معجزاته ودلائل نبوَّته ﷺ
من أعظم الأقوال الحكيمة في دعوة أهل الكتاب وغيرهم من الكفار أن تبيِّن لهم البراهين والأدلة القطعية الدالة على صدق رسالة محمد ﷺ إلى الناس أجمعين.
ولا شك أن الآيات والبينات الدالة على نبوته ﷺ وعموم رسالته كثيرة متنوعة، وهي أكثر وأعظم من آيات غيره من الأنبياء، وجميع الأنواع تنحصر في نوعين:
(أ) منها: ما مضى وصار معلومًا بالخبر الصادق كمعجزات موسى وعيسى.
(ب) ومنها: ما هو باق إلى اليوم كالقرآن، والعلم والإيمان اللذين في أتباعه، فإن ذلك من أعلام نبوته، وكشريعته التي أتى بها، والآيات التي يظهرها الله وقتًا بعد وقتٍ من كرامات الصالحين من أمته، وظهور دينه بالحجة والبرهان، وصفاته الموجودة في كتب الأنبياء قبله وغير
[ ٢٧٧ ]
ذلك (١) وهذا باب واسع لا أستطيع حصره؛ ولكن سأقتصر في إثبات نبوته ﷺ وعموم رسالته على المطالب الآتية:
المطلب الأول: معجزات القرآن العظيم.
المطلب الثاني: معجزاته ﷺ الحسية.
المطلب الأول
معجزات القرآن العظيم
المعجزة لغة: ما أُعجزَ به الخصم عند التحدي (٢).
وهي أمر خارق للعادة يعجز البشر متفرقين ومجتمعين عن الإتيان بمثله، يجعله الله على يد من يختاره لنبوته؛ ليدلَّ على صدقه وصحة رسالته (٣).
_________________
(١) انظر: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ٤/ ٦٧ - ٧١.
(٢) انظر: القاموس المحيط، باب الزاي، فصل العين، ص ٦٦٣.
(٣) انظر: مناهل العرفان في علوم القرآن للزرقاني ١/ ٦٦، والمعجم الوسيط، مادة: عجز ٢/ ٥٨٥، والإرشاد إلى صحيح الاعتقاد، للدكتور صالح الفوزان ٢/ ١٥٧. والفرق بين المعجزة والكرامة: هو أن المعجزة أمر خارق للعادة مقرون بدعوة النبوة والتحدي للعباد. أما الكرامة: فهي أمر خارق للعادة غير مقرون بدعوى النبوة ولا التحدي، ولا تكون الكرامة إلا لعبد ظاهره الصلاح، مصحوبًا بصحة = = الاعتقاد والعمل الصالح. أما إذا ظهر الأمر الخارق على أيدي المنحرفين فهو من الأحوال الشيطانية. وإذا ظهر الأمر الخارق على يد إنسان مجهول الحال؛ فإن حاله يعرض على الكتاب والسنة كما قال الإمام الشافعي - ﵀ -: (إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء ويطير في الهواء فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة). انظر: شرح العقيدة الطحاوية، ص٥١٠، وسير أعلام النبلاء ١٠/ ٢٣، والأجوبة الأصولية على العقيدة الواسطية للسلمان، ص٣١١.
[ ٢٧٨ ]
والقرآن الكريم كلام الله المنزل على محمد ﷺ هو المعجزة العظمى، الباقية على مرور الدهور والأزمان، المعجز للأولين والآخرين إلى قيام الساعة (١) قال النبي ﷺ: «ما من الأنبياء نبيٌّ إلا أعطي من الآيات على ما مثله آمن البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إليَّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة» (٢).
وليس المراد في هذا الحديث حصر معجزاته ﷺ في القرآن، ولا أنه لم يؤت من المعجزات الحسية كمن تقدمه، بل المراد أن القرآن المعجزة العظمى التي اختص
_________________
(١) انظر: الداعي إلى الإسلام للأنباري ص٣٩٣.
(٢) البخاري مع الفتح، كتاب فضائل القرآن، باب كيف نزل الوحي ٩/ ٣ (رقم ٤٩٨١)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد - ﷺ - إلى جميع الناس ١/ ١٣٤ (رقم ١٥٢).
[ ٢٧٩ ]
بها دون غيره؛ لأن كل نبي أُعطي معجزة خاصة به، تحدَّى بها من أُرسل إليهم، وكانت معجزة كل نبي تقع مناسبة لحال قومه؛ ولهذا لما كان السحر فاشيًا في قوم فرعون جاءه موسى بالعصا على صورة ما يصنع السحرة، لكنها تلقف ما صنعوا، ولم يقع ذلك بعينه لغيره.
ولما كان الأطباء في غاية الظهور جاء عيسى بما حيَّر الأطباء، من: إحياء الموتى، وإبراء الأكمه، والأبرص، وكل ذلك من جنس عملهم، ولكن لم تصل إليه قدرتهم.
ولما كانت العرب أرباب الفصاحة والبلاغة والخطابة جعل الله - سبحانه - معجزة نبينا محمد ﷺ القرآن الكريم الذي (١) ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢].
_________________
(١) انظر: فتح الباري ٩/ ٦، ٧، وشرح النووي على مسلم ٢/ ١٨٨، وأعلام النبوة للماوردي ص٥٣، وإظهار الحق ٢/ ١٠١.
