عدله ﷺ
[ترغيب النبي ﷺ في العدل]
وقد رغَّب النبي ﷺ في العدل، ومن ذلك أنه قال: «سبعة يُظِلُّهم الله في ظِلِّه يوم لا ظِلِّ إلا ظِلُّه: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله. . .» الحديث (١).
وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن المقسطين عند الله على منابر من نورٍ عن يمين الرحمن ﷿ وكِلتَا يديه يمينٌ، الذين يعدلون في حُكمِهم، وأهليهم، وَمَا وَلُوا» (٢).
العدل له مجالات كثيرة لا تحصر منها: العدل في الولاية، والعدل في القضاء، والعدل في تطبيق الحدود، والعدل في المعاملات بين الناس، والعدل في الإصلاح بين الناس، والعدل مع الأعداء، والعدل مع الأولاد، والعدل بين الزوجات. . . وغير ذلك.
_________________
(١) البخاري، برقم ٦٦٠، ومسلم، برقم ١٠٣١.
(٢) مسلم، برقم ١٨٢٧.
[ ١٢٥ ]
المثال الأول: مع المرأة المخزومية التي سرقت
ومن الأمثلة العظيمة في تطبيق النبي ﷺ العدل الأمثلة الآتية:
المثال الأول: مع المرأة المخزوميَّة التي سرقت: قد كان النبي ﷺ أعدل البشر في جميع أموره وأحكامه، ومما يضرب به المثل في عدله إلى يوم القيامة قصة المخزومية التي سرقت فقطع يدها بعد أن شفع فيها أسامة، ولكن الرسول ﷺ لم يحابِ في ذلك، ولم يقبل الشفاعة في حد من حدود الله تعالى.
فعن عائشة - ﵂ - «أن قريشًا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت في عهد النبي ﷺ في غزوة الفتح، فقالوا: من يُكلِّم فيها رسول الله ﷺ؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد، حِبُّ رسول الله ﷺ فأُتيَ بها رسول الله ﷺ، فكلمه فيها أسامة بن زيد، فتلوَّن وجه رسول الله ﷺ فقال: "أتشفع في حد من حدود الله؟ " فقال له أسامة: استغفر لي يا رسول الله! فلما كان العشي
[ ١٢٦ ]
قام رسول الله ﷺ فاختطب فأثنى على الله بما هو أهله، فقال: "أما بعد، أيها الناس: إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وإني والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها».
ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها.
قالت عائشة: فحسنت توبتها بعد، وتزوجت، وكانت تأتيني فأرفع حاجتها إلى رسول الله ﷺ (١).
إن العدل خلاف الجور، وقد أمر الله - ﷿ - به في القول والحكم، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ
_________________
(١) البخاري مع الفتح بنحوه مختصرًا في كتاب الحدود، باب إقامة الحد على الشريف والوضيع ١٢/ ٨٦، برقم ٦٧٨٦، وباب كراهية الشفاعة في الحد إذا رفع إلى السلطان ١٢/ ٨٧، برقم ٦٧٨٨ ٦/ ٥١٣، برقم ٣٤٧٥، ٥/ ٢٥٥، برقم ٢٦٤٨، ورواه مسلم بلفظه في كتاب الحدود، باب قطع السارق الشريف وغيره، والنهي عن الشفاعة في الحدود ٣/ ١٣١٥، برقم ١٦٨٨، وانظر: شرح النووي ١١/ ١٨٦، وفتح الباري بشرح صحيح البخاري ١٢/ ٩٥، ٩٦.
[ ١٢٧ ]
المثال الثاني مع النعمان بن بشير وابنه ﵄
كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [الأنعام: ١٥٢] وقال: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨].
ولاشك أن هذا الخلق العظيم وغيره من أخلاقه ﷺ مما يوجب على المسلم تطبيقها أسوة به ﷺ (١).
