيْنِ لِلْفَرَسِ، وَسَهْمًا لَهُ، وَسَهْمًا لِلْقَرَابَةِ.
قُلْتُ: يُرِيدُ سَهْمَ أُمِّهِ صَفِيَّةَ بِنْتِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَهِيَ كَانَتْ حَيَّةً يَوْمَئِذٍ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، قَالَ: لَمَّا قَسَمَ رَسُولُ الله ﷺ سَهْمَ ذَوِي الْقُرْبَى مِنْ خَيْبَرَ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ، وَبَنِي الْمُطَّلِبِ، مَشَيْتُ أَنَا وَعُثْمَانُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ هَؤُلَاءِ إِخْوَتُكَ بَنُو هَاشِمٍ لَا نُنْكِرُ فَضْلَهُمْ لِمَكَانِكَ الَّذِي جَعَلَكَ اللهُ بِهِ مِنْهُمْ أَرَأَيْتَ إِخْوَتَنَا مِنْ بَنِي الْمُطَّلِبِ أَعْطَيْتَهُمْ وَتَرَكْتَنَا وَإِنَّمَا نَحْنُ وَهُمْ مِنْكَ بِمَنْزِلٍ أَحَدٍ. فَقَالَ: إِنَّهُمْ لَمْ يُفَارِقُونَا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ إِنَّمَا بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ ثُمَّ شَبَّكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَيْهِ إِحْدَاهُمَا فِي الْأُخْرَى.
اسْتَشْهَدَ الْبُخَارِيُّ [(٢٤)] بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ بَعْدَ رِوَايَةِ عُقَيْلٍ وَيُونُسَ عَنِ الزهري.
_________________
(١) [(٢٣)] الحديث تقدم، وانظر فهرس الأحاديث في نهاية الكتاب، وقد أخرجه ابو داود في الجهاد (٣: ٧٦) . [(٢٤)] أخرجه البخاري في: ٦٤- كتاب المغازي، (٣٨) باب غزوة خيبر، عَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ، وأخرجه ابو داود في الخراج عن القواريري، عن ابن مهدي وابن ماجة في الجهاد عن يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى.
[ ٤ / ٢٤٠ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الرُّوذْبَارِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بكر بن داسة، قال: حدثنا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، عَنْ حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، قَالَ دُلِّيَ جِرَابٌ [(٢٥)] مِنْ شَحْمٍ يَوْمَ خَيْبَرَ، قَالَ فَأَتَيْتُهُ فَالْتَزَمْتُهُ، قَالَ: ثُمَّ قُلْتُ: لَا أُعْطِي مِنْ هَذَا أَحَدًا شَيْئًا، قَالَ: فَالْتَفَتُّ فَإِذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَبْتَسِمُ إِلَيَّ [(٢٦)] .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْخَلِيلِ الْمَالِينِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَدِيٍّ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ الْحُبَابِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، قَالَ: دُلِّيَ جِرَابٌ مِنْ شَحْمٍ يَوْمَ خَيْبَرَ قَالَ: فَالْتَزَمْتُهُ فَقُلْتُ: هَذَا لِي لَا أُعْطِي أَحَدًا شَيْئًا فَالْتَفَتُّ فَإِذَا النَّبِيُّ ﷺ يَتَبَسَّمُ فَاسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ.
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحِ [(٢٧)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الرُّوذْبَارِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُجَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، قَالَ: قُلْتُ: أَكُنْتُمْ تُخَمِّسُونَ الطَّعَامَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: أَصَبْنَا طَعَامًا يَوْمَ خَيْبَرَ، فَكَانَ الرَّجُلُ يَجِيءُ فَيَأْخُذُ مِنْهُ مِقْدَارَ مَا يَكْفِيهِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ [(٢٨)] .
_________________
(١) [(٢٥)] الجراب وعاء من الجلد، وفي مسلم: «أصيب جرابا» . وفي رواية اخرى: «رمي إلينا» . [(٢٦)] أخرجه البخاري في باب غزوة خيبر، ومسلم في الجهاد والسير (٢٥) باب جواز الأكل من طعام الغنيمة في دار الحرب، الحديث (٧٢)، ص (١٣٩٣) . [(٢٧)] راجع الحاشية السابقة. [(٢٨)] أخرجه ابو داود في: كتاب الجهاد، باب في النهي عن النّهبى إذا كان في الطعام قلة في أرض العدو، الحديث (٢٧٠٤) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَلَاءِ، ص (٣: ٦٦) .
[ ٤ / ٢٤١ ]
أخبرنا أبو محمد عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ الْأَصْبَهَانِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو سعيد ابن الْأَعْرَابِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعْدَانُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ أَوْ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَيْبَرَ، قَدِمَ وَالثَّمَرَةُ خَضِرَةٌ، قَالَ: فَأَسْرَعَ النَّاسُ فِيهَا، فَحُمُّوا فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَيْهِ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُقْرِسُوا [(٢٩)] الْمَاءَ فِي الشِّنَانِ [(٣٠)]، ثُمَّ يُحْدِرُونَ [(٣١)] عَلَيْهِمْ بَيْنَ أَذَانَيِ الْفَجْرِ، وَيَذْكُرُونَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ، قَالَ: فَفَعَلُوا فَكَأَنَّمَا نَشَطُوا مِنْ عُقُلٍ [(٣٢)] .
وَرُوِّينَاهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَافِعٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مَوْصُولًا، وَرُوِيَ عَنْهُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ: الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ [(٣٣)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الرُّوذْبَارِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، عَنْ مُحَمَّدِ ابْنَ زَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَيْرٌ مَوْلَى آبِي اللَّحْمِ، قَالَ: شَهِدْتُ خَيْبَرَ مَعَ سَادَتِي فَكَلَّمُوا فِيَّ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَمَرَنِي فَقُلِّدْتُ سَيْفًا، فَإِذَا أَنَا أَجُرُّهُ فَأُخْبِرَ أَنِّي مَمْلُوكٌ فَأَمَرَ لِي بِشَيْءٍ مِنْ خُرْثِيِّ [(٣٤)] الْمَتَاعِ [(٣٥)] .
وَهُوَ فِيمَا بِهِ إِجَازَةٌ
وَفِي كِتَابِي عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ الْحَافِظِ، وَلَمْ أَجِدْ نسخة
_________________
(١) [(٢٩)] (يقرسوا): يبردوا. [(٣٠)] (الشنان): الأسقية. [(٣١)] (احدروا): صبوا الماء. [(٣٢)] (العقل): جمع عقال. [(٣٣)] كلاهما نقله ابن كثير في «البداية والنهاية» (٤: ١٩٥) وعزاهما للمصنف. [(٣٤)] (خرثي المتاع) هو أثاث البيت كالقدر ونحوه. [(٣٥)] أخرجه ابو داود، في كتاب الجهاد، باب في المرأة والعبد يحذيان من الغنيمة، ح (٢٧٣٠)، ص (٣: ٧٥)، وقال أبو داود: «معناه انه لم يسهم له» .
[ ٤ / ٢٤٢ ]
السَّمَاعِ أَنَّ أَبَا عَبْدِ اللهِ الْأَصْبَهَانِيَّ أَخْبَرَهُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْجَهْمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَرَجِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا الْوَاقِدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ ابن مُوسَى بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُنَيْسٍ، قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى خَيْبَرَ وَمَعِي زَوْجَتِي وَهِيَ حُبْلَى فَنُفِسَتْ فِي الطَّرِيقِ، فَأَخْبَرْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقَالَ [لِي: «انْقَعْ] [(٣٦)] لَهَا تَمْرًا فَإِذَا انْغَمَرَ بُلَّهُ، فَأْمُرْ بِهِ لِتَشْرَبَهُ» فَفَعَلَتْ فَمَا رَأَتْ شَيْئًا تَكْرَهُهُ، فلما فتحنا خيبر أجذى النِّسَاءَ، وَلَمْ يُسْهِمْ لَهُنَّ فَأَجْدَى [(٣٧)] زَوْجَتِي وَمَوْلُودِي الَّذِي وُلِدَ.
قَالَ عَبْدُ السَّلَامِ لَسْتُ أَدْرِي أَغُلَامٌ أَمْ جارية [(٣٨)] .
_________________
(١) [(٣٦)] الزيادة من المغازي للواقدي. [(٣٧)] في الواقدي «فأحذى» وفي النهاية «فأجدى» . [(٣٨)] الخبر رواه الواقدي في مغازيه (٢: ٦٨٦)، ونقله ابن كثير فِي التَّارِيخِ (٤: ٢٠٥) .
[ ٤ / ٢٤٣ ]
بَابُ قُدُومِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وأصحابه والأشعريين عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِخَيْبَرَ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ وَمَا جَرَى فِي قِسْمَتِهِ لَهُمْ وَلِغَيْرِهِمْ وَمَنْ لَمْ يَقْسِمْ لَهُ وَمَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ مِنْ دَلَالَاتِ النُّبُوَّةِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأَدِيبُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو يَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أُسَامَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: بَلَغَنَا مَخْرَجُ النَّبِيِّ ﷺ وَنَحْنُ بِالْيَمَنِ، قَالَ: فَخَرَجْنَا مُهَاجِرِينَ إِلَيْهِ: أَنَا وَأَخَوَانِ لِي أَنَا أَصْغَرُهُمْ: أَحَدُهُمْ أَبُو رُهْمٍ، وَالْآخَرُ أَبُو بُرْدَةَ، إِمَّا قَالَ: بِضْعًا وَإِمَّا قَالَ فِي ثَلَاثَةٍ أَوِ اثْنَيْنِ وَخَمْسِينَ رَجُلًا مِنْ قَوْمِي، فَرَكِبْنَا سَفِينَةً فَأَلْقَتْنَا سَفِينَتُنَا إِلَى النَّجَاشِيِّ بِالْحَبَشَةِ، فَوَافَقْنَا جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَأَصْحَابَهُ عِنْدَهُ، فَقَالَ جَعْفَرُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَنَا وَأَمَرَنَا بِالْإِقَامَةِ، فَأَقِيمُوا مَعَنَا، (أَيْ فِي الْحَبَشَةِ) فَأَقَمْنَا مَعَهُ حَتَّى قَدِمْنَا جَمِيعًا، فَوَافَقْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ حِينَ فَتَحَ خَيْبَرَ، فَأَسْهَمَ لَنَا، وَمَا قَسَمَ لِأَحَدٍ غَابَ عَنْ فَتْحِ خَيْبَرَ شَيْئًا إِلَّا لِمَنْ شَهِدَ مَعَهُ إِلَّا أَصْحَابَ سَفِينَتِنَا مَعَ جَعْفَرٍ وَأَصْحَابِهِ قَسَمَ لَهُمْ مَعَهُمْ، قَالَ: فَكَانَ أُنَاسٌ مِنَ النَّاسِ يَقُولُونَ لَنَا يَعْنِي لِأَصْحَابِ السَّفِينَةِ سَبَقْنَاكُمْ بالعجرة.
قَالَ: وَدَخَلَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ، وَهِيَ مِمَّنْ قَدِمَ مَعَنَا عَلَى حَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ زائدة، وَقَدْ كَانَتْ هَاجَرَتْ إِلَى النَّجَاشِيِّ فِيمَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِ، فَدَخَلَ عُمَرُ عَلَى حَفْصَةَ وَأَسْمَاءُ عِنْدَهَا، فَقَالَ عُمَرُ حِينَ رَأَى أَسْمَاءَ: مَنْ هَذِهِ؟ فَقَالَتْ:
[ ٤ / ٢٤٤ ]
أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ، قَالَ عُمَرُ: الْحَبَشِيَّةُ هَذِهِ؟ الْبَحْرِيَّةُ هَذِهِ؟ فَقَالَتْ أَسْمَاءُ:
نَعَمْ، فَقَالَ عُمَرُ: سَبَقْنَاكُمْ بِالْهِجْرَةِ، فَنَحْنُ أَحَقُّ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَغَضِبَتْ وَقَالَتْ كَلِمَةً: كَذَبْتَ يَا عُمَرُ! كَلَّا وَاللهِ! كُنْتُمْ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ يُطْعِمُ جَائِعَكُمْ، وَيَعِظُ جَاهِلَكُمْ، وَكُنَّا فِي دَارِ أَوْ فِي أَرْضِ الْبُعَدَاءِ الْبَغْضَاءِ [(١)] بِالْحَبَشَةِ وَذَلِكَ فِي اللهِ وَفِي رَسُولِهِ، وَايْمُ اللهِ لَا أَطْعَمُ طَعَامًا، وَلَا أَشْرَبُ شَرَابًا حَتَّى أَذْكُرَ مَا قُلْتَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، وَنَحْنُ كُنَّا نُؤْذَى وَنَخَافُ، وَسَأَذْكُرُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَسْأَلُهُ، وَاللهِ لَا أَكْذِبُ وَلَا أَزِيغُ، وَلَا أَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ، فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ، قَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللهِ! إِنَّ عُمَرَ قَالَ: كَذَا وَكَذَا، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
مَا قُلْتِ لَهُ؟ قَالَتْ: قُلْتُ لَهُ كَذَا، قَالَ: لَيْسَ بِأَحَقَّ بِي مِنْكُمْ لَهُ وَلِأَصْحَابِهِ هِجْرَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَكُمْ أَنْتُمْ أَهْلَ السَّفِينَةِ هِجْرَتَانِ.
قَالَتْ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ أَبَا مُوسَى، وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ يَأْتُونِي أَرْسَالًا، يَسْأَلُونَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ مَا مِنَ الدُّنْيَا شَيْءٌ هُمْ بِهِ أَفْرَحُ، وَلَا أَعْظَمُ فِي أَنْفُسِهِمْ مِمَّا قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ.
قَالَ أَبُو بُرْدَةَ: قَالَتْ أَسْمَاءُ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ أَبَا مُوسَى وَإِنَّهُ لَيَسْتَعِيدُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنِّي، وَقَالَ: لَكُمُ الْهِجْرَةُ مَرَّتَيْنِ: هَاجَرْتُمْ إِلَى النَّجَاشِيِّ وَهَاجَرْتُمْ إِلَيَّ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ [(٢)] .
_________________
(١) [(١)] (البعداء البغضاء) قال العلماء: البعداء في النسب، البغضاء في الدين، لأنهم كفار إلا النجاشي، وكان يستخفي بإسلامه عن قومه ويوري لهم. [(٢)] رواه البخاري مقطعا في الخمس، وفي هجرة الحبشة (المناقب)، وفي المغازي (٣٨) باب غزوة خيبر، فتح الباري (٧: ٤٨٧)، وأخرجه مسلم فِي: ٤٤- كِتَابِ فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ (٤١) باب من فضائل جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وأسماء بنت عميس وأهل سفينتهم، الحديث (١٦٩)، ص (١٩٤٦- ١٩٤٧) .
[ ٤ / ٢٤٥ ]
حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ إِمْلَاءً، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّبِيعِيُّ بِالْكُوفَةِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَكَمِ الْحَبْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْعَرَبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَجْلَحُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ خَيْبَرَ قَدِمَ جَعْفَرُ مِنَ الْحَبَشَةِ تَلَقَّاهُ رسول الله ﷺ فَقَبَّلَ جَبْهَتَهُ ثُمَّ قَالَ وَاللهِ مَا أَدْرِي بِأَيِّهِمَا أَفْرَحُ بِفَتْحِ خَيْبَرَ أَمْ بِقُدُومِ جَعْفَرٍ؟
وَرَوَاهُ الثَّوْرِيُّ عَنْ أَجْلَحَ مُرْسَلًا دُونَ ذِكْرِ جَابِرٍ فِيهِ [(٣)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ أَبِي إِسْمَاعِيلَ الْعَلَوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَيْرُوتِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أحمد ابن أَبِي طَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الرُّعَيْنِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ تَلَقَّاهُ رسول الله ﷺ، فَلَمَّا نَظَرَ جَعْفَرُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ حَجَلَ، قَالَ:
يَعْنِي يَمْشِي عَلَى رِجْلٍ وَاحِدَةٍ إِعْظَامًا مِنْهُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَبَّلَ رسول الله ﷺ بَيْنَ عَيْنَيْهِ.
فِي إِسْنَادِهِ إِلَى الثَّوْرِيِّ مَنْ لَا يُعْرَفُ [(٤)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَتَّابٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ عَمِّهِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، قَالَ: وَلَمْ يَقْسِمْ
_________________
(١) [(٣)] نقله ابن كثير في «التاريخ» (٤: ٢٠٦) عن المصنف، وكذا الصالحي في السيرة الشامية (٥: ٢١٢) . [(٤)] راجع الحاشية السابقة.
[ ٤ / ٢٤٦ ]
مِنْ خَيْبَرَ شَيْئًا إِلَّا لِمَنْ شَهِدَ الْحُدَيْبِيَةَ، وَلَمْ يَشْهَدْهَا أَحَدٌ غَيْرُهُمْ وَلَمْ يَأْذَنْ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأَحَدٍ تَخَلَّفَ عَنْهُ مَخْرَجَهُ إِلَى الْحُدَيْبِيَةِ فِي شُهُودِ خَيْبَرَ.
وَذَكَرُوا وَاللهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِخَيْبَرَ نَفَرٌ مِنَ الْأَشْعَرِيِّينَ فِيهِمْ أَبُو عَامِرٍ الْأَشْعَرِيُّ كَانُوا مِمَّنْ يُذْكَرُ أَنَّهُمْ قَدِمُوا مُهَاجِرَةَ أَرْضِ الْحَبَشَةِ وَكَانُوا مَعَهُمْ وَنَفَرٌ مِنْ دَوْسٍ فِيهِمُ: الطُّفَيْلُ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، فَقَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَرَأَى- وَرَأْيُهُ الْحَقُّ- أَنْ لَا يُخَيِّبَ مَسِيرَهُمْ، وَلَا يُبْطِلَ سَفَرَهُمْ، فَذَكَرُوا أَنَّهُ أَشْرَكَهُمْ فِي مَقَاسِمِ خَيْبَرَ وَسَأَلَ أَصْحَابَهُ أَنْ يُشْرِكُوهُمْ فَفَعَلُوا وَاللهُ أَعْلَمُ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الرُّوذْبَارِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ دَاسَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ يَحْيَى الْبَلْخِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، وَسَأَلَهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ، فَحَدَّثَنَاهُ الزُّهْرِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ عَنْبَسَةَ بْنَ سَعِيدٍ الْقُرَشِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ بِخَيْبَرَ حِينَ افْتَتَحَهَا، فَسَأَلْتُهُ أَنْ يُسْهِمَ لِي فَتَكَلَّمَ بَعْضُ وَلَدَيْ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، فَقَالَ: لَا تُسْهِمْ لَهُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: فَقُلْتُ: هَذَا قَاتِلُ ابْنُ قَوْقَلٍ، فَقَالَ: أَظُنُّهُ ابْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ يَا عَجَبِي لِوَبْرٍ قَدْ تَدَلَّى عَلَيْنَا مِنْ قَدُومِ ضَالٍّ يُعَيِّرُنِي بِقَتْلِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ أَكْرَمَهُ اللهُ عَلَى يَدَيَّ وَلَمْ تهنّى عَلَى يَدَيْهِ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ [(٥)] فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللهِ عَنْ سُفْيَانَ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ مِنْ قَدُومِ الضَّأْنِ، قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَيُذْكَرُ عَنِ الزُّبَيْدِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ:
أَخْبَرَنِي عَنْبَسَةُ بْنُ سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يُخْبِرُ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَبَانَ عَلَى سَرِيَّةٍ مِنَ الْمَدِينَةِ قِبَلَ نَجْدٍ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقَدِمَ أَبَانُ وَأَصْحَابُهُ علي رسول الله ﷺ بِخَيْبَرَ بعد ما افْتَتَحَهَا وَإِنَّ حُزُمَ خَيْلِهِمْ لليف.
_________________
(١) [(٥)] رواه البخاري في غزوة خيبر، فتح الباري (٧: ٤٩١) ونقله ابن كثير في التاريخ (٤: ٢٠٨)، وقال: ففي هذا الحديث التصريح من أبي هريرة بأنه لم يشهد خيبر.
[ ٤ / ٢٤٧ ]
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قُلْتٌ يَا رَسُولَ اللهِ لَا تَقْسِمْ لَهُمْ، فَقَالَ أَبَانُ: وَأَنْتَ بِهَذَا يَا وَبَرُ تَحَدَّرَ مِنْ رَأْسِ ضَالٍّ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: يَا أَبَانُ اجْلِسْ فَلَمْ يَقْسِمْ لَهُمْ [(٦)] .
أَخْبَرَنَا أبو عمرو والْأَدِيبُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، قَالَ:
أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ هُوَ ابْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ، وَهِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ الزُّبَيْدِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِإِسْنَادِهِ مِثْلِهِ وَقَالَ: مِنْ رَأْسِ ضَأْنٍ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَتَّابٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ الْجَوْهَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابن إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَمِّهِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ (ح) .
وَأَخْبَرَنَا، أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ الشَّعْرَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَدِّي، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، قَالَ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: كَانَتْ بَنُو فَزَارَةَ مِمَّنْ قَدِمَ عَلَى أَهْلِ خَيْبَرَ لِيُعِينُوهُمْ، فَرَاسَلَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَلَّا يُعِينُوهُمْ وَسَأَلَهُمْ أَنْ يَخْرُجُوا عَنْهُمْ وَلَكُمْ مِنْ خَيْبَرَ كَذَا وَكَذَا، فَأَبَوْا عَلَيْهِ، فَلَمَّا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ خَيْبَرَ أَتَاهُ مَنْ كَانَ هُنَالِكَ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ، فَقَالُوا: حَظَّنَا وَالَّذِي وَعَدْتَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «حَظُّكُمْ أَوْ قَالَ: «لَكُمْ ذُو الرُّقَيْبَةِ» [(٧)] جَبَلٌ من
_________________
(١) [(٦)] ورد الحديث عند أبي داود (٣: ٧٣) هكذا: حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ يَحْيَى البلخي، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا الزُّهْرِيُّ، وَسَأَلَهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ فَحَدَّثَنَاهُ الزُّهْرِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ عَنْبَسَةَ بْنَ سَعِيدٍ الْقُرَشِيَّ يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ بِخَيْبَرَ حِينَ افْتَتَحَهَا، فَسَأَلْتُهُ أَنْ يُسْهِمَ لِي، فتكلم بعض ولد سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، فَقَالَ: لَا تُسْهِمْ لَهُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: فَقُلْتُ: هَذَا قَاتِلُ بن قوقل، فقال سعيد ابن العاص: يا عجبا لِوَبْرٍ [قَدْ] تَدَلَّى عَلَيْنَا مِنْ قَدُومِ ضَالٍّ، يُعَيِّرُنِي بِقَتْلِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ أَكْرَمَهُ اللهُ عَلَى يَدَيَّ وَلَمْ يهنى على يديه [قال أبو داود هؤلاء كانوا نحو عشرة فقتل منهم ستة ورجع من بقي. [(٧)] (ذو الرقيبة: جبل مطل على خيبر.
[ ٤ / ٢٤٨ ]
جِبَالِ خَيْبَرَ، فَقَالُوا: إِذًا تقاتلك، فَقَالَ: «مَوْعِدُكُمْ جَنَفًا» [(٨)] فَلَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ خَرَجُوا هَارِبِينَ [(٩)] .
لَفْظُ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ فُلَيْحٍ: جَنْفَاءُ، مَاءٌ مِنْ مِيَاهِ بَنِي فَزَارَةَ يُقَالُ لَهُ جَنْفَاءُ.
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ فِي الْجُزْءِ الَّذِي لَمْ أَجِدْ نُسْخَةَ سَمَاعِي وَقَدْ أَنْبَأَنِي بِهِ إِجَازَةً.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْأَصْبَهَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْجَهْمِ، قَالَ:
حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَرَجِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَاقِدِيُّ عَنْ شُيُوخِهِ قَالُوا كَانَ أَبُو شُيَيْمٍ الْمُزَنِيُّ قَدْ أَسْلَمَ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ يُحَدِّثُ، يَقُولُ: لَمَّا نَفَرْنَا إِلَى أَهْلِهَا [بِحَيْفَاءَ] [(١٠)] مَعَ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ، رَجَعَ بِنَا عُيَيْنَةُ، فَلَمَّا كَانَ دُونَ خَيْبَرَ [بِمَكَانٍ يُقَالُ لَهُ: الْحُطَامُ] عَرَّسْنَا مِنَ اللَّيْلِ، فَفَزِعْنَا، فَقَالَ عُيَيْنَةُ: أَبْشِرُوا إِنِّي أَرَى اللَّيْلَةَ فِي النَّوْمِ أَنِّي أُعْطِيتُ ذَا الرُّقَيْبَةِ- جَبَلًا بِخَيْبَرَ- قَدْ وَاللهِ أَخَذْتُ بِرَقَبَةِ مُحَمَّدٍ.
قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْنَا خَيْبَرَ قَدِمَ عُيَيْنَةُ فَوَجَدَ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ فَتَحَ خَيْبَرَ، فَقَالَ عُيَيْنَةُ: يَا مُحَمَّدُ أَعْطِنِي مَا غَنِمْتَ مِنْ حُلَفَائِي، فَإِنِّي انْصَرَفْتُ عَنْكَ وَعَنْ قِتَالِكَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «كَذَبْتَ وَلَكِنَّ الصِّيَاحَ الَّذِي سَمِعْتَ أَنْفَرَكَ إِلَى أَهْلِكَ»، قَالَ أَجِزْنِي يَا مُحَمَّدُ، قَالَ: «لَكَ ذُو الرُّقَيْبَةِ»، قَالَ عُيَيْنَةُ: مَا ذو
_________________
(١) [(٨)] (جنفا): ماء من مياه بني فزارة بين خيبر وفدك. [(٩)] نقله الصالحي في السيرة الشامية (٥: ٢١٣) عن المصنف. [(١٠)] الزيادة من مغازي الواقدي (٢: ٦٧٥) .
[ ٤ / ٢٤٩ ]
الرُّقَيْبَةِ، قَالَ: «الْجَبَلُ الَّذِي رَأَيْتَ فِيَ النَّوْمِ، أَنَّكَ أَخَذْتَهُ» ! فَانْصَرَفَ عُيَيْنَةُ [(١١)] .
فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ جَاءَهُ الْحَارِثُ بْنُ عَوْفٍ، فَقَالَ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ تُوضَعُ فِي غَيْرِ شَيْءٍ، وَاللهِ لَيَظْهَرَنَّ مُحَمَّدٌ عَلَى مَا بَيْنَ الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ، يَهُودُ كَانُوا يُخْبِرُونَنَا هَذَا، أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ أَبَا رَافِعٍ سَلَّامَ بْنَ أَبِي الْحُقَيْقِ يَقُولُ: إِنَّا نَحْسُدُ مُحَمَّدًا عَلَى النُّبُوَّةِ، حَيْثُ خَرَجَتْ مِنْ بَنِي هَارُونَ، وَهُوَ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَيَهُودُ لَا تُطَاوِعُنِي عَلَى هَذَا، وَلَنَا مِنْهُ ذِبْحَانِ: وَاحِدٌ بِيَثْرِبَ، وَآخَرُ بِخَيْبَرَ.
قَالَ الْحَارِثُ: قُلْتُ لِسَلَّامٍ: يَمْلِكُ الْأَرْضَ جميعا؟ قال نعم والتوراة الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلَى مُوسَى وَمَا أُحِبُّ أَنْ تَعْلَمَ يهود بقولي فيه [(١٢)] .
_________________
(١) [(١١)] جاء بعده في مغازي الواقدي هذه الفقرة، ولم يوردها المصنف. فجعل يتدسس الى اليهود ويقول: ما رأيت كاليوم امرا، والله ما كنت أرى أحدا يصيب محمدا غيركم. قلت: أهل الحصون والعدة والثروة، أعطيتم بأيديكم وأنتم في هذه الحصون المنيعة، وهذا الطعام الكثير ما يوجد له آكل، والماء الواتن. قالوا: قد أردنا الامتناع في قلعة الزبير ولكن الدبول قطعت عنا، وكان الحر، فلم يكن لنا بقاء على العطش. قال: قد وليتم من حصون ناعم منهزمين حتى صرتم إلى حصن قلعة الزبير وجعل يسأل عمن قتل منهم فيخبر، قال: قتل والله أهل الجد والجلد، لا نظام ليهود بالحجاز أبدا. ويسمع كلامه ثعلبة بن سلام ابن أبي الحقيق، وكانوا يقولون إنه ضعيف العقل مختلط، فقال: يا عيينة، أنت غررتهم وخذلتهم وتركتهم وقتال محمد، وقبل ذلك ما صنعت ببني قريظة، فقال عيينة: إن محمدا كادنا في أهلنا، فنفرنا إليهم حيث سمعنا الصريخ ونحن نظن أن محمدا قد خالف إليهم، فلم نر شيئا فكررنا إليكم لننصركم. قال ثعلبة: ومن بقي تنصره؟ قد قتل من قتل وبقي من بقي فصار عبدا لمحمد، وسبانا، وقبض الأموال! قال: يقول رجل من غطفان لعيينة: لا أنت نصرت حلفاءك فلم يعدوا عليك حلفنا! ولا أنت حيث وليت- كنت أخذت تمر خيبر من محمد سنة! والله إني لأرى أمر محمد أمرا ظاهرا، ليظهرن على من ناوأه. [(١٢)] الخبر في مغازي الواقدي (٢: ٦٧٥- ٦٧٧) .
[ ٤ / ٢٥٠ ]
بَابُ مَا جَاءَ فِي نَفْثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي جُرْحِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ يَوْمَ خَيْبَرَ وبروه مِنْ ذَلِكَ
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو سَهْلٍ: أَحْمَدُ ابن مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ زِيَادٍ النَّحْوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَسَوِيُّ الْقَاضِي، قَالَ: حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ (ح) .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْقَطِيعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا مَكِّيٌّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، قَالَ: رَأَيْتُ أَثَرَ ضَرْبَةٍ فِي سَاقِ سَلَمَةَ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا مُسْلِمٍ! مَا هَذِهِ الضَّرْبَةُ؟ قَالَ: هَذِهِ ضَرْبَةٌ أَصَابَتْنِي يَوْمَ خَيْبَرَ، فَقَالَ النَّاسُ: أُصِيبَ، سَلَمَةُ أُصِيبَ سَلَمَةُ، قَالَ: فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَنَفَثَ فِيهِ ثَلَاثَ نَفَثَاتٍ مَعًا فَمَا اشْتَكَيْتُ مِنْهَا حَتَّى السَّاعَةِ.
لَفْظُ حَدِيثِ الْقَاضِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ مَكِّيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ [(١)] .
_________________
(١) [(١)] أخرجه البخاري في: ٦٤- كتاب المغازي (٣٨) باب غزوة خيبر، الحديث (٤٢٠٦)، فتح الباري (٧: ٤٧٥)، عن المكي بن ابراهيم، وأخرجه ابو داود في الطب عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي سريح الرازي.
[ ٤ / ٢٥١ ]
بَابُ مَا جَاءَ فِي الرَّجُلِ الَّذِي أَخْبَرَ رَسُولُ الله ﷺ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ وَمَا صَارَ إِلَيْهِ أَمْرُهُ وَمَا ظَهَرَ فِي ذَلِكَ مِنْ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ
أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو الْأَدِيبُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، وَالْقَاسِمُ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدُ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ الْتَقَى هُوَ وَالْمُشْرِكُونَ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ، فَاقْتَتَلُوا، فَمَالَ كُلُّ قَوْمٍ إِلَى عَسْكَرِهِمْ وَفِي الْمُسْلِمِينَ رَجُلٌ لَا يَدَعُ لِلْمُشْرِكِينَ شَاذَّةً ولا فاذّة إلّا اتبعتها يضر بها بِسَيْفِهِ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا أَجْزَأَ أَحَدٌ الْيَوْمَ مَا أَجْزَأَ فُلَانٌ، فَقَالَ: أَمَا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَأَعْظَمَ الْقَوْمُ ذَلِكَ، فَقَالُوا: أَيُّنَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِنْ كَانَ فُلَانٌ مِنْ أَهْلِ النَّارِ؟ فَقَالَ رَجُلٌ: وَاللهِ لَا يَمُوتُ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ أَبَدًا، فَاتَّبَعَهُ كُلَّمَا أَسْرَعَ أسرع، وإذا أَبْطَأَ مَعَهُ، حَتَّى جُرِحَ، فَاشْتَدَّتْ جِرَاحَتُهُ وَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ، فَوَضَعَ سَيْفَهُ بِالْأَرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَيْهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ، قَالَ: وَمَا ذَاكَ فَأَخْبَرَهُ بِالَّذِي كَانَ مِنْ أَمْرِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَإِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ وَإِنَّهُ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فيما يبدوا لِلنَّاسِ وَإِنَّهُ لَمِنْ أَهْلِ الجنة [(١)] .
_________________
(١) [(١)] أخرجه البخاري في: ٦٤- كتاب المغازي (٣٨) باب غزوة خيبر، الحديث (٤٢٠٧)، فتح الباري (٧: ٤٧٥) . وفي نفس الباب الحديث (٤٢٠٢) عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ يَعْقُوبَ، عن أبي حازم.
[ ٤ / ٢٥٢ ]
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْلَمَةَ عَنِ ابْنِ أَبِي حَازِمٍ.
وَأَخْرَجَهُ هُوَ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدُوسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى أَبِي الْيَمَانِ أَنَّ شُعَيْبَ بْنَ أَبِي حَمْزَةَ حَدَّثَهُ، وَأَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ بْنُ أَبِي سَعْدٍ الْهَرَوِيُّ: قَدِمَ عَلَيْنَا حَاجًّا مَرَّتَيْنِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْفَضْلِ بْنُ خَمِيرَوَيْهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا [(٢)] شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: شَهِدْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ خَيْبَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِرَجُلٍ مِمَّنْ مَعَهُ يُدْعَى بِالْإِسْلَامِ إِنَّ هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ! فَلَمَّا حَضَرَ الْقِتَالُ قَاتَلَ الرَّجُلُ أَشَدَّ الْقِتَالِ، حَتَّى كَثُرَ بِهِ الْجِرَاحُ، فَأَثْبَتَهُ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ الَّذِي ذَكَرْتَ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ قَدْ وَاللهِ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللهِ أَشَدَّ الْقِتَالِ، وَكَثُرَتْ بِهِ الْجِرَاحُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَمَا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ! فَكَادَ بَعْضُ النَّاسِ يَرْتَابُ، فَبَيْنَا هُوَ عَلَى ذَلِكَ وَجَدَ الرَّجُلُ أَلَمَ الْجِرَاحِ، فَأَهْوَى بِيَدِهِ إِلَى كِنَانَتِهِ فاستخرج منهما أَسْهُمًا، فَانْتَحَرَ بِهَا، فَاشْتَدَّ رِجَالٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ صَدَّقَ اللهُ حَدِيثَكَ، قَدِ انْتَحَرَ فُلَانٌ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: يَا بِلَالُ! قُمْ فَأَذِّنْ:
لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَإِنَّ اللهَ يُؤَيِّدُ الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ [(٣)] عَنْ أَبِي الْيَمَانِ تَابَعَهُ مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ.
_________________
(١) [(٢)] فِي (ح): «أخبرني» . [(٣)] فتح الباري (٧: ٤٧١) تعليقا، وقال البخاري عقبة: تَابَعَهُ مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عن سعيد.
[ ٤ / ٢٥٣ ]
قُلْتُ: وَمِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ أَخْرَجَهُ، وَقَالَ يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ، وَفِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ كَالدِّلَالَةِ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ اسْتَحَلَّ قَتْلَ نَفْسِهِ أَوْ عَلِمَ رَسُولُ اللهِ مِنْهُ نِفَاقًا نَسْأَلُ اللهَ حُسْنَ الْعَاقِبَةِ
.
[ ٤ / ٢٥٤ ]
بَابُ مَا جَاءَ فِي الرَّجُلِ الَّذِي كَانَ قَدْ غَلَّ فِي سَبِيلِ اللهِ ﷿ وَإِخْبَارِ النَّبِيِّ ﷺ بِذَلِكَ
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَبِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ تُوُفِّيَ يَوْمَ خَيْبَرَ، فَذَكَرُوا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ، فَتَغَيَّرَتْ وُجُوهُ النَّاسِ لِذَلِكَ [فَزَعَمَ زَيْدٌ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، قَالَ:] [(١)] إِنَّ صَاحِبَكُمْ قَدْ غَلَّ فِي سَبِيلِ اللهِ» فَفَتَّشْنَا مَتَاعَهُ فَوَجَدْنَا خَرَزًا مِنْ خَرَزِ الْيَهُودِ لَا يُسَاوِي دِرْهَمَيْنِ [(٢)] .
_________________
(١) [(١)] الزيادة من موطأ مالك (٢: ٤٥٨) . [(٢)] أخرجه أبو داود في: ١٥- كتاب الجهاد، باب في تعظيم الغلول. والنسائي في: ٢١- كتاب الجنائز (٦٦) باب الصلاة على من غلّ. وأخرجه ابن ماجة في: ٢٤- كتاب الجهاد، (٣٤) باب الغلول. وأخرجه مالك في الموطأ في: ٢١- كتاب الجهاد (١٣) بَابُ مَا جَاءَ فِي الغلول، الحديث (٢٣)، (٢: ٤٥٨) . وأخرجه الإمام احمد في مسنده (٤: ١١٤) و(٥: ١٩٢) .
[ ٤ / ٢٥٥ ]
بَابُ مَا جَاءَ فِي الشَّاةِ الَّتِي سُمَّتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِخَيْبَرَ وَمَا ظَهَرَ فِي ذَلِكَ مِنْ عِصْمَةِ اللهِ جَلَّ ثناؤه وَرَسُولِهِ ﷺ عَنْ ضَرَرِ مَا أَكَلَ مِنْهُ حَتَّى بَلَغَ فِيهِ أَمْرُهُ وَإِخْبَارِ ذِرَاعِهَا إِيَّاهُ بِذَلِكَ حَتَّى أَمْسَكَ عَنِ الْبَقِيَّةِ
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ﵀- قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ ابن يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَحْرُ بْنُ نَصْرٍ الْخَوْلَانِيُّ، قَالَ: قُرِئَ عَلَى شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، أَخْبَرَكَ أَبُوكَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ.
وأَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو الْأَدِيبُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَمَّا فُتِحَتْ خَيْبَرُ أُهْدِيَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ شَاةٌ فِيهَا سُمٌّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: اجْمَعُوا مَنْ كَانَ هَاهُنَا مِنَ الْيَهُودِ، فَجَمَعُوا لَهُ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إِنِّي سَائِلُكُمْ عَنْ شَيْءٍ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْهُ؟ قَالُوا: نَعَمْ. يَا أَبَا الْقَاسِمِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَنْ أَبُوكُمْ؟ قَالُوا: أَبُونَا فُلَانٌ، قَالَ: كَذَبْتُمْ بَلْ أَبُوكُمْ فُلَانٌ، قَالُوا: صَدَقْتَ وَبَرَرْتَ، قَالَ لَهُمْ: هَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إِنْ سَأَلْتُكُمْ عَنْهُ قَالُوا: نَعَمْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ وَإِنْ كَذَبْنَاكَ عَرَفْتَ كَذِبَنَا كَمَا عَرَفْتَهُ فِي آبَائِنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَنْ أَهْلُ النَّارِ؟ فَقَالُوا نَكُونُ فِيهَا يَسِيرًا ثُمَّ تَخْلُفُونَنَا فِيهَا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ اخْسَئُوا فِيهَا أَبَدًا، ثُمَّ قَالَ: هَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إِنْ سَأَلْتُكُمْ عَنْهُ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: أَجَعَلْتُمْ فِي هَذِهِ الشَّاةِ سُمًّا؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَمَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالُوا: أَرَدْنَا إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا أَنْ نَسْتَرِيحَ مِنْكَ، وَإِنْ كُنْتَ نَبِيًّا لَمْ يَضُرَّكَ.
[ ٤ / ٢٥٦ ]
لَفْظُ حَدِيثِ شُعَيْبٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عن قتيبة وغيره [(١)] .
_________________
(١) [(١)] فتح الباري (٧: ٤٩٧) مختصرا «لَمَّا فُتِحَتْ خَيْبَرُ أُهْدِيَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ شاة فيها سمّ» كما أخرجه البخاري مطولا في: ٥٨- كتاب الجزية (٧) باب إذا غدر المشركون بالمسلمين هل يعفى عنهم، فتح الباري (٦: ٢٧٢)، من حديث أبي هريرة﵁- قال: «لما فتحت خيبر أهديت للنبي ﷺ شاة فيها سمّ، فقال النبي ﷺ، اجمعوا لي من كان هاهنا من يهود، فجمعوا له: فقال: إني سائلكم عن شيء، فهل أنتم صادقي عنه؟ فقالوا: نعم. قال لهم النبي ﷺ: من أبوكم؟ قالوا: فلان، فقال النبي: كذبتم، بل أبوكم فلان. قالوا: صدقت. قال: فهل أنتم صادقي عن شيء ان سألت عنه؟ فقالوا: نعم يا أبا القاسم، وإن كذبنا عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا، فقال لهم: من أهل النار، قالوا: نكون فيها يسيرا ثم تخلفونا فيها. فقال النبي ﷺ: أخسئوا فيها، والله لا نخلفكم فيها ابدا. ثم قال: هل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه؟ قالوا: نعم يا أبا القاسم قال: هل جعلتم في هذه الشاة سما؟ قالوا نعم، قال: ما حملكم على ذلك؟ قالوا: إن كنت كاذبا نستريح، وان كنت نبيا لم يضرك» وأعاده في: ٧٦- كتاب الطب
(٢) باب ما يذكر في سم النبي ﷺ، الفتح (١٠: ٢٤٤)، (٢٠: ٤٥١) . قال البدر العيني: قوله «أهديت للنبي ﷺ شاة» وكان الذي اتى بها امرأة يهودية صرح بذلك في صحيح مسلم وقال النووي في شرح مسلم وهذه المرأة اليهودية الفاعلة للسم، اسمها زينب بنت الحارث اخت مرحب اليهودي قلت كذا رواه الواقدي عن الزهري، وانه ﷺ قال لها ما حملك على هذا؟ قالت: قتلت أبي وعمي وزوجي وأخي، قال محمد: فسألت ابراهيم بن جعفر عن هذا فقال أبوها الحارث وعمها بشار وكان أجبن الناس وهو الذي انزل من الرف وأخوها زبير وزوجها سلام بن مشكم. قال القاضي عياض: واختلفت الآثار والعلماء هل قتلها النبي ﷺ أم لا فوقع في مسلم أنهم قالوا الا نقتلها؟ قال لا ومثله عن أبي هريرة وجابر وعن جابر من رواية أبي سلمة انه ﷺ قتلها وفي رواية ابن عباس أنه ﷺ دفعها الى اولياء بشر بن البراء بن معرور وكان أكل منها فمات بها فقتلوها وفي لفظ قتلها وصلتها وفي جامع معمر عن الزهري لما أسلمت تركها قال معمر كذا قال الزهري أسلمت والناس يقولون قتلها وأنها لم تسلم وقال السهيلي قيل انه صفح عنها قال القاضي وجه الجمع بين هذه الروايات والأقاويل انه لم يقتلها إلا حين اطلع على سحرها وقيل له اقتلها فقال لا فما مات بشر بن البراء من ذلك سلمها لأوليائه فقتلوها قصاصا فصح قولهم لم يقتلها اي في الحال ويصح قولهم قتلها أي بعد ذلك والله اعلم وفيه ان الإمام مالكا احتج به على أن القتل بالسم كالقتل بالسلاح الذي يوجب القصاص وقال الكوفيون لا قصاص فيه وفيه الدية العاقلة قالوا ولو دسه في طعام او شراب لم يكن عليه شيء ولا على عاقلته وقال الشافعي إذ فعل ذلك ففيه قولان في وجوب القود أصحهما لا وفيه معجزة ظاهرة له ﵇ حيث لم يؤثر فيه السم والذي أكل
[ ٤ / ٢٥٧ ]
_________________
(١) [()] معه مات وفيه ان السم لا يؤثر بذاته بل بإن الرب ﷻ ومشيئته ألا ترى ان السم اثر في بشر ولم يؤثر في النبي ﷺ فلو كان يؤثر بذاته لأثر فيهما في الحال والله أعلم. وفي المجلة العربية السنة الثالثة العدد الثالث كشف رئيس تحرير المجلة العربية الغراء الأستاذ الدكتور منير العجلاني عن مخطوطة ارمنية قديمة تثبت ان تسميم النبي كان بقرار من رؤساء اليهود. ظفر رئيس تحرير هذه المجلة- خلال مطالعاته في «دار الكتب الوطنية» في باريس- بوثيقة- ارمنية، مخطوطة، قديمة جدا، تتحدث عن ظهور النبي محمد ﷺ في جزيرة العرب، وما وقع من أحداث في عهده واكثر ما جاء فيها يشبه الأساطير، ولا يعتد به ولكننا وجدنا في مطلع هذه الوثيقة- التي قام بترجمتها الى الفرنسية مسيو «ماكلر» - اشارة الى حادثة تسميم النبي، وهي من تدبير رؤساء اليهودية في المدينة وبقرار منهم!. وليس ذلك بمستغرب منهم، فقد تآمروا على قتل الرسول وقتاله غير مرة. ترجمة مطلع الوثيقة: (يقال ان الأمة اليهودية تحسد أمة النصارى، ولما جاء محمد وعظم أمره اجتمع رؤساء اليهود وقالوا في أنفسهم. لنضمه إلينا، بأن نزوده بأحكام ديننا فينشرها بين الناس وبذلك نتغلب على النصارى وأناجيلهم. ولكن المسلمين الذين انتصروا على أعدائهم وفتحوا الفتوحات العظيمة لم يكترثوا لليهود ولم يقيموا لهم وزنا، بل اضطروا أحيانا الى قتالهم!. فعاد رؤساء اليهود الى الاجتماع والتفكير في أسلوب يتخلصون به من محمد فاختاروا من نسائهم فتاة جميلة، وقالوا لها: يجب عليك ان تدعي محمدا الى وليمة وتقتليه! ففعلت المرأة ما أمرها الرؤوساء به) . هذه الوثيقة تلقي اضواء جديدة على حادثة تسميم النبي فقد كان يظن أنها من صنع امرأة حمقاء أو مهووسة، فإذا هي بأمر من الرؤوساء وتصميم. صورة صفحة من الوثيقة الأرمنية ومن يدري فقد يكون مقتل عمر بن الخطاب ﵁ صنع متآمرين لا صنع رجل واحد.
[ ٤ / ٢٥٨ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْحَجَبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ (ح) .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ: قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ امْرَأَةً يَهُودِيَّةً أَتَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ، فَأَكَلَ مِنْهَا فَجِيءَ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ، قَالَتْ: أَرَدْتُ لِأَقْتُلَكَ، فَقَالَ: مَا كَانَ اللهُ لِيُسَلِّطَكِ عَلَى ذَلِكَ، أَوْ قَالَ: عَلَيَّ، قَالُوا: أَلَا تَقْتُلُهَا؟ قَالَ: لَا. فَمَا زِلْتُ أَعْرِفُهَا فِي لَهَوَاتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
هَذَا لَفْظُ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ حَبِيبٍ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنِ الْحَجَبِيِّ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ [(٢)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا [أَبُو] [(٣)] الْعَبَّاسِ: محمد بن
_________________
(١) [(٢)] رواه الشيخان عن أنس، والإمام أحمد، وابن سعد، وأبو نعيم عن ابن عباس، والدارمي، والبيهقي عن جابر، والبيهقي بسند صحيح- عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، والطبراني عنه عن أبيه، والبزار والحاكم، وأبو نعيم عن أبي سعيد، والبيهقي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ﵃- والبيهقي عن ابن شهاب- رحمه الله تعالى-: انظر السيرة النبوية لابن هشام (٣: ٢٩٣)، وشرح المواهب للزرقاني ٢: ٢٣٩، والسيرة الحلبية ٣: ٦٣ والبداية والنهاية لابن كثير ٤: ٢٠٨- ٢١١ والسيرة النبوية لابن كثير ٣: ٣٩٤، والمغازي للواقدي ٢: ٦٧٧. [(٣)] سقطت من (أ) .
[ ٤ / ٢٥٩ ]
يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّادٌ هُوَ ابْنُ الْعَوَّامِ، عَنْ سُفْيَانَ يَعْنِي ابْنَ حُسَيْنٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ امْرَأَةً مِنَ الْيَهُودِ أَهْدَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ شَاةً مَسْمُومَةً، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: أَمْسِكُوا فَإِنَّهَا مَسْمُومَةٌ، فَقَالَ: مَا حَمَلَكِ عَلَى مَا صَنَعْتِ؟ قَالَتْ: أَرَدْتُ أَنْ أَعْلَمَ إِنْ كُنْتَ نَبِيًّا فَسَيُطْلِعُكَ اللهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كُنْتَ كَاذِبًا أُرِيحُ النَّاسَ مِنْكَ، قَالَ: فَمَا عَرَضَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ [(٤)] .
حَدَّثَنَا الْإِمَامُ أَبُو الطَّيِّبِ سَهْلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ- رَحِمَهُ- اللهُ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا أَبُو حَامِدٍ: أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْهَمْدَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رِزَامٍ الْمَرْوَزِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي عَبْدِ العزيز ابن عُثْمَانَ، عَنْ جَدِّي: عُثْمَانَ بن أبي جَبَلَةَ، قَالَ: كَمَا أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ يَهُودِيَّةً أَهْدَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ إِمَّا شَاةً مَسْمُومَةً، وَإِمَّا بَرَقًا مَسْمُوطًا مَسْمُومًا، فَلَمَّا قَرَّبَتْهُ إِلَيْهِ وَبَسَطَ الْقَوْمُ أَيْدِيَهُمْ، قَالَ: أَمْسِكُوا، فَإِنَّ عُضْوًا مِنْ أَعْضَائِهَا يُخْبِرُنِي أَنَّهَا مَسْمُومَةٌ فَدَعَا صَاحِبَتَهَا، فَقَالَ: أَسَمَمْتِ هَذَا؟، قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: مَا حَمَلَكِ عَلَيْهِ؟
قَالَتْ: أَحْبَبْتُ إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا أَنْ أُرِيحَ النَّاسَ مِنْكَ، وَإِنْ كُنْتَ رَسُولًا أَنَّكَ سَتُطْلَعُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يُعَاقِبْهَا [(٥)] .
أخبرنا أبو عبد الله الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الصَّنْعَانِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مالك:
_________________
(١) [(٤)] راجع الحاشية (٢)، ونقله ابن كثير في التاريخ (٤: ٢٠٩) . [(٥)] راجع الحاشية (٢)، ونقله الصالحي في السيرة الشامية (٥: ٢٠٨) .
[ ٤ / ٢٦٠ ]
أَنَّ امْرَأَةً يَهُودِيَّةً أَهْدَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ شَاةً مَصْلِيَّةً [(٦)] بِخَيْبَرَ فَقَالَ مَا هَذِهِ فَقَالَتْ هَدِيَّةٌ وَحَذِرَتْ أَنْ تَقُولَ: مِنَ الصَّدَقَةِ فَلَا يَأْكُلُ، قَالَ: فَأَكَلَ النَّبِيُّ ﷺ، وَأَكَلَ أَصْحَابُهُ ثُمَّ قَالَ: أَمْسِكُوا، ثُمَّ قَالَ لِلْمَرْأَةِ: هَلْ سَمَمْتِ هَذِهِ الشَّاةَ؟
قَالَتْ: مَنْ أَخْبَرَكَ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا الْعَظْمُ لِسَاقِهَا، وَهُوَ فِي يَدِهِ. قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: لِمَ؟ قَالَتْ: أَرَدْتُ إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا أَنْ يَسْتَرِيحَ مِنْكَ النَّاسُ، وَإِنْ كُنْتَ نَبِيًّا لَمْ يَضُرَّكَ، قَالَ فَاحْتَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الْكَاهِلِ وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ فَاحْتَجَمُوا فَمَاتَ بَعْضُهُمْ قَالَ الزُّهْرِيُّ فَأَسْلَمَتْ فَتَرَكَهَا النَّبِيُّ ﷺ
قَالَ مَعْمَرٌ وَأَمَّا النَّاسُ فَيَقُولُونَ قَتَلَهَا النَّبِيُّ ﷺ [(٧)] .
_________________
(١) [(٦)] (مصلية) مشوية. [(٧)] نقلة ابن كثير في التاريخ (٤: ٢١٠) عن المصنف وقد اختلف في: إسلام زينب بنت الحارث التي أهدت الشاة المسمومة، وفي قتلها: اختلف في إسلام زينب بنت الحارث التي أهدت الشاة المسمومة وفي قتلها، «أما إسلامها، فروى عبد الرزاق في مصنفه عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ انها أسلمت، وَأَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ- تركها. قال معمر: والناس يقولون قتلها. وجزم بإسلامها سليمان التيمي في مغازية ولفظه بعد قولها: «وإن كنت كاذبا أرحت الناس منك، وقد استبان لي أنك صادق، وأنا أشهدك ومن حضرك أني على دينك، وأن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، قال: وانصرف عنها حين أسلمت. وأما قتلها وتركها، فروى البيهقي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ﵁- أَنَّهُﷺ ما عرض لها، وعن جابر قال: فلم يعاقبها رسول الله ﷺ، وروى ابن سعد عن شيخه محمد بن عمر بأسانيد له متعددة هذه القصة، وفي آخرها فدفعها إلى اولياء بشر بن البراء فقتلوها قال محمد بن عمر: وهو أثبت وروى أبو داود من طريق الزهري عن جابر نحو رواية معمر عنه، والزهري لم يسمع من جابر، ورواه ايضا عن أبي هريرة. قال البيهقي﵀- يحتمل ان يكون تركها أولا، ثم لما مات بشر بن البراء من الأكلة قتلها. وبذلك أجاب السّهيلي- رحمه الله تعالى- وزاد: أنه تركها، لأنه كان لا ينتقم لنفسه، ثم قتلها ببشر قصاصا. قال الحافظ- رحمه الله تعالى-: يحتمل ان يكون تركها أولا، ثم لما مات بشر لكونها أسلمت، وإنما أخر قتلها حتى مات بشر لأن بموته يتحقق وجوب القصاص بشرطه. وروى أبو سعد النيسابوري: أنهﷺ- قتلها وصلبها، فالله أعلم.
[ ٤ / ٢٦١ ]
هَذَا مُرْسَلٌ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ حَمَلَهُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ،
فَقَدْ أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الحسين بْنُ مُحَمَّدٍ الرُّوذْبَارِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: كَانَ جَابِرُ ابن عَبْدِ اللهِ يُحَدِّثُ أَنَّ يَهُودِيَّةً مِنْ أَهْلِ خَيْبَرَ سَمَّتْ شَاةً مَصْلِيَّةً ثُمَّ أَهْدَتْهَا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الذِّرَاعَ فَأَكَلَ مِنْهَا، وَأَكَلَ رَهْطٌ مِنْ أَصْحَابِهِ مَعَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ، وَأَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الْيَهُودِيَّةِ فَدَعَاهَا، فَقَالَ لَهَا: أَسَمَمْتِ هَذِهِ الشَّاةَ؟ قَالَتِ الْيَهُودِيَّةُ: مَنْ أَخْبَرَكَ؟ قَالَ:
أَخْبَرَتْنِي هَذِهِ فِي يَدِي لِلذِّرَاعِ، قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: فَمَا أَرَدْتِ إِلَى ذَلِكَ؟
قَالَتْ: قُلْتُ إِنْ كَانَ نَبِيًّا فَلَنْ يَضُرَّهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا اسْتَرَحْنَا مِنْهُ. فَعَفَا عَنْهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ وَلَمْ يُعَاقِبْهَا، وَتُوُفِّيَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ أَكَلُوا مِنَ الشَّاةِ، وَاحْتَجَمَ رسول الله ﷺ عَلَى كَاهِلِهِ مِنْ أَجْلِ الَّذِي أَكَلَ مِنَ الشَّاةِ حَجَمَهُ أَبُو هند بالقرية وَالشَّفْرَةِ، وَهُوَ مَوْلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنْ بَنِي بَيَاضَةَ مِنَ الْأَنْصَارِ [(٨)] .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قال حدثنا وهب ابن بَقِيَّةَ قَالَ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَهْدَتْ لَهُ يَهُودِيَّةٌ بِخَيْبَرَ شَاةً مَصْلِيَّةً نَحْوَ حَدِيثِ جَابِرٍ، قَالَ: فَمَاتَ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ ابن مَعْرُورٍ، فَأَرْسَلَ إِلَى الْيَهُودِيَّةِ: مَا حَمَلَكِ عَلَى الَّذِي صَنَعْتِ؟ يَذْكُرُ مِثْلَ حَدِيثِ جَابِرٍ. فَأَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقُتِلَتْ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَمْرَ الْحِجَامَةِ.
