اجتهاده في عبادته وجهاده ﷺ
[كان أسوة لكل مسلم]
١ - كان ﷺ أسوة وقدوة وإمامًا يُقتدى به؛ لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١]؛ ولهذا «كان ﷺ يصلي حتى تفطَّرت قدماه وانتفخت وورمت، فقيل له: أتصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبدًا شكورًا» (١).
[صلاته ﷺ]
٢ - وكان يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة، وربما صلى ثلاث عشرة ركعة (٢) وكان يصلي الرواتب اثنتي عشرة ركعة (٣) وربما صلاها عشر ركعات (٤) وكان يصلي
_________________
(١) البخاري برقم ١١٣٠، ومسلم برقم ٢٨١٩.
(٢) البخاري برقم ١١٤٧، ومسلم برقم ٧٣٧.
(٣) مسلم برقم ٧٢٨.
(٤) البخاري برقم ١١٧٢، ومسلم برقم ٧٢٩.
[ ٤٥ ]
الضحى أربع ركعات ويزيد ما شاء الله (١) وكان يطيل صلاة الليل فربما صلى بما يقرب من خمسة أجزاء في الركعة الواحدة (٢) فكان ورده من الصلاة كل يوم وليلة أكثر من أربعين ركعة منها الفرائض سبع عشر ركعة (٣).
[صومه ﷺ]
٣ - وكان يصوم غير رمضان ثلاثة أيام من كل شهر (٤) ويتحرَّى صيام الاثنين والخميس (٥) وكان يصوم شعبان إلا قليلًا، بل كان يصومه كله (٦) ورغَّب في صيام ست من شوال (٧) وكان ﷺ يصوم حتى يُقال: لا يفطر، ويفطر حتى يُقال: لا يصوم (٨) وما استكمل شهرًا غير رمضان
_________________
(١) مسلم برقم ٧١٩.
(٢) مسلم برقم ٧٧٢.
(٣) كتاب الصلاة لابن القيم ص ١٤٠.
(٤) مسلم برقم ١١٦٠.
(٥) الترمذي برقم ٧٤٥، والنسائي ٤/ ٢٠٢ وغيرهما.
(٦) البخاري رقم ١٩٦٩ و١٩٧٠، ومسلم برقم ١١٥٦ و١١٥٧.
(٧) مسلم برقم ١١٦٤.
(٨) البخاري برقم ١٩٧١، ومسلم برقم ١١٥٦.
[ ٤٦ ]
إلا ما كان منه في شعبان، وكان يصوم يوم عاشوراء (١) وروي عنه صوم تسع ذي الحجة (٢) وكان يواصل الصيام اليومين والثلاثة وينهى عن الوصال، وبيَّن أنه ﷺ ليس كأمته؛ فإنه يبيت عند ربه يطعمه ويسقيه (٣) وهذا على الصحيح: ما يجد من لذة العبادة والأنس والراحة وقرة العين بمناجاة الله تعالى؛ ولهذا قال: «يا بلال أرحنا بالصلاة» (٤) وقال: «وجُعِلَتْ قرة عيني في الصلاة» (٥).
[صدقته ﷺ]
٤ - وكان يكثر الصدقة، وكان أجود بالخير من الريح المرسلة حينما يلقاه جبريل ﵊ (٦)؛ فكان يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة؛ ولهذا أعطى رجلًا غنمًا
_________________
(١) البخاري برقم ٢٠٠٠ - ٢٠٠٧، ومسلم برقم ١١٢٥.
(٢) النسائي ٤/ ٢٠٥، وأبو داود برقم ٢٤٣٧، وأحمد ٦/ ٢٨٨، وانظر: صحيح النسائي رقم ٢٢٣٦.
(٣) البخاري برقم ١٩٦١ - ١٩٦٤ ومسلم برقم ١١٠٢ - ١١٠٣.
(٤) أبو داود برقم ٨٥٤٩، وأحمد ٥/ ٣٩٣.
