شجاعته ﷺ
لاشك أن الشجاعة صبر في ساحات القتال والوغى، وفيها ضبط النفس عن مثيرات الخوف حتى لا يجبن الإنسان في المواضع التي تحسن فيها الشجاعة ويقبح فيها الجبن ويكون شرًا، ومن هذه الأمثلة يجد الإنسان أن النبي ﷺ خير قدوة وخير مثال في ذلك؛ ولهذا جاهد في سبيل الله: بالقلب، واللسان، والسيف، والسنان، والدعوة والبيان، وقد أرسل ستًا وخمسين سرية، وقاد بنفسه سبعًا وعشرين غزوة، وقاتل بنفسه في تسع من غزواته (١) ومن ذلك الأمثلة الآتية:
المثال الأول: شجاعته ﷺ في معركة بدر الكبرى: من مواقفه التي تزخر بالحكمة في هذه الغزوة: " أنه ﷺ استشار الناس قبل بدء المعركة؛ لأنه ﷺ يريد أن يعرف
_________________
(١) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ١٢/ ٤٣٦.
[ ٢٣٨ ]
مدى رغبة الأنصار في القتال؛ لأنه شُرِطَ له في البيعة أن يمنعوه في المدينة مما يمنعون منه أنفسهم وأموالهم وأبنائهم وأزواجهم، أما خارج المدينة فلم يحصل أي شرط، فأراد ﷺ أن يستشيرهم، فجمعهم ﷺ واستشارهم، فقام أبو بكر - ﵁ - فقال وأحسن، ثم عمر بن الخطاب - ﵁ - فقال وأحسن، ثم استشارهم ثانيًا، فقام المِقْدَاد فقال: يا رسول الله، امض لما أمرك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون، [نقاتل عن يمينك، وعن شمالك، ومن بين يديك، ومن خلفك، ثم استشار الناس ثالثًا، ففهمت الأنصار أنه يعنيهم، فبادر سعد بن معاذ فقال: يا رسول الله كأنك تريدنا]، وكان النبي ﷺ يعنيهم، لأنهم بايعوه على أن يمنعوه من الأحمر والأسود في ديارهم، فلما عزم على
[ ٢٣٩ ]
الخروج استشارهم؛ ليعلم ما عندهم، فقال له سعد: لعلك تخشى أن تكون الأنصار ترى حقًا عليها أن لا ينصروك إلا في ديارها، وإني أقول عن الأنصار وأجيب عنهم: فاظعن حيث شئت، وصل حبل من شئت، واقطع حبل من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وأعطنا ما شئت، وما أخذت منا كان أحب إلينا مما تركت، وما أمرتنا فيه من أمر فأمرنا تبع لأمرك، فوالله لئن سرت حتى تبلغ البرك من غمدان لنسيرن معك، والذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فَخُضْتَهُ لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدوًا غدًا، إنا لَصُبُرٌ في الحرب، صُدقٌ في اللقاء، ولعل الله يريك منا ما تقرُّ به عينك، فَسِرْ بنا على بركة الله، فأشرق وجه رسول الله ﷺ وسُرَّ بما سمع، ونَشَّطه ذلك، ثم قال: سيروا وأبشروا، فإن الله قد وعدني
[ ٢٤٠ ]
إحدى الطائفتين؛ ولكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم " (١).
ومن مواقفه العظيمة في بدر: اعتماده على ربه - ﵎ -؛ لأنه قد علم أن النصر لا يكون بكثرة العدد ولا العدة، وإنما يكون بنصر الله - ﷿ - مع الأخذ بالأسباب والاعتماد على الله.
عن عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: «لما كان يوم بدر نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلًا، فاستقبل نبي الله ﷺ القبلة، ثم مد يديه، فجعل يهتف بربه (٢) "اللهم أنجز لي ما وعدتني،
_________________
(١) انظر: سيرة ابن هشام ٢/ ٢٥٣، وفتح الباري ٧/ ٢٨٧، وزاد المعاد ٣/ ١٧٣، والرحيق المختوم ص٢٠٠، وقد أخرج البخاري مواضع منها. انظر: البخاري مع الفتح، كتاب المغازي، باب: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ ٧/ ٢٨٧، برقم ٣٩٥٢، وكتاب التفسير ٨/ ٢٧٣، وأخرج مسلم بعض المواضع من القصة. انظر: صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب غزوة بدر ٣/ ١٤٠٣، برقم ١٧٧٩، وانظر: التاريخ الإسلامي لمحمود شاكر ٢/ ١٩٤.