[ ٢٨٠ ]
ولكن معجزة القرآن الكريم تتميز عن سائر المعجزات؛ لأنه حجة مستمرة، باقية على مرِّ العصور، والبراهين التي كانت للأنبياء انقرض زمانها في حياتهم ولم يبق منها إلا الخبر عنها، أما القرآن فلا يزال حجة قائمة كأنما يسمعها السامع من فم رسول الله، ولاستمرار هذه الحجة البالغة قال ﷺ: «فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يومَ القيامة» (١).
والقرآن الكريم آية بيِّنة، معجزة من وجوه متعددة، من جهة اللفظ، ومن جهة النظم، والبلاغة في دلالة اللفظ على المعنى، ومن جهة معانيه التي أمر بها، ومعانيه التي أخبر بها عن الله - تعالى - وأسمائه وصفاته وملائكته، وغير ذلك من الوجوه الكثيرة التي ذكر كل عالمٍ ما فتح
_________________
(١) انظر: البداية والنهاية ٦/ ٦٩، وتقدم تخريج الحديث.
[ ٢٨١ ]
الوجه الأول: الإعجاز البياني والبلاغي
الله عليه به منها (١) وسأقتصر على أربعة وجوه من باب المثال لا الحصر بإيجاز على النحو الآتي:
الوجه الأول: الإعجاز البياني والبلاغي: من الإعجاز القرآني ما اشتمل عليه من البلاغة والبيان، والتركيب المعجز، الذي تحدى به الإنس والجن أن يأتوا بمثله، فعجزوا عن ذلك، قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨]، وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ - فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٣ - ٣٤].
_________________
(١) انظر: الجواب الصحيح ٤/ ٧٤، ٧٥، وأعلام النبوة للماوردي ص٥٣ - ٧٠، والبداية والنهاية ٦/ ٥٤، ٦٥، والبرهان في علوم القرآن للزركشي ٢/ ٩٠ - ١٢٤، ومناهل العرفان للزرقاني ٢/ ٢٢٧ - ٣٠٨.
[ ٢٨٢ ]
وبعد هذا التحدي انقطعوا فلم يتقدم أحد، فمدَّ لهم في الحبل وتحداهم بعشر سور مثله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس: ٣٨]، فعجزوا فأرخى لهم في الحبل فقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس: ٣٨]، ثم أعاد التحدي في المدينة بعد الهجرة، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ - فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٣ - ٢٤].
[ ٢٨٣ ]
فقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢٤] أي: فإن لم تفعلوا في الماضي، ولن تستطيعوا ذلك في المستقبل، فثبت التحدي، وأنهم لا يستطيعون أن يأتوا بسورة من مثله فيما يستقبل من الزمان، كما أخبر قبل ذلك، وأمر النبي وهو بمكة أن يقول: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨].
فعم بأمره له أن يخبر جميع الخلق معجزًا لهم، قاطعًا بأنهم إذا اجتمعوا لا يأتون بمثل هذا القرآن، ولو تظاهروا وتعاونوا على ذلك، وهذا التحدي لجميع الخلق، وقد سمعه كل من سمع القرآن، وعرفه الخاص والعام، وعلم مع ذلك أنهم لم يعارضوه، ولا أتوا بسورة مثله من حين بُعِثَ ﷺ إلى اليوم والأمر على ذلك (١).
_________________
(١) انظر: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ٤/ ٧١ - ٧٧، والبداية والنهاية ٦/ ٦٥.
[ ٢٨٤ ]
الوجه الثاني الإخبار عن الغيوب
والقرآن يشتمل على آلاف المعجزات؛ لأنه مائة وأربع عشرة سورة، وقد وقع التحدي بسورة واحدة، وأقصر سورة في القرآن سورة الكوثر، وهي ثلاث آيات قصار، والقرآن يزيد بالاتفاق على ستة آلاف ومائتي آية، ومقدار سورة الكوثر من آيات أو آية طويلة على ترتيب كلماتها له حكم السورة الواحدة، ويقع بذلك التحدي والإعجاز (١)؛ ولهذا كان القرآن الكريم يغني عن جميع المعجزات الحسية والمعنوية لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
الوجه الثاني: الإخبار عن الغيوب: من وجوه الإعجاز القرآني أنه اشتمل على أخبار كثيرة من الغيوب التي لا علم لمحمد ﷺ بها، ولا سبيل لبشر مثله أن يعلمها، وهذا مما يدلُّ على أن القرآن كلام الله
_________________
(١) انظر: استخراج الجدال من القرآن الكريم لابن نجم ص١٠٠، وفتح الباري ٦/ ٥٨٢، ومناهل العرفان للزرقاني ١/ ٣٣٦، ١/ ٢٣١، ٢٣٢.
[ ٢٨٥ ]
- تعالى - الذي لا تخفى عليه خافية: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩].
والإخبار بالغيوب أنواع: النوع الأول: غيوب الماضي: وتتمثل في القصص الرائعة وجميع ما أخبر الله به عن ماضي الأزمان.
النوع الثاني: غيوب الحاضر: أخبر اللهُ رسولَه ﷺ بغيوب حاضرة، ككشف أسرار المنافقين، والأخطاء التي وقع فيها بعض المسلمين، أو غير ذلك مما لا يعلمه إلا الله، وأطلع عليه رسوله ﷺ.
