رفقه ولينه ﷺ
أولًا: ترغيبه ﷺ في الرفق: عن عائشة - ﵂ - أن النبي ﷺ قال لها: «إنه من أُعطي حظه من الرفق فقد أُعطي حظه من خير الدنيا والآخرة، وصلة الرحم، وحسن الخلق، وحسن الجوار يعمران الديار ويزيدان في الأعمار» (١).
فقط عظَّم النبي ﷺ شأن الرفق في الأمور كلها، وبيَّن ذلك بفعله وقوله بيانًا شافيًا كافيًا؛ لكي تعمل أمَّتهُ بالرفق في أمورها كلها، وخاصة الدعاة إلى الله - ﷿ -؛ فإنهم أولى الناس بالرفق في دعوتهم، وفي جميع تصرفاتهم، وأحوالهم. وهذا الحديث السابق وغيره من الأحاديث التي ستأتي تُبيِّن فضل الرفق، والحث على التخلق به، وبغيره من الأخلاق الحسنة، وذم العنف وذم من تخلق به.
_________________
(١) أخرجه أحمد ٦/ ١٥٩، وإسناده صحيح؛ انظر الأحاديث الصحيحة للألباني برقم ٥١٩.
[ ١٧٦ ]
فالرفق سبب لكل خير؛ لأنه يحصل به من الأغراض ويسهل من المطالب، ومن الثواب ما لا يحصل بغيره، وما لا يأتي من ضده (١).
وقد حذر النبي ﷺ من العنف، وعن التشديد على أمته ﷺ، فعن عائشة - ﵂ - قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول في بيتي هذا: «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشقَّ عليهم، فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به» (٢) وكان ﷺ إذا أرسل أحدًا من أصحابه في بعض أموره أمرهم بالتيسير ونهاهم عن التنفير، فعن أبي موسى - ﵁ - قال: كان رسول الله ﷺ إذا بعث أحدًا من أصحابه في بعض أموره قال:
_________________
(١) انظر: شرح النووي على مسلم ١٦/ ١٤٥، وفتح الباري بشرح صحيح البخاري ١٠/ ٤٤٩، وتحفة الأحوذي بشرح سنن الترمذي ٦/ ١٥٤.
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الجهاد، باب فضيلة الإمام العادل، وعقوبة الجائر والحث على الرفق بالرعية والنهي عن إدخال المشقة عليهم ٣/ ١٤٥٨، برقم ١٨٢٨.
[ ١٧٧ ]
«بشِّرُوا ولا تُنفِّرُوا، ويسِّرُوا ولا تُعسِّرُوا» (١).
وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: «إذا أراد الله -﷿- بأهل بيت خيرًا أدخل عليهم الرفق» (٢).
وقال ﷺ لأبي موسى الأشعري ومعاذ - ﵄ - حينما بعثهما إلى اليمن: «يسَّرا ولا تعسِّرا، وبشِّرا ولا تنفِّرا، وتطاوَعَا ولا تختلِفَا» (٣).
وعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: قال رسول الله ﷺ: «يسِّرُوا ولا تعسِّرُوا، وبشِّرُوا ولا تنفِّرُوا» (٤).
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب الأمر بالتيسير وترك التنفير ٣/ ١٣٥٨، برقم ١٧٣٢.
(٢) أخرجه أحمد في المسند ٦/ ٧١، قال الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة: حديث صحيح من رواية عائشة ﵂ ٣/ ٢١٩ برقم ١٢١٩.
(٣) البخاري مع الفتح في كتاب المغازي، باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن قبل حجة الوداع ٨/ ٦٢، برقم ٤٣٤٤، و٢٣٤٥، ومسلم في كتاب الجهاد والسير باب الأمر بالتيسير وترك التنفير ٣/ ١٣٥٩، واللفظ له، برقم ١٧٣٣.
(٤) البخاري مع الفتح في كتاب العلم، باب ما كان النبي - ﷺ - يتخولهم بالموعظة والعلم كي لا ينفروا ١/ ١٦٣، برقم ٦٩، ومسلم في كتاب الجهاد والسير، باب الأمر بالتيسير وترك التنفير ٣/ ١٣٥٩، برقم ١٧٣٢.
