خطبته العظيمة ووصيته للناس ﷺ
خطب ﷺ أصحابه في يوم الخميس قبل أن يموت بخمسة أيام خطبة عظيمة بيَّن فيها فضل الصدِّيق من سائر الصحابة، مع ما قد كان نص عليه أن يؤم الصحابة أجمعين، ولعل خطبته هذه كانت عوضًا عما أراد أن يكتبه في الكتاب، وقد اغتسل ﵊ بين يدي هذه الخطبة العظيمة، فصبوا عليه من سبع قرب لم تُحلل أوكيتهن، وهذا من باب الاستشفاء بعدد السبع كما وردت به الأحاديث (١) والمقصود أنه ﷺ اغتسل ثم خرج وصلى بالناس ثم خطبهم. قال جندب ﵁: سمعت رسول الله ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل (٢)؛ فإن الله تعالى قد
_________________
(١) انظر: البداية والنهاية لابن كثير ٥/ ٢٢٨.
(٢) الخُلَّة: الصداقة والمحبة التي تخللت القلب فصارت خِلاله؛ أي في باطنه، وهي أعلى المحبة الخالصة، والخليل: الصديق الخالص؛ وإنما قال ذلك - ﷺ -؛ لأن خلته كانت مقصورة على حب الله تعالى فليس فيها لغيره متسع ولا شركة من محاب = = الدنيا والآخرة. انظر: النهاية في غريب الحديث ٢/ ٧٢، والمصباح المنير ١/ ١٨٠، وشرح النووي ٥/ ١٦، شرح الأبي ٢/ ٤٢٦.
[ ٣٧١ ]
اتخذني خليلًا، كما اتخذ إبراهيم خليلًا، ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك» (١).
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: خطب النبي ﷺ فقال: «إن الله خيَّر عبدًا بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده فاختار ما عند الله"، فبكى أبو بكر ﵁ وقال: فديناك بآبائنا وأُمهاتنا، فعجبنا له، وقال الناس: انظروا إلى هذا الشيخ يخبر رسول الله ﷺ عن عبدٍ خيَّرَه الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا وبين ما عند الله، وهو يقول: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، فكان رسول الله ﷺ هو [العبد] المخيَّر، وكان أبو بكر أعلمنا. فقال رسول الله ﷺ: " [يا أبا بكر لا تبكي] إن من أمنِّ الناس عليَّ في
_________________
(١) مسلم برقم ٥٣٢.
[ ٣٧٢ ]
صحبته وماله (١) أبو بكر، ولو كنت متخذًا خليلًا من أمتي لاتخذت أبا بكر، ولكن أُخوَّةُ الإسلام، ومودته، لا يَبْقَينَّ في المسجد باب إلا سد إلا باب أبي بكر» (٢).
[الدروس والفوائد والعبر]
وخلاصة القول: أن الدروس والفوائد والعبر في هذا المبحث كثيرة، ومنها: ١ - أمر النبي ﷺ بسد الأبواب إلا باب أبي بكر من جملة الإشارات التي تدل على أنه هو الخليفة.
٢ - فضل أبي بكر ﵁ وأنه أعلم الصحابة ﵃، ومن كان أرفع في الفهم استحق أن يطلق عليه أعلم، وأنه أحب الصحابة إلى رسول الله ﷺ.
٣ - الترغيب في اختيار ما في الآخرة على ما في الدنيا، وأن الرغبة في البقاء في الدنيا وقتًا من الزمن إنما هي
_________________
(١) معناه: أكثرهم جودًا لنا بنفسه وماله، انظر: فتح الباري ١/ ٥٥٩، وشرح النووي ١٥/ ١٦٠.
(٢) البخاري برقم ٤٦٦، ٣٦٥٤، ٣٩٠٤، ومسلم برقم ٢٣٨٢.
[ ٣٧٣ ]
للرغبة في رفع الدرجات في الآخرة وذلك بالازدياد من الحسنات لرفع الدرجات.
٤ - شكر المحسن والتنويه بفضله وإحسانه والثناء عليه؛ لأن من لم يشكر الناس لا يشكر الله تعالى.
٥ - التحذير من اتخاذ المساجد على القبور وإدخال القبور في المساجد أو وضع الصور فيها، ولعن من فعل ذلك، وأنه من شرار الخلق عند الله كائنًا من كان (١).
٦ - حب الصحابة لرسول الله ﷺ أكثر من النفس والولد والوالد والناس أجمعين ولهذا يفدونه بآبائهم وأمهاتهم.
_________________
(١) انظر: فتح الباري ١/ ٥٥٩، ٧/ ١٤، ١٦، والنووي ١٥/ ١٦.
[ ٣٧٤ ]