النوع الثالث: غيوب المستقبل: أخبر اللهُ رسولَه ﷺ بأمور لم تقع، ثم وقعت كما أخبر، فدلَّ ذلك على أن
[ ٢٨٦ ]
الوجه الثالث الإعجاز التشريعي
القرآن كلام الله، وأن محمدًا ﷺ رسول الله (١).
الوجه الثالث: الإعجاز التشريعي: القرآن العظيم جاء بهدايات كاملة تامَّة، تفي بحاجات جميع البشر في كل زمان ومكان؛ لأن الذي أنزله هو العليم بكل شيء، خالق البشرية والخبير بما يُصلحها ويُفسدها، وما ينفعها ويضرُّها، فإذا شرع أمرًا جاء في أعلى درجات الحكمة والخبرة ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤].
ويزداد الوضوح عند التأمل في أحوال الأنظمة والقوانين البشرية التي يظهر عجزها عن معالجة المشكلات البشرية ومسايرة الأوضاع والأزمنة
_________________
(١) انظر: الداعي إلى الإسلام للأنباري ص٤٢٤ - ٤٢٨، وإظهار الحق ٦٥ - ١٠٧، ومناهل العرفان ٢/ ٢٦٣، ومعالم الدعوة للديلمي ١/ ٤٦٣. وقد أخبر - ﷺ - بأمور غيبية كثيرة جدًا. انظر: جامع الأصول لابن الأثير ١١/ ٣١١ - ٣٣١.
[ ٢٨٧ ]
والأحوال، مما يضطر أصحابها إلى الاستمرار في التعديل والزيادة والنقص، فيُلْغُونَ غدًا ما وضعوه اليوم؛ لأن الإنسان محلُّ النقص والخطأ، والجهل لأعماق النفس البشرية، والجهل بما يحدث غدًا في أوضاع الإنسان وأحواله، وفيما يصلح البشرية في كل عصر ومصر.
وهذا دليل حسي مُشاهد على عجز جميع البشر عن الإتيان بأنظمة تصلح الخلق وتقوِّم أخلاقهم، وعلى أن القرآن كلام الله سليم من كل عيب، كفيل برعاية مصالح العباد، وهدايتهم إلى كل ما يصلح أحوالهم في الدنيا والآخرة إذا تمسكوا به واهتدوا بهديه (١) قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٩].
_________________
(١) انظر: مناهل العرفان للزرقاني ٢/ ٢٤٧، وأثر تطبيق الحدود في المجتمع الإسلامي، من البحوث المقدمة لمؤتمر الفقه الإسلامي بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ص١١٧، ومعالم الدعوة للديلمي ١/ ٤٢٦.
[ ٢٨٨ ]
وبالجملة فإن الشريعة التي جاء بها كتاب الله - تعالى - مدارها على ثلاث مصالح:
المصلحة الأولى: درء المفاسد عن ستة أشياء (١) حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسب، والعرض، والمال.
المصلحة الثانية: جلب المصالح (٢) فقد فتح القرآن الأبواب لجلب المصالح في جميع الميادين، وسدِّ كل ذريعة تؤدي إلى الضرر.
المصلحة الثالثة: الجري على مكارم الأخلاق ومحاسن العادات.
فالقرآن الكريم حلَّ جميع المشاكل العالمية التي عجز عنها البشر، ولم يترك جانبًا من الجوانب التي يحتاجها البشر في الدنيا والآخرة إلا وضع لها القواعد، وهدى إليها بأقوم الطرق وأعدلها (٣).
_________________
(١) درء المفاسد هو المعروف عند أهل الأصول بالضروريات. انظر: أضواء البيان ٣/ ٤٤٨.
(٢) جلب المصالح يعرف عند أهل الأصول بالحاجيات. أضواء البيان ٣/ ٤٤٨.
(٣) انظر: أضواء البيان ٣/ ٤٠٩ - ٤٥٧، فقد أوضح هذا الجانب بالأدلة العقلية والنقلية جزاه الله خيرًا وغفر له.
[ ٢٨٩ ]
الوجه الرابع الإعجاز العلمي الحديث
الوجه الرابع: الإعجاز العلمي الحديث: يتصل بما ذكر من إعجاز القرآن في إخباره عن الأمور الغيبية المستقبلة نوع جديد كشف عنه العلم في العصر الحديث، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣].
لقد تحقق هذا الوعد من ربنا في الأزمنة المتأخرة، فرأى الناس آيات الله في آفاق المخلوقات بأدق الأجهزة والوسائل: كالطائرات، والغوَّاصات، وغير ذلك من أدق الأجهزة الحديثة التي لم يمتلكها الإنسان إلا في العصر الحديث. . . فمن أخبر محمدًا ﷺ بهذه الأمور الغيبية قبل ألف وأربعمائة وستة وعشرين عامًا؟ إن هذا يدلُّ على أن القرآن كلام الله، وأن محمدًا رسول الله حقًّا.
[ ٢٩٠ ]
وقد اكتُشِفَ هذا الإعجاز العلمي: في الأرض وفي السماء، وفي البحار والقفار، وفي الإنسان والحيوان، والنبات، والأشجار، والحشرات، وغير ذلك، ولا يتَّسع المقام لذكر الأمثلة العديدة على ذلك (١).