[ ١٧٨ ]
في هذه الأحاديث الأمر بالتيسير والنهي عن التنفير، وقد جمع النبي ﷺ في هذه الألفاظ بين الشيء وضده؛ لأن الإنسان قد يفعل التيسير في وقت والتعسير في وقت، ويُبشِّرُ في وقت ويُنفِّرُ في وقت آخر فلو اقتصر على يسروا لصدق ذلك على من يسَّر مرة أو مرات، وعسَّر في معظم الحالات، فإذا قال ولا تُعسِّرُوا انتفى التعسير في جميع الأحوال من جميع وجوهه وهذا هو المطلوب. وكذا يقال في يسِّرا ولا تُعسرا، وبشِّرا ولا تُنفِّرا، وتطاوعا ولا تختلفا؛ لأنهما قد يتطاوعان في وقت ويختلفان في وقت وقد يتطاوعان في شيء ويختلفان في شيء، والنبي ﷺ قد حث في هذه الأحاديث وفي غيرها على التبشير بفضل الله وعظيم ثوابه، وجزيل عطائه، وسعة رحمته، ونهى عن التنفير بذكر التخويف وأنواع الوعيد محضة من غير ضمها إلى التبشير، وهذا فيه تأليف لمن قَرُبَ إسلامه وتَرْكُ التَّشديد عليه، وكذلك من قَارَبَ البلوغ من
[ ١٧٩ ]
الصبيان، ومن بلغ، ومن تاب من المعاصي كلهم ينبغي أن يتدرج معهم ويُتلطَّف بهم في أنواع الطاعات قليلًا قليلًا، وقد كانت أمور الإسلام في التَّكليف على التَّدريج فمتى يُسِّرَ على الداخل في الطاعة، أو المُريد للدخول فيها سَهُلَتْ عليه وكانت عاقبته غالبًا الازدياد منها، ومتى عُسِّرت عليه أوْشَكَ أن لا يدخل فيها، وإن دخل أوشك أن لا يدوم ولا يستحليها (١). وهكذا تعليم العلم ينبغي أن يكون بالتدريج؛ ولهذا كان النبي ﷺ يتخوَّل أصحابه بالموعظة في الأيام كراهة السَّآمة عليهم (٢).
فصلوات الله وسلامه عليه فقد دل أمته على كل خير وحذرهم من كل شر، ودعا على من شق على أمته، ودعا لمن رفق بهم كما تقدم في حديث عائشة وهذا من أبلغ الزواجر عن المشقة على الناس، وأعظم الحث على الرفق بهم (٣).
_________________
(١) انظر: شرح النووي على مسلم ١٢/ ٤١، وفتح الباري ١/ ١٦٣.
(٢) انظر: فتح الباري ١/ ١٦٢، ١٦٣.
(٣) انظر: شرح النووي على مسلم ١٢/ ٢١٣.
[ ١٨٠ ]
ثانيا رفقه ﷺ
المثال الأول مع شاب استأذن في الزنا
ثانيًا: رفقه ﷺ: كان ﷺ رفيقًا يحب الرِّفق ويعمل به، ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر ما يأتي:
المثال الأول: مع شاب استأذن في الزنا: عن أبي أمامة - ﵁ - قال: «إن فتىً شابًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، ائذن لي بالزنا، فأقبل القوم عليه فزجروه، وقالوا له: مه مه! فقال له: "ادنه"، فدنا منه قريبًا، قال: "أتحبه لأمك؟ " قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال: "ولا الناس يحبونه لأمهاتهم". قال: "أفتحبه لابنتك؟ " قال: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداءك. قال: "ولا الناس يحبونه لبناتهم". قال: "أفتحبه لأختك؟ " قال: لا والله جعلني الله فداءك. قال: "ولا الناس يحبونه لأخواتهم". قال: "أفتحبه لعمتك؟ " قال: لا والله، جعلني الله فداءك. قال: "ولا الناس يحبونه
[ ١٨١ ]
لعماتهم". قال: "أفتحبه لخالتك؟ " قال: لا والله جعلني الله فداءك. قال: "ولا الناس يحبونه لخالاتهم". قال: فوضع يده عليه، وقال: "اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصِّن فرجه"، فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء» (١).
وهذا الموقف العظيم مما يؤكد على الدعاة إلى الله - ﷿ - أن يعتنوا بالرفق والإحسان إلى الناس، ولاسيما من يُرغَبُ في استئلافهم ليدخلوا في الإسلام، أو ليزيد إيمانهم ويثبتوا على إسلامهم.
