أناته وتثبُّته ﷺ
لا يكون الداعية ناجحًا في دعوته إلا إذا التزم الأناة في جميع أموره وتصرفاته، ومما يوضح ذلك الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ، واتصافه بالأناة والتثبُّتِ، ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر ما يأتي:
المثال الأول: مع أسامة بن زيد ﵁: عن أسامة بن زيد - ﵄ - قال: «بعثنا رسول الله ﷺ إلى الحرقة من جهينة، قال: فصبَّحنا القوم فهزمناهم، قال: ولحقتُ أنا ورجل من الأنصار رجلًا منهم، قال: فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله، قال: فكف عنه الأنصاري، فطعنته برمحي حتى قتلته، قال: فلما قدمنا بلغ ذلك النبيَّ ﷺ قال: فقال لي: " يا أسامة، أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله؟ " قال: قلت: يا رسول الله، إنما كان متعوذًا، قال: فقال: "أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله؟ "،
[ ١٧٠ ]
قال، فمازال يُكرِّرها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم» (١).
وفي رواية: قال: «قلت يا رسول الله: إنما قالها خوفًا من السلاح، قال: "أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا"، فمازال يكررها حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ» (٢).
وفي رواية: «كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟ " قال: يا رسول الله: استغفر لي، قال: "وكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟ ". قال فجعل لا يزيده على أن يقول: "كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة» (٣).
_________________
(١) البخاري مع الفتح، كتاب المغازي، باب بعث النبي - ﷺ - أسامة إلى الحرقات ٧/ ٥١٧، ١٢/ ١٩١، برقم ٤٢٦٩، ومسلم في كتاب الإيمان، باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال لا إله إلا الله ١/ ٩٧، برقم ١٥٩ - (٩٦).
(٢) مسلم، في كتاب الإيمان، باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال لا إله إلا الله ١/ ٩٦، برقم ٩٧.
(٣) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال لا إله إلا الله ١/ ٩٧، برقم ٩٧.
[ ١٧١ ]
المثال الثاني قبل القتال
ولهذا كان النبي ﷺ أعظم الناس أناةً وتثبتًا، فكان لا يقاتل أحدًا من الكفار إلا بعد التأكد بأنهم لا يقيمون شعائر الإسلام، فعن أنس بن مالك - ﵁ -: «أن النبي ﷺ كان إذا غزا بِنا قومًا لم يكن يغزو بنا حتى يصبح وينظر، فإن سمع أذانًا كف عنهم، وإن لم يسمع أذانًا أغار عليهم. . .» (١).
المثال الثاني: قبل القتال: كان النبي ﷺ يُعلِّم ويُربِّي أصحابه على الأناة والتثبت في دعوتهم إلى الله - تعالى - ومن ذلك أنه كان يأمر أمير سَرِيَّته أن يدعو عدوه قبل القتال إلى إحدى ثلاث خصال:
الإسلام والهجرة، أو إلى الإسلام دون الهجرة، ويكونون كأعراب المسلمين.
فإن أبوا الإسلام دعاهم إلى بذل الجزية.
_________________
(١) البخاري مع الفتح بلفظه مطولًا، في كتاب الأذان، باب ما يحقن بالأذان من الدماء ٢/ ٨٩، برقم ٦١٠، ومسلم، في الصلاة، باب الإمساك عن الإغارة على قوم في دار الكفر إذا سُمِعَ فيهم الأذان ١/ ٢٨٨، برقم ٣٨٢.
[ ١٧٢ ]
المثال الثالث في الصلاة
فإن امتنعوا عن ذلك كله استعان بالله وقاتلهم (١).
المثال الثالث: في الصلاة: ومن تربيته لأصحابه ﷺ على الأناة وعدم العجلة قوله: «إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تَسْعون، وأتوها تمشون، وعليكم السكينة فما أدركْتُمْ فصلُّوا، وما فاتكم فأتموا» (٢).
وقوله: «إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني قد خرجت» (٣).
وَلِسُمُوِّ الأناة أَحبَّها الله ﷿، قال ﷺ للأشج: «إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة» (٤).
_________________
(١) أخرج الحديث مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث ووصيته إياهم بآداب الغزو وغيرها ٣/ ١٣٥٧، برقم ١٣٦٥، وانظر: زاد المعاد لابن القيم ٣/ ١٠٠.
(٢) البخاري مع الفتح، كتاب الجمعة، باب المشي إلى الجمعة، وقوله: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى «««اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ ٢/ ٣٩٠، برقم ٩٠٨، ومسلم في المساجد، باب استحباب إتيان الصلاة بسكينة ووقار والنهي عن إتيانها سعيًا ١/ ٤٢٠، برقم ٦٠٢.
(٣) مسلم، في كتاب المساجد، باب متى يقوم الناس للصلاة ١/ ٤٢٢، برقم ٦٠٤.
(٤) مسلم، في كتاب الإيمان، باب الأمر بالإيمان بالله - تعالى - ورسوله وشرائع الدين والدعاء إليه ١/ ٤٨، برقم ١٨.
[ ١٧٣ ]
المثال الرابع في الغزو
والرُّسُلُ عليهم الصلاة والسلام هم صفوة الخلق وقدوتهم، وهم أكمل الناس أناة وحلمًا، وأعظمهم في ذلك وأوفرهم حظًا محمد ﷺ.
المثال الرابع: في الغزو: عن أنس ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يغير إذا طلع الفجر، وكان يستمع الأذان فإن سمع أذانًا أمسك وإلا أغار، فسمع رجلًا يقول: الله أكبر، الله أكبر فقال رسول الله ﷺ: "على الفطرة"، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، فقال رسول الله ﷺ: "خرجت من النار» (١).
وعنه ﵁ «أن النبي ﷺ كان إذا غزا بنا قومًا لم يغزُ بنا حتى يصبح وينظر فإن سمع أذانًا كَفَّ عنهم وإن لم يسمع أذانًا أغار عليهم. . .» (٢).
_________________
(١) أخرجه مسلم ١/ ٢٨٨، برقم ٣٨٢.
(٢) البخاري مع الفتح ٢/ ٨٩، برقم ٦١٠.
[ ١٧٤ ]
وهذا يدل على تثبُّته ﷺ وعدم عجلته.
وعن عبد الله بن سرجس المزني، أن النبي ﷺ قال: «السَّمْتُ الحسن (١) والتُّؤَدَةُ والاقتصاد (٢) جزء من أربعةٍ وعشرين جزءًا من النبوة» (٣).
وبهذا يعلم أن الأناة في كل شيء محمودة وخير إلا ما كان من أمر الآخرة، بشرط مراعاة الضوابط التي شرعها الله حتى تكون المسارعة مما يحبه الله تعالى (٤).
_________________
(١) السمت الحسن: هو حسن الهيئة والمنظر. انظر: فيض القدير للمناوي ٣/ ٢٧٧.
(٢) الاقتصاد: هو التوسط في الأمور والتحرز عن طرفي الإفراط والتفريط. انظر: المرجع السابق ٣/ ٢٧٧.
(٣) الترمذي، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في التأني والعجلة ٤/ ٣٦٦، برقم ٢٠١٠، وانظر: صحيح سنن الترمذي ٢/ ١٩٥.
(٤) انظر: شرح السنة للبغوي ١٣/ ١٧٧، وتحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي ٦/ ١٥٣.
[ ١٧٥ ]