المطلب الثاني
معجزات النبي ﷺ الحسية
معجزات النبي ﷺ الحسية الخارقة للعادة كثيرة جدًا (٢) لا أستطيع حصرها، وسأقتصر بإيجاز على ذكر تسعة أنواع منها على سبيل المثال، على النحو الآتي:
النوع الأول: المعجزات العلوية، ومنها:
١ - انشقاق القمر: وهذه من أُمَّهات معجزاته ﷺ
_________________
(١) انظر أمثلة كثيرة في الإعجاز العلمي في القرآن الكريم في مناهل العرفان في علوم القرآن للزرقاني ٢/ ٢٧٨ - ٢٨٤، وكتاب الإيمان، لعبد المجيد الزنداني ص٥٥ - ٥٩، وكتاب التوحيد للزنداني أيضًا ١/ ٧٤ - ٧٧.
(٢) قال ابن تيمية - ﵀ -: (قد جمعت نحو ألف معجزة). انظر: الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان لابن تيمية ص١٥٨. ومعجزاته - ﷺ - تزيد على ألف ومائتين، وقيل: ثلاثة آلاف معجزة. انظر: فتح الباري ٦/ ٥٨٣.
[ ٢٩١ ]
الدالة على صدقه، «فقد سأل أهل مكة رسول الله ﷺ أن يُريهم آية، فأراهم القمر شقتين حتى رأوا جبل حِراء بينهما» (١) قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ - وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ - وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ [القمر: ١ - ٣] الآيات.
٢ - صعوده ﷺ ليلة الإسراء والمعراج إلى ما فوق السماوات: وهذا ما أخبر به القرآن الكريم، وتواترت به الأحاديث، قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: ١].
_________________
(١) البخاري مع الفتح، كتاب مناقب الأنصار، باب انشقاق القمر ٧/ ١٨٢، ٦/ ٦٣١ (رقم ٣٦٣٦)، ٨/ ٦١٧، ومسلم، صفات المنافقين، باب انشقاق القمر، ٤/ ٢١٥٩ (رقم ٢٨٠٠).
[ ٢٩٢ ]
وهذه الآية من أعظم معجزاته ﷺ، فإنه أُسري به إلى بيت المقدس، وقطع المسافة في زمن قصير، ثم عُرِجَ به إلى السماوات، ثم صعد إلى مكان يسمع فيه صريف الأقلام، ورأى الجنة، وفُرِضَت عليه الصلوات، ورجع إلى مكة قبل أن يُصبح، فكذَّبته قريش، وطلبوا منه علامات تدلُّ على صدقه، ومن ذلك علامات بيت المقدس؛ لعلمهم بأنه ﷺ لم يرَ بيت المقدس قبل ذلك، فجلَّى الله له بيت المقدس ينظر إليه ويخبرهم بعلاماته وما سألوا عنه (١).
وغير ذلك من الآيات العلوية، كحراسة السماء بالشهب عند بعثته ﷺ.
النوع الثاني: آيات الجوِّ:
١ - من هذه المعجزات طاعةُ السَّحاب له ﷺ، بإذن
_________________
(١) انظر: البخاري مع الفتح، كتاب مناقب الأنصار، باب حديث الإسراء ٧/ ١٩٦ (رقم ٣٨٨٦)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب ذكر المسيح ابن مريم والمسيح الدجال ١/ ١٥٦ (رقم ١٧٠).
[ ٢٩٣ ]
الله تعالى في حصوله ونزول المطر وذهابه بدعائه (١) ﷺ.
٢ - ومن هذا النوع نصر الله للنبي ﷺ بالريح التي قال تعالى عنها: ﴿إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: ٩]، وهذه الريح هي ريح الصَّبَا، أرسلها على الأحزاب، قال ﷺ: «نُصِرْتُ بالصَّبا، وأُهْلِكت عادٌ بالدَّبورِ» (٢) وغير ذلك.
النوع الثالث: تصرفه في الحيوان: الإنس، والجنِّ والبهائم:
وهذا باب واسع، منه على سبيل المثال:
(أ) تصرفه في الإنس:
١ - «كان علي بن أبي طالب - ﵁ - يشتكي عينيه من
_________________
(١) انظر: البخاري مع الفتح، كتاب الجمعة، باب الاستسقاء في الخطبة يوم الجمعة ٢/ ٤١٣ (رقم ٩٣٣)، ومسلم، كتاب الاستسقاء، باب الدعاء في الاستسقاء ٢/ ٦١٤ (رقم ٨٩٧).
(٢) مسلم، كتاب الاستسقاء، باب في ريح الصبا والدبور (رقم ٩٠٠).
[ ٢٩٤ ]
وجعٍ بهما، فبصقَ رسول الله ﷺ فيهما ودعا له فبرأ، كأَنْ لم يكن به وجع» (١).
٢ - «انكسرت ساق عبد الله بن عتيك - ﵁ - فمسحها رسول الله ﷺ، فكأنها لم تنكسر قطُّ» (٢).
٣ - «أُصيب سلمة بن الأكوع بضربة في ساقه يوم خيبر، فنفث فيها رسول الله ﷺ ثلاث نفثات، فما اشتكاها سلمة بعد ذلك» (٣).