(٥) النسائي ٧/ ٦١، وأحمد ٣/ ١٢٨، وانظر: صحيح النسائي ٣/ ٨٢٧.
(٦) البخاري برقم ٦، ومسلم يرقم ٢٣٠٨.
[ ٤٧ ]
بين جبلين فرجع الرجل إلى قومه وقال: يا قومي أسلموا فإن محمدًا يعطي عطاءً لا يخشى الفاقة (١) فكان ﷺ أحسن الناس، وأكرم الناس، وأشجع الناس (٢) وأرحم الناس وأعظمهم تواضعًا، وعدلًا، وصبرًا، ورفقًا، وأناة، وعفوًا، وحلمًا، وحياءً، وثباتًا على الحق.
[جهاده ﷺ]
٥ - وجاهد ﷺ في جميع ميادين الجهاد: جهاد النفس وله أربع مراتب: جهادها على تعلم أمور الدين، والعمل به، والدعوة إليه على بصيرة، والصبر على مشاق الدعوة، وجهاد الشيطان وله مرتبتان: جهاده على دفع ما يلقي من الشبهات، ودفع ما يلقي من الشهوات، وجهاد الكفار وله أربع مراتب: بالقلب، واللسان، والمال، واليد. وجهاد أصحاب الظلم وله ثلاث مراتب: باليد، ثم باللسان، ثم بالقلب. فهذه ثلاث عشرة مرتبة من
_________________
(١) مسلم ٤/ ١٨٠٦، برقم ٢٣١٢.
(٢) البخاري مع الفتح ١٠/ ٤٥٥، برقم ٦٠٣٣، ومسلم ٤/ ١٨٠٤، برقم ٢٣٠٨.
[ ٤٨ ]
الجهاد، وأكمل الناس فيها محمد ﷺ؛ لأنه كمَّل مراتب الجهاد كلها، فكانت ساعاته موقوفة على الجهاد: بقلبه، ولسانه، ويده، وماله؛ ولهذا كان أرفع العالمين ذكرًا وأعظمهم عند الله قدرًا (١). وقد دارت المعارك الحربية بينه وبين أعداء التوحيد، فكان عدد غزواته التي قادها بنفسه سبعًاٍ وعشرون غزوة، وقاتل في تسع منها، أما المعارك التي أرسل جيشها ولم يقدها فيقال لها سرايا فقد بلغت ستًا وخمسين سرية (٢).
[حسن معاملته ﷺ]
٦ - وكان ﷺ أحسن الناس معاملة، فإذا استسلف سلفًا قضى خيرًا منه؛ ولهذا «جاء رجل إلى النبي ﷺ يتقاضاه بعيرًا فأغلظ له في القول، فَهَّم به أصحابه فقال النبي ﷺ: دعوه فإن لصاحب الحق مقالًا، فقالوا: يا رسول الله: لا نجد إلا سنًّا هو خير من سنِّه فقال ﷺ:
_________________
(١) زاد المعاد ٣/ ٥، ١٠، ١٢.
(٢) انظر: شرح النووي ١٢/ ٩٥، وفتح الباري ٧/ ٢٧٩ - ٢٨١، و٨/ ١٥٣.
[ ٤٩ ]
أعطوه، فقال الرجل: أوفيتني أوفاك الله، فقال ﷺ: إن خير عباد الله أحسنهم قضاءً» (١). «واشترى من جابر بن عبد الله ﵁ بعيرًا، فلما جاء جابر بالبعير قال له ﷺ: أتراني ماكستك؟ قال: لا يا رسول الله، فقال: خذ الجمل والثمن» (٢).
[خلقه ﷺ]
٧ - وكان ﷺ أحسن الناس خُلُقًا؛ لأن خُلُقَهُ القرآن، لقول عائشة ﵂: «كان خلقه القرآن» (٣)؛ ولهذا قال ﷺ: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» (٤).