(٢) يهتف بربه، أي: يصيح ويستغيث بالله بالدعاء. انظر: شرح النووي ١٢/ ٨٤.
[ ٢٤١ ]
اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض"، فما زال يهتف بربه، مادًّا يديه، مُستقبل القبلة، حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر، فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه، وقال: يا نبي الله كفاك مناشدة ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله - ﷿ -: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩] فأمده الله بالملائكة» (١).
وقد خرج رسول الله ﷺ من العريش وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]
_________________
(١) أخرجه مسلم بلفظه في كتاب الجهاد والسير والمغازي، باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر ٣/ ١٣٨٣، برقم ١٧٦٣، والبخاري مع الفتح بمعناه مختصرًا، في كتاب المغازي، باب قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ ٧/ ٢٨٧، برقم ٣٩٥٢، وانظر: الرحيق المختوم ص٢٠٨.
[ ٢٤٢ ]
وقاتل ﷺ في المعركة، وكان من أشد الخلق وأقواهم وأشجعهم، ومعه أبو بكر - ﵁ - كما كانا في العريش يُجاهِدان بالدعاء والتضرع، ثم نزلا فحرَّضا، وحثَّا على القتال، وقاتلا بالأبدان جمعًا بين المقامين الشريفين (١).
وكان أشجع الناس الرسول ﷺ، فعن علي بن أبي طالب - ﵁ - قال: «لقد رأَيْتُنَا يوم بدر، ونحن نلوذ برسول الله ﷺ وهو أقربنا إلى العدو، وكان من أشد الناس يومئذ بأسا» (٢).
وعنه - ﵁ - قال: «كنا إذا حمي البأس، ولقي القومُ القومَ اتقينا برسول الله ﷺ فلا يكون أحدنا أدنى إلى القوم منه» (٣).
_________________
(١) انظر: البداية والنهاية ٣/ ٢٧٨.
(٢) أخرجه أحمد في المسند ١/ ٨٦، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي ٢/ ١٤٣.
(٣) الحاكم وصححه، ووافقه الذهبي ٢/ ١٤٣، وعزاه ابن كثير في البداية والنهاية ٣/ ٢٧٩، إلى النسائي.
[ ٢٤٣ ]
المثال الثاني شجاعته ﷺ في غزوة أحد
المثال الثاني: شجاعته ﷺ في غزوة أحد: من مواقفه في الشجاعة أيضًا، وصبره على أذى قومه ما فعله ﷺ في غزوة أحد، فقد كان ﷺ يقاتل قتالًا عظيمًا؛ فإن الدولة كانت أول النهار للمسلمين على المشركين، فانهزم أعداء الله وولوا مدبرين حتى انتهوا إلى نسائهم، فلما رأى الرماة هزيمتهم تركوا مركزهم الذي أمرهم رسول الله ﷺ بحفظه، وذلك أنهم ظنوا أنه ليس للمشركين رجعة، فذهبوا في طلب الغنيمة، وتركوا الجبل فكرَّ فرسان المشركين فوجدوا الثغر خاليًا قد خلا من الرُّماة فجازُوا منه، وتمكَّنوا حتى أقبل آخرهم فأحاطوا بالمسلمين، فأكرم الله من أكرم منهم بالشهادة، وهم سبعون، وتولى الصحابة، وخلص المشركون إلى رسول الله ﷺ فجرحوا وجهه، وكسروا رباعيته اليمنى، وكانت السفلى، وهشموا البيضة على رأسه، وقاتل الصحابة دفاعًا عن رسول الله ﷺ (١).
_________________
(١) انظر: زاد المعاد ٣/ ١٩٦، ١٩٩، والرحيق المختوم ص٢٥٥، ٢٥٦.
[ ٢٤٤ ]
«وكان حول النبي ﷺ رجلان من قريش، وسبعة من الأنصار، فقال ﷺ لما رهقوه، وقربوا منه: "من يردُّهم عنا وله الجنة، أو هو رفيقي في الجنة"، فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل، ثم رهقوه أيضًا فقال: "من يردهم عنا وله الجنة"، فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل، فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة، فقال رسول الله ﷺ لصاحبيه: "ما أنصفنا أصحابنا» (١).