(ب) تصرفه في الجنِّ والشياطين: ١ - «كان ﷺ يُخرج الجن من الإنس بمجرد المخاطبة. فيقول: اخرج عدو الله أنا رسول الله» (٤).
_________________
(١) انظر: البخاري، كتاب الجهاد، باب فضل من أسلم على يديه رجل ٦/ ١٤٤ (رقم ٣٠٠٩)، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل علي - ﵁ - ٤/ ١٨٧٢ (رقم ٢٤٠٦).
(٢) انظر: البخاري مع الفتح، كتاب المغازي، باب قتل أبي رافع ٧/ ٣٤٠ (رقم ٤٠٣٩).
(٣) انظر: المرجع السابق، كتاب المغازي، باب غزوة خيبر ٧/ ٤٧٥ (رقم ٤٢٠٦).
(٤) مسند أحمد ٤/ ١٧٠ - ١٧٢، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/ ٦: رجال أحمد رجال الصحيح.
[ ٢٩٥ ]
٢ - «أخرج الشيطان من صدر عثمان بن أبي العاص، فضرب صدر عثمان بيده ثلاث مرات، وتفل في فمه، وقال: اخرج عدو الله، فعل ذلك ثلاث مرات، فلم يُخالط عثمان الشيطان بعد ذلك» (١).
(ج) تصرفه في البهائم: وقد حصل له مرارًا، ومن ذلك «أنه جاء بعير فسجد للنبي ﷺ، فقال أصحابه: يا رسول الله! تسجد لك البهائم والشجر، فنحن أحقُّ أن نسجد لك، فقال ﷺ: اعبدوا ربَّكم، وأكرِمُوا أخاكُم، ولو كنتُ آمرًا أحدًا أن يسجُدَ لأحدٍ لأمرتُ المرأةَ أن تسجد لزوجها. . .» (٢).
_________________
(١) ابن ماجه، كتاب الطب، باب الفزع والأرق وما يتعوذ منه، بسند حسن ٢/ ١١٧٤ (رقم ٣٥٤٨)، وانظر: صحيح ابن ماجه ١/ ٢٧٣.
(٢) مسند أحمد ٦/ ٧٦، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/ ٩: إسناده جيد، وانظر: معجزات من هذا النوع مسند الإمام أحمد ٤/ ١٧٠ - ١٧٢، ومجمع الزوائد للهيثمي ٩/ ٣ - ١٢.
[ ٢٩٦ ]
النوع الرابع: تأثيره في الأشجار والثمار والخشب:
(أ) تأثيره في الأشجار:
١ - «جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ وهو في سفر، فدعاه رسول الله ﷺ إلى الإسلام، فقال الأعرابي: ومن يشهد لك على ما تقول؟ فقال رسول الله ﷺ: "هذه السَّلمة" (١) فدعاها رسول الله ﷺ وهي بشاطئ الوادي، فأقبلت تخدُّ (٢) الأرض خدًّا حتى قامت بين يديه، فأشهدها ثلاثًا، فشهدتْ ثلاثًا أنه كما قال، ثم رجعت إلى مَنْبَتِها» (٣).
٢ - «أراد رسول الله ﷺ أن يقضي حاجته وهو في سفر، فلم يجد ما يستتر به، فأخذ بغصن شجرة وقال: "انقادي
_________________
(١) شجرة من شجر البادية، انظر: المصباح المنير، مادة "سلم"، ١/ ٢٨٦، ومختار الصحاح، مادة "سلم"، ص١٣١.
(٢) أي: تشقها أخدودًا. وانظر: المصباح المنير، مادة "خد" ١/ ١٦٥، ومختار الصحاح مادة (خد) ص٧٢.
(٣) الدارمي، في المقدمة، باب ما أكرم الله به نبيه من إيمان الشجر به والبهائم والجن ١/ ١٧ (رقم ١٦)، وإسناده صحيح، وانظر: مشكاة المصابيح برقم ٥٩٢٥، ٣/ ١٦٦٦.
[ ٢٩٧ ]
عليَّ بإذن الله"، فانقادت معه كالبعير المخشوم (١) حتى أتى الشجرة الأخرى، ففعل وقال كذلك، ثم أمرهما أن تلتئما عليه فالتأمتا، ثم بعد قضاء الحاجة رجعت كل شجرة، وقامت كل واحدة منهما على ساق. . .» (٢).
(ب) تأثيره في الثمار: «جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ فقال: بم أعرف أنك نبي؟ قال: "إن دعوت هذا العِذق من هذه النخلة أتشهد أني رسول الله؟ " فدعاه رسول الله ﷺ فجعل ينزل من النخلة حتى سقط إلى النبي ﷺ، ثم قال: "ارجع"، فعاد، فأسلم الأعرابي» (٣).
_________________
(١) الذي جعل في أنفه عودًا، ويشد فيه حبل ليذل وينقاد إذا كان صعبًا. انظر: شرح النووي على صحيح مسلم ١٨/ ١٤٦.
(٢) انظر: صحيح مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب حديث جابر الطويل وقصة أبي اليسر ٤/ ٢٣٠٦ (رقم ٣٠١٢).
(٣) الترمذي، كتاب المناقب، باب حدثنا عباد، ٥/ ٥٩٤ (رقم ٣٦٢٨)، وأحمد ١/ ١٢٣، والحاكم وصححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي ٢/ ٦٢٠.