قُلْتُ وَرُوِّينَاهُ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْهَا فِي الِابْتِدَاءِ، ثُمَّ لَمَّا مَاتَ بِشْرُ بن البراء
_________________
(١) [(٨)] في (ح) مولى لبني بياضة من الأنصار، والخبر نقله ابن كثير عن المصنف في البداية والنهاية (٤: ٢١٠) .
[ ٤ / ٢٦٢ ]
أَمَرَ بِقَتْلِهَا وَاللهُ أَعْلَمُ [(٩)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو عُلَاثَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ.
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَتَّابٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ الْجَوْهَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابن إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَمِّهِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ (ح) .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ محمد بن الفضل ابن مُحَمَّدٍ الشَّعْرَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَدِّي، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: لَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَيْبَرَ، وَقَتَلَ مَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ أَهْدَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ الْحَارِثِ الْيَهُودِيَّةُ وَهِيَ ابْنَةُ أَخِي مَرْحَبٍ لِصَفِيَّةَ شَاةً مَصْلِيَّةً، وَسَمَّتْهَا وَأَكْثَرَتْ فِي الْكَتِفِ وَالذِّرَاعِ لِأَنَّهُ بَلَغَهَا أَنَّهُ أَحَبَّ أَعْضَاءِ الشَّاةِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ على صَفِيَّةَ وَمَعَهُ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ أَخُو بَنِي سَلِمَةَ، فَقَدَّمَتْ إِلَيْهِمُ الشَّاةَ الْمَصْلِيَّةَ، فَتَنَاوَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْكَتِفَ وَانْتَهَشَ مِنْهَا، وَتَنَاوَلَ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ عَظْمًا فَانْتَهَشَ مِنْهُ، فَلَمَّا اسْتَرَطَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لُقْمَتَهُ اسْتَرَطَ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ مَا فِي فِيهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ، فَإِنَّ كَتِفَ هَذِهِ الشَّاةِ يُخْبِرُنِي أَنْ قَدْ بُغِيَتْ فِيهَا،
فَقَالَ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ: وَالَّذِي أَكْرَمَكَ لَقَدْ وَجَدْتُ ذَلِكَ فِي أَكْلَتِي الَّتِي أَكَلْتُ فَمَا مَنَعَنِي أَنْ أَلْفِظَهَا إِلَّا أَنِّي أَعْظَمْتُ أَنْ أُنْغِصَكَ طَعَامَكَ، فَلَمَّا أَسَغْتَ مَا فِي فِيكَ، لَمْ أَكُنْ أَرْغَبُ بِنَفْسِي عَنْ نَفْسِكِ، وَرَجَوْتُ أَنْ لَا تَكُونَ اسْتَرَطْتَهَا وَفِيهَا بَغْيٌ، فَلَمْ يَقُمْ بِشْرٌ مِنْ مَكَانِهِ حَتَّى عَادَ لَوْنُهُ مِثْلَ الطَّيْلَسَانِ،
_________________
(١) [(٩)] راجع الحاشية (٧) .
[ ٤ / ٢٦٣ ]
وماطله وَجَعُهُ حَتَّى كَانَ لَا يَتَحَوَّلُ إِلَى مَا حُوِّلَ [(١٠)] .
قَالَ جَابِرٌ: وَفِي رِوَايَةِ ابْنُ فُلَيْحٍ عَنْ مُوسَى قَالَ الزُّهْرِيُّ قَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: وَاحْتَجَمَ رسول الله ﷺ عَلَى الْكَاهِلِ يَوْمَئِذٍ حَجَمَهُ مَوْلَى بَيَاضَةَ بالقون وَالشَّفْرَةِ، وَبَقِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعْدَهُ ثَلَاثَ سِنِينَ حَتَّى كَانَ وَجَعُهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ فَقَالَ: مَا زِلْتُ أَجِدُ مِنَ الْأُكْلَةِ الَّتِي أَكَلْتُ مِنَ الشَّاةِ يَوْمَ خَيْبَرَ عَدَدًا حَتَّى كَانَ هَذَا أَوَانُ انْقَطَعَ الْأَبْهَرُ مِنِّي، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ شَهِيدًا [(١١)] .
هَذَا لَفْظُ حَدِيثِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ مَعْنَاهُ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله في الحجامة [(١٢)] .
_________________
(١) [(١٠)] رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ نقل بعضها ابن كثير في التاريخ (٤: ٢١٠)، واختصرها ابن عبد البر في الدرر (٢٠٤) . [(١١)] فتح الباري (٨: ١٣١) . [(١٢)] الحجامة «Cupping» هي فصد قليل من الدم من على سطح الجلد باستخدام كأس زجاجي خاص، وهو ما يطلق عليه اسم «كاسات الهواء» . والحجامة على نوعين: حجامات جافة، وحجامات رطبة. ففي الحجامة الجافة يسخن الهواء بداخل الكأس فيتمدد بالحرارة وعند ملامسته للجلد يبرد الهواء فينكمش ويقل حجمه فيحدث فراغا داخل الكأس يجذب الجلد الى داخل الكأس وبه كمية من الدم. تفيد في تخفيف الآلام (الروماتيزمية)، وأوجاع الصدر، حيث تنشط الدورة الدموية، وتفيد حالات عسر البول، Anuria الناتجة عن التهاب الكلية. أما الحجامة الرطبة فتختلف عن الحجامة الجافة بإحداث جروح سطحية بالمشرط طول كل منها حوالي ٣ سم، ثم توضع الكأس بنفس الطريقة السابقة فتمتص بعض الدم من مكان المرض، وتستعمل الطريقة الرطبة على ظهر القفص الصدري في حالات هبوط القلب المصحوب بارتشاح في الرئتين، وفي بعض امراض القلب لتخفيف الاحتقان الدموي، وفي آلام المفاصل.
[ ٤ / ٢٦٤ ]
بَابُ وُقُوعِ الْخَبَرِ بِمَكَّةَ وورود الحجاج ابن عِلَاطٍ [(١)] عَلَى أَهْلِهَا لِأَخْذِ مَالِهِ
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عُلَاثَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ (ح) .
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَتَّابٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ الْجَوْهَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ: عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، قَالَا: وَكَانَ بَيْنَ قُرَيْشٍ حِينَ سَمِعُوا بِخُرُوجِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى خَيْبَرَ تَرَاهُنٌ عَظِيمٌ، وَتَبَايُعٌ، مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: يَظْهَرُ مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: يَظْهَرُ الْحَلِيفَانِ، وَيَهُودُ خَيْبَرَ، وَكَانَ الْحَجَّاجُ ابن عِلَاطٍ السُّلَمِيُّ ثُمَّ الْبَهْزِيُّ أَسْلَمَ، وَشَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَتْحَ خَيْبَرَ، وَكَانَتْ تَحْتَهُ أُمُّ شَيْبَةَ أُخْتُ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ، وَكَانَ الْحَجَّاجُ مُكْثِرًا مِنَ الْمَالِ كَانَتْ لَهُ معادية أَرْضِ بَنِي سُلَيْمٍ، فَلَمَّا ظَهْرَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى خَيْبَرَ قال الحجاج بن
_________________
(١) [(١)] في السيرة النبوية لابن هشام (٣: ٢٩٩) «السلمي ثم البهزي. وفي السيرة الحلبية ٣: ٦٠ هو أبو نصر بن حجاج الذي نفاه عمر بن الخطاب ﵁ لما سمع ام الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ الثَّقَفِيِّ تهتف به وتقول. هل من سبيل إلى خمر فأشربها* أم من سبيل إلى نصر بن حجاج
[ ٤ / ٢٦٥ ]
عِلَاطٍ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ لِي ذَهَبًا عِنْدَ امْرَأَتِي، وَإِنْ تَعْلَمْ هِيَ وَأَهْلُهَا بِإِسْلَامِي، فَلَا مَالَ لِي فَأْذَنْ لِي يَا رَسُولَ اللهِ فَأُسْرِعَ السَّيْرَ، وَلِأَسْبِقَ الْخَبَرَ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَمَعْنَاهُ فِيمَا أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ دُرُسْتَوَيْهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْمُبَارَكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن نور، عَنْ مَعْمَرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ثَابِتًا الْبُنَانِيَّ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: لَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَيْبَرَ، قَالَ الْحَجَّاجُ بْنُ عِلَاطٍ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ لِي بِمَكَّةَ مَالًا وَإِنَّ لِي بِهَا أَهْلًا، وَأَنَا أُرِيدُ إِتْيَانَهُمْ، فَأَنَا فِي حِلٍّ إِنْ أَنَا نِلْتُ مِنْكَ، وَقُلْتُ شَيْئًا، فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَقُولَ مَا شَاءَ، فَقَالَ:
لِامْرَأَتِهِ حِينَ قَدِمَ: أَخْفِ عَلَيَّ وَاجْمَعِي مَا كَانَ عِنْدَكَ لِي، فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَشْتَرِيَ مِنْ غَنَائِمِ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ، فإنهم قد استجيبوا وَأُصِيبَتْ أَمْوَالُهُمْ فَفَشَا ذَلِكَ بِمَكَّةَ، فَاشْتَدَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَأَبْلَغَ مِنْهُمْ وَأَظْهَرَ الْمُشْرِكُونَ فَرَحًا وَسُرُورًا، وَبَلَغَ الْخَبَرُ الْعَبَّاسَ فَعُقِرَ، وَجَعَلَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُومَ.
قَالَ مَعْمَرٌ: فَأَخْبَرَنِي عُثْمَانُ الْجَزَرِيُّ، عَنْ مِقْسَمٍ قَالَ فَأَخَذَ الْعَبَّاسُ ابْنًا لَهُ يُقَالُ لَهُ قُثَمُ، وَاسْتَلْقَى وَوَضَعَهُ عَلَى صَدْرِهِ، وَهُوَ يَقُولُ:
حيّ قُثَمْ شِبْهُ ذِي الْأَنْفِ الْأَشَمْ نَبِيِّ ذِي النِّعَمْ بِرَغْمِ مَنْ زَعَمْ
قَالَ مَعْمَرٌ: فِي حَدِيثِ أَنَسٍ، فَأَرْسَلَ الْعَبَّاسُ غُلَامًا لَهُ إِلَى الْحَجَّاجِ أَنْ وَيْلَكَ مَا جِئْتَ بِهِ وَمَا تَقُولُ فَالَّذِي وَعَدَ اللهُ خَيْرٌ مِمَّا جِئْتَ بِهِ، قَالَ الْحَجَّاجُ: يَا غُلَامُ أَقْرِئْ أَبَا الْفَضْلِ السَّلَامَ، وَقُلْ لَهُ: فَلْيَخَلُ لِي فِي بَعْضِ بُيوتِهِ فَآتِيَهِ فَإِنَّ الْخَبَرَ عَلَى مَا يَسُرُّهُ، فَلَمَّا بَلَغَ الْعَبْدُ بَابَ الدَّارِ، قَالَ: أَبْشِرْ يَا أَبَا الْفَضْلِ فَوَثَبَ الْعَبَّاسُ فَرِحًا حَتَّى قَبَّلَ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ، فَأَخْبَرَهُ بِقَوْلِ الْحَجَّاجِ، فَأَعْتَقَهُ، ثُمَّ جَاءَ الْحَجَّاجُ فَأَخْبَرَهُ بِافْتِتَاحِ رَسُولِ اللهِ ﷺ خَيْبَرَ، وَغُنْمِ أَمْوَالِهِمْ وَأَنَّ سِهَامَ اللهِ قَدْ جَرَتْ فِيهَا، وَأَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اصْطَفَى صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ لِنَفْسِهِ وَخَيَّرَهَا أَنْ يُعْتِقَهَا وَتَكُونَ زَوْجَتَهُ، أَوْ يُلْحِقَهَا بِأَهْلِهَا، فَاخْتَارَتْ أَنْ يُعْتِقَهَا وَتَكُونَ زَوْجَتَهُ، وَلَكِنْ
[ ٤ / ٢٦٦ ]
جِئْتُ لِمَالٍ كَانَ هَاهُنَا أَنْ أَجْمَعَهُ، فَأَذْهَبَ بِهِ، وَإِنِّي اسْتَأْذَنْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنْ أَقُولَ، فَأَذِنَ لِي أَنْ أَقُولَ مَا شِئْتُ، فَأَخْفِ عَلَيَّ يَا أَبَا الْفَضْلِ ثَلَاثًا، ثُمَّ اذْكُرْ مَا شِئْتَ.
قَالَ فَجَمَعَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ مَتَاعَهُ، ثُمَّ انْشَمَرَ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ثَلَاثٍ أَتَى الْعَبَّاسُ امْرَأَةَ الْحَجَّاجِ، فَقَالَ: مَا فَعَلَ زَوْجُكِ؟ قَالَتْ: ذَهَبَ وَقَالَتْ: لَا يُحْزِنُكَ اللهُ يَا أَبَا الْفَضْلِ، لَقَدْ شَقَّ عَلَيْنَا الَّذِي بَلَغَكَ، فَقَالَ: أَجَلْ لَا يُحْزِنُنِي اللهُ، وَلَمْ يَكُنْ بِحَمْدِ اللهِ إِلَّا مَا أَحْبَبْنَا فَتَحَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ، وَجَرَتْ سِهَامُ اللهِ فِي خَيْبَرَ، وَاصْطَفَى رَسُولُ اللهِ ﷺ صَفِيَّةَ، لِنَفْسِهِ، فَإِنْ كَانَ لَكِ فِي زَوْجِكِ حَاجَةٌ فَالْحَقِي بِهِ، قَالَتْ: أَظُنُّكَ وَاللهِ صَادِقًا. قَالَ: فَإِنِّي وَاللهِ صَادِقٌ، وَالْأَمْرُ عَلَى مَا أَقُولُ لَكِ.
ثُمَّ ذَهَبَ حَتَّى أَتَى مَجَالِسَ قُرَيْشٍ وَهُوَ يَقُولُ إِذَا مَرَّ بِهِمْ: لَا يُصِيبُكَ إِلَّا خَيْرٌ يَا أَبَا الْفَضْلِ، قَالَ: لَا يُصِيبُنِي إِلَّا خَيْرٌ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ خَبَّرَنِي الْحَجَّاجُ بِكَذَا وَكَذَا، وَقَدْ سَأَلَنِي أَنْ أَكْتُمَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا لِحَاجَتِهِ، فَرَدَّ اللهُ مَا كَانَ بِالْمُسْلِمِينَ مِنْ كَآبَةٍ وَجَزَعٍ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، وَخَرَجَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ مَوَاضِعِهِمْ، حَتَّى دَخَلُوا عَلَى الْعَبَّاسِ فَأَخْبَرَهُمُ الْخَبَرَ.
وَفِي رِوَايَةِ عُرْوَةَ فَدَعَا الْعَبَّاسُ ابْنًا لَهُ يُدْعَى قُثَمَ وَكَانَ يُشْبِهُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَجَعَلَ يَرْتَجِزُ بِهِ تَشَدُّدًا لِأَعْدَاءِ اللهِ وَيَقُولُ. وَهُوَ يَرْتَجِزُ.
يَا ابْنَ شَيْبَةَ ذِي الْكَرَمْ فَحُزْتَ بِالْأَنْفِ الْأَشَمْ
يا بن ذِي نَعَمْ بِرَغْمِ مَنْ زَعَمْ
وَسَقَطَ الرَّجَزُ مِنْ رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ.
وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ وَقَالَ فِي الرَّجَزِ.
[ ٤ / ٢٦٧ ]
حيي قُثَمْ شَبِيهُ ذِي الْأَنْفِ الْأَشَمْ نَبِيُّ ذِي النِّعَمْ بِرَغْمِ مَنْ زَعَمْ
أَخْبَرَنَا، أَبُو عَبْدِ الله الْحَافِظُ، وَأَبُو بَكْرٍ الْقَاضِي قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ هُوَ الْأَصَمُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّغَانِيُّ، قَالَ: مُحَمَّدُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ فَذَكَرَهُ بِمَعْنَاهُ [(٢)] .
_________________
(١) [(٢)] أخرجه الإمام أحمد في «مسنده» (٣: ١٣٨- ١٣٩)، عَنْ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، وأخرجه ابن هشام في السيرة (٣: ٢٩٩) عن ابن إسحاق، وعنه نقله المصنف، وعن المصنف نقله ابن كثير في تاريخه (٤: ٢١٥)، والصالحي في السيرة الشامية (٥: ٢١٦) .
[ ٤ / ٢٦٨ ]
بَابُ انْصِرَافِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ خَيْبَرَ وَتَوَجُّهِهِ إِلَى وَادِي الْقُرَى [(١)] وَمَا قَالَ فِي شَأْنِ مَنْ أُصِيبَ وَقَدْ غَلَّ فِي سَبِيلِ اللهِ ﷿
أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الرُّوذْبَارِيُّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ دَاسَةَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ أَبِي الْغَيْثِ مَوْلَى ابْنِ مُطِيعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ خَيْبَرَ فَلَمْ نَغْنَمْ ذَهَبًا وَلَا وَرِقًا إِلَّا الثِّيَابَ وَالْمَتَاعَ وَالْأَمْوَالَ، قَالَ: فَوَجَّهَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نَحْوَ وَادِي الْقُرَى وَقَدْ أُهْدِيَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ عَبْدًا أَسْوَدُ يُقَالُ لَهُ مِدْعَمٌ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِوَادِي الْقُرَى فَبَيْنَمَا مِدْعَمٌ يَحُطُّ رَحْلَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِذْ جَاءَهُ سَهْمٌ فَقَتَلَهُ، فَقَالَ النَّاسُ: هَنِيئًا لَهُ الْجَنَّةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كَلَّا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ الشَّمْلَةَ [(٢)] الَّتِي أَخَذَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ مِنَ الْمَغَانِمِ لَمْ تُصِبْهَا الْمَقَاسِمُ لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا، فَلَمَّا سَمِعُوا بِذَلِكَ جَاءَ رَجُلٌ بِشِرَاكٍ وَشِرَاكَيْنِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ رسول الله ﷺ: شِرَاكٌ مِنْ نَارٍ أَوْ شِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ أَبِي أُوَيْسٍ عَنْ مَالِكٍ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عن القعنبي.
_________________
(١) [(١)] وادي القرى: واد كثير القرى بين المدينة والشام، وقيل: مدينة قديمة بين المدينة والشام.. [(٢)] الشملة: كساء غليظ يلتحف به.
[ ٤ / ٢٦٩ ]
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ: مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْأَصْبَهَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْجَهْمِ بْنِ مَصْقَلَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ابن الْفَرَجِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَاقِدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ خَيْبَرَ إِلَى وَادِي الْقُرَى، وَكَانَ رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ الْجُذَامِيُّ، قَدْ وَهَبَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ عَبْدًا أَسْوَدَ يُقَالُ لَهُ: مِدْعَمٌ، وَكَانَ يُرَحِّلُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَلَمَّا نَزَلْنَا بِوَادِي الْقُرَى انْتَهَيْنَا إِلَى يَهُودَ، وَقَدْ ثَوى إِلَيْهَا نَاسٌ مِنَ الْعَرَبِ فَبَيْنَمَا مِدْعَمٌ يَحُطُّ رَحْلَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَقَدِ اسْتَقْبَلَتْنَا يَهُودُ بِالرَّمْيِ حَيْثُ نَزَلْنَا، وَلَمْ نَكُنْ عَلَى تَعْبِئَةٍ وَهُمْ يَصِيحُونَ فِي آطَامِهِمْ [(٣)]، فَيُقْبِلُ سَهْمٌ عَائِرٌ [(٤)] أَصَابَ مِدْعَمًا فَقَتَلَهُ، فَقَالَ النَّاسُ: هَنِيئًا لَهُ الْجَنَّةُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: كَلَّا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِي أَخَذَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ مِنَ الْغَنَائِمِ لَمْ يُصِبْهَا الْمقسم لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا، فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ النَّاسُ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِشِرَاكٍ وَشِرَاكَيْنِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ:
شِرَاكٌ مِنْ نَارٍ أَوْ شِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ.
وَعَبَّى [(٥)] رَسُولُ اللهِ ﷺ أَصْحَابَهُ لِلْقِتَالِ، وَصَفَّهُمْ وَدَفَعَ لِوَاءَهُ إِلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، وَرَايَةً إِلَى الْحُبَابِ بْنِ الْمُنْذِرِ، وَرَايَةً إِلَى سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، وَرَايَةً إِلَى عَبَّادِ بْنِ بِشْرٍ، ثُمَّ دَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ أَسْلَمُوا أَحْرَزُوا أَمْوَالَهُمْ، وَحَقَنُوا دِمَاءَهُمْ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ، فَبَرَزَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَبَرَزَ إِلَيْهِ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ، فَقَتَلَهُ، ثُمَّ بَرَزَ آخَرُ فَبَرَزَ إِلَيْهِ عَلِيٌّ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ بَرَزَ آخَرُ فَبَرَزَ إِلَيْهِ أَبُو دُجَانَةَ فَقَتَلَهُ، حَتَّى قُتِلَ مِنْهُمْ أَحَدَ عَشَرَ رَجُلًا، كُلَّمَا قُتِلَ مِنْهُمْ رجل دعا من
_________________
(١) [(٣)] أخرجه البخاري في: ٦٤- كتاب المغازي، (٣٨) باب غزوة خيبر، وأخرجه مسلم في: ١- كتاب الايمان، (٤٦) باب غلظ تحريم الغلول وانه لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا المؤمنون. [(٤)] (سهم عائر): لا يدرى راميه. [(٥)] في (أ) و(ح): رسمت: «فعبا» .
[ ٤ / ٢٧٠ ]
بَقِيَ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَلَقَدْ كَانَتِ الصَّلَاةُ تَحْضُرُ يَوْمَئِذٍ فَيُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ، ثُمَّ يَعُودُ فَيَدْعُوهُمْ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى أَمْسَوْا، وَغَدَا عَلَيْهِمْ فَلَمْ تَرْتَفِعِ الشَّمْسُ قِيدَ رُمْحٍ حَتَّى أَعْطَوْا بِأَيْدِيهِمْ وَفَتَحَهَا عَنْوَةً، وَغَنَّمَهُ الله أموالهم وأصابوا إناثا وَمَتَاعًا كَثِيرًا.
فَأَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِوَادِي الْقُرَى أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ، وَقَسَمَ مَا أَصَابَ عَلَى أَصْحَابِهِ بِوَادِي الْقُرَى وَتَرَكَ الْأَرْضَ وَالنَّخْلَ بِأَيْدِي يَهُودَ، وَعَامَلَهُمْ عَلَيْهَا فَلَمَّا بَلَغَ يَهُودُ تَيْمَاءَ مَا وَطِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَفَدَكَ وَوَادِيَ الْقُرَى، صَالَحُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى الْجِزْيَةِ، وأقاموا بِأَيْدِيهِمْ بِأَمْوَالِهِمْ.
فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَخْرَجَ يَهُودَ خَيْبَرَ وَفَدَكَ، وَلَمْ يُخْرِجْ أَهْلَ تَيْمَاءَ وَوَادِي الْقُرَى، لِأَنَّهُمَا دَاخِلَتَانِ فِي أَرْضِ الشَّامِ، وَيَرَى أَنَّ مَا دُونَ وَادِي الْقُرَى إِلَى الْمَدِينَةِ حِجَازٌ، وَأَنَّ مَا وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الشَّامِ.
فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَاجِعًا بَعْدَ أَنْ فَرَغَ مِنْ خَيْبَرَ، وَمِنْ وَرَاءِ وَادِي الْقُرَى وَغَنَّمَهُ اللهُ [(٦)] .
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ صَعْصَعَةَ، عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ أُمِّ عُمَارَةَ، قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِالْجُرْفِ وَهُوَ يَقُولُ لَا تَطْرُقُوا النِّسَاءَ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ،
قَالَتْ:
فَذَهَبَ رَجُلٌ مِنَ الْحَيِّ فَطَرَقَ أَهْلَهُ فَوَجَدَ مَا يَكْرَهُ، فَخَلَّى سَبِيلَهَا وَلَمْ يَهِجْهُ [(٧)] وَضَنَّ بِزَوْجَتِهِ أَنْ يُفَارِقَهَا وَكَانَ لَهُ مِنْهَا أَوْلَادٌ وَكَانَ يُحِبُّهَا فَعَصَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فرأى ما يكره [(٨)] .
_________________
(١) [(٦)] رواه الواقدي في المغازي (٢: ٧٠٩- ٧١١)، ونقله ابن كثير (٤: ٢١٢) . [(٧)] اي لم يزعجه وينفره. [(٨)] مغازي الواقدي (٢: ٧١١- ٧١٢) .
[ ٤ / ٢٧١ ]
بَابُ مَا جَاءَ فِي نَوْمِهِمْ عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى انْصَرَفُوا مِنْ خَيْبَرَ، وَمَا ظَهَرَ فِي ذَلِكَ الطَّرِيقِ مِنْ آثَارِ النُّبُوَّةِ
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ قُتَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ (ح) .
وأَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الرُّوذْبَارِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بكر بن داسة، قال: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حِينَ قَفَلَ [(١)] مِنْ غَزْوَةِ خَيْبَرَ فَسَارَ لَيْلَةً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَنَا الْكَرَى عَرَّسَ [(٢)] وَقَالَ لِبِلَالٍ «اكْلَأْ لَنَا اللَّيْلَ» [(٣)] قَالَ فَغَلَبَتْ بِلَالًا عَيْنَاهُ وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَى رَاحِلَتِهِ [مُوَاجِهُ الْفَجْرِ] [(٤)] فَلَمْ يَسْتَيْقِظِ النَّبِيُّ ﷺ وَلَا بِلَالٌ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ حَتَّى ضَرَبَتْهُمُ الشَّمْسُ، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَوَّلَهُمُ اسْتِيقَاظًا، فَفَزِعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا
_________________
(١) [(١)] (قَفَلَ مِنْ غَزْوَةِ خَيْبَرَ) اي رجع. والقفول الرجوع. ويقال: غزوة وغزاة. [(٢)] (أدركه الكرى عرس) الكرى النعاس. وقيل: النوم. يقال منه: كرى، كرضى، يكرى كرى، فهو كر وامرأة كرية. والتعريس نزول المسافرين آخر الليل للنوم والاستراحة. هكذا قاله الخليل والجمهور. وقال ابو زيد: هو النزول اي وقت كان من ليل او نهار. [(٣)] (اكلأ لنا الفجر) اي ارقبه واحفظه واحرسه. ومصدره الكلاء. [(٤)] (مواجه الفجر) أي مستقبله.
[ ٤ / ٢٧٢ ]
بِلَالُ! قَالَ: أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ:
فَاقْتَادُوا [(٥)] رَوَاحِلَهُمْ شَيْئًا، ثُمَّ تَوَضَّأَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَمَرَ بِلَالًا فَأَقَامَ لَهُمُ الصَّلَاةَ، وَصَلَّى لَهُمُ الصُّبْحَ فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ، قَالَ: «مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، فَإِنَّ اللهَ تعالى قال: أقم الصلاة لذكري» . [(٦)] .
قَالَ يُونُسُ وَكَانَ ابْنُ شِهَابٍ يَقْرَأُهَا كَذَلِكَ قَالَ أَحْمَدُ قَالَ عَنْبَسَةُ يَعْنِي عَنْ يُونُسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لِذِكْرِي لَفْظُ حَدِيثِ أَحْمَدَ بْنِ صَالِحٍ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ حَرْمَلَةَ بْنِ [(٧)] يَحْيَى كَذَا فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عِنْدَ مُنْصَرَفِهِمْ مِنْ خَيْبَرَ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ مُرْسَلًا.
وأَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ المهرجاني الْعَدْلُ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمُزَكِّي قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ البوسنجي، قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّهُ قَالَ: عَرَّسَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيْلَةً بِطَرِيقِ مَكَّةَ، وَوَكَّلَ بِلَالًا أَنْ يُوقِظَهُمْ لِلصَّلَاةِ فَرَقَدَ بِلَالٌ وَرَقَدُوا، حَتَّى اسْتَيْقَظُوا وَقَدْ طَلَعَتْ عَلَيْهِمُ الشَّمْسُ، فَاسْتَيْقَظَ الْقَوْمُ وَقَدْ فَرَغُوا فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَرْكَبُوا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْ ذَلِكَ الْوَادِي، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا وَادٍ بِهِ شَيْطَانٌ، فَرَكِبُوا حَتَّى خَرَجُوا مِنْ ذَلِكَ الْوَادِي، ثُمَّ أَمَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ إن ينزلوا، وأن يتوضؤوا، وَأَمَرَ بِلَالًا أَنْ يُنَادِيَ بِالصَّلَاةِ، وَيُقِيمَ فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالنَّاسِ ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدْ رَأَى مِنْ فَزَعِهِمْ فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللهَ قَبَضَ أَرْوَاحَنَا وَلَوْ شَاءَ رَدَّهَا إِلَيْنَا فِي حِينٍ غَيْرِ هَذَا فَإِذَا رَقَدَ أَحَدُكُمْ عَنِ الصَّلَاةِ أَوْ نَسِيَهَا ثُمَّ فَزِعَ
_________________
(١) [(٥)] (اقتادوا) اي قودوا رواحكم لأنفسكم آخذين بمقاودها. [(٦)] [طه- ١٤] . [(٧)] مسلم في: ٥- كتاب المساجد، (٥٥) باب قضاء الصلاة الفائتة، واستحباب تعجيل قضائها الحديث (٣٠٩)، ص (١: ٤٧١)، عَنْ حَرْمَلَةَ بْنِ يَحْيَى.
[ ٤ / ٢٧٣ ]
إِلَيْهَا فَلْيُصَلِّهَا كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا فِي وَقْتِهَا، ثُمَّ الْتَفَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، فَقَالَ: إِنَّ الشَّيْطَانَ أَتَى بِلَالًا وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فَلَمْ يزل يهدّئه كما يهدي الصَّبِيُّ حَتَّى نَامَ، ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِلَالًا فَأَخْبَرَ بِلَالٌ رَسُولَ اللهِ ﷺ مِثْلَ الَّذِي أَخْبَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ [(٨)] .
فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْمُرْسَلِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ.
وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ فِي نَوْمِهِمْ عَنِ الصَّلَاةِ حِينَ رَجَعُوا مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ.
وأَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الرُّوذْبَارِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بكر بن داسة، قال: حدثنا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي عَلْقَمَةَ، قَالَ:
سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ، قَالَ: أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَقَالَ: النَّبِيُّ ﷺ: مَنْ يَكْلَؤُنَا فَقَالَ بِلَالٌ أَنَا فَنَامُوا حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ فَاسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ ﷺ، فَقَالَ: افْعَلُوا كَمَا كُنْتُمْ تَفْعَلُونَ، قَالَ: فَفَعَلْنَا قَالَ فَكَذَلِكَ فَافْعَلُوا لِمَنْ نَامَ أَوْ نَسِيَ [(٩)] .
كَذَا قَالَ غُنْدَرٌ وَغَيْرُهُ عَنْ شُعْبَةَ أَنَّ الَّذِي حَرَسَهُمْ لَيْلَتَئِذٍ كَانَ بِلَالًا، وَكَذَلِكَ قَالَهُ يَحْيَى الْقَطَّانُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ، وَرُوِيَ عَنْهُ وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ شُعْبَةَ أَنَّ الْحَارِسَ كَانَ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ، وَكَذَلِكَ قَالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْمَسْعُودِيُّ عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ.
أَخْبَرَنَاهُ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ ابن سَهْلٍ الْمُجَوَّزُ، قَالَ: حَدَّثَنَا قُرَّةُ، قَالَ حَدَّثَنَا الْمَسْعُودِيُّ، عَنْ جامع بن
_________________
(١) [(٨)] مالك في الموطأ في كتاب الصلاة، (٢٦) . [(٩)] أخرجه ابو داود في الصلاة، الحديث (٤٤٧) صفحة (١: ١٢٢) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى
[ ٤ / ٢٧٤ ]
شَدَّادٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ الثَّقَفِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ لَمَّا انْصَرَفْنَا مِنْ غَزْوَةِ الْحُدَيْبِيَةِ قَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مَنْ يَحْرُسُنَا اللَّيْلَةَ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللهِ فَقُلْتُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ فَقَالَ إِنَّكَ تَنَامُ ثُمَّ عَادَ مَنْ يَحْرُسُنَا اللَّيْلَةَ؟ فَقُلْتُ: أَنَا ثُمَّ أَعَادَهُ مِرَارًا فَقُلْتُ أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَنْتَ قَالَ فَحَرَسْتُهُمْ حَتَّى إِذَا كَانَ وَجْهُ الصُّبْحِ أَدْرَكَنِي قَوْلُ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِنَّكَ تَنَامُ، فَنِمْتُ فَمَا أَيْقَظَنَا إِلَّا حَرُّ الشَّمْسِ فِي ظُهُورِنَا، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَصَنَعَ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ فِي الْوُضُوءِ وَرَكْعَتَيِ الْفَجْرِ ثُمَّ صَلَّى بِنَا الصُّبْحَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: إِنَّ اللهَ ﷿ لَوْ أَرَادَ أَنْ لَا تَنَامُوا عَنْهَا لَمْ تَنَامُوا عَنْهَا، وَلَكِنْ أَرَادَ أَنْ تَكُونَ لِمَنْ بَعْدَكُمْ، فَهَكَذَا مَنْ نَامَ أَوْ نَسِيَ.
قَالَ: ثُمَّ إِنَّ إِبِلَ الْقَوْمِ تَفَرَّقَتْ، فَخَرَجَ النَّاسُ فِي طلبها فجاؤوا بِإِبِلِهِمْ إِلَّا نَاقَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ. قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ: فخذها هَاهُنَا، فَأَخَذْتُ حَيْثُ قَالَ لِي فَوَجَدْتُ زِمَامَهَا قَدِ الْتَوَى عَلَى شَجَرَةٍ وَاللهِ مَا كَانَتْ تَحُلُّهَا يَدٌ، فَجِئْتُ بِهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ، ونَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مبينا.
كَذَا قَالَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ يُوسُفَ بْنِ بُكَيْرٍ عَنِ الْمَسْعُودِيِّ هَذِهِ الْقِصَّةُ بَعْدَ ذِكْرِ نُزُولِ سُورَةِ الْفَتْحِ مَرْجِعَهُمْ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ
فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ التَّارِيخُ لِنُزُولِ السُّورَةِ دُونَ هَذِهِ الْقِصَّةِ فَإِنْ كَانَ التَّارِيخُ لَهُمَا جَمِيعًا فَيُشْبِهُ وَاللهُ أَعْلَمُ أَنْ يَكُونَ نَوْمُهُمْ عَنِ الصَّلَاةِ وَقَعَ مَرْجِعَهُمْ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ ثُمَّ وَقَعَ مَرْجِعَهُ مِنْ خَيْبَرَ، وَقَدْ رَوَى عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ وَأَبُو قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ نَوْمَهُمْ عَنِ الصَّلَاةِ، وَذَكَرَا فِي تِلْكَ الْقِصَّةِ حَدِيثًا فِي الْمِيضَأَةِ، وَلَا أَدْرِي أَكَانَ ذَلِكَ مَرْجِعَهُمْ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ أَوْ مَرْجِعَهُمْ مِنْ خَيْبَرَ أَوْ وَقْتًا آخَرَ وَاسْتَخَرْتُ اللهَ تَعَالَى فِي اسْتِخْرَاجِ حَدِيثِهِمَا هَاهُنَا فَوَقَعَتِ الْخِيَرَةُ عَلَى ذَلِكَ وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ. وَقَدْ زَعَمَ الْوَاقِدِيُّ فِي قِصَّةِ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّهَا كَانَتْ مَرْجِعَهُمْ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ. وَرَوَى زَافِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ فِي قِصَّةِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَاللهُ أَعْلَمُ.
[ ٤ / ٢٧٥ ]
بَابُ ذِكْرِ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَمَا ظَهَرَ فِي خَبَرِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ صَاحِبَةِ الْمَزَادَتَيْنِ، ثُمَّ فِي مَاءِ الْمَزَادَتَيْنِ حِينَ أُتِيَ بِهِ وَفِي بَقِيَّةِ الْمَاءِ الَّتِي كَانَتْ مَعَهُ مِنْ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ وَدَلَالَاتِ الصِّدْقِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ بِشْرَانَ بِبَغْدَادَ، قَالَ:
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ عَوْفٍ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيِّ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: سَرَى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي سَفَرٍ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، قَالَ:
فَأَصَابَهُمْ عَطَشٌ شَدِيدٌ، فَأَقْبَلَ رَجُلَانِ مِنْ أَصْحَابِهِ، قَالَ: أَحْسَبُهُ عَلِيًّا وَالزُّبَيْرَ أَوْ غَيْرَهُمَا، قَالَ: إِنَّكُمَا سَتَجِدَانِ امْرَأَةً بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا، امْرَأَةً مَعَهَا بَعِيرٌ عَلَيْهِ مَزَادَتَانِ [(١)] فَأْتِيَانِي بِهِمَا، قَالَ: فَأَتَيَا الْمَرْأَةَ فَوَجَدَاهَا قَدْ رَكِبَتْ بَيْنَ مَزَادَتَيْنِ عَلَى الْبَعِيرِ، فَقَالَا لَهَا: أَجِيبِي رَسُولَ اللهِ ﷺ، قَالَتْ: وَمَنْ رَسُولُ اللهِ [ﷺ] أَهُوَ الصابئي، قَالَا: هُوَ الَّذِي تَعْنِينَ، وَهُوَ رَسُولُ اللهِ حَقًّا، فجاء بِهَا فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ فَجَعَلَ فِي إِنَاءٍ مِنْ مَزَادَتَيْهِمَا، ثُمَّ قَالَ فِيهِ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُولَ، ثُمَّ عَادَ الْمَاءُ فِي الْمَزَادَتَيْنِ، ثُمَّ أَمَرَ بِعَزْلَاءِ الْمَزَادَتَيْنِ فَفُتِحَتْ ثُمَّ أَمَرَ الناس فملؤوا آنِيَتَهُمْ وَأَسْقِيَتَهُمْ، فَلَمْ يَدَعُوا يَوْمَئِذٍ إِنَاءً وَلَا سِقَاءً الا ملؤوه.
قَالَ عِمْرَانُ: فَكَانَ يُخَيَّلُ إِلَيَّ أَنَّهَا لَمْ تَزْدَدْ إِلَّا امْتِلَاءً، قَالَ: فَأَمَرَ النبي
_________________
(١) [(١)] المزاد أكبر من القربة، والمزادتان حمل بعير.
[ ٤ / ٢٧٦ ]
ﷺ بِثَوْبِهَا فَبُسِطَ ثُمَّ أَمَرَ أصحابه فجاؤوا مِنْ زَادِهِمْ حَتَّى مَلَأَ لَهَا ثَوْبَهَا، ثُمَّ قَالَ لَهَا: اذْهَبِي فَإِنَّا لَمْ نَأْخُذْ مِنْ مَائِكِ شَيْئًا، وَلَكِنَّ اللهَ ﷿ سَقَانَا، قَالَ:
فَجَاءَتْ أَهْلَهَا فَأَخْبَرَتْهُمْ، فَقَالَتْ: جِئْتُكُمْ مِنْ أَسْحَرِ النَّاسِ، أَوْ إِنَّهُ لَرَسُولُ اللهِ ﷺ حَقًّا، قَالَ: فَجَاءَ أَهْلُ ذَلِكَ الْحِوَاءِ حَتَّى أَسْلَمُوا كُلُّهُمْ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الشَّيْبَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: وأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْقَطِيعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أحمد ابن حَنْبَلٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى يَعْنِيَانِ ابْنَ سَعِيدٍ الْقَطَّانَ، عَنْ عَوْفٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، قَالَ: كُنَّا فِي سَفَرٍ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَنَا أَسْرَيْنَا حَتَّى كُنَّا فِي آخِرِ اللَّيْلِ، وَقَعْنَا تِلْكَ الْوَقْعَةَ وَلَا وَقْعَةَ أَحْلَى عِنْدَ الْمُسَافِرِ مِنْهَا، قَالَ: فَمَا أَيْقَظَنَا إِلَّا حَرُّ الشَّمْسِ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ: فُلَانٌ- كَانَ يُسَمِّيهِمْ أَبُو رَجَاءٍ ثُمَّ فُلَانٌ، وَنَسِيَهُمْ عَوْفٌ، ثُمَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الرَّابِعُ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا نَامَ لَمْ يُوقَظْ حَتَّى يَكُونَ هُوَ يَسْتَيْقِظُ لِأَنَّا لَا نَدْرِي مَا يَحْدُثُ لَهُ فِي نَوْمِهِ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ عُمَرُ وَرَأَى مَا أَصَابَ النَّاسَ وَكَانَ رَجُلًا أَجْوَفَ جَلِيدًا، قَالَ: فَكَبَّرَ وَرَفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ، فَمَا زَالَ يُكَبِّرُ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ، حَتَّى اسْتَيْقَظَ لِصَوْتِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللهِ ﷺ شَكَوَا الَّذِي أَصَابَهُمْ فَقَالَ: لَا ضَيْرَ أَوْ لَا يَضِيرُ ارْتَحِلُوا فَارْتَحَلَ غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ نَزَلَ فَدَعَا بِالْوَضُوءِ فَتَوَضَّأَ وَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ فَصَلَّى بِالنَّاسِ، فَلَمَّا انْفَتَلَ مِنْ صَلَاتِهِ إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مُعْتَزِلٍ لَمْ يُصَلِّ مَعَ الْقَوْمِ، فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ يَا فُلَانُ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ الْقَوْمِ؟ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلَا مَاءَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ، فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ.
ثُمَّ سَارَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَشَكَا إِلَيْهِ النَّاسُ الْعَطَشَ، فَنَزَلَ فَدَعَا فُلَانًا كَانَ يُسَمِّيهِ أَبُو رَجَاءٍ وَنَسِيَهُ عَوْفٌ، وَدَعَا عَلِيًّا فَقَالَ: اذْهَبَا فَابْغِيَانَا الْمَاءَ، قَالَ:
[ ٤ / ٢٧٧ ]
فَانْطَلَقَا فَيَلْقَيَانِ امْرَأَةً بَيْنَ مَزَادَتَيْنِ أَوْ سَطِيحَتَيْنِ مِنْ مَاءٍ عَلَى بَعِيرٍ لَهَا، فَقَالَا لَهَا:
أَيْنَ الْمَاءُ؟ فَقَالَتْ: عَهْدِي بِالْمَاءِ أَمْسِ هَذِهِ السَّاعَةَ، قَالَ: فَقَالَا لَهَا فَانْطَلِقِي إِذًا، قَالَتْ لِي: أَيْنَ؟ قَالَا: إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، قَالَتْ: هَذَا الَّذِي يُقَالُ لَهُ الصَّابِئُ؟ قَالَا: هُوَ الَّذِي تَعْنِينَ، فَانْطَلِقِي إِذًا.
فَجَاءَا بِهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَحَدَّثَاهُ الْحَدِيثَ فَاسْتَنْزَلُوهَا عَنْ بَعِيرِهَا، وَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِإِنَاءٍ فَأَفْرَغَ فِيهِ مِنْ أَفْوَاهِ الْمَزَادَتَيْنِ أَوِ السَّطِيحَتَيْنِ يَعْنِي فَمَضْمَضَ فِي الْمَاءِ وَأَعَادَهُ فِي أَفْوَاهِ الْمَزَادَتَيْنِ، أَوِ السطيحتين، وأوكا أفواههما وَأَطْلَقَ الْعَزَالِيَ [(٢)] وَنُودِيَ فِي النَّاسِ أَنِ اسْقُوا وَاسْتَقُوا فسقا مَنْ شَاءَ وَاسْتَقَى مَنْ شاء، فكان آخر من ذَلِكَ أَنْ أَعْطَى الَّذِي أَصَابَتْهُ الْجَنَابَةُ إِنَاءً مِنْ مَاءٍ، فَقَالَ:
اذْهَبْ فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ، قَالَ: وَهِيَ قَائِمَةٌ تَنْظُرُ مَا يَفْعَلُ بِمَائِهَا، قَالَ: وَايْمُ اللهِ لَقَدْ أَقْلَعَ عَنْهَا وَإِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْنَا أَنَّهَا أَشَدُّ مِلْئًا [(٣)] مِنْهَا حِينَ ابْتَدَأَ فِيهَا فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ اجْمَعُوا لَهَا فَجَمَعَ لَهَا مِنْ بَيْنِ عَجْوَةٍ وَدَقِيقَةٍ وَسَوِيقَةٍ، حَتَّى جَمَعُوا طَعَامًا كَثِيرًا وَجَعَلُوهُ فِي ثَوْبٍ وَحَمَلُوهَا عَلَى بَعِيرِهَا، وَوَضَعُوا الثَّوْبَ بَيْنَ يَدَيْهَا، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ: «تَعْلَمِينَ وَاللهِ مَا رَزَيْنَاكِ مِنْ مَائِكِ شَيْئًا، وَلَكِنَّ اللهُ ﷿ هُوَ سَقَانَا» .
قَالَ: فَأَتَتْ أَهْلَهَا وَقَدِ احْتَبَسَتْ عَلَيْهِمْ فَقَالُوا مَا حَبَسَكِ يَا فُلَانَةُ؟ قَالَتِ:
الْعَجَبُ! لَقِيَنِي رَجُلَانِ فَذَهَبَا بِي إِلَى هَذَا الَّذِي يُقَالُ لَهُ الصَّابِئُ، فَفَعَلَ بِمَائِي كَذَا وَكَذَا لِلَّذِي قَدْ كان، قال: فو الله أنه لا سحر مَنْ بَيْنَ هَذِهِ وَهَذِهِ، وَقَالَتْ بِأُصْبُعِهَا الْوُسْطَى وَالسَّبَّابَةِ فَرَفَعَتْهُمَا إِلَى السَّمَاءِ تَعْنِي السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ، أَوْ إِنَّهُ لَرَسُولُ اللهِ حَقًّا، قَالَ فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ بَعْدُ يُغِيرُونَ عَلَى مَا حَوْلَهَا مِنَ
_________________
(١) [(٢)] وفي البخاري: «العزلاوين»، وهو المتعب الأسفل للمزادة الذي يفرغ منه الماء. [(٣)] وفي البخاري أنها تنض من الملء.
[ ٤ / ٢٧٨ ]
الْمُشْرِكِينَ، وَلَا يُصِيبُونَ الصِّرْمَ [(٤)] الَّذِي هِيَ مِنْهُ، فَقَالَتْ يَوْمًا لِقَوْمِهَا مَا أَدْرِي أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ يَدَعُونَكُمْ عَمْدًا فَهَلْ لَكُمْ فِي الْإِسْلَامِ فَأَطَاعُوهَا فَدَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عند مُسَدَّدٍ [(٥)] .
وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ عَنْ [(٦)] عَوْفٍ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، وأَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، قَالَا:
حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ النَّاجِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيُّ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ فِي سَبْعِينَ رَاكِبًا فَسَارَ بِأَصْحَابِهِ وَأَنَّهُمْ عَرَّسُوا قَبْلَ الصُّبْحِ، فَنَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، فَاسْتَيْقَظَ أَبُو بَكْرٍ فَرَأَى الشَّمْسَ قَدْ طَلَعَتْ فَسَبَّحَ وَكَبَّرَ كَأَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُوقِظَ رَسُولَ اللهِ ﷺ، حَتَّى اسْتَيْقَظَ عُمَرُ، فَاسْتَيْقَظَ رَجُلٌ جَهِيرُ الصَّوْتِ، فَسَبَّحَ وَكَبَّرَ وَرَفَعَ صَوْتَهُ جِدًّا، حَتَّى اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ:
يَا رَسُولَ اللهِ فَاتَتْنَا الصَّلَاةُ، فَقَالَ: لَمْ تَفُتْكُمْ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَرَكِبُوا وَسَارُوا هُنَيْهَةً، ثُمَّ نَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَنَزَلُوا مَعَهُ، وَكَأَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُصَلِّيَ فِي الْمَكَانِ الَّذِي نَامَ فِيهِ عَنِ الصَّلَاةِ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «ائْتُونِي بِمَاءٍ»، فَأَتَوْهُ بِجُرَيْعَةٍ مِنْ مَاءٍ فِي مَطْهَرَةٍ، فَصَبَّهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي إِنَاءٍ، ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ فِي الْمَاءِ ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: تَوَضَّئُوا، فَتَوَضَّأَ قَرِيبٌ مِنْ سَبْعِينَ رَجُلًا، ثُمَّ أمر
_________________
(١) [(٤)] (الصرم): أبيات مجتمعة. [(٥)] البخاري عن مسدد في كتاب التيمم، باب الصعيد الطيب وضوء المسلم بكفيه الماء فتح الباري (١: ٤٤٧) . [(٦)] مسلم في: ٥- كتاب المساجد الحديث (٣١٢)، ص (١: ٤٧٦) .
[ ٤ / ٢٧٩ ]
رسول الله ﷺ أَنْ يُنَادَى بِالصَّلَاةِ، فَنُودِيَ بِهَا ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَلَمَّا انْصَرَفَ إِذَا رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ قَائِمٌ، فَلَمَّا رَآهُ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ، قَالَ فَتَيَمَّمْ بِالصَّعِيدِ، فَإِذَا فَرَغْتَ فَصَلِّ، فَإِذَا أَدْرَكْتَ الْمَاءَ فَاغْتَسِلْ، وَأَصْبَحَ رَسُولُ الله ﷺ وَأَصْحَابُهُ لَا يَدْرُونَ أَيْنَ الْمَاءُ مِنْهُمْ، فَبَعَثَ عَلِيًّا ﵁ مَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يَطْلُبُونَ لَهُ الْمَاءَ، فَانْطَلَقَ فِي نَفَرٍ فَسَارَ يَوْمَهُ وَلَيْلَتَهُ ثُمَّ لَقِيَ امْرَأَةً عَلَى رَاحِلَةٍ بَيْنَ مَزَادَتَيْنِ، فَقَالَ لَهَا عَلِيٌّ﵁-: مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتِ؟ فَقَالَتْ: أَقْبَلْتُ إِنِّي اسْتَقَيْتُ لِأَيْتَامٍ، فَلَمَّا قَالَتْ لَهُ وَأَخْبَرَتْهُ أَنَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَاءِ مَسِيرَةَ لَيْلَةٍ وَزِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ عَلِيٌّ وَاللهِ لَئِنِ انْطَلَقْنَا لَا نَبْلُغُ حَتَّى تَهْلِكَ دَوَابُّنَا، وَيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ مِنَّا، ثُمَّ قَالَ: بَلْ نَنْطَلِقُ بِهَاتَيْنِ الْمَزَادَتَيْنِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتَّى تنظر فِي ذَلِكَ.
فَلَمَّا جَاءَ عَلِيٌّ ﵁ وَأَصْحَابُهُ وَجَاءُوا بِالْمَرْأَةِ عَلَى بعيرها بين مزادتيهما فَقَالَ عَلِيٌّ يَا رَسُولَ اللهِ: بِأَبِي وَأُمِّي إِنَّا وَجَدْنَا هَذِهِ بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا، فَسَأَلْتُهَا عَنِ الْمَاءِ فَزَعَمَتْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَاءِ مَسِيرَةَ لَيْلَةٍ أَوْ زِيَادَةً، فَظَنَنَّا أَنْ لَمْ نَبْلُغْهُ حَتَّى يَهْلِكَ مِنَّا مَنْ هَلَكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَنِيخُوا لَهَا بَعِيرَهَا، فَأَنَاخُوا بِهَا بَعِيرَهَا، فَأَقْبَلَتْ عَلَيْهِمْ، فَقَالَتِ: اسْتَقَيْتُ لِأَيْتَامٍ، وَقَدِ احْتبَسْتُ عَلَيْهِمْ جِدًّا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ائْتُونِي بإناء فجاؤوا بِإِنَاءٍ، فَقَالَ: افْتَحُوا عَزْلَاءَ هَذِهِ الْمَزَادَةِ فَخُذُوا مِنْهَا مَاءً يَسِيرًا، ثُمَّ افْتَحُوا عَزْلَاءَ هَذِهِ فَخُذُوا مِنْهَا مَاءً يَسِيرًا أَيْضًا، فَفَعَلُوا ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَعَا فِيهِ وَغَمَسَ يَدَهُ فِيهِ، فَقَالَ: افْتَحُوا لِي أَفْوَاهَ الْمَزَادَتَيْنِ، فَفَتَحُوا فَحَثَا فِي هَذِهِ قَلِيلًا وَفِي هَذِهِ قَلِيلًا، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: اشْرَبُوا، فَشَرِبُوا حَتَّى رَوَوْا، ثُمَّ قَالَ: اسْقُوا ظَهْرَكُمْ فَسَقَوَا الظَّهْرَ حَتَّى رَوِيَ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «هَاتُوا مَا كَانَ لَكُمْ مِنْ قِرْبَةٍ أَوْ مطهرة فاملؤوها» فجاؤوا بقربهم ومطاهرهم فملؤوها، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «شُدُّوا عَزْلَاءَ هَذِهِ، وَعَزْلَاءَ هَذِهِ، ثُمَّ قَالَ: ابْعَثُوا الْبَعِيرَ» فَبَعَثُوهَا فَنَهَضَتْ وَإِنَ المزادتين لتكاد ان تَفُطَّانِ مِنْ مَلْئِهِمَا ثُمَّ اتَّخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كِسَاءَ الْمَرْأَةِ، ثُمَّ
[ ٤ / ٢٨٠ ]
قَالَ لِأَصْحَابِهِ: هَاتُوا مَا كَانَ عِنْدَكُمْ مِنْ شَيْءٍ فَجَعَلُوا يَجِيئُونَ بِالْكُسَيْرَةِ مِنَ الْخُبْزِ، وَالشَّيْءِ مِنَ التَّمْرِ، حَتَّى جَمَعَ لَهَا، ثُمَّ أَخَذَ كِسَاءَهَا ذَلِكَ فَشَدَّهُ، ثُمَّ دَفَعَهُ إِلَيْهَا ثُمَّ قَالَ: خُذِي هَذَا لِأَيْتَامِكِ، وَهَذَا مَاؤُكِ وَافِرًا،
فَجَعَلَتْ تَعْجَبُ مِمَّا رَأَتْ ثُمَّ انْطَلَقَتْ حَتَّى أَتَتْ أَهْلَهَا فَقَالُوا قَدِ احْتبَسْتِ عَلَيْنَا فَمَا حَبَسَكِ؟ قَالَتْ حَبَسَنِي أَنِّي رَأَيْتُ عَجَبًا مِنَ الْعَجَبِ! أَرَأَيْتُمْ مَزْادَتَيَّ هَاتَيْنِ فو الله لَقَدْ شَرِبَ مِنْهُمَا قَرِيبٌ مِنْ سَبْعِينَ بَعِيرًا وَأَخَذُوا مِنَ الْقِرَبِ وَالْمَزَادِ وَالْمَطَاهِرِ مالا أُحْصِي، ثُمَّ إِنَّهُمَا الْآنَ أَوْفَرُ مِنْهُمَا يَوْمَئِذٍ فَلَبِثَتْ شَهْرًا أَوْ نَحْوًا مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ أَهْلِهَا، ثُمَّ أَقْبَلَتْ فِي ثَلَاثِينَ رَاكِبًا إِلَى رسول الله ﷺ فَأَسْلَمَتْ وَأَسْلَمُوا.
