خير أعماله خواتمها ﷺ
[المداومة على الأعمال]
كان ﷺ إذا عمل عملًا أثبته وداوم عليه؛ ولهذا قال: «إن أحب الأعمال إلى الله تعالى ما داوم عليه صاحبه وإن قل» (١). وعن أبي هريرة ﵁ قال: «كان النبي ﷺ يعتكف في كل رمضان عشرة أيام فلما كان العام الذي قُبِضَ فيه اعتكف عشرين يومًا، وكان يُعرَضُ عليه القرآن في كل عام مرة، فلما كان العام الذي قُبِضَ فيه عرض القرآن مرتين» (٢).
وعن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول قبل أن يموت: "سبحانك اللهم وبحمدك، أستغفرك وأتوب إليك". قالت: قلت: يا رسول الله، ما هذه الكلمات التي أراك أحدثتها تقولها؟ قال: "جُعلت لي علامةٌ في أمتي إذا رأيتها قلتها
_________________
(١) البخاري مع الفتح ٩/ ٤٣، برقم ٤٩٩٨، و٤/ ٢١٣، ومسلم ٢/ ٨١١، برقم ٧٨٢.
(٢) البخاري برقم ٤٤٣٣، ومسلم برقم ٢٤٥٠.
[ ٣٣٢ ]
﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١]». (١) وقد قال ابن عباس ﵄ لعمر عن هذه السورة: «﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١] إنها أجل رسول الله ﷺ أعلمه إياه، فقال: ما أعلم منها إلا ما تعلم» (٢). وقيل: نزلت ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١] يوم النحر والنبي ﷺ في منى بحجة الوداع (٣) وقيل: نزلت أيام التشريق (٤) وعند الطبراني أنها لما نزلت هذه السورة أخذ رسول الله ﷺ أشدَّ ما كان اجتهادًا في أمر الآخرة (٥)؛ ولهذا قالت عائشة ﵂: «كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر
_________________
(١) البخاري مع الفتح ٨/ ١٣٠، برقم ٤٤٣٠.
(٢) مسلم ١/ ٣٥١، برقم ٤٨٤.
(٣) انظر: الفتح ٨/ ٧٣٤، شرح الأحاديث ٤٩٦٧ - ٤٩٧٠، وقيل: عاش بعدها إحدى وثمانين يومًا. فتح ٨/ ٧٣٤.
(٤) انظر: المرجع السابق ٨/ ١٣٠.
(٥) انظر: فتح الباري ٨/ ١٣٠.
[ ٣٣٣ ]
لي" يتأول القرآن» (١). ومعنى ذلك أنه يفعل ما أمر به فيه وهو قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ٣] (٢).
[الدروس والفوائد والعبر]
وخلاصة القول: أن الدروس والفوائد والعبر المستنبطة من هذا المبحث كثيرة، ومنها:
١ - الحث على المداومة على العمل الصالح، وأن قليلًا دائمًا خير من كثير منقطع؛ لأن بدوام العمل الصالح القليل تدوم الطاعة والذكر، والمراقبة، والنية، والإخلاص، والإقبال على الخالق، والقليل الدائم يثمر؛ لأنه يزيد على الكثير المنقطع أضعافًا كثيرة (٣).
٢ - من أجهد نفسه في شيء من العبادات لا يطيق
_________________
(١) البخاري برقم ٧٩٤، ومسلم برقم ٤٨٤.
(٢) انظر: شرح النووي ٤/ ٤٤٧.
(٣) انظر: فتح الباري ١/ ١٠٣، وشرح النووي ٦/ ٣١٨.
[ ٣٣٤ ]
العمل به خُشِيَ عليه أن يمل فيفضي ذلك إلى تركه (١).
٣ - الإنسان المسلم كلما تقدم في العمر اجتهد في العمل على حسب القدرة والطاقة؛ ليلقى الله على خير أحواله؛ ولأن الأعمال بالخواتيم، وخير الأعمال الصالحة خواتيمها (٢).
_________________
(١) انظر: فتح الباري ٤/ ٢١٥.
(٢) انظر: فتح الباري ٤/ ٢٨٥، و٩/ ٤٦.
[ ٣٣٥ ]