[ ٢٩٨ ]
(ج) تأثيره في الخشب: «كان ﷺ يخطب في المدينة يوم الجمعة على جذع نخل، فلما صنع له المنبر ورقِي عليه صاحَ الجذعُ صياحَ الصبي، [وخارَ كما تخورُ البقرة، جزعًا على رسول الله ﷺ فالتزمه رسول الله ﷺ وضمه إليه وهو يئن، ومسحه حتى سكن]» (١).
النوع الخامس: تأثيره في الجبال والأحجار وتسخيرها له:
(أ) تأثيره في الجبال: «صعد النبي ﷺ أُحدًا، ومعه أبو بكر، وعمر، وعثمان، فرجف بهم، فضربه ﷺ برجله، وقال: اثبت أحد، فإن عليك نبي، وصدِّيق، وشهيدان» (٢).
_________________
(١) البخاري مع الفتح، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام ٦/ ٦٠٢ (رقم ٣٥٨٤)، وما بين المعكوفين عند أحمد في المسند ٢/ ١٠٩.
(٢) البخاري مع الفتح، كتاب فضائل الصحابة، باب قوله - ﷺ -: «لو كنت متخذًا خليلًا ..» ٧/ ٢٢، ٤٠، ٧/ ٥٣ (رقم ٣٦٧٥).
[ ٢٩٩ ]
(ب) تأثيره في الحجارة: وقال ﷺ: «إني لأعرف حجرًا بمكة كان يُسلِّم عليَّ قبل أن أُبعثَ، إني لأعرفه الآن» (١).
(ج) تأثيره في تراب الأرض: «عندما كان رسول الله ﷺ في معركة حنين، واشتدَّ القتال، نزل عن بغلته وقبض قبضة من تراب الأرض، واستقبل به وجوه القوم، فقال: "شاهَتِ الوُجُوه"، فما خلق الله إنسانًا منهم إلا ملأ عينيه من تلك القبضة، فهزمهم الله وقسم غنائمهم بين المسلمين» (٢).
النوع السادس: تفجير الماء، وزيادة الطعام والشراب والثمار:
(أ) نبع الماء وزيادة الشراب:
_________________
(١) مسلم، كتاب الفضائل، باب فضل نسب النبي - ﷺ - وتسليم الحجر عليه قبل النبوة ٤/ ١٧٨٢ (رقم ٢٢٧٧).
(٢) مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب غزوة حنين ٣/ ١٤٠٢ (رقم ١٧٧٧). وحصل له مثل ذلك في معركة بدر.
[ ٣٠٠ ]
هذا النوع حصل لرسول الله ﷺ مراتٍ كثيرة جدًّا (١) ومن ذلك:
١ - «عطش الناس في الحديبية، فوضع يده ﷺ في الركوة فجعل الماء يثور بين أصابعه كالعيون، فشربوا وتوضؤوا، قيل لجابر: كم كنتم؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة» (٢).
٢ - «قدم ﷺ تبوك، فوجد عينها كشراك النعل، فغُرِفَ له منها قليلًا قليلًا، حتى اجتمع له شيء قليل، فغسل فيه يديه ووجهه، ثم أعاده فيها فجرت العين بماءٍ مُنهمرٍ، وبقيت العين إلى الآن» (٣).
_________________
(١) انظر: البخاري مع الفتح، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، ٦/ ٥٨٠، من حديث ٣٥٧١ - ٣٥٧٧، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها ١/ ٤٧١ - ٤٧٧ (رقم ٦٨١، ٦٨٢)، وجامع الأصول لابن الأثير ١١/ ٣٣٤ - ٣٥١.
(٢) البخاري مع الفتح، كتاب المناقب، باب علامات النبوة ٦/ ٥٨١، ٧/ ٤٤١، ٤٤٣، ١٠/ ١٠١ (رقم ٣٥٧٦)، ومسلم، كتاب الإمارة، باب استحباب مبايعة الإمام الجيش عند إرادة القتال ٣/ ١٤٨٤ (رقم ١٨٥٦) (٧٢).
(٣) انظر: صحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب معجزات النبي - ﷺ - ٤/ ١٧٨٤ (رقم ٧٠٦).
[ ٣٠١ ]
٣ - قصة أبي هريرة - ﵁ - وقدح اللبن، وزيادة لبن القدح حتى شرب منه أضياف الإسلام (١).
(ب) زيادة الطعام وتكثيره لما جعل الله فيه ﷺ من البركة، ومن ذلك: ١ - «كان النبي ﷺ في ألف وأربعمائة من أصحابه في غزوة، فأصابهم مشقة، فأمر ﷺ أن يجمعوا ما معهم من طعام وبسطوا سفرة، وكان الطعام شيئًا يسيرًا فبارك فيه، وأكلوا، وحشوا أوعيتهم من ذلك الطعام» (٢).
٢ - «بقي الصحابة والنبي ﷺ في غزوة الخندق ثلاثة أيام لا يذوقون طعامًا، فذبح جابر بن عبد الله - ﵁ - عناقًا، وطحنت زوجته صاعًا من شعير، ثم دعا النبي ﷺ، فصاح النبي ﷺ بأهل الخندق يدعوهم على هذا
_________________
(١) البخاري مع الفتح، كتاب الرقاق، باب كيف كان يعيش النبي - ﷺ - وأصحابه وتخليهم عن الدنيا ١١/ ٢٨١ (رقم ٦٤٥٢).