[ ٤ / ٢٨١ ]
بَابُ ذِكْرِ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ فِي أَمْرِ الْمِيضَأَةِ وَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ احْتَبَسَ أَصْحَابُهُ عَنْهُ: أَنْ يُطِيعُوا أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ﵄- يَرْشُدُوا، ومَا ظَهَرَ فِي ذَلِكَ مِنْ آثَارِ النُّبُوَّةِ
أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ الْفَقِيهُ، وَأَبُو محمد عبد الله بن يوسف الْأَصْبَهَانِيُّ، قَالَا:
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَطَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَارِثِ الْبَغْدَادِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَبَاحٍ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: إِنَّكُمْ تَسِيرُونَ عَشِيَّتَكُمْ وَلَيْلَتَكُمْ، ثُمَّ تَأْتُونَ الْمَاءَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللهُ، قَالَ: فَانْطَلَقَ النَّاسُ لَا يَلْوِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ [(١)] فِي الْمَسِيرِ.
قال أبو قتادة: فَبَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ يَسِيرُ حَتَّى ابْهَارَّ [(٢)] اللَّيْلُ وَأَنَا إِلَى جَنْبِهِ فَنَعَسَ [(٣)] النَّبِيُّ ﷺ، فَمَالَ عَلَى رَاحِلَتِهِ [فَأَتَيْتُهُ]، فَدَعَمْتُهُ [(٤)] مِنْ غَيْرِ أَنْ أُوقِظَهُ حَتَّى اعْتَدَلَ عَلَى رَاحِلَتِهِ ثُمَّ سَارَ حَتَّى إِذَا تَهَوَّرَ اللَّيْلُ [(٥)] مَالَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَدَعَمْتُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ أُوقِظَهُ حَتَّى اعْتَدَلَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، ثُمَّ سَارَ حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ
_________________
(١) [(١)] (لَا يَلْوِي عَلَى أَحَدٍ): أي لا يعطف. [(٢)] (ابهار الليل) اي انتصف. [(٣)] (فنعس) النعاس مقدمة النوم. [(٤)] (فدعمته) أي أقمت ميله من النوم، وصرت تحته. كالدمامة للبناء فوقها. [(٥)] (تهور الليل) اي ذهب أكثره. مأخوذ من تهور البناء، وهو انهداده.
[ ٤ / ٢٨٢ ]
السَّحَرِ، فَمَالَ مَيْلَةً هِيَ أَشَدُّ مِنَ الْمَيْلَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ، حَتَّى كَادَ أَنْ يَنْجَفِلَ [(٦)] فَأَتَيْتُهُ فَدَعَمْتُهُ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، وَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقُلْتُ: أَبُو قَتَادَةَ قَالَ مُذْ كَمْ كَانَ هَذَا مَسِيرَكَ: قُلْتُ مَا زَالَ هَذَا مَسِيرِي مِنْكَ مُنْذُ اللَّيْلَةِ، قَالَ: حَفِظَكَ اللهُ بِمَا حَفِظْتَ بِهِ نَبِيَّهُ [(٧)]، ثُمَّ قَالَ: تَرَانَا نَخْفَى عَلَى النَّاسِ ثُمَّ قَالَ: هَلْ تَرَى مِنْ أَحَدٍ؟ قُلْتُ: هَذَا رَاكِبٌ ثُمَّ قُلْتُ هَذَا رَاكِبٌ فَاجْتَمَعْنَا فَكُنَّا سَبْعَةَ رَكْبٍ [(٨)]، فَمَالَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الطَّرِيقِ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ قَالَ: احْفَظُوا عَلَيْنَا صَلَاتَنَا فَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ ﷺ وَالشَّمْسُ فِي ظَهْرِهِ، فَقُمْنَا فَزِعِينَ، فَقَالَ: ارْكَبُوا، فَسِرْنَا حَتَّى ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ.
قَالَ: ثُمَّ دَعَا بِمِيضَأَةٍ [(٩)] كَانَتْ مَعِي فِيهَا شَيْءٌ مِنْ مَاءٍ، فَتَوَضَّأْنَا مِنْهَا وُضُوءًا دُونَ وُضُوءٍ [(١٠)]، وَبَقِيَ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ مَاءٍ.
ثُمَّ قَالَ لِأَبِي قَتَادَةَ: احْفَظْ عَلَيْنَا مِيضَأَتَكَ، سَيَكُونُ لَهَا نَبَأٌ، ثُمَّ نَادَى بِلَالٌ بِالصَّلَاةِ فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى صَلَاةَ الْغَدَاةِ، فَصَنَعَ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ كُلَّ يَوْمٍ ثُمَّ رَكِبَ النَّبِيُّ ﷺ وَرَكِبْنَا فَجَعَلَ بَعْضُنَا يَهْمِسُ إِلَى بَعْضٍ [(١١)] مَا كَفَّارَةُ مَا صَنَعْنَا بِتَفْرِيطِنَا فِي صَلَاتِنَا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ مَا هَذَا الَّذِي تَهْمِسُونَ دُونِي، فَقُلْنَا: يَا نَبِيَّ اللهِ تَفْرِيطُنَا فِي صَلَاتِنَا، قَالَ: أَمَا لَكُمْ فِيَّ أُسْوَةٌ [(١٢)] ثم قال:
_________________
(١) [(٦)] (ينجفل) أي يسقط. [(٧)] (بِمَا حَفِظْتَ بِهِ نَبِيَّهُ) أي بسبب حفظك نبيه. [(٨)] (سبعة ركب) هو جمع راكب. كصاحب وصحب، ونظائره. [(٩)] (بميضأة) هي الإناء الذي يتوضأ به، كالركوة. [(١٠)] (وضوءا دون وضوء) أي وضوءا خفيفا. [(١١)] (يهمس إلى بعض) أي يكلمه بصوت خفي. [(١٢)] (أسوة) الأسوة كالقدوة والقدوة، هي الحالة التي يكون الإنسان عليها في اتباع غيره. إن حسنا وإن قبيحا وان سارا وإن ضارا. ولهذا قال تعالى: لقد كان لكم في رسول الله حسنة. فوصفها بالحسنة. كذا قال الراغب.
[ ٤ / ٢٨٣ ]
«إِنَّهُ لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ [(١٣)] إِنَّمَا التَّفْرِيطُ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ حَتَّى يَجِيءَ وَقْتُ الْأُخْرَى، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَلْيُصَلِّهَا حِينَ يَسْتَيْقِظُ، فَإِذَا كَانَ مِنَ الْغَدِ فَلْيُصَلِّهَا عِنْدَ وَقْتِهَا، ثُمَّ قَالَ: مَا تَرَوْنَ النَّاسَ صَنَعُوا [قَالَ] ثُمَّ قَالَ [(١٤)]:
أَصْبَحَ النَّاسُ وَقَدْ فَقَدُوا نَبِيَّهُمْ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رَسُولُ اللهِ بَعْدَكُمْ لَمْ يَكُنْ لِيُخَلِّفَكُمْ. وَقَالَ نَاسٌ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَنْ يُطِيعُوا أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ يَرْشُدُوا، فَانْتَهَيْنَا إِلَى النَّاسِ حِينَ امْتَدَّ النَّهَارُ أَوْ قَالَ حِينَ ذَهَبَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ وَهُمْ يَقُولُونَ يَا نَبِيَّ اللهِ هَلَكْنَا وَعَطِشْنَا، فَقَالَ: لَا هُلْكَ عَلَيْكُمْ [(١٥)] ثُمَّ قَالَ: أَطْلِقُوا لِي غُمَرِي [(١٦)] يَعْنِي الْقَدَحَ الصَّغِيرَ فَدَعَا بِالْمِيضَأَةِ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَصُبُّ وَأَبُو قَتَادَةَ يَسْقِيهِمْ فَلَمْ يَعُدْ أَنْ رَأَى النَّاسُ مَا فِي الْمِيضَأَةِ تَكَابُّوا [(١٧)] عَلَيْهَا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَحْسِنُوا الْمَلْأَ [(١٨)] كُلُّكُمْ سَيَرْوَى، ثُمَّ قَالَ: أَحْسِنُوا الرُّعَةَ، فَفَعَلُوا، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَصُبُّ، وَأَبُو قَتَادَةَ يَسْقِيهِمْ، حَتَّى مَا بَقِيَ أَحَدٌ غَيْرِي، وَغَيْرُ النبي ﷺ ثُمَّ صَبَّ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ اشْرَبْ فَقُلْتُ لَا أَشْرَبُ حَتَّى يَشْرَبَ النَّبِيُّ ﷺ، فقال: ان ساقي
_________________
(١) [(١٣)] (لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ) أي تقصير في فوت الصلاة لانعدام الاختيار من النائم. [(١٤)] (مَا تَرَوْنَ النَّاسَ صَنَعُوا قَالَ ثُمَّ قَالَ.. إلخ) قال النووي: معنى هذا الكلام أَنَّهُ ﷺ لما صلى بهم الصبح، بعد ارتفاع الشمس، وقد سبقهم الناس. وانقطع النبي ﷺ وهؤلاء الطائفة اليسيرة عنهم قال: ما تظنون الناس يقولون فينا؟ فسكت القوم. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أما أبو بكر وعمر فيقولان للناس: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وراءكم. ولا تطيب نفسه ان يخلفكم وراءه ويتقدم بين أيديكم. فينبغي لكم ان تنتظروه حتى يلحقكم. وقال باقي الناس: إنه سبقكم فالحقوه. فإن أطاعوا أبا بكر وعمر رشدوا، فإنهما على الصواب. [(١٥)] (لأهلك عليكم) أي لا هلاك. [(١٦)] (أطلقوا لي غمرى) أي ايتوني به. والغمر القدح الصغير. [(١٧)] (فَلَمْ يَعُدْ أَنْ رَأَى الناس ماء فِي الْمِيضَأَةِ تَكَابُّوا عَلَيْهَا) أي لم يتجاوز رؤيتهم الماء في الميضأة تكابهم، اي تزاحمهم عليها، مكبا بعضهم على بعض. [(١٨)] (أحسنوا الملأ) الملأ الخلق والعشرة. يقال: ما احسن ملأ فلان اي خلقه وعشرته. وما أحسن ملأ بني فلان أي عشرتهم وأخلاقهم. ذكره الجوهري وغيره. وانشد الجوهري: تنادوا يال بهثة إذ رأونا* فقلنا: أحسني ملأ جهينا
[ ٤ / ٢٨٤ ]
الْقَوْمِ آخِرُهُمْ فَشَرِبْتُ وَشَرِبَ النبي ﷺ فَأَتَى النَّاسُ الْمَاءَ جَامِّينَ رِوَاءً [(١٩)] .
فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَبَاحٍ إِنِّي لَأُحَدِّثُ هَذَا الْحَدِيثَ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ [(٢٠)] فَقَالَ لِي عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ انْظُرْ أَيُّهَا الْفَتَى كَيْفَ تُحَدِّثُ فَإِنِّي أَحَدُ الرَّكْبِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ قُلْتُ يَا أَبَا نُجَيْدٍ حَدِّثْ أَنْتَ أَعْلَمُ بِالْحَدِيثِ، قَالَ: مِمَّنْ أَنْتَ، قُلْتُ: مِنَ الْأَنْصَارِ، قَالَ: فَأَنْتُمْ أَعْلَمُ بِالْحَدِيثِ فَحَدَّثْتُ الْقَوْمَ، فَقَالَ عِمْرَانُ: لَقَدْ شَهِدْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فَمَا شَعَرْتُ أَنَّ أَحَدًا حِفْظَهُ كَمَا حَفِظْتُهُ [(٢١)] .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ شَيْبَانَ بْنِ فَرُّوخَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ [(٢٢)] .
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ الْعَدْلُ بِبَغْدَادَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَبَاحٍ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، قَالَ.
خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي جَيْشٍ فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ تَخَلَّفَ لِبَعْضِ حَاجَتِهِ، وَتَخَلَّفْتُ عَنْهُ بِمِيضَأَةٍ، وَهِيَ الْإِدَاوَةُ، قَالَ: أَبُو قَتَادَةَ فَقَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ جَاءَنِي فَسَكَبْتُ عَلَيْهِ مِنَ الْمِيضَأَةِ فَتَوَضَّأَ، وَقَالَ لِي احْفَظْهَا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ لِبَقِيَّتِهَا شَأْنٌ وَسَارَ الْجَيْشُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ أن يطيعوا أبا بكر وَعُمَرَ يَرْفُقُوا بِأَنْفُسِهِمْ، وَإِنْ يَعْصُوهُمَا يَشُقُّوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، قَالَ: وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ أَشَارَا عَلَيْهِمْ أَنْ لا
_________________
(١) [(١٩)] (جامين رواء) أي مستريحين قد رووا من الماء. والرواء ضد العطاش جمع ريان وريّا مثل عطشان وعطشى. [(٢٠)] (في مسجد الجامع) هو من باب إضافة الموصوف الى صفته. فعند الكوفيين يجوز ذلك بغير تقدير. وعند البصريين لا يجوز إلا بتقدير. ويتأولون ما جاء بهذا بحسب مواطنه. والتقدير هنا: مسجد المكان الجامع. وفي قول الله تعالى: وما كنت بجانب الغربي، اي المكان الغربي. وقوله تعالى: ولدار الآخرة، أي الحياة الآخرة. [(٢١)] (حفظته) ضبطناه، حفظته بضم التاء وفتحها. وكلاهما حسن. [(٢٢)] أخرجه مسلم في: ٥- كتاب المساجد، ومواضع الصلاة، (٥٥) باب قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها، الحديث (٣١١) عَنْ شَيْبَانَ بْنِ فَرُّوخَ، ص (١: ٤٧٢) .
[ ٤ / ٢٨٥ ]
يَنْزِلُوا حَتَّى لَا يَبْلُغُوا الْمَاءَ، وَقَالَ بَقِيَّةُ النَّاسِ: بَلْ نَنْزِلُ حَتَّى يَأْتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَنَزَلُوا فَجِئْنَاهُمْ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ، وَقَدْ هَلَكُوا مِنَ الْعَطَشِ فَدَعَانِي بِالْمِيضَأَةِ فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَاصْطَبَّها ثُمَّ جَعَلَ يَصُبُّ لَهُمْ، فَتَوَضَّأَ لَهُمْ فَشَرِبُوا حَتَّى رووا، وتوضئوا وملؤوا كُلَّ إِنَاءٍ مَعَهُمْ، حَتَّى جَعَلَ يَقُولُ: هَلْ مِنْ مَائِي؟ قَالَ: فَخُيِّلَ إِلَيَّ أَنَّهَا كَمَا أَخَذَهَا وَكَانُوا اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ رَجُلًا.
[ ٤ / ٢٨٦ ]
بَابُ مَا صَنَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيمَا مَنَحَ الْأَنْصَارُ الْمُهَاجِرِينَ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ بَعْدَ مَا فَتَحَ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ النَّضِيرَ وَقُرَيْظَةَ وخَيْبَرَ
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، قَدِمُوا وَلَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ شَيْءٌ، وَكَانَ الْأَنْصَارُ أَهْلَ أَرْضٍ وَعَقَارٍ [(١)] فَقَاسَمَهُمُ الْأَنْصَارُ عَلَى أَنْ أَعْطَوْهُمْ أَنْصَافَ ثِمَارِ أَمْوَالِهِمْ كُلَّ عَامٍ وَيَكْفُونَهُمُ الْعَمَلَ والمؤونة، وَكَانَتْ أُمُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ تُدْعَى أُمَّ سُلَيْمٍ، وَكَانَتْ أُمُّ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ وَكَانَ أَخَا أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ لِأُمِّهِ، وَكَانَتْ أَعْطَتْ أُمُّ أَنَسٍ رَسُولَ اللهِ ﷺ عِذَاقًا [(٢)] لَهَا فَأَعْطَاهُنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ أُمَّ أَيْمَنَ مَوْلَاتُهُ: أُمُّ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ.
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَأَخْبَرَنِي أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا فَرَغَ مِنْ قِتَالِ أَهْلِ خَيْبَرَ وَانْصَرَفَ الى المدينة ردّ المهاجرون إِلَى الْأَنْصَارِ مَنَائِحَهُمُ [(٣)] الَّتِي
_________________
(١) [(١)] (العقار) أراد بالعقار هنا النخل، [(٢)] (العذاق) جمع عذق، وهي النخلة. [(٣)] (منائح) جمع منيحة وهي المنحة.
[ ٤ / ٢٨٧ ]
كَانُوا مَنَحُوهُمْ مِنْ ثِمَارِهِمْ، وَرَدِّ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى أُمِّي عِذَاقَهَا وَأُعْطِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أُمَّ أَيْمَنَ مَكَانَهُنَّ مِنْ حَائِطِهِ.
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَكَانَ مِنْ شَأْنِ أُمِّ أَيْمَنَ أُمِّ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهَا كَانَتْ وَصِيفَةً لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَتْ مِنَ الْحَبَشَةِ فَلَمَّا وَلَدَتْ آمِنَةُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعْدَ مَا تُوُفِّيَ أَبُوهُ، فَكَانَتْ أُمُّ أَيْمَنَ تَحْضِنُهُ حَتَّى كَبِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَعْتَقَهَا ثُمَّ أَنْكَحَهَا زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ ثُمَّ تُوُفِّيَتْ بَعْدَ مَا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِخَمْسَةِ أَشْهُرٍ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ حَرْمَلَةَ [(٤)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو الْأَدِيبُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو يَعْلَى وَالْمَنِيعِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: وَأَخْبَرَنِي أَبُو يَعْلَى الْأَنْصَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَبَابُ بْنُ خَيَّاطٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَجْعَلُ لَهُ مِنْ مَالِكِ النَّخَلَاتِ أَوْ مَا شَاءَ اللهُ حَتَّى فُتِحَتْ عَلَيْهِ قُرَيْظَةُ وَالنَّضِيرُ قَالَ فَجَعَلَ يَرُدُّ بَعْدَ ذَلِكَ.
قَالَ [أَنَسٌ] وَإِنَّ أَهْلِي أَمَرُونِي أَنِّي آتِي النَّبِيَّ ﷺ فَأَسْأَلُهُ الَّذِي كَانَ أَهْلُهُ أَعْطَوْهُ أَوْ بَعْضَهُ، وَكَانَ نَبِيُّ الله ﷺ أَعْطَاهُ أُمَّ أَيْمَنَ أَوْ كَمَا شَاءَ اللهُ، قَالَ:
فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَعْطَانِيهِنَّ، قَالَ: فَجَاءَتْ أُمُّ أَيْمَنَ، فَجَعَلَتِ الثَّوْبَ فِي عُنُقِي وَجَعَلَتْ تَقُولُ: كَلَّا وَاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَا يُعْطِيكَهُنَّ وَقَدْ أَعْطَانِيهِنَّ، قَالَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ: «يَا أُمَّ أَيْمَنَ اتْرُكِي وَلَكِ كَذَا وَكَذَا»، تَقُولُ: كَلَّا، وَاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، فَجَعَلَ يَقُولُ: كَذَا حَتَّى أَعْطَاهَا عَشْرَةَ أَمْثَالِهَا أَوْ قَرِيبًا مِنْ عشرة أمثالها.
_________________
(١) [(٤)] مسلم عن حرملة في: ٣٢- كتاب الجهاد والسير، (٢٤) باب رَدَّ الْمُهَاجِرِينَ إِلَى الْأَنْصَارِ منائحهم من الشجر والتمر، حين استغنوا عنها بالفتوح، الحديث (٧٠)، ص (١٣٩١) .
[ ٤ / ٢٨٨ ]
وَقَالَ شَبَابٌ فَلَوَتِ الثَّوْبَ مِنْ عُنُقِي وَقَالَ أَيْضًا، قَالَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ: «لَكِ كَذَا لَكِ كَذَا» حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ وَهِيَ تَقُولُ: كَلَّا، وَاللهِ حَتَّى أُعْطَى عشرة أَمْثَالِهِ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ خَلِيفَةَ بْنِ خَيَّاطٍ وَهُوَ شَبَابٌ [(٥)] .
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ [(٦)] .
_________________
(١) [(٥)] أخرجه البخاري عن شباب، في المغازي، (٣٠) بَابُ مَرْجِعِ النَّبِيِّ ﷺ من الأحزاب، الحديث (٤١٢٠)، فتح الباري (٨: ٤١٠) . [(٦)] أخرجه مسلم في: ٣٢- كتاب الجهاد والسير، (٢٤) باب رَدَّ الْمُهَاجِرِينَ إِلَى الْأَنْصَارِ منائحهم، الحديث (٧١) ص (١٣٩٢) .
[ ٤ / ٢٨٩ ]
جُمَّاعُ أَبْوَابِ السَّرَايَا الَّتِي تُذْكَرُ بَعْدَ فَتْحِ خَيْبَرَ وَقَبْلَ عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ وَإِنْ كَانَ تَارِيخُ بَعْضِهَا لَيْسَ بِالْوَاضِحِ عِنْدَ أَهْلِ الْمَغَازِي
بَابُ ذِكْرِ سَرِيَّةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ إِلَى نَجْدٍ قِبَلَ بَنِي فَزَارَةَ
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ رَجَاءٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عِكْرِمَةُ (ح) .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، وَاللَّفْظُ لَهُ- قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَاضِي بِمَرْوَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ: هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إياس ابن سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَبَا بَكْرٍ إِلَى فَزَارَةَ وَخَرَجْتُ مَعَهُ حَتَّى إِذَا مَا دَنَوْنَا مِنَ الْمَاءِ عَرَّسَ بِنَا أَبُو بَكْرٍ حَتَّى إِذَا مَا صَلَّيْنَا الصُّبْحَ أَمَرَنَا فَشَنَنَّا الْغَارَةَ فَوَرَدْنَا الْمَاءَ، فَقَتَلَ أَبُو بَكْرٍ مَنْ قَتَلَ، وَنَحْنُ مَعَهُ.
قَالَ سَلَمَةُ فَرَأَيْتُ عُنُقًا [(١)] مِنَ النَّاسِ فِيهِمُ الذَّرَارِيُّ [(٢)] فَخَشِيتُ أَنْ يَسْبِقُونِي إِلَى الْجَبَلِ فَأَدْرَكْتُهُمْ فَرَمَيْتُ بِسَهْمٍ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْجَبَلِ، فَلَمَّا رَأَوَا السَّهْمَ، قَامُوا فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ فِيهِمْ عَلَيْهَا قِشَعٌ [(٣)] مِنْ أَدَمٍ مَعَهَا ابْنَتُهَا مِنْ أَحْسَنِ
_________________
(١) [(١)] (عنق من الناس) جماعة. [(٢)] (الذراري) النساء والصبيان. [(٣)] (القشع): النطع.
[ ٤ / ٢٩٠ ]
الْعَرَبِ فَجِئْتُ أَسُوقُهُمْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَنَفَّلَنِي أَبُو بَكْرٍ ابْنَتَهَا، فَلَمْ أَكْشِفْ لَهَا ثَوْبًا، حَتَّى قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ، ثُمَّ بَاتَتْ عِنْدِي فَلَمْ أَكْشِفْ لَهَا ثَوْبًا حَتَّى لَقِيَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي السُّوقِ، وَلَمْ أَكْشِفْ لَهَا ثَوْبًا، فَقَالَ: «يَا سَلَمَةُ! هَبْ لِي الْمَرْأَةَ» .
قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ وَاللهِ لَقَدْ أَعْجَبَتْنِي وَمَا كَشَفْتُ لَهَا ثَوْبًا، قَالَ: فَسَكَتَ حَتَّى إِذَا كَانَ مِنَ الْغَدِ لَقِيَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي السُّوقِ وَلَمْ أَكْشِفْ لَهَا ثَوْبًا، قَالَ يَا سَلَمَةُ:
هَبْ لِي الْمَرْأَةَ لِلَّهِ أَبُوكَ، قُلْتُ: هِيَ لَكَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: فَبَعَثَ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ فَفَدَا بِهَا أَسْرَى [(٤)] مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا فِي أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ.
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ [(٥)] مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ يُونُسَ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ.
_________________
(١) [(٤)] في مسلم: «ناس» . [(٥)] صحيح مسلم في: ٣٢ كتاب الجهاد والسير، (١٤) باب التنفيل، الحديث (٤٦) ص (١٣٧٥) .
[ ٤ / ٢٩١ ]
بَابُ ذِكْرِ سَرِيَّةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ إِلَى عَجُزِ هَوَازِنَ وَرَاءَ مَكَّةَ بِأَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْأَصْبَهَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْجَهْمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَرَجِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَاقِدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ إِلَى تُرَبَةِ عَجُزِ [(١)] هَوَازِنَ فِي ثَلَاثِينَ رَاكِبًا فَخَرَجَ عُمَرُ وَمَعَهُ دَلِيلٌ مِنْ بَنِي هِلَالٍ، فَكَانُوا يَسِيرُونَ اللَّيْلَ وَيَكْمُنُونَ النَّهَارَ، فَأَتَى الْخَبَرُ هَوَازِنَ فَهَرَبُوا، وَجَاءَ عُمَرُ مَحَالَّهُمْ، فَلَمْ يَلْقَ مِنْهُمْ أَحَدًا، فَانْصَرَفَ عُمَرُ رَاجِعًا إِلَى الْمَدِينَةِ، حَتَّى سَلَكَ النَّجْدِيَّةَ فَلَمَّا كَانُوا بِالْجَدَدِ، قَالَ الْهِلَالِيُّ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: هَلْ لَكَ فِي جَمْعٍ آخَرَ تَرَكْتُهُ مِنْ خَثْعَمٍ جَاءُوا سَائِرِينَ قَدْ أَجْدَبَتْ بِلَادُهُمْ، فَقَالَ عُمَرُ: مَا أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ بِهِمْ، إِنَّمَا أَمَرَنِي أَنْ أَصْمُدَ لِقِتَالِ هَوَازِنَ بِتُرَبَةَ، فَانْصَرَفَ عُمَرُ راجعا الى المدينة [(٢)] .
_________________
(١) [(١)] (عجز هوازن) بنو نصر بن معاوية، وبنو جشم بن بكر. (وتربة): موضع بناحية العبلاء على اربع ليال من مكة طريق صنعاء ونجران. [(٢)] الخبر بهذا الاسناد رواه الواقدي في الْمَغَازِي (٢: ٧٢٢) .
[ ٤ / ٢٩٢ ]
بَابُ ذِكْرِ سَرِيَّةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ [(١)] إِلَى يسير [(٢)] بن رزام اليهودي وَمَا ظَهَرَ فِي شَجَّةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُنَيْسٍ مِنَ الصِّحَّةِ بِبَرَكَةِ بُصَاقِ النَّبِيِّ ﷺ فِيهَا.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَتِيكٍ فِي ثَلَاثِينَ رَاكِبًا كَذَا قَالَ (ح) .
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَتَّابٍ الْعَبْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ ابي
_________________
(١) [(١)] قال الصالحي في السيرة الشامية (٦: ١٧٨): ذكر البيهقي وتبعه في زاد المعاد: هذه السرية بعد خيبر. قال في النور: (وهو الذي يظهر فإنهم قالوا أن رسول الله ﷺ بَعَثَنَا إليك ليستعملك على خيبر، وهذا الكلام لا يناسب أن يقال إنها قبل الفتح والله اعلم) . قلت: كونها قبل خيبر أظهر، قال في القصة إنه سار في غطفان وغيرهم لِحَرْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بموافقة يهود ذلك. وذلك قبل فتح خيبر قطعا إذ لم يصدر من يهود بعد فتح خيبر شيء من ذلك. وقول الصحابة لأسير بن رزام أن رسول الله ﷺ بَعَثَنَا إليك ليستعملك على خيبر لا ينافي ذلك لأن مرادهم باستعماله المصالحة وترك القتال والاتفاق على أمر يحصل له بذلك والله اعلم. [(٢)] وقيل: أسير.
[ ٤ / ٢٩٣ ]
أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ عَمِّهِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ (ح) .
وأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ الشَّعْرَانِيُّ، قَالَ حَدَّثَنَا جَدِّي، قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، قَالَ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ:
بُعِثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَبْدَ اللهِ بْنَ رَوَاحَةَ فِي ثَلَاثِينَ رَاكِبًا فِيهِمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُنَيْسٍ السُّلَمِيُّ إِلَى اليسير ابن رِزَامٍ الْيَهُودِيِّ، حَتَّى أَتَوْهُ بِخَيْبَرَ، وَبَلَغَ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنَّهُ يَجْمَعُ غَطَفَانَ لِيَغْزُوهُ بِهِمْ، فَأَتَوْهُ فَقَالُوا: أَرْسَلْنَا إِلَيْكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِيَسْتَعْمِلَكَ عَلَى خَيْبَرَ، فَلَمْ يَزَالُوا بِهِ حَتَّى تَبِعَهُمْ فِي ثَلَاثِينَ رَجُلًا مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ رَدِيفٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَلَمَّا بَلَغُوا قَرْقَرَةَ ثِبَارٍ [(٣)] وَهِيَ مِنْ خَيْبَرَ عَلَى سِتَّةِ أَمْيَالٍ نَدِمَ البشير، فَأَهْوَى بِيَدِهِ إِلَى سَيْفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُنَيْسٍ فَفَطِنَ لَهُ عَبْدُ اللهِ فَزَجَرَ بَعِيرَهُ ثُمَّ اقْتَحَمَ يَسُوقُ بِالْقَوْمِ حَتَّى إِذَا اسْتَمْكَنَ من السّير ضَرَبَ رِجْلَهُ فَقَطَعَهَا وَاقْتَحَمَ الْيُسَيْرُ وَفِي يَدِهِ مِخْرَشٌ [(٤)] مِنْ شَوْحَطٍ فَضَرَبَ بِهِ وَجْهَ عَبْدِ اللهِ شَجَّةً مأمومة [(٥)] كل رجل كُلُّ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى رَدِيفِهِ فَقَتَلَهُ غَيْرَ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنَ الْيَهُودِ أَعْجَزَهُمْ شَدًّا وَلَمْ يُصَبْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَحَدٌ وقَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَبَصَقَ فِي شَجَّةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُنَيْسٍ فَلَمْ تَقْحُ وَلَمْ تُؤْذِهِ حَتَّى مَاتَ.
لَفْظُ حَدِيثِ مُوسَى بْنِ عقبة [(٦)] .
_________________
(١) [(٣)] (ثبار): موضع على ستة أميال من خيبر. معجم البلدان (٣: ٥) . [(٤)] (المخرش) عصا معوجة الرأس. [(٥)] الشجة المأمومة: التي تبلغ ام الرأس والدماغ. [(٦)] رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ نقلها ابن كثير في التاريخ (٤: ٢٢١) .
[ ٤ / ٢٩٤ ]
بَابُ ذِكْرِ سَرِيَّةِ بَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ الْأَنْصَارِيِّ إِلَى بَنِي مُرَّةَ، وَسَرِيَّةِ غَالِبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْكَلْبِيِّ ﵄
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْأَصْبَهَانِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْجَهْمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَرَجِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَاقِدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ الْفُضَيْلِ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ:
بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَشِيرَ بْنَ سَعْدٍ فِي ثَلَاثِينَ رَجُلًا إِلَى بَنِي مُرَّةَ بِفَدَكٍ، فَخَرَجَ فَلَقِيَ رِعَاءَ الشَّاءِ [(١)] فَاسْتَاقَ الشَّاءَ وَالنَّعَمَ مُنْحَدِرًا إِلَى الْمَدِينَةِ، فَأَدْرَكَهُ الطَّلَبُ عِنْدَ اللَّيْلِ، فباتوا يرامونهم بِالنَّبْلِ، حَتَّى فَنِيَتْ نَبْلُ أَصْحَابِ بَشِيرٍ، فَأَصَابُوا أَصْحَابَهُ وَوَلَّى مِنْهُمْ مَنْ وَلَّى، وَقَاتَلَ بَشِيرٌ قِتَالًا شَدِيدًا حَتَّى ضُرِبَ كَعْبَاهُ، وَقِيلَ: قَدْ مَاتَ، وَرَجَعُوا بِنَعَمِهِمْ وَشَائِهِمْ وَتَحَامَلَ بَشِيرٌ حَتَّى انْتَهَى إِلَى فَدَكَ، فَأَقَامَ عِنْدَ يَهُودِيٍّ حَتَّى ارْتَفَعَ مِنَ الْجِرَاحِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي بَعْثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَيْهِمْ حَتَّى أَتَاهُ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ الْخُدْرِيُّ بِالْخَبَرِ [(٢)] .
_________________
(١) [(١)] في المغازي بعده: فسأل: أين الناس؟ فقالوا: هم في بواديهم، والناس يومئذ شاتون لا يحضرون الماء، فاستاق النعم.. [(٢)] الخبر في مغازي الواقدي (٢: ٧٢٣) .
[ ٤ / ٢٩٥ ]
قَالَ الْوَاقِدِيُّ فَحَدَّثَنِي أَفْلَحُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ الَّذِي أُرِيَ الْأذَانُ قَالَ كَانَ مَعَ غَالِبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو أَبُو مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَكَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ، وَعُلْبَةُ بْنُ زَيْدٍ، فَلَمَّا دَنَا غَالِبٌ مِنْهُمْ بَعَثَ الطَّلَائِعَ ثُمَّ رَجَعُوا فَأَخْبَرُوهُ فَأَقْبَلَ غَالِبٌ يُشِيرُ حَتَّى إِذَا كَانَ بِمَنْظَرِ الْعَيْنِ مِنْهُمْ لَيْلًا وَقَدِ احْتَلَبُوا وَهَدَءُوا [(٣)] قَامَ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنْ تُطِيعُونِي وَلَا تَعْصُونِي، وَلَا تُخَالِفُوا لِي أَمْرًا، فَإِنَّهُ لَا رَأْيَ لِمَنْ لَا يُطَاعُ، ثُمَّ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ قَالَ: يَا فُلَانُ،! أَنْتَ وَفُلَانُ، وَقَالَ: يا فلان! أنت، وفلان لَا يُفَارِقْ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ زَمِيلَهُ، وَإِيَّاكُمْ أَنْ يُرْفَعَ إِلَيَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ فَأَقُولَ: أَيْنَ صَاحِبُكَ؟ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، وَإِذَا كَبَّرْتُ فَكَبِّرُوا، وَجَرِّدُوا السُّيُوفَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي إِحَاطَتِهِمْ بِهِمْ قَالَ وَوَضَعْنَا السُّيُوفَ حَيْثُ شينا مِنْهُمْ وَنَحْنُ نَصِيحُ بِشِعَارِنَا أمت أمت، وخرج وَخَرَجَ أُسَامَةُ فِي أَثَرِ رَجُلٍ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ نَهِيكُ بْنُ مِرْدَاسٍ، فَأَبْعَدَ فقاله أَمِيرُنَا: أَيْنَ أُسَامَةُ فَجَاءَنَا بَعْدَ سَاعَةٍ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَامَهُ أَمِيرُنَا، فَقَالَ: إِنِّي خَرَجْتُ فِي أَثَرِ رَجُلٍ مِنْهُمْ، حَتَّى إِذَا دَنَوْتُ مِنْهُ وَلَحَمْتُهُ السَّيْفَ، قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَقَالَ أَمِيرُنَا: أَغْمَدْتَ سَيْفَكَ؟
قَالَ: لَا، وَاللهِ مَا فَعَلْتُ حَتَّى أَوْرَدْتُهُ شَعُوبَ، قَالَ: قُلْنَا بِئْسَ وَاللهِ مَا صَنَعْتَ وَمَا جِئْتَ به تقتل امرءا يَقُولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَنَدِمَ وَسُقِطَ فِي يَدَيْهِ.
قَالَ فَاسْتَقْنَا الْغَنَمَ وَالنِّسَاءَ وَالذُّرِّيَّةَ، وَكَانَتْ سِهَامُهُمْ عَشَرَةَ أَبْعِرَةٍ لِكُلِّ رَجُلٍ أَوْ عِدْلَهَا مِنَ الْغَنَمِ [(٤)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بن بكير، عن ابن
_________________
(١) [(٣)] في المغازي: «وقد اجتلبوا وعطنوا وهدأوا» والمعنى: انهم سقوا الإبل ثم أناخوها وحبسوها عند الماء. [(٤)] مغازي الواقدي (٢: ٧٢٤- ٧٢٥) .
[ ٤ / ٢٩٦ ]
إِسْحَاقَ، قَالَ حَدَّثَنَا شَيْخٌ مِنْ أَسْلَمَ عَنْ رِجَالٍ مِنْ قَوْمِهِ، قَالُوا: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ غَالِبَ بْنَ عبد الله الكلبي كلب لَيْثٍ إِلَى أَرْضِ بَنِي مُرَّةَ فَأَصَابَ بِهَا مِرْدَاسَ ابن نَهِيكٍ حَلِيفٌ لَهُمْ مِنَ الْحُرَقَةِ فَقَتَلَهُ أُسَامَةُ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الله الحافظ، وأَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، قَالَا:
حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أُسَامَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أُسَامَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أسامة ابن زَيْدٍ، قَالَ: أَدْرَكْتُ وَرَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ يَعْنِي مِرْدَاسَ بْنَ نَهِيكٍ فَلَمَّا شَهَرْنَا عَلَيْهِ السِّلَاحَ قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَلَمْ نَنْزِعْ عَنْهُ حَتَّى قَتَلْنَاهُ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَخْبَرَنَاهُ خَبَرَهُ، فَقَالَ: يَا أُسَامَةُ! مَنْ لَكَ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّمَا قَالَهَا تَعَوُّذًا مِنَ الْقَتْلِ، فَقَالَ: فَمَنْ لَكَ يَا أُسَامَةُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فو الذي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ مَا زَالَ يُرَدِّدُهَا عَلَيَّ حَتَّى لَوَدِدْتُ أَنَّ مَا مَضَى مِنْ إِسْلَامِي لَمْ يَكُنْ، وَأَنِّي أَسْلَمْتُ يَوْمَئِذٍ، وَلَمْ أَقْتُلْهُ، فَقُلْتُ: إِنِّي أُعْطِي اللهَ عَهْدًا أَنْ لَا أَقْتُلَ رَجُلًا يَقُولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ أَبَدًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعْدِي يَا أُسَامَةُ فَقُلْتُ بَعْدَكَ [(٥)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأَدِيبُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ خُزَيْمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو ظَبْيَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أُسَامَةَ، يُحَدِّثُ قَالَ أَتَيْنَا الْحُرَقَةَ مِنْ جُهَيْنَةَ فَصَبَّحْنَا الْقَوْمَ فَهَزَمْنَاهُمْ وَلَحِقْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ رَجُلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا غَشِينَاهُ، قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، قَالَ: فَكَفَّ عَنْهُ الْأَنْصَارِيُّ، وَطَعَنْتُهُ بِرُمْحِي حَتَّى قَتَلْتُهُ فَلَمَّا قَدِمْنَا بَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ ذَلِكَ فَقَالَ أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّمَا
_________________
(١) [(٥)] الخبر في سيرة ابن هشام (٤: ٢٣١) .
[ ٤ / ٢٩٧ ]
كَانَ مُتَعَوِّذًا، قَالَ: فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ يَوْمِئِذٍ.
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحِ [(٦)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرِ بْنُ قَتَادَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سَعْدٍ الْبَزَّازُ الْحَافِظُ، قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ ابراهيم البوسنجي، قَالَ: حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عُتْبَةَ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْجُهَنِيِّ، عَنْ جُنْدُبِ بْنِ مَكِيثٍ الْجُهَنِيِّ، قَالَ:
بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ غالب بن عبد الله الْكَلْبِيَّ- كَلْبَ لَيْثٍ- إِلَى بَنِي الْمُلَوِّحِ بِالْكَدِيدِ وَأَمَرَهُ أَنْ يُغِيرَ عَلَيْهِمْ، وَكُنْتُ فِي سَرِيَّتِهِ فَمَضَيْنَا حَتَّى إِذَا كُنَّا بِقُدَيْدٍ لَقِينَا بِهِ الْحَارِثَ بْنَ مَالِكِ بْنِ الْبَرْصَاءِ اللَّيْثِيَّ، فَأَخَذْنَاهُ، فَقَالَ: إِنِّي إِنَّمَا جِئْتُ لِأُسْلِمَ فَقَالَ لَهُ غَالِبُ بْنُ عَبْدِ اللهِ إِنْ كُنْتَ إِنَّمَا جِئْتَ مُسْلِمًا فَلَا يَضُرُّكَ رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَإِنْ كُنْتَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ اسْتَوْثَقْنَا مِنْكَ قَالَ فَأَوثَقَهُ رِبَاطًا وَخَلَّفَ عَلَيْهِ رُوَيْجِلًا أَسْوَدَ كَانَ مَعَنَا، قَالَ: امْكُثْ مَعَهُ حَتَّى نَمُرَّ عَلَيْكَ فَإِنْ نَازَعَكَ فَاحْتَزَّ رَأْسَهُ، وَمَضَيْنَا حَتَّى أَتَيْنَا بَطْنَ الْكَدِيدِ فَنَزَلْنَا عَشِيَّةً بَعْدَ الْعَصْرِ فَبَعَثَنِي أَصْحَابِي إِلَيْهِ فَعَمِدْتُ إِلَى تَلٍّ يُطْلِعُنِي عَلَى الْحَاضِرِ فَانْبَطَحْتُ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَنَظَرَ فَرَآنِي مُنْبَطِحًا عَلَى التَّلِّ، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ، إِنِّي لَأَرَى سَوَادًا عَلَى هَذَا التَّلِّ مَا رَأَيْتُهُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، فَانْظُرِي لَا تَكُونُ الْكِلَابُ اجْتَرَّتْ بَعْضَ أَوْعِيَتِكِ فَنَظَرَتْ فَقَالَتْ: وَاللهِ مَا أَفْقِدُ شيئا. قال: فناولني قَوْسِي وَسَهْمَيْنِ مِنْ نَبْلِي، فَنَاوَلَتْهُ فَرَمَانِي بِسَهْمٍ فَوَضَعَهُ فِي جَبِينِي أَوْ قَالَ في جنبي،
_________________
(١) [(٦)] أخرجه البخاري في المغازي، فتح الباري (٧: ٥١٧)، ومسلم في الإيمان عن يعقوب الدورقي.
[ ٤ / ٢٩٨ ]
فَنَزَعْتُهُ، فَوَضَعْتُهُ، وَلَمْ أَتَحَرَّكْ، ثم رماني بالآخر فوضعته فِي رَأْسِ مَنْكِبِي، فَنَزَعْتُهُ فَوَضَعْتُهُ وَلَمْ أَتَحَرَّكْ، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَمَا وَاللهِ لَقَدْ خَالَطَهُ سَهْمَانِ وَلَوْ كَانَ رِيبَةً لَتَحَرَّكَ، فَإِذَا أَصْبَحْتُ فَابْتَغِي سَهْمَيَّ فَخُذِيهِمَا لَا تَمْضُغُهُمَا عَلَيَّ الْكِلَابُ قَالَ: وَمَهَّلْنَا حَتَّى إِذَا رَاحَتْ روايحهم، وَحَتَّى إِذَا أَحْلَبُوا وَعَطَنُوا وَسَكَنُوا وَذَهَبَتْ عَتَمَةٌ مِنَ اللَّيْلِ شَنَنَّا عَلَيْهِمُ الْغَارَةَ فَقَتَلْنَا مَنْ قَتَلْنَا، وَاسْتَقْنَا النَّعَمَ، فَوَجَّهْنَا قَافِلِينَ بِهِ، وَخَرَجَ صَرِيخُ الْقَوْمِ إِلَى قَوْمِهِمْ مُغَوِّثًا قَالَ وَخَرَجْنَا سراعا حتى تمرّ بالحارث ابن مَالِكِ بْنِ الْبَرْصَاءِ وَصَاحِبِهِ، فَانْطَلَقْنَا بِهِ مَعَنَا، وَأَتَانَا صريخ الناس فجاءنا مالا قِبَلَ لَنَا بِهِ حَتَّى إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ إِلَّا بَطْنُ الْوَادِي من قديد، فبعثه اللهُ مِنْ حَيْثُ شَاءَ مَا رَأَيْنَا قَبْلَ ذَلِكَ مطرا ولا حال، فَجَاءَ بِمَا لَا يَقْدِرُ أحد يُقْدِمَ عَلَيْهِ، لَقَدْ رَأَيْتُهُمْ وقُوفًا يَنْظُرُونَ إِلَيْنَا، مَا يَقْدِرُ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى أَنْ يُقْدِمَ عَلَيْهِ، وَنَحْنُ نَحْدُوهَا وَنُحْذِرُهَا- شَكَّ النُّفَيْلِيُّ- فَذَهَبْنَا سِرَاعًا حَتَّى أَسْنَدْنَا بِهَا فِي الْمَسْلَكِ، ثُمَّ حَدَرْنَا عَنْهُ، فَأَعْجَزْنَا الْقَوْمَ بِمَا فِي أَيْدِينَا [(٧)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْخٌ مِنْ أَسْلَمَ، عَنْ رِجَالٍ مِنْ قَوْمِهِ، قَالُوا: كَانَ شِعَارُ الْمُسْلِمِينَ فِي سَرِيَّةِ غَالِبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْكَلْبِيِّ حِينَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى بَنِي الْمُلَوِّحِ أَمِتْ أَمِتْ [(٨)] .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْأَصْبَهَانِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْجَهْمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَرَجِ، قال: حدثنا
_________________
(١) [(٧)] رواه ابو داود مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ في روايته عبد الله بن غالب، والصواب: غالب بْنُ عَبْدِ اللهِ، وَذَكَرَ الواقدي هذه القصة بإسناد آخر، وقال فيه: كَانَ مَعَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ مائة وثلاثون رجلا، وعنهما وعن المصنف نقله الحافظ ابن كثير في التاريخ (٤: ٢٢٣) . [(٨)] رواه ابن هشام في السيرة (٤: ٢٢٠) .
[ ٤ / ٢٩٩ ]
الْوَاقِدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَوْنٍ عَنْ يَعْقُوبَ، عَنْ عُتْبَةَ:
أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: لَهُ يَسَارٌ مَوْلَاهُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي قَدْ عَلِمْتُ غِرَّةً مِنْ بَنِي عَبْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، فَأَرْسِلْ مَعِي إِلَيْهِمْ، فَأَرْسَلَ مَعَهُ غَالِبَ بْنَ عَبْدِ اللهِ فِي مِائَةٍ وَثَلَاثِينَ رَجُلًا، فَذَكَرَ قِصَّةً فِي كَيْفِيَّةِ مَسِيرِهِمْ حَتَّى فَنِيَتْ أَزْوَادُهُمْ وَاقْتَسَمُوا التَّمْرَ عَدَدًا وَانْتَهَوْا إِلَى ضِرْسٍ [(٩)] مِنَ الْحَرَّةِ قَالَ غَالِبٌ انْطَلِقْ بِنَا يَا يَسَارُ أَنَا وَأَنْتَ [وَنَدَعَ الْقَوْمَ] [(١٠)] كمينّا، فَفَعَلَا حَتَّى إِذَا كُنَّا مِنَ الْقَوْمِ بِمَنْظَرِ الْعَيْنِ سَمِعْنَا حِسَّ النَّاسِ وَالرِّعَاءِ وَالْحَلْبِ، فَرَجَعَا سَرِيعَيْنِ حَتَّى انْتَهَيَا إِلَى أَصْحَابِهِمَا، فَأَقْبَلُوا جَمِيعًا حَتَّى إِذَا كَانُوا مِنَ الْحَيِّ قَرِيبًا وَقَدْ وَعَظَهُمْ أَمِيرُهُمْ غَالِبٌ وَرَغَّبَهُمْ فِي الْجِهَادِ، وَنَهَاهُمْ عَنِ الْإِمْعَانِ فِي الطَّلَبِ، وَأَلَّفَ بَيْنَهُمْ، وَقَالَ: إِذَا كَبَّرْتُ فَكَبِّرُوا، قَالَ: وَكَبَّرَ فَكَبَّرُوا مَعَهُ جَمِيعًا وَرَفَعُوا وَسْطَ مَحَالِّهِمْ، فَاسْتَاقُوا نَعَمًا وَشَاءً، وَقَتَلُوا مَنْ أَشْرَفَ لَهُمْ، وَصَادَفُوهُمْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ عَلَى مَاءٍ يُقَالُ لَهُ:
الْمَيْضَعَةُ [(١١)]
_________________
(١) [(٩)] (الضرس): الأكمة. [(١٠)] الزيادات في النص المشار إليها بالحاصرتين من مغازي الواقدي. [(١١)] رواه الواقدي في الْمَغَازِي (٢: ٧٢٦- ٧٢٧) .
[ ٤ / ٣٠٠ ]
بَابُ ذِكْرِ سَرِيَّةِ بَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ إِلَى جَنَابٍ [(١)]
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْأَصْبَهَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْجَهْمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَرَجِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَاقِدِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عبادة، عن بشير ابن مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: قَدِمَ رَجُلٌ مِنْ أَشْجَعَ يُقَالُ لَهُ حُسَيْلُ بْنُ نُوَيْرَةَ [(٢)] وَكَانَ دَلِيلَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى خَيْبَرَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مِنْ أَيْنَ يَا حُسَيْلُ»؟ قَالَ مِنْ يَمَنٍ وَجَنَابٍ قَالَ: مَا وَرَاءَكَ؟ قَالَ تَرَكْتُ جَمْعًا مِنْ يَمَنٍ وَغَطَفَانَ وَجَنَابٍ [(٣)]
قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِمْ عُيَيْنَةَ: إِمَّا أَنْ يَسِيرُوا إِلَيْنَا، وَإِمَّا أَنْ نَسِيرَ إِلَيْهِمْ، فَأَرْسَلُوا أَنْ سِرْ إِلَيْنَا، وَهُمْ يُرِيدُونَكَ أَوْ بَعْضَ أَطْرَافِكَ، قَالَ: فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ فَذَكَرَ لَهُمَا ذَلِكَ، فَقَالَا جَمِيعًا: ابْعَثْ بَشِيرَ بْنَ سَعْدٍ، فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بَشِيرَ بْنَ سَعْدٍ أَبَا النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، فَعَقَدَ لَهُ لواء،
_________________
(١) [(١)] في الأصل: «الجنان»، مصحفا، والجناب من ارض غطفان. [(٢)] (حسيل بن نويرة): ترجم له ابن حجر في الإصابة، وقال: «حسيل بالتصغير» وقيل: ابن نويرة الأشجعي، قال: قدمت المدينة في جلب أبيعه، فأتى بِي رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: «يَا حسيل! هل لك ان أعطيك عشرين صاع من تمر على أن تدل اصحابي على طريق خيبر؟» ففعلت، قال: فأعطاني، فذكر القصة، قال: فأسلمت. [(٣)] في المغازي: «تركت جمعا من غطفان بالجناب» .
[ ٤ / ٣٠١ ]
وَبَعَثَ مَعَهُ ثَلَاثَمِائَةِ رَجُلٍ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسِيرُوا اللَّيْلَ وَيَكْمُنُوا النَّهَارَ، وَخَرَجَ مَعَهُمْ حُسَيْلٌ دَلِيلًا فَسَارُوا اللَّيْلَ وَكَمَنُوا النَّهَارَ حَتَّى أَتَوْا أَسْفَلَ خَيْبَرَ، فَنَزَلُوا سِلَاحَ [(٤)] ثُمَّ خَرَجُوا حَتَّى دَنَوْا مِنَ الْقَوْمِ.
وَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي إِغَارَتِهِمْ عَلَى سَرْحِ الْقَوْمِ وَبُلُوغِ الْخَبَرِ جَمْعَهُمْ فَتَفَرَّقَ الْجَمْعُ فَخَرَجَ بَشِيرٌ فِي أَصْحَابِهِ حَتَّى أَتَى مَحَالَّهُمْ فَيَجِدُوهَا وَلَيْسَ فِيهَا أَحَدٌ، فَرَجَعَ بِالنَّعَمِ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِسِلَاحَ رَاجِعِينَ لَقُوا عَيْنًا [(٥)] لِعُيَيْنَةَ فَقَتَلُوهُ، ثُمَّ لَقُوا جَمْعَ عُيَيْنَةَ وَعُيَيْنَةُ لَا يَشْعُرُ بِهِمْ، فَنَاوَشُوهُمْ حَتَّى انْكَشَفَ جَمْعُ عُيَيْنَةَ، وَتَبِعَهُمْ أَصْحَابُ رَسُولِ الله ﷺ، فَأَصَابُوا مِنْهُمْ رَجُلًا أَوْ رَجُلَيْنِ فَأَسَرُوهُمَا، فَقَدِمُوا بِهِمَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَسْلَمَا، فَأَرْسَلَهُمَا.
قَالَ وَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ عَوْفٍ الْمُزَنِيُّ لِعُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ وَلَقِيَهُ مُنْهَزِمًا عَلَى فَرَسٍ لَهُ عَتِيقٍ يعدوا بِهِ عَدْوًا سَرِيعًا فَاسْتَوْقَفَهُ الْحَارِثُ فَقَالَ: لَا، مَا أَقْدِرُ! خَلْفِي الطَّلَبُ، أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ، وَهُوَ يَرْكُضُ. قَالَ الْحَارِثُ بْنُ عَوْفٍ أَمَا آنَ لَكَ تَبْصُرُ بَعْضَ مَا أَنْتَ عَلَيْهِ أَنَّ مُحَمَّدًا قَدْ وَطِئَ الْبِلَادَ وَأَنْتَ مُوضِعٌ فِي غَيْرِ شَيْءٍ، قَالَ الْحَارِثُ: فَتَنَحَّيْتُ عن سنين خَيْلِ مُحَمَّدٍ حَيْثُ أَرَاهُمْ وَلَا يَرَوْنِي، فَأَقَمْتُ مِنْ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ إِلَى اللَّيْلِ مَا أَرَى أَحَدًا وَمَا طَلَبُوهُ إِلَّا الرُّعْبَ الَّذِي دَخَلَهُ، قَالَ: فَلَقِيتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَقُلْتُ: قَدْ أَقَمْتَ فِي مَوْضِعِي حَتَّى اللَّيْلِ مَا رَأَيْتُ مِنَ طَلَبٍ، قَالَ عُيَيْنَةَ: هُوَ ذَاكَ أَنِّي خِفْتُ الْإِسَارَ، ثُمَّ ذَكَرَ مَا قَالَ لَهُ الْحَارِثُ مِنْ نُصْرَةِ اللهِ تَعَالَى مُحَمَّدًا وَجَوَابِهِ بِأَنَّ نَفْسَهُ لَا تُقِرَّهُ، ثُمَّ ارْتِيَادَهُ حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى مَا يَصْنَعُ قَوْمُهُ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ الَّتِي هم فيها [(٦)] .
_________________
(١) [(٤)] قال البكري: بكسر السين والحاء المهملة، وتبعه في عيون الأثر، وهي موضع أسفل خيبر. «معجم ما استعجم» (٢: ٧٤٤) . [(٥)] العين: الجاسوس. [(٦)] وكله مبسوط في مغازي الواقدي (٢: ٧٢٧- ٧٣١) .