وعندما اجتمع المسلمون، ونهضوا مع النبي ﷺ إلى الشعب الذي نزل فيه، وفيهم أبو بكر، وعمر، وعلي، والحارث بن الصِّمة الأنصاري وغيرهم، فلما استندوا إلى الجبل أدرك رسول الله ﷺ أُبَيُّ بن خلف، وهو على جواد له، ويقول: أين محمد، لا نجوت إن نجا؟ فقال القوم: يا رسول الله، أيعطف عليه رجل منا، فأمرهم رسول الله ﷺ بتركه، فلما دنا منه تناول رسول الله ﷺ
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب غزوة أحد ٣/ ١٤١٥، برقم ١٧٨٩.
[ ٢٤٥ ]
المثال الثالث شجاعته ﷺ في معركة حنين
الحربة من الحارث بن الصمة، فلما أخذها منه انتفض انتفاضة تطايروا عنه تطاير الشعر عن ظهر البعير إذا انتفض، ثم استقبله وأبصر ترقوته من فرجةٍ بين سابغة الدرع والبيضة، فطعنه فيها طعنة تدحرج منها عن فرسه مرارًا، فلما رجع عدو الله إلى قريش وقد خدشه في عنقه خدشًا غير كبير. . . قال: قتلني والله محمد، فقالوا له: ذهب والله فؤادك والله إن بك من بأس، قال: إنه قد قال لي بمكة: أنا أقتلك، فوالله لو بصق عليَّ لقتلني، فمات عدو الله بسرف، وهم قافلون إلى مكة (١).
المثال الثالث: شجاعته ﷺ في معركة حنين: «بعد أن دارت معركة حنين والتقى المسلمون والكفار،
_________________
(١) انظر: زاد المعاد، لابن القيم ٣/ ١٩٩، والرحيق المختوم ص٢٦٣، وروى قصة قتل النبي - ﷺ - لأبي بن خلف: أبو الأسود عن عروة بن الزبير، والزهري عن سعيد ابن المسيب. انظر: البداية والنهاية لابن كثير ٤/ ٣٢، وكلاهما مرسل، والطبري ٢/ ٦٧، وانظر: فقه السيرة لمحمد الغزالي ص٢٢٦.
[ ٢٤٦ ]
ولَّى المسلمون مدبرين (١) فطفق رسول الله ﷺ يركض بغلته قِبَلَ الكفار. . . ثم قال: "أي عباس، ناد أصحاب السمرة" فقال عباس: - وكان رجلًا صيِّتًا - فقلت بأعلى صوتي: أين أصحاب السمرة؟ قال: فوالله لكأن عَطْفَتهم حين سمعوا صوتي عَطْفَة البقر على أولادها، فقالوا: يا لبيك، يا لبيك، قال: فاقتتلوا والكفار. . . فنظر رسول الله ﷺ وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم، فقال ﷺ: "الآن حمي الوطيس» (٢).
وظهرت شجاعة النبي ﷺ التي لا نظير لها في هذا الموقف الذي عجز عنه عظماء الرجال (٣).
«وسئل البراء، فقال له رجل: يا أبا عمارة، أكنتم وليتم
_________________
(١) كان مع النبي - ﷺ - في هذه الغزوة ألفان من أهل مكة، مع عشرة آلاف من أصحابه الذين خرجوا معه من المدينة ففتح بهم. انظر: زاد المعاد ٣/ ٤٦٨.
(٢) مسلم، في كتاب الجهاد والسير، باب: غزوة حنين، وقد اختصرت ألفاظه ٣/ ١٣٩٨، برقم ١٧٧٥.
(٣) انظر: الرحيق المختوم ص٤٠١، وهذا الحبيب يا محب ص٤٠٨.