(٢) البخاري مع الفتح، كتاب الجهاد، باب حمل الزاد في الغزو ٦/ ١٢٩ (رقم ٢٩٨٢)، ومسلم، اللقطة، باب استحباب خلط الأزواد إذا قلَّت ٣/ ١٣٥٤ (رقم ١٧٢٩).
[ ٣٠٢ ]
الطعام اليسير، ثم جاء النبي - ﷺ - وبصقَ في العجين وبارك، وبصقَ في البرمة وبارك، قال جابر - ﵄ -: وهم ألف، فأقسم بالله لقد أكلوا حتى تركوه وانحرفوا، وإن برمتنا لتغطُّ كما هي (١) وإن عجيننا ليخبز كما هو» (٢).
وهذا باب واسع لا يمكن حصره.
(ج) زيادة الثمار والحبوب، ومن ذلك: ١ - «جاء رجل يستطعم النبي ﷺ فأطعمه شطرَ وسْقِ شعيرٍ، فما زال الرجل يأكل منه وأهله حتى كاله، فأتى النبي ﷺ فقال: لو لم تكِلْهُ لأكلتم منه ولقام لكم» (٣).
_________________
(١) أي: تغلي ويسمع غليانها. انظر: الفتح ٧/ ٣٩٩.
(٢) البخاري مع الفتح، كتاب المغازي، باب غزوة الخندق ٧/ ٣٩٥، ٣٩٦ (رقم ٤١٠١)، ومسلم، كتاب الأشربة، باب جواز استتباع غيره إلى دار من يثق برضاه بذلك ٣/ ١٦١٠ (رقم ٢٠٣٩).
(٣) مسلم، كتاب الفضائل، باب معجزات النبي - ﷺ - ٤/ ١٧٨٤ (رقم ٢٢٨١).
[ ٣٠٣ ]
٢ - «كان على والد جابر دين، وما في نخله لا يقضي ما عليه سنين، فجاء جابر إلى رسول الله ﷺ ليحضر الكيل، فحضر، ومشى حول الجرن، ثم أمر جابرًا أن يكيل فكال لهم حتى أوفاهم، قال جابر - ﵁ -: (وبقي تمري وكأنه لم ينقص منه شيء)» (١).
النوع السابع: تأييد الله له بالملائكة:
أيد الله رسوله بالملائكة في عدة مواضع، نُصرةً له ولدينه، منها على سبيل المثال:
١ - في الهجرة، قال المولى - جل وعلا -: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ [التوبة: ٤٠].
_________________
(١) البخاري مع الفتح، كتاب المناقب، باب علامات النبوة ٦/ ٥٨٧، ٧/ ٣٥٧ (رقم ٣٥٨٠)، وانظر شرح روايات الحديث في الفتح ٦/ ٥٩٣.
[ ٣٠٤ ]
٢ - في بدر، قال الله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩].
٣ - «في أُحدٍ، قاتل جبريل وميكائيل - ﵉ - عن يمين النبي ﷺ وعن يساره» (١).
٤ - في الخندق، قال الله - ﷿ -: ﴿إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: ٩].
٥ - في غزوة بني قُريظة، «جاء جبريل إلى النبي ﷺ بعد أن وضع السلاح من غزوة الخندق واغتسل، فقال له جبريل: قد وضعت السلاح؟ والله ما وضعناه، فاخرُجْ
_________________
(١) البخاري مع الفتح، كتاب المغازي، باب: إذ همت طائفتان ٧/ ٣٥٨ (رقم ٤٠٥٤)، ومسلم في كتاب الفضائل، باب قتال جبريل وميكائيل عن النبي - ﷺ - يوم أحد ٤/ ١٨٠٢ (رقم ٢٣٠٦).
[ ٣٠٥ ]
إليهم، فسأله النبي ﷺ: "إلى أين؟ " فأشار إلى بني قريظة، فخرج ﷺ، ونصره الله عليهم» (١).
٦ - في حنين، قال الله - ﷾ -: ﴿وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٦].
النوع الثامن: كفاية الله له أعداءه وعصمته من الناس:
هذا النوع من أعظم الآيات الدالة على صدق رسالة محمد ﷺ، ومن ذلك:
١ - كفاه الله تعالى المشركين والمستهزئين، فلم يصلوا إليه بسوء، قال تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ - إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٤ - ٩٥].
_________________
(١) البخاري مع الفتح، كتاب المغازي، باب مرجع النبي - ﷺ - من الأحزاب ٧/ ٤٠٧ (رقم ٤١١٧)، ومسلم، كتاب الجهاد، باب جواز قتال من نقض العهد ٣/ ١٣٨٩ (رقم ١٧٦٩).
[ ٣٠٦ ]
٢ - كفاه الله أهل الكتاب، قال تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٣٧].
٣ - وعصمه تعالى من جميع الناس بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧].
وهذا خبر عام بأن الله يعصمه من جميع الناس، فكلٌّ من هذه الأخبار الثلاثة قد وقع كما أخبر الله - تعالى - فقد كفاه الله أعداءه بأنواع عجيبة خارجة عن العادة المعروفة، ونصره مع كثرة أعدائه وقوتهم وغلبتهم، وانتقم ممن عاداه.