[ ٤ / ٣٠٢ ]
بَابُ سَرِيَّةِ أَبِي حَدْرَدٍ الْأَسْلَمِيِّ [(١)] إِلَى الْغَابَةِ
أَخْبَرَنَا أبو عبد الله الْحَافِظُ، وأَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، قَالَا:
حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ:
كَانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي حَدْرَدٍ الْأَسْلَمِيِّ وَغَزْوَتِهِ إِلَى الْغَابَةِ مَا حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِي حَدْرَدٍ، قَالَ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنْ قَوْمِي فَأَصْدَقْتُهَا مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَسْتَعِينُهُ عَلَى نِكَاحِي، فَقَالَ: كَمْ أَصْدَقْتَ؟ فَقُلْتُ: مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: سُبْحَانَ اللهِ! وَاللهِ، لَوْ كُنْتُمْ تأخذونها من وادي مَا زَادَ، لَا، وَاللهِ مَا عِنْدِي مَا أُعِينُكَ بِهِ [(٢)]، فَلَبِثْتُ أَيَّامًا ثُمَّ أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْ جُشَمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ يُقَالُ لَهُ رِفَاعَةُ بْنُ قَيْسٍ، أَوْ قَيْسُ بْنُ رِفَاعَةَ فِي بَطْنٍ عَظِيمٍ مِنْ جُشَمٍ حَتَّى نَزَلَ بِقَوْمِهِ وَمَنْ مَعَهُ بِالْغَابَةِ يُرِيدُ أَنْ يَجْمَعَ قَيْسًا عَلَى حَرْبِ رسول الله ﷺ وَكَانَ ذَا اسم
_________________
(١) [(١)] هو أبو حدرد الاسلمي: اختلف في اسمه فقيل: سلامة بن عمير بن سلامة.. كذا قال خليفة، وقال علي بن المديني: اسمه عبيد من اهل الحجاز. له ترجمة في الإصابة (٤: ٤٢) . [(٢)] هذه عبارة (ح) وفي (أ): «من وادي عندي مَا زَادَ، لَا، وَاللهِ ما أعنيك به» .
[ ٤ / ٣٠٣ ]
وَشَرَفٍ فِي جُشَمٍ، فَدَعَانِي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَرَجُلَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ:
اخْرُجُوا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ حَتَّى تَأْتُوا مِنْهُ بِخَبَرٍ وَعِلْمٍ، وَقَدَّمَ لَنَا شَارِفًا [(٣)] عَجْفَاءَ،
فَحَمَلَ عليها أحدنا فو الله مَا قَامَتْ بِهِ ضَعْفًا، حَتَّى دَعَمَهَا [(٤)] الرِّجَالُ مِنْ خَلْفَهَا بِأَيْدِيهِمْ، حَتَّى اسْتَقَلَّتْ وَمَا كَادَتْ، وَقَالَ: تَبَلَّغُوا عَلَى هَذِهِ، فَخَرَجْنَا، وَمَعَنَا سِلَاحُنَا مِنَ النَّبْلِ، وَالسُّيُوفِ حَتَّى إِذَا جِئْنَا قَرِيبًا مِنَ الْحَاضِرِ مَعَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَكَمَنْتُ فِي نَاحِيَةٍ وَأَمَرْتُ صَاحِبَيَّ فَكَمَنَا فِي نَاحِيَةٍ أُخْرَى مِنْ حَاضِرِ الْقَوْمِ وَقُلْتُ لَهُمَا: إِذَا سَمِعْتُمَانِي قَدْ كَبَّرْتُ وَشَدَدْتُ فِي الْعَسْكَرِ فَكَبِّرُوا وَشُدَّا معي، فو الله إِنَّا لَكَذَلِكَ نَنْتَظِرُ أَنْ نَرَى غُرَّةً أَوْ نَرَى شَيْئًا وَقَدْ غَشِيَنَا اللَّيْلُ حَتَّى ذَهَبَتْ فَحْمَةُ الْعِشَاءِ [(٥)]، وَقَدْ كَانَ لَهُمْ رَاعٍ قَدْ سَرَحَ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ فَأَبْطَأَ عَلَيْهِمْ حَتَّى تَخَوَّفُوا عَلَيْهِ، فَقَامَ صَاحِبُهُمْ رِفَاعَةُ بْنُ قَيْسٍ فَأَخَذَ سَيْفَهُ فَجَعَلَهُ فِي عُنُقِهِ، وَقَالَ: وَاللهِ لَأَتَّبِعَنَّ أَثَرَ رَاعِينَا هَذَا، وَلَقَدْ أَصَابَهُ شَرٌّ فَقَالَ نَفَرٌ مِمَّنْ مَعَهُ: وَاللهِ لَا تَذْهَبُ نَحْنُ نَذْهَبُ نَكْفِيكَ، فَقَالَ: لَا يَذْهَبُ إِلَّا أَنَا، قَالُوا: فَنَحْنُ مَعَكَ فَقَالَ وَاللهِ لَا يَتَّبِعُنِي مِنْكُمْ أَحَدٌ، وَخَرَجَ حَتَّى يَمُرَّ بِي فَلَمَّا أَمْكَنَنِي نَفَحْتُهُ بِسَهْمٍ فَوَضَعْتُهُ فِي فُؤَادِهِ، فو الله مَا تَكَلَّمَ فَوَثَبْتُ إِلَيْهِ فاحترزت رَأْسَهُ، ثُمَّ شَدَدْتُ فِي نَاحِيَةِ الْعَسْكَرِ وَكَبَّرْتُ وَشَدَّ صاحباي، وكبروا فو الله مَا كَانَ إِلَّا النَّجَاءُ مِمَّنْ كَانَ فِيهِ عِنْدَكَ بِكُلِّ مَا قَدَرُوا عَلَيْهِ مِنْ نِسَائِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ، وَمَا خَفَّ مَعَهُمْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَاسْتَقْنَا إِبِلًا عَظِيمَةً، وَغَنَمًا كَثِيرَةً، فَجِئْنَا بِهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَجِئْتُ بِرَأْسِهِ أَحْمِلُهُ مَعِي، فَأَعْطَانِي مِنْ تِلْكَ الْإِبِلِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ بَعِيرًا فِي صَدَاقِي فَجَمَعْتُ إِلَيَّ أهلي [(٦)] .
_________________
(١) [(٣)] الشارف: الناقة المسنة. [(٤)] اي قووها بأيديهم. [(٥)] فحمة العشاء: أول ظلام الليل. [(٦)] رواه ابن هشام في السيرة (٤: ٢٣٨) ونقله ابن كثير في البداية والنهاية (٤: ٢٢٣- ٢٢٤) .
[ ٤ / ٣٠٤ ]
بَابُ السَّرِيَّةِ الَّتِي قَتَلَ فِيهَا مُحَلِّمُ بْنُ جَثَّامَةَ عَامِرًا بَعْدَ مَا حَيَّاهُمْ بِتَحِيَّةِ الْإِسْلَامِ
أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرِ بْنُ قَتَادَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سَعْدٍ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الله البوسنجي، قَالَ: حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عبد الله ابن قُسَيْطٍ، عَنِ ابْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي حَدْرَدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى إِضَمٍ نَفَرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ أَبُو قَتَادَةَ: الْحَارِثُ بْنُ ربعيّ، ومحلّم ابن جثّامة بن قيس، فِي نَفَرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَخَرَجْنَا حَتَّى إِذَا كُنَّا بِبَطْنِ إِضَمٍ مَرَّ بِنَا عَامِرُ بْنُ الْأَضْبَطِ الْأَشْجَعِيُّ عَلَى قَعُودٍ لَهُ [(١)]، مَعَهُ مُتَيِّعٌ [(٢)] لَهُ وَوَطْبٌ [(٣)] مِنْ لَبَنٍ فَسَلَّمَ عَلَيْنَا بِتَحِيَّةِ الْإِسْلَامِ، فَأَمْسَكْنَا عَنْهُ، وَحَمَلَ عَلَيْهِ مُحَلِّمُ بْنُ جَثَّامَةَ، فَقَتَلَهُ لِشَيْءٍ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، وَأَخَذَ بَعِيرَهُ وَمُتَيِّعَهُ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَخْبَرَنَاهُ الْخَبَرَ، فَنَزَلَ فِينَا الْقُرْآنُ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا إلى آخر الآية [(٤)] .
_________________
(١) [(١)] العقود: البعير المتخذ للركوب. [(٢)] المتيع: تصغير متاع. [(٣)] الوطب: وعاء اللبن. [(٤)] [النساء- ٩٣] .
[ ٤ / ٣٠٥ ]
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ بِبَغْدَادَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو سَهْلِ بْنُ زِيَادِ الْقَطَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو يَعْقُوبَ: إِسْحَاقُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ مَيْمُونٍ الْحَرْبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُسَيْطٍ عَنِ ابْنِ أَبِي حَدْرَدٍ الْأَسْلَمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَهُ وَأَبَا قَتَادَةَ وَمُحَلِّمَ بْنَ جَثَّامَةَ فِي سَرِيَّةٍ إِلَى إِضَمٍ فَلَقِيَنَا عامر ابن الْأَضْبَطِ الْأَشْجَعِيُّ فَحَيَّاهُمْ بِتَحِيَّةِ الْإِسْلَامِ فَكَفَّ أَبُو قَتَادَةَ وَأَبُو حَدْرَدٍ، وَحَمَلَ عَلَيْهِ مُحَلِّمٌ فَقَتَلَهُ وَسَلَبَهُ بَعِيرًا لَهُ وَسِقَاءً وَوَطْبًا مِنْ لَبَنٍ، فَلَمَّا قَدِمُوا أَخْبَرُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ: آمَنْتُ»؟
وَنَزَلَ الْقُرْآنُ:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا [(٥)] .
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ زِيَادَ بْنَ ضُمَيْرَةَ بْنِ سَعْدٍ الضَّمْرِيَّ يُحَدِّثُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ وَجَدِّهِ، قَالَ: وَقَدْ كَانَا شَهِدَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حُنَيْنًا فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلَاةَ الظُّهْرِ، فَقَامَ إِلَى ظِلِّ شَجَرَةٍ، فَقَعَدَ فَقَامَ إِلَيْهِ عُيَيْنَةُ بْنُ بَدْرٍ، يَطْلُبُ بِدَمِ عامر بن الأضبط الأشجعي، وَهُوَ سَيِّدُ قَيْسٍ، وَجَاءَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ يَرُدُّ عَنْ مُحَلِّمِ بْنِ جَثَّامَةَ وهو سيد خندق فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِقَوْمِ عَامِرِ بْنِ الْأَضْبَطِ الْأَشْجَعِيِّ: «هَلْ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِنَّا خَمْسِينَ بَعِيرًا، وَخَمْسِينَ إِذَا رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ؟»، فَقَالَ عُيَيْنَةُ بْنُ بَدْرٍ: وَاللهِ لَا أَدَعُهُ حَتَّى أُذِيقَ نِسَاءَهُ مِنَ الْحُرْقَةِ مِثْلَ مَا أَذَاقَ نِسَائِي، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي لَيْثٍ يُقَالُ لَهُ ابْنُ مُكَيْتِلٍ وَهُوَ قَصْدٌ مِنَ الرِّجَالِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا أَجِدُ لِهَذَا الْقَتِيلِ مَثَلًا فِي غُرَّةِ الْإِسْلَامِ [(٦)] إِلَّا كَغَنَمٍ وَرَدَتْ فرميت
_________________
(١) [(٥)] رواه ابن هشام في السيرة (٤: ٢٣٥)، وابن كثير في البداية والنهاية (٤: ٢٢٤- ٢٢٦) . [(٦)] (غرة الإسلام): أوله.
[ ٤ / ٣٠٦ ]
أُولَاهَا فَنَفَرَتْ أُخْرَاهَا، اسْنُنِ الْيَوْمَ وَغَيِّرْ غَدَا [(٧)] فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ هَلْ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا خَمْسِينَ بَعِيرًا الْآنَ، وَخَمْسِينَ إِذَا رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ؟ فَلَمْ يَزَلْ بِهِمْ حَتَّى رَضُوا بِالدِّيَةِ، قَالَ قَوْمُ مُحَلِّمٍ: ائْتُوا بِهِ حَتَّى يَسْتَغْفِرَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، قَالَ:
فَجَاءَ رَجُلٌ طُوَالٌ ضَرْبُ اللَّحْمِ فِي حُلَّةٍ قَدْ تَهَيَّأَ فِيهَا لِلْقَتْلِ فَقَامَ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «اللهُمَّ لَا تَغْفِرْ لِمُحَلِّمٍ» قَالَهَا ثَلَاثًا، فَقَامَ وَإِنَّهُ لَيَتَلَقَّى دُمُوعَهُ بِطَرَفِ ثَوْبِهِ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: زَعَمَ قَوْمُهُ أَنَّهُ اسْتَغْفَرَ لَهُ بَعْدُ كَذَا فِي كِتَابِي عَنِ ابْنِ حَدْرَدٍ، عَنْ أَبِيهِ، وَقِيلَ عَنْ حَجَّاجِ بْنِ مِنْهَالٍ عَنْ حَمَّادٍ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ أَبِي حَدْرَدٍ عَنْ أَبِيهِ [(٨)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الرُّوذْبَارِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ دَاسَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ سَمِعْتُ زِيَادَ بْنَ ضُمَيْرَةَ الضُّمَيْرِيَّ (ح) .
وحَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَيَانٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الْهَمَذَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ أَنَّهُ سَمِعَ زِيَادَ بْنَ سَعْدِ بْنِ ضُمَيْرَةَ السُّلَمِيَّ وَهَذَا حَدِيثُ وَهْبٍ وَهُوَ أَتَمُّ يُحَدِّثُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ وَجَدِّهِ قَالَ مُوسَى وَجَدِّهِ: وكَانَا شَهِدَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حُنَيْنًا يَعْنِي أَبَاهُ وَجَدَّهُ، ثُمَّ رَجَعْنَا إِلَى حَدِيثِ وَهْبٍ أَنَّ مُحَلِّمَ بْنَ جَثَّامَةَ اللَّيْثِيَّ قَتَلَ رَجُلًا مِنْ أَشْجَعَ فِي الْإِسْلَامِ، وَذَلِكَ أَوَّلُ غِيَرٍ قَضَى بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَتَكَلَّمَ عُيَيْنَةُ فِي قَتْلِ الْأَشْجَعِيِّ، لِأَنَّهُ مِنْ
_________________
(١) [(٧)] (اسْنُنِ الْيَوْمَ، وَغَيِّرْ غَدًا) اي: يريد احكم لنا اليوم بالدم، واحكم غدا بالدية لمن شئت. [(٨)] سيرة ابن هشام (٤: ٢٣٦- ٢٣٧) .
[ ٤ / ٣٠٧ ]
غَطَفَانَ وَتَكَلَّمَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ دُونَ مُحَلِّمٍ لِأَنَّهُ مِنْ خندق، فَارْتَفَعَتِ الْأَصْوَاتُ وَكَثُرَتِ الْخُصُومَةُ وَاللَّغَطُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يَا عُيَيْنَةُ أَلَا تَقْبَلُ العير فَقَالَ عُيَيْنَةُ: لَا وَاللهِ حَتَّى أُدْخِلَ عَلَى نِسَائِهِ من الخرب وَالْحُزْنِ مَا أَدْخَلَ عَلَى نِسَائِي، قَالَ: ثُمَّ ارْتَفَعَتِ الْأَصْوَاتُ وَكَثُرَتِ الْخُصُومَةُ وَاللَّغَطُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يَا عيينة لا تقبل العير» فَقَالَ عُيَيْنَةُ مِثْلَ ذَلِكَ أَيْضًا إِلَى أَنْ قَامَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي قَيْسٍ يُقَالُ لَهُ مُكَيْتِلٌ عَلَيْهِ شِكَّةٌ وَفِي يَدِهِ دَرَقَةٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي لَمْ أَجِدْ لِمَا فَعَلَ هَذَا فِي غُرَّةِ الإسلام مثلا إلا غنم وَرَدَتْ فَرُمِيَ أَوَّلُهَا فَنَفَرَ آخِرُهَا اسْنُنِ الْيَوْمَ وَغَيِّرْ غَدَا فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «خَمْسُونَ فِي فَوْرِنَا هَذَا، وَخَمْسُونَ إِذَا رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ» وَذَلِكَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ وَمُحَلِّمٌ رَجُلٌ طَوِيلٌ آدَمُ وَهُوَ فِي طَرَفَيِ النَّاسِ، فَلَمْ يَزَالُوا حَتَّى تَخَلَّصَ فَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَعَيْنَاهُ تَدْمَعَانِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي قَدْ فَعَلْتُ الَّذِي بَلَغَكَ وَإِنِّي أَتُوبُ إِلَى اللهِ.
فَاسْتَغْفِرْ لِي يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَقَتَلْتَهُ بِسِلَاحِكَ فِي غُرَّةِ الْإِسْلَامِ: اللهُمَّ لَا تَغْفِرْ لِمُحَلِّمٍ» بِصَوْتٍ عَالٍ زَادَ أَبُو سَلَمَةَ فَقَامَ وَإِنَّهُ لَيَتَلَقَّى دُمُوعَهُ بِطَرَفِ رِدَائِهِ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فَزَعَمَ قَوْمُهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اسْتَغْفَرَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ:
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَالِمٌ أَبُو النّصر، قَالَ: لَمْ يَقْبَلُوا الدِّيَةَ حَتَّى قَامَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ فَخَلَا بِهِمْ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قَيْسٍ سَأَلَكُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَتِيلًا تَتْرُكُونَهُ لِيُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ النَّاسِ فَمَنَعْتُمُوهُ إِيَّاهُ، أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَغْضَبَ عَلَيْكُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَيَغْضَبَ اللهُ ﷿ عَلَيْكُمْ بِغَضَبِهِ، أَوْ يَلْعَنَكُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَيَلْعَنَكُمُ اللهُ بِلَعْنَتِهِ، لَكُمْ وَاللهِ، وَاللهِ لَتُسْلِمُنَّهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَوْ لَآتِيَنَّ بِخَمْسِينَ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ كُلُّهُمْ يَشْهَدُونَ أَنَّ الْقَتِيلَ كَافِرٌ مَا صَلَّى قَطُّ فَلَأُطِلَنَّ دَمَهُ، فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ لَهُمْ: أَخَذُوا الديّة [(٩)] .
_________________
(١) [(٩)] رواه ابن هشام في السيرة (٤: ٢٣٧) .
[ ٤ / ٣٠٨ ]
بَابُ ذِكْرِ الرَّجُلِ الَّذِي قتل رجلا بعد ما شَهِدَ بِالْحَقِّ ثُمَّ مَاتَ فَلَمْ تَقْبَلْهُ الْأَرْضُ وَمَا ظَهَرَ فِي ذَلِكَ مِنْ آثَارٍ
أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْخَالِقِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الحالق الْمُؤَذِّنُ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ خَنْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، قَالَ: قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عتيق، وموسى ابن عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ (ح) .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَوْهَبٍ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ، قَالَ: أَغَارَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى سَرِيَّةٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَانْهَزَمَتْ، فَغَشِيَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَهُوَ مُنْهَزِمٌ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَعْلُوهُ بِالسَّيْفِ قَالَ الرَّجُلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَلَمْ يَنْزِعْ عَنْهُ حَتَّى قَتَلَهُ، ثُمَّ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ مِنْ قَتْلِهِ فَذَكَرَ حَدِيثَهُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «فَهَلَّا نَقَّبْتَ عَنْهُ قَلْبَهُ»، يُرِيدُ أَنْ يعَبِّرَ عَنِ الْقَلْبِ اللِّسَانُ، فَلَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى تُوُفِّيَ ذَلِكَ الرَّجُلُ الْقَاتِلُ، فَدُفِنَ فَأَصْبَحَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، فَجَاءَ أَهْلُهُ فَحَدَّثُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: ادْفِنُوهُ، فَدَفَنُوهُ فَأَصْبَحَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، فَجَاءَ أَهْلُهُ
[ ٤ / ٣٠٩ ]
فَحَدَّثُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: ادْفِنُوهُ فَدَفَنُوهُ، فَأَصْبَحَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، فجاؤوا رسول الله ﷺ فَحَدَّثُوهُ ذَلِكَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ الْأَرْضَ قَدْ أَبَتْ أَنْ تَقْبَلَهُ فَاطْرَحُوهُ فِي غَارٍ مِنَ الْغِيرَانِ» .
لَفْظُ حَدِيثِ أَبِي عَبْدِ اللهِ وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْخَالِقِ ذَكَرَ دَفْنَهُ مَرَّتَيْنِ لَمْ يَذْكُرِ الثَّالِثَ.
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْغَنَوِيِّ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ رَجُلًا كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي قَتْلِ الْمُشْرِكِينَ، فَذَكَرَ مَعْنَى مَا ذَكَرَ قَبِيصَةُ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ وَمِمَّا زَادَ، قَالَ: فَأَنْزَلَ اللهُ فِيهِ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا، وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا [(١)] . فَبَلَغَنَا أَنَّ الرَّجُلَ مَاتَ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللهِ مَاتَ فُلَانٌ فَدَفَنَّاهُ فَأَصْبَحَتِ الْأَرْضُ قَدْ لَفَظَتْهُ، ثُمَّ دَفَنَّاهُ فَلَفَظَتْهُ، فَقَالَ: أَمَا إِنَّهَا تَقْبَلُ مَنْ هُوَ شَرٌّ مِنْهُ، وَلَكِنَّ اللهَ ﷿ أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَهُ مَوْعِظَةً لَكُمْ لِكَيْلَا يُقْدِمَ رَجُلٌ مِنْكُمْ عَلَى قَتْلِ مَنْ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، أَوْ يَقُولُ: إِنِّي مُسْلِمٌ، اذْهَبُوا بِهِ إِلَى شِعْبِ بَنِي فُلَانٍ فَادْفِنُوهُ، فَإِنَّ الْأَرْضَ سَتَقْبَلُهُ فَدَفَنُوهُ فِي ذَلِكَ الشعب [(٢)] .
_________________
(١) [(١)] [النساء- ٩٣] . [(٢)] رواه ابن هشام في السيرة (٤: ٢٣٧) .
[ ٤ / ٣١٠ ]
بَابُ سَرِيَّةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حُذَافَةَ [(١)] بْنِ قَيْسِ ابن عَدِيِّ بْنِ السَّهْمِيِّ ﵁
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، وَأَبُو بَكْرٍ الْقَاضِي، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ، مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّغَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [(٢)] نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللهِ ابن حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ بَعَثَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي سَرِيَّةٍ. أَخْبَرَنِيهِ يَعْلَى بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ [(٣)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عبد الله الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دُحَيْمٍ الشَّيْبَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْعَبْسِيُّ، قال أخبرنا وكيع،
_________________
(١) [(١)] عَبْدِ اللهِ بْنِ حُذَافَةَ السهمي: من السابقين الأولين، يقال إنه شهد بدرا، وكان من المهاجرين الأولين، هَاجَرَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ الهجرة الثانية مع أخيه قيس بن حذافة، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى كسرى بكتاب الإسلام، فمزق كسرى الكتاب، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: اللهُمَّ مزق ملكه. [(٢)] [النساء- ٥٩] . [(٣)] أخرجه البخاري في كتاب التفسير، تفسير سورة النساء، ومسلم في: ٣٣- كتاب الإمارة، (٨) باب وجوب طاعة الأمراء النساء، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ، الحديث (٣١)، ص (١٤٦٥) .
[ ٤ / ٣١١ ]
عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ علي ابن أَبِي طَالِبٍ ﵁، قَالَ: اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ عَلَى سَرِيَّةٍ بَعَثَهُمْ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْمَعُوا لَهُ وَيُطِيعُوا قَالَ فَأَغْضَبُوهُ فِي شَيْءٍ، فَقَالَ:
اجْمَعُوا لِي حَطَبًا، فَجَمَعُوا. فَقَالَ: أَوْقِدُوا نَارًا، فَأَوْقَدُوا، ثُمَّ قَالَ: أَلَمْ يَأْمُرْكُمْ رَسُولُ الله ﷺ أَنْ تَسْمَعُوا لِي وَتُطِيعُوا؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَادْخُلُوهَا، قَالَ: فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، وَقَالُوا: إِنَّمَا فَرَرْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ النَّارِ، قَالَ: فَسَكَنَ غَضَبُهُ وَطُفِئَتِ النَّارُ، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ذَكَرُوا لَهُ ذَلِكَ، قَالَ: فَقَالَ: لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا. إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ وَغَيْرِهِ عَنْ وَكِيعٍ [(٤)] .
وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخر عن الأعمش [(٥)] .
_________________
(١) [(٤)] أخرجه مسلم في: ٣٣- كتاب الإمارة، (٨) باب وجوب طاعة الأمراء، الحديث (٤٠)، ص (١٤٦٩) . [(٥)] أخرجه البخاري في: ٦٤- كتاب المغازي (٥٩) بَابُ سَرِيَّةِ عَبْدِ اللهِ بن حذافة السهمي، فتح الباري (٨: ٥٨) .
[ ٤ / ٣١٢ ]
بَابُ مَا جَاءَ فِي عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ [(١)] وَتَصْدِيقِ اللهِ ﷾ وَعْدَهُ بِدُخُولِهِمُ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ آمِنِينَ
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ بِبَغْدَادَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ النَّحْوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ أَبِي نُعَيْمٍ، عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: كَانَتِ الْقَضِيَّةُ فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ سَبْعٍ.
_________________
(١) [(١)] انظر في عمرة القضية. - سيرة ابن هشام (٣: ٣١٩) . - طبقات ابن سعد (٢: ١٢٠) . - صحيح البخاري (٥: ١٤١) . - تاريخ الطبري (٣: ٢٣) . - المغازي للواقدي (٢: ٧٣١) . - انساب الأشراف (١: ١٦٩) . - ابن حزم (٢١٩) . - عيون الأثر (٢: ١٩٢) . - البداية والنهاية (٤: ٢٢٦) . - شرح المواهب (٢: ٣٧٠) . - السيرة الحلبية (٣: ٧١) . - السيرة الشامية (٥: ٢٨٨) .
[ ٤ / ٣١٣ ]
أخبرنا أبو عبد الله الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْبَاقِي بْنُ قَانِعٍ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ الْفَارِسِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى [(٢)] الصَّنْعَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ خَيْبَرَ بَعَثَ سَرَايَا وَأَقَامَ بِالْمَدِينَةِ حَتَّى اسْتَهَلَّ ذُو الْقَعْدَةِ، ثُمَّ نَادَى فِي النَّاسِ أَنْ تَجَهَّزُوا فِي الْعُمْرَةِ، فَتَجَهَّزَ النَّاسُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَخَرَجُوا إِلَى مَكَّةَ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو عُلَاثَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ (ح) .
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ، قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَتَّابٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ عَمِّهِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ (ح) .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ الشَّعْرَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَدِّي، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَهَذَا لَفْظُ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ عَمِّهِ، قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الْعَامِ الْقَابِلِ مِنْ عَامِ الْحُدَيْبِيَةِ مُعْتَمِرًا فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ سَبْعٍ وَهُوَ الشَّهْرُ الَّذِي صَدَّهُ فِيهِ الْمُشْرِكُونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ يَأْجِجَ [(٣)]، وَضَعَ الْأَدَاةَ كُلَّهَا الْحَجَفَ وَالْمَجَانَّ وَالرِّمَاحَ وَالنَّبْلَ، وَدَخَلُوا بِسِلَاحِ الرَّاكِبِ السُّيُوفِ، وَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ بَيْنَ يَدَيْهِ إِلَى مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ بْنِ حزن العامرية،
_________________
(١) [(٢)] رسمت في (أ) و(ح): «الأعلا» . [(٣)] (يأجج) واد قريب من مكة.
[ ٤ / ٣١٤ ]
فَخَطَبَهَا عَلَيْهِ فَجَعَلَتْ أَمْرَهَا إِلَى الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَتْ تَحْتَهُ أُخْتُهَا أُمُّ الْفَضْلِ بِنْتُ الْحَارِثِ، فَزَوَّجَهَا الْعَبَّاسُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَمَرَ أَصْحَابَهُ فَقَالَ «اكْشِفُوا عَنِ الْمَنَاكِبِ وَاسْعَوْا فِي الطَّوَافِ لِيَرَى الْمُشْرِكُونَ جَلَدَهُمْ وَقُوَّتَهُمْ» وَكَانَ يُكَابِدُهُمْ بِكُلِّ مَا اسْتَطَاعَ فَاسْتَكَفَّ أَهْلُ مَكَّةَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ يَنْظُرُونَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ وهو يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ يَرْتَجِزُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ مُتَوَشِّحًا بالسيف، يقول:
خَلُّوا بَنِي الْكُفَّارِ عَنْ سَبِيلِهْ. أَنَا الشَّهِيدُ أَنَّهُ رَسُولُهْ.
قَدْ أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ فِي تَنْزِيلِهْ. فِي صُحُفٍ تتلى: رَسُولِهْ.
فَالْيَوْمَ نَضْرِبُكُمْ عَلَى تَأْوِيلِهْ. كَمَا ضَرَبْنَاكُمْ عَلَى تَنْزِيلِهْ.
ضَرْبًا يُزِيلُ الْهَامَ عن مقتله. وَيُذْهِلُ الْخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهْ.
قَالَ وَتَغَيَّبَ رِجَالٌ مِنْ أَشْرَافِ الْمُشْرِكِينَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ غَيْظًا وَحَنْقًا [(٤)] وَنَفَاسَةً وَحَسَدًا، خَرَجُوا إِلَى الْخَنْدَمَةِ فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَكَّةَ وَأَقَامَ ثَلَاثَ لَيَالٍ وَكَانَ ذَلِكَ آخِرَ الْقَضِيَّةِ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الْيَوْمِ الرَّابِعِ أَتَاهُ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو وَحُوَيْطِبَ بِنَ عَبْدِ الْعُزَّى وَرَسُولُ اللهِ ﷺ فِي مَجْلِسِ الْأَنْصَارِ يَتَحَدَّثُ مَعَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَصَاحَ حُوَيْطِبٌ نُنَاشِدُكَ اللهَ وَالْعَقْدَ لَمَا خَرَجْتَ مِنْ أَرْضِنَا فَقَدْ مَضَتِ الثَّلَاثُ، فَقَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: كَذَبْتَ لَا أُمَّ
_________________
(١) [(٤)] الحنق: الغيظ.
[ ٤ / ٣١٥ ]
لَكَ لَيْسَ بِأَرْضِكَ وَلَا أَرْضِ آبَائِكَ وَاللهِ لَا يَخْرُجُ، ثُمَّ نَادَى رَسُولُ اللهِ ﷺ سهيل وَحُوَيْطِبًا، فَقَالَ: إِنِّي قَدْ نَكَحْتُ فِيكُمُ امْرَأَةً، فَمَا يَضُرُّكُمْ أَنْ أَمْكُثَ حَتَّى أَدْخُلَ بِهَا، وَنَصْنَعُ وَنَضَعُ الطَّعَامَ فَنَأْكُلُ وَتَأْكُلُونَ مَعَنَا، قَالُوا: نُنَاشِدُكَ اللهَ وَالْعَقْدَ إِلَّا خَرَجْتَ عَنَّا، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى نَزَلَ بَطْنَ سَرِفَ [(٥)]، وَأَقَامَ الْمُسْلِمُونَ وَخَلَّفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَبَا رَافِعٍ لِيَحْمِلَ مَيْمُونَةَ إِلَيْهِ حِينَ يُمْسِي، فَأَقَامَ بِسَرِفَ، حَتَّى قَدِمَتْ عَلَيْهِ مَيْمُونَةُ، وَقَدْ لَقِيَتْ مَيْمُونَةُ وَمَنْ مَعَهَا عَنَاءً وَأَذًى مِنْ سُفَهَاءِ الْمُشْرِكِينَ وَصِبْيَانِهِمْ، فَقَدِمَتْ علي رسول الله ﷺ بِسَرِفَ، فَبَنَى بِهَا، ثُمَّ أَدْلَجَ فَسَارَ حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَقَدَّرَ اللهُ أَنْ يَكُونَ مَوْتُ مَيْمُونَةَ بِسَرِفَ بَعْدَ ذَلِكَ بِحِينٍ، فَمَاتَتْ حَيْثُ بَنَى بِهَا، وَذَكَرَ قِصَّةَ ابْنَةِ [(٦)] حَمْزَةَ، وَذُكِرَ أَنَّ اللهَ ﷿ أَنْزَلَ فِي تِلْكَ الْعُمْرَةِ: الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ [(٧)]، فَاعْتَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الشهر الحرام صُدَّ فِيهِ.
هَذَا لَفْظُ حَدِيثِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ وَفِي رِوَايَةِ عُرْوَةَ عِنْدَ قَوْلِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ وَاللهِ لَا يَخْرُجُ مِنْهَا إِلَّا طَائِعًا رَاضِيًا، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَضَحِكَ لَا تُؤْذِ قَوْمًا زَارُونَا فِي رِحَالِنَا، ثُمَّ ذَكَرَ الْبَاقِي بِمَعْنَاهُ وَلَمْ يَذْكُرْ رَجَزَ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ، وَلَا قَوْلَ مَنْ قَالَ فَزَوَّجَهَا الْعَبَّاسُ.
وَلِحَدِيثِهِمَا هَذَا شَوَاهِدُ وَفِيهَا زِيَادَاتٌ نَذْكُرُهَا إِنْ شَاءَ اللهُ مُفَصَّلَةً فِي أبواب.
_________________
(١) [(٥)] بطن سرف: ما بين التنعيم وبطن مرو، وهو إلى التنعيم أقرب. [(٦)] في (أ) و(ح): «ابنت حمزة»، وستأتي قصتها بعد قليل. [(٧)] [البقرة- ١٩٤] .
[ ٤ / ٣١٦ ]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ بَابُ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى مَعْنَى تَسْمِيَةِ هَذِهِ الْعُمْرَةِ بِالْقَضَاءِ وَالْقَضِيَّةِ
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الصَّفَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مِهْرَانَ الْأَصْبَهَانِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ النُّعْمَانِ، قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ مُعْتَمِرًا، فَحَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ، فَنَحَرَ هَدْيَهُ وَحَلَقَ رَأْسَهُ بِالْحُدَيْبِيَةِ، وَقَاضَاهُمْ عَلَى أَنْ يَعْتَمِرَ الْعَامَ الْمُقْبِلَ، وَلَا يَحْمِلَ سِلَاحًا عَلَيْهِمْ، إِلَّا سُيُوفًا، وَلَا يُقِيمَ بِهَا إِلَّا مَا أَحَبُّوا. فَاعْتَمَرَ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ، فَدَخَلَهَا كَمَا كَانَ صَالَحَهُمْ، فَلَمَّا أَنْ قَامَ بِهَا ثَلَاثًا أَمَرُوهُ أَنْ يَخْرُجَ فَخَرَجَ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ سُرَيْجٍ [(١)] .
وَفِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَنَّهُمْ كَتَبُوا: هَذَا مَا قاضى عليه محمد [(٢)] .
_________________
(١) [(١)] الحديث أخرجه البخاري في: ٦٤- كتاب المغازي، (٤٣) باب عمرة القضاء، الحديث (٤٢٥٢)، فتح الباري (٧: ٤٩٩) . وسريج: هو ابن النعمان، ابو الحسين البغدادي الجوهري، وهو شيخ البخاري روى عنه بواسطة، وفاته (٢١٧) وهو يروي عَنْ فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي المغيرة، وقد ورد اسمه في (ح): «شريح» مصحفا. [(٢)] حديث البراء رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ
[ ٤ / ٣١٧ ]
وأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ يَعْنِي ابْنَ بُطَّةَ الْأَصْبَهَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْجَهْمِ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَرَجِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَاقِدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْعُمْرَةُ قَضَاءً، وَلَكِنْ شَرْطًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يعتمروا قابل فِي الشَّهْرِ الَّذِي صَدَّهُمُ المشركون فيه [(٣)] .
_________________
(١) [()] عن البراء﵁- قَالَ: لما اعتمر النبي ﷺ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، فَأَبَى أَهْلُ مَكَّةَ أَنْ يَدَعُوهُ يَدْخُلُ مَكَّةَ حَتَّى قَاضَاهُمْ عَلَى أَنْ يُقِيمَ بِهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا كَتَبُوا الْكِتَابَ كَتَبُوا: «هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله إلخ الحديث. فتح الباري (٧: ٤٩٩) . [(٣)] البداية والنهاية (٤: ٢٣٠) .
[ ٤ / ٣١٨ ]
بَابُ مَا جَرَى فِي أَمْرِ الْهَدَايَا وَالْأَسْلِحَةِ وَالرُّعْبِ الَّذِي وَقَعَ فِي قُلُوبِ المشركين من قدم الرسول ﷺ [(١)]
أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الرُّوذْبَارِيُّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ دَاسَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَاضِرٍ الْحِمْيَرِيَّ، يُحَدِّثُ أَبِي: مَيْمُونَ بْنَ مِهْرَانَ، قَالَ: خَرَجْتُ مُعْتَمِرًا عَامَ حَاصَرَ أَهْلُ الشَّامِ ابْنَ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ، وَبَعَثَ مَعِي رِجَالٌ مِنْ قَوْمِي بِهَدْيٍ فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَى أَهْلِ الشَّامِ مَنَعُونَا أَنْ نَدْخُلَ الْحَرَمَ، فَنَحَرْتُ الْهَدْيَ مَكَانِي، ثُمَّ أَحْلَلْتُ، ثُمَّ رَجَعْتُ. فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ خَرَجْتُ لِأَقْضِيَ عُمْرَتِي، فَأَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: أَبْدِلِ الْهَدْيَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يُبْدِلُوا الْهَدْيَ الَّذِي نَحَرُوا عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ [(٢)] .
خَالَفَهُ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ لَمْ يَذْكُرْ لَفْظَ الْأَمْرِ بِالْإِبْدَالِ.
أَخْبَرَنَاهُ أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ
_________________
(١) [(١)] في (أ): «من قدومه» . [(٢)] رواه الحاكم في المستدرك (١: ٤٨٥) . ونقله الحافظ ابن كثير في التاريخ (٤: ٢٣٠)، وقال: «تفرد به ابو داود من حديث ابي حاضر عثمان بن حاضر الحميري، عن ابن عباس» .
[ ٤ / ٣١٩ ]
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ:
حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ، قَالَ: كَانَ أَبِي يَسْأَلُ كَثِيرًا هَلْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَبْدَلَ هَدْيَهُ الَّذِي نَحَرَ حِينَ صُدَّ عَنِ الْبَيْتِ؟ فَلَا يَجِدُ فِي ذَلِكَ شَيْئًا، حَتَّى سَمِعْتُهُ يَسْأَلُ أَبَا حَاضِرٍ الْحِمْيَرِيَّ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ: عَلَى الْخَبِيرِ سَقَطْتَ: حَجَجْتُ عَامَ ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي الْحَصْرِ الْأَوَّلِ فَأَهْدَيْتُ هَدْيًا، فَحَالُوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْبَيْتَ، فَنَحَرْتُ فِي الْحَرَمِ، وَرَجَعْتُ إِلَى الْيَمَنِ، وَقُلْتُ: لِي بِرَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ، فَلَمَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلِ حَجَجْتُ فَلَقِيتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَسَأَلْتُهُ عَمَّا نَحَرْتُ عَلَيَّ بَدَلُهُ [أَمْ لَا]؟ قَالَ: نَعَمْ فَأَبْدِلْ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابَهُ قَدْ أَبْدَلُوا الْهَدْيَ الَّذِي نَحَرُوا عَامَ صَدَّهُمُ الْمُشْرِكُونَ، فَأَبْدَلُوا ذَلِكَ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ، فَعَزَّتِ الْإِبِلُ عَلَيْهِمْ، فَرَخَّصَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْبَقَرِ [(٣)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْأَصْبَهَانِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْجَهْمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَرَجِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَاقِدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا غَانِمُ بْنُ أَبِي غَانِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: جَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نَاجِيَةَ بْنَ جُنْدُبٍ الْأَسْلَمِيَّ عَلَى هَدْيِهِ يَسِيرُ بِالْهَدْيِ أَمَامَهُ يَطْلُبُ الرَّعْيَ فِي الشَّجَرِ مَعَهُ أَرْبَعَةُ فِتْيَانٍ مِنْ أَسْلَمَ، وَقَدْ سَاقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي [عُمْرَةِ] الْقَضِيَّةِ سِتِّينَ بَدَنَةً [(٤)] .
فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ نُعَيْمٍ الْمُجْمِرُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ صَاحِبِ الْبُدْنِ أَسُوقُهَا [(٥)] .
_________________
(١) [(٣)] أخرجه الحاكم في «المستدرك» (١: ٤٨٥- ٤٨٦)، وقال: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وابن حاضر شيخ من اهل اليمن مقبول صدوق» . ووافقه الذهبي. [(٤)] الخبر في مغازي الواقدي (٢: ٧٣٢)، والبداية والنهاية (٤: ٢٣٠- ٢٣١) . [(٥)] مغازي الواقدي (٢: ٧٣٣)، والبداية والنهاية (٤: ٢٣١) .
[ ٤ / ٣٢٠ ]
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: سَارَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُلَبِّي وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ يُلَبُّونَ، وَمَضَى مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ بِالْخَيْلِ إِلَى مَرِّ الظَّهْرَانِ، فَيَجِدُ بِهَا نَفَرًا مِنْ قُرَيْشٍ، فَسَأَلُوا مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ، فَقَالَ: هَذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَبِّحُ هَذَا الْمَنْزِلَ غَدًا إِنَّ شَاءَ اللهُ، وَرَأَوْا سِلَاحًا كَثِيرًا مَعَ بَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ، فَخَرَجُوا سِرَاعًا حَتَّى أَتَوْا قُرَيْشًا، فَأَخْبَرُوهُمْ بِالَّذِي رَأَوْا مِنَ السِّلَاحِ وَالْخَيْلِ، فَفَزِعَتْ قُرَيْشٌ وَقَالُوا: وَاللهِ مَا أَحْدَثْنَا حَدَثًا، وَإِنَّا عَلَى كِتَابِنَا وَهُدْنَتِنَا، فَفِيمَ يَغْزُونَا مُحَمَّدٌ فِي أَصْحَابِهِ؟ وَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَرَّ الظَّهْرَانِ، وَقَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ السِّلَاحَ إِلَى بَطْنِ يَأْجِجَ حَيْثُ يَنْظُرُ إِلَى أَنْصَابِ الْحَرَمِ، وَبَعَثَتْ قُرَيْشٌ مِكْرَزَ بْنَ حَفْصِ بْنِ الْأَحْنَفِ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ، حَتَّى لَقُوهُ بِبَطْنِ يَأْجِجَ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ فِي أَصْحَابِهِ، وَالْهَدْيُ وَالسِّلَاحُ
قَدْ تَلَاحَقُوا فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ مَا عُرِفْتَ صَغِيرًا وَلَا كَبِيرًا بِالْغَدْرِ! تَدْخُلُ بِالسِّلَاحِ فِي الْحَرَمِ عَلَى قَوْمِكَ، وَقَدْ شَرَطْتَ لَهُمْ أَلَّا تَدْخُلَ إِلَّا بِسِلَاحِ الْمُسَافِرِ السُّيُوفُ فِي الْقُرُبِ! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إِنِّي لَا أُدْخِلُ عَلَيْهِمُ السِّلَاحَ [(٦)]،
فَقَالَ: مِكْرَزٌ هَذَا الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ الْبِرُّ وَالْوَفَاءُ، ثُمَّ رَجَعَ سَرِيعًا بِأَصْحَابِهِ إِلَى مَكَّةَ، فَقَالَ: إِنَّ مُحَمَّدًا لَا يَدْخُلُ بِسِلَاحٍ وَهُوَ عَلَى الشَّرْطِ الَّذِي شَرَطَهُ لَكُمْ، فَلَمَّا جَاءَ مِكْرَزٌ بِخَبَرِ النَّبِيِّ ﷺ خَرَجَتْ قُرَيْشٌ مِنْ مَكَّةَ إلى رؤوس الْجِبَالِ، وَخَلَّوْا مَكَّةَ وَقَالُوا لا تنظر إِلَيْهِ وَلَا إِلَى أَصْحَابِهِ، وَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْهَدْيِ أَمَامَهُ حَتَّى حُبِسَ بِذِي طُوًى، وَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى رَاحِلَتِهِ الْقَصْوَاءِ، يَتَحَدَّقُونَ [(٧)] بِهِ، والمسلمون متوشحوا السُّيُوفِ يُلَبُّونَ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى ذِي طُوًى وَقَفَ عَلَى نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ [وَالْمُسْلِمُونَ حَوْلَهُ، ثُمَّ دَخَلَ مِنَ الثَّنِيَّةِ الَّتِي تُطْلِعُهُ عَلَى الْحَجُونِ عَلَى رَاحِلَتِهِ الْقَصْوَاءِ [(٨)]]، وَابْنُ رَوَاحَةَ آخِذٌ بِزِمَامِ راحلته.
_________________
(١) [(٦)] في المغازي: «لا ندخلها إلا كذلك» . [(٧)] في المغازي للواقدي «محدقون» . [(٨)] الزيادة من مغازي الواقدي، والخبر رواه الواقدي (٢: ٧٣٤- ٧٣٥)، ونقله ابن كثير في البداية والنهاية (٤: ٢٣١) .
[ ٤ / ٣٢١ ]
بَابُ كَيْفَ كَانَ قُدُومُهُ بِمَكَّةَ [(١)] وَطَوَافُهُ بِالْبَيْتِ وَطَوَافُ أَصْحَابِهِ وَإِطْلَاعُ اللهُ﷿- نَبِيَّهُ ﷺ عَلَى مَا قَالَ الْمُشْرِكُونَ
أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو عُمَرَ: مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْبِسْطَامِيُّ﵀-، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَيُّوبَ: أَبُو الْقَاسِمِ اللَّخْمِيُّ بِأَصْبَهَانَ، قَالَ:
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ [أَبِي] [(٢)] سُوَيْدٍ الشَّبَامِيُّ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ، قَالَ:
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: لَمَّا دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ مَشَى عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ يقول:
خَلُّوا بَنِي الْكُفَّارِ عَنْ سَبِيلِهْ قَدْ نَزَلَ الْقُرْآنُ [(٣)] فِي تَنْزِيلِهْ
بِأَنَّ خَيْرَ الْقَتْلِ فِي سَبِيلِهْ نَحْنُ قَاتَلْنَاكُمْ عَلَى تَأْوِيلِهْ
كَمَا قَاتَلْنَاكُمْ عَلَى تَنْزِيلِهْ
[(٤)] وحَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْعَلَوِيُّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ ابن الْحُسَيْنِ الْعَلَوِيُّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَطَّانُ قَالَ: أَنْبَأَنَا
_________________
(١) [(١)] في (ح): «باب كيف قدومه مكة» . [(٢)] ليست في (ح) . [(٣)] (ح): «الرحمن» . [(٤)] مغازي الواقدي (٢: ٧٣٦) باختلاف، والبداية والنهاية (٤: ٢٣١) مختصرا.
[ ٤ / ٣٢٢ ]
أَبُو الْأَزْهَرِ السَّلِيطِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَكَّةَ وَابْنُ رَوَاحَةَ آخِذٌ بغرزه، وهو يقول:
خَلُّوا بَنِي الْكُفَّارِ عَنْ سَبِيلِهْ الْيَوْمَ نَضْرِبُكُمْ عَلَى تنزيله
ضربا يزيل الهمام عَنْ مَقِيلِهْ وَيُذْهِلُ الْخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهْ
يَا رَبِّ إِنِّي مُؤْمِنٌ بِقِيلِهْ
[(٥)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ [(٦)] اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، قَالَ: لَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَكَّةَ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ دَخَلَهَا وَعَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ آخِذٌ بِخِطَامِ نَاقَتِهِ، يَقُولُ:
خَلُّوا بَنِي الْكُفَّارِ عَنْ سَبِيلِهْ إِنِّي شَهِدْتُ [(٧)] أَنَّهُ رَسُولُهْ
خَلُّوا فَكُلُّ الْخَيْرِ فِي رَسُولِهْ يَا رَبِّ إِنِّي مُؤْمِنٌ بِقِيلِهْ
إِنِّي رَأَيْتُ الْحَقَّ فِي قُبُولِهْ نَحْنُ قَتَلْنَاكُمْ عَلَى تَأْوِيلِهْ
كَمَا قَتَلْنَاكُمْ عَلَى تَنْزِيلِهْ ضَرْبًا يُزِيلُ الْهَامَ عَنْ مَقِيلِهْ
وَيُذْهِلُ الْخَلِيلَ عَنْ خليله
[(٨)]
_________________
(١) [(٥)] نقله الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٤: ٢٢٨)، عن المصنف. [(٦)] في (ح): «عبيد» مصحفا. [(٧)] في البداية والنهاية (٤: ٢٢٩): «أنا الشهيد أنه»، وفي (ح): «إني شهدت أني رسوله» . [(٨)] الخبر في سيرة ابن هشام (٣: ٣٢٠- ٣٢١)، باختلاف في ترتيب أبيات الشعر، وقد نقله الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٤: ٢٢٩)، وقد روى البخاري تعليقا، وعبد الرزاق، والترمذي، والنسائي، وابن حبان عن انس﵁- وابن عقبة عن الزهري، أن رسول الله ﷺ دَخَلَ مكة عام القضية على ناقته، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ آخذ بزمامها، وهو يقول: خَلُّوا بَنِي الْكُفَّارِ عَنْ سبيله* نحن ضربناكم على تأويله
[ ٤ / ٣٢٣ ]
_________________
(١) [()] ضربا يزيل الهام عن مقيله* ويذهل الخليل عن خليله قد أنزل الرّحمن في تنزيله* في صحف تتلى على رسوله يا ربّ إنّي مؤمن بقيله* إنّي رأيت الحقّ في قبوله فقال عمر بن الخطاب﵁- يا ابن رواحة بين يدي رسول اللهﷺ- وفي حرم الله- تعالى- تقول الشعر؟ فقال رسول اللهﷺ- خل عنه يا عمر فهلى اسرع فيهم من نضح النبل. وفي رواية «يا عمر إني اسمع، فاسكت يا عمر» فقال رسول الله ﷺ: «يا ابن رواحة قل: «لا إلا الله وحده نصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده» . فقالها ابن رواحة فقالها الناس كما قالها. وقال ابن هشام: قوله: «نحن قتلناكم على تأويله» الى آخر الأبيات لعمار بن ياسر، قال السهيلي: يعني يوم صفين. قال ابن هشام: والدليل على ذلك ان ابن رواحة إنما أراد المشركين، والمشركون لم يقروا بالتنزيل، يقاتل على التأويل من أقر بالتنزيل. قال في البداية: وفيما قاله ابن هشام نظر، فإن البيهقي روى من غير وجه عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أنس قال: لما دخل رسول الله ﷺ مكة في عمرة القضاء مشى عبد الله بن رواحة بين يديه وفي رواية وهو آخذ بغرزه وهو يقول الأبيات السابقة. ورواه عن يزيد بن أسلم- كما سبق- وقد تابع ابن إسحاق على ذلك ابن عقبة وغيره، وقال الحافظ- رحمه الله تعالى- إذا ثبتت الرواية فلا مانع من إطلاق ذلك، فإن التقدير على رأي ابن هشام: نحن ضربناكم على تأويله اي حتى تذعنوا الى ذلك التأويل، ويجوز أن يكون التقدير: نحن ضربناكم على تأويل ما فهمنا منه حتى تدخلوا فيما دخلنا فيه، وإذا كان ذلك محتملا، وثبتت الرواية سقط الاعتراض. نعم الرواية التي جاء فيها. «فاليوم نضربكم على تأويله» يظهر انه قول عمار، ويبعد ان يكون من قول ابن رواحة، لأنه لم يقع في عمرة القضاء ضرب ولا قتال، وصحيح الرواية. «نحن ضربناكم على تأويله. كما ضربناكم على تنزيله» . يشير بكل منهما الى ما مضى، ولا مانع من ان يتمثل عمار بن ياسر بهذا الرجز ويقول: هذه اللفظة، ومعنى قوله: «نضربكم على تأويله» اي الآن، وجاز تسكين الباء لضرورة الشعر، بل هي لغة قرئ بها في المشهور. قال الحافظ أبو عيسى الترمذي﵀- تعالى! بعد ان ذكر رجز ابن رواحة، ثم قال: وفي غير هذا الحديث أن هذه القصة لكعب بن مالك، وهو الأصم، لأن عبد الله بن رواحة قتل بمؤتة، وكانت عمرة القضاء بعد ذلك، قال الحافظ﵀- وهو ذهول شديد، وغلط
[ ٤ / ٣٢٤ ]
قَالَ: وحَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ:
أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ عَامَ الْقَضِيَّةِ مَكَّةَ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ عَلَى نَاقَتِهِ، وَاسْتَلَمَ الْحَجَرَ بِمِحْجَنِهِ قَالَ هِشَامٌ- مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ- وَالْمُسْلِمُونَ يُنْشِدُونَ حَوْلَهُ. وَعَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ يَقُولُ:
بِاسْمِ الَّذِي لَا دِينَ إِلَّا دِينُهْ بِاسْمِ الَّذِي مُحَمَّدٌ رَسُولُهْ
خَلُّوا بَنِي الْكُفَّارِ عَنْ سَبِيلِهْ
[(٩)] أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ: عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ (ح) .
وَأَنْبَأَنَا أَبُو عَلِيٍّ الرُّوذْبَارِيُّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ دَاسَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَا حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، أَنَّهُ حَدَّثَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَكَّةَ وَقَدْ وَهَنَتْهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ قَوْمٌ قَدْ وَهَنَتْهُمُ الْحُمَّى، وَلَقُوا مِنْهَا شَرًّا، فَأَطْلَعَ اللهُ نَبِيَّهُ ﷺ عَلَى مَا قَالُوا، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الْأَشْوَاطَ الثَّلَاثَةَ [(١٠)] وَأَنْ يَمْشُوا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ، فَلَمَّا رَأَوْهُمْ رَمَلُوا، قَالُوا: هؤلاء الذين
_________________
(١) [()] مردود، وما ادري كيف وقع الترمذي في ذلك، ومع أنّ في قصة عمرة القضاء اختصام جعفر وأخيه عليّ، وزيد بن حارثة في بنت حمزة، اي كما سبق، وجعفر قتل هو وزيد وابن رواحة في موطن واحد، فكيف يخفى على الترمذي مثل هذا. ثم وجدت عند بعضهم ان الذي عند الترمذي من حديث أنس: أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي فتح مكة، فإن كان كذلك اتجه اعتراض الترمذي، لكن الموجود بخط الكروخي راوي الترمذي على ما تقدم. قلت: وكذلك رأيته في عدة نسخ من جامع الترمذي، قاله الصالحي في السيرة الشامية (٥: ٢٩٩- ٣٠٠) . [(٩)] البداية والنهاية (٤: ٢٢٨- ٢٢٩) . [(١٠)] المقصود هنا: الطواف حول الكعبة:
[ ٤ / ٣٢٥ ]
ذَكَرْتُمْ أَنَّ الْحُمَّى وَهَنَتْهُمْ، هَؤُلَاءِ أَجْلَدُ مِنَّا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الْأَشْوَاطَ كُلَّهَا إِلَّا لِلْإِبْقَاءِ عَلَيْهِمْ.
لَفْظُ حَدِيثِ مُسَدَّدٍ وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ وَلَمْ يَذْكُرْ وَلَقُوا مِنْهَا شَرًّا وَلَا الْإِطْلَاعَ، وَقَالَ: فَقَعَدُوا لَهُمْ مِمَّا يَلِي الْحِجْرَ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَرْمُلُوا الثَّلَاثَةَ وَأَنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ، قَالَ: وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الْأَشْوَاطَ كُلَّهَا إِلَّا الْإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ [(١١)] .
ورَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي الرَّبِيعِ، عَنْ حَمَّادٍ [(١٢)] .