وكما يبين لنا الرسول ﷺ الرِّفق بفعله بينه لنا بقوله وأمرنا بالرفق في الأمر كله.
المثال الثاني: مع اليهود: عن عائشة - ﵂ - قالت: «دخل رهط من
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند من حديث أبي أمامة - ﵁ - ٥/ ٢٥٦، ٢٥٧، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد، وعزاه إلى الطبراني وقال: رجاله رجال الصحيح ١/ ١٢٩، وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني، برقم ٣٧٠ ج١.
[ ١٨٢ ]
اليهود على رسول الله ﷺ فقالوا: السَّامُ عليكم. قالت عائشة: ففهمتها فقلت: وعليكم السَّامُ واللعنة. قالت: فقال رسول الله ﷺ: "مهلًا يا عائشة إن الله يُحبُّ الرفق في الأمر كله"، فقلت: يا رسول الله أو لم تسمع ما قالوا؟ قال رسول الله ﷺ: "قد قلت وعليكم» (١).
وقال ﷺ: يا عائشة «إن الله رفيق يُحب الرفق، ويُعطي على الرفق ما لا يُعطي على العُنْف، وما لا يُعطي على ما سواه» (٢).
وقال ﷺ: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا يُنْزع من شيء إلا شانه» (٣).
وبين ﷺ أن من حُرِمَ الرفق فقد حُرِمَ الخير، قال ﷺ:
_________________
(١) البخاري مع الفتح، كتاب الأدب، باب الرفق في الأمر كله ١٠/ ٤٤٩، برقم ٦٠٢٤.
(٢) أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب فضل الرفق، عن عائشة ﵂ ٤/ ٢٠٠٤، برقم ٢٥٩٣.
(٣) المرجع السابق، في الكتاب والباب المشار إليهما سابقًا ٤/ ٢٠٠٤، عن عائشة ﵂ أيضًا، برقم ٢٥٩٤.
[ ١٨٣ ]
المثال الثالث مع من بال في المسجد
«من يُحرم الرفق يُحرم الخير» (١).
وعن أبي الدرداء - ﵁ - عن النبي ﷺ قال: «من أُعطيَ حظه من الرفق فقد أعطي حظه من الخير، ومن حُرِمَ حظه من الرفق فقد حرم حظه من الخير» (٢) وعنه - ﵁ - يبلغ به قال: «من أُعطي حظَّه من الرفق أُعطي حظَّه من الخير، وليس شيء أثقل في الميزان من الخُلُق الحسن» (٣).
المثال الثالث: مع من بال في المسجد: عن أنس بن مالك - ﵁ - قال: «بينما نحن في المسجد مع رسول الله ﷺ إذ جاء أعرابي، فقام يبول في المسجد،
_________________
(١) المرجع السابق، في الكتاب والباب المشار إليهما سابقًا عن جرير بن عبد الله - ﵁ - ٤/ ٢٠٠٣، برقم ٢٥٩٢.
(٢) أخرجه الترمذي في كتاب البر والصلة، باب ما جاء في الرفق ٤/ ٣٦٧، برقم ٢٠١٣، وقال حديث حسن صحيح، وانظر: صحيح الترمذي ٢/ ١٩٥.
(٣) أخرجه أحمد في المسند ٦/ ٤٥١، انظر: الأحاديث الصحيحة للألباني رقم ٨٧٦، فقد ذكر له شواهد كثيرة.
[ ١٨٤ ]
فقال أصحاب رسول الله ﷺ: مَه مَهْ (١) قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تزرموه (٢) دعوه"، فتركوه حتى بال، ثم إن رسول الله ﷺ دعاه فقال له: "إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول، ولا القذر، إنما هي لذكر الله، والصلاة وقراءة القرآن"، أو كما قال رسول الله ﷺ.
قال: فأمر رجلًا من القوم فجاء بِدَلْوٍ من ماءٍ فشنَّه (٣) عليه» (٤).
وقد ثبت في البخاري وغيره أن هذا الرجل هو الذي
_________________
(١) مه: كلمة زجر، وهو اسم مبني على السكون، معناه: اسكت. وقيل: أصلها: ما هذا؟ انظر: شرح النووي ٣/ ١٩٣.
(٢) لا تزرموه: أي لا تقطعوا عليه بوله. والإزرام: القطع. انظر: المرجع السابق ٣/ ١٩٠.