[ ٢٤٧ ]
يوم حنين؟ قال: لا والله ما ولَّى رسول الله ﷺ، ولكنه خرج شبان أصحابه (١) وأخفاؤهم (٢) حسرًا (٣) ليس عليهم سلاح أو كثير سلاح، فلقوا قومًا رماة لا يكاد يسقط لهم سهم، جمع هوازن، وبني نَصْرٍ، فرشقوهم رشقًا (٤) ما يكادون يخطئون، فانكشفوا، فأقبل القوم إلى رسول الله ﷺ وأبو سفيان بن الحارث يقود بغلته، فنزل ودعا واستنصر وهو يقول: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب
اللهم نزِّل نصرك» (٥)
_________________
(١) جمع شباب. شرح النووي لمسلم ١٢/ ١١٧.
(٢) جمع خفيف، وهم المسارعون المستعجلون. شرح النووي لمسلم ١٢/ ١١٧.
(٣) حسرًا: جمع حاسر، أي بغير دروع، وقد فسره بقوله: ليس عليهم سلاح. شرح النووي لمسلم ١٢/ ١١٧.
(٤) رشقا: هو بفتح الراء، وهو مصدر، وأما الرشق بالكسر فهو اسم للسهام التي ترميها الجماعة دفعة واحدة. انظر: شرح النووي ١٢/ ١١٨.
(٥) مسلم، في كتاب الجهاد والسير، باب غزوة حنين، مع التصرف في بعض الكلمات ٣/ ١٤٠٠، برقم ١٧٧٦، والبخاري مع الفتح، كتاب الجهاد، باب من صف أصحابه عند الهزيمة ونزل عن دابته فاستنصر ٦/ ١٥٠، ٨/ ٢٧، ٢٨، برقم ٢٩٣٠.
[ ٢٤٨ ]
قال البراء: «كنا والله إذا احمرَّ البأس (١) نتقي به، وإن الشجاع منا للذي يحاذي به، يعني النبي ﷺ» (٢).
وفي رواية لمسلم عن سلمة قال: «مررت على رسول الله ﷺ منهزمًا (٣) وهو على بغلته الشهباء، فقال رسول الله ﷺ: "لقد رأى ابن الأكوع فزعًا". فلما غشوا رسول الله ﷺ نزل عن البغلة، ثم قبض قبضة من تراب من الأرض، ثم استقبل به وجوههم، فقال: "شاهت الوجوه" (٤) فما خلق الله منهم إنسانًا إلا ملأ عينيه ترابًا بتلك القبضة، فولوا مدبرين، فهزمهم الله - ﷿ -، وقسم رسول الله ﷺ غنائمهم بين المسلمين» (٥).
_________________
(١) إذا احمر البأس: كناية عن شدة الحرب، واستعير ذلك لحمرة الدماء الحاصلة فيها في العادة. انظر: شرح النووي ١٢/ ١٢١.
(٢) رواه مسلم في كتابا الجهاد والسير، باب غزوة حنين ٣/ ١٤٠١، برقم ٧٩ - (١٧٧٦).
(٣) قال العلماء: قوله: «منهزمًا» حال من ابن الأكوع، وليس النبي - ﷺ -. انظر: شرح النووي ١٢/ ١٢٢.
(٤) شاهت الوجوه، أي: قبحت. انظر: شرح النووي ١٢/ ١٢٢.
(٥) أخرجه مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب غزوة حنين ٣/ ١٤٠٢، برقم ١٧٧٧.
[ ٢٤٩ ]
وقد قال العلماء: إن ركوب النبي ﷺ البغلة في موضع الحرب وعند اشتداد البأس هو النهاية في الشجاعة والثبات؛ ولأنه أيضًا يكون معتمدًا يرجع الناس إليه، وتطمئن قلوبهم به وبمكانه، وإنما فعل هذا عمدًا، وإلا فقد كانت له ﷺ أفراس معروفة.
ومما يدل على شجاعة تقدمه ﷺ وهو يركض بغلته إلى جمع المشركين، وقد فر الناس عنه، ونزوله إلى الأرض حين غشوه مبالغة في الشجاعة والصبر، وقيل: فعل ذلك مواساة لمن كان نازلًا على الأرض من المسلمين، وقد أخبر الصحابة - ﵃ - بشجاعته ﷺ في جميع المواطن (١).
المثال الرابع: شجاعته ﷺ في الحماية لأصحابه: روى البخاري ومسلم، عن أنس - ﵁ - قال: «كان
_________________
(١) انظر: شرح النووي على مسلم ١٢/ ١١٤.
