مصيبة المسلمين بموته ﷺ
من المعلوم يقينًا أن محبة النبي ﷺ محبة كاملة من أعظم درجات الإيمان الصادق؛ ولهذا قال ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده، ووالده، والناس أجمعين» (١). فإذا فقد الإنسان أهله، أو والده، أو ولده، لا شك أن هذه مصيبة عظيمة من مصائب الدنيا، فكيف إذا فقدهم كلَّهم جميعًا في وقت واحد؟
ولا شك أن مصيبة موت النبي ﷺ أعظم المصائب على المسلمين؛ ولهذا جاءت الأحاديث الصحيحة بذلك، فعن عائشة ﵂ قالت: «فتح رسول الله ﷺ بابًا بينه وبين الناس، أو كشف سترًا فإذا الناس يصلون وراء أبي بكر، فحمد الله على ما رآه من حسن حالهم، ورجاء أن يخلفه الله فيهم بالذي رآهم، فقال: يا أيها الناس أيما
_________________
(١) البخاري مع الفتح ١/ ٥٨ برقم ٥، ومسلم ١/ ٦٧، برقم ٤٤.
[ ٤٢١ ]
أحد من الناس أو من المؤمنين أُصيب بمصيبة فلْيتعزَّ بمصيبته بي عن المصيبة التي تصيبه بغيري؛ فإن أحدًا من أُمتي لن يُصاب بمصيبة أشدَّ عليه من مُصيبتي» (١).
وعن أنس ﵁ قال: «لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله ﷺ المدينة أضاء منها كل شيء (٢) فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء، وما نفضنا عن رسول الله ﷺ الأيدي (٣) وإنا لفي دفنه (٤) حتى أنكرنا (٥)
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه برقم ١٥٩٩، وغيره وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه ١/ ٢٦٧، والأحاديث الصحيحة برقم ١١٠٦، وانظر: البداية والنهاية ٥/ ٢٧٦.
(٢) أضاء منها كل شيء: أشرق من المدينة كل شيء. انظر: تحفة الأحوذي ١٠/ ٨٧.
(٣) وما نفضنا: من النفض: وهو تحريك الشيء ليزول ما عليه من التراب والغبار ونحوهما. انظر تحفة الأحوذي ١٠/ ٨٨.
(٤) وإنا لفي دفنه: أي مشغولون بدفنه بعد. انظر: تحفة الحوذي ١٠/ ٨٨.
(٥) حتى أنكرنا قلوبنا: يريد أنهم لم يجدوا قلوبهم على ما كانت عليه من الصفاء والألفة لانقطاع مادة الوحي وفقدان ما كان يمدهم من الرسول - ﷺ - من التأييد والتعليم، ولم يرد أنهم لم يجدوها على ما كانت عليه من التصديق؛ فإن الصحابة ﵃ أكمل الناس إيمانًا وتصديقًا. انظر: تحفة الحوذي ١٠/ ٨٨.
[ ٤٢٢ ]
قلوبنا» (١).
وعن أنس ﵁ قال: «قال أبو بكر ﵁ - بعد وفاة رسول الله ﷺ - لعمر: انطلق بنا إلى أمِّ أيمن نزورها كما كان رسول الله ﷺ يزورها، فلما انتهيا إليها بكت فقالا لها: ما يبكيك؟ فما عند الله خير لرسوله ﷺ. قالت: إني لأعلم أن ما عند الله خير لرسوله ﷺ، ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء، فهيجتهما على البكاء فجعلا يبكيان معها» (٢).
وما أحسن ما قال القائل:
اصبر لكلِّ مصيبة وتجلَّدِ واعلم بأن المرء غير مُخلَّد
فإذا ذكرت مصيبة تسلو بها فاذكر مصابك بالنبي محمد
[الدروس والفوائد والعبر]
وخلاصة القول: أن الدروس والفوائد والعبر
_________________
(١) أبو داود، برقم ٨٦٤، ٨٦٦، وأحمد ٣/ ٦٨، برقم ٦٤٨٣، ورقم ٢٦٦٨٤، وابن ماجه برقم ١٦٣١، وقال ابن كثير في البداية والنهاية: إسناده صحيح على شرط الصحيحين ٥/ ٢٧٤، وانظر: صحيح ابن ماجه ١/ ٢٧٣.
(٢) مسلم برقم ٢٤٥٤، وابن ماجه برقم ١٦٣٥، واللفظ من المصدرين. وانظر: شرحه في شرح النووي ١٦/ ٢٤٢.
[ ٤٢٣ ]
المستفادة هذا المبحث كثيرة، ومنها:
١ - موت النبي ﷺ أعظم مصيبة أصيب بها المسلمون.
٢ - إنكار الصحابة قلوبهم بعد موت النبي ﷺ؛ لفراقهم نزول الوحي وانقطاعه من السماء.
٣ - النبي ﷺ أحب إلى المسلمين من النفس، والولد، والوالد، والناس أجمعين، وقد ظهر ذلك عند موته بين القريب والبعيد من أصحاب النبي ﷺ، بل وجميع المسلمين.
٤ - محبة الصحابة للاقتداء والتأسي برسول الله ﷺ في كل شيء من أمور الدين حتى في زيارة النساء كبار السن، كما فعل أبو بكر وعمر ﵄.
[ ٤٢٤ ]