[زهده ﷺ]
٨ - وكان ﷺ أزهد الناس في الدنيا، فقد ثبت عنه ﷺ «أنه اضطجع على الحصير فأثَّر في جنبه، فدخل عليه عمر ابن الخطاب ﵁، ولما استيقظ جعل يمسح جنبه فقال رسول الله: لو اتخذت فراشًا أوثر من هذا؟ فقال ﷺ:
_________________
(١) البخاري رقم ٢٣٠٥، ومسلم برقم ١٦٠٠.
(٢) البخاري مع الفتح ٤/ ٣٢٠، برقم ٢٠٩٧، ومسلم ٣/ ١٢٢١، برقم ٧١٥.
(٣) مسلم ١/ ٥١٣، برقم ٧٤٦.
(٤) البيهقي بلفظه ١٠/ ١٩٢، وأحمد ٢/ ٣٨١، وانظر: الصحيحة للألباني رقم ٤٥.
[ ٥٠ ]
مالي وللدنيا، ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار ثم راح وتركها» (١). «وقال: لو كان لي مثلُ أُحُدٍ ذهبًا ما يَسُرُّني أن لا يمر عليَّ ثلاثٌ وعندي منه شيء، إلا شيءٌ أرصُدُهُ لدين» (٢).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: «ما شبع آل محمد من طعام ثلاثة أيام حتى قبض» (٣). والمقصود أنهم لم يشبعوا ثلاثة أيام بلياليها متوالية، والظاهر أن سبب عدم شبعهم غالبًا كان بسبب قلة الشيء عندهم على أنهم قد يجدون ولكن يؤثرون على أنفسهم (٤)؛ ولهذا قالت عائشة ﵂: «خرج النبي ﷺ من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير» (٥). وقالت: «ما أكل آل محمد ﷺ أُكلتين في يوم
_________________
(١) الترمزي وغيره، وانظر: الأحاديث الصحيحة برقم ٤٣٩، وصحيح الترمذي ٢/ ٢٨٠.
(٢) البخاري برقم ٢٣٨٩، ومسلم برقم ٩٩١.
(٣) البخاري مع الفتح ٩/ ٥١٧ و٥٤٩، برقم ٥٣٧٤.
(٤) انظر فتح الباري ٩/ ٥١٧ و٥٤٩ برقم ٥٣٧٤، ومن حديث عائشة ﵂ برقم ٥٤١٦.
(٥) البخاري مع الفتح ٩/ ٥٤٩، برقم ٥٤١٤.
[ ٥١ ]
إلا إحداهما تمر» (١). «وقالت: إنا لننظر إلى الهلال ثلاثة أهلة في شهرين وما أُوقدت في أبيات رسول الله ﷺ نار. فقال عروة: ما كان يقيتكم؟ قالت: الأسودان: التمر والماء» (٢). والمقصود بالهلال الثالث: وهو يُرى عند انقضاء الشهرين. وعن عائشة ﵂ قالت: «كان فراشُ رسول الله ﷺ من أدَم وحشوُهُ ليفٌ» (٣). ومع هذا كان يقول ﷺ: «اللهم اجعل رزق آل محمدٍ قوتًا» (٤).
[ورعه ﷺ]
٩ - وكان ﷺ من أورع الناس؛ ولهذا قال: «إني لأنقلب إلى أهلي فأجد التمرة ساقطة على فراشي أو في بيتي فأرفعها لآكلها ثم أخشى أن تكون من الصدقة
_________________
(١) البخاري مع الفتح ١١/ ٢٨٢، برقم ٦٤٥٥.
(٢) البخاري مع الفتح ١١/ ٢٨٣، برقم ٦٤٥٩.
(٣) البخاري مع الفتح ١١/ ٢٨٢، برقم ٦٤٥٦.