(٣) شنه: أي صبه عليه. انظر: المرجع السابق ٣/ ١٩٣.
(٤) أخرجه مسلم بلفظه في كتاب الطهارة، باب وجوب غسل البول وغيره من النجاسات إذا حصلت في المسجد وأن الأرض تطهر بالماء من غير حاجة إلى حفرها ١/ ٢٣٦، برقم ٢٨٥، والبخاري مع الفتح، بمعناه مختصرًا في كتاب الوضوء، باب ترك النبي - ﷺ - والناس الأعرابي حتى فرغ من بوله في المسجد ١/ ٣٢٢، برقم ٢١٩، وروايات بول الأعرابي في البخاري مع الفتح في عدة مواضع ١/ ٢٢٣، ١٠/ ٤٤٩، ١٠/ ٥٢٥.
[ ١٨٥ ]
قال: (اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا)، فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: «قام رسول الله ﷺ وقمنا معه، فقال أعرابي وهو في الصلاة: اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا، فلما سلم النبي ﷺ قال للأعرابي: "لقد حجرت واسعًا" يريد رحمة الله» (١).
وتُفسِّر هذه الرواية الروايات الأخرى عند غير البخاري، فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: «دخل رجل أعرابي المسجد فصلى ركعتين ثم قال: اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا! فالتفت إليه رسول الله ﷺ فقال: "لقد تحجَّرت واسعًا"، ثم لم يلبث أن بال في المسجد، فأسرع الناس إليه فقال لهم رسول الله ﷺ: "إنما بُعثتم مُيسِّرين، ولم تُبعثوا مُعسِّرين، أهريقوا عليه دلوًا من ماء، أو سجلًا من ماء» (٢).
_________________
(١) البخاري مع الفتح، كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم ١٠/ ٤٣٨، برقم ٦٠١٠.
(٢) أخرجه الترمذي بنحوه في كتاب الطهارة، باب ما جاء في البول يصيب الأرض ١/ ٢٧٥، برقم ١٤٧، وأخرجه أحمد في المسند بترتيب أحمد شاكر واللفظ = = لأحمد ١٢/ ٢٤٤، برقم ٧٢٥٤، وأخرجه أحمد أيضًا مطولًا ٢٠/ ١٣٤ برقم ١٠٥٤٠، وأبو داود مع العون ٢/ ٣٩.
[ ١٨٦ ]
قال: يقول الأعرابي بعد أن فقه: «فقام النبي ﷺ إليَّ بأبي وأمي فلم يسبَّ، ولم يؤنِّبْ، ولم يضرب» (١).
النبي ﷺ أحكم خلق الله، فمواقفه وتصرفاته كلها مواقف حكمة مشرفة، ومن وقف على أخلاقه ورفقه وعفوه وحلمه، ازداد يقينه وإيمانه بذلك.
وهذا الأعرابي قد عمل أعمالًا تثير الغضب، وتسبب عقوبته وتأديبه من الحاضرين؛ ولذلك قام الصحابة إليه، واستنكروا أمره، وزجروه، فنهاهم النبي ﷺ أن يقطعوا عليه بوله.
وهذا في غاية الرفق والحلم والرحمة، ويجمع ذلك كله الحكمة، فقد أنكر النبي ﷺ بالحكمة على هذا الأعرابي
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند بترتيب أحمد شاكر وهو تكملة للحديث السابق من رواية أبي هريرة - ﵁ - ٢٠/ ١٣٤، برقم ١٠٥٤٠، وابن ماجه ١/ ١٧٥، برقم ٥٢٩، ٥٣٠.
[ ١٨٧ ]
عمله، فقال له حينما قال: (اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا): «لقد تحجرت واسعًا»، يريد ﷺ رحمة الله، فإن رحمة الله قد وسعت كل شيء، قال ﷿: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦]، فقد بخل هذا الأعرابي برحمة الله على خلقه.
وقد أثنى الله ﷿ على من فعل خلاف ذلك حيث قال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠]
وهذا الأعرابي قد دعا بخلاف ذلك فأنكر عليه النبي ﷺ بالرِّفق واللين والرحمة (١).
وحينما بال في المسجد أمر النبي ﷺ بتركه؛ لأنه قد شرع في المفسدة، فلو منع ذلك لزادت المفسدة، وقد حصل تلويث
_________________
(١) انظر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري ١٠/ ٤٣٩.