ومن ذلك: «أن رجلًا نصرانيًّا أسلم، وقرأ البقرة وآل
[ ٣٠٧ ]
عمران، وكان يكتب للنبي ﷺ ثم ارتدَّ وعاد نصرانيًّا، فكان يقول: ما يَدْري محمد إلا ما كتبت له، فأماته الله، فدفنه قومه، فأصبح وقد أخرجته الأرض من بطنها، فأعادوا دفنه، وأعمقوا قبره، فأصبح وقد أخرجته الأرض منبوذًا على ظهرها، فأعادوا دفنه وأعمقوا له، فأصبح وقد لفظته الأرض، فعلموا أن هذا ليس من الناس فتركوه منبوذًا» (١).
النوع التاسع: إجابة دعواته ﷺ:
الأدعية التي دعا بها النبي ﷺ وشُوهدت إجابتها كالشمس في رابعة النهار كثيرة جدًّا، لا تُحصر ولا يتَّسع المقام لذكر أكثرها، ولكن منها على سبيل المثال:
١ - «قال ﷺ لأنس - ﵁ -: اللهم أكثر ماله وولده،
_________________
(١) البخاري مع الفتح، كتاب المناقب، باب علامات النبوة ٦/ ٦٢٤ (رقم ٣٦١٧)، ومسلم، صفات المنافقين ٤/ ٢١٤٥ (رقم ٢٧٨١).
[ ٣٠٨ ]
وبارك له فيما أعطيته» (١) «[وأطل حياته واغفر له]» (٢) «قال أنس: فوالله إنَّ مالي لكثير، وإن ولدي وولد ولدي ليتعادُّون على نحو المائة اليوم» (٣) «[وحدثتني ابنتي أمينة أنه دُفِنَ لصلبي مقدم الحجاج البصرة بضع وعشرون ومائة]» (٤).
«وكان له - ﵁ - بستان يحمل في السنة الفاكهة مرتين، وكان فيها ريحان يجيء منها ريح المسك» (٥).
٢ - ودعا ﷺ لأم أبي هريرة بالهداية فهداها الله فورًا،
_________________
(١) البخاري مع الفتح، كتاب الصيام، باب من زار قومًا فلم يفطر عندهم ٤/ ٢٢٨، ١١/ ١٤٤ (رقم ١٩٨٢)، ومسلم، في فضائل الصحابة، باب فضائل أنس ٤/ ١٩٢٨ (رقم ٢٤٨٠).
(٢) البخاري في الأدب المفرد، برقم ٦٥٣، وانظر: فتح الباري ١١/ ١٤٥، وسير أعلام النبلاء ٢/ ٢١٩.
(٣) مسلم، فضائل الصحابة، باب فضائل أنس ٤/ ١٩٢٩ (رقم ٢٤٨١) (١٤٣).
(٤) البخاري مع الفتح كتاب الصيام، باب من زار قومًا فلم يفطر عندهم ٤/ ٢٢٨ (رقم ١٩٨٢).
(٥) الترمذي، كتاب المناقب، باب مناقب أنس ٥/ ٦٨٣ (رقم ٣٨٣٣) وقال: هذا حديث حسن غريب، وانظر: صحيح الترمذي ٣/ ٢٣٤.
[ ٣٠٩ ]
وأسلمت وقصَّتها عجيبة جدًّا (١).
٣ - «وقال ﷺ لعروة بن أبي الجعد البارقي: "اللهم بارك له في صفقة يمينه"، فكان يقف في الكوفة ويربح أربعين ألفًا قبل أن يرجع إلى أهله (٢) [وكان لو اشترى التراب لربح فيه]» (٣).
٤ - ودعاؤه ﷺ على بعض أعدائه، فلم تتخلَّف الإجابة، كأبي جهل، وأميَّة، وعقبة، وعتبة. . . وغيرهم كثير (٤).
٥ - ودعاؤه يوم بدر، ويوم حنين، وعلى سراقة بن مالك - ﵁ - وغيرهم كثير (٥).
_________________
(١) مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل أبي هريرة ٤/ ١٩٣٨ (رقم ٢٤٩١).
(٢) أحمد في المسند ٤/ ٣٧٦.
(٣) البخاري مع الفتح، كتاب المناقب، باب حدثنا محمد بن المثنى ٦/ ٦٣٢ (رقم ٣٦٤٢).
(٤) انظر: البخاري مع الفتح ١/ ٣٤٩، ومسلم ٣/ ١٤١٨.
(٥) انظر: دعاءه يوم بدر في صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر ٣/ ١٣٨٤ (رقم ١٧٦٣)، ويوم حنين في مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب غزوة حنين ٣/ ١٤٠٢ (رقم ١٧٧٥)، وقصة سراقة في = = البخاري مع الفتح، كتاب مناقب الأنصار، باب هجرة النبي - ﷺ - وأصحابه إلى المدينة ٧/ ٢٣٨ (رقم ٣٩٠٦)، وانظر: ص٢٧١ و٢٧٥.
[ ٣١٠ ]
والحقيقة أن العاقل المنصف يقف أمام هذه الدلائل والبينات مذعورًا، ولا يسعه إلا أن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.
[ ٣١١ ]