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ قَالَ:
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَيُّوبَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ قُرَيْشًا قَالَتْ: إِنَّ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ قَدْ وَهَنَتْهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِعَامِهِ الَّذِي اعْتَمَرَ فِيهِ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: ارْمُلُوا بِالْبَيْتِ ثَلَاثًا لِيَرَى الْمُشْرِكُونَ قُوَّتَكُمْ فَلَمَّا رَمَلُوا قَالَتْ قُرَيْشٌ: مَا وَهَنَتْهُمْ [(١٣)] .
وَأَخْبَرَنَا عَلِيٌّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ:
حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي عاصم
_________________
(١) [(١١)] الْبُخَارِيُّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ في: ٢٥- كتاب الحج، (٥٥) بَابُ كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الرّمل،؟ الحديث (١٦٠٢)، فتح الباري (٣: ٤٦٩- ٤٧٠)، واعاده في المغازي (باب) عمرة القضاء. [(١٢)] مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي الرَّبِيعِ الزهراني، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عن أيوب بْنُ أَبِي تَمِيمَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي: ١٥- كتاب الحج (٢٩) باب استحباب الرمل في الطواف، الحديث (٢٤٠)، ص (٩٢٣) . [(١٣)] أشار اليه النسائي في المغازي، وأخرجه ابو داود في سننه (٢: ١٧٨) .
[ ٤ / ٣٢٦ ]
الْغَنَوِيِّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: قُلْتُ: لِابْنِ عَبَّاسٍ: يَزْعُمُ قَوْمُكَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ رَمَلَ بِالْبَيْتِ، وَأَنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ، قَالَ: صَدَقُوا وَكَذَبُوا [قُلْتُ: مَا صَدَقُوا وَمَا كَذَبُوا]؟ [(١٤)] فَقَالَ: صَدَقُوا أَنَّهُ قَدْ رَمَلَ، وَكَذَبُوا لَيْسَ بِسُنَّةٍ، إِنَّ قُرَيْشًا قَالَتْ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ: دَعُوا مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ [حَتَّى] تموتوا مَوْتَ النَّغَفِ [(١٥)]، قَالَ:
فَلَمَّا صَالَحُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى أَنْ يَجِيئُوا مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ يُقِيمُوا بِمَكَّةَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَقَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ وَالْمُشْرِكُونَ من قبل قعقعان، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: ارْمُلُوا بِالْبَيْتِ، وَلَيْسَ [(١٦)] بِسُنَّةٍ [(١٧)] (ح) .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: قُلْتُ: لِابْنِ عَبَّاسٍ إِنَّ قَوْمَكَ يَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قد رَمَلَ وَأَنَّهَا سُنَّةٌ، قَالَ: صَدَقُوا وَكَذَبُوا، قَالَ: قُلْتُ: مَا صَدَقُوا وَكَذَبُوا؟ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدِمَ والمشركون على قعقعان، وَكَانَ أَهْلُ مَكَّةَ قَوْمًا حُسَّدًا فَجَعَلُوا يَتَحَدَّثُونَ أَنَّ أصحاب رسول الله ﷺ ضُعَفَاءُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَرُوهُمْ مِنْكُمْ مَا يَكْرَهُونَ، فَرَمَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِيَرَى الْمُشْرِكُونَ قُوَّتَهُ وَقُوَّةَ أَصْحَابِهِ، وَلَيْسَتْ بِسُنَّةٍ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى [(١٨)] .
وَقَدْ بَقِيَ الرَّمَلُ مَشْرُوعًا فِي طَوَافِ الْقُدُومِ وَإِنْ كَانَتْ عِلَّتُهُ زَالَتْ فقد حكى
_________________
(١) [(١٤)] ليست في (أ)، وثابتة في سنن ابي داود كما سيأتي في تخريج الحديث. [(١٥)] (النغف): دود يسقط من أنوف الدواب، والواحدة: نغفة، ويقال للرجل إذا استضعف،: ما هو إلا نغفة. [(١٦)] في (ح): «ليست بسنة» . [(١٧)] أخرجه أبو داود في كتاب المناسك، باب في الرمل، ح (١٨٨٥)، ص (٢: ١٧٧- ١٧٨) . [(١٨)] الحديث أخرجه مُسْلِمٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المثنى في: ١٥- كتاب الحج، (٣٩) باب استحباب الرمل في الطواف والعمرة، الحديث، (٢٣٧)، ص (٩٢٢) .
[ ٤ / ٣٢٧ ]
جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ فِي صِفَةِ حَجِّ النَّبِيِّ ﷺ: رَمَلَ وَرَمَلُوا فِي عُمْرَةِ الْجِعْرَانَةِ [(١٩)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى يَقُولُ: اعْتَمَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَكُنَّا نَسْتُرُهُ حِينَ طَافَ مَعَ [(٢٠)] صِبْيَانِ مَكَّةَ لَا يُؤذُونَهُ، قَالَ:
سُفْيَانُ أُرَاهُ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ قال إسماعيل، فرءانا ابْنُ أَبِي أَوْفَى ضَرْبَةً أَصَابَتْهُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ سُفْيَانَ [(٢١)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ [الْحَافِظُ] [(٢٢)] الْأَصْبَهَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْجَهْمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَرَجِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَاقِدِيُّ، قَالَ: فَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: لَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ نُسُكَهُ فِي الْقَضَاءِ، دَخَلَ الْبَيْتَ، فَلَمْ يَزَلْ فِيهِ حَتَّى أَذَّنَ بِلَالٌ الظُّهْرَ فَوْقَ ظَهْرِ الْكَعْبَةِ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَمَرَهُ بِذَلِكَ فَقَالَ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ: لَقَدْ أَكْرَمَ اللهُ أَبَا الْحَكَمِ حَيْثُ لَمْ يَسْمَعْ [هَذَا] [(٢٣)] الْعَبْدَ يَقُولُ مَا يَقُولُ، وَقَالَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ: الحمد لله الذي
_________________
(١) [(١٩)] كما أخرج ايضا أبو داود من حديث ابن عباس وابن عُمَرَ﵄- أن رسول الله ﷺ رَمَلَ من الحجر الى الحجر. سنن ابي داود (٢: ١٧٩) . [(٢٠)] في (ح): «من» . [(٢١)] الحديث: الْبُخَارِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الله المديني في: ٦٤- كتاب المغازي (٤٣) باب عمرة القضاء، الحديث (٤٢٥٥)، فتح الباري (٧: ٥٠٨)، مختصرا، ومطولا في: ٢٥- كتاب الحج، (٥٣) باب من لم يدخل الكعبة، الحديث (١٦٠٠) عن مسدد، فتح الباري (٣: ٤٦٧) . [(٢٢)] من (ح) . [(٢٣)] سقطت من (أ) .
[ ٤ / ٣٢٨ ]
أَذْهَبَ أَبِي قَبْلَ أَنْ يَرَى هَذَا، وَقَالَ خَالِدُ بْنُ أُسَيْدٍ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَمَاتَ أَبِي فَلَمْ يَشْهَدْ هَذَا الْيَوْمَ حِينَ يَقُومُ بِلَالُ بْنُ أُمِّ بِلَالٍ يَنْهَقُ فَوْقَ الْكَعْبَةِ، وأما سهيل ابن عَمْرٍو وَرِجَالٌ مَعَهُ لَمَّا سَمِعُوا بِذَلِكَ غَطَّوْا وُجُوهَهُمْ. قُلْتُ وَقَدْ رَزَقَ اللهُ تعالى أكثرهم الإسلام [(٢٤)] .
_________________
(١) [(٢٤)] ذكره الواقدي في المغازي (٢: ٧٣٧- ٧٣٨)، ونقله ابن كثير في التاريخ (٤: ٢٣٢)، ونقل قول البيهقي: «قد أكرم الله أكثرهم بالإسلام» وعقب بقوله: «كذا ذكره البيهقي من طريق الواقدي أن هذا كان في عمرة القضاء، والمشهور أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي عَامَ الْفَتْحِ، وَاللهُ أَعْلَمُ» . وجاء في نسخة (ح) في نهاية هذه الفقرة: «والله ﷾ أعلم لجميع الأحكام» .
[ ٤ / ٣٢٩ ]
بَابُ مَا جَاءَ فِي تَزَوُّجِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ ﵂ فِي سَفَرِهِ هَذَا
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، وأَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي قَالَا:
حَدَّثَنَا [(١)] أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ صَالِحٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَطَاءٍ، وَمُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ فِي سَفْرَتِهِ فِي هَذِهِ الْعُمْرَةِ، وَكَانَ الَّذِي زَوَّجَهُ الْعَبَّاسُ إبن عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَأَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَكَّةَ ثَلَاثًا فَأَتَاهُ حُوَيْطِبُ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى ابن أَبِي قَيْسِ بْنِ عَبْدِ وُدٍّ، فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ [وَكَانَتْ قُرَيْشٌ] [(٢)] قَدْ وَكَّلَتْهُ بِإِخْرَاجِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ مَكَّةَ، فَقَالُوا: قَدِ انْقَضَى أَجَلُكَ فَاخْرُجْ عَنَّا، فَقَالَ لَهُمْ: «لَوْ تَرَكْتُمُونِي فَعَرَّسْتُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ وَصَنَعْنَا لَكُمْ طَعَامًا فَحَضَرْتُمُوهُ» فَقَالُوا: لَا حَاجَةَ لَنَا بِطَعَامِكَ فَاخْرُجْ عَنَّا فَخَرَجَ وَخَلَّفَ أَبَا رَافِعٍ مَوْلَاهُ عَلَى مَيْمُونَةَ، حَتَّى أَتَاهُ بِهَا بِسَرِفَ فَبَنَى [(٣)] عَلَيْهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ هنالك [(٤)] .
_________________
(١) [(١)] في (ح): «أنبأنا» . [(٢)] ليست في (ح) . [(٣)] في (أ) و(ح): رسمت: «فبنا» . [(٤)] سيرة ابن هِشَامٍ (٣: ٣٢١- ٣٢٢) .
[ ٤ / ٣٣٠ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْفَقِيهُ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ الْحَسَنِ الْحَرْبِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ: مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَبَنَى بِهَا وَهُوَ حَلَالٌ، وَمَاتَتْ بِسَرِفَ [(٥)] .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ، وَاسْتَشْهَدَ بِرِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ: مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ دَاوُدَ الْعَلَوِيُّ﵀-، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَامِدٍ الشَّرْقِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: قَالَ لِيَ الثَّوْرِيُّ: لَا تَلْتَفِتْ إِلَى قَوْلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَزَوَّجَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: قُلْتُ: لِعَبْدِ الرَّزَّاقِ، رَوَى سُفْيَانُ الْحَدِيثَيْنِ جَمِيعًا عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ خُثَيْمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ خُثَيْمٍ فَحَدَّثَنَا هَاهُنَا- يَعْنِي بِالْيَمَنِ- وَأَمَّا حَدِيثُ عَمْرٍو فَحَدَّثَنَا ثَمَّ يَعْنِي بِمَكَّةَ.
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ [(٦)] .
وَقَدْ خَالَفَ ابْنُ عَبَّاسٍ غَيْرَهُ فِي تَزَوُّجِ النَّبِيِّ ﷺ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ..
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، وأَبُو عَبْدِ اللهِ: إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يوسف
_________________
(١) [(٥)] أخرجه البخاري في: ٦٤- كتاب المغازي، (٤٣) باب عمرة القضاء، الحديث (٤٢٥٨) عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ، فتح الباري (٧: ٥٠٩) . [(٦)] أخرجه البخاري في: ٢٨- كتاب الصيد، (١٢) باب تزويج المحرم، ومسلم في: ١٦- كتاب النكاح، (٤) باب تحريم نكاح المحرم وكراهة خطبته، من حديث ابن عباس، الحديث (٤٦)، ص (١٠٣١) .
[ ٤ / ٣٣١ ]
السُّوسِيُّ، قَالَ: [(٧)] حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ: مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفِ بْنِ سُفْيَانَ الطَّائِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، عَبْدُ الْقُدُّوسِ بْنُ الْحَجَّاجِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، قَالَ: فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: وَهِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَإِنْ كَانَتْ خَالَتَهُ مَا تَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَّا بَعْدَ مَا أَحَلَّ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ الْقُدُّوسِ بْنِ الْحَجَّاجِ [(٨)] .
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ أَنَّ ابْنَ الْمَرْزُبَانِ الْجَلَّابَ بِهَمْدَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ (ح) .
وَأَنْبَأَنَا أَبُو عَلِيٍّ الرُّوذْبَارِيُّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ دَاسَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سلمة عن حبيب ابن الشَّهِيدِ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ، عَنْ مَيْمُونَةَ، قَالَتْ: تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَنَحْنُ حَلَالَانِ بِسَرِفَ.
وَفِي رِوَايَةِ حَجَّاجٍ بِسَرِفَ وَنَحْنُ حَلَالَانِ.
وَرَوَاهُ أَيْضًا أَبُو فَزَارَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ عَنْ مَيْمُونَةَ وَمِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الصحيح [(٩)] .
_________________
(١) [(٧)] في (ح): «قالا» . [(٨)] أخرجه البخاري في: ٢٨- كتاب الصيد، (١٢) باب تزويج المحرم. فتح الباري (٥: ٥١) [(٩)] حديث ميمونة أخر مسلم في: ١٦- كتاب النكاح (٥) باب تحريم نكاح المحرم، الحديث (٤٨)، ص (١٠٣٢) . وهذا الحديث أخرجه ابو داود في الحج، باب المحرم يتزوج، عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عن حماد، عَنْ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ نحوه: تزوجني النبي
[ ٤ / ٣٣٢ ]
_________________
(١) [()] ﷺ ونحن حلالان بسرف. وأخرجه الترمذي في الحج، باب ما جاء في الرخصة في ذلك، عن إسحاق بن منصور، عن وهب بن جرير بن حازم، عن أبيه نحوه، وقال: «غريب» . وروى غير واحد هذا الحديث عن يزيد بن الأصم مرسلا. قال الزيلعي في نصب الراية (٣: ١٧٣): وهذا الحديث رواه الإمام احمد في «مسنده» وابن حبان في صحيحه، عن ابن خزيمة بسنده عن حماد بن زيد به، قال الترمذي: حديث حسن ولا نعلم أحدا أسنده غير حماد عن مطر، رواه مالك عن ربيعة عن سليمان عن النبي ﷺ مرسلا، ورواه سليمان بن بلال عن ربيعة مرسلا، انتهى. قال الترمذي: وقد اختلفوا في تزويج النبي ﷺ ميمونة، لأنه ﵇ تزوجها في طريق مكة، فقال بعضهم: تزوجها حلالا، وظهر أمر تزويجها، وهو محرم ثم بنى بها، وهو حلال بسرف في طريق مكة، وماتت ميمونة بسرف حيث بنى بها، ودفنت بسرف، انتهى. وقال ابن حبان: وليس في هذه الأخبار تعارض، ولا أن ابن عباس وهم، لأنه أحفظ واعلم من غيره، ولكن عندي ان معنى قوله: تزوج وهو محرم، اي داخل في الحرم، كما يقال: أنجد، واتهم، إذا دخل نجدا، وتهامة، وذلك ان النبي ﷺ عزم على الخروج الى مكة في عمرة القضاء، فبعث من المدينة أبا رافع، ورجلا من الأنصار الى مكة ليخطبا ميمونة له، ثم خرج وأحرم، فلما دخل مكة طاف وسعى وحل من عمرته، وتزوج بها. وأقام بمكة ثلاثا، ثم سأله اهل مكة الخروج، فخرج حتى بلغ سرف، فبنى بها، وهما حلالان، فحكى ابن عباس نفس العقد، وحكت ميمونة عن نفسها القصة على وجهها، وهكذا اخبر ابو رافع، وكان الرسول بينهما، فدل ذلك- مع نهيه ﵇ عن نكاح المحرم وإنكاحه- على صحة ما ادعيناه، انتهى كلامه. حديث آخر: رواه الطبراني في «معجمه» حدثنا أحمد بن عمرو البزار ثنا محمد بن عثمان بن مخلد الواسطي عن أبيه عن سلام أبي المنذر عن مطر الوراق عن عكرمة عن ابن عباس ان النبي ﷺ تزوج ميمونة، وهو حلال، انتهى. ثم أخرجه عن ابن عباس من خمسة عشر طريقا ان النبي ﷺ تزوجها، وهو محرم، وفي لفظ: وهما حرامان، وقال: هذا هو الصحيح، انتهى. حديث آخر: أخرجه الطبراني في «معجمه» عن صفية بنت شيبة ان النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو حلال. حديث يخالف ما تقدم: رواه مالك في «الموطأ» نقلا عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن سليمان ابن يسار، مولى ميمونة زوج النبي ﷺ ان رسول الله ﷺ بعث أبا رافع مولاه، ورجلا من الأنصار، فزوجاه ميمونة ابنة الحارث، ورسول الله ﷺ بالمدينة قبل ان يخرج، انتهى. قال النووي في
[ ٤ / ٣٣٣ ]
_________________
(١) [()] «شرح مسلم»: وعن حديث ميمونة أجوبة، أنه إنما تزوجها حلالا هكذا رواه اكثر الصحابة، قال القاضي، وغيره: لم يرو أنه تزوجها محرما غير ابن عباس وحده، وروت ميمونة وأبو رافع، وغيرهما أنه تزوجها حلالا، وهم أعرف بالقضية لتعلقهم به، وهم أضبط وأكثر، الثاني: انه تزوجها في الحرم وهو حلال، ويقال لمن هو في الحرم: محرم، وإن كان حلالا، قال الشاعر: قتلوا ابن عفان الخليفة محرما ودعا فلم أر مثله مخذولا أي في الحرم، انتهى. قلت: وجدت في «صحاح الجوهري» ما يخالف ذلك، فانه قال: أحرم الرجل إذا دخل في الشهر الحرام، وانشد البيت المذكور على ذلك، وايضا فلفظ البخاري: أنه ﵇ تزوجها وهو محرم، وبنى بها وهو حلال، يدفع هذا التفسير، أو يبعده، وقال صاحب «التنقيح» . وقد حمل بعض أصحابنا قول ابن عباس: وهو محرم، اي في شهر حرام، ثم انشد البيت، ثم نقل عن الخطيب البغدادي أنه روى بسنده عن إسحاق الموصلي، قال: سأل هارون الرشيد الاصمعي الكسائي، عن قول الشاعر: قتلوا ابن عفان الخليفة محرما. فقال الأصمعي: ليس معنى هذا أنه احرم بالحج، ولا أنه في شهر حرام، ولا أنه في الحرم، فقال الكسائي: ويحك، فما معناه؟ قال الاصمعي: فما أراد عدي بن زيد بقوله: قتلوا كسرى بليل محرما فتولى لم يمنع بكفن أي إحرام لكسرى؟ فقال: الرشيد: فما المعنى؟ قال: كل من لم يأت شيئا يوجب عليه عقوبة فهو محرم، لا يحل منه شيء، فقال له الرشيد: أنت لا تطاق، انتهى. قال النووي: والثالث من الأجوبة عن حديث ميمونة: ان الصحيح عند الأصوليين تقديم القول إذا عارضه الفعل، لأن القول يتعدى الى الغير والفعل قد يقتصر عليه، قال: والرابع: انه من خصائص النبي ﷺ، انتهى وقال الطحاوي في كتابه «الناسخ والمنسوخ»: والأخذ بحديث أبي رافع اولى، لأنه كان السفير بينهما، وكان مباشرا للحال، وابن عباس كان حاكيا، ومباشر الحال مقدم على حاكيه، ألا ترى عائشة كيف أحالت على عليّ حين سئلت عن مسح الخف، وقالت: سلوا عليا، فانه كان يسافر مع رسول الله ﷺ، انتهى. وقال ابن الهمام في «الفتح» ص ٣٧٥- ج ٢: وما عن يزيد بن الأصم انه تزوجها، وهو حلال لم يقو قوة هذا، فانه مما اتفق عليه الستة، وحديث يزيد لم يخرجه البخاري، ولا النسائي، وأيضا لا يقاوم بابن عباس حفظا وأتقانا، ولذا قال عمرو بن دينار للزهري: وما يدري ابن الأصم كذا وكذا- لشيء قاله- أتجعله مثل ابن عباس؟! وما روى عن أبي رافع انه ﷺ تزوجها وهو حلال، وبنى بها وهو حلال، وكنت انا الرسول بينهما، لم يخرج في واحد من «الصحيحين»، وإن روى في «صحيح ابن حبان» فلم يبلغ درجة الصحة، ولذا لم يقل فيه الترمذي سوى: حديث حسن، قال: ولا نعلم أحدا أسنده غير حماد عن مطر، وما روى عن ابن عباس ﵄
[ ٤ / ٣٣٤ ]
_________________
(١) [()] انه ﷺ تزوج ميمونة وهو حلال، فمنكر عنه، لا يجوز النظر اليه بعد ما اشتهر الى ان كاد يبلغ اليقين عنه في خلافه، ولذا بعد أن اخرج الطبراني ذلك عارضه بأن أخرجه عن ابن عباس ﵁ من خمسة عشر طريقا: انه تزوجها وهو محرم، وفي لفظ: وهما محرمان، وقال: هذا هو الصحيح: وما أول به حديث ابن عباس بأن المعنى وهو في الحرم، فانه يقال: انجد، إذا دخل أرض نجد، وأحرم إذا دخل أرض الحرم، بعيد، ومما يبعده حديث البخاري: تزوجها وهو محرم، وبنى بها وهو حلال. والحاصل انه قام ركن المعارضة بين حديث ابن عباس، وحديثي يزيد بن الأصم، وأبان بن عثمان بن عفان، وحديث ابن عباس أقوى منهما سندا، فان رجحنا باعتباره كان الترجيح معناه، ويعضده ما قال الطحاوي: روى ابو عوانة عن مغيرة عن أبي الضحى عن مسروق عن عائشة ﵂: قالت: تزوج رسول الله ﷺ بعض نسائه وهو محرم، قال: ونقله هذا الحديث كلهم ثقات يحتج بروايتهم، انتهى: ومحصل كلام الطحاوي في شرح الآثار، ٤٤٣- ج ١، والذين رووا: ان النبي ﷺ تزوجها وهو محرم، اهل علم، وأثبت اصحاب ابن عباس: سعيد بن جبير، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وعكرمة، وجابر بن زيد، وهؤلاء كلهم أئمة فقهاء، يحتج برواياتهم وآرائهم، والذين نقلوا عنهم فكذلك ايضا، منهم: عمرو بن دينار، وأيوب السختياني، وعبد الله بن ابي نجيح، فهؤلاء ايضا أئمة يفتدي برواياتهم، ثم قد روى عن عائشة ايضا ما قد وافق ما روى عن ابن عباس، وروى ذلك عنها من لا يطعن احد فيه: أبو عوانة عن مغيرة عن أبي الضحى عن مسروق، فكل هؤلاء ائمة يحتج برواياتهم، فما رووا من ذلك اولى مما روى من ليس كمثلهم في الضبط والثبت، والفقه، والأمانة، واما حديث عثمان فإنما رواه نبيه بن وهب، وليس كعمرو بن دينار، ولا كجابر بن زيد، ولا كمن روى ما يوافق ذلك عن مسروق عن عائشة، ولا لنبيه موضع في العلم كموضع احد ممن ذكرنا، فلا يجوز- إن كان كذلك- أن يعارض به جميع من ذكرنا ممن روى بخلاف الذي روى، انتهى كلامه. ثم أخرج الطحاوي في آخر الباب آثارا عن ابن مسعود، وابن عباس، وانس أنهم لا يرون بأسا أن يتزوج المحرمان، انتهى. وقال شيخنا حجة الإسلام إمام العصر «محمد أنور الكشميري» رحمه الله تعالى- في إملائه على جامع الترمذي- الموسوم» بعرف الشذى» أقول: يلزم عليه [أي قول الترمذي: إنه ﵇ تزوجها في طريق مكة، وظهر امر تزويجها وهو محرم، ثم بنى بها وهو حلال بسرف] أنه ﵇ تجاوز عن الميقات بلا إحرام وهو يريد الحج، لأن في الروايات انه ﵇ نكح بسرف، وهو بين مكة وذي الحليفة، وكانت المواقيت مؤقتة. كيف! وفي البخاري في «غزوة الحديبية» ص ٦٠٠- ج ٢ في حديث المسور بن مخرمة، ومروان ابن الحكم: فلما أتى ذا الحليفة قلد الهدى، وأشعر وأحرم منها بعمرة، الحديث انتهى.
[ ٤ / ٣٣٥ ]
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأَصْبَهَانِيُّ الزَّاهِدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَطَرٌ الْوَرَّاقُ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، [عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي رَافِعٍ] [(١٠)] قَالَ: تَزَوَّجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَيْمُونَةَ وَهُوَ حَلَالٌ وَبَنَى بِهَا وَهُوَ حَلَالٌ وَكُنْتُ الرَّسُولَ بَيْنَهُمَا.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ثِقَةٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ: هَذَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ يَزْعُمُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ فَكَانَ الْحِلُّ وَالنِّكَاحُ جَمِيعًا فَشُبِّهَ ذَلِكَ عَلَى الناس.
_________________
(١) [(١٠)] ما بين الحاصرتين ساقط من (ح) .
[ ٤ / ٣٣٦ ]
بَابُ مَا جَرَى فِي خُرُوجِ ابْنَةِ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ [(١)]- ﵁- خَلْفَهُمْ مِنْ مَكَّةَ
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ [مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ] [(٢)] الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَحْبُوبِيُّ بِمَرْوَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عن البراء،
_________________
(١) [(١)] أمامة بِنْتَ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ المطلب القرشية الهاشمية، لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ من عمرة القضية، أخذ معه امامة بِنْتَ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ المطلب، فلما قدمت امامة طفقت تسأل عن قبر أبيها، فبلغ ذلك حسان بن ثابت، فقال: تسأل عن قرن هجان سميدع لدى البأس منوار الصباح جسور فقلت لها: إن الشهادة راحة ورضوان رب يا إمام غفور دعاه إله الخلق ذو العرش دعوة إلى جنة فيها رضا وسرور وثبت في الصحيحين من حديث البراء في قصة عمرة الحديبية: «فلما خرجوا تبعتهم بنت حمزة تنادي: يا ابن عم! فقال علي لفاطمة: دونك ابنة عم أبيك فاختصم فيها علي، وجعفر، وزيد بن حارثة، وقال جعفر: عندي خالتها اسماء بنت عميس، وكانت أم أمامة سلمى بنت عميس، وقال النبي ﷺ: «الخالة بمنزلة الأم»، وسيأتي الحديث قريبا. [(٢)] ما بين الحاصرتين ليس في (ح) .
[ ٤ / ٣٣٧ ]
قَالَ: اعْتَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي ذِي الْقَعْدَةِ فَأَبَى أَهْلُ مَكَّةَ أَنْ يَدَعُوهُ يَدْخُلُ مَكَّةَ حَتَّى قَاضَاهُمْ عَلَى أَنْ يُقِيمَ بِهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا كَتَبُوا الْكِتَابَ كَتَبُوا هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ: [ﷺ] [(٣)] قَالُوا: لَا نُقِرُّ [بِهَذَا] [(٤)] لَوْ نَعْلَمُ أَنَّكَ رسول الله ما منعاك شَيْئًا، وَلَكِنْ أَنْتَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: أَنَا رَسُولُ [اللهِ] [(٥)] وَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، يَا عَلِيُّ امْحُ رَسُولَ اللهِ قَالَ: وَاللهِ لَا أَمْحُوكَ أَبَدًا، فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْكِتَابَ وَلَيْسَ يُحْسِنُ يكتب، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَكَتَبَ هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: أَنْ لَا يَدْخُلَ مَكَّةَ السِّلَاحُ إِلَّا السَّيْفَ فِي الْقِرَابِ، وَأَنْ لَا يُخْرِجَ مِنْ أَهْلِهَا أَحَدًا أَرَادَ أَنْ يَتْبَعَهُ، وَأَنْ لَا يَمْنَعَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ، أَرَادَ أَنْ يُقِيمَ بِهَا، فَلَمَّا دَخَلَهَا وَحَضَرَ الْأَجَلُ أَتَوْا عَلِيًّا، فَقَالُوا قُلْ لِصَاحِبِكَ فَلْيَخْرُجْ عَنَّا، فَقَدْ مَضَى الْأَجَلُ فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ تَتْبَعَهُمُ [(٦)] ابْنَةُ حَمْزَةَ فَنَادَتْ: يَا عَمِّ! يَا عَمِّ! فَتَنَاوَلَهَا عَلِيٌّ ﵁، فَأَخَذَ بِيَدِهَا، وَقَالَ لِفَاطِمَةَ﵍-[(٧)] دُونَكِ فَحَمَلَتْهَا، فَاخْتَصَمَ فِيهَا عَلِيٌّ، وَزَيْدٌ، وَجَعْفَرٌ فَقَالَ عَلِيٌّ: أَنَا أَخَذْتُهَا وَهِيَ ابْنَةُ عَمِّي: [وَقَالَ جَعْفَرٌ: ابْنَةُ عَمِّي] [(٨)] وَخَالَتُهَا تَحْتِي، وَقَالَ زَيْدٌ: [هِيَ] ابْنَةُ أَخِي، فَقَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ لِخَالَتِهَا، وَقَالَ:
الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ.
وَقَالَ: لِعَلِيٍّ: أَنْتَ مِنِّي وَأَنَا مِنْكَ.
وَقَالَ لِجَعْفَرٍ: أَشْبَهْتَ خَلقي وخُلقي.
وَقَالَ لِزَيْدٍ: أَنْتَ أَخُونَا ومولانا.
_________________
(١) [(٣)] من (ح) فقفط. [(٤)] رسمت في (أ): «بهذا» . [(٥)] في (أ): «أنا رسول» . [(٦)] في البخاري: «فتبعته» . [(٧)] في (ح): (﵂) . [(٨)] ما بين الحاصرتين من (ح) فقط، وكذا في الصحيح.
[ ٤ / ٣٣٨ ]
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ [(٩)] فِي الصَّحِيحِ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مُوسَى، وَرَوَى عُبَيْدُ اللهِ وَغَيْرُهُ عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عن هاني بن هاني: وهبيرة بن يريم، عن علي ابن أَبِي طَالِبٍ، فَذَكَرَ قِصَّةَ ابْنَةِ حَمْزَةَ وَحْدَهَا دُونَ مَا قَبْلَهَا مِنَ الْقَضِيَّةِ وَرَوَى زَكَرِيَّاءُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ، قِصَّةَ الْقَضِيَّةِ، ثُمَّ قَالَ: أَبُو إِسْحَاقَ: وحدثني هانئ بن هاني وهبيرة بن يريم، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طالب فَذَكَرَ قِصَّةَ ابْنَةِ حَمْزَةَ.
قَدْ أَخْرَجْتُهُ فِي كِتَابِ السُّنَنِ [(١٠)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْجَهْمِ [بْنِ] [(١١)] مَصْعَلَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَرَجِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَاقِدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَبِيبَةَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ عُمَارَةَ بِنْتَ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَأُمُّهَا سَلْمَى بِنْتُ عُمَيْسٍ، كَانَتْ بِمَكَّةَ فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كَلَّمَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ النَّبِيَّ ﷺ [فقال]: [(١٢)] على ما نَتْرُكُ ابْنَةَ عَمِّنَا يَتِيمَةً بَيْنَ ظَهْرَانَيِ الْمُشْرِكِينَ فَلَمْ يَنْهَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ إِخْرَاجِهَا، فَخَرَجَ بِهَا فَتَكَلَّمَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ وَكَانَ [وَصِيَّ حَمْزَةَ وَكَانَ] [(١٣)] النَّبِيُّ ﷺ قَدْ آخَى بَيْنَهُمَا حِينَ آخَى بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ قَالَ: أَنَا أَحَقُّ بِهَا: ابْنَةُ أَخِي، فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ جَعْفَرٌ قَالَ: الْخَالَةُ وَالِدَةٌ، وَأَنَا أَحَقُّ بِهَا لِمَكَانِ خَالَتِهَا عِنْدِي أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ، وَقَالَ عَلِيٌّ: أَلَا أَرَاكُمْ تَخْتَصِمُونَ هِيَ ابْنَةُ عَمِّي، وَأَنَا أَخْرَجْتُهَا مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ، وَلَيْسَ لَكُمْ
_________________
(١) [(٩)] أخرجه البخاري في: ٦٤- كتاب المغازي، (٤٣) باب عمرة القضاء، الحديث (٤٢٥١)، فتح الباري (٧: ٤٩٩) . [(١٠)] أخرجه البيهقي في «السنن الكبرى» (٨: ٥- ٦) . [(١١)] في (ح) «عن» . [(١٢)] الزيادة من (ح) . [(١٣)] ليست في (ح) .
[ ٤ / ٣٣٩ ]
إِلَيْهَا نَسَبٌ دُونِي، وَأَنَا أَحَقُّ بِهَا مِنْكُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنَا أَحْكُمُ بَيْنَكُمْ: أَمَّا أَنْتَ يَا زَيْدُ فَمَوْلَى اللهِ وَمَوْلَى رسول الله [ﷺ] . [(١٤)] وَأَمَّا أَنْتَ يَا عَلِيٌّ فَأَخِي وَصَاحِبِي وَأَمَّا أَنْتَ يَا جَعْفَرُ فَتُشْبِهُ خَلْقِي وَخُلُقِي، وَأَنْتَ يَا جَعْفَرُ أَوْلَى بِهَا تَحْتَكَ خَالَتُهَا، وَلَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى خَالَتِهَا، وَلَا عَلَى عَمَّتِهَا، فَقَضَى بِهَا لِجَعْفَرٍ [(١٥)] .
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: فَلَمَّا قَضَى بِهَا لِجَعْفَرٍ قَامَ جَعْفَرٌ فَحَجَلَ حَوْلَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَا هَذَا يَا جَعْفَرُ؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ كَانَ النَّجَاشِيُّ إِذَا أَرْضَى أَحَدًا قَامَ فَحَجَلَ حَوْلَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: تَزَوَّجْهَا، فَقَالَ ابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ سَلَمَةَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ، فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ هَلْ جَزَيْتُ سلمة [(١٦)] .
_________________
(١) [(١٤)] من (ح) . [(١٥)] الخبر رواه الواقدي في المغازي (٢: ٧٣٨)، [(١٦)] وذلك ان سلمة هو الذي كان زوج أم سلمة مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
[ ٤ / ٣٤٠ ]
بَابُ ذِكْرِ سَرِيَّةِ ابْنِ أَبِي الْعَوْجَاءِ السُّلَمِيِّ [(١)] إِلَى بَنِي سُلَيْمٍ
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَتَّابٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ عَمِّهِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ.
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَدِّي، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ:
ثُمَّ غَزَا أَبُو الْعَوْجَاءِ، وَفِي رِوَايَةِ [(٢)] الْقَطَّانِ ثُمَّ غَزْوَةُ ابْنِ أَبِي [(٣)] الْعَوْجَاءِ السُّلَمِيِّ فِي نَاسٍ بَعَثَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى أَرْضِ بَنِي سُلَيْمٍ فَقُتِلَ هُوَ وأَصْحَابِهِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْأَصْبَهَانِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْجَهْمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَرَجِ، قَالَ: حَدَّثَنَا
_________________
(١) [(١)] هو الأخرم بن أبي العوجاء السلمي ﵁، ترجم له ابن حجر في الإصابة، وأغرب الذهبي، فقال: «أبو العوجاء»، عن الزهري. [(٢)] في (ح): «حسب رواية القطان» . [(٣)] في (ح): «ثُمَّ غَزَا أَبُو الْعَوْجَاءِ» .
[ ٤ / ٣٤١ ]
الْوَاقِدِيُّ: قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ رَجَعَ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ سَبْعٍ بَعَثَ ابْنَ أَبِي الْعَوْجَاءِ السُّلَمِيَّ فِي خَمْسِينَ رَجُلًا، فَخَرَجَ إِلَى بَنِي سُلَيْمٍ وَكَانَ عَيْنُ بَنِي سُلَيْمٍ مَعَهُ فَلَمَّا فَصَلَ مِنَ الْمَدِينَةِ خَرَجَ الْعَيْنُ إِلَى قَوْمِهِ، فَحَذَّرَهُمْ، وَأَخْبَرَهُمْ فَجَمَعُوا جَمْعًا كَثِيرًا، وَجَاءَهُمُ ابْنُ أَبِي الْعَوْجَاءِ، وَالْقَوْمُ مُعِدُّونَ، فَلَمَّا رَآهُمْ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَرَأَوْا جَمْعَهُمْ دَعَوْهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ فَرَشَقُوهُمْ بِالنَّبْلِ، وَلَمْ يَسْمَعُوا قَوْلَهُمْ، وَقَالُوا: لَا حَاجَةَ لَنَا إِلَى مَا دَعَوْتُمْ إِلَيْهِ، فَرَمَوْهُمْ سَاعَةً وَجَعَلَتِ الْأَمْدَادُ تَأْتِي حَتَّى أَحْدَقُوا مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ فَقَاتَلَ الْقَوْمُ قِتَالًا شَدِيدًا، حَتَّى قُتِلَ عَامَّتُهُمْ، وَأُصِيبَ صَاحِبُهُمُ [(٤)] ابْنُ أَبِي الْعَوْجَاءِ جَرِيحًا مَعَ الْقَتْلَى، ثُمَّ تَحَامَلَ حَتَّى بَلَغَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَدِمُوا الْمَدِينَةَ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ صَفَرٍ سَنَةَ ثَمَانٍ [(٥)] .
_________________
(١) [(٤)] في (أ): «صاحبكم» . [(٥)] رواه الواقدي في المغازي (٢: ٧٤١) .
[ ٤ / ٣٤٢ ]
بَابُ ذِكْرِ إِسْلَامِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَمَا ظَهَرَ لَهُ عَلَى لِسَانِ النَّجَاشِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ آثَارِ صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ فِي الرِّسَالَةِ
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْأَصْبَهَانِيُّ قَالَ:
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْجَهْمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَرَجِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَاقِدِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ، أَبِيهِ قَالَ: قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: كُنْتُ لِلْإِسْلَامِ مُجَانِبًا مُعَانِدًا، حَضَرْتُ بَدْرًا مَعَ الْمُشْرِكِينَ فَنَجَوْتُ، ثُمَّ حَضَرْتُ أُحُدًا فَنَجَوْتُ، ثُمَّ حَضَرْتُ الْخَنْدَقَ فَنَجَوْتُ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: كَمْ أَوْضَعَ اللهُ لِيُظْهِرَنَّ مُحَمَّدًا عَلَى قُرَيْشٍ فَلَحِقْتُ بِمَالِي بِالرَّهْطِ [(١)] وَأَقْلَلْتُ مِنَ النَّاسِ، يَقُولُ: أَقْلَلْتُ مِنْ لِقَائِهِمْ، فَلَمَّا حَضَرَ الْحُدَيْبِيَةَ، وَانْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الصُّلْحِ وَرَجَعَتْ قُرَيْشٌ إِلَى مَكَّةَ جَعَلْتُ أَقُولُ: يَدْخُلُ مُحَمَّدٌ قَابِلًا مَكَّةَ بِأَصْحَابِهِ، مَا مَكَّةُ بِمَنْزِلٍ، وَلَا الطَّائِفُ، وَمَا شَيْءٌ خَيْرٌ مِنَ الْخُرُوجِ، وَأَنَا بَعْدُ نَاءٍ عَنِ الْإِسْلَامِ، أَرَى لَوْ أَسْلَمَتْ قُرَيْشٌ كُلُّهَا لَمْ أُسْلِمْ، فَقَدِمْتُ مَكَّةَ، فَجَمَعْتُ رِجَالًا مِنْ قَوْمِي وَكَانُوا يَرَوْنَ رَأْيِي وَيَسْمَعُونَ مِنِّي وَيُقَدِّمُونِي فِيمَا نَابَهُمْ، فَقُلْتُ لَهُمْ: كَيْفَ أَنَا فِيكُمْ؟ فَقَالُوا: ذُو رَأْيِنَا ومد رهنا فِي [(٢)] يُمْنِ نَقِيبَةٍ وَبَرَكَةِ أمر،
_________________
(١) [(١)] في المغازي للواقدي: «فخلّفت مالي بالرّهط، وأفلتّ- يعني من الناس» . [(٢)] (مدرهنا) المدره: السيد الشريف.
[ ٤ / ٣٤٣ ]
قَالَ: قُلْتُ: تَعْلَمُونَ أَنِّي وَاللهِ لَا أَرَى أَمْرَ محمد أمرا يعلوا الْأُمُورَ عُلُوًّا مُنْكَرًا، وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ رَأْيًا. قَالُوا: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: نَلْحَقُ بِالنَّجَاشِيِّ فَنَكُونُ مَعَهُ فَإِنْ يَظْهَرْ مُحَمَّدٌ كُنَّا عِنْدَ النَّجَاشِيِّ فَنَكُونُ تَحْتَ يَدِ النَّجَاشِيِّ أَحَبَّ إِلَيْنَا أَنْ نَكُونَ تَحْتَ يَدِ مُحَمَّدٍ، وَإِنْ تَظْهَرْ قُرَيْشٌ فَنَحْنُ مَنْ قَدْ عَرَفُوا، قَالُوا: «هَذَا الرَّأْيُ» قَالَ: فَاجْمَعُوا مَا تُهْدُونَهُ لَهُ وَكَانَ أَحَبَّ مَا يُهْدَى إِلَيْهِ مِنْ أَرْضِنَا الْأَدَمُ، فَجَمَعْنَا أَدَمًا كَثِيرًا ثُمَّ خَرَجْنَا حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى النَّجَاشِيِّ فو الله إنا لعنك إِذْ جَاءَهُ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ بَعَثَهُ إِلَيْهِ بِكِتَابٍ كَتَبَهُ يُزَوِّجُهُ أُمَّ حَبِيبَةَ ابْنَةَ أَبِي سُفْيَانَ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ ثُمَّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ فَقُلْتُ لِأَصْحَابِي: هَذَا عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ، وَلَوْ قَدْ دَخَلْتُ عَلَى النَّجَاشِيِّ قَدْ سَأَلْتُهُ إِيَّاهُ فَأَعْطَانِيهِ فَضَرَبْتُ عُنُقَهُ، فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ سَرَرْتُ قُرَيْشًا، وَكُنْتُ قَدْ أَجْزَأْتُ [(٣)] عَنْهَا حين قلت رَسُولَ مُحَمَّدٍ [ﷺ] [(٤)] فَدَخَلْتُ عَلَى النَّجَاشِيِّ فَسَجَدْتُ كَمَا كُنْتُ أَصْنَعُ فَقَالَ مَرْحَبًا بِصَدِيقِي أَهْدَيْتَ لِي مِنْ بِلَادِكَ شَيْئًا قُلْتُ: نَعَمْ أَيُّهَا الْمَلِكُ أَهْدَيْتُ لَكَ أَدَمًا كَثِيرًا، ثُمَّ قَرَّبْتُهُ، إِلَيْهِ فَأَعْجَبَهُ، فَفَرَّقَ مِنْهُ أَشْيَاءَ بَيْنَ بَطَارِقَتِهِ، وَأَقَرَّ بِسَائِرِهِ فَأُدْخِلَ فِي مَوْضِعٍ وَأَمَرَ أَنْ يُكْتَبَ وَيُحْتَفَظَ بِهِ فَلَمَّا رَأَيْتُ طِيبَ نَفْسِهِ، قُلْتُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا خَرَجَ مِنْ عِنْدِكَ وَهُوَ رَسُولُ عَدُوٍّ لَنَا، قَدْ وَتَرَنَا، وَقَتَلَ أَشْرَافَنَا وَخِيَارَنَا، فَأَعْطِنِيهِ فَأَقْتُلَهُ، فَغَضِبَ فَرَفَعَ يَدَهُ فَضَرَبَ بِهَا أَنْفِي ضَرْبَةً ظَنَنْتُ أَنَّهُ كَسَرَهُ، فَابْتَدَرَ مَنْخِرَايَ فَجَعَلْتُ أَتَلَقَّى الدَّمَ بِثِيَابِي فَأَصَابَنِي مِنَ الذُّلِّ مَا لَوِ انْشَقَّتْ لِيَ الْأَرْضُ دَخَلْتُ فِيهَا فَرَقًا مِنْهُ.
ثُمَّ قُلْتُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ لَوْ ظَنَنْتُ أَنَّكَ تَكْرَهُ مَا قُلْتُ مَا سَأَلْتُكَهُ، قَالَ:
وَاسْتَحْيَا وَقَالَ: يَا عَمْرُو تَسْأَلُنِي أَنْ أُعْطِيَكَ رَسُولَ مَنْ يَأْتِيهِ النَّامُوسُ الْأَكْبَرُ الَّذِي كَانَ يَأْتِي مُوسَى وَالَّذِي كَانَ يَأْتِي عِيسَى ﵉ لِتَقْتُلَهُ! قَالَ عَمْرٌو: وَغَيَّرَ
_________________
(١) [(٣)] في (أ): «أجرأ» ومعنى: أجزأت عنها: أي: كفيتها. [(٤)] من (ح) .
[ ٤ / ٣٤٤ ]
اللهُ قَلْبِي عَمَّا كُنْتُ عَلَيْهِ، وَقُلْتُ فِي نَفْسِي: عَرَفَ هَذَا الْحَقَّ الْعَرَبُ وَالْعَجَمُ، وَتُخَالِفُ أَنْتَ! قُلْتُ: أَتَشْهَدُ أَيُّهَا الْمَلِكُ بِهَذَا قَالَ: نَعَمْ أَشْهَدُ بِهِ عِنْدَ اللهِ [تَعَالَى] [(٥)]، يَا عمرو فأطعني واتبعه، فو الله إِنَّهُ لَعَلَى الْحَقِّ، وَلَيَظْهَرَنَّ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ، كَمَا ظَهَرَ مُوسَى ﵇ عَلَى فِرْعَوْنَ وَجُنُودِهِ، قُلْتُ: أفتيا يعني لَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ، قَالَ: نَعَمْ فَبَسَطَ يَدَهُ فَبَايَعَنِي عَلَى الْإِسْلَامِ ثُمَّ دَعَا بِطَسْتٍ فَغَسَلَ عَنِّي الدَّمَ، وَكَسَانِي ثِيَابًا وَكَانَتْ ثِيَابِي [قَدِ] امْتَلَأَتِ الدَّمَ فَأَلْقَيْتُهَا ثُمَّ خَرَجْتُ عَلَى أَصْحَابِي فَلَمَّا رَأَوْا كِسْوَةَ النَّجَاشِيِّ سُرُّوا بِذَلِكَ، وَقَالُوا: هَلْ أَدْرَكْتَ مِنْ صَاحِبِكَ مَا أَرَدْتَ؟ فَقُلْتُ لَهُمْ: كَرِهْتُ أَنْ أُكَلِّمَهُ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ، وَقُلْتُ أَعُودُ إِلَيْهِ. قَالُوا: الرَّأْيُ مَا رَأَيْتَ.
فَفَارَقْتُهُمْ وَكَأَنِّي أَعْمِدُ لِحَاجَةٍ، فَعَمَدْتُ إِلَى مَوْضِعِ السُّفُنِ، فَأَجِدُ سَفِينَةً قَدْ شُحِنَتْ تُدْفَعُ فَرَكِبْتُ مَعَهُمْ، وَدَفَعُوهَا حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى الشُّعَيْبَةِ [(٦)] وَخَرَجْتُ مِنَ السَّفِينَةِ وَمَعِي نَفَقَةٌ فَابْتَعْتُ بَعِيرًا، وَخَرَجْتُ أُرِيدُ الْمَدِينَةَ، حَتَّى خَرَجْتُ عَلَى مَرِّ الظَّهْرَانِ، ثُمَّ مَضَيْتُ حَتَّى إِذَا كُنْتُ بِالْهَدَاةِ فَإِذَا رَجُلَانِ قَدْ سبقاني بغير كثير يريد أن مَنْزِلًا وَأَحَدُهُمَا دَاخِلٌ فِي خَيْمَةٍ، وَالْآخَرُ قَائِمٌ يُمْسِكُ الرَّاحِلَتَيْنِ، نَظَرْتُ فَإِذَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، فَقُلْتُ: أَبَا سُلَيْمَانَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: مُحَمَّدًا ﷺ، دَخَلَ النَّاسُ فِي الْإِسْلَامِ، فَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ بِهِ طَعْمٌ وَاللهِ لَوْ أَقَمْتُ لَأَخَذَ بِرِقَابِنَا كَمَا يُؤْخَذُ بِرَقَبَةِ الضَّبُعِ فِي مَغَارَتِهَا، قُلْتُ: وَأَنَا وَاللهِ قَدْ أَرَدْتُ مُحَمَّدًا ﷺ، وَأَرَدْتُ الْإِسْلَامَ. فَخَرَجَ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ فَرَحَّبَ بِي فَنَزَلْنَا جَمِيعًا فِي الْمَنْزِلِ، ثُمَّ رَافَقَنَا حَتَّى قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، فَمَا أَنْسَى قَوْلَ رَجُلٍ لَقِيَنَا بِبِئْرِ أَبِي عَنَبَةَ يَصِيحُ: يَا رَبَاحُ، يَا رَبَاحُ فَتَفَاءَلْنَا بِقَوْلِهِ، وَسِرْنَا ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْنَا فَأَسْمَعُهُ يَقُولُ قَدْ أَعْطَتْ مَكَّةُ الْمَقَادَةَ بَعْدَ هَذَيْنِ! فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَعْنِينِي وَيَعْنِي خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ، وَوَلَّى مُدْبِرًا إِلَى المسجد
_________________
(١) [(٥)] من (ح) . [(٦)] (الشعيبة): على شاطئ البحر بطريق اليمن.
[ ٤ / ٣٤٥ ]
سَرِيعًا فَظَنَنْتُ أَنَّهُ بَشَّرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِقُدُومِنَا، فَكَانَ مَا ظَنَنْتُ وَأَنَخْنَا بِالْحَرَّةِ، فَلَبِسْنَا مِنْ صَالِحٍ ثِيَابًا، وَنُودِيَ بِالْعَصْرِ، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى اطَّلَعْنَا عَلَيْهِ وَإِنَّ لِوَجْهِهِ تَهَلُّلًا وَالْمُسْلِمُونَ حَوْلَهُ قَدْ سُرُّوا بِإِسْلَامِنَا وَتَقَدَّمَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَبَايَعَ، ثُمَّ تَقَدَّمَ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ فبايع، ثم تقدمت فو الله مَا هُوَ إِلَّا أَنْ جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَمَا اسْتَطَعْتُ أَنْ أَرْفَعَ طَرْفِي [إِلَيْهِ] حَيَاءً مِنْهُ فَبَايَعْتُهُ عَلَى أَنْ يُغْفَرَ لِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِي وَلَمْ يَحْضُرْنِي مَا تَأَخَّرَ،
فَقَالَ: إِنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَالْهِجْرَةُ تَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهَا،
فو الله مَا عَدَلَ بِي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَبِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ فِي أَمْرِ حزبه مُنْذُ أَسْلَمْنَا [(٧)] وَلَقَدْ كُنَّا عِنْدَ أَبِي بَكْرِ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ، وَلَقَدْ كُنْتُ عِنْدَ عُمَرَ بِتِلْكَ الْحَالِ، وَكَانَ عُمَرُ عَلَى خَالِدٍ كَالْعَاتِبِ.
قَالَ عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ: فَذَكَرْتُ هَذَا الْحَدِيثَ لِيَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، فَقَالَ: أَخْبَرَنِي رَاشِدٌ مَوْلَى حَبِيبِ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ الثَّقَفِيِّ، عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ عَمْرٍو نَحْوَ ذَلِكَ.
قَالَ عَبْدُ الْحَمِيدِ: فَقُلْتُ لِيَزِيدَ فَلَمْ يُوَقِّتْ لَكَ مَتَى قَدِمَ عَمْرٌو وَخَالِدٌ، قَالَ: لَا، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: قَبْلَ الْفَتْحِ، قُلْتُ: إِنَّ أبي أخبرني أن عمروا وَخَالِدًا وَعُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ لِهِلَالِ صَفَرٍ سَنَةَ ثَمَانٍ [(٨)] .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، وأَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي قَالَا:
حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ:
حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ رَاشِدٍ مَوْلَى حَبِيبٍ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي أَوْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ قَالَ: لَمَّا انْصَرَفْنَا مِنَ الْخَنْدَقِ جَمَعْتُ رِجَالًا مِنْ قُرَيْشٍ فَقُلْتُ: والله إني لا أرى
_________________
(١) [(٧)] في (أ): «أسلمت» . [(٨)] الخبر في مغازي الواقدي (٢: ٧٤١- ٧٤٥)، ونقله ابن كثير في التاريخ (٤: ٢٣٦) .
[ ٤ / ٣٤٦ ]
أَمْرَ مُحَمَّدٍ يَعْلُو عُلُوًا مُنْكَرًا، وَاللهِ مَا يَقُومُ لَهُ شَيْءٌ، وَقَدْ رَأَيْتُ رَأْيًا مَا أَدْرِي كَيْفَ رَأْيُكُمْ فِيهِ قَالُوا: وَمَا هُوَ فَقُلْتُ: رَأَيْتُ أَنْ نَلْحَقَ بِالنَّجَاشِيِّ عَلَى حَافَتِنَا، فَإِنْ ظَفَرَ قَوْمُنَا فَنَحْنُ مَنْ قَدْ عَرَفُوا نَرْجِعُ إِلَيْهِمْ وَإِنْ يَظْهَرْ عَلَيْهِمْ مُحَمَّدٌ، فَنَكُونَ تَحْتَ يَدِ النَّجَاشِيِّ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ أَنْ نَكُونَ تَحْتَ يَدَيْ [(٩)] مُحَمَّدٍ فَقَالُوا: قَدْ أَصَبْتَ قُلْتُ:
فَابْتَاعُوا لَهُ هَدَايَا، وَكَانَ مِنْ أَعْجَبِ مَا يُهْدَى إِلَيْهِ مِنْ أَرْضِنَا الْأَدَمُ، فَجَمَعْنَا أَدَمًا كَثِيرًا وَخَرَجْنَا حَتَّى قَدِمْنَا عَلَيْهِ فَوَافَقْنَا عِنْدَهُ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ، قَدْ بَعَثَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى النَّجَاشِيِّ فِي أَمْرِ جَعْفَرٍ وَأَصْحَابِهِ فَلَمَّا رَأَيْتُهُ قُلْتُ لِصَاحِبِي:
هَذَا رَسُولُ مُحَمَّدٍ لَوْ قَدْ أَدْخَلْتُ هَدَايَاهُ سَأَلْتُهُ أَنْ يُعْطِيَنِيهِ، فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ، فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ رَأَتْ قُرَيْشٌ أَنِّي قَدْ أَجْزَأْتُ عَنْهَا حِينَ قَتَلْتُ رَسُولَ مُحَمَّدٍ فَلَمَّا دَخَلْتُ عَلَيْهِ قَالَ: مَرْحَبًا وَأَهْلًا بِصَدِيقِي هَلْ أَهْدَيْتَ لِي شَيْئًا، فَقُلْتُ: نَعَمْ فَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ الْهَدَايَا، فَلَمَّا تَعَجَّبَ لَهَا وَأَخَذَهَا. قُلْتُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ مُحَمَّدٍ دَخَلَ عَلَيْكَ وَهُوَ رَجُلٌ قَدْ وَتَرَنَا وَقَتَلَ أَشْرَافَنَا وَخِيَارَنَا، فَأَعْطِنِيهِ أَضْرِبْ عُنُقَهُ فَغَضِبَ أَشَدَّ غَضَبٍ خَلَقَهُ اللهُ ثُمَّ رَفَعَ يَدَهُ فَضَرَبَ بِهَا أَنْفَ نَفْسِهِ [(١٠)] ظَنَنْتُ أَنَّهُ قَدْ كَسَرَهُ وَلَوِ انْشَقَّتْ لِيَ الْأَرْضُ دَخَلْتُ فِيهَا، فَقُلْتُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ لَوْ ظَنَنْتُ أَنَّكَ تَكْرَهُ هَذَا لَمْ أسألك [فقال] [(١١)] تسئلني أَنْ أُعْطِيَكَ رَسُولَ رَجُلٍ يَأْتِيهِ النَّامُوسُ الْأَكْبَرُ تَقْتُلَهُ، فَقُلْتُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ فَإِنَّ ذَلِكَ لَكَذَلِكَ فَقَالَ نَعَمْ وَاللهِ وَيْحَكَ يَا عَمْرُو إِنِّي لَكَ نَاصِحٌ فَاتَّبِعْهُ وأسلم معه فو الله لَيَظْهَرَنَّ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ عَلَى مَنْ خَالَفَهُمْ، كَمَا ظَهَرَ مُوسَى عَلَى فِرْعَوْنَ وَجُنُودِهِ، قُلْتُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ فَبَايِعْنِي أَنْتَ لَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَقَالَ: نَعَمْ فَبَسَطَ يَدَهُ فَبَايَعْتُهُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى الْإِسْلَامِ، ثُمَّ خَرَجْتُ إِلَى أَصْحَابِي وَقَدْ حَالَ رَأْيِي فَقَالُوا: مَا وَرَاءَكَ فَقُلْتُ خَيْرًا فَلَمَّا أَمْسَيْتُ جلست
_________________
(١) [(٩)] في (ح): «يد» . [(١٠)] في سيرة ابن هشام: «أنفه» . [(١١)] في الزيادة من (ح) .