[ ١٨٨ ]
جزء من المسجد، فلو منعه ﷺ بعد ذلك لدار بين أمرين:
إما أن يقطع عليه بوله فيتضرر الأعرابي بحبس البول بعد خروجه.
وإما أن يقطعه فلا يأمن من تنجيس بدنه، أو ثوبه، أو مواضع أخرى من المسجد.
فأمَرَ النبي ﷺ بالكف عنه للمصلحة الراجحة، وهي دفع أعظم المفسدتين أو الضررين باحتمال أيسرهما، وتحصيل أعظم المصلحتين بترك أيسرهما (١).
وهذا من أعظم الحكم العالية، فقد راعى النبي ﷺ هذه المصالح، وما يقابلها من المفاسد، ورسم ﷺ لأمته والدعاة من بعده كيفية الرفق بالجاهل، وتعليمه ما يلزمه من غير تعنيف، ولا سبٍّ ولا إيذاء ولا تشديد، إذا لم يكن ذلك منه عنادًا ولا استخفافًا، وقد كان لهذا
_________________
(١) انظر: فتح الباري، شرح صحيح البخاري ١/ ٣٢٥، وشرح النووي على مسلم ٣/ ١٩١.
[ ١٨٩ ]
المثال الرابع مع معاوية بن الحكم
الاستئلاف والرحمة والرفق الأثر الكبير في حياة هذا الأعرابي وغيره، فقد قال بعد أن فقه - كما تقدم - وفي رواية الإمام أحمد: فقام النبي ﷺ إليَّ بأبي وأمي، فلم يسبَّ، ولم يؤنِّبْ، ولم يضرب (١).
فقد أثَّر هذا الخلق العظيم في حياة الرجل (٢).
المثال الرابع: مع معاوية بن الحكم: عن معاوية بن الحكم السلمي - ﵁ - قال: «بينما أنا أصلي مع رسول الله ﷺ إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله! فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أمياه ما شأنكم تنظرون إليَّ؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم فلما رأيتهم يصمتونني، لكني
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في كتاب الطهارة، باب الأرض يصيبها البول كيف تغسل ١/ ١٧٥، برقم ٥٢٩، وتقدم تخريجه عند أحمد.
(٢) انظر: فتح الباري ١/ ٣٢٥، وشرح النووي ٣/ ١٩١، وعون المعبود شرح سنن أبي داود ٢/ ٣٩، وتحفة الأحوذي، شرح سنن الترمذي ١/ ٤٥٧.
[ ١٩٠ ]
سكت، فلما صلى رسول الله ﷺ فبأبي هو وأمي ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه، فوالله ما كهرني (١) ولا ضربني ولا شتمني، قال: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن"، أو كما قال رسول الله ﷺ.
قلت: يا رسول الله! إني حديث عهد بجاهلية، وقد جاء الله بالإسلام، وإنَّ منَّا رجالًا يأتون الكهان، قال: "فلا تأتهم".
قال: ومنَّا رجال يتطيرون، قال: "ذاك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدنهم" (٢) (قال ابن الصلاح: فلا يصدنكم)، قال: قلت: ومنا رجال يخطُّون. قال: "كان نبي من الأنبياء يخطُّ، فما وافق خطه فذاك» (٣).
_________________
(١) ما كهرني: أي ما قهرني ولا نهرني. انظر: شرح النووي ٥/ ٢٠.
(٢) قال العلماء: معناه أن الطيرة شيء تجدونه في نفوسكم ضرورة، ولا عتب عليكم في ذلك، ولكن لا تمتنعوا بسببه من التصرف في أموركم. انظر: المرجع السابق ٥/ ٢٢.
(٣) اختلف العلماء في معناه، والصحيح أن معناه: من وافق خطه فهو مباح له؛ = = ولكن لا طريق لنا إلى العلم اليقيني بالموافقة فلا يُباح، والمقصود أنه حرام؛ لأنه لا يُباح إلا بيقين الموافقة، وليس لنا يقين بها، وقيل: إنه نُسِخَ في شرعنا. فحصل من مجموع كلام العلماء فيه الاتفاق على النهي عنه الآن فهو محرم. انظر: شرح النووي على صحيح مسلم ٥/ ٢٣.