[ ٢٥٠ ]
النبي ﷺ أحسن الناس، وأجود الناس، وأشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة، فانطلق الناس قِبَلَ الصوت، فاستقبلهم النبي ﷺ قد سبق الناس إلى الصوت، وهو يقول: "لم تراعوا، لم تراعوا"، وهو على فرس لأبي طلحة عري ما عليه سرج، في عنقه سيف، فقال: "لقد وجدته بحرًا، أو إنه لبحر» (١).
وهذا المثال وغيره من الأمثلة السابقة تدل دلالة واضحة على أن ﷺ أشجع إنسان على الإطلاق، فلم يكتحل الوجود بمثله ﷺ، وقد شهد له بذلك الشجعان الأبطال (٢).
قال البراء - ﵁ -: «كنا والله إذا احمرَّ البأس نتقي به،
_________________
(١) البخاري مع الفتح، كتاب الأدب، باب حسن الخلق والسخاء، وما يكره من البخل ١٠/ ٤٥٥، برقم ٦٠٣٣، ومسلم، كتاب الفضائل، باب في شجاعة النبي - ﷺ - وتقدمه للحرب ٤/ ١٨٠٢، برقم ٢٣٠٧.
(٢) انظر: رواية علي بن أبي طالب في شجاعة النبي - ﷺ - في مسند أحمد ١/ ٨٦، والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي ٢/ ١٤٣، وتقدم تخريجها في آخر المثال الأول من شجاعة النبي - ﷺ - في غزوة بدر.
[ ٢٥١ ]
المثال الخامس شجاعته العقلية ﷺ
وإن الشجاع منا للذي يحاذي به، يعني النبي ﷺ» (١).
وقال أنس في الحديث السابق: «كان النبي ﷺ أحسن الناس، وأجود الناس، وأشجع الناس. . .».
المثال الخامس: شجاعته العقلية ﷺ: كانت هذه الشواهد السابقة لشجاعته القلبية، أما شجاعته العقلية فسأكتفي بشاهد واحد؛ فإنه يكفي عن ألف شاهد ويزيد، وهو موقفه من تعنت سهيل بن عمرو، وهو يملي وثيقة صلح الحديبية، إذ تنازل ﷺ عن كلمة "بسم الله الرحمن الرحيم" إلى باسمك اللهم وعن كلمة " محمد رسول الله" إلى كلمة: محمد بن عبد الله، وقبوله شرط سهيل على أن لا يأتي النبي ﷺ رجل من قريش حتى ولو كان مسلمًا إلَّا ردَّه إلى أهل مكة، وقد اغتاظ الصحابة غيظًا عظيمًا، وبلغ الغضب حدًّا لا مزيد عليه، وهو ﷺ صابر ثابت حتى انتهت الوثيقة، وكان بعد أيام فتحًا مبينًا.
_________________
(١) خرجه مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب غزوة حنين ٣/ ١٤٠١، برقم ٧٩ - (١٧٧٦).
[ ٢٥٢ ]
فضرب ﷺ بذلك المثل الأعلى في الشجاعتين: القلبية، والعقلية، مع بعد النظر، وأصالة الرأي، وإصابته؛ فإن من الحكمة أن يتنازل الداعية عن أشياء لا تضره بأصل قضيته لتحقيق أشياء أعظم منها (١).
وجميع ما تقدم نماذج من شجاعته ﷺ وثباته، وهذا نقطة من بحر، وإلا فإنه لو كُتِبَ في شجاعته ﷺ بالاستقصاء لكُتِبَ مجلدات، فيجب على كل مسلم، وخاصة الدعاة إلى الله - ﷿ - أن يتخذوا الرسول ﷺ قدوةً في كل أحوالهم وتصرفاتهم، وبذلك يحصل الفوز والنجاح، والسعادة في الدنيا والآخرة، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١]
_________________
(١) انظر: وثيقة صلح الحديبية كاملة في البخاري مع الفتح ٥/ ٣٢٩، برقم ٢٧٣١، ٢٧٣٢، وشرح الوثيقة في الفتح ٥/ ٣٣٣ - ٣٥٢، ومسند أحمد ٤/ ٣٢٨ - ٣٣١، وانظر: هذا الحبيب يا محبّ ص٥٣٢.
[ ٢٥٣ ]