[ ٤ / ٣٤٧ ]
عَلَى رَاحِلَتِي فَانْطَلَقْتُ وَتَرَكْتُهُمْ فو الله إِنِّي لَأَهْوِي إِذْ لَقِيتُ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ فَقُلْتُ لَهُ: أَيْنَ يَا أَبَا سُلَيْمَانَ؟ فَقَالَ: أَذْهَبُ وَاللهِ أُسْلِمُ إِنَّهُ وَاللهِ اسْتَقَامَ الْمَنْسِمُ [(١٢)] إِنَّ الرَّجُلَ لِنَبِيٌّ مَا أَشُكُّ فِيهِ فَقُلْتُ وَأَنَا وَاللهِ مَا جِئْتُ إلا لأني مسلم فقدقنا علي رسول الله ﷺ الْمَدِينَةَ فَتَقَدَّمَ خَالِدٌ فَبَايَعَ ثُمَّ تَقَدَّمْتُ
فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ أُبَايِعُكَ عَلَى أَنْ يُغْفَرَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِي وَلَمْ أَذْكُرْ مَا تَأَخَّرَ فَقَالَ لِي: يَا عَمْرُو بَايِعْ فَإِنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهُ وَالْهِجْرَةُ تَجُبُّ مَا كَانَ قبلها [(١٣)] .
_________________
(١) [(١٢)] «لقد استقام المنسم» هذا مثل معناه: لقد بين الأمر ووضح، ولم يعد فيه لبس ولا شك. [(١٣)] رواه ابن هشام في السيرة (٣: ٢٣٤- ٢٣٧) .
[ ٤ / ٣٤٨ ]
بَابُ ذِكْرِ إِسْلَامِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ ﵁
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْأَصْبَهَانِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْجَهْمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَرَجِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَاقِدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِيَ يُحَدِّثُ عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ قَالَ: لَمَّا أَرَادَ اللهُ ﷿ مَا أَرَادَ بِي مِنَ الْخَيْرِ، قَذَفَ فِي قَلْبِي الْإِسْلَامَ وَحَضَرَنِي رُشْدِي، وَقُلْتُ: قَدْ شَهِدْتُ هَذِهِ الْمَوَاطِنَ كُلَّهَا عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ، فَلَيْسَ مَوْطِنٌ أَشْهَدُهُ إِلَّا أَنْصَرِفُ وَأَنَا أَرَى فِي نَفْسِي أَنِّي مُوضِعٌ فِي غَيْرِ شَيْءٍ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا سَيَظْهَرُ، فَلَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الْحُدَيْبِيَةِ خَرَجْتُ فِي خَيْلِ الْمُشْرِكِينَ فَلَقِيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ في أصحابه بعسقان، فَقُمْتُ بِإِزَائِهِ، وَتَعَرَّضْتُ لَهُ فَصَلَّى بِأَصْحَابِهِ الظُّهْرَ أَمَامَنَا فَهَمَمْنَا أَنْ نُغِيرَ عَلَيْهِ ثُمَّ لَمْ يُعْزَمْ لَنَا، وَكَانَتْ فِيهِ خِيَرَةٌ، فَأُطْلِعَ عَلَى مَا فِي أَنْفُسِنَا مِنَ الْهُمُومِ فَصَلَّى بِأَصْحَابِهِ صَلَاةَ الْعَصْرِ صَلَاةَ الْخَوْفِ، فَوَقَعَ ذَلِكَ مِنَّا مَوْقِعًا وَقُلْتُ: الرَّجُلُ مَمْنُوعٌ، فَافْتَرَقْنَا وَعَدَلَ عَنْ سَنَنِ خَيْلِنَا [(١)] وَأَخَذْتُ ذَاتَ الْيَمِينِ فَلَمَّا صَالَحَ قُرَيْشًا بِالْحُدَيْبِيَةِ وَدَافَعَتْهُ قُرَيْشٌ بِالرَّاحِ، قُلْتُ فِي نَفْسِي: أَيُّ شَيْءٍ بَقِيَ؟ أين المذهب
_________________
(١) [(١)] (عن سنن الخيل): عن وجهه.
[ ٤ / ٣٤٩ ]
إِلَى النَّجَاشِيِّ، فَقَدِ اتَّبَعَ مُحَمَّدًا، وَأَصْحَابُهُ عِنْدَهُ آمِنُونَ، فَأَخْرُجُ إِلَى هِرَقْلَ فَأَخْرُجُ مِنْ دِينِي إِلَى نَصْرَانِيَّةٍ أَوْ يَهُودِيَّةٍ فَأُقِيمُ مَعَ عجم تابع مَعَ عَيْبِ ذَلِكَ، أَوْ أُقِيمُ فِي دَارِي فِيمَنْ بَقِيَ.
فَأَنَا عَلَى ذَلِكَ إِذْ دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ فَتَغَيَّبْتُ وَلَمْ أَشْهَدْ دُخُولَهُ، فَكَانَ أَخِي الْوَلِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ قَدْ دَخَلَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ، فَطَلَبَنِي فَلَمْ يَجِدْنِي وَكَتَبَ إِلَيَّ كِتَابًا فَإِذَا فِيهِ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَمَّا بَعْدُ! فَإِنِّي لَمْ أَرَ أَعْجَبَ مِنْ ذَهَابِ رَأْيِكَ عَنِ الْإِسْلَامِ وَعَقْلُكَ عَقْلُكَ، وَمِثْلُ الْإِسْلَامِ يَجْهَلُهُ أَحَدٌ؟
قَدْ سَأَلَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْكَ، فَقَالَ: أَيْنَ خَالِدٌ؟ فَقُلْتُ: يَأْتِي اللهُ بِهِ فَقَالَ: مَا مِثْلُهُ جَهِلَ الْإِسْلَامَ وَلَوْ كَانَ جَعَلَ نِكَايَتَهُ وَجِدَّهُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ كَانَ خَيْرًا لَهُ وَلَقَدَّمْنَاهُ عَلَى غَيْرِهِ،
فَاسْتَدْرِكْ يَا أَخِي مَا قَدْ فَاتَكَ، وَقَدْ فَاتَتْكَ مَوَاطِنُ صَالِحَةٌ، فَلَمَّا جَاءَنِي كِتَابُهُ نَشَطْتُ لِلْخُرُوجِ وَزَادَنِي رَغْبَةً فِي الْإِسْلَامِ وسُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَرَى فِي النَّوْمِ كَأَنِّي فِي بِلَادٍ ضَيِّقَةٍ جَدْبَةٍ فَخَرَجْتُ إِلَى بِلَادٍ خَضْرَاءَ وَاسِعَةٍ. قُلْتُ: إِنَّ هَذِهِ لَرُؤْيَا فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ قُلْتُ لَأَذْكُرَنَّهَا لِأَبِي بَكْرٍ فَذَكَرْتُهَا فَقَالَ: هُوَ مَخْرَجُكَ الَّذِي هَدَاكَ اللهُ لِلْإِسْلَامِ وَالضِّيقُ الَّذِي كُنْتَ فِيهِ الشِّرْكُ.
فَلَمَّا أَجْمَعْتُ الْخُرُوجَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ قُلْتُ مَنْ أُصَاحِبُ إِلَى مُحَمَّدٍ فَلَقِيتُ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ فَقُلْتُ يَا أَبَا وَهْبٍ أَمَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ إِنَّمَا نَحْنُ كَأَضْرَاسٍ وَقَدْ ظَهَرَ مُحَمَّدٌ عَلَى الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ، فَلَوْ قَدِمْنَا عَلَى مُحَمَّدٍ فَاتَّبَعْنَاهُ فَإِنَّ شَرَفَ مُحَمَّدٍ لَنَا شَرَفٌ فَأَبَى أَشَدَّ الْإِبَاءِ وَقَالَ لِي: لَوْ لَمْ يَبْقَ غَيْرِي مَا اتَّبَعْتُهُ أَبَدًا، فَافْتَرَقْنَا وَقُلْتُ: [(٢)] هَذَا رَجُلٌ قُتِلَ أَخُوهُ وَأَبُوهُ بِبَدْرٍ فَلَقِيتُ عِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ فَقُلْتُ لَهُ مِثْلَ مَا قُلْتُ لِصَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ فَقَالَ لِي مِثْلَ مَا قَالَ صَفْوَانُ، قُلْتُ: فاكتم
_________________
(١) [(٢)] في (ح): «قال» وهو تحريف.
[ ٤ / ٣٥٠ ]
ذِكْرَ مَا قُلْتُ لَكَ قَالَ: لَا أَذْكُرُهُ فَخَرَجْتُ إِلَى مَنْزِلِي فَأَمَرْتُ بِرَاحِلَتِي تَخْرُجُ إِلَى أَنْ أَلْقَى عُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةَ فَقُلْتُ: إِنَّ هَذَا لِي صَدِيقٌ فَلَوْ ذَكَرْتُ لَهُ مَا أَرْجُو ثُمَّ ذَكَرْتُ مَنْ قُتِلَ مِنْ آبَائِهِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَهُ فَقُلْتُ: وَمَا عَلَيَّ وَأَنَا رَاحِلٌ مِنْ سَاعَتِي فَذَكَرْتُ لَهُ مَا صَارَ الْأَمْرُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ إِنَّمَا نَحْنُ بِمَنْزِلَةِ ثَعْلَبٍ في حجر لَوْ صُبَّ فِيهِ ذَنُوبٌ [(٣)] مِنْ مَاءٍ خَرَجَ وَقُلْتُ لَهُ نَحْوًا مِمَّا قُلْتُ لِصَاحِبِي فَأَسْرَعَ الْإِجَابَةَ وَقَالَ إِنِّي غَدَوْتُ الْيَوْمَ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَغْدُوَ وَهَذِهِ رَاحِلَتِي بِفَخٍّ مُنَاخَةٌ [(٤)] قَالَ:
فَاتَّعَدْتُ أَنَا وَهُوَ بِيَأْجِجَ إِنْ سَبَقَنِي أَقَامَ وَإِنْ سَبَقْتُهُ أَقَمْتُ عَلَيْهِ، قَالَ: فَأَدْلَجْنَا سَحَرًا فَلَمْ يَطْلُعِ الْفَجْرُ حَتَّى الْتَقَيْنَا بِيَأْجِجَ فَغَدَوْنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى الْهَدْأَةِ فَنَجِدُ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ بِهَا فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ فَقُلْنَا وَبِكَ قَالَ: أَيْنَ مَسِيرُكُمْ قُلْنَا مَا أَخْرَجَكَ فَقَالَ: مَا أَخْرَجَكُمْ قُلْنَا الدُّخُولُ فِي الْإِسْلَامِ وَاتِّبَاعُ مُحَمَّدٍ ﷺ قَالَ:
وَذَاكَ الَّذِي أَقْدَمَنِي
قَالَ: فَاصْطَحَبْنَا جَمِيعًا حَتَّى دَخَلْنَا الْمَدِينَةَ فَأَنَخْنَا بِظَهْرِ الْحَرَّةِ رِكَابَنَا فَأُخْبِرَ بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَسُرَّ بِنَا، فَلَبِسْتُ مِنْ صَالِحِ ثِيَابِي، ثُمَّ عَمَدْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلَقِيَنِي أَخِي فَقَالَ أَسْرِعْ فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ أُخْبِرَ بِكَ فَسُرَّ بِقُدُومِكَ وَهُوَ يَنْتَظِرُكُمْ، فَأَسْرَعْنَا الْمَشْيَ فَاطَّلَعْتُ عَلَيْهِ فَمَا زَالَ يَتَبَسَّمُ إِلَيَّ حَتَّى وَقَفْتُ عَلَيْهِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ بِالنُّبُوَّةِ فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ، فَقُلْتُ: إِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّكَ رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَاكَ، قَدْ كُنْتُ أَرَى لَكَ عَقْلًا رَجَوْتُ أَنْ لَا يُسْلِمَكَ إِلَّا إِلَى خَيْرٍ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! قَدْ رَأَيْتَ مَا كُنْتُ أَشْهَدُ مِنْ تِلْكَ الْمَوَاطِنِ عَلَيْكَ مُعَانِدًا عَنِ الْحَقِّ فَادْعُ اللهَ يَغْفِرْهَا لِي. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْإِسْلَامُ يَجُبُّ [(٥)] مَا كَانَ قَبْلَهُ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ عَلَى ذَلِكَ قَالَ: اللهُمَّ اغْفِرْ لِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ كُلَّ مَا أَوْضَعَ فِيهِ مِنْ صَدٍّ عن سبيلك
_________________
(١) [(٣)] (الذنوب): «الدلو العظيمة» . [(٤)] في ابن كثير عن الواقدي: «بفج» وهو واد بمكة. [(٥)] يجبّ: يقطع.
[ ٤ / ٣٥١ ]
قَالَ: خَالِدٌ وَتَقَدَّمَ عَمْرٌو وَعُثْمَانُ فَبَايَعَا رَسُولَ اللهِ ﷺ وَكَانَ قُدُومُنَا فِي صَفَرٍ سنة ثمان فو الله مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ يَوْمِ أَسْلَمْتُ يَعْدِلُ بِي أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ فيما حذبه [(٦)] .
_________________
(١) [(٦)] رواه الواقدي في المغازي (٢: ٧٤٦- ٧٤٨)، ونقله الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية» (٤: ٢٣٩) .
[ ٤ / ٣٥٢ ]
بَابُ سَرِيَّةِ شُجَاعِ بْنِ وَهْبٍ الْأَسَدِيِّ [(١)] ﵁ فِيمَا زَعَمَ الْوَاقِدِيُّ
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ:
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْجَهْمِ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَرَجِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَاقِدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنِ أَبِي سَبْرَةَ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحَكَمِ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ شُجَاعَ بْنَ وَهْبٍ فِي أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ رَجُلًا إِلَى جَمْعٍ مِنْ هَوَازِنَ وَأَمَرَهُ أَنْ يُغِيرَ عَلَيْهِمْ فَخَرَجَ فَكَانَ يَسِيرُ اللَّيْلَ وَيَكْمُنُ النَّهَارَ حَتَّى صَبَّحَهُمْ غَارِّينَ وَقَدْ أَوْعَزَ إِلَى أَصْحَابِهِ قَبْلَ ذَلِكَ أَلَّا يُمْعِنُوا فِي الطَّلَبِ فَأَصَابُوا نَعَمًا كَثِيرًا وَشَاءً فَاسْتَاقُوا ذَلِكَ كُلَّهُ حَتَّى قَدِمُوا الْمَدِينَةَ فَكَانَتْ سُهْمَانُهُمْ خَمْسَةَ عَشَرَ بَعِيرًا كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ وَعَدَلُوا الْبَعِيرَ بِعِشْرِينَ مِنَ الْغَنَمِ، وَغَابَتِ السَّرِيَّةُ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً.
قَالَ ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ: فَحَدَّثْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، فَقَالَ: كَذَبُوا قَدْ أَصَابُوا فِي ذَلِكَ الْحَاضِرِ نِسْوَةً فَاسْتَاقُوهُنَّ [(٢)] فكانت
_________________
(١) [(١)] شجاع بن وهب من السابقين الأولين، وفيمن هاجر الى الحبشة، وشهد بدرا، استشهد باليمامة وكنيته: «أبو وهب» . له ترجمة في الإصابة (٢: ١٣٨) . [(٢)] في (ح): «فاستاقهن» .
[ ٤ / ٣٥٣ ]
فِيهِنَّ جَارِيَةٌ وَضِيئَةٌ فَقَدِمُوا بِهَا الْمَدِينَةَ ثُمَّ قَدِمَ وَفْدُهُمْ مُسْلِمِينَ، فَكَلَّمُوا [(٣)] رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي السَّبْيِ فَكَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ شُجَاعًا وَأَصْحَابَهُ فِي رَدِّهِنَّ فَسَلَّمُوهُنَّ وَرَدَّهُنَّ إِلَى أَصْحَابِهِ.
قَالَ ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ فَأَخْبَرْتُ شَيْخًا مِنَ الْأَنْصَارِ بِذَلِكَ فَقَالَ: أَمَّا الْجَارِيَةُ الْوَضِيئَةُ فَكَانَ شُجَاعُ بْنُ وَهْبٍ أَخَذَهَا لِنَفْسِهِ بِثَمَنٍ، فَأَصَابَهَا، فَلَمَّا قَدِمَ الْوَفْدُ خَيَّرَهَا فَاخْتَارَتِ الْمُقَامَ عِنْدَ شُجَاعِ بْنِ وَهْبٍ، فَلَقَدْ قُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ وَهِيَ عِنْدَهُ وَلَمْ يَكُنْ له منها ولد [(٤)] .
_________________
(١) [(٣)] في (ح): «فسلّموا» . [(٤)] رواه الواقدي في المغازي (٢: ٧٥٣- ٧٥٤) .
[ ٤ / ٣٥٤ ]
بَابُ سَرِيَّةٍ أُخْرَى قِبَلَ نَجْدٍ فِيهِمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ [تَعَالَى] [(١)] عَنْهُ [(٢)]
أَخْبَرَنَا أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْمُزَكِّي، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ سَرِيَّةً فِيهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ قِبَلَ نَجْدٍ فَغَنِمُوا إِبِلًا كَثِيرَةً وَكَانَتْ سُهْمَانُهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا، أَوْ أَحَدَ عَشَرَ بَعِيرًا، وَنُفِّلُوا بَعِيرًا [بَعِيرًا] [(٣)] .
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ [(٤)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا موسى ابن سَهْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ (ح) .
_________________
(١) [(١)] الزيادة من (ح) . [(٢)] في (ح): «عنهم أجمعين» . [(٣)] ليست في (ح) . [(٤)] أخرجه البخاري في: ٥٧- كتاب فرض الخمس (١٥) باب ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين. وأخرجه مسلم في: ٣٢- كتاب الجهاد والسير، (١٢) باب الأنفال، الحديث (٣٥) . وأخرجه مالك في الموطأ، في: ٢١- كتاب الجهاد، (٦) باب جامع النفل في الغزو، الحديث (١٥)، ص (٢: ٤٥٠) .
[ ٤ / ٣٥٥ ]
قَالَ: وأَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ:
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ سَرِيَّةً قِبَلَ نَجْدٍ وَفِيهِمُ ابْنُ عُمَرَ وَأَنَّ سُهْمَانَهُمْ بَلَغَتِ اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا، وَنُفِّلُوا سِوَى ذَلِكَ بَعِيرًا، بَعِيرًا، فَلَمْ يُغَيِّرْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ قُتَيْبَةَ وَمُحَمَّدِ بْنِ رُمْحٍ [(٥)] وأَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الرُّوذْبَارِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بكر بن داسة، قال: حدثنا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي سَرِيَّةٍ فَبَلَغَتْ سِهَامُنَا اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا، وَنَفَّلَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعِيرًا بَعِيرًا.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ [(٦)] فِي الصَّحِيحِ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ وَغَيْرِهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ وَنَفَّلَنَا رَسُولُ الله ﷺ أَيْ أَقَرَّنَا عَلَى مَا نَفَّلَنَا صَاحِبُ السَّرِيَّةِ لِيَكُونَ مُوَافِقًا لِرِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ عَنْ نَافِعٍ.
وَقَدْ أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الرُّوذْبَارِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ دَاسَةَ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَرِيَّةً إِلَى نَجْدٍ، فَخَرَجْتُ مَعَهَا فَأَصَبْنَا نَعَمًا كَثِيرًا، فَنَفَّلَنَا أَمِيرُنَا بَعِيرًا بَعِيرًا لِكُلِّ إِنْسَانٍ، ثُمَّ قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَسَمَ بَيْنَنَا غَنِيمَتَنَا، فَأَصَابَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا اثنا عَشَرَ بَعِيرًا بَعْدَ الْخُمُسِ، وَمَا حَاسَبَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالَّذِي أَعْطَانَا صَاحِبُنَا وَلَا عَابَ عَلَيْهِ مَا صَنَعَ فَكَانَ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنَّا ثَلَاثَةَ عَشَرَ بَعِيرًا بِنَفْلِهِ.
_________________
(١) [(٥)] راجع الحاشية السابقة. [(٦)] راجع الحاشية (٤) .
[ ٤ / ٣٥٦ ]
بَابُ سَرِيَّةِ كَعْبِ بْنِ عُمَيْرٍ الْغِفَارِيِّ [(١)] إِلَى قُضَاعَةَ مِنْ نَاحِيَةِ الشَّامِ
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ بْنُ بُطَّةَ، قَالَ:
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْجَهْمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَرَجِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَاقِدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كَعْبَ بْنَ عُمَيْرٍ الْغِفَارِيَّ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ رَجُلًا حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى ذَاتِ أَطْلَاحٍ [(٢)] مِنَ الشَّامِ فَوَجَدُوا جَمْعًا مِنْ جَمْعِهِمْ كَثِيرًا فَدَعَوْهُمْ، إِلَى الْإِسْلَامِ، فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَشَقُوهُمْ مِنَ النَّبْلِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ قَاتَلُوهُمْ أَشَدَّ الْقِتَالِ حَتَّى قُتِلُوا فَأَفْلَتَ مِنْهُمْ رَجُلٌ جَرِيحٌ فِي الْقَتْلَى، فَلَمَّا بَرَدَ عَلَيْهِ اللَّيْلُ تَحَامَلَ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَهَمَّ بِالْبَعْثَةِ إِلَيْهِمْ فَبَلَغَهُ أَنَّهُمْ قَدْ سَارُوا إِلَى مَوْضِعٍ آخَرَ، فَتَرَكَهُمْ.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ الْفَضْلِ، قَالَ: كَانَ كَعْبٌ يَكْمُنُ النَّهَارَ وَيَسِيرُ بِاللَّيْلِ حَتَّى دَنَا مِنْهُمْ فَرَآهُ عَيْنٌ لَهُمْ فَأَخْبَرَهُمْ بقتلهم فجاؤوا على الخيول فقتلوهم [(٣)] .
_________________
(١) [(١)] كعب بن عمير الغفاري.. من كبار الصحابة، وله ترجمة في الإصابة (٣: ٣٠١) . [(٢)] ذات أطلاع من أرض الشام. معجم ما أستعجم (٣: ٨٩٣) . [(٣)] رواه الواقدي في المغازي (٢: ٧٥٢- ٧٥٣) .
[ ٤ / ٣٥٧ ]
بَابُ مَا جَاءَ فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ [(١)] وَمَا ظَهَرَ فِي تَأْمِيرِ النَّبِيِّ ﷺ أُمَرَاءَها ثُمَّ فِي إِخْبَارِهِ عَنِ الْوَقْعَةِ قَبْلَ مَجِيءِ خَبَرِهَا مِنْ آثَارِ النُّبُوَّةِ
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ عُمْرَةِ الْقَضَاءِ الْمَدِينَةَ فِي ذِي الْحِجَّةِ فَأَقَامَ [(٢)] في المدينة
_________________
(١) [(١)] انظر في غزوة مؤتة. - سيرة ابن هشام (٣: ٣٢٢) . - طبقات ابن سعد (٢: ١٢٨) . - صحيح البخاري (٥: ١٤١) . - تاريخ الطبري (٣: ٢٣) . - أنساب الأشراف (١: ١٦٩) . - ابن حزم (٢١٩) . - عيون الأثر (٢: ١٩٨) . - البداية والنهاية (٤: ٢٤١) . - السيرة الشامية (٦: ٢٢٨) . ومؤتة موضع بالشام (بالهمز) وبه جزم المبرد وهي قرى من قرى البلقاء من اعمال دمشق. [(٢)] في (ح): «حتى أقام) .
[ ٤ / ٣٥٨ ]
حَتَّى بَعَثَ إِلَى مُؤْتَةَ فِي جُمَادَى [الْأُولَى] [(٣)] مِنْ سَنَةِ ثَمَانٍ، قَالَ وَأَمَّرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى النَّاسِ فِي مُؤْتَةَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ، ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ أُصِيبَ زَيْدٌ فَجَعْفَرٌ فَإِنْ أُصِيبَ جَعْفَرٌ فَعَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ، فَإِنْ أُصِيبَ فَلْيَرْتَضِ الْمُسْلِمُونَ رَجُلًا فَلْيَجْعَلُوهُ عَلَيْهِمْ [(٤)] .
فَتَجَهَّزَ النَّاسُ وَتَهَيَّئُوا لِلْخُرُوجِ، فَوَدَّعَ النَّاسُ أُمَرَاءَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَسَلَّمُوا عَلَيْهِمْ فَلَمَّا وَدَّعُوا عَبْدَ اللهِ بْنَ رَوَاحَةَ بَكَى، فَقَالُوا: مَا يُبْكِيكَ يَا ابْنَ رَوَاحَةَ، فَقَالَ: أَمَا وَاللهِ مَا بِي حُبٌّ لِلدُّنْيَا، وَلَا صَبَابَةٌ إِلَيْهَا وَلَكِنِّي سَمِعْتُ اللهَ يَقُولُ:
وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا [(٥)] فَلَسْتُ أَدْرِي كَيْفَ لِي بِالصَّدْرِ بَعْدَ الْوُرُودِ، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: صَحِبَكُمُ اللهُ وَرَدَّكُمْ إِلَيْنَا صَالِحِينَ، وَدَفَعَ عَنْكُمْ. فقال ابن رواحة.
لَكِنَّنِي أَسْأَلُ الرَّحْمَنَ مَغْفِرَةً وَضَرْبَةً ذَاتَ فَرْغٍ تَقْذِفُ الزَّبَدَا [(٦)]
أَوْ طَعْنَةً بِيَدَيْ حَرَّانَ مُجْهِزَةً بِحَرْبَةٍ تُنْفِذُ الْأَحْشَاءَ وَالْكَبَدَا [(٧)]
حَتَّى يَقُولُوا إِذَا مَرُّوا عَلَى جَدَثِي أَرْشَدَهُ اللهُ مِنْ غَازٍ وَقَدْ رَشَدَا [(٨)]
ثُمَّ أَتَى عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ رسول الله ﷺ فَوَدَّعَهُ، فَقَالَ:
وَثَبَّتَ اللهُ مَا آتَاهُ مِنْ حَسَنٍ تَثَبُّتَ مُوسَى ونصرا كالذي نصرا [(٩)]
_________________
(١) [(٣)] التكملة من سيرة ابن هشام (٣: ٣٢٢) . [(٤)] سيرة ابن هشام (٣: ٣٢٢)، والبداية والنهاية (٤: ٢٤١) . [(٥)] [سورة مريم- ٧١] . [(٦)] ذات فرغ يريد طعنة واسعة، والزبد أصله ما يعلو الماء إذا غلا، وأراد هنا ما يعلو الدم الذي ينفجر من الطعنة. [(٧)] مجهزة: سريعة القتل. تقول: أجهز على الجريح إذا أسرع في قتله، وتنفذ الأحشاء: تخرقها وتصل إليها. [(٨)] الجدث: القبر. [(٩)] تفرست: تبينت، ونافلة: هبة من الله.
[ ٤ / ٣٥٩ ]
إِنِّي تَفَرَّسْتُ فِيكَ الْخَيْرَ نَافِلَةً وَاللهُ يَعْلَمُ أَنِّي ثَابِتُ الْبَصَرِ [(١٠)]
أَنْتَ الرَّسُولُ فَمَنْ يُحْرَمْ نَوَافِلَهُ وَالْوَجْهَ مِنْهُ فَقَدْ أَزْرَى بِهِ الْقَدَرُ [(١١)]
ثُمَّ خَرَجَ الْقَوْمُ حَتَّى نَزَلُوا مَعَانَ، فَبَلَغَهُمْ أَنَّ هِرَقْلَ قَدْ نَزَلَ بِمَأْرِبَ فِي مِائَةِ، أَلْفٍ مِنَ الروم وماية أَلْفٍ مِنَ الْمُسْتَعْرِبَةِ فَأَقَامُوا بِمُعَانَ يَوْمَيْنِ فَقَالُوا نَبْعَثُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَنُخْبِرُهُ بِكَثْرَةِ عَدُوِّنَا، فَإِمَّا أَنْ يُمِدَّنَا، وَإِمَّا أَنْ يَأْمُرَنَا أَمْرًا، فَشَجَّعَ النَّاسَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ، فَقَالَ: يَا قَوْمِ وَاللهِ إِنَّ الَّتِي تَكْرَهُونَ لَلَّتِي خَرَجْتُمْ لَهَا إِيَّاهَا تَطْلُبُونَ: الشَّهَادَةُ، وما تقاتل النَّاسَ بِعَدَدٍ وَلَا كَثْرَةٍ وَإِنَّمَا نُقَاتِلُهُمْ بِهَذَا الدِّينِ الَّذِي أَكْرَمَنَا اللهُ بِهِ، فَإِنْ يُظْهِرْنَا اللهُ بِهِ فَرُبَّمَا فَعَلَ وَإِنْ تَكُنِ الْأُخْرَى فَهِيَ الشَّهَادَةُ وَلَيْسَتْ بِشَرِّ الْمَنْزِلَيْنِ، فَقَالَ النَّاسُ: وَاللهِ لَقَدْ صَدَقَ ابْنُ رَوَاحَةَ فَانْشَمَرَ النَّاسُ وَهُمْ ثَلَاثَةُ آلَافٍ حَتَّى لَقُوا جُمُوعَ الرُّومِ بِقَرْيَةٍ مِنْ قُرَى الْبَلْقَاءِ يُقَالُ لَهَا شَرَافٌ ثُمَّ انْحَازَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى مُؤْتَةَ قَرْيَةٌ فَوْقَ أَحْسَاءَ [(١٢)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ: عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ الْأَسْفَاطِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ كَاسِبٍ قَالَ حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ، فَإِنْ قتل زيد فجعفر،
_________________
(١) [(١٠)] (ازرى به القدر): قصر به. [(١١)] في الأبيات الثلاثة إقواء، وقال ابن هشام: أنشدني بعض أهل العلم بالشعر هذه الأبيات: أَنْتَ الرَّسُولُ فَمَنْ يُحْرَمْ نَوَافِلَهُ وَالْوَجْهَ مِنْهُ فَقَدْ ازرى به القدر فثبت الله ما آتاك من حسن في المرسلين، وَنَصْرًا كَالَّذِي نُصِرُوا إِنِّي تَفَرَّسْتُ فِيكَ الْخَيْرَ نَافِلَةً فراسة خالفت فيك الذي نظروا [(١٢)] سيرة ابن هشام (٣: ٣٢٤) .
[ ٤ / ٣٦٠ ]
وَإِنْ قُتِلَ جَعْفَرٌ فَعَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: كُنْتُ مَعَهُ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ فَفَتَّشْنَاهُ فَوَجَدْنَا فِيمَا أَقْبَلَ مِنْ جَسَدِهِ بِضْعًا وَسَبْعِينَ [بَيْنَ] [(١٣)] طَعْنَةٍ وَرَمْيَةٍ.
وأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدٌ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الصَّفَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ أَمَّرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَإِنْ قُتِلَ زَيْدٌ فَجَعْفَرٌ، فَإِنْ قُتِلَ جَعْفَرٌ فَعَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ، قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ كُنْتُ مَعَهُمْ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ.
وأَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو الْأَدِيبُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا الْهَيْثَمُ الدُّورِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الزُّهْرِيُّ قَالَ أَنْبَأَنَا مُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَذَكَرَهُ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ وَزَادَ فَالْتَمَسْنَا جَعْفَرًا فَوَجَدْنَا فِي جَسَدِهِ بِضْعًا وَتِسْعِينَ أَوْ بِضْعًا وَسَبْعِينَ مِنْ بَيْنِ طَعْنَةٍ وَرَمْيَةٍ.
أَخْرَجَهُ فِي الصَّحِيحِ هَكَذَا الْبُخَارِيُّ فِي رِوَايَةٍ، وَفِي رِوَايَةٍ بِضْعًا وَتِسْعِينَ وَكَذَلِكَ قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ عَنِ الْمُغِيرَةِ [(١٤)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْأَصْبَهَانِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْجَهْمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَرَجِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَاقِدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا رَبِيعَةُ بْنُ عُثْمَانَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: جَاءَ النُّعْمَانُ بْنُ مَهْصٍ الْيَهُودِيُّ فَوَقَفَ عَلَى رسول الله ﷺ مَعَ النَّاسِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ أَمِيرُ النَّاسِ، فَإِنْ قُتِلَ زَيْدٌ فَجَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَإِنْ قُتِلَ
_________________
(١) [(١٣)] من (ح) . [(١٤)] أخرجه البخاري في: ٦٤- كتاب المغازي، (٤٤) باب غزوة مؤتة من أرض الشام، الحديث (٤٢٦١)، فتح الباري (٧: ٥١٠) .
[ ٤ / ٣٦١ ]
جعفر فعبد لله ابن رَوَاحَةَ، فَإِنْ قُتِلَ عَبْدُ الرحمن بن رواحة فليرتضي الْمُسْلِمُونَ بَيْنَهُمْ رَجُلًا فَلْيَجْعَلُوهُ عَلَيْهِمْ،
فَقَالَ النُّعْمَانُ: أَبَا الْقَاسِمِ! إِنْ كُنْتَ نَبِيًّا فَسَمَّيْتَ مَنْ سَمَّيْتَ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا أُصِيبُوا جَمِيعًا، إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانُوا إِذَا اسْتَعْمَلُوا الرَّجُلَ عَلَى الْقَوْمِ فَقَالُوا إِنْ أُصِيبَ فُلَانٌ فَفُلَانٌ فَلَوْ سَمَّوْا مِائَةً أُصِيبُوا جَمِيعًا، ثُمَّ جَعَلَ الْيَهُودِيُّ يَقُولُ لِزَيْدٍ اعْهَدْ فَلَا تَرْجِعْ إِلَى مُحَمَّدٍ أَبَدًا إِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ نَبِيًّا قَالَ زَيْدٌ فَأَشْهَدُ أَنَّهُ نَبِيٌّ صَادِقٌ [(١٥)] بَارٌّ ﷺ [(١٦)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: مَضَى النَّاسُ فَتَعَبَّأَ [(١٧)] لَهُمُ الْمُسْلِمُونَ فَجَعَلُوا عَلَى مَيْمَنَتِهِمْ رَجُلًا مِنْ بَنِي عُذْرَةَ يُقَالُ لَهُ قُطْبَةُ بْنُ قَتَادَةَ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِمْ رَجُلًا مِنَ الأنصار يقال عباية ابن مَالِكٍ فَالْتَقَى النَّاسُ.
وأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْأَصْبَهَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْجَهْمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَرَجِ، قَالَ حَدَّثَنَا الْوَاقِدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ربيعة بن عثمان، عن الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ شَهِدْتُ مُؤْتَةَ فَلَمَّا رَآنَا الْمُشْرِكُونَ رَأَيْنَا مَا لَا قِبَلَ لِأَحَدٍ بِهِ مِنَ الْعُدَّةِ وَالسِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ وَالدِّيبَاجِ [(١٨)] وَالْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ فَبَرَقَ بَصَرِي فَقَالَ لِي ثَابِتُ بْنُ أَقْرَمَ: مالك يَا أَبَا هُرَيْرَةَ كَأَنَّكَ تَرَى جُمُوعًا كَثِيرَةً قُلْتُ نَعَمْ قَالَ تَشْهَدُ مَعَنَا بَدْرًا إِنَّا لَمْ نُنْصَرْ بالكثرة [(١٩)] .
_________________
(١) [(١٥)] في (ح): «صدّيق» . [(١٦)] الخبر رواه الواقدي (٢: ٧٥٦) . [(١٧)] رسمت في الأصول: «فتعبّى» . [(١٨)] في (أ): «والدنيا» . [(١٩)] رواه الواقدي في المغازي (٢: ٧٦٠) .
[ ٤ / ٣٦٢ ]
أخبرنا أبو عبد الله الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابن عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَةَ، قَالَ: فَاقْتَتَلَ النَّاسُ قِتَالًا شَدِيدًا حَتَّى قُتِلَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، ثُمَّ أَخَذَ الرَّايَةَ جَعْفَرٌ فَقَاتَلَ بِهَا حَتَّى قُتِلَ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي الَّذِي أَرْضَعَنِي، وَكَانَ أَحَدَ بَنِي مُرَّةَ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: وَاللهِ لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ يَوْمَ مُؤْتَةَ حِينَ الْتَحَمَ عَنْ فَرَسٍ لَهُ شَقْرَاءَ فَعَقَرَهَا، ثُمَّ تَقَدَّمَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ عَقَرَ فِي الْإِسْلَامِ وهو يقول.
يَا حَبَّذَا الْجَنَّةُ وَاقْتِرَابُهَا طَيِّبَةٌ بَارِدَةٌ شَرَابُهَا
وَالرُّومُ رُومٌ قَدْ دَنَا عَذَابُهَا عَلَيَّ إِنْ لَاقَيْتُهَا ضِرَابُهَا [(٢٠)]
فَلَمَّا قُتِلَ جَعْفَرٌ أَخَذَ الرَّايَةَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ ثُمَّ أَخَذَ الرَّايَةَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَالْتَوَى بِهَا بَعْضَ الِالْتِوَاءِ ثُمَّ تَقَدَّمَ بِهَا عَلَى فَرَسِهِ فَجَعَلَ يَسْتَنْزِلُ نَفْسَهُ وَيَتَرَدَّدُ بِهَا بَعْضَ التَّرَدُّدِ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أبي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ رَوَاحَةَ قَالَ عِنْدَ ذَلِكَ. [رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عنه] [(٢١)] .
أَقْسَمْتُ يَا نَفْسُ لَتَنْزِلِنَّهْ طَائِعَةً أَوْ لَتُكْرَهِنَّهْ
_________________
(١) [(٢٠)] رواه ابن هشام في السيرة (٣: ٣٢٧) . [(٢١)] الزيادة من (ح) .
[ ٤ / ٣٦٣ ]
أن أنجلب الناس وشدّوا الرّنه مالي أَرَاكِ تَكْرَهِينَ الْجَنَّةْ [(٢٢)]
قَدْ طَالَ مَا قَدْ كُنْتِ مُطْمَئِنَّةْ هَلْ أَنْتِ إِلَّا نُطْفَةٌ فِي شَنَّهْ
ثُمَّ نَزَلَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَقَالَ أَيْضًا.
يَا نَفْسُ إِلَّا تُقْتَلِي تَمُوتِي هَذَا حِمَامُ الْمَوْتِ قَدْ صَلِيتِ
وَمَا تمنيت فقد أعطيتي إِنْ تَفْعَلِي فِعْلَهُمَا هُدِيتِ
وإن تأخرت فقد شقيتي
يُرِيدُ جَعْفَرًا وَزَيْدًا، ثُمَّ نَزَلَ فَلَمَّا نَزَلَ أَتَاهُ ابْنُ عَمٍّ لَهُ بِعَرْقِ لَحْمٍ [(٢٣)]، فَقَالَ: شُدَّ بِهَا صُلْبَكَ فَإِنَّكَ قَدْ لَقِيتَ يَوْمَكَ هَذَا مَا لَقِيتَ، فَأَخَذَهُ مِنْهُ فَنَهَسَ مِنْهُ نَهْسَةً ثُمَّ سَمِعَ الْحَطْمَةَ فِي نَاحِيَةِ النَّاسِ، قَالَ: وَأَنْتِ فِي الدُّنْيَا فَأَلْقَاهُ مِنْ يَدِهِ، ثُمَّ أَخَذَ بِسَيْفِهِ فَتَقَدَّمَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ [(٢٤)] .
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ ثُمَّ أَخَذَ الرَّايَةَ ثَابِتُ بْنُ أَقْرَمَ، أَخُو بَنِي الْعَجْلَانِ، فَقَالَ: اصْطَلِحُوا يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى رَجُلٍ، فَقَالُوا: أَنْتَ لَهَا فَقَالَ لَا وَلَكِنِ اصْطَلِحُوا عَلَى رَجُلٍ فَاصْطَلَحَ النَّاسُ عَلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ فَجَاسَ بِالنَّاسِ فَدَافَعَ وَانْحَازَ وَانْحِيزَ عَنْهُ ثُمَّ انْصَرَفَ بِالنَّاسِ [(٢٥)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَتَّابٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ الْجَوْهَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ عَمِّهِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ قَالَ صَدَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ
_________________
(١) [(٢٢)] الرنة: صوت فيه ترجيع يشبه البكاء. [(٢٣)] وهو العظم الذي عليه بعض اللحم. [(٢٤)] رواه ابن هشام في السيرة (٣: ٢٢٧- ٢٢٨) . [(٢٥)] سيرة ابن هشام (٣: ٢٢٨) .
[ ٤ / ٣٦٤ ]
إِلَى الْمَدِينَةِ، فَمَكَثَ بِهَا سِتَّةَ أَشْهُرٍ ثُمَّ بَعَثَ جَيْشًا إِلَى مُؤْتَةَ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ فَإِنْ أُصِيبَ فَجَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَمِيرُهُمْ فَإِنْ أُصِيبَ جَعْفَرٌ فَعَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ أَمِيرُهُمْ فَانْطَلَقُوا حَتَّى لَقُوا ابْنَ أَبِي سَبْرَةَ الْغَسَّانِيَّ بِمُؤتَةَ وَبِهَا جُمُوعٌ مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ وَالرُّومِ تَنُوخَ وَبَهْرَاءَ فَأَغْلَقَ ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ دُونَ الْمُسْلِمِينَ الْحِصْنَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ خَرَجُوا فَالْتَقَوْا عَلَى ذَرْعٍ أَحْمَرَ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا فَأَخَذَ اللِّوَاءَ زَيْدُ ابن حَارِثَةَ، فَقُتِلَ، ثُمَّ أَخَذَهُ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقُتِلَ، ثُمَّ أَخَذَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَقُتِلَ ثم اصطلحوا الْمُسْلِمُونَ بَعْدَ أُمَرَاءِ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ الْمَخْزُومِيِّ فَهَزَمَ اللهُ الْعَدُوَّ وَأَظْهَرَ الْمُسْلِمِينَ، وَنَعَتَهُمْ رسول الله ﷺ قَالَ مَرَّ عَلَيَّ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فِي الْمَلَائِكَةِ يَطِيرُ مَعَ الْمَلَائِكَةِ كَمَا يَطِيرُونَ لَهُ جَنَاحَانِ قَالَ وَزَعَمُوا وَاللهُ أَعْلَمُ أَنَّ يَعْلَى بْنَ مُنْيَةَ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ نخبر أَهْلِ مُؤْتَةَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إِنْ شِئْتَ فَأَخْبِرْنِي وَإِنْ شِئْتَ أَخْبَرْتُكَ، قَالَ: أَخْبِرْنِي [(٢٦)] يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ فَأَخْبَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَبَرَهُمْ كُلَّهُ وَوَصَفَهُ [(٢٧)] لَهُمْ فَقَالَ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا تَرَكْتَ مِنْ حَدِيثِهِمْ حَرْفًا لَمْ تَذْكُرْهُ وإن أمرهم كلما ذَكَرْتَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إِنَّ اللهَ ﵎ رَفَعَ لِيَ الْأَرْضَ حَتَّى رَأَيْتُ مُعْتَرَكَهُمْ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ (ح) .
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ علي المقبري الأسفرايني، قَالَ:
أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الْقَاضِي قَالَ:
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قال:
_________________
(١) [(٢٦)] في (ح): (فأخبرني) . [(٢٧)] في (ح): (ووصفهم) .
[ ٤ / ٣٦٥ ]
نعى النبي ﷺ جَعْفَرًا وَزَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ نَعَاهُمْ قَبْلَ أَنْ يَجِيءَ خَبَرُهُمْ نَعَاهُمْ وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ وَفِي رِوَايَةِ يَعْقُوبَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَعَى جَعْفَرًا وَزَيْدًا.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ [(٢٨)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ، مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ ابن زَيْدٍ (ح) .
وأَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْبِسْطَامِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْهِسِنْجَانِيُّ وَأَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ حَسَّانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ حميد ابن هِلَالٍ عَنْ، أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ زَيْدًا وَجَعْفَرًا وَعَبْدَ اللهِ بْنَ رَوَاحَةَ وَدَفَعَ الرَّايَةَ إِلَى زَيْدٍ فَأُصِيبُوا جَمِيعًا قَالَ أَنَسٌ: فَنَعَاهُمْ رسول الله ﷺ إِلَى النَّاسِ قَبْلَ أَنْ يَجِيءَ الْخَبَرُ قَالَ: أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ ثُمَّ أَخَذَهَا جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ ثُمَّ أَخَذَهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ ثُمَّ أَخَذَ الرَّايَةَ بَعْدُ سَيْفٌ مِنْ سُيوفِ اللهِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ قال: فَجَعَلَ يُحَدِّثُ النَّاسَ وَعَيْنَاهُ تذرفان لفظ حديث البسطاني.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ وَاقِدٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ [(٢٩)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو الْأَدِيبُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمَنِيعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، قَالَ: وَحَدَّثَنَا الْقَاسِمُ يَعْنِي ابْنَ زَكَرِيَّاءَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو ثَوْرٍ إِبْرَاهِيمُ بْنُ خَالِدٍ الْكَلْبِيُّ وَيَعْقُوبُ قالوا أخبرنا [(٣٠)] إسماعيل
_________________
(١) [(٢٨)] أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ في: ٦٤- كتاب المغازي، (٤٤) باب غزوة مؤتة، الحديث (٤٢٦٢)، فتح الباري (٧: ٥١٢) . [(٢٩)] الْبُخَارِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ واقد، في الموضع السابق، فتح الباري (٧: ٥١٢) . [(٣٠)] في (ح): «حدثنا» .
[ ٤ / ٣٦٦ ]
ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ حُمَيْدِ بْنُ هِلَالٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا خَالِدٌ مِنْ غَيْرِ إِمْرَةٍ فَفُتِحَ عَلَيْهِ، قَالَ: وَإِنَّ عَيْنَيْهِ لَتَذْرِفَانِ، قَالَ: مَا سَرَّنِي أَنَّهُمْ عِنْدَنَا أَوْ سَرَّهُمْ أَنَّهُمْ عِنْدَنَا شَكَّ أَيُّوبُ لَفْظُ الْمَنِيعِيِّ وَقَالَ: الْآخَرُ وَمَا يَسُرُّهُمْ أَوْ يَسُرُّنِي أَنَّهُمْ عِنْدَنَا وَإِنَّ عَيْنَيْهِ لَتَذْرِفَانِ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيِّ [(٣١)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عمرو ابن مَطَرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو خَلِيفَةَ الْفَضْلُ بْنُ حُبَابٍ الْجُمَحِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَسْوَدُ بْنُ شَيْبَانَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ سُمَيْرٍ قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا عَبْدُ اللهِ بْنَ رَبَاحٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَكَانَتِ الْأَنْصَارُ تُفَقِّهُهُ فَغَشِيَهُ النَّاسُ فَغَشِيتُهُ فِيمَنْ غَشِيَهُ مِنَ النَّاسِ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو قَتَادَةَ فَارِسُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ جَيْشَ الْأُمَرَاءِ، وَقَالَ عَلَيْكُمْ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، فَإِنْ أُصِيبَ زَيْدٌ فَجَعْفَرٌ، فَإِنْ أُصِيبَ جَعْفَرٌ فَعَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ، فَوَثَبَ جَعْفَرٌ فَقَالَ:
يَا رَسُولَ اللهِ! مَا كُنْتُ أَرْهَبُ أَنْ تَسْتَعْمِلَ زَيْدًا عَلَيَّ، قَالَ: امْضِ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَيُّ ذَلِكَ خَيْرٌ، فَانْطَلَقُوا فَلَبِثُوا مَا شَاءَ اللهُ فَصَعِدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمِنْبَرَ فَأَمَرَ فَنُودِيَ الصَّلَاةَ جَامِعَةً فَاجْتَمَعَ النَّاسُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
أُخْبِرُكُمْ عَنْ جَيْشِكُمْ هَذَا أَنَّهُمُ انْطَلَقُوا فَلَقُوا الْعَدُوَّ فَقُتِلَ زَيْدٌ شَهِيدًا فَاسْتَغْفَرَ لَهُ ثُمَّ أَخَذَ اللِّوَاءَ جَعْفَرٌ فَشَدَّ عَلَى الْقَوْمِ حَتَّى قُتِلَ شَهِيدًا شَهِدَ لَهُ بِالشَّهَادَةِ وَاسْتَغْفَرَ لَهُ ثُمَّ أَخَذَ اللِّوَاءَ، [عَبْدُ الله] [(٣٢)]، ابن رَوَاحَةَ فَأَثْبَتَ قَدَمَيْهِ حَتَّى قُتِلَ شَهِيدًا فَاسْتَغْفَرَ لَهُ ثُمَّ أَخَذَ اللِّوَاءَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْأُمَرَاءِ وَهُوَ أَمَّرَ نَفْسَهُ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ
_________________
(١) [(٣١)] صحيح البخاري (٥: ٢٩٤) . [(٣٢)] ليست في (أ) .
[ ٤ / ٣٦٧ ]
الله ﷺ: اللهُمَّ إِنَّهُ سَيْفٌ مِنْ سُيوفِكَ فَأَنْتَ تَنْصُرُهُ. فَمِنْ يَوْمِئِذٍ سُمِّي خَالِدٌ سَيْفَ اللهِ [(٣٣)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: فَلَمَّا أُصِيبَ الْقَوْمُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «فِيمَا بلغني أخذ زيد ابن حَارِثَةَ الرَّايَةَ فَقَاتَلَ بِهَا حَتَّى قُتِلَ شَهِيدًا، ثُمَّ أَخَذَهَا جَعْفَرٌ فَقَاتَلَ بِهَا حَتَّى قُتِلَ شَهِيدًا»، ثُمَّ صَمَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى تَغَيَّرَتْ وُجُوهُ الْأَنْصَارِ، وَظَنُّوا أَنَّهُ كَانَ فِي عَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ، مَا يَكْرَهُونَ فَقَالَ: ثُمَّ أَخَذَهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ شَهِيدًا، ثُمَّ لَقَدْ رُفِعُوا إِلَيَّ فِي الْجَنَّةِ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ عَلَى سُرُرٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَرَأَيْتُ فِيَ سَرِيرِ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ ازْوِرَارًا عَنْ سَرِيرَيْ صَاحِبَيْهِ فَقُلْتُ عَمَّ هَذَا فَقِيلَ لِي مَضَيَا وَتَرَدَّدَ عَبْدُ اللهِ بَعْضَ التَّرَدُّدِ ثُمَّ مَضَى [(٣٤)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بُطَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْجَهْمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَرَجِ، قَالَ:
حَدَّثَنَا الْوَاقِدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا بُكَيْرُ بْنُ مِسْمَارٍ وَابْنُ أَبِي سَبْرَةَ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ أَحَدُهُمَا يَزِيدُ عَلَى صَاحِبِهِ فِي الْحَدِيثِ، قَالَ: لَمَّا الْتَقَى الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَكَانَ الْأُمَرَاءُ يَوْمَئِذٍ يُقَاتِلُونَ عَلَى أَرْجُلِهِمْ أَخَذَ اللِّوَاءَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ فَقَاتَلَ وَقَاتَلَ النَّاسُ مَعَهُ وَالْمُسْلِمُونَ عَلَى صُفُوفِهِمْ فَقُتِلَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، قَالَ الْوَاقِدِيُّ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: أَخْبَرَنِي مَنْ حَضَرَ يَوْمَئِذٍ، قَالَ: مَا قُتِلَ إِلَّا طَعْنًا بِالرِّمَاحِ.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ التَّمَّارُ عَنْ عَاصِمِ بن عمر
_________________
(١) [(٣٣)] رواه الحاكم في المستدرك عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري وذكره الزهري، وعروة، وابن عقبة. [(٣٤)] رواه ابن هشام في السيرة (٣: ٣٢٨) .
[ ٤ / ٣٦٨ ]
ابن [(٣٥)] قَتَادَةَ قَالَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ عَنْ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ زَادَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ فِي الْحَدِيثِ قَالَا: لَمَّا الْتَقَى النَّاسُ بِمُؤتَةَ جَلَسَ رَسُولُ اللهِ ﷺ على الْمِنْبَرِ وَكُشِفَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّامِ فَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى مُعْتَرَكِهِمْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ فَجَاءَهُ الشَّيْطَانُ فَحَبَّبَ إِلَيْهِ الْحَيَاةَ وَكَرَّهَ إِلَيْهِ الْمَوْتَ وَحَبَّبَ إِلَيْهِ الدُّنْيَا فَقَالَ الْآنَ حِينَ اسْتَحْكَمَ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ يُحَبَّبُ إِلَيَّ الدُّنْيَا فَمَضَى قُدُمًا حَتَّى اسْتُشْهِدَ فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَالَ: اسْتَغْفِرُوا لَهُ وَقَدْ دَخَلَ الْجَنَّةَ وَهُوَ يَسْعَى [(٣٦)]» .
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: لَمَّا قُتِلَ زَيْدٌ أَخَذَ الرَّايَةَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَجَاءَهُ الشَّيْطَانُ فَحَبَّبَ إِلَيْهِ الْحَيَاةَ وَكَرَّهَ إِلَيْهِ الْمَوْتَ وَمَنَّاهُ الدُّنْيَا فَقَالَ: الْآنَ حِينَ اسْتَحْكَمَ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ تُمَنِّينِي الدُّنْيَا ثُمَّ مَضَى قُدُمًا حَتَّى اسْتُشْهِدَ فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَدَعَا لَهُ وَقَالَ اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ فَإِنَّهُ شَهِيدٌ دَخَلَ الْجَنَّةَ وَهُوَ يَطِيرُ فِي الْجَنَّةِ بِجَنَاحَيْنِ مِنْ يَاقُوتٍ حَيْثُ يَشَاءُ مِنَ الْجَنَّةِ، قَالَ: ثُمَّ أَخَذَ الرَّايَةَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَاسْتُشْهِدَ، ثُمَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ مُعْتَرِضًا، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْأَنْصَارِ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللهِ مَا اعْتِرَاضُهُ قَالَ: لَمَّا أَصَابَتْهُ الْجِرَاحُ نَكَلَ فَعَاتَبَ نَفْسَهُ فَتَشَجَّعَ فَاسْتُشْهِدَ فَدَخَلَ الْجَنَّةَ فَسُرِّيَ عَنْ قَوْمِهِ [(٣٧)] .