[ ١٩١ ]
قال: «وكانت لي جارية ترعى غنمًا لي قِبَلَ أُحُد والجوَّانية (١) فاطلعت ذات يوم فإذا الذئب قد ذهب بشاة من غنمها، وأنا رجل من بني آدم، آسف كما يأسفون، لكني صككتها صكة، فأتيت رسول الله ﷺ فعظم ذلك عليَّ، قلت: يا رسول الله! أفلا أعتقها، قال: "ائتني بها"، فأتيته بها، فقال لها: "أين الله؟ " قالت: في السماء، قال: "من أنا؟ " قالت: أنت رسول الله. قال: "أعتقها فإنها مؤمنة» (٢).
وهذا الموقف من أعظم الحكم البارزة السامية التي
_________________
(١) الجوانية: موضع في شمال المدينة بقرب جبل أحد. انظر: المرجع السابق ٥/ ٢٣.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إباحته ١/ ٣٨١، برقم ٥٣٧، وانظر شرحه في شرح مسلم للنووي ٥/ ٢٠.
[ ١٩٢ ]
المثال الخامس مع من كانت يده تطيش
المثال السادس مع من أصاب من امرأته قبل الكفارة
أوتيها النبي ﷺ، وقد ظهر أثر ذلك في حياة ونفس معاوية - ﵁ -؛ لأن النفوس مجبولة على حب من أحسن إليها، ولهذا قال معاوية ﵁: ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه.
المثال الخامس: مع من كانت يده تطيش: عن عمر بن أبي سلمة - ﵁ - قال: «كنت غلامًا في حجر رسول الله ﷺ وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي رسول الله ﷺ: "يا غلام! سمِّ الله، وكُلْ بيمينك، وكُلْ مما يليك"، فمازالت تلك طعمتي بعد» (١).
المثال السادس: مع من أصاب من امرأته قبل الكفارة: عن سلمة بن صخر الأنصاري - ﵁ - قال في حديثه: «. . . خرجت فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته خبري فقال لي: "أنت بذاك؟ " فقلت: أنا بذاك، فقال: "أنت بذاك؟ "
_________________
(١) مسلم ٣/ ١٥٩٩ برقم ٢٠٢٢، والبخاري مع الفتح ٩/ ٥٢١ برقم ٥٣٧٦.
[ ١٩٣ ]
فقلت: أنا بذاك، فقال: "أنت بذاك؟ " فقلت: نعم ها أنذا فامضِ فيَّ حكمك فإني صابر له. قال: "أعتق رقبة" قال: فضربت صفحة رقبتي بيدي وقلت: لا والذي بعثك بالحق ما أصبحت أملك غيرها. قال: "فصم شهرين" قال: قلت: يا رسول الله وهل أصابني ما أصابني إلا في الصيام، قال: "فتصدق" قال فقلت: والذي بعثك بالحق لقد بتنا ليلتنا هذه وحشًا ما لنا عشاء. قال: "اذهب إلى صاحب صدقة بني زريق فقل له فليدفعها إليك، فأطعم عنك منها وسقًا ثم استعن بسائره عليك وعلى عيالك" قال فرجعت إلى قومي فقلت: وجدت عندكم الضيق وسوء الرأي ووجدت عند رسول الله ﷺ السعة والبركة وقد أمر لي بصدقتكم فادفعوها لي، قال: فدفعوها لي» (١).
_________________
(١) أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وانظر: صحيح الترمذي ١/ ٣٥٢، وإرواء الغليل ٧/ ١٧٩.
[ ١٩٤ ]
المثال السابع مع من بكت عند القبر
المثال السابع: مع من بكت عند القبر: عن أنس - ﵁ - قال: «مرَّ النبي ﷺ بامرأة تبكي عند قبر فقال: "اتقِ الله واصبري" قالت: إليك عنِّي فإنك لم تُصَبْ بمصيبتي، ولم تعرفه، فقيل لها: إنه النبي ﷺ. فأتت النبي ﷺ فلم تجد عنده بوَّابين، فقالت: لم أعرفك. فقال: "إنما الصبر عند الصدمة الأولى» (١) وهذا فيه الدلالة على رفق النبي ﷺ بالجاهل، وترك المؤاخذة.
_________________
(١) البخاري مع الفتح ٣/ ١٤٨ برقم ١٢٨٣.
[ ١٩٥ ]