(٤) البخاري مع الفتح ١١/ ٢٨٣، برقم ٦٤٦٠، ومسلم برقم ١٠٥٥ والقوت: هو ما يقوت البدن من غير إسراف وهو معنى الرواية الأخرى عند مسلم "كفافًا" ويكف عن الحاجة، وقال أهل اللغة: القوت: هو ما يسد الرمق، وفي الكفاف سلامة من آفات الغنى والفقر جميعًا والله أعلم. الفتح ١١/ ٢٩٣، وشرح النووي ٧/ ١٥٢، والأبي ٣/ ٥٣٧.
[ ٥٢ ]
فَأُلقيها» (١). «وأخذ الحسن بن علي تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه فقال رسول الله ﷺ: كَخْ كَخْ ارمِ بها أما علمت أنَّا لا نأكل الصدقة؟» (٢).
[توسطه ﷺ]
١٠ - ومع هذه الأعمال المباركة العظيمة فقد كان ﷺ يقول: «خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يملُّ حتى تملُّوا، وأحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن قل»، وكان آلُ محمد ﷺ إذا عَمِلُوا عملًا أثبتوه (٣). «وكان ﷺ إذا صلى صلاة داوم عليها» (٤). «وقد تقالَّ عبادة النبي ﷺ نفر من أصحابه ﵃ وقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ؟ وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقال بعضهم: أمَّا أنا فأنا أصلي الليل أبدًا، وقال بعضهم: أنا أصوم ولا
_________________
(١) مسلم ٢/ ٧٥١، برقم ١٠٧٠.
(٢) مسلم ٢/ ٧٥١، برقم ١٠٦٩.
(٣) البخاري مع الفتح ٤/ ٢١٣، برقم١٩٧٠، ١١/ ٢٩٤، برقم ٦٤٦٥، ومسلم ١/ ٥٤١، ٢/ ٨١١، برقم ٧٨٢.
(٤) البخاري مع الفتح ٤/ ٢١٣، برقم ١٩٧٠، وانظر: صحيح البخاري حديث رقم ٦٤٦١ - ٦٤٦٧.
[ ٥٣ ]
أفطر، وقال بعضهم: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا [وقال بعضهم: لا آكل اللحم] فبلغ ذلك النبي ﷺ فجاء إليهم فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني» (١). والمراد بالسنة الهدي والطريقة لا التي تقابل الفرض، والرغبة عن الشيء الإعراض عنه إلى غيره. ومع هذه الأعمال الجليلة فقد «كان ﷺ يقول: سددوا وقاربوا واعلموا أنه لن ينجو أحد منكم بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمةٍ منه وفضل». وفي رواية: «سددوا وقاربوا، واغدوا وروحوا، وشيءٌ من الدُّلجة، والقَصْدَ القَصْدَ تبلغوا» (٢).
_________________
(١) البخاري مع الفتح ٩/ ١٠٤، برقم ٥٠٦٣، ومسلم ٢/ ١٠٢٠، برقم ١٤٠١، وما بين المعكوفين من رواية مسلم.
(٢) البخاري برقم ٦٤٦٣، ٦٤٦٤، ومسلم ٤/ ٢١٧٠، برقم ٢٨١٦ - ٢٨١٨.
[ ٥٤ ]
«وكان يقول: يا مقلِّب القلوب ثبِّت قلبي على دينك» (١). ويقول: «اللهم مصرِّف القلوب صرِّف قلوبنا على طاعتك» (٢).
[الدروس والعبر]
وخلاصة القول: أن الدروس والفوائد والعبر والعظات في هذا المبحث كثيرة منها:
١ - إن النبي ﷺ قدوة كل مسلم صادق مع الله تعالى في كل أموره؛ لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١].
٢ - إن النبي أحسن الناس خَلْقًا، وخُلُقًا ﷺ.
_________________
(١) الترمزي ٥/ ٢٣٨، برقم ٣٥٢٢، وغيره، وانظر: صحيح الترمزي ٣/ ١٧١.
(٢) مسلم ٤/ ٢٠٤٥، برقم ٢٦٥٤.
[ ٥٥ ]