وَبِإِسْنَادِهِ قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَاقِدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ الْفُضَيْلِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَمَّا أَخَذَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ الرَّايَةَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الْآنَ حَمِيَ الْوَطِيسُ» [(٣٨)]،
قَالَ: فَحَدَّثَنِي الْعَطَّافُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: لَمَّا قتل
_________________
(١) [(٣٥)] تصحفت في (ح) الى: «عن» . [(٣٦)] رواه الواقدي في المغازي (٢: ٧٦١) . [(٣٧)] مغازي الواقدي (٢: ٧٦٢) . [(٣٨)] حمي الوطيس: اشتدت الحرب.
[ ٤ / ٣٦٩ ]
ابْنُ رَوَاحَةَ مَسَاءً بَاتَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا وَقَدْ جَعَلَ مُقَدَّمَتَهُ سَاقَتَهُ، وَسَاقَتَهُ مُقَدَّمَتَهُ، وميمنته ميسرته، وميسرته ميمنة فَأَنْكَرُوا مَا كَانُوا يَعْرِفُونَ مِنْ رَايَاتِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ، وَقَالُوا قَدْ جَاءَهُمْ مَدَدٌ فَرُعِبُوا فَانْكَشَفُوا مُنْهَزِمِينَ فَقُتِلُوا مَقْتَلَةً لَمْ يُقْتَلْهَا قَوْمٌ [(٣٩)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الله الْحَافِظُ وأَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أُمِّ عِيسَى الْجَزَّارِ، عَنْ أُمِّ جَعْفَرٍ عَنْ جَدَّتِهَا أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ، قَالَتْ: لَمَّا أُصِيبَ جَعْفَرٌ وَأَصْحَابُهُ دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ الله ﷺ وَقَدْ عَجَنْتُ عَجِينِي وَغَسَّلْتُ بَنِيَّ وَدَهَنْتُهُمْ وَنَظَّفْتُهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «ائْتِينِي بِبَنِي جَعْفَرٍ»، فَأَتَيْتُهُ بِهِمْ، فَشَمَّهُمْ فَدَمَعَتْ عَيْنَاهُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي مَا يُبْكِيكَ أَبَلَغَكَ عَنْ جَعْفَرٍ وَأَصْحَابِهِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ أُصِيبُوا هَذَا الْيَوْمَ، فَقُمْتُ أَصِيحُ وَاجْتَمَعَ النِّسَاءُ، فَرَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى أَهْلِهِ فَقَالَ: لَا تُغْفِلُوا آلَ جَعْفَرٍ أَنْ تَصْنَعُوا لَهُمْ طَعَامًا فَإِنَّهُمْ قَدْ شُغِلُوا بِأَمْرِ صَاحِبِهِمْ [(٤٠)] .
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، يَقُولُ: لَقَدْ أَدْرَكْتُ النَّاسَ بِالْمَدِينَةِ إِذَا مَاتَ لَهُمْ مَيِّتٌ تَكَلَّفَ جِيرَانُهُمْ يَوْمَهُمْ ذَلِكَ طَعَامَهُمْ فَلَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ قَدْ خَبَزُوا خُبْزًا صِغَارًا وَصَنَعُوا لَحْمًا فَجُعِلَ فِي جَفْنَةٍ ثُمَّ يَأْتُونَ بِهِ أَهْلَ الْمَيِّتِ وَهُمْ يَبْكُونَ عَلَى مَيِّتِهِمْ مُشْتَغِلِينَ فَيَأْكُلُونَهُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِأَهْلِهِ حِينَ أُصِيبَ جَعْفَرٌ: لَا تُغْفِلُوهُمْ أَنْ تَصْنَعُوا لَهُمْ طَعَامًا يَوْمَهُمْ هَذَا ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ تركوا ذلك.
_________________
(١) [(٣٩)] الخبر في مغازي الواقدي (٢: ٧٦٤) . [(٤٠)] رواه ابن هشام في السيرة (٣: ٣٢٩) .
[ ٤ / ٣٧٠ ]
هَذَا لَفْظُ حَدِيثِ أَبِي عَبْدِ اللهِ وَلَمْ يَذْكُرِ الْقَاضِي حِكَايَةَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ بَعْدَ الْخَبَرِ.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْجَهْمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَرَجِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَاقِدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي يَعْلَى قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ جَعْفَرٍ، يَقُولُ أَنَا أَحْفَظُ حِينَ دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى أُمِّي فَنَعَى لَهَا أَبِي فَأَنْظُرُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَمْسَحُ عَلَى رَأْسِي وَرَأْسِ أَخِي وَعَيْنَاهُ تُهْرَاقَانِ الدُّمُوعَ، حَتَّى تَقْطُرَ لِحْيَتُهُ، ثُمَّ قَالَ: اللهُمَّ إِنَّ جَعْفَرًا قَدْ قَدِمَ إِلَيْكَ إِلَى أَحْسَنِ الثَّوَابِ، فَاخْلُفْهُ فِي ذُرِّيَّتِهِ بِأَحْسَنِ مَا خَلَفْتَ أَحَدًا مِنْ عِبَادِكَ فِي ذُرِّيَّتِهِ، ثُمَّ قَالَ يَا أَسْمَاءُ أَلَا أُبَشِّرُكِ؟ قَالَتْ: بَلَى بِأَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ اللهَ جَعَلَ لِجَعْفَرٍ جَنَاحَيْنِ يَطِيرُ بِهِمَا فِي الْجَنَّةِ، قَالَتْ: فَأَعْلِمِ النَّاسَ ذَلِكَ فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَخَذَ بِيَدِي يَمْسَحُ بِيَدِهِ رَأْسِي حَتَّى رَقِيَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَأَجْلَسَنِي أَمَامَهُ عَلَى الدَّرَجَةِ السُّفْلَى وَالْحُزْنُ يُعْرَفُ عَلَيْهِ، فَتَكَلَّمَ فَقَالَ: إِنَّ الْمَرْءَ كَثِيرٌ بِأَخِيهِ وَابْنِ عَمِّهِ، أَلَا إِنَّ جَعْفَرًا قَدِ اسْتُشْهِدَ وَقَدْ جُعِلَ لَهُ جَنَاحَانِ يَطِيرُ بِهِمَا فِي الْجَنَّةِ، ثُمَّ نَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَدَخَلَ بَيْتَهُ وَأَدْخَلَنِي مَعَهُ، فَأَمَرَ بِطَعَامٍ فَصَنَعَ لِأَهْلِي وَأَرْسَلَ إِلَى أَخِي فَتَغَدَّيْنَا عِنْدَهُ غَدَاءً طَيِّبًا مُبَارَكًا، عَمَدَتْ سَلْمَى خَادِمَتُهُ إِلَى شَعِيرٍ فَطَحَنَتْهُ ثُمَّ نَسَفَتْهُ ثُمَّ أَنْضَجَتْهُ وَأَدَمَتْهُ بِزَيْتٍ وَجَعَلَتْ عَلَيْهِ فُلْفُلًا فَتَغَدَّيْتُ أَنَا وَأَخِي مَعَهُ فَأَقَمْنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي بَيْتِهِ نَدُورُ مَعَهُ كُلَّمَا صَارَ فِي بَيْتِ إِحْدَى نِسَائِهِ، ثُمَّ رَجَعْنَا إِلَى بَيْتِنَا فَأَتَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَنَا أُسَاوِمُ شَاةَ أَخٍ لِي، فَقَالَ: اللهُمَّ بَارِكْ لَهُ فِي صَفْقَتِهِ، قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَمَا بِعْتُ شَيْئًا وَلَا اشْتَرَيْتُ شَيْئًا إِلَّا بُورِكَ لِي فِيهِ [(٤١)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ أَحْمَدُ بْنُ يعقوب
_________________
(١) [(٤١)] رواه الواقدي في المغازي (٢: ٧٦٦- ٧٦٧) .
[ ٤ / ٣٧١ ]
الثَّقَفِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ قَالَ:
حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ عَامِرٍ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا حَيَّا ابْنَ جَعْفَرٍ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا ابْنَ ذِي الْجَنَاحَيْنِ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بكر [(٤٢)] .
وَذَلِكَ يُصَحِّحُ مَا رُوِّينَا. عَنْ أَهْلِ الْمَغَازِي فِي أَمْرِ الْجَنَاحَيْنِ وَيُؤَكِّدُهُ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ علي الْمُقْرِئُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ ابن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ، يَقُولُ أَخْبَرَتْنِي عَمْرَةُ قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ لَمَّا جَاءَ قَتْلُ جَعْفَرٍ، وَابْنِ حَارِثَةَ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ، جَلَسَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ يُعْرَفُ فِيهِ الْحُزْنُ فَقَالَتْ عَائِشَةُ وَأَنَا أَطَّلِعُ مِنْ شَقِّ الْبَابِ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ نِسَاءَ جعفر وذكر بكاهنّ فَأَمَرَهُ أَنْ يَنْهَاهُنَّ. [فَذَهَبَ الرَّجُلُ] [(٤٣)] . ثُمَّ أَتَى فَقَالَ [يَا رَسُولَ اللهِ وَاللهِ] [(٤٤)] . [قَدْ نَهَيْتُهُنَّ وَذَكَرَ أَنَّهُنَّ لَمْ يُطِعْنَهُ فَأَمَرَهُ الثَّانِيَةَ أَنْ يَنْهَاهُنَّ فَذَهَبَ] [(٤٥)] ثُمَّ أَتَى فَقَالَ: وَاللهِ لَقَدْ غَلَبْنَنَا فَزَعَمَتْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:
فَاحْثُ فِي أَفْوَاهِهِنَّ التُّرَابَ قَالَتْ عَائِشَةُ: قَالَتْ: أَرْغَمَ اللهُ أَنْفَكَ تُرِيدُ الرَّجُلَ مَا أَنْتَ تَفْعَلُ وَمَا تَرَكْتَ رَسُولَ الله ﷺ مِنَ الْعَنَاءِ.
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو الْأَدِيبُ قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثقفي
_________________
(١) [(٤٢)] زواه البخاري في كتاب المناقب، باب مناقب جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (٥: ٩٠، ٩١) . [(٤٣)] ليست في (أ) . [(٤٤)] سقطت العبارة من (أ) . [(٤٥)] سقطت العبارة من نسخة (ح) .
[ ٤ / ٣٧٢ ]
فَذَكَرَهُ بِإِسْنَادِهِ نَحْوَهُ لَمْ يَقُلِ الْمَسْجِدَ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ومُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى [(٤٦)] .
أَخْبَرَنَا أبو عبد الله الْحَافِظُ [وأَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ] [(٤٧)] بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسٍ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ يَقُولُ: لَقَدِ انْدَقَّ فِي يَدِي يَوْمَ مُؤْتَةَ تِسْعَةُ أَسْيَافٍ فَمَا بَقِيَ فِي يَدِي إِلَّا صَفِيحَةٌ يَمَانِيَّةٌ.
أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ [(٤٨)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْأَصْبَهَانِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْجَهْمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَرَجِ قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَاقِدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: أُصِيبَ بِهَا نَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ بَعْضَ أَمْتِعَةِ الْمُشْرِكِينَ فَكَانَ مِمَّا غَنِمُوا خَاتَمٌ جَاءَ بِهِ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ:
قَتَلْتُ صَاحِبَهُ يَوْمَئِذٍ فَنَفَّلَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِيَّاهُ [(٤٩)] .
وَقَالَ عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ: لَقِينَاهُمْ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ قُضَاعَةَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ فَصَافُّوا فَجَعَلَ رَجُلٌ مِنَ الرُّومِ يَشْتَدُّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ أَشْقَرَ عَلَيْهِ سِلَاحٌ مُذْهَبٌ وَسَرْجٌ مُذْهَبٌ فَجَعَلْتُ أَقُولُ فِي نَفْسِي مَنْ لِهَذَا وَقَدْ رَافَقَنِي رَجُلٌ مِنْ أَمْدَادِ حِمْيَرَ كَانَ مَعَنَا فِي مَسِيرِنَا ذَلِكَ لَيْسَ مَعَهُ إِلَّا السَّيْفُ إِذْ
_________________
(١) [(٤٦)] سيرة ابن هشام (٣: ٣٢٩) . [(٤٧)] ليست في (ح) وبدلها: وابن الحسن. [(٤٨)] فتح الباري (٧: ٥١٥) . [(٤٩)] رواه الواقدي في المغازي (٢: ٧٦٨) .
[ ٤ / ٣٧٣ ]
نَحَرَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ جَزُورًا فَسَأَلَهُ الْمَدَدِيُّ طَائِفَةً مِنْ جِلْدِهِ فَوَهَبَهُ مِنْهُ فَجَعَلَهُ فِي الشَّمْسِ وَأَوْتَدَ عَلَى أَطْرَافِهِ أَوْتَادًا، فَلَمَّا جَفَّ اتَّخَذَ مِنْهُ مَقْبَضًا وَجَعَلَهُ دَرَقَةً، فَلَمَّا رَأَى الْمَدَدِيُّ مَا يَفْعَلُ ذَلِكَ الرُّومِيُّ بِالْمُسْلِمِينَ كَمَنَ لَهُ خَلْفَ صَخْرَةٍ فَلَمَّا مَرَّ بِهِ خَرَجَ عَلَيْهِ فَعَرْقَبَ فَرَسَهُ فَقَعَدَ الْفَرَسُ عَلَى رِجْلَيْهِ وَخَرَّ عَنْهُ الْعِلْجُ [(٥٠)] فَشَدَّ عَلَيْهِ فَعَلَاهُ بِالسَّيْفِ فَقَتَلَهُ [(٥١)] .
قَالَ: وَحَدَّثَنِي بُكَيْرُ بن مسمار عن عمار بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ:
حَضَرْتُ مُؤْتَةَ فَبَارَزَنِي رَجُلٌ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ فَأَصَبْتُهُ وَعَلَيْهِ بَيْضَةٌ لَهُ فِيهَا يَاقُوتَةٌ فَلَمْ تَكُنْ هِمَّتِي إِلَّا الْيَاقُوتُ فَأَخَذْتُهَا فَلَمَّا انْكَشَفْنَا فَانْهَزَمْنَا رَجَعْتُ إِلَى الْمَدِينَةِ فَأَتَيْتُ بِهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَنَفَّلَنِيهَا يَعْنِي فَبِعْتُهَا زَمَنَ عُثْمَانَ بِمِائَةِ دِينَارٍ فَاشْتَرَيْتُ بِهَا حَدِيقَةَ نَخْلٍ [(٥٢)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ [(٥٣)]، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ عُرْوَةَ، قَالَ: لَمَّا أَقْبَلَ أَصْحَابُ مُؤْتَةَ تَلَقَّاهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ فَجَعَلُوا يَحْثُونَ عَلَيْهِمُ التُّرَابَ وَيَقُولُونَ: يَا فُرَّارُ فَرَرْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لَيْسُوا بِالْفُرَّارِ، وَلَكِنَّهُمُ الْكُرَّارُ إِنْ شَاءَ اللهُ.
وبِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ [(٥٤)]، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ حزم عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَتْ لامرأة سلمة بن
_________________
(١) [(٥٠)] العلج: الرجل من كفار العجم. [(٥١)] رواه الواقدي (٢: ٧٦٨) . [(٥٢)] رواه الواقدي في المغازي (٢: ٧٦٩) . [(٥٣)] سيرة ابن هشام (٣: ٣٣٠- ٣٣١) . [(٥٤)] رواه ابن هشام في السيرة (٣: ٣٣١) .
[ ٤ / ٣٧٤ ]
هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ: مَا لِي لَا أَرَى سَلَمَةَ يَحْضُرُ الصَّلَاةَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَمَعَ الْمُسْلِمِينَ، قَالَتْ: وَاللهِ مَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَخْرُجَ كُلَّمَا خَرَجَ صَاحَ بِهِ النَّاسُ يَا فُرَّارُ فَرَرْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ حَتَّى قَعَدَ فِي بَيْتِهِ فَلَمْ يَخْرُجْ وَكَانَ فِي غَزَاةِ مُؤْتَةَ.
قُلْتُ قَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْمَغَازِي فِي فِرَارِهِمْ وَانْحِيَازِهِمْ مِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ وَمِنْهُمْ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ ظَهَرُوا عَلَى الْمُشْرِكِينَ وَانْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ وحَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ أَخَذَهَا خَالِدٌ فَفُتِحَ عَلَيْهِ يَدُلُّ عَلَى ظُهُورِهِ عَلَيْهِمْ وَاللهُ [تَعَالَى] أَعْلَمُ [مَا الصواب] [(٥٥)] .
_________________
(١) [(٥٥)] الزيادات من (ح) .
[ ٤ / ٣٧٥ ]
بَابُ كِتَابِ النَّبِيِّ ﷺ إلى الْجَبَّارِينَ يَدْعُوهُمْ [إِلَى الْإِسْلَامِ] [(١)] وَإِلَى اللهِ ﷿
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ حَمَّادٍ الْمَعْنِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَتَبَ قَبْلَ مُؤْتَةَ إِلَى كِسْرَى وَإِلَى قَيْصَرَ وَإِلَى النَّجَاشِيِّ، وَإِلَى كُلِّ جَبَّارٍ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللهِ ﷿ وَلَيْسَ بِالنَّجَاشِيِّ الَّذِي صَلَّى عَلَيْهِ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ يُوسُفَ بْنِ حَمَّادٍ [(٢)] . [وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ] [(٣)] .
_________________
(١) [(١)] من (ح) فقط. [(٢)] أخرجه مسلم في: ٣٢- كتاب الجهاد، (٢٧) باب كتب النبي ﷺ الى ملوك الكفار، الحديث (٧٥)، ص (١٣٩٧) . [(٣)] من (ح) فقط.
[ ٤ / ٣٧٦ ]
باب ما جاء في بعث رسول الله ﷺ دحية بن [١] خليفة الكلبي ﵁ إلى قيصر وهو هرقل ملك الروم وما جرى في سؤاله أبا سفيان بن حرب عن أحوال النبي ﷺ وما ظهر في ذلك وفيما رأى قيصر في منامه من آثار النبوة ودلالات
بَابُ مَا جَاءَ فِي بَعْثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ دِحْيَةَ بْنَ [(١)] خَلِيفَةَ الْكَلْبِيَّ ﵁ إِلَى قَيْصَرَ وَهُوَ هِرَقْلُ مَلِكُ الرُّومِ وَمَا جَرَى فِي سُؤَالِهِ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ عَنْ أَحْوَالِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَا ظَهَرَ فِي ذَلِكَ وَفِيمَا رَأَى قَيْصَرُ فِي مَنَامِهِ مِنْ آثَارِ النُّبُوَّةِ وَدَلَالَاتِ الصِّدْقِ عَلَى رَسُولِنَا مُحَمَّدٍ عليه [الصلاة و] [(٢)] السلام
أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الرُّوذْبَارِيُّ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ: الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَيُّوبَ الطُّوسِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى بْنُ أَبِي مَسَرَّةَ قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الزُّهْرِيُّ قَالَ:
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ (ح) .
وأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ بْنِ مُحَمَّدٍ الشَّعْرَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَدِّي، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ ابن حَمْزَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَتَبَ إِلَى قَيْصَرَ يَدْعُوهُ إِلَى الْإِسْلَامِ وَبَعَثَ بِكِتَابِهِ إِلَيْهِ مَعَ دِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ، وَأَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ بُصْرَى لِيَدْفَعَهُ إِلَى قَيْصَرَ، فَدَفَعَهُ عَظِيمُ بُصْرَى إِلَى قَيْصَرَ، وَكَانَ قَيْصَرُ لَمَّا كَشَفَ اللهُ عَنْهُ جُنُودَ فَارِسَ مَشَى
_________________
(١) [(١)] هو دحية بن خليفة بن فروة الكلبي: صحابي، مشهور، أول مشاهد الخندق، وقيل احد، وكان يضرب به المثل في حسن الصورة، وَكَانَ جِبْرِيلُ ﵇ ينزل على صورته، وبقي الى خلافة معاوية، وأرسله رسول الله ﷺ الى قيصر كما سيأتي. [(٢)] من (ح) .
[ ٤ / ٣٧٧ ]
مِنْ حِمْصَ إِلَى إِيلِيَاءَ شُكْرًا لِمَا أَبْلَاهُ اللهُ، فَلَمَّا أَنْ جَاءَ قَيْصَرَ كِتَابُ رَسُولِ الله ﷺ قَالَ حِينَ قَرَأَهُ: الْتَمِسُوا إِلَيَّ ها هنا أَحَدًا مِنْ قَوْمِهِ [(٣)] لِنَسْأَلَهُمْ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَأَخْبَرَنِي أَبُو سُفْيَانَ أَنَّهُ كَانَ بِالشَّامِ فِي رِجَالٍ مِنْ قُرَيْشٍ قَدِمُوا تُجَّارًا فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَبَيْنَ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَوَجَدَنَا رَسُولُ قَيْصَرَ بِبَعْضِ الشَّامِ فَانْطَلَقَ بِي وَبِأَصْحَابِي حَتَّى قَدِمْنَا إِيلِيَاءَ، فَأُدْخِلْنَا عَلَيْهِ فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ فِي مَجْلِسِ مُلْكِهِ وَعَلَيْهِ التَّاجُ، وَإِذَا حَوْلَهُ عُظَمَاءُ الرُّومِ، فَقَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: سَلْهُمْ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا بِهَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، قَالَ أَبُو سُفْيَانَ أَنَا أَقْرَبُهُمْ إِلَيْهِ نَسَبًا قَالَ: مَا قَرَابَةُ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ فَقُلْتُ: هُوَ ابْنُ عَمِّي قَالَ: وَلَيْسَ فِي الرَّكْبِ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ غَيْرِي، قال قيصرا: أَدْنُوهُ مِنِّي، ثُمَّ أَمَرَ بِأَصْحَابِي فَجُعِلُوا خَلْفَ ظَهْرِي عِنْدَ كَتِفَيَّ ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ قُلْ لِأَصْحَابِهِ: إِنِّي سَائِلُهُ عَنِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، فَإِنْ كَذَبَ فَكَذِّبُوهُ، قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: وَاللهِ لَوْلَا الْحَيَاءُ يَوْمَئِذٍ أَنْ يَأْثِرَ [(٤)] أَصْحَابِي عَنِّي الْكَذِبَ لَكَذَبْتُهُ عَنْهُ حِينَ سَأَلَنِي عَنْهُ وَلَكِنِّي اسْتَحَيْتُ أَنْ يَأْثِرُوا الْكَذِبَ عَنِّي فَصَدَقْتُهُ عَنْهُ، ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُ: كَيْفَ نَسَبُ هَذَا الرَّجُلِ فِيكُمْ؟ قَالَ: قُلْتُ: فَهُوَ فِينَا ذُو نَسَبٍ. قَالَ: فَهَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَحَدٌ مِنْكُمْ قَبْلَهُ؟ قَالَ: لَا قَالَ: فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ عَلَى الْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ قُلْتُ: لَا قَالَ فَهَلْ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا قَالَ: فَأَشْرَافُ النَّاسِ يَتَّبِعُونَهُ أَوْ ضُعَفَاؤُهُمْ: قَالَ:
قُلْتُ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ قَالَ: فَيَزِيدُونَ أَوْ يَنْقُصُونَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلْ يَزِيدُونَ قَالَ: فَهَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخَطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا قَالَ:
فَهَلْ يَغْدِرُ؟ قُلْتُ لَا وَنَحْنُ الْآنَ مِنْهُ فِي مُدَّةٍ وَنَحْنُ نَخَافُ مِنْهُ أَنْ يَغْدِرَ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: وَلَمْ تُمْكِنِّي كَلِمَةٌ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا أَنْتَقِصُهُ بِهَا لَا أَخَافُ أَنْ تُؤْثَرَ عَنِّي
_________________
(١) [(٣)] في (ح): «أحدا من قومه ها هنا» . [(٤)] (مخافة أَنْ يَأْثِرَ أَصْحَابِي عَنِّي الكذب) لولا خفت أنّ رفقتي ينقلون عني الكذب الى قومي، ويتحدثون به في بلادي لكذبت عليه، لبغضي إياه ومحبتي نقصه.
[ ٤ / ٣٧٨ ]
غَيْرُهَا قَالَ: فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ وَقَاتَلَكُمْ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ قَالَ: فَكَيْفَ كَانَتْ حَرْبُكُمْ وَحَرْبُهُ؟ قَالَ: قُلْتُ: كَانَتْ دُوَلًا وَسِجَالًا يُدَالُ عَلَيْنَا الْمَرَّةَ وَنُدَالُ عَلَيْهِ الْأُخْرَى قَالَ: فَمَاذَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ؟ قَالَ: قُلْتُ: يَأْمُرُنَا أَنْ نَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ لَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا وَيَنْهَانَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَيَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ وَالْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ قَالَ: فَقَالَ: لِتَرْجُمَانِهِ حِينَ قُلْتُ ذَلِكَ قُلْ لَهُ: إِنِّي سَأَلْتُكَ عَنْ نَسَبِهِ فِيكُمْ فَزَعَمْتَ أَنَّهُ ذُو نَسَبٍ وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي نَسَبِ قَوْمِهَا وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَحَدٌ مِنْكُمْ قَبْلَهُ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ أَحَدٌ مِنْكُمْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ قَبْلَهُ قُلْتُ رَجُلٌ يَأْتَمُّ بِقَوْلٍ قَدْ قِيلَ قَبْلَهُ وَسَأَلْتُكَ هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ: فَزَعَمْتَ أَنْ لَا فَعَرَفْتُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَدَعَ الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ وَيَكْذِبَ عَلَى اللهِ وَسَأَلْتُكَ هَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا فَقُلْتُ لَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مَلِكٌ قُلْتُ يَطْلُبُ مُلْكَ آبَائِهِ وَسَأَلْتُكَ أَشْرَافُ النَّاسِ يَتَّبِعُوهُ أَوْ ضُعَفَاؤُهُمْ فَزَعَمْتَ أَنَّ ضُعَفَاءَهُمُ اتَّبَعُوهُ وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَزِيدُونَ أَوْ يَنْقُصُونَ: فَزَعَمْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ حَتَّى يَتِمَّ وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَزِيدُ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ لَا يَسْخَطُهُ أَحَدٌ وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَغْدِرُ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لَا يَغْدِرُونَ وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَاتَلْتُمُوهُ وَقَاتَلَكُمْ فَزَعَمْتَ أَنْ قَدْ فَعَلَ وَأَنَّ حَرْبَكُمْ وَحَرْبَهُ يَكُونُ دُوَلًا يُدَالُ عَلَيْكُمُ الْمَرَّةَ وَتُدَالُونَ عَلَيْهِ الْأُخْرَى وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى وَتَكُونُ لَهَا الْعَاقِبَةُ وَسَأَلْتُكَ مَاذَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ: فَزَعَمْتَ أَنَّهُ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَيَنْهَاكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَيَأْمُرُكُمْ بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ وَالْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ وَهَذِهِ صِفَةُ نَبِيٍّ قَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ وَلَكِنْ لَمْ أَظُنَّ أَنَّهُ مِنْكُمْ وَإِنْ يَكُنْ مَا قُلْتَ حَقًّا فَيُوشِكُ أَنْ يَمْلِكَ مَوْضِعَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ وَلَوْ أَرْجُو أَنْ أَخْلُصَ إِلَيْهِ لَتَجَشَّمْتُ لُقِيَّهُ وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ قَدَمَيْهِ
قَالَ أَبُو سُفْيَانَ ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وأمر بِهِ فَقُرِئَ فَإِذَا فِيهِ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي
[ ٤ / ٣٧٩ ]
أَدْعُوكَ بِدَاعِيَةِ الْإِسْلَامِ أَسْلِمْ تسلم وأسلم يؤتك الله أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ وَإِنْ تَوَلَّيْتَ فعليك إثم الأريسيين يَا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ
قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فلما أن قضى مقاتله عَلَتْ أَصْوَاتُ الَّذِينَ حَوْلَهُ مِنْ عُظَمَاءِ الرُّومِ وَكَثُرَ لَغَطُهُمْ فَلَا أَدْرِي مَا قَالُوا وَأُمِرَ بِنَا فَأُخْرِجْنَا فَلَمَّا أَنْ خَرَجْتُ مَعَ أَصْحَابِي وَخَلَوْتُ بِهِمْ قُلْتُ لَهُمْ: لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ هَذَا مَلِكُ بَنِي الْأَصْفَرِ يَخَافُهُ وَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: وَاللهِ مَا زِلْتُ ذَلِيلًا مُسْتَيْقِنًا بِأَنَّ أَمْرَهُ سَيَظْهَرُ حَتَّى أَدْخَلَ اللهُ قَلْبِيَ الْإِسْلَامَ وَأَنَا كَارِهٌ.
لَفْظُ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَمْزَةَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَمْزَةَ [(٥)] .
وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سعد عَنْ أَبِيهِ [(٦)] .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَخْبَرَهُ مِنْ فِيهِ إِلَى فِيهِ قَالَ: انْطَلَقْتُ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ [(٧)] قَالَ: فَبَيْنَا أَنَا بِالشَّامِ إِذْ جِيءَ بِكِتَابٍ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى هِرَقْلَ وَكَانَ دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ جَاءَ بِهِ فَدَفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ بُصْرَى إِلَى هِرَقْلَ فَقَالَ: هَلْ ها هنا أَحَدٌ مِنْ قَوْمِ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ: قَالُوا: نَعَمْ قَالَ:
فَدُعِيتُ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ فَدَخَلْنَا عَلَى هِرَقْلَ فَأَجْلَسَنَا بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ قال: أيكم
_________________
(١) [(٥)] أخرجه البخاري في: ٥٦- كتاب الجهاد (١٠٢) بَابُ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ النَّاسَ الى الإسلام والنبوة، الحديث (٢٩٤١)، فتح الباري (٦: ١٠٩- ١١٠) . [(٦)] مسلم في: ٣٢- كتاب الجهاد والسير، (٢٦) بَابُ كِتَابِ النَّبِيِّ ﷺ إلى هرقل يدعوه الى الإسلام، حديث (٧٤)، ص (١٣٩٣- ١٣٩٧) . [(٧)] المدة: يعني من صلح الحديبية.
[ ٤ / ٣٨٠ ]
أَقْرَبُ نَسَبًا مِنْ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ: قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَقُلْتُ: أَنَا فَأَجْلَسُونِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَجْلَسُوا أَصْحَابِي خَلْفِي ثُمَّ دَعَا بِتَرْجُمَانِهِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى رِوَايَةِ صَالِحٍ وقال: فما يأمرهم بِهِ قُلْتُ يَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّلَةِ وَالْعَفَافِ قَالَ: إِنْ يَكُنْ مَا تَقُولُ حَقًّا فَإِنَّهُ نَبِيٌّ وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ وَلَمْ أَكُنْ أَظُنُّهُ مِنْكُمْ وَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ لَأَحْبَبْتُ لِقَاءَهُ وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمَيْهِ وَلَيَبْلُغَنَّ مُلْكُهُ مَا تَحْتَ قَدَمَيَّ، ثُمَّ ذَكَرَ الْكِتَابَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ [(٨)] .
رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ [(٩)] وَغَيْرِهِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ [بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ] [(١٠)] بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:
حَدَّثَنِي أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ مِنْ فِيهِ قَالَ كُنَّا قَوْمًا تُجَّارًا وَكَانَتِ الْحَرْبُ قَدْ حَضَرَتْنَا حَتَّى نَهَكَتْ أَمْوَالَنَا فَلَمَّا كَانَتِ الْهُدْنَةُ هُدْنَةُ الْحُدَيْبِيَةِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَمْ نَأْمَنْ أَنْ وَجَدْنَا أَمْنًا فَخَرَجْتُ تَاجِرًا إِلَى الشَّامِ مَعَ رَهْطٍ مِنْ قريش فو الله مَا عَلِمْتُ بِمَكَّةَ امْرَأَةً وَلَا رَجُلًا إِلَّا قَدْ حَمَّلَنِي بِضَاعَةً وَكَانَ وَجْهُ مَتْجَرِنَا مِنَ الشَّامِ غَزَّةَ مِنْ أَرْضِ فِلَسْطِينَ فَخَرَجْنَا حَتَّى قَدِمْنَاهَا وَذَلِكَ حِينَ ظَهَرَ قَيْصَرُ صَاحِبُ الرُّومِ عَلَى مَنْ كَانَ فِي بِلَادِهِ مِنَ الْفُرْسِ فَأَخْرَجَهُمْ مِنْهَا وَرُدَّ عَلَيْهِ صَلِيبَهُ الْأَعْظَمُ وَقَدْ كَانَ اسْتَلَبُوهُ إِيَّاهُ فَلَمَّا بَلَغَهُ ذَلِكَ وَكَانَ مَنْزِلُهُ بِحِمْصَ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ، فَخَرَجَ مِنْهَا
_________________
(١) [(٨)] رواه البخاري في: ٦٥- كتاب التفسير، (٣) سورة آل عمران، (٤) باب قل يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ. [(٩)] مسلم في: ٣٢- كتاب الجهاد والسير، (٢٦) بَابُ كِتَابِ النَّبِيِّ ﷺ إلى هرقل، ص (١٣٩٣) . [(١٠)] ليست في (ح) .
[ ٤ / ٣٨١ ]
يَمْشِي مُتَشَكِّرًا إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ لِيُصَلِّيَ فِيهِ تُبْسَطُ لَهُ الْبُسْطُ وَتُطْرَحُ لَهُ عَلَيْهَا الرَّيَاحِينُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى إِيلِيَاءَ فَصَلَّى بِهَا فَأَصْبَحَ ذَاتَ غَدَاةٍ وَهُوَ مَهْمُومٌ يُقَلِّبُ طَرْفَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَتْ لَهُ بَطَارِقَتُهُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ لَقَدْ أَصْبَحْتَ مَهْمُومًا فَقَالَ:
أَجَلْ فَقَالُوا: وَمَا ذَاكَ؟ فَقَالَ: أُرِيتُ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ أَنَّ مَلَكَ الْخِتَانِ ظَاهِرٌ فَقَالُوا: وَاللهِ مَا نَعْلَمُ أُمَّةً مِنَ الْأُمَمِ تَخْتَتِنُ إِلَّا يهودوهم تَحْتَ يَدَيْكَ فِي سُلْطَانِكَ فَإِنْ كَانَ قَدْ وَقَعَ هَذَا فِي نَفْسِكَ مِنْهُمْ فَابْعَثَ فِي مَمْلَكَتِكَ كُلِّهَا فَلَا يَبْقَى يَهُودِيٌّ إِلَّا ضَرَبْتَ عُنُقَهُ فَتَسْتَرِيحَ مِنْ هَذَا الْهَمِّ، فَإِنَّهُمْ فِي ذَلِكَ مِنْ رَأْيِهِمْ يُدَبِّرُونَهُ إِذْ أَتَاهُمْ رَسُولُ صَاحِبِ بُصْرَى بِرَجُلٍ مِنَ الْعَرَبِ قَدْ وَقَعَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، إِنَّ هَذَا رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ مِنْ أَهْلِ الشَّاءِ وَالْإِبِلِ يُحَدِّثُكَ [(١١)] عَنْ حَدَّثٍ كَانَ بِبِلَادِهِ فَسَلْهُ عَنْهُ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهِ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: سَلْهُ مَا هَذَا الْخَبَرُ الَّذِي كَانَ فِي بِلَادِهِ؟ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ مِنْ قُرَيْشٍ خَرَجَ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ وَقَدِ اتَّبَعَهُ أَقْوَامٌ وَخَالَفَهُ آخَرُونَ وَقَدْ كَانَتْ بَيْنَهُمْ مَلَاحِمُ فِي مَوَاطِنَ فَخَرَجْتُ مِنْ بِلَادِي وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ فَلَمَّا أَخْبَرَهُ الْخَبَرَ قَالَ: جَرِّدُوهُ فَإِذَا هُوَ مَخْتُونٌ فَقَالَ: هَذَا وَاللهِ الَّذِي أُرِيتُ لَا مَا تَقُولُونَ أَعْطِهِ ثَوْبَهُ انْطَلِقْ لِشَأْنِكَ، ثُمَّ دَعَا صَاحِبَ شُرْطَتِهِ فَقَالَ لَهُ:
قَلِّبْ لِيَ الشَّامَ ظَهْرًا وَبَطْنًا حَتَّى تَأْتِيَ بِرَجُلٍ مِنْ قَوْمِ هَذَا أَسْأَلُهُ عن شأنه فو الله إني وأصحابي لبغرّة إِذْ هَجَمَ عَلَيْنَا فَسَأَلَنَا مِمَّنْ أَنْتُمْ، فَأَخْبَرَنَاهُ، فَسَاقَنَا إِلَيْهِ جَمِيعًا فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَيْهِ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فو الله مَا رَأَيْتُ مِنَ رَجُلٍ قَطُّ أَزْعُمُ أَنَّهُ كَانَ أَدْهَى مِنْ ذَلِكَ الْأَغْلَفِ يُرِيدُ هِرَقْلَ فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَيْهِ قَالَ: أَيُّكُمْ أَمَسُّ بِهِ رَحِمًا فَقُلْتُ: أَنَا قَالَ: أَدْنُوهُ مِنِّي فَأَجْلَسَنِي بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ أَمَرَ بِأَصْحَابِي فَأَجْلَسَهُمْ خَلْفِي وَقَالَ: إِنْ كَذَبَ فَرُدُّوا عَلَيْهِ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَلَقَدْ عَرَفْتُ أَنْ لَوْ كَذَبْتُ مَا رَدُّوا عَلَيَّ وَلَكِنِّي كُنْتُ امْرَأً سَيِّدًا أَتَكَرَّمُ وَأَسْتَحِي مِنَ الْكَذِبِ وَعَرَفْتُ أَنَّ أَدْنَى مَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَرْوُوهُ عَنِّي ثُمَّ يَتَحَدَّثُوا [بِهِ عَنِّي] [(١٢)] بِمَكَّةَ فَلَمْ أَكْذِبْهُ فَقَالَ: أَخْبِرْنِي عَنْ هَذَا
_________________
(١) [(١١)] في (ح): «يحدث» . [(١٢)] ليست في (ح) .
[ ٤ / ٣٨٢ ]
الرَّجُلِ الَّذِي خَرَجَ فِيكُمْ فَزَهَّدْتُ لَهُ شَأْنَهُ وَصَغَّرْتُ له أمره فو الله مَا الْتَفَتَ إِلَى ذَلِكَ مِنِّي وَقَالَ: أَخْبِرْنِي عَمَّا أَسْأَلُكَ عَنْهُ مِنْ أَمْرِهِ فَقُلْتُ سَلْنِي عَمَّا بَدَا لَكَ فَقَالَ: كَيْفَ نَسَبُهُ فِيكُمْ؟ فَقُلْتُ: مَحْضًا مِنْ أَوْسَطِنَا نَسَبًا قَالَ: فَأَخْبِرْنِي هَلْ كَانَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ أَحَدٌ يَقُولُ مِثْلَ قَوْلِهِ فَهُوَ يَتَشَبَّهُ بِهِ؟ فَقُلْتُ: لَا قَالَ: فَأَخْبِرْنِي هَلْ كَانَ لَهُ مُلْكٌ فَاسْتَلَبْتُمُوهُ إِيَّاهُ فَجَاءَ بِهَذَا الْحَدِيثِ لِتَرُدُّوا عَلَيْهِ مُلْكَهُ؟ فَقُلْتُ: لَا قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَتْبَاعِهِ مَنْ هُمْ فَقُلْتُ الْأَحْدَاثُ وَالضُّعَفَاءُ وَالْمَسَاكِينُ فَأَمَّا أَشْرَافُ قَوْمِهِ وَذَوُو الْأَسْنَانِ مِنْهُمْ فَلَا قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَمَّنْ يَصْحَبُهُ أَيُحِبُّهُ وَيَلْزَمُهُ أَمْ يَقْلِيهِ وَيُفَارِقُهُ؟ قُلْتُ: قَلَّ مَا صَحِبَهُ رَجُلٌ فَفَارَقَهُ قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْحَرْبِ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ فَقُلْتُ: سِجَالٌ تُدَالُ عَلَيْنَا وَتُدَالُ عَلَيْهِ قَالَ: فَأَخْبِرْنِي هَلْ يَغْدِرُ فَلَمْ أَجِدْ شَيْئًا أَغْمِزُ فِيهِ إِلَّا هِيَ قُلْتُ لَا وَنَحْنُ منه في مدّة ولا نأمن غدره فو الله مَا الْتَفَتَ إِلَيْهَا مِنِّي فَأَعَادَ عَلَىَّ الْحَدِيثَ فَقَالَ: زَعَمْتَ أَنَّهُ مِنْ أَمْحَضِهِمْ نَسَبًا وَكَذَلِكَ يَأْخُذُ اللهُ النَّبِيَّ إِذَا أَخَذَهُ لَا يَأْخُذُهُ إِلَّا مِنْ أَوْسَطِ قَوْمِهِ وَسَأَلْتُكَ هَلْ كَانَ لَهُ مُلْكٌ فَاسْتَلَبْتُمُوهُ إِيَّاهُ فَجَاءَ بِهَذَا الْحَدِيثِ لِتَرُدُّوا عليه ملكه فقلت: لا وَسَأَلْتُكَ عَنْ أَتْبَاعِهِ فَزَعَمْتَ أَنَّهُمُ الْأَحْدَاثُ وَالْمَسَاكِينُ وَالضُّعَفَاءُ وكذلك وَكَذَلِكَ أَتْبَاعُ الْأَنْبِيَاءِ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَسَأَلْتُكَ عَمَّنْ يَتْبَعُهُ أَيُحِبُّهُ وَيَلْزَمُهُ أَمْ يَقْلِيهِ وَيُفَارِقُهُ فَزَعَمْتَ أَنَّهُ قَلَّ مَنْ يَصْحَبُهُ فَيُفَارِقُهُ وَكَذَلِكَ حَلَاوَةُ الْإِيمَانِ لَا تَدْخُلُ قَلْبًا فَتَخْرُجَ مِنْهُ وَسَأَلْتُكَ كَيْفَ الْحَرْبُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ فَزَعَمْتَ أَنَّهَا سِجَالٌ يذال عليكم وتذالون عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ تَكُونُ حَرْبُ الْأَنْبِيَاءِ وَلَهُمْ تَكُونُ الْعَاقِبَةُ وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَغْدِرُ فَزَعَمْتَ أنه لا يغدر فلين كُنْتَ صَدَقْتَنِي لَيَغْلِبَنِّي عَلَى مَا تَحْتَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ وَلَوَدِدْتُ أَنِّي عِنْدَهُ فَأَغْسِلُ قَدَمَيْهِ الْحَقْ بِشَأْنِكَ فَقُمْتُ وَأَنَا أَضْرِبُ بِإِحْدَى يَدَيَّ عَلَى الْأُخْرَى [أَقُولُ] [(١٣)] أَيْ عِبَادَ اللهِ لَقَدْ أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ أَصْبَحَ مُلُوكُ بَنِي الْأَصْفَرِ يَخَافُونَهُ في سلطانهم [(١٤)] .
_________________
(١) [(١٣)] من (أ) فقط. [(١٤)] نقله ابن كثير عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ فِي البداية والنهاية (٤: ٢٦٢) .
[ ٤ / ٣٨٣ ]
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَسْقُفٌ مِنَ النَّصَارَى قَدْ أَدْرَكَ ذَلِكَ الزَّمَانَ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ دِحْيَةُ [الْكَلْبِيُّ] [(١٥)] بْنُ خَلِيفَةَ عَلَى هِرَقْلَ بِكِتَابِ رَسُولِ الله ﷺ فِيهِ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى أَمَّا بَعْدُ فَأَسْلِمْ تَسْلَمْ وأسلم يؤْتِكَ اللهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ فَإِنْ أَبَيْتَ فَإِنَّ إِثْمَ الْأَكَّارِينَ عَلَيْكَ
فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهِ كِتَابُهُ وَقَرَأَهُ أَخَذَهُ فَجَعَلَهُ بَيْنَ فَخِذِهِ وَخَاصِرَتِهِ ثُمَّ كَتَبَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ رُومِيَّةَ كَانَ يَقْرَأُ مِنَ الْعِبْرَانِيَّةِ مَا يَقْرَأُ يُخْبِرُهُ مِمَّا جَاءَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَنَّهُ النَّبِيُّ يُنْتَظَرُ لَا شَكَّ فِيهِ فَاتَّبِعْهُ فَأَمَرَ بِعُظَمَاءِ الرُّومِ فَجُمِعُوا لَهُ فِي دَسْكَرَةِ مُلْكِهِ ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَأُشْرِجَتْ عَلَيْهِمْ وَاطَّلَعَ عَلَيْهِمْ مِنْ عُلَيَّةٍ لَهُ وَهُوَ مِنْهُمْ خَائِفٌ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الرُّومِ إِنَّهُ جَاءَنِي كِتَابُ أَحْمَدَ وَإِنَّهُ وَاللهِ لَلنَّبِيُّ الَّذِي كُنَّا نَنْتَظِرُ وَنَجِدُ ذِكْرَهُ فِي كِتَابِنَا نَعْرِفُهُ بِعَلَامَاتِهِ وَزَمَانِهِ فَأَسْلِمُوا وَاتَّبِعُوهُ تَسْلَمْ لَكُمْ دُنْيَاكُمْ وإخوتكم فَنَخَرُوا نَخْرَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ وَابْتَدَرُوا أَبْوَابَ الدَّسْكَرَةِ فَوَجَدُوهَا مُغْلَقَةً دُونَهُمْ فَخَافَهُمْ فَقَالَ: رُدُّوهُمْ عَلَيَّ فَكَرَّهُمْ عَلَيْهِ فَقَالَ:
لَهُمْ يَا مَعْشَرَ الرُّومِ إِنِّي إِنَّمَا قُلْتُ لَكُمْ هَذِهِ الْمَقَالَةَ أَغْمِزُكُمْ لَأَنْظُرَ كَيْفَ صَلَابَتُكُمْ فِي دِينِكُمْ فَلَقَدْ رَأَيْتُ مِنْكُمْ مَا سَرَّنِي فَوَقَعُوا لَهُ سُجَّدًا ثُمَّ فُتِحَتْ لَهُمْ أَبْوَابُ الدَّسْكَرَةِ فَخَرَجُوا.
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْبَغْدَادِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عُلَاثَةَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ، قَالَ:
وَخَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ إِلَى الشَّامِ تَاجِرًا فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ فَبَلَغَ هِرَقْلَ شَأْنُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَرَادَ أَنْ يَعْلَمَ مَا بَلَغَهُ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فأرسل إلى صاحب
_________________
(١) [(١٥)] من (ح) .
[ ٤ / ٣٨٤ ]
الْعَرَبِ الَّذِي بِالشَّامِ فِي مُلْكِهِ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْهِ بِرِجَالٍ مِنَ الْعَرَبِ يَسْأَلُهُمْ عَنْهُ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ ثَلَاثِينَ رَجُلًا مِنْهُمْ: أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، فَدَخَلُوا عليه في كنيسة إيليا الَّتِي فِي جَوْفِهَا فَقَالَ هِرَقْلُ أَرْسَلْتُ إِلَيْكُمْ لِتُخْبِرُونِي عَنْ هَذَا الَّذِي بِمَكَّةَ مَا أَمْرُهُ، قَالُوا: سَاحِرٌ كَذَّابٌ، وَلَيْسَ بِنَبِيٍّ قَالَ: فَأَخْبِرُونِي بِأَعْلَمِكُمْ بِهِ وَأَقْرَبِكُمْ بِهِ رَحِمًا قَالَ: قَالُوا: هَذَا أَبُو سُفْيَانَ ابْنُ عَمِّهِ وَقَدْ قَاتَلَهُ فَلَمَّا أَخْبَرُوهُ ذَلِكَ أَمَرَ بِهِمْ فَأُخْرِجُوا عَنْهُ ثُمَّ أَجْلَسَ أَبَا سُفْيَانَ فَاسْتَخْبَرَهُ قَالَ: أَخْبِرْنِي يَا أَبَا سُفْيَانَ، قَالَ: أَبُو سُفْيَانَ [هُوَ] سَاحِرٌ كَذَّابٌ، قَالَ هِرَقْلُ: إِنِّي لَا أُرِيدُ شَتْمَهُ وَلَكِنْ كَيْفَ نَسَبُهُ فِيكُمْ قَالَ: هُوَ وَاللهِ مِنْ بَيْتِ قُرَيْشٍ قَالَ: كَيْفَ عَقْلُهُ وَرَأْيُهُ؟ قَالَ: لَمْ نُعِبْ لَهُ عَقْلًا قَطُّ وَلَا رَأْيًا قَطُّ قَالَ هِرَقْلُ: هَلْ كَانَ حَلَّافًا كَذَّابًا مُخَادِعًا فِي أَمْرِهِ؟ قَالَ:
لَا وَاللهِ مَا كَانَ كَذَلِكَ قَالَ: فَلَعَلَّهُ يَطْلُبُ مُلْكًا أَوْ شَرَفًا كَانَ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ قَبْلَهُ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: لَا ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَتَّبِعُهُ مِنْكُمْ هَلْ يَرْجِعُ إِلَيْكُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ؟
قَالَ: لَا قَالَ: هِرَقْلُ: يَغْدِرُ إِذَا عَاهَدَ؟ قَالَ: لَا إِلَّا أَنْ يَغْدِرَ مَرَّتَهُ هَذِهِ فَقَالَ هِرَقْلُ: وَمَا يُخَافُ مِنْ مَرَّتِهِ هَذِهِ، قَالَ: إِنَّ قَوْمِي أَمَدُّوا حُلَفَاءَهُمْ عَلَى حُلَفَائِهِ وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ فَقَالَ هِرَقْلُ: إِنْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ بَدَأْتُمْ فَأَنْتُمْ أَغْدَرُ فَغَضِبَ أَبُو سُفْيَانَ وَقَالَ: لَمْ يَغْلِبْنَا إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا يَوْمَئِذٍ غَائِبٌ وَهُوَ يَوْمُ بَدْرٍ ثُمَّ غَزَوْتُهُ مَرَّتَيْنِ فِي بُيُوتِهِمْ نَبْقَرُ الْبُطُونَ وَنَجْدَعُ الْآذَانَ وَالْفُرُوجَ فَقَالَ هِرَقْلُ: أَكَاذِبًا تَرَاهُ أَمْ صَادِقًا؟
فَقَالَ: بَلْ هُوَ كَاذِبٌ فَقَالَ: إِنْ كَانَ فِيكُمْ نَبِيٌّ فَلَا تَقْتُلُوهُ فَإِنَّ أَفْعَلَ النَّاسِ لِذَلِكَ الْيَهُودُ ثُمَّ رَجَعَ أَبُو سُفْيَانَ.
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ بِبَغْدَادَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَتَّابٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ عَمِّهِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ قَالَ: وَخَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ إِلَى الشَّامِ تَاجِرًا فَقَدِمَ عَلَى قَيْصَرَ وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ قَيْصَرُ يسئله عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا جَاءَهُ قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنْ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي خَرَجَ فِيكُمْ أَكُلَّ مَرَّةٍ يَظْهَرُ عَلَيْكُمْ قَالَ: مَا
[ ٤ / ٣٨٥ ]
ظَهَرَ عَلَيْنَا قَطُّ إِلَّا وَأَنَا غَائِبٌ ثُمَّ قَدْ [(١٦)] غَزْوَتُهُمْ مَرَّتَيْنِ فِي بُيُوتِهِمْ فَبَقَرْنَا الْبُطُونَ وَجَدَعْنَا الْأُنُوفَ وَقَطَعْنَا الذُّكُورَ قَالَ قَيْصَرُ: أَتُرَاهُ كَاذِبًا أَوْ صَادِقًا، قَالَ: بَلْ هُوَ كَاذِبٌ قَالَ قَيْصَرُ: لَا تَقُولُوا ذَلِكَ فَإِنَّ الْكَذِبَ لَا يَظْهَرُ بِهِ أَحَدٌ فَإِنْ كَانَ فِيكُمْ نَبِيٌّ فَلَا تَقْتُلُوهُ فَإِنَّ أَفْعَلَ النَّاسِ لذلك اليهود.
_________________
(١) [(١٦)] من (ح) .
[ ٤ / ٣٨٦ ]
بَابُ مَا جَاءَ فِي بَعْثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى كسرى ابن هُرْمُزَ وَكِتَابِهِ إِلَيْهِ وَدُعَائِهِ عنده تَمْزِيقِ كِتَابِهِ عَلَيْهِ وَإِجَابَةِ اللهِ تَعَالَى دُعَاءَهُ وَتَصْدِيقِهِ قَوْلَهُ فِي هَلَاكِهِ وَهَلَاكِ جُنُودِهِ وَفَتْحِ كُنُوزِهِ
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ شَرِيكٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى (ح) .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ الْفَقِيهُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مِلْحَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ:
حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ بِكِتَابِهِ إِلَى كِسْرَى وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ الْبَحْرَيْنِ يَدْفَعُهُ عَظِيمُ الْبَحْرَيْنِ إِلَى كِسْرَى فَلَمَّا قَرَأَهُ كِسْرَى مَزَّقَهُ فَحَسِبْتُ أَنَّ ابْنَ الْمُسَيِّبِ قَالَ: فَدَعَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُمَزَّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ [(١)]، وَفِي كِتَابِي عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ الْحَافِظِ فِيمَا لَمْ أَجِدْ نُسْخَةَ سَمَاعِي وَقَدْ أَنْبَأَنِي بِهِ إِجَازَةً أَنَّ أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ صَالِحِ بن هاني أَخْبَرَهُمْ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ النَّضْرِ الْجَارُودِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَنْبَأَنَا يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ
_________________
(١) [(١)] أخرجه البخاري في الجهاد، فتح الباري (٦: ١٠٨) .
[ ٤ / ٣٨٧ ]
الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدٍ الْقَارِئُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَامَ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى الْمِنْبَرِ خَطِيبًا فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَتَشَهَّدَ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَبْعَثَ بَعْضَكُمْ إِلَى مُلُوكِ الْأَعَاجِمِ فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيَّ كَمَا اخْتَلَفَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ عَلَى عِيسَى بن مَرْيَمَ فَقَالَ: الْمُهَاجِرُونَ: يَا رَسُولُ اللهِ وَاللهِ لَا نَخْتَلِفُ عَلَيْكَ أَبَدًا عَلَى شَيْءٍ فَمُرْنَا وَابْعَثْنَا فَبَعَثَ شُجَاعَ بْنَ وَهْبٍ إِلَى كِسْرَى فَخَرَجَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى كِسْرَى وَهُوَ بِالْمَدَائِنِ فَاسْتَأَذَنَ عَلَيْهِ فَأَمَرَ كِسْرَى بإيوائه أَنْ يُزَيَّنَ لَهُ ثُمَّ أَذِنَ لِعُظَمَاءِ فَارِسَ ثُمَّ أَذِنَ لِشُجَاعٍ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ أَمَرَ كِسْرَى بِكِتَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنْ يُقْبَضَ مِنْهُ قَالَ شُجَاعٌ: لَا حَتَّى أَدْفَعَهُ أَنَا كَمَا أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ كسرى: أذنه فَدَنَا فَنَاوَلَهُ الْكِتَابَ ثُمَّ دَعَا كَاتِبًا لَهُ مِنْ أَهْلِ الْحِيرَةِ فَقَرَأَهُ فَإِذَا فِيهِ. مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى كِسْرَى عَظِيمِ فَارِسَ فَأَغْضَبَهُ حِينَ بَدَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِنَفْسِهِ وَصَاحَ وَغَضِبَ وَمَزَّقَ الْكِتَابَ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ مَا فِيهِ وَأَمَرَ بِشُجَاعِ بْنِ وَهْبٍ فَأُخْرِجَ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَعَدَ عَلَى رَاحِلَتِهِ ثُمَّ سَارَ ثُمَّ قَالَ: وَاللهِ مَا أُبَالِي عَلَى أَيِّ الطَّرِيقَيْنِ أَكُونُ إِذَا أَدَّيْتُ كِتَابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ كِسْرَى سَوْرَةُ غَضَبِهِ بَعَثَ إِلَى شُجَاعٍ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِ فَالْتُمِسَ فَلَمْ يُوجَدْ فَطُلِبَ إِلَى الْحِيرَةِ فَسَبَقَ فَلَمَّا قَدِمَ شُجَاعٌ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَهُ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرِ كِسْرَى وَتَمْزِيقِهِ كِتَابَ رسول الله ﷺ، قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «مَزَّقَ كِسْرَى مُلْكَهُ» .