المثال الثاني: مع النعمان بن بشير وابنه ﵄: وعن النعمان بن بشير ﵄ قال وهو على المنبر: «أعطاني أبي عطيَّةً، فقالت عمرة بنتُ رواحة: لا أرضَ حتى تُشهِدَ رسول الله ﷺ، فأتى رسولَ الله ﷺ فقال: إني أعطيتُ ابني من عمرة بنت رواحة عطيَّةً فأمرتني أن أُشهدكَ يا رسولَ الله، قال: "أعطيت سائر
_________________
(١) انظر مواقف حكيمة في هذا الشأن في: سنن أبي داود ٢/ ٢٤٢، والترمذي ٣/ ١٣٧، والنسائي ٧/ ٦٤، وانظر أيضًا: البخاري مع الفتح ٣/ ٢٩٢، برقم ١٤٢٣، ٢/ ١٤٣، برقم ٦٤٠، ١١/ ٣١٢، برقم ٦٤٧٩، ١٢/ ١١٢، برقم ٦٨٠٦، ومسلم ٣/ ١٤٥٨، برقم ١٨٢٧ - ١٨٣٠ وهذا الحبيب يا محبّ ص٥٣٤، ٥٣٥.
[ ١٢٨ ]
ولدك مثل هذا؟ " قال: لا. قال: "فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم» قال: فرجع فردَّ عطيته. وفي رواية: أن النبي ﷺ قال: «ألك ولدٌ سواه؟ " قال: نعم، قال: فأراه قال: "لا تُشهدني على جور» وفي لفظ: «لا أشهد على جور» وفي لفظ: «إني نحلتُ ابني هذا غلامًا، فقال: "أَكُلَّ ولدك نحلتَه مثلَهُ؟ " قال: لا. قال: "فأرجعه» وفي لفظ لمسلم: «أليس تريد منهم البر مثل ما تريد من ذا؟ " قال: بلى، قال: "فإني لا أشهد» (١).
والنحلة: العطية بغير عوض (٢) وفي هذا الحديث حرص النبي ﷺ على العدل بين الأولاد، ووصيته ﷺ بالتقوى، وبالعدل بين الأولاد وغيرهم، وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن باز ﵀ يقول: (وهذا واضح أنه لا يجوز تخصيص بعض الأولاد بشيء؛ لأن
_________________
(١) البخاري، برقم ٢٥٨٦، ٢٥٨٧، ٢٦٥٠، ومسلم، برقم ١٨ - (١٦٢٣).
(٢) انظر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري، لابن حجر، ٥/ ٢١٣.
[ ١٢٩ ]
المثال الثالث عدله مع أهله ﷺ
هذا يسبب الشحناء بين الأولاد والعداوة، وللذكر مثل حظ الأنثيين كالميراث على الصحيح، ويعدل بين الطائعين والعصاة، ويُوجِّه العصاة وينصحون) (١).
المثال الثالث: عدله مع أهله ﷺ: عن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ يقسم بين نسائه فيعدل ويقول: "اللهم هذا قسمي فيما أملكُ فلا تلُمني فيما تَمْلِكُ ولا أَمْلِكُ» (٢).
وقد قسم النبي ﷺ فعدل بين نسائه، وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: قوله: "فلا تلمني فيما تملك" يعني القلب، وما يتعلق به؛ فإن المحبة والمودة شيء في القلب، لا يستطيع الزوج أَنْ يسوِّيَ بينهنَّ فيه، وله أسباب تحبب المرأة إلى زوجها: من دينها، وشبابها، وغير
_________________
(١) سمعته أثناء تقريره على الحديث رقم ٢٥٨٦ من صحيح البخاري.
(٢) أبو داود، برقم ٢١٣٤، والترمذي برقم ١١٤٠، والنسائي ٧/ ٦٤، وابن ماجه، برقم ١٩٧١، وسمعت ابن باز يقول أثناء تقريره على بلوغ المرام: (إسناده جيد).
[ ١٣٠ ]
ذلك، وإنما يملك العبد القسم بينهن بالسوية في الليل والنهار، والنفقة وإحسان العشرة، وطيب الكلام، أما الشيء الذي يتعلق بالقلب والشهوة فهذا لا يملكه) (١).
وعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «من كانت له امرأتان فمال إلى إِحداهما جاء يوم القيامة وشِقُّهُ مائل» (٢).
وهذا الحديث يدل على تحريم الميل الذي يستطيعه الإنسان، أما الميل الذي لا يستطيعه فالله يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وقال: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ
_________________
(١) سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ١٠٨٤.
(٢) أحمد ٢/ ٣٤٧، وأبو داود برقم ٢١٣٣، والترمذي برقم ١١٤١، والنسائي، ٧/ ٦٣، وابن ماجه برقم ١٩٦٩، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود ١/ ٥٩٣.
[ ١٣١ ]
فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: ١٢٩]، وفي هذا الحديث الوعيد لمن تعمَّد الجور والظلم، وأنه يأتي يوم القيامة وشقه مائل، وهذه عقوبة ظاهرة (١).
ومن سنته ﷺ أن من تزوَّج بكرًا أقام عندها سبع ليالٍ ثم قسم بين زوجاته إذا كان له أكثر من واحدة؛ لحديث أنس ﵁ قال: «من السُّنَّة إذا تزوَّج الرجل البكر على الثيِّب أقام عندها سبعًا ثم قسم، وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثًا ثم قسم» (٢).
وعن أم سلمة ﵂ «أن النبي ﷺ لما تزوَّجها أقام عندها ثلاثًا، وقال: "إنه ليس بك على أهلك هوان (٣) إن شئت سبَّعتُ لَكِ، وإن سبَّعتُ لَكِ سبَّعْتُ لنسائي» (٤).
_________________
(١) سمعته من شيخنا ابن باز أثناء تقريره على بلوغ المرام.
(٢) متفق عليه، واللفظ للبخاري: البخاري، برقم ٥٢١٤، ومسلم، برقم ١٤٦١.
(٣) هوان: يعني ليس لكِ عندي هوان
(٤) مسلم، برقم ١٤٦٠.
[ ١٣٢ ]
وعن عائشة ﵂: «أن سودة بنتُ زَمْعةَ وَهبت يومها لعائشة، وكان النبيُّ ﷺ يقسم لعائشة يومها ويوم سودة» (١).
وعن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ لا يُفضِّل بعضنا على بعضٍ في القَسْمِ من مكثه عندنا، وكان قلَّ يومٍ إلا وهو يطوف علينا جميعًا فيدنو من كل امرأة من غير مسيس حتى يبلغ إلى التي هو يومها فيبيت عندها، ولقد قالت سودة بنتُ زَمعة حين أسنت (٢) وفَرِقت (٣) أن يفارقها رسول الله ﷺ قالت: يا رسول الله يومي لعائشة، فقبل ذلك رسول الله ﷺ منها، قالت: نقول في ذلك: أنزل الله تعالى وفي أشباهها - أُرَاه قال - ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا﴾ [النساء: ١٢٨]» (٤).
_________________
(١) البخاري برقم ٥٢١٢، ومسلم برقم ١٤١٣.
(٢) أسنت: كبرت في السن.
(٣) فرِقت: خافت.
(٤) أبو داود، برقم ٢١٣٥، وقال الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٥٩٤: = = «حسن صحيح»، وأصل هبة سودة يومها لعائشة في صحيح مسلم برقم ١٤٦٣ وصحيح البخاري برقم ٥٢١٢.
[ ١٣٣ ]
وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: تزوج النبي ﷺ سودة بعد خديجة وَقَبْلَ عائشة وطالت حياتها معه فلما أسنت وخافت أن يطلقها قالت: «يا رسول الله: يومي لعائشة». رواه أبو داود وإسناده جيد، وهذا يدل على أنه لا بأس أن تتنازل المرأة عن يومها لإحدى ضرَّاتها إذا رضي الزوج، فيكون للموهوبة يومان ولغيرها يوم (١).
