توديعه للأحياء والأموات ﷺ
عن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ كلما كان ليلتها من رسول الله ﷺ يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وآتاكم ما توعدون، غدًا مؤجلون وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد» (١). وفي رواية أنه قال ﷺ: «فإن جبريل أتاني. . فقال إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم قالت عائشة: يا رسول الله، كيف أقول لهم؟ قال: قولي: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون» (٢).
وقد ذكر الإمام الأُبِّي رحمه الله تعالى أن خروجه هذا
_________________
(١) البقيع هو مدفن أهل المدينة، وسمي بقيع الغرقد، لغرقد كان فيه، وهو ما عظم من العوسج. انظر: شرح النووي ٧/ ٤٦، وشرح الأبي على مسلم ٣/ ٣٩٠.
(٢) أخرجه مسلم برقم ٩٧٤.
[ ٣٥٤ ]
كان في آخر عمره ﷺ (١) وهذا والله أعلم يدل على توديعه للأموات كما فعل مع شهداء أحد؛ ولهذا والله أعلم كان يخرج في الليل ويقف في البقيع يدعو لهم كما قالت عائشة ﵂: «ثم انطلقت على إثره حتى جاء البقيع فقام فأطال القيام ثم رفع يديه ثلاث مرات ثم انحرف. . .» (٢).
وعن عقبة بن عامر ﵁ «أن النبي ﷺ خرج يومًا فصلى على قتلى أُحد صلاة الميت (٣) بعد ثماني سنين كالمودع للأحياء والأموات ثم طلع على المنبر فقال: إني بين أيديكم فرط لكم، وأنا شهيد عليكم، وإن موعدكم الحوض، وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن من مقامي هذا، وإني قد أعطيت مفاتيح خزائن الأرض، أو مفاتيح
_________________
(١) انظر: شرح الأبي على صحيح مسلم ٣/ ٣٨٨، وفتح الباري ٧/ ٣٤٩.
(٢) مسلم برقم ٩٧٤.
(٣) الأحاديث الصحيحة دلت أن شهداء المعركة لا يصلى عليهم، أما هذا الحديث فكأنه - ﷺ - دعا لهم واستغفر لهم حين علم قرب أجله مودعًا لهم بذلك، كما ودع أهل البقيع بالاستغفار لهم. انظر: فتح الباري ٣/ ٢١٠ و٧/ ٣٤٩ ورجح ذلك العلامة ابن باز في تعليقه على فتح الباري ٦/ ٦١١.
[ ٣٥٥ ]
الأرض، وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي (١) ولكني أخاف عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها [وتقتتلوا فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم] قال عقبة: فكانت آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله ﷺ [على المنبر]» (٢).
فتوديعه ﷺ للأحياء ظاهر؛ لأن سياق الأحاديث يشعر أن ذلك كان آخر حياته ﷺ، وأما توديعه للأموات فباستغفاره لأهل البقيع ودعائه لأهل أحد، وانقطاعه بجسده عن زيارتهم (٣).
[الدروس والفوائد والعبر]
وخلاصة القول: أن الدروس والفوائد والعبر المستنبطة من هذا المبحث كثيرة، منها:
١ - حرص النبي ﷺ على نفع أمته، والنصح لهم في
_________________
(١) أي لا أخاف على مجموعكم؛ لأن الشرك قد وقع من بعض أمته بعده - ﷺ -. فتح الباري ٣/ ٢١١.
(٢) البخاري من الألفاظ في جميع المواضع، برقم ١٣٤٤، ٣٥٩٦، ٤٠٤٢، ٤٠٨٥، ٦٤٢٦، ٦٥٩٠، ومسلم برقم ٢٢٩٦، وما بين المعكوفين من صحيح مسلم.
(٣) الفتح ٧/ ٣٤٩.
[ ٣٥٦ ]
الحياة، وبعد الممات؛ ولهذا صلى على شهداء أحد بعد ثمان سنوات، وزار أهل البقيع ودعا لهم، وأوصى الأحياء ونصحهم، ووعظهم وأمرهم ونهاهم فما ترك خيرًا إلا دلهم عليه، ولا شرًا إلا حذرهم منه.
٢ - التحذير من فتنة زهرة الدنيا لمن فتحت عليه، فينبغي له أن يحذر سوء عاقبتها، ولا يطمئن إلى زخارفها، ولا ينافس غيره فيها، ويستخدم ما عنده منها في طاعة الله تعالى (١).
_________________
(١) انظر: فتح الباري ١١/ ٢٤٥.
[ ٣٥٧ ]