اتَّفَقَ هَذَا الْمُرْسَلُ وَالْمَوْصُولُ قَبْلَهُ فِي تَمْزِيقِهِ كِتَابَهِ فِي هَذَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخْبَرَ عَنْ تَمْزِيقِهِ مُلْكَهُ وَفِي الْأَوَّلِ أَنَّهُ دَعَا عَلَيْهِمْ وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَتَيْنِ فِيمَنْ يَدْفَعُ كِتَابَهُ إِلَى كِسْرَى وَالرِّوَايَةُ الْأُولَى مَوْصُولَةٌ فَهِيَ أَوْلَى وَاللهُ أَعْلَمُ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْفَضْلِ الْأَسْفَاطِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَتَفْتَحَنَّ عِصَابَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَوْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ كُنُوزَ
[ ٤ / ٣٨٨ ]
كِسْرَى الَّتِي فِي الْقَصْرِ الْأَبْيَضِ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ قُتَيْبَةَ [(٢)] وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ.
وَأَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الظَّفَرِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنُ زيان الْعَلَوِيُّ ﵀ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دُحَيْمٍ الشَّيْبَانِيُّ بِالْكُوفَةِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمِ بْنِ أَبِي غَرَزَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَيَفْتَتِحَنَّ رَهْطٌ مِنْ أُمَّتِي كَنْزَ آلِ كِسْرَى الَّذِي فِي الْأَبْيَضِ» فَكُنْتُ أَنَا وَأَبِي فِيهِمْ فَأَصَبْنَا مِنْ ذَلِكَ أَلْفَ دِرْهَمٍ.
_________________
(١) [(٢)] أخرجه مسلم في: ٥٢- كتاب الفتن، (١٨) باب لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى ان يكون مكان الميت، الحديث (٧٨)، ص (٢٢٣٧) .
[ ٤ / ٣٨٩ ]
بَابُ مَا جَاءَ فِي مَوْتِ كِسْرَى وَإِخْبَارِ النَّبِيِّ ﷺ بِذَلِكَ
أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الرُّوذْبَارِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْوَلِيدِ الْفَحَّامُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَاذَانُ أَسْوَدُ ابن عَامِرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ فَارِسَ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ ﷺ: «إِنَّ رَبِّي قَدْ قَتَلَ رَبَّكَ» يَعْنِي كِسْرَى.
قَالَ: وَقِيلَ لَهُ يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ إِنَّهُ قَدِ اسْتَخْلَفَ ابْنَتَهُ فَقَالَ: «لَا يُفْلِحُ قَوْمٌ تَمْلِكُهُمُ امْرَأَةٌ» .
وَرُوِيَ فِي حَدِيثِ دِحْيَةَ بْنِ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيِّ أَنَّهُ لَمَّا رَجَعَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنْ عِنْدِ قَيْصَرَ وَجَدَ عِنْدَهُ رُسُلَ عَامِلِ كِسْرَى عَلَى صَنْعَاءَ وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ كَانَ كَتَبَ إِلَى كِسْرَى فَكَتَبَ كِسْرَى إِلَى صَاحِبِهِ بِصَنْعَاءَ يَتَوَعَّدُهُ وَيَقُولُ: أَلَا تَكْفِينِي رَجُلًا خَرَجَ بِأَرْضِكَ يَدْعُونِي إِلَى دِينِهِ لتكفينه أَوْ لَأَفْعَلَنَّ بِكَ فَبَعَثَ صَاحِبُ صَنْعَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمَّا قَرَأَ النَّبِيُّ [ﷺ] [(١)] كِتَابَ صَاحِبِهِمْ تَرَكَهُمْ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: اذْهَبُوا إِلَى صَاحِبِكُمْ فَقُولُوا إِنَّ رَبِّي قَدْ قَتَلَ ربك الليلة فانطلقوا
_________________
(١) [(١)] من (أ) .
[ ٤ / ٣٩٠ ]
فَأَخْبَرُوهُ قَالَ دِحْيَةُ: ثُمَّ جَاءَ الْخَبَرُ بِأَنَّ كِسْرَى قُتِلَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ.
وَذَكَرَهُ أَيْضًا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ بِمَعْنَاهُ وَسَمَّى الْعَامِلَ الَّذِي كَتَبَ إِلَيْهِ كِسْرَى فَقَالَ بَاذَانُ صَاحِبُ الْيَمَنِ فَلَمَّا جَاءَ بَاذَانَ الْكِتَابُ اخْتَارَ رَجُلَيْنِ مِنْ أَهْلِ فَارِسَ وَكَتَبَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِمَا كَتَبَ بِهِ كِسْرَى مِنْ رُجُوعِهِ إِلَى دِينِ قَوْمِهِ أَوْ تَوَاعُدِهِ يَوْمًا بِلِقَائِهِ فِيهِ ثُمَّ ذَكَرَ مَعْنَاهُ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبْلِغَاهُ أَنَّ رَبِّي قَتَلَ رَبَّهُ فَكَانَ كَمَا أَخْبَرَ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الحافظ وأبو سعيد بن أبي عَمْرٍو، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بكر ابن عَيَّاشٍ عَنْ دَاوُدَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَقْبَلَ سَعْدٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ:
إِنَّ وَجْهَ سَعْدٍ خَيْرٌ أَوْ قَالَ الْخَيْرُ قَالَ، قَالَ يَا رَسُولَ اللهِ هَلَكَ أَوْ قَالَ قُتِلَ كِسْرَى، فَقَالَ: لَعَنَ اللهُ كِسْرَى أَوَّلُ النَّاسِ هَلَاكًا فَارِسُ، ثُمَّ الْعَرَبُ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النبي ﷺ أَخْبَرَ الرَّسُولَ بِهَلَاكِ كِسْرَى فِي الْوَقْتِ الَّذِي قُتِلَ فِيهِ ثُمَّ جَاءَ الْخَبَرُ سَعْدًا مِنْ غَيْرِهِ فَأَقْبَلَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ بِتَصْدِيقِ اللهِ قَوْلَ رَسُولِهِ ﷺ.
وَفِيمَا أَنْبَأَنِي أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ إِجَازَةً، قَالَ: أَنْبَأَنِي أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْقَاضِي، قَالَ [(٢)]: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ، قَالَ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بن سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ صَالِحٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ كِسْرَى بَيْنَمَا هُوَ فِي دَسْكَرَةِ مُلْكِهِ بُعِثَ لَهُ أَوْ قُيِّضَ لَهُ عَارِضٌ فَعَرَضَ عَلَيْهِ الْحَقَّ فَلَمْ يَفْجَأْ كِسْرَى إِلَّا الرَّجُلُ يَمْشِي وَفِي يَدَيْهِ عَصًا، فَقَالَ: يَا كِسْرَى هَلْ لَكَ فِي الْإِسْلَامِ قَبْلَ أن
_________________
(١) [(٢)] في (ح): «قالا» .
[ ٤ / ٣٩١ ]
أَكْسِرَ هَذِهِ الْعَصَا [(٣)]؟ قَالَ كِسْرَى: نَعَمْ فَلَا تَكْسِرْهَا فَوَلَّى الرَّجُلُ فَلَمَّا ذَهَبَ أَرْسَلَ كِسْرَى إِلَى حُجَّابِهِ فَقَالَ: مَنْ أَذِنَ لِهَذَا الرَّجُلِ عَلَيَّ، فَقَالُوا: مَا دَخَلَ عَلَيْكَ أَحَدٌ قَالَ: كَذَبْتُمْ [قَالَ] [(٤)]، فَغَضِبَ عَلَيْهِمْ وَتَلْتَلَهُمْ ثُمَّ تَرَكَهُمْ فَلَمَّا كَانَ رَأْسُ الْحَوْلِ أَتَاهُ ذَلِكَ الرَّجُلُ [الْمَعْهُودُ] [(٥)] مَعَهُ الْعَصَا، فَقَالَ: يَا كِسْرَى هَلْ لَكَ فِي الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ أَكْسِرَ هَذِهِ الْعَصَا، قَالَ: نَعَمْ لَا تَكْسِرْهَا لَا تَكْسِرْهَا فَلَمَّا انْصَرَفَ عَنْهُ دَعَا كِسْرَى حُجَّابَهُ فَسَأَلَهُمْ مَنْ أَذِنَ لَهُ فَأَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ دَخَلَ عَلَيْهِ أَحَدٌ فَلَقُوا مِنْ كِسْرَى مِثْلَ مَا لَقُوا فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى حَتَّى إِذَا كَانَ الْحَوْلُ الْمُسْتَقْبَلُ أَتَاهُ ذَلِكَ الرَّجُلُ مَعَهُ الْعَصَا فَقَالَ لَهُ: هَلْ لَكَ يَا كِسْرَى فِي الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ أَكْسِرَ الْعَصَا، قَالَ: لَا تَكْسِرْهَا فَكَسَرَهَا فَأَهْلَكَ اللهُ كِسْرَى عِنْدَ ذَلِكَ.
قَالَ: وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: حُدِّثْنَا عَنِ ابْنِ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَمِّهِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسَاقَ الْحَدِيثَ نَحْوَ حَدِيثِ صَالِحٍ قَالَ: وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُقَيْلٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ كِسْرَى بَيْنَمَا هُوَ فِي دَسْكَرَةِ مُلْكِهِ بُعِثَ إِلَيْهِ وَقُيِّضَ لَهُ عَارِضٌ يَعْرِضُ عَلَيْهِ الْحَقَّ نَحْوَ حَدِيثِهِمَا.
وَأَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللهِ الْفَارِسِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ قَالَ:
أَنْبَأَنَا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَمْدُونَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَامِدِ [بْنُ] [(٦)] الشَّرْقِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ بِالْإِسْنَادَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ دُونَ رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ.
_________________
(١) [(٣)] رسمت في الأصل: «العصي» . [(٤)] ليست في (أ) . [(٥)] ليست في (أ) . [(٦)] سقطت من (ح) .
[ ٤ / ٣٩٢ ]
بَابُ مَا جَاءَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ قَوْلِهِ ﷺ إِذَا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلَا قَيْصَرَ بَعْدُ وَمَا رُوِيَ عَنْهُ مِنْ قَوْلِهِ فِي قَيْصَرَ حِينَ أَكْرَمَ كِتَابَ النَّبِيِّ ﷺ ثَبَّتَ مُلْكَهُ وَمَا ظَهَرَ مِنْ صِدْقِهِ فِيهِمَا وَفِيمَا أَخْبَرَ عَنْهُ مِنْ هَلَاكِ كِسْرَى [وَهُوَ الصَّادِقُ الصَّدُوقُ ﷺ] [(١)]
أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي عَمْرٍو، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: إِذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ وَإِذَا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُنْفِقُنَّ كُنُوزَهُمَا فِي سَبِيلِ اللهِ [(٢)] .
قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: وَلَمَّا أُتِيَ كِسْرَى بِكِتَابِ النَّبِيِّ ﷺ مَزَّقَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: تَمَزَّقَ مُلْكُهُ وَحَفِظْنَا أَنَّ قَيْصَرَ أَكْرَمَ كِتَابَ النَّبِيِّ ﷺ وَوَضَعَهُ فِي مِسْكٍ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ثَبَتَ مُلْكُهُ.
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَأَخْرَجَاهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الزُّهْرِيِّ [(٣)] .
وَأَمَّا مَا حَكَى الشَّافِعِيُّ مِنْ تَمْزِيقِ كِسْرَى كِتَابَ النَّبِيِّ ﷺ وَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ
_________________
(١) [(١)] الزيادة من (ح) . [(٢)] انظر صحيح مسلم في: ٥٢- كتاب الفتن الحديث (٧٧)، ص (٤: ٢٢٢٧) . [(٣)] تقدم الحديث في الباب السابق.
[ ٤ / ٣٩٣ ]
فِيهِ فَقَدْ مَضَى إِسْنَادُهُ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ وَأَمَّا مَا قَالَ فِي قَيْصَرَ فَفِيمَا
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ عُمَيْرِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: كَتَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلى كِسْرَى وَقَيْصَرَ فَأَمَّا قَيْصَرُ فَوَضَعَهُ وَأَمَّا كِسْرَى فَمَزَّقَهُ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: أَمَّا هَؤُلَاءِ فَيُمَزَّقُونَ وَأَمَّا هَؤُلَاءِ فَسَتَكُونُ لَهُمْ بَقِيَّةٌ.
أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي عَمْرٍو، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، قَالَ:
أَنْبَأَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: كَانَتْ قُرَيْشٌ تَنْتَابُ الشَّامَ انْتِيَابًا كَثِيرًا وَكَانَ كَثِيرٌ مِنْ مَعَاشِهَا مِنْهُ وَتَأْتِي الْعِرَاقَ فَيُقَالُ لَمَّا دَخَلَتْ فِي الْإِسْلَامِ ذَكَرَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ خَوْفَهَا مِنِ انْقِطَاعِ مَعَاشِهَا بِالتِّجَارَةِ مِنَ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ إِذْ فَارَقَتِ الْكُفْرَ وَدَخَلَتْ فِي الْإِسْلَامِ مَعَ خِلَافِ مَلِكِ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ» [فَلَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ الْعِرَاقِ كِسْرَى يَثْبُتْ لَهُ أَمْرٌ بَعْدَهُ] [(٤)]، وَقَالَ: «إِذَا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ» فَلَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ الشَّامِ قَيْصَرُ بَعْدَهُ وَأَجَابَهُمْ عَلَى مَا قَالُوا لَهُ وَكَانَ كَمَا قَالَ لَهُمْ ﷺ وَقَطَعَ اللهُ الْأَكَاسِرَةَ عَنِ الْعِرَاقِ وَفَارِسَ وَقَيْصَرَ وَمَنْ قَامَ بِالْأَمْرِ بَعْدَهُ عَنِ الشَّامِ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي كِسْرَى مُزِّقَ مُلْكُهُ فَلَمْ يَبْقَ لِلْأَكَاسِرَةِ مُلْكٌ وَقَالَ فِي قَيْصَرَ ثَبَّتَ اللهُ مُلْكَهُ فَثَبَتَ لَهُ ملك ببلاد الرُّومِ إِلَى الْيَوْمِ وَتَنَحَّى مُلْكُهُ عَنِ الشَّامِ وَكُلُّ هَذَا مُؤتَفِقٌ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بعضا.
_________________
(١) [(٤)] ليست في (ح) .
[ ٤ / ٣٩٤ ]
بَابُ مَا جَاءَ فِي كِتَابِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى الْمُقَوْقِسَ
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ فيما لم أجد سَمَاعِي، وَقَدْ أَنْبَأَنِي بِهِ إِجَازَةً:
حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ:
حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ حَاطِبَ بْنَ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى الْمُقَوْقِسَ صَاحِبِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فَمَضَى بِكِتَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى الْمُقَوْقِسَ فَقَبَّلَ الْكِتَابَ وَأَكْرَمَ حَاطِبًا وَأَحْسَنَ نُزُلَهُ وَسَرَّحَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَأَهْدَى لَهُ مَعَ حَاطِبٍ كِسْوَةً وَبَغْلَةً بِسَرْجِهَا وَخَادِمَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا أُمُّ إِبْرَاهِيمَ، وَأَمَّا الْأُخْرَى فَوَهَبَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ لِجَهْمِ بْنِ قَيْسٍ الْعَبْدِيِّ فَهِيَ أُمُّ زَكَرِيَّا بْنِ جَهْمٍ الَّذِي كَانَ خَلِيفَةَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَلَى مِصْرَ [(١)] .
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ بن الحمامي المقري بِبَغْدَادَ﵀-، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مَرْوَانَ: عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَرْوَانِيُّ قَاضِي مَدِينَةِ الرَّسُولِ بِالْمَدِينَةِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الدُّولَابِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْحَارِثِ أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الْفِهْرِيُّ، قَالَ: حدثنا
_________________
(١) [(١)] انظر سيرة ابن هشام (٤: ٢١٦)، ونقله ابن كثير في التاريخ (٤: ٢٧٢) .
[ ٤ / ٣٩٥ ]
هَارُونُ بْنُ يَحْيَى الْحَاطِبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ، قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الْمُقَوْقِسَ مَلِكِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ قَالَ: فَحَيَّيْتُهُ بِكِتَابِ رَسُولِ الله ﷺ، فَأَنْزَلَنِي فِي مَنْزِلِهِ وَأَقَمْتُ عِنْدَهُ، ثُمَّ بَعَثَ إِلَيَّ وَقَدْ جَمَعَ بَطَارِقَتَهُ فَقَالَ: إِنِّي سَأُكَلِّمُكَ بِكَلَامٍ وَأُحِبُّ أَنْ تَفْهَمَهُ مِنِّي قَالَ: قُلْتُ: هَلُمَّ، قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنْ صَاحِبِكَ أَلَيْسَ هُوَ نَبِيٌّ، قُلْتُ: بَلَى هُوَ رَسُولُ اللهِ، قَالَ: فَمَا لَهُ حَيْثُ كَانَ هَكَذَا لَمْ يَدْعُ عَلَى قَوْمِهِ حَيْثُ أَخْرَجُوهُ مِنْ بَلَدِهِ إِلَى غَيْرِهَا، قَالَ: فقلت عيسى بن مَرْيَمَ أَلَيْسَ تَشْهَدُ أَنَّهُ رَسُولُ اللهِ، فَمَا لَهُ حَيْثُ أَخَذَهُ قَوْمُهُ فَأَرَادُوا أَنْ يَغْلِبُوهُ [(٢)] أَلَّا يَكُونَ دَعَا عَلَيْهِمْ بِأَنْ يُهْلِكَهُمُ اللهُ ﷿ حَتَّى رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، قَالَ: أَنْتَ حَكِيمٌ جَاءَ مِنْ عِنْدِ حَكِيمٍ هَذِهِ هَدَايَا أَبْعَثُ بِهَا مَعَكَ إِلَى مُحَمَّدٍ وَأُرْسِلُ مَعَكَ بِبَذْرَقَةٍ يُبَذْرِقُونَكَ إِلَى مَأْمَنِكَ، قَالَ: فَأَهْدَى إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ثَلَاثٌ جَوَارٍ مِنْهُنَّ أُمُّ إِبْرَاهِيمُ بْنُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَوَاحِدَةٌ وَهَبَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأَبِي جَهْمِ بْنِ حُذَيْفَةَ الْعَدَوِيِّ وَوَاحِدَةٌ وَهَبَهَا لِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيِّ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ بِطُرَفٍ مِنْ طُرَفِهِمْ.
قَالَ هَارُونُ: تُوُفِّيَ حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁.
_________________
(١) [(٢)] فِي (ح): «يصلبوه» .
[ ٤ / ٣٩٦ ]
بَابُ غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ [(١)]
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو عُلَاثَةَ، مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ.
(ح) وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ بِبَغْدَادَ قال: أخبرنا أبو بكر محمد
_________________
(١) [(١)] انظر في هذه الغزوة: - طبقات ابن سعد (٢: ١٣١) . - سيرة ابن هشام (٤: ٢٣٢) . - المغازي للواقدي (٢: ٧٦٩) . - تاريخ الطبري (٣: ٣٢) . - عيون الأثر (٢: ٢٠٤) . - البداية والنهاية (٤: ٢٧٣) . - الروض الأنف (٢: ٣٥٩) . - السيرة الحلبية (٣: ١٩٠) . - السيرة الشامية (٦: ٢٦٢) . - شرح المواهب (٣: ٢٧٨) .
[ ٤ / ٣٩٧ ]
ابْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَتَّابٍ الْعَبْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ قَالَ:
حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ عَمِّهِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، قَالَا: غَزْوَةُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ذَاتُ السَّلَاسِلِ [(٢)] مِنْ مَشَارِفِ الشَّامِ فِي بَلِيٍّ وَسَعْدِ اللهِ، وَمَنْ يَلِيهِمْ مِنْ قُضَاعَةَ، وَفِي رِوَايَةِ عُرْوَةَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي بَلِيٍّ وَهُمْ أَخْوَالُ الْعَاصِ [(٣)] بْنِ وَائِلٍ وَبَعْثَهُ فِيمَنْ يَلِيهِمْ مِنْ قُضَاعَةَ وَأُمِّرَ عَلَيْهِمْ.
قَالَ مُوسَى: فَخَافَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ مِنْ جَانِبِهِ الَّذِي هُوَ بِهِ فَبَعَثَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يَسْتَمِدُّهُ فَنَدَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ فَانْتُدِبَ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي سَرَاةِ الْمُهَاجِرِينَ وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ،
_________________
(١) [(٢)] السلاسل بسينين مهملتين الاولى مفتوحة على المشهور الذي جزم به أبو عبيد البكري، وياقوت والحازمي، وصاحب القاموس، والسيد وخلق لا يحصون، والثانية مكسورة واللام مخففة. وقال ابن الأثير بضم السين الاولى. وقال في زاد المعاد بضم السين وفتحها لغتان كذا قال. وصاحب القاموس مع اطلاعه لم يحك في الغزوة إلا الفتح، وعبارته: «السلسل كجعفر وخلخال الماء العذب او البارد كالسلاسل بالضم» . ثم قال: «وتسلسل الماء جرى في حدور والسلسلة اتصال الشيء بالشيء، والقطعة الطويلة من السنام، ويكسر وبالكسر دائر من حديد ونحوه.. والسلاسل رمل يتعقد بعضه على بعض وينقاد.. وثوب مسلسل فيه وشيء مخطط، وغزوة ذات السلاسل هي وراء وادي القرى» . وقال النووي في التهذيب: أظن ان ابن الأثير استنبطه من صحاح الجوهري من غير نقل عنده فيه ولا دلالة في كلامه. قلت وعبارة الجوهري: «وماء سلسل وسلسال سهل الدخول في الحلق لعذوبته وصفائه، والسلاسل بالضم مثله، ويقال معنى يتسلسل أنه إذا جرى او ضربته الريح يصير كالسلسلة» . وقال ابن إسحاق وجمع: «وهو ماء بأرض جذام وبه سميت الغزوة» . وقال أبو عبيد البكري: «[ذات السلاسل بفتح أوله على لفظ جمع سلسلة] رمل بالبادية» . انتهى. فعلى هذا سمى المكان بذلك لأن الرمل الذي كان به كان بعضه على بعض كالسلسلة. وأغرب من قال: سميت الغزوة بذلك لأن المشركين ارتبط بعضهم الى بعض مخافة ان يغزوا. وذكر الجمهور ومنهم ابن سعد انها كانت في جمادي الآخرة سنة ثمان وقيل كانت سنة سبع، وبه جزم ابن أبي خالد في صحيح التاريخ. [(٣)] في (ح): «عمرو بن العالي بن وائل» .
[ ٤ / ٣٩٨ ]
فَأَمَدَّ بِهِمْ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ [(٤)] .
قَالَ عُرْوَةُ: وَعَمْرٌو يَوْمَئِذٍ فِي سَعْدِ اللهِ وَتِلْكَ النَّاحِيَةِ مِنْ قُضَاعَةَ.
قَالَ مُوسَى: فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى عَمْرٍو، قَالَ: أَنَا أَمِيرُكُمْ وَأَنَا أَرْسَلْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَسْتَمِدُّهُ بِكُمْ، قال المهاجرون: بل أَنْتَ أَمِيرُ أَصْحَابِكَ وَأَبُو عُبَيْدَةَ أَمِيرُ الْمُهَاجِرِينَ، فَقَالَ عَمْرٌو: إِنَّمَا أَنْتُمْ مَدَدٌ أُمْدِدْتُ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَكَانَ رَجُلًا حَسَنَ الْخُلُقِ لِيِّنَ الشِّيمَةِ سَعَى لِأَمْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ [عَلَيْهِ] [(٥)]، وَعَهْدِهِ
قَالَ: تَعْلَمُ يَا عَمْرُو أَنَّ آخِرَ مَا عَهِدَ إِلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ قَالَ: إِذَا قَدِمْتَ عَلَى صَاحِبِكَ فَتَطَاوَعَا» وَإِنَّكَ إِنْ عَصَيْتَنِي لَأُطِيعَنَّكَ فَسَلَّمَ أَبُو عُبَيْدَةَ الْإِمَارَةَ لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ.
لَفْظُ حَدِيثِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ وَحَدِيثُ عُرْوَةَ بِمَعْنَاهُ [(٦)] .
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحُصَيْنِ التَّمِيمِيُّ، عَنْ غَزْوَةِ ذات السلاسل من أرض بَلِيٍّ وَعُذْرَةَ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ لِيَسْتَنْفِرَ الْعَرَبَ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَذَلِكَ أَنَّ أُمَّ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ كَانَتِ امْرَأَةً مِنْ بَلِيٍّ فَبَعَثَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَيْهِمْ يَسْتَأْلِفُهُمْ بِذَلِكَ حَتَّى إِذَا كَانَ
_________________
(١) [(٤)] ليس في تأمير رسول الله ﷺ عمرا عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ تفضيله عليهما بل السبب في ذلك معرفته بالحرب كما ذكر ذلك أبو بكر لعمر كما في حديث بريدة، فإن عمرا كان أحد دهاة العرب، وكون العرب الذين أَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ إن يستعين بهم أخوال أبيه كما ذكر في القصة فهم أقرب إجابة اليه من غيره. وروى البيهقي عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ عَنْ بعض شيوخه أن رسول الله ﷺ قَالَ: «إني لأومر الرجل على القوم وفِيهِمْ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ لِأَنَّهُ أَيْقَظُ عَيْنًا وَأَبْصَرُ بالحرب» . [(٥)] ليست في (أ) . [(٦)] خبر موسى بن عقبة نقله ابن كثير في التاريخ (٤: ٢٧٣) .
[ ٤ / ٣٩٩ ]
عَلَى مَاءٍ بِأَرْضِ جُذَامَ يُقَالُ لَهَا السَّلَاسِلُ وَبِذَلِكَ سُمِّيَتْ تِلْكَ الْغَزَاةُ ذَاتَ السَّلَاسِلِ فَلَمَّا كَانَ عَلَيْهِ خَافَ فَبَعَثَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يَسْتَمِدُّهُ وَبَعَثَ إِلَيْهِ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ فِي الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَقَالَ لِأَبِي عُبَيْدَةَ حِينَ وَجَّهَهُ لَا تَخْتَلِفَا فَخَرَجَ أَبُو عُبَيْدَةَ حَتَّى إِذَا قَدِمَ عَلَيْهِ قَالَ لَهُ عَمْرٌو: إِنَّمَا جِئْتَ مَدَدًا إِلَيَّ فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: لَا وَلَكِنِّي عَلَى مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَنْتَ عَلَى مَا أَنْتَ عَلَيْهِ وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ رَجُلًا لَيِّنًا [سَهْلًا] [(٧)] هَيِّنًا عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا، فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: بَلْ أَنْتَ مَدَدٌ لِي
فَقَالَ لَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ: يَا عَمْرُو إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: لَا تَخْتَلِفَا
وَإِنَّكَ إِنْ عَصَيْتَنِي أَطَعْتُكَ، فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: فَإِنِّي أَمِيرٌ عَلَيْكَ وَإِنَّمَا أَنْتَ مَدَدٌ لِي قَالَ:
فَدُونَكَ فَصَلَّى عَمْرٌو بِالنَّاسِ [(٨)] .
قَالَ: وَحَدَّثَنَا يُونُسُ عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ ثَعْلَبَةَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، قَالَ:
بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ فِي سَرِيَّةٍ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄، فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَى مَكَانِ الْحَرْبِ أَمَرَهُمْ عَمْرٌو أَنْ لَا يُنَوِّرُوا نَارًا فَغَضِبَ عُمَرُ فَهَمَّ أَنْ يَأْتِيَهُ فَنَهَاهُ أَبُو بَكْرٍ وَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَعْمِلْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيْكَ إِلَّا لِعِلْمِهِ بِالْحَرْبِ فَهَدَّأَ عَنْهُ.
قَالَ: وَحَدَّثَنَا [يُونُسُ] [(٩)] عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ عَنْ بَعْضِ مَشْيَخَتِهِمْ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: إِنِّي لَأُؤمِّرُ الرَّجُلَ عَلَى الْقَوْمِ فِيهِمْ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ لِأَنَّهُ أَيْقَظُ عَيْنًا وَأَبْصَرُ بِالْحَرْبِ [(١٠)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الله الحافظ وأبو سعيد بن أَبِي عَمْرٍو قَالَا: حَدَّثَنَا الْعَبَّاسِ:
مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ أن خالد
_________________
(١) [(٧)] الزيادة من (ح) . [(٨)] رواه ابن هشام في السيرة (٤: ٢٣٢) . [(٩)] الزيادة من (أ) . [(١٠)] رواه البيهقي عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ، عَنْ بعض شيوخه.
[ ٤ / ٤٠٠ ]
الْحَذَّاءُ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ يَقُولُ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى جَيْشِ ذِي السَّلَاسِلِ وَفِي الْقَوْمِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَحَدَّثْتُ نَفْسِي أَنَّهُ لَمْ يَبْعَثْنِي عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ إِلَّا لِمَنْزِلَةٍ لِي عِنْدَهُ، فَأَتَيْتُهُ حَتَّى قَعَدْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ مَنْ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيْكَ قَالَ: عَائِشَةُ قُلْتُ: إِنِّي لَسْتُ أَسْأَلُكَ عَنْ أَهْلِكِ قَالَ: فَأَبُوهَا قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ قَالَ: ثُمَّ عُمَرُ قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ حَتَّى عَدَّ رَهْطًا قَالَ: قُلْتُ: فِي نَفْسِي لَا أَعُودُ أَسْأَلُ عَنْ هَذَا.
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحِ [(١١)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْأَصْبَهَانِيُّ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ ابن الْجَهْمِ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَرَجِ، حَدَّثَنَا الْوَاقِدِيُّ حَدَّثَنَا رَبِيعَةُ بْنُ عُثْمَانَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، أَنَّ عُبَيْدَةَ لَمَّا آبَ إِلَى عَمْرٍو، فَصَارُوا خَمْسَ مِائَةٍ سَارَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ حَتَّى وَطِئَ بِلَادَ بَلِيٍّ وَدَوْحَةَ وَكُلَّمَا انْتَهَى إِلَى مَوْضِعٍ بَلَغَهُ أَنَّهُ قَدْ كَانَ بِهَذَا الْمَوْضِعِ جَمْعٌ فَلَمَّا سَمِعُوا بِكَ تَفَرَّقُوا حَتَّى انْتَهَى إِلَى أَقْصَى بِلَادِ بَلِيٍّ وَعُذْرَةَ وَبَلْقِينَ وَلَقِيَ فِي آخِرِ ذَلِكَ جَمْعًا لَيْسَ بِالْكَثِيرِ فَاقْتَتَلُوا سَاعَةً وَتَرَامَوْا بِالنَّبْلِ وَرُمِيَ يَوْمَئِذٍ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ فَأُصِيبَ ذِرَاعُهُ، وَحَمَلَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ فَهَرَبُوا وَأَعْجَزُوا هَرَبًا فِي الْبِلَادِ وَتَفَرَّقُوا وَدَوَّخَ عَمْرٌو مَا هُنَاكَ وَأَقَامَ أَيَّامًا لَا يُسْمَعُ لَهُمْ بِجَمْعٍ وَلَا مَكَانٍ صَارُوا فِيهِ فَكَانَ يَبْعَثُ أَصْحَابَ الْخَيْلِ فَيَأْتُونَ بِالشَّاءِ وَالنِّعَمِ وَكَانُوا يَنْحَرُونَ وَيَذْبَحُونَ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ لَمْ تَكُنْ [لَهُمْ] [(١٢)] غَنَائِمُ تُقْسَمُ إِلَّا مَا لا ذكر له [(١٣)] .
بإسناده قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَاقِدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَفْلَحُ بْنُ سَعِيدٍ عن سعيد بن
_________________
(١) [(١١)] رواه البخاري في المناقب، في باب فضائل أبي بكر الصديق، ومسلم في فضائل الصحابة، باب فضائل ابي بكر، الحديث ٨، ص (١٨٥٦) . [(١٢)] الزيادة من (ح) . [(١٣)] رواه الواقدي (٢: ٧٧) من المغازي.
[ ٤ / ٤٠١ ]
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رُقَيْشٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، قَالَ: كَانَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ حِينَ قَفَلُوا احْتَلَمَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ كَأَشَدِّ مَا يَكُونُ مِنَ الْبَرْدِ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: مَا تَرَوْنَ قَدْ وَاللهِ احْتَلَمْتُ وَإِنِ اغْتَسَلْتُ مُتُّ فَدَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ وَغَسَلَ فَرْجَهُ وَتَيَمَّمَ ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى بِهِمْ فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ بَعَثَ عَوْفَ بْنَ مَالِكٍ بَرِيدًا قَالَ عَوْفٌ: فَقَدِمْتُ علي رسول الله ﷺ فِي السَّحَرِ وَهُوَ يُصَلِّي فِي بَيْتِهِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ؟ قُلْتُ: نَعَمْ عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: صَاحِبُ الْجَزُورِ، قُلْتُ: نَعَمْ لَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا بَعْدَ ذَلِكَ شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ: أَخْبِرْنِي فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا كَانَ مِنْ مَسِيرِنَا وَمَا كَانَ بَيْنَ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ وَبَيْنَ عَمْرٍو وَمُطَاوَعَةِ أَبِي عُبَيْدَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: يَرْحَمُ اللهُ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ، ثُمَّ أَخْبَرَتُهُ أَنَّ عَمْرًا صَلَّى بِالنَّاسِ وَهُوَ جُنُبٌ وَمَعَهُ مَاءٌ لَمْ يَزِدْ عَلَى أَنْ غَسَلَ فَرْجَهُ وَتَيَمَّمَ فَأَسْكَتَ رسول الله ﷺ فَلَمَّا قَدِمَ عَمْرٌو عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ سَأَلَهُ عَنْ صَلَاتِهِ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَوِ اغْتَسَلْتُ لَمُتُّ لَمْ أَجِدْ بَرْدًا قَطُّ مِثْلَهُ وَقَدْ قَالَ اللهُ ﷿ [(١٤)] وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيمًا [(١٥)] فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّهُ قَالَ لَهُ شَيْئًا [(١٦)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الرُّوذْبَارِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ دَاسَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ:
سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ أَيُّوبَ يُحَدِّثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي أَنَسٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ فَأَشْفَقْتُ إِنِ اغْتَسَلْتُ أَنْ أَهْلِكَ فَتَيَمَّمْتُ ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي الصُّبْحَ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا عَمْرُو صَلَّيْتَ بأصحابك وأنت جنب
_________________
(١) [(١٤)] في (ح): «تعالى» . [(١٥)] [النساء- ٢٩] . [(١٦)] مغازي الواقدي (٢: ٧٧٣- ٧٧٤) .
[ ٤ / ٤٠٢ ]
فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي مَنَعَنِي مِنَ الِاغْتِسَالِ وَقُلْتُ: إِنِّي سَمِعْتُ اللهَ- جَلَّ ثَنَاؤُهُ- يَقُولُ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا فَضَحِكَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا.
وأَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الرُّوذْبَارِيُّ أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ دَاسَةَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ وعَمْرُو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي أَنَسٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي قبيس مَوْلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ كَانَ عَلَى سَرِيَّةٍ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ نَحْوَهُ قَالَ: فَغَسَلَ مَغَابِنَهُ وَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ صَلَّى بِهِمْ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ لَمْ يَذْكُرِ التَّيَمُّمَ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَى هَذِهِ الْقِصَّةَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ، قَالَ:
فِيهِ فَتَيَمَّمَ
.
[ ٤ / ٤٠٣ ]
بَابُ مَا جَاءَ فِي الْجَزُورِ الَّتِي نُحِرَتْ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ وَمَا جَرَى لِعَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ فِيهَا وَإِخْبَارِ النَّبِيِّ ﷺ عَوْفًا بِعِلْمِهِ بِهَا قَبْلَ أَنْ يُخْبِرَهُ عَوْفُ [بْنُ مَالِكٍ ﵁] [(١)]
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَبِيبٍ، قَالَ: حُدِّثْتُ عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ قَالَ: كُنْتُ فِي الْغَزْوَةِ الَّتِي بَعَثَ فِيهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ فَصَحِبْتُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ فَمَرَرْتُ بِقَوْمٍ وَهُمْ عَلَى جَزُورٍ قَدْ نَحَرُوهَا وَهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يُعُضُّوهَا، وَكُنْتُ امرءا جَازِرًا فَقُلْتُ لَهُمْ: تُعْطُونِي مِنْهَا عَشِيرًا عَلَى أَنْ أَقْسِمَهَا بَيْنَكُمْ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ فَأَخَذْتُ الشَّفْرَتَيْنِ فَجَزَيْتُهَا مَكَانِي وَأَخَذْتُ مِنْهَا [(٢)] جُزْءًا فَحَمَلْتُهُ إِلَى أَصْحَابِي فَأُطْعِمْنَا وَأَكَلْنَا، فَقَالَ: أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ: أَنَّى لَكَ هَذَا اللَّحْمُ يَا عَوْفُ؟ فَأَخْبَرْتُهُمَا فَقَالَا: لَا وَاللهِ مَا أَحْسَنْتَ حِينَ أَطْعَمَتْنَا هَذَا، ثُمَّ قَامَا يَتَقَيَّآنِ مَا فِي بُطُونِهِمَا مِنْهُ، فَلَمَّا قَفَلَ النَّاسُ مِنْ ذَلِكَ السَّفَرِ كُنْتُ أَوَّلَ قَادِمٍ عَلَى رسول الله ﷺ فَجِئْتُهُ وَهُوَ يُصَلِّي فِي بَيْتِهِ
فَقُلْتُ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ فَقَالَ:
عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ فَقُلْتُ نَعَمْ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي
فَقَالَ: صَاحِبُ الْجَزُورِ لَمْ يَزِدْنِي عَلَى ذَلِكَ
_________________
(١) [(١)] الزيادة من (ح) . [(٢)] في (ح): «منهم» .
[ ٤ / ٤٠٤ ]
شَيْئًا [(٣)] .
قَصَّرَ
بِإِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، وَرَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ وابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ لَقِيطٍ، أَخْبَرَهُ عَنْ مَالِكِ بْنِ هَدْمٍ أَظُنُّهُ عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: غَزَوْنَا وَعَلَيْنَا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَفِينَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ فَأَصَابَتْنَا مَخْمَصَةٌ شَدِيدَةٌ فَانْطَلَقْتُ أَلْتَمِسُ الْمَعِيشَةَ فالتقيت قوما يريدون ينحرون جَزُورًا لَهُمْ فَقُلْتُ: إِنْ شِئْتُمْ كَفَيْتُكُمْ نَحْرَهَا وَعَمَلَهَا وَأَعْطُونِي مِنْهَا فَفَعَلْتُ فَأَعْطَوْنِي مِنْهَا شَيْئًا فَصَنَعْتُهُ ثُمَّ أَتَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَسَأَلَنِي مِنْ أَيْنَ هُوَ [فَأَخْبَرْتُهُ] [(٤)] فَقَالَ: أَسْمَعُكَ قَدْ تَعَجَّلْتَ أَجْرَكَ وَأَبَى أَنْ يَأْكُلَهُ ثُمَّ أَتَيْتُ أَبَا عُبَيْدَةَ يَعْنِي ابْنَ الْجَرَّاحِ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ لِي مِثْلَهَا وَأَبَى أَنْ يَأْكُلَهُ فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ تَرَكْتُهَا قَالَ: ثُمَّ أَبْرَدُونِي فِي فَتْحٍ لَنَا فَقَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ فَقَالَ صَاحِبُ الْجَزُورِ وَلَمْ يَزِدْ عَلَيَّ شَيْئًا.
وَفِي حَدِيثِ سَعِيدٍ لَمْ يَزِدْنِي عَلَى ذَلِكَ.
أَخْبَرَنَاهُ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ، أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ حَدَّثَنَا ابْنُ عُثْمَانَ أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللهِ هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: يَعْقُوبُ، وَحَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ الرَّبِيعِ أَخْبَرَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ فذكره.
_________________
(١) [(٣)] رواه ابن هشام في السيرة (٤: ٢٣٤) ونقله ابن كثير في التاريخ (٤: ٢٧٥) . [(٤)] ليست في (ح) .
[ ٤ / ٤٠٥ ]
بَابُ سَرِيَّةِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ [(١)] رَضِيَ اللهُ [تَعَالَى] [(٢)] عَنْهُ إِلَى سِيفِ الْبَحْرِ وَمَا رَزَقَ اللهُ تِلْكَ السَّرِيَّةَ مِنَ الْبَحْرِ حِينَ أَصَابَتْهُمْ مَخْمَصَةٌ
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شَيْبَانَ الرَّمْلِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ سَمِعَ عَمْرٌو جَابِرَ ابن عَبْدِ اللهِ (ح) .
وأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأَدِيبُ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاجِيَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْجَرْجَرَائِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عُمَرَ، وعَنْ جَابِرٍ، قَالَ: بَعَثَنَا النَّبِيُّ [(٣)] ﷺ فِي ثَلَاثِمِائَةِ رَاكِبٍ أَمِيرُنَا أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، نَرْصُدُ عِيرًا لِقُرَيْشٍ، فَأَصَابَنَا جُوعٌ شَدِيدٌ، حتى
_________________
(١) [(١)] قال جماعة من اهل المغازي كانت هذه السرية سنة ثمان. قال في زاد المعاد، والبداية والنور: وفيه نظر لما رواه الشيخان من حديث جابر ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بعثهم يرصدون عيرا لقريش، وظاهر هذا الحديث ان هذه السرية كانت قبل الهدنة بالحديبية، فإنه من حين صَالَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قريشا لم يكن ليرصد لهم عيرا بل كان زمن أمن وهدنة إلى حين الفتح. ويبعد أن تكون سرية الخبط على هذا الوجه اتفقت مرتين [مرة] قبل الصلح ومرة بعده. قلت وسيأتي في الثالث من كلام الحافظ ما يروي الغليل. [(٢)] الزيادة من (ح) . [(٣)] في (ح): «رسول الله» .
[ ٤ / ٤٠٦ ]
أَكَلْنَا الْخَبَطَ فَسُمِّي جَيْشَ الْخَبَطِ ذَلِكَ الْجَيْشُ، قَالَ: وَنَحَرَ رَجُلٌ ثَلَاثَ جَزَائِرَ ثُمَّ نَحَرَ ثَلَاثَ جَزَائِرَ ثُمَّ نَحَرَ ثَلَاثَ جَزَائِرَ ثُمَّ إِنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ نَهَاهُ، قَالَ: فَأَلْقَى إِلَيْنَا الْبَحْرُ دَابَّةً يُقَالُ لَهَا الْعَنْبَرُ، فَأَكَلْنَا مِنْهُ نِصْفَ شَهْرٍ وَادَّهَنَّا مِنْهُ حَتَّى ثَابَتْ أَجْسَامُنَا، وَصَلُحَتْ فَأَخَذَ أَبُو عُبَيْدَةَ ضِلْعًا مِنْ أَضْلَاعِهِ فَنَظَرَ إِلَى أَطْوَلِ رَجُلٍ فِي الْجَيْشِ وَأَطْوَلِ جَمَلٍ فَحَمَلَهُ عَلَيْهِ وَمَرَّ تَحْتَهُ.
لَفْظُ حَدِيثِ الْجَرْجَرَائِيِّ. قَالَ الرَّمْلِيُّ: فِي رِوَايَتِهِ فِي نَحْرِ الْجَزَائِرِ وَكَانَ يَرَوْنَهُ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ الْعَلَاءِ كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ [(٤)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْمِهْرَجَانِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمُزَكِّي، أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا ابْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا مَالِكٌ (ح) .
وأَنْبَأَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ، حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعْثًا قِبَلَ السَّاحِلِ وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ وَهُمْ ثَلَاثُمِائَةٍ قَالَ جَابِرٌ: وَأَنَا فِيهِمْ فَخَرَجْنَا حَتَّى إِذَا كُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ فَنِيَ الزَّادُ فَأَمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِأَزْوَادِ ذَلِكَ الْجَيْشِ فَجَمَعَ ذَلِكَ كُلَّهُ فَكَانَ مِزْوَدَيْ تَمْرٍ قَالَ: فَكَانَ يَقُوتُنَا كُلَّ يَوْمٍ قَلِيلًا قَلِيلًا حَتَّى فَنِيَ وَلَمْ يَكُنْ يُصِيبُنَا إِلَّا تَمْرَةٌ تَمْرَةٌ قَالَ: فَقُلْتُ: وَمَا تَعْنِي تَمْرَةٌ قَالَ: لَقَدْ وَجَدْنَا فَقْدَهَا حِينَ فَنِيَتْ قال:
_________________
(١) [(٤)] أخرجه البخاري في المغازي، ٦٥- باب غزوة سيف البحر، الحديث (٤٣٦١)، فتح الباري (٨: ٧٧)، وأخرجه مسلم في الذبائح (٤) باب إباحة ميتات البحر، الحديث (١٨)، ص (١٥٣٦) .
[ ٤ / ٤٠٧ ]
ثُمَّ انْتَهَيْنَا إِلَى الْبَحْرِ فَإِذَا حُوتٌ مِثْلُ الظَّرِبِ فَأَكَلَ مِنْهُ ذَلِكَ الْجَيْشُ ثَمَانَ عَشْرَةَ لَيْلَةً ثُمَّ أَمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِضِلَعَيْنِ مِنْ أَضْلَاعِهِ فَنُصِبَا ثُمَّ أَمَرَ بِرَاحِلَةٍ فَرُجِّلَتْ ثُمَّ مرّ تحتها فلم يصيبهما لَفْظُ حَدِيثِ ابْنِ بُكَيْرٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ أَبِي أُوَيْسٍ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مَالِكٍ [(٥)] .
أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي وَأَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ بن هاني، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو الْحَرَشِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ (ح) .
وَأَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ، أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ قُتَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَنْبَأَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ وَهُوَ زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَمَّرَ عَلَيْنَا أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ نَتَلَقَّى عِيرًا لِقُرَيْشٍ وَزَوَّدَنَا جِرَابًا مِنْ تَمْرٍ لَمْ يَجِدْ لَنَا غَيْرَهُ، فَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ يُعْطِينَا تَمْرَةً تَمْرَةً قَالَ:
فَقُلْتُ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ بِهَا؟ قَالَ: نَمَصُّهَا كَمَا يَمُصُّ الصَّبِيُّ، ثُمَّ نَشْرَبُ عَلَيْهَا الْمَاءَ فَتَكْفِينَا يَوْمَنَا إِلَى اللَّيْلِ، وَكُنَّا نَضْرِبُ بَعْضُنَا الْخَبَطَ ثُمَّ نَبُلُّهُ بِالْمَاءِ فَنَأْكُلُهُ قَالَ: فَانْطَلَقْنَا عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ فَوُضِعَ لَنَا عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ كَهَيْئَةِ الْكَثِيبِ الضَّخْمِ فَأَتَيْنَاهُ فَإِذَا دَابَّةٌ تُدْعَا الْعَنْبَرَ فَقَالَ أَبُو عبيد: مَيْتَةٌ ثُمَّ قَالَ: لَا بَلْ نَحْنُ رُسُلُ رَسُولِ الله ﷺ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَقَدِ اضْطُرِرْتُمْ فَكُلُوا قَالَ: فَأَقَمْنَا عَلَيْهَا شَهْرًا وَنَحْنُ ثَلَاثُمِائَةٍ حَتَّى سَمِنَّا، وَلَقَدْ كُنَّا نَغْتَرِفُ مِنْ وَقْتِ عَيْنِهِ بِالْقِلَالِ الدُّهْنَ وَنَقْتَطِعُ مِنْهُ الْفِدْرَ كَالثَّوْرِ أَوْ كَقَدْرِ الثَّوْرِ.
وَلَقَدْ أَخَذَ مِنَّا أَبُو عُبَيْدَةَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا فَأَقْعَدَهُمْ فِي عَيْنِهِ وَأَخَذَ ضِلَعًا مِنْ
_________________
(١) [(٥)] البخاري في الذبائح، ومسلم في: ٣٤- كتاب الصيد والذبائح، ٤- باب اباحة ميتات البحر، الحديث (٢١)، ص (١٥٣٧) .
[ ٤ / ٤٠٨ ]
أضلاعه فأقامتها ثُمَّ رَحَّلَ أَعْظَمَ بَعِيرٍ مِنْهَا فَمَرَّ تَحْتَهَا وَتَزَوَّدْنَا مِنْ لَحْمِهِ وَشَائِقَهُ [(٦)] فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ أَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: هُوَ رِزْقٌ أَخْرَجَهُ اللهُ لَكُمْ فَهَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ تُطْعِمُونَا؟ قَالَ: فَأَرْسَلْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْهُ فَأَكَلَ.
لَفْظُ حَدِيثِ ابْنِ عَبْدَانَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى وَأَحْمَدَ ابن يونس [(٧)] .
_________________
(١) [(٦)] (وشائق): هو اللحم يؤخذ فيغلي، إغلاء، ولا ينضج، ويحمل في الأسفار. [(٧)] صحيح مسلم في: ٣١- كتاب الصيد، (٤) باب إباحة ميتات البحر، الحديث (١٧) ص (١٥٣٥) .
[ ٤ / ٤٠٩ ]
بَابُ نَعْيِ رَسُولِ اللهِ ﷺ النجاشي النجاشي في اليوم الْيَوْمُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ وَذَلِكَ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، وأبو سعيد محمد ابن مُوسَى بْنِ الْفَضْلِ، قَالُوا: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ أَنْبَأَنَا الرَّبِيعُ ابن سُلَيْمَانَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، أَنْبَأَنَا مَالِكٌ، وَأَنْبَأَنَا أَبُو نَصْرِ بْنُ قَتَادَةَ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللهِ ابن مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الرَّازِيُّ، أَنْبَأَنَا مُوسَى الْأَعْينُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ:
قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَعَى لِلنَّاسِ النَّجَاشِيَّ الْيَوْمَ الَّذِي مَاتَ فِيهِ وَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى الْمُصَلَّى وَصَفَّ بِهِمْ وَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ.
أَخْرَجَاهُ [(١)] فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ [(٢)] .
وَأَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ ابْنَ شَرِيكٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ،
_________________
(١) [(١)] فِي (أ): أخرجه. [(٢)] أخرجه البخاري في: ٢٣- كتاب الجنائز (٤) باب الرجل ينعي الى اهل الميت نفسه، ومسلم في: ١١- كتاب الجنائز (٢٢) باب التكبير على الجنازة، حديث (٦٢)، والحديث أخرجه مالك في الموطأ في كتاب الجنائز الحديث (١٤)، صفحة (١: ٢٢٦- ٢٢٧) .
[ ٤ / ٤١٠ ]
عَنْ سَعِيدٍ، وَأَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: نَعَى لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ النَّجَاشِيَّ صَاحِبَ الْحَبَشَةِ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَقَالَ: اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ.
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَفَّ بِهِمُ الْمُصَلَّى وَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ وأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ اللَّيْثِ [(٣)] .
أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ الْفَقِيهُ أَنْبَأَنَا أَبُو حَامِدِ بْنُ بِلَالٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ الرَّبِيعِ الْمَكِّيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَمَّا مَاتَ النَّجَاشِيُّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: اسْتَغْفِرُوا لَهُ.
وَأَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو حَامِدٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَاتَ الْيَوْمَ رجل طالح فَصَلُّوا عَلَى أَصْحَمَةَ [(٤)] .
حَدِيثُ جَابِرٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي الرَّبِيعِ عَنْ سُفْيَانَ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخر عن أبي جُرَيْجٍ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الله الْحَافِظُ، وَأَبُو بَكْرٍ الْقَاضِي، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ:
_________________
(١) [(٣)] أخرجه البخاري في: ٢٣- كتاب الجنائز، (٤) باب الرجل ينعي الى اهل بيته، ومسلم في:
(٢) كتاب الجنائز (٢٢) باب التكبير على الجنازة. [(٤)] حَدِيثُ جَابِرٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ في ٢٣- كتاب الجنائز، (٦٥) باب التكبير على الجنازة أربعا، ومسلم في: ١١- كتاب الجنائز، (٢٢) باب التكبير على الجنازة.
[ ٤ / ٤١١ ]
[كَانَ] [(٥)] لَا يَزَالُ يُرَى عَلَى قَبْرِ النَّجَاشِيِّ نُورٌ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ السُّلَمِيُّ، وأَبُو نَصْرٍ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ قَتَادَةَ، قَالَا: أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ يَحْيَى بْنُ مَنْصُورٍ الْقَاضِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ البوسنجيّ، حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ الزَّنْجِيُّ، وَهُوَ مُسْلِمُ بْنُ خَالِدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ قِرْفَةَ وَإِنَّمَا سُمِّيَ الزَّنْجِيَّ لِحُمْرَتِهِ وَكَانَ هُوَ الَّذِي يُفْتِي بِمَكَّةَ بَعْدَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ أُمِّهِ عَنْ، أُمِّ كُلْثُومٍ قَالَتْ لَمَّا تَزَوَّجَ النَّبِيُّ ﷺ أُمَّ سَلَمَةَ، قَالَ: إِنِّي قَدْ أَهْدَيْتُ إِلَى النَّجَاشِيِّ أَوَاقٍ مِنْ مِسْكٍ وَحُلَّةً، وَإِنِّي لَا أُرَاهُ إِلَّا قَدْ مَاتَ، وَلَا أَرَى الْهَدِيَّةَ إِلَّا سَتُرَدُّ عَلَيَّ، فَإِنْ رُدَّتْ عَلَيَّ أَظُنُّهُ قَالَ قَسَمْتُهَا بَيْنَكُنَّ أَوْ فَهِيَ لَكُنَّ، قَالَ: فَكَانَ كَمَا قَالَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، مَاتَ النَّجَاشِيُّ وَرُدَّتْ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رُدَّتْ عَلَيْهِ أَعْطَى كُلَّ امْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِهِ أُوقِيَّةً مِنْ ذَلِكَ الْمِسْكِ، وَأَعْطَى سَائِرَهُ أُمَّ سَلَمَةَ وَأَعْطَاهَا الْحُلَّةَ [(٦)] .
قَوْلُهُ وَلَا أُرَاهُ إِلَّا قَدْ مَاتَ يُرِيدُ وَاللهُ أَعْلَمُ قَبْلَ بُلُوغِ الْهَدِيَّةِ إِلَيْهِ وَهَذَا الْقَوْلُ صَدَرَ مِنْهُ قَبْلَ مَوْتِهِ ثُمَّ لَمَّا مَاتَ نَعَاهُ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ وَصَلَّى عَلَيْهِ.
تم السفر الرابع من كتاب دلائل النبوة ومعرفة احوال صاحب الشريعة ويليه الخامس وأوله: جُمَّاعُ أَبْوَابِ فَتْحِ مَكَّةَ حرسها الله. وآخر دعوانا ان الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
_________________
(١) [(٥)] ليست في (ح) . [(٦)] في (ح): «وأعطى الحلة لها» .
[ ٤ / ٤١٢ ]
الجزء الخامس
السفر الخامس من دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة تكملة أبواب جمّاع الغزوات جُمَّاعُ أَبْوَابِ فَتْحِ مَكَّةَ حرسها الله.
غزوة حنين.
جُمَّاعُ أَبْوَابِ غَزْوَةِ تَبُوكَ.
جُمَّاعُ أَبْوَابِ وُفُودِ الْعَرَبِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ.
حَجَّةَ الوداع.
[ ٥ / ٣ ]