وقد كان هذا الوقت المشترك بعد العصر؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا صلَّى العصر دار على نسائه ثم يدنو منهن. . .» (٢) وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: وهذا يدل على حسن عشرته ﷺ، فقد كان خير الناس لأهله، فكان يطوف عليهن كل عصر يتفقد أحوالهنَّ وحاجاتهنَّ وذلك من
_________________
(١) سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام الحديث رقم ١٠٨٩.
(٢) البخاري برقم ٥٢٦٨، ومسلم واللفظ له برقم ١٤٧٤.
[ ١٣٤ ]
غير جماع، وربما طاف بهنَّ وجامعهن كما في حديث أنس، بغسل واحد، ولعل هذا نادر والجمع بين حديث عائشة هذا وحديث أنس أنه في الغالب من غير مسيس وربما جامع، فالمثبت مقدم على النافي (١).
ولفظ حديث أنس ﵁ قال: «كان النبي ﷺ يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار وهن إحدى عشرة قال الراوي لأنس: أَوَكان يُطيقه؟ قال: كُنَّا نتحدَّثُ أنه أُعطي قوَّة ثلاثين»، وقال سعيد عن قتادة أن أنسًا حدثهم (تسع نسوة) (٢) وقد حمل الحافظ ابن حجر أنه ضمَّ مارية، وريحانة: جاريتيه إلى زوجاته التسع، وأطلق عليهن (نسائه) تغليبًا (٣) وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: (هذه قوة عظيمة عنده تسع نسوة،
_________________
(١) سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام الحديث رقم ١٠٨٩.
(٢) البخاري، برقم ٢٦٨، ٢٨٤، ٥٠٦٨، ٥٢١٥.
(٣) فتح الباري، ١/ ٣٨٩.
[ ١٣٥ ]
وجاريتان: ريحانة، ومارية) (١) (وهذا يدل على أن الرجل له أن يجامع زوجاته [في الوقت المشترك بينهن] تأسيًا به ﷺ، وهذا من خلقه الكريم)، وفي حديث أنس قال: «كان للنبي ﷺ تسع نسوة فكان إذا قسم بينهن لا ينتهي إلى المرأة الأولى إلا في تسع فَكُنَّ يجتمعن كل ليلة في بيت التي يأتيها. . .» (٢). وسمعت شيخنا ابن باز يقول: (وهذا عِلاوة على طوافه عليهن كل عصر، وهذا يكسبهن تعارفًا وإبعادًا عن الوحشة؛ فإن بين الضرات وحشة، فاجتماعهن كل ليلة يسبب التآلف) (٣).
ومن عدله ﷺ بين نسائه أنه كان إذا أراد سفرًا أقرع بينهن، قالت عائشة ﵂: «كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها
_________________
(١) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ٢٦٨، بتاريخ ٢٣/ ٧/١٤١٨هـ.
(٢) مسلم، برقم ١٤٦٢.
(٣) سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث ١٠٨٩.
[ ١٣٦ ]
خرج بها معه» (١).
ومن عدله وكرم أخلاقه ﷺ ما قاله أنس ﵁، قال: «كان النبي ﷺ عند بعض نسائه فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين صحفةً فيها طعام، فضربت التي النبيُّ ﷺ في بيتها يدَ الخادم فسقطت الصحفةُ فانفلقت، فجمع النبي ﷺ فِلَقَ الصحفة، ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصحفة، ويقول: "غارت أُمُّكم" ثم حبس الخادم حتى أُتِيَ بصحفةٍ من عند التي هو في بيتها، فدفع الصحفة الصحيحة إلى التي كُسِرَتْ صحفتها، وأمسك المكسورة في بيت التي كُسِرَت فيه» (٢).
هذه الأحاديث تدل على عِظَمِ النبيِّ ﷺ وعلى عدله مع نسائه، وحسن خلقه معهن، وملاطفتهن، والقيام بحقوقهن ﷺ.
_________________
(١) البخاري، برقم ٢٥٩٣، ومسلم برقم ٢٧٧٠.
(٢) البخاري، برقم ٥٢٢٥ و٢٤٨١.
[